تفسير أحمد حطيبة
أحمد حطيبة
الأنبياء
تفسير سورة الأنبياء [1 - 6] سورة الأنبياء سورة مكية سرد الله فيها قصص كثير من الأنبياء تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله في أول هذه السورة يوم القيامة محذراً الناس من أن تبغتهم الساعة وهم في غفلتهم يعمهون، كما وصف حال كفار مكة وتعنتهم وإعراضهم عن البراهين الناصعة التي أتاهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.
مقدمة في تفسير سورة الأنبياء وذكر فضائلها
مقدمة في تفسير سورة الأنبياء وذكر فضائلها الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:1 - 6]. سورة الأنبياء هي السورة الحادية والعشرون من كتاب الله تبارك وتعالى، وهي من السور المكية التي نزلت قديماً في مكة، ولذلك كان عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه يقول: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي. فـ ابن مسعود من المهاجرين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان معه في مكة، فيذكر أن هذه السور من حفظه القديم لما كان في مكة. وطالما أنها مكية فإن فيها خصائص السور المكية، من الاهتمام بأمر ترسيخ العقيدة ونفي الشرك بالله تبارك وتعالى. وبما أن اسمها سورة الأنبياء فسيكون فيها ذكر عدد من أنبياء الله سبحانه وتعالى، فقد ذكر فيها ستة عشر نبياً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، بالإضافة إلى ذكر مريم عليها السلام، فقد ذكر في هذه السورة موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون ويونس وزكريا ويحيى، ومريم عليهم الصلاة والسلام. وهؤلاء الأنبياء ذكروا أيضاً في سورة الطور، فقد ذكر فيها موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون ويونس وزكريا ويحيى ومريم عليهم الصلاة والسلام. كما أنهم ذكروا في سورة الأنعام وزيد عليهم إلياس واليسع، ولم يذكر ذو الكفل في الأنعام. وذكر الله عز وجل هؤلاء الأنبياء للنبي صلوات الله وسلامه عليه ليبين له أنه ليس بدعاً من الرسل {مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9]، فكلهم أرسلوا إلى أقوامهم، وكلهم ابتلاهم الله عز وجل ودافعوا عن دين الله، وكلهم دعوا قومهم إلى الله وكانت مواجهة قومهم لهم بالإعراض والتكذيب فنصر الله عز وجل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين على القوم الكافرين. وقد ذكر الأنبياء للنبي صلى الله عليه وسلم هنا حتى يطمئن قلبه ويزداد رسوخاً ويعلم أنه ليس أول من أوذي صلوات الله وسلامه عليه، فيتسلى بذكر الأنبياء، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) صلوات الله وسلامه عليه. وحين ذكر يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام يقول: (رحم الله أخي يوسف! لو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الداعي لأجبته إذ جاءه الرسول فقال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن). فالنبي صلى الله عليه وسلم يترحم على سيدنا يوسف ويذكر صبره حين كان في السجن، وحين جاءه داعي الملك ليخرجه من السجن، فقال له: ارجع إلى ربك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً: إنه لو كان هو لبادر بالإجابة. وقد ذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم سائر الأنبياء في سورة الأنعام فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام:83 - 87]. وبعد أن ذكر له هؤلاء مجتمعين قال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، أي: اقتد بهؤلاء. وفي سورة الأنعام ذكر الله عز وجل نعمه على عبيده بالأنعام، والسورة أيضاً كسائر السورة المكية فيها ترسيخ أمر العقيدة وأمر الإيمان بالله سبحانه وتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والأمر بالبعد عن الشرك بالله، وعن تشريع ما لم ينزل الله عز وجل به من سلطان، والبعد عن عبادة غير الله والذبح لغير الله سبحانه، على ما ذكر سبحانه في هذه السور.
تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)
تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]. بدأ الله هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]، وفيه التذكير باليوم الآخر كعادة السور المكية، فذكر اليوم الآخر حتى يستعد الإنسان للحساب. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء:1]، اقتربت القيامة، كما ذكرهم بالآخرة في مواضع من القرآن كقوله: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]، وقوله: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33]، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ} [الزخرف:66]. فذكر هنا أنهم ينتظرون الساعة، وطالما أن ربنا أخبر أن الساعة آتية فلا شك أنها آتية، ومهما طال عمر الإنسان فهو لا شيء إذا ما قيس بأيام يوم القيامة، قال تعالى: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]. فالإنسان إذا عاش خمسين سنة يكون واحد على عشرين من يوم عند الله سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فعمر الدنيا محدود وقليل وضئيل ويسير، فلما قال الله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) معناه: أن أمر الله قريب جداً وإن لم تأت الساعة الكبرى فستأتي ساعتنا نحن. قال تعالى: {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1] لأن أكثر الناس على هذه الغفلة. وقال: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ)) كعادة السور المكية في ذكر الناس، أما في السور المدنية فإنه يذكر الذين آمنوا، وذكر الناس في السور المكية بسبب أن أكثر الناس في هذا الوقت كفار، والله سبحانه وتعالى يخاطب الجميع، أما السور المدنية لما كان فيها ذكر التشريعات، وأن هذه التشريعات لن يقوم بها إلا المؤمنون فكان يخاطب الذين آمنوا، فالمؤمن هو الذي سيقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. أما في المرحلة المكية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كفرة، وكان المؤمنون في ذلك الوقت عددهم قليل، حتى أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه سنة ست من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو نحوها، فكان عدد المؤمنين ما بين أربعين إلى خمسة وأربعين من الرجال وعشر من النساء، فالخطاب لن ينزل لهؤلاء الأربعين أو الخمسين، ولكنه خطاب لجميع من يدعوهم النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالمعنى: اقترب لجميع الناس -مؤمنهم وكافرهم- الحساب، والغالب على حال الناس الغفلة والإعراض عن ذكر الله والإعراض عن اليوم الآخر، وكثير من الناس إذا جئت تذكره بالموت، يقول: لا تذكرني بالموت فأنا أخاف من الموت، والخوف من الموت ليس كلمة يقولها الإنسان، بل حقيقة الخوف من الموت أن يعمل الإنسان ويستعد لليوم الذي يموت فيه، والذي يجيب فيه عن أسئلة الملكين في قبره. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1] كان الصحابة يخافون من أن يغفلوا عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وخاصة في الأوقات الفاضلة التي يستحب فيها ذكر الله عز وجل كذكر الله بعد الفجر، وبعد العصر -يعني: طرفي النهار- والقيام في السحر، فكانوا يحبون أن يذكروا الله عز وجل في جميع أوقاتهم وخاصة في مثل هذه الأوقات. روى الإمام مسلم عن أبي وائل، قال: غدونا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً بعدما صلينا الغداة، -يعني: الفجر- قال: فسلمنا بالباب فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هنيهة فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا، فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ قالوا: لا إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة، -يقصد نفسه- ثم أقبل يسبح. والمعنى: أن أهل بيته لم يكونوا نائمين في هذا الوقت وهو وقت الفجر؛ لأن ابن مسعود يوقظ زوجته وعياله ليصلوا الفجر ويذكروا الله عز وجل في هذا الوقت، سواء جلس هو في المسجد أو ذهب إلى بيته يذكر الله تبارك وتعالى. ثم أقبل يسبح، يعني: مع أن الضيوف جاءوه إلا أنه اشتغل بالتسبيح، حتى ظن أن الشمس قد طلعت فقال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ قالت: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت، قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا. يعني: أعطانا هذا اليوم نذكره فيه، والإقالة هنا بمعنى: أن ربنا سبحانه وتعالى تكرم علينا وترك لنا هذا اليوم نعيش فيه، ونأخذ بذكره أجراً وثواباً. قال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا ولم يهلكنا بذنوبنا. كأنه يقصد أن كل إنسان يستحق أن يحاسبه الله ويعذبه على ذنوبه التي يفعلها، ولكن الله سبحانه يتكرم على عباده ويرجئهم ويعطيهم الفرصة ليتوبوا إليه فيتوب عليهم سبحانه وتعالى، ويذكرونه فيذكرهم ويشكرهم سبحانه. قال: فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة. يعني: ما بعد وقت طلوع الشمس إلى أن يصلي ابن مسعود صلاة الضحى بدأ يكلم الضيوف، فأخبره رجل منهم أنه قرأ المفصل البارحة، يعني: في قيام الليل. والمفصل من أول قاف إلى آخر القرآن، أو من أول الحجرات إلى آخر القرآن، وهذا يعني أنه يقرأ أربعة أجزاء، وهذا شيء طيب. فلما قال ذلك قال له ابن مسعود: أهذّاً كهذ الشعر؟ إني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم. الشاهد: أن ابن مسعود كان في هذا الوقت يذكر الله تبارك وتعالى، وأهل بيته أيضاً يذكرون الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت، وقال لضيوفه: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة. فكانوا يخافون من الغفلة وإن كان أغلب الناس في غفلة، كما ذكر الله تبارك وتعالى {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1]، أي: معرضون عن ذكر الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث أفتأتون السحر وأنتم تبصرون)
تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث أفتأتون السحر وأنتم تبصرون)
إعراض المشركين عن القرآن حسدا
إعراض المشركين عن القرآن حسداً ثم قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء:2 - 3]. سمى الله القرآن النازل من عنده ذكراً؛ لأنه تذكرة للخلق، وكذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه وصفه الله عز وجل بأنه ذكر، لأنه يذكر الناس كما ذكر في سورة التغابن. {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء:2] يعني هذا القرآن محدث في إنزاله، والقرآن كلام رب العالمين سبحانه ليس مخلوقاً، فهنا الذي حدث هو نزول القرآن من السماء إلى الأرض، وكل القرآن نزل إلى السماء الدنيا دفعة واحدة كما جاء في الأثر عن ابن عباس: أن الله عز وجل أنزل القرآن ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على حسب الحوادث. فهنا الإحداث في القرآن معناه: أن مجيء القرآن من عند رب العالمين بحسب الحوادث التي تجد، {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء:2] يعني: كلما جاءتهم آية من الآيات من الله عز وجل استمعوا لهذه السور وهم يلعبون، واللعب هنا بمعنى اللهو، فهم يتلهون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ويعرضون عنه. فحالهم {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء:3] وأصلها: قلوبهم لاهية، يعني: قلوب هؤلاء القوم في لهو وفي انشغال عن الله عز وجل وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بما فيها من وساوس وبما فيها من هم الدنيا وبما فيها من إعراض وشرك بالله رب العالمين سبحانه. {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء:3] الذي أسروا النجوى هم الذين ظلموا، يعني: الكفار. (وأسروا): كتموا فيما بينهم. (النجوى): يتناجون فيما بينهم ويكلم أحدهم الآخر سراً: هذا ساحر هذا كذاب هذا كاهن أتانا بما يفرق بين المرء وزوجة والمرء وأبيه، فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسرون النجوى بظلمهم. فهم أسروا النجوى قائلين: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3]؟ يعني: ما هذا إلا بشر مثلكم، فكيف ينزل عليه القرآن ولا ينزل علينا، وهو مثل قولهم: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] يعني: بدل أن ينزل عليه كان سينزل على أحد من كبار القوم كـ الوليد بن المغيرة في مكة أو عروة بن مسعود في الطائف. فكأنهم استكثروا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه ربه هذا القرآن غيرة وحسداً، والإنسان عندما يرى أن غيره أحسن منه يغار منه ويحسده، وديننا ينهانا عن ذلك، وربنا تبارك وتعالى يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه نعمة أنعم بها عليه، فقال له: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]، يطمئنه ربه سبحانه أنهم لا يكذبونه بل هم يعرفون أنه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؛ لكنهم يجحدون بهذه الآيات، فأنت تحكم على ظاهر ما يقولون إذ يقولون: كذاب، لكن الله عز وجل مطلع على ما في القلوب، فهم مصدقون بقلوبهم لكن ألسنتهم جاحدة: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. فأسر هؤلاء النجوى فيما بينهم حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله عز وجل من فضله، لأن كلاً منهم كان يتمنى أن يكون هو النبي، والعرب كانت عادتهم أن يغار بعضهم من بعض، وربنا سبحانه وتعالى يقول: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54] وكأن هذا اعتراض على الله سبحانه أن نؤتيه من فضله {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54] يعني: ليست هذه أول مرة ينزل الله فيها كتابه ولا أول مرة يؤتي إنساناً الحكمة من لدنه، {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء:54]. وهنا الكفرة والظلمة يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: {هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ} [الأنبياء:3] يعني: كأنهم يريدون أن يرسل إليهم ملك من الملائكة، ولو جاءهم ملك لما أطاقوا ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل بين السماء والأرض على هيئته الحقيقة فزع صلوات الله وسلامه عليه وهرب إلى بيته وقال لزوجته: (زملوني زملوني دثروني دثروني). وجبريل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته إلا مرتين، أما سوى ذلك فكان يراه على هيئة رجل من أصحابه اسمه دحية الكلبي، فكان يأتيه في منظره وجماله وهيئته. ومن حكمة الله أنه ما أنزل القرآن مع ملك، وإلا لكان الإيمان جبراً وقهراً وقسراً، ولكان قال قائلهم معترضاً: كيف نطيق ما يطيق الملائكة، فجبريل هذا أخذ قرى المؤتفكات ورفعها كلها إلى السماء وقلبها وأتبعها حجارة من السماء، قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:8 - 9]. يعني: لو جعلناه ملكاً في صورته الحقيقية لكان الإيمان جبرياً، بينما الله عز وجل يريد الإيمان الاختياري من أجل أن يحصل التكليف، ومن ثم الحساب على هذا الاختيار يوم القيامة، وإن كان علمه وقضاؤه وقدره غالباً وسابقاً أن منهم كافراً ومنهم مؤمناً، لكن شاء أن يجعل لك اختياراً وكسباً ليحاسبك على هذا الذي كسبته يوم القيامة، وأنت تستشعر كمال هذا الاختيار فتختار الحق أو الباطل. المقصود أن الله عز وجل لو أنزل ملكاً فإما أن ينزل الملك في صورته، وهم كانوا يخافون من العفاريت ومن الجن، حتى إنهم إذا مروا بصحراء في سفرهم قال الواحد منهم: أعوذ برب هذا الوادي، فكيف لو نزل ملك من السماء؟ لو نزل ملك لقضي الأمر ولكانوا آمنوا قهراً، وهذا لا يريده الله سبحانه وتعالى. أما الاحتمال الثاني فهو: أن ينزل الملك على هيئة البشر {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9]، فإذا نزل على صورة إنسان لرجعوا إلى الاعتراض الأول، وهو أن الرسول بشر.
إعراض المشركين عن الحق بدافع المكابرة
إعراض المشركين عن الحق بدافع المكابرة قال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3]: (الذين ظلموا) على الوصل فيها كأنها بدل من الواو في (أسروا) أي: من الذين أسروا الذين ظلموا، والفعل مضمر تقديره: يقولون، أي: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلا بشر مثلكم. وهي كقول الله عز وجل: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد:23 - 24] هنا الفعل مضمر تقديره: يقولون: سلام عليكم بما صبرتم. فيجوز أن تقرأ على الوصل كما بينا، أو على الوقف: {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [الأنبياء:3] ونقف ثم نقرأ: {الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3]. ويجوز أن نقرأ: {لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3] فنصل جميع الآية وهو الأفضل. قال: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء:3] هذا من قول الكفار، فيقول بعضهم لبعض: ما دمنا قلنا على هذا القرآن: إنه سحر، فكيف تصدقون بالسحر وأنتم تبصرون؟ يعني: وأنتم تعقلون وتعرفون أنه سحر، وهذا من التلبيس؛ لأن القائل يعلم أنه ليس سحراً وليس كذباً، ولكنهم يخادعون بعضهم، وقد عرفنا كيف كان الوليد بن المغيرة وأبو جهل وغيرهم من كبار المشركين يذهبون ليتسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن عند الكعبة، وعند رجوعهم يجمعهم الطريق فيتعاهدون على ألا يستمعوا إليه، ثم إذا بهم يرجعون من الليلة التالية وهكذا. ومن جمال هذا القرآن وحلاوته يقول عنه الوليد بن المغيرة: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وهو الذي قال فيه ربنا سبحانه وتعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} [المدثر:11 - 16] يعني: كان يعرف أن هذا هو الحق، ويعترف أن هذا الكلام ليس من كلام البشر، ومع ذلك يعاند النبي صلى الله عليه وسلم ويمنع الناس من الإيمان به. وقد حصل مثل هذا من نساء المشركين حيث كن يذهبن إلى أبي بكر الصديق ويستمعن إليه وهو يصلي ويقرأ القرآن، حتى هم المشركون أن يطردوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه من البلد. المقصود: أن القرآن له جمال وله حلاوة عظيمة عرفها المشركون وعرفها المؤمنون، فالمشركون عاندوا وجحدوا كلام رب العالمين سبحانه، فقالوا: إنه كذب وسحر من كلام البشر، وهم يعلمون أن الحق خلاف ذلك.
تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض)
تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) قال تعالى: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء:4]. يعني: أنتم تناجيتم فيما بينكم فأطلعني ربي على ما تقولون وفضحكم بذلك. (قال ربي)، وهذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب. ويقرؤها شعبة عن عاصم: (قل ربي يعلم)، وهذه أيضاً قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة والكسائي وخلف. ومعنى هذا أن الله قال للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم: إن ربي قد فضحكم، فهو يعلم ما تسرون من أقوالكم، فقال صلى الله عليه وسلم: ربي يعلم القول في السماء والأرض، فما من قول في السماء أو في الأرض إلا وقد علمه الله سبحانه، ولا يخفى عليه شيء يسمع القريب والبعيد يسمع الخفي وما هو جلي يسمع حديث الإنسان مع غيره، بل ويعلم ما لا يقوله الإنسان وإنما يكنه في قلبه. قال سبحانه: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء:4] العليم بأمور هؤلاء وبأحوالهم تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام)
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام) {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء:5]. {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ} [الأنبياء:5] وأضغاث الأحلام معناها: الأحلام التي ليس لها تأويل، فالحلم إما أن يكون رؤيا حقيقة أو أضغاث أحلام. والرؤيا ينزل بها ملك من الملائكة على الإنسان النائم، أما الضغث من الأحلام فهو الشيء الذي ليس له معنى ولا تفسير. {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ} [الأنبياء:5] يعني: هذا الكلام الذي يقوله لكم هراء وليس له معنى كأضغاث الأحلام. وهم يعرفون كذبهم في ذلك. قال تعالى: (بل افتراه)، هنا يظهر تخبط المشركين، فهم أولاً قالوا: كلام محمد هو أضغاث أحلام، ثم رجعوا وقالوا: إنما هو قول افتراه، وهو شعر نظمه من عند نفسه، رغم أنهم أعرف الناس بأشعار العرب وأوزان الشعر، ويعرفون أن هذا القرآن ليس من هذا القبيل. قال تعالى: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء:5] يعني: إذا أرادنا أن نؤمن له بآية مثل عصا موسى أو يد موسى أو ناقة ثمود.
تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون) قال تبارك وتعالى: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:6] يعني: الأمم السابقة لما جاءتهم الآيات لم يؤمنوا فأهلكهم الله عز وجل بتكذيبهم، فهل هؤلاء سيؤمنون؟ وقد ذهب إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه مجموعة من الكفار منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف وأبو البختري والوليد بن المغيرة، فطلبوا منه آيات ذكرها الله في قوله: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه} [الإسراء:90 - 93] يعني: لو ارتقيت فلن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب مختوم من عند ربنا أنك نبي من عند رب العالمين. فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنه إنما بعث من عند الله بهذه الرسالة، وأنه قد أبلغهم ما أرسل به إليهم؛ فإن قبلوه فهو حظهم في الدنيا والآخرة، وإن ردوه عليه صبر حتى يحكم الله بينه وبينهم. وقد روي أن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم عاتكة بنت عبد المطلب، كان من أشد الناس عليه مع عمه أبي لهب، وكان معهم فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم عنهم قال له: (يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم)، يعني: طلبوا منك أن تأتيهم بآية من الآيات التي ذكروها فلم تجبهم، وكانوا قد طلبوا منه أن يدعو الله أن يوسع لهم الأرض بأن يزيل ما حول مكة من الجبال، وهذه كلها مطالب حقيرة تدل على قلة عقولهم، رغم أنهم يعرفون الحق الذي جاء من عند رب العالمين بشهادة ربهم عليهم: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. فهذا الرجل مثلهم في جهلهم فيقول للنبي صلوات الله وسلامه عليه: (سألوك لأنفسهم أموراً فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك، فلم تفعل)، يعني: ألم يطلبوا منك أن تسأل ربك أن يجعل لك بيتاً من زخرف، فأبيت، ثم سألوك أن تعجل لهم العذاب -وهذا من جهلهم وحماقتهم- فلم تفعل ذلك. ثم قال له: (أما أنا فلن أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك رسول من عند رب العالمين). ثم قال بعد ذلك: وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك! لذلك قال الله عن هؤلاء: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:6]. فلو أتاهم بهذه الآيات فوسع لهم الأرض -مثلاً- لقالوا: إنما هذا من سحره، وقد طلبوا منه في ليلة من الليالي أن يشق لهم القمر، فدعا ربه صلوات الله وسلامه عليه ذلك، ثم أشار بيده إلى القمر فانشق القمر نصفين، فكان نصفه قدام الجبل ونصفه الآخر وراء الجبل. فلما رأوا انشقاق القمر قالوا: هذا من السحر، ثم قاموا يترقبون الواصلين إلى مكة من البوادي ليسألوهم عن رؤيتهم لانشقاق القمر، فكلما سألوا أحداً أكد لهم رؤية انشقاق القمر، ومع ذلك لم يؤمنوا. ولو كانت هذه الآية لجميع الناس لأهلكم الله سبحانه، لقوله تعالى لنبي إسرائيل لما أنزل عليهم مائدة من السماء: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة:115]، وكما أهلك الله ثمود لما جاءتهم الناقة فقتلوها. فكان من رحمة ربنا سبحانه أن هذه الآية كانت للبعض من الناس وليست آية عامة وإلا لأهلك الجميع. وأثبت ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية في كتابه فقال: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، ولعلكم سمعتم حديث الدكتور زغلول النجار في هذه المسألة، حيث قال: إنه كان يلقي محاضرة في أمريكا وأثناء ذلك قام رجل أمريكي مسلم وقال: إن قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1] هي سبب إسلامي، فقد تعرفت قبل فترة على مجموعة من المسلمين فأحببت أن أتعرف على الإسلام، فأهدى إلي أحد ترجمة للمصحف، فأخذت الترجمة وأول ما فتحتها ظهرت أمامي هذه السورة: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، فتوقفت عن القراءة ولم أتقبل هذا الكلام، وبعد زمن كنت أشاهد برنامجاً تلفزيونياً فيه مقابلة مع أحد رواد الفضاء وإذا بالمذيع ينكر عليه صرف ألف مليون دولار من قبل الحكومة على مشروع من أجل وضع العلم الأمريكي فوق القمر. فقال رائد الفضاء: إننا صعدنا إلى القمر لأهداف علمية، ويكفينا أننا أتينا للناس بمعلومة لم يكونوا ليعرفوها ولو صرفوا أكثر من هذا المبلغ لولا الصعود إلى سطح القمر، وهذه المعلومة هي أننا وجدنا شقاً طولياً يطوق القمر كالسوار فأخذنا عينات من الشق والتقطنا الصور ثم بعثنا بها إلى علماء الجيولوجيا في الأرض، فقالوا: هذا دليل على حصول انفلاق للقمر في يوم من الأيام، ثم عاد والتحم ثانية. قال الرجل: فلما سمعت هذا الكلام عرفت أن هذا هو الحق ورجعت للقرآن مرة ثانية فأسلمت. وهذه القصة حكاها الدكتور زغلول النجار أكرمه الله في معرض كلامه عن هذه الآية. فالأمريكيون صرفوا ألف مليون دولار من أجل أن يثبتوا آية أثبتها الله في كتابه وجعلها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم القائل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت:53]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [7 - 15]
تفسير سورة الأنبياء [7 - 15] يبين الله تعالى في كتابه عناد الكافرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ردوا دعوته بالتهم الباطلة، والأكاذيب والأراجيف، فهلا سألوا أهل العلم والمعرفة بالكتب السماوية ليعرفوهم حقيقة هذا النبي؟ ولكنهم لا يسألون إلا أهل الجهل والظلم، فضلوا بسببهم، فأصابهم ما أصاب الأمم من هلاك ودمار، وقصمهم الله عز وجل جزاء صنيعهم.
إهلاك القرى التي تكذب المرسلين
إهلاك القرى التي تكذب المرسلين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم السلام: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء:4 - 9]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها عن تعنت المشركين مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكيف أنهم أنكروا أن يرسل الله عز وجل بشراً رسولاً، فربنا تبارك وتعالى يرد على هؤلاء: لو جعلنا هذا الرسول الذي تريدونه ملكاً لقضي الأمر، فلو كان ملكاً كما تريدون لقضي الأمر ولم تنظروا بعد ذلك، قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام:9]. فكون الرسول يكون بشراً فهذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى، لو لم يكن الرسول بشراً وكان ملكاً من الملائكة كما يريدون هم، فإذاً الملك سيبلغ الرسالة وهم من خوفهم من الملك سيستجيبون مباشرة لكلامه، وهذا غير ما أراده الله سبحانه وتعالى، فإنه أراد أن يكتسبوا أمر الإيمان ويستشعر أحدهم أنه مؤمن مكلف، وأن الله عز وجل جعل له الاختيار هل يأخذ هذا الدين فيثاب عليه أم يتولى فيعاقب عليه يوم القيامة، {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21]، أي: مرتهن بكسبه في اختياره لهذه الدنيا، فالله سبحانه تبارك وتعالى خلقهم، وجعل منهم مؤمناً، وجعل منهم كافراً، والله عليم حكيم سبحانه بمن يستحق أن يكون مؤمناً ومن يستحق أن يكون كافراً. المشركون أسروا فيما بينهم هذا الكلام، فقالوا: إن هذا كاهن، وشاعر، ويتكلم بأضغاث أحلام ليس له معنى، وكذبوا في هذا الذي يقولونه على النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد عرفوا ذلك. ولذلك كان الكفار عندما يجلسون يتشاورون: ماذا نقول لهذه القبائل عندما تأتي؟ فيقول بعضهم لبعض: قولوا شاعر، فيرد الآخر ويقول لهم: لقد درسنا الشعر وقلناه وسمعناه فما هو بكلام الشعراء، قالوا: إذاً نقول عنه: كاهن، فهم كانوا يقترحون أشياء ويعتقدون أن ما يقولونه كذب، فهم كذابون فيما يقولون، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى قال عن هؤلاء: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ} [الأنبياء:5]. قال تعالى: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:6]. يعني: هم قالوا هذا الكلام وهم يعرفون أنه كذب، فعندما يطلبون الآيات مع كذبهم وتخرصهم على النبي صلى الله عليه وسلم فأي آية يطلبون؟ وهل هناك أعظم من هذا القرآن الذي أعجبهم وعرفوا أنه حق من عند الله، ومنعهم الحسد من أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم؟
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم)
محمد رسول الله ليس بدعا من الرسل
محمد رسول الله ليس بدعاً من الرسل قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7]. أوحى الله عز وجل إلى الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كما أوحى إليه، فليس هو بدعاً من الرسل، {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ} [الأحقاف:9]، فالله عز وجل أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم كما أرسل الرسل من قبله، وأوحى إليه، فنزل عليه جبريل بالوحي من السماء كما أنزل الله عز وجل على الرسل السابقين الوحي من السماء. أتباع الرسل السابقين منهم من آمنوا فانتفعوا بإيمانهم، ومنهم من كفروا فأصابهم العذاب، فهؤلاء الكفار {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} [الأعراف:53] أي: مجيء هذا العذاب الذي وعدهم الله عز وجل به، وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، وذكر لنا سبحانه وتعالى هذا المعنى، وتكرر في مواطن القرآن، في أربعة مواطن من القرآن. قوله: {نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7] فيها القراءتان: {نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7]، و {يوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء:7]. فالوحي من الله سبحانه تبارك وتعالى إلى أنبيائه ورسله، ما أرسل قبلكم رسولاً إلا يوحي إليه، فالأنبياء لا ينطقون عن الهوى، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3 - 4] أي: وحي من الله سبحانه تبارك وتعالى يوحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فينطق بالقرآن والسنة، فكله من عند الله رب العالمين سبحانه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]. قوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) كذلك فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر)، وقراءة ابن كثير والكسائي وخلف: (فَسلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) وهذه فيها معان كلها محتملة، فكأنه يريد أن يقول: يا أيها الكفار! اسألوا أهل الذكر، أي: أهل الكتب المنزلة سابقاً، وقد كان الكفار يسألون اليهود: هل هذا الرجل على حق أم لا؟ فأكثر اليهود كذابون، قال تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء:51]، ولكن أهل العلم من اليهود الذين يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم بصفاته كـ عبد الله بن سلام وغيره، عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا الحق، فكأن القرآن يقول لهم: اسألوا هؤلاء السابقين عن هذا الذي جاءكم في القرآن هل هو حق أم باطل؟ اسألوا من يقرأ التوراة والإنجيل، فهم أعلم بالأنبياء السابقين منكم، فتعرفون صدق ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقيل: إنه أراد بأهل الذكر أهل القرآن، فيكون المعنى: اسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن. إذاً: هذا اللفظ عام، فإذا جهلت شيئاً في هذا القرآن أو في دينك فاسأل أهل الذكر والعلم، والآيات التي في يوسف والنحل وفي سورة الأنبياء فإنها تدل على هذا المعنى. وهنا حادثة وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أفتى بعض الصحابة رجلاً أصابته شجة في رأسه أن يغتسل فمات منها بسبب الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا إنما شفاء العي السؤال) وهنا يقول لنا: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] فالإنسان الجاهل شفاؤه السؤال، فيسأل ويتعلم ويعرف ولا يفتي نفسه، ولا يستفتي جاهلاً فيضيعه كما فعل الناس بهذا الرجل المشجوج.
سؤال أهل الذكر والحذر من اتباع الجهلة
سؤال أهل الذكر والحذر من اتباع الجهلة قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا} [الأنبياء:7] يعني: أشخاصاً من البشر، وليسوا ملائكة، {نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]. يقول الإمام القرطبي: لم يختلف العلماء في أن العامة عليهم تقليد علمائهم، والمعنى: أن الإنسان العامي إذا جهل شيئاً من أمر الدين يسأل عالماً من العلماء، لكن لا يذهب ليبحث عن العلماء ويقعد ليرجح بينهم، وإنما يسأل من يطمئن إلى علمه ثم يعمل به ويلزمه تقليده في ذلك إذا سأله، فلا يرجح بين أقوال العلماء، فهو ليس عنده مقدرة على الترجيح، واحتج العلماء بقول الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]. كذلك أجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بتمييزه، يعني: في أمر القبلة، ولا يجوز له أن يتجه أي اتجاه، وإنما عليه السؤال. كذلك الإنسان الذي ينزل في بلد ولا يعرف اتجاه القبلة فيها ليس من حقه أن يصلي في أي مكان، ولكن يجب عليه أن يسأل، قال الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء:7]، فلو فرضنا أنه صلى إلى أي اتجاه من غير أن يسأل ومن دون اجتهاد منه فصلاته باطلة، فلا بد أن يسأل، ولا يصلي إلى جهة يشك فيها، ولكن إن جهل ولم تتبين له الجهة ولم يجد من يسأله يجتهد قدر المستطاع، وصلاته صحيحة حتى ولو صلى عكس اتجاه القبلة. كذلك لم يختلف العلماء في أن الإنسان العامي الجاهل لا يجوز له أن يفتي نفسه ولا يفتي غيره، فلابد أن يسأل ويتبع ما قيل له في ذلك. وكثير من الناس تجد أنه تنزل به النازلة فإذا به يفتي لنفسه في الحال، ويقول لك: أنا اجتهدت وعملت، فنقول: في أي شيء اجتهدت وأنت لم تطلع لا على الكتاب وتفسيره، ولا على السنة وشروحها، ولم تعرف الفقه ولم تقرأ فيه؟! وما أكثر من يجتهد كذباً من الناس! بعض الجهلة من الناس يدخل مسجداً من المساجد وإذا به يقول: الإمام يخطئ، فيقوم يصلي ركعة خامسة مثلاً أو ينسى فيصلي ثلاث ركعات ويسلم، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به هؤلاء، فتجد بعض الناس إذا نسي الإمام ركعة من الركعات يقول: أعيدوا الصلاة، والأمر لا يحتاج إلى إعادة صلاة، ولكن نسي فصلى ثلاث ركعات، إذاً بقيت ركعة فيصليها ويسجد للسهو، والأمر لا يحتاج إلى كثير كلام، فقد سها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى ركعتين في صلاة رباعية وسلم منها صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل كان يلقب بـ ذي اليدين: (يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال له: لم أنس ولم تقصر، ثم نظر إلى الصحابة وقال: أكذلك؟ قالوا: نعم) مع أن من الصحابة من خرج من المسجد، ولكن بقي الأكثرون، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وصلى الركعتين الباقيتين، ثم سجد سجود السهو وانتهى الأمر. ونسي صلوات الله وسلامه عليه التشهد الأوسط فقام صلى الله عليه وسلم وأكمل صلاته، ثم سجد للسهو ولم يحدث شيء. وقام إلى الخامسة في صلاته صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الرباعية خمس ركعات، وسجد السهو ولم يحدث شيء. فالحقيقة إذا سألت أهل العلم أجابوك فكان الأمر سهلاً، أما إذا استفتى الجهال بعضهم بعضاً فما أسهل ما يصعب على أنفسهم أمر دين الله سبحانه تبارك وتعالى، لكن قد يعيد الصلاة مرة ومرتين وثلاثاً لجهله في ذلك. وقد يأتي إنسان عنده سلس بول ويستفي جاهلاً، فيقول له: أعد الصلاة إذا أحسست بقطرة الماء قد خرجت منك وسط الصلاة، فيخرج من الصلاة ليتوضأ مرة ثانية، ثم يرجع يصلي فإذا به تنزل منه قطرة ماء مرة أخرى، فيخرج ليعيد الصلاة، وهذا بسبب جهله وبجهل من استفتاه، مع أن الدين ليس فيه ذلك، فإذا توضأت للصلاة فصل، حتى ولو نزلت هذه القطرة وأنت في الصلاة، فصلاتك صحيحة، بل ويجوز لك أن تصلي بعدها النافلة وأنت على حالك هذه طالما أنك مريض بسلس البول. فلا يفتي في هذه المسائل إلا أهل الذكر والعلم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [يوسف:109]. فأرسل الله سبحانه تبارك وتعالى رسلاً بوحي من السماء ليعلموا الناس، حتى يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم الخلق ما علمه الله سبحانه، فقال في سورة النحل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} [النحل:43 - 44]، فإن كنت لا تعرف الكتب المنزلة ولا الحجج التي جاءت من عند الله، فاسأل أهل الذكر ولا تستكبر عن السؤال. وهنا قال لنا سبحانه تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43] فلا تستكبر ولا تأنف من السؤال إن كنت جاهلاً، أو اقرأ وارجع إلى كتب أهل العلم وستعرف الحكم الشرعي.
تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) قال الله عز وجل: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} [الأنبياء:8]. ما جعلنا هؤلاء الرسل عليهم صلوات الله وسلامه جسداً لا يحتاجون إلى الطعام، بل هم يأكلون ويشربون، ولم يكن هؤلاء الرسل خالدين، بل جعلهم أجساداً وجعل فيها أرواحاً، وجعلهم يحتاجون إلى الطعام والشراب وإلى إخراج ذلك في بول وغائط ونحو ذلك، فيعتريهم ما يعتري المخلوق من أعراض الدنيا، من برد وحر، ومرض وتعب ونصب، فمثلهم كمثل غيرهم من الخلق، فالله عز وجل يخبر عن هؤلاء الرسل أنهم بشر من البشر.
تفسير قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء)
تفسير قوله تعالى: (ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء) قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء:9]. وعدناهم بالنصر فنصرناهم كما وعدناهم، وإن كانوا قبل أن ينصروا قد ابتلوا ابتلاءً شديداً، وأوذوا في الله عز وجل أذىً شديداً، ثم صدقهم الله عز وجل بعد ذلك. وقد أخبر الله تعالى في سورة يوسف فقال: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110]، أي: أن الرسل يئسوا من إيمان قومهم، دعوا قومهم ولا أحد يجيب، وقد يلبث فيهم النبي فترة طويلة يدعوهم إلى الله فلا يستجيبون، كما فعل سيدنا نوح، فلبث فيهم تسعمائة وخمسين سنة، قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14] وقال الله عز وجل: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] أي: عدد قليل من قومه، فيأتي الأنبياء يوم القيامة، النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الجماعة، والنبي ومع الرجل الواحد، والنبي وليس معه أحد عليهم الصلاة والسلام، فهذه هي دعوة الأنبياء لأقوامهم، فهم بشر يدعون بشراً قد يؤمنون وقد لا يؤمنون، ولكن يأتي النبي بما يدل على نبوته، فيأتي بالمعجزة من عند رب العالمين سبحانه، فالله عز وجل قال: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر:51]. ففي الدنيا ويوم القيامة ينصرهم الله عز وجل، ولكن قد يتأخر هذا النصر لحكمة من الله عز وجل، والنبي صلى الله عليه وسلم وعد بأنه ينتصر على المشركين، وقد مكث في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعوهم إلى الله تعالى، وقد خرج عليهم مرة فآذوه وصبر، ثم خرج مرة أخرى فآذوه إيذاءً شديداً فصبر، ثم خرج في المرة الثالثة فوقف على الكفار منهم أبو جهل وغيره فقال: (ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ والله لقد جئتكم بالذبح). قال هذا وكان مستضعفاً ومعه القليل من المؤمنين، والأكثرون هم الكفار، ومع ذلك يقف لهم بكل شجاعة ويقول: (والله لقد جئتكم بالذبح) يعني: جئتكم بالسيف من أجل أن أقطع رقابكم، وفعلاً كان هؤلاء ممن قتلوا في يوم بدر، فلما هاجر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلى المدينة جاء نصر الله في يوم بدر، لما قتل هؤلاء المشركون وألقوا في قليب بدر، وقف النبي صلى الله عليه وسلم على القليب ينادي على أهل القليب: (يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا وليد بن عتبة!) وينادي على أبي جهل وغيرهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟) كانوا قد استأخروا النصر الذي يدعيه محمد، وتطاولوا على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول لنا ربنا: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} [يوسف:110] وهذه لها معان منها: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، أو حتى إذا استيأس أتباع الرسل من أمر النصر ومن أمر هؤلاء الكفار أنهم لا يؤمنون، أو استيأس الكفار من كلام الرسل من أنكم تقولون لنا كلاماً وتعدوننا ثم لا يحصل. {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف:110] ينجي الله سبحانه تبارك وتعالى من يشاء من عباده، وهنا قراءتان: {فَنُجِّيَ} [يوسف:110]، و (فََنُنْجي مَنْ نَشَاءُ) بنون العظمة. الله عز وجل ينجي من يشاء من عباده، ولا مانع من أن يقتل كثير من المؤمنين، فالله عز وجل ما قال ننجي المؤمنين جميعاً، ولكن قال: {فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} [يوسف:110] فمنهم من نجا ومنهم من أخذه الموت أو استشهد في سبيل الله عز وجل. {وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110] الغرض أن الله سبحانه تبارك وتعالى وعد الرسل، ولا بد أن يتحقق وعد الله سبحانه الذي وعد به المرسلين. قال تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ} [الأنبياء:9] فأنجى الرسل وأنجى من يشاء سبحانه تبارك وتعالى، وأهلك من يشاء، فمن هؤلاء الذين ماتوا الكفار، ومنهم المؤمنون الذين ماتوا، فالمؤمنون شهداء، والكفار في نار جهنم خالدين فيها. قال سبحانه: {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [الأنبياء:9]. يعني الذين أسرفوا على أنفسهم، وضيعوا دنياهم وأخراهم.
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم)
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) ثم قال: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] فنكر الكتاب لتعظيمه أي: أنزلنا إليكم كتاباً عظيماً فيه ذكركم، أي: فيه شرفكم، فتتشرفون بهذا الكتاب الذي هو بلسان عربي مبين. فقال: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] وهنا الذكر بمعنى الشرف، أي: أنزلنا عليكم كتاباً باللغة العربية ليكون شرفاً لكم على غيركم من الأمم. فمن المفترض أنه إن جاءنا كتاب يشرفنا بلغتنا أن نفرح بهذا الكتاب، ونفرح بهذه المنزلة التي أنزلنا الله عز وجل إياها، ولكنهم غاروا على النبي صلى الله عليه وسلم وحسدوه. قال: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10] أين عقولكم؟ هل تتركون هذا القرآن حتى يأخذ به الأعاجم؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان هذا العلم في الثريا لناله رجال من هؤلاء)، يعني: أمثال سلمان الفارسي وغيره رضوان الله تبارك وتعالى عليهم. وصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نال العجم أشياء كثيرة ما نالها العرب، حتى إنه يأتي الخليفة في زمن من الأزمنة ويسأل: من العالم في أرض مصر؟ فيقولون: فلان، فيقول: عربي أم أعجمي؟ قالوا: أعجمي، من العالم في أرض الشام؟ يقولون: فلان، فيقول: عربي أم أعجمي؟ قالوا: أعجمي، من العالم في المدينة ومكة في كذا في كذا حتى قالوا له: عالم عربي، فقال: لقد كادت روحي أن تزهق حتى ذكرتم عالماً واحداً. المقصود: أن القرآن ذكر للعرب وشرف لهم وتذكرة لهم، فالمفترض أن يعقلوا ما فيه فيعملون به، فيدفعهم إلى التقدم والرقي، ويدفعهم إلى أن يسودوا غيرهم من الأمم، ولكنهم تركوه وراءهم ظهرياً فعاقبهم الله سبحانه بما هم فيه. قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] أي: فيه شرفكم، فهذا هو المعنى الأوجز في هذه الآية ورجحه الكثير من المفسرين كـ الطبري وغيره. وقيل: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] أي: فيه ذكر أمر دينكم، يعني: الأحكام الشرعية ونحوها. أو {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] فيه ذكر ما تصيرون إليه يوم القيامة من جنة أو نار. {أو فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] بمعنى: فيه حديثكم الذي تنسجونه فيما بينكم وتسرونه، فيذكره الله عز وجل لنبيه ويدافع عن دينه وعن نبيه صلى الله عليه وسلم، ويفضح هؤلاء المتكلمين. وقيل: {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] بمعنى: فيه مكارم الأخلاق، ولا شك أن هذا كله في هذا القرآن العظيم. ولكن أوجه المعاني {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء:10] أي: فيه الشرف لكم بما يحمل من مكارم الأخلاق، وبما يحمل من إعجاز وتعجيز لخلق الله عز وجل. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (القرآن حجة لك أو عليك) هذا القرآن العظيم الذي هو شرف لك إما أن تأخذه فيكون حجة لك، وإما أن تتركه وراءك فيكون حجة عليك. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها). فالغرض بيان أن هذا القرآن إما حجة لك وإما حجة عليك، قال تعالى: {كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:10].
تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) ثم ذكر الأمم السابقة فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً} [الأنبياء:11]. (كم) فيه إشارة إلى أن الأمم الذين قصمناهم كثير، فإذا قصم الشيء فلا رجوع، ولا ينفع التصليح فيه، فقد قصمهم الله سبحانه تبارك وتعالى وأبادهم وأهلكهم، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40]، ومنهم من سلط الله عز وجل عليه عباده المؤمنين، أو الكفار يسلطون على المسلمين العصاة. ولما تسبب اليهود في قتل يحيى بن زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام سلط الله على أرضهم بختنصر، الكافر فأبادهم، وهذا من تسليط الله عز وجل على العصاة، فيسلط عليهم المؤمنين، وقد يسلط عليهم الكفار فيقتلونهم ويبيدونهم. إذاً: الإنسان المستقيم على التوحيد والذي يعرف حدود الله ويطيع ربه، فإن الله يكون معه وينصره، والإنسان الذي عرف الدين وتركه وراءه ظهرياً استحق أن يقصمه الله سواء بآية من الآيات من السماء أو على يد مؤمن أو على يد كافر، قال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الأنبياء:11] يعني: كثيرين، فهناك قرى ظالمة أشركوا بالله عز وجل فأهلكهم الله، وبعدما أبادهم أنشأ قوماً آخرين.
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون حتى جعلناهم حصيدا خامدين)
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون حتى جعلناهم حصيداً خامدين) ثم رجع لمثل هؤلاء الذين قصمهم، قال: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء:12]. أي: القوم المشركون لما جاء عذاب الله بواحدة من هذه الصور التي ذكرناها فـ {إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} [الأنبياء:12] فإذا بالملائكة تنادي عليهم: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا} [الأنبياء:13] أي: ارجعوا مرة أخرى، على وجه السخرية، وإلا فأين سيسير؟ لن يفلت من الله سبحانه فتسخر منه الملائكة قائلة: {وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء:13]. كنتم أنتم مالكين كل الديار ثم ركضتم تاركين البساتين والحقول والأنهار والأموال، فارجعوا لعلنا نسألكم عن هذا المال فتعطون زكاة أموالكم. فكانت السخرية منهم في وقت نزول العذاب عليهم، قيل لهم: {لا تَرْكُضُوا} [الأنبياء:13] لا تسرعوا، وارجعوا إلى ما أترفتم فيه، وأصل الركض الضرب بالرجل أو الضرب على الشيء، ومنه ركض فرسه، بمعنى: أنه ضرب برجليه على جانبي الفرس من أجل أن يجري الفرس، ويقول لنا هنا: {لا تَرْكُضُوا} [الأنبياء:13] فالمكان الذي كنتم أعزة فيه، والمكان الذي فيه أموالكم وأخذتم فيه من زخارف الدنيا وزينتها، ارجعوا {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء:13] أي: عما نزل بكم من العقوبة، واسألوا الأمم من قبلكم كيف أهلكهم الله سبحانه تبارك وتعالى. وقيل: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} [الأنبياء:13] أي: أن تؤمنوا مرة ثانية، فيطلب منكم الإيمان، وإذا نزل العذاب لا ينفع الإيمان، فكأن كلام الملائكة سخرية من هؤلاء، فكما كانوا يسخرون من الرسل سخرت منهم الملائكة في وقت نزول العذاب، وكأنهم سمعوا هذا النداء: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا} [الأنبياء:13]، فبحثوا عمن يقول هذا الكلام فلما لم يروا أحداً علموا أنه خطاب من السماء، وعلموا أن الملائكة تناديهم فأيقنوا بالعذاب، {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:14]. وهذا نداء، كأنه يقول: الويل لي والهلاك، ينادي على نفسه بالهلاك، {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:14]، اعترفوا في وقت لا ينفعهم فيه الاعتراف، وندموا حين لا ينفع الندم، فانتهى أمر الله سبحانه، وجاء العذاب من عند ربنا فما قدروا على شيء، فقولهم: {يَا وَيْلَنَا} [الأنبياء:14] لا ينفعهم بشيء. قال تعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} [الأنبياء:15]. أي: حصدناهم جميعاً كالزروع أو الثمار التي تجنى وتحصد، فخمدت أنفاسهم، وضاعوا بتضييعهم رسل ربهم وبتضييعهم كتب الله سبحانه تبارك وتعالى، ففيها عظة عظيمة لكل إنسان مؤمن، أنه إذا اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبع كتاب الله الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن معه في الدنيا ومعه يوم القيامة، فانتفع هذا الإنسان، وإذا جعل القرآن وراء ظهره دفعه إلى نار جهنم، ففي الدنيا يسلط الله عز وجل عليهم من يشاء من مؤمنين أو كفار فيبيدونهم في الدنيا، ويوم القيامة يعذبهم الله العذاب الأكبر. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [16 - 24]
تفسير سورة الأنبياء [16 - 24] يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق والعدل والقسط، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وأنه لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً، وينكر سبحانه على من اتخذ من دونه آلهة، وأخبر أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السماوات والأرض، فتقدس سبحانه عن الشريك وعن كل نقص وعيب، وتعالى عما يفترون ويأفكون علواً كبيراً.
تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين)
تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء:16]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما لاعباً، وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ} [آل عمران:190] وقال سبحانه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة:164]. أي: خلق الله عز وجل هذا كله وجعله آيات بينات معجزات لمن يعقل ويتفكر، أي: لأصحاب الألباب والقلوب السليمة والعقول المستقيمة. وأولو الألباب يتفكرون ويقولون: سبحانك ما خلقت هذا باطلاً، فيعرف الإنسان أن هذه السماوات العظيمة وما فيها من الأفلاك العظيمة الكثيرة الواسعة، وهذه الأرض وما خلق الله عز وجل فيها، مستحيل أن يخلق هذا بهذه الدقة، وبهذا النظام العظيم لعباً ولهواً وعبثاً، حاشا لله سبحانه وتعالى وهو العليم الحكيم الحليم سبحانه. والسماوات هذه التي لا نرى منها إلا السماء الدنيا، ولا نرى السماء كسماء حقيقة، وإنما نرى النجوم التي فيها؛ لأن السماء بعيدة عنها جداً، فدلنا الله عز وجل بهذه الأشياء القريبة إلينا، أن ننظر فيها ونتفكر فيها. وما علاك وكان فوقك فهو سماؤك، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، أي: أنزله من السحاب الذي فوقنا لا من السماء حقيقة. فالمتفكر في هذه السماوات يجدها سبع سماوات طباقاً، ما بين السماء والسماء خمسمائة عام، وسمك السماء الواحدة خمسمائة عام، والله سبحانه وتعالى جعل لنا السماء الدنيا لنتفكر فيها، وجعل النجوم مصابيح وحفظاً، ولنتدبر في خلق النجوم، وفي خلق الشمس، وفي خلق القمر، وفي خلق الأرض، من خلق هذه الأشياء؟ إنه الله سبحانه وتعالى الذي أحاط بكل شيء علماً، يعلم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما فوق ذلك وما تحت ذلك، ولا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. فهذه الشمس هي أقرب الكواكب من هذه النجوم إلينا، هذه الشمس يصل إلينا ضوءها خلال ثمان دقائق، والمسافة التي بيننا وبينها حوالي مائة وخمسين مليون كيلو متراً، والضوء يقطع مائة وخمسين مليون كيلو متراً في حوالي ثمان دقائق وثلث دقيقة، هذا في الشمس، فيا ترى النجوم التي فوقها كم المسافة بيننا وبين هذه النجوم؟ يقولون: إن ضوء بعض النجوم يصل إلينا في حوالي أربع سنوات، فكم تكون المسافة بيننا وبين النجوم؟ فنحن عندما ننظر إلى النجم يكون النجم قد تحرك من مكانه، ولا نرى الموقع الذي هو فيه الآن، وهذه النجوم كم عددها؟ أيضاً هذه المجرة التي نحن فيها يسمونها مجرة درب التبانة، وهذه الأرض بما فيها هي جزء من هذه المجرة، فكم عدد المجرات، يقولون: ألف مليون مجرة، فهذه المجرة التي نحن فيها هي واحدة من ألف مليون مجرة، فكم في هذه المجرات من كوكب وشمس وقمر ونجم؟ أعداد كثيرة جداً، يذكر العلماء أنها تحوي أكثر من مائة ألف مليون نجم في المجرة الواحدة، فإذا قلنا: كم في الأرض من مخلوقات: من أشجار وأنهار وبحار وجبال وطير وحشرات وإنسان وجان وملائكة؟ أحصى الله عز وجل كل شيء عدداً، وباقي هذه الكواكب والنجوم أحصى كل ما فيها من خلق لا نعلمه ويعلمه هو سبحانه وتعالى. هذا في السماء الدنيا، أما السماوات السبع التي تكلم ربنا عنها فيا ترى كم فيها من المخلوقات؟! فالله خلق هذا كله ويعلم ما فيه ويحصي كل شيء عدداً، فهل خلق ذلك لعباً ولهواً وغفلة؟ قال تعالى حاكياً عن عباده المؤمنين: {رَبنْا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191]. هذا الذي ينبغي أن يقوله الإنسان، لذلك أمرنا بأن نتفكر في المخلوقات، فقد جاء في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في الله). أي: تفكروا في نعم الله عز وجل عليكم، وفيما خلق لكم من أشياء وتفضل وأنعم بها عليكم، تفكروا في هذه الآلاء وفي هذه النعم، ولا تتفكروا في الله، من الذي يتفكر بالله ويحيط بالله عز وجل علماً؟! تفكر في آلاء الله؛ حتى تستدل على قدرة الله العظيمة الباهرة، وتعرف حقارة المخلوق كيف أنه يرى هذه النعم العظيمة، ويرى هذه الآيات الباهرة والقدرة القاهرة، ويرى في هذا الكون العظيم آيات رب العالمين، ومع ذلك يكفر بالله ويشرك بالله، فقال الله عز وجل لنا هنا: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء:16].
تفسير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا)
تفسير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا) قال الله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:17]. (لو) حرف يدل على امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط أفضل، يعني: لا يحصل ولا يكون، ولكن على افتراض أنه يكون. فقال هنا: (لَوْ أَرَدْنَا) ولم يقل: إن أردنا؛ لأن (إن) شرطية تفيد أنه ممكن أن يحدث هذا الشيء، أما (لو) فتفيد أنه مستحيل أن يحصل هذا الشيء، ولكن قال ذلك على افتراض وقوعه، وحاشا له سبحانه وتعالى. فقوله: (لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا) قال أكثر المفسرين إن معنى اللهو هنا الزوجة، وهي لغة من لغات العرب، ففي لغة اليمن تسمي الزوجة لهواً وتوصف بذلك، يقول امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي هذه امرأة اسمها بسباسة، يقول: هل زعمت هذه المراة أني كبرت في السن وأني لا أحسن التزوج؟ فقوله: وأن لا يحسن اللهو، معناه: الزواج، فهنا قالوا: معنى ذلك أن الله عز وجل يقول: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا} [الأنبياء:17]، أي: أن يتخذ زوجة وصاحبة وأن يتخذ ولداً وحاشا له سبحانه. {لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} [الأنبياء:17] لو أردنا أن نتخذ ولداً لاتخذناه من الملائكة على طريق التبني، فأنت أيها الإنسان الحقير الضعيف، يا من خلقت من نطفة مذرة، ومن تراب ومن طين، تأتي وتنسب لله الولد. فربنا سبحانه وتعالى يذكر أنه مستحيل أن يكون له الولد وأن تكون له صاحبة، إنما الولد يكون للمخلوق الذي يحتاج إلى أن يمتد عمره، فابنه يكمل له ما بدأه، الله خلق الإنسان ليعمر الأرض، وعمارتها تحتاج إلى عمر طويل جداً، والإنسان ليس له هذا الأمر، فإذا أردنا أن تدوم عمارة الأرض فلابد من التناسل، وهنا لضعفه وعجزه واحتياجه احتاج للولد، وقبل ذلك احتاج للصاحبة، فخلق الله عز وجل له الأنثى ليكون منها الولد، فيخلفه الولد عندما يموت وهكذا. إذاً: فهنا للضعف والعجز احتاجوا أن يكون لهم الولد والصاحبة؛ حتى يستمر الجنس البشري في إعمار هذه الأرض، وليعبد الله سبحانه وتعالى. أما الله سبحانه وتعالى فحاشا أن يكون له ولد أو تكون له صاحبه؛ لأنه الباقي أبداً سبحانه وتعالى، ولأن حياته حياة دائمة أزلية دائمة سرمدية لا بداية لها ولا نهاية، وهو القادر على كل شيء، القاهر لكل شيء، فلا حاجة به إلى صاحبة أو إلى ولد، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. فإذاً: قوله سبحانه: (لَوْ أَرَدْنَا) وهذا لا يكون، (أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ من لدنا) من عندنا من الملائكة، وليس منكم أنتم يا أهل الشرك ويا أهل الأرض، (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ). وهنا بدأ بلو، والمعنى: أنه لا يكون ذلك، وقال المفسرون: (إن) هنا بمعنى (ما) التي تأتي للجحود، والمعنى وما كنا فاعلين ذلك أبداً، وهذا لا يكون منه سبحانه وتعالى. وهذا مثل قول الله عز وجل: {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ} [فاطر:23]، يعني: ما أنت إلا نذير، وكقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} [الزخرف:81] أي: قل ما كان للرحمن ولد، وأنا أول العابدين لله سبحانه وتعالى، و (إن) احتمل في معناها أن تكون شرطية، يعني: أني أفترض المستحيل؛ لو كان للرحمن ولد فأنا أول من يعبده، وهذا لا يكون لله عز وجل، فأنا أعبد الله وحده وأنفي وجود الولد له سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه)
تفسير قوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه) قال الله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18]. الله عز وجل يقذف الحق، والحق كلمات الله عز وجل، وأوامر الله، وتشريع الله سبحانه، والقرآن العظيم هو الحق من رب العالمين، وهو المواعظ والتشريعات التي جاءت من عند رب العالمين، يقذفها ويلقيها على باطل هؤلاء فتحرق صواعقها ما هم فيه من باطل، وما هم فيه من هزل، وما هم فيه من شرك بالله سبحانه وتعالى. قوله: (فَيَدْمَغُهُ) أي: يهلكه ويمحقه ويذله ويزيله. قوله: (فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) أي: إذا هو زاهق مهلك مبعد، (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) أي: للمشركين، فهؤلاء يحذرهم الله عز وجل ويخبرهم بمآلهم إن أصروا على باطلهم، ويقول لهم: (ولكم الويل) أي: العقوبة في نار جهنم، (مما تصفون) أي: مما تدعون لله عز وجل من الصاحبة والولد، وتتخذون أصناماً تقربكم إلى الله بزعمكم الباطل.
تفسير قوله تعالى: (وله من في السموات والأرض يسبحون الليل والنهار لا يفترون)
تفسير قوله تعالى: (وله من في السموات والأرض يسبحون الليل والنهار لا يفترون) قال الله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنبياء:19]. وقال تعالى: {َمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} [ص:27]، أي: خلق السماوات فهو يملكها بما فيها. وقال هنا: (وَلَهُ مَنْ) (من) للعاقل، أي: له كل من يعقل في السماوات وكل من يعقل في الأرضين، وهنا غلب العقلاء وإلا فهو يملك سبحانه من يعقل ومن لا يعقل. وأحياناً يذكر ما في السماوات وأحياناً يذكر من في السماوات والأرض، فقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ) اللام هنا تفيد الملك، فهو سبحانه يملك من في السماوات والأرض، كما تقول: هذا الكتاب لي وأنا أملكه. فقوله: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: أن الله سبحانه وتعالى يملك الخلائق كلها ويعلم أفعالهم وما يقولون. ثم قال: (وَمَنْ عِنْدَهُ) هنا تفضيل للملائكة على البشر؛ لأن البشر فيهم من يعصون وفيهم من يطيعون، أما الملائكة الذين عند الله فهم لا يعصون الله سبحانه وتعالى ما أمره. فهذه الآية مما يحتج بها على أن الملائكة أفضل من البشر، وخلق الله عز وجل البشر من طين، وخلق الملائكة من نور، ففضلهم بخلقتهم، وإن كان قد خلق الله من البشر من هو أفضل من الملائكة، وأقرب إلى الله عز وجل من الملائكة، وهو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، لقد ارتفع جبريل إلى أقصى سدرة المنتهى وما استطاع أن يجاوز، ونبينا صلى الله عليه وسلم رفعه الله عز وجل وجاوز به ما شاء سبحانه وتعالى. فإذا كان سبحانه قد فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على الملائكة فلا مانع من أن يفضل غيره من الأنبياء على الملائكة، ولكن ليس معنى ذلك أن نفضل جنس البشر على الملائكة؛ لأن الملائكة جنس لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أما البشر ففيهم من يطيع ويعصي، فجنس الملائكة أفضل، ولكن هناك آحاد من البشر فضلهم الله عز وجل على الملائكة. فهؤلاء الملائكة الذين عند رب العالمين سبحانه لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، فهم يعبدون الله عز وجل ولا ينقطعون إعياءً، ولا يصيبهم الملل والسآمة والتعب والمرض، إنما يعبدون الله عز وجل إلى ما يشاء الله سبحانه، فهم منذ خلقهم الله عز وجل مستمرون على عبادته سبحانه، فمنهم من هم قائمون يذكرون الله، ومنهم من هم راكعون يسبحون الله، ومنهم من هم ساجدون لله، وذلك إلى أن تقوم الساعة، ومع ذلك يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، وهم الذين لم يعصوا ربهم سبحانه وتعالى أبداً. قوله: (وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) منه: حسر نظر الإنسان حسوراً أي: كلَّ وانقطع من طول المدى، فهذا هو الاستحسار، وتقول: إن البعير أحسر، بمعنى أعيا وتعب من كثرة المشي، فالملائكة لا يتعبون ولا ينقطعون عن عبادة ربهم سبحانه. قوله: (لا يَسْتَكْبِرُونَ) أي: لا يستنكفون ولا يستكبرون عن عبادة الله ولا يملون. قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20] أي: يسبحون الله تعالى الليل والنهار، وينزهون الله سبحانه وتعالى، فيقولون: سبحان الله. قوله: (لا يفترون) يعتري الإنسان فتور فهو يريد أن يستريح قليلاً، فتراه يترك ما هو فيه، والإنسان إذا أكثر من الذكر والكلام تعب لسانه، أما الملائكة فلا يتعبون من ذلك، ولذلك قال رجل من التابعين وهو عبد الله بن الحارث: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20] أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب، قال: فقبل رأسي ثم قال: يا بني! إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس، أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشي وأنت تتنفس؟! كذلك أهل الجنة يتفضل الله عز وجل عليهم ويكافئهم بأن يلهمهم التسبيح كما يلهمهم النفس. فإذاً: إذا كان الإنسان يأكل ويشرب ويتنفس ولا يحس أنه يتنفس، فكذلك التسبيح والذكر بالنسبة للملائكة وأهل الجنة، فأهل الجنة يلهمون التسبيح فلا يشغلهم شيء عن هذا.
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون)
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) قال الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء:21]. معنى هذه الآية سيكرر مرتين، فهنا يقول لنا: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) وبعد هذا يقول: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [الأنبياء:24]، يعني: هل اتخذوا آلهة من الأرض يحيون الموتى؟ قل هاتوا حججكم العقلية أو النقلية التي تثبت ذلك. فكأنه يكرر ويقول أولاً: انظروا بعقولكم، هل ترون غير ما ذكرنا؟ الأمر الثاني: هاتوا أدلة على ما تقولون في ذلك، فقال سبحانه وتعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ) يعني: هذه الآلهة التي صنعتموها من حجارة ومن رمال ومن تراب ومن عجوة ومن غيرها؛ هل هذه الآلهة تنشر وتخلق وتحيي بعد الإماتة؟ هذا دليل عقلي، فأنت فكر وانظر ماذا تعبد من دون الله؟ وهذا سيدنا إبراهيم لما كسر الأصنام وناظر قومه صلوات الله وسلامه عليه قالوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:59 - 61] أي: يشهدون عليه أنه فعل هذا الشيء، {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:62 - 63] هذا دليل عقلي (اسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ). فهنا رجعوا إلى عقولهم، {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:64]، أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها، {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ} [الأنبياء:65]، يعني: أقاموا الحجة على أنفسهم واعترفوا بعجز آلهتهم. فقال لهم إبراهيم: فكما أنها لا تنطق وتكسرت فكيف تعبدونها من دون الله؟ هذه هي الحجة العقلية، فهنا قال لهم الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ} [الأنبياء:21].
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)
تفسير قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء:22]. قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ) أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله سبحانه وتعالى لَفَسَدَتَا، وهذا يسمونه: دليل التمانع، يعني: أنتم تقولون: إن هناك آلهة غير الله، نقول: لو كانت هذه الآلهة موجودة فإنها ستأمر وتنهى، وستخلق، وستحيي، وستميت، كذلك سيكون هناك إله يريد أن يخلق والثاني لا يريد الخلق، إله يريد أن يخلق كوكباً والثاني لا يريده، فهنا سيتعارض الإله الأول مع الإله الثاني، وبالتالي تخترب السماوات وتخترب الأرض، فهل خربت السماوات والأرض؟ A لم تخرب، فعدم وجود هذا الخراب والفساد دليل على عدم وجود أكثر من إله، فهو إله واحد ينظم أمر الكون كله، ويدبر أمر الخلق كلهم وهو الله سبحانه لا شريك له. قال: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا) أي: في السماوات والأرضين، (آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فلما لم تفسدا دل ذلك على أنه لا إله إلا الله سبحانه وتعالى. (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) أي: أنه تعالى سبح نفسه لنسبحه سبحانه ولننزهه عن الشرك وعن أن يكون معه إله، أو تكون له صاحبة، وعن أن يكون له الولد. قوله: (فسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) هذا يدل على عظمة رب العرش، ما السماوات السبع والأرضين السبع، وكل وهذه المسافات الشاسعة ليست في جنب كرسي الله عز وجل إلا كحلقة مرمية في فلاة، وهذا الكرسي الذي خلقه الله عز وجل ما هو بجوار عرش الرحمن الذي استوى عليه سبحانه إلا كحلقة في فلاة، فكيف يكون هذا العرش؟ إنه عرش عظيم، فالله عز وجل رب هذا العرش الذي خلقه لا يحتاج إليه، وهو مستغن عنه وعما دونه، وهو سبحانه منزه عما يصفونه وعما يقولونه.
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)
تفسير قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) قال الله تعالى: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. قوله: ((لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)) يعني: لا يسأله أحد من الخلق: لم فعلت هذا الشيء؟ فمن سأل الله عن شيء لم فعلته؟ فقد رد حكم الله، كأنه يرفض أن ربنا يقول له: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) فيقول: لا، أنا سأسأل، وهذا الذي يسأل ويتعنت ويعترض على قضاء الله وقدره مصيره النار. قال: (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) وهنا تظهر عظمة ربنا سبحانه وتعالى، فقد أمر بالإيمان بالقضاء والقدر، الذي أذل به الرقاب، وأعجز عن معرفته جميع خلقه، لا أحد يعرف شيئاً عن قضاء الله وقدره، حتى يحقق الله عز وجل ما يريده، فالمؤمن يؤمن بالقضاء والقدر. قوله: (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) لم تفعلون هذا الشيء؟ أي: إذا فعل الله الشيء فلا أحد يقدر أن يسأل الله سبحانه وتعالى على ما فعل، أما هم فيسألون ويجازون على ما فعلوا من خير أو شر؛ لأن الملك لله وهو الإله الحق سبحانه وتعالى. ذهب رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكأنه من القدرية الذين يتكلمون في القضاء والقدر، فقال له: يا أمير المؤمنين، أيحب ربنا أن يعصى؟ هذا سؤال مغلف، فهو أراد أن يقول: لماذا ربنا ترك عباده يعصونه؟ وكأنه يريد أن يقول: طالما أن ربنا تركهم يعصونه فهو يريد هذا، وهم مثابون حتى في المعصية التي يفعلونها، فالرجل سأل علياً رضي الله عنه وقال: أيحب ربنا أن يعصى؟ فماذا أجاب عليه رضي الله عنه؟ قال له: أفيعصى ربنا قهراً؟ هنا سؤال بسؤال والجواب واضح فيه. وأيضاً: ربنا سبحانه وتعالى خلق الكفر وخلق الإيمان، فهل خلق الكفر لأنه يحبه؟ A لا، الله يكره الكفر ولكن أراده، والإرادة يدخل فيها ما يحبه وما لا يحبه، فخلق المؤمن ويحب المؤمنين، وخلق الكافر ويبغض الكافرين. فالله عز وجل خلق الكفر وخلق الإيمان، وخلق المعصية وخلق الطاعة، وخلق الخير وخلق الشر، الله خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وهو في خلقه محمود على ما يخلق سبحانه وتعالى، وفي كل شيء من خلقه آية من آياته سبحانه وتعالى، ووجودها حتمي؛ لأن الله سبحانه وتعالى أرادها. فهذا الرجل سأل علياً رضي الله عنه: أيحب ربنا أن يعصى؟ فقال له علي رضي الله عنه: أفيعصى ربنا قهراً؟ يعني: ربنا لا يعصيه أحد غصباً عنه، ولا يغلبه أحد، لكن ربنا أراد أن توجد هذه المعصية، وأراد أن يوجد الكفر وأن يوجد الإيمان، ولكن القدرية يقولون: نحن نخلق أفعالنا. فقال له الرجل: أرأيت إن منعني الله الهدى، ومنحني الردى، أأحسن إلي أم أساء؟ يعني: يقول له: إذا كان ربنا هو الذي منعني الهدى وجعلني ضالاً، فلماذا يعذبني؟ كذلك إن أعطاني الردى والضلال والكفر وأهلكني أأحسن إلي أم أساء؟ حاشا لله سبحانه وتعالى! فكان جواب علي رضي الله عنه أن قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو له يؤتيه من يشاء سبحانه وتعالى. فالإنسان الذي يجادل ويضيع وقته سيلاقي من يجيبه كما أجاب علي رضي الله تعالى عنه هذا الإنسان وغيره، ولكن على الإنسان المؤمن أن يعرف أن العمر محسوب، وأن القضاء والقدر مكتوب، وأنه مأمور أن يؤمن بذلك ولا يقع في الذنوب، ولا يضيع وقته في الجدل ويقول: لماذا ربنا خلق؟ لماذا ربنا فعل؟ لا يسأل عن ذلك، فهنا الآية الدامغة المانعة من المحادة: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23].
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله آلهة)
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله آلهة) قال الله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:24]. لقد كرر مرة ثانية: هل اتخذوا من دونه آلهة؟ الأول دليل عقلي، فقال لهم: استدلوا بعقولكم، أما الآن فهاتوا دليلاً نقلياً على ما تقولون، أين النصوص التي في أيديكم أن ربنا أمركم أن تعبدوا هذه الآلهة؟ فهم كانوا يقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] نقول لهم: من الذي أمركم بهذا الشيء، إذا كنتم تعبدون الله سبحانه فالله نهاكم عن الشرك، وإذا كنتم تزعمون أنه أمركم بالشرك فهاتوا برهانكم وهاتوا الدليل على ما تقولونه؟ قوله: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) أي: من دون الله سبحانه وتعالى (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) أي: دليلكم. (هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي) يعني: هذه الكتب السابقة هل أمرتكم بهذا الشيء، وهل فيها هذا الشيء الذي ادعيتموه. (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ) أي: أكثرهم معرضون عن الحق، فهم لا يحاولون أن يتعلموا هذا الحق.
الأسئلة
الأسئلة
حكم من قصر في عمل أدى إلى وفاة شخص
حكم من قصر في عمل أدى إلى وفاة شخص Q كنت أعمل في شركة تقوم بمد مواسير تحت الأرض، وأنا مسئول عن حفر خندق في الأرض؛ لأني مهندس أعرف الطول والعرض، ففي مرة من المرات أثناء حفر خندق لم أنتبه إلى الأطوال اللازمة، فدخل أحد العمال في الخندق فسقط عليه فمات، فماذا يجب علي؟ A لا فرق بين كونه لم يأخذ الأطوال اللازمة، سواء كان إهمالاً أو تكاسلاً أو ظناً منه أن الأرض صلبة، فعليك الكفارة، وهي صيام شهرين متتابعين، والدية على عاقلتك، إلا إذا قامت الشركة بدفع هذه الدية.
حكم من احتلم وأنزل أثناء الصيام
حكم من احتلم وأنزل أثناء الصيام Q نمت بعد صلاة الفجر وأنا صائم فرأيت منياً بعد استيقاظي من النوم، فما الحكم؟ A عليك أن تغتسل فقط، وليس عليك قضاء هذا اليوم.
حكم من فقد ماله في بيت غيره
حكم من فقد ماله في بيت غيره Q ذهبت إلى منزل خالي وكان معي في حقيبتي مال خاص بي بالدولار والريال، وعندما نزلت من منزل خالي ذهبت إلى مكة للصرافة لتحويلها إلى عملة مصرية، فلم أجد المبلغ وأصابتني صدمة شديدة استمرت ثلاثة أيام، وبعد ثلاث سنوات قال لي خالي: إن الولد كان عمره اثنتي عشرة سنة وهو غير مكلف، وهو الذي سرق المال، فما عليه؟ A طالما أنك نسيت المال في بيت خالك ومشيت صار لقطة في هذا البيت، والذي يجدها يصير هذا المال أمانة عنده، ويلزمه أن يردها إلى صاحبها، فإذا كان خالك قد لقي المال أو امرأة خالك أو أحد كبير صار هذا المال لقطة، وهذا الذي لقيه مسئول عن هذه الأمانة ويلزمه أن يردها إليك. لكن هذا الطفل الصغير هو الذي أخذ المال، وظل ثلاث سنين لا أحد يعرف، فهذا أمر لا يتخيل، كيف يأخذ طفل صغير خمسة عشر ألف ريال وثمانمائة دولار ولا أحد في البيت يعرف؟ وبعد ثلاث سنين أرسل يقول: أنا عرفت الآن أن الولد أخذ المال، إذاً: عليه أن يبحث أين ذهب بهذا المال، وهذا المال دين في عنق هذا الغلام، الذي كان عمره اثنتي عشرة سنة، فإذا كان الأب أو الأم مفرطين في ذلك، وقد وجدا هذا المال في يده وسكتا عنه، فهما مسئولان عن غرامة هذا المال.
حكم الائتمام بالمسبوق
حكم الائتمام بالمسبوق Q ذهب شخص إلى المسجد فوجد الجماعة قد انتهت، فهل له أن يأتم بمسبوق؟ A نعم يجوز أن يأتم بمسبوق، والجمهور على جواز الجماعة الثانية، والجماعة الأولى هي الأصل، فالإنسان المسلم يحرص على الأولى؛ لأن الأجر والثواب العظيم في الجماعة الأولى، والجماعة الثانية هي جماعة ولكن ليست في الفضل كالجماعة الأولى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، وآمر رجلاً أن يؤم الناس، ثم أخالف إلى أقوام يتخلفون عن صلاة الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم)، فهنا لو كان الأمر أنهم لم يتخلفوا عن صلاة الجماعة، لكان من السهل أن يقولوا: نحن نصلي جماعة ثانية في بيوتنا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم وما سألهم حتى يعذرهم بل قال: (فأحرق عليهم بيوتهم). فإذاً: الجماعة الأولى هي الأصل أن تصليها وتحافظ عليها. وإذا حصل لك عذر وأتيت المسجد وقد انتهوا من الصلاة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا جئت إلى المسجد فأدركته فلك الأجر، فإذا جئت فوجدتهم قد صلوا بعضاً وبقي بعضاً فصليت معهم فلك مثله، فإن أتيت وقد انتهوا فصليت وحدك فلك أجر الجماعة بنيتك، طالما أنك حريص على الجماعة الأولى. لكن لا تظل تتخلف عن الجماعة الأولى بزعم إنك ستصلي جماعة ثانية، وتضيعها وتقول: هي هي، فليست هي هي، والأصل هي الجماعة الأولى، ولذلك ذكر بعض الأئمة مثل الإمام الشافعي رحمه الله وغيره أنه إذا كان المسجد له إمام راتب ومؤذن فلا تجوز فيه الجماعة الثانية، ومن تأخر عنه فليصل وحده منفرداً. إذاً: نحرص على الجماعة الأولى حتى نصليها، فإذا كان لعذر وجئنا للمسجد ووجدنا جماعة ثانية جاز لنا أن نصلي معها، وإذا لم نجد جاز لنا أن نصلي فرادى، ولك الأجر بالنية على ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [25 - 32]
تفسير سورة الأنبياء [25 - 32] على المسلم أن يقرأ القرآن ويتدبر معاني الآيات التي يقرؤها وما فيها من البيان والحكمة والموعظة، فإن هذا القرآن العظيم فيه من الأسرار والمعجزات ما لا يحصر، بل هي في تجدد وظهور إلى أن تقوم الساعة، فكلما تقدم الزمان زاد اكتشاف ما في هذا القرآن من المعجزات.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه)
الهدف الأسمى من إرسال الرسل هو الدعوة إلى التوحيد
الهدف الأسمى من إرسال الرسل هو الدعوة إلى التوحيد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ * أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:25 - 32]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه لم يرسل من قبل النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً إلا بأهم شيء خلق الله عز وجل الخلق من أجله، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. فقوله: {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، هذه هي دعوة المرسلين لقومهم؛ يدعونهم إلى توحيد الألوهية، فقد كانوا يعرفون توحيد الربوبية، أي أن الله هو الرب سبحانه، الذي يخلق، والذي يرزق، والذي ينفع، والذي يضر، والذي يعز، والذي يذل، الذي بيده أقدار الخلق، كانوا يعرفون أنه الله ولكنهم كانوا لا يفردون الله بالعبادة، بل كانوا في الغالب يعبدون غير الله من الأصنام أو الملائكة أو الجن أو البشر، وقد ينصب بعضهم نفسه إلهاً على الناس ليعبدوه من دون الله. فربنا سبحانه ما أرسل من رسول إلا بهذه الدعوة، وهي أن يدعو الخلق إلى لا إله إلا الله، يدعوهم ليكونوا مسلمين لله رب العالمين سبحانه وتعالى، فمن عهد آدم عليه السلام والأنبياء يدعون إلى دين الإسلام، أي: الاستسلام لله سبحانه وتعالى بأن يسلم العبد نفسه لربه يتصرف فيه كما يشاء، يأمره بما يشاء، يشرع له ما يشاء، فهو الذي بيده مقاليد خلقه جميعهم. فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} [الأنبياء:25]، إلا بهذه الدعوة، {إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} [الأنبياء:25]، وقراءة الجمهور: (إلا يوحى إليه)، وحفص قرأها: {إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} [الأنبياء:25]، أي: الله سبحانه وتعالى يوحي إليه. والوحي من الله عز وجل، وهو العلم الذي ينزله على نبي من أنبيائه سبحانه وتعالى وصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك بأن يرسل رسولاً من السماء، أو يلقي في روع النبي الأمر، وهذا الأمر أو الوحي هو: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، أي: فاعبدني وأمر قومك أن يعبدوني.
معنى لا إله إلا الله
معنى لا إله إلا الله {أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]. كلمة (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يصح أن تقول: لا معبود إلا الله؛ لأن هناك معبودات كثيرة تعبد من دون الله، ولا يصلح أن تقول: لا رب إلا الله؛ لأنه لم يرسل الرسل من أجل أن يقولوا لا رب إلا الله؛ لأن أغلب الخلق يعرفون أنه لا رب إلا الله، إنما أرسلوا من أجل أن يدعوا إلى لا إله إلا الله. ومقتضى الربوبية هي أفعاله هو سبحانه وتعالى، والتي لا يشاركه غيره فيها، أي: أنه هو الرب، الخالق، الرازق، المحيي، المميت سبحانه وتعالى، ومقتضى الألوهية أفعال من خلقه تتوجه إليه سبحانه وتعالى، فلذلك أرسل إليهم الرسل حتى يعبدوه وحده سبحانه وتعالى ويتركوا عبادة غيره، فكل الشرائع جاءت بذلك، وإن اختلفت شرائع المرسلين في الأحكام من الحلال والحرام، وفي كيفية بعض العبادات، أما في التوحيد فلا يوجد اختلاف أبداً، فإنه سبحانه وتعالى ما أنزل كتاباً ولا أرسل رسولاً إلا ليدعو إلى توحيده سبحانه بأن يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً. إذاً: كلمة (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود يعبد حقاً إلا الله وحده لا شريك له، قال سبحانه: {إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25]، أي: فأمرهم سبحانه أن يعبدوه، وهذه أيضاً فيها قراءتان عند الوقف عليها، فالجمهور يقفون بالنون، أما يعقوب فوقف عليها بالياء {فَاعْبُدُونِي} [الأنبياء:25].
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [الأنبياء:26]، الذين قالوا ذلك هم المشركون. وقيل: نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، فادعوا أن الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناث، وكذبوا في ذلك، وادعوا أن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء ما أعجب جهلهم! لأن الواحد منهم يأنف أن تكون له بنت، كما قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [النحل:58]، ويأخذ الأنثى ليئدها ويدسها في التراب، ثم ينسبها لأعظم الخالقين سبحانه وتعالى {تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]، يقول: إن الله خلق الملائكة واتخذها إناثاً، وإن الملائكة بنات الله من صاحبة الله حاش لله سبحانه وتعالى. فزعم هؤلاء الكفار أن الملائكة بنات الله، لذلك كانوا يعبدونهم طمعاً في شفاعتهم لهم، ثم جاء اليهود وطوائف من الناس فقالوا: إن الله عز وجل خاتن إلى الجن، والملائكة من الجن، ومعنى خاتن أي: اتخذهم أصهاراً وله زوجة من هؤلاء وله أولاد! وحاشا لله سبحانه وتعالى أن يكون له ذلك. قال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ} [الأنبياء:26]، سبح نفسه سبحانه وتعالى، و (سبحان) مصدر من الفعل: أسبح، تقول: أسبحه تسبيحاً، وأصلها: أبرئ الله سبحانه من كل سوء ومن كل نقص ومن كل عيب، وهذا معنى التمجيد، أي: أنه لا يمس بسوء سبحانه وتعالى، ولا يعتريه سوء أو نقص حاش له سبحانه. ومن معاني كلمة (سبحان): الخفة والإسراع إلى الشيء، وأصلها من سبح، ومنها السباحة، يقال: فلان يسبح، أي: يعوم في البحر بخفة، فقولك: سبحان الله، معناه: أسارع خفيفاً إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، يعني: لا أتثاقل عن طاعته وعن عبادته سبحانه وتعالى. و (سبحان) أيضاً كلمة تعجب من القول عندما يكون شنيعاً وعظيماً فيقول: سبحان الله! على وجه التعجب من هذا القول. وقد تأتي بمعنى السبح أي: النفس، فيقول الإنسان: أنت أعلم بما في سبحانك، يعني: أنت أعلم بما في نفسك. إذاً: فسبحان الله معناها: أنزه الله سبحانه وتعالى وأقدسه وأسارع في طاعته سبحانه. {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26]. أي: هؤلاء ليسوا أولاده، بل هم عباده سبحانه، إذاً: الملائكة عباد الله وهم ليسوا من الجن؛ لأن الملائكة خلقهم الله عز وجل من نور، والجان خلقهم الله عز وجل من مارج من نار، فهناك فرق بين خلق الجن وخلق الملائكة، وإن كان إبليس قد عبد الله عز وجل في الماضي، أي أنه وصل في العبادة إلى درجة عظيمة حتى صار يعبد الله مع الملائكة، لكن أصله من النار، وعلم الله منذ خلقه ماذا سيحدث له وكيف يكون مصيره. قال الله سبحانه وتعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26 - 27]، قال عنهم: عباد، ولم يقل: عبيد، مع أن كلاً منهما مأخوذ من العبودية، ولكن العباد يكون الغالب فيهم الطاعة، أما العبيد فكأن فيها شيئاً من التحقير، فلو قال: عبيد، فهم عبيد له سبحانه وتعالى يملكهم، ولكنه شرفهم وكرمهم، فقال عنهم: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26]. قال تعالى: {لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} [الأنبياء:27]. أي: لا يجرؤ ملك من ملائكة الله أن يتكلم قبل أن يأذن الله عز وجل له، أو أن ينزل من السماء إلى الأرض قبل أن يأذن الله عز وجل له. {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27]. إذاً: لا ينطقون إلا بما أذن الله عز وجل لهم، ولا يسبقونه بالقول أبداً، ويعملون مطيعين لأوامر الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]. وفي سورة مريم قال: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]، وذلك عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: (لم لا تزورنا أكثر مما تزورنا)، فأنزل الله سبحانه وتعالى في سورة مريم: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64]. أي: إذا أخر الله عنك جبريل فليس هذا بنسيان، ولكن الله عز وجل لحكمة يؤخره، ولحكمة وتشريع يرسله. ويقول: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} [مريم:64] فالملائكة يقولون: الله يملكنا وما أمامنا وما خلفنا، وكل ما حولنا يملكه الله سبحانه وتعالى، وهنا أخبر عن العلم، أن الله يعلم ما بين أيديهم، أي ما هو أمامهم، وما خلفهم، يعلم كل شيء في نفوس الملائكة، في أقوالهم وفي أفعالهم، ولا يجرءون على الشفاعة إلا لمن رضي الله عز وجل له ذلك، {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، فتشفع الملائكة يوم القيامة؛ لأن الله عز وجل يشفع من يشاء من خلقه، فيشفع عباد الله المؤمنين وكذلك الملائكة وغيرهم. فيشفعون بإذن الله عز وجل {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، أي: لهم أن يشفعوا لمن ارتضى أن يشفعوا له، وليس لهم أن يشفعوا لكل أحد. ثم قال تعالى: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]، الملائكة المطيعون يخشون الله سبحانه وتعالى، وهم من خشيته في غاية الشفقة والخوف، مع أنهم مطيعون لله فلا يعصون الله سبحانه وتعالى أبداً، {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]. إذاً: أحرى بالإنسان الذي هو كثير العصيان لله عز وجل أن يكون فيه هذه الخشية، فالملائكة لا يعصون الله سبحانه وتعالى ويفعلون ما يؤمرون، وهم مع ذلك في غاية الخوف من الله سبحانه وتعالى، فلم لا يخاف الإنسان من ربه سبحانه وتعالى؟
تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه)
تفسير قوله تعالى: (ومن يقل منهم إني إله من دونه) قال تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ} [الأنبياء:29]، وحاش لهم أن يقولوا ذلك، ولكن الغرض أن هؤلاء زعموا أن الملائكة بنات لله، {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} [مريم:88]، فربنا يقول: لو قال الملائكة ذلك، لكنت سأعذبهم عذاباً عظيماً. {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:29]، يكون جزاؤه أن يدخله ناراً مشتعلة، ناراً حامية، نار جهنم تتجهم لمن يدخل فيها، فهي نار مظلمة فيها الجهومة، وفيها الغلظة والشدة، وفيها النار مستعرة. {فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ} [الأنبياء:29]، أي: كهذا الجزاء الفظيع، {نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:29]، كل ظالم، كل مشرك يشرك بالله عز وجل ندخله نار جهنم.
تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما)
تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما)
المعنى الأول لفتق السماوات والأرض
المعنى الأول لفتق السماوات والأرض قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30]. هنا آية من آيات الله في الكون العظيم حولنا، ولا شك أن الله سبحانه حين يقول: {أَوَلَمْ يَرَ} [الأنبياء:30]، إذاً هؤلاء يرون، ولذلك فإنه سيعذبهم؛ لأنهم لم ينظروا في هذا الكون حتى يعرفوا قدرة الله الباهرة، وعظمته القاهرة سبحانه وتعالى، كيف دبر أمر هذا الكون. {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:30]، إذاً: هنا الخطاب للكفار، فهم يرون منذ أن كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الذين يأتون من بعدهم يرون حتى تقوم الساعة، وكل يرى آيات الله عز وجل، ويعلم أن هذا الحق من عند الله رب العالمين سبحانه وتعالى. {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء:30]. قال المفسرون في معناها: الرتق: السد، الشيء المسدود الملصق بعضه على بعض. والفتق: هو انفتاح اللصق. إذاً: هنا كأنه شيء مغلق مسدود ففتق أي: فتح، والصحابة فهموها كذلك، يقول ابن عباس رضي الله عنه وغيره: كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء، وما أجمل تفسير ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه! وكأنه ينظر إلى أشياء لا يراها غيره. ابن عباس يقول: إن السماوات والأرض كانتا ملتزقتين في بعض وربنا فتقها، ولكن الكفار هل كانوا يرون ذلك؟ هل رأوا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ثم افتتقا عن بعضهما؟ لا شك أنهم في الماضي لم يروا ذلك، ولكن الله يقول: {أَوَلَمْ يَرَ} [الأنبياء:30]، إذاً هناك شيء هم يرونه أمامهم، والله عز وجل يقول: انظروا إلى حكمة الله فيه، لذلك جاء عن ابن عباس وعن عكرمة وابن زيد وغيرهم قالوا: إن السماوات رتقها الله عز وجل بالمطر، كانت لا تمطر فأنزل منها المطر، أي: كأن السماء في جفاف ومن ثم أنزل المطر فحصل هذا الفك. والأرض كانت لا تنبت فنزل المطر عليها فإذا بها تتفتق وتتصدع وتتشقق وجذور النبات يدخل فيها وتطلع الأشجار، فتفتقت الأرض بهذا النبات، وهذا هو ما يراه هؤلاء، فهم يرون أمامهم البذرة توضع في الأرض ثم ينزل المطر فتنمو البذرة وتتصدع الأرض حولها، فيرون أمامهم هذه الآية: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]. وهذا تفسير صحيح أن {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]، أي: فتق الأرض بذلك، وفتق السماء بنزول المطر منها، وهذه آية من الله سبحانه وتعالى يراها هؤلاء، يرون السحابة صافية ليس فيها شيء، ثم يتجمع فيها الماء إلى أن تظلم، ثم تبدأ تتفتق وينزل منها المطر، إذاً {كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء:30]، أي: سحابة مغلقة، وبعد هذا انفتحت ونزل منها المطر، هذا الذي يراه الكفار دائماً في الماضي وفي الحاضر.
المعنى الثاني لفتق السماوات والأرض
المعنى الثاني لفتق السماوات والأرض وهنا معنى آخر وهو معنى صحيح، ولكنه أكتشف بعد ذلك، {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} [الأنبياء:30]. يقول علماء الفلك: إن الكون كله كان شيئاً واحداً مقفولاً -السماوات والأرض والنجوم، كلها كانت شيئاً واحداً- وحصل انفجار عظيم يوماً من الأيام الذي هو بدء الخلق، فالله عز وجل فتق ذلك وتطايرت النجوم فذهب كل نجم إلى مكانه، والكون لا زال يتسع كما أخبر الله عز وجل بذلك. هذا الكلام لم يقله المسلمون وإنما قاله الكفار، والله يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]، فالكفار رأوا ذلك، والمسلمون سمعوا كلام هؤلاء وأخذوا هذا الشيء، فقالوا: هذا موجود في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وابن عباس لم ير ذلك ولم يبحث في الفلك، وقال ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة، يقول ابن عباس: كانت السماوات ملتصقة بالأرض، يعني: النجوم والكواكب والشمس والأرض كانت كلها ملتصقة مع بعضها وربنا سبحانه وتعالى فتق ذلك، وأبعد بعضها عن بعض. إذاً: معنى الآية {أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]، أي: باعدنا بينهما، انفصلت كل مجرة إلى مكانها، فإن الكون فيه مجرات كثيرة جداً تبلغ أكثر من مائة ألف مليون مجرة، والمجرة الواحدة فيها أكثر من مائة ألف مليون كوكب ونجم مثل هذه الشمس التي نراها، فكل هذا كان شيئاً واحداً، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض، وفتق بعضها عن بعض، ثم رفع السماء على الأرض، وكان عرشه على الماء، ثم استوى فوق سماواته سبحانه وتعالى. {أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]، فجعل النجوم تدور في أفلاكها، وكذلك الأرض لها فلك معين تدور فيه، والمجموعة الشمسية كلها تدور بطريقة معينة، فالله عز وجل يصنع ما يشاء في خلقه سبحانه وتعالى. هذا خلق الله، الذي قال لهؤلاء الكفار: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]، انفتق الكون، ومن ثم ربنا سبحانه وتعالى يقول: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ} [الذاريات:47]، أي: بقوة {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47]، إذاً: انفتقت الكواكب عن هذه الأرض وسنوسع هذا الكون، وأصحاب الفلك يقولون: إن الكون فعلاً يتسع اتساعاً عظيماً جداً، وإن كل كوكب يدور حول نفسه ويدور حول مركزه، مثل كواكب المجموعة الشمسية، فالشمس تدور وتجري في هذا الفلك كما يشاء الله عز وجل، والأرض وكواكب المجموعة الشمسية تدور كل واحدة حول نفسها ومن ثم تلف حول الشمس في مدار معين. فقد قال ربنا: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40]، أي: في فلك يدورون، كما سيأتي كلام الله عز وجل بعد ذلك.
آية الماء وأهميته في الحياة
آية الماء وأهميته في الحياة ثم قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء:30]. فالله سبحانه وتعالى يبين هنا حقيقة علمية من قبل ألف وأربعمائة سنة، والآن علماء الطبيعة وعلماء الطب وغيرهم يقررون هذا ويقولون: إن كل شيء مخلوق من الماء. فالماء هو الأصل في كل شيء، ففي جسم الإنسان قالوا: إن الماء يشكل أكثر من تسعين بالمائة من الجسم، وهكذا بقية الأحياء الحية؛ منها ما يشكل الماء فيه تسعين بالمائة من حجه، ومنها ما يشكل الماء فيه ستين بالمائة وأخرى خمسين بالمائة، وهكذا. فالله عز وجل خلق من الماء كل شيء فيه حياة، ونحن لم نر هذا الخلق، ولكن من العلماء من بحث عن ذلك فتوصلوا إلى هذه الحقيقة، وهي أن أصل الحياة هذا الماء، ولذا قال تعالى بعد ذلك: {أَفَلا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء:30].
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا في الأرض رواسي) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ} [الأنبياء:31]. أي: جعل الجبال العظيمة رواسي تثبت الأرض بسبب ثقلها، وقال عنها في سورة النبأ: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ:6 - 7]، أي: جعل الجبال أوتاداً تثبت الأرض، مثل الأوتاد التي تعمل للخيمة من أجل تثبيتها، حيث يجعل أكثره تحت الأرض وقليل منه خارج الأرض لتربط إليه حبال الخيمة، فالله سبحانه وتعالى جعل الجبال ثقيلة راسية وجعلها أوتاداً تثبت سطح الأرض. وكانوا في الماضي يقولون: إن الجبال هي مرتفعات من الأرض، والآن قالوا: إن التعبير كلام خاطئ، فالجبال ليست مرتفعة من الأرض فقط، بل إن الجبال لها جذور تحت الأرض، وهذه الجذور أطول بكثير من الجبل الظاهر لنا فوق سطح الأرض، فأربعة أخماس طول الجبل تحت الأرض، والخمس فقط هو الذي فوق الأرض. فالجبال رواسي من أجل أن تثبت قشرة الأرض، هذه القشرة التي سمكها ما بين ثلاثين إلى مائة وستين كيلو متر، ثم تحتها الحرارة شديدة جداً والمعادن ذائبة، وتوجد في باطن الأرض المياه الجوفية وغيرها، وكأن قشرة الأرض عائمة على سوائل تحتها، فلو تركها الله سبحانه وتعالى هكذا فإنها مع دورانها حول نفسها، من اليمين إلى اليسار، أي: عكس عقارب الساعة، ومع دورانها حول الشمس؛ فإن القشرة الخارجية سوف تميل وتضطرب مثل المركب الذي فوق البحر، ولذلك جعل الله عز وجل الجبال أوتاداً تربط قشرة الأرض فلا تميل الأرض ولا تهتز ولا تضطرب. فالله عز وجل سماها هنا (رواسي) وذكر هناك أنها أوتاد على الأرض. قال: {أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل:15]، يعني: لئلا تميل بكم قشرة الأرض التي أنتم فوقها فلا تستطيعون العيش عليها. ثم قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا} [الأنبياء:31]. بعد أن ذكر الجبال وأنها رواسي، قال: {وَجَعَلْنَا فِيهَا} [الأنبياء:31]، يعني: في هذه الجبال {فِجَاجًا سُبُلًا} [الأنبياء:31]، والفج: هو الطريق الواسع الذي بين جبلين، فإذا كان طريقاً ضيقاً فهو الشعب. فقال هنا: {فِجَاجًا سُبُلًا} [الأنبياء:31]، أي: جعل هذه الطرق بين الجبال مسلوكة وليست مغلقة، فإنه سبحانه وتعالى لو جعل الأرض كلها جبالاً لكان السفر والتنقل صعباً على الإنسان، ولكن الله برحمته سبحانه جعل من خلال هذه الجبال فجاجاً، أي: الطرق الواسعة التي يمكنكم أن تسيروا فيها فتبلغوا أماكنكم. {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31]، لو تخيلت أن الأرض كلها جبال، من الأمام والخلف، وعن اليمين واليسار، فإنك لن تستطيع أن تحدد مكانك وأنت تسير، ولكن يجعل الله الجبال ويجعل الشعب الصغير بينها، ويجعل الفجاج، أي: السبل الكبيرة، حتى نستطيع تحديد الأماكن ونهتدي إلى الوصول إلى ما نريد، {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [الأنبياء:31]، يعني: في السير من خلال هذه السبل.
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفا محفوظا)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:32]. السماء سقف محفوظ، يعني: من أن يقع ويسقط على الأرض، وهذا صحيح. والسماء هو كل ما علاك وأظلك، من نجوم وأقمار وكواكب وغيرها، والسماء الدنيا عالية لا يمكن الوصول إليها، وقد زينها الله سبحانه وتعالى بمصابيح، وهي النجوم، إذاً فكل ما هو موجود في هذه السماء يعتبر سماء بالنسبة لنا، والله عز وجل يمسك هذا بقدرته سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:41]، وإن هنا بمعنى: ما النافية، {إِنْ أَمْسَكَهُمَا} [فاطر:41]، يعني: ما أمسكهما، أي: لا يقدر على إمساكهما أحد من بعده سبحانه وتعالى. فهنا جعل السماء سقفاً محفوظاً قالوا: محفوظاً من أن يقع ويسقط على الأرض، هذا معنى. وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين، يعني: حفظ السماء بالنجوم من الشياطين الذين يسترقون السمع، وهذا المعنى صحيح أيضاً، قال في آية أخرى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [الحجر:17]. وقيل: محفوظاً من الهدم والنقض، ومن أن يبلغه أحد بحيلة، أي: لا أحد يستطيع أن يصل السماء ويسترق السمع فيها. أما قول من قال: إننا وصلنا إلى القمر، فنقول: القمر ضاحية من ضواحي الأرض، فأما السماء فإن بيننا وبين أقرب النجوم إلينا مسافة أربع سنوات ضوئية، والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء خلال سنة كاملة، والضوء يقطع حوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، فإذا أردنا أن نعرف هذه المسافة فنضرب ثلاثمائة ألف كيلو متراً في ستين ثانية نحصل على المسافة خلال دقيقة، ثم نضرب هذه المسافة في ستين دقيقة فنحصل على المسافة خلال ساعة، ثم نضربها في أربعة وعشرين ساعة فنحصل على المسافة خلال يوم، ثم نضرب هذه المسافة في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً فنحصل على المسافة خلال سنة، فسبحان الله العظيم! فالغرض أن الله عز وجل جعل هذه السماء سقفاً محفوظاً، فلا يقدر أحد أن يصل إلى السماء التي فيها أمر الله عز وجل لا بحيلة ولا بغيرها، فلا يصلها إلا من شاء سبحانه وتعالى. وقيل: سقفاً محفوظاً فلا يحتاج إلى عمد يرفع عليها. وقيل: ((مَحْفُوظًا))، أي: مرفوعاً، وقيل: محفوظاً من الشرك ومن المعاصي. كذلك الغلاف الجوي للأرض وهو ما حول الأرض؛ جعله الله سبحانه وتعالى حافظاً لما تحته، فقد حفظ جو الأرض من مصائب كثيرة جداً، منها الإشعاعات التي تأتي من الكواكب التي حول الأرض، ومنها الحجارة الكثيرة التي تنتج من اصطدام المذنبات بالشمس أو بغيرها من الكواكب، حيث يتجه بعضها نحو الأرض فيدخل الغلاف الجوي للأرض ويقوم بإذابتها وحفظ سطح الأرض، وهذه الحجارة كثيرة جداً تقدر بالملايين في اللحظات القليلة. فالله سبحانه وتعالى من فضله وكرمه جعل احتراقها بسبب سرعتها، فهي تجري بسرعة عظيمة تصل إلى حوالي أربعة وسبعين ألف كيلو متر في الساعة الواحدة، وبعضها يشاء الله عز وجل أن تدخل إلى الغلاف الجوي، فإذا دخلت فإن الهواء يقوم بتقليل سرعتها، وربما بعد ذلك يقوم بإحراقها، أو يصل بعضها إلى الأرض ويعمل حفراً كبيرة، وقد بلغ عدد هذه الحفر أكثر من مائة وعشرين حفرة. فالله عز وجل يجعل هذه تخترق الغلاف الجوي؛ ليرينا آية من آياته، وهي أنه لو شاء لجعل هذه الملايين من الحجارة كلها تخترق الغلاف الجوي وتنزل على الأرض، ولجعل الإشعاعات الضارة التي تخرج من الشمس تخترق الغلاف الجوي كذلك وتدخل علينا فتؤذينا، ولكن الله سبحانه جعل حولنا سقفاً محفوظاً يحفظ هذه الأرض وهو الغلاف الجوي حولها. قال سبحانه وتعالى بعد أن ذكر هذه الآيات: {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:32]، هم عن آيات الليل والنهار، عن آيات خلق الله سبحانه وتعالى لهذا الكون معرضون، أي: معرضون عن الله وعن معرفة الله؛ لذلك فهم لم يعرفوا الله جل وعلا، ولم يقوموا بعبادته سبحانه وتعالى، بل أعرضوا عن عبادته فاحتاجوا أن يرسل إليهم رسلاً يدعونهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [33 - 37]
تفسير سورة الأنبياء [33 - 37] كتب الله الموت على كل مخلوق، فجميع الخلائق مرجعها إلى الله، وذلك في يوم الوعيد، حيث يري الله الكافرين جزاء تكذيبهم، ويدخلهم النار فلا يجدون لهم ناصراً، ويبهتون بدخولها فلا يستطيعون ردها ولا يبعدون عنها.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء:33 - 40]. أخبر الله سبحانه وتعالى عن آياته الكونية العظيمة حتى يتدبر فيها الخلق، فقال أولاً: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} [الأنبياء:30]، فتق الله عز وجل السماوات بأن فتق السحاب وأنزل الأمطار، وفتق الأرض فأخرج منها الأشجار، وجعلها آية للخلق، وقد بدت هذه الآية بوضوح في هذا الزمان كما ذكرنا، فقد ذكر العلماء أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ثم فرق الله سبحانه وتعالى بينها وفصل بينها. ثم ذكر الله آية خلق السماوات والأرض والجبال التي جعلها في الأرض لئلا تميد بهم، وجعل السماء سقفاً محفوظاً، وهذه من آيات الله تبارك وتعالى حتى يتفكر الإنسان المخلوق الضعيف، {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ} [النازعات:27] أنت أيها الإنسان الضعيف المخلوق من تراب، هل أنت أقوى أو هذه السماوات وهذه الأرض وهذه الجبال؟ فلم تتطاول على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب ربك؟ لِمَ لا تؤمن به؟ ثم قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [الأنبياء:33]، لو شاء الله عز وجل لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، ولو شاء لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، فمن يعكس هذا ويأتيكم بالأمر الآخر؟ لا أحد يقدر على ذلك إلا الله سبحانه تبارك وتعالى، فخلق الله هذه الأرض وجعلها راحة للعباد، يستريحون عليها، وجعلها مهاداً وفراشاً، وجعل لهم وسائل الراحة فيها، فإن عبدوا الله عز وجل استراحت قلوبهم، وأنزل عليهم البركات من السماء والأرض كما قال: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96]. وسبل الراحة يسرها الله عز وجل لخلقه، فالراحة القلبية هي أهم شيء، ولن يستريح قلب الإنسان أبداً وهو بعيد عن الله، {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]. وخلق الله عز وجل لك ما تستريح به من أرض من سماء من جبال من ثمار من أشجار من أنهار من بحار، خلق لك أشياء كثيرة، ولو أنك عبدت الله لجعل لك فيها رزقاً حسناً عظيماً، وأنزل عليك البركات من السماء ومن الأرض، فانظر إلى آيات الله وقدرته العظيمة، ومنحه الكريمة التي يعطيها لعباده، وتدبر في آيات الله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [الأنبياء:33]، {وَهُوَ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47] {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ:9 - 10]. فجعل النوم سباتاً تستغرقون فيه فتنسى الدنيا، وتنسى المشاغل، وهذا من فضل الله عز وجل، ولو أصاب الإنسان الأرق لعرف فضل الله عز وجل عليه في النوم، ولعرف قدر النوم، فمن يحرم من النوم كيف يكون حاله؟ سيذهب عقله من شدة احتياجه إلى النوم، وعدم قدرته عليه، فاحمد ربك سبحانه أنك إذا أويت إلى فراشك، ووضعت رأسك عليه، فمن نعمة الله عز وجل أن جعل النوم سباتاً. وقال الله: {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]، ولذلك كان يقوم النبي صلى الله عليه وسلم من نومه فيقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، فجعل الله الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، جعل النهار ضياءً تبحث فيه عن رزقك، وجعل الليل مظلماً حتى تستريح من عناء النهار، وحتى يستر الله سبحانه تبارك وتعالى على عباده. {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [الأنبياء:33]، جعل سبحانه آيتين: آية الليل، وآية النهار، فلا الليل سابق النهار، ولا الشمس تسبق القمر وتدركه، كل في فلك يسبحون، أي: يدورون، الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلكه الذي خلقه الله عز وجل له لحكمة من الله سبحانه تبارك وتعالى. يقول العلماء: أول ما خلق الله عز وجل هذه الأرض، كانت تدور بطريقة معينة، تدور عكس عقرب الساعة تدور الأرض وهي في مكانها حول نفسها في محور، وتدور حول الشمس في فلك. قالوا: وكان الليل أربع ساعات والنهار أربع ساعات، ولم يزل دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس يتباطأ حتى وصلت إلى ما نحن عليه: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يزيد الليل فينقص النهار، ويزيد النهار فينقص الليل. وتظل الأرض على هذا الحال حتى يأتي أمر الله عز وجل وتطلع الشمس من مغربها. يقولون: والقمر يدور حول الأرض بطريقة معينة وبعد معين، وفي كل سنة يبعد القمر عن الأرض (3سم)، ويظل يبعد حتى يأتي أمر الله عز وجل، حيث يدخل القمر في جاذبية الشمس فيجتمعان كما قال الله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [القيامة:9] وحينئذ تقوم الساعة. ويقول هؤلاء العلماء: الأرض تدور بطريقة معينة، وتباطأت بعدما كان الدوران سريعاً أربع ساعات ليل، وأربع ساعات نهار، فوصل الأمر إلى الحال الذي نحن عليه الآن، وستظل تبطئ من دورانها إلى غاية أنها لا تقدر أن تدور من اليمين إلى الشمال عكس عقرب الساعة، وسيأتي عليها ساعة تكون في دورانها معكوسة، قالوا: وإذا انعكست تطلع الشمس من المغرب ولا تطلع من المشرق، وهذا هو الذي قاله لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن علامات الساعة أن الشمس تطلع من مغربها، فهذا أمر الله سبحانه وتعالى الذي يقول لنا: تدبروا في هذا الكون، وهذا كلام الكفار الذين قالوا ذلك ويصدقون ما في كتاب رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33]، وحسب ما يريده سبحانه تكون الدورة سريعة أو بطيئة، تطلع الشمس من مشرقها أو تطلع من مغربها، فأمر الله عز وجل لابد أن يكون، فهو خالق ذلك، وهو المتحكم فيه، وهو المدبر لأمره سبحانه. {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33] الفلك هي الخشبة التي في المغزل، والقمر تابع للأرض يدور حولها، والأرض والقمر كلاهما يدوران حول الشمس، والكواكب التسعة التي في المجموعة الشمسية كلها تجري حول الشمس، وكل كوكب في فلك معين جعله الله سبحانه وتعالى له، لا هذا يخرج من فلكه ولا هذا يخرج من فلكه، كل له مدار لا يصطدم بالثاني. هؤلاء التسعة الكواكب التي تدور حول الشمس قال العلماء: اكتشفنا كوكباً عاشراً أيضاً، وهو يدور حول الشمس، لكن ما رأيناه، إنما الحسابات الرياضية دلت على وجود كوكب عاشر يدور حول الشمس، وهذا الكوكب الذي اكتشفوه بالعمليات الحسابية يدور في مدار بيضاوي أو حلزوني حول الشمس، ويدور في مدار لا يصطدم مع الأرض أو القمر، والمجرة كلها تتحرك في هذا الكون، والله عز وجل يدير هذا كله، ويقول لك: انظر في السماء وتعجب من خلق الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)
تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء:34]. الكفار طلبوا أن يكون الرسول المبعوث إليهم خالداً لا يموت، وكان الكفار يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: {شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]، هذا شاعر سيموت في يوم من الأيام وننتهي منه ومن دعوته، فالله عز وجل يجيبهم: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء:34] يعني: لو مُت الآن فسيحفظ الله دينه، ونور الله لا يطفئه أحد، فالله عز وجل متم نوره {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]، {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]. لم نجعل لبشر من قبلك الخلد، مات الرسل ورسالاتهم باقية. {أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء:34]، لو مت فهل هم سيخلدون؟! كلكم تموتون: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:27]، ورسالة الله عز وجل باقية، مات الرسول صلى الله عليه وسلم وحملها من بعده فهم يبلغونها حتى تقوم الساعة. وقراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {أَفَإِينْ مِتَّ} [الأنبياء:34]، وباقي القراء وهم ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر يقرءون: ((أفإن مُت))، والمعنى واحد.
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء:35]. كل ما جعل الله عز وجل فيه روحاً لابد أن يذوق الموت، الإنسان والحيوان والجان، كل ما فيه أرواح خلقها الله عز وجل لابد وأن يميتها ويذيقها هذا الموت، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء:35]. {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]. ((وَنَبْلُوكُمْ)) أي: نختبركم، فيبتلي الله عز وجل الإنسان بالمصائب التي يراها شروراً، ويبتليه بالكفار وهم أشرار، ويبتليه بالفجار وهم أشرار، ونبلوكم أيضاً بالخير، نمتحنكم، نفتح عليكم الدنيا، نعطيكم من المال، نعطيكم من البنين، نعطيكم من المناصب، نعطيكم من زهرة الدنيا، وهذا بلاء من الله عز وجل. فالإنسان حين يرى ذلك من الخير أو من الشر عليه أن يصبر لأمر الله سبحانه، وينظر في نفسه، ويحرص أن ينجح في هذا الامتحان، فلينفق المال في الحلال، ينفق على نفسه، على أهله، على ولده، ينفق على الفقراء والمساكين وأقربائه، ينفق كما أمر الله عز وجل في وجوه الإنفاق الشرعية، أما من رسب في الامتحان فإنه يتجه إلى الحرام، يريد أن ينمي ماله بالحرام، يدخل الأموال في الربا، يدخل في المبايعات الخاطئة، يدخل في الرشا، يدخل في الأشياء التي يحرمها الله سبحانه تبارك وتعالى. {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35] كله بلاء من الله عز وجل، والمؤمن ينتفع بالنصيحة، فإذا به ينجح في الامتحان، وإذا جاءه الخير رضي بفضل الله وحمد الله سبحانه، وفعل به ما يرضي ربه سبحانه، وإذا جاءته المصائب والأقدار، وجاءته الشرور يصبر لأمر الله، ولا يخرج عن قوله أبداً، ولا يعترض على أمر الله سبحانه تبارك وتعالى. الإنسان المؤمن يعلم قول الله سبحانه: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، فإذا ابتلاك الله عز وجل بشيء لا تقول: لماذا؟ فالله لا يسأل عن شيء، ولكن تسأل الله عز وجل وتقول: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، ولكن الله عز وجل أعلم بالخير. أم سلمة لما مات زوجها أبو سلمة وكان من أفاضل الناس رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكانت لا ترى أحداً أفضل منه، وما كان على بالها أبداً أن تكون زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام، فلما مات زوجها وبكت عليه، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (قولي: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فالسيدة أم سلمة فكرت في عقلها: ومن خير من أبي سلمة؟ في نظرها أنه لا يوجد أحسن منه، ولاشك أنه يوجد أفضل من أبي سلمة، فـ أبو بكر الصديق أفضل منه، وعمر بن الخطاب أفضل منه، وكذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عن الجميع، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فهي فكرت وقالت: من خير من أبي سلمة؟! ولكن قالت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فأخلف عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان هو الخيرة لها رضي الله تبارك وتعالى عنها، وصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً. قال الله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35]، على الإنسان إذا جاءته الفتنة أن ينظر في أمر نفسه، وينظر في أمر الله عز وجل، ما الذي يريده الله عز وجل منه، فيصبر على الشر، يصبر على البلاء، وإذا كانت الفتنة بالمال أو البنين أو النساء فينظر ما الذي يرضي ربه فيصنعه، وما يغضب الله فيبتعد عنه. قال: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، هذا تهديد وتخويف من الله عز وجل، يعني: مهما أعطيناك من أمور الدنيا، فأنت راجع إلينا، فانظر بِمَ سترجع إلينا هل أنت متضجر على أمر الله سبحانه؟ هل أنت معترض على قضاء الله وقدره؟ أو أنك راضٍ بقضاء الله، صابر لأمر الله سبحانه تبارك وتعالى؟ فإذا جاءت فتنة المال والبنين فاعمل بما يرضي ربك سبحانه تبارك وتعالى. قال: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: ((وإلينا تَرجِعون)).
تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً) قال الله: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36]. كان الكفار حين يرون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يستهزئون به، ويسخرون منه صلوات الله وسلامه عليه، ومرة سجد عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه فوضع بعض السفهاء سلا بعير -كرش بعير مذبوح- فوق ظهره صلوات الله وسلامه عليه وهو ساجد، وبقوا يستهزئون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه حتى أخرجه الله سبحانه وتعالى من بين أظهرهم، وهاجر إلى المدينة، وعز الله عز وجل الإسلام وجنده بعد ذلك. قال: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الأنبياء:36]، (هُزُواً) هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، ((هزواً)) من غير همز، وغيره من القراء يهمزون، وحمزة سيقرؤها كبقية القراء ((هزءاً)) في الوصل، وإذا وقف عليها قال: ((إلاهزاً)) أو إلا ((هزواً)). {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36]، يستهزئون به، قائلين: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] يعني: أهذا الذي يسفه آلهتكم، وآلهتهم سفيهة، وهم أدرى الناس بذلك، ويعرفون مدى ما هم فيه من سفاهة، وما آلهتهم عليه من حقارة، ومع ذلك يعصون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤمنون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. يقول: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ} [الأنبياء:36] كأنهم يريدون أن يكرموا الآلهة، وكان لهم مع آلهتهم مواقف عجيبة جداً، فهم الذين صنعوا هذه الآلهة ومع ذلك يعبدونها، يصنعها المشرك من حجر ثم يقعد يعبد هذا الإله الذي صنعه، فالشيطان طمس على عقل هذا الإنسان، فلا يتفكر في الذي يصنعه، فكانوا يعبدون الأصنام بدلاً من عبادة رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى. لما هاجر مصعب رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى المدينة، وكان يدعو أهل المدينة، قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وما من بيت إلا ودخله الإسلام بسبب وجود مصعب رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان ممن أسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله تبارك وتعالى عنه معاذ بن عمرو بن الجموح وعمرو بن الجموح، وكان عمرو سيد بني سلمة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان له صنم يعبده من دون الله اسمه مناة، فمر عمرو بن الجموح على مصعب، وقال: ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقال له مصعب: إن شئت جئناك فأسمعناك القرآن، فذهب إليه وأسمعه صدراً من سورة يوسف عليه السلام، فـ عمرو بن الجموح لما سمع ذلك وكان سيداً في قومه قال: إن لنا مؤامرة في قومنا، يعني: نستشير قومنا، فدخل على صنمه مناة وقال له: يا مناة! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ وخلع سيفه وأعطاه، وقال له: دافع عن نفسك فهؤلاء يريدون بك شراً. أي عقل هذا العقل؟! التمثال هو الذي صنعه من حجر، فكيف يعبده من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، ويقول له: خذ هذا السيف ودافع به عن نفسك! وخرج وترك السيف معه، فدخل ابنه معاذ بن عمرو بن الجموح وأخذ السيف من الصنم، فلما رجع وجد الصنم قد أخذ منه السيف، فعجب لذلك وقال: أين السيف الذي كان معك؟ ويحك إن العنزة لتمنع استها، ثم أوصى أهله بالصنم، وخرج لأمر من أموره، فأخذ ابنه ومجموعة من الفتيان الصنم وربطوه بكلب ميت، ورموا به مع الصنم بين القاذورات، فلما جاء عمرو بن الجموح نظر إليه وهو مرمي مع كلب ميت بين النجاسة فقال: والله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن أف لمثواك إلهاً مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن يعني عرفنا الآن أنك لا تنفع أن تكون إلهاً، وجمع قومه وقال لهم: ألستم على ما أنا عليه؟ فقالوا له: نعم، أنت سيدنا، قال: فإني آمنت بما أنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، فتابعه قومه فأسلموا. هذا الرجل العظيم كان أعرج وفي يوم أحد خرج أولاده يقاتلون، وقالوا: نحن نغني عنك، فقال: لا، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أولاده، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن قتلت أأطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال: نعم) فقاتل في سبيل الله حتى قتل في ذلك اليوم رضي الله تبارك وتعالى عنه. والمقصود بيان كيف أن هؤلاء الكفار كانوا يعبدون الأصنام، وهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تملك لنفسها شيئاً! فهذا هو العجب، وليس العجب مما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا معنى لتعجبهم من ذلك وقولهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، فالكفر يطمس نور العقول، ويجعل الإنسان ينظر للشيء على خلاف منظره، ويفتن الإنسان بجهله وكفره وحماقته. وكان رجل من المشركين سادناً لصنم القبيلة التي هو منها وهي بنو سليم، وفي يوم من الأيام وجد ثعلبين صعدا إلى رأس الصنم وبالا عليه، فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب فكسر الصنم وقال لقومه: هذا ليس إلهاً، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن: (فسأله: ما اسمك؟ فقال: غاوي، فقال: بل أنت راشد)، كان اسمه غاوي بن عبد العزى فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه راشد بن عبد ربه رضي الله تبارك وتعالى عنه. وقد قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنعام:10]، يعني: يا رسولنا عندما يستهزئ بك قومك، فأنت لست بدعاً من الرسل، ولكن أنت مثل الرسل الذين من قبلك، وهنا قال: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} [الأنبياء:36] أي: بآيات رب العالمين يكفرون.
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل)
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) قال الله تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37]. خلق الله عز وجل الإنسان من ضعف، فهو ضعيف وفي طبيعته أوصاف من الأوصاف التي أمر أن يقاوم هذه الأوصاف التي فيه، ففي طبيعته الشح والبخل، وأمره بالإنفاق، ولو لم تكن في طبيعة الإنسان الشح لما أمر أن ينفق أصلاً، وخلق الله في قلب الإنسان شهوة حب المال، وحب النساء، وحب البنين، وأمره أن يقاوم ذلك ويهذبه، فيحب ما أمر الله عز وجل به، فيتزوج ويأتي امرأته في حلال، وحرم عليه الزنا، وحرم عليه الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالشريعة جاءت لتهذب الإنسان. ومن ضمن ما فُطر عليه الإنسان العجلة، قال الله: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] ففي طبيعة الإنسان التسرع والاندفاع، وأمر بالحلم وعدم الطيش وعدم التهور، وأمر أن يمسك نفسه، ففي مسند أبي يعلى بسند حسن من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما من أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد). وفي قصة أشج عبد القيس لما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأصحابه عندما قدموا المدينة أسرعوا لينظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلوا من الرحال وأقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم مسرعين، لكن هذا الرجل تأخر قليلاً، فخلع ثياب السفر، وتنظف ولبس ثياباً نظيفة، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليه قال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، يعني: عندك حلم، وعندك أناة، فهذان خلقان يحبهما الله عز وجل من العبد: أن يكون حليماً متأنياً. قوله تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] المعنى: ما كان يستعجل به الكفار من قولهم: ربنا آتنا قطنا، آتنا العذاب الذي تتوعدنا به! كقولهم: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الأنفال:32]. قال الله: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} [الأنبياء:37] اصبروا، انظروا آيات الله عز وجل في الكون، وانظروا آيات الله عز وجل التي ينزلها على من يكفر وكيف يعذبه، {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37]. فعلى الإنسان ألا يتعجل، فهو مأمور بمقاومة العجلة، لكن ليس التأني في كل شيء، فأمور الخير يأمرنا الله عز وجل أن نسابق ونسارع إليها، وقد جاء في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة)، فعلى الإنسان أن يكون حليماً متأنياً في كل شيء إلا في عمل الآخرة، فلا يؤجل عمل الآخرة، إذا جاء وقت الصلاة يقوم يصلي، إذا جاء وقت العمل يقوم يعمل، إذا جاء وقت أمر بمعروف أو نهي عن المنكر، فلا يسوف، ولذلك قال الله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، فتسعى إلى الصلاة بمعنى تهتم بذلك وتتوجه كما أمرت، وليس المعنى أن تجري، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجري إلى الصلاة فقال: (إذا أتيتم إلى الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا). وفي الآية الأخرى قال الله عز وجل: {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11]، فالإنسان متعجل يريد الخير سريعاً، يريد المكسب السريع، يريد الدنيا بسرعة، من العجلة الشيطان، فالإنسان الذي يريد المكسب السريع يدله الشيطان على الربا، ويدله على الرشوة، ويدله على السرقة، ويدله على أكل مال اليتيم، ويدله على أكل الحرام، ويدله على الشرور، فلا تعجل ورزقك سيأتي، ولكن سارع للخيرات كما أمرك الله عز وجل. نسأل الله عز وجل أن يعييننا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وعلى حبه سبحانه تبارك وتعالى. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [37 - 47]
تفسير سورة الأنبياء [37 - 47] أخبر الله عز وجل في العديد من آياته في القرآن عن بعض مشاهد يوم القيامة، وما يكون فيها من أهوال فظيعة، لا يقدر الإنسان على تحملها؛ وذلك من أجل أن يستعد الإنسان لذلك اليوم، ويعمل له، ويأخذ أهبته لملاقاته بما يستطيع من أعمال صالحة.
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي)
تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم السلام: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ * بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:37 - 47]. يخبرنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى هنا عن خلق الإنسان، وكيف أنه خلق ضعيفاً، وفيه التهور والعجلة والاندفاع والطيش. قال تعالى: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37]، أي: في تركيبه وخلقه، ففيه تهور واندفاع وعجلة إلى الشيء. وعندما أمرنا الله سبحانه أن نكون حلماء، وأن يكون عندنا صبر، كان لابد أن يجعل في النفس ما يدافع ذلك فلو أن طبيعة الإنسان الحلم لما أمره الله عز وجل بالحلم، ولو أن طبيعة الإنسان لا توجد فيها شهوة لما نهاه الله عز وجل عن الزنى. فطبيعة الإنسان ركبت فيه الشهوة الغضبية فتجده يندفع، وركبت فيها الشهوة الجنسية فيحب أن يتزوج أو أن يقع في الحرام، والله عز وجل يريد تهذيب شهوات الإنسان، فأمره إذا غضب أن يكون غضبه لله سبحانه وتعالى، وإذا سارع واستعجل أن تكون مسارعته في الخير وليس في الشر. وأما التهور والاندفاع إلى الحرام فقد هذبها الله في الإنسان وقال له: أنت مخلوق من عجل، أي: فيك عجلة وتهور واندفاع وطيش، فهذبها بالتعلم وبالتحلم. والإنسان لن يكون حليماً بين يوم وليلة، ولكن بالتأني شيئاً فشيئاً، وبفضل الله عز وجل عليه يصبح صبوراً حليماً.
بيان فضل التأني والحلم
بيان فضل التأني والحلم فربنا يخبرنا عن خلق الإنسان أنه خلق عجولاً. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التأني من الله، والعجلة من الشيطان). فإذا كان العبد متأنياً فهذه هبة من الله عز وجل، والعجلة من الشيطان ومن وسوسته، فإنه يظل وراء الإنسان إلى أن يجعله متهوراً ومتعجلاً، فيندفع في القول الذي لا يريد أن يقوله ويقع في الحرام. وفي الحديث: (وإن العبد ليتكلم بالكلمة من غضب الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً). وقد يندفع الإنسان في الكلام فيقع في الكفر والعياذ بالله، وقد يندفع فيطلق امرأته مع اندفاعه، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالحلم وقال: {خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37]. فتصبر. وهذه الآية يرد فيها الله سبحانه وتعالى على الكفار الذين كانوا يتعجلون العذاب، ويقولون: {رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} [ص:16]، ويقولون: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]. فجهلهم وطيشهم دفعهم لتعجل الانتقام، وتعجل العذاب من عند الله.
وعيد الله للمشركين تحقق في بدر
وعيد الله للمشركين تحقق في بدر فقال لهم الله: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي} [الأنبياء:37] أي: لا تستعجلوا، فترون هذه الآيات. وكان من آياته العظيمة ما حدث لهم في يوم بدر، فقد جاءوا بعددهم وعُددهم، وجاءوا بحدهم وحديدهم؛ لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، والإجهاز على هذا الدين. فلما جاءوا وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لشيء آخر، ولم يفكر أنهم سيأتون بهذا العدد. وكان قد خرج لأخذ عير قريش، فلما وصل إلى أرض بدر علم أن قريشاً قد تجهزت وخرجت للقائه صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلث عدد الكفار، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً. وأما العُدد التي كانت معهم فقد كانت عُدد تكفيهم لأخذ القافلة فقط، وليس لمقاومة جيش، فإذا بهم يجدون أنفسهم فجأة أمام هؤلاء، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيهم، فأجابه هؤلاء الصحابة الأفاضل وطلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم، وأنهم سيثبتون، وقالوا له: إنك لو أمرتنا أن نمشي حتى نأتي برك الغماد لأتيناها ولا نعصيك في أمرك. وقالوا له: امض لأمر الله ونحن معك. وقد أراهم الله سبحانه تبارك وتعالى الآيات العظيمة، فإن الكفار وفيهم أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من كبار الكفار، جاءوا ومعهم جنود الكفر في زهو وفي غرور يريدون أن يستأصلوا شأفة الإسلام والمسلمين. فلما قدموا إلى بدر أراهم الله عز وجل آياته العظيمة، فقد كانت الملائكة تنزل من السماء ويراها الكفار تقاتل مع المؤمنين فقد كان المؤمن يرفع سيفه ليضرب به رأس الكافر فيسبقه سوط الملك في ضربه، فتخضر عين الكافر من ضربة الملك عليها قبل أن يصل إليها سيف الإنسان المسلم، فأرى الله عز وجل آياته للفريقين، للمؤمنين ليثبتوا، وللكفار ليريهم الذي كانوا يتعجلونه. (ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى بدر من المشركين ونادى عليهم، فنادى على أبي جهل وعلى الوليد بن عتبة وعلى عتبة بن ربيعة وعلى شيبة بن ربيعة، وقال لهم: إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم؟ حقاً؟! فقال له عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: صاروا جيفاً في القليب، فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لي منهم)، يعني: هم يسمعون أكثر مما تسمعوني؛ فقد عرفوا الحق من عند الله سبحانه، وأراهم آية من آياته. فقال لهم الله في هذه السورة المكية: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37]، أي: فعلى ماذا تستعجلون؟ فكان حتفهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الثانية، وقتل كبرائهم من مشيخة قريش الكفرة. وفي قوله تعالى: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ} [الأنبياء:37] قراءتان، قرأها الجمهور بنون مكسورة في آخرها، فإذا وصلوها قرءوها: {فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [الأنبياء:37 - 38]. وقرأها يعقوب في الوقف والوصل بالياء في آخرها (فلا تستعجلوني)، يعني: لا تعجلوا عليّ بالطلب، فإني قد أمرت، وما أردته فهو كائن وحاصل بكم.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الأنبياء:38]. أي: متى يوم القيامة؟ فالسؤال الذي دائماً كان يسأله الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين قولهم: أنتم تخوفونا بيوم القيامة، والخروج من القبور، والعرض على ربنا، فلماذا لم يأت؟ ومتى هذا الوعد؟ وخاصة عندما قال الله لهم في سورة النحل وهي مكية: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل:1]. فيقولون: أين هذا الذي أتى؟ فما جاء هو ولا غيره.
تفسير قوله تعالى: (ولو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار)
تفسير قوله تعالى: (ولو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار) قال الله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنبياء:39]. وفي هذه الآية شرط، ولم يأتي بجوابه؛ لنتخيله نحن. قال تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [الأنبياء:39]، ولو علموا فمستحيل أن يتمنوا ذلك اليوم، ولخافوا وذعروا وارتعبوا ولآمنوا. وهذا هو الجواب الذي سيكون لهذا الشرط، أي: لو يعلمون ذلك لآمنوا. فلو علموا علم اليقين ورأوا هذا الشيء أمامهم ماثلاً يوم القيامة ورأوا العذاب لقالوا: آمنا، ويندمون ولا ينفعهم ندمهم. قال تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ} [الأنبياء:39]. ويكفون من كف الشيء، يعني: يستخدم كفه في صده وكفه، ومنه: يتكفف الناس، ويستكف الناس، يعني: يطلب من الناس بكفه. فالإنسان عندما تأتي عليه مصيبة أو تأتي عليه نار أو يأتي عليه شيء فإنه يدفعه ويكفه بيده قال تعالى عن أهل النار: ((حين لا يكفون عن وجوههم عن النار))؛ لأن أيديهم فيها السلاسل والأغلال. فعندما تأتي النار على وجوههم لا يقدرون على صدها ومنعها عن أنفسهم شيئاً. ففي الدنيا يطفئ الإنسان النار بيده، وأما في يوم القيامة فلا يقدر على ذلك، قال تعالى: {حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [الأنبياء:39]. وذكر الوجوه والظهور؛ لأنهم كانوا يكلحون بوجوههم للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا نظروا إليه نظروا إليه بغضب، ويكلحون في وجهه، ثم يعترضون عليه ويعطونه ظهورهم، فلا يؤمنون ولا يصدقون. فقد كان الكافر عندما يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقابله بوجه عبوس، فيوم القيامة تأكل النار وجه هذا الإنسان الذي عبس به للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم ظهره، واتخذ هذا القرآن مهجوراً، وجعله وراءه ظهرياً. فهم بدلاً من أن يعطوه وجهاً حسناً، ويطلبون العلم منه، ويتعلمون هذا الدين العظيم أعرضوا، فكان جزاؤهم أن النار تأكل وجوههم وظهورهم وأبدانهم. قال الله سبحانه: {وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الأنبياء:39]. فلا هو يقدر أن يكف النار عن نفسه بيده، ولا أحد من الناس يغيثه وينصره ويأخذ ما به من نار وغيرها. فيوم القيامة يصرخ هذا الإنسان، ولا أحد يجيره وينصره من الله سبحانه تبارك وتعالى، قال تعالى: {لا يَكُفُّونَ} [الأنبياء:39]، أي: لا يستطيع هو أن يزيل هذه النار، ولا أحد ينصره. قال تعالى: ((بَلْ تَأْتِيهِمْ))، أي: الساعة {بَغْتَةً} [الأنبياء:40]، وإن لم تكن القيامة فستأتيهم ساعتهم بغتة. وساعة الكافر وقت خروج روحه، فيرى ملائكة الجحيم، سود الوجوه، ومعهم مسوح من النار، وحنوط من النار، وأكفان من النار، ويقولون: اخرجي يا روح الكافر. فيرتعد هذا الإنسان الكافر فتتفرق الروح في جسده من شدة الرعب، فينتزعها الملك كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتتمزق وتتقطع منه العروق والعصب، كما يشبهها النبي صلى الله عليه وسلم بانتزاع السفود الذي هو مليء بالشوك من الصوف المبلول. فإذا جاءت ساعتهم ((بغتة))، أي: فجأة {فَتَبْهَتُهُمْ} [الأنبياء:40] أي: تصدمهم الساعة حين تأتيهم. والبهت: الشيء المفاجئ الذي يدهش ويحير الإنسان، فيجلس محتاراً لا يعرف رأسه من رجليه. فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة، أي: يوم القيامة. أو تأتيهم الساعة يعني: يومهم وميقاتهم وموعدهم وموتهم، فإذا بهم مبهوتون متحيرون لا يقدرون أن يعملوا شيئاً، كالإنسان المبهوت يجلس متحيراً، فاتحاً فاه لا يعرف يتكلم بشيء، ولا يقدر أن يدفع عن نفسه، فكذلك هؤلاء تأتيهم الساعة فجأة من حيث لا يحتسبون ولا يظنون. {فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء:40]، أي: فلا يستطيعون رد الساعة. {وَلا هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء:40]، أي: لا يمهلون، فلا يوجد تأخير ولا إمهال ولا توبة ولا غيرها.
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك)
تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال تعالى مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنبياء:41]. يعني: إن الاستهزاء ليس أمراً جديداً، فاصبر ولا تكن عجولاً كعجلة هؤلاء ولا تطلب من ربك سبحانه ما لم يأتِ الآن، ولكنه سيأتي بعد ذلك. فقال له ربه: لقد استهزئ بمن قبلك من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فاستهزأ بهم أقوامهم فكانت النتيجة ((فحاق))، يعني: نزل بهم نزول إحاطة، وقد يمكن لشخص إذا أتى له شيء من العذاب أن يهرب، وأما هذا فلا؛ لأنه أحاط به العذاب ودار به فلم يستطع أن يهرب منه. قال تعالى: {فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ} [الأنبياء:41]، أي: بالذين سخروا من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الأنبياء:41]. كما قال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43]، فهم سخروا واستهزءوا من وجود البعث والنار والعذاب، فيقول لهم: هذا الذي كنتم تسخرون منه وتستهزئون به قد أحاط بكم فلا تقدرون على الفرار منه.
تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن)
تفسير قوله تعالى: (قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن) قال تعالى آمراً نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول لهؤلاء المشركين: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} [الأنبياء:42]. والكلاءة: الحفظ والحراسة. يعني: من يحرسكم فيمنعكم من الله عز وجل ليلاً أو نهاراً، ومن ينصركم ويدافع عنكم إذا جاء أمر الله سبحانه؟ قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} [الأنبياء:42] أي: من يحفظكم ويحرسكم ويصونكم من بأس الله وقوته وقدرته سبحانه تبارك وتعالى؟ {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [الأنبياء:42]. فلا يستطيع أحد أن يحميكم من الله عز وجل في أي وقت من ليل أو من نهار. قال تعالى: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:42]، أي: بل هم عن هذا القرآن الذي فيه ذكر الله عز وجل وفيه التذكرة بآياته عز وجل، ((معرضون))، أي: قد أعطوه ظهورهم، فلذلك أكلتها النار يوم القيامة، {حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [الأنبياء:39].
تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعم من دوننا)
تفسير قوله تعالى: (أم لهم آلهة تمنعم من دوننا) قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأنبياء:43]. أي: أضرب عن هذا، بل ألهم آلهة؟ فـ (أم) هي المنقطعة التي تقدر بـ (هل) أو (بالهمزة)، و (بل)، فيكون المعنى: بل ألهم آلهة من دون الله عز وجل ينصرونهم ويحفظونهم ويمنعونهم؟ وهل هذه الآلهة (الأصنام) إذا نزل عذاب الله تستطيع أن تدافع عنهم؟ وهم أعلم الناس بأن الأصنام لا تدفع عن نفسها فضلاً عن أن تدفع عن غيرها فهل لهم آلهة تمنعهم من بطشنا، وتدفع عنهم عذابنا؟ قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43]. أي: لا الآلهة تستطيع أن تنصر نفسها، ولا هؤلاء الكفار يقدرون أن ينصروا أنفسهم، {وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43]، أي: ولا هم منا يمنعون ويجدون من يصحبهم فيرفق بهم، ويجيرهم من الله سبحانه تبارك وتعالى. فكأن المصاحبة هنا مثل الإنسان عندما يخاف من قوم يهرب منهم، وعندما يحب أن يرجع إليهم يأتي بشخص معه يصحبه ويدخل معه، فيدخل في جوار فلان الذي أجاره، فيكون معنى قوله: {وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} [الأنبياء:43] لا يجيرهم أحد من عذابنا.
تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم)
تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) قال الله سبحانه: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [الأنبياء:44]. يعني: كأن الذي جعلهم يستكبرون ويتعالون على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين هو أنهم متعوا، أي: أعطاهم الله عز وجل في الدنيا المال والبنين، وأعطاهم من فضله ومن كرمه سبحانه، فإذا بهم يتطاولون على ربهم سبحانه وعلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه، أي: إننا متعناهم وبسطنا لهم من الرزق هم وآبائهم حتى اغتروا بهذه الدنيا. كما قال تعالى: {حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [الأنبياء:44]، يعني: طالت أعمارهم في النعمة، وعمروا السنين الطويلة في النعم. وقد قال تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش:1 - 2]. فقوله: {لِإِيلافِ} [قريش:1]، أي: ألفوا ذلك. وقد كانوا يذهبون صيفاً إلى الشام وشتاءً إلى اليمن، ويأتون برزقهم الذي ساقه الله عز وجل إليهم، وهم أهل الحرم، وقد أمنهم ربنا سبحانه وتعالى وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]. فجعلهم في أمان، وجعل لأهل الحرم مكانة وسط العرب، وجعل لهم رحلتين، يأتون فيهما بالأرزاق يميناً وشمالاً من اليمن ومن الشام، وأمنهم وأعطاهم الثمرات، وجعل بلدهم بلداً آمناً يجبى إليه من كل الثمرات، كما قال تعالى: {رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57]. وأراد منهم أن تكون النتيجة كما قال: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60]، فكان جزاء إحسان الله أن عبدوا غيره سبحانه وتعالى، فمتعهم وأعطاهم وقال: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]. وقال سبحانه هنا: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} [الأنبياء:44]، أي: في النعمة. وقالوا: نحن كنا في نعمة وكذلك آباؤنا، فافتخروا بذلك. وأوصلهم افتخارهم أن وصلوا إلى المقابر يفتخرون بعظام الموتى. قال الله عز وجل: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر:1]. والتكاثر: المفاخرة والافتخار، {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر:2]، فتلهوا بذلك، وقالوا: نحن أكثر عدداً منكم، وانظروا إلى آباءنا الذين ماتوا كانوا أكثر من آبائكم، وقبيلتنا أكبر من قبيلتكم. قال تعالى: ((حتى طال عليهم العمر))، أي: في الفخر في نعمة الله، وظنوا أن الذي أعطى النعمة لا يأخذها، فجحدوا نعم الله عز وجل واستكبروا على خلق الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون)
تفسير قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون) قال الله سبحانه: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء:44]. وكأنه هنا يذكر الكفار بقدرة الله سبحانه على تبديل الأحوال، من حال إلى حال آخر، وهم يرون تنازع الفرس والروم على الأرض، وهما أكبر بلدين موجودين وأكبر إمبراطوريتين. قال تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ} [الروم:2 - 4]. والله عز وجل يأتي بجنود من مكان فيغلبون الجنود الذين في المكان الآخر، وتصبح الأرض التي في يد الأول بيد الثاني، فتقصر الأرض من جهة وتطول من جهة، أفلم يرَ الكفار مثل ذلك، بأن الله يأتي الأرض فينقصها من أطرافها؟ فقد يكون الإنسان يملك ممالك كثيرة فيأتي عليه جيش من أعدائه فيأخذ نصف ما بيده أو أكثر، فتضيع مملكته أو كثير منها، وتصير من حق الآخر. فإذا كانت الدنيا دول تدول وتضطرب وتتغير مرة مع هؤلاء، ومرة مع هؤلاء، فمن الذي يعصمكم أنتم من الله؟ فقد تطاولتم وكنتم في النعم، أفلا تخافون أن يأخذ الله عز وجل منكم هذه النعم؟ فكأنه يذكرهم بالنظر إلى ما حولهم، من أن الأرض قد يملكها إنسان ثم فجأة يأخذها غيره، والعرب كانوا يعرفون ذلك حين يغير بعضهم على بعض، وتغير القبيلة على قبيلة ثانية وتأخذ ما بأيديهم، ثم ترجع الثانية تغير عليهم وتسترد ما أخذوه، فتكون الأموال بأيديهم ثم فجأة تصير إلى آخرين، ثم فجأة ترجع إليهم، فتكون الدنيا دولاً فلا يغتر الإنسان بالدنيا التي معه. وهذا معنى من المعاني الواردة في الآية، فكأن معنى: {نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد:41]. أي: بالقتل والسلب والغصب وأخذ أموال البعض وإعطائها للبعض الآخر. فهذه آية كانوا يرونها أمامهم. وقالوا: إن من معاني هذه الآية: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء:44]. إن الأرض كلها كفر، ثم ظهر الإسلام، وبدأ الإسلام غريباً، ثم زاد الإسلام وزاد جنوده، إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جاء الجهاد في سبيل الله سبحانه وانتصر المسلمون على الكفار، وفتحت الأرض أمامهم، فزادت أرض المسلمين وقلت أرض الكافرين، ثم فتح المسلمون مكة، وفتحوا ما حولها من البلدان، ودانت لهم الحجاز جميعها، ثم توجهوا إلى الشام فاتحين، ثم توجهوا إلى الجنوب وإلى الشرق وإلى الغرب، وفتح الله عز وجل من فضله ومن كرمه على المسلمين؛ فأصحاب هذا القول يرون أن الآية نزلت في مكة قبل الفتوحات. والقرآن صالح لكل زمان ومكان، والله عز وجل يأتينا بالمعنى الذي يفهم في وقت على معنى، وهو معنى صحيح، ثم يجد الأمر، ويجد أمراً أمامه، فيقول للكفار الموجودين: {أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء:44]، فيجدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن البقاع التي في أيدي المسلمين تزيد، والتي في أيدي الكفار تقل، ولا يزال الأمر كذلك إلى أن يأتي أمر الله سبحانه، ولا يترك الله عز وجل بيت حجر ولا مدر إلا ويدخله هذا الدين العظيم، وهذا معنى من المعاني.
الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)
الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) وعلماء الفلك لهم معنى آخر إضافة إلى ذلك، وهو ليس إلغاء لهذا المعنى؛ لأن المعنى الذي ذكروه هو معنى عُرف الآن، ولم يكن معروفاً من قبل ألف وأربعمائة سنة، فهم الآن حين يكتشفون شيئاً، فهذا دليل على أن هذا القرآن العظيم معجز، فهو في كل وقت يفهم على معنى صحيح موجود فيه، ولا يأتي معنى يلغي معنى آخر، فلا يكون المعنى الذي اكتشفه العلم الآن يلغي المعنى القديم، وإنما المعنى القديم على ما هو موجود، وهو معنى صحيح. فعلماء الفلك يقولون في قوله تعالى: {أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء:44]، إن الأرض يحدث لها انكماش دوري، فعندما تنفجر البراكين في داخل الأرض تخرج الغازات من داخلها، وتخرج المواد الموجودة في داخل الأرض، فيصير مكان البركان فارغاً في الداخل فتنكمش الأرض على نفسها. وهذا كلام الدكتور زغلول النجار، وكلامه جميل جداً في هذه الآيات الكونية، ففي كلامه أشياء عظيمة جداً وجميلة، وتفسيرات جميلة. وإن كنا نقول: إنه ليس معنى كون هذا التفسير صحيحاً أنه يلغي التفسير الماضي؛ لأنه لا يمكن أن تكون الأمة منذ ألف وأربعمائة سنة ماضية تفسر هذه الآية على معنى خطأ لا يفهمونه من القرآن، ولكن هي معان صحيحة، وإنما يضاف معنى إلى معنى، ويظهر الله عز وجل ما يجد من أشياء. فيذكر لنا أن الأرض تنكمش على نفسها باستمرار، فنقصانها من أطرافها يكون في انكماشها. ويذكر أنهم اكتشفوا: أن هذه الأرض كان حجمها ألفي مرة قدر حجمها الآن. فهي تنكمش على نفسها شيئاً فشيئاً؛ بسبب البراكين والزلازل وما يخرج منها، فتنكمش الأرض على نفسها بذلك، فهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك في ذلك. ومن المعاني التي يذكرها علماء الفلك في الآية أنهم يقولون: عوامل التعرية تأكل من قمم الجبال، من الهواء وغيره، وتنزل فيه منخفضات وترفع فيه أخرى، ويقولون: إن وزن العمود الصخري وهذا كلام الدكتور زغلول أيضاً، من مركز الأرض إلى أي نقطة على سطح الأرض لابد أن يكون مستوياً في كتلته مع كل عمود على أطراف الأرض جميعها. فإذا جاءت عوامل التعرية وأخذت من فوق الجبال ونزلت على المنخفضات، فإنه يحصل نوع من عدم التساوي. يقول: ولو طغى الأمر على ذلك مع دوران الأرض حول نفسها، ودورانها حول الشمس فإن القوة الطاردة المركزية تطير الأشياء التي هي أثقل وزناً حتى تعود الأرض إلى ما كانت عليه ويجعل الله عز وجل شيئاً آخر عوضاً عما ذهب بسبب عوامل التعرية، وهي البراكين التي تخرج من الأرض، فتعيد التوازن إلى سطح الأرض مرة ثانية، فهذا إنقاص للأرض من مرتفعات، وإعلاء لمنخفضات غيرها، فيتغير الأمر، وتتساوى كل الأعمدة الصخرية التي في الأرض. وهذا معنى من المعاني التي يذكرها علماء الفلك. ثم يقول الله عز وجل: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء:44]؟ يعني: إذا رأوا أننا نصنع ذلك بالجبال، ونصنع ذلك بالبراكين التي لا يقدرون أن يقاوموها، ونصنع ذلك بالأرض فنجعلها دولاً للناس مرة في يد فلان ومرة في غيره، أفهم يغلبوننا؟ وهم قد أشركوا بالله تبارك وتعالى، ولا يملكون لأنفسهم شيئاً، وهو الذي يملك هذه القدرة العظيمة، أفهو الذي يغلب؟ قال تعالى: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء:44]؟ و A مستحيل أن يكونوا هم الغالبين، وقد رأينا كيف صنع ما صنع بهؤلاء المتكبرين.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنذركم بالوحي) ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} [الأنبياء:45]. أي: بهذا القرآن، الذي جاء بالمواعظ، وجاء فيه التهديد والوعيد، وجاء فيه التشريع من رب العالمين، وجاء فيه التذكرة بقصص الأولين، وما يكون من أمر الساعة. قال تعالى: {إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء:45]. يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء صمت آذانهم فلا يسمعون، ولن ينتفعوا بهذا الدعاء الذي تقوله. يقول تعالى: {وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ} [الأنبياء:45]، أي: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء، فهم مثل الأصم، ومهما ناديت الأصم من قريب أو من بعيد لا يسمعك، وكذلك هؤلاء في آذانهم وقر، فلا يسمعون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم سمع إجابة. وهذه قراءة الجمهور: {وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ} [الأنبياء:45]. وقرأ ابن عامر: (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون)، يعني: أنت لا تسمع الأصم. والصم: جمع الأصم. فلا تسمع هؤلاء الذين لا يسمعون ولا ينتبهون إليك، طالما أن الله غلف على قلوبهم، فهم لا يفقهون ولا يفهمون.
تفسير قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك)
تفسير قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) قال تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ} [الأنبياء:46]. والنفخة الشيء اليسير، ومنها نفحة المسك. فلو أن شيئاً من عذاب الله عز وجل مس هؤلاء لصرخوا وقالوا: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:46]، أي: لئن مسهم شيء يسير من عذاب الله؛ ليقولون معترفين بظلمهم: {يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:46]. ولكن قولهم هذا لا يقولونه إلا عندما يأتيهم العذاب، وإذا جاءهم العذاب لا ينفعهم هذا القول مهما ندموا ومهما تابوا.
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:47]. ويوم القيامة يعرض ويظهر ما كان خفياً في الدنيا. وأعمال العباد التي كانت معنوية صارت مجسدة حقيقية يوم القيامة، وتوضع فوق الميزان، وكل إنسان له ميزانه، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء:47]، أي: الموازين العادلة، والموازين جمع ميزان. والقسط مصدر، ولذلك يوصف به المفرد، فيقال: الميزان القسط، ويوصف به المثنى، فيقال: الميزانان القسط، ويوصف به الجمع فيقال: الموازين القسط؛ لأن القسط مصدر، فيوصف به في الإفراد والتثنية والجمع بنفس الصورة. قال تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)). {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ} [الأنبياء:47]. وحبة الخردل أقل الحبوب وزناً. قرأها نافع وأبو جعفر (وإن كان مثقالُ)، وقرأها الجمهور: ((وإن كان مثقالَ حبة))، أي: وإن كان عملك مثقال حبة. وعلى القراءة الأخرى: (إن كان مثقالُ حبة من خردل) يكون المعنى: وإن وجد مثقال حبة من خردل. {أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47]، فهذه أقل الأعمال لا يضيعها الله عز وجل، كما قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]. قال سبحانه هنا: {أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47]، أي: أحضرناها في يوم القيامة. {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]، وأنت لن تقدر أن تحسب ما يحسبه الله سبحانه، ولا أن تعد ما يعده الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]، أي: نحسب عليكم أعماركم وأعمالكم وأقوالكم ونواياكم، ونحسب عليكم كل ما صنعتم ونحاسبكم ونجازيكم عليه الآن. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [47 - 63]
تفسير سورة الأنبياء [47 - 63] ذكر الله عز وجل قصص الأنبياء والرسل في القرآن العظيم للعظة والاعتبار، والتفكر في آيات الله وسننه في المكذبين لرسله، وحتى يتعظ المؤمن فيصبر في سبيل الله كما صبر الأنبياء والمرسلون، ومن هؤلاء الأنبياء موسى وهارون وإبراهيم عليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)
تفسير قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:47 - 64]. يخبرنا الله تبارك وتعالى في هذه الآيات عن وضع الموازين بالقسط ليوم القيامة، وكل إنسان له ميزان يوزن عليه عمله يوم القيامة، ولذلك جمعها هنا، وذكر أنها الموازين القسط، أي: الموازين العادلة، وقال: إن وضع الميزان القسط يكون في يوم القيامة. يعني: إن الموازين العادلة تكون يوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً، والنكرة هنا تفيد العموم، أي: إنه لا تظلم نفس من أعمالها ولو شيئاً يسيراً، حتى وإن كان هذا الشيء مثقال حبة من خردل، والخردلة أصغر الحبوب على الإطلاق. قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47]، أي: جئنا بها يوم القيامة، حسنة كانت أو سئية. {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47] أي: نحسب عليكم ما تفعلونه، ونحاسبكم به يوم القيامة. وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قعد بين يدي النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: يا رسول الله، إن لي مماليك يكذبونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ أي: إن هذا الرجل عنده مماليك فيهم الشرور، فهم يكذبون ويخونون ويعصون سيدهم، وهو يرد ذلك بأن يشتمهم ويضربهم، فهو يسأل عن أمره معهم يوم القيامة، فالرجل خائف من الحساب؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم)، يعني: يوم القيامة. قال: (فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل). إذاً: فالإنسان الذي يملك مملوكاً ليس مصرحاً له أن يعمل فيه ما يريد، وسيحاسب يوم القيامة على ما عمل فيه، وعلى قدر ما صنع في هذا المملوك الذي يملكه. وكذلك الحيوان الذي يملكه الإنسان إذا ضربه بقسوة وشدة، فيوم القيامة يأخذ الله عز وجل هذا الإنسان، ويحاسبه على ما صنعه بالحيوان، بل إن الحيوانات يقتص الله عز وجل لبعضها من بعض، فيقتص للجلحاء من ذات القرن يوم القيامة. فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك للرجل، تنحى الرجل فجعل يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما تقرءون كتاب الله؟ أما قرأت هذه الآية: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء:47]، فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار)، فتخلص منهم بهذه الصورة، وحررهم لله عز وجل، وكان من الممكن أن يبيعهم ويأخذ ثمنهم، ولكن الرجل خاف من الموقف العظيم بين يدي الله عز وجل، ولم يعلم هل الشتم والضرب أكثر أم الذي فعلوه أكثر؟ فحررهم وتخلص من أمرهم. فعلى الإنسان الذي ينظر في غده، ويخشى من حساب يوم القيامة، فيحاسب نفسه على كل عمل عمله، فيوم القيامة توضع الموازين بالقسط، فلا رشوة ولا مجاملة لأحد، ولكن إن كان العمل صالحاً نجا، وإن كان سيئاً هلك، فعلى الإنسان أن ينظر في أعماله، فإنه سيحاسب عليها يوم القيامة. وكم من إنسان يضحك ويلعب ويلهو، وينسى الموقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل، وأنه سيسأل عن مثقال الذرة. قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} [الزلزلة:7 - 8]. فقد ينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً؛ لأن هذه الكلمة تغضب الله تبارك وتعالى. وقد ينسى الإنسان فيمزح بكلمة ويظن أنها سهلة، وهي عند الله عظيمة، وهذه السيدة عائشة تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك من صفية أنها كذا، تشير بأنها قصيرة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) يعني: أنها كلمة في غاية المهانة والقذارة، لو مزجت بماء البحر -الذي هو الطهور ماؤه الحل ميتته- لمزجته أي: لخلطت ماء البحر وأفسدته، ولو أن الإنسان اطلع على الغيب لرأى هول ما يقوله ويقع فيه من آثام وشرور، فليحاسب الإنسان نفسه على ما يقول، وعلى ما يظن، وعلى ما ينوي، وعلى ما يفعل. قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} [الأنبياء:47] أي: حفظناها يوم القيامة. {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47] أي: وكفى بنا حاسبين على الإنسان يوم القيامة. وعندما يعترض المنافق على ربه سبحانه ويأبى ألا يشهد عليه أحد إلا من نفسه، ينطق الله عز وجل جل أعضاءه فتنطق أعضاؤه بما كان يصنع في الدنيا، فتنطق اليدان والرجلان، وتنطق جميع حواسه فإذا به يدعو على نفسه وعلى أعضائه يقول: سحقاً لكن فعنكن كنت أناضل، أي: كنت أدافع عنكن، فسحقاً لكن.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان) يقول الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48]. ذكر هنا موسى، وقد ذكر ربه كثيراً، وبينه وبين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنبياء كثيرون، ولكن منهم من قص الله عز وجل علينا قصته، كالمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومنهم من لم يقصه الله عز وجل لنا. فبين موسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم أنبياء كثيرون من بني إسرائيل، وقد كانت طبيعة بني إسرائيل أنهم لا ينقادون لأحد إلا أن يكون نبياً من عند الله عز وجل يوجههم ويهديهم، فهم مثل الخراف الضالة يحتاجون إلى الراعي دائماً، ولذلك لما جاء المسيح عليه الصلاة والسلام قال: (إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة). وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم رسولاً لكل الأمم، للإنس والجن صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فموسى تكرر ذكره باعتباره صاحب شريعة، والقرآن شريعة عظيمة، بل أعظم شرائع رب العالمين، وأعظم كتب رب العالمين، وهو المهيمن على ما قبله، والشاهد على ما قبله، والناسخ لكل ما قبله. وقد أوتي موسى الكتاب، وأوتي التوراة، فكانت أعظم الكتب في حينه، ثم بعد ذلك ظل من بعده من أنبياء بني إسرائيل يحكمون به، حتى بعث المسيح عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنسخ الله عز وجل بالإنجيل بعض ما في التوراة فأحل أشياء كانت حرمت عليهم، وجاء بأشياء من عند الله سبحانه وتعالى، وجاء بالإنجيل كتاب مواعظ يعظ الخلق به. فالكتاب الذي يشبه القرآن ككتاب تشريع هو التوراة، فقد كانت التوراة كتاب تشريع، ولذلك كثيراً ما يذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قدوة للنبي صلى الله عليه وسلم أي: أنه كان صاحب شريعة مثلما أنت صاحب شريعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فضل على الرسل، وجعل القرآن مهيمناً على كل الكتب السابقة. وموسى ذكر في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة؛ لأنه من أولي العزم من الرسل، ولصبره على بني إسرائيل يدعوهم إلى الله عز وجل، فقد صبر عليهم كثيراً، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقتدي به، وإذا أوذي يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر). قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] فذكر هنا موسى وهارون، والتوراة إنما نزلت على موسى، وهارون أمر بأن يحكم بها، وكان نبياً مع موسى. والفرق بين النبي والرسول: أن النبي يوحى إليه من عند الله عز وجل، ومكلم بالوحي من الله تبارك وتعالى، ومأمور بالتوحيد وتبليغه للناس، وأن ينصح الخلق، ولكن ليست معه رسالة خاصة يدعو الناس إليها. فكان موسى صاحب رسالة وهي: التوراة، وأما هارون فكان يحكم بالتوراة التي نزلت على موسى، فإذاً: هو ليس صاحب رسالة، ولكنه نبي من عند الله، ويوحى إليه من الله تبارك وتعالى، ومعين لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} [الأنبياء:48] والفرقان: التوراة، وسميت فرقاناً لأن الله عز وجل فرق بها بين الحق والباطل. فقد كانت التوراة كتاب تشريع من عند رب العالمين، وتبين لهم الحلال من الحرام، والخطأ من الصواب، وما يفعل وما يترك. وذكر في الآية: (الفرقان) أي: نصرناه بالتوراة على فرعون وجنوده. قالوا: لأن الله عز وجل ذكر بعد ذلك: {وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] فيكون المعنى: آتيناه النصر، وآتيناه الكتاب من عند رب العالمين. فعلى هذا القول: يكون الفرقان هو نفسه الضياء، وهو نفسه الذكر من عند رب العالمين. يعني: التوراة هي فارقة بين الحق والباطل، وهي ضياء من عند رب العالمين، وهي ذكر من عنده سبحانه. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48]، وذكراً أي: تذكرة للمتقين. وقد وصف التوراة هنا بأنها ضياء، والضياء فيه نور ولكن فيه إحراق، وفيه شدة، فقد وضعت عليهم الآصار بتعنتهم، والقرآن وصفه الله عز وجل بأنه نور من عنده سبحانه وتعالى، والقرآن وضع عنا هذه الآصار، وما جعل علينا في الدين من حرج، ولكن في شرع بني إسرائيل كان عليهم الآصار وعليهم الأغلال، حتى إن الرجل إذا بال وسقطت قطرة من بوله على ثيابه لم يؤمر بغسله فقط، وإنما كان يؤمر بقرض جسمه الذي أصابه البول بالمقراض. فلما جاء أحد بني إسرائيل ونهاهم عن ذلك عذب، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم في نار جهنم وهو يعذب في النار؛ لأنه نهى بني إسرائيل عن شرع ربنا تبارك وتعالى، فكان عليهم الآصار والأغلال، التي وضعها ربنا سبحانه وتعالى عليهم. قال سبحانه: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157] فما كان على الأمم السابقة من آصار وقيود وأغلال هذا كله مرفوع عنا، وليس في شريعتنا ذلك، فشريعتنا نور من رب العالمين، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]. قال تعالى: {وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} [الأنبياء:48] يعني: الذي إن يتذكر بأحكام رب العالمين هو التقي.
تفسير قوله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون)
تفسير قوله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون) قال تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:49]. فهؤلاء هم الذين تنفعهم الذكرى، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55] فإذاً: الذكرى لا تنفع أي أحد، وإنما الإنسان المؤمن. وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى} [الأعلى:9 - 11]. فلا يتذكر بمواعظ الله عز وجل إلا الإنسان التقي الذي يخاف من الله، ولا يجتنب التذكرة، ويجتنب الموعظة ولا ينتفع بها إلا الإنسان الشقي، {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى:12]. فهنا يخبرنا سبحانه عن هؤلاء المتقين الذين ينتفعون بالتذكرة، وهم الذين يخشون ربهم بالغيب، ويذكرون الله عز وجل ويخافون منه تبارك وتعالى. ويذكرون بالساعة فيشفقون منها، فيذكرون الله عز وجل في غيبتهم عن الناس فلا ينتهكون محارم الله تبارك وتعالى، وكذلك إذا غابوا عن أعين الناس، فلم يرهم أحد استحيوا أن يقعوا في المعاصي، وخافوا أن ينتهكوا حدود الله وحرماته سبحانه وتعالى. إذاً: فهم في حال حضورهم مع الناس أو غيبتهم عنهم لا يعصون الله سبحانه، ويخافونه سبحانه، والله غيب لم يروه، ولكن عرفوه من آياته وصفاته سبحانه وتعالى، فخافوا منه، فهم يخشون ربهم بالغيب، وهم من الساعة مشفقون، وهم من يوم القيامة خائفون وجلون، وإذا ذكروا بالساعة يبكون ويدعون ربهم سبحانه أن ينجيهم من هول الموقف يوم القيامة. قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ} [الأنبياء:50] أي: وهذا القرآن العظيم مثل التوراة، فكما كانت التوراة فرقاناً بين الحق والباطل، كذلك هذا القرآن فرقان من رب العالمين، يفرق به بين الحق والباطل، وهو الذكر المبارك، قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ} [الأنبياء:50] أي: ما جاء من عندك، ولا تكلمت أنت به من عند نفسك، ولكنه نزل من عند رب العالمين من السماء، فهذا ذكر مبارك، أي: فيه الخير، وفيه البركة، وفيه الثبوت، فهو ثابت لا يزول أبداً. قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ} [الأنبياء:50]، أي: يا معشر العرب، ويا معشر من جاءكم هذا القرآن أفأنتم له منكرون؟ أفتنكرون هذا القرآن العظيم وقد تحداكم ربنا سبحانه بما فيه فلم تقدروا على سورة من مثله، وهو معجز لكم، لا تقدرون على الإتيان بمثله؟ ثم شرع يذكر لنا من قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة السلام.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده) قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51]. وقد ذكر قبل ذلك موسى وهارون ولقد ذكر لنا في هذه السورة الكريمة ستة عشر نبياً بأسمائهم، وذكر فيها السيدة مريم أيضاً، والراجح أنها ليست نبية، وإن كان ربنا أوحى إليها وألهمها، ولكنها ليست نبية، وإنما هي صديقة عليها السلام. وقد ذكر الله عز وجل في سورة الأنعام سبعة عشر نبياً قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [الأنعام:83 - 84] وذكر سبعة عشر نبياً بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وفي هذه السورة ذكر سيدنا إبراهيم ثالث بني، بعد أن ذكر قبله موسى وهارون، وإبراهيم بمعنى: الأب الرحيم بلغتهم، وكان يلقب بأبي الضيفان؛ لأنه كان إذا جاءه ضيف أكرمه كرماً عظيماً نافعاً، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ} [الأنبياء:51] والرشد: الصلاح وحسن الخلق. فإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله عز وجل رشده من قبل موسى وهارون، وإن كان الله عز وجل قد ذكر موسى وهارون قبله في هذه السورة، ولكن إبراهيم من قبلهم، وهو وأبوهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فآتاه الله عز وجل الرشد، فقيل: بمعنى النبوة، وقيل: بمعنى الصلاح، أي: أصلحناه قبل أن يكون نبياً عليه الصلاة والسلام. فكان يجادل ويناظر الناس بعبادتهم لغير الله سبحانه ثم أكرمناه بالنبوة. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51] أي: كنا عالمين أنه أهل لذلك، وأنه مستحق لهذا الصلاح الذي جعلناه فيه، وصالح للنبوة عليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ} [مريم:42] أي: اذكر حين قال لأبيه ذلك. {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] وقد كان أبوه يصنع التماثيل لقومه. وقد كان إبراهيم عليه السلام في محن عظيمةً، وقد ابتلي بكل من حوله عليه الصلاة والسلام، فقد ابتلى في نفسه وفي أبيه وفي ابنه وفي زوجه وفي القوم الذين هم معه، ثم هاجر إلى قوم آخرين ليبتلى فيهم بلاءً عظيماً، وكل هذا البلاء في ذات الله سبحانه وتعالى، ولذلك رفعه ربنا درجةً عظيمة جداً صلوات الله وسلامه عليه، فقربه وجعله خليلاً له. والخليل: الحبيب القريب، فهو أقرب الأحبة. فجعله الله عز وجل له خليلاً، واتخذ محمداً خليلاً، وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعاً الصلاة والسلام. قال سبحانه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ} [الأنبياء:52] واسم أبيه آزر، كما قال تعالى في سورة الأنعام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:74 - 75]. وقد كان أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقومه في العراق، وبعد ذلك هاجر إلى الشام، وكان أهل العراق عباد أوثان، يعبدون التماثيل من دون الله عز وجل، وكان أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله، فناظرهم إبراهيم على ذلك. وكان إبراهيم في كل موطن يصبر صبراً عظيماً، فقد صبر مع أبيه فناظره وجادله ودعاه إلى ربه سبحانه، وفي النهاية قال له أبوه: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:46 - 47]، فناظر أباه باللطف، قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:42 - 45]. ففي كل دعوة يدعوه بقوله: يا أبت، تحنناً وتقرباً لأبيه وتلطفاً معه، لعل أباه يستجيب، فما كان من الأب إلا أن نهره؛ لأنه صانع التماثيل لقومه، فلما يئس منه إبراهيم: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم:47] وتركه، وقال: لن أتركك من دعوتي، وسأدعو ربي سبحانه تبارك وتعالى لعله يستجيب لي، {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47]، أي: مكرماً لي، فلعله يستجيب لي. ودعا قومه إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، قال سبحانه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] والتمثال: اسم موضوع لما مثل، وهو الذي يصنعه الإنسان على هيئة الشيء ومثاله، فيقال: مثلت الشيء بمعنى: أني مثلته بشيء آخر، وجعلته مثله، فكانوا يصنعون التماثيل، ويعبدونها من دون الله سبحانه، وكانت هذه التماثيل على هيئة أشخاص.
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] أي: ملازمون لعبادتها، ومستديمون ومقيمون عليها {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:53] وهكذا الإنسان الذي ليس عنده حجة يقول: إن أباه كان يفعل هذا الشيء. فهم قالوا: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:53] أي: فنحن نعمل مثل آبائنا، وكأنهم كانوا يظنون أن آباءهم أفضل منهم، فكانوا يعملون ما يعمله آباؤهم من غير تفكير. {قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54]، أي: لا أنتم ولا آباؤكم على هدى، وكلكم في ضلال مبين، وفي خسران وجرم عظيم. {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء:55]، أي: هل هذا جد أم أنك تمزح معنا وتعلب؟ {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56] ربكم الحقيقي المستحق للعبادة هو الذي خلق السماوات والأرض. (الَّذِي فَطَرَهُنَّ): أي: أوجدهن على غير مثال سابق، وابتدأ خلقهن ولم يكنَّ قبل ذلك. وفطر الشيء أي: ابتدع خلقه، والله عز وجل خلق السماوات والأرض من العدم، وبدأ خلقهن تبارك وتعالى. {وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56]، أي: أنا أشهد بقدرة الله سبحانه، وأنه رب السماوات والأرض، وأنه يستحق أن يعبد وحده. {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57]، يعني أنه لم يكتف بالإنكار بلسانه، وإنما أنكر أيضاً بيده، ويقسم {وَتَاللَّهِ} [الأنبياء:57]، وتاء القسم تختص بالله عز وجل وحده، ولا يوجد قسم بالتاء يكون لغير الله تبارك وتعالى، فهي مختصة به وحده لا شريك له، وأما الواو فتدخل على الاسم الظاهر، والباء يقسم بها في الظاهر والمضمر. قال الله سبحانه هنا على لسان إبراهيم: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ} [الأنبياء:57] يعني: لأمكرن ولأصنعن بهم شيئاً حتى أريكم أن هؤلاء ليسوا أهلاً لأن يعبدوا. فقال: {بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57]، أي: عندما تذهبون إلى العيد، فهناك سأتوجه إلى الأصنام وأكيد بها.
تفسير قوله تعالى: (فجعلهم جذاذا)
تفسير قوله تعالى: (فجعلهم جذاذاً) قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58]. قال المفسرون: كان لهم عيد في كل سنة يخرجون فيه خارج المدينة للعب والمرح، ويرجعون بعد ذلك إلى أصنامهم، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام انتظر ذلك، فقوله: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57] أي: بعد أن تخرجوا للعيد سأتجه إلى الأصنام لأحطمها، وكأنهم أرادوا من إبراهيم أن يخرج معهم إلى عيدهم؛ لعله يهتدي بحسب ظنهم وزعمهم، فلما شدوا عليه أن يخرج معهم قال: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] أي: أنا مريض لا أقدر على أن أخرج معكم، فذهبوا وتركوه فتوجه إلى أصنامهم، {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء:58]، أي: كسرهم قطعاً، وهذه قراء الجمهور، وقراءة الكسائي: (فجعلهم جِذَاذاً)، بمعنى: كسراً وحطاماً. {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ} [الأنبياء:58] وقد كانت الأصنام مرتبة، فالصنم الأكبر أولاً وبعده الأصغر فالأصغر فالأصغر، وكان القوم لما أرادوا أن يخرجوا أتوا بأطعمتهم إلى هذه الأصنام، من أجل أن تبارك لهم فيها بزعمهم، وتركوا طعامهم عند الأصنام حتى يرجعوا ليأكلوه بعد أن تحل فيه البركة بزعمهم. وذكر الطبري وابن أبي حاتم عن السدي قال: رجع إبراهيم عليه السلام إلى آلهتهم فإذا هي في بهو عظيم، أي: فناء عظيم أو في صالة عظيمة، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جانب بعض، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الأصنام يظنون أنها ستبارك لهم فيه، وقالوا: إذا رجعنا وجدنا الآلهة بركت في طعامنا فأكلنا. فلما نظر إليهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: {أَلا تَأْكُلُونَ} [الصافات:91] يكلم الأصنام ويسخر منها، أي: هم قد وضعوا لكم الأكل من أجل تأكلوا. {مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ} [الصافات:92]، أي: لماذا لا تتكلمون ولا تردون، {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات:93] فكسر رءوسهم بيمينه، وترك الكبير، وعلق فيه الفأس. قال تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:58] أي: يتعظون ويقولون: إن هذا الكبير هو الذي كسر الصغار من أجل أن يبقى هو وحده الإله. فلما رجعوا من العيد ورأوا الأصنام {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59] أي: من الذي عمل هذا بآلهتنا {إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]. {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60] وكأن إبراهيم قال لهم: إني سقيم وسأرجع، وكأنه جهر وقال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57] وظن أنهم لم يسمعوه، وقد سمعه بعض ضعفائهم، أو بعض من كانوا حوله، فشهدوا عليه {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:60] أي: شاباً يقال له إبراهيم قالوا: كان عمره ستاً وعشرين سنة في هذا الوقت. {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:61]، يعني: كأن الملك -وهو النمرود - يريد أن يحقق العدالة، فقال: هاتوه وأتوا بالشهود أمام الناس لعل الناس يشهدون عليه، من أجل ألا نظلمه ولا نعاقبه من غير شهادة، فيشهدون بأنهم رأوه وهو يكسر الأصنام. {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} [الأنبياء:61] أي: أمام الناس يرونه، لعلهم يشهدون عليه.
تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا)
تفسير قوله تعالى: (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا) {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62] وهذا سؤال تحقق هنا: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62]؟ فكان A { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} [الأنبياء:63] أي: انظروا إلى الفأس أين هو؟ فالصنم الكبير هو الذي عمل هذا العمل. {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]. وكأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يعلق شيئاً على شيء، وهذا من معاريض الكلام، ومن التورية في الكلام، وهو أن يأتي بكلمة لها معنيان: معنى قريب، ومعنىً بعيد؛ فكأن إبراهيم يقصد في الكلام: إن نطق هؤلاء فهذا هو الفاعل ولكن هؤلاء لا ينطقون، فليس هذا هو الفاعل. فكأنه يقول لهم: من الذي يفعل هذا؟ وهؤلاء لا ينطقون، فهل هذا هو الذي يصنع ذلك؟ فإن نطق فهو الفاعل. هذا قول من الأقوال التي ذكروها في هذه الآية. وقال الكسائي: إنه يوقف هنا: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ} [الأنبياء:63]، ثم يستأنف: {كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، فكأنه يقول: بل فعله من فعله، وكبيرهم هذا. وهذا من باب التعريض في الكلام، فهم سيفهمون بأنه فعله كبيرهم هذا، وأنه لا يقصد شيئاً آخر غير ذلك. وهو يقصد: فعل ذلك من فعل، وسكت ثم قال: {كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، أي: اسألوا هؤلاء التماثيل، واسألوا هذا الكبير إن كانوا ينطقون {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]. وجاء في الأثر عن عمر رضي الله عنه: إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب. يعني إن الإنسان إذا اضطر إلى شيء كما اضطر إبراهيم فله أن يعرض بدلاً من أن يكذب، ففرق بين الكذب، وهو أن يتكلم عن الشيء الخطأ وهو يقصد ما يقول، وبين التورية، وهي أن يتكلم بالشيء ويقصد لازمه، فيتكلم بشيء له معنيان ولا يقصد معناه الصريح وإنما يقصد المعنى الآخر البعيد الذي لا يستحضره السامع، فيظن المعنى الخاطئ. {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62] وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا كذباً، قال صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم صلى الله عليه وسلم إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] وقوله: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63] وواحدة في شأن سارة). وفي رواية قال: (لم يكذب إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم في شيء قط إلا في ثلاث، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89] وقوله لـ سارة: أختي، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا)) [الأنبياء:63]) إذاً: فإبراهيم كذب ثلاث مرات. والراجح أن هذه الثلاث المرات من التعريض في الكلام ولم يقصد الكذب المحض. والكذب ثلاث مرات في حياته كلها شيء قليل جداً، وهن في ذات الله عز وجل، وقد قال الحديث: إنهن كن في ذات الله سبحانه، ولم يكذب لنفسه، ولما كان هذا النبي عليه الصلاة والسلام مرتبته عند الله مرتبة عظيمة جداً، فإنه لما كذب ثلاث مرات كأنه نزل عن هذه المرتبة قليلاً، فتقدم عليه نبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لم يكذب أبداً صلوات الله وسلامه عليه. وعندما يؤتى إلى إبراهيم يوم القيامة، ويقال له: اشفع لنا أنت خليل الرحمن، يقول: (أنا خليل ومن ورائي خليل، ويذكر كذباته الثلاث). ويخاف من ذلك يوم القيامة. وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعرض على شيء لا من كذب ولا غيره، ولا ينطق إلا بحق، سواء في جده أو في هزله صلى الله عليه وسلم، حتى في ضحكه مع الناس، فكان لا ينطق إلا بالحق، صلى الله عليه وسلم. فلذلك يوم القيامة يتقدم ويقول: (أنا لها، أنا لها) صلوات الله وسلامه عليه. ومقام النبوة مقام عظيم جداً، فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب إبراهيم صلى الله عليه وسلم النبي إلا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89]) يعني: أنه مريض، فكأنه يقول: قلبي سقيم ومريض مما أراكم عليه من الشرك، فعدت كذبة. (وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63]) وتأويل هذا: بل فعله كبيرهم إن كان يفعل ذلك فهو الذي فعل، ولكن كأنه لا يفعل، فليس هو، أو بل فعله من فعله وكبيرهم هذا، يعرض في ذلك. وعلى كل سميت هذه الكذبة الثانية. (وواحدة في شأن سارة)، ولم يجعل هذه في ذات الله، وإن كانت حقيقتها أنها أيضاً في الله عز وجل، لأنه له فيها نصيباً؛ فإنه لما جاء مع سارة إلى مصر وكان يحكمها جبار من الجبابرة قيل له: إنه دخل رجل اسمه إبراهيم ومعه امرأة هي من أجمل الخلق ومن أجمل نساء الناس، وكانت سارة من أجمل النساء؛ فسأله الجبار: من هذه؟ فلو قال امرأتي لقتله، فلذلك عرض إبراهيم في الكلام وقال: أختي، وقال لها: (إني قلت له: إنك أختي، فلا تكذبيني، أو فلا تكذبينني)، من أجل أن يحمي نفسه من القتل لعله يبلغ رسالة الله سبحانه وتعالى، وقد عدت هذه كذبة، وإن كان مضطراً إليها. ومن الممكن أن يقال: هذه أيضاً في الله عز وجل، وإنها بلاء ابتلي بها في الله، ولكن إبراهيم لعظيم منزلته عدت عليه هذه الثلاث كذبات. وقد يصنع الأنبياء والمرسلون أشياء قد تكون إحساناً من غيرهم، ولكنهم قد يلامون على هذا الشيء، فجعلت هذه ثلاث كذبات لإبراهيم من هذا الباب. وقيل: بل وأخرى رابعة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر، وهي قوله: هذا ربي، لما ناظر أهل عبادة الكواكب، فإنه فلما جن عليه الليل ورأى كوكباً قال: هذا ربي، وإن كان إبراهيم يقصد إن هذا ربي في زعمكم، أي: أنكم تزعمون أن هذا ربي. وقد كتبت عليه هذه من ضمن الكذبات، وإن كان قالها وقت المناظرة لهؤلاء. يقول العلماء: الكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يقل هذا من باب الكذب، وإنما قاله من باب التعريض، أي: أنه يذكر الكلمة التي تحتمل أكثر من معنى، ويقصد معنى بعيداً والسامع يظن المعنى القريب. والغرض: أنه قال لهم: {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:64]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [52 - 77]
تفسير سورة الأنبياء [52 - 77] لقد جعل الله تعالى إبراهيم عليه السلام أمة لتوفيته بمراتب العبودية لربه، وقد ابتلي إبراهيم في ذات الله بلاء شديداً فصبر وصابر وجاهد فأفلح، وقد أقام الحجة على قومه عبدة الأوثان بأبرع أسلوب، وجعلهم يعملون فساد أمرهم، لكن الكفر يعمي البصائر، فنكسوا وعاندوا وأبوا إلا الكفر والنار، وتحريق إمام الأبرار، وهيهات هيهات أن يغلبوا من كان الله عضده ونصيره.
حجة المشركين قديما وحديثا
حجة المشركين قديماً وحديثاً الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:64 - 70]. ذكر الله عز وجل في هذه الآيات وما قبلها قصة إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - مع أبيه وقومه وهم يعكفون على التماثيل والأصنام، فأنكر عليهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء:52] قالوا محتجين بغيرهم من المشركين، - أي: بصنيع الآباء -: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:53 - 54] وكأنهم حين يقولون: وجدنا آباءنا، قد أتوا بحجة في نظرهم، وهي أن الآباء خير من الأبناء، فكأنهم يقولون: آباؤنا خير منا يفهمون ما لا نفهم، فنحن نقلدهم، فكان جواب إبراهيم: {لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54]. ونفس الجواب كان يقوله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين، عند قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف:23] فيقول لهم: {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف:24]. قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه يسب الآلهة ويسفه الآباء ويفرق بين المرء وأقربائه، صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أنهم يرفضون هذا الدين. فالمشركون كانوا يعظمون الآباء، ولذلك ذهب رجل من المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحتج عليه، فيقول له: أسألك بالله أأنت خير أم عبد المطلب؟ يعني: يريد أن يحرجه في الكلام، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم! وكأن الرجل يريد عند سؤاله ذلك أن يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: أبي خير مني؛ لأن عادتهم إذا سئل أحدهم: أنت أحسن أو أبوك؟ أن يقول: أبي، فإن ظفر بهذا الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم سيقول له: أبوك كان يعبد الأصنام وأنت لا تعبدها، أفأنت أحسن من أبيك؟ فيريد أن يلزمه بما ليس لازماً له، فلذلك لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً عن هذا الهراء الذي يقول. فالمشركون ليست عندهم حجة عقلية ولا نقلية، فلذلك كان احتجاجهم {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا} [الزخرف:23]، فنحن نقلد آباءنا وآباؤنا خير منا، فلذلك يجيبهم إبراهيم بهذا A { كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء:54]. ثم قال الله عن المشركين: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء:55] أي: هل أنت تتكلم جاداً أو مازحاً؟ {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [الأنبياء:56] أي: الذي فطر وخلق السماوات والأرض وابتدعهن وأنشأهن ولم يكن موجودات قبل ذلك، فالله تبارك وتعالى هو الذي فطرهن وأنا أشهد بأنه هو الرب الواحد لا شريك له.
كيد إبراهيم للأصنام
كيد إبراهيم للأصنام ثم قال لهم: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} [الأنبياء:57] قالها إبراهيم في نفسه ولكن سمعها البعض الذين شهدوا عليه بعد ذلك. قوله: {بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} [الأنبياء:57] أي: حين تخرجون إلى عيدكم. فخرجوا إلى عيدهم وجعلوا الطعام تحت الأصنام لتبركها بزعمهم فإذا بإبراهيم يتوجه إلى هذه الأصنام فيخاطبهن: ما لكم لا تأكلون؟ ما لكم لا تنطقون؟ {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} [الصافات:93 - 94] أي: فأقبلوا على إبراهيم مسرعين إليه، لما جعل هذه الأصنام جذاذاً إلا كبيراً لهم على ما ذكرنا. فسألوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ فأجاب من سمع إبراهيم: {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ} [الأنبياء:60 - 61] أي: أتوا بإبراهيم عليه السلام وسألوه: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:62 - 63]. فعرض بالكلام الذي فهموا منه أن الذي فعل ذلك هو كبيرهم، وكأنه يقول لهم: هل الكبير يفعل هذا الشيء في الأصنام الصغيرة؟ والمعنى: أنه تعليق بالمستحيل، أي: أن هذا الكبير لو كان ينطق لكان هو الذي فعل ذلك، والحال: أنه لا ينطق، فيكون ليس هو الذي فعل هذا. أو على تفسير الكسائي ووقفه: (بل فعله، كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون)، وهنا كأنه يرى الوقف على قوله: (بل فعله) يعني: فعله من فعله، أو الذي فعله فعله، فاسألوا الكبير إن كانوا ينطقون، وهم لا ينطقون، فحيرتهم هذه الكلمة من إبراهيم عليه السلام. وقوله تعالى: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ} [الأنبياء:64] أي: كأنهم استاءوا قليلاً من عدم تكلم آلهتهم، وكيف تُعبد هذه الأصنام، فرجعوا إلى أنفسهم ثم قالوا فيما بينهم: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} [الأنبياء:64] أي: نحن الذين ظلمنا وأخطأنا بترك هذه الأصنام - التي لا تقدر أن تدافع عن نفسها - من غير حراسة لها، فهنا كأنهم يشهدون على أنفسهم بأنهم على باطل، وكأنهم يقولون: لم تعبدون هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر؟ وقوله تعالى: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} [الأنبياء:65] يعني: بعدما استاءوا قليلاً لأن أصنامهم لا تستطيع حراسة نفسها، فكأنهم قالوا: كان المفروض أن نحرسها نحن، ومعنى: (نكسوا): قلبوا. وقوله تعالى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ} [الأنبياء:65] كأن المعنى: هذه الأصنام لا تنطق وأنت تعرف ذلك ونحن أيضاً نعرفه، يعني: لست وحدك الذي تعرف ذلك، ولكن نكسوا على رءوسهم كالكوز مجخياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، كأن العقول ذهبت فلا يفهم أصحابها ما يقولون فيجادلون فيما لا يفهمون؛ لأنه لا عاقل يقول هذا الكلام، فهم يقولون لإبراهيم: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ)، إذاً: فطالما أنها لا تنطق لماذا تعبدونها من دون الله سبحانه؟! فنكسوا على رءوسهم فإذا بهم لا يفهمون.
تفسير قوله تعالى: (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا)
تفسير قوله تعالى: (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً) وقوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء:66]. يعني: إذا كانت هذه الأصنام لا تنطق ولا نفعت نفسها أفتنفعكم أنتم؟! ولو بشيء بسيط. وقوله: ((مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا)) (شَيْئًا): نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، بمعنى: أقل الأشياء وأحقرها لا تقدر أن تنفعكم به. وقوله: {وَلا يَضُرُّكُمْ} [الأنبياء:66] أيضاً شيئاً. وقوله: {أُفٍّ لَكُمْ} [الأنبياء:67] كلمة أف يقولها الإنسان الذي يشم رائحة منتنة، فكأن المعنى: أف من هذا الشيء الذي تعبدونه. وفي قوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الأنبياء:67] ثلاث قراءات هذه أولها، وثانيها: ((أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [الأنبياء:67]، وثالثها: ((أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) فكأنه متأفف ضجر منهم ومن نتنهم وخبثهم في عبادتهم غير الله تبارك وتعالى. قوله: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء:67] أي: أين ذهبت عقولكم؟!
تفسير قوله تعالى: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم)
تفسير قوله تعالى: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم)
لجوء الجبابرة إلى القوة عندما تغلبهم الحجة
لجوء الجبابرة إلى القوة عندما تغلبهم الحجة وقوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ} [الأنبياء:68]. هنا منطق القوة لا منطق العقل، ودائماً من كان على الكفر عندما يغلب لا يعرف النقاش، وإنما يقوم في النهاية ليرد بالقوة. والمعنى: انصروا الآلهة بإحراقه يعني: انتصروا لآلهتكم ولو بأشنع طريقة، وهي قتل إبراهيم عليه السلام. فقاموا يجمعون لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام الحطب لإحراقه وأحضروا له حاجات يحرقونه فيها. روى الطبري فيما ذكر عن السدي قال: فلما رجعوا جمعوا لإبراهيم الحطب، حتى إن المرأة لتمرض فتقول: لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأخروه حتى جمعوا له حطباً كثيراً لكي يحرقوه حريقاً مضنياً، والمقصود من هذا كله قتلة شنيعة لإبراهيم عليه السلام، لكي لا يقول أحد آخر مثلما يقول إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فأخروا إبراهيم حتى جمعوا هذه الأحطاب، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب وأرادوا إحراقه، هنا ظهرت القدرة الربانية، فكل الكون يريد أن يطفئ هذه النار عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه.
الاعتماد على الله وحده
الاعتماد على الله وحده وإبراهيم لا يستنصر إلا بالله سبحانه وتعالى، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار). ولاحظ قوله: (حين ألقي في النار) فإنهم لم يستطيعوا أن يقربوه إلى النار ثم يدفعوه فيها؛ لأنها ليست ناراً بسيطة، فلو اقتربوا منها لاحترقوا. فدلهم الشيطان على المنجنيق، وأول ما صنع المنجنيق في هذا الوقت، والمنجنيق: آلة رافعة، فوضعوا فيها إبراهيم عليه السلام وألقته في الجو ليقع في النار. قال ابن عباس رضي الله عنه فيما رواه البخاري: (وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173]). فهذه الكلمة كلمة عظيمة، والكون كله يريد أن يدافع عن إبراهيم عليه السلام، السماوات والأرض والدواب والملك المسئول عن المطر، والملائكة التي بين السماء والأرض، فكلهم يريدون الدفع عن إبراهيم عليه السلام، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجة عن عائشة مرفوعاً: (لم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا دابة واحدة وهي الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه) وهي نوع من الأبراص، لكنها نوع سام. ولذلك كان يقتلها النبي صلى الله عليه وسلم ويسميها الفويسقة ويأمر بقتلها، يقول ابن عباس: (إلا الوزع كانت تنفخ عليه؛ فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها). وقالوا: كان عمر إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ستاً وعشرين سنة، صلوات الله وسلامه عليه. وروى البخاري عن ابن عباس قال: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل. هذه الكلمة العظيمة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين، وقال تعالى: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة:129]. ومعنى: حسبي، أي: كافيّ، وكأنها جواب من إبراهيم عليه السلام على الكون كله، وكأنه يقول لإبراهيم: ندافع عنك، والجواب من إبراهيم: لا، الله سبحانه وتعالى هو الذي يكفيني وحده فقط، فأنجاه الله تبارك وتعالى. فإذا بإبراهيم حين يلقى في النار يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، يريد نصر الله السريع له.
زوال خاصية الإحراق في النار بأمر الله
زوال خاصية الإحراق في النار بأمر الله كأن الملائكة تنتظر للنصرة بأمر الله، إما بأن يفتحوا خزائن السماء للمطر ليطفئ النار أو بغير ذلك، لكن هناك ما هو أعجل من ذلك بكثير، فالنار نفسها تتحول إلى شيء آخر، بقوله سبحانه: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69]. فالنار التي هي محرقة صارت برداً وسلاماً، وأصبحت ناراً من حيث المنظر فقط، مثلما فعل مع سيدنا موسى حين أتى للشجرة، وهي شجرة يانعة مزهرة ناظرة وفيها نار، فلا النار تحرق الشجرة ولا الشجرة تطفئ النار، فأخذ قبساً منها فإذا بها نور لا نار. كذلك هذه النار يحولها الله عز وجل شيئاً آخر، ففي نظر الناس هي نار لكنها كانت على إبراهيم برداً وسلاماً. ولو قال الله: كوني برداً على إبراهيم، لتألم إبراهيم من شدة بردها، ولكن قال: {كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا} [الأنبياء:69] أي: كوني برداً وكوني سلاماً على إبراهيم، فكانت أحلى أيام عمره هي تلك المدة التي مكثها في النار المأمورة. وقوله تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:70] أي: أرادوا أن يكيدوا لإبراهيم وأن يحرقوه بأفظع وأشنع طريقة، وهي هذه النيران المجتمعة لرجل واحد، فإذا بالله عز وجل ينجي إبراهيم ويقول للنار: {كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69] ويجعل هؤلاء هم الأخسرين، أي: أشد الناس خسراناً، بدخولهم نار جهنم والعياذ بالله، كما قال الله: {فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:70]. قال تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71]. أي: أرض البركة، أرض الشام، وهي أرض المحشر، الأرض التي فيها بيت المقدس، وبارك الله عز وجل فيها وجعل فيها المسجد الأقصى، نسأل الله عز وجل أن يحرره من دنس اليهود والمشركين، فجعلها الله أرضاً مقدسة، وفيها الأنبياء، فجعلهم من أرض الشام. فأمر الله إبراهيم أن يهاجر إلى أرض أخرى، وكان في العراق عليه الصلاة والسلام، فهاجر منها إلى الشام بأمر الله عز وجل. قوله: {وَلُوطًا} [الأنبياء:71] ولوط هو ابن هاران، وهاران هو أخو إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فلوط ابن أخيه، فيصير إبراهيم عم لوط عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. فتوجها إلى الشام، ولكن كل منهما في مكان، فإبراهيم نبي في مكان ولوط نبي في مكان آخر. قوله: {إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:71] أي: فيها بركة من الله عز وجل، في زرعها وثمارها؛ لذلك فهي كثيرة الخصب، ففيها البساتين، وفيها الحقول الخصْبة الكثيرة، وفيها الثمار والأنهار، وبورك فيها أيضاً لأنها موطن الأنبياء، فأكثرهم منها. والبركة معناها: ثبوت الخير، وأصلها من بروك البعير، يقال: برك البعير، إذا نزل على الأرض وثبت عليها، فالبركة الخير الثابت الدائم.
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء:72]. الزمن بعيد ما بين القصة الآنفة وبين ((وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ)) فإبراهيم رزق ذلك بعدما جاوز الثمانين أو التسعين سنة عليه الصلاة والسلام، فما بين إلقائه في النار وبين وهبة الله عز وجل له إسحاق ويعقوب ستون سنة أو قريب منها. وهب الله له إسحاق بدعوته، وقبل إسحاق كان إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكن إسماعيل كان ابناً له من أمة، أي: ليس من زوجة، من هاجر، وكانت أمة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وزوجته بها سارة، وسارة كانت أجمل نساء العالمين عليها السلام، فرزق منها بعد ذلك إسحاق، وبعد ذلك جاء من إسحاق يعقوب فيصير حفيداً لإبراهيم؛ لذا قال الله في يعقوب: نافلة، فهو سأل الله عز وجل أن يرزقه الولد، فرزقه إسماعيل ورزقه من زوجته على الكبر إسحاق، وأعطاه من غير سؤال يعقوب ((نَافِلَةً))، يعني: ابناً لإسحاق، ويعقوب هو إسرائيل، ومن إسرائيل جاء كل الأنبياء الذين بعده إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فجاء من الفرع الآخر لإبراهيم وهو إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء:72] أي: أنبياء لله عز وجل، فوصفهم بالصلاح، وهم أحق الخلق بأن يكونوا من الصالحين. فكأن الله يقول: جعلنا فيهم الصلاح عامدين، لطاعة رب العالمين، فخلق فيهم القدرة على الطاعة وكل ما يكتسبونه بعد ذلك فهو بتوفيق الله سبحانه. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء:73] معنى: أئمة، أي: رؤساء في الخير، والمعنى: جعلناهم أئمة يقتدى بهم في أعمال الخير الصلاح. وقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء:73] أي: أوحى الله عز وجل إليهم عن طريق إنزال الملائكة كيف يعملون الخيرات، وكيف يصلون لله رب العالمين، وكيف يزكون، ووصفهم بقوله: ((وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) معناه: في غاية الخشوع وغاية التقرب إلى رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ولوطا آتيناه حكما وعلما)
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً) وقوله تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:74]. انظر إلى جمال القرآن، فهذا انتقال من شيء إلى شيء، فانتقل أولاً من قصة موسى وهارون إلى قصة إبراهيم، ومنها إلى قصة لوط، ثم يذكر نوحاً بعد ذلك، فينتقل من قصة لأخرى بطريقة. والانتقال بهذه الصورة من قصة إلى قصة أخرى يسمى في علم البلاغة: حسن التخلص، فينتقل من قصة إلى أخرى من غير أن يقول مثلاً: مشهد جديد، وإنما هي كلها متصلة ببعضها، ويخرج من شيء إلى شيء من غير أن تشعر أنك خرجت ودخلت في شيء آخر. سيدنا لوط عليه السلام هاجر مع إبراهيم من ديار العراق إلى الشام، وكان في طرف الروم يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى، وكانت سبع قرى في سدوم يدعوهم لوط عليه الصلاة والسلام. وقوله: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:74] الحكم: النبوة، فيحكم بين الناس بأمر الله سبحانه وتعالى، وآتاه الله علماً ومعرفة بأمر الدين، وما يقع به الحكم صحيحاً مستقيماً. وقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء:74] هنا ذكر الله عن الأنبياء أشياء مختصرة، وقد طول الله قصة سيدنا لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام في الحجر، وكذا في سورة هود وسورة العنكبوت، وذكره بصورة متوسطة في الأعراف، أما في هذه السورة فذكرت بصورة مختصرة، وفي النجم إشارة بسيطة إليها في قوله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم:53 - 55]. فهنا ذكرها في هذه الإشارة؛ لأن القرآن يطيل في مواضع ويقصر في مواضع ويشير في أخرى، فهنا يقول الله لنا: {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} [الأنبياء:74] والخبائث: هي إتيان الذكران من العالمين، وذكر الله في الشعراء أنه قال لهم: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:165 - 166]. وكان جوابهم على لوط: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء:167 - 168] أي: أنا مبغض لهذا العمل الكريه الذي تفعلونه. ثم قال: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء:169] فأنجاه الله عز وجل بما دبره له وذكره في سورة الحجر وفي هود قبل ذلك. قال سبحانه وتعالى هنا: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} [الأنبياء:74] السوء في طباعهم، فهم فسقة خرجوا عن الدين وعن طاعة الله سبحانه وتعالى. وأصل الفسق: الخروج، مثلما تقول: فسقت الرطبة، يعني: خرجت البلحة من قشرتها، فهؤلاء فسقوا، أي: خرجوا عن طاعة الله رب العالمين، فأصبحوا كما أخبر الله بقوله: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} [النجم:53] المؤتفكات هي قرى قوم لوط، يعني: من كانوا أصحاب الإثم والبعد عن الله سبحانه وتعالى، والجريمة الفظيعة التي لم تعمل في الأرض قبل هؤلاء القوم هي إتيان الذكران من العالمين. ولفظ: (أَهْوَى) يشعر بأنه من فوق إلى تحت؛ لأن جبريل رفعها إلى السماء، ثم قلبها على من فيها، وأتبعهم ربهم سبحانه بحجارة من سجيل منضود، وصفها الله بقوله: {مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود:83]. فأهلكهم بهذه الصورة، أي: رفعوا إلى السماء وقلبت بهم أرضهم وأتبعوا بحجارة من نار جهنم، والعياذ بالله. لكن لوطاً ومن معه نجاهم الله عز وجل برحمته سبحانه، كما قال الله: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:75]. (إنه) هنا بمعنى: (لأن)، فأتى الحكم وبعده التعليل، فيكون المعنى: أنجيناه لأنه من الصالحين. أو: أنجيناه بصلاحه عليه الصلاة والسلام، ويوم القيامة ندخله برحمتنا في جنتنا، ونجعله من أهل الشفاعة الذين يشفعون لمن يشاء الله عز وجل. أو معنى: ((أَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا)) أي: وفقناه في الدنيا، فوهبناه النبوة، ويوم القيامة نجعله في الجنة.
تفسير قوله تعالى: (ونوحا إذ نادى من قبل)
تفسير قوله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل) ثم ذكر نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهذا سابع نبي يذكر في هذه السورة. قال الله تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:76] أي: من قبل لوط ومن قبل إبراهيم، بل نوح هو قبل الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام وبعد آدم. وقوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء:76] أي: أن نوحاً دعا قومه ليل نهار، قال ربنا سبحانه وتعالى على لسانه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} [نوح:5 - 7] ولم يقل: جعلوا أناملهم في آذانهم؛ لتصوير مبالغتهم في إعراضهم وعدم إرادتهم السماع. ثم قال: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح:7] أي: غطوا وجوههم بثيابهم. وقال: {وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:7] يعني: لا يريدون أن يسمعوه، وأصروا على كفرهم وبعدهم عن الله، واستكبروا استكباراً عظيماً. قال الله سبحانه هنا: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:76] أي: بعدما دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يقل: قد كفروا فنتركهم، بل صبر فيهم واستمر ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي النهاية لما كان الآباء يوصون الأبناء بالكفر وعدم الإيمان، ثم الأبناء يوصون من بعدهم، وهكذا، دعا عليهم فقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح:26] أي: لا تذر على الأرض أحداً من أهلها، لماذا؟ قال: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:27] أي: ألف سنة إلا خمسين وأنا أدعوهم إلى الله عز وجل وكل الأجيال تنشأ على هذا الفجور والكفر. وقد فصل الله سبحانه وتعالى أمر نوح في سورة الأعراف وأطال في سورة نوح، وكيف أنه جعل له علامة لقرب أجلهم، تحول التنور، أي: إذا خرج ماؤه فهي علامة على مجيء أمر الله، فاركب السفينة، وعلمه الله صنعها وأنجاه عز وجل بها قال الله: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. ويأتي الطوفان فيغرق جميع من على الأرض، انفتحت أبواب السماء، وانفتح ما في الأرض من آبار وغيرها، وانطبق ماء السماء على ماء الأرض فأغرق الله سبحانه وتعالى الكفار جميعهم. وقوله تعالى: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء:76] أي: أهله المؤمنون؛ لأن من أهله ابنه ولم ينج كما قال الله: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} [هود:45] قال: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:46] فأهله هنا من معه من المؤمنين. فنجاه الله وأهله من الكرب العظيم بالدعوة إليه عز وجل والصبر عليها، وفي النهاية كتب له ومن معه النجاة من انفجار الأرض ماء، وتفتيح أبواب السماء بالماء، فهو كرب فظيع جداً، وهو في سفينة، فهو يشعر بكرب من هؤلاء الكفار ومن الجو المحيط به، وفي النهاية ترسو السفينة على الجودي بأمر الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الأنبياء:77] أي: نصرناه على القوم؛ لأن (على) تفيد الاستعلاء، ولكن (من) هنا بمعنى (على)، أو يكون الفعل (نصر) مضمناً معنى (انتقم) فتبقى (من) على معناها، فكأن المعنى هنا: (انتقمنا من الذين كفروا) فهو نصر عظيم من الله سبحانه وتعالى، وهو انتقام شديد نزل بهم، ففي الدنيا أغرقوا وفي الآخرة سيحرقون. وقوله تعالى: {فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء:77] لو قال هنا: أغرقناهم، فيحتمل أن ينجوا أحد، ولكن (أغرقناهم أجمعين) فيه تأكيد أن الجميع غرقوا في الماء، فلم يبق أحد منهم. ثم ذكر بعد ذلك قصة داود وسليمان، كما سيأتي إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [78 - 80]
تفسير سورة الأنبياء [78 - 80] ذكر الله سبحانه وتعالى قصة داود وسليمان إذ حكما في قضية الغنم التي أكلت العنب، وبين سبحانه أن سليمان كان حكمه أرفق بسبب ما حباه سبحانه من الفهم، وقد أخبر سبحانه أنه آتى داود وسليمان علماً وحكماً كانا من خلاله يقضيان بين الناس، إلا أنه أعطى سليمان في مسائل الحكم ما لم يعط داود، كما أنه سبحانه جعل الجبال والطير تسبح مع داود، وعلمه صنعة الدروع التي تقي الناس بأسهم.
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث)
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذا يحكمان في الحرث) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:78 - 80]. يذكر الله عز وجل لنا في هذه الآيات ذكراً عن داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهذه السورة مذكور فيها ستة عشر نبياً. الثامن والتاسع على ترتيب السورة هما داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنبياء:78]، وهما منصوبان بفعل محذوف مقدر، تقديره: واذكر سليمان وداود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين كانا يحكمان في الحرث، قيل: كان كرماً -أي عنباً- عناقيده مدلاة. {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78]، وهم رعاة الغنم، فقد دخلت غنمهم في الليل في هذا المكان وتناولت الزرع فنفشته أي: رعت فيه، فأكلت عناقيد العنب بالليل، فمعنى: نفشت أي: رعت في الليل، وأصل النفش هو الرعي للإبل أو للغنم بالليل. قال سبحانه: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء:78] يعني: ناظرين للحاكم وللمحكوم، فالذي حكم داود وسليمان، والمحكوم عليهم هم الخصوم. وداود هو الأب، وسليمان ابنه عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وداود ملك ونبي وسليمان ملك ونبي عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن في هذه القصة إشارة إلى أن داود كان كبيراً، وسليمان كان صغيراً، والله سبحانه وتعالى علم الاثنين فجعل هذا نبياً وهذا نبياً، وأعطى لكل منهما حكماً وفهماً، وفي هذه القصة أمر واضح، وهو أن سليمان فهم ما لم يفهمه داود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وقوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]، أي: الاثنين على علم وعلى حكم من الله عز وجل، ولكن فهمنا سليمان هذه المسألة وغيرها من المسائل، وجعلناه يفهم ويستوعب ما لم يفهمه داود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان)
تفسير قوله تعالى: (ففهمناها سليمان)
اجتهاد الأنبياء في الحكم
اجتهاد الأنبياء في الحكم قال سبحانه: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79] والتفهيم فضل من الله يعطيه الإنسان فيشعر أن الخطأ في كذا والصواب في كذا. فهما نبيان اجتهدا، والنبي إذا اجتهد يكون مأجوراً في اجتهاده، وهل يمكن أن يجتهد النبي ويخطئ؟ نقول: يمكن أن يجتهد ويخطئ، لكنه إذا أخطأ لا يقر على الخطأ، وهذا هو الفرق بين الحاكم وبين النبي. والوحي مستحيل أن يقع الخطأ ولا يصححه، والنبي لا يقع في الكبائر، والراجح أنهم مبتعدون عن الصغائر لا يقعون فيها، ولكن قد يكل الله عز وجل حكم مسألة لاجتهاد نبي من الأنبياء، ويترك له أن يحكم فيها، فقد يخطئ وقد يصيب، لكن الفرق بينه وبين غيره أنه إذا أخطأ لا يقر على خطئه، بل ينزل عليه الوحي يصوب له ما أخطأ فيه. فمن هذا الباب كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بين أصحابه، ويقول: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع)، فهو صلى الله عليه وسلم يقضي في المسألة بالبينة وبالشهود، وهذا هو المطلوب منه شرعاً، ولكن إذا أخطأ الشهود أو كذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله عز وجل يعلمه ذلك، ولم ينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل قضاء قضاه بين اثنين لحكمة من رب العالمين سبحانه، وهي أنه لو كان كل قضاء يقضيه بين الناس ينزل عليه فيه الوحي، فكيف سيصنع الخليفة الذي سيأتي من بعده إذا أراد أن يقضي بين الناس؟ لاشك أنه سيخاف أن يخطئ في الحكم وسيقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوماً وكان الوحي ينزل عليه، فحتى لا يقع هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بنحو مما يسمع، فيسمع من الشهود طالما أنهم ثقات، والخطأ في النهاية هم الذين سيتحملونه. فالأنبياء يقضون بين الخلق، وقد ينزل الوحي فيبين من هو صاحب الحق، مثل الرجل الذي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاختصم مع رجل آخر، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم فأقسم، وقال: والله الذي لا إله إلا هو ما له عندي شيء، فنزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره أن هذا حلف كاذباً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعط الرجل ماله وقد غفر الله لك بتوحيدك) أي: أن هذا الإنسان حين قال في حلفه: والله الذي لا إله إلا هو استحضر عظمة الله عز وجل وتوحيده فكان هذا الحكم خاصاً بهذا الرجل فقط، أو كان قبل أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم الحكم الجديد وهو أن اليمين الغموس صاحبها في النار. فهذه قضية من القضايا التي حلف فيها رجل كاذباً أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي يخبره أنه كاذب. لكن هل في كل قضية من قضاياه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي؟ لا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذ أو فليذر). وحتى لا يساء الظن في داود يقول الله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]، أي: أن الاثنين على علم عظيم لا تعلمه أنت، فلا تنكر عليهما شيئاً مما صنعوا. فقد آتينا سليمان فهماً أعظم في هذه المسألة، ففهم ما لم يفهمه داود عليه الصلاة والسلام، فكان حكمه أرفع من حكم داود.
حكم داود وسليمان في الغنم التي نفشت في الزرع
حكم داود وسليمان في الغنم التي نفشت في الزرع والقصة أن الخصوم جاءوا إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أحدهم يشكو أنه صاحب زرع والبعض الآخر كانوا أصحاب أغنام وقد تركوا الغنم ترعى بالليل فاقتحمت البستان فأكلت العنب الموجود فيه. فكان حكم داود عليه الصلاة والسلام أن الغنم لصاحب البستان. فلما خرج الخصوم على سليمان عليه الصلاة والسلام سألهم عن الحكم، فقالوا: كذا، فقال: لعل الحكم غير هذا، فانصرفوا معي، فانصرفوا معه فذهب إلى أبيه فقال: يا نبي الله -هذا خطاب الابن لأبيه- إنك حكمت بكذا وكذا -ما قال له إن هذا الحكم خطأ- ولكن قال: وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع، قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه. إن حكم سليمان عليه الصلاة والسلام كان أرفق، وحكم داود لم يكن خطأً، ولكن التسديد من الله عز وجل كان لسليمان، فحين وجد داود أن الزرع الذي أكلته الغنم قيمته تساوي قيمة الغنم، حكم بأن الغنم لصاحب البستان فيكون حكمه صحيحاً، وحكم سليمان عليه الصلاة والسلام كان أرفق من حيث إن أصحاب الغنم ليس عندهم من المال غيرها، فحتى لا يكونوا بغير مال حكم بأخذ الغنم منهم فترة معينة، ينتفع بها أصحاب الزرع، حتى إذا زرع أصحابها البستان ونما الكرم أخذ أصحاب الغنم أغنامهم وأصحاب البستان بستانهم، فكان حكمه أرفق من حكم داود عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال داود: (وفقت يا بني، لا يقطع الله فهمك) أو كما ذكر. وهذا مروي عن ابن مسعود وعن مجاهد وعن غيرهم، فيكون الحكم شرعياً، حكم به نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام، ولما كان الحكم الآخر أرفق نقض الحكم الأول، فحكم به داود عليه السلام.
حكم داود وسليمان بين المرأتين اللتين أكل الذئب ولد إحداهما
حكم داود وسليمان بين المرأتين اللتين أكل الذئب ولد إحداهما وهل هذه القصة هي الوحيدة؟ لا، فقد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه حصل مثل هذا، قضية يحكم فيها داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام بحكم مما اجتهد فيه، ويحكم سليمان بحكمه الصائب في ذلك. من ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك أنت). كل واحدة منهما لا تعرف هل أخذ الذئب ولدها أم ولد صاحبتها لكن الخوف من الزوج حمل كل واحدة على أخذ الذي نجا من الذئب لتعود به إلى زوجها، فتحاكمتا إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى. ولا يجوز أن تسيء الظن بداود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وتظن أنه قضى به للكبرى لأجل كبرها، بل إنه اجتهد واستفرغ وسعه في الاجتهاد في القضية حتى وصل في النهاية إلى أن هذا الولد ابن للكبرى. المرأة الكبرى أخذت الولد وانطلقت به فمرت على سليمان، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فخرجتا على سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، قالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى). إذاً: الله سبحانه آتى سليمان فهماً لم يؤته لداود في مسائل الحكم.
حكم داود سليمان في المرأة التي شهد عليها بالزنا زورا
حكم داود سليمان في المرأة التي شهد عليها بالزنا زوراً ويوجد قضية ثالثة من هذه القضايا ذكرها الحافظ ابن كثير نقلاً عن ابن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس: (أن امرأة حسناء كانت في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم فامتنعت، فاغتاظوا منها لأنها لم توافقهم على الزنا والعياذ بالله، فشهدوا عليها عند داود أن كلبها يزني بها، فلما شهد الأربعة وهم من كبار القوم، وظن أنهم صادقون أخذ بكلام الأربعة وأقام عليها الحد فرجمها، فماتت المرأة مظلومة، قال: ثم لما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان. فقد كان صغيراً وقت حدوث هذه القضية، فقعد مع أطفال صغار معه، واستحضر هذه القضية وعملها لعبة يلعبها أمام داود. فانتصب سليمان حاكماً، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت كلبها من نفسها، فقال سليمان: فرقوا بينهم، أي: فرقوا بين الشهود الموجودين: فسألهم: ما كان لون الكلب؟ فسأل الأول: فقال: كان لونه كذا. وسأل الثاني: ما كان لون كلبها؟ قال كذا، ثم الثالث ثم الربع، فاختلف الأربعة، فكل واحد ذكر لوناً، فتنبه داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام لذلك وأتى بالأربعة الشهود وفرق بينهم، وسألهم عن لون الكلب فكل واحد ذكر لوناً، فأمر بقتلهم جميعاً، لأنهم تسببوا في قتل المرأة. وقد استفاد من هذه الآية بعض الحكام حكماً احتج به على الكفار، فإن الوليد هدم كنسية دمشق فكتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كنت مصيباً فقد أخطأ أبوك، وإن كان أبوك مصيباً فقد أخطأت، يعني: يريد منه أن يقع في أبيه فلو قال له: أبي كان مخطئاً سيشنع عليه، وإن قال: أنا المخطئ، سيقول له: كان أحق بالملك رجلاً آخر غيرك. فأجابه الوليد وأرسل إليه بهذه الآية: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:78 - 79]، قال: كان داود وسليمان على نبينا وعليهما الصلاة والسلام قد حكما في هذه القضية، فالله سبحانه وتعالى قال: {َكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]، أي: هذا حكم بحكم وبعلم، وذاك حكم بحكم وبعلم، ولكن الله عز وجل زاد الآخر فهماً على الأول فاحتج بهذه الآيات على ملك الروم. فالنبي له أن يجتهد ولكن لا يقر على خطأ، فإذا أخطأ نزل الوحي يبين الخطأ، لكن غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليسوا كذلك، فالإنسان لا يجوز له أن يجتهد إلا وهو أهل للاجتهاد، ففي الحديث عن بريدة رضي الله عنه وهو عند أبي داود وهو صحيح قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار؛ فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به)، أي: أنه عرف الحق من علمه ومن اجتهاده فقضى بهذا الحق الذي عرفه، فهو في الجنة. الثاني: قال: (ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار)، أي: هو عارف وعالم بالحق ولكنه قضى بغير الحق، فهو في النار. الثالث: قال: (ورجل قضى للناس على جهل)، ولم يذكر أصاب أم أخطأ، فكأن الذي يقضي بجهل سواء أصاب أم أخطأ هو في النار، لأنه ليس من حقه الاجتهاد، وليس من حقه القضاء، وليس من حقه أن يفتي في الأحكام وهو لا يعرف هذه الأحكام. والحق واحد، يعرفه الإنسان ويقضي به، فإن فعل ذلك استحق أن يكون من أهل الجنة.
أقول العلماء في تعدد الحق في المسألة الاجتهادية
أقول العلماء في تعدد الحق في المسألة الاجتهادية اختلف العلماء في مسائل الاجتهاد، هل الحق في المسألة واحد، أو ممكن أن يتعدد فنقول كل مجتهد مصيب؟ والراجح أن الحق واحد، إذ لا يعقل أن يجتهد اثنان في مسألة فيقول واحد هي حلال والثاني يقول هي حرام ويكون الحق مع الاثنين، فتكون حلالاً وحراماً في الوقت نفسه، لا يكون هذا الشيء. ولكن المجتهد الذي يصيب يؤجر أجرين: أجراً على اجتهاده وأجراً على إصابته، والمجتهد الذي يخطئ يؤجر أجراً واحداً على أنه اجتهد في هذا الأمر حتى وإن أخطأ. ولذلك في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران) يعني: دخلت القضية إلى الحاكم فحكم فيها باجتهاده وكأن في الحديث تقديماً وتأخيراً. ومعنى (اجتهد) استفرغ الوسع وبذل الجهد في ذلك فوصل إلى شيء معين وقناعة معينة فحكم بهذا الشيء، فيكون له أجران إذا أصاب، (وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر). أما العلماء الذين قالوا: كل مجتهد مصيب، فقد احتجوا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصحيح قال: فإنه لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب جاءه جبريل فقال: وضعت السلاح، فوالله ما وضعنا سلاحنا، ثم أمره أن يتوجه إلى بني قريظة، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم في الناس وقال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فاجتهد الصحابة في ذلك، فالبعض قالوا إنه أراد الاستعجال، فنصلي ونسرع، والفريق الثاني قالوا: قصد أن الصلاة ستكون هنالك، فلم يصلوا العصر حتى وصلوا بني قريظة، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعرف الأمر فلم يلم أحداً من الفريقين ولم يخطئ واحداً من الاثنين صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: لو كان أحد الفريقين مخطئاً لبين له صلى الله عليه وسلم. وقال الفريق الآخر: لعله إنما سكت صلى الله عليه وسلم عن تعيين المخطئين؛ لأنهم غير آثمين، والوقت الآن ليس وقت تعنيف أو تأنيب، فطالما أنه اجتهد فأصاب له أجران، أو اجتهد فأخطأ فله أجر، فيكون أحد الفريقين مخطئاً، ولكن الجميع مأجور، لذلك استغنى النبي صلى الله عليه وسلم بما ذكره: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) ولم يعنف واحداً من الفريقين. والأرجح: أن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ -طالما أنه من أهل الاجتهاد- فله أجر وإن كان مخطئاً، وإذا كان يجتهد ويصيب فله أجران: أجر على الإصابة وأجر على الاجتهاد. وهذه القضية التي قضى فيها سليمان وداود على نبينا وعليهما الصلاة والسلام لو حصلت في شريعتنا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار). جبار أي: هدر، والعجماء: البهيمة. وفي الحديث: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالليل، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهله). ففرق بين الليل وبين النهار، والكلام على الحقول والبساتين المفتوحة؛ لأن صاحب الماشية لو ظل يحرسها بالليل والنهار لن يستطيع أن يتفرغ لبقية أعماله أبداً، ولكن صاحب الماشية يذهب في النهار إلى حقله وماشيته معه، وجاره في حقله وماشيته معه، فلو فرضنا أن ماشية الآخر جاءت إلى حقلك فإنك ستردها بالنهار، لكن في الليل إذا اعتدت ماشية الغير على مزرعتك فإن صاحبها يغرم. أما بالنهار فيلزم صاحب كل مزرعة أن يحرس مزرعته حتى لا تدخل فيها ماشية الآخر، إلا إن تعمد صاحب الماشية بأن قادها ودخل بها البستان فإنه يضمن ليلاً أو نهاراً، لكن إذا كان بالليل لزمه أن يضعها في الحظيرة ويقفل عليها بحيث لا تهجم على مزرعة غيره، وإذا فرط في الليل أو لم يفرط فإن عليه الضمان. قال: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79] فالله سبحانه وتعالى أعطى سليمان الفهم، وأعطى داود الحكم والعلم، وأعطاه أيضاً الصوت الجميل الذي تسمعه الجبال فتردد معه التسبيح، وأيضاً الطير فقد كان داود عليه الصلاة والسلام يمر بالجبال مسبحاً فتداوله بالتسبيح، وأي إنسان يرفع صوته فإن صدى الجبال يردد معه، فهل سيكون مثل داود؟ لا؛ لأن الجبال تسبح حقيقة معه عليه الصلاة والسلام، فهو يسبح وجمال صوته وعظمة الخشوع الذي هو فيه تجعل الجبال تخشع وتردد معه تسبيح الله سبحانه وتعالى. مع أن الجبال صامتة جامدة، ولكن {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]، فكل شيء يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى، ونحن لا نسمع ولا نفقه تسبيحهم. وإنما كانت الجبال تردد مع داود بأمر الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ:10]، ومعنى (أوبي معه) أي: رجعي معه هذا التسبيح. والطير كلمت سليمان وسبحت مع داود، فأعطى الله سبحانه كلاً منهما من فضله ومن هبته سبحانه وتعالى. وقال هنا: يسبحن أي: يصلين معه، كذلك يسبحن بصوت يسمعه داود.
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس)
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس) قال: سبحانه: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} [الأنبياء:80]. واللبوس عند العرب بمعنى عدة الحرب، وقد اختصه الله عز وجل بصنع الدروع: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ:11]، فهو سبحانه وتعالى عليم وبصير بهم، فقال له: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ:11]، فقد كانت الدروع صفائح من حديد يلبسها الإنسان، لكنه جعلها حلقاً، ليسهل لبسها على الإنسان. قال: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ:11]، والسابغ هو الساتر للبدن كله، وجعله يصنعها من حلقات كأنها سلسلة، يضع الحلقة على الحلقة، ويضع المسمار بينهما، قال: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ:11] أي: اجعل المسمار على قدر الحلقة، لتبقى الحركة في الدرع نفسه، وهو عبارة عن حلقات متصلة، بين كل حلقة وحلقة مسمار يصل الحلق بعضها ببعض، فإذا لبسها الإنسان في الحرب استطاع أن يتحرك وأن يصبر على الكر والفر وأن يدافع عن نفسه. {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء:80]، الضمير راجع إلى هذه اللبوس، فتعلم الناس منه صناعة الدروع. قال: {لِتُحْصِنَكُمْ} [الأنبياء:80]، وهذه قراءة ابن عامر وأبي جعفر وحفص عن عاصم. القراءة الثانية قراءة شعبة عن عاصم وهي قراءة رويس عن يعقوب: (لِنحصنكم من بأسكم) بنون الجماعة التي تدل على التعظيم، وهي تعود إلى الله سبحانه وتعالى، أي: حتى نحفظكم ونحرزكم من بأسكم، ومن حربكم ومن قتالكم. وباقي القراء يقرءون: ((لِيُحْصِنَكُمْ)) أي: ليحصنكم بها من بأسكم فتتقون بها السيوف والرماح ونحو ذلك، فتعلمتم بعد هذه الدروع وطورتم فيها، فهل شكرتم الله سبحانه وتعالى الذي أنعم عليكم بذلك؟ قال: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] ولم يكن داود وحده من الأنبياء صاحب صنعة، بل كثير من الأنبياء كانت لهم حرف، وقد أخبر الله عز وجل عن أنبيائه أنه يرزقهم سبحانه، ولا يجعل رزقهم على أحد أبداً؛ فلا أحد يتكفل لهم بطعام ولا شراب إلا هو سبحانه، ولذلك جعل رزق النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، فرزقه صلى الله عليه وسلم بالجهاد في سبيل الله، فله خمس المغنم صلوات الله وسلامه عليه، أما الفيء فأمره إليه صلوات الله وسلامه عليه يقسمه كيف يشاء. فداود عليه الصلاة والسلام كان يصنع الدروع، وأيضاً كان يصنع الخوص ويبيعه وهو ملك، ولا يأخذ من أكل المملكة شيئاً عليه الصلاة والسلام. وأيضاً كان آدم عليه الصلاة والسلام يعمل بيده ويحرث ويزرع الأرض ويأكل من كسب يده عليه الصلاة والسلام. ونوح كان نجاراً عليه الصلاة والسلام، ولقمان الحكيم كان خياطاً، وطالوت كان دباغاً، ثم جعله الله عز وجل رئيساً على بني إسرائيل وقائداً لهم.
تفسير سورة الأنبياء [81 - 82]
تفسير سورة الأنبياء [81 - 82] لقد أكثر الله عز وجل في القرآن من ذكر قصص الأنبياء مع أقوامهم، وذلك ليقتدي بهم المسلم في دعوته، ومنهجه، ومقارعة الباطل وأهله، وليستلهم منها الدروس والعبر، وليعلم كيف عاش أنبياء الله تعالى، وصبروا حتى أتاهم نصر الله.
ضرورة التأسي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ضرورة التأسي بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ * وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:81 - 84]. ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات وما قبلها نبذاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فذكر من قصصهم في هذه السورة التي سميت باسمهم ما يزيد المؤمن إيماناً، ويجعله يرى أمامه أسوة وقدوة حسنة في أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فيقتدي بهم في أفعالهم ودعوتهم وقيامهم وصبرهم على المحن التي ابتلاهم الله عز وجل بها، ويتعلم منهم كيف كانوا يأتمرون في أقوالهم بأمر الله سبحانه وبشريعته. ونتعلم من هؤلاء الأنبياء عدم الاعتماد على أحد إلا على الله سبحانه وتعالى، في مطعمنا ومشربنا وملبسنا، فهو الذي يرزقنا. وقد كانوا عليهم السلام أصحاب حرف وصناعات، حتى أن داود عليه الصلاة والسلام وهو نبي يحكم بشرع الله سبحانه وتعالى كان لا يأكل إلا من عمل يده، وليس هو وحده، ولكن كل أنبياء الله عز وجل كانت لهم حرف يحترفونها، ويأكلون ويشربون من هذه الحرف، ومن ما عملت أيديهم. وقد ذكر الله عز وجل داود عليه الصلاة والسلام هنا: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80]. وما من أحد إلا ويعلمه الله عز وجل شيئاً يصلح له، ويكون فيه معاشه ورزقه. فمن الناس من لا يستفيد مما علمه الله سبحانه، فيترك العمل ويسأل الناس، ويستسهل أن يأخذ رزقه من الحرام. وما من مخلوق إلا وقد قسم له الله عز وجل رزقه، ولا بد أن يأتيه هذا الرزق، فعلى الإنسان المؤمن أن يبحث عن وظيفته بالطرق الحلال، ولا يقل قد ضيق الله عز وجل علي، ويتوجه إلى الحرام؛ فإن رزقك مقسوم، وكسبك معلوم، ولن يزداد شيئاً على ما قسمه الله عز وجل، فابحث عن الحلال تجد الحلال، ويرزقك الله سبحانه تبارك وتعالى، وائتس بهؤلاء الأنبياء الذين كانوا لا تلهيهم صنعتهم ولا كسبهم الرزق عن الدعوة إلى الله عز وجل، ولا تشغلهم عن المرتبة العظيمة التي هم فيها، وهي مرتبة النبوة. وقد كان داود عليه السلام يصنع الدروع في قومه -كما ذكر القرآن- وكان يصنع الخوص، ويبيع ذلك، وكان يأكل من عمل يده، وهو ملك على قومه، والنبي صلى الله عليه وسلم كان عمله الجهاد في سبيل الله سبحانه، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي). فكان أشرف الرزق له صلى الله عليه وسلم أن يجاهد، وكان له خمس الفيء وخمس الغنيمة، ومع ذلك فقد كان لا يأخذ شيئاً لنفسه صلى الله عليه وسلم، إلا قدر ما يكفيه صلوات الله وسلامه عليه، ويكون الباقي للمسلمين. وكان يقول: (ليس لي من أموالكم ولا مثل هذه)، يأخذ من جنب البعير شعرة، ولا يستقلها صلى الله عليه وسلم، قال: (إلا الخمس، والخمس مردود عليكم) يعني: حتى الخمس الذي سيكون نصيبه صلى الله عليه وسلم من الفيء كان يأخذ منه ما يكفيه هو وأهله صلى الله عليه وسلم، ويرد الباقي على المسلمين، وعلى الزوار والأضياف والفقراء والمحتاجين.
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة)
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح عاصفة)
تسخير الله الريح لسليمان عليه السلام
تسخير الله الريح لسليمان عليه السلام قال الله عز وجل: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81]. فسخر الله عز وجل له الريح عاصفةً، تجري بأمره. والعاصفة الشديدة التي تجري بسرعة شديدة جداً. وأصل العصف: التبن، وهو القشر الذي يبقى بعد أن ينزع الحب، فعندما تشتد الريح يطير هذا العصف والقشور، فسميت الريح العاصف؛ لأنها تطير بمثل ذلك فلا يبقى، فريح عاصفة أي: شديدة الوقوع. فسخرها الله عز وجل لنبيه سليمان لما سأله: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص:35 - 39]. أي: أمسك هذا أو امنن وأعط من شئت فلن نسألك عن هذا الذي كنت سألته. وقد جعل له الله عز وجل ملكاً لا يكون لأحد من بعده، ومن آداب النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أمسك شيطاناً تسلط عليه في الصلاة، خنقه وأراد أن يربطه في سارية المسجد ليصبح يلعب به الصبيان، قال صلى الله عليه وسلم: (فذكرت دعوة أخي سليمان: {وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص:35]، فتركته).
تعليم الله لسليمان لغات الطير والحيوان
تعليم الله لسليمان لغات الطير والحيوان فلما طلب عليه السلام ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده سخر له الله عز وجل جنوداً عظيمة جداً، من الإنس والجن والطير والدواب، لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، وأفهمه لغاتها، حتى إنه سمع من النملة عندما قالت: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18] فسمع دعاءها، وفهم كلامها، قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]. وهذا يذكره الله عز وجل من سير هؤلاء عليهم الصلاة والسلام حتى نتبع هؤلاء في حمدهم لربهم وشكرهم له سبحانه، وحتى نعلم أن الأنبياء منهم من ابتلي بالخير فحمد وشكر، منهم من ابتلي بالضر فصبر وأجر، فكل له الأجر عند الله سبحانه. فسليمان عليه السلام أعطاه الله عز وجل الريح، قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً} [الأنبياء:81]، أي: شديدة الهبوب {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} [الأنبياء:81]، كما قال تعالى: {رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص:36]، أي: تسير بالسحاب وتحمله إلى حيث أراد، فتجري الريح رخاءً حيث أصاب.
شكر الله عند حدوث النعم
شكر الله عند حدوث النعم وعندما أعطاه الله ذلك، ونظر في هذا الملك العظيم؛ حتى إنه ليسمع كلام النملة ودعاءها قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي} [النمل:19]، أي: حفزني وادفعني واجعل في ما يهيجني لحسن الدعاء، وحسن الطلب. {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19] وهذه ليست دعوة سليمان وحده، وإنما هي دعوة الصالحين من المؤمنين، فإنهم يدعون: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]. فذكر الله عز وجل دعوة سليمان في النمل، وذكر دعوة المؤمن الصالح في الأحقاف، والمؤمن يتعلم من هؤلاء الأنبياء كيف يشكر النعم. والله عز وجل ما شيء أحب إليه من الحمد، فيحب من عباده أن يحمدوه، فإذا أعطي أحد نعمة فليحمده ويشكره، فإن حمده وشكره أحب إليه من هذه النعمة التي أعطاها لهذا العبد. فذكر الله الأنبياء ما أعطاهم وما ابتلاهم حتى نأتسي ونقتدي بهم، فإذا أنعم الله عز وجل على أحدهم بالخير وجده حامداً شاكراً، وإذا ابتلاه بالشر وجده شاكراً صابراً لله تبارك وتعالى. قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81]، والأرض التي باركنا فيها أرض الشام، تجري إليها الريح بأمر سليمان عليه الصلاة والسلام، وإلى حيث شاء الله عز وجل من هذه الأرض أو إليها. {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء:81]، أي: عالمين بتدبير هذا الكون كله، وكيف دبرنا لسليمان أمره، وكيف سخرنا له هذه الريح؟ فنحن نعلم أمر الريح وأمر سليمان، وأمر كل شيء. ((وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ)) وليس بسليمان وحده، ولا بالريح وحدها، ولكن كنا بكل شيء عالمين.
تسخير الشياطين لسليمان عليه السلام
تسخير الشياطين لسليمان عليه السلام قال تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء:82]. يغوصون يعني: تحت الماء في البحار، والغواص: الإنسان الذي ينزل في أعماق البحر، حتى يأتي بالدر وبالجوهر وباللؤلؤ من داخل البحار فلم يسخر الإنس للغوص، ولكنه سخر الجن لذلك قال: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء:82]. وقال: (منهم)؛ لأنها ليست المهنة الوحيدة للشياطين عند سليمان؛ وإنما {وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} [الأنبياء:82]، فمنهم من هو في عمل عال، ومنهم منهم في أعمال حقيرة. قال: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء:82] أي: لا يقدرون أن يهربوا من سليمان، ولا يرفضون له طلباً من مطالبه، وإنما هم مسخرون له، كما قال تعالى: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص:37]، من فوق وتحت، يفعلون له ما يشاء من سلاح وحصون وقصور، ويصنعون له التماثيل، وينحتون له القدور والجواب فسخرهم له يصنعون ذلك، ومنهم من يغوص في البحر، فيأتيه بما يريد من درر ولؤلؤ وغيره.
إيتاء الله لسليمان علم الفراسة
إيتاء الله لسليمان علم الفراسة وكذلك وهب الله داود وسليمان وآتاهما ما قال تعالى: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79] فسخر مع داود الجبال يسبحن، وسخر له الجمادات، وسخر لسليمان هذا الذي ذكره سبحانه وتعالى في هذه الآية. وأعطاه الله من علم النبوة الفراسة، وهي علم عظيم من الله عز وجل. والإنسان صاحب الفراسة يتفرس في الشيء، أي: يتوسم وينظر إليه فيكشف ما وراء ذلك من أشياء، ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)، والمعنى: أن ناساً اختصهم الله بهذا العلم من أنواع العلوم، وهو علم الفراسة. والفِراسة بالكسر والفَراسة بالفتح، فمعناها بالكسر النظر والتثبت ودقة النظر، والتعرف على الأحوال، والتأمل في الشيء، وتوقع ما يكون هذا الشيء. وأما الفَراسة: فهي ركوب الخيل والفرس. فمعنى: (إن لله عباداً يعرفون الناس بالتوسم)، يعني: ينظرون في الشيء، ويتوقعون وراءه شيئاً، فيكون على النحو الذي توقعوه، ولقد اختص الله عز وجل بها سليمان عليه السلام فأعطاه منها الكمال، وأعطى غيره من الخلق دون ذلك، وربنا سبحانه وتعالى يعطي كل إنسان ما يصلح له. وعلم الفراسة علم عظيم جداً، وأصله موهبة من الله، وليس من اكتساب الإنسان، وإنما الإنسان يتعلم العلوم الشرعية، ولكن في النهاية هذا من الله للإنسان، فقد يكون على شيء من أمر الفراسة قد يزيد وقد يقل.
فراسة عمر رضي الله عنه
فراسة عمر رضي الله عنه وقد كان سيدنا عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه له تفرسات عجيبة جداً، فكان ينظر في الأشياء ويتوقعها، فتكون على النحو الذي يتوقعه رضي الله تبارك وتعالى عنه. فروي عنه أنه رأى رجلاً وهو يسير، فقال عمر رضي الله عنه: هذا كاهنهم. وفي رواية قال: لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل في الكهانة، يعني: كان كاهناً في الجاهلية. وقال: علي بالرجل! فأتوا به، فسأله عمر: هل كنت كاهناً؟ فقال الرجل: ما رأيت استقبل مسلم بشر من ذلك، يعني: أنا رجل مسلم، وتستقبلني بهذا الشيء. فلما ألح عليه عمر قال: نعم. كنت كاهناً في الجاهلية. ومن فراسته التي تفرد بها عن الأمة رضي الله تبارك وتعالى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فأنزل الله عز وجل القرآن: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125]). ولم ينزلها الله من أجل أن عمر قالها، فالقرآن قد نزل إلى السماء الدنيا قبل عمر وقبل غيره، ولكن الغرض أن عمر وافق القرآن، وإلا فقد قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105] والزبور هو كتاب داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام. والذكر: القرآن أي: قد كتبنا ذلك في القرآن، وأثبتناه في الزبور قبل أن نخلق الأنبياء، فقد كتبنا: أن الأرض سيرثها عبادي الصالحون. إذاً: فالقرآن كان موجوداً قبل وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل وجود عمر، وقبل وجود غيره. وإنما عمر رأى ذلك فوافق ما هو مكتوب عند الله عز وجل في كتابه. أيضاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! لو أمرت نساءك أن يحتجبن) فنساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن دون حجاب، ولم ينههن النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأنه لا ينهى إلا أن يأتي إليه الوحي، فلما طلب عمر ذلك نزلت الآية على ما قاله عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه. وأنزل الله عز وجل في ذلك آيات الحجاب، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] إلى آخر الآيات. وأيضاً قال عمر لنساء النبي صلى الله عليه وسلم حين أغضبن النبي صلى الله عليه وسلم: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ} [التحريم:5]، ونزل القرآن بما قاله عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه. وشاوره النبي صلى الله عليه وسلم في الأسرى في يوم بدر، وشاور أبا بكر وغيره، فرأوا أنه لا يقتلهم، وإنما يأخذ منهم مالاً ليستعينوا به على جهادهم، ونزل القرآن يوافق عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال:68].
الفراسة لا تستلزم العصمة
الفراسة لا تستلزم العصمة فالغرض أن عمر كان من أعظم الناس فراسة رضي الله عنه تبارك وتعالى عنه، وليس معنى ذلك أن ما يقوله أو يحدث به كله صواب، أو أنه إذا رأى رأياً فلا يشور أحداً. وإنما المعنى: أن الله عز وجل يرينا بعض آياته في بعض من خلقه. فإن عمر رضي الله عنه جاءته امرأة تشكو زوجها، فقالت: هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح، ويصوم النهار حتى المساء. ثم أدركها الحياء فقال لها عمر بن الخطاب: قد أحسنت الثناء. ولم تذهب المرأة فـ عمر الذي هو صاحب الفراسة العظيمة، لم يفهم مقصدها، وإنما فهمه كعب بن سوار فقال لـ عمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين لقد أبلغت الشكوى إليك، أي: شكت شكوى كبيرة وعظيمة، فقال: علي بزوجها، فجاء زوجها فقال لـ كعب: اقض بينهما، فقال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت لما لم أفطن له من حاجتها. فقال: إن الله عز وجل يقول: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] ثم قال لزوجها: صم ثلاثة أيام، وأفطر عندها يوماً -يعني: كأنك متزوج أربع نسوة؛ فإذا كنت متزوجاً أربع نسوة فمن حقها أن تجعل لها كل أربعة أيام يوماً، فصم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوماً- وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. أي: كأنك متزوج أربع نساء. فقال عمر رضي الله عنه: لا أدري من أي أمرك أعجب، من فهمك شكواها، أم من قضائك بينها وبين زوجها، اذهب إلى البصرة فاقض بين أهلها. فجعله قاضياً لأهل البصرة. فلم يكن علم الفراسة مختصاً بـ عمر وحده ولا بـ كعب وحده، ولكن الله عز وجل قسم من ذلك العلم لمن يشاء من خلقه، فجعل لهم نصيباً.
فراسة عثمان بن عفان رضي الله عنه
فراسة عثمان بن عفان رضي الله عنه هذا عثمان رضي الله تبارك وتعالى عنه ينظر إلى أحد الصحابة ويقول: يأتي أحدكم وفي عينيه أثر الزنا؟ فقال أنس رضي الله عنه: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا. ولكنه شيء يجعله الله عز وجل في قلب المؤمن، فكان كما قال.
فراسة علي رضي الله عنه
فراسة علي رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب كان له من ذلك أيضاً شيء عجيب رضي الله تبارك وتعالى عنه. ومن ذلك: أن رجلين من قريش دفعا إلى امرأة مائة دينار، وقالا: لا تدفعيها إلى أحد دون صاحبه. ولبثا حولاً، فجاء أحدهما فقال: إن صاحبي قد مات، فادفعي إليّ الدنانير، فرفضت المرأة وقالت: إنكما قلتما: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه، فلست بدافعتها إليك، فاستعان عليها بأهلها وجيرانها، فأعطته. ثم ظهر الثاني بعد كذا وقال لها: ادفعي إلي الدنانير. فقالت: إن صاحبك قد أخذها، فقال: أولم نأمرك ألا تدفعيها لأحد دون صاحبه؟ فرفعها لـ عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأراد عمر أن يقضي عليها، فلما كاد يقضي عليها قالت له: ارفعنا إلى علي رضي الله عنه، فرفعهما إلى علي رضي الله عنه، فعرف علي أنهما مكرا بها من أجل أن يأخذوا منها مائتي دينار بدلاً من مائة دينار، فقال لها علي رضي الله عنه: أليس قد قلتما! لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه؟ فقالا: بلى. قال: فاذهب فائت بصاحبك! فبطلت حيلتهما.
فراسة إياس بن معاوية
فراسة إياس بن معاوية ومن أصحاب الفراسة الذي كانوا مشهورين بذلك أحد القضاة وهو إياس بن معاوية بن قرة إياس المزني رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد كان له من ذلك حظ عظيم جداً، وكان الناس يذهبون يتعلمون من إياس وكان أبوه معاوية بن قرة صحابياً، رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان إياس مشهوراً بالفراسة، وكانوا يتعلمون منه ذلك، وهذا العلم هبة من الله، فمن أراده فليتعلم العلوم الشرعية؛ ليفتح الله عليه في ذلك. ومن قضاء إياس الذي كان الناس يعجبون منه: أن رجلاً استودع رجلاً مالاً، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: انصرف حتى أنظر في أمرك، واكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عد إلي بعد يومين. فدعا إياس هذا الرجل، وقال له: إني قد حضر إلي مال كثير، وأريد أن أودعه عندك، فاذهب وجهز له بيتاً فذهب الرجل وجهز له بيتاً، وبعد يومين جاء الرجل الأول إلى إياس، فقال له إياس: اذهب إليه وقل له: أعطني مالي وإلا شكوتك للقاضي. فأعطاه ماله، ثم ذهب إلى إياس يطلب منه المال، فزجره وانتهره، وقال له: لا تقربني يا خائن!. وقصة أخرى عجيبة لـ إياس بن معاوية في ذلك: جاءت أربع نسوة إلى مجلسه، فقال إياس: أما إحداهن فحامل، والأخرى مرضع، والثالثة ثيب، والرابعة بكر! فتعجبوا من أمره، وسألوا فكن كما قال: فسألوه كيف عرف ذلك وهن متحجبات؟ فقال: أما الحامل فكانت تكلمني وترفع ثوبها عن بطنها، أي: مع ثقل الحجاب. وأما المرضع فكانت تمسك بثديها، فعرفت أنها مرضع. وأما الثيب: فكانت تكلمني وعيني في عينها. وأما البكر فكانت تكلمني وعينها في الأرض. يعني: المرأة الثيب عندها جراءة ليست عند المرأة البكر، فاكتشف الأربع من مجرد الكلام معه. وقصة أخرى عجيبة من قصصه رضي الله عنه: أن رجلاً استودع غيره مالاً، فجحده هذا الإنسان، فرفعه إلى إياس، فسأله: أين أعطيته هذا المال؟ فقال: في البرية، في الصحراء فقال: أين هو؟ قال: عند الشجرة الفلانية. فسأل إياس غريمة: أتعرف مكان الشجرة؟ فقال: لا. فقال إياس للمدعي: اذهب إليها فعلك دفنت المال عندها، فلعلك إن رأيتها تذكرت أين وضعت المال. فذهب الرجل فجلس إياس مع المدعي عليه ينظر في القضايا، ثم سأل المدعى عليه: أتراه وصل إلى الشجرة؟ فقال: لا. إن المسافة بعيدة. فأخذه وقرره بما عليه من مال.
فراسة الخليفة العباسي المعتضد
فراسة الخليفة العباسي المعتضد وممن كان يضرب به المثل في الفراسة المعتضد أحد خلفاء بني العباس، فقد كانت له عجائب في الفراسة، فكان يتفرس في الشيء فيكون على النحو الذي رآه. ومما يذكرون عنه: أنه كان جالساً يشاهد الصناع، فرأى فيهم عبداً أسود منكر الخلقة، شديد المرح، يعمل ضعف ما يعمل الصناع، فيبني بناء ثم يجلس ينظر إلى العمال. فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره؟ أي: ما رأيكم في هذا الشيء، فقالوا: من هذا حتى تصرف إليه نظرك؟ قال: لقد رأيت فيه أنه لا يخرج من حالين، فإما أن يكون معه دنانير قد ظفر بها أو أنه يتستر بالعمل من أجل أن يسرق. فدعاه، ودعا بالضراب فضربه، وحلف له إن لم يصدقه أن يضرب عنقه، فلما هدده اعترف الرجل وقال: لي الأمان؟ فقال: نعم إلا فيما يجب عليك بالشرع، وهذا من ذكائه، فقال: كنت أعمل في الآجر -أي: في الطوب- فاجتاز رجل في وسطه هيمان، فجاء إلى مكان فجلس فيه، فحل الهيمان وأخرج منه دنانير، فقتلته، ثم حملته على كتفي، فطرحته في الفرن، فأحرقته، ثم أخرجت عظامه، فطرحتها في دجلة. فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير وإذا مكتوب عليها، فلان بن فلان، فعرف صاحبه، فجاء بامرأته، فقالت: هذا زوجي، ولي منه هذا الطفل، خرج وقت كذا وكذا، ومعه ألف دينار، فغاب إلى الآن، فسلمها الدنانير، وأمرها أن تعتد من زوجها، وأمر بضرب عنق هذا الأسود، ثم حرقه كما حرق صاحبه.
فراسة الخليفة العباسي المنصور
فراسة الخليفة العباسي المنصور والخليفة العباسي المنصور أيضاً كان له مثل ذلك؛ فقد جاءه رجل فأخبره أنه خرج في تجارة، فكسب فيها مالاً، فدفع هذا المال إلى امرأته، ثم طلبه من المرأة، فذكرت أنه سرق من البيت. فإذا بـ المنصور يسأله أسئلة غريبة: هل لها ولد من غيرك؟ قال: لا. فدعا المنصور بقارورة فيها طيب له رائحة نفاذة، لا نظير له في البلد، ثم قال للرجل: خذ هذا الطيب لعله يذهب همك، فأخذه، فجعل المنصور أربعة من الناس على أبواب المدينة، كل واحد على باب المدينة، وأمرهم إن شموا رائحته على أحد غير هذا الرجل أن يأتوا به، وقد تخيل أن المرأة لها عشيق آخر تحبه، وأنها خانت زوجها وسرقته من أجل هذا العشيق. وإذا كانت قد أخذت المال وأعطته العشيق فمن باب أولى أن تعطيه الطيب، فكان كما ظن المنصور، فأخذ العشيق، وأعاد المال لصاحبه. ودخل شريك مرة على المهدي فقال للخادم: هات عوداً للقاضي، وشريك القاضي كان من أعدل القضاة رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولما دخل على الخليفة أراد الخليفة أن يكرمه، فقال للخادم: هات عوداً للقاضي. فذهب وأتى بعود الطرب ووضعه في حجر القاضي، فقال: ما هذا؟ فاستحيا الخليفة وقال: هذا العود أخذه صاحب العسكر البارحة فأحببت أن يكون كسره على يديك! فتخلص من هذا الشيء بهذه الحيلة؛ حتى لا ينتشر خبره عند الناس. وهناك أشياء كثيرة من هذا القبيل. فالغرض: أن علم الفراسة هبة من الله سبحانه وتعالى، يهبها للإنسان كما وهبها لسليمان، ووهبها لغيره من الناس، كـ عمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنه وعلي، وغيرهم من الناس، والله سبحانه وتعالى يهب لعباده ما يشاء من فضله. والمفروض ألا يحسد الإنسان أخاه إذا وجد نعمةً عنده دونه؛ فإن ربنا نهانا عن الحسد، والنبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك، وربنا أمرنا أن نتعوذ من شر حاسد إذا حسد، وقد علمنا من خيار الأنبياء كيف أعطى الله الأب شيئاً، وأعطى الابن شيئاً آخر، فلم يحسد أحدهما الآخر على النعمة، ولكن شكرا الله سبحانه تبارك وتعالى على النعم، وسليمان شكر الله عز وجل على النعمة عليه وعلى والديه، قال تعالى: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [83 - 85]
تفسير سورة الأنبياء [83 - 85] قص الله عز وجل علينا في كتابه قصص أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك قص علينا نبينا صلى الله عليه وسلم قصصهم لتكون زاداً لنا في عبادتنا لله عز وجل، وفي الدعوة إليه، وفي الاقتداء بهم، فقد كانوا صلوات الله وسلامه عليهم لا تبطرهم النعم، ولا تيئسهم المصائب والابتلاءات، بل كانوا صابرين لأمر الله في جميع أمورهم وأحوالهم، ومن هؤلاء الأنبياء الذين قص الله علينا قصصهم أيوب عليه السلام، فقد ابتلي في جسده وماله وولده وأهله، فصبر لأمر الله، فرفعه الله في الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
حال أيوب عليه السلام قبل البلاء
حال أيوب عليه السلام قبل البلاء الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:83 - 85]. يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات جملة من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ حتى نتأسى بهم ونتبع هداهم، كما قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، أي: اقتد بهدي هؤلاء، واتبعهم في صبرهم وفي تبليغهم دعوة ربهم سبحانه وتعالى. ومنهم أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو العاشر من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام الذين ذكروا في هذه السورة. قال الله سبحانه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83 - 84]. فذكره هنا في الأنبياء، وذكره أيضاً في سورة ص فقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ} [ص:41 - 43]. فذكر لنا سبحانه في هاتين السورتين شيئاً من قصة أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه شيئاً من قصة أيوب عليه السلام، وذكر أهل الكتاب شيئاً من قصص أيوب عليه السلام، والله عز وجل لم يفصل قصته، وإنما أراد أن يرينا البلاء الذي ابتلي به هذا النبي، وواضح من الآيات أن البلاء كان شديداً. ومما ذكر عن أيوب عليه الصلاة والسلام أنه كان بين إبراهيم وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد كان غنياً أعطاه الله عز وجل في أرض الشام أرضاً عظيمة جداً، وأعطاه بساتين، وأعطاه من الأنعام ومن الخيرات شيئاً كثيراً، وأعطاه الكثير من الأبناء، فقيل: كان له ثلاثة وعشرون ولداً، والله أعلم، وهذا مذكور عن ابن عباس وغيره، وكانت له زوجة صالحة طيبة، فكان في رغد عظيم جداً؛ فقد جعله الله سبحانه تبارك وتعالى نبياً وجعله ملكاً في ما هو فيه من أشياء.
بلاء أيوب عليه السلام
بلاء أيوب عليه السلام قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83]. أي: لقد مسني أعظم الضر وأشد ما يكون من البلاء الذي لا يصبر على مثله، ولكن نبي الله عليه الصلاة والسلام صبر لأمر الله تبارك وتعالى. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وكذا رواه أبو نعيم في الحلية وذكره الشيخ الألباني رحمة الله عليه في السلسلة الصحيحة: (إن نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة). وأيوب كان قد بلغ من العمر سبعين سنة وهو على العبادة وعلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وابتلي في هذا السن، فبعد أن صار شيخاً ابتلاه الله سبحانه وتعالى لينظر كيف يصبر؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لبث به بلاؤه ثمانية عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد)، يعني: ابتعد عنه القريب، أي: الأهل، والبعيد: الجار والأصحاب. قال: (فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان).
سنة الله في ابتلاء المؤمنين
سنة الله في ابتلاء المؤمنين عندما ينزل البلاء تقع فتنة شديدة، والناس ينظرون لهذا المبتلى على أنه قد فعل شيئاً، وينسون أن الله عز وجل يبتلي عباده الصالحين. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة قلل له من البلاء). فيبتلى الرجل على قدر دينه، فلا تقل عن المبتلى إنه كان يعمل شيئاً ما، فقد يكون هذا المبتلى من الصالحين، وله عند الله درجة عالية لن يبلغها عمله، فيبتليه الله عز وجل حتى يرتفع إلى هذه الدرجة. إذاً فلا تشمت بإنسان مبتلى، وإذا مررت به فقل في نفسك: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى كثيراً من خلقه، وفضلني على كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تتمثل بأبيات وتقول: إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا فلا تشمت بأحد أبداً، فقد يأتي البلاء على إنسان وتشمت به والبلاء ينتظرك بعده، فلا تشمت بإنسان نزل به البلاء، والله سبحانه وتعالى يختبر عباده بما يشاء. قال صلى الله عليه وسلم: (فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين) فبدأ هذا الإنسان يتشكك في الأمر، وإلا فهو يرى أيوب أمامه، وهو نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام، ومن الصابرين، وهو معصوم لا يكذب ولا يقع في خطيئة، فكونه يسيء الظن فيه هكذا هذا أمر صعب. قال: (تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب عليه الصلاة والسلام لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه الصلاة والسلام: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق)، يعني: كان يعمل هذا وهو عمل صالح عظيم، فلا يسيء أحد الظن أبداً في نبي من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. ولما قال له الرجل ذلك قال: لا أدري ما تقولان؟ ولكن أعرف من حال نفسي أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان، أي: يتشاتمان ويتنازعان في الشيء، وكل منهما يحلف أنه حقه، ولا يمكن أن يكون ملكهما معاً، فعندما أرجع إلى بيتي أكفر عن المسيء في ذلك، ولا يلزمه أن يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام.
صبر زوجة أيوب معه في بلائه
صبر زوجة أيوب معه في بلائه قال: (وكان يخرج إلى حاجته، فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ)، وهذا من أعظم صبر هذه المرأة، فقد صبرت مع أيوب صبراً عظيماً، وصبر هو أيضاً صبراً يضرب به المثل عليه الصلاة والسلام، وهو نبي وحق له ذلك. وأما المرأة فليست نبية، ومع ذلك صبرت مع أيوب عليه الصلاة والسلام صبراً عظيماً قل أن تصبره امرأة مع زوجها، فكانت تخرج معه إلى حاجته، وتمسكه بيده حتى يبلغ.
معافاة الله لأيوب من بلائه
معافاة الله لأيوب من بلائه قال (فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله إلى أيوب أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، قال: فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان) أي: قد كشف الله عز وجل عنه هذا البلاء العظيم الذي كان عليه. قال: (فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك رأيت نبي الله هذا المبتلى) أي: لم تعرفه؛ لأنه منذ ثماني عشرة سنة في البلاء والآن زال عنه هذا كله فلم تعرفه، فسألته: أتعرف أيوب هذا النبي المبتلى عليه الصلاة والسلام؟ ثم قالت: (والله على ذلك ما رأيت أشبه به منك إذا كان صحيحاً. فقال: فإني هو عليه الصلاة والسلام) فقد شفاه الله سبحانه وتعالى مما كان به، وعوضه ما أخذ منه تبارك وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان له أندران) والأندر: الخزانة فيها الحبوب والتمر وغيره، قال: (كان له أندران، أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض) فأعطاه ذهباً وفضة على هذا الصبر، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فدرجته عظيمة ومرتبته عظيمة وأجره عظيم على صبره عليه الصلاة والسلام. وقد جاء أنهم كانوا يقولون له: سل ربك أن يشفيك فيقول: (عافاني الله سبحانه وتعالى سبعين سنة أفلا أصبر سبعين مثلها؟)، يعني: إذا كان منّ علي بصحة وبعافية وبمال وبولد سبعين سنة، أفلا أصبر سبعين سنة مثلها؟
بيان أن من الأدب عدم نسبة الشر إلى الله
بيان أن من الأدب عدم نسبة الشر إلى الله قال الله تبارك وتعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء:83]. وهذا فيه غاية الأدب، فهو لم يقل: مسستني بضر، أو أنزلت بي الضر، والله عز وجل هو الذي يخلق الخير والسقم والبلاء. والله سبحانه وتعالى ينزل على عبده ما يشاء سبحانه، ولكن من الأدب مع الله أن ينسب العبد النعمة والخير إليه سبحانه، وهو الفاعل لكل شيء سبحانه، فيقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الخير بيديك، والشر ليس إليك) فالخير من عند الله سبحانه، وهو الذي خلق الخير وغيره، ولكن الأدب مع الله سبحانه أن ينسب العبد البلاء إلى نفسه، كما قال إبراهيم: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ} [الشعراء:78 - 80] وهو الذي أمرضه، ولكنه تأدب مع الله سبحانه وتعالى، فقال: {وَإِذَا مَرِضْتُ} [الشعراء:80] فلم ينسبه إلى الله، وإن كان الله عز وجل هو الذي يشفيه، وهو الذي يمرضه سبحانه وتعالى. وهنا سيدنا أيوب عليه الصلاة والسلام قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء:83] وهذه قراءة الجمهور. وقرأها حمزة: (أني مسنيْ الضر وأنت أرحم الراحمين). فبعد ثماني عشرة سنة طلب من ربه سبحانه أن يكشف عنه البلاء. مما جاء في الآثار: أن أصحاب أيوب عليه الصلاة والسلام جاءوا إليه فقالوا له: ذلك أنك أذنبت ذنباً لا يعلمه إلا الله عز وجل، قال: فكان أشد ما كان عليه سوء الظن، فسجد لله عز وجل ونادى ربه وقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] فكشف الله عز وجل عنه ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
تفسير قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
رد الله على أيوب أهله بعد كشف ضره
رد الله على أيوب أهله بعد كشف ضره قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء:84]، أي: فكشفنا كل ما به من ضر، ولم نترك منه شيئاً. قال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء:84]، أي: بعد أن أخذهم منه، وكأن الله عز وجل أخذ أولاده الثلاثة والعشرين كما ذكر ابن عباس، ثم ردهم عليه ربه سبحانه، فقيل: ردهم بعدما أماتهم، فأحياهم له، وقيل: إنه أعطاه أجرهم وأعطاه بدلاً منهم، ولعله يكون كذلك، ولم يذكر لنا سبحانه وتعالى الأمر، ولكن الله على كل شيء قدير، فهو قادر على إحيائهم له بعد موتهم، كما ذكر لنا في بني إسرائيل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243] أي: أنهم وجدوا الطاعون ينزل في الناس، فخافوا وهربوا لعلهم ينجون من الطاعون. فلما هربوا وخرجوا قال لهم الله عز وجل: موتوا! فماتوا جميعهم، ثم أحياهم بعد ذلك، والله على كل شيء قدير. فقد يفعل ذلك آية، فيميت الإنسان قبل أجله ثم يبعثه لأجله المعلوم عند الله عز وجل، وقد يكون إحياء الله لأولاد أيوب من هذا الباب؛ لأن الله عز وجل قال: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء:84]. ولعل المعنى: آتيناه أجر أهله، أي: صبره على أهله، فيكون بتقدير محذوف هنا: وأعطيناه في الدنيا مثلهم، ويوم القيامة يجد الجميع في جنة الخلد معه. ومما جاء أن إبليس ذهب إليه ليوسوس إليه فما قدر عليه، فسأل الله عز وجل أن يسلطه عليه فأراد الله أن يري الملائكة والخلق كيف يصبر هذا الإنسان فابتلاه، وقد قال في سورة ص: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص:41] وكأنه يذكر أن الشر من الشيطان تسلط عليه، أو أنت سلطت علي هذا الشيطان ففعل بي ما فعل وابتلاني في أصدقائي فوسوس لهم فأساءوا الظن في، وابتلاني في امرأتي فأنا أسأت الظن فيها، فمسني الشيطان بنصب وعذاب. فقال الله عز وجل: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص:42] والركض: الضرب بالرجل، ومنه ركض فرسه، يعني: ركب عليه وضرب برجليه على جنبيه حتى يجري، فهنا قال: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ} [ص:42] أي: على الأرض، فنبعت له عين ماء من الأرض فاغتسل منها وشرب فأبرأه الله تبارك وتعالى فصار أحسن مما كان. قال تعالى: {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الأنبياء:84]. هنا ذكر رحمة من عندنا، وقال في ص: {رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ} [ص:43]. وهنا قال تعالى: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:84] أي: تذكرة للعابدين، أي: لكل العباد الذين يعبدون الله سبحانه، ويعلمون أن الله يبتلي العبد بالخير وبالضر، كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]. فالله عز وجل يبتلي عبده بما يشاء، فإذا أعطاه المال فهذا بلاء من الله عز وجل فليحمد ربه سبحانه، وليؤد الحقوق التي أمر بأدائها، وإذا ابتلاه الله عز وجل بالمرض فليعلم أن هذا من عند الله ولا يكشفه إلا الله سبحانه، وليدع بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء: (أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاءك، شفاءً لا يغادر سقماً).
حلف أيوب أن يضرب زوجته وبره في ذلك
حلف أيوب أن يضرب زوجته وبره في ذلك قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44]. وكأنه حصل شيء بينه وبين امرأته، فقيل: إن المرأة جاءها الشيطان فوسوس إليها بشيء، وقال لها: اطلبي من أيوب كذا فإذا فعله فإن الله تبارك وتعالى يشفيه، فطلبت منه ذلك، فقيل: إنه أمرها بشيء من الشرك تطلبه من أيوب، فلما طلبته أقسم أيوب أن يضربها مائة جلدة على ذلك، وقيل غير ذلك. فالمقصود: أنه أقسم على شيء فعلته هذه المرأة الصالحة الصابرة أن يضربها مائة جلدة، والله عز وجل أرحم الراحمين يقول له: ما ذنبها، وقد جلست معك هذه السنين الطويلة صابرة؟ وفي النهاية لو فرضنا أنها أخطأت في شيء فالله غفور رحيم كريم سبحانه. فأمر أيوب: أن أوف بيمينك، ولكن اضربها ضربة واحدة. قال تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} [ص:44] والضغث العثكول من النخل، وهو القنو المدلى الذي فيه البلح، فأمره أن يأخذ قنواً منه فيه مائة خوصة فيضرب بها المرأة ضربة واحدة، ليبر بقسمه، وجعل له الله عز وجل هذا المخرج، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3]. قال تعالى: {فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} [ص:44] ثم مدحه الله سبحانه بقوله: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] وقال سبحانه هنا: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:84] أي: نادى فاستجبنا له.
شدة تضرع أيوب ودعائه لربه
شدة تضرع أيوب ودعائه لربه قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [الأنبياء:83] والنداء أشد الدعاء. فدعا ربه سبحانه وناجاه متوسلاً إلى ربه سبحانه فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] وهذا من الجمال في Q { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} [الأنبياء:83] والأصل أن يقول: ارفع عني الذي أنا فيه، ولكنه قال: رحمتك عظيمة وأنت أعلم ما الذي أريده، فتلطف في سؤاله ربه تبارك وتعالى، فقال: {أََنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء:83] أي: فلتسعني رحمتك. فاستجاب له الله عز وجل سريعاً، قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ) [الأنبياء:84] وكان قد تباطأ عن الدعاء سنوات، واستحيا من ربه الذي أكرمه بالخير كثيراً، وقال: أفلا أصبر كثيراً على هذا الذي ابتلاني به؟ فلما نادى ربه قال: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} [الأنبياء:84] أي: آتيناه الأجر على أهله الذين ماتوا، أو أحيا الله سبحانه أهله، والله أعلم بذلك.
نعمة الله على أيوب بعد شفائه
نعمة الله على أيوب بعد شفائه قال تعالى: ((وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)) أولاداً آخرين. قال تعالى: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا} [الأنبياء:84] فرحمناه وكشفنا ما به وأعطيناه، ورحمنا زوجته فأمرناه ألا يحنث وأن يضربها ضربة واحدة. قال تعالى: {وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:84] أي: حتى يتذكر كل إنسان عابد لله سبحانه رحمة رب العالمين الواسعة، وأنه الذي يستجيب لمن يدعوه كما قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:62]. لا إله إلا الله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أيوب: (إن أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام بينما كان يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثوه في ثوبه، فناداه ربه سبحانه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟) يعني: ألم أعطك أندر ذهب وأندر فضة، وحاشا لأيوب أن يكون طماعاً، وهو نبي معصوم، وإنما هو أدب الأنبياء. وقد قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ولو أن إنساناً ذهب إلى إنسان غني وكبير وأعطاه شيئاً من الصدقة فقال له: لا أريد، لكان ردها قبيحاً، وحينئذ يشعر المعطي بالضيق لرفضه، وكلما ازداد قدره ومقامه كان الرفض أوجع له. ولله عز وجل المثل الأعلى، ولا شيء يناله سبحانه وتعالى من عبده، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37]، فلما أنزل الله على أيوب هذا الجراد من الذهب ابتلاء له، ونظراً لما يصنع قبل صدقة ربه عليه، فسأله الله ممتحناً له ومختبراً: (ألم أكن أغنيتك عن هذا؟ قال: بلى؛ ولكن لا غنى لي عن بركتك). فهنا منه تأدب في الأخذ وتأدب في الجواب صلوات الله وسلامه عليه، فذكره الله عز وجل في هذه الآيات وفي غيرها.
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل)
بيان مدح الله لإسماعيل بصدق الوعد
بيان مدح الله لإسماعيل بصدق الوعد قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:85 - 86]. وقد كان أيوب صابراً، قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44] أي: كثير الأوبة إلى الله عز وجل، وقد كان الأنبياء مثله، ولكنه أشدهم بلاءً في جسده وفي ماله وفي ولده. قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ} [الأنبياء:85] وهو ابن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقد كان نبياً رسولاً عليه الصلاة والسلام. وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم:54] أي: كان يعد الوعد ويصدق في وعده، وقد وعد شخصاً أن يلقاه في المكان الفلاني بعد ثلاث، فانتظر بعد ثلاث ولم يأت الرجل إلا بعد ثلاث ليال، فقال له: لقد شققت علي! وصبر. وليس مطلوباً من الناس أن يكونوا على مثل هذا الوعد العظيم والوفاء، ولكن يذكر ربنا لنا هؤلاء لنقتدي بهم في الوفاء بالوعد، وكثير منا اليوم يعد ولا يفي بوعده، فالواجب الوفاء بالوعد. وقد جاء مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن رجلاً وعده قبل الإسلام أن يأتيه في المكان الفلاني، فانتظره النبي صلى الله عليه وسلم وبات في مكانه ينتظر الرجل حتى ظهر الرجل بعد ذلك وقال: لقد شققت علي، فإسماعيل فعل ذلك، واقتدى به النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقال تعالى عن إسماعيل: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:55] وأنت قبل أن تدعو الناس ادع أهلك، وأولى الناس أن تنقذهم من النار أهلك، وقد قال الله في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]. إذاً: إسماعيل كان صادق الوعد عليه الصلاة والسلام، وكان رسولاً نبياً، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عمله عند ربه مرضياً، وذكر هنا أنه من الصابرين، وأي صبر أعظم من صبر إسماعيل عليه الصلاة والسلام حين أخذه أبوه ليذبحه.
قصة إتيان إبراهيم عليه السلام بأهله إلى مكة وتركهم فيها
قصة إتيان إبراهيم عليه السلام بأهله إلى مكة وتركهم فيها وقد ولد إسماعيل من هاجر، فلما ولد لها غارت سارة من هاجر، فأخذ إبراهيم بوحي من الله عز وجل هاجر وابنها إسماعيل بعيداً عن سارة وذهب بهما إلى مكة. وكانت سارة في الشام. وقد كانت مكة صحراء لا طعام فيها، ولا ماء، وعندما وصل بهما إلى مكة ترك بها جراباً من تمر وسقاء فيه ماء، وتركها هناك عند موضع البيت، ولم يكن البيت في ذلك الوقت موجوداً، وترك ابنه الوحيد الذي جاء له بعد أكثر من ثمانين سنة في هذا المكان مع أمه. فقالت هاجر: يا إبراهيم! إلى من تتركنا في هذا المكان الذي لا أنيس به ولا جليس؟ فسكت إبراهيم وكأن الأمر شديداً على نفسه، ولكنه ينفذ أمر الله عز وجل ووحيه، فانطلق وتركها، فقالت: إلى من تتركنا؟ وفي النهاية قالت: إلى الله؟ قال: نعم. قالت: إذاً فلا يضيعنا. وذهب إبراهيم حتى إذا كان وراء أكمة، أي: ثنية، وقد كان متجلداً أمامها وأمام ولده الصغير حتى لا يتسخطان أمر الله، فلما توارى خلف الأكمة ظهر حنانه عليه الصلاة والسلام ودعا ربه متوسلاً إليه: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:37 - 38]. فدعا عليه الصلاة والسلام ربه سبحانه، وترك ابنه، فشب هذا الولد، وكان أبوه يأتيه بين الحين والحين ينظر إليه ويرجع، وصبر الولد وشب.
قصة بناء إبراهيم للبيت مع ابنه إسماعيل وقصة الذبح
قصة بناء إبراهيم للبيت مع ابنه إسماعيل وقصة الذبح فأتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام يوماً وقال لإسماعيل: (إن الله أمرني بأمر، قال: فامض إلى ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأفعل. قال: أمرني أن أرفع القواعد من البيت، فأعانه إسماعيل فرفعا القواعد من البيت، ثم رجع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله عز وجل. وبعد فترة أوحى الله إليه رؤيا منامية: أن اذبح ولدك، وقد كان إبراهيم في كل حين ينظر إلى ابنه بأنه لم يربه وتركه في هذا المكان، فذهب إليه وقال: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات:102] فلم يقل له: هذه أضغاث أحلام وهرب منه، فهو يعلم أن أباه نبي من عند الله سبحانه، وأن هذا وحي من الله. فقال: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] أي: أصبر لذلك. وعندما أراد أن يذبحه طلب منه إسماعيل أن يلقيه على وجهه حتى لا ينظر إليه وهو يذبحه. فلما كاد أن يذبحه نزل أمر الله عز وجل: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:104 - 107]. فكان بلاءً بيناً عظيماً للإثنين، لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وابنه إسماعيل، فكان إسماعيل صابراً، فذكره الله عز وجل من الصابرين. وكذلك إدريس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكذلك ذو الكفل قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الأنبياء:85]. فكل واحد من هؤلاء صبر لأوامر الله عز وجل، فمدحهم الله تبارك وتعالى. وقد رفع الله إدريس مكاناً علياً في السماء الرابعة، وقد قيل إنه كان قبل نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل: بل كان بعده، فالله أعلم. فالغرض: أنه ابتلاه الله سبحانه تبارك وتعالى، فصبر لأمر الله سبحانه، فرفعه الله بصبره مكاناً علياً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [85 - 91]
تفسير سورة الأنبياء [85 - 91] يذكر الله سبحانه جملة من الأنبياء ويذكر صفاتهم ودعوتهم لقومهم وصبرهم وحلمهم عليهم، كل ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يقتدي بهم في ذلك، حتى إذا واجه من قومه الإعراض والإيذاء يصبر عليهم ويستمر في دعوتهم حتى يؤمنوا، أو يجاهدهم ويقاتلهم.
قصص إسماعيل وإدريس وذا الكفل
قصص إسماعيل وإدريس وذا الكفل الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:85 - 86].
قصة إسماعيل عليه السلام
قصة إسماعيل عليه السلام ذكر الله عز وجل في سورة الأنبياء جملة من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، لنتعظ بذكرهم ونتأسى بفعلهم وصبرهم وجهادهم، فذكر بعضهم في هذه الآيات، قال تعالى: ((وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)). أول هؤلاء الأنبياء هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكرنا بالأمس شيئاً من قصته، وكيف صبر لأمر الله سبحانه بالذبح، حتى نجاه الله سبحانه وتعالى، وفداه بذبح عظيم، وكيف أنه أعان أباه في بناء الكعبة، ودعوا ربهما سبحانه وتعالى، {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، وكيف أنه صبر على أهله، فكان يأمرهم بالصلاة والزكاة، وكان من الخاشعين لربه العالمين.
قصة إدريس عليه السلام
قصة إدريس عليه السلام إدريس عليه السلام هو نبي من أنبياء الله، ورسول من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ذكر الله عز وجل هنا أنه من الصابرين ومن الصالحين، ((وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ)). فوصفهم بالصلاح ووصفهم بالصبر، وإدريس النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: كان قبل نوح على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، وقيل: بل كان بعد نوح عليه الصلاة والسلام والله أعلم. وقالوا: كان إدريس أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبسها، ونظر في علم النجوم وعلم الحساب، وسير النجوم وغير ذلك. فربنا سبحانه وتعالى ذكر أنه رفعه مكاناً علياً، رفعه بصبره ورفعه بصلاحه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة معراجه أنه رآه في السماء الرابعة، فرفعه الله مكاناً علياً.
قصة ذي الكفل والأقوال في نبوته وعدمها
قصة ذي الكفل والأقوال في نبوته وعدمها قوله: ((وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ)) اختلفوا في ذي الكفل هل كان نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أم كان رجلاً من الصالحين، فالبعض يقول: هو نبي من الأنبياء باعتباره ذكر مع هؤلاء الأنبياء في هذه السورة. والذي يقول: ليس من الأنبياء وإنما كان رجلاً صالحاً، وإنه تكفل لنبي من الأنبياء بشيء فوفى بما طلب منه، باعتبار ما جاء في حديث الترمذي وإسناده ضعيف: (كان الكفل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة ولما ذكرته بالله تركها)، إلى آخر الحديث، ويشبه هذه القصة ما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الثلاثة الذي آواهم المطر إلى غار في الجبل، ومنهم رجل وقف من امرأة موقف الرجل من زوجته فذكرته بالله فتركها وترك لها الدنانير التي كان قد أعطاها. فذكر في الترمذي أن اسمه الكفل، وفي الآية هنا، ذو الكفل، وقلنا: إن هذا الحديث الذي في سنن الترمذي إسناده ضعيف، فلا يصح أن يفسر به هذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى، وهنا كونه يذكر أنه من أهل الصلاح ومن أهل الصبر ينافي أن يكون هذا من أهل الفساد وأنه لا يتورع من ذنب، ثم فجأة يثني عليه بذلك، لعل هذا يكون بعيداً، والأقرب أنه كان نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو أنه تكفل لنبي من الأنبياء بأمر الأمة من بعده، فقد جاء في الرواية: (أن نبياً من أنبياء الله عز وجل في بني إسرائيل، لما كبر في سنه طلب من قومه من يقوم لي في هذا الأمر، أو من يكفل لي أمر الناس، بشرط أن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب -يعني: من أجل أن يكون حاكماً وقاضياً على قومه- فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس -كأنه استصغر أمره، كيف يكون حاكماً على هؤلاء القوم وهو صغير؟ - فسكت وكرر في اليوم الثاني وفي اليوم الثالث، وكل مرة يقوم هذا الرجل فاستخلفه، فقام وتكفل بذلك). وكان من العباد قبل أن يتولى الحكم على قومه، فلما تولى الحكم لم ينس العبادة، من صيام وقيام ليل، وقام بالأمر الذي تكفل به خير قيام. كذلك كان يقوم على أمر الناس ولا يغضب، وهذا أمر صعب جداً، لا يقوم به إلا نبي من الأنبياء، حتى إن الشيطان أراد أن يخرجه عن حده وعن قوله فيغضبه فلم يقدر عليه، فجاءه في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم، في وقت القيلولة، جاء الشيطان في صورة إنسان مظلوم يطلب الحكم له، فقال: أنا رجل مظلوم، وطلب منه أن يأتي معه لينصره على خصمه، فأرسل معه رجلاً فرفض، وأصر إلا أن يأتي معه، فخرج معه فلما أخذ بيده وانطلق إذا به يفر ويهرب منه، وإنما أراد أن يجعله يغضب؛ لأنه أزعجه وقت نومه، لكنه لم يغضب، وعرف أنه الشيطان. ومدحه الله عز وجل في هذه السورة بأنه من الصابرين، والصبر لم يكن مرة واحدة يصبر فيها، ولكن واضح من الآية أنهم صبروا صبراً عظيماً وصبراً طويلاً فقال: ((كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ)) أي: كل واحد اختصه الله عز وجل بمهام قام بها وأداها على أكمل الوجوه، وصبر لأمر الله حتى توفاه الله سبحانه. قال سبحانه: ((وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا))، ورحمة الله سبحانه وتعالى جنته، فرحمهم الله عز وجل ورضي عنهم وأدخلهم جنته سبحانه، ثم قال: {إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنبياء:86]، وإن هنا سببية معناها: لأنهم من الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا وكذلك ننجي المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً وكذلك ننجي المؤمنين)
حكم التفضيل بين الأنبياء
حكم التفضيل بين الأنبياء قال الله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]. وذا النون هو سيدنا يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذو من الأسماء الستة بمعنى صاحب، يعني: صاحب النون، والنون الحوت الضخم الكبير، فذو النون هو صاحب الحوت، وصاحب الحوت هو يونس بن متى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ذكر الله تعالى هنا يونس عليه السلام فقال: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) وذكره الله عز وجل في سورة الصافات فقال: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:139 - 144]. وذكره أيضاً في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القلم:48 - 50]. هذا كله في سيدنا يونس بن متى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصته، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه ذكره في الحديث، وقال: (لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى)، عليه الصلاة والسلام. وفي الحديث الآخر: (لا ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى). وفيه رواية ثالثة: قال: (ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متى)، وفي رواية: (لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا أفضل من يونس بن متى). هذا من تواضع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإلا فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك قال ذلك تواضعاً؛ حتى إذا قرأ الإنسان هذه الآيات في كتاب الله عز وجل لا يستهين بسيدنا يونس عليه الصلاة والسلام، ولا يظن أنه لو كان مكانه لفعل أفضل مما فعله، أو يفاضل بين الأنبياء على وجه التحقير للبعض منهم، كأن يقول: لو كان نبينا صلى الله عليه وسلم مكانه كان كذا وكذا، فالرسول صلى الله عليه وسلم سد الباب، بل يتواضع صلوات الله وسلامه عليه ويهضم نفسه صلى الله عليه وسلم ويقول: (رحم الله أخي يوسف لو لبثت في السجن كما لبث ثم جاءني الداعي لبادرت) فهو يهضم نفسه صلى الله عليه وسلم ويقول: إن سيدنا يوسف كان على صبر عظيم جداً، فهو مع أنه كان في السجن ويأتيه الداعي ويقول: تعال كلم الملك، فيقول له: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف:50] فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لو كنت مكانه لما قلت هذا الشيء، ولخرجت مباشرة؛ لأن السجن بلاء شديد.
قصة يونس عليه السلام مع قومه
قصة يونس عليه السلام مع قومه من قصة سيدنا يونس عليه السلام ما ذكر الله عز وجل هنا: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) يعني: غضبان لله سبحانه وتعالى، قالوا: مغاضباً لأجل ربه؛ لأن قومه عصوا ربهم سبحانه وتعالى. والله سبحانه وتعالى بعثه إلى أهل نينوى وهي بلدة من أرض الموصل في العراق، فدعاهم إلى الله فترة طويلة فلم يستجيبوا له وكذبوه، فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين، وخرج عنهم مغاضباً لهم، ولكن خروجه هنا كان بغير إذن من الله سبحانه، يقول سبحانه: ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ))، يعني: نضيق عليه. وهنا قراءة الجمهور، ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ))، وقراءة يعقوب: ((فَظَنَّ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ)) أي: أن لن يضيق عليه في أمر دعوته إلى الله عز وجل، فخرج بغير إذن من ربه، وهنا تعلم منه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يخرج مهاجراً من بلده مع إيذاء الكفار له حتى يأتي الإذن من الله سبحانه وتعالى. فيونس عليه الصلاة والسلام خرج مغاضباً لقومه، فلما رأوا آثار العذاب، وأن العذاب آت من عند الله عز وجل، ويونس عليه السلام قد خرج وتركهم خضعوا وتضرعوا لربهم سبحانه وتعالى، قال ربنا سبحانه: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]. فقوله: ((فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا)) أي: هلا كانت قرية آمنت فانتفعت بإيمانها قبل أن يأتي العذاب، إلا قوم يونس لما رأوا العذاب نفعهم الإيمان قبل أن ينزل العذاب؛ لأنهم خشعوا لله وتضرعوا لله سبحانه وتعالى، وعرفوا أن نبيهم صادق، فالله عز وجل ذكر أنهم الوحيدون الذين كشف عنهم العذاب قبل أن ينزل عليهم، فرحمهم الله وكشف عنهم العذاب.
إلقاء يونس في اليم
إلقاء يونس في اليم ولما ذهب يونس من عند قومه ركب السفينة فلجت بهم وخافوا أن يغرقوا فتساءلوا فيما بينهم، فقال أحدهم: إن معنا عبداً آبقاً من ربه، وإنها لا تسير حتى يلقى في البحر، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: والله لا نلقيك، فاقترعوا مرة ثانية وثالثة وفي كل مرة تقع القرعة عليه، فألقى بنفسه في البحر، قال الله عز وجل: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الصافات:139 - 140]، أي: المملوء، {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات:141] يعني: ساهم في القرعة، فهم لما وجدوه نبياً معهم ويقول لهم: ارموني في البحر، بعد أن وقعت القرعة عليه، رفضوا إلقاءه في البحر حتى كرروا القرعة ثلاثة مرات، فألقى بنفسه في البحر، فالله سبحانه وتعالى سلط حوتاً يلتقمه، {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات:142] أي: وهو آثم؛ لأنه عمل عملاً يلام عليه، ولو كان غيره لما كان يلام على ذلك، لو أن أحد الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى ذهب إلى قوم يدعوهم فرفضوا أن يقبلوا دعوته فخرج من عندهم إلى غيرهم كان مثاباً على ذلك ومأجوراً، لكن هذا نبي من أنبياء الله، والأنبياء مراتبهم عالية، وقد يكون الشيء من غيرهم حسنة ويكون منهم سيئة، ولذلك قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ لأن درجات هؤلاء المقربين عالية، فقد يكون منهم الشيء يعد عند الله عز وجل إساءة ويكون من غيرهم إحساناً وليس إساءة. فهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لامه الله عز وجل؛ لأنه خرج بغير إذنه عز وجل. قال تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات:142 - 144] أي: لبقي في بطن الحوت إلى قيام الساعة، ولكن الله عز وجل رحمه بتسبيحه؛ لأنه كان كثير التسبيح وكثير الصلاة وكثير الذكر لله سبحانه وتعالى، فنفعه ذلك، {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات:145 - 146]. وهنا يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى أنه نادى في الظلمات؛ لأن الحوت يكون في أعماق البحر، وأعماق البحر تكون مظلمة، والجزء من البحر الذي فيه نور هو مقدار خمسين أو مائة متر من سطح البحر، وتحت ذلك ظلمات البحر.
دعاء يونس في بطن الحوت
دعاء يونس في بطن الحوت {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنبياء:87]، أي: دخل بطن الحوت وهو مظلم، وهو في جوف البحر المظلم، وجاء عليه الليل المظلم، ظلمات بعضها فوق بعض، ((فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ))، هذا نداؤه ودعوته التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: (دعاء ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع به رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له)، هذا دعاء عظيم جداً؛ لأن فيه توحيد الله سبحانه وتعالى، وفيه الاعتراف بالتقصير والذنب، وأن الإنسان ظالم لنفسه وظالم لغيره. فلما قال هذا استجاب الله عز وجل له، قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء:88] أي: مباشرة، ألهمه الله عز وجل ما يقول فاستجاب له سبحانه، قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} [الأنبياء:88] هنا ما قال: (فاستجبنا له فنجيناه من الغم) وإنما قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاه} [الأنبياء:88] لأنه لو قال: (فنجيناه) لكان المعنى: أننا استجبنا ولكن أبطأنا في نجاته، ولكن لما قال: (ونجيناه) أي: استجبنا له وحالاً كانت النجاة من الله عز وجل، فهذه الكلمة لها شأن عظيم عند الله عز وجل، فهو عندما قالها أنجاه الله سبحانه وتعالى. ثم قال: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88]، وهذا تفضل الله عز وجل وكرمه على عباده، فقوله: ((وَكَذَلِكَ)) أي: وهذا الإنجاء ليس مختصاً بيونس عليه السلام، بل كل إنسان مؤمن يرجع إلى ربه ويستغيث بربه ويقول ذلك ننجيه كذلك من البلاء ومن الكرب. قوله: {وَكَذَلِكَ نُنْجِيَ} [الأنبياء:88]، بصيغة المضارعة، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم ((وَكَذَلِكَ ُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ))، على صيغة الماضي. والمعنى: أن الله عز وجل نجى المؤمنين من قبل ومن بعد، فكما نجى الله عز وجل يونس نجى غيره. إن قصة ذي النون على نبينا وعليه الصلاة والسلام يذكرها لنا ربنا سبحانه وتعالى، فيخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسيء الظن، فقال: (لا تفضلوني عليه، أو لا يقل أحدكم: أنا خير من يونس) فلا ينبغي لك أن تقول على نفسك ولا على النبي إنه أفضل من يونس، والمعنى لا تقل: لو كنت مكانه كنت عملت كذا، أو تقول: لو أن النبي صلى الله عليه وسلم مكانه كان عمل كذا، هذا لا ينبغي لأحد أن يقوله، ولا أن يخير بين الأنبياء على وجه التحقير للبعض الآخر. ورد في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن يستجيب الله له في البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء)، يعني: إذا كنت تريد أن يستجيب الله لك الدعاء عندما ينزل بك كرب، فأكثر من الدعاء، وعود الملائكة سماع صوتك باستمرار، حتى تقول: يا رب يا رب، ففي وقت الكرب ينفعك ذلك، فسيدنا يونس عليه الصلاة والسلام كان كل يوم يصعد إلى السماء منه تسبيح وصلاة وأعمال صالحة، والملائكة اعتادوا على ذلك، فلما حبس في بطن الحوت إذا به يقول: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، والملائكة تسمع صوتاً بعيداً فيقولون: يا ربنا صوت غريب من مكان بعيد، يقول: أما تعرفونه ذاك عبدي يونس، فيقولون: يونس الذي لم يزل يصعد إليك منه عمل متقبل، فالله عز وجل يلهمه أن يقول هذا الدعاء لينجيه بفضله سبحانه وتعالى.
نجاة يونس من بطن الحوت وإرساله إلى مائة ألف أو يزيدون
نجاة يونس من بطن الحوت وإرساله إلى مائة ألف أو يزيدون قال تعالى: {فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ} [الصافات:145] (فنبذناه) أي: ألقيناه، فالله عز وجل أوحى إلى الحوت بالتقامه، فما أن ألقى بنفسه في البحر حتى التقمه وابتلعه، ويوحي الله إلى الحوت أنه ليس رزقاً لك، وإنما أنت سجن فقط، فيكون سجناً له فلا يتأذى فيه، ويسبح لربه ويصلي له وهو في جوف الحوت. قوله: (وهو سقيم) أي: مريض. ثم قال: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} [الصافات:146]، ألقاه الحوت في العراء على الشاطئ، ليس هناك شيء يظله، وهو محتاج للطعام والشراب، فالله عز وجل أنبت عليه شجرة من يقطين، واليقطين هو القرع، فإذا بهذه الشجرة تظله، ويأكل من قرعها. ثم قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147]، فالله عز وجل من عليه وتركه نبياً، بل وأرسله إلى قوم آخرين، {فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات:148] وهنا ربنا سبحانه وتعالى قال: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:88] أي: كما نجينا يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه وكانوا لنا خاشعين)
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه وكانوا لنا خاشعين) قال الله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89]. وزكريا نبي من أنبياء بني إسرائيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أبو يحيى النبي عليه الصلاة والسلام، وزكريا هو الذي كفل مريم عليها السلام، وولده يحيى هو ابن خالة المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فكان زكريا زوج أخت مريم ومريم أم المسيح ويحيى هو ابن أختها، فهما أبناء خالة. قوله تعالى: ((وَزَكَرِيَّا)) تقرأ بالمد وبالقصر، وقراءة القصر هي قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، كلهم يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّا))، وباقي القراء يقرءونها: ((وَزَكَرِيَّاء))، بالمد فيها، وستكون منصوبة، (زكرياءَ) يعني: اذكر زكرياء. وهؤلاء الذين يقرءونها (زكرياء) لهم قراءتان فيها: الأولى: قراءة ابن عامر وشعبة: ((وَزَكَرِيَّاء إِذْ))، وباقي القراء في الهمزة الأولى يحققونها والهمزة الثانية يسهلونها، فيقول: ((وَزَكَرِيَّاء اِذْ نَادَى رَبَّهُ)) مثلما نقرأ: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44]، فهذه القراءات التي فيها. قال تعالى: ((وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)) أي: نادى ربه مناجياً داعياً: لا تذرني فرداً، وذكرها الله عز وجل في سورة مريم، كما قدمنا قبل ذلك أنه قال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم:5 - 6] فقال: ((يَرِثُنِي))، وذكرنا أن الإرث الذي يقصده هنا هو ميراث النبوة، أي: يكون نبياً مثلي، فيرث العلم الشرعي، وإلا فالأنبياء أبعد الناس عن طلب المال أو عن جمع المال من أجل أن يرثهم أولادهم هذا المال، وإنما رأى أن من حوله من الأولياء والعصبات من قومه وأهله لا يصلحون لحمل ميراث النبوة، فالله سبحانه وتعالى ذكر أنه نادى ربه هنا وقال: {رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا} [الأنبياء:89] أي: أنا أدعو إليك فإذا مت انقطعت الدعوة بموتي. {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء:89] أي: أنت الذي ترث الأرض ومن عليها، وأنت الذي ترث أمري، وأنت الذي تبعث من بعدي من يدعو القوم، ولكن اجعل لي ولداً يرثني في أمر النبوة والدعوة إليك. قال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90] أي: بعدما كبر وشاخ في سنه استجبنا له ووهبنا له هذا الغلام يحيى. {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء:90] أي: أن زوجة زكريا كانت عاقراً لا تلد فأصلح الله أمرها، وإذا بها تلد ويكون منها هذا الغلام، فالمعنى: أنا استجبنا له وأصلحنا زوجته فجعلناها تلد وجعلناها أهلاً لذلك، ووهبنا له يحيى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]، يعني: لكونهم كانوا من الصالحين، ما هي أفعالهم؟ {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] هذه صفات عظيمة لهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكرهم ويذكر صفاتهم حتى يتأسى بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم القوم أحوالهم. قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90] العجلة مذمومة إلا أن تكون في الخير وفي المسابقة والمسارعة إلى الخيرات، فليسرع الإنسان لعله لا يدري هل يعيش إلى أن يعمل الخير أو يموت قبله؟! فأي عمل من أعمال الخير بادر إليه وسابق إليه وسارع إليه، فالخير كله من عند الله سبحانه وتعالى، فسارع قبل أن يفوت عليك الخير أو تتبدل نيتك. وقوله: ((وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا)) الرغب: شدة الرغبة فيما عند الله سبحانه، والطمع في كرمه وثوابه ورحمته سبحانه وتعالى، ترجو ما عنده، والرهب: الخوف منه سبحانه وتعالى. وكمال العبادة لا يكون إلا بكمال الحب لله عز وجل وكمال الذل بين يديه سبحانه وتعالى. فهؤلاء الأنبياء كانوا يدعون ربهم راغبين فيما عنده، سائليه جنته سبحانه وتعالى، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (ماذا تقول في صلاتك؟ قال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ)، يعني: لا أستطيع أن أدعو بما تدعو به أنت ومعاذ، ولكن أطلب منه الجنة وأستعيذ به من النار، فقال صلى الله عليه وسلم له: (حولهما ندندن) أي: دعاؤنا كله حول دخول الجنة والنجاة من النار. فهنا قال: {يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90] فلا يجوز للإنسان أن يقول: إني أدعو ربي محبة ولا أخاف منه، وإلا فربنا سبحانه قد خوفنا في كتابه بأنه شديد العقاب سبحانه، وأنه عزيز ذو انتقام سبحانه وتعالى، ولم يذكر ذلك إلا ليرغبنا في جنته ويرهبنا من عذابه وبطشه وانتقامه، فالعبد المؤمن من كمال عبادته لله سبحانه أن يحب الله ويرغب فيما عنده، وأن يخاف الله سبحانه وتعالى، ويحذر من ناره سبحانه ونقمته وعذابه سبحانه. إذاً: أعظم العبادة ما كانت على الرغبة والرهبة؛ لأن الرغبة وحدها تدفعه في النهاية لأن يكون مرجئاً، وسيترك العمل في النهاية ولا يعمل، وكذلك الإنسان الذي يعبد الله عز وجل بالخوف وحده يصل في النهاية إلى اليأس ولا حول ولا قوة إلا بالله، لكن الله عز وجل يرغب ويرهب عباده، فهو ما ذكر الجنة إلا لكي تطلبوا من الله عز وجل هذه الجنة، وذكر النار ليخوفكم منها وتتعوذوا بالله عز وجل منها ومن شرها ومن سمومها وجحيمها. وقوله: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] أي: كانوا خاشعين لرب العالمين سبحانه، يدعون ربهم سبحانه ويخشعون ويتواضعون ويذلون أنفسهم لربهم سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها)
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها) قال الله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91]. يعني: اذكر هذه التي أحصنت فرجها، {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء:91] وذكر في سورة آل عمران وفي سورة مريم تفصيلاً طويلاً في ذلك، وهنا أشار إشارة: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء:91]. فهناك ذكر أنها كانت صغيرة السن ونذرتها أمها لخدمة بيت المقدس، فقامت بذلك على أتم التمام وأكمل الكمال وخدمت في بيت الله، وكانت طاهرة مطهرة عليها السلام، فطهرها الله سبحانه وجعلها سيدة نساء العالمين، وجعل لها في الجنة منزلة عظيمة جداً، وجعلها آية للخلق. قال تعالى: {الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} [الأنبياء:91] أي: طُهرَتْ وطَهَرَتْ نفسها ولم تقع في دنس أبداً. {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} أي: أرسلنا جبريل روح القدس فنفخ نفخة من روح الله عز وجل، فجبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها نفخة، فقام روح القدس بهذه النفخة. قوله: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء:91]، شرف الله هذه الروح بإضافتها إليه عز وجل، فهذه روح الله سبحانه، كما يقال: هذه أرض الله، هذه سماء الله، وهذا بيت الله، والمسيح روح الله، أي: روح خلقها الله عز وجل وشرفها بإضافتها إليه. وذكر هنا: ((فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا)) [الأنبياء:91] وهناك ذكر ((فَنَفَخْنَا فِيهِ)) [التحريم:12]. قوله: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91]. أي: جعلناها آية وجعلنا ابنها أيضاً آية، فهو سبحانه جعلهما من أعظم الآيات، {آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:91] وذلك أنها حملت بابنها من غير أب، فجعلناها آية كما كان آدم قبل ذلك آية من غير أب ولا أم، وكما كانت حواء آية من ذكر ليست من أنثى، فجعلنا المسيح ابن مريم آية أن جاء من أنثى ليس من ذكر، والله على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء، خلق آدم من تراب لا ذكر ولا أنثى، فأوجده سبحانه وتعالى، وأوجد حواء من ذكر فقط، وأوجد المسيح عيسى ابن مريم من أنثى فقط، ويخلق ما يشاء سبحانه وهو على كل شيء قدير. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [92 - 96]
تفسير سورة الأنبياء [92 - 96] إن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام، ودعوتهم واحدة، فكلهم يدعون إلى عبادة الله سبحانه وتوحيده، ولكن الناس عبدوا مع الله غيره فصاروا فرقاً وأحزاباً، كل يعبد من دن الله ما يريد، فالذي يعبد الله وحده ويعمل الصالحات محفوظ عمله عند الله، وإذا أراد الله إهلاك قرية لا يقبل منها توبة، ولا رجوع لها إلى الدنيا مرة أخرى، وإن من علامات الساعة التي ذكرها الله تعالى خروج يأجوج ومأجوج، فإذا خرجوا فقد اقترب موعد قيام الساعة.
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ * وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:92 - 96]. ذكر الله سبحانه وتعالى لنا ذكراً عن بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام في الآيات السابقة، فذكر أسماء سبعة عشر من الأنبياء وأولادهم، ومنهم السيدة مريم عليها السلام، ومنهم ذو الكفل على أنه كان نبياً أو كان عبداً صالحاً. بعد أن ذكر هؤلاء الأنبياء قال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92] إشارة إلى الأنبياء ومن تبعهم من الأقوام على دين الله سبحانه وتعالى، فالجميع أمة واحدة، ومجتمعون على شيء واحد، وهو توحيد الله سبحانه وتعالى. فدين الله هو دين الإسلام الذي ارتضاه لعباده، والذي قال فيه سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]. فالله سبحانه سمانا المسلمين، قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78] يعني: إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أسلم نفسه وبدنه ووجهه لله، فوصفنا الله بوصف إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وصار اسماً اختاره الله عز وجل لهذه الأمة أمة الإسلام، وإن كان دينه سبحانه هو دين الإسلام قبل ذلك، كما كان نوح إذ قال لربه: {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]. قال ابن عباس: الأمة بمعنى: الدين، وقال: هو دين الإسلام، فقوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92] يعني: هذا دينكم الذي جاءكم هو دين هؤلاء الأنبياء من قبلكم، وهو دين الإسلام، فذكر الله عز وجل الأنبياء من لدن نوح إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة وقال: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء:92]، أي: هذا دينكم، وحاله أنه دين واحد من عند رب العالمين سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92]، الرب واحد والدين واحد، فكيف يتوجه العباد لغير رب العالمين سبحانه بالعبادة. وقوله تعالى: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:92] الجميع يقفون عليها بالسكون، ما عدا يعقوب يقف عليها بالياء: (وأنا ربكم فاعبدوني) وإذا وصلها أيضاً يصلها بالياء يقول: (فاعبدوني * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [الأنبياء:93].
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون)
تفسير قوله تعالى: (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون) فإذا كان الدين واحداً والرب واحداً، فالذي يخالف هذا الدين يستحق أن يعذبه الله سبحانه. وأخبر عن هؤلاء أنهم {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} [الأنبياء:93]، أي تقطعوا هذا الدين فمنهم من عبد الله سبحانه وتعالى وهم أهل الإسلام الذين تابعوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة أو ادعى على الله سبحانه وتعالى أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله عز وجل ما لم ينزل به سلطاناً. فقوله تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ} [المؤمنون:53] أي: قطعوا وفرقوا دينهم فصاروا شيعاً، ومنهم من فرق الدين، فذهب لعبادة الأصنام أو عبد الملائكة، أو ادعى على الله سبحانه وتعالى كذباً أن له الصاحبة وأن له الولد، وعبد من دون الله عز وجل ما لم ينزل به سلطاناً. قال تعالى: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء:93] هؤلاء الذين زعموا أنهم يعبدون غير الله سبحانه لن يرجعوا إلى هذا الغير، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه. فكل هؤلاء أفراداً وجماعات يرجعون إلى الله ليجازيهم ويحاسبهم، فهم فريقان إما أهل الأعمال الصالحة والتوحيد، وإما أهل الشرك والكفر.
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه)
تفسير قوله تعالى: (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه) قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الأنبياء:94]. هذا قيد، فقد يفعل الرجل من الكفار عملاً صالحاً، ولكن لا يقبل منه؛ لأنه ليس مؤمناً، فشرط قبول العمل أن يكون العامل مؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} [الأنبياء:94] للتبعيض لم يقل: من يعمل الصالحات؛ لأنه قليلٌ من يعمل كل الصالحات، بل لعله من التكليف بما لا يطاق، أن كل إنسان يعمل كل الأعمال الصالحة، ولكن الله عز وجل تكرم على العباد فجعل الإنسان يعمل من الصالحات، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الأنبياء:94] أي: عمل أعمالاً صالحة وكان مؤمناً فهذا لا كفران لسعيه. قال تعالى: {فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94] الكفران بمعنى: الستر، وبمعنى: التضييع، وبمعنى: الجحد، ومنه الكافر، سمي كافراً لكونه جحد فقال: لا يوجد إله، فكأنه غطى على هذه المعلومة ولم يخرجها ولم يقل بها. والكافر أيضاً: الزارع، وهو الفلاح الذي يضع البذرة في الأرض ويغطي عليها التراب، فهذا كفرها أي: غطاها بالتراب لكي تظهر بعد ذلك. فهذا يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، فهؤلاء زراع وهؤلاء زراع، ولكن عبر في الثاني بالكفار؛ لأن المقصود: أنه زارع، ولكنه من هؤلاء الكفرة، فيعجب الزراع المؤمنين الذين زرع الله عز وجل في قلوبهم الإيمان فنبت أعمالاً صالحة، فتغيظ منهم الكفرة الذين كفروا ربهم، فستروا أمر الله عز وجل، وكأنهم قالوا: لا إله، وعبدوا مع الله عز وجل آلهة أخرى، وجحدوا نعم الله عز وجل، فوجهوا العبادة لغير الله سبحانه، فهؤلاء الكفار مصيرهم النار، والمؤمنون لا كفران لسعيهم، يعني: لن نضيعه، ولن نستره، ولن نغطيه، ولكن نظهره يوم القيامة في كتاب، وسنجزيهم عليه أعظم الثواب. وقوله تعالى: {لِسَعْيِهِ} [الأنبياء:94] أي: ما سعاه، وما تعب فيه، واجتهد وعمل الصالحات. قال تعالى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} [الأنبياء:94] يطمئن الخلق أن لا شيء يضيع عندنا، فالله عز وجل لا ينسى شيئاً ولكن يطمئنك، ستجد صحيفتك يوم القيامة، وكل أعمالك موجودة في هذه الصحيفة، فيوم القيامة لا يضيع شيء مما عملته. ويفهم من هذه الآية أن الذين يعملون السيئات سيكون عقابهم شديداً، وعذابهم أليماً، وتظهر أعمالهم التي عملوها، ولا شيء يضيعه الله سبحانه وتعالى، بل كل شيء يُكتب في كتاب.
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) قال الله سبحانه: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95]. أي: يحرم عليهم أن يرجعوا، فإذا أهلكناهم لن نرجعهم مرة أخرى إلى الدنيا. قرئت: (حرام) وهذه قراءة الجمهور، وقرئت: (وحرم على قرية) وهي بنفس المعنى، مثل: حلال وحل، حرام وحرم. فالجمهور يقرءونها: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} [الأنبياء:95]، وأما شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: (وحرم على قرية) أي: هذا محرم عليهم، إذا جاءهم العذاب فأهلكناهم فلا رجوع إلى هذه الدنيا. إذاً: على هذا المعنى فإن قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] كأن (لا) بمعنى: (ما) الموصولة، وكأنه حرام رجوعهم، فيكون حراماً رجوع هؤلاء الناس إلى هذه الدنيا مرة ثانية. وهم يتمنون الرجوع عند الله سبحانه وتعالى ويقولون: {رَبِّ ارْجِعُونِ} [المؤمنون:99] لكن الله يقول: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] فحرام بمعنى: وجب ولزم عدم رجوعهم إلى الدنيا. وهناك معنى آخر اختاره ابن عباس رضي الله عنه وهو: لا يرجعون بالتوبة، يعني: حظرنا عليهم التوبة، فالله عز وجل لا يقبل التوبة في موضعين: إذا جاء العذاب من عند الله سبحانه وعاينه الكفار فلا يقبل توبتهم. والحالة الثانية: عند الغرغرة وخروج نفس الإنسان، وكأن المعنى على هذا: أنه حرمنا ومنعنا قبول التوبة من هؤلاء في هذا الحين، حين يرون العذاب. قال الله تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا} [يونس:98] لم يحصل ذلك. {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا} [يونس:98] أحسوا بأنه سيأتي العذاب بمغادرة الرسول المكان فتابوا إلى الله عز وجل قبل أن يعاينوا العذاب. قال الله تعالى: {إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس:98] هذه القرية الوحيدة التي حذرهم نبيهم عليه الصلاة والسلام العذاب، ثم ترك القرية وركب البحر وخرج عنهم، فإذا بهم يستيقنون أن العذاب سيأتي مادام أن النبي عليه الصلاة والسلام تركهم، فتابوا إلى الله فقبل الله عز وجل منهم. فهذه هي القرية الوحيدة التي قبل منهم، فإذا جاء العذاب من عند الله على قرية منع عنهم قبول التوبة، فالتوبة لا تقبل إلا من الإنسان الذي يعرف أن هذا غيب، فهو لا يرى الجنة ولا يرى النار ولا يرى الله سبحانه وتعالى، ولكنه مستيقن بذلك في قلبه، فتاب خائفاً من الله، راجياً رحمته، مرعوباً ومرهوباً من ناره، هذا هو الذي تقبل منه التوبة. فقوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95] أي: أنهم لا يتوبون، فقد منعنا عنهم التوبة في ذلك، أو منعنا القبول للتوبة حين يعاينون العذاب.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج)
من أخبار ذي القرنين
من أخبار ذي القرنين قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96] قبيلتان من أعظم القبائل التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وهم قبيلتان من بني آدم، وقدمنا ذكرهم في سورة الكهف. وجاء في حديث طويل في صحيح مسلم ذكر هؤلاء الناس، وذكرت قصتهم في سورة الكهف. قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي القرنين} [الكهف:83] وذو القرنين عبد من عباد الله الصالحين مكن له ربه في الأرض، قال تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف:84] يعني: يصل إلى أي مكان في الأرض يريد الله أن يصل إليه فيسبب له الأسباب، فقد وصل إلى مشرق الشمس وإلى مغرب الشمس بتيسير من الله سبحانه. واتبع ذو القرنين الأسباب حتى وصل إلى قوم لم يجعل الله لهم من دون الشمس سبباً أو ستراً، والله على كل شيء قدير، يجعل لأناس عقولاً يفكرون فيكون بينهم وبين الشمس ستر، ويجعل لغيرهم من الناس قلة حيلة، فلا يعرفون أن يستتروا من الشمس بشيء، فهؤلاء لا بيوت لهم يستترون بها من الشمس. قال تعالى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:89] فـ ذو القرنين وصل إلى مطلع الشمس ووصل إلى مغرب الشمس، ثم أتى إلى قوم {لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} [الكهف:93] والقراءة الأخرى: (لا يكادون يُفقِهون قولا) يعني: لا يعرفون أن يتكلموا بكلام يفهم منهم، وهم أنفسهم لا يفهمون ما يقال، يعني: لسانه غير لسانهم، فلا يفهم منهم ما يقولون، فهم يتكلمون بلغة غريبة عليه فلا يكادون يُفقِهونه أو يفهمونه ما يريدون أن يقولوه، والغرض: أنهم أفهموه أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، قال الله تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف:94] أي: ندفع لك ضريبة وتضع بيننا وبينهم سداً. قال تعالى: {قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} [الكهف:95] أي: لن أنتظر ضرائبكم، فالله قد أعطاني خيراً عظيماً، لكن أعينوني بما عندكم من آلات، قال تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} [الكهف:96] أي: رفع الحديد بين الجبلين وجعل حديداً وفوقه نحاساً، فجعل سداً عظيماً بينه وبين هؤلاء وأفرغ عليه من القطر، أي: النحاس، حتى لا يخرج هؤلاء القوم، فحبسهم الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف:97] أي: لم يستطيعوا أن يقفزوا من فوقه، قال تعالى: {وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} [الكهف:97] أي: لم يستطيعوا أن يخرقوا فيه خرقاً يخرجوا منه؛ لأن هذا أمر الله سبحانه وتعالى. فلما حبسهم {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98] فهذا أمرٌ مؤقت إلى أن تأتي علامات الساعة، فمن علامات الساعة أن يخرجوا من هذا المكان. قال تعالى: {وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:98] أي: لا بد أن يقع ذلك. هنا قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] فقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ} [الأنبياء:96] قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر وأبي جعفر ويعقوب: (حتى إذا فُتِّحت). وقوله تعالى: {يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} [الأنبياء:96] هذه قراءة عاصم فقط، وباقي القراء يقرءون: (ياجوج وماجوج).
كثرة عدد يأجوج ومأجوج
كثرة عدد يأجوج ومأجوج قال الله تعالى: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] المعنى: من كل مكان مشرف ومرتفع، فكأنهم من كل مكان يخرجون على الناس لكثرة عددهم. وسبحان الله لا أحد يعرف أين هم الآن، فقد حجبهم الله من أيام ذي القرنين، لكنهم موجودون يقيناً، فالله عز وجل هو الذي أخبر بذلك، والله لا يخبرنا بشيء لا يكون أبداً سبحانه وتعالى، فهم موجودون، ولكنّ الإنسان جاهل، ومع ذلك يدعي أنه عرف كل شيء في الكون، وهو بجهله يعلم في نفسه أنه لم يعرف كل شيء، ولكن يتعالم ويتعالى. فهم يتكلمون مثلاً عن مثلث برمودا، فأمريكا لم تعرف ما هو سر هذا المثلث، فلا طائرة تصل إليه إلا اختفت، فقد أرسلوا سرباً من الطائرات للبحث عن طائرة ضاعت هناك، فلم تعد الطائرة ولم يعد السرب، فأرسلوا سفناً إلى تلك الأماكن فلم تعد تلك السفن، ويكتمون ذلك ويقولون: مكان مجهول من الأرض لا نعرف ما فيه، فهنا يعجزهم الله عز وجل فلا يعرفون ما هناك، ولا يعرفون أين اختفت الطائرات من سنة سبع وأربعين حتى الآن. فإذا أخبرنا الله عز وجل أن هناك مكاناً في الأرض فيه سد موجود ووراءه هؤلاء القوم وأنهم كثرة كاثرة، فلا يقول الإنسان: أين هم؟ قد طفنا الأرض كلها، فأنت لم تعرف كل شيء في الأرض، فإن في الأرض أماكن لا يعرف الإنسان ما هو الشيء الموجود فيها، فالله سبحانه أخبرنا أنه سترهم خلال هذه الفترة، وأخبر عنهم أنهم سيخرجون ومن كل حدب ينسلون. والنسل يعني: الإيجاد السريع، أي: يخرج بسرعة، فكأن هؤلاء في وقت خروجهم يفتح الله السد الذي حبسهم به فيخرجون إلى الناس، وهو السد الذي بناه عليهم ذو القرنين، فهم في كل يوم يحاولون خرق هذا السد ولكنهم لا يستطيعون، ولكن في كل يوم يفتحون منه شيئاً، فيقول كبيرهم في آخر هذا اليوم: غداً نفتحه فنخرج على الناس ولا يستثني بقول: إن شاء الله، فيعود السد كما كان وتغلق تلك الفتحة فيقومون في الصباح فيجدون السد قد أغلق، وهكذا حتى يأتي وعد الله، فيقول كبيرهم: غداً إن شاء الله نفتحه، فتبقى الفتحة كما هي، فإذا جاء الصباح أكلموا فتحه وخرجوا على الخلق، فيأكلون ما في الأرض من نبات، ويشربون ما في الأرض من مياه، ويهلكون أهل الأرض.
فتح ردم يأجوج ومأجوج
فتح ردم يأجوج ومأجوج روى البخاري ومسلم من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ يوماً من نومه وهو يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وضم إصبعيه السبابة والإبهام، فكأنها عدد العشرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن يأجوج ومأجوج فتحوا اليوم من ردمهم كهذا، إذاً: سيستطيعون أن يفتحوا الباقي ويأتي أمرهم ويأتي شرهم. قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وعقد سفيان بيده عشراً- قالت أي السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها- قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟) يعني: يخرج هؤلاء ويأتي الشر ويأتي البلاء حتى لو كان فينا الصالحون (قال: نعم إذا كثر الخبث)، فقد يكون الصالحون كثيرين وأهل المعاصي موجودين، ولكن الصالحين لا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. إذاً: فأهل الصلاح تغافلوا عن أهل المعاصي وكثر أهل المعاصي، ولم يقدر لهم أحد على شيء، فيأتي عذاب الله سبحانه وتعالى والفتنة، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25] فالبلاء يأتي على الجميع، وهؤلاء يخرجون على الجميع.
حديث الدجال آخر الزمان
حديث الدجال آخر الزمان في حديث رواه مسلم عن النواس بن سمعان (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما جئنا إليه عرف ذلك فينا، قال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت -يعني: ذكرت من أمره الذي أفزعنا وخوفنا منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم) يعني: كأنه يوصي ربه سبحانه وتعالى بأن يخلفه على كل مسلم، ويطلب ذلك من ربه سبحانه وتعالى. ثم ذكر لهم صفاته وكيف يعتصمون منه، قال: (إنه شاب قطط عينه طافية كأني أشبهه بـ عبد العزى بن قطن). فقوله: (شاب قطط) يعني: شعره جعد وقوله: (عينه طافئة) وفي رواية: (طافية)، كأنه أعور. قال: (فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) ولذلك أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ الآيات العشر الأول من سورة الكهف، وعشر آيات أخيرة من سورة الكهف. قال: (إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم)، يعني: سيعيش في الأرض أربعين يوماً، ولكن من هذه الأربعين يوم كسنة حقيقية، ولذلك سألوا النبي صلى الله عليه وسلم (قالوا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا، اقدروا له قدره) معناه: أن الشمس تطلع وتغرب فيكون هذا اليوم ثلاثمائة وستين يوماً تمر على العباد أو أقل من ذلك فقال: (اقدروا له)، أي: تحدد وقتك بالزمن ما بين الفجر والظهر وما بين الظهر والعصر، وما بين العصر والمغرب، يعني: تحسب أوقات الصلاة بالساعات. قال: (قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح) يعني: كالريح تأتي شديدة، وقليل يأتي منها الغيث، فهذا كالغيث الذي استدبرته الريح. قال: (فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر). أي: يأتي على قوم من الناس يفتنهم فيقول: أنا ربكم، فيؤمنون به، فعندما يؤمنون به، يأمر السماء أن أمطري، فينزل المطر عليهم، ويأمر الأرض أن أخرجي الحب وتنبت لهم، وتصير الإبل والبقر والغنم أعظم ما تكون في السمن، ويذهب الدجال إلى أناس آخرين فيكفرون به، قال: (ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم). وهذه فتنة عظيمة لهؤلاء المؤمنين الصالحين، فإذا بأرضهم بعد أن كانت تنبت تكون يابسة، ولا مطر ينزل عليهم. قال: (ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) أي: مثل ذكور النحل، فتتبعه الذهب والفضة وكنوز الأرض. قال: (ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل) وهذا أفضل أهل الأرض إيماناً في ذلك الحين ومن أعظم الشهداء، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدعوه ثم يطلب منه أن يؤمن به فيرفض أن يؤمن به، فيضربه بالسيف فيقطعه نصفين ويمشي بين شقيه لكي يخيف الناس. قال: (ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك، فيسأله: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة بأنك المسيح الكذاب الذي أخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم)، فيريد أن يقتله مرة ثانية فلا يسلط عليه، يعني: هو لن يقتل إلا رجلاً واحداً يقتله مرة ويحييه مرة، ولا يسلط عليه بعد ذلك؛ لأن الله يخزيه أمامهم. قال: (فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء في دمشق بين مهرودتين) يعني: يلبس ثوبين، قال: (واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) يعني: كأنه خارج من حمام، ما زال يتصبب عرقه مثل الجوهر واللؤلؤ، وهيئة الإنسان النظيف الخارج من الحمام يتساقط منه ماؤه، فهذا المسيح صلوات الله وسلامه عليه يخرج على الناس على هذه الصورة. قال: (فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه)، فالله يفعل ما يشاء، فالإنسان يشم رائحة نفس المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويموت، ونفسه يصل إلى منتهى طرفه، فهذا شيء عجيب من أمر الله، أنه يهلك الكفار الموجودين بأنفاس المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ونفسه يصل إلى حيث ينتهي طرفه. قال: (حتى يدركه بباب لد) أي: في مكان اسمه لد قال: (فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم) يعني: الناس الذين عصمهم الله من الدجال، يأتون المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيربت عليهم ويمسح على وجوههم ويحدثهم صلوات الله وسلامه عليه بدرجاتهم في الجنة.
خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم ونهايتهم
خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم ونهايتهم قال: (فبينما هو كذلك) وهذا هو الجزء المقصود من الآية، قال: (إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم) أي: يخرج يأجوج ومأجوج. إذاً: المسيح الدجال يخرج أولاً، ثم يقتله المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج. قال تعالى: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96] يعني: يخرجون سراعاً من كل جبل ومن كل مكان، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية في فلسطين فيشربون ما فيها. قال صلى الله عليه وسلم: (ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار). إذاً: المسيح لن يسلط على يأجوج ومأجوج، فإذا بهم يختبئون ويحصرون في مكان إلى أن يكون رأس الثور الذي يشتريه الناس بدراهم قليلة يساوي مائة دينار، أي: يساوي نصف كيلو من الذهب، من قلة الطعام ومن قلة الزاد، قال: (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيدعون ربهم سبحانه وتعالى فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم) فبعدما يفسدون في الأرض ويظنون أنهم قد أهلكوا من على الأرض، ولا يوجد على الأرض إلا المؤمنون الذين اختبئوا مع المسيح عليه الصلاة والسلام، فإذا بيأجوج ومأجوج يقولون: نهلك من في السماء، فيوجهون نشابهم إلى السماء فيفتنهم الله، وينزل إليهم رماحهم مخضبة دماً. فيقولون: إذاً أهلكنا من في السماء. فبينما هم على ذلك يدعو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربه، فإذا بالله عز وجل يهلك هؤلاء بأحقر ما يكون، فيرسل عليهم سبحانه وتعالى النغف، وهي دود تكون في أنوف الإبل والأغنام، يرسلها على هؤلاء في أقفائهم فتأكلهم هذه الدود. وانظروا إلى الإنسان المتكبر كيف يحقره الله سبحانه وتعالى ويسلط عليه أضعف خلقه، فهذه الديدان الصغيرة التي تكون في أنوف الإبل لا تؤذيها، فتكون في هؤلاء فتؤذيهم وتهلكهم، قال: (فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم). فإن أعداد هؤلاء القوم تملأ الدنيا، فلا يستطيع أحد أن يدفنهم، فقد ملئوا الأرض نتناً؛ بسبب أبدانهم الميتة، قال: (فيرغب نبي الله عيسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت) فالله عز وجل يخلق ما يشاء، يرسل طيراً مثل أعناق البخت، والبخت: نوعٌ من أنواع الإبل. قال: (فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله) تنزل الطيور من السماء تأخذهم وترميهم حيث شاء سبحانه. أما آثارهم على الأرض قال: (ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة). العصابة: المجموعة من الناس عشرة فما دونهم، كل عشرة يأكلون رمانة واحدة لبركتها. (ويستظلون بقحفها) أي: هذه الرمانة يستظل بها عشرة أفراد. قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96] أي: لو أنهم آمنوا لفتحت عليهم بركات السماء، يعني: المطر، وبركات الأرض، يعني: الثمار. قال: (ويبارك في الرسل -يعني: اللبن- حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس) يعني: الجماعة من الناس، واللقحة: اللبون، قال: (واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس) والفخذ من الناس: الذين هم جماعة أقل من القبيلة، يعني: غنمة واحدة تكفي مجموعة كبيرة، والبقرة تكفي قبيلة كاملة، والواحدة من الإبل تكفي عدداً ضخماً من الناس بحليبها. قال صلى الله عليه وسلم: (فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة). فالله كريم ورحيم سبحانه وتعالى، يريد أن يقبض هؤلاء العباد الذين صبروا بريح طيبة يشمونها، فيموتون، قال: (فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم)، ريح طيبة من عند الله سبحانه وتعالى تأخذهم تحت آباطهم، أو ريح طيبة بمعنى: نسيم عليل طيب تأتي كل إنسان تحت إبطه فيموت. أما الكفار ما زالوا أحياء، فهم الذين سيبقون عليها، قال: (ويبقى شرار الخلق، يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة). وفي الحديث الآخر: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) هم هؤلاء الذين لا يقال فيهم: الله الله، ولا يعرفون الله، فإذا ذكر أحد الله يقولون: قد كان يقال ذلك، فهؤلاء يتهارجون، ويهرج بمعنى: يجامع، فالرجل يأتي المرأة ويزني بها في الشارع أمام الناس، ويفعلون ذلك مثل الحمير، هؤلاء شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الأنبياء [97 - 103]
تفسير سورة الأنبياء [97 - 103] أنزل الله عز وجل كتابه الكريم لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وبين لهم في كتابه ما ينتظرهم من ثواب إن أطاعوه سبحانه، وما ينتظرهم من عقاب وعذاب إن أعرضوا عنه وكفروا به وقد امتلأ القرآن الكريم بالآيات التي تتحدث عن يوم القيامة وأهوالها، وعن الجنة والنار، وعن الحساب، وعن كل ما يحدث في ذلك اليوم العسير، وكذلك وردت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي تتكلم عن ذلك، وهذه الآيات من سورة الأنبياء تتكلم عن أهوال يوم القيامة، وعن نعيم الجنة وعذاب النار.
لا رجوع للقرى التي كتب الله إهلاكها ولا قبول لتوبتهم عند نزول العذاب
لا رجوع للقرى التي كتب الله إهلاكها ولا قبول لتوبتهم عند نزول العذاب الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ * إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:97 - 103]. أخبر الله سبحانه وتعالى في بداية هذه الآيات أنه حرم على قرية أهلكها أن يرجعوا إليها، أي: لا يرجعون إلى الدنيا بعد إهلاكهم، وإنما يبعثون يوم القيامة فيحاسبون. أو: أنه إذا جاءهم العذاب ورأوه معاينة فقد حرم الله عز وجل في هذه الحالة قبول التوبة منهم، قال تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء:95]، أي: لا تقبل منهم التوبة فيرجعون بها. ثم ذكر علامة من علامات الساعة فقال: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} [الأنبياء:96]، أي: تخرج هاتان القبيلتان من كل حدب، والحدب: المكان المرتفع من الأرض، والمحدب منها، كالتلال والجبال والكثبان فيخرجون من وراء هذا كله، ومن كل مكان يسرعون في الأرض إفساداً وإتلافاً وخراباً.
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق)
تفسير قوله تعالى: (واقترب الوعد الحق) قال سبحانه: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} [الأنبياء:97]. يعني: خروج العلامات الكبرى للقيامة كـ المسيح الدجال، ويأجوج ومأجوج، ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وغير ذلك من العلامات العشر الكبرى للساعة، وعندها تقترب الساعة ويحين وقتها. قال تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأنبياء:97]، أي: اقتربت القيامة. (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وشخص البصر بمعنى: حملق إلى الشيء، أي: نظر إليه من غير أن تطرف عيناه. وهذا فيه بيان مدى الرعب الذي يكون فيه الإنسان، فإنه يفتح عينيه ولا يغلقهما ولا تطرفان ولا ترمشان، وإنما هما شاخصتان، وحالهم أنهم قائلون: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} [الأنبياء:97]، أي: كنا في غفلة عن يوم القيامة وعن التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فقد رأوا ما كانوا قبل ذلك ينكرونه ويتغافلون عنه. قال تعالى: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: من يوم القيامة، ويقولون: (يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ). فيكون الجواب لهم: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98] فعندما تقوم الساعة ويخرجون من قبورهم للجمع للموقف العظيم بين يدي رب العالمين يقفون {مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم:43]، أي: قائمين بين يدي الله تبارك وتعالى. وهو هنا يذكر حالهم ويبين مدى الذل الذي هم فيه، فيقول: (مُهْطِعِينَ)، أي: مسرعين إلى الموقف العظيم، فالكل يتجه إلى مكان واحد ولا يتيه أحد منهم عنه، قال تعالى: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) وقنع برأسه أي: وضع الرأس ورفع بصره إلى مكانه، فالرأس موضوع من الذل، والبصر ينظر إلى مكان شاخص في هذا المكان من الهول ولا يقدر على أن يطبق بصره.
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98]. والحصب: الحجارة، فهم من حصب جهنم التي وقودها الناس والحجارة والعياذ بالله. قال ابن عباس رضي الله عنه: لما أنزل: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98]، شق على كفار قريش؛ لأن قوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ) يعني: هم وأصنامهم وكل ما يعبدون من دون الله حجارة في نار جهنم، فقالوا: شتم آلهتنا وذهبوا إلى ابن الزبعرى من كبرائهم فقالوا له: كذا، وسفه آلهتنا وشتمنا فقال هذا الرجل: لو حضرته لرددت عليه. أي: ظن في نفسه أنه سيقول شيئاً ويرد على النبي صلى الله عليه وسلم بها. فقالوا: وما كنت تقول؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تبعد عزيراً، أفهما من حصب جهنم؟! يعني: أنت تقول: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98] فعلى ذلك المسيح في النار وعزير في النار، فأعجبت مقالته قريشاً وفرحوا بها ورأوا أنهم غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورفعوا أصواتهم، وقالوا: خصم محمد! فأنزل الله عز وجل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]. يعني: المسيح عليه الصلاة والسلام وعزيراً، قد سبقت لهما من الله الحسنى، وليسا داخلين في هذه الآية. وأنزل الله عز وجل: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف:57] أي: يصرخون ويصخبون ويقولون: خصمنا محمداً وغلبناه. قال تعالى: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف:58]، أي: قوم شديد والخصومة بالباطل من غير أن يفهموا ما يقولون، وكأنهم كانوا يقولون: خصمنا محمداً وغلبناه، {أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} [الزخرف:58]، أي: آلهتنا خير أم المسيح خير؟ وأنت تقول: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّم} [الأنبياء:98]، أي: فيكون الكل في النار، فكذلك المسيح في النار، فقال الله عز وجل لهم في هذه الآية: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} [الزخرف:57]، أي: قال لهم: لا تفرحوا بهذا الشيء، فإن المسيح عليه الصلاة والسلام وعزيراً ممن سبقت لهم منا الحسنى، فلا يردون ولا يدخلون النار مع من يدخل. قال سبحانه: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98]، يعني: داخلون في هذه النار مع الآلهة التي عبدتموها من دون الله تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها)
تفسير قوله تعالى: (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) قال تعالى: {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا} [الأنبياء:99]، أي: ليس من المعقول أن الإله يدخل النار. قال سبحانه: {لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء:99] وكل: أي: العابد والمعبود، فالذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى آلهة باطلة وهم واردون النار مع من عبدهم، فالكل محبوسون فيها ولا يخرجون منها، وهم فيها خالدون. قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:100] والزفير: خروج النفس. والمعنى: تشبيه هؤلاء في نار جهنم بالحمير، فالحمار عندما ينهق يخرج زفيراً وزعيقاً ويأخذ شهيقاً، فكذلك هؤلاء عند بكائهم وصراخهم في النار كهيئة الحمير، وأما الصور فهي بشعة والنار مظلمة سوداء ملتهبة مستعرة على أهلها متجهمة لهم، وهم فيها يصرخون ولا يستجيب لهم أحد أو يجيرهم، فيستغيثون ولا يغيثهم أحد. قال تعالى: {وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:100]، أي: لا يسمعون شيئاً؛ لأنهم يحشرهم الله عز وجل عمياً وبكماً وصماً، فلا يسمعون إلا صوت العذاب الذي نزل بهم وأصوات أهل النار. فمعنى قوله: (لا يسمعون)، أي: لا يسمعون شيئاً؛ لقوله سبحانه: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء:97]. وقيل: (لا يسمعون)، أي: لا يسمعون ما يسرهم، وإنما يسمعون صراخ أهل النار، وأصوات الملائكة الموكلة بعذابهم والعياذ بالله. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (إذا بقي من يخلد في النار في جهنم جعلوا في توابيت من نار)، والعياذ بالله. فأهل النار هذا حالهم؛ يصرخون في البداية ويسألون الله عز وجل، قائلين: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107] فيجيبهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] وعندما يقول لهم ذلك ييئسون من الخروج. يقول ابن مسعود: (هؤلاء الباقون في نار جهنم والعياذ بالله يجعلون في توابيت من نار، وتجعل التوابيت في توابيت أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار من يعذب غيره)، أي: كل واحد منهم يرى نفسه هو وحده الذي يعذب ولا يرى غيره والعياذ بالله، ولا يسمع إلا صوت نفسه في هذا العذاب.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]، وهم أهل الإيمان الذين أحسنوا، قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26]. وقد قدر لهم سبحانه بفضله وكرمه عندما خلقهم أن يكونوا في الجنة، فقد سبقت لهم من ربهم الحسنى، فأرشدهم وهداهم ووفقهم فعبدوه وماتوا على الإسلام، فكانت لهم الحسنى وزيادة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. قال تعالى: {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]، أي: عن النار. قال تعالى: {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102]. فالنار لها حس، والحس والحسيس بمعنى: الحركة التي تسمع، فكأن نار جهنم وهي مشتعلة ومستعرة لها صوت اللهب في حركته واستعاره، وهذا هو حسيس النار، فالمؤمنون لا يسمعون حسيسها، فقد أنجاهم الله عز وجل منها، وأبعدهم عنها، بعد أن مروا فوق الصراط. قال تعالى: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102] فيقال لأهل الجنة: (إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً). فأهل الجنة يعيشون في خلود بلا موت، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح، ويوضع على قنطرة بين الجنة والنار وينادى: يا أهل الجنة! فيشرئبون، - أي: يطلعون - وينادى: يا أهل النار! فيشرئبون، فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، نعرفه هو الموت، فيأمر بذبحه بين الجنة والنار). فييئس أهل النار من الرحمة فلا موت ولا خروج من النار، وأما أهل الجنة فيفرحون، فهم لن يخرجوا من الجنة، وليس هناك موت مرة أخرى، فقد ماتوا الموتتين، أما الأولى فعندما كانوا عدماً، ثم خلقهم سبحانه وتعالى فأحياهم الحياة الأولى، ثم أماتهم الموتة الثانية، وهي الموتة التي أدخلتهم في قبورهم، ثم أحياهم للبعث والنشور، وهذه الحياة الثانية فلا يوجد موت بعد ذلك، وإنما هي حياة دائمة أبداً. قال تعالى: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102]، أي: فيما اشتهوا من طعام الجنة ومن ثمارها ومن خمرها ومن لبنها ومن مائها ومن عسلها ومن نعيمها، ومن الحور العين، ومما شاءوا من قصور وبساتين، فلهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
معنى نفي حزن المؤمنين من الفزع الأكبر
معنى نفي حزن المؤمنين من الفزع الأكبر قال تعالى: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103]. أي: لا يخافون من الفزع الأكبر، وهو أهوال يوم القيامة وقيل: هو الوقت الذي يأمر فيه الله بالعباد إلى النار. وقد جاء في الحديث أن الله يقول يوم القيامة: (يا آدم أخرج بعث النار فيقول: كم يا رب؟! فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فذاك يوم يجعل الولدان شيباً)، أي: تشيب الرءوس من هوله، فمن الواحد الذي سينجو من كل ألف؟ فهذا هو الفزع الأكبر في يوم القيامة. وقيل: الفزع الأكبر: إذا أطبقت النار على أهلها، وذبح الموت بين الجنة والنار. وقيل: هو: القطيعة والفراق، أي: عندما يفترقون، فمنهم إلى الجنة ومنهم إلى النار، فأهل الإيمان الذين سبقت لهم الحسنى لا يفزعون ولا يخافون، فقد طمأنهم الله عز وجل بما صنع بهم من رحمة. وقوله تعالى: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء:103] هذه قراءة الجمهور. وقراءة أبي جعفر: (لا يُحْزِنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ) من الفعل الرباعي أحزن، وباقي القراء يقرءونها من الفعل الثلاثي حزن. قال تعالى: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [الأنبياء:103] أي: وهم داخلون الجنة، يقولون: (هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) فيطمئنهم الله عز وجل ويبشرهم، كما قال تعالى: {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف:13]. وتتلقاهم الملائكة بالتحية وبالسلام وبالإكرام ويقولون: أبشروا، {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103] وهي من الوعد لا من الوعيد، فقد وعدكم الله عز وجل بحسن الجزاء وبحسن اللقاء وبحسن المثوبة.
يوم القيامة يتبع كل أناس معبودهم
يوم القيامة يتبع كل أناس معبودهم وقد وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وما يكون فيها من أهوال، وما يكون في الجنة من نعيم في حديث طويل رواه إسحاق بن رهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والطبراني والآجري في الشريعة والدارقطني والحاكم وصححه. وكذلك رواه ابن مردويه والبيهقي وصححه الشيخ الألباني رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يجمع الله الناس يوم القيامة وينزل الله في ظلل من الغمام، فينادي مناد: يا أيها الناس! ألا ترضون من ربكم الذي خلقكم وصوركم ورزقكم أن يولي كل إنسان منكم ما كان يعبد في الدنيا ويتولى؟ أليس ذلك من ربكم عدلاً؟! قالوا: بلى). والمعنى: أن ربنا يوم القيامة يأتي بفصل القضاء بين العباد ثم يقول لخلقه: ألا يرضى كل من كان يعبد شيئاً في الدنيا ويتولاه أن يتبع هذا الذي كان يعبده ويتولاه؟ أليس هذا عدلاً من ربكم؟ فيقولون: بلى. قال: (فلينطلق كل إنسان منكم إلى ما كان يتولى في الدنيا، ويتمثل لهم ما كانوا يعبدون في الدنيا). فكل من كان يعبد إلهاً في الدنيا يتبعه يوم القيامة. قال: (فيمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى)، أي: شيطان على هيئة عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويتبعونه إلى النار. قال: (ويمثل لمن كان يعبد عزيراً شيطان عزير، حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر). فكل معبود كانوا يعبدونه من دون الله يمثل لهم يوم القيامة، فالذي كان يعبد الحجر يتبع هذا الحجر ويمشي وراءه حتى يدخل معه النار، ومن كان يعبد الشجر يمثل له هذا الشجر فيتبعه إلى النار، ومن كان يعبد العجول والبهائم وغيرها تمثل له يوم القيامة فيتبعها إلى النار، ومن كان يعبد المسيح والعزير عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام يمثل له شياطين في هيئة هؤلاء فيتبعونه إلى النار.
موقف المؤمنين يوم القيامة وسجودهم لربهم
موقف المؤمنين يوم القيامة وسجودهم لربهم قال صلى الله عليه وسلم: (ويبقى أهل الإسلام جثوماً فيتمثل لهم الرب عز وجل فيقول لهم: ما لكم لم تنطلقوا كما انطلق الناس؟!)، أي: يأتيهم الله عز وجل في صورة غير الصورة التي يعرفون، والله يفعل ما يشاء تبارك وتعالى، وهذا من الغيب الذي نؤمن به كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فيقولون: إن لنا رباً ما رأيناه بعد، فيقول: فبم تعرفون ربكم إن رأيتموه؟ قالوا: بيننا وبينه علامة إن رأيناه عرفناه) والعلامة هي التي جاءت في الآية: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم:42]، فالعلامة أن يكشف عن ساق. (قال: وما هي؟ قالوا: يكشف عن ساق. فيكشف عند ذلك فيخر كل من كان يسجد طائعاً ساجداً)، أي: المؤمنون الذين كانوا يصلون لله عز وجل يسجدون مختارين راغبين راهبين لرب العالمين، فيخرون سجداً لله ويوفقهم الله عز وجل ويعينهم على ذلك، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. قال: (ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون)، أي: تصير ظهورهم كأذناب البقر يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون السجود،؛ لأن ظهورهم تصبح طبقة واحدة، وهؤلاء هم المنافقون. قال: (ثم يؤمرون فيرفعون رءوسهم -أي: المؤمنون- فيعطون نورهم على قدر أعمالهم)، أي: بعد أن سجدوا لله عز وجل يعطون النور، ويعطى كل أحد من المسلمين نوراً بقدر عمله. قال صلى الله عليه وسلم: (فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه، ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نوره دون ذلك بيمينه، حتى يكون آخر ذلك من يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة، فإذا أضاء قدم قدمه، وإذا طفئ قام). فيعطون النور يوم القيامة حتى يمروا في ظلماتها، وحتى يمروا فوق الصراط على ظهر جهنم إلى الجنة.
المرور على الصراط
المرور على الصراط قال: (فيمرون على الصراط، والصراط كحدّ السيف دحض مزلة). والصراط: جسر مضروب على ظهر جنهم مثل الشعرة، وحده كحد السيف، وهو (دحض مزلة)، أي: يزل الذي يمشي فوقه. قال صلى الله عليه وسلم: (فيقال لهم: انجوا على قدر نوركم)، أي: مروا على قدر نوركم. قال: (فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب)، أي: مثل الكوكب الدري اللامع في السماء عندما ينقض سريعاً. قال: (ومنهم من يمر كالطرف)، أي: مثل أن تغمض عينيك وتفتحهما. قال: (ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الرجل ويرمل رملاً، ويمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه يجر يداً ويعلق يداً)، أي: كأنه يحبو على يديه؛ لأنه خائف أن ينزلق ويسقط من فوق الصراط. قال: (ويجر رجلاً ويعلق رجلاً)، أي: تكون إحدى رجليه على الصراط والأخرى معلقة خارج الصراط، ويد يمسك بها والثانية معلقة. قال: (وتصيب جوانبه النار، فيخلصون، فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد الذي أرانا، لقد أعطانا الله ما لم يعط أحداً من العالمين)، أي: هؤلاء المتأخرون عندما يمرون والله أعلم كم سيأخذون من السنين ومن العمر حتى يمروا فوق الصراط الذي على ظهر جهنم بهذه الصورة، فهم يمشون مرة ويكبون مرة، وتلفحهم النار أخرى، وتخطفهم الكلاليب من حول النار، فمن الناس من هو ناج مسلم، ومنهم من هو مخدوش ومن هو مكردس في النار، أي: يقع في نار جهنم والعياذ بالله. قال: (فينطلقون إلى ضحضاح عند باب الجنة فيغتسلون فيعود إليهم ريح أهل الجنة وألوانهم) وذكر لنا هؤلاء الذين هم آخر من يدخل الجنة لكي نتخيل ما ينالون، وعليه كم سينال السابقون؟ قال: (ويرون من خلل باب الجنة -وهو يصفق- منزلاً في أدنى الجنة فيقولون: ربنا! أعطنا ذلك المنزل)، فبعد أن نجوا من النار بدءوا يطلبون أن يقتربوا من الجنة. قال: (فيقول لهم: أتسألون الجنة وقد نجيتكم من النار؟ فيقولون: ربنا! أعطنا هذا الباب لا نسمع حسيسها)، يعني: اجعل هذا الباب الذي هو باب الجنة حائلاً بيننا وبين النار؛ لكي لا نسمع حسيس النار ولا نسمع صوتها، فكأنهم إلى هذا الحين وهم يسمعون صوت النار التي أنجاهم الله عز وجل منها. قال: (فيقول لهم: لعلكم إن أُعْطِيتُمُوهُ أن تسألوا غيره؟ فيقولون: لا وعزتك لا نسأل غيره، وأي منزل يكون أحسن منه؟ قال: فيدخلون الجنة، ويرفع لهم منزل أمام ذلك). في حديث آخر قال: (إنهم قبل مجيئهم عند الجنة يمثل لهم شجرة فينظرون إليها، فيقول أحدهم: رب أدنني من هذه الشجرة أكل من ثمرتها وأشرب من مائها وأستظل بظلها، فيقول له ربه سبحانه: لعلي إن أعطيتك أن تسألني غيرها، فيقول: لا يا رب! وعزتك لا أسألك غيرها؟ وربنا سبحانه يعلم أنه لا يطيق ما يراه - فيغفر له سبحانه وتعالى ويسامحه ويعفو عنه - فيقربه منها، فإذا مكث تحتها مثل له أخرى أفضل منها وأبعد منها، فينظر فترة ثم يقول: يا رب! أدنني من هذه، فيقول له سبحانه: يا ابن آدم! ما أغدرك؟ ألم تعطني العهود والمواثيق ألا تسألني غيرها؟! فيقول: يا رب! لا أسألك غيرها، وعزتك لا أسألك غيرها، فيدنيه منها سبحانه تبارك وتعالى ويأخذ عليه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فإذا بالعبد يطلب غيرها، والله سبحانه يريد أن يعطيه وإنما مثل له ذلك؛ ليريه فضله تبارك وتعالى وكرمه عليه). وقال في هذا الحديث: (ويرفع لهم منزل أمام ذلك كأن الذي رأوا قبل ذلك حلم عنده، فيقولون: ربنا أعطنا ذلك المنزل، فيقول: لعلكم إن أعطيتموه أن تسألوا غيره؟! فيقولون: لا وعزتك! لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟ فيعطونه، ثم يرفع لهم أمام ذلك منزل آخر كأن الذي رأوا قبل ذلك حلم عند هذا الذي رأوا، فيقولون: ربنا! أعطنا ذلك المنزل فيقول: لعلكم إن أعطيتموه أن تسألوا غيره؟! فيقولون: لا وعزتك! لا نسأل غيره، وأي منزل أحسن منه؟ ثم يسكتون)، أي: يستحون من ربهم سبحانه. قال: (فيقول لهم: ما لكم لا تسألون؟! فيقولون: ربنا قد سألناك حتى استحيينا).
أدنى أهل الجنة منزلة
أدنى أهل الجنة منزلة قال: (فيقال لهم: ألا ترضون أن أعطيكم مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟! فيقولون: أتستهزئ بنا وأنت رب العالمين؟). قال مسروق: فلما بلغ عبد الله بن مسعود راوي الحديث هذا المكان من الحديث ما بلغه إلا ضاحكاً، وكلما يذكر هذا الحديث يضحك عندما يصل إلى هذا المكان، فقال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث مراراً، فما يبلغ هذا المكان من الحديث إلا ضاحكاً، حتى تبدو لهواته)، يعني: يبدو آخر ضرس من أضراسه. قال: (فيقول: لا، ولكني على ذلك قادر فاسألوني، فيقولون: ربنا ألحقنا بالناس، فيقال لهم: الحقوا الناس؛ قال: فينطلقون يرملون في الجنة حتى يبدو لرجل منهم في الجنة قصراً من درة مجوفة، فيخر ساجداً، فيقال له: ارفع رأسك، فيرفع رأسه ويقول: رأيت ربي. فيقال: إنما هذا منزل من منازلك. فينطلق ويستقبله رجل، فيتهيأ للسجود فيقال له: مالك؟! فيقول: رأيت ملكاً. فيقال له: إنما ذلك قهرمان من قهارمتك). وهو قد ظنه ملكاً من ملوك الجنة، فيقال له: هذا خادم من خدمك الذين يخدمونك في الجنة. قال: (عبد من عبيدك، فيأتيه فيقول له: إنما أنا قهرمان من قهارمتك على هذا القصر، تحت يدي ألف قهرمان كلهم على ما أنا عليه، فينطلق به عند ذلك حتى يفتح له القصر، وهي درة مجوفة سقائفها وأغلالها وأبوابها ومفاتيحها منها، فيفتح له القصر فيستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء سبعون ذراعاً، فيها ستون باباً كل باب يفضي إلى جوهرة على غير لون صاحبتها، في كل جوهرة سرر وأدراج ونصائف، أو قال: ووصائف، فيدخل فإذا هو بحوراء عيناء عليها سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء حللها، كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفاً عما كانا قبل ذلك، فتقول: لقد ازددت في عيني سبعين ضعفاً، ويقول لها مثل ذلك. قال: فيشرف ببصره على ملكه مسيرة مائة عام) وهذا الرجل من أواخر من يدخل الجنة. ولما سمع عمر بن الخطاب هذا الحديث الذي يحدث به عبد الله بن مسعود قال لـ كعب الأحبار وقد كان أولاً يهودياً من كبرائهم وعلمائهم ثم أسلم: يا كعب! ألا تسمع إلى ما يحدثنا ابن أم عبد عن أدنى أهل الجنة ما له، فكيف بأعلاهم؟! فقال كعب: يا أمير المؤمنين! ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله كان فوق العرش والماء، فخلق لنفسه داراً بيده، فزينها بما شاء وجعل فيها من الثمرات والشراب، ثم أطبقها فلم يرها أحد من خلقه منذ خلقها، جبريل ولا غيره من الملائكة، ثم قرأ الآية: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة:17]. قال: وخلق دون ذلك جنتين فزينهما بما شاء، وجعل فيهما ما ذكر من الحرير والسندس والإستبرق، وأراهما من شاء من خلقه من الملائكة، فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار، فإذا ركب الرجل من أهل عليين في ملكه لم يبق خيمة من خيام الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه، حتى إنهم ليستنشقون ريحه ويقولون: واها لهذه الريح الطيبة، ويقولون: لقد أشرف علينا اليوم رجل من أهل عليين، قال عمر: ويحك يا كعب إن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها)، يعني: إن قلوبنا اشتاقت للجنة، وسنجلس نحلم بها ولا نعمل شيئاً لها، فاقبضها وذكرنا بغيرها.
أهوال النار
أهوال النار فقال كعب: (يا أمير المؤمنين! إن لجهنم زفرة ما من ملك ولا نبي إلا يخر لركبته، حتى يقول إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا: رب! نفسي نفسي، وحتى لو كان عمل سبعين نبياً إلى عملك لظننت أن لن تنجو منها). أي: لا تغتر بما سمعت عن الجنة، فاسمع ما في النار فهو أشد، فعلى الإنسان المؤمن أن يدعو ربه رغباً ورهباً كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيرغب في الجنة فيسمع أحاديثها فتتوق نفسه فيعمل، ويتذكر النار فيهرب ويخاف منها، ويسمع ما جاء فيها من وعيد فيحذر على نفسه، فهو بين الخوف والرجاء يعبد ربه سبحانه خائفاً من بطشه ومن عذابه راجياً رحمة الله.
تفسير سورة الأنبياء [104 - 112]
تفسير سورة الأنبياء [104 - 112] لقد كتب الله أن العاقبة للمتقين، وأنه يورث الأرض عباده الصالحين، وقد امتن على البشرية بأن أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وأوحى إليه لينذر الناس ويدعوهم إلى دين الله، فإن أجابوا أفلحوا، وإن أعرضوا فالحكم لله وهو المستعان على ما يصفون.
عقوبة أهل النار
عقوبة أهل النار الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ * وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ * قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:104 - 112]. هذه هي الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة، سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، يخبرنا فيها ربنا تبارك وتعالى عما يكون يوم القيامة من عقوبة لأهل النار، ومن ثواب لأهل الجنة. فأما المشركون الذين عبدوا غير الله فقد أخبر الله تبارك وتعالى أنه: جعلهم حطباً لجهنم، فقال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء:98] أي: وقود لها، كما قال تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة:24]، والمقصود بالناس هنا الكفرة المشركون، والحجارة أي: التي كانوا يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى، {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:98 - 100]. فهؤلاء هم أهل النار الذين يخلدون في نار جهنم، والعياذ بالله. {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} [هود:106] أي: أصوات كنهيق الحمير، {وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ} [الأنبياء:100]، أي: لا يسمعون كلاماً يطمئنهم أو يريحهم، أو كلاماً فيه رحمة، فلا يسمعون إلا صوت العذاب، ولا يسمعون إلا لهيب النار، وصوت حركتها وحسيسها.
ثواب أهل الجنة
ثواب أهل الجنة وأما المؤمنون الذين من الله عز وجل عليهم، وسبقت لهم من ربهم سبحانه وتعالى الحسنى، فقد قال تعالى عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء:101]، أي: وعدهم الله عز وجل بالجنة، وخلقهم حين خلقهم وهو يعلم أنهم لهذه الجنة صائرون، فقد قال تعالى مخبراً عن جزائهم: {أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]، أي: عن النار مبعدون. {لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا} [الأنبياء:102] أي: صوتها، وحس الحركة: لهيبها. {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء:102 - 103]، أي: لا يحزنهم يوم القيامة، ولا يحزنهم تفرق الناس، فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق شقي وفريق سعيد، فلا يحزنون يوم القيامة فقد طمأنهم الله سبحانه. {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103]، فيستبشرون بكلام الملائكة لهم، ويستبشرون بهذا اليوم، حيث إنهم صائرون إلى الجنة.
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) يوم القيامة قال سبحانه وتعالى مخبراً عنه: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]. فقوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ} [الأنبياء:104]، مثل قوله تعالى: {وَالسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر:67]، سبحانه وتعالى. فتخيل هذه السماوات التي خلقها الله تبارك وتعالى ولم نر منها إلا الشيء اليسير من هذه النجوم والكواكب، والأجرام المواجهة للأرض، فكم يكون حجمها؟! إن حجمها عظيم لا يتخيل، وجميعها يطويها الله تبارك وتعالى، فيطوي السماوات كلها بيمينه. وقوله تعالى: {كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]، فالسجل هو جلدة الكتاب وما بداخلها، فهو الكتاب نفسه، فكأنه يقول: الصفحات نطويها، ويغلق الكتاب على ما فيه. فيطويها كلها ويقفلها على بعضها، ويضم بعضها إلى بعض سبحانه وتعالى، قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]، وهذه قراءة الجمهور. وقرأ أبو جعفر: ((يوم تطوى السماء كطي السجل للكتاب)). وأما قراءة: {لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]، فهي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف، وأما باقي القراء فقرءوا: ((للكتاب)). والمعنى: أنك كما تطوي الكتاب وتغلقه، فيضم بعضها إلى بعض، وهذا الكلام الذي يقوله علماء الفلك اليوم، فهم يقولون: إن الكون كله كان شيئاً واحداً، ثم انفجر انفجاراً عظيماً، فلا يزال يتباعد، ويوسع الله عز وجل السماوات والأجرام، ويبعد بعضها عن بعض إلى درجة معينة، هذا هو كلام علماء الفلك، ولا يهمنا كلامهم بشيء، إلا أنه قد قاله الله عز وجل من قبل. فقد أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرضين، وأنه سيجمعهم مرة ثانية، هؤلاء علماء الفلك الكفار يقولون: إن السماوات والأرض سيرجعن وينضم بعضهن إلى بعض، وقد أخبر سبحانه وتعالى بهذه الحقيقة وأنه سيوسع هذا الكون كما قال سبحانه: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47]، فهو يوسع الكون لدرجة معينة حسب كلام علماء الفلك، وسيصل إلى أن سرعة الاتساع تقل وتقل، حتى يصبح الكون هو القوة الطاردة المركزية التي تبتعد لبعيد، وتصبح قوة الشد بين الكواكب مع بعضها متساوية، ثم لابد في النهاية من أن تزيد واحدة على الأخرى، وهنا يبتدئ الاقتراب حتى تنكمش كلها في الأرض، وهنا تطوى السماوات والأرضون، وكل شيء يطوى مرة أخرى. لا يهمنا نحن المسلمين ما وصلوا إليه، ولكن الذي يهمنا أن هذا الكلام قد قاله الله عز وجل قبل أن يعرفوا شيئاً من ذلك، فقد أخبر الله عز وجل أنه يعيد الخلق مرة ثانية، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم:48]، لقد طوى الجميع، وبدل السموات والأرضين بما يشاء سبحانه وتعالى، وهذه كقوله تعالى في هذه الآية: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ} [الأنبياء:104]، أي: بدأنا الخلق الأول، وسنعيده مرة ثانية، فنعيد السموات، ونعيد الأرض غير هذه الأرض، فتكون الجنات، ويكون ما لا نراه الآن، فيظهره الله عز وجل بعد ذلك، كما قال: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]. {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، وأول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم تلا هذه الآية: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104]) والحديث رواه مسلم، ولفظه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً بموعظة، فقال: يا أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلاً) يعني: مثلما خلق الإنسان، وخرج إلى الدنيا حافياً عارياً غير مختون، كذلك يحشر يوم القيامة على هذه الصورة. قال: (وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104]، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام).
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر)
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]. يخبر تعالى هنا أنه وعد وكتب عنده في الكتب السماوية: {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]، ولابد من أن يكون هذا الشيء. وقد اختلف المفسرون هنا في المراد بهذه الأرض، فبعضهم ذكر أنها هذه الأرض التي في الدنيا، يعني: أن الله عز وجل يفتح لدينه، فإذا بالناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وتفتح الأرض لدين الإسلام، ولا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل به الكفر وأهله. ولذلك قال هنا: {وَعْدًا عَلَيْنَا} [الأنبياء:104]، إذاً: هنا الأرض مثلما كانت مكة للمؤمنين مع نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان وعداً من الله عز وجل أن يجعل المستضعفين هم الذين يمكنون في الأرض، فكذلك جعل لهذه الأمة التمكين يوماً من الأيام. فإذا اقتربت الساعة، ونزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لم يبق على الأرض دين إلا الإسلام، فالمسيح عليه السلام لا يقبل الجزية من نصراني أو يهودي، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يكون إلا دين الله عز وجل الذي هو دين الإسلام فقط، وهو الذي يحكم به المسيح صلوات الله وسلامه عليه. ثم بعد ذلك يرسل الله عز وجل ريحاً، فتقبض أرواح المؤمنين جميعاً، ولا يبقى إلا شرار الخلق، فيرجعون إلى الكفر مرة ثانية، ولا يعرفون لهم إلهاً حتى يفنيهم الله، وعليهم تقوم الساعة. فالمقصود أن الله عز وجل وعد المؤمنين بأنه سيورثهم هذه الأرض بالفتوحات والنصر منه تبارك وتعالى كما يشاء. والمعنى الآخر: أن المقصود بالأرض في الآية الجنة، يعني: أن الله عز وجل كتب أنه يورث هذه الجنة لعباده الصالحين، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء:105] والزبور هنا معناه: المزبور، وهو المكتوب، فالزبور هنا بمعنى: الكتاب، وهو الصحيفة أو الصحف التي نزلت على داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقيل: إن الزبور كل الكتب السماوية، والزبر: الكتب. وفي هذه الآية قراءتان: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} [الأنبياء:105]، هذه قراءة الجمهور. وقرأ حمزة وخلف: ((ولقد كتبنا في الزبور)). الزبور إما جمع زبر بمعنى: صحيفة أو مكتوب، أو جمع زبر بمعنى: كتاب، أو جمع زبور بمعنى: كتاب. فعلى ذلك قالوا في قوله تعالى: {فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء:105]، الذكر: أم الكتاب الذي هو عند الله عز وجل، وهو: أصل الكتاب في اللوح المحفوظ الذي عند الله، فنسخ من هذا اللوح المحفوظ إلى الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء والمرسلين، وهي التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والقرآن العظيم، وزبور داود، فكتب الله عز وجل في اللوح المحفوظ، ونسخ من اللوح المحفوظ في هذه الكتب السماوية: {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]. وقيل: بل معنى الزبور: زبور داود، وإن القرآن كتب من قبلها، قالوا: فالذكر المقصود به هنا القرآن، ولذلك قالوا: إن المقصود بقوله تعالى هنا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} [الأنبياء:105]، أي: من بعدما كتبنا ذلك في القرآن والزبور وأنزلنا هذه الكتب: أن الأرض بوعد من الله عز وجل يورثها عباده الصالحين، فقال: {أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105] {وعِبَادِيَ} [الأنبياء:105] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (عباديَ الصالحون)، بالفتح. وقراءة حمزة: (عباديْ الصالحون)، بالسكون. فإذا وقف عليها فـ يعقوب يقف: ((عِبَادِيَ الصَّالِحُونَه)) بهاء السكت.
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغا)
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً) قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: {بَلاغٌ} [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: {بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ. فقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا} [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
بيان إرسال الرسول رحمة للعالمين
بيان إرسال الرسول رحمة للعالمين قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله عز وجل أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله عز وجل جميعاً. ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك. ولما آذوه أشد الأذى صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة. أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين. وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال صلى الله عليه وسلم: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه. وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله عز وجل للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96]. وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله عز وجل الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله عز وجل بالرزق العظيم لعباده الصالحين. وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه. فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه. فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين). وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي. وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب). وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:3 - 4]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي صلى الله عليه وسلم صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث. (خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟ - قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله عز وجل له. قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره صلى الله عليه وسلم في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة. (ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي صلى الله عليه وسلم وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة. قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا. فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين. (قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب). فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله عز وجل أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك. ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـ مسلم: (فخلوا به صلى الله عليه وسلم)، فكأنهما ضايقا النبي صلى الله عليه وسلم عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما). والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته صلى الله عليه وسلم، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما. قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً). يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالإمكان أن يسكت بدل
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغا)
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً) قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: {بَلاغٌ} [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: {بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ. فقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا} [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، هنا يخبر سبحانه وتعالى بأنه قد أبلغ، فقال: {بَلاغٌ} [إبراهيم:52]، يعني: هذا بلاغ من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهذا كقوله تعالى: {بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف:35]، فقد أبلغنا أعظم البلاغ. فقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا} [الأنبياء:106]، أي: الذي آتيناكم به فيه البلاغ العظيم من رب العالمين، وهو ليس لأي أحد، وإنما: {لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء:106]، أي: لمن يعبد الله ويعرف حق الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه، فهذا فيه البلاغ له، وفيه التذكرة والموعظة.
وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للكفار
وجه كون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للكفار قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]. فهو رحمة لرب العالمين، والعالمين: جميع العالم من الإنس والجن، فهم جميع الخلق، والله عز وجل أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه رحمة للخلق جميعهم، فهو رحمة للإنس والجن وللمؤمنين والكافرين والدواب، ورحمة للدواب، ورحمة لخلق الله عز وجل جميعاً. ويكفي النظر في تشريعه الذي جاء به صلوات الله وسلامه عليه للتعرف على هذه الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، فقد أرسل رحمة، كما قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، فما كان الله ليعذبهم، ولا يستحق العذاب غير الكفار، وإنما قال له: أنت أمان لهؤلاء الكفار، فلن نعذبهم مادمت فيهم، فكان رحمة لهم، صلوات الله وسلامه عليه، فلم يخسف بهم الأرض، ولم يرسل عليهم حاصباً من السماء، ولم يغرقهم ولم يرسل عليهم الطوفان، أو الجراد، أو القمل، أو الضفادع، أو الدم، والله على كل شيء قدير، فكان رحمة بذلك. ولما آذوه أشد الأذى صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلاً: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) وسلامه عليه، فإذا بالله يمنع عنهم المطر، وتجدب الأرض، ويشتد عليهم الحر، فإذا بهم يتعبون، ويجوعون، ولا يجدون ما يأكلون حتى أكلوا كل شيء، فقد أكلوا من أوراق الأشجار، وجلود الحيوانات والبهائم الميتة، فلما اشتد عليهم ذلك ذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم وناشدوه بالله وبالرحم الذي بينهم وبينه، إلا سأل ربه أن يكشف عنهم ما هم فيه، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. فنسي ما كانوا يفعلونه به وبأصحابه، ودعا ربه أن يرفع عنهم ذلك، قال سبحانه: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15]، أي: عائدون للكفر والتكذيب مرة ثانية، وسترجعون إلينا يوم القيامة فنجازيكم، فكان رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. ولما فتحت مكة، وقال سعد بن عبادة رضي الله عنه: اليوم يوم الملحمة. أي: هذا يوم الالتحام، ويوم الحرب والقتل، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ما قال سعد بن عبادة فقال: (بل اليوم يوم المرحمة) صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان رحمة للعالمين. وفي شرعه العظيم منعنا من الأذى، وأمرنا أن نقتل أنواعاً من الدواب، وقال صلى الله عليه وسلم: (خمس يقتلن في الحل والحرم)، فما أمرنا أن نقتل إلا شيئاً مؤذياً، (الفأرة، والكلب العقور، والحدأة، والغراب، والحية)، هذه التي تؤذي الناس أمرنا بقتلها، وأما غير ذلك فلم يأمرنا بقتلها، بل إنه نهى عن قتل النمل إن كان لا يؤذي، ونهى عن قتل النحل، ونهى عن قتل الشيء الذي لا يؤذي، فلا تقتل ما لا يؤذيك، فإذا صار مؤذياً فحينها يقتل للأذى والضرر الذي فيه، فكان رحمة صلوات الله وسلامه عليه. وقد أخبرنا أن من أسباب إنزال الله عز وجل للمطر من السماء على أهل الأرض ما ذكره سبحانه وتعالى بقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96]. وقد جاء لهم بهذا الدين العظيم الذي فيه الإيمان، فيؤمنون به فتنزل عليهم البركات من السماء والأرض، كما حدث أن فتح الله عز وجل الفتوح العظيمة، فكان الإسلام يفتح كل بيت فيأتي الله عز وجل بالرزق العظيم لعباده الصالحين. وكان رحمة للخلق صلوات الله وسلامه عليه في أخلاقه الحسنة، فكان الأسوة العظيمة، والقدوة الطيبة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليه. فقد عرفه المؤمنون وعرفه الكفار، فكانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: الصادق الأمين، وكانوا يأتمنونه ولم يعرفوا منه غدراً قط ولا خيانة صلوات الله وسلامه عليه.
معرفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين
معرفة أهل الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين فقد كان يقول: (لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين). وقد عرفه أهل الكتاب بصفة الرحمة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي. وهو حديث صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب). وقد من الله على قريش برحلة إلى الشام ورحلة إلى اليمن، في الشتاء والصيف، فقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:3 - 4]، فأخذه عمه أبو طالب في قافلة قريش المتوجهة إلى الشام، فلما وصلوا إلى أطراف الشام في تجارة والنبي صلى الله عليه وسلم صغير معهم، فإذا بالراهب الذي في ذلك المكان ينزل إليهم، وذلك كما في الحديث. (خرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم، ولا يلتفت، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ - أي: كيف عرفت هذا الشيء؟ - قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً) فرأى ذلك هذا الراهب، وهي آية من آيات الله عز وجل له. قال الراهب: (ولا يسجد الشجر والحجر إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة) أي: أنه أخذه وفحصه ورأى كتفه، فوجد فيه خاتم النبوة مثل التفاحة وهي: غدة من اللحم على ظهره صلى الله عليه وسلم في أسفل غضروف الكتف، مثل التفاحة. (ثم رجع فصنع لهم طعاماً، إكراماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الإبل، فقال: أرسلوا إليه، قال: فأقبل وعليه غمامة تظله من حر الشمس)، فكان يمشي صلى الله عليه وسلم وفوقه سحابة تظل رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك قبل أن يوحى إليه عليه الصلاة والسلام، يعني: قبل أن يبلغ سن النبوة الذي هو سن الأربعين سنة. قال: (فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وجلس، مال فيء الشجرة عليه، فقال الراهب: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه)، فهم لم يروا الشجر يسجد، ولكن الراهب رآه، وأخبرهم بذلك، وخوفاً من أنهم لا يصدقونه أخبرهم بعلامة في كتفه، فكان المفروض أن يصدقوه، ثم أخبرهم أن ظل الشجرة عندما جلس مال إلى الجهة الأخرى، فالمفروض أن هؤلاء أول من يصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال: (فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة، فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأننا علمنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه أناس)، يعني: أنهم كانوا مستعدين لوجود نبي الله سبحانه، فأناس من الرهبان يعرفون أن هناك نبياً، وهم ينتظرون حتى يؤمنوا به، وأناس آخرون ينتظرونه صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الروم بعثوا في كل طريق من طرق الشام مجموعة من الجنود لقتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: (وإنا قد أخبرنا خبره وبعثنا إلى طريقك هذا. فقال لهم الراهب: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. فقال لهم الراهب: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقدره أتقدرون على رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه)، أي: بايعوا على أن لا تؤذوه، وأترككم تتعبدون معي هنا، فبايعوه ومكثوا معه في الطريق، فكان أماناً للنبي صلوات الله وسلامه عليه من رب العالمين. (قال الراهب: أنشدكم بالله، أيكم وليه؟ قالوا: أبا طالب، فلم يزل يناشد أبا طالب حتى رده أبو طالب). فهل يحتاج إلى مناشدة وقد رأى مثل هذه الآيات؟ نلاحظ أن أبا طالب مات كافراً، ولم يمت مسلماً، وهو قد دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من الآيات ما رأى، ومع ذلك قضى الله عز وجل أن يموت كافراً، فالغرض أنهم ردوا النبي صلى الله عليه وسلم. والشاهد من الحديث هو قول الراهب: هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه.
شتم النبي ودعاؤه على إنسان ينقلب رحمة وتطهيرا
شتم النبي ودعاؤه على إنسان ينقلب رحمة وتطهيراً وهو رحمة حتى إذا شتم إنساناً، أو لعن إنساناً، وكان هذا الإنسان لا يستحق هذا الشتم وهذه اللعنة فكأنما يطهره بذلك، وكأنما يدعو له بالرحمة، فعندما يقول لإنسان: اذهب لعنك الله، فكأنه يقول: اذهب رحمك الله، كأنه يدعو له بذلك. ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو)، وفي رواية لـ مسلم: (فخلوا به صلى الله عليه وسلم)، فكأنهما ضايقا النبي صلى الله عليه وسلم عندما قعد معه، قالت: (فسبهما ولعنهما وأخرجهما). والمفترض أن الضيف عندما يأتي في بيت المضيف أن يحسن في الكلام، ويراعي أدب المكان، ويراعي مع من يتكلم، فكونه يطردهم من البيت ليس من عادته صلى الله عليه وسلم، ولكن لابد أن يكونا قد قالا قولاً شديداً للنبي صلى الله عليه وسلم حتى سبهما ولعنهما وأخرجهما. قالت عائشة فقلت: (يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه هؤلاء)، أي: كل إنسان قد يصاب بشيء من الخير إلا هؤلاء فإنهم لم يخرجوا بخير أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعلها له زكاةً وأجراً). يقول العلماء رحمهم الله تعالى: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالإمكان أن يسكت بدلاً من أن يلعن، ولكنه هنا كأنه خير بين أمرين لا ثالث لهما، إما أن تؤذي هؤلاء وتعاقبهم، أو نحن نعاقبهم، فكأنه إن تركهم فإن الله سيعاقبهم عقاباً شديداً بنار جهنم، أو يعاقبهم بهذا الكلام الذي قاله صلى الله عليه وسلم. فمن رحمته صلى الله عليه وسلم أن اختار الأهون، وهو أنه يشتمهما ويسبهما على ما شارط ربه عليه إن كانا لا يستحقان السب أو اللعن، فيكون كأنه يدعو لهما صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخرهما لعقوبة رب العالمين، فهذه رحمته.
سب النبي ولعنه وقت الغضب يكون صلاة يوم القيامة
سب النبي ولعنه وقت الغضب يكون صلاة يوم القيامة ومن الأحاديث الكثيرة التي جاءت مخبرة أنه رحمة من رب العالمين: ما رواه أبو داود عن عمرو بن أبي قرة وذكر: أن حذيفة رضي الله عنه كان بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق أناس ممن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان رضي الله عنه فيذكرون له قول حذيفة، فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك إلى سلمان فما صدقك ولا كذبك، فأتى حذيفة سلمان. ومعنى الرواية: أن حذيفة وهو في المدائن يكلم الناس ويقول لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرة لعن أبا فلان، ومرة قال لفلان كذا، ويذكر أشياء وقعت، فكانوا يذهبون إلى سلمان ويخبرونه بقول حذيفة، فـ سلمان يقول: حذيفة أعلم، لا يقول: صدق، ولا يقول: كذب، فكأن حذيفة غضب لهذا الشيء. فذهب يعاتب سلمان، وسلمان رضي الله تبارك وتعالى عنه فقيه، وعالم عظيم، وقد مدحه النبي صلوات الله وسلامه عليه، بقوله: (سلمان منا أهل البيت)، فقد أوتي علماً من عند رب العالمين. فلما ذهب حذيفة إلى سلمان يعاتبه: لماذا لا تقول لهم إني صادق فيما أقول؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، والمعنى: أنه إذا غضب لعله يلعن أناساً، ولكن هذه اللعنة مشروطة بشرط بينه وبين رب العالمين، فأنت لا تدري هل هذا مستحق للعن أو ليس مستحقاً له. يقول سلمان رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب، فيقول في الغضب لأناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لأناس من أصحابه، أما تنتهي حتى تورث رجالاً حب رجال، ورجالاً بغض رجال! أي: أنت عندما تحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم شكر أبا فلان أو لعنه فأنت ستجعل الناس يكرهون هذا الإنسان ويكرهون ابنه، فاترك هذا الأمر، ولا تحدث بهذا الشيء. ثم قال رضي الله تبارك وتعالى عنه: ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال: (أيما رجل من أمتي سببته سبة، أو لعنته لعنة في غضبي، فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة). ثم قال سلمان رضي الله عنه: والله لتنتهين أو لأكتبن إلى عمر. أي: ليس كل شيء تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم أنه سب فلاناً أو لعن فلاناً تبلغه للناس، فيكرهون الناس على حسب هذا، فلا تبلغ هذه الأشياء، وإذا بلغتها فلا تذكر اسم هذا الإنسان، حتى لا يكره الناس بعضهم بعضاً. وصدق رضي الله تبارك وتعالى عنه، وما كذب حذيفة رضي الله عنه، فقد كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين، ولكن أراد سلمان أن لا تتفكك الأمة بهذا الكلام، ولذلك نهاه رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له: سنبعث لـ عمر ونكتب له رضي الله عنه، فالغرض بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين.
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي إلهكم إله واحد)
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي إلهكم إله واحد) قال الله سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الأنبياء:108]. أي: فهذا الوحي الذي جئتكم هو: أن تعبدوا الإله الواحد سبحانه الذي كنتم تتعجبون منه، وتقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص:5] فقال: أنا جئتكم بذلك لأن تعبدوا إلهاً واحداً لا شريك له. {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [الأنبياء:108]، أي: هل تسلمون لرب العالمين أنفسكم ووجوهكم وقلوبكم وأعمالكم، فتكون خالصة له سبحانه، فإذا أسلموا فهو خير لهم، وأما: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنبياء:109] يعني: أعلمتكم على سواء. وكلمة: (على سواء) هنا معناها: أن ما أجهر به مثل ما أخفيه، فهما سواء، بمعنى: لا أقول لكم شيئاً وأخفي عنكم غيره، فلا أغدر ولا أخلف ولا أكذب، وإنما الذي أقوله بلساني هو في قلبي، فقد آذنتكم وأعلمتكم علماً نستوي نحن وأنتم فيه، ونستوي في العلم أن مرجعنا إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه لا مودة بيننا وبينكم. قال تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي} [الأنبياء:109]، (إن) بمعنى ما، أي: ما أدري. {أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} [الأنبياء:109]، أي: يوم القيامة الذي أنتم تستعجلون به، لا أدري هل هو قريب أم بعيد؟ وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء:110]. أي: إن الله تبارك وتعالى يعلم الجهر وما تنطقون به، ويعلم ما تكتمون. ثم قال تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء:111]. {وَإِنْ أَدْرِي} [الأنبياء:109]: لعله عائد على الإمهال، أي: إن الله أمهلكم ولا أدري أقريب أم بعيد هذا الإمهال! فلعل ذلك يكون اختباراً لكم وفتنة وامتحاناً ومتاعاً تمتعون به في هذه الدنيا، حتى يأتيكم الأجل. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء:112]. أي: قال النبي صلى الله عليه وسلم داعياً ربه، كما قال المرسلون قبل ذلك، فإنهم سألوا ربهم سبحانه وتعالى فقالوا: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89]. كذلك قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: قل ذلك، ولذلك قرأ الجمهور: ((قل رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ)). وقرأ حفص وحده عن عاصم من القراء: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} [الأنبياء:112]. والقراءتان في الآية لهما معنيان، فكأنه قال له ربه: قل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ احْكُمْ ?بِالْحَقِّ} [الأنبياء:112]. وقرأ الجمهور: ((ربِّ)). وقرأ أبو جعفر: ((ربُّ احكم بالحق))، يعني: يا رب! احكم بالحق. {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112] يعني: يا رب! افتح بيننا وبينهم، وأظهر حكمك في هؤلاء، وربنا تبارك وتعالى هو الرحمن، ومن رحمة رب العالمين أن أرسل محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وأمهل هؤلاء لعلهم يؤمنون، ولم يعاجلهم بالعقوبة، وقد آمن كثير من هؤلاء الذين كانوا من أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم. {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء:112]، أي: نستعين برب العالمين على ما تقولون من أقوال شركية، وعلى ما تفترون على الله من الكذب، وعلى ما تتهمون به النبي صلى الله عليه وسلم، من قولكم: كاهن وساحر ومجنون وكذاب وغير ذلك، فهو المستعان سبحانه وتعالى على ما تقولون، وما تصفون. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً نافعاً، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يتقبل منا صلاتنا وصيامنا وقيامنا. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحج
تفسير سورة الحج [1 - 4] ذكّر الله عباده بأهوال يوم القيامة، وذكر ما سيصيبهم من الفزع والخوف الشديد في ذلك اليوم، حتى إنهم يكونون كالسكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
بين يدي سورة الحج
بين يدي سورة الحج الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: بسم الله الرحمن الرحيم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:1 - 4]. هذه هي السورة الثانية والعشرون من كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى، وهي سورة الحج، والتسمية لما ذكر فيها من أمر المناسك. هذه السورة: آياتها أربع وسبعون آية على العد الشامي، وخمس وسبعون آية على العد البصري، وست وسبعون آية على العد المدني، واختلاف العد هو للاختلاف في أماكن الوقوف على رءوس الآية. قيل: إنها مكية إلا ثلاث آيات، وقيل: بل هي مدنية إلا أربع آيات، والراجح أنها مكية مدنية، بعض آياتها نزلت في مكة، وبعض آياتها نزلت في المدينة. هذه السورة ميزت على غيرها من السور بأن فيها سجدتي تلاوة، سجدة في أولها، وسجدة في آخرها، فمن قرأها فليسجد السجدة الأولى وليسجد السجدة الثانية، وجاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إسناده ضعف أنه قال: (فضلت سورة الحج بسجدتين، من لم يسجدهما فلا يقرأهما) وينبغي لمن قرأ السجدة في القرآن كله أن يسجد استحباباً وليس على سبيل الوجوب. ذكر الغزنوي أن هذه السورة من أعاجيب السور في أمر نزولها، وما اشتملت عليه من أحكام ومن حكم، فقال: نزلت ليلاً ونهاراً، يعني: فيها آيات نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بالليل وآيات أخرى نزلت عليه بالنهار، سفراً وحضراً، يعني: نزل بعضها وهو مسافر صلى الله عليه وسلم، ونزل بعضها وهو مقيم صلى الله عليه وسلم بالمدينة، مكياً ومدنياً يعني: فيها آيات مكية وآيات مدنية، فمن المكي فيها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [الحج:1]، ومن المدني فيها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]، فإن من سمات السور المدنية النداء بقوله: (يا أيها الذين آمنوا). قال: سلمياً وحربياً، يعني فيها آيات السلم وفيها آيات الحرب، قال: ناسخاً ومنسوخاً، محكماً ومتشابهاً. هذه السورة بدأها الله سبحانه تبارك وتعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} [الحج:1] وهذه الجملة من سمات السور المكية التي نزلت في العهد المكي، خلال الثلاث عشرة سنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) قال الله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [الحج:1] النداء للخلق جميعهم بأن يتقوا الله سبحانه تبارك وتعالى، بأن يجعلوا وقاية دون غضب الله، ووقاية دون عذاب الله، فالوقاية بالعمل الصالح، اتق الله أي: اعمل عملاً صالحاً، تقي به نفسك من غضب الله ومن عذابه سبحانه تبارك وتعالى. روى الترمذي عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فنزلت عليه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] فقال: (أتدرون أي يوم ذلك؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: ذاك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قاربوا وسددوا). وفي رواية أخرى: (فيئس القوم حتى ما أبدوا بضاحكة) يعني: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما سمعوا أن من كل ألف يدخل النار تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد يدخل الجنة، يئسوا من هذا الواحد الذي سيدخل الجنة؟ فما أبدوا بضاحكة، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: (اعملوا وأبشروا، فوالذي نفسي بيده! إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج) يعني: يوم القيامة هاتان القبيلتان عددهما سيكون عظيماً جداً جداً؛ فإذا كانوا مع قوم كثروه يعني: من كثرة عددهم، قال: (ومن مات كافراً من بني آدم وبني إبليس، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، فقال: اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده! ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة) الحديث رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وله روايتان، وهذه الرواية الثانية الذي ذكرناها صححها الشيخ الألباني رحمة الله عليه. وقوله هنا: (ما أنتم في الناس إلا كالشامة) أي: العلامة (في جنب البعير) المعنى: مثل الشامة التي تكون في جنب البعير أو الرقمة التي تكون في ساعد الحمار إذا قيست لباقي الجسم، فأنتم بالنسبة للخلق جميعهم بهذه النسبة، فهذا مما يسر المؤمنين، ويجعلهم يطمئنون. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك) وهذا يوم القيامة، ثم يقول: (أخرج بعث النار؟ قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)، يعني: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال: (فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) ففي يوم القيامة عندما يسمع الناس أن من كل ألف واحد يدخل الجنة: يشيب الولدان، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. قال: (فاشتد ذلك عليهم، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل؟ فقال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم رجل).
وقت الزلزلة ومعناها
وقت الزلزلة ومعناها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ} [الحج:1] زلزلة الساعة واضح من الأحاديث أنها تكون يوم القيامة، وقد اختلف المفسرون هل هذه الزلزلة تكون بعد البعث من القبور أو تكون قبل ذلك؟ وهناك زلازل تكون من علامات قيام الساعة، يكون خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وزلزلة تفزع الناس، فبعض العلماء ذكر أنها الزلزلة التي هي إحدى أشراط الساعة، لكن الحديث وضح أنها تكون في يوم القيامة من الخوف من إخراج بعث النار، ولعل هذا هو المناسب للآيات؛ لأن الله سبحانه تبارك وتعالى يقول: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]، فهي الخوف من عذاب الله عز وجل، وهذا الذي سيكون يوم القيامة، فكل مرضعة تذهب عن رضيعها الذي ترضعه، وتضع كل ذات حمل حملها، فهذا يكون يوم القيامة والله أعلم. قال: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] الزلزلة بمعنى: الرجفة والاهتزاز، ففي يوم القيامة يكون الخوف الشديد الذي يجعل الإنسان يضطرب ويتزلزل من مكانه ويتحرك، فأصل الزلزلة الحركة العنيفة، ففي يوم القيامة يكون اضطراب النفوس واضطراب أقدامهم من الخوف من بعث النار.
تفسير قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت)
تفسير قوله تعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت) قال تعالى: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]. قوله: (يوم ترونها تذهل) يعني: هذه الزلزلة تشاهدونها، والذهول هو الغفلة عما أمام الإنسان، وكأنه لا يرى هذا الشيء، فهو ذاهل عنه، مثل من يأخذ شيئاً ثم يبحث عنه وهو في يده، فيوم القيامة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وما قال: كل إنسان عما حمل، فالإنسان يوم القيامة لا يحمل شيئاً معه، فهو يخرج من قبره عرياناً حافي القدمين كما ولدته أمه. وفي الدنيا لا يمكن أن امرأة ترضع طفلها وتذهل عنه، ولكن يوم القيامة من شدة الكرب ومن الهول، ومن الفزع؛ تذهل كل مرضعة عما أرضعت، والمرضع لا يوجد فيها المذكر والمؤنث، فهي امرأة ترضع، لكن الشيء الذي يحتمل أن يفعله الرجل وتفعله الأنثى يوجد فيه المذكر والمؤنث، مثل: هذا قائم، وهذه قائمة، هذا جالس، وهذه جالسة، فالذهن يذهب أن المرضع هي المرأة الذي ترضع، فلا يوجد رجل يرضع، فلا يحتاج هذا الاسم إلى تاء التأنيث، فلما جاء هنا بتاء التأنيث فقالوا: هو لزيادة معنى، وهذا المعنى: أن المرأة الذي ترضع اسمها مرضع، وحال إرضاعها تسمى مرضعة، فذكر أن هذه المرأة التي تحن على صبيها تذهل عنه في ذلك اليوم.
معنى قوله تعالى (وتضع كل ذات حمل حملها)
معنى قوله تعالى (وتضع كل ذات حمل حملها) قوله تعالى: {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} [الحج:2] يعني المرأة لو ماتت وهي حاملة، تحشر يوم القيامة على حال وفاتها وفي بطنها جنينها، فهذا الجنين يصعق من شدة الموقف العظيم! وقوله: {وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2] أي: مما يدرك الناس من الخوف والفزع يصيرون كالسكارى، كأنهم قد شربوا خمراً، فذهبت عقولهم، وهم لم تذهب عقولهم بالخمر، وإنما من شدة الموقف ومن الرعب الشديد من أنه سيدخل النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. وقوله: (وترى الناس سكارى) هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (وترى الناس سَكْرى) بالإمالة. وسكرى وسكارى جمع: سكران، فالمعنى: تراهم في غاية من الخوف والفزع حتى كأن عقولهم قد طاشت منهم، وكأنك تظن أنهم شربوا خمراً، وهم لم يشربوا خمراً، فترى الناس سكارى وليسوا بسكارى من الخمر، وإنما من شدة الخوف والوجل، ولكن عذاب الله شديد.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3]. قالوا: نزلت هذه الآية المكية في النضر بن الحارث، وكان من كبراء مكة، وكان شديد الخصومة للنبي صلى الله عليه وسلم، يجادل بالباطل، ويناظر على الباطل الذي يقوله، كان يجادل بجهل، لا معه أثر من علم، ولا معه عقل حتى يأتي بحجة بينة، فيقوم يقول كلامه ويصدقه الكفار على ذلك. وإن كانت الآية نزلت في هذا الرجل بخصوصه، ولكن تشمل غيره بعموم اللفظ. قال الله: (ومن الناس) أي: يوجد من الناس من يجادل وهو لا يعرف شيئاً، يجادل بالباطل، وهذا ذم شديد لمن يجادل في الدين أو في غيره بغير علم، فليجادل الإنسان بعلم في حق، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بترك الجدل وقال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً) إلا أن يكون لنصرة دين الله سبحانه تبارك وتعالى، وللرد على كافر أو مبتدع. هذا الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد تراباً، وقال: أتزعم أن ربك يعيد هذه العظام وقد رمت وبليت؟! فالله عز وجل يثبت حماقة هذا الإنسان وجهله وجداله بالباطل وبغير علم فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] فهنا الإنسان الذي يجادل بغير علم يتبع الشيطان المريد المتمرد العاتي العاصي لربه، الخارج عن طاعة رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله)
تفسير قوله تعالى: (كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله) قال الله: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] (كتب عليه) أي: على هذا الشيطان (أنه من تولاه) أي: من يتولى الشيطان من دون الله عز وجل، (فأنه يضله) أي: الشيطان يضل صاحبه، {وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] والسعير من أسماء النار والعياذ بالله، يقال: سعر النار، وسعر الحرب يسعَرهما ويسَعِرهما بمعنى: يوقد ويهيج، فكأن عذاب السعير النار الهائجة، النار المشتعلة التي هي في غاية الاشتعال، ومنه قوله: {إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} [القمر:24] السعر: الجنون، فالمجنون يطيش ويفعل أي شيء، فهذه النار نار مستعرة ملتهبة، فيها اشتعال واستعار شديد، ومنه السعار أي العطش، ومنه الحر الشديد، ومنه: الساعور أي الفرن، ويقال لمن يرمي بالرمح: رمي السعر بمعنى: رمي شديد إذا دخل في شيء خزقه، وأمات من دخل فيه، ويقال: فرس مسعر ومساعر بمعنى: ما يهدأ عندما يهيج. هذه صورة النار وهي مشتعلة متوقدة متهيجة، والإنسان حين يرى هذه النار ويؤتى بها يوم القيامة {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج:2]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [3 - 5]
تفسير سورة الحج [3 - 5] لقد ذم الله في كتابه من كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضاً عما أنزل الله على أنبيائه، متبعاً في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حل أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق المتبعين للباطل، الذين يجادلون في الله بغير علم صحيح، ويتبعون كل شيطان مريد.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3]. أخبرنا الله سبحانه وتعالى في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] أي: من الناس من يجادل في أمر الله سبحانه، وفي أمر دين رب العالمين، وفي أمر خلق الله سبحانه وتعالى؛ كـ النضر بن الحارث الذي أنكر أن يحيي الله عز وجل الموتى بعد أن يصيروا تراباً وعظاماً، فربنا يخبر عن هذا وأمثاله، أنهم يجادلون بغير علم، ولو أنهم تعلموا لعرفوا الحق في ذلك، ولو أنهم نظروا في هذا الكون واطلعوا على كتب الله سبحانه لوجدوا الموافقة بين الكون وهو كتاب الله الذي ينظر الإنسان إليه في كل يوم في آياته، وبين ما نزل من عند الله من السماء وهو كتاب الله القرآن العظيم الذي إذا قرأه وتأمل الواقع عرف الحق وتعلم ما يكون من أمر ربه سبحانه، ولكن العجيب ممن يجادل بجهل ويتكلم بغير علم ويرد كلام النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيعجبنا الله عز وجل من أمثال هؤلاء الذين يجادلون بغير علم. فالذي ينبغي على الإنسان المؤمن ألا يعرض نفسه أبداً لأمر الجدل، إلا في الدفاع عن دين الله سبحانه إن احتاج إلى ذلك، وإذا جادل لا يجادل إلا بعلم، يقول الله عز وجل: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46] أي: إذا جادلت إنساناً لتدعوه إلى الحق فينبغي أن تتعلم ما هو الحق قبل أن تجادل، ولذلك قالوا: إن الإنسان الذي لا يتعلم ويتكلم بغير علم، يرى هذا الإنسان في لغط مضل أو غلط مذل، فهذا الإنسان الجاهل حين يجادل إما أنه كثير اللغط الذي يؤدي به إلى الضلال، أو أنه يظن نفسه عالماً فيتكلم في أشياء لا يفهمها ولا يعرفها أمام من يعلم، فيذلونه بجهله ويقولون له: إنك جاهل ولست بفاهم، ما هذا الذي تقوله؟! إذاً: على الإنسان المؤمن أن يتعلم العلم الشرعي قبل أن يتكلم في دين الله سبحانه وتعالى، ولا يكون كأمثال هؤلاء الجهلة بأمر ربهم سبحانه وتعالى، فكفروا وأشركوا وجادلوا بالباطل. وهذا الذي يجادل بالباطل يأخذ الشيطان بناصيته يوم القيامة إلى نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [الحج:4] أي: الله عز وجل كتب وقدر أنه من يتولى الشيطان من دون الله سبحانه فإن الشيطان يضله، وهنا الذي يهدي والذي يضل هو الله سبحانه وتعالى، ولكن أسباب الهداية وأسباب الضلالة يجعلها الله عز وجل على يد من يشاء سبحانه، فالشيطان خلقه الله عز وجل بصفاته، وقد علم أنه يضل عباده ويبعدهم عن أمر دينه، ويدفعهم إلى المعصية، ويسول لهم الشبهات ويزين لهم الشهوات، ويصرفهم إلى المنكرات، فهذه أسباب. فالله عز وجل يقدر فهو يهدي ويضل بتقديره سبحانه وتعالى، والشيطان يضل العباد ويبعدهم عن طاعة الله كسبب من الأسباب، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام:112] قوله: ((ولو شاء)) أي: هذا قضاء الله سبحانه وتعالى، فهو إذا قضى بالهداية لا يمكن أن يكون العكس، وإذا قضى بالضلالة لن يكون العكس، وورد في الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) فهذا ينقلب ويعمل بعمل أهل النار، وذاك ينقلب فيعمل بعمل أهل الجنة كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالشيطان يضل الإنسان الذي يطيعه والذي يعصي الله سبحانه، ويأخذ به إلى طريق عذاب السعير والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]. أمرنا سبحانه أن نتدبر فيما حولنا في هذا الكون، نتدبر في خلقتنا كيف خلقنا الله سبحانه وتعالى، وقال في كتابه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس:78] هذا جهل الإنسان حين يجادل ويقول: من الذي سيحيي هذه العظام بعدما صارت رميماً؟ نقول: أنت نسيت من الذي خلقها أول مرة، الذي خلقها أول مرة هو الذي يعيدها مرة ثانية، فلم لم تتعجب من الخلق الأول وتتعجب من الإعادة؟! وهل الإعادة أصعب من بدء الخلق؟ فالله سبحانه بدأ الخلق وكان عدماً، فجعله تراباً وماء ثم جعله إنساناً، ثم فني هذا الإنسان ورجع للتراب، فهل الذي خلقه من العدم غير قادر على أن يركبه مرة ثانية من هذا التراب الذي صار إليه؟! {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78 - 79]. والخطاب هنا في قوله: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ)) خطاب قرآن مكي؛ لأن في مكة كان الكفار أكثر من المسلمين، وكان الخطاب لهؤلاء أمة الدعوة، فهو يدعوهم ويقول: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ))، أما في المدينة فقد كان الخطاب للمؤمنين؛ لأن المدينة امتلأت بالمؤمنين، فكان الخطاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:104]. هنا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} [الحج:5]، الريب: هو الشك، أي: أن الله عز وجل يحييكم ويبعثكم بعدما أماتكم. قوله: ((فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ))، قال: (فإنا) جاء بنون العظمة هنا، فالخلق عظيم، وهذا يدل على عظمة الخالق سبحانه وتعالى، فهو أتى بنون العظمة تعظيماً لنفسه وشأنه وقدرته سبحانه وتعالى، ((فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ)) أي: هو الذي تفرد بالخلق والأمر سبحانه لا شريك له، فجمع بين الاثنين فقال: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] أي: هو الذي تفرد بأن يخلق سبحانه، وهو الذي تفرد بأن يشرع لهذا المخلوق، وبأن يدله على الطريق الصحيح الذي يسلكه إلى جنة رب العالمين وإلى رضاه.
مراحل خلق الإنسان
مراحل خلق الإنسان قال الله تعالى: ((فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ))، هذا بدء الخلق، فقد خلق آدم من هذا التراب، وتركيب جسم الإنسان كتركيب التراب الموجود في الأرض، وعناصره موجودة في جسم الإنسان، فهذا أصل خلقته، لذلك يموت الإنسان ويتحلل ويرجع إلى هذا التراب مرة ثانية. قال: ((ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)) أي: بعد ذلك كان الخلق من النطفة، ((ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)) هذه مراحل خلق الإنسان جاءت في كتاب الله عز وجل بترتيب عظيم بديع، يقول العلماء: إنه أعظم ما يدل على الخلق ما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى، فهذا الترتيب كيف عرفه النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن قد تعلم الطب ولا تعلم التشريح من أجل أن يعرف هذه المراحل الموجودة في رحم المرأة، تأتي النطفة من الرجل إلى رحم المرأة، وهذه النطفة يمضي عليها فترة فتتحول إلى علقة، ويمضي عليها فترة فتتحول إلى مضغة، والمضغة مخلقة وغير مخلقة ليبين الله سبحانه وتعالى لنا. فذكر لنا هنا سبحانه وتعالى أن هذه مراحل خلق الإنسان، خلق الله عز وجل الإنسان وجعله نطفة في قرار مكين، قال عز وجل: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14] عندما يقرأ الإنسان هذه الآية وغيرها ويقرأ كلام علماء أوروبا وأمريكا في أمر مراحل الجنين وخلق الجنين واعتراف هؤلاء بأن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي ذكر الترتيب الصحيح بهذا النحو، فيقول المؤمن: صدق الله العظيم الذي يقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53]. قوله ((ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)) النطفة معناها: الماء القليل، ينطف الشيء يعني: يسيل منه الماء القليل، فسميت بذلك لقلتها، أيضاً قد تطلق على الماء الكثير، ولكن هذا الإطلاق ليس إطلاقاً دائماً، فيقولون: إن النطف معناه القطر، وليلة نطوفة، أي: دائمة القطر، فهي ليلة ممطرة، لكن الأصل أن النطفة الشيء اليسير من الماء وهو المني. قال لنا هنا: {فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} [الحج:5] هذه المراحل توجد بين كل مرحلة فترة زمنية، ولذلك عبر عنها بـ (ثم) التي تفيد التراخي. إذاً: النطفة تمكث فترة، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات)، فهنا خلق الإنسان في رحم الأم يبدأ من النطفة التي يمضي عليها أربعون في أربعين في أربعين، حتى ينفخ فيها الروح بعد ذلك. قال سبحانه وتعالى: ((ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)) العلقة: هي القطعة من الدم التي تكون مثل الدودة، فهي معلقة في رحم المرأة، وبعد ذلك تكون مرحلة المضغة، والمضغة كما هو واضح من تسميتها كأنها الشيء الممضوغ، كأنها قطعة لحم ممضوغة، ولذلك بعض علماء الأمريكان لما سأله بعض المسلمين وهو الشيخ الزنداني عن هذه المرحلة: ماذا تسميها؟ وما الوصف الدقيق لها؟ فمكث يفكر ثم قال: لبانة، فاللبانة ممضوغة، فقال الشيخ الزنداني: القرآن ذكر ذلك! فتعجب الرجل جداً كيف أن القرآن ذكر المضغة؛ لأن هذا أدق وصف توصف به هذه المرحلة مرحلة المضغة التي سماها الرجل لبانة ممضوغة، بحيث يكون هيئة الجنين في بطن أمه كقطعة لحم ممضوغة، قال: ((ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ))، فهذه المضغة إما أن يقضي الله عز وجل بتخليقها فتصير إنساناً، وإما أن يقضي بنزولها فتنزل ولا تكون شيئاً، فمن قدر الله عز وجل له أن ينمو عبر عنه بأن المضغة التي يكون منها تكون مخلقة، أما من قدر الله عز وجل أنه لا يموت فعبر عنه بأن المضغة تكون غير مخلقة، وعلماء الطب الحديث يقولون: فعلاً المضغة مخلقة وغير مخلقة؛ لأن فيها من الخلايا ما هو قابل لأن ينمو الآن فينمو، ومنها ما هو غير قابل للنمو الآن، وسيأتي على الإنسان وقت يحتاج إلى خلايا، هذه خلية في المضغة هي أصل من أصول خلايا الجلد، وهذه أصل من أصول خلايا العظم، وهذه أصل من أصول خلايا الدم، فلما يحتاج إليها في يوم من الأيام تخلق، وإذا لم يحتج إليها تبقى على ما هي، فكأن بداخل المضغة ما هو مخلق وما هو غير مخلق كما ذكر الله سبحانه وتعالى، وهذا يذكره علماء التحليل وعلماء الطب الآن في زماننا، فهنا انظر قال تعالى عنهم: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] أي: هؤلاء عرفوا هذه الآيات وعرفوا كلام الله عز وجل وكلام النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومع ذلك هم أبعد ما يكونون عن ربهم سبحانه! قال: ((لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)) أي: نبين القدرة العظيمة من الله سبحانه وتعالى في هذا الخلق. قال تعالى: ((وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) أي: ما شاء الله عز وجل أن ينمو في الرحم كان، فهو يعلم {مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد:8]. (يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد)، غاض الرحم انكمش ثم نزل ما فيه على هيئة الحيض أو على هيئة السقط، أو ازداد الرحم في النمو حتى أصبح بداخله جنيناً فمكث تسعة أشهر أو أقل من ذلك، ثم نزل طفلاً بعد ذلك. ((وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) أما ما لم يشأه الله أسقطه.
مراحل حياة الإنسان بعد خروجه من بطن أمه
مراحل حياة الإنسان بعد خروجه من بطن أمه قال تعالى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [الحج:5]، بعد ذلك مرحلة الطفولية، وهي من ساعة نزول الإنسان إلى هذه الدنيا إلى قبل بلوغه، فهو في مرحلة طفوليته. قوله: {ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج:5] أي: تصل إلى الرشاد والشدة والقوة في حال البلوغ. قوله: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [الحج:5] أي: حين ينزل الإنسان طفلاً قد يتوفى في هذه المرحلة، ومنهم من يبقى إلى أن يصل إلى أرذل العمر، كما ذكر لنا في سورة غافر، ((وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ)). إذاً: الإنسان قد يموت وهو في بطن أمه، وقد يموت حين يولد، وقد يموت بعد ذلك، وقد يعيش أمداً طويلاً ويصل إلى أرذل العمر، فهو ينمو حتى يصل إلى أقصى شيء وأكمله، ثم يبدأ ينزل حتى يصل كما كان طفلاً، فهو في هذه المرحلة يصير شيخاً كبيراً، ويرد إلى أرذل العمر، العمر الطويل الرذيل، الذي معه يذهب عقل الإنسان، يصل إلى مرحلة التخريف، إلا أن يحفظه الله سبحانه وتعالى بحفظه لدينه، وبحفظه لكتاب الله سبحانه وتعالى ولسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. فمرحلة الشيخوخة الإنسان ينسى فيها كثيراً، بعدما كان يحفظ كثيراً ينسى كثيراً، وبعدما كان يجيد النطق والتكلم تسقط أسنانه ويثقل لسانه ولا يقدر على التكلم بعد ذلك، وفرق بين الطفل الصغير الذي يكون بهذه الصفة، صفة الضعف وصفة اللثغة وصفة عدم القدرة، وبين الشيخ الكبير، فهذا الطفل الصغير محبوب لدى أهله ويحمل ويقبل، ويكون الإنسان فرحاً به، أما هذا الشيخ الكبير فيقولون: متى سيموت هذا الإنسان؟! قال: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل:70] يعني: الإنسان الذي سيعيش ألف سنة، ماذا ستعلم عندما تعيش ألف سنة؟! إن لم تعلم من هو خالقك، وإن لم تتعلم كيف تعبد هذا الخالق، فكأنك لم تتعلم شيئاً في هذه الدنيا، فيظل الإنسان مهما وصل إلى العلم فإنه سيصل إلى هذه الشيخوخة التي سينسى فيها ما تعلم قبل ذلك، انظروا هنا هل يستطيع الإنسان أن يأتي بالشيخ الذي بدأ ينسى وبدأ يخرف ويرجعه مرة ثانية كما كان في حالة الكمال العقلي؟! هاهم يحاولون في هذا الشيخ، لكن لم يصلوا إلى شيء، انظروا إلى رئيس أمريكا ريغان الذي كان رئيس أمريكا وماذا عمل في العالم كله، أصابه مرض (زهيمر) فلا يعرف زوجته ولا أولاده، ولا يعرف شيئاً مما حوله، ذهب عقل هذا الإنسان بمرض أصابه من عند الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يتأمل الإنسان أنه مهما وصل إلى شيء من كمال قدرة وكمال قوة وكمال فهم وعلم، فإنه في النهاية يصل إلى هذا المنحنى الصعب الذي لا يعلم بعد علم شيئاً. هذا مثال ذكره لنا ربنا سبحانه لنعرف قدرة الله سبحانه. قال سبحانه: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً} [الحج:5] هذا مثال قريب من المثال السابق، وهو إحياء الإنسان ونمو الإنسان كإحياء الزرع ونموه، فنحن كل يوم نرى إنساناً يولد وإنساناً يموت، ونرى الأرض كيف أنها تكون هامدة جامدة يابسة فعندما ينزل عليها الماء من السماء تحيا بفضل الله سبحانه. قال: ((فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ)) أي: هذه الأرض اهتزت بنمو النبات فوقها، ((وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ))؛ لنرى قدرة الله الذي خلق هذا وجعله ينمو، ثم أماته وهو في دورة قصيرة سنة أو دونها، فنرى الحياة والموت في الأرض لنتعظ من ذلك، ونرى حياة الإنسان وموته؛ لنعلم أنه ليس أحد يبقى على الدنيا، قال عز وجل: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [5 - 10]
تفسير سورة الحج [5 - 10] ذكر الله تعالى لنا آية من آياته، وهي إحياء الأرض بعد موتها، وفي ذلك دليل على أن الله هو الحق، وأنه قادر على إحياء الموتى، وأن الساعة آتية لا محالة، ويذكر الله سبحانه جدال الكافرين في ذلك وإنكارهم للبعث، وإيذاءهم للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يثبت لهم حقيقة البعث بالأدلة العقلية والنقلية، ومع ذلك لا يؤمنون ولا يصدقون.
تفسير قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء)
تفسير قوله تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:5 - 10]. لما ذكر الله سبحانه وتعالى من آياته خلقه سبحانه وتعالى الإنسان، وكيف أن الله خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة وكان قبل ذلك تراباً، ثم جعله مضغة، ثم جعله بعد ذلك جنيناً في بطن أمه، وأقره ما يشاء سبحانه وتعالى، ثم أخرجه طفلاً ثم بلغ الأشد، فمراحل تكوين الإنسان التي يراها كل إنسان، يرى كيف يكون حملاً في بطن أمه، ثم يزداد هذا الحمل شيئاً فشيئاًَ، ثم ينزل هذا الجنين من بطن أمه طفلاً، ومنهم من ينزل حياً، ومنهم من ينزل ميتاً، ومنهم من يبلغ أشده ويتوفى، ومنهم من يبلغ إلى أرذل العمر. يقول سبحانه وتعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [الحج:5]، ترى أرضاً جامدة، وأرضاً هامدة، وأرضاً يابسة جافة ينزل عليها الماء من السماء، فإذا بالله عز وجل يحييها بما أودع فيها سبحانه وتعالى من أسرار خلقه في بذور النبات، وفي جذوره وسيقانه، وإذا بهذه الأرض تنبت وتربو وتعلو، وينتفخ باطن الأرض بما فيها من بذور ومن نبات ومن جذور، وبدأت تعلو هذه الأرض. وقوله تعالى: {وَرَبَتْ} [الحج:5] هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر (وربأت) بمعنى ارتفعت الأرض، وهنا حصل فيها اهتزاز بما كبر بداخلها من بذور، وبما نمى بداخلها من جذور، وعلت الأرض فانتفخت وربت. وقال تعالى: {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5] فترى أمامك الأرض الواحدة والماء الواحد الذي نزل من السماء، وإذا بالله يخرج من هذه الأرض فواكه شتى مشتبهاً وغير متشابه، والخلاق سبحانه تبارك وتعالى ينوع للخلق ما يشاء سبحانه، والإنسان يتفكر في ذلك، كيف أن الله خلق له ذلك ليتفكه به، وجعل له قوتاً من هذه الأرض، أفلا يشكر الله سبحانه وتعالى، ويعرف هذه الآيات، ويعرف أن خالقها هو الله وحده، المعبود وحده لا شريك له؟! فقوله تعالى: {وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5]، زوج هنا بمعنى: لون أو صنف، أي: أصناف بهيجة تعجب الناظرين، فيطعمها الإنسان فيجد الطعم اللذيذ من كل الطعوم، جعلها الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان، فلو كان شيئاً واحداً لمل الإنسان من هذا الشيء، ولكن جعل الله له من كل لون ومن كل صنف، فيأكل ويستمتع بما أخرج الله سبحانه وتعالى ويشكر ربه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6] أي: الله الحق وما سواه باطل، الله الحق وحده لا شريك له، الموجود سبحانه وتعالى، وغيره يوجد فترة ويفقد بعد ذلك ويصير عدماً، الله الأول بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء سبحانه وتعالى، لا أول له ولا آخر له، فالله سبحانه وتعالى واجد الوجود وهو الحق سبحانه وتعالى، وما سواه باطل، وما يزول فهو باطل، وما يقوم بغيره فهو باطل، فالإنسان لم يقم بنفسه، ولم يخلق نفسه، ولكن الله هو الذي خلقه وأوجده، وأعطاه السمع والبصر والفؤاد، وأعطاه القوة والحياة، فعاش الإنسان بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، فهو ليعيش يحتاج إلى ربه سبحانه، والله هو الحي لا يحتاج إلى أحد. قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [الحج:6] وحده لا شريك له، وكل شيء يحتاج إلى الله الحق سبحانه، فما سواه باطل. وقوله تعالى: {وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى} [الحج:6] وزعم الكفار أننا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، ولن نعيش مرة ثانية، فقال تعالى: {وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:6] فالله يقول: هو الحق؛ ولأنه الحق فهو وحده القادر على إحياء الموتى، وهو على كل شيء قدير.
تفسير قوله تعالى: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها)
تفسير قوله تعالى: (وأن الساعة آتية لا ريب فيها) قال الله تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا} [الحج:7] هذا عطف على اللفظ الذي قبله، ذلك بأن الله هو الحق، وذلك لتعلموا أن الساعة قادمة وآتية ولا شك في مجيئها. وقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج:7] بقدرته الباهرة وبعظمته القاهرة، يبعث من في القبور مرة ثانية للحساب والثواب والعقاب.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8]، والآية نزلت في سبب، والعبرة بعموم اللفظ نفسه، والسبب هو النضر بن الحارث، هذا الرجل الذي كان يجادل في الله سبحانه وتعالى بلا علم ولا هداية إلى الحق، ولا كتاب من عند رب العالمين سبحانه، لا علم عنده فهو جاهل، وليس معه هدى فهو ضال، وليس معه كتاب من عند الله فهو مخترع مبتدع كذاب، فلا يسمع لمثل هذا الإنسان إلا من هو أجهل منه، ولا يسمع لمثل هذا الإنسان إلا من هو بعيد عن الحق، ومن هو أضل منه، والكفار يسمعون له.
ذكر ما جاء من جدال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وما نزل فيهم من آيات
ذكر ما جاء من جدال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وما نزل فيهم من آيات جلس النبي صلى الله عليه وسلم مرة يدعوهم إلى الله سبحانه، وإذا بهم يتشاورون للرد عليه صلى الله عليه وسلم وتعجيزه، قال الله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ} [الإسراء:90 - 93] ومع كل هذا يقولون: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه} [الإسراء:93]، والجواب {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء:93]، فأنا بشر أوحى الله سبحانه وتعالى إلي بهذه الرسالة، فأنا مبلغ عن رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه. قال لهم ذلك وردوا عليه بأنهم لن يؤمنوا له صلى الله عليه وسلم، وإذا بـ أبي جهل لعنة الله عليه يقوم ويقول للكفار: يا معشر قريش! إن محمداً قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه -يعني: شدخت وكسرت به رأسه- فأسلموني بعد ذلك أو امنعوني؛ فقالوا له: نحن معك، ولما أصبح أخذ الحجر، وسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به يتوجه إليه بحجر ما يطيق حمله، فكاد يهوي به، فإذا به يفزع، وتتيبس يداه، ولم يستطع إلقاء الحجر فجرى فزعاً من النبي صلوات الله وسلامه عليه! فإذا بالكفار يتعجبون فسألوه عما حدث فقال: لما دنوت منه -صلوات الله وسلامه عليه- عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل خصرته ولا أنيابه، وما رأيتُ مثله فحلاً قط، فهم بي أن يأكلني! فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ذلك الفحل هو جبريل نزل على هذه الصورة، ففزع أبو جهل وابتعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما علم النضر بن الحارث بذلك قال: يا معشر قريش! إنه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة، قد كان غلاماً حدثاً، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم به، قلتم: ساحر، لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن ولا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم، وقلتم: شاعر، لا والله ما هو بشاعر قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هجزه ورجزه، وقلتم: مجنون، لا والله ما هو بمجنون لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، يا معشر قريش فانظروا في شأنكم فإنه والله قد نزل بكم أمر عظيم، وكان هذا الرجل من شياطين قريش لعنة الله عليه، وكان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان كما ذكرنا قدم الحيرة ببلاد الفرس، وسمع منهم الأساطير من قصص رستم واسكنديار، فكان كلما جلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس يدعوهم إلى الله عز وجل، جلس هذا الخبيث يحدثهم بقصص رستم واسكنديار، وبعد ذلك يقول لقريش: يا معشر قريش! أنا والله أحسن حديثاً منه، فهلموا إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسكنديار، يحكي لهم قصص وخرافات، وهو الذي تبجح وقال: سأنزل مثلما أنزل الله، وقيل: إنه نزل فيه ثمان آيات، وقيل: أكثر من ذلك. وقد قال الله سبحانه وتعالى في شأنه: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [القلم:15]. ولما تحيرت قريش في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نبعث لليهود، وكانوا يسكنون قريبين منهم في مكان اسمه زفر، فقالوا: نبعث لهم ونسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو حق أم باطل؟ فأرسلوا إليهم النضر بن الحارث ومعه عقبة بن أبي معيط، إلى أحبار يهود زفر، فسألاهم عن النبي صلى الله عليه وسلم هل هو حق أم باطل؟ فإذا بحبر منهم يقول: سلوه عن ثلاثة أشياء، إذا أخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم بها فليس بنبي: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجب، وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نبؤه، وسلوه عن الروح. وقدموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا له: لو كنت نبياً حقاً فأخبرنا عن هذه الأشياء الثلاثة، فقال صلى الله عليه وسلم: غداً سأخبركم، فلبث خمسة عشر يوماً لم ينزل عليه الوحي تأديباً له صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يقل: إن شاء الله، ثم نزلت الآيات من سورة الكهف في ذلك، وأخبرهم ربنا سبحانه وتعالى عن أمر الروح، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85]. وكان النضر بن الحارث ممن يجادل النبي صلى الله عليه وسلم بالباطل، وجلس مع النبي مرة فأفحمه النبي صلى الله عليه وسلم بكلام وتلا قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء:98] فلما قال ذلك بهتوا كلهم وقاموا، وذهب النضر إلى عبد الله بن الزبعرى وقال له: إنا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وكان الوليد بن المغيرة بين القوم فقال: لم يستطع أحد أن يرد عليه؟! فالتفت إلى ابن الزبعرى فقال: لو كنت موجوداً لرددت عليه، وقلت له: إذا كنا وما نعبد حصب جهنم، فإننا نعبد الملائكة، فهل الملائكة تدخل النار؟ والنصارى يعبدون عيسى، فهل عيسى سيدخل النار؟ فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك له صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101]. إذاً: يفهم من هذه الآيات أن الذي يدخل النار من رضي بهذه العبادة دون من لم يرض بها، وعيسى والملائكة لم يرضوا بهذه العبادة من دون الله عز وجل، وقد قتل النضر بن الحارث صبراً في يوم بدر، فقد كان من أسرى يوم بدر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فقتل، والذي قتله هو علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه.
ذم الجدال بغير علم
ذم الجدال بغير علم فقول الله سبحانه وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الحج:8] هذا الرجل منهم، وكل من جادل في الله بغير علم يدخل تحت هذه الآية. وقوله تعالى: {وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج:8] أي: ليس معه بينة من عند رب العالمين من آية أو وحي، وقوله تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحج:9] العطف: جانب رقبة الإنسان، يعني: يعوج رقبته لا يريد أن يسمع الحق، فهو مستكبر عنه. إذاً: من صفات الإنسان المستكبر أنه حين يتكلم يعوج رأسه ويكلم الناس من علو كأنه أفضل منهم، وهي صفة موجودة في الكفرة وفي بعض المسلمين أيضاً، وكل هذا من جهل الإنسان بنفسه، وجهله بحقارة نفسه وأن أصله من تراب، وجهله بربه العظيم الذي أمره أن يتواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من تواضع لله رفعه) وأبى الله سبحانه للمتكبر إلا أن يضعه، فالمتكبر يستشعر أن الذي معه ليس مع غيره، فهو يتعالى على غيره، ويتكبر حتى ينكس الله رأسه، فاحذر من الكبر واحذر من الغرور واحذر من ثني الرقبة.
تفسير قوله تعالى: (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) قال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ} [الحج:9] أي: لاوٍ جانبه، معرض عن سماع الحق، وقوله تعالى: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9] فيه قراءتان، فقراءة الجمهور: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:9]، من الفعل الرباعي أَضَلَّ، أضل غيره يعني: دعا غيره للضلالة، وقراءة ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب: (ليَضِل عن سبيل الله) من الفعل الثلاثي ضلَّ بمعنى هو ضال في نفسه، متجه إلى غير الحق، متبع الهوى بعيد عن الله سبحانه. إذاً: هو ضال مضل، ضال في نفسه مضل لغيره، ومعنى ليَضِل: ليزداد ضلالة وبعداً عن الله عز وجل، وليُضِلَّ: ليجعل غيره يبتعدون عن دين ربهم سبحانه. وقوله تعالى: {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج:9] أي: كل إنسان متكبر لا بد أن يخزيه الله في الدنيا، وليس شرطاً أن يكون حالاً وسريعاً، فإن الله يقول: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]، يملي ربنا سبحانه وتعالى للمتكبر حتى يقصمه، فقوله: {لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج:9] أي: يخزيه الله ويحقره ويضله. وقوله تعالى: {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:9] أي: عذاب الدنيا، ويوم القيامة نار جهنم والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) ويقال له: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:10]، قال تعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} [الزخرف:76]، واليد أداة الكسب للإنسان، وإن كان قد يكتسب السيئات بلسانه وبغيره، ولكن أكثر ما يكتسب به الإثم بيديه، فقال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [الحج:10]، ولا يظلم ربك أحداً، فاحذر من غضب الله سبحانه، واحذر أن تظلم نفسك فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [11 - 15]
تفسير سورة الحج [11 - 15] يخبر الله عز وجل عن صنف من الناس قلوبهم مريضة، وحياتهم تعيسة، لا ينظرون إلا إلى المادة فيعبدونها ويركعون لها من دون الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء ما دخلوا في دين الله إلا للتجربة، فإن صلحت أحوالهم من أموال وزوجات وأولاد قالوا: هذا دين حسن، وإن ابتلاهم الله عز وجل انقلبوا على أعقابهم وارتدوا عن دين الله سبحانه وتعالى، فعبدوا من دون الله ما يضرهم ولا ينفعهم، وعبدوا من دون الله من كان بعيداً منهم لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ * إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:11 - 14]. يذكر لنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات وما قبلها أصنافاً من الكفار الذين يعبدون غير الله سبحانه تبارك وتعالى، فمنهم من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير، فهو مستكبر ثاني عطفه؛ ليضل عن سبيل الله، فأخبر الله سبحانه أن هذا الإنسان المستكبر جزاؤه أن يخزيه الله عز وجل في الدنيا، وأنه يوم القيامة يذيقه عذاب الحريق. وكان من هؤلاء وهو سبب نزول هذه الآية: النضر بن الحارث، فأذله الله عز وجل في الدنيا وأخزاه، وقتل صبراً في يوم بدر، ويوم القيامة له عذاب الحريق، وكذلك من كان مثله من يصد عن دين الله سبحانه تبارك وتعالى، ويريد أن يظهر أنه ليس من عند الله سبحانه، وأنه ليس الحق، فهذا الرجل كان يجادل بالباطل، ويجلس إلى الناس يحدثهم بالقصص والخرافات، ويقول: هذا أحسن حديثاً مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزل على ذلك حتى قصمه الله سبحانه تبارك وتعالى. وهذه صورة أخرى من صور هؤلاء الذين يدخلون في دين الله وهم على حرف: {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة:109] فهو لما دخل في هذا الدين، وجاءه رزق وفير، والله أنعم عليه في هذه الدنيا، فهو يقول: هذا الدين دين جيد، ويستمر عليه، فإذا أصيب بشيء من البلاء قال: هذا الدين ليس جيداً، وينصرف عن هذا الدين راجعاً إلى الشرك والعياذ بالله! ومن الناس -من هذا الصنف- من يعبد الله على حرف، يعني: دخل في الدين وهو متوجس يأخذ في التفكير: أدخل أو لا أدخل؟! أدخل وأنظر! فهو على حرف، ليس ثابتاً على هذا الدين، ولكنه متزعزع، متزلزل، متشكك، يجرب تجربة! الدين ليس محلاً للتجربة، لكنه يجرب فإذا أعجبه استمر، وإذا لم يعجبه رجع عنه، لم ينزل دين الله عز وجل بذلك، ولكن المؤمن يدخل في دين الله واثقاً في الله سبحانه تبارك وتعالى، مقتنعاً بهذا الدين، قد امتلأ قلبه بالإيمان، فهو على يقين من أن الله واحد لا شريك له، وعلى يقين من أن النبي صلى الله عليه وسلم هو مبلغ عن رب العالمين سبحانه، وعلى يقين من أن هذه الشريعة هي منهج الحياة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهو على يقين بأنه سيحاسب يوم القيامة على عمله. أما هذا المتزلزل المتزعزع -الذي هو على حرف- فإن وجد خيراً استمر، وإن وجد ضيراً انقلب على عقبيه، هذه صورته. يقول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11]، ومعنى (حرف) أي: على وجه واحد، أو على آخر الشيء مثل حرف المكان أي: آخره، والواقف على الحرف: إما أنه يبعد ويقع، وإما أنه يستمر على ما هو فيه، فهذا على تشكك في عقيدته، ومتزلزل في إيمانه. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] قال ابن عباس: يريد شيبة بن ربيعة وكان قد أسلم قبل أن يظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظهور هنا بمعنى: الغلبة، فكان في مكة والنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين قلة، ولم يكن لهم دور، دخل الإسلام مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما جاء من شريعة، فإذا بهذا الرجل يرجع ولا يريد ذلك. وقيل: إنه رجل من اليهود دخل في الدين وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فلما أسلم ابتلاه الله عز وجل، فذهب بصره وماله، يعني: عمي الرجل وذهب ماله، فتشاءم بالإسلام، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أقلني، فقال له: (إن الإسلام لا يقال)، والإقالة أن يبيع الإنسان بيعة ثم يرجع في كلامه، فظن أنه هكذا في الإسلام، فقال: إني رجعت في كلامي لا أريد، فقال له: (إن الإسلام لا يقال، فقال: إني لم أصب في ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي وولدي، فقال له: يا يهودي! إن الإسلام يسبك الرجال، كما تسبك النار خبث الحديد) فنزلت هذه الآية، والحديث في إسناده ضعف، ولكنه من ضمن الصور التي فيها أن البعض كان يسلم، ويبتليه الله سبحانه تبارك وتعالى سواء كان هذا اليهودي أو غيره فيرتد عن الإسلام. كذلك جاء عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أنه قال: (كان الرجل يقدم المدينة، فإذا ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح)، فهو يدخل في الدين تجربة. فالدين لا يصلح فيه هذا الشيء، فإما أن يثبت هذا الشخص، وإما أن يكون مزعزعاً فلا يصلح في هذا الدين، ولا يتسمى بمسمى الإسلام إلا أن يكون على شهادة أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه. فكان الرجل من هؤلاء الأعراب يدخل في هذا الدين ليجرب وينظر، فإذا حملت زوجته وأتت بولد كان هذا الدين جيداً، وإذا نتجت الخيل وكثرت كان ديناً جيداً، وإلا فإنه يرجع عن هذا الدين ويقول: إن هذا دين سوء، ولذلك الله أخبر عن هؤلاء الأعراب فقال: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة:97] فإذا كانوا يدخلون الدين من أجل أن يجربوه فهؤلاء أشد كفراً ونفاقاً، فليس في قلوبهم من الإيمان شيء إلا التسمية بأنه مسلم فقط، لكن الحقيقة أنه ليس في قلوبهم إسلام، ولذلك أخبر الله عز وجل عنهم: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات:14]، إسلام باللسان فقط، لا يوجد إيمان: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14]، الإيمان إذا دخل القلب وانفتح انشرح صدر الإنسان بهذا الإسلام، ويكون في سبيل دين الله عز وجل مستعداً أن يترك ماله وولده، ويترك كل شيء ابتغاء مرضاة الله عز وجل، أما الذي يريد الدنيا والآخرة، فيبتغي في الدنيا المال والولد، ويريد زهرة الدنيا مع الآخرة، فهذا لا يكون، أين التضحية؟! وعلى أي شيء سيدخل الجنة؟ لا بد أن الإنسان يبذل في الدنيا ويصبر فيها، يقول الله سبحانه: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35]. فالإنسان يظفر بالجنة ويدخلها بالصبر على المكاره، وبقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهؤلاء هم الذين يعلمون أن مصيرهم إلى الله عز وجل، وأن الله سيحاسبهم يوم القيامة، فيبتغون رضا الله سبحانه. أما الإنسان الذي يريد الخير في الدنيا والآخرة، فلا يمكن، قال الله سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2] تريد أن تقول: أنا مؤمن من غير أن تصاب بشيء في الدنيا لا في المال ولا في الولد ولا في النفس؟! لا يصلح الإسلام إلا بشيء من البلاء. قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج:11] (حرف الشيء) طرفه وشفيره وحده، والمعنى: يعبدون الله على وجه واحد وهو السراء، ولا يريدون ضراء. ولو عبدوا الله على الشكر في السراء، والصبر في الضراء، لما عبدوا الله على حرف، فالإنسان في وقت السراء يشكر الله ويحمده سبحانه، ووقت الضراء يصبر وينتظر الفرج من الله سبحانه، فهذا هو الذي يعبد الله على حق.
معنى قوله تعالى: (فإن أصابه خير اطمأن به)
معنى قوله تعالى: (فإن أصابه خير اطمأن به) قال تعالى: {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11] يعني: ثبت على الدين، {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} [الحج:11] يعني: أصابته في ماله وبدنه وولده، انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، فالإنسان الذي يرتد ويرجع إلى الكفر لن يضر الله شيئاً، إنما هو الخاسر الخسران المبين، ففي الدنيا الله عز وجل يعطي الإنسان الهدى من فضله ورحمته، وهذا أعظم مكسب، ولذلك أهل الجنة يقولون عند دخولهم الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف:43]، فهنا أهل الجنة عرفوا نعمة الله عز وجل، ونعمة الإسلام، ووفق العبد للعبادة في الدنيا وابتلاه في الدنيا فصبر، فكان بتوفيق من الله سبحانه تبارك وتعالى أن أعطاه في الدنيا فحمد ربه، وعندما يأتي يوم القيامة يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا. أما هؤلاء الكفار الذين ارتدوا على أعقابهم فقد خسروا الهدى في الدنيا، وخسروا طريق الله فلم يعرفوه، أو ارتدوا عن طريق الله سبحانه تبارك وتعالى، فالكافر قلبه مظلم، يعيش في شك وحيرة، ويعيش في ضلال وتيه، فلا تفرح بمظهر الإنسان الكافر صاحب الغنى والمال والثروة، فقلبه فيه خواء، ضيع عمره في الرقص واللعب والموسيقى والأغاني، وهو يستشعر أن قلبه لا يوجد فيه شيء، هو مستشعر أنه ضائع تائه، ولذلك أعلى معدلات الانتحار تكون عند هؤلاء الكفار، يأخذ أحدهم من الدنيا ولا يشبع، فهو يحس أنه محتاج إلى شيء لكنه لا يعرفه، ما هو هذا الشيء الذي يحتاج إليه؟! وفي النهاية يضيع ويهلك نفسه منتحراً يائساً من الدنيا، وتجد كثيرين من هؤلاء معهم من الأموال الشيء الكثير، ولكن لا يستشعرون بالسعادة التي يستشعرها المؤمن الفقير. فالمؤمن الفقير راض عن الله سبحانه تبارك وتعالى، إن أعطاه حمده، وإن منعه صبر وانتظر أن يدخل الجنة قبل الأغنياء يوم القيامة، في قلبه ما يدفعه إلى حب الله سبحانه، وينتظر الجزاء من الله سبحانه تبارك وتعالى، قلبه معلق بالله، وممتلئ إيماناً، أما الكافر فقلبه فارغ. فذلك الكافر يخسر الدنيا مهما أعطي فيها من مال وبنين وغير ذلك، وانظروا إلى التفكك الأسري عند الكفار، يعيش الكافر ويكبر ابنه فيحس أنه ليس بابنه، فابنه بعدما يبلغ لا يستطيع أن يبقيه في البيت، يخرج ابنه خارج البيت، فلا يوجد بينهم ترابط أسري، والدين هو الذي يوجب ذلك، فعندما يكبر الأب يذهب إلى دار المسنين، لا يقبل الابن أن يكون أبوه معه في البيت، ولا أمه تكون معه في البيت، كل واحد يعيش لوحده! لا يوجد ترابط بينهم! فالذي يجمع ويؤلف هو دين الله سبحانه تبارك وتعالى، يجعل في القلب حب الأب للابن، وحب الابن لأبيه، والطاعة بين الابن لأبيه، والمحبة من الأب لابنه، فيجمع الناس، قال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات:13]، أما هؤلاء فأهم شيء عندهم الدنيا، فيحصل على الدنيا ولا يتدخل في أنه ينفع ابنه أو يضره! هنا الله سبحانه تبارك وتعالى يخبر عن هؤلاء الكفار أنهم خسروا الدنيا والآخرة، {ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج:11] أي: الواضح البين، فهؤلاء ما استفادوا بأن دعوا الأصنام شيئاً، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه، فهذا الصنم الذي يعبده من دون الله، وهذه الآلهة الباطلة التي يعبدها من دون الله، لا تضر ولا تنفع، بل ضررها أقرب من نفعها، فالكافر يدعو الوثن والصنم ويتقرب إليه، ويطلب منه أن ينصره، وترك ربه سبحانه فتخلى عنه ربه وتركه، فخسر الدنيا قبل الآخرة، فنصر الله سبحانه وولايته ليست مع هذا الإنسان، فهو يدعو الصنم، والله يقول: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فهذا الذي يدعو غير الله أين النفع الذي سينفعه الصنم؟! لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن غيره، وخسر في الدنيا ولاية الله سبحانه، وخسر الآخرة فكان في النار عياذاً بالله.
تفسير قوله تعالى: (يدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه)
تفسير قوله تعالى: (يدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه) قال سبحانه: {يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} [الحج:12] الكافر ضال تائه حائر، لا يعرف أين الحق، فهو في ضلال بعيد عن الحق، بعد وتاه في ضلاله، يقال: فلان دخل في الصحراء وتاه في أولها، أي: بعد فيها، فتيئس من هذا الإنسان فلا يوجد فيه أمل، فهو قد ضاع فيها. فهذا الذي يدعو الصنم والوثن في ضلال بعيد، لا يرجى لمثل هذا الإنسان وهو على هذه الحال خير لا في الدنيا ولا في الآخرة، فضلاله بعيد.
تفسير قوله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه)
تفسير قوله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) قال تعالى: {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ} [الحج:13] ضرر هذا الوثن الذي يعبد أقرب من نفعه إن كان له نفع، ولكن الضرر في الدنيا أن يتخلى الله عنه سبحانه تبارك وتعالى، وسيزيده ضلالاً على ضلاله، فلا يهديه سبحانه تبارك وتعالى، وفي الآخرة له نار جنهم. {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج:13] المولى: النصير والقريب كابن العم وغيره، فإذا كان يستنصر بهذا المولى وبهذا الوثن من دون الله فبئس ما يستنصر به! كذلك يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض، فقال: (ولبئس العشير) المعاشر والصاحب والقريب، فالإنسان الذي يتقرب إلى غير الله سبحانه، ويترك ربه، فبئس ما تقرب به، وبئس ما تقرب إليه!
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين، وكيف يعاملهم الله بفضله وبرحمته سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14]. الكفار كانوا ينظرون إلى هذه الدنيا على أنها: طالما الله يعطينا في الدنيا فسيعطينا في الآخرة، فيقيسون الآخرة على الدنيا، وأنتم يا فقراء المسلمين! الله لن يعطيكم، فكيف سيعطيكم الآخرة إذا كان لن يعطيكم في الدنيا، فنحن أعطانا المال والبنين، فالله يحبنا، إذاً نحن أفضل، فسيعطينا يوم القيامة أكثر، فيخبر الله عز وجل أن هذا الشيء وهم، فإن الله أعطاكم ليس لأنه يحبكم، وليس لأن يرفعكم على الخلق، بل ليملي لكم، فإن كيده متين سبحانه. قال: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} [الحج:14] فالمؤمنون الصابرون يستحقون الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، جنات وبساتين عظيمة (تجري من تحتها الأنهار) أي: تجري في أرضها الأنهار، أنهار من لبن، وأنهار من عسل، وأنهار من خمر، وأنهار من ماء، لا يكدرها شيء. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14] أي: يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويرفع من يشاء، ويضع من يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، ويدخل النار من يشاء {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج:14]، والكفار لا يعجبهم أن المؤمنين يدخلون الجنة وينصرهم الله عز وجل، بل يغضبون، فنقول لهم: اضربوا برءوسكم على الحائط، واشنقوا أنفسكم، وافعلوا ما تشاءون، فهل هذا يغني عنكم أم لا يغني؟!
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة)
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] أي: يعتقد أن الله لا ينصر دينه، ولا ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن الله لا ينصر المؤمنين، ويظن: أن الله طالما أعطاني المال إذاً أنا الذي أستحق النصر وأنتم لا تستحقون، فالذي يظن هذا الشيء ماذا يعمل؟ قال الله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] إذا كان يستطيع أن يصعد إلى السماء ويمنع نصر الله فليفعل، ويذهب لينظر هل هذا الشيء ينفع؟! {فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] هل يذهب هذا الكيد أنه يصعد إلى السماء بطائرة أو بصاروخ، ويمنع نصر الله عن المؤمنين. وقالوا أيضاً: فليمدد بسبب إلى السماء طالما أنه مغتاظ من أن الله ينصر المؤمنين وينشر دينه سبحانه، اربط حبلاً في سقفك، واخنق به نفسك، وانزل ميتاً على الأرض، وانظر هل هذا الذي تعمله سيذهب غيظك أم لا يذهب غيظك؟! والمعنى: موتوا بغيظكم، واقتلوا أنفسكم، فلن ينصر الله سبحانه إلا دينه وأهل الحق مهما فعل الكافرون. قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ} [الحج:15] الهاء هنا عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو عائدة على دين الله سبحانه، أو على المؤمنين، وهذا وعد من الله عز وجل أن ينصر هذا الدين، ولكن النصر له أسباب، فربنا سبحانه تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]، وقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]، إن الله ينصر هذا الدين بأسباب قال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60]، أعدوا للكفار ما استطعتم من قوة، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7]، ويقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه). إذاً: المؤمن يتوكل على الله، والله يقول: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23]، ويأمرهم أن يأخذوا بالأسباب، قال تعالى: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد:7]، وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60]. إذاً: عليك أن تأخذ بأسباب النصر بأن تتقوى، وتكون جيشاً للدفاع عن هذا الدين، حتى تستطيع أن ترد على هؤلاء الكفار، فيكون القلب فيه الإيمان والتوكل على الله سبحانه، والعقيدة الصحيحة أن ينصر دين الله، وليس أن ينصر الأرض والوطن والعروبة، ولا أن ينصر إفريقيا أو غيرها، وإنما ينصر دين الله بالأخذ بالأسباب، فكيف ينصر دين الله من هو جاهل بدين الله سبحانه وتعالى؟! كيف ينصر دين الله من هو مشرك بالله يستغيث بالأولياء والصالحين ويترك ربه سبحانه تبارك وتعالى؟! وإذا كان المؤمن على عقيدة صحيحة أخذ بأسباب النصر الدينية والدنيوية، وهنا وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، قال تعالى: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7] فمن ترك نصرة دين الله سبحانه، ولم يأخذ بهذه الأسباب التي ذكرها الله؛ فلا يستحق أن ينصره الله. نسأل الله عز وجل أن ينصر دينه، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفر والمشركين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [15 - 22]
تفسير سورة الحج [15 - 22] إن الله ناصر رسوله، ومتم نوره، وسينتقم الله يوم القيامة من كل من أعرض عنه ولم يتبع النور الذي جاء به، ويهينه الله ويحق عليه عذابه؛ لأنه أعرض عن عبادته وتوحيده، ولم يسجد لله كما يسجد له من في سماواته وأرضه، وقد أخبرنا الله في كتابه بصور فضيعة من أنواع العذاب الذي سيلقاه من كفر به وكذب بآياته.
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة)
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. قال الله عز وجل: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:15 - 18]. أخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى أنه ينصر عبده صلوات الله وسلامه عليه فقال: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]. كأنه ييئس الكفار من أن يطمسوا نور الله سبحانه ويطفئوه، فالله عز وجل متم نوره سبحانه تبارك وتعالى، ولو كره الكافرون، فإن كرهوا واغتاظوا من أن الله ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وينصر دينه قال: (فليمدد) أي: المغتاظ منهم بحبل إلى السماء: {ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15]. يعني فليذهب فيقتل نفسه فيمت غيظاً وحنقاً، فهل يذهب هذا الذي صنعه بنفسه ما يغيظ؟ لن يذهبه ولكنه في الدنيا يخنق نفسه، ويتحول إلى غضب الله سبحانه تبارك وتعالى وعذاب رب العالمين. والمعنى الآخر: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15] يعني يحاول الصعود إلى السماء وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟ قال: {فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] يعني كل ما يكيده وكل ما يصنعه للحيلولة دون نصر النبي صلى الله عليه وسلم ودون إبلاغه صلى الله عليه وسلم، فليحاول الصعود إلى السماء، وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟ قال: {فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج:15] لا يقدر أن يمنع نصر الله سبحانه، ولا أن يمنع نزول القرآن من السماء، حتى ولو خنق نفسه!
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه آيات بينات) قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الحج:16] أي: كهذا الإنزال، وهذا الذي تسمعونه يتلى عليكم أنزلنا من السماء آيات هذا القرآن العظيم آيات بينة واضحة فيها الهدى وفيها الرحمة وفيها الشفاء. {وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} [الحج:16]، فالهدى هدى الله سبحانه تبارك وتعالى، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي بفضله، ويضل من يشاء ويبتلي عدلاً، فيضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، ولا يملك أحداً من الله شيئاً سبحانه تبارك وتعالى، فأنزل الله عز وجل هذا القرآن آيات بينات واضحة ومع ذلك تعمى على من يعمي الله سبحانه تبارك وتعالى قلبه، فالإنسان الأعمى لا يرى هذا الشيء البين الواضح الذي يراه الإنسان المبصر، فربنا سبحانه يخبر أن الهدى هداه، وأنه يهدي من يريد، ويهدي من يشاء سبحانه تبارك وتعالى، فمن لم يهده الله سبحانه مهما جمعت له الآيات ومهما وضحت له الحجج، فلا سبيل للهدى لهذا الإنسان، فإن الله يهدي من يريد.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا) قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج:17] هؤلاء هم المسلمون والكفار، فذكر المؤمنين وذكر المناوئين لهم الذين هادوا يعني اليهود، والصابئين الذين عبدوا النجوم من دون الله سبحانه تبارك وتعالى فصبئوا وخرجوا عن دين رب العالمين سبحانه، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين (والصابين). والنصارى هم الذين عبدوا المسيح من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، والمجوس هم الذين عبدوا النيران من دون الله سبحانه، والذين أشركوا هم الذين عبدوا الأوثان، وكل من زعم لنفسه إلهاً ادعاه وعبده من دون الله عز وجل؛ كل منهم يزعم أنه على صواب ويخطئ غيره، فالله عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ} [الحج:17] أي يقضي ويفتح بينهم يوم القيامة، ويقضي سبحانه بين هؤلاء يوم القيامة، وإن ظنوا في الدنيا أنهم على شيء، ولكن يوم القيامة تظهر الحقائق وأنهم ليسوا على شيء بل كانوا على ديانات باطلة إلا الذين آمنوا. قال الله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج:17] يشهد عليهم يوم القيامة، فقد أحصى عليهم كل شيء فعله، وكل شيء قالوه، وكل شيء زعموه واعتقدوه، فالله عز وجل يوم القيامة كفى به شهيداً على هؤلاء، أحصى أعمالهم وسيجازيهم ويحاسبهم عليها يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) قال سبحانه تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الحج:18]. لما ذكر الله الذين اختلفوا في عبادة رب العالمين، ناسب أن يذكر أن هنالك من لم يختلف في عبادة ربه سبحانه تبارك وتعالى، وعبدوه، وما يكون هؤلاء الكفرة بجوار هذه الأشياء العظيمة؟ {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات:27 - 28]. فالله سبحانه تبارك وتعالى خلق السماوات وخلق كل ما فيها، وهم أكثر من البشر بكثير، وأقوى منهم بكثير، وكلهم يسجد لله طائعاً ويعبد ربه سبحانه ويسبح بحمد ربه، قال الله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44]، فالذين كفروا بالله سبحانه لا قيمة لهم، إنهم قوم في الأرض، والأرض كلها ما تساوي ذرة في ملكوت الله سبحانه تبارك وتعالى! الرؤيا هنا رؤية قلبية، يعني: ألا يعتقد قلبك وعقلك ذلك، فأنت ترى تسخير الله سبحانه تبارك وتعالى لهذه الأشياء، فهي مسخرة بقدرة الله سبحانه، فهي متحركة بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى، النجوم والكواكب والشموس والأقمار كلها خلقها الله، وخلق لها مساراتها التي تسير فيها طائعة أو كارهة، تسير في هذا المسار، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وقال لهما: {اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت:11]، قالتا: أتينا طائعين، ولسنا كارهين لعبادته، ولسنا مكرهين على ذلك، ولكننا أتينا طائعين. فربنا يقول للخلق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ} [الحج:18] سجوداً حقيقياً، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تسجد تحت عرش الرحمن حتى يأذن لها سبحانه فتطلع من مشرقها، ثم يوم القيامة لا يؤذن لها فتطلع من مغربها، فكل شيء يسجد لله مطيعاً وكارهاً، فالسجود بمعنى الطاعة، والسجود بمعنى العبادة لله، فيسجد له كل شيء من الخلق. قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ} [الحج:18] من في السماوات من ملائكة ومن خلق يعلمه الله سبحانه: {وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الحج:18] كل من في الأرض من الإنسان والجان والحيوان والدواب والحشرات والجماد والنبات، فلما سجدوا لرب العالمين عاملهم معاملة العقلاء؛ لأنهم يسجدون ويسبحون؛ فلذلك قال: (من) وما قال: (ما) قال هنا: (من في السماوات ومن في الأرض)، وإن كان فيها الجمادات. قال: {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} [الحج:18] نصص على هذه لأن من الخلق من عبد الشمس من دون الله سبحانه، ومنهم من عبد القمر من دون الله، ومنهم من عبد الكواكب من دون الله، فقال: {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} [الحج:18] كل هذه تسجد لرب العالمين مطيعة له سبحانه تبارك وتعالى. قال: {وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ} [الحج:18] الجبل يسجد لرب العالمين، والكافر يأخذ حجراً من الجبل يعبده من دون الله سبحانه! والشجر يسجد لرب العالمين، وذاك يأتي بشجرة يغطيها ويعبدها ويقول: هذه الإله من دون الله سبحانه تبارك وتعالى! فهذه الكائنات كلها أعقل من الكافر الذي لا يعبد ربه سبحانه. قال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج:18] كل ما يدب على الأرض وكثير من الناس، كثيرون منهم، وأما الأكثر فكما قال الله: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، فالأقل المؤمنون، والأكثر الكفرة، فالمؤمنون كثيرون وهم يعبدون الله ويسجدون له سبحانه، وغيرهم حق عليهم العذاب، وهم الأكثر الذين عبدوا غير الله سبحانه.
معنى قوله تعالى (ومن يهن الله فما له من مكرم)
معنى قوله تعالى (ومن يهن الله فما له من مكرم) قال الله تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18] إذا أهان الله خلقاً من خلقه فمن يكرم هذا الخلق؟ من أمر الله عز وجل به إلى النار لا أحد ينجيه من غضب الله الجبار، من أمر الله عز وجل به أن يعذب وأن يهان فمن يقدر يرفع عنه ذلك؟ من يهنه الله سبحانه فلن تجد من يكرمه. وأي أهانة أعظم من أن يدخله الله جهنم، فإذا سألوا ربهم العفو وإذا سألوا ربهم الخروج، عاملهم معاملة الكلاب فقال: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، وهذه كلمة تقال زجراً للكلب، وتقال لأهل النار والعياذ بالله. {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18]، لما ذكر الله أن من يهن الله فما له من مكرم، فالإنسان ليس له أن يقول أي كلمة يوم القيامة، ليس لك شيء عند رب العالمين سبحانه، ليس لك إلا عملك، فإذا صلح العمل أصلح الله حالك، وأصلح طريقك إلى الجنة، وإذا فسد العمل كان الإنسان في النار والعياذ بالله، والله يفعل ما يشاء سبحانه تبارك وتعالى ولا اعتراض على فعله، ومن يعترض فماذا ينفعه هذا الاعتراض على رب العالمين، فقد قال: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]، فإذا اعترض فله نار جهنم وله الهوان يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال سبحانه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج:19] المؤمنون والكفار، والعبرة بعموم اللفظ وإن كان سبب النزول سبب خاص. يذكر الإمام البخاري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، هؤلاء فريق مع فريق آخر من الكفار وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وذلك في يوم بدر حين خرج هؤلاء الكفار وطلبوا من المؤمنين من يخرج إليهم للمبارزة، فخرج إليهم من المؤمنين علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وكلهم من آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه، فاقتتلوا فجرح عبيدة بن الحارث وقتل الثلاثة الكفار لعنة الله عليهم، قال علي بن أبي طالب: أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة، ويذكر أن هذه الآية نزلت في هذا الفريق من المؤمنين، وهذا الفريق من الكفار، والعبرة بعموم اللفظ، فهي نزلت فيهم وفي غيرهم من كل من خاصم من الكفار، فيوم القيامة يفصل الله عز وجل بينهم. قال الله: {هَذَانِ خَصْمَانِ} [الحج:19] هذا فريق من المؤمنين اختصم مع فريق من الكفار، والخصومة في من هو المعبود الحق؟ وما هو الدين الحق؟ والكفار تعصبوا لرأيهم، ولم ينظروا بعقولهم إلى هذا الدين الحق الذي جاء من عند رب العالمين، فيوم القيامة يفصل الله ويقضي بينهم.
صور من عذاب النار
صور من عذاب النار قال الله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:19 - 20]. الكفار في الدنيا علوا واستكبروا ورفضوا دين الله سبحانه، وجادلوا بالباطل، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} [القصص:39]، فإذا جمعهم الله يوم القيامة يكون مصيرهم كما قال الله: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج:19]. قطعت لهم كما يفصل للإنسان ثوب من القماش على مقاسه، فهم فصلت لهم ثياب من نار جهنم على قدر أحجامهم يوم القيامة. قال الله: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج:19] الحميم السائل الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، ولا يقاس به سائل في الدنيا أبداً، وأصل الحميم الماء الساخن، ولكن لن يجدوا مثل هذا الماء في نار جهنم، وإنما سوائل ساخنة ملتهبة بقدر عظمة النار وشدة لهيبها، وهذا الحميم يحصل به أنه يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولو أن إنساناً انصب عليه ماء مغلي في الدنيا فإنه يحرق الجلد الخارجي منه، أما هذا يصب من فوق الرأس فيصهر ما بداخل الإنسان {يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:20]، يصهر به ما في بطونهم من أمعاء ومن معدة وغيرها والعياذ بالله! يصهر يعني يذاب ما في بطونهم والجلود من الداخل والخارج، وبدأ بالداخل لأنه غير متوقع، فالعادة أن الشيء الحار يحرق الإنسان من الخارج، أما من الداخل فلا يحرقه، لكن هذا يكون يوم القيامة والعياذ بالله. ومع هذا لا يموتون، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]، عذاب لا يرفع عن هؤلاء والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد)
تفسير قوله تعالى: (ولهم مقامع من حديد) قال الله تعالى: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} [الحج:21] المقامع جمع مقمعة، وهي آلة من حديد يساق بها الفيل، وهي معكوفة الرأس، يضرب بها على الفيل من أجل أن يمشي، فهؤلاء في نار جهنم يعاملون معاملة الحيوان، فيضربون بهذه المقامع، وكأنها مرزبة من حديد يضرب بها هذا الإنسان على رأسه، كلما أرادوا أن يخرجوا من نار جنهم يعادون فيها مرة أخرى، ولهم مقامع من حديد، قالوا: والمقامع أيضاً السياط، وأصلها من أقمعت الرجل بمعنى ضربته حتى أذل وأهين بهذا الضرب.
تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها)
تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها) قال سبحانه: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا} [الحج:22] يريدون أن يفروا من النار، وتأتي عليهم النار مثل أمواج البحر، ترفعهم إلى أعلاها فيظنون أنه يمكن أن يهربوا من أعلى النار، فإذا ارتفعوا إذا بالملائكة تضربهم على رءوسهم بهذه المقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من النار من شدة غمهم أعيدوا فيها بهذا الضرب المخزي ويقال لهم: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج:22] ذوقوا هذا العذاب خالدين فيه أبداً، ويقال: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران:182]. والإنسان المؤمن عندما يستشعر ذلك، ويدخل قلبه الإيمان؛ يخاف من رب العالمين، ويخاف من هذا اليوم، وما يؤمنه أنه يدخل النار وقد قال الله سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم:71]؟! فهذه آيات مهولة مخيفة تزعج الإنسان وتجعله يخاف من رب العالمين، والمطلوب هو الخوف من الله، الخوف الذي يدفع الإنسان لطاعة الله سبحانه، ويمنعه من المعصية. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على طاعته، وأن يجنبنا معصيته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [23 - 24]
تفسير سورة الحج [23 - 24] وعد الله المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وأنه سوف يحليهم فيها بأنواع الحلي من ذهب ولؤلؤ، ويلبسهم من الحرير، والفضل والمنة لله إذ هداهم في الدنيا إلى الطيب من القول، وهداهم إلى صراطه المستقيم، فله الحمد كله، فهو الحميد في أسمائه وصفاته وأفعاله.
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:23 - 24]. لما أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى عن حال أهل النار وكيف أن الله سبحانه تبارك وتعالى يعذبهم العذاب الأليم فقال: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ} [الحج:19 - 20]، فذكر ما يكونون فيه من عذاب مقيم؛ فقد استكبر الكفار في الدنيا ورفضوا قبول الحق الذي جاء من عند رب العالمين، وتجبروا على الخلق فاستحقوا نار جهنم؛ ولذلك جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتجت الجنة والنار فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني الضعفاء والمساكين، فقضى الله عز وجل بينهما فقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها) يعني الله سبحانه تبارك وتعالى وعد أن يملأ هذه ويملأ هذه، فالنار مكان المتكبرين فهذا عذابهم، يصب من فوق رءوسهم الحميم، وتقطع لهم ثياب من نار، ويصهر بهذا الحميم ما في بطونهم والجلود، ويذكر في الآية الأخرى أنه يأمر بالكافر أن يسلك في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً كما قال: {فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة:32]، فالإنسان الكافر في نار جهنم يكون كاللحم المشوي في السيخ، وكما يقال: سلكت الخرز في الخيط بمعنى أدخل الخيط في جوف الخرز، وكذلك الكافر يؤتى بسلسلة طولها سبعون ذراعاً على قدر طول هذا الإنسان وأكثر فيسلك فيها فتدخل من فيه وتخرج من دبره، ويعلق في نار جهنم كالشيء المشوي! وجاء في سنن الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان) قال الترمذي: حسن صحيح، هذا حال الكافر، أما المؤمن فيقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} [الحج:23]، فربنا سبحانه وتعالى عندما يخوف الإنسان بالنار يرجي الناس بجنته حتى يتوب على من يشاء، ومن تاب تاب الله عليه وأدخله جنته. {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23]، حق على الله سبحانه تبارك وتعالى أن يدخل المؤمنين بفضله وبرحمته جنات تجري من تحتها الأنهار بشرط أن يكونوا آمنوا وأن يكونوا عملوا الصالحات، والإيمان ليس هو مجرد قول باللسان، ولا يقين في القلب، ولكن لابد من العمل الصالح. قال: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ} [الحج:23] أي: بساتين عظيمة {تَجْرِي} [الحج:23] أي: تجري في أرضها الأنهار، وهي أنهار من ماء وأنهار من عسل وأنهار من خمر وأنهار من لبن. قال: {يُحَلَّوْنَ} [الحج:23] أي هؤلاء أهل الجنة يحليهم ويزينهم ربهم سبحانه بما تركوه في الدنيا تواضعاً لرب العالمين سبحانه. {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الحج:23] فهم ملوك في الجنة. والأساور جمع أسورة، وهو ما يزين به المعصم، تتزين به النساء، وقد يتزين به ملوك الكفار في الدنيا، فربنا سبحانه وتعالى يحلي أهل الجنة، بهذه الأساور، وهي أساور من ذهب وأساور من لؤلؤ وأساور من فضة، فذكر هذا هنا في سورة الحج، وقال في سورة فاطر: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [فاطر:33]، وقال في سورة الإنسان: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان:21]، فهذه من أنواع الحلي التي يلبسها أهل الجنة. وهنا في هذه الآية قال سبحانه: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [الحج:23] ولؤلؤاً بالنصب قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها بالجر (ولؤلؤٍ)، والمعنى يحلون فيها من أساور من ذهب، ويحلون لؤلؤاً على النصب، وعلى الجر المعنى: يحلون فيها من أساور هذه الأساور من ذهب ومن اللؤلؤ. وهؤلاء الذين يقرءونها بالجر وبالنصب لهم وجهان في الهمز، فيقرأ أبو جعفر وشعبة عن عاصم (ولولؤاً)، ولـ أبي عمرو في الهمزة الأولى وحمزة (ولولؤ) على خلاف بين حمزة وهشام في الهمزة الثانية، فيقرآنها في الوقف: (ولولو)، وإن كان هشام ليس له في الأولى إلا الهمز.
معنى قوله تعالى: (ولباسهم فيها حرير)
معنى قوله تعالى: (ولباسهم فيها حرير) قال سبحانه تبارك وتعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23] لباس أهل الجنة فيها الحرير، وهو أرفع ما يتحلى به الإنسان في الدنيا، وهو نتاج دودة القز، هذا هو الحرير الطبيعي في الدنيا، أما الحرير الصناعي فلا يحرم، وإنما التحريم للرجال في الحرير الطبيعي، وقد جعله الله عز وجل لأهل الجنة، وجاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من يلبس الحرير في الدنيا أو الذهب في الدنيا أو يشرب الخمر في الدنيا يحرم من ذلك يوم القيامة)، والعلماء اختلفوا في معنى يحرم عليه يوم القيامة، هل هو بمعنى أنه يدخل النار؟ لاشك أنه يدخل النار إذا مات على ذلك ولم يتب منه، فيدخله الله عز وجل النار، فإذا دخل الجنة هل يصير محروماً من ذلك؟ هذا محتمل، وقد رجح الإمام القرطبي في التفسير أنه يحرم منه فيدخل النار ويعذب، فإذا خرج من النار ودخل الجنة يحرم من ذلك أيضاً! وهذا يجعل المؤمن يخاف من هذه المحرمات، مثل أن يلبس خاتم ذهب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في إصبعه!)، وفي الحديث الذي رواه الحاكم وابن عساكر من حديث أبي هريرة وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب فيها في الآخرة)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة) يعني الذي يريد أن يقلد في الدنيا أهل الجنة يحرم من ذلك يوم القيامة سواء بمعنى أنه يدخل النار فيحرم منها أو إذا دخل الجنة حرمه الله عز وجل من ذلك على خلاف بين العلماء في حرمانه منها إذا دخل الجنة، فالبعض يقول: من دخل الجنة لا يحرم من شيء، والبعض يقول: الجنة درجات، فرجل في درجة عالية، والثاني في درجة دونه، ولا يتمنى ما عند غيره، ويرى أنه في مكان عظيم، ولكنه محروم مما هو أعلى منه، والله عز وجل يجعله يرضى بذلك، وكذلك الذي كان يلبس الحرير لا يشتهيه في الجنة، فهو محروم منه، ولكن غيره يراه أنه قد حرم مما يتمتعون به في الجنة، والله أعلم.
تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول)
تفسير قوله تعالى: (وهدوا إلى الطيب من القول) قال الله عن أهل الجنة: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:24] الله العظيم هو الذي هداهم إلى أن نطقوا بالطيب من القول، والطيب من القول هو قول لا إله إلا الله، وأطيب القول وأعظم القول كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى، فهدى الله عز وجل المؤمنين لقراءة كتاب الله وحفظ كلام رب العالمين سبحانه، وأن يقولوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وأمرهم به من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير وغير ذلك من الأذكار، فهداهم الله للكلام الطيب من أمر بمعروف ونهي عن منكر، والصلاة وغير ذلك من ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى. ففي الدنيا هداهم إلى الطيب من القول، وأيضاً هداهم إلى البشارات الحسنة، فبشرهم الله عز وجل بما جاء في كتابه سبحانه وما جاء في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبشرهم برؤى منامية يرونها فيستبشرون بذلك من طيب القول. وهدوا أيضاً إلى صراط الحميد في الآخرة، فيهديهم الله عز وجل إلى الصراط المستقيم فيمرون على الصراط سريعاً، ويدخلون جنة رب العالمين نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم. قال: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج:24] قالوا: يعني إلى طريق الجنة، فهداهم الله في الدنيا بالعمل وبالقول الصالح، وكذلك في الآخرة هداهم إلى طريق الجنة ولم يضلهم عنه.
نعيم أهل الجنة
نعيم أهل الجنة أهل الجنة يمتعون كما في قوله سبحانه: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23]، ومن أين تجيء هذه الثياب؟ في الجنة أشجار تنبت لهم الثياب، ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبري في تفسيره وابن حبان وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها)، فربنا بكرمه وبفضله لا يحوجهم إلى أن كل واحد يفصل له الثياب، بل تخرج لهم الثياب من شجرة في الجنة مسيرة فروعها وظلها مائة عام، فينتقي ما يشاء ويلبس ما يريد، وفضل الله عظيم سبحانه تبارك وتعالى. وجاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟!)، وكل واحد يظن أنه قد أعطي ما لم يعط أحد من أهل الجنة، وهذا من فضل الله سبحانه تبارك وتعالى، ففي الدنيا كل إنسان يعطيه الله عز وجل شيئاً يكون في قلبه النظر والتشوف إلى غيره سواء حسده أو لم يحسده، فيرى غيره أفضل منه مكانة، ويتمنى مكانة ذلك، ولكن أهل الجنة كل رضي بمنزلته، فيرون من هو أعظم منهم فيغبطونه على ما هو فيه من نعيم عظيم ولكن يرضون بما هم فيه من النعيم. (فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال سبحانه: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً) فهذا أعظم ما يعطاه أهل الجنة، فقد يعطى الإنسان نعيماً ولكن يخاف أن الله يغضب عليه، ويخاف أن يحرم من ذلك، ولكن إذا أمنه الله وأعطاه الأمان وأنه لن يغضب عليه أبداً تمت النعمة. وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) فذلك قول الله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف:43]، وقال: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ} [الزخرف:72 - 73].
أهل الجنة وأهل النار
أهل الجنة وأهل النار في صحيح مسلم ومسند أحمد من حديث عياض بن حمار وهو حديث طويل وفي آخره قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأهل الجنة ثلاثة) يعني ثلاثة أصناف، قال: (ذو سلطان مقصد) أي: كان له سلطان وملك وسلطة على من تحته ويعدل في ذلك، فيتصدق على عباد الله، ويوفقه الله عز وجل لطاعة الله عز وجل وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من أهل الجنة. قال: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم) فهذا من أهل الجنة، ملأ الله عز وجل قلبه رحمه لقرابته، فهو رحيم بالمؤمنين عكس الإنسان القاسي الغليظ القلب، فأهل الجنة الرحماء، وجاء في الحديث: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). قال: (وعفيف متعفف ذو عيال) من أهل الجنة رجل عفيف لا يسأل الناس شيئاً، وهو متعفف عما في أيدي الناس، لا ينظر إليهم ولا يحسدهم فيما أعطاهم الله عز وجل، وإن كان ذا عيال كثير، فهو عفيف قنوع راض بما أعطاه سبحانه تبارك وتعالى، وهذا المفلح الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أفلح من رزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه) كفافاً أي على قدره، وقنعه الله بما آتاه، هؤلاء الثلاثة من أهل الجنة. ثم ذكر أهل النار في الحديث نفسه فقال: (وأهل النار خمسة) يعني أهل النار خمسة أصناف، منهم (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني إمعات الناس، ليس عندهم عقول، فهم تافهون يمشي أحدهم بين الناس همه أن يضحك مع الناس، ولا يهمه أمر دين، يعيش للدنيا غير ملتفت للدين، لا إلى صلاة ولا إلى صوم ولا إلى عبادة ربه سبحانه، فهذا إنسان لا عقل له ويلحق بالبهائم. قال صلى الله عليه وسلم: (لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) غير مسئول عن أحد، فهو إنسان غبي أحمق لا يفكر، ولو كان له الولد يموت فإنه يدعو له ابنه، أو يعيش فيعمل ابنه العمل الصالح فيؤجر على هذا العمل الصالح، ولا يزال يؤجر من أعمال ذريته لأنه كان سبباً في وجودهم، لكن هذا لا زبر له، أي ليس له عقل، فهو فرح لأنه يعيش لوحده، ينافق ويداهن ويأكل من باب الحلال وبالحرام، ليس على باله جنة ولا نار، فهؤلاء لا زبر لهم أي لا عقول لهم تردعهم عن منكراتهم. قال: (الذين هم فيكم تبع) فقنعوا بذلك (لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني لا يبتغون مالاً حلالاً، وطعامه في الدنيا من الحرام. قال: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه) خفى بمعنى ظهر يعني مجرد ما يظهر له شيء من مطامع الدنيا يسرقه ويأخذه، فالخائن من أهل النار. قال: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك) يريك أنه صديقك وحبيبك، وهو يخادعك في أهلك وفي مالك فاحذر هؤلاء. ثم ذكر البخل أو الكذب كأن الراوي شك هل الرابع البخيل أو الكذاب، فهم من أهل النار. ثم ذكر الشنظير، وهو الفاحش البذيء الذي يتكلم بالفحش، فهو من أهل النار والعياذ بالله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج الآية [25]
تفسير سورة الحج الآية [25] لقد رفع الله قدر وشأن بيته الحرام، فأضافه إلى نفسه، وذكره في كتابه، وجعل له حرمة إلى يوم القيامة، وتوعد من أراد الإلحاد في بيته الحرام بالقتال والمعاصي بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله إبراهيم ببناء بيته الحرام، ودعوة الناس إليه ليطوفوا حوله، ويقوموا بمناسك الحج والعمرة، طاعة لله وامتثالاً لأمره سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]. ذكر الله تعالى في كتابه الكريم المسجد الحرام، وأنه جعله للناس سواء العاكف فيه والباد، فالناس يستوون في أمر المسجد الحرام، وليس أحد أحق من أحد بشيء فيه، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، سواء في المسجد الحرام أو في المناسك في الحج أو في العمرة، حتى ينتقل من هذا المكان، والكل سواء في تعظيم الحرمة وقضاء النسك، ويستوي في ذلك الحاضر الذي هو موجود، أو الباد وهو الذي يأتي من البادية أو القرى، أو يأتي من مكان بعيد إلى هذا البيت الحرام. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25]، خبر (إن) في هذه الآية مقدم وتقديره: لهم عذاب أليم، أو: إن الذين كفروا قد خسروا خسراناً مبيناً، ويلاحظ أن الله لم يذكر الخبر في هذه الآية هنا فقد قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج:25]، أي: جزاء الذي يفعل ذلك العذاب من الله عز وجل وهو معلوم، فاكتفى بذكر ذلك ولم يذكر الخبر؛ لأنه معلوم.
فضل البيت الحرام
فضل البيت الحرام ذكر الله عن المسجد الحرام أنه مسجد وأنه حرام، فهو أعظم بيوت الله سبحانه وتعالى وهو مكان السجود، فيسجد فيه المؤمن لله عز وجل مطيعاً له، عابداً له، يذل نفسه في عبادة ربه سبحانه. وهذا المسجد يحرم على الناس أن يلحدوا فيه، ويحرم عليهم أن يعصوا ربهم سبحانه وتعالى فيه، وهو أعظم المساجد، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة في غيره من المساجد، فأجره عظيم، ولذلك فالذي يلحد فيه ذنبه عظيم.
خطر الاستهانة بالبيت الحرام
خطر الاستهانة بالبيت الحرام قال سبحانه وتعالى: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ} [الحج:25]، قوله: (ومن يرد) أي: أصبح يريد، وجزمت كلمة يرد هنا بحذف حرف العلة، {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]، أي: من يريد في المسجد الحرام أن يلحد فيه ظالماً، والإلحاد: هو الميل والزيغ والبعد عن الحق. ومن صور الذي يلحد في المسجد الحرام أن يظلم نفسه ويظلم غيره، أو يقع في الشرك بالله سبحانه، أو في الكبائر والفواحش والذنوب، فالله عز وجل يتوعد هذا الملحد بالعذاب الأليم، حيث قال: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]. وجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة)، يعني: أبغض العصاة إلى الله رب العالمين ثلاثة، (ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، فهؤلاء أبغض الناس إلى الله سبحانه وتعالى، وأبغض العصاة: هو من يلحد في الحرم، يعني: يقع في الفواحش، أو يقع في كبائر الذنوب، أو يريد الظلم فيه، وكذلك الإنسان الذي يشرك بالله سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم أبغض الناس إلى الله عز وجل. وقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية) أي: بعد أن دخل في الإسلام عاد يعمل ما كان يعمله أهل الجاهلية ويعتقدونه من شرك، وكهانة، وعرافة، وسحر، وأشياء كانوا يفعلونها في الجاهلية، فكذلك الذي يريد أن يرجع إلى دعوى الجاهلية، ويتعصب بعصبية الجاهلية، ويدعي دعوى الجاهلية، فهو من أبغض الناس إلى الله عز وجل. وذلك أن من سنن الجاهلية أن الإنسان إذا قتل إنساناً أتى أهل القتيل فقتلوا القاتل، وقتلوا معه من هو أعظم منه من قبيلته، فيأخذون بدم الواحد دماء أناس مظلومين لم يفعلوا شيئاً، ولعلهم يتركون القاتل احتقاراً له ويقتلون أكبر رجل في قبيلته، إذ لعلهم يحتقرون القاتل ويقتلون زعيم القبيلة مثلاً، فهذا هو الذي يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وما كان يصنعه أهل الجاهلية من محاسبة غير الظالم، فيأخذون مظلوماً بذنب إنسان ظالم. قال: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريقه)، وهو الذي يقتل إنساناً من غير حق أو سبب، أو هو من يقتل غير القاتل، أو يقتل الإنسان المظلوم. فهؤلاء أبغض الناس إلى الله عز وجل، ولهم العذاب الأليم عند الله رب العالمين سبحانه.
ذكر أقوال الصحابة في معنى الإلحاد
ذكر أقوال الصحابة في معنى الإلحاد قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج:25] قلنا: الإلحاد: هو الزيغ والميل عن طاعة الله سبحانه، والدخول في المعاصي وأعظمها الشرك بالله سبحانه، وجاء عن الصحابة في تفسير (من يرد فيه بإلحاد) تفسيرات كلها تعود لهذا المعنى، فيقول ابن عباس رضي الله عنه: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج:25] قال: الشرك، وهذا نوع من أنواع الإلحاد في البيت الحرام، والشرك سواء في المسجد الحرام أم في غيره فهو لا يغفره الله عز وجل إلا أن يتوب العبد ويراجع التوحيد، فالذي يذهب للمسجد الحرام ويدعو غير الله عز وجل يستحق هذه العقوبة الشديدة. قال عطاء: الشرك والقتل، يعني: الذي يلحد في الحرم هو الذي يقتل مظلوماً أو يشرك بالله عز وجل، وقيل: بل معناه صيد الحمام، وقطع شجر الحرم، ودخول الإنسان غير محرم، وهذه كلها من المعاصي التي قد يفعلها الإنسان، فيذهب مسافراً إلى مكة ثم يدخل الحرم بغير حج ولا عمرة، وكأنه يستهين بهذا المكان الذي شرفه الله سبحانه وعظمه، ولا يرى عليه لله عز وجل حقاً أن يدخل هذا المكان محرماً. ومثله الذي يستهين فيصيد حمام الحرم أو يقطع شجرة مستهيناً بالعقوبة في ذلك المكان، فصيد الحمام وقطع الشجر في ذلك المكان من الإلحاد بظلم، فكيف بالإنسان الذي يظلم أخاه المؤمن؟! قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان: لا والله، وبلى والله. فكلام ابن عمر يدل على أنه بمعنى اللغو في الكلام، فالمقام العظيم في المسجد الحرام يمنع الإنسان أن يتكلم باللغو أو بغير ما ينبغي عليه. ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنه يجعل لنفسه فسطاطين، أي: خيمتين، خيمة في الحل وخيمة في الحرم، فإذا أراد أن يأتي أهله ويتكلم معهم في أمور الدنيا ذهب إلى الخيمة التي في الحل، وإذا أراد العبادة ذهب إلى الحرم، ولا يخلط بين هذه وتلك، وهذا من ورع ابن عمر رضي الله عنه. ومثله أيضاً عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث كان له فسطاطان: أحدهما في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، وإذا أحب أن يؤدب عياله أدبهم في الخيمة التي في الحل، وإذا أراد أن يصلي صلى في خيمة الحرم، فقيل له: لماذا تفعل هذا الشيء؟ فقال عبد الله بن عمرو: إنا كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول: كلا والله، وبلى والله، يعني: المنازعة في الكلام، فخاف عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم من الوقوع في ذلك في الحرم.
الأدلة على أن الهم بالسيئة والعزم عليها سيئة وإن لم يعلمها
الأدلة على أن الهم بالسيئة والعزم عليها سيئة وإن لم يعلمها قال العلماء: المعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات، فالحسنات تكون عظيمة ومضاعفة، وكذلك السيئات، ومن ذلك ما ذكره الله عز وجل بقوله: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ} [الحج:25]، وليس الوعيد على الذي يفعل فقط، بل الذي يريد أن يفعل الإلحاد في الحرم، فالله عز وجل يذيقه من عذاب أليم. وهنا يقول العلماء: هناك فرق بين الخاطر في رأس الإنسان ثم يكف عن ذلك ولا يفعل، وبين أنه يريد أن يفعل الخطأ ويعزم عليه ثم يقدم فيمنعه قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، فالذي يهم ثم يمتنع لأنه يخاف من الله فهذا تكتب له السيئة حسنة، وقد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى. ففي الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك) أي: بين الله عز وجل ذلك، يقول: (فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإذا هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)، وانظر إلى قوله: (هم بسيئة ولم يعملها) أي: لم يعملها خوفاً من الله عز وجل، وهنا فرق بين أنه امتنع من السيئة لأنه خاف من الله سبحانه فتكتب له حسنة كاملة، وبين أنه امتنع منها لعجزه فتحسر على كونه لم يفعلها، فهذا يؤاخذ على هذا الهم وعلى الإرادة بالفعل، فقال هنا صلى الله عليه وسلم: (فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة). والحديث هذا ذكر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه، وكان اللفظ المسوق هنا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن جاء في رواية أخرى في صحيح البخاري أن الله عز وجل قال: (إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه -يعني يقول للملائكة- حتى يعملها). وجاء من حديث أبي هريرة: (إذا أراد أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة)، فلاحظ هنا أنه قال: (إذا ترك السيئة من أجلي) فهذا تكتب له هذه السيئة التي كاد أن يفعلها حسنة. وجاء حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن الترمذي ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً تحفظوه) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عن ثلاثة أشياء ويقسم عليهن، ويحدثنا حديثاً ويأمرنا أن نحفظ هذا الحديث صلوات الله وسلامه عليه. قال: (ما نقص مال عبد من صدقة) أي: إذا تصدقت فإن المال لا ينقص أبداً من الصدقة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتاج أن يقسم لنا فهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه. قال صلى الله عليه وسلم: (ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)، بمعنى: أن أي إنسان بدأ يفتح على نفسه باب السؤال ويمد يده للناس، فإن الله عز وجل يفتح عليه باب الفقر، حتى وإن جمع أموالاً كثيرة وكنزها من سؤال الناس، إذ يملأ الله قلبه فقراً، فلا يزال يشعر بالفقر عمره أبداً، حتى يأخذه الله سبحانه وتعالى. قال صلى الله عليه وسلم: (ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً)، أي: ما من عبد يظلم مظلمة ويعفو عنها ويصبر إلا فتح الله له باب عز، وزاده عزاً إلى عزه سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وأحدثكم حديثاً تحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر) أي: يعيش فيها أربع أصناف من الناس، قال: (عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل) أي: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فبعلمه يعمل في ماله فيتقي ربه في هذا المال، ويصل به رحمه بهذا المال، ويعلم لله فيه حقه من زكاة ونحوها، فهذا بأفضل المنازل؛ إذ جمع الله له علماً ومالاً وطاعة لله. قال: (وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء) أي: أن هذا الفقير لم يؤت مالاً، ولكن تمنى أن يؤتيه الله عز وجل مالاً فيعمل كهذا. الرجل الأول صاحب العلم والمال والتقوى، فأجرهما سواء. قال: (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله تعالى فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل)، وهذا رجل جاهل ليس على علم، ومعه مال كثير يسرف به، فلا يترك شيئاً من حرام إلا وبذل فيه هذا المال، فهو يصرف ماله في كل شيء، ويريد بذلك أن يحصل على الدنيا، ويستمتع فيها، فبجهله يظن أن الأولى والأخرى هي هذه الدنيا، فلذلك ينفق ماله في الملاذ والحرام ولا يهمه شيء، فليس عنده علم، وليس عنده ورع يمنعه من معصية الله عز وجل، فهذا بأخبث المنازل وشرها وهي نار جهنم والعياذ بالله. قال: (وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً)، وهذا جاهل آخر لكنه فقير (فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته ووزرهما سواء)، فالعلم يشرف بأهله، والجهل قبيح بأهله، وانظر إلى الإنسان العالم الذي عرف لله حقه، فلما أعطاه المال عمل بطاعة الله في هذا المال، فلما منعه صبر على هذا الأمر وتمنى الخير، فالتمني تجارة مع الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل هو الذي منعه من المال، وعلم الله أنه لو أعطاه المال لعمل كهذا الذي عمله، فمنعه المال وأعطاه الأجر، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى، بل ويجعل الإنسان الفقير يوم القيامة يدخل الجنة قبل الغني بخمسمائة عام، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه تبارك وتعالى. وهذا الرجل الرابع رجل مسكين، حرمه الله عز وجل المال في الدنيا وهو جاهل، فبجهله لم ينظر إلى أمر الله عز وجل وطاعته، وإنما نظر إلى الدنيا، ونظر إلى مال ذاك الإنسان الجاهل، فلقد أتعب نفسه بنفسه، وأشقى نفسه بعقله وبجهله، فهو ينظر إلى الدنيا أنها كل شيء، ويتمنى أن معه مالاً فيعمل به كذا وكذا من المعاصي، فهو يتمنى المعاصي، والله يكتب عليه السيئات بتمنيه لهذه المعاصي، فهو بأخبث المنازل عند الله عز وجل كهذا الإنسان الجاهل صاحب المال. فهذا هو الفرق بين من خطر بباله أنه يفعل معصية ثم تراجع عن ذلك خوفاً من الله؛ فتكتب له حسنة، وبين من أراد فعل معصية ثم لم يفعلها ونسي أمرها، فهذا لا حسنة له ولا سيئة، وآخر أراد فعل معصية ومنع من هذه المعصية، فإذا به يتحسر على فوات هذه المعصية، كمن أراد أن يسرق شيئاً فوجد الباب مقفلاً، فرجع حزيناً، وصار يتمنى معرفته لفتح الأقفال، فالتمني موجود في قلبه، ولو تمكن لفعل، فهذا كالذي يفعله. ومن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقالوا هذا القاتل، فما بال المقتول؟! فقال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه). فحرصه على قتل صاحبه وإن كان لم يقتله جعله في النار مع صاحبه القاتل. فهذا مما يؤيد أن الإصرار على المعصية معصية، ومن ذلك قول الله سبحانه: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135]، فالمؤمنون إذا حدثتهم أنفسهم بالفاحشة أو المعصية تراجعوا خوفاً من الله عز وجل، ولم يصروا على هذا الأمر، وسواء فعلوا أو لم يفعلوا فالله عز وجل يعفوا ويغفر لهم. ومن ذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:19]، فهؤلاء أحبوا ولم يعملوا، فهم يحبون بقلوبهم أن تنتشر الفواحش بين الناس، ومع ذلك لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف إذا فعلوا وأباحوا الفواحش للناس؟! ومن ذلك قول الله عز وجل: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12]، والظن هو فعل العقل، فالإنسان يفكر في الشيء بعقله، ولم يحقق شيئاً من ذلك، فقال الله عز وجل: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات:12]، فإن الظن منه الكثير ومنه القليل، والقليل من الظن غالباً يكون في الخير، والكثير منه يكون ظن سوء، وعلينا أن نجتنب هذا الظن السيء، فإذا رأيت من أخيك شيئاً فاحمله على المحمل الحسن، فإذا لم تفعل وظننت ظن السوء فإن الله يقول: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات:12] أي: إن بعضاً من هذا الظن الذي ظننته في أخيك تأثم عليه وتعاقب عليه عند الله عز وجل. والغرض من هذا كله بيان ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أن الإنسان إذا هم بسيئة كتبت عليه هذه السيئة إن كان همه بعزم، ويعلم الله عز وجل أنه لو تركه في ذلك لأتى الفاحشة وفعلها. ولذلك نقول: قول الله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج:25] يدل على عظمة الحرم وقدره، فالإنسان الذي يفعل المعصية فيه يأثم إثماً عظيماً، والذي يريد أن يفعل المعصية ويعلم الله عز وجل من قلبه أنه يريد فعلها ويصر عليها فهذا داخل في قوله تعالى: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، فقيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات). والحديث نفسه رواه أبو داود وذكره عن عبيد بن عمير
تفسير سورة الحج (تابع) الآية [25]
تفسير سورة الحج (تابع) الآية [25] ذكر الله تعالى أن المسجد الحرام يستوي فيه الحاضر والبادي، فلا فضل لأحد منا على الآخر إلا بالتقوى، وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الحرام هنا، واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإيجارها، ومعرفة هذا الخلاف من المهمات.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن الكفار الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، ثم نتطرق بعد ذلك للمسجد الحرام ومناسك الحج، وكيف أنه أمر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يؤذن في الناس بالحج ليأتوا بيت الله الحرام يحجون مطيعين لله رب العالمين خاشعين مخبتين. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج:25]، هنا ذكر الذين كفروا ووصفهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، وجوابه خبر محذوف مقدر، كأنه يقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج:25]، هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام قد خسروا الخسران المبين، قد أهلكهم الله وجعلهم في خسار، فكأن الخبر محذوف ومقدر، ومعلوم أنهم قد خسروا الدنيا والآخرة بهذا الذي فعلوا. فهم كفروا بالله سبحانه وتعالى وصدوا عن المسجد الحرام، ولم يزالوا على ذلك بهذا الصد عن بيت الله الحرام، وقلنا: إن هذه السورة فيها المكي وفيها المدني، وهنا صدوا عن المسجد الحرام، أي: صدوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في عام الحديبية، وهذه الآية مدنية، وهي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الحج:25]، وكانت الحديبية في سنة ست للهجرة في ذي القعدة، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً ومعه أصحابه، فلما وصلوا إلى هذا المكان عند ماء الحديبية إذا بالكفار يتحزبون عليهم ويمنعونهم من دخول الحرم. فأخبر الله عز وجل عن هؤلاء الكفار الذين صدوا عن سبيل الله، وهنا أخبر بالفعل المضارع {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ} [الحج:25]، فكأنها ليست المرة الوحيدة التي صدوا فيها عن سبيل الله، وإن كانت أشهر المرات التي صدوا فيها ما حدث في يوم الحديبية، حيث صدوا المؤمنين، وكانوا ألفاً وأربعمائة مع النبي صلى الله عليه وسلم أو ألفاً وخمسمائة. فمنعوهم من دخول الحرم ومنعوهم من العمرة، وهذا فعل قبيح من هؤلاء الذين كانوا في الجاهلية لا يمنعون أحداً يأتي البيت، فإذا بهم يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الاعتمار، ويرجع النبي صلى الله عليه وسلم بغير عمرة في هذا العام، ويقاضي الكفار فيحدث بينهم الاتفاق على أنه يرجع ويأتي في العام القادم، ففعل الكفار كان فيه الوبال عليهم، وكان فيه التعجيل بالعقوبة وبهزيمتهم، حيث صدوا عن المسجد الحرام، وعادة الله سبحانه وتعالى في كل إنسان يصد عن الحرم، ويمنع المؤمنين من عبادة ربهم سبحانه وإتيان بيت الله الحرام أن يقهرهم ويذلهم، ونظرنا ماذا عمل في أبرهة وجنوده لما حاولوا هدم الكعبة فأرسل الله عليهم طيراً أبابيل ترميهم، قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:3 - 5]. وانظر إلى جهد النبي صلى الله عليه وسلم كيف جاهد هؤلاء ودعاهم إلى الله سبحانه وتعالى، وكانت بينه وبينهم المواقف حتى صدوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه عن الاعتمار، فكانت الهزيمة عليهم بعدها بعامين في فتح مكة، وكان الفتح في رمضان في العام التاسع، والحديبية في ذي القعدة من العام السادس، وعمرة القضاء في العام السابع، فكان صلح الحديبية وما حدث فيها فتحاً من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وإن كان ظاهرها الهزيمة، ومن العجب أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرجعه من الحديبية أنزل الله عز وجل عليه سورة الفتح وفيها: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]. فالمسلمون راجعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فهم في غاية الكآبة والحزن والشعور بالهزيمة والمرارة، فقد وصلوا إلى قرب الكعبة ولم يدخلوا، ورجعوا بشروط مجحفة فرضها عليهم الكفار؛ وأنزل الله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، فإذا بـ عمر يتعجب ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هذا؟! وفعلاً كان فتحاً عظيماً من الله عز وجل، إذ كان من شروط صلح الحديبية أن الكفار قالوا: من أتاك منا مسلماً ترجعه إلينا، والذي يأتي إلينا من عندك مرتداً كافراً لا يرجع إليك، وأن ترجع هذا العام ولا تدخل مكة إلا في العام المقبل، والنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه جاءوا من المدينة إلى مكة منهم الماشي على رجليه، ومنهم من يركب على جمل، وأخذوا أياماً وليالي حتى وصلوا إلى هنالك، فلما كان بينهم وبين الكعبة ساعات إذا بهم يردونهم ويرجع النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه! فالكفار لما استكبروا وعلوا في مكان ينبغي على كل إنسان أن يتواضع فيه لله سبحانه وتعالى، إذا بالله يذلهم بعده بعامين، وتفتح هذه البلدة، وكل منهم يهرب إلى بيته، ولا يقدرون على مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه، ولم يخرج إلا النساء يضربن الخيول بالخمر، ولذلك قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: يبارين الأعنة مسرجات تثير النقع مطلعها كداء عدمنا خيلنا إن لم تروها تلطمن بالخمر النساءُ هذا حسان بن ثابت رضي الله عنه يقول: عدمت بنيتي إذا لم ترونا ونحن ندخل عليكم من أعلى مكان في أصعب مكان في مكة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ماذا قال حسان؟ قالوا: قال: عدمتُ بنيتي إن لم تروها تثير النقع مطلعها كداء. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من أصعب مكان في مكة) فكون الجيش يدخل من أصعب مكان معناه: الذل بل وغاية الذل لأهل البلد، إذ إن الجبال لم تمنعهم من الدخول ولا هم منعوهم، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم من المكان الذي قاله حسان رضي الله تبارك وتعالى عنه. الغرض: أنه كان الفتح من الله عز وجل بالحديبية، وقد كان فيها شروط وهدنة لمدة عشر سنوات، فلم ينتظروا سنتين حتى نقضوا العهد، فإذا بالله عز وجل يفتح للنبي صلى الله عليه وسلم هذا البلد الحرام، ويصير داراً للإيمان ويأنس إليه أهل الإيمان إلى ما شاء الله سبحانه وتعالى. ومن الحديبية إلى فتح مكة بدأ يحصل نوع من الذهاب والمجيء من الكفار، إذ كانوا يأتون إلى المدينة فيطلعون على هذا الدين فيدخلون في الدين شيئاً فشيئاً، ويسبب الله عز وجل الأسباب، فقد خرج أبو جندل وأبو بصير من عند الكفار وذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأراد النبي صلى الله عليه وسلم رد أبي جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، وفعلاً رجع أبو جندل إلى أبيه ثم هرب من عندهم ولم يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً من أن يرده مرة ثانية، وأصبح قاطع طريق في مكان بين مكة والمدينة، يقطع الطريق على الكفار حتى استجار الكفار بالنبي صلى الله عليه وسلم وراضوه بأن يأخذ كل من يأتي إليه من مكة، لفعل هذا الرجل رضي الله تبارك وتعالى عنه. ويدخل في هذين العامين في الإسلام أكثر ممن دخلوا فيه في السنوات الماضية، إذ دخل في خلال العامين من الحديبية حتى فتح مكة أضعاف من دخل خلال السنوات التسعة عشر الماضية، فقال الله عز وجل: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، فكان الفتح من الله سبحانه وتعالى، وبعد هذا في رمضان من العام الثامن فتحت مكة لما نقض الكفار عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقتلوا أناساً من خزاعة. قال الله عز وجل هنا: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج:25]، يعني: صدوا ولم يزالوا يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، يصدون الناس عن {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25]، المسجد الحرام جعله الله عز وجل للناس سواء، العاكف فيه أي: الملازم والمقيم في المسجد الحرام، أي: أهل البلد. قوله تعالى: {وَالْبَادِ} [الحج:25] أي: الذي أتى من البدو من خارج مكة، والكل سواء، لا يوجد لأحد على أحد فضل في ذلك، فالجميع يستوون في تعظيم حرمات هذا المكان وفي قضاء النسك، فليس أهل مكة أحق من غيرهم في أداء النسك، فالآتي إليهم أيضاً من حقه ذلك، ولا يمنع من أداء المناسك. قال الله سبحانه: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً} [الحج:25]، هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، (سواءً) بالنصب، والمعنى: أنه بجعلنا إياه ذلك يستوي فيه الجميع. وباقي القراء ومنهم أيضاً شعبة عن عاصم: (سواء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فعلى النصب تصير مفعولاً لجعلناه، وعلى الرفع يعني: العاكف والباد سواء في ذلك فهي خبر مقدم، فرفعت على ذلك، أي: يستوي المقيم فيه مع الذي يأتي إليه، فالجميع يعظمون هذا المكان، والجميع من حقهم أداء المناسك التي أمر الله سبحانه وتعالى بها، وليس أحد أحق من الآخر.
اختلاف العلماء في بيع دور مكة
اختلاف العلماء في بيع دور مكة كان الصحابة يعظمون هذا المكان فكان أهل مكة في أيام المناسك يفتحون دورهم للناس، ويدخل الضيف ويمكث عندهم ما شاء الله، فقد كانوا في أيام الحج وأيام العمرات يخلعون أبواب الدور، وكان عمر بن الخطاب يرى ذلك وقد يأمرهم بذلك حتى جاء رجل من المؤمنين وجعل الباب على داره، فأنكر عليه عمر رضي الله عنه فاعتذر عن ذلك بأن هؤلاء الضيوف يأتون ومعهم أمتعتهم، وقد كثرت السرقة لأمتعة الضيوف، فجعل الباب على داره ليحمي هؤلاء الضيوف الذين يأتون إلى الحرم. والراجح أن هذا ليس واجباً عليهم، فلا يجب على المقيم أن يخلع باب بيته، أو أن يدخل الضيوف عنده في البيت عنوة وقهراً عليه، ولكنهم عرفوا حق هذا المكان وحرمته وأن الناس سواء فيه، فاحترموا من يأتي إلى بيت الله الحرام، ففتحوا بيوتهم لاستقبال الحجيج والضيوف لهذا المكان العظيم. وبعض العلماء يرون أن دور مكة يستوي فيها الجميع، وهذا مذهب مالك، فقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25]، فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: مذهب مالك أنه يستوي فيه الحرم والمسجد، والدور كلها من الحرم، وهو قول ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه. القول الثاني: قول الجمهور أن المسجد الحرام هو مكان المسجد فقط، واحتج له ابن خزيمة بأنه لو كان الحرم المقصود به مكة كلها لجاز لمالك البيت أن يؤجر بيته، أو أنه يملّك هذا البيت لغيره. ويقول ابن خزيمة أيضاً: لو كان المراد من قوله تعالى: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج:25] جميع الحرم، وأن اسم المسجد الحرام واقع على جميع الحرم لما جاز حفر بئر ولا قبر، ولا التغوط ولا البول ولا إلقاء الجيف والنتن، والمعنى: أنه لو كانت مكة كلها هي المسجد الحرام إذاً: حكمها حكم المساجد لا يجوز أن يُجعل فيها مرحاض أو مكان للنجاسة، ولكن المسجد شيء وباقي الحرم شيء آخر. يقول الحافظ ابن حجر: القول بأن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله ورد عن ابن عباس وعطاء ومجاهد، وأخرجه ابن أبي حاتم وغيره عنهم، والأسانيد بذلك كلها إليهم ضعيفة، فضعف ما أسند إليهم من أن المسجد الحرام هو الحرم كله، قال: المسجد الحرام هو مكان المسجد، ومكان المسجد كلما اتسع فهو المسجد، فإذا وسع في المسجد ما دخل فيه من الحرم صار مسجداً وله حكم المسجد الحرام. وهل بيوت مكة مثل غيرها من البيوت يجوز بيعها وشراؤها وتأجيرها أم أنه يستخدم البيت إذا كان محتاجاً له ولا يجوز له أن يبيعه؟ يقول الإمام القرطبي: هذا الخلاف ينبني على أصلين، أحدهما: أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم هي للناس؟ والثاني: هل فتح مكة كان عنوة أم كان فتح مكة صلحاً؟ الراجح: أن مكة فتحت بالوجهين عنوة في أول الدخول، ثم صلحاً مع أهلها بعد ذلك، وبنى العلماء على ذلك أنها إذا فتحت عنوة فهي ملك للغانمين، وإذاً: أهلها تركهم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، لكن كنوع من المنة عليهم أن يمكثوا فيها، ولكن الأرض ليست ملكهم، إذاً: ليس من حق أحد في مكة أن يبيع داره، ولكن يسكنها طالما هو محتاج إليها، فإن لم يحتج إليها بعد ذلك يتركها لغيره من غير بيع. وهذا قول مالك، والإمام القرطبي يرجح هذا القول هنا ويقول: الصحيح ما قاله مالك، وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة، قال أبو عبيد: ولا نعلم أن مكة يشبهها شيء من البلاد، وذكر عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، والمعنى: إذا كان محتاجاً للبيت جلس فيه، وإن لم يكن محتاجاً إليه تركه لغيره. وجاء في حديث عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها، وقال: من أكل من أجر بيوت مكة شيئاً فإنما يأكل ناراً). والراجح أن هذه الأحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والراجح: أن بعضها من أقوال الصحابة، وليس من قول النبي صلوات الله وسلامه عليه. وجاء في حديث عن عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله! ألا أبني لك في منى بناء يظلك من الشمس؟ فقال: لا، إنما هو مناخ من سبق إليه)، وهذا صحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن منى مناخ من سبق إليه، يعني: منى لا تُملك، لأنها من أماكن المشاعر وأماكن العبادة، فهي مكان المناسك والذاهب إليها إذا ثبت في مكان فالمكان من حقه حتى يخرج منه، لكن الكلام هنا ليس في منى، الكلام في بيوت مكة هل يملكها أصحابها أم لا يملكها أصحابها؟ فالإمام القرطبي يأخذ بقول مالك في أن مكة ومنى حكمها واحد. وذهب الإمام الشافعي إلى أن بيوت مكة ملك لأصحابها، فالذي يجلس في بيته يملك بيته، وإذا أحب ترك البيت وباع، واحتج بقول الله سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:40]، فالله نسب الديار إليهم، فلو لم يكونوا مالكيها ما نسب الديار إليهم. وجاء في فتح مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فنسب الدار إلى صاحبها. وجاء أيضاً في صحيح البخاري أن أسامة بن زيد قال للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: (أين تنزل في دارك غداً في مكة؟) يعني: عندما نصل إلى مكة غداً ستنزل في أي دار من ديارك؟ فقد كان له دار صلى الله عليه وسلم، وهاجر وتركها صلى الله عليه وسلم فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟)، عقيل هو عقيل بن أبي طالب، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم كان عقيل وطالب كافرين، وأخوهم علي بن أبي طالب، وكذلك أخوهم جعفر كانا مسلمين، فـ أبو طالب لما توفي ورثه الكافران عقيل وطالب، فأخذوا الديار وبيت النبي صلى الله عليه وسلم الذي عاش فيه وباعا الجميع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما لم يتركا شيئاً له، فهنا لولا أن البيوت ملك لأصحابها لما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما سئل: (أين تنزل غداً من دارك؟)، ولذلك الصواب في هذه المسألة مذهب الشافعي، أن أهل مكة يملكون بيوتهم، ويجوز لكل منهم أن يبيع داره وأن يسكنها وأن يؤجرها، وأما ما جاء من الأحاديث في النهي عن ذلك فلم يصح فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [26 - 28]
تفسير سورة الحج [26 - 28] القرآن الكريم مليء بالقصص والعبر، وبذكر أخبار الأنبياء والسابقين، ومن ذلك قصة بناء إبراهيم البيت الحرام، ودعوته الناس لحج بيت الله الحرام، وقد وعده الله بإجابة كثير من الناس دعوته، ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ويتموا مناسك الحج كما أمرهم الله.
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت)
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:26 - 29]. يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات كيف أنه أوحى لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بمكان البيت، وعلمه مكان البيت، حتى يبني بيتاً لله سبحانه، فلا يشرك بالله سبحانه تبارك وتعالى شيئاً. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ} [الحج:26]، والتبوء بالمكان بمعنى: النزول بالمكان، أي: أنزلناه في مكان أو هيأنا له مكاناً لنزوله، فكأن المعنى هنا: أرشدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لمكان البيت، والبيت كان أصله موجوداً، ولكن الرياح كانت قد طمسته بالتراب فلم يكن يعرف مكان البيت، فدل الله سبحانه تبارك وتعالى إبراهيم على مكان البيت، وأمره أن يبني بيت الله سبحانه تبارك وتعالى، فرفع إبراهيم القواعد من البيت بأمر ربه سبحانه تبارك وتعالى. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ} [الحج:26] أي: أريناه أصل البيت ليبينه، وكان أصل البيت قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمره الله سبحانه تبارك وتعالى ببنيان البيت، فجاء إلى موضع البيت، وجعل يبحث عن موضع هذا البيت حتى يبنيه لله عز وجل، فبعث الله سبحانه تبارك وتعالى ريحاً أطارت التراب، وكشفت له عن أصل البيت وأساس البيت، الذي كان من عهد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما قيل. فرتب إبراهيم قواعد البيت ورفع البيت كما أمره سبحانه تبارك وتعالى، واستعان بابنه إسماعيل، وقال له: إن الله أمرني أن أبني بيته، قال: فأطع ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. فرفع الاثنان القواعد من البيت قائلين لربهما سبحانه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]. وقد بني البيت في مكان ليس فيه ناس، ولم يحج أحد إلى هذا البيت في هذا الزمان الذي فيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، إلى أن رفع القواعد من البيت ثم نادى في الناس بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى: إن الله بنى بيتاً فحجوا. قال الله: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ} [الحج:26] هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر وقراءة أبي عمرو: ((وَإِذْ بَوَّانَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا)) أي: قائلين له: لا تشرك بي شيئاً. أي: ارفع القواعد من البيت في هذا المكان لعبادة الله، وحتى يوحد الله سبحانه تبارك وتعالى وحده لا شريك له، {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26]، قيل: هي مخاطبة لإبراهيم، وهو الراجح، وهذا قول جمهور المفسرين. وقيل: {أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج:26]، مخاطبة للنبي صلوات الله وسلامه عليه. والراجح أن الخطاب هنا لإبراهيم، وليس فيه ذكر للنبي صلوات الله وسلامه عليه. {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]. ولم يكن هناك طائفين ولا قائمين ولا ركع ولا سجود في ذلك الزمان والمكان، إلى أن رفع إبراهيم القواعد من البيت، فهيئ المكان لمن يأتي للعبادة في هذا المكان بأمر الله سبحانه وتعالى. {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ} [الحج:26]، هذه قراءة نافع وأبي جعفر وهشام وحفص عن عاصم: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ} [الحج:26]، وباقي القراء: ((وَطَهِّرْ بَيْتِيْ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)) يعني: بالسكون دون الفتح. والطائفون هم الذين يطوفون بهذا البيت بعدما بناه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيطهر البيت من النجاسات، يطهره من الشرك والإلحاد بالله سبحانه تبارك وتعالى، من أجل أن يكون للعبادة. ومن عهد إبراهيم إلى أن تقوم الساعة فهناك من يطوف بالبيت، ويعبد الله سبحانه، ولا يشرك به شيئاً، إلى ما يشاء الله سبحانه تبارك وتعالى. {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ} [الحج:26]، الطائف: هو الذي يطوف حول البيت، والقائم: هو الواقف في مكانه، سواء في صلاة أو في دعاء أو في غير ذلك. {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]، القيام والركوع والسجود من هيئات الصلاة، فطهر بيتي لمن يطوف بالبيت، والطواف بالبيت صلاة، {وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26]، وهذه هي هيئات الصلاة المعروفة. فالله سبحانه تبارك وتعالى أمر إبراهيم برفع القواعد من البيت وبناء هذا البيت العتيق، فكم لإبراهيم عليه السلام من الفضل والثواب، فإن الناس من عهده وهم يطوفون بالبيت، ويعبدون الله سبحانه تبارك وتعالى. ثم جاءت فترة من الفترات جاء فيها مشركو العرب فتركوا التوحيد، وأشركوا بالله سبحانه تبارك وتعالى، فجاء النبي صلوات الله وسلامه عليه ليطمس هذا الشرك بالله، ويظهر نور الله سبحانه تبارك وتعالى، ويرجع الناس إلى التوحيد مرة ثانية. وقد ذكر هنا: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ} [الحج:26]، وذكر في سورة البقرة: {لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، فالطائف الذي يطوف بالبيت، والعاكف يعني: الملازم للبيت، لعبادة الله سبحانه تبارك وتعالى، {وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج:26] أي: المصلين.
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]. أمر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يؤذن، والأذان بمعنى: الإعلام، ومنه الأذان الشرعي المعروف، وهو: الإعلام بألفاظ معروفة، ولكن هنا {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ} [الحج:27] يعني: قم فناد، فبعد أن انتهى إبراهيم من رفع القواعد من البيت وهو يدعو ربه سبحانه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، أمر أن يؤذن وينادي، وليس في هذه الأماكن أحد، إلا قليل من الناس، وأما باقي الناس فهم في البلاد وفي البحار وفي كل مكان بعيد، ومع ذلك فقد أستمع إبراهيم عليه الصلاة والسلام أمر ربه، فأذن في الناس. جاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام من بناء البيت قيل له: أذن في الناس بالحج، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ يعني: أنا في هذا المكان فلمن أؤذن، ومن سيسمع صوتي، ويأتي إلي؟ فقال: أذن وعلي البلاغ. إذاً: فقد كان إبراهيم سبباً من الأسباب فقط، فالله يقول له: عليك الأذان فقط، وليس عليك النتيجة. قال ابن عباس: فصعد إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام جبل أبي قبيس في مكة ونادى: يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار فحجوا، فأسمع الله عز وجل الناس، والعادة أن الإنسان عندما يتكلم لا يسمعه إلا الحاضر، ولكن إبراهيم أسمع الحاضر والغائب أيضاً، وأسمع من لم يوجد؛ لأن الذي أوصل صوته إليهم هو: الله سبحانه تبارك وتعالى، وإنما كان إبراهيم سبباً فقط، وهذا كما قال لنبينا صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17] عندما أخذ كفاً من حصى ورماه في وجوه الكفار، وقال: (شاهت الوجوه)، فإذا بالله يعمي أبصار هؤلاء فلا يرون، وكف الحصى لا يكفي لإصابتهم أجمعين، ولكنه رمى وكانت النتيجة من الله سبحانه تبارك وتعالى. وفي يوم بدر والمؤمنون يقاتلون الكفار عندما رفع أحد المؤمنين سيفه ليقتل الكافر سقطت رقبة الكافر قبل أن يضربه المسلم، والذي فعل ذلك هو الله سبحانه تبارك وتعالى، فلم يكلفنا الله إلا الأخذ بالأسباب، وأما النتيجة فهي منه سبحانه تبارك وتعالى. ولذلك فعندما أذن إبراهيم، أجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ممن كتب الله عز وجل له الحج تفضلاً منه سبحانه وتعالى، فردوا على إبراهيم قائلين: لبيك اللهم لبيك، فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، يعني: من أجاب مرة حج مرة، ومن أجاب مرتين حج مرتين، وهكذا.
فضائل إبراهيم عليه السلام
فضائل إبراهيم عليه السلام وقد أخذت سنة التلبية من فعل إبراهيم عليه السلام، فهو خليل رب العالمين، ومعنى الخليل: أقرب حبيب، وأحب حبيب. وقد وصل إلى هذه الدرجة بطاعته لربه سبحانه، وبتوحيده له، وبأمره للناس بالمعروف ونهيه عن المنكر، وبمحاجته لأهل الأصنام، وبإفراده لله سبحانه تبارك وتعالى بالمحبة العظيمة، والتي تنطمس بجوارها أي محبة. وقد اختبره الله سبحانه تبارك وتعالى في أبوه، هل سيحب أباه وإلا ربه سبحانه تبارك وتعالى، وقد كان أبوه يعصي الله، ويصنع الأصنام، فأمره إبراهيم بالمعروف ونهاه عن المنكر، وأمره بالتوحيد، قائلاً له: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا} [مريم:43]، {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:45]. فأبي أبوه أن يدخل في دينه، وأن يطيعه وقال: {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم:46 - 47] أي: سأدعو لك ربي، {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47] واعتزل إبراهيم أباه، واعتزل عباد الأصنام، وفر بدينه إلى ربه سبحانه تبارك وتعالى، وأقبل على قوم يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، فدعاهم إلى رب العالمين، فلم يهتم ألا يستجيبوا له، وأن يطردوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكنه أصر على الدعوة إلى ربه سبحانه. واختبره ربه في ابنه إسماعيل، وكان بكره وابنه الوحيد، فأمره بذبح ابنه عليه الصلاة والسلام، فإذا به يستجيب ولا يتردد، ويذهب إلى ابنه ويقول له: إن الله أمرني أن أذبحك، فقال: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102]. فهذه سنن عظيمة وعجيبة في طاعة الله وتفويض الأمر إليه، والاستسلام والتسليم بين يديه سبحانه وتعالى. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما كان يرفع القواعد من البيت كان يساعده ابنه إسماعيل فقط، وقد كان إسماعيل يذهب فيأتيه بالحجارة، وإبراهيم يرفع القواعد من البيت، وهما يدعوان ربهما: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]. ومن المستحيل أن يكون هذا العمل لغير الله سبحانه وتعالى؛ لأن الذي يعمل عملاً لغير الله فإنه يعمله في مكان يراه الناس فيه، وإبراهيم معصوم من ذلك عليه الصلاة والسلام، فهو يرفع القواعد من البيت ولا أحد معه إلا ابنه، وربه سبحانه شاهد عليه وهو يرفع ويتوسل إلى الله: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]. فيتعلم المؤمن من هذا ألا يغتر بعمله أبداً، فإذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو المعصوم من الذنوب، والذي يستحيل في حقه أن يرائي أحداً، ولا أحد موجود حتى يطلع على ما يقوله إبراهيم ويفعله، ومع ذلك يدعو ربه سبحانه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [البقرة:127]، فإذاً: لا تمن بعملك على الله سبحانه وتعالى، وإذا عملت عملاً فارجو من ربك أن يقبل منك هذا العمل، وإذا تقبله منك فهو الذي قال لنا في كتابه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27]، فإذا تقبل عمل إنسان فهذا دليل على أن هذا الإنسان تقي، وإذا كان تقياً وقاه الله عز وجل النار.
معنى قوله تعالى: (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر)
معنى قوله تعالى: (يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر) عندما رفع إبراهيم القواعد من البيت أمره ربه سبحانه بقوله: {أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27]، سأل ربه سبحانه وتعالى: وما يبلغ صوتي؟ يعني: أنا سأفعل وأستجيب ولكن من سيسمعني؟ ومن سيصله صوتي؟ فأخبره الله عز وجل: أذن أنت وأنا أبلغ هذا الشيء، فوصل إلى أسماع من شاء الله عز وجل أن يحجوا هذا البيت، فلبوا ربهم سبحانه وحجوا بيته. ومعنى (أذن) أي: أعلن وناد على الناس في الحج، فيستجيبون لك، وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى، وقد تحقق وعد الله سبحانه تبارك وتعالى، فإن الناس في قلوبهم شوق إلى حج بيت الله سبحانه، فكلما تذكروا البيت فإن من استطاع منهم ذهب وحج لله عز وجل، فإذا ذهب كان {مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة:125]، والمثابة: الشوق والرجوع والتكرار، فكلما ذهب إلى البيت اشتاق إليه أكثر، وكلما رجع من حج أو من عمرة اشتاق أن يرجع إليه مرة ثانية وثالثة، استجابة لأمر الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] أي: على أرجلهم مترجلين مشاة. {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27] الضامر: البعير المهزول، يقال: ضمر الشيء بمعنى: أهزله، ومنه تضمير الخيل، فقد كانوا يعدون الخيل للجهاد وللكر والفر، ولذلك كانوا يضمرونها، فيعزل الخليل تماماً ويلبسه الصوف ثم يجعله يجري حتى يعرق فيخفف شحمه فيضمر، فهذا تضمير الخيل، والضمور بمعنى: الهزال، فقوله تعالى: (وعلى كل ضامر) معناه: أن الناس يأتوك من أماكن بعيدة حتى يكون الجمل الذي يركبه صاحبه هزيلاً ضعيفاً، فيكون المعنى: وعلى كل بعير ضامر هزيل مهزول من طول السفر. إذاً: فقوله تعالى: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ} [الحج:27]، كأنه تشريف لهذا البعير المركوب، فهو شرف للبعير الذي رُكب وأتى بصاحبه إلى بيت الله الحرام. قال: {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27] يعني: هذه الإبل أتت من كل فج عميق بأصحابها ليحجوا بيت الله سبحانه. والفج: الطريق الواسع، والعميق: البعيد، والمعنى: يأتون من طرق بعيدة وبلاد بعيدة شاسعة؛ ليحجوا بيت الله الحرام.
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم)
تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم) هؤلاء الذين يأتون بيت الله الحرام قال عنهم سبحانه: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28]، إذاً: فهم أتوا إلى بيت الله الحرام ليحضروا منافع لهم، وهي منافع دنيوية ومنافع أخروية، فهم عندما أتوا لعبادة الله أكرمهم الله في الدنيا والآخرة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب)، وهذه المعاملة من الله إكراماً منه لعباده، فأنت عندما أنفقت مالك وأتعبت نفسك فإن الله يتقبل منك ذلك الإنفاق، وزيادة على ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ما نقص مال من صدقة). فيغفر الذنوب، ويزيد في المال، ويرجع الحاج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، أي: يرجع وليس عليه ذنوب كما ولد لا ذنوب عليه. فقوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28] قالوا: إنها منافع دنيوية وأخروية، أما الأخروية فهي: أنهم يشهدون المناسك: عرفات، والمشعر الحرام، ومنى وغير ذلك، ويعبدون الله سبحانه، وتكون لهم المغفرة من الله، فيحضرون لينتفعوا بعبادتهم. وأما المنافع الدنيوية فإنه يشتري أشياء، ويبيع أشياء ويتاجر، فليس عليهم جناح أن يبتغوا فضلاً من ربهم في أيام الحج، وليس عليهم جناح أن يبيعوا وأن يشتروا.
الأمر برفع الصوت في التلبية
الأمر برفع الصوت في التلبية قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28]، أي إنهم يذكرون الله سبحانه تبارك وتعالى في كل موطن من المواطن، ويكبرون ويلبون، ويستحب للحاج أن يرفع صوته بالتلبية، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن جبريل أتاه وأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية) أي: لبيك اللهم لبيك، ومعنى لبيك أي: أنا مستجيب لك، ومقيم على طاعتك، ومقبل إليك.
الأيام المعلومات
الأيام المعلومات قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]. ذكر الله الأيام المعلومة والأيام المعدودة، فذكر هنا المعلومة، وفي البقرة ذكر المعدودة، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى} [البقرة:203]، فالأيام المعدودات: هي أيام التشريق ويوم النحر، والأيام المعلومات: هي العشر من ذي الحجة، وقد يدخل معها أيضاً الأيام المعدودات، فيكون المعنى: أن العادة أن الناس يذهبون إلى المناسك من أول ذي الحجة أو قبلها في أشهر الحج، فيذكرون الله مسبحين وملبين ومكبرين ومتقربين إليه سبحانه وتعالى. وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر من شهر ذي الحجة، وهي أعظم أيام السنة؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد، إلا أن يخرج رجل بماله ونفسه ولا يرجع من ذلك شيء) يعني: يستشهد في سبيل الله، ويؤخذ ماله. فلنحرص على حسن العبادة في الأيام المعلومات، وهي من أول شهر ذي الحجة إلى اليوم العاشر منه. وجاء عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده. فكأن الوارد عن ابن عباس: أن الأيام المعلومة تبدأ من أول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام العيد، فهي أيام معلومة ومعدودة. إذاً: الأيام المعدودة التي ذكرها الله عز وجل في سورة البقرة هي أيام العيد: يوم العيد وثلاثة أيام التشريق، ويوم العيد هو: يوم الحج الأكبر، وفيه أعظم المناسك في الحج، فسماه الله عز وجل يوم الحج الأكبر.
معنى قوله تعالى: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)
معنى قوله تعالى: (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) قوله تعالى: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28] أي: كأنهم يجهزون بهيمة الأنعام في هذا الوقت من أجل أن يذبحوها في يوم العيد، ويكبرون الله سبحانه وتعالى، ويقولون: اللهم هذا منك ولك، ويقولون عند الذبح: {قل إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]، فإذا رأوا هذه الذبائح حمدوا ربهم سبحانه، وكبروا عليها، قال سبحانه: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]. إذاً: ففي أول الأيام من ذي الحجة يرى الحاج بهيمة الأنعام فيكبر ربه في هذه الأيام المعدودة، ثم يذبح هذه الأنعام مكبراً لله، ومسمياً لله عز وجل عليها. والبهيمة هي: كل ذات قوائم أربع، فكل دابة لها أربع قوائم تسمى بهيمة، حتى لو كانت من دواب الماء إذا كانت تمشي على أربع فتسمى بهيمة. وكذلك كل حي لا يميز يقال عنه: بهيم وبهيمة، والحي الذي ليس في عقله تفكير ولا يجيد النطق يسمى بهيمة. والمقصود من البهيمة هنا: الأنعام التي هذه صفتها، والأنعام تطلق على الإبل، والبقر ويدخل فيها الجواميس، والأغنام ويدخل فيها الماعز، فكل هذه تسمى بهيمة الأنعام، سواءً كانت ذكوراً أو إناثاً، فيذكرون اسم الله عز وجل عليها وهم ينحرونها، سواء نحروها هدياً أو نذراً أو أضحية. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [27 - 28]
تفسير سورة الحج [27 - 28] لقد أمر الله تعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج، وتكفل بتبليغ ندائه هذا إلى أرجاء الأرض، فكان فرضاً على الناس أن يحجوا بيت الله الحرام، ليشهدوا منافع لهم دنيوية: من تحصيل الرزق والمعاش، وأخروية: وهي ما أعده الله عز وجل للحجاج من واسع فضله، وجميل عفوه وكرمه.
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:27 - 29]. فقد أمر الله عز وجل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يبني البيت ويرفع قواعده فرفعها، وأمره الله عز وجل أن يؤذن في الناس ويعلمهم: بأن تعالوا إلى بيت الله عز وجل لتحجوا، فقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] وهذا وعد من الله عز وجل فافعل ذلك؛ واعلم أنهم سوف يستجيبون ويأتون، قال: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} [الحج:27] أي: مشياً على أقدامهم، {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} [الحج:27]، أي: راكب على جمل أو ناقة قد هزلت من طول السفر ومشقته. قال: {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ} [الحج:27] أي: الإبل، فالتأنيث يعود عليها، {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج:27]، فهو شرف لها؛ لأنها حملت صاحبها وذهبت به إلى بيت الله الحرام ليحج. {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ} [الحج:27]، الفج: هو الطريق الواسع، والعميق: البعيد بعداً شاسعاً، {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:27 - 28]، فيذهب الحجيج أو المعتمرون إلى بيت الله الحرام ليحجوا وليعتمروا، و {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج:28] أي: في الدنيا وفي الآخرة. ومن منافع الآخرة: المغفرة من الله سبحانه، وتكفير السيئات، ورفع الدرجات، أما منافع الدنيا فهي ما يكون من تجارة وبيع وشراء ومكاسب ونحو ذلك، فيشهدون منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة بسبب الحج والعمرة. قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28]، وهذا من أول دخول شهر ذي الحجة إلى الانتهاء من المناسك جميعها، فيذكرون الله سبحانه وتعالى ملبين ومكبرين، ويذكرون الله عز وجل على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فيذكرون اسم الله رافعين أصواتهم بالتلبية والتكبير، {فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} [الحج:28]، والأيام المعلومات: هي العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودات الأربعة داخلة فيها أيضاً، فهم يذكرون اسم الله عز وجل في هذه الأيام جميعاً، سواء الأيام المعلومة أو الأيام المعدودة. فالمعلومة: العشر من ذي الحجة، والمعدودة الأربعة بما فيها العيد وأيام التشريق، وقد يصدق بيان الأيام المعلومة: أنها جميع الأيام من أول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام المناسك. قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]، وبهيمة الأنعام: هي التي خلقها الله عز وجل لعباده، فقال: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143]، ثم ذكر أن من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ويقصد بالاثنين: الذكر والأنثى، ففي الإبل: الجمل والناقة، وفي البقر: البقرة والعجل، وكذلك الجواميس فإنها داخلة فيها ذكوراً وإناثاً، وفي الغنم: التيس والماعز، فهذه ثمانية أزواج أنزلها الله عز وجل للعباد وجعلها من بهيمة الأنعام التي يأكلونها، والتي منها يحصل الهدي إلى البيت والأضحية. قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:28]، والبهيم: هو الأعجم الذين لا ينطق ولا يميز، فقالوا: البهيمة هي ذوات الأربعة الأرجل، فخرج منها ما كان ذا أربع أرجل ولكنه لا يثبت في الهدي: كالحمار الوحشي والغزلان. إذاً: فبهيمة الأنعام: هي التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، ذكر من الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين.
أنواع الهدي وجواز الأكل من هدي التطوع
أنواع الهدي وجواز الأكل من هدي التطوع ثم قال سبحانه: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، فقوله: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:28] هذا الأمر من الله عز وجل لعباده يفيد النفع لهم، قال: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:28]، فهو تفضل من الله تعالى، ولو شاء سبحانه لأمر بإخراجه كله في سبيله سبحانه وتعالى، ولأخرج للفقراء والمساكين، لكن الله سبحانه تكرم على هؤلاء الذين حجوا وقطعوا المسافات الطويلة حتى وصلوا إلى هنالك، بأن يأكلوا من هديهم دونما حرج، والأمر هنا: أمر إرشاد، وليس أمر وجوب، فيجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع، لكن الهدي الواجب عليه غير ما ذكرناه: كجزاء الصيد مثلاً، كأن يقتل إنسان صيداً في الحرم، أو يكون قد أحصر، أو كانت عليه فدية: كإزالة الأذى بالترفه ونحوه، أو كان عليه هدي بالنذر، فهذه من الواجبات التي لا يجوز له أن يأكل من هديه فيها، فإذا نذر هدياً لبيت الله الحرام ذبحه ولا يجوز له أن يأكل منه. فإذا كان قد قتل صيداً في الحرم وذبح هدياً فلا يجوز له أن يأكل منه، وإذا ترفه بإزالة أذى كحلق رأسه في أثناء الإحرام أو وضع طيب ونحو ذلك وكان عليه الهدي فيه فلا يجوز له أن يأكل منه، وإنما يجوز له أن يأكل من هدي التمتع، أو هدي القران، أو هدي التطوع. قال الله سبحانه وتعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، وهذا في القران، فقد قرن في الأمرين بين الأكل والإطعام، وقد فرق العلماء بين الأمرين: فإطعام الفقراء فرض؛ لأن المقصد من الذبح: هو سد جوع هؤلاء وحاجتهم، لكن يجوز لك أن تأكل منه أيضاً؛ فقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم من هديه بعد أن نحر مائة ناقة صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع، فنحر بيده الكريمة نحو ثلاثة وستين وأكمل الباقي علي رضي الله تعالى عنه، فأخذ من كل واحدة منها قطعة من اللحم ووضعها جميعاً في القدر وأكل منها صلوات الله وسلامه عليه، فكونه أكل منها يبين لنا أنه يجوز لك أن تأكل من ذلك. قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، وهنا يقول الأصوليون: إن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة، يعني: أنه إذا اقترن أمران أحدهما للوجوب والآخر للاستحباب فإنه لا يقال حينئذ: إن الاثنين للاستحباب أو للقران، ولكن: {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:28]، فأهل العلم يقولون: إن لك أن تأكل أو تترك؛ لأن الأكل ليس فرضاً أو أمراً تعبدياً، ولكن العبادة إطعام: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، أي: الذي من أجله شرع الهدي، {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]. والبائس الفقير: هو الإنسان الذي ناله البؤس والفقر الشديد، يقال: بئس يبؤس بأساً إذا افتقر، فإذا افتقر الإنسان صار بائساً، وقد يستعمل فيمن نزلت به نازلة من الدهر أو مصيبة من المصائب، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في سعد بن خولة الذي كان قد هاجر من مكة إلى المدينة ثم ذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ومات بها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب لأصحابه المهاجرين الموت في غير المكان الذي هاجروا منه، فما كان للمهاجرين الموت في مكة؛ لكي تكتب لهم الحسنات من مكان هجرتهم إلى مكان موتهم في غيرها من البلدان، فالنبي صلى الله عليه وسلم حزن لفوات هذا الأجر عليه رضي الله عنه فقال: (ولكن البائس سعد بن خولة) يعني: أنه ضاع منه بعض الأجر، فالشاهد: أن الله سبحانه وتعالى قد أمر بذبح الهدي.
الوقت المختار في ذبح الأضحية
الوقت المختار في ذبح الأضحية العلماء يذكرون لنا وقت الذبح في الأضحية فيقولون: إذا كان الهدي مختصاً بالكعبة فلا يذبحه إلا في الحرم، وأما إذا كان هدياً تطوعاً فله ذبحه في أي وقت شاء، يعني: أن الإنسان إذا ذهب إلى العمرة ومعه الهدي فله أن يذبحه في الوقت الذي يعتمر فيه، لكن هدي القران أو هدي التمتع لا يذبح إلا في يوم النحر، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الله سبحانه وتعالى، أما وقت النحر: فيكون يوم النحر، على خلاف بين العلماء في جوازه قبل هذا الوقت أو لا في هدي المتمتع بالعمرة إلى الحج؟ والراجح: أنه لا ينحر إلا في يوم النحر، فلذلك سمي بيوم النحر؛ ولأن الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان أكثرهم متمتعاً بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أن أحداً منهم نحر قبل يوم النحر، فلو كان يجوز أن ينحر قبل يوم النحر لفعله الصحابة ولو البعض ولأقره النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما ذبح هديه قبل يوم النحر، فعلى ذلك: يكون وقت الذبح لهدي التمتع أو القران في يوم النحر والأيام بعده، أما الأضحية: فإنها تكون في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق، ففي أي يوم سيكون النحر للأضحية؟ يقول العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم نحر يوم النحر بالمدينة، واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في صحيح مسلم قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان نحر أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي صلى الله عليه وسلم). وقد وضحت هذه الرواية روايات أخرى: وهو أنهم نحروا قبل أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه نحر بعد الصلاة، فإذا جاءت رواية أنهم نحروا قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الرواية الأخرى بأنهم نحروا قبل الصلاة فالمعنى واحد، وهو أنهم نحروا قبل الصلاة، أي: قبل نحر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأمرهم أن يعيدوا صلوات الله وسلامه عليه، وبين لهم أن من نحر قبل الصلاة فهي شاة لحم، أي: ليس فيها أجر الأضحية، ومن نحر بعد الصلاة فهي أضحية مقبولة. إذاً: فالنحر هنا يكون من بعد صلاة العيد، أما إذا لم يستطع الإنسان أن يصلي العيد لعذر ما: كاختلاف أوقات الصلاة في البلد الواحد أو نحوه، وأراد أن ينحر فعليه أن ينحر بعد أول صلاة عيد أو بعد مضي وقت صلاة العيد، فيذبح الإنسان الذي لم يستطع أن يشهد الصلاة، فقد جاء عن البراء بن عازب في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا يوم العيد أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا)، وفي حديث آخر: (من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم).
عدد أيام النحر واختلاف العلماء فيها
عدد أيام النحر واختلاف العلماء فيها العلماء اختلفوا في عدد أيام النحر، فالأكثر على أنها: ثلاثة أيام، العيد ويومان بعده، والراجح من حيث الدليل: أنه يجوز النحر في أربعة أيام، في يوم العيد وفي أيام التشريق الثلاثة. وممن قال بأن أيام النحر ثلاثة أيام فقط: الإمام مالك، والإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، وعند الشافعي: أربعة أيام، وإن كان الأفضل عنده ثلاثة أيام ابتداءً من العيد، وقد استدل القائلون بذلك ببعض الآثار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن النحر في يوم العيد ويومين بعده، لكنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: (كل أيام التشريق ذبح)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن جبير بن مطعم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عرفات كلها موقف)، ففي الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم لهم المناسك، فيقول: (عرفات كلها موقف)، وقد وقف في مكان معين، فلا يشترط على الناس كلهم الوقوف في نفس المكان الذي وقف فيه صلى الله عليه وسلم، ولكن في كل عرفة، قال: (وارفعوا عن عرنة)، وهو مكان هنالك اسمه: عرنة قبل عرفة، وليس من عرفات، قال: (وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن بطن محسر، وكل فجاج منى منحر) يعني: أن النحر في أي مكان من منى، وليس له مكان معين. قال: (وكل أيام التشريق ذبح)، وهذا الشاهد من الحديث: وهو أن أيام التشريق الثلاثة بعد العيد كلها ذبح بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. يقول ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر يوم أضحى، وأجمعوا ألا أضحى بعد انسلاخ ذي الحجة، والمقصود: أن بعض العلماء قالوا بجواز النحر بعد العيد، والصواب: أن النحر يكون في الأربعة الأيام من العيد، فيوم النحر منها، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالذبح فيها وقال: (كل أيام التشريق ذبح)، فدل على أن غيرها لا يدخل فيها.
حكم ذبح الأضحية في الليل
حكم ذبح الأضحية في الليل الذبح يكون في أيام العيد سواء الأضحية أو الهدي، أما أن يذبح في الليل فأكثر العلماء على كراهة ذلك، وإن كان الراجح فيها: أنه يجوز الذبح والنحر في الليل والنهار، والذين كرهوا ذلك قالوا: إن الذبح بالليل مظنة إخفاء اللحم عن الفقراء، فيصير كالذي يجز أرضه في الليل لكي يمنع الزكاة عن الفقراء، ويمنعهم أن يطلبوا منه شيئاً، كما قال الله سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ} [القلم:17 - 18]، فأقسموا على جز أرضهم في الليل؛ لكي لا يسألهم الفقراء شيئاً في الصباح، فالذين كرهوا الذبح في الليل عللوا ذلك: بأن الليل مظنة الإخفاء عن الفقراء بخلاف النهار فإن الفقير يرى اللحم فيطالب بحظه منه. والراجح في هذه المسألة: أنه يجوز الذبح في الليل إذا كانت نيته أن يوزع على الفقراء، أما إذا كانت نيته الاستخفاء من الفقراء فتبقى المسألة هنا على الكراهة.
حكم أكل صاحب الكفارات من دماء كفاراته
حكم أكل صاحب الكفارات من دماء كفاراته قال تعالى: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34]، {فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:28]، قلنا: إن الأمر فيه على الندب، {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]. وهنا يذكر الإمام القرطبي: أن دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها، فإذا فرضنا أن إنساناً عليه كفارة نذر مثلاً فذبح هذا الشيء الذي نذره ثم وزعه على الفقراء، وبعد ذلك أكل منها هو، فهنا لا يجوز له أن يأكل منها، فإن أكل منها لزمه أن يشتري لحمة بالقدر الذي أكله ليخرجه للفقراء والمساكين، وهذه مسألة يكثر السؤال عنها، فنقول: إذا نذر بشيء فذبح فلا يجوز أن يأكل منه. لكن قد ينذر الإنسان بأضحية لله، كأن يقول: عليّ نذر أن أذبح أضحية لله تعالى، والأضحية ليست واجبة على الصحيح من كلام أهل العلم، لكن إذا نذرها الإنسان صارت واجبة الذبح، ولكنها لا تزال أضحية في الحكم فيجوز له أن يأكل منها، وأن يهدي منها، وأن يخرج للفقراء، ويكون توزيعها بهذه الصورة، فكونه ألزم نفسه بالنذر لا يخرجها عن كونها أضحية، ومثلها مثل هدي التمتع، فهدي التمتع واجب على الإنسان الذي يتمتع من العمرة إلى الحج، ومع ذلك يجوز له أن يأكل منه، فكونه واجباً لا يمنعه أن يأكل منه سواء من هدي القران أو من هدي التمتع. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هدي القران، وأن الصحابة أكلوا من هدي التمتع.
عدم جواز الأكل من الهدي إذا عطب في الطريق إلى البيت الحرام
عدم جواز الأكل من الهدي إذا عطب في الطريق إلى البيت الحرام ذكر العلماء مسألة عطب الهدي، فلو أن الإنسان أخذ هدياً إلى بيت الله الحرام وعطب هذا الهدي، فهذا الهدي إما أن يكون واجباً عليه مثل: هدي القران وهدي التمتع وغيره، وإما أن يكون مستحباً تطوعاً، فهدي الواجب مضمون عليه، يعني: أخذ هدياً بسبب أنه متمتع بالعمرة إلى الحج، وحصل أن هذا الهدي هزل في الطريق فاحتاج لذبحه وأكله فلا شيء عليه؛ لأنه مضمون عليه، مع أن المطلوب منه غيره، فسيأتي بغيره مكانه. أما هدي التطوع فله حكم آخر: ففي سنن أبي داود عن ناجية الأسلمي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معه بهدي تطوع)، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة وناجية مسافر لعمرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل معه هدياً تطوعاً، سواء كان ناجية متوجهاً بعمرة أو بحج، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عطب منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين الناس)، وفي رواية: (ولا تأكل منه ولا أحد من أهل رفقتك)، وهذا في صحيح مسلم بمعناه من حديث ابن عباس. وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غاية الكرم، فكان يعطي الهدي لمن يريد الحج أو العمرة ليذبحه عند البيت ويوزعه على الفقراء، فكان يأمر هذا الذاهب مثل ناجية مثلاً رضي الله عنه: أنه إذا عطب من الهدي شيء في الطريق أن يذبح، وأن يلطخ بدمه ظهره ليعرف من يراه أن هذا هدي للبيت، فيقوم الفقراء بالأكل منه، أما منعه ورفقته من الأكل منه فلسد الذريعة، حتى لا يفرط صاحب الهدي فيه حتى ينحره فيأكل منه ورفقته بسبب الجوع، فإذا علم أنه إذا ذبح الهدي فلن يأكل منه شيئاً حافظ عليه تمام المحافظة حتى يصل به إلى هنالك، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا عطب منها شيء فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه) يعني: خذ النعل وضعه على دمه ولطخ به جلده بحيث يعرف الناظر أن هذا اللحم هدي لبيت الله الحرام، قال: (ثم خل بينه وبين الناس، ولا تأكل منه أنت ولا أحد من أهل رفقتك)؛ سداً للذريعة؛ لكي لا يذبحوا الهدي في الطريق ثم يزعمون بعد ذلك أنه قد عطب والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
تفسير سورة الحج [27 - 30]
تفسير سورة الحج [27 - 30] أمر الله تعالى خليله إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، ووعده بمجيء الناس لحج بيت الله، وجعل الله لهم فيه منافع كثيرة في دينهم ودنياهم، وأمرهم أن يذكروا اسمه في أيام العشر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فيأكلون ويطعمون منها، ويتمون في هذه الأيام مناسك حجهم.
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:27 - 29]. أمر الله سبحانه تبارك وتعالى نبيه وخليله إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن يرفع القواعد من البيت، وأن يؤذن في الناس بالحج، ووعده سبحانه تبارك وتعالى أن يسمعه الناس ويأتوه رجالاً ومشاة وعلى كل ضامر أي بعير يأتين من كل فج عميق، أي من كل طريق فسيح بعيد؛ يأتون ليشهدوا منافع لهم، منافع دينية ومنافع دنيوية، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات، وهي العشر من ذي الحجة، والأيام المعدودة هي أيام العيد الأربعة، وقد تدخل تحت مسمى الأيام المعلومة أيضاً، فتكون أربعة عشر يوماً، فيذكرون اسم الله عز وجل في هذه الأيام، مكبرين ملبين داعين ربهم سبحانه في أيام العشر وفي أيام الحج، يدعون ربهم سبحانه تبارك وتعالى، ويشكرونه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام. ثم قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، فهنا ذكر الأكل وذكر إطعام البائس الفقير.
من أحكام الأضاحي
من أحكام الأضاحي استحب العلماء في الضحايا أو في الهدايا أن يأكل منها صاحبها ويهدي منها ويطعم الفقراء، ويكون النصيب الأكبر لإطعام الفقراء، وقال بعضهم: ثلث لطعامه، وثلث يهدي منه، وثلث للفقراء يتصدق بها عليهم. وجاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ ثوبان: (أصلح لحم هذه الشاة، فأكل منها صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة)، وفي سنن أبي داود: (أنه أكل صلى الله عليه وسلم من الأضحية التي ذبحها، وتصدق منها صلى الله عليه وسلم، وأكل منها متزوداً من خروجه من مكة إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه). وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه يقسم الأضحية أثلاثاً، قال الإمام مالك: ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم موثوق، بمعنى أنه ليس شرطاً أنها تقسم ثلاثة أثلاث، لكن يجوز أن يتصدق بها جميعاً، وإن كان الأفضل أن يأكل منها، وأن يهدي منها، فيأكل منها شيئاً، ويهدي منها شيئاً، ولكن الصدقة تكون بالأكثر. والإمام الشافعي كان يرى أن النصف للأكل والهدايا، ويتصدق بالنصف لقوله سبحانه: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28]، وكأن الآية قسمتها قسمين، للأكل وإطعام البائس الفقير، وقال مرة: يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويطعم ثلثاً، لقول الله عز وجل: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36]، فالقانع السائل الذي قنع بالسؤال، والمعتر الذي يمر بك ولا يسأل، ولكن ينظر إلى الطعام، وقد يكون محتاجاً وقد لا يكون، فيهدي له، فأخذ الشافعي من هذه الآية: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] أنها تجزأ أثلاثاً، ثلث تأكل منه، وثلث للقانع يعني السائل الفقير الذي يطلب ويسأل، وثلث للمعتر الذي لا يسأل، يعني يعطيه على وجه الهدية أو الهبة. وهل المسافر مخاطب بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؟ الأصل أن الجميع مخاطبون بالأضحية، سواء من كان مسافراً أو حاضراً. والحاج مخاطب بالأضحية مثل غيره، فالراجح أنه يجوز للحاج أن يضحي، وإن كان الهدي في حقه أفضل؛ لأن المكان مكان هدي، لكن المسافر غير الحاج فالأضحية في حقه مشروعة، وإن كان قد يهدي غير الحاج مع من يذهب إلى الحرم كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيرسل مع رجل من أصحابه هدياً للبيت. والحاج إذا كان متمتعاً أو قارناً عليه هدي القران أو هدي التمتع وهو فرض عليه، لكن إذا كان مفرداً للحج، فليس عليه هدي، ويستحب له أن يهدي على وجه التطوع.
حكم الادخار من لحم الأضاحي
حكم الادخار من لحم الأضاحي قال الإمام القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في الادخار على أربعة أقوال، فروي عن علي وابن عمر من وجه صحيح أنه لا يدخر من الضحايا بعد ثلاث، وهذا جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح، وثبت عنه النسخ لهذا الحديث، فنهى عن ادخار لحوم الأضحية فوق ثلاث، وفي العام التالي سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة)، وذلك أن جماعة من الأعراب نزلوا على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وكانوا في مجاعة، وكان أهل المدينة في العيد يذبحون، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لو ذبحوا وأهدوا الثلث مثلاً وادخروا الباقي أو أهدوا النصف وادخروا الباقي فلن يكفي اللحم جميع من في المدينة من الأعراب ومن أهل المدينة الفقراء؛ فلذلك نهاهم ذلك العام عن الادخار فوق ثلاث، فكل من سيدخر من اللحم سيدخر لثلاثة أيام فقط، وتكون كمية قليلة، والباقي سيوزع على الناس، فيكفي الجميع، فلما سألوه في العام الذي يليه عن الادخار قال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الادخار من أجل المواساة. واختلف العلماء هل هذا الحكم يكون منسوخاً أو أن هذا الحكم موقوف على مثل هذه الحالة، ثم يرفع إذا انتهت هذه الحالة؟ يقول الإمام القرطبي: وهنا مسألة أصولية وهي الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته، فرفع الحكم بالنسخ معناه إلغاؤه، ولا يعود هذا الحكم مرة أخرى، ورفع الحكم لارتفاعه العلة معناه أنه يرجع برجوع العلة، فرفع الحكم بالنسخ مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة المقابر، ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة)، فالنهي عن زيارة القبور حكم منسوخ، يعني ارتفع تماماً ولا يعود مرة أخرى. لكن قوله: (إنما نهيتكم لأجل الدافة)، هذا الحكم انتهى بانتهاء علته، فو رجعت العلة مرة أخرى يرجع الحكم مرة أخرى، فلو وجدت مجاعة في بلد، والناس عندهم أضاحي، فيأكلون منها ويدخرون ثلاثة أيام فقط، وليس لهم الادخار بعد ذلك، حتى يكفي المحتاجين.
حرمة بيع الأضاحي
حرمة بيع الأضاحي قوله سبحانه وتعالى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] من صفات الفقير أنه بائس، وهو من نزل به بؤس ونزلت به شدة، فأمر الله عز وجل أن تطعم البائس الفقير، والفقير قد يكون في شدة، وقد لا يكون في شدة، فهنا قال: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] يعني الذي بؤسه شديد، فتأكل وتطعم الفقير الذي في شدة شديدة، والفقير المحتاج، والبائس الذي ناله البؤس وشدة الفقر، يقال: بئس يبأس بؤساً إذا افتقر فهو بائس. وتطلق الكلمة نفسها على من نزلت به نازلة من الدهر، يعني مصيبة من المصائب من موت وغيره وإن لم يكن فقيراً، يقال: هذا البائس فلان. وجاء في حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا فكلوا وادخروا واتجروا) يعني اطلبوا الأجر من الله، وليست من التجارة، ولكن المعنى أطلبوا أجراً من الله سبحانه تبارك وتعالى في ذلك، فأنه لا يجوز للإنسان أن يبيع لحم الأضاحي ولا يبيع لحم الهدايا.
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم)
تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، {ثُمَّ لْيَقْضُوا} [الحج:29]، هذه قراءة أكثر القراء، ومنهم قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير وأبو جعفر والكوفيون كلهم، فيقرءونها بالتسكين، وقرأ باقي القراء ورش عن نافع وقنبل عن ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو: (ثم لِيقضوا تفثهم)، والأصل أن لام الأمر مكسورة، ولكن خففت في القراءة الأولى. قال الله عز وجل: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج:29] يعني بعد نحر الضحايا ونحر الهدايا يكمل ما بقي عليه من مناسك الحج، كالحلق ورمي الجمار وإزالة الشعر، والأصل في التفث ما علا على الجسد من أوساخ، قال الأزهري: التفث الأخذ من الشارب وقص الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، فيزيل عن نفسه ما كان عليه بسبب إحرامه وطول مدته. وإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه وحلق رأسه وأزال وسخه وتطهر وتنقى ولبس فقد أزال تفثه. وقوله: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] أي: إذا وجب عليه من النذر شيء، وقراءة الجمهور: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} [الحج:29] باللام الساكنة، وابن ذكوان وحده يقرؤها: (ولُيوفوا نذورهم)، وشعبة عن عاصم يقرؤها: (ولْيُفوا نذورهم) وقد مدح الله سبحانه تبارك وتعالى المؤمنين الذين يوفون بالنذر، فهنا أمر بالوفاء بالنذر، ومدح هنالك الموفين بالنذر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وفاء لنذر في معصية الله)، يعني يجب عليك الوفاء بالنذر إلا أن يكون النذر في معصية، فمن نذر أن يطيع الله فليطعه كما جاء في الحديث، وقال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه، وكفارته كفارة يمين)، ومثال نذر المعصية أن ينذر أن يضرب فلاناً أو يفعل شيئاً من المحرمات، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوفاء بهذا النذر، وأمر أن يكفر عن هذا النذر كفارة يمين. قال: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، الطواف بالبيت العتيق أنواع، هناك الطواف المستحب مثل طواف القدوم، وهو سنة من سنن القادم إلى بيت الله الحرام، فيطوف عندما يأتي إلى المسجد تحية المسجد، فتحية البيت الحرام أن تطوف طواف القدوم أول ما تقدم عليه. وقد اختلف العلماء هل طواف القدوم واجب أم سنة من السنن؟ فذهب بعض العلماء أنه واجب، وهذا مروي عن الإمام مالك، فلو رجع الحاج إلى بلده بغير طواف الإفاضة سيغني عنه طواف القدوم، والراجح أن طواف القدوم سنة وليس فرضاً، ولا يغني عن طواف الإفاضة، لكن يحل محله طواف الوداع؛ لأن طواف الوداع فرض كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رخص للحائض أن تنفر دون أن تطوف طواف الوداع) فدل على أن طواف الوداع فرض. فمن نسي طواف الإفاضة الذي هو في يوم العيد فليطف طواف الإفاضة عند الوداع، ويكون لطواف الوداع ولطواف الإفاضة. إذاً: طواف القدوم سنة، وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج، وركن من أركان العمرة، وطواف الوداع واجب، وليس ركناً من الأركان، والفرق بين أن نقول: ركن وواجب، أن الركن لا بد أن تأتي به، والواجب إذا لم تأت به وسافرت فعليك أن تجبره بدم، أما الركن فلا يجبر بدم، فلو أن إنساناً في الحج ترك طواف الإفاضة وسافر، فيظل على إحرامه، فيحرم عليه أن يأتي النساء إلى أن يرجع ويطوف طواف الإفاضة، فلو ترك طواف الوداع فيجبره بدم. وطواف الوداع يسمى طواف الصدر، وهو واجب من واجبات الحج، واختلف العلماء هل طواف الوداع واجب في العمرة أم ليس واجباً؟ والراجح أنه سنة في العمرة، لكن في الحج واجب.
معنى البيت العتيق
معنى البيت العتيق قوله سبحانه: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29] وصف الله البيت بأنه عتيق، وكلمة عتيق تحتمل عدة معان أكثرها موجودة في البيت الحرام، قال الله عز وجل: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} [آل عمران:96]، فهو عتيق لكونه أقدم بيوت الله سبحانه وتعالى. ويسمى عتيقاً؛ لأن الله عز وجل أعتق هذا البيت من أن يتسلط عليه الجبابرة، فلا أحد تسلط عليه وتركه الله سبحانه وتعالى، فلما جاء أبرهة لهدم البيت أرسل الله عليه: {طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:3 - 5]، فأعتقه الله عز وجل من تسلط الكفار والجبابرة. وسمي عتيقاً؛ لأنه لم يملك موضعه قط، فلم يملك أحد هذا المكان أبداً لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام، فهو بيت عتيق لأنه لم يملك. وأيضاً هو بيت يعتق الله من يدخلونه من النار، فالحجاج أكثر من يعتقهم الله سبحانه تبارك وتعالى من النار. وقيل: ويسمى البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق في الطوفان، فعندما غرقت الأرض كلها في الطوفان، أعتق الله عز وجل البيت، فلم يناله من ذلك شيء. وقيل: العتيق بمعنى الكريم، والعتق في اللغة تطلق بمعنى الكرم، فهو بيت كريم. وقالوا: العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء، كقول عمر رضي الله عنه: حملت على فرس عتيق، أي على فرس جيد. وكل هذه المعاني موجودة في بيت الله الحرام، فهو أقدم بيت وضع للناس، وهو أشرف وأكرم موضع على الأرض، والله سبحانه تبارك وتعالى عتقه من تسلط الجبابرة عليه، والله عز وجل أعتق العبيد الذين يحجون إلى هذا البيت، فيعتق الله سبحانه رقابهم من النار.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم) قال الله عز وجل: {ذَلِكَ} [الحج:30] يعني فرضكم ذلك، فهو خبر للمبتدأ، أو مفعول لفعل محذوف تقديره: امتثلوا ذلك الذي أمرناكم به من الحج والطواف بالبيت العتيق والوفاء بالنذور وغير ذلك، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30]، فمدح الله سبحانه الذين يعظمون حرمات الله سبحانه تبارك وتعالى، والحرمات المقصود بها هنا أفعال الحج المشار إليها بقوله سبحانه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]، لأن هذه من الحرمات، ومنها أيضاً تعظيم هذا المكان، واحترام هذا المكان، فعلى الإنسان أن يعظمه فلا يحدث فيه ولا يبتدع فيه ولا يأتي فيه بمعصية ولا فاحشة، والحرمات أيضاً امتثال أوامر الله سبحانه تبارك وتعالى من الفرائض والسنن. {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30] فهو خير قدمه وجعله عند الله سبحانه، أو خير أفعل تفضيل بمعنى أن هذا الأعظم والأفضل له والأخير له عند الله سبحانه وتعالى.
معنى قوله تعالى: (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم)
معنى قوله تعالى: (وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم) قال الله تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [الحج:30]، الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، فأحلها الله سبحانه إلا ما يتلى عليكم مما ذكره سبحانه في سورة المائدة بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة:3]، فأحل لنا الأنعام إلا ما يكون منها منخنقة أو موقوذة أو نطيحة أو بقية مما أكل السبع، فهذه الأشياء ميتة فلا يحل لنا أن نأكل ما مات من بهائم الأنعام أو ما ذبح لغير الله عز وجل، ويحل لنا ما ذكي شرعاً.
معنى قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)
معنى قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) قال تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] الرجس يطلق على الشيء القذر، وفي القرآن تأتي كلمة الرجس والرجز، والرجز أصل معناها العذاب، والرجس معناها العذرة والنتن، والرجس تحتمل المعنيين كأنه يقول: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج:30] يعني القاذورات والنجاسات من هذه الأوثان التي من عبدها أدخلته في رجز من عذاب الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج:30] يقال: وثن الشيء إذا أقام في مقامه، فالشيء القائم الذي يعبد من دون الله يسمى وثناً سواء كان من خشب أو من حديد أو من ذهب أو فضة أو صليب، هذا كله من الأوثان، ولذلك قال عدي بن حاتم: (قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب)، كان نصرانياً وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم لابساً صليباً من ذهب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألق هذا الوثن عنك) فسماه وثناً، فالشيء الذي يعبد من دون الله سبحانه تبارك وتعالى على هيئة خشبة أو حديدة أو تمثال هو من الأوثان. ويسمى الصنم وثناً؛ لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه، فهو شيء قائم في مكان لا يرفع من هذا المكان الموجود فيه. وسماه رجساً؛ لأنه سبب للرجز وسبب لعذاب الله سبحانه؛ ولأنه أيضاً من القاذورات التي كانوا عليها في الجاهلية، والرجس النجس، فالأوثان نجسة حكماً، وقلوب الذين يعبدونها من دون الله سبحانه وتعالى نجسة، وإن كان التمثال لو مسه الإنسان لا نقول له: انتقض وضوءك أو توضأ، لكن من عبده فقد دخل في قلبه الرجس والنجس وقاذورة الكفر. قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30] حرم الله سبحانه وتعالى قول الزور في هذه الآية، وفي الصحيحين من حديث أبي بكرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور، وشهادة الزور)، كان متكئاً فجلس يعني اشتد غضبه صلى الله عليه وسلم لما ذكر شهادة الزور، فقال ذلك حتى قال الصحابي: (حتى قلنا: ليته سكت!) يعني أشفقوا على النبي صلى الله عليه وسلم من شدة غضبه حين ذكر قول الزور. فالله سبحانه تبارك وتعالى ينهانا عن الشرك بالله سبحانه، وينهانا عن قول الزور وشهادة الزور. ثم قال: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ} [الحج:31]، يعني كونوا مستقيمين لله سبحانه تبارك وتعالى على الحق مبتعدين عن الباطل، وكلمة حنفاء من ألفاظ الأضداد معناها الاستقامة ومعناها الاعوجاج، فأصل معناها حنف عن الشيء بمعنى مال، ولكن صار المعنى الشرعي لها دالاً على الاستقامة، يعني البعد عن الكفر والاستقامة على طريق الله سبحانه تبارك وتعالى. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [30 - 34]
تفسير سورة الحج [30 - 34] لقد أمر الله تعالى بتعظيم حرماته وشعائره وعدم انتهاكها؛ تعظيماً للآمر بها وهو الله تعالى، وجعل تعالى تعظيم حرماته وشعائره دليلاً على تقوى القلب، وشعائر الله هي معالم الدين عموماً، ومنها مناسك الحج، وجميع هذه الأوامر مما يجب تعظيمها طاعة لله، واتباعاً لشرعه.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير لهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:30 - 31]. ذكر لنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات أن من يعظم حرمات الله سبحانه فذلك خير له عند ربه، وحرمات الله سبحانه وتعالى المقصود بها هنا: أعمال وأفعال الحج المشار إليها في الآية السابقة بقوله سبحانه: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:29]. وقد تأتي كلمة الحرمات بمعنى العموم، أي: أمر الله سبحانه تبارك وتعالى به في دينه، من أوامر، وفرائض، وسنن، فالذي يعظم أوامر الله عز وجل ويعمل بها، مطيعاً لرب العالمين سبحانه، فهذا له خير عند الله سبحانه، وأفضل له أن يطيع الله سبحانه وتعالى فذلك هو الخير، بل أعظم الخير عند الله سبحانه. قال تعالى: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ} [الحج:30]، ذكرنا في الحديث السابق: أن الله عز وجل من على عباده بأن أنزل لهم ثمانية أزواج من الأنعام، من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فهذه هي بهيمة الأنعام التي أنزلها الله عز وجل لعباده، خلقها لهم، وجعلها مسخرة تحت أيديهم، يأكلون منها، وينتفعون بألبانها، وأشعارها وأوبارها وأصوافها، وهذا من فضله سبحانه تبارك وتعالى. ثم استثنى فقال: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [الحج:30] يعني: من تحريم الميتة، ومنها الموقوذة، والنطيحة، وما أكل السبع، فهو حرام. قال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج:30]، فنهانا سبحانه تبارك وتعالى عن عبادة غير الله سبحانه، وسمى الأوثان والأصنام التي يعبدونها من دون الله رجساً، وأصل الوثن: هو التمثال أو الشيء الذي يكون ثابتاً في مكانه، ويكون من خشب أو من حديد، أو من ذهب، أو نحو ذلك، فقالوا: وثن الشيء أي: قام في مقامه، فسمي الصنم صنماً؛ لأنهم يثبتونه في مكانه، ويعبدونه من دون الله سبحانه تبارك وتعالى. فهنا ذم الله الأوثان وقال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج:30]، فوصف الأوثان بأنها رجس، وأنها قذر نتن، وأنها شيء يشوش على الناس عقائدهم، ويجعل في قلوبهم الرجس والنجاسة القلبية المعنوية من الشرك بالله سبحانه تبارك وتعالى وغيره. فقال: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ} [الحج:30]، فكأنه نهاهم سبحانه تبارك وتعالى عن الرجس عامة، وخاصة الأوثان وما كان مثلها، وبين أن الرجس من الأوثان عبادة لغير الله سبحانه.
خطر شهادة الزور
خطر شهادة الزور ذكر الله شهادة الزور بعد الرجس من الأوثان وبين أن شهادة الزور شيء فاحش، فذكره هنا وكأن شهادة الزور، عدلت الشرك بالله سبحانه فذكرت معه، وشاهد الزور لا يقال: إنه مشرك وخارج من الدين، ولكن إثمه عظيم جداً، والإنسان الذي يشهد الزور يكون الضرر منه، ليس على نفسه فقط، ولكن يكون ضرره على الإنسان المظلوم الذي شهد عليه زوراً وظلماً، وهذا الإنسان المظلوم قد يقام عليه الحد ظلماً وزوراً، أو يؤخذ ماله، أو يسفك دمه ظلماً وزوراً، فضرر شاهد الزور متعدٍ، ويراه الناس وكأنه يشهد بحق أمام القاضي، وأنه عدل، فيحكم القاضي بما يقول هذا الشاهد، فيضر الآخرين. ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شهادة الزور، وهو يتكلم عن أكبر الكبائر، قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس) صلى الله عليه وسلم، لما وصل عند ذكر شاهد الزور، وكان متكئاً فجلس، وكأنه لما استحضر حال شاهد الزور غضب (وقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، كررها ثلاث مرات صلوات الله وسلامه عليه، فغضب حين استحضر كيف يفعل هذا الإنسان، فيري الناس أنه صادق وحقيقته أنه كذاب، يضر إنساناً مظلوماً، ويضيع عليه حقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور)، قال الصحابي راوي الحديث: (فما زال يقولها -يعني: يكرر هذه الكلمة- حتى قلنا: ليته سكت) يعني: أشفقوا على النبي صلى الله عليه وسلم من شدة غضبه حين تذكر شاهد الزور، فتمنوا لو أنه اكتفى بذلك وسكت؛ وذلك منهم شفقة على النبي صلوات الله وسلامه عليه.
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به)
تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به) قال تعالى: {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] أي: كونوا حنفاء مستقيمين على دين الله، مسلمين لله، مائلين عن الباطل إلى الحق، كما ذكرنا في الحديث السابق أنها من ألفاظ الأضداد، يعني: أنها تطلق على المعنى وعلى ضده فأصلها من الحنف، والحنف: الميل، وهنا المقصود منها: الاستقامة، يعني: البعد والميل عن الباطل، والاستقامة على الحق. قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] أي: أن الإنسان المشرك بالله سبحانه وتعالى يوم القيامة هو بمنزلة من لا يملك لنفسه شيئاً، وهو في الدنيا قد يظن أنه يملك شيئاً، ولكنه يوم القيامة لا يملك أي شيء، وحاله كطير خر من السماء، أو كشيء وقع من السماء، فإذا بالطيور الجوارح تأتي عليه وتتخطفه من كل مكان، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا يدفع عن نفسه ضرراً ولا عذاباً. وقوله تعالى: {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} [الحج:31] بالتخفيف قراءة الجمهور، وقراءة المدنيين نافع وأبي جعفر: (فتخطَّفه الطير) بتشديد الطاء، يعني: أنها تأخذ منه وتقطعه بمخالبها، وقيل: إن هذا يكون عند خروج روحه، فالإنسان الكافر وكذلك الفاجر تخرج روحه بصعوبة وبشدة، وتتمزق والملائكة يخرجونها من داخله، وبعد ذلك يصعدون بها إلى السماء، فإذا استفتحوا بروحه السماء لم يفتح له، فتلقى من السماء، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها تلقى من السماء، وتلا هذه الآية: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31])، (تهوي) يعني: تسقط به الريح، (في مكان سحيق) أي: مكان بعيد كأن الريح طارت به وأوقعته في جب عميق بعيد قعره. قال سبحانه تبارك وتعالى: {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] المعنى: أن الإنسان المشرك بالله له عذاب عظيم جداً، لا يقدر أن يدفع عن نفسه هذا العذاب، كما لا يقدر الذي خر من السماء وتناوشته الطير وتخطفته أن يدافع عن نفسه.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، إن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، والشعائر جمع شعيرة، والشعيرة أصلها: العلامة، وشعائر الدين: أعلام الدين ومعالمه العظيمة، فعلى الإنسان أن يعرف أن هذا الدين هو دين التوحيد، ويعظم توحيد الله سبحانه تبارك وتعالى، وأن يعلم أن هذا الدين من أركانه: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، ويجب عليه أن يعظم هذه الأركان التي فرضها الله سبحانه، فمثلاً الإنسان الذي يحج بيت الله الحرام، هو بذلك يقيم أعظم المناسك، وأعظم الشعائر وهو أنه يعظم توحيد الله، ويعظم مناسك الحج، ويعظم ما يهدى إلى البيت من بدن هي من معالم الحج، فتعظيم دين الله سبحانه دليل على تقوى قلب الإنسان، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] فإن الفعل نفسه وهو التعظيم من تقوى القلوب، أو أن الشعائر التي يستقر في القلوب تعظيمها هي من تقوى القلوب. إذاً: الضمير في الآية: {فَإِنَّهَا} [الحج:32] يعود على الشعائر، أو على فعل تعظيم هذه الشعائر، وأن ذلك من تقوى قلوب من يفعلها.
وقت ذبح الهدي ومكانه
وقت ذبح الهدي ومكانه {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] ومعنى محلها كأنه مأخوذ من إحلال المحرم، فكأن المعنى محل الشعائر، إما على المعنى الواسع وهو: طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى، أو على المعنى الضيق وهو: مناسك الحج. وقوله تعالى: {مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] المراد بذلك: طواف الإفاضة، يعني: بعد أن تحرم، وتطوف، وتسعى، وتقف يوم عرفة، وبعد أن تذهب إلى المزدلفة، وترجع إلى منى، وترمي الجمار، ترجع لتطوف بالبيت، فالآن تحل الحل الكبير، فبطواف الإفاضة يحل الإنسان الحل كله، فقالوا: المعنى: أن شعائر الله في الحج، من الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والسعي، تنتهي بطواف الإفاضة، فعلى ذلك يكون هنا محلها، أي: نهاية الإحلال من شعائر الحج ومناسكه. وقال الإمام الشافعي: المقصود هنا بقوله تعالى: (محلها) البدن نفسها، يعني: مكان ذبحها، وأنها تذبح في الحرم، فمعنى قوله: {مَحِلُّهَا} [الحج:33] أي: إلى الحرم، وهذا بناء على أن الشعائر هي: البدن.
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى)
تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) قال تعالى: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [الحج:33] أي: في هذه المناسك منافع، منها: سوقكم الهدي إلى البيت، فلكم فيها منافع إلى أجل مسمى، فالإنسان الذي يسوق الهدي من إبل، أو من بقر، أو من أغنام، فهذا دليل تقوى قلبه، فإنه إنما يسوقها معظماً لشعائر الله سبحانه، وله أن ينتفع بها، فيأخذ من لبنها ما يحتاج إلى شربه، ويركب عليها إذا احتاج إلى ذلك حتى يصل بها إلى مكان نحرها وذبحها. فقال سبحانه: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [الحج:33] أي: في البدن التي تساق إلى بيت الله الحرام، من الركوب، ومن الدر، ومن النسل، ومن الصوف وغير ذلك مما يحتاج إليه حتى يصل بها إلى بيت الله الحرام. وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة) يعني: أنه رآه يسوق جملاً أو ناقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها)؛ لأن الرجل ناله جهد، ونالته مشقة شديدة، ومع ذلك فهو من تعظيمه لهذه الشعيرة يمشي خلف ناقته ولا يريد أن يركبها، وقد أنهكه التعب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مشفقاً عليه: (اركبها)، فهذه من ضمن المنافع، فقال الرجل: (إنها بدنة) يعني: هذا هدي لبيت الله الحرام، فكيف أركبه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها)، فأذن له بذلك، فقال الرجل: إنها بدنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويلك أو ويحك اركبها)، فأمره بركوبها، وهذا دليل على أن الإنسان إذا احتاج لركوب البدنة ركبها، وإن احتاج لصوفها، أو إلى شرب لبنها، فله أن ينتفع بها إلى أن يصل إلى بيت الله الحرام. وقد جاء في الحديث الآخر في صحيح مسلم قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً) يعني: إن احتجت إلى ذلك، وتعبت ومعك الجمل الذي أنت ذاهب به إلى بيت الله الحرام لتنحره هنالك، فلك أن تركبه بالمعروف إذا كنت محتاجاً، وأما إذا لم تكن محتاجاً فلا داعي للركوب. قال سبحانه: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33]، والأجل المسمى: يوم الذبح، وأما قبل ذلك فلكم فيها منافع.
وقت ذبح الهدي ومكانه
وقت ذبح الهدي ومكانه {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] ومعنى محلها كأنه مأخوذ من إحلال المحرم، فكأن المعنى محل الشعائر، إما على المعنى الواسع وهو: طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى، أو على المعنى الضيق وهو: مناسك الحج. وقوله تعالى: {مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج:33] المراد بذلك: طواف الإفاضة، يعني: بعد أن تحرم، وتطوف، وتسعى، وتقف يوم عرفة، وبعد أن تذهب إلى المزدلفة، وترجع إلى منى، وترمي الجمار، ترجع لتطوف بالبيت، فالآن تحل الحل الكبير، فبطواف الإفاضة يحل الإنسان الحل كله، فقالوا: المعنى: أن شعائر الله في الحج، من الوقوف بعرفة ورمي الجمار، والسعي، تنتهي بطواف الإفاضة، فعلى ذلك يكون هنا محلها، أي: نهاية الإحلال من شعائر الحج ومناسكه. وقال الإمام الشافعي: المقصود هنا بقوله تعالى: (محلها) البدن نفسها، يعني: مكان ذبحها، وأنها تذبح في الحرم، فمعنى قوله: {مَحِلُّهَا} [الحج:33] أي: إلى الحرم، وهذا بناء على أن الشعائر هي: البدن.
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا)
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً) قال سبحانه: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34]، ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا)) قرئت (منسَكا) وهي قراءة الجمهور، و (منسِكاً) بكسر السين وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف، والمعنى على القراءتين واحد، والمنسك له عدة معانٍ، وكلها داخلة تحتها، فمن معانيها: الشرائع يعني: جعلنا شريعة لكل أمة، وإن كانت كل الأمم مجتمعة على التوحيد، فإن كل الرسل أمرهم الله أن يدعوا إلى عبادة ربهم سبحانه، كما قال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59] فالكل يدعوا إلى دين واحد وهو: دين الإسلام والاستسلام لرب العالمين، والطاعة، والإذعان، والخضوع لله سبحانه وتعالى، ولكن جعل لكل منهم شرائع، وكيفيات مختلفة في حجهم وغير ذلك، وجعل لكل أمة منهم منسكاً. ومن معاني المنسك: الذبح. ومن معانيه أيضاً: الطاعة، أو طرق الطاعة، وكيفيتها. وذكروا من معاني المنسك: أنه موضع الذبح. وقالوا: المنسك: هو أصل المكان المعتاد للشيء، فالمناسك: هي الأماكن التي يعتاد الذهاب إليها في أوقات الحج. وكذلك قالوا في معنى: (منسكاً): مذهباً، يعني: من طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى، فكل أمة شرع الله عز وجل لهم كيفية في العبادة. قال سبحانه: {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34] أي يذكرون اسم الله عز وجل على بهيمة الأنعام، يعني: أنهم حين يرونها يكبرونه، وحين يذبحونها يسمونه، ويكبرونه سبحانه.
الاستسلام في كل أمر لله
الاستسلام في كل أمر لله قال سبحانه: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا} [الحج:34] أي: وإن اختلفت شرائع الأمم، فهؤلاء يزيدهم أوامر، وهؤلاء يضع عنهم آصاراً وأغلالاً، وغير ذلك، ولكن في النهاية فإن الجميع مأمورون بطاعة الله، وبعبادته على الدين الذي شرعه سبحانه. {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الحج:34] أي: فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله سبحانه تبارك وتعالى. {فَلَهُ} [الحج:34] أي: وحده لا شريك له. {أَسْلِمُوا} [الحج:34]، وهذا دين الإسلام الذي أمر الله به عباده، وأمر به الرسل أن يسلموا أنفسهم لله رب العالمين. وعلى العبد أن يكون كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:162 - 163]، فهنا أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الأنبياء من قبله، أن تكون حياتهم كلها طاعة لرب العالمين، فخصص في قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام:162]، ثم عمم بقوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} [الأنعام:162] أي: كل شيء في حياتي يكون لله رب العالمين، فالإنسان تكون حياته كلها عبادة لله سبحانه، بصلاة أو صوم، أو أي عبادة تعمل، سواء في قيامه أو في نومه فهو يعبد الله في ذلك، فهو ينام ليستريح فيقوم ليكمل عبادة رب العالمين سبحانه. وكذلك إذا أشغل لعمله فهو يريد أن يتحرى الحلال، فيعبد الله عز وجل بطاعته، وذلك باجتنابه المحرمات، مستحضراً الخوف من الله سبحانه، فهذه أيضاً عبادة لرب العالمين سبحانه. وكذلك يتعبد لله بصلاته، بصومه، بزكاته، بحجه، باعتكافه، بنذره، بجهاده، بأمره بالمعروف بنهيه عن المنكر، إذاً: يكون عمله كله عبادة لله رب العالمين، فقال تعالى هنا: {فَلَهُ} [الحج:34] أي: الإله الواحد لا شريك له. {أَسْلِمُوا} [الحج:34] أي: استسلموا له، وسلموا إليه قلوبكم وأبدانكم، ووجهوا وجوهكم له وحده. {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34]، والإنسان المخبت هو: المطيع المتواضع، الخاشع لله سبحانه، وأصل الخبت هو: ما انخفض من الأرض، ومنه: الأرض المخبتة، وهذه أرض خبت أي: فيها انخفاض، فعلى الإنسان أن يتواضع ويذلل نفسه لله رب العالمين. فقوله: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34] أي: يبشر المتواضعين لله سبحانه. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من تواضع لله رفعه الله). إن الله عز وجل يبشر هؤلاء هنا، وهم المتواضعون الخاشعون من المؤمنين، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [34 - 36]
تفسير سورة الحج [34 - 36] أمر الله تعالى جميع الأمم أن يوحدوه، وجعل لكل أمة منسكاً وعيداً ليذكروا اسم الله فيه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وأمر الله رسوله أن يبشر المخبتين بكل خير في الدنيا والآخرة، وهم الخائفون من الله الصابرون على أقدار الله، المقيمون الصلاة والمنفقون مما رزقهم الله.
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكا)
تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج:34 - 36]. ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى أنه جعل لكل أمة منسكاً أي: ذبائح يذبحونها وطاعات يفعلونها متقربين بها إلى ربهم سبحانه تبارك وتعالى، وكل أمة شرع الله عز وجل لهم عبادات يعبدون الله سبحانه تبارك وتعالى بها، فالذبائح كانت لكل أمة من الأمم يتقربون لله عز وجل بذبحها. والنسك يأتي بمعنى العبادة والطاعة لله سبحانه تبارك وتعالى، فالأمم كلها وإن اختلفت شرائعهم يتفقون في أمر توحيد الله سبحانه وعبادة الله وحده لا شريك له. قال الله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ} [الحج:34]، فالغرض من الذبح هو ذكر اسم الله سبحانه تبارك وتعالى. ثم قال: {فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34] الإله واحد فاعبدوه وحده لا شريك له، متقربين إليه بالصلاة، وبالذبح، وسائر الطاعات؛ فإذا أسلمتم لله عز وجل وأخبتم أي: أطعتم الله وتواضعتم وخشعتم لله سبحانه فلكم البشارة، قال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج:34].
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)
تفسير قوله تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) هؤلاء المخبتون المتواضعون الخشع من المؤمنين من صفاتهم: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:35]، فذكر الله أربعة أوصاف لهؤلاء المخبتين المؤمنين المطيعين لله سبحانه تبارك وتعالى، فمن أوصافهم: أنهم إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والوجل: شدة الخوف والرهبة من الله سبحانه تبارك وتعالى، فالمؤمن إذا ذكر الله يهتز قلبه ويقشعر جلده ويخاف من الله سبحانه تبارك وتعالى، وعلم أنه ملاق ربه فاستعد ليوم الحساب والجزاء. وقد حصر الله عز وجل هذا الوصف في المؤمنين فقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال:2 - 3]، وهنا ذكر هذه الأوصاف فقال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج:35]، وقال الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة الزمر: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23] فالمؤمنون صادقون مع الله سبحانه يخافون ربهم، يقرءون القرآن فتقشعر جلودهم وأبدانهم، وتلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، فهم يعودون ويرجعون إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، وكلما سمعوا ذكر الله اهتزت قلوبهم، فلما ذكروا الله ذكروا عذابه فخافوا، وذكروا رحمته فلانوا لله سبحانه تبارك وتعالى، {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23].
الصبر
الصبر ثم قال في هذه الآية: {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} [الحج:35] هذا وصف آخر لهم، الصبر على ما أصابهم من أقدار الله سبحانه تبارك وتعالى، صبروا على الطاعة، وصبروا عن محارم الله سبحانه، وصبروا على القضاء والقدر، فما قدره الله عز وجل عليهم رضوا به، فهم راضون عن الله سبحانه، فلما كان عند وفاتهم رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولما لقوا ربهم يوم القيامة رضي عنهم ورضوا عنه، فقال هنا سبحانه: {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} [الحج:35] والإنسان المؤمن مبتلى، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه؛ فإن كان في دينه شدة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة قلل له من البلاء) بحسب دين المؤمن يبتلى، فيزيد الله عز وجل بلاء الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ لأن درجاتهم عظيمة عند الله سبحانه، فيرفع درجاتهم بالصبر على هذا البلاء؛ لذلك الإنسان إذا رأى صاحب مصيبة ما يقول: هذا يستحق، انظروا ماذا عمل، فلعل هذا المبتلى يكون له أجر عظيم عند الله، ويكون له درجة لم يبلغها بعمله، فالله ابتلاه بالصبر، فالمؤمنون يصبرون على أوامر الله سبحانه، وعلى أقدار الله سبحانه، وعما نهى الله عز وجل عنه.
إقامة الصلاة
إقامة الصلاة قال الله: {وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ} [الحج:35] لم يذكر أنهم يصلون فقط، ولكن ذكر أنهم أقاموا الصلاة، يعني: يعدل صلاته ويستقيم عليها، فأقامها من إقامة القدح وهو الذي يكون في السهم، فيقيمه بأن يعدل الحديدة التي سيجعلها سهماً يرمي به، ولو كانت معوجة لا تصل إلى هدفها، فالصلاة إذا كانت معوجة، وإذا كانت فيها اختلاس يختلسه الشيطان من العبد، وإذا كانت الصلاة ينقرها الإنسان كنقر الغراب؛ فلم يقمها كما أمر الله عز وجل، بل نقص من صلاته حتى تضيع منه هذه الصلاة، فالمؤمن يقيم صلاته كما أمره الله سبحانه، ويستقيم عليها ويداوم عليها، ويحسن صلاته.
الإنفاق
الإنفاق قال الله سبحانه: {وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الحج:35]، فرزقهم الله عز وجل فعرفوا فضل الله عز وجل عليهم، وعرفوا أن هنالك من حرم فيعطون هذا المحروم، ولو شاء الله لحرمهم، فالإنسان المؤمن كيس فطن يتفكر ويتدبر ويتأمل، فالله أعطاني، وحرم فلاناً ولو شاء الله لعكس الأمر فأعطاه وحرمني، فبما أنه أعطاني فسأجود بما أعطاني الله سبحانه تبارك وتعالى، وأعطي هذا الإنسان المحتاج، والمؤمن موقن أن المال مال الله، والله جعل العباد خلفاء في الأرض كما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] إنسان يخلف غيره، ويخلفه غيره، فالناس خلفاء في الأرض، إنسان يعيش فترة يستمتع بهذه الدنيا ويعبد ربه سبحانه تبارك وتعالى، ثم يموت ويخلفه غيره حتى يرث الله الأرض ومن عليها سبحانه تبارك وتعالى؛ فإذا كان الإنسان مستخلفاً في الأرض وما هو مالك لهذه الأرض، بل يعيش فيها فترة من الزمن، ثم يمضي ويتركها، ويأتي غيره، والناس يخلف بعضهم بعضاً على هذه الأرض، والمال الذي مع الإنسان سيتركه يوماً من الأيام لغيره؛ فلينفق من هذا المال حيث يريد الله سبحانه تبارك وتعالى، فلينفق على نفسه وعلى عياله، وعلى زوجته، وعلى الأقربين، لينفق في طاعات الله سبحانه تبارك وتعالى، وليؤد زكاة ماله، وليؤد الحقوق التي فرضها الله عز وجل عليه من واجبات ومستحبات.
الخشية من الله
الخشية من الله المؤمنون يعرفون الحقوق وينفقون فيما يرضي الله سبحانه تبارك وتعالى، فمدحهم الله بهذه الصفات، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الصفات يخشعون لذكر الله سبحانه تبارك وتعالى، وعندما تتلى عليهم الآيات يبكون، وكان قدوتهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، عندما كان يقرأ القرآن يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من خوفه من الله عز وجل، ومن بكائه وكتمه لهذا البكاء، فيسمع الصوت من صدره، وليس من فمه صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يسمعون لصدره أزيزاً كأزيز المرجل. وجاء في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة) يعني: يوم من الأيام رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الثاني سأل، ثم الثالث سأل، وكان يكره السؤال صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، فلعل الإنسان يسأل عن شيء فيحرم على الناس من أجل مسألته، ومن كثرة التدقيق والأسئلة لعلهم يسألون عن أشياء لا يحل لهم أن يسألوا عنها، مثل الرجل الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أين أبي؟) أبوك قد مات فلماذا تسأل هذا السؤال؟ فلما سأل عن هذا قال له: (في النار)، فلو قال الثاني: أين أنا ويجيء وحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا في النار فتكون الفضيحة في الدنيا، فلما أكثروا من السؤال غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام ووقف على المنبر صلوات الله وسلامه عليه فقال للناس: (لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا) وكان هذا القول منه قول غضب، والله عز وجل أوحى إليه بذلك، يعني اتركهم يسألوا وأجبهم عن الأسئلة التي يسألون عنها بما فيها، فلما رأوا غضب النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذه مصيبة من المصائب جلسوا يبكون، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: (فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون أمر قد حضر) يعني خشوا أن تكون مصيبة تحضرهم في هذا المقام، فرجعوا إلى أنفسهم وسكتوا، يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: (فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي)، انظروا عقل الصحابة رضوان الله عليهم وإيمانهم، لما قال لهم: اسألوا، علموا أنهم أخطئوا في حق النبي صلى الله عليه وسلم، فجلسوا يبكون فيما بينهم وبين الله عز وجل، وليس رياءً، بل كل واحد مغطي رأسه بثوبه يبكي بينه وبين الله عز وجل، نادم على ما قال للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذه أحوال الصحابة رضوان الله عليهم، ولعل بعضهم يخطئ في الشيء فيقوم الباقي يذكرونه فيرجعون إلى الله عز وجل تائبين منيبين إليه خاشعين، فمدحهم الله عز وجل على خشوعهم، وهنا ذكر المؤمنين فقال: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ} [الحج:35]، ومدح الله عز وجل الذين يدخلون في هذا الدين من قسيسين ورهبان بأنهم يعرفون أن هذا الدين هو الحق، ويعرفون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستكبرون؛ فإذا عرفوا الحق بكوا من ذلك، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة:83]، وهؤلاء هم الذين عرفوا بشارات النبي صلى الله عليه وسلم وانتظروا بعثته، فلما سمعوا ما أنزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عرفوا صدق ذلك من كتبهم، فدخلوا في هذا الدين ولم يستكبروا، أما غيرهم ممن رفضه فقد استكبروا عن دين الله سبحانه تبارك وتعالى، فقال الله عن هؤلاء: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} [المائدة:83 - 84] لماذا لا نؤمن وندخل مع القوم الصالحين؟ فمدحهم الله عز وجل على خشوعهم، وعلى إخباتهم، وعلى دخولهم في دين النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنه الحق، وكان لهم أجران وليس أجراً واحداً، أجر على أنهم آمنوا بنبيهم عليه الصلاة والسلام، وأجر على أنهم آمنوا بنبينا صلوات الله وسلامه عليه.
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) قال الله سبحانه: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] البدن: جعلها الله عز وجل من الشعائر، والبدن من التبدين، وكأن البدن مأخوذ من البدانة، وهي تطلق على الإبل، وكذلك تطلق تجوزاً على البقر، يقال: بدن الرجل إذا سمن، ويقال: بدَّن الرجل إذا كبر في السن، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني قد بدنت) يعني: كبرت في السن، وقد قال ذلك وهو في سن الستين عليه الصلاة والسلام، فكان في الصلاة ينزل ببطء ويقوم ببطء، فقال للناس: (إني قد بدنت فلا تسبقوني بالركوع والسجود) أي: راعوا عند نزولي فلا تنزلوا قبلي؛ ولذا يجب على المصلي ألا يسبق الإمام بركوع ولا بسجود، ولا يزعم أنه بذلك خاشع لله سبحانه تبارك وتعالى، وكان الصحابة ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم حتى يضع جبهته على الأرض في السجود فيهوون في السجود، فلا ينزل أحدهم قبل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن الخطأ الذي يقع فيه كثير من إخواننا أنه لا يراعي الإمام الذي يكون ضعيفاً في نزوله أو في قيامه، فترى المأموم يسجد على الأرض والإمام ما قد سجد، فلا تكن مسابقاً للإمام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار)، وكذلك لا ترفع بصرك إلى السماء، ولا تسبق الإمام في الرفع ولا في السجود، ولكن كن بعد الإمام، وأيضاً لا تتخلف عن الإمام كثيراً، فهذا كله من الخطأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كبر فكبروا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا) فالفاء هنا للترتيب والتعقيب، فإذا سجد الإمام فاسجد بعده مباشرة، وإذا رفع ترفع بعده مباشرة، وإذا سلم سلم بعده بلا تأخير، فأنت في صلاة الجماعة مع إمام ولست وحدك، وإذا صليت وحدك فأطل ما شئت، لكن وأنت مع الإمام فلا تخالف الإمام في ركوع، ولا في سجود. قلنا: البدن تطلق على الإبل، وقد تطلق على البقر، فهذه البدن جعلها الله عز وجل من شعائر الله. قال: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] يعني: بهيمة الأنعام لكم فيها خير، فالإبل تركبونها، وتأخذون من ألبانها، وتأخذون من أوبارها، وتنحرونها لله سبحانه. قال: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] يعني: منافع دينية ودنيوية، {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] الأصل في البدن أنها الإبل، فذكر كيفية نحرها، فقال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] فينحر الجمل وهو قائم، والبقر والغنم تذبح مضجعة على الجانب الأيسر، وأنت تمسك السكين بيمينك وتذبحها، لكن الإبل تنحر قائمة، هذه هي السنة فيها، والنحر هو الطعن بنصل في اللبة يعني: في أسفل رقبة الجمل، وهذه الطعنة تقطع عروق القلب وقد تصل إلى القلب نفسه، فيسرع إزهاق الروح بذلك، وأما الذبح فيقطع العروق التي في الرقبة، وهي عروق القلب، ويقطع الحلقوم والمريء والودجين اللذين في جانبي الرقبة. إذاً: السنة في الإبل النحر وهي قائمة واقفة صواف كما ذكر الله عز وجل، {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] بمعنى: وهي قائمة على ثلاثة قوائم معقولة اليد اليسرى، فإذا أراد نحر الجمل يثني يده اليسرى ويربطها، فيقف على رجلين واليد اليمنى، فإذا طعنه لا يتحرك الجمل، ويسقط على جنبه. قال الله: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] اذكروا اسم الله يعني: تسمون الله سبحانه تبارك وتعالى، أو تذكر اسمه فتقول: باسم الله أو تقول: الله أكبر، فتذكر الله عز وجل وأنت تنحر الجمل، وكذلك وأنت تذبح البقر. وفي صحيح مسلم أن ابن عمر أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركة يعني: معه ناقة ينحرها وهي باركة فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم) وكان ابن عمر يفعل ذلك رضي الله عنه، فعندما كان في شبابه وقوته كان يأخذ الحربة بيده فينحرها في لبتها، فلما أسن عبد الله بن عمر كان يصعب عليه ذلك، بسبب أنه ضعف لكبر سنه، فكان ينيخ الجمل وينحره وهو قاعد. والنحر أو الذبح للأضحية أو الهدي لا يكون إلا بعد طلوع الشمس من يوم العيد، ولا يجوز قبل طلوع الشمس بإجماع العلماء في الأضحية. والأضحية لا تكون إلا بعد صلاة العيد. قال الله سبحانه: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج:36] أي: إذا سقطت على الأرض تأكل منها، قال: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] (فكلوا منها) هذا أمر من الله عز وجل، وحمله جماهير العلماء على الاستحباب، فيستحب أن تأكل منها، وأن تطعم منها. والقانع: هو الذي قنع بالسؤال، يعني: يمد يده ويسأل، والمعتر: هو الذي يعتريك ويمر بك لتراه فتعطيه على وجه الهدية، ومن هنا أخذ العلماء أنك تطعم البائس الفقير ثلثاً، وتهدي للذي لا يسأل ثلثاً، وثلث تأكل أنت منه، فتقسمها أثلاثاً، وما هو شرط أن تكون أثلاثاً متساوية. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [36 - 38]
تفسير سورة الحج [36 - 38] من نعم الله أن شرع للمسلمين شعيرة ذبح الهدي والأضاحي، ليذكروا اسم الله عليها، ويأكلوا منها ويطعموا الفقراء ويشكروا الله، والله لا يقبل منها إلا ما كان خالصاً له، فإنه لا يتقبل إلا من المؤمنين المتقين، فهؤلاء لهم البشرى في الدنيا والآخرة، والله يتولاهم ويحفظهم ويدافع عنهم في الدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:36 - 38]. في هذه الآيات من سورة الحج يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى عن نعمة من نعمه سبحانه تبارك وتعالى على عباده، وهي البدن، فقال: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36]، والبدن هي الإبل، وتطلق أيضاً على البقر، فجعل الله عز وجل بهيمة الأنعام نعماً لعباده يأكلون منها، ويركبون منها، ويستخدمون أشعارها وأوبارها وأصوافها أثاثاً ومتاعاً إلى حين, وجعلها لهم من شعائر الحج فقال: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج:36]، شعار جمع شعيرة، والشعيرة المعلم والمنسك، فهي من بعض شعائر الله، ومن المناسك العظيمة في أيام الحج. قال: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج:36] أي: لكم فيها منافع دنيوية، في بيعها وشرائها، والاستفادة من ألبانها ومن وبرها ومن نسلها، وكذلك ركوبها حتى تنحر في محلها. {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36]، هذا فيه بيان كيفية نحر الإبل، فإنها تنحر بأن تطعن في لبتها بسكين ونحوه وهي قائمة معقولة اليد اليسرى، يعني: يدها اليسرى مربوطة مثنية إلى ركبتها التي في يدها، بحيث تكون واقفة على ثلاث قوائم فقط، على اليد اليمنى والرجلين، أما اليد اليسرى فتكون مربوطة مرفوعة، فإذا طعنها في لبتها تسقط على الأرض، فهذه من شعائر الله سبحانه تبارك وتعالى، ونحرها يكون على هذه الصفة. والسنة في الإبل أن تنحر، والسنة في البقر والغنم أنها تذبح، ويجوز في البقر النحر. ((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)) يعني: سقطت على الأرض بعدما طعنت. قال الله عز وجل: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج:36] وفي الآية الأخرى قال: {وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج:28] فالبائس: الإنسان الذي في ضيق وفي شدة ونزلت به مصيبة من مصيبات الدهر، فأطعموا هذا الإنسان المحتاج، وأطمعوا الفقير، والقانع هو الذي قنع بالسؤال، والمعتر الذي لم يسأل، فكأنك تهدي لهذا المعتر، وتعطي الفقير السائل، وتأكل منها، فتقسم الأضحية أثلاثاً، ولا يشترط أن تكون الأثلاث متساوية، وإذا كان أكثرها في الصدقة هذا الأفضل.
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها) قال الله عز وجل: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] كان أهل الجاهلية يطلون الكعبة بدماء البدن، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله عز وجل بذلك، والدم نجس، ولا يجوز للإنسان أن يلطخ الكعبة بمثل هذه النجاسات، فقال سبحانه تبارك وتعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج:37]، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يطلون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمين أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية. وقوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ} أي: لن يصل إلى الله سبحانه، ولن يستفيد الله سبحانه تبارك وتعالى من ذلك شيئاً، والله الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وهو مستغن عن العباد وعبادتهم، قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56 - 58]. قال الله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج:37]، قال ابن عباس: أي: لن يصعد إليه، فلا اللحوم ستصعد إلى السماء، ولا الدماء ستصعد إليه، والذي يصل ويصعد إليه التقوى والعمل الصالح، فالله يتقبل عملك الصالح، ويكتب الله عز وجل في كتاب ما عملت من ثواب، أما اللحم أو الدم فلا يرتفع إلى الله، وإنما يرفع ثوابك إلى الله، ويثيبك عليه الله عز وجل بجنته وفضله. والذي يصل ويرتفع إلى الله عز وجل التقوى من العباد أي: ما أريد به وجه الله سبحانه تبارك وتعالى، فذلك الذي يقبله، وذلك الذي يثيب عليه سبحانه تبارك وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) يعني: إذا عملت العمل بغير نية فلن يقبله الله سبحانه، وإذا عملت العمل بنية صالحة خالصاً لرب العالمين قبله ورفعه إليه سبحانه، ونماه وزاده لك. قوله: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج:37] هذه قراءة الجمهور: ((لَنْ يَنَالَ اللَّهَ)) [الحج:37]، وقراءة يعقوب: (لن تنال الله لحومها ولا دماؤها ولكن تناله التقوى منكم) فأنث الفعل باعتبار اللحوم. وقوله: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} [الحج:37] أي: من الله عز وجل عليكم بأن سخر لكم بهيمة الأنعام، والله عظيم سبحانه تبارك وتعالى، والإنسان أضعف بكثير من البقرة التي يذبحها، ومن الجمل الذي ينحره، ومع ذلك سخر الله عز وجل هذا الجمل ينقاد لناحره، يأخذ بلجامه، ويسوقه ثم يطعنه، فالله الذي سخر ذلك، ولو شاء ما استطعت أن تغلبه، وقد يهجم الذئب على الإنسان وهو أضعف من الجمل ولا يقدر عليه الإنسان، ويخاف منه، ويفر منه، وكذلك يخاف من النمر والفهد والأسد، ولا يقدر على مواجهتها، فلو شاء الله لسلط الجمل عليه كما سلط عليه هؤلاء، ولكن الله سخر وذلل الجمل، فاعلم أن الله من فضله ومن رحمته سخر لك بهيمة الأنعام، ولو شاء لصعبها عليك ولما جعلها منقادة ميسرة مذللة لك. قال الله: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} [الحج:37] أي: هذا التسخير العظيم لتتأملوا في تدبير الله عز وجل للكون، وأن التدبير إلى الله وليس إليكم، وتدبيره بحسب ما يريده الله العزيز القدير سبحانه. وقوله: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37]، فمن السنة عند أن تذبح أو تنحر أن تكبر الله سبحانه تبارك وتعالى، فسخر لكم هذه الأنعام لتذبحوها وتنحروها مكبرين الله، مسمين اسم الله عز وجل عليها، قال: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج:36] يعني التسمية، وقال هنا: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37]، فتجمع بين التسمية والتكبير، تقول: باسم الله، والله أكبر.
معنى قوله تعالى: (لتكبروا الله على ما هداكم)
معنى قوله تعالى: (لتكبروا الله على ما هداكم) قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37]، تكبر الله سبحانه تبارك وتعالى شاكراً إياه سبحانه على نعمه العظيمة، وأعظم النعم أن هداكم للإسلام، وأن هداكم ووفقكم لهذه الشعائر، وأن هداكم لذبح بهيمة الأنعام على اسم الله عز وجل ولم تشركوا به غيره. قال: {لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [الحج:37] الهدى فضل منه. ثم قال: {وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:37] فأنتم أحسنتم في ذلك، فالبشارة من الله سبحانه تبارك وتعالى لعباده الذين أحسنوا، فلهم الحسنى وزيادة، لهم جنة رب العالمين، ولهم زيادة النظر إلى وجهه سبحانه تبارك وتعالى، فبشر المحسنين بالفضل العظيم منه سبحانه تبارك وتعالى.
من أحكام التسمية عند الذبح
من أحكام التسمية عند الذبح في الصحيح عن أنس قال: (ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين) والكبش الأملح الذي لونه أبيض وفيه سواد. وقوله: أقرنين، أي: فيهما قرون، قال: (ورأيته يذبحهما بيده صلوات الله وسلامه عليه، ورأيته وضعه قدمه على صفاحهما) يعني: وضع قدمه على صفحة العنق حتى يثبته على الأرض بحيث يتمكن من ذبحه، قال: (وسمى وكبر)، ففيه أن السنة في الذبح أن تسمي الله عز وجل وتكبر. قال بعض العلماء: التسمية واجبة، وأكثر العلماء أنها مستحبة، وقال بعضهم: لابد أن يسمي الله بهذا الاسم: باسم الله، وجمهور العلماء أنه لا تتعين التسمية بذلك، ويكفي أي اسم من أسماء الله عز وجل الحسنى، مثل باسم الرحمن، أو يقول: الله أكبر فقط، لكن السنة أن يجمع بين اللفظين فيقول: باسم الله، والله أكبر. ومن ترك التسمية عند الذبح متعمداً اختلف العلماء هل تؤكل ذبيحته أو لا تؤكل؟ فإن كان مسلماً ونسي التسمية فالراجح أن ذبحه صحيح، وتؤكل ذبيحته، لكن إذا تعمد ذلك فذهب البعض من العلماء إلى أنها لا تؤكل، وذهب البعض الآخر إلى أنه إذا تعمد ذلك متأولاً فتؤكل ذبيحته، وهذا قول الشافعي، وقال الإمام أحمد: لابد أن يسمي الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121]، فنهى من الأكل مما لم يذكر اسم الله عز وجل عليه. فالأحوط أنه لابد أن يسمي أو يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى، ولو بالتكبير فقط. وهل يسمي ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم؟ كره العلماء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح، ولكن يذكر الله عز وجل وحده فقط، فهذا محل طاعة لله عز وجل، فيسمي الله عز وجل الذي أمره بذلك: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [الحج:36]، وما قال: اذكروا اسم أحد مع الله سبحانه تبارك وتعالى، فالمستحب ذكر اسم الله وحده لا شريك له، فيقول: باسم الله والله أكبر، إظهاراً لشعيرة التكبير، وأيضاً لعلك ترى في نفسك قدرة وقوة عندما تذبح هذه الذبيحة، والإنسان قد يتعاظم في نفسه عندما قدر على هذه الذبيحة، فيذكر نفسه بأن الله أكبر سبحانه تبارك وتعالى، فمهما استطعت على ذلك فالله أكبر منك، والله هو الذي مكنك من ذلك، ففي التسمية توحيد الله عز وجل، وفي التكبير تواضع من العبد لربه الذي سخر له ذلك. وهل يقول الذابح: اللهم تقبل مني؟ بعض العلماء أجاز ذلك، والبعض كرهه، فكره ذلك الإمام أبو حنيفة، والجمهور على الجواز وهو الراجح؛ لأنه جاء في الصحيح من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح الكبشين قال: (باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)، ثم ضحى به صلوات الله وسلامه عليه، ففيه أنه دعا ربه أن يتقبل منه، وأيضاً إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رفعا قواعد البيت كانا يقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127].
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38] بعد أن بشر المحسنين بالجنة، بشرهم في الدنيا بأنه معهم فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]، وقال هنا: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]، فالله معهم في الدنيا وفي الآخرة، والله يدفع عنهم، والله يدافع عنهم، وهنا قراءتان: ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا)، فإذا جاء الكفار دافع الله عز وجل عن المؤمنين، وإذا نزلت البلية وجاءت المصيبة دفع الله عن المؤمنين. {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38] إذا علمنا سبب النزول عرفنا ما هي العلاقة بين أول الآية وآخرها، قالوا: نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، فأراد بعض المؤمنين في مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويهرب بعد ذلك، وأراد بعضهم أن يغتال بعضهم أو يغدر بهم في أموالهم، ويحتال عليهم، فنزلت هذه الآية تحذر المؤمنين، وقد ذكرنا أن هذه السورة العظيمة سورة الحج مكية ومدنية، فيها آيات مكية، وفيها آيات مدنية، وهي من السور التي جمعت بين القرآن المكي والقرآن المدني، وهذه الآية يطمئن الله عز وجل المؤمنين بأنه يدافع عنهم، فلا تفعلوا ذلك: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ} [الحج:38] كثير الخيانة، {كَفُورٍ} [الحج:38] يكفر بالله سبحانه تبارك وتعالى، ويجحد نعم الله سبحانه تبارك وتعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان) يعني: يوم القيامة يفضح الإنسان الغدار، فإذا كان المؤمنون في أمان مع الكفار فلا يجوز أن يغدروا بهم فيأخذوا أموالهم، أو يقتلوهم غيلة وغدراً وخيانة، وإنما القتال يكون في الجهاد في سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال:58] حتى يعلموا أنه سيقاتلهم ثم يحدث القتال بين المؤمنين وبين الكفار، أما الغدر والخيانة فالله عز وجل نهى عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه كان في مكة يؤذى عليه الصلاة والسلام، ويفعل المشركون أفضع أنواع الأذى فيه وفي أصحابه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كانوا يأتمنونه على أموالهم، فكان عنده ودائع لهؤلاء الكفار في بيته صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد أن يهاجر صلوات الله وسلامه عليه لم يأخذ هذه الودائع والأمانات ويذهب بها ويقول: أخذنا منهم بما فعلوه، مع أنهم جهزوا لقتله صلى الله عليه وسلم أربعين رجلاً، وجلعوا من كل قبيلة رجلاً معه سيف ليقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم بضربة رجل واحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بالأمانات لـ أم أيمن ولـ علي بن أبي طالب؛ حتى تعاد الأمانات إلى أهلها، وخرج مهاجراً إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه ولم يأخذ شيئاً من أموالهم وهم عازمون على قتله صلى الله عليه وسلم! قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج:38]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك). نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(تفسير سورة الحج [39 - 40]) للشيخ: (أحمد حطيبة) (عدد القراء 19) عناصر الموضوع 1 تفسير قوله تعالى: (أذن للذين ي
تفسير سورة الحج [40 - 45]
تفسير سورة الحج [40 - 45] بدأ تاريخ الدعوة الإسلامية بالصبر والكف عن القتال، حماية للدعوة، وصوناً عن الأذى، ولما تمادى الباطل في غيه، وصلب عود الحق، أذن الله لعباده وشرع لهم جهاد أعدائه؛ لردعهم، وكفهم عن تماديهم وغرورهم، ووعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن نصروا دين الله وتمسكوا بكتابه.
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فقد قال الله عز وجل في سورة الحج: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:39 - 41]. لما أخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى عن المؤمنين أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وهاجروا في سبيل الله سبحانه بعدما أوذوا وفتنوا وظلموا، فأذن لهم الله سبحانه وتعالى بأنهم مظلومون، وأن الله عز وجل ناصرهم. فقال تعالى: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) أي: هؤلاء المؤمنون المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولكنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ويقولون: ربنا الله. ثم قال سبحانه: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)) وكأن هذا كالإعلام بفرض الجهاد على المؤمنين، ولأمرهم بدفع الكفار، فإنهم لو تركوا هؤلاء الكفار وما يصنعون بالمؤمنين من أذى ولا يردعهم شيء لزاد طغيانهم في الأرض، فلا يقدر عليهم أحد، ولكن الله سبحانه يدفع أمثال هؤلاء الكفار بالمؤمنين المجاهدين في سبيله، فالجهاد والدفع شريعة ربنا سبحانه وتعالى في الأديان السابقة، وفي دين الإسلام. فالأنبياء يدعون أقوامهم إلى طاعة الله رب العالمين، فيكذب الأقوام، فيشرع الله عز وجل للمؤمنين على ألسنة أنبيائه أن جاهدوا في سبيل الله، فيجاهدون، فينصرهم الله سبحانه وتعالى، فلولا ذلك الجهاد لتمكن الكفار من المؤمنين، ولكان الكفار هم الذين يسودون الأرض، ويفعلون ما يحلو لهم، ولكن الله عز وجل فرض الجهاد؛ تأديباً لهؤلاء الكفار، وإعزازاً لدينه، وإظهاراً للمؤمنين ولشعائر دينه سبحانه وتعالى، ولولا ذلك لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، فكأن الله عز وجل شرع الجهاد في الأديان السابقة، فجاهد المؤمنون مع أنبيائهم الكفارَ، فجاهدوا مع موسى عليه الصلاة والسلام، وجاهدوا مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومع غيره من الأنبياء. يدفع الله بالجهاد الناس بعضهم ببعض، فيكف به شر الأشرار وكيد الكائدين لدين رب العالمين، وينصر الله عز وجل دينه، فيتمكن العباد المؤمنون مع أنبيائهم من عبادة الله سبحانه تبارك وتعالى. قوله: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ} [الحج:40]، الصوامع: أماكن العبادة التي كان يتعبد فيها الرهبان، وهي جمع صومعة، وكانت مختصة برهبان النصارى. والمعنى: أنه لولا جهاد الكفار لما تمكن المؤمنون من النصارى في عهد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من أن يعبدوا ربهم سبحانه وتعالى، ولما تمكن المؤمنون الذي كانوا مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من عبادة ربهم سبحانه وتعالى وهكذا. فلولا فرض الجهاد ودفع الله عز وجل الكفار بالمؤمنين {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40]. ثم يأتي وعد الله سبحانه بقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ} [الحج:40]، وهذا النصر مقيد بأسبابه التي منها: قوله تعالى: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد:7]، وقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال:60]، وغير ذلك من أسباب كالتوكل على الله سبحانه. {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] أي: أن الله قوي لا يغلبه شيء، وهو العزيز الغالب الذي لا يقهر، فلا يقدر أحد على أن يعترض على أمره؛ لأنه مهما اعترض الإنسان ومهما جحد فإنه يأتي عليه قضاء الله وقدره، فيذله الله سبحانه تبارك وتعالى ويؤدبه، ويرجعه إلى التراب حقيراً ويعذبه ربه سبحانه، وهو لا يملك أن يدفع عن نفسه شيئاً؛ لأن الله قادر على كل شيء، فهو القوي العزيز سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة)
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) قال الله سبحانه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]، أي: من صفات المؤمن أنه إن مكنه الله عز وجل أظهر دين الله سبحانه وتعالى، وعامل الخلق كلهم بالعدل الذي شرعه الله سبحانه، فلا يظلم أحداً؛ لأنه يخاف من الظلم، بعد أن عرف أن الله قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرماً، قال صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فلا يحل للمؤمن أن يظلم أحداً، وإنما يحكم بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى، فيدعو إلى دين الله سبحانه، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وهذه هي صفات مجتمع الإسلام العظيم.
شروط التمكين في الأرض
شروط التمكين في الأرض المؤمنون يمكنهم الله عز وجل في الأرض، قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ} [الحج:41]، فهم لا يستعلون على غيرهم ولا يتجبرون ولا يطغون ولا يبطرون، ولكنهم يقيمون الصلاة. ثم قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]، فهذه علاقة مع الله سبحانه تبارك وتعالى، وعلاقة مع الخلق ذكرها لنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى هنا، فعلاقتك مع الله أن على بدنك واجباً، وعلى مالك واجباً، ومن علاقتك مع الله عز وجل إقامة الصلاة، وتأدية الحج وجميع العبادات التي فرضها الله سبحانه من صيام، وجهاد في سبيله، وغير ذلك. فمن صفات المؤمنين أنهم يقيمون الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، فيقيمونها، ليس بأنهم يصلون فقط، وإنما هم يصلون ويأمرون غيرهم بهذه الصلاة كما أمر الله سبحانه تبارك وتعالى. ولا يوجد في المجتمع المسلم أحد لا يصلي، إلا أن يكون غير مكلف، كأن يكون مجنوناً أو صغيراً، أو تكون امرأة حائضاً أو نفساء، أما كون المجتمع المسلم يوجد فيه من لا يصلي فلا؛ لأن الذين تمكنوا في الأرض لهم السلطان ولهم الحكم في الأرض، بشرط أن يقيموا الصلاة، وأن يكون شغلهم الشاغل أن يكون الناس مطيعين لرب العالمين سبحانه تبارك وتعالى؛ وذلك بأن يقيموا الصلاة ويأمروا الناس بالصلاة والمحافظة عليها، ويراعوا حدود الله عز وجل في ذلك. فقوله تعالى: {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [الحج:41] أي: بذلوا أموالهم، وأمروا الناس بذلك، فهم في أنفسهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ومع الخلق يأمرونهم بالمعروف أي: جنس المعروف، وينهونهم عن المنكر، أي: جنس المنكر، فيأمرونهم بالصلاة، وبالزكاة، وينهونهم عن معصية الله سبحانه تبارك وتعالى. فإن المؤمن إذا مكنه الله سبحانه من أن يكون حاكماً أو يكون سلطاناً فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول بالحق أينما كان، وينتظر الأجر من الله سبحانه، ولا ينتظر النتيجة من الناس، مهما بلغ الناس، استجابوا أو لم يستجيبوا؛ لأنه فعل ما يجب عليه من أمر الله سبحانه. قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج:41] أي: مرجع الأمور إلى الله، والرجوع إلى الله؛ ليحاسب العباد على ما صنعوا وما فعلوا.
حرية الإنسان مقيدة بضوابط الشرع
حرية الإنسان مقيدة بضوابط الشرع إن مجتمع الإسلام فيه الحرية المقيدة بطاعة الله سبحانه، ولا يوجد في الإسلام حرية مطلقة بحيث إن الإنسان يفعل ما يشاء بدون ضوابط، وإنما حريتك محدودة فيما أباحه لك ربك سبحانه، والإنسان العاقل يتأمل في ذلك، فيعرف قدر هذا الإسلام العظيم، وقدر هذا الدين العظيم. إذاً: ليس للإنسان أن يفعل ما يريد، فليس من حقه أن يطلع على ما يريد، أو يتجسس على الجيران وينظر إلى العورات، وإذا اعترض عليه أحد قال: أنا حر، أعمل ما أشاء، وإنما يقول لك الدين: لا، أنت لست حراً، وليست لك حرية إلا أن تنظر إلى ما أحل الله عز وجل لك، فإذا نظرت إلى ما حرم الله عز وجل عليك، عاقبك الله في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فبالتعزير، فيعزر الإنسان الذي يصنع ذلك. وأما في الآخرة فبالنار والعياذ بالله، ولذلك يجعل الله في قلب الإنسان ما يخيفه ويمنعه من الوقوع في الحرام، فلا يتأذى غيره به. فلو قال شخص: أنا حر، ومشى في الشارع رافعاً صوته ويسب ويعمل ما يريد لقال له الإسلام: لا، لست حراً في ذلك، لا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فإذا فعلت ذلك عزرك الحاكم، وعزرك القاضي؛ لأنك تؤذي غيرك، وحريتك لا تعني أن تؤذي غيرك، ولكن كونك تأكل أنت حر، ومع ذلك بدون إسراف قال عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31]، فأنت مقيد بعدم الإسراف في الأكل والشرب أيضاً، كذلك تأكل وتشرب مما أحل الله عز وجل لك، وليس مما حرمه الله سبحانه، فتجد أن الإسلام يعطيك حرية، ولكنها مقيدة بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى، فأما الحرية المطلقة بحيث تعمل الذي تريده، فلا. وانظر إلى الإنسان عندما يصل إلى الحرية المطلقة التي يريدها فإنه في النهاية يلغي شريعة ربنا سبحانه، ويشرع لنفسه ما يريد، ولا يحكمه في ذلك إلا شهواته وشبهاته، وما يريده من أسباب القوة، حتى لو ضيع غيره. فالإنسان عدو لنفسه ولزوجه ولولده. فإذا نظر إلى شهواته فإنه ينظر إلى مصلحته، ولا يهتم بغيره، ولكن الإسلام جاء ليقيدك بحدود الله سبحانه، فتلك حدود الله فلا تعتدوها. فلا تتعدى الحلال فتقع في الحرام، ولا تقرب من الحرام وإلا أوشكت أن تواقعه وتقع فيه. فحدود الله عز وجل عظيمة، تجعل الإنسان المسلم يستشعر أنه عبد لله سبحانه وتعالى، ويستشعر أنه يحب غيره ويحترم غيره، وأن له حقوقاً وعليه واجبات، كما أن لغيره حقوقاً وعليه واجبات. ولذلك المجتمع المسلم يعيش في تكافل وفي احترام ومحبة، وفي حرية مقيدة بشرع الله سبحانه تبارك وتعالى. وأما الإنسان الكافر فلا شيء يحده، فإذا به يخرج عن دين الله سبحانه، ويريد أن يأخذ ملاذ الدنيا جميعها، فتستعبده شهواته شيئاً فشيئاً، فيحصل على المال ولا يشبع، ويحصل على شهوات الجنس ولا يشبع، ويحصل على شهوات الدنيا إلى غاية النهاية ولكنه يجد نفسه مهموماً ولا يجد في الدنيا راحة، فيريد الموت، فيبدأ الأطباء يخترعون له الموت المريح، ويقولون: إن من حق الإنسان أن يموت موتاً مريحاً، ويصنعون له أدوات للموت؛ ليختار لنفسه كيف يموت، ومتى يموت. فلو ترك الإنسان ونفسه فإنه في النهاية ينتحر ويضيع نفسه ويفني نفسه بنفسه، هذا لو ترك الإنسان وحده، ولكن تأتي شريعة رب العالمين سبحانه لتحافظ له على حياته وعلى بقائه، وعلى دوام الإنسانية، حتى يأتي أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح)
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح) يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ} [الحج:42] يعني: أنت لست أول رسول يكذبه قومه عليه الصلاة والسلام، فإن يكذبك هؤلاء القوم فقد كذبت قبلهم أقوام: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وكل قوم أرسل الله عز وجل إليهم نبيهم ورسولهم عليه الصلاة والسلام يدعوهم إلى الله. فقد رأينا كيف دعا نوح قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يستجب له إلا عدد قليل جداً من هؤلاء الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، فالذين ركبوا معه السفينة عدد قليل. وقد نصره الله عز وجل، ونصر من معه من المؤمنين، وأغرق الأرض بمن عليها، فالله سبحانه كأنه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: نحن نصرنا نوحاً ولم يكن معه إلا عدد قليل، ولكنه صبر وثابر فنصرناه في النهاية. وكذلك عاد، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف:65] أي: أرسلنا هوداً إلى قومه يدعوهم إلى الله سبحانه، فكذبوه، وقد أنعم الله عز وجل عليهم بالنعم العظيمة، فقال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:128 - 130] يعني: أنهم في غاية القوة والجبروت، وبدلاً من أن يعبدوا ربهم الذي مكنهم استكبروا على خلق الله سبحانه، عصوا وأبوا إلا العناد والاستكبار، فجاءهم عذاب الواحد القهار سبحانه تبارك وتعالى، فإذا به يرسل عليهم حاصباً، أي: ريحاً تقتلع هؤلاء القوم، فجعلهم كأعجاز نخل خاوية. وكذلك ثمود، فقد أرسل إليهم صالحاً يدعوهم إلى الله سبحانه، فطلبوا منه آية يرونها بأعينهم، وانتقوا هذه الآية، بأن تكون ناقة تخرج ومعها فصيلها، والقصة معروفة، فالله عز وجل أعطاهم هذه الآية، فلم يصبروا لأمر الله، ولم يصدقوا رسولهم عليه الصلاة والسلام التصديق الذي يفترض عليهم؛ لأنهم رأوا هذه الآية، وعرفوا أنها آية من عند الله، ولكن مع ذلك لم يدخلوا في دين هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. قال تعالى حاكياً ذلك: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا} [الشعراء:155 - 157]، فلما عقروا هذه الناقة أخبر الله عز وجل أنهم أصبحوا نادمين، ولم ينفعهم ندمهم، وقال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] فهددوا رسولهم إذا لم يأت العذاب بعد ثلاثة أيام، وانتظروا ثلاثة أيام وإذا بالعذاب يأتيهم، فما نفعتهم توبة، وما نفعهم ندم، وأخذهم الله سبحانه وتعالى. إذاً: قوم نوح عليه السلام أغرق الله عز وجل الأرض جميعها بسببهم، وقوم عاد كانوا في جنوب الحجاز، وقوم ثمود في شمال الحجاز. وكان الله عز وجل يقول لأهل مكة: تدبروا شمالكم وجنوبكم وجميع الأرض قد أهلك الله عز وجل الكفار، أفلا تعتبرون؟!
تفسير قوله تعالى: (وقوم إبراهيم وقوم لوط)
تفسير قوله تعالى: (وقوم إبراهيم وقوم لوط) قال الله تعالى: {وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ} [الحج:43]، فقد ناظر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام النمرود ودعاه إلى الله، بعد أن قال عن نفسه: إنه الرب، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258]، أي: إن كنت صادقاً فافعل هذا الشيء، فلم يقدر على ذلك، وحرم إبراهيم من الطعام ولم يعطه، وقد جاء ليشتري منه طعاماً فرفض أن يعطيه؛ لأن إبراهيم أفحمه أمام الناس، ورجع إبراهيم، وأهلك الله عز وجل هذا الجبار بجنوده سبحانه وتعالى، فقد أرسل عليه سبحانه وتعالى الدبابير، أو البعوض، فأخذته وأهلكته، فجعله آية للخلق. وكذلك قوم لوط، فقد كان لوط يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وهم في أرض الشام، فدعاهم إلى الله، وكانوا يأتون الفاحشة، قال: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:165 - 166]، فاستكبروا عليه، {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء:167] أي: قالوا كما قال قوم نوح لنوح قبل ذلك: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء:116] فقوم نوح قالوا: نرجمك، وقوم لوط قالوا: نخرجك، فإذا بالله عز وجل يهلك قوم لوط الذين كانوا يأتون الذكران من العالمين، فقال: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم:53 - 55]. فكانت العقوبة أن أرسل عليهم سبحانه حجارة من سجيل من نار جهنم، فأهلك الجميع وأبادهم، بعدما رفعهم واقتلع أرضهم وقلبها على رءوسهم.
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب مدين وكذب موسى)
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب مدين وكذب موسى) قال الله تعالى: {وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ} [الحج:44]، أي: قوم شعيب، وكانوا في نعم عظيمة، ومع ذلك كانوا ينقصون الكيل والميزان وهم كفار، فدعاهم شعيب عليه السلام إلى التوحيد فرفضوا، ودعاهم إلى أن يوفوا الكيل والميزان، فقال: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء:181 - 183]، فأبو ذلك، ثم قال لهم نبيهم: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء:184 - 185] أي: أنت جئت تدعونا، وأنت رجل مثلنا، لك صدر ولك جسد ولك بدن أو (أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: ممن سُحر فلم يعرف الحق من الباطل. يقولون ذلك لشعيب، وكان من أفصح الناس في الدعوة إلى الله سبحانه، وكانوا يقولون له عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87] يعني: أنت تزعم أنك حليم وأنك رشيد وأنت سفيه! كانوا يقولون عنه ذلك، فهم يعرضون بالكلام، فإذا بالله عز وجل يهلك هؤلاء الأقوام، بما أرسل عليهم من الرجفة، وبما أرسل عليهم من عذاب. قال الله تعالى: {وَكُذِّبَ مُوسَى} [الحج:44] أي: كذبه فرعون، وقد رأى تسع آيات بينات. قال سبحانه: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} [الحج:44] أي: أمهلتهم وأنظرتهم. فلما أصروا على طغيانهم {أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج:44] ((فكيف كان نكيري)) هذه قراءة يعقوب فقد كان يقرؤها هكذا ويقف عليها بالياء، يعني: كيف كان إنكاري عليهم، أي: كان إنكاراً عظيماً، وكان إنكاراً فظيعاً شديداً، والله عز وجل أنكر عليهم وقال لهم: لا تفعلوا، فنهاهم في البداية ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40]، وقال: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج:44].
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) قال الله تعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} [الحج:45] أي: كم من قرية، وهذه فيها قراءتان: قراءة ابن كثير: (فكائن من قرية)، ومثله أبو جعفر ولكن سهل مع المد والقصر، يقول: (فكائن من قرية)، أي: كم قرى كثيرة! {أَهْلَكْنَاهَا} [الحج:45]، بنون العظمة وهي قراءة الجمهور، وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب: ((أهلكتُها)) أي: أن الذي تولى إهلاكها الله سبحانه، فإذا به يرسل عليهم ملائكته، ويرسل عليهم العذاب. قال سبحانه: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج:45] أي: فبسبب أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم أهلكهم الله سبحانه. قال: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج:45]، الخواء بمعنى الخلاء، أي: أنها خالية، والخواء يأتي بمعنى السقوط أيضاً، فهي خاوية ليس فيها أحد، وهي ساقطة جدرانها على سقفها، أي: أن عروشها ساقطة على سقوفها. وكلمة العروش والعُرش والعَريش بمعنى البناء الذي يكون من خشب أو من غيره، وقد يطلق على الخيمة، أو على الأعمدة التي فوقها سقف، وأحياناً يطلق على العروش البيوت، فقوله هنا: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج:45] أي: تكون بمعنى السقوف وبمعنى البيوت، يعني قد تهدمت أو صارت كما هي، وأهلكنا أهلها، فصارت خالية. قوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} [الحج:45]، فكأنه يقول: إن الهلاك يأتي على المستكبرين أينما كانوا، سواء كانوا في الحضر أصحاب بيوت فسيأتي إليهم العذاب، أو كانوا في البراري أصحاب آبار فسيأتيهم العذاب. فالله عز وجل انتقم منهم؛ بسبب كفرهم وظلمهم، فماتوا وبقيت الآبار على ما هي معطلة لا أحد ينتفع بها، والآبار في الصحراء كنز عظيم جداً، فإن الذي يكون له بئر في الصحراء فإنه ملك في الصحراء، فعندما يوجد البئر يوجد حوله أهله، ويجتمع الناس إليهم. وإذا بهم يكفرون بنعم الله سبحانه، ويكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فيأتيهم العذاب، فيهلكهم الله، وتظل البئر وحدها، عليها بكرتها وحبالها، ولا يوجد أحد يسقي منها، أهلكهم الله، فقال سبحانه: {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} [الحج:45] أي: لا تستخدم. قال تعالى: {وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45] القصر المشيد: هو مبنى عظيم، أو: مشيد من الشيد، بمعنى الدهان، يعني: مدهون، فجملة أصحاب القصر أهلكهم الله، وبقي القصر على ما هو عبرة للخلق! {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المعتبرين.
تفسير سورة الحج [45 - 48]
تفسير سورة الحج [45 - 48] كم من قرية أهلك الله أهلها لما طغوا وكفروا، ولا تزال آثار كثير من تلك القرى باقية؛ ولذا رغب الله عباده في السير في الأرض والنظر والاعتبار فيما حل بأولئك الكافرين، وليعلم الناس أن الله لا يخلف وعده، وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:45 - 47]. يقول الله سبحانه وتعالى: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45]، يخبرنا الله عن أخذه وإتلافه للقرى الظالمة السابقة تخويفاً لهؤلاء الكفار الذين كذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه واستعجلوا عذاب الآخرة: {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا} [ص:16]، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: عجل لنا بالعذاب {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج:47]. ((فَكَأَيِّنْ)) أي: فكم من قرية {أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج:45] قرى كثيرة كذبت المرسلين منها من ذكر الله عز وجل قصتهم في القرآن، ومنهم من لم يخبرنا عنهم {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78]. قال سبحانه: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج:45] يعني: الإهلاك كان بسبب ظلم أهلها. {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الحج:45] خاوية لا أحد فيها أو ساقطة على عروشها، والعروش: السقوف، فسقطت السقوف وهوت فوقها جدرانها. والقرى وصفت بالظلم لظلم أهلها، والمعنى: أن أهلها ظالمون. {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45] ذكر الله قرية وبئراً وقصراً، فالقرية: بلد من البلدان، والقصر المشيد هو الذي يكون لملك من الملوك أو كبير من الكبراء، والبئر هي التي تكون لصاحبها أو لمجموعة من الناس لهم اجتماع في مكان، ولهم عدد، وهذا غناهم، وكم يقتتل أناس على بئر في صحراء! هذا يزعم أنه صاحبها، وذلك يزعم أنها من حقه، فالبئر كنز لصاحبها في الصحراء، فهؤلاء الذين استولوا على هذه الآبار، والذين شيدوا هذه الحصون وهذه الديار، والذين كثروا في القرى والأمصار؛ لما عصوا رسل الله سبحانه جاءهم بأس ربهم سبحانه تبارك وتعالى، فجعل القرى خالية خاوية مهدمة على عروشها، والآبار معطلة، وأخذ أهلها وتركوا الآبار لا ينتفع بها أحد. والقصر الذي شيده أهله فبنوه ورفعوه في السماء وجصصوه، ودهنوه وزينوه، إذا بهم يؤخذون منه، ويورثه الله عز وجل لغيرهم أو يتركه خالياً لا أحد فيه، والذي يسير في الأرض ينظر كثيراً من آيات الله عز وجل في ذلك، وما أكثر ما يقال: اكتشفنا آثاراً، اكتشفنا قرية للقدماء المصريين موجودة تحت الرمال، اكتشفنا قرى، وهذه القرى بناها أهلها ليخلدوا، وزعموا أنهم يخلدون، وزعموا أنهم يرجعون إليها، وبعضهم كان يعمل له القبر ويحبس بجانبه جمله، بحيث إن الجمل يموت بجوار القبر، فعندما يرجع مرة أخرى يلقى الجمل ليركب عليه، فلا رجعوا ولا رجعت جمالهم، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه تبارك وتعالى ليحاسبهم بأعمالهم. وكم من الناس ينظرون هذه الآيات ولا يعتبرون، بل ينبهرون بهذه الآثار، وينسون أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لأنهم كانوا كفاراً ولم يكونوا مؤمنين، وبعض الناس يفتخر بأجداده الفراعنة، ويزعم أنهم أهل حضارة، من الحضر، فالحضر: المدن، وعكسها البوادي، ولا يعتبر أن حضارتهم ذهبت، وذهبت حصونهم، وتهدمت الديار {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج:45].
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) قال الله تعالى مخاطباً الكفار الذين يجحدون نعم الله سبحانه، والذين يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] العمى نوعان: عمى البصر وعمى القلب، فإن ذهبت العينان فهذا العمى، وإن ذهبت عين واحدة فهذا أعور وليس أعمى، فهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول لنا: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، وفي سورة الإسراء يقول لنا: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا} [الإسراء:72]، يعني من كان أعمى في هذه الدنيا، والمراد عمى القلب، قيل: ذهب عبد الله بن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنا أعمى، فهل يوم القيامة أكون أعمى؟ فنزلت هذه الآية: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، فالمقصود عمى الصدور، {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى} [الإسراء:72] أي: أشد عمى، فأعمى أفعل تفضيل، ولا يأتي ذلك في العين، لا يقال: فلان أعمى من فلان؛ لأن هذا أعمى وهذا أعمى، هذا ذاهب البصر وهذا ذاهب البصر، وإنما عمى القلوب يأتي فيه أعمى الذي هو أفعل تفضيل، فهذا أشد عمى من ذلك، هذا في ضلال وذاك في ضلال أشد من ضلال الأول، وذاك أشد ضلالاً من هذا وذاك، فلذلك من كان أعمى في الدنيا فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى، فالعمى الذي فيه التفاضل ليس هو عمى الأبصار، فعمى الأبصار يستوي، وإنما هو عمى القلوب. وقوله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} [الحج:46] هل الإنسان يعقل بالقلب أو يعقل بالمخ الذي في رأسه؟ أكثر الناس يقولون: إن المخ هو الذي يعقل، والمخ هو الذي يفكر، والمخ هو الذي يشعر، والمخ هو الذي فيه الأحاسيس وفيه الحب وفيه العاطفة، لكن الله يقول: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] ولا يمكن أن تكون مجازاً أبداً، لأنه قال: (القلوب التي في الصدور)، وهذه حقيقة عجيبة جداً، قال علماء التفسير وعلماء الحديث: القلب هو الذي يعقل؛ لأن الله عز وجل قال ذلك، وعلماء الطب يقولون: لا، القلب لا يعقل، والعقل في المخ. والشيخ الزنداني يذكر في هذه المسألة كلاماً عجيباً فيقول: إنه بقي مدة يتتبع مسألة العمى الذي في القلب، ويحاول ينظر في مراكز زراعة القلوب الموجودة في العالم، ويريد أن يسأل الناس الذين زرعت لهم قلوب: ما هو شعورهم؟ وما هي أحاسيسهم؟ وكيف عيشهم؟ وكان الأمر أنه كلما يذهب إلى مستشفى من هذه المستشفيات يرفض الأطباء أن يجعلوه يتصل بالمرضى، ويمنعون أي إنسان يدخل على المرضى، وذكر أنه قابل أستاذاً في الطب في جامعة الملك عبد العزيز، وذكر له أنه نشر خبراً في جريدة منذ ثلاث سنوات ونصف أنهم اكتشفوا بأن القلب ليس مضخة للدماء فقط بل هو مركز عقل وتعقل. ومرت الأيام وإذا بمركز لتبديل القلوب يفتح بالأردن، فذهب إلى هنالك وعقد مؤتمر صحفي مع أهالي المريض الذي زرعوا له القلب، فقالوا: لو أنكم معنا في البيوت تشاهدون سلوك هذا الذي زرع له القلب ما غبطتمونا على هذا، وذكر بعض الأطباء المتخصصين في هذا الأمر أن صاحب القلب الجديد لا تكون فيه أي عواطف ولا انفعالات، ولا ينفعل بالظروف التي حوله، لا يخاف ولا يحب! وإذا قرب إليه خطراً بدا وكأنه لا شيء يتهدده، ولا يحس بهذا الخطر، ولا يخاف منه ولا يفزعه، بينما القلب الحقيقي يتأثر، وفيه وجدان، وفيه شعور, وفيه خوف، وفيه حب، قال: وإذا قربت منه شيئاً يحبه بدا وكأنك لم تقدم إليه شيئاً، فلا يوجد عنده أي شعور بالمحبة التي كانت موجودة فيه، فيكون كأنه صنم، قلبه بارد غير متفاعل مع سائر الجسد! واكتشفوا أن قلب الإنسان فيه هرمونات عاقلة، ترسل رسائل عاقلة إلى الجسم كله، وأن القلب مركز عقل وتعقل وليس مجرد مضخة، وهذا اكتشفوه قبل ثلاث سنين فقط، وهو في القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة! فهذا من الإعجاز العلمي في هذا القرآن العظيم، فهذه حقيقة علمية مذكورة منذ ألف وأربعمائة سنة، ولا يعرفها الناس إلا قبل ثلاث سنين ونصف! يقول سبحانه تبارك وتعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج:46]، قلب يعقل ما حوله، ويعرف أن هذا الكون لابد أن له خالقاً سبحانه تبارك وتعالى، وأنه قادر مدبر حكيم، يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد سبحانه. {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج:46] يسمعون بها كلام رب العالمين، ويطبقونه في هذا الواقع الذي يعيشون فيه، فيعرفون الحق. {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ} [الحج:46] لا تعمى الأبصار، فإذا ذهب بصر الإنسان فقلبه يكفيه في الاستدلال على الخير والهدى والرشاد، ولكن الذي يعمى هي القلوب، ((ولكن تعمى القلوب التي في الصدور))، يعميها الله سبحانه تبارك وتعالى، فإذا بالإنسان لا يتدبر ولا يعي ولا يفهم شيئاً مما حوله ولا يعتبر.
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب)
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب) قال سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج:47]، يرينا الله صورة من صور عمى القلب، فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج:47] قيل: نزلت في النضر بن الحارث لما قال: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف:70]، وقيل: نزلت في أبي جهل لعنة الله عليهما لما قال: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]، فمن صور العمى أن الإنسان يستعجل العذاب، فهل يعقل أن إنساناً عاقلاً يقول: يا ربّ إذا كان هذا حقاً فخذني، يا رب إذا كان هذا حقاً فأدخلني النار؟ الإنسان العاقل يقول: إذا كان هذا حقاً فأرشدني إليه، فدلني عليه، فادفعني إليه، ولكن هؤلاء لا عقل عندهم، وصدق الله: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]. والله عز وجل يستدرج هؤلاء، فهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون على أنفسهم، وأحياناً يقولون عن القرآن: إن القرآن عظيم، ليس بكلام البشر، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وهذا القائل هو الوليد بن المغيرة ومع هذا لم يؤمن بالقرآن! وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفع الناس عن القرآن، وكلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أناس يدعوهم إلى الله سبحانه، يتبعه ويقول: أنا عمه، وأنا أدرى به، هذا مجنون فلا تصدقوه، هذا كذاب، وقد أنزل الله عز وجل فيه: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ} [المسد:1 - 5] أي سيهلكه الله، وسيموت على الكفر ويدخل النار، فهذا الرجل لو كان عنده عقل كان سيقول: تتوعدني أنني أدخل النار لأني كافر، فهأنذا أقول: لا إله إلا الله، يقولها ولو نفاقاً حتى يدعي كذب القرآن، ولكنه ما قال هذه الكلمة، وأعماه الله سبحانه وتعالى عن التفكير في ذلك، ومات على كفره الذي هو فيه، وصدق الله العظيم فيما أخبر عنه. قال الله تعالى: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج:47] الله لا يخلف الميعاد، فسيأتيهم العذاب، فتحقق ما توعدهم به في يوم بدر، وأهلك رؤساءهم وأساطين كفرهم، وتوعدهم بما يكون في قبورهم، وكل ما ذكره الله سبحانه تبارك وتعالى من أمر الدنيا والآخرة فهو حق ووعده آت. قال سبحانه: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]، هذه الأعمار الطويلة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا هي في نظره عمر طويل، حتى إن أحدهم عاش ثمانين سنة فقال: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم أما يوم القيامة فاليوم بألف سنة مما تعدون، فمن سئم من ثمانين سنة فستكون ثمانين ألف سنة في النار والعياذ بالله، يقول سبحانه: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47] يعني: يوماً من أيام الآخرة بألف سنة مما تعدون. وقراءة الجمهور: ((مما تعدون)) وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف: ((مما يعدون)) يعني: مما يعد هؤلاء المشركون من أيام وليال.
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة) قال الله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج:48] قرى كثيرة أملى لها الله ثم أهلكها، إن بطش ربك لشديد، يملي لها ويتركها حيناً، فالإملاء هو الترك، حتى يظن الإنسان أن الله تركه ولن يعذبه، ولن يفعل به شيئاً {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} [يونس:24]، وانظر إلى التنكير هنا: (ليلاً أو نهاراً) نكرها للتقليل، يعني لحظة من الليل أو من النهار فهدمنا هذه القرى، وضيعنا هذه الحصون. {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا} [الحج:48] أي: أنظرتها وأمهلتها مع عتوها استدراجاً لها وإملاء وهي ظالمة، ((ثم أخذتها)) يعني: بسبب ظلمها {وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج:48] فأين سيذهبون من الله عز وجل؟ فمهما ذهبوا وصعدوا ونزلوا ففي النهاية المرجع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى؛ لذلك على الإنسان أن يعد نفسه لهذا اليوم، فلا ينفعه إلا القلب السليم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [49 - 56]
تفسير سورة الحج [49 - 56] وعد الله المؤمنين بمغفرة منه ورزق كريم، وتوعد الذين يسعون في إبطال آيات الله بالعذاب الأليم، وما من نبي يقرأ كتاب الله إلا ويلقي الشيطان شبهاً تتعلق بما قرأ، فيضل بها الكافرون ويمتحن بها المؤمنون، فيثبتهم الله، ويحكم آياته، ويبطل ما ألقاه الشيطان من وساوسه.
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة)
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج:48 - 52]. لما أخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات وما قبلها كيف أنه يهلك القرى، وكم من قرية أهلكها الله سبحانه تبارك وتعالى بسبب ظلم أهلها، أهلكها فلا يرى لهذه القرية أثراً من حياة إلا آثار موت وآثار خراب وآثار تعطيل فقال: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج:45]، وهنا قال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج:48] يعني كم من القرى أملينا لها وتركناها، وأمهلناها، واستدرجناها حتى أخذناها أخذاً عظيماً شديداً، {ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج:48] إلى الله عز وجل ترجع الأمور، فيصير كل الخلق إليه ليجازيهم على أعمالهم.
تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)
تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج:49] صفته النذارة والبشارة صلوات الله وسلامه عليه، فهو نذير يخوف الخلق من عذاب رب العالمين سبحانه، وهو بشير يبشرهم بما أعد الله عز وجل للمؤمنين من جنات ومن نعيم مقيم. {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الحج:49] مبين: يعني: واضح بين الحجة والبرهان. {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الحج:50] هذا وعد من الله سبحانه وبشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، وقيده هنا بالإيمان والعمل الصالح، فالمؤمن فرض عليه أن يطيع الله سبحانه، وأن يطيع النبي صلوات الله وسلامه عليه فيعمل صالحاً، فإذا آمن وصدق وعمل الصالحات فله المغفرة، فيستر الله عز وجل عليه ذنوبه، ويمحوها سبحانه، وقد يبدلها حسنات بفضله وكرمه سبحانه، وله رزق كريم، فمدح رزق الآخرة بأنه رزق كريم، رزق لا شائبة فيه، ولا كدر فيه، ولا تعب فيه ولا نصب، ولا شيء فيه يزعج الإنسان، بل هو رزق كريم من رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى في الجنة.
تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين)
تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين) قال تعالى: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج:51] أي: الكفار الذين أعرضوا وسعوا جاهدين في أن يطفئوا نور الله سبحانه تبارك وتعالى، وأن يبطلوا ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، سعوا في آيات الله معاجزين مغالبين مشاقين للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعاندين لهذا الدين العظيم، ويظنون أنهم يعجزون رب العالمين سبحانه، ويظنون أنه لا يقدر عليهم، قال: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا} [الحج:51] أي: أسرعوا في ذلك معاجزين، وهذه قراءة الجمهور، و (معجِّزين) قراءة ابن كثير وأبي عمرو. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحج:51] ظنوا أنهم يفوتوننا مسرعون ليطفئوا نور الله، فالله عز وجل متم نوره ولو كره الكافرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فمهما ظنوا أنهم أقوياء، فالله أقوى منهم، والله يعجزهم سبحانه تبارك وتعالى، ولا يقدرون على شيء، وهو يقدر عليهم سبحانه، فهم أصحاب النار.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) قال الله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج:52] أرسل الله عز وجل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا مرسل وهذا مرسل، لكن الرسول معه شريعة من عند رب العالمين، والنبي مأمور أن يدعو القوم إلى توحيد رب العالمين سبحانه، فالرسول معه رسالة من الله سبحانه، وكلاهما مرسل. قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى} [الحج:52] أي: رسول وأي نبي عليهم الصلاة والسلام يتمنون، والتمني يأتي بعدة معان: فمن معانيه: التلاوة، فيتلو ما أنزل الله عز وجل عليه، ومن معانيه: التحدث والإخبار بما أوحى الله عز وجل إليه من وحي، والتمني حديث النفس ورجاء الخير، فالنبي يرجو الخير فيحدث نفسه فيقول: لو أن قومي أسلموا لدخلوا الجنة، لو أن قومي أسلموا لكانوا قوة وجاهدنا الكفار، فيحدث نفسه ويتمنى الخير من عند رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى. فإذا الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام تمنوا بمعنى: تلوا أو بمعنى حدثوا، ألقى الشيطان في تلاوتهم وألقى في أحاديثهم، والمعنى: أن القوم يستمعون لآيات الله سبحانه تبارك وتعالى، وإذا بالشيطان يلقي في قلوبهم ما يمنعهم من الإيمان بهذا الكلام العظيم من عند رب العالمين سبحانه. فالله يقول لنبينا صلى الله عليه وسلم: لست أنت أول من يعرض عنه الناس مع ظهور الحجة والبينة، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]، فهؤلاء الكفار يسمعون كما يسمع المؤمنون، ويفهمون ما يفهمه المؤمنون، لكن قلوبهم تصدهم عن سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، يعرف الكافر الحق ويحيد عنه، يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند رب العالمين فإذا به يعاند ويجحد ما جاء به، وهو مستيقن في نفسه أن هذا الحق من عند رب العالمين! فيلقي الشيطان في أمنية الأنبياء وأمنية المرسلين عليهم الصلاة والسلام بمعنى: في تلاوتهم وفي حديثهم فيما تمنوه من إيمان قومهم، فالشيطان يصد عن سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، ويلقي في قلوب الكفار أن هذا سحر، وأن هذا كاهن، وأن هذا شاعر، وأن هذا أساطير الأولين، فالنبي يحدث ويعتقد أن هؤلاء سيفهمونه ويستوعبونه، ويعون ما يقوله؛ وإذا بهم يصدون عنه، ويقولون: كذاب، النبي صلى الله عليه وسلم جاء لقومه وهو يقول: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]، اسمعوا وأعينوني أبلغ كلام رب العالمين، فظن أنهم يعينونه صلى الله عليه وسلم؛ فإذا بالشيطان يحول بينه وبين قومه عليه الصلاة والسلام؛ فإذا بالشيطان يلقي في قلوبهم حتى قالوا عنه: كذاب، وكانوا قبل ذلك يقولون عنه: الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا عنه: ساحر، وهم يعلمون أنه ليس ساحراً صلوات الله وسلامه عليه. فهذا ما يلقيه الشيطان في قلوب هؤلاء، يتلو النبي فإذا بهذا الشيطان لعنة الله عليه يحول بين هؤلاء وبين فهمهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. (إلا إذا تمنى) أي: إذا قرأ أو حدث بالوحي، إذا بالشيطان يلقي في هذه التلاوة ما يحول بين القوم وبين فهم ما يقوله النبي عليه الصلاة والسلام، بل يكذبونه ويعاندونه. معنى آخر وهو أنه إذا تمنى النبي والأنبياء من قبله إيمان أقوامهم إذا بهم يوم القيامة يأتي النبي ومعه الأمة، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الاثنان، والنبي ومعه الواحد، والنبي وليس معه أحد عليهم الصلاة والسلام، فالنبي الذي يأتي وليس معه أحد عندما أرسله الله إلى قومه كان يتمنى إيمان جميع قومه، فلم يؤمن به ولا رجل. فالشيطان ألقى في أمنيته فأبعد الناس عن دين رب العالمين، ويزين لهم الدنيا والابتعاد عن كتاب الله وعن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويحول بينهم وبين الإيمان، قال سبحانه تبارك وتعالى: {إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ} [الحج:52]. وإذا كان كل الأنبياء والمرسلين سيلقي الشيطان في أمانيهم، فهل سيظل ما يلقي الشيطان ولا يؤمن أحد أبداً؟ لا، فربنا يخبر أنه يبطل ما يلقي الشيطان، قال سبحانه: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج:52] النسخ: الإزالة والمحو والإبطال، فيبطل الله عز وجل ما ألقاه الشيطان في قلوب هؤلاء؛ فإذا بالمشركين يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: نقول عنه: ساحر؛ فإذا بعضهم يرد على بعض ويقول: لا ما هو ساحر، ولا أحد سيصدقنا فيما نقول. فقالوا: نقول عنه: كاهن، الشيطان يلقي عليهم هذا الشيء وإذا بعضهم يرد على بعض فيقول: نحن عرفنا الكهانة، وهذا ليس بكاهن من الكهان. فقالوا: نقول عنه: شاعر، فيقولون: ليس شاعراً. فينسخ الله ما يلقي الشيطان في قلوب هؤلاء، ويظهر الحق سبحانه تبارك وتعالى سواء صدقوا أو لم يصدقوا، قال الله: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج:52]. كذلك قد يلقي الشيطان في قلوب هؤلاء القوم أن النبي عليه الصلاة والسلام لعله يداهن كما قال الله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9]، فتمنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يداهنهم ويذكر آلهتهم بخير، والله سبحانه تبارك وتعالى يحذر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء:73 - 75] صلوات الله وسلامه عليه. فانظر كيف يحكم الله عز وجل آياته ويهدد نبيه صلوات الله وسلامه عليه -وحاشا له أن يبتعد عن أمر ربه سبحانه- تخويفاً له، والأمة تبع له فيقول سبحانه: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء:74] وهذا يدل على صموده، وأنه مستحيل أن يداهنهم صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه معصوم، {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء:74]، ولم يحدث أن ركن إليهم صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله ثبته على الحق بالعصمة منه سبحانه تبارك وتعالى، ولو أنه ركن إليهم شيئاً قليلاً -وحاشا له صلى الله عليه وسلم أن يقع في ذلك- يقول الله عز وجل: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ} [الإسراء:75] أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات. فهنا ينسخ الله ما يلقي الشيطان من الكلام الكذب الذي يقوله الكفار، ويحكم الله عز وجل آياته، ويثبت دينه، ويثبت ما يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء والرسل، فيسمع الناس الحق، ويعرفون أنه الحق والله عليم حكيم، يعلم كل شيء، ويعلم ما يدبره هؤلاء الأقوام، وما يقولونه، والله حكيم في أن يؤخر الحكم في ذلك، وأن يملي لهم وأن يمهلهم سبحانه تبارك وتعالى، ولا ينسى ربك شيئاً، ولكنه حكيم في أحكامه، حكيم في تأديبه وتأخيره سبحانه تبارك وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض)
تفسير قوله تعالى: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) قال الله: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج:53] الله سبحانه تبارك وتعالى خلق الشيطان، وعلم ما يفعله هذا الشيطان بالخلق، فيجعل ما يلقي الشيطان فتنة، وربنا أراد أن يبتلي العباد، قال: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن:2] منكم المطيع، ومنكم العاصي، منكم من هو على الحق، ومنكم من هو على الباطل، فالله عز وجل جعل الشيطان فتنة لهؤلاء القوم، وما يلقيه الشيطان في قلوبهم فتنة لمن؟ {لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} [الحج:53] الذين في قلوبهم مرض، هم المنافقون، في قلوبهم غل، في قلوبهم شك، والقاسية قلوبهم هم الكفار، والمنافقون أيضاً الذين إذا ذكر الله يجحدون بآياته سبحانه، وفرق بين المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وبين هؤلاء القاسية قلوبهم. قال سبحانه: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [الحج:53] إن الظالمين لفي خلاف وفي عصيان ومشاقة، وأصلها من الشق، أنت في شق وهم بعيدون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن طاعة الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك)
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك) قال الله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} [الحج:54] الناس أصناف: المنافقون، والكفار، والمؤمنون أهل العلم، فالذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم هؤلاء في شقاق بعيد عن دين رب العالمين سبحانه، أما المؤمنون وخاصة أهل العلم فهم كما قال الله: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ} [الحج:54]، يؤمنون ويزدادون إيماناً {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج:54] لأنهم علموا أن هذا الحق من رب العالمين، والإخبات السكون، والخشوع، والتواضع، والإنابة إلى الله سبحانه تبارك وتعالى والطاعة، فأهل الإيمان أهل العلم عرفوا الحق من الله عز وجل. {فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج:54] هذا وعد من الله سبحانه تبارك وتعالى أن يهدي المؤمنين إلى صراط الجنة وإلى طريق الجنة، وهو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعريج على النار، ولكن يهديهم إلى جنته سبحانه تبارك وتعالى، {وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج:54] فيثبتهم في الدنيا على الخير وعلى الحق، ويثبتهم عند السؤال، ويثبتهم عند المرور على الصراط حتى يدخلهم الجنة سبحانه تبارك وتعالى على صراط مستقيم.
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه)
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) قال الله تعالى: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج:55] المرية: الشك، فالكفار في مرية من هذا القرآن العظيم، {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج:55] يعني: وإن شك الكفار لم يضر هذا الدين شيئاً، ولكن يضرون أنفسهم فمهما تشككوا فلا يزالون على شكهم حتى يأخذهم الله سبحانه بأن تأتيهم الساعة، أو يأتيهم الموت {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} [الحج:55]، واليوم العقيم هو يوم ليس بعده ليلة وليس بعده يوم، يوم عقيم، والمرأة العقيمة التي لا تلد، والأيام العقيمة لها معان: فمن معانيها: يوم عقيم يعني يوم شؤم على أصحابه، يوم كله شرور، فهؤلاء يأتيهم اليوم العقيم سواء في الدنيا بانتصار المؤمنين عليهم، وقتلهم كما حدث في يوم بدر، أو بأن يأتيهم يوم القيامة وهو لا يوم بعده من الدنيا، فهو يوم عقيم.
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم)
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم) قال الله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} [الحج:56] الملك يوم القيامة لله رب العالمين، والملك في الدنيا لله رب العالمين، ولكن في الدنيا ترك الله عز وجل العباد منهم من يؤمن ومنهم من يكفر ويجحد، فكأن البعض يأخذون الملك لله في الدنيا، والبعض يقول: أنا الملك، ومنهم من ينصب نفسه رباً على الخلق كذباً وبهتاناً، ومنهم: من يدعوهم إلى أن يعبدوه من دون الله سبحانه، لكن يوم القيامة لا يجترئ أحد أن يقول ما قاله ففي الدنيا، في الدنيا كان الله عز وجل غنياً لا يرونه، فاجترءوا على ذلك لعدم الإيمان في القلوب، لكن يوم القيامة فالملك لله سبحانه، هو الملك الذي يحكم بما يريد سبحانه، وهو الذي يجازي عباده، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم جنات النعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بآيات رب العالمين فأولئك لهم عذاب مهين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [55 - 59]
تفسير سورة الحج [55 - 59] يختلف الناس في أمر القيامة، فمنهم من هو مؤمن بها، ومنهم من هو في شك منها، حتى إذا جاء ذلك اليوم ظهر ملك الله عز وجل على سائر عباده، فالمؤمنون لهم جنات النعيم، والكافرون لهم عذاب أليم، وقد يبلغ الإنسان درجة المهاجرين والمجاهدين والشهداء بنيته الصادقة وإن مات على فراشه.
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه)
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:55 - 59]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات كيف أن الكفار في قلوبهم شك من هذا الدين، ولا يزال الذين كفروا في مرية وفي شك من هذا القرآن، أو من هذا الدين، بسبب ما يلقيه الشيطان في آذانهم وفي أسماعهم، وبسبب ما يوسوس به في صدورهم فيتشككون في أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أمر الدين حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم وهو عذاب يوم القيامة، لا يوم للدنيا بعده، فهو آخر أيام الدنيا فلن يكون بعده ليل ولا نهار، وإنما اليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، فلا حياة فيها تكليف بعد ذلك، وإنما بعد ذلك الحياة الأخروية التي فيها الجزاء والحساب.
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم)
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم) قال الله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج:56] يوم القيامة يعلم الجميع أن الملك لله سبحانه، ويقفون بين يديه، ولا يقدر أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله رب العالمين، ولا يقدر أحد أن يتكلم بين يدي رب العالمين إلا إذا أمره سبحانه أن يتكلم. قال تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه:111] عنت: ذلت وقهرها الله سبحانه وتعالى فاستكانت وخشعت بين يدي الله رب العالمين، هذا في يوم القيامة، عرفوا وعلموا واستيقنوا أن الملك هو الله سبحانه وتعالى وأن الملك له، وأنه مالك يوم الدين كما هو مالك الدنيا، وفي الآخرة يبدو هذا بأن يذلهم جميعهم، وأن يقهرهم جميعاً ويريهم ناره، ويريهم عذابه، ويريهم جنته، ويسألهم واحداً واحداً، فكل إنسان مسئول عن نفسه وعن تقصيره وعما عمل في هذه الدنيا، فظهر الملك لله سبحانه وتعالى يجازي عباده يوم القيامة، وبان واتضح أن الملك لله وحده لا شريك له، فلا أحد يجرؤ أن يسأل الله عز وجل: لم فعلت كذا؟ ولا أحد يجرؤ أن يسأل الله عز وجل: لم أدخلت هذا الجنة؟ ولم أدخلت هذا النار؟ الملك يومئذ لله فيحكم سبحانه وتعالى بينهم، فيفرق بين المؤمنين وبين الكفار، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم المقيم، وفيها الحياة الأبدية التي ينعمون فيها بما شاء الله عز وجل لهم من أنواع النعيم، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات فيها البساتين وفيها ما يشاءون من طعام وشراب وما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين وهم فيها خالدون.
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الحج:57] أي: الكفار يذهب بهم إلى نار الجحيم، فلهم عذاب مذل، إذ يذلهم الله عز وجل يوم القيامة، تعززوا في الدنيا ورفضوا أن يعبدوا إلهاً واحداً سبحانه وتعالى؛ فإذا به يذلهم يوم القيامة، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا ينفعهم ما يقولون يوم الدين، ولا ينفعهم إذا دخلوا النار أن يبكوا على أنفسهم، فسالت أعينهم دماءً بدلاً من الماء، فالله سبحانه وتعالى يدخلهم النار ويهينهم ويقول: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108].
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ما توا ليرزقهم الله رزقا حسنا)
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ما توا ليرزقهم الله رزقاً حسناً) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58] أخبر الله عن المؤمنين عامة: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج:56]، ولكن لا شك أن هؤلاء المؤمنين بعضهم فوق بعض في درجات الجنات، فمنهم من هو في أعلاها، ومنهم من هو أدنى من ذلك، فمن أعلى الناس أجراً يوم القيامة المهاجرون الأولون الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف الله عز وجل سيرتهم وحياتهم وهجرتهم بالصدق، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15]، فأخبر عنهم هنا مميزاً ومشرفاً لهم بقوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58] المهاجرون الأولون تركوا ديارهم وأموالهم، وتركوا أهاليهم وهاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومنهم من هاجر قبل ذلك إلى الحبشة، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة، وأوذوا أذىً شديداً فكانوا في ديار الغربة ودار البعد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم في غاية الضعف والهوان في أعين الناس، فإذا بالله عز وجل يرفعهم يوم القيامة، ويجعل لهم الوضع العظيم الجميل في جنات النعيم، فقال لهؤلاء: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ليس في سبيل دنيا، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهؤلاء هاجروا لا لدنيا وإنما لدين الله رب العالمين وابتغاء مرضات الله. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا} [الحج:58] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر: (ثم قتِّلوا أو ماتوا) أي: قاتلوا في سبيل الله فمنهم من قتل فكان شهيداً، ومنهم من مات، والاثنان لهما الأجر العظيم عند الله سبحانه وتعالى، فقوله تعالى: {ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا} [الحج:58] هما سواء. والهجرة عظيمة وفضلها عظيم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ميز بين المهاجرين الأولين، وبين من دخل في الإسلام بعد الفتح فقال: (لا هجرة بعد الفتح) مضت الهجرة لأهلها، يعني: الثواب العظيم في هذه الهجرة مضى لأهلها، سواء قتلوا شهداء، أو ماتوا على فرشهم، فالله عز وجل ذكر الاثنين، قال: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا)) والفعل المضارع إذا سبقته لام التوكيد وجاء في آخرها نون التوكيد المثقلة فهذا دليل على جواب القسم فيه، فكأنه يقول: والله ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين. فجعل للاثنين من مات حتف أنفه، أو من قتل في سبيل الله الأجر العظيم عند الله سبحانه، فهم هاجروا من ديارهم وأموالهم وفي نيتهم أن يكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث ما كان، وأن ينصروا دين الله سبحانه وتعالى، فنووا أن يكونوا معه، وأن يجاهدوا معه صلى الله عليه وسلم، واستحضروا نية الجهاد، وتمنوا أن يكونوا شهداء، وكيف لا وقد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا) فلفضل الجهاد تمنى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وتمنوا هم ذلك، قال تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب:23] فشهد لهم الله عز وجل أنهم الصادقون، وأنهم لم يبدلوا ولم يتبدلوا، ولم يبدلوا دين الله، ولم يغيروا نواياهم، فلذلك كان لهم الأجر العظيم عند الله سبحانه. ومن قتل في سبيل الله له الحسنى عند ربه سبحانه، ومن مات أيضاً له الحسنى عند الله؛ لأنه هاجر ونوى الجهاد، ونصر دين الله سبحانه وتعالى، وتقدير الموت بيد الله ليس بيد الإنسان، فالإنسان لا يملك لنفسه أن يموت شهيداً أو يموت على فراشه، وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بعده صلوات الله وسلامه عليه مع الخلفاء الراشدين، ويتمنى أن يستشهد في سبيل الله سبحانه وتعالى، ويذهب في مواضع الموت مقاتلاً مجاهداً ومع ذلك كتب الله عز وجل له أن يموت على فراشه، وهو يقول للناس: إنه ما في بدنه موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، رضي الله تبارك وتعالى عن خالد بن الوليد وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم. الغرض هنا: أن الله وعد هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله سبحانه بصدق نيتهم، وصدق جهادهم مع النبي صلى الله عليه وسلم أن لهم الحسنى عند الله عز وجل سواء قتلوا أو ماتوا، ففي الحالتين لهم الأجر العظيم، فقال سبحانه: {ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58] تأكيد من الله سبحانه وتعالى، ووعد مؤكد، قال: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج:58] وذكر لفظ الجلالة دليل على تشريف هؤلاء، فلم يقل: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم رزقاً حسناً) ولكن قال: {لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ} [الحج:58] تشريفاً لهؤلاء بأن الرزق من عند الله، فليست الملائكة هي صاحبة الرزق، ولا مخلوق آخر، إنما صاحب الرزق هو الله، إذاً: الرزق يليق به سبحانه وتعالى، يعطي المجاهدين في سبيله رزقاً حسناً، وكل رزق الله حسن سبحانه وتعالى، فإذا كانوا رزقوا الجنة فلا شك أنه أحسن الأرزاق وأفضلها، ولكن الله سبحانه يشرفهم ويفضلهم ويطمئنهم بقوله: لكم أحسن الرزق عند الله رب العالمين.
سبب نزول قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا)
سبب نزول قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا) قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58] قالوا: إن هذه الآية نزلت لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون رضي الله تبارك وتعالى عنه والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحبه، وحضر النبي صلى الله عليه وسلم جنازته، وبكى عليه صلوات الله وسلامه عليه ودفنه، وعلم قبره صلى الله عليه وسلم بحجر وقال: (ادفنوا إليه من مات من أهلي)، فلما مات عثمان قال بعض الناس: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، وقالوا: إن عثمان بن مظعون مات على فراشه، والذين قتلوا في غزوة بدر وفي غزوة أحد أفضل ممن مات على فراشه، فأنزل الله سبحانه وتعالى أن الجميع لهم الرزق الحسن عند الله سبحانه وتعالى، فسوى بينهم وقال: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} [الحج:58] فسوى بينهم في الرزق الحسن، وفي الآية الأخرى قال سبحانه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء:100] هذا من خرج سواءً وصل أولم يصل، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، قال الله سبحانه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا} [النساء:100] نوى أن يخرج مهاجراً إلى الله ورسوله، {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} [النساء:100] أي: وصل للمدينة أو لم يصل إلى المدينة فأدركه الموت على هذه النية، {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء:100] إذاً: لم يضع أجر هذا الإنسان، بل وقع على الله، إذاً: هنا لم يضع ما وقع على الله، وما ذهب إلى الله سبحانه وتعالى فقد وقع أجره، أي: ثبت أجره على الله، وجاء بلفظ: {عَلَى اللَّهِ} كأنه أوجب على نفسه سبحانه وتعالى الأجر لهذا الإنسان ولمن كان مثله، فقد وقع أجره على الله.
أحاديث دالة على فضل المجاهد وإن مات على فراشه
أحاديث دالة على فضل المجاهد وإن مات على فراشه أم حرام بنت ملحان هي خالة أنس بن مالك رضي الله عنه، وهي زوجة عبادة بن الصامت، وكان يدخل في بيتها صلى الله عليه وسلم وينام أحياناً عندهم نوم القيلولة صلوات الله وسلامه عليه. روى البخاري ومسلم عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عندها فنام صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك) دخل بيت أم حرام بنت ملحان التي هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذه أختها زوجة عبادة بن الصامت، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فقالت: ما يضحكك يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون يبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة) يخبر أنه رأى في الرؤيا ورؤيا الأنبياء كلها وحي من الله وكلها حق، فرأى أن من أمته من يخرج مجاهداً في سبيل الله في البحر، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما كان الصحابة متعودين على ركوب البحر في الجهاد في سبيل الله سبحانه؛ لأن ركوب البحر شيء شاق جداً فهو رأى هذه الرؤيا وفسرها أنه يخرج في يوم من الأيام ناس من الصحابة مجاهدين في البحر، فضحك فقال: (مثل الملوك على الأسرة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك صلوات الله وسلامه عليه فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله) كما ذكر في الحديث الأول، يعني: مرتين كأنه يخرج ناس مجاهدون في سبيل الله وبعدهم يخرج آخرون مجاهدون في سبيل الله عز وجل، (فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين) فذكر الراوي أنها ركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان وحين خرجت من البحر، ركبت دابتها فوقعت من الدابة وماتت رضي الله تبارك تعالى عنها، فهذه المجاهدة طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يجعلها منهم، فكانت هي منهم خرجت مجاهدة في سبيل الله مع زوجها عبادة بن الصامت رضي الله عنه مجاهدين للروم. لاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنت من الأولين) يعني: من هؤلاء المجاهدين فكان لها أجر هؤلاء المجاهدين الذي كالملوك على الأسرة مع أنها لم تقاتل وإنما وقعت عن دابتها، فالمهاجر إذا هاجر في سبيل الله سبحانه وتعالى وجاهد في سبيله عز وجل ثم قتل أو مات فله أجره وله الرزق الحسن عند الله سبحانه وتعالى. أيضاً: جاء في حديث آخر: عن عبد الله بن عتيك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فخر عن دابته فمات، أو لدغته حية فمات، أو مات حتف أنفه؛ فقد قع أجره على الله، ومن مات قعصاً فقد استوجب المآب) المعنى: أن الخارج مجاهداً ليس شرطاً أن يقتل من قبل العدو، فمن الممكن أن يموت أو تلدغه حية فيكون له أجره عند الله؛ لأنه نوى الخروج، بل من سأل الله عز وجل الشهادة بصدق فله أجرها وإن مات على فراشه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم)
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم) قال الله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59] وعد من الله أن يدخلهم مدخلاً يرضونه، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور: {مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ}، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين: (مَدْخلاً يرضونه) هذا مصدر ميمي، والأول مشتق من الرباعي، والثاني مشتق من الثلاثي، أي: أدخلهم مُدْخلاً ودخلوا مَدْخلاً، فأدخل الله عز وجل هؤلاء مُدْخلاً يرضونه، أو دخلوا هم يوم القيامة مَدْخلاً حسناً عند ربهم سبحانه وتعالى في الجنة، فقوله تعالى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} [الحج:59] أي: يرضون ما دخلوا فيه، حين يرون الأجر العظيم من الله. قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59] لما ذكر الله أجر هؤلاء ذكر اسمين من أسمائه سبحانه، الاسم الأول: العليم، الاسم الآخر: الحليم سبحانه وتعالى. فقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59] أي: عليم بمن يستحق هذا الأجر العظيم، وعليم سبحانه وتعالى بنيات هؤلاء، وحليم عن عقابهم، قد يسيء الإنسان ثم يهاجر في سبيل الله، فالهجرة تجب ما قبلها، وقد يكون بعض من هؤلاء وقع في نوع من الذنوب، أو شيء من الآثام، وبعد ذلك يستر عليه الله ويغفر له، فالله حليم، وكم من إنسان يجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى مستيقناً بما أوجب الله عز وجل من هجرة ومن جهاد وله الأجر العظيم عند الله سبحانه، ولعله كان قبل ممن يدفع هذا الدين ويمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو في مكة، وأن يدعو إلى دين ربه سبحانه، فالله سبحانه حلم عليهم، ثم أرشدهم وهداهم إلى الإسلام ثم جعلهم شهداء، بل قد يكون قد قتل مسلماً مثل: خالد بن الوليد، في يوم أحد كان كافراً، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في يوم أحد يقاتلون هؤلاء الكفار، وإذا بـ خالد يسلم بعد ذلك قبل فتح مكة، ويدخله الله عز وجل في هذا الدين مدخلاً حسناً، ويكون من المجاهدين لإعلاء دين رب العالمين سبحانه، فالله حليم سبحانه وتعالى، عليم بقضائه وقدره، علم سبحانه وتعالى أن هذا ممن يستحق الحسنى من الله عز وجل، فلم يؤاخذه بذنوبه، ولم يعجل له العقوبة، وتاب عليه سبحانه وتعالى، وجعله من المجاهدين، فالله عليم بمن يستحق الرحمة، والله يحلم عن العاصي لعله يتوب، فإذا تاب رفعه وغفر له سبحانه وتعالى، وفرق بين أن يحلم على إنسان ليتوب، وبين أن يملي إنساناً ليعذبه، فالله عز وجل يحلم عن إنسان علم في قلبه الخير، فإذا به يتركه فيراجع نفسه ويتوب، فيتوب الله عز وجل عليه، ويملي إنساناً آخر في معصية؛ فإذا به يزداد عتواً وفجوراً، ويزداد بعداً عن دين الله ونفوراً، فإذا بالله يأخذه أخذ عزيز مقتدر. نسأل الله عز وجل بفضله حلمه وكرمه ورزقه الحسن، ونعوذ بالله من عذابه، ونسأله جنته ونعوذ به من عقابه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [58 - 64]
تفسير سورة الحج [58 - 64] ذكر الله سبحانه أن من هاجر في سبيله وابتغاء مرضاته سواء قتله المشركون أو مات حتف أنفه فقد تكفل له ربه بالرزق الحسن في جنة النعيم بما يرضيه، وذكر أن من ظلم فانتصر وعاقب بالمثل ثم بغى عليه خصمه فإن الله ناصره ومؤيده، والله سبحانه يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، وهو الإله الحق وما دونه الباطل، أفلا يقدر على أن ينصر المظلوم؟! بلى.
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقهم الله رزقا حسنا)
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقهم الله رزقاً حسناً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [الحج:58]. أخبر الله سبحانه وتعالى عن فضله على عباده الذين هاجروا في سبيله، وأوذوا فقاتلوا وقتلوا في سبيل الله، أو أنهم أوذوا فهاجروا ثم ماتوا فوعدهم الله عز وجل بالرزق الحسن منه، وهو خير الرازقين، ورزقه الحسن جنات تجري من تحتها الأنهار.
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم)
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم) ذكر الله لنا وعده فقال: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59] فمدخل إما أن يكون مصدراً، أو اسم مكان، فإن كان اسم مكان فالمعنى: يدخلهم موضعاً يرضونه في جنات الخلود. وإن كان مصدراً فالمعنى: دخولاً يرضونه في جناته سبحانه. قال تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59] فذكر صفة له سبحانه وهي العلم، وصفة أخرى وهي الحلم. وفي هذه الآية ذكر الله سبحانه ما يفعله بالمؤمنين، وذكر اسمين ثم في الآية التي تليها ذكر اسمين له سبحانه، وفي الآية الثالثة ذكر اسمين آخرين من أسمائه الحسنى، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكر فيه من أسمائه الحسنى ثمانية أسماء في آيات متتالية. فذكر: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج:59]. وبعدها: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60]. وبعدها: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61]. وبعدها: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62] فبدأ بالعلم والحلم، والمعنى: إن الله لعليم يعلم ما يفعله العباد، ويعلم من الذي يستحق منهم الثواب والعقبى الحسنة، ومن الذي يستحق العقاب والعاقبة السيئة، والله حليم يحلم عن عباده، فهو بعلمه سبحانه، يعلم أن هذا يستحق الرحمة، وإن كان الآن في وقت يعصي فيه ربه سبحانه، ولكن سيأتي عليه وقت يتوب، فيحلم عليه سبحانه، ثم يتوب العبد، ويكون من أهل رحمة الله سبحانه وتعالى، فالله عليم بنياتهم وأعمالهم، حليم عن عقابهم.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به) قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60] أي: ذلك الأمر الذي قصصنا عليك أن من عاقب فرد العقوبة بعقوبة مثلها، أو جازى على العقوبة بمثلها فلا حرج عليه. ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين لقوا بعض مشركي مكة لليلتين بقيتا من شهر الله المحرم أحد الأشهر الحرم، فأراد الكفار قتال المسلمين قبل أن ينتهي شهر المحرم، وقالوا: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يكرهون القتال في الشهر الحرام، فاحملوا عليهم، والكفار كذلك كانوا لا يقاتلون في الأشهر الحرم إلا أنهم كانوا ينسئون فيها. والأشهر الحرم ذكرها الله تعالى في قوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة:36] وهي: ثلاثة سرد وواحد فرد، فالفرد شهر رجب، والسرد ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، هذه اختصت بالحج فيذهب الحاج لأداء نسكه فلا يؤذى، ولا يتعرض له أحد من العرب. أما في شهر المحرم وشهر رجب فكانوا يمتنعون من القتال تعظيماً لمن يذهب إلى العمرة فيهما. إلا أن الكفار كانوا يتلاعبون بهذه الأشهر، فيجيء شهر المحرم فيقولون: سنؤخر الحرمة إلى صفر ونجعل له حرمة الشهر الحرام، فلما لقوا المسلمين قال بعضهم لبعض: إن المسلمين لا يقاتلون في هذا الشهر فاحملوا عليهم واقتلوهم. فحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى الكفار إلا القتال فحملوا عليهم، فثبت الله عز وجل المسلمين ونصرهم على المشركين، فالباغي أبى الله إلا أن يقهره يوماً من الأيام. قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج:60] فهذا وعد من الله سبحانه بالنصر للإنسان المظلوم الذي بغي عليه لينصرنه الله، وهذا جواب قسم، وأصله: والله لينصرنه الله سبحانه. فلما انتصر المسلمون على المشركين قالوا: قتلتم في الأشهر الحرم، فأنزل الله عز وجل: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ} [الحج:60] أي: جازى على العقوبة، {بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} [الحج:60] بدأ المشركون فانتصر المسلمون بفضل الله عز وجل، قال: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ} [الحج:60] فبغى المشركون في الفعل، وبغوا في القول، وقالوا: هؤلاء تعدوا في الأشهر الحرم، والله عز وجل وعد المؤمنين بالنصر. ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60] يعني: عفا عن قتالكم في الشهر الحرام؛ لأنكم مطلوبون، ولأنكم تدافعون عن أنفسكم. وقيل: بل نزلت في قوم من المشركين مثلوا بقوم من المسلمين يوم أحد، فعاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا يعرض ربنا سبحانه وتعالى بالعفو، يعني: الله يعفو عنكم فكونوا أنتم أيضاً من العافين عمن ظلمكم. ذكر الله تعالى في الآية الأخرى: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الشورى:41 - 42] ثم ذكر سبحانه: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى:43] والمعنى: أن المظلوم يجوز له أن ينتصر وينتصف من ظالمه، ولكن إن قدر فعفا، فهذا أفضل عند الله سبحانه وتعالى. وقد بدأ الله بذكر الانتقام والمعاقبة، ولكن في النهاية ذكر العفو من الله سبحانه تعريضاً للمؤمنين أنه إذا قدرتم فاعفوا، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60] أي: عظيم العفو والتجاوز عن إساءات الخلق ومعاصيهم، وغفور يمحو ويستر سبحانه وتعالى الذنوب، فعفا عن المؤمنين في ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61] ذلك الذي قصصناه عليك بأن الله يولج: والإيلاج: الإدخال، فكأن الليل يدخل في النهار، والنهار يخرج من الليل، وهكذا يتعاقب الليل والنهار على الأرض، وهي المكان الوحيد الذي فيه هذا النهار، فهناك غلاف حول الأرض يظهر فيه ضوء الشمس عليها، أما الكون كله خارج غلاف الكرة الأرضية فإنه مظلم. ويميز سبحانه وتعالى بين الليل والنهار، كما أنه يميز بين الحق والباطل، فالله الذي قدر على ذلك جعل الليل سكناً وستراً، وجعل النهار وضوحاً وجلاء، فأظهر الحق، وأبطن الباطل سبحانه وتعالى. فهذا الذي قدر أن يأتي بالليل والنهار أليس بقادر على أن يظهر ظلم هؤلاء الظلمة؛ فيأخذهم سبحانه وتعالى ويعاقبهم، ويظهر الإيمان وضوءه ونوره العظيم ويظهر أهله وينصرهم؟! فلا أحد يقدر على ما يقدر عليه الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61] سميع يسمع ما يفعله العباد، وبصير يرى ما يصنعونه، فلا شيء يحجب عن سمعه وعن بصره، فهو قادر على أن يغير الليل والنهار، ويغير القلوب، ويبدل الناس بغيرهم، وهو على كل شيء قدير.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:6]، كرر الله: (ذلك) ثلاث مرات؛ لبيان قدرة الله سبحانه، أي: ذلك الذي فعلناه، وذلك الذي قصصناه عليك؛ لتعلم قدرتنا العظيمة على الجميع، نعاقب من نشاء، ونعفو عما نشاء، ونبدل الليل والنهار، وكذلك نبدل القلوب ونغير ما نشاء من أمر الناس، فمنهم كافر، ومنهم مؤمن، ونسمع ونرى كل شيء، وذلك من الله عز وجل بقدرته العظيمة الباهرة؛ لأنه هو الحق سبحانه، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، فيذهب الله عز وجل الباطل كما يذهب الليل ويأتي بالحق كما يأتينا بالضوء وبالنهار. قال تعالى: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج:62] فيها قراءتان: (وأن ما يدعون) قراءة الجمهور، وقراءة نافع، وأبي جعفر، وابن عامر، وشعبة عن عاصم: ((وَأَنَّ مَا تَدْعُون))؛ فالخطاب للمشركين: وأن ما تدعون من دون الله سبحانه هو الباطل، فهم يدعون ما لا ينفعهم، ولا يضرهم، وذلك هو الضلال البعيد. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62] فذكر هنا اسمين له سبحانه، العلي أي: المتعالي الذي لا شيء مثله سبحانه، فهو عالٍ على كل شيء بقدرته سبحانه، عالٍ عن الأشباه والأنداد، مقدس عما يقوله الظالمون من صفات لا تليق بجلاله سبحانه وتعالى. العالي فوق خلقه فله العلو: علو الكمال، وعلو الذات، وعلو القهر، وعلو الصفات. وهو يملك كل شيء، ويدبر أمر كل شيء، عالٍ عن أن يصل إليه دنس العباد وأذاهم. وهو الكبير سبحانه، وهي صفة أخرى من صفاته العظيمة. ولما ذكر الليل والنهار بأشياء عظيمة، وذكر لنا أن الله سبحانه هو الحق، وأن ما يدعون من دونه باطل هزيل سيضمحل، أخبر أنه هو وحده الكبير سبحانه، فمهما رأى الإنسان من شيء كبير من الأرض أو من السماء أو من الأجرام أو من الجبال، بل أي شيء يراه في نفسه عظيماً كبيراً؛ فالله أعظم وأكبر وأجل منه. فلذلك حين يعلو الإنسان فوق جبل يقول: الله أكبر، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا نزلت من الجبل إلى الأرض قلت: سبحان الله. وهذا مناسب للحال فإذا ارتفع الإنسان قد يظن أنه علا وبغى فيقول: الله أكبر من كل شيء. وإذا نزل الإنسان يستشعر التواضع في النزول والانخفاض فيقول: سبحان الله، أي: لا ينحط أبداً سبحانه وتعالى، ولا ينزل نزولاً يدل على نقص، بل نزوله إلى السماء بكماله، وجلاله وقدرته وهو العلي الكبير، لا يعتريه نقص، ولا شيء مما يعتري الخلق. قوله: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:23] أي: الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن. وقيل: الكبير من الكبرياء فله الكبرياء، والكبرياء: الكامل في ذاته سبحانه، وله الوجود العظيم الذي لا يشبهه شيء من خلقه.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج:63] ذكر الله لفظ الجلالة، ووصفها بأسمائه الحسنى الأخرى، فاللطيف: الدقيق في علمه سبحانه وتعالى، والخبير: العليم ببواطن الأمور، يعلم ما قل وما صغر، وما ظهر وما خفي. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الحج:63] وكل إنسان يرى ذلك، فينزل من السماء الماء، قال تعالى: {فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً} [الحج:63] تجد أرضاً ينزل عليها من السماء المطر بالليل، فإذا بها بالنهار قد بدأت خضرتها أو أنها تكون أرضاً بوراً ثم بعد فترة ينبتها الله سبحانه. فإما أن يكون الإصباح حقيقاً على هذا النحو، أو بعد ذلك يصير مآلها إلى الإخضرار بسبب ما أنزل الله عز وجل من الماء. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [الحج:63] فالله لطيف خبير يعلم كل شيء، وهو لطيف بعباده عليم بخفاياهم. فاللطف معناه: العلم الدقيق، ومن معناه: الرحمة الخفية منه سبحانه وتعالى، فقد يلاقي الإنسان في الدنيا الظلم والصعوبة والشدة ثم يلطف الله عز وجل به ويغفر لمذنبه. وتأمل المناسبة الجميلة بين أسماء الله الحسنى، وبين ما يذكره الله سبحانه وتعالى من بديع خلقه، فالإنسان في قاحل من الأرض، وهو محتاج للماء ليشرب، وفجأة أنزل الله عز وجل من السماء ماء فارتوى الإنسان وأنبتت الأرض، فنقله بلطفه سبحانه وتعالى من حال عسر صعب شديد إلى حال فيه يسر، وفيه فضل من الله وفيه غنى؛ فيحمد العبد ربه سبحانه وتعالى عليه. فهو اللطيف بعباده، وهو خبير، وعلمه دقيق يعلم ما خفي من أمر العباد، فقد يكون في قلب العبد اليأس والقنوط حين تأخر نزول المطر، فيعلم الله عز وجل ذلك، ويعجب من قنوط العبد، وقرب تفريجه سبحانه وتعالى لهذا الحال. فإذا كاد العبد أن ييئس فجأة ينزل المطر بلطف الله سبحانه تبارك وتعالى، فينبت الزرع ويشرب الإنسان! والله لطيف بأرزاق عباده، فيخرج لهم النبات من الأرض، ويعطيهم ما يحتاجونه من أشياء على قدر ما يحتاجون.
تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض) قال تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج:64] فذكر هنا اسمين آخرين من أسمائه الحسنى سبحانه، فالله يملك ما في السموات وما في الأرض، وإن الله لهو الغني عما في السموات وعما في الأرض وعن عباده سبحانه، فهو غني بذاته، والعبد فقير بذاته. والله الحميد المستحق للحمد، والمحمود على إحسانه وإنعامه، والمحمود على جلاله وإكرامه، والمحمود على جماله وأفعاله. فلا يحتاج إلى شيء لغناه، وهو المحمود سبحانه في كل حال، يحمده العبد في السراء فيقول: الحمد لله رب العالمين، ويحمده في الضراء فيقول: الحمد لله على كل حال، فهو المستحق للحمد؛ لأنه أهل لذلك. نسأل الله بأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [60 - 65]
تفسير سورة الحج [60 - 65] يذكر الله سبحانه وتعالى من أسمائه الحسنى ما يناسب آياته في كتابه الكريم، فهو سبحانه له تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة، فينبغي الحرص على معرفة أسماء الله وصفاته، وقد ذكر الله في سورة الحج أسماء حسنى كثيرة لم يذكرها في غيرها من سور القرآن.
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه)
تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج:60 - 65]. في هذه الآيات من سورة الحج يذكر الله سبحانه وتعالى عظيم قدرته وبديع صنعته في خلقه للسماوات وللأرض، وذكر أنه سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى، ومقتضى أسمائه أن له أفعالاً عظيمة في خلقه ويرينا بعضاً منها في سبع آيات متعاقبة، وكل آية يختمها ربنا سبحانه باسمين من أسمائه الحسنى. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). فقوله: (أحصاها) أي: حفظ هذه الأسماء وعرف معانيها وقام بحقها ودعا الله عز وجل بها في مواطنها. وهنا ربنا ينبهنا في كل آية باسمين من أسمائه الحسنى مناسبين للآية، فقال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج:60]، فذكر اسمين من أسمائه: العفو والغفور سبحانه وتعالى. ومن أسمائه الحسنى ما فيها صفات لا تليق إلا به وحده سبحانه، ومنها ما فيها صفات تليق به سبحانه وتعالى وحده لجلالها وكمالها، وأمر العباد أن يتخلقوا بالأوصاف التي فيها كالمغفرة والرحمة، فأمر عباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يتراحم بعضهم مع بعض، فمن الصفات التي له سبحانه وأمر العباد أن يتصفوا بها، الرحمة والعفو، فيكون فيهم الرحمة والمغفرة للناس على ما يسيئون إليهم. فذكر هنا: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) وعاقب هنا بمعنى: جازى عقاباً للذي عاقبه، كأنه من ظلم فجوزي على ظلمه. قال تعالى: (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) وعد الله المظلوم بأنه ينصره، وهنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا قبل ذلك لما لاقوا الكفار في شهر حرام استغل الكفار الفرصة لأن المسلمين لا يقاتلون في الشهر الحرام، وأرادوا قتالهم، فنصحهم المسلمون بأن هذا لا ينبغي؛ لأنه شهر حرام، فأبى الكفار، فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله سبحانه وتعالى، فأخبرنا هنا أن من عاقب بمثل ما عوقب به، أي: هؤلاء الذين جازوا الكفار بمثل ما فعل الكفار، فإذا بغى الكفار واستغلوا الشهر الحرام، فالله عز وجل ينصر المظلوم، فنصر الله عز وجل المؤمنين ووعدهم بنصره. قال تعالى: (لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) هنا ينصر المظلوم، وأيضاً يشير لهذا الإنسان الذي يظلم بأن من صفات الله عز وجل العفو والمغفرة، فكن أنت أيضاً على مثل هذه الصفة، قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22]، ففي هذه الآية إشارة إلى اسمين من أسمائه سبحانه أنه يعفو عن الذنوب ويتجاوز عن السيئات ويغفر ويستر سبحانه وتعالى، وفيه تعريض للمؤمنين أيضاً أن يكونوا على مثل هذه الصفات، اعفوا واصفحوا حتى يغفر الله عز وجل لكم. فمناسبة ما ذكر من عقوبة ومن نصر لله سبحانه وتعالى، وأن الله ينصر عباده المؤمنين المظلومين، ختم بالعفو والمغفرة، فإن هذا الكافر الذي قاتل المسلمين لعله يسلم يوماً من الأيام، فالله عز وجل يغفر لمن دخل في الإسلام بعد كفره، والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، فعلى ذلك هنا ربنا سبحانه وعد المؤمنين بالنصر، وأيضاً المغفرة لمن تاب إليه سبحانه والعفو عما سلف. فهذان اسمان من أسماء الله الحسنى: العفو والغفور. (لَعَفُوٌّ) العفو: يتجاوز سبحانه وتعالى عن الذنوب لمن تاب إليه سبحانه. (غَفُورٌ) الغفور: الذي يستر الذنوب ويمحوها ويزيلها، والذي لا يؤاخذ بها سبحانه إذا تاب العبد إليه.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار) قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61]. قوله تعالى: (ذَلِكَ) أي: ذلك الأمر الذي قصصنا عليك من نصر المظلوم بأن الله على كل شيء قدير سبحانه. وقوله تعالى: (بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: يدخل هذا في ذاك، ويخرج هذا من ذاك. وقوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الليل فيه الظلمة، فالإنسان لا يرى في الظلمة ولكن يسمع في الظلام، وفي النهار يرى الإنسان ويسمع، فهنا النهار مناسب للإبصار، والليل مناسب للسمع؛ فختم الله عز وجل الآية بأنه سبحانه السميع البصير سبحانه، فهو سميع ليل نهار، وإن كان الإنسان قد يعتريه في سمعه النقصان في وقت دون وقت على القرب، وعلى البعد، فهو يسمع القريب ولا يسمع البعيد، وقد يكون الإنسان قريباً من إنسان ويصاب بصمم فلا يسمع، لكن الله سبحانه وتعالى يسمع كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، فالله سميع والله بصير لا يحجبه عن الإبصار الليل ولا النهار، فيرى بالليل كما يرى بالنهار سبحانه وتعالى، يرى الجلي ويرى الخفي، ويرى الدقيق ويرى العظيم الجليل، ويرى كل شيء ما بعد وما قرب.
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل)
تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج:62] قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ) فالله الحق، ويأبى إلا أن يحق الحق بكلماته سبحانه. قال تعالى: (وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) فمهما استنصروا بهذا الباطل ومهما رأوا الباطل قد كثر وقد كبر في نظر هؤلاء، فالله العلي الكبير سبحانه، فالإنسان الذي يتبع الباطل يجد له أعواناً كثيرين على الباطل، ولذلك يقول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، ولا يهدوك إلى سبيل الله، بل يضلوك عن سبيل الله سبحانه. وقال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103]، فالكثرة من الناس ليسوا من أهل الإيمان، فالإنسان يستكثر بمن هو مثله، والكفار يستكثرون ويتقوون بأمثالهم فيرون أنفسهم في عدد كبير جداً، فيستكثرون أنفسهم ويستكبرون بما هم فيه. قال تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ) مهما علا الباطل لا بد أن يدحضه الله سبحانه، والله وحده العلي سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: (الْكَبِيرُ) مهما كبر أهل الباطل وكثروا فالله هو الكبير وحده لا شريك له، الله أكبر من كل شيء، وأن الله هو العلي الكبير سبحانه الموصوف بالعظمة والكبرياء.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) قال الله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)) [الحج:63]. يذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل كذا، والله يفعل كذا، ويذكر لنا من صفاته ما يناسب المقام. فالله أنزل الماء من السماء أي: من السحاب ومن حيث شاء الله سبحانه وتعالى، نزل المطر بالليل، وأصبحت الأرض مخضرة، هذه آية، وذكرها قبل ذلك في الآية الخامسة من هذه السورة بقوله تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج:5 - 6]، فالمناسبة العظيمة بين إنزال الماء من السماء: أن الماء ينزل من السماء على أرض جدباء فيحييها الله سبحانه، وينزل القرآن من السماء على قلوب عباد -والله أعلم من يستحق الهدى- فيهديها ويحييها بعد موتها وبعد ضلالها، فالقرآن شفاء ونور وحياة، نزل من السماء ويحيي به الله عز وجل قلوب من يشاء من خلقه. في الآية الأولى ذكر لنا ربنا سبحانه: (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) وهذه لها معان في اهتزازها وربوها، فالأرض تهتز بالنبات الذي فيها، سيقان النبات وجذور النبات تدخل في الأرض، فإذا بالأرض تهتز وتعلو بما نما فيها من جذور للنبات، هذا معنى من المعاني. وتربو الأرض ويرتفع فيها النبات، فكأنها علت بالنبات الذي فوقها. والآية هنا يقول سبحانه: (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) وفي تلك الآية يقول سبحانه: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ)، والبعض يقول: إن الأرض اهتزت وربت داخل الأرض نفسها، فالأرض من داخلها تهتز، والربو بداخل الأرض نفسها، ثم بعد ذلك ينبت النبات، فعلى التفسير الأول: أن الأرض علت بما فوقها من النبات، نبات نما وعلا فوق الأرض، فهذا هو ربو الأرض وعلوها. والبعض الآخر يقول: إن الربو بداخل الأرض نفسها، التربة نفسها تربو وتنتفخ وتعلو، وهذا موافق لما جاء في هذه الآية، والعلم الحديث يقول لنا هذا الشيء أيضاً، ففي عام 1827م اكتشف عالم بريطاني اسمه براون أن المطر ينزل على الأرض فيحدث في الأرض اهتزازات بداخل التربة، أي: حبيبات التراب التي في الأرض تهتز، فيحصل نوع من التأين فيها، شحنات سالبة وشحنات موجبة بسبب المطر، فالتي تأخذ شحنة عالية تتحول إلى شحنة موجبة، والثانية تتحول إلى شحنة سالبة أو العكس في ذلك، فيحصل تنافر بين هذه الشحنات فتعلو الأرض؛ لأن الماء يدخل بداخلها، أي: أن جزءاً من ألف جزء من الملي يدخل فيها شيء من الماء، والأخرى يدخل فيها شيء من الماء، فيحجز الماء في هذه الصفيحات من حبيبات الأرض لكي تنمو النباتات بعد ذلك، يقول براون: إن هذه الحبيبات من التراب عبارة عن صفائح بعضها فوق بعض من المعادن المختلفة، وهي صفائح متراصة، فإذا نزل المطر تكونت شحنات كهربائية مختلفة بين الحبيبات بسبب اختلاف المعادن، وحدث تأين وتحول إلى شحنات سالبة وشحنات موجبة، فإذا نقص عدد الكهيربات في الذرة أصبحت موجبة، وإذا زادت صارت سالبة بفعل الماء الذي ينزل عليها، وبدخول الماء من عدة جهات إلى تلك الحبيبات يحدث اهتزاز في هذه الحبيبات. والاهتزاز له فائدة عظيمة، فقد قال سبحانه: (اهتزت وربت) أي: تهتز صفيحات التراب، وبعد ذلك تتباعد بعضها عن بعض وتحتوي الماء في داخلها، فالاهتزاز يوجد مجالاً لدخول الماء بين الصفائح، فإذا دخل الماء بين صفائح التراب نمت ودبت هذه الحياة، وربت وزادت بسبب دخول الماء بين الصفائح، فإذا تشبعت بالماء أصبحت عبارة عن خزان للماء، فالتراب الذي نراه يصير خزاناً للماء بداخل الأرض يحفظ الماء بين هذه الصفائح، والنبات يستمد الماء من التراب الذي في صفائحه ذرات الماء طوال شهرين أو ثلاثة أشهر، فأصبحت خزانات للماء بداخل الأرض، وربت بفعل الماء الذي بداخلها ثم بعد ذلك أنبتت النبات. وهنا يقول الله في الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) أي: ربت الأرض وبعد ذلك أخرجت النبات، والاهتزازات الذي ذكرها هذا العالم موجودة في القرآن في قوله تعالى: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)، ولكنهم اعتبروها كشفاً علمياً حديثاً جداً، ونسبوها لصاحبها الذي اكتشفها، ولكن صاحبها الحقيقي هو الله عز وجل الذي أخبر بها، فسماها علماء النبات اهتزازات براون نسبة لمن اكتشفها، وكان ذلك في عام 1827م، والقرآن من قبل 1400 سنة ذكر لنا هذا الشيء العظيم: أن الأرض تهتز وتربو وتنمي هذا النبات، ثم اكتشفوا ذلك، ونسبوه للمكتشف ونسوا ما ذكر الله سبحانه وتعالى! فقوله تعالى: (فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً) بالنبات الذي فوقها. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) إذ تصبح الأرض مخضرة وفيها النبات الأخضر، فيها الورق الأخضر الذي يأتي عليه الضوء، فيخرج منه أوكسجين؛ لأنه يتنفس ويأخذ ثاني أكسيد الكربون ويخرج لنا الأوكسجين الذي نعيش به، ولكي نعرف لطف الله عز وجل بعباده أخرج من النبات الغذاء للإنسان والأوكسجين الذي يتنفس به الإنسان من فضل الله عز وجل، فقال لنا: الله لطيف بعباده سبحانه وتعالى، فالمطر حياة للإنسان، لما ينزل من ماء يشربه الإنسان ويسقي الأرض وينمي النبات، ويخرج لنا الأوكسجين الذي نتنفسه. قال: (خَبِيرٌ) أي: دقيق في علمه يعلم ما دق وما جل، ويعلم ما يحتاجه الإنسان، فيعطيه ما يحتاجه. وهنا نرى المناسبة الجميلة بين إنزال الماء ولطف الله سبحانه وتعالى بالعباد، فالإنسان يعطش ويحتاج للتنفس وللطعام، فالله بلطفه أنزل الماء فأعطاه هذا كله، والله خبير يعلم حاجة الإنسان ويعلم ما في قلبه عندما يدعوه، فالله الخبير سبحانه العليم بخفايا النفوس، والعليم بما يحتاجه الإنسان، أخرج له النبات وأعطاه الرزق.
تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض) قال الله تعالى: {لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحج:64] الله هو الغني الذي يملك كل شيء، وهو الحميد المستحق لأن يحمد سبحانه تعالى على كماله وعلى جلاله، فالله يملك، والذي يملك هو الغني، والذي يملك هو الذي يحمد؛ لأنه قادر ولأنه مالك ولأنه غني مستغن عن غيره، والكل يحتاجون إليه، واحتياجهم إليه يدفعهم أن يحمدوا هذا الغني الذي يعطيهم سبحانه وتعالى بسؤالهم وبغير سؤالهم، فالله له أن يملك فهو الغني سبحانه. فقوله سبحانه: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) أي: يملك ما في الأرض، فكل ما تملك من بيت وأرض وزرع هو ملك لله، ومع ذلك أعطاك ذلك، أفلا تحمده سبحانه أن أعطاك وسماك مالكاً وأنت في الحقيقة لا تملك شيئاً، هو ملك الله سبحانه، فالله الحميد المستحق لأن يحمد سبحانه على كرمه وعلى فضله سبحانه وعلى إعطائه عبيده مالا يملكون، فهو ملك له.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج:65]. هذه من نعم الله عز وجل على العباد، سخر لكم ما في الأرض وما في البحر وما في الجو، سخر لكم الدواب، وسخر لكم الجماد، وسخر لكم الحيوان، وسخر لكم ما في البحار، وما في الأنهار، وسخر لكم ما في السموات من شيء من فضله، وجعل لكم طعاماً من طيور وغيرها، وهنا سخر لكم ما في الأرض سبحانه وتعالى. قال تعالى: (وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) أي: سخر لكم السفن تجري في البحر، ليس بأمرك أنت ولكن بأمر الله سبحانه وتعالى، هو الذي يسيرها بالرياح، وهو الذي يسيرها بما يشاء سبحانه، ولو شاء أوقفها ولو شاء لقلبها وقد فعل هذا كله. قال تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: يمسك السماء أن تقع، وما سماك هو: ما علا فوقك، ومنه السماء، ويمسك النجوم أن تصطدم بعضها ببعض، وعلماء الفلك يراقبون السماء ويقولون: هناك نجم أتى من تلك المنطقة ومذنب أتى من مكان آخر، ولو وصل إلى الأرض وضربها بذيله لضاعت الأرض، والذي يمسك هذا ويمنعه هو الله سبحانه وتعالى حتى يأتي قضاؤه وقدره، والإنسان يراقب فقط، لكن لا يقدر أن يتصرف بشيء، فلو نزل نجم يهوي إلى الأرض لكي يدمر الأرض لا يقدر الإنسان أن يصنع به شيئاً، فالله سبحانه وتعالى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) هذا من رأفة الله عز وجل بعباده ومن رحمته بعباده سبحانه وتعالى، فالله رءوف ولطيف بعباده سبحانه، فالرأفة رحمة الله عز وجل بعباده، فذكر اسمين من أسمائه: الرءوف، أي: رحيم بعباده سبحانه، ولطيف في رحمته بعباده، وهو الرحيم ذو الرحمة المتواصلة الدائمة في كل شيء من أمور الإنسان ومن أمور خلقه فهو رحيم. (رَءُوفٌ) قرئت في القرآن كله بقراءتين: قراءة الجمهور: ((إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ))، وقراءة البصريين وحمزة والكسائي وخلف وشعبة عن عاصم: (لَرَؤف) بالقصر من غير مد للهمزة، ففي كل القرآن هذا الاسم العظيم يقرأ: (رؤف) ويقرأ: (رءوف). فهنا الأسماء الحسنى جاءت في السبع الآيات المتوالية: (إن الله لعليم حليم)، (وإن الله لعفو غفور)، (إن الله سميع بصير)، (وأن الله هو العلي الكبير)، (إن الله لطيف خبير)، (إن الله لهو الغني الحميد)، (إن الله بالناس لرءوف رحيم) فذكر الله عز وجل فضله وكرمه وأسماءه الحسنى المناسبة لما ذكره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فالمناسبة: أنك تفهم اسم الله سبحانه، وتستدعي فضل الله عز وجل بهذا الاسم في الموطن الذي يناسبه، فتسأله رحمته حين تنزل بك المصائب وتنزل عليك الشدائد، وتسأله من فضله، وتسأله من رحمته ومن لطفه، وتسأله من رأفته سبحانه، وفي كل موطن تذكر اسماً من أسماء الله عز وجل يناسب كشف الضر في هذا الموطن عنك، وإجابة سؤالك. نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ويحفظ لنا دينه، ويجعلنا من عباده المخلصين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.
تفسير سورة الحج [66 - 72]
تفسير سورة الحج [66 - 72] لقد خلق الله تعالى الإنسان من عدم ثم يميته ثم يحييه يوم القيامة، والكافر لم يشكر الله تعالى على نعمه، بل صار جاحداً كفوراً لها، مجادلاً بالباطل، فالله سيحكم في هؤلاء يوم القيامة، فهو يعلم ما في السماوات والأرض، ومن ذلك جدل المجادلين وعدم استجابة المكذبين.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الحج: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66]. لما ذكرنا الله عز وجل بنعمه العظيمة في الآيات السابقة، وعقب في كل آية من الآيات باسمين من أسمائه الحسنى دالين على ما ذكر فيها، ذكر بعد ذلك طبيعة الإنسان وما فيه من كفر، وما فيه من جهل، فقال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66]. فالله عز وجل خلق الإنسان وقد كان لا شيء قبل أن يخلقه سبحانه، فأحياه حياتين، وأماته موتتين. فالموتة الأولى يوم أن كان عدماً، ثم أحياه الله وجعله إنساناً في هذه الدنيا، ثم أماته الموتة الثانية ليبعثه ويجازيه يوم القيامة، ثم يحييه بعد ذلك. فالإنسان يمر في حياته بمراحل: مرحلة الطفولة، ومرحلة الشباب، ومرحلة الكهولة، ومرحلة الشيخوخة ثم الموت. يتقلب الإنسان بين حالي الضعف والقوة، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [الروم:54]. فمن المفترض أن الإنسان الذي يرى آيات الله عز وجل في الخلق، وفي نفسه أن يعرف قدرة الله، فيقدر الله حق قدره، قال سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]. وهنا يذكر سبحانه أنه هو الذي أحياكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم. أحياكم يوم أن كنتم عدماً ثم كنتم نطفة فجعل فيكم حياةً مستقرة عشتم بها على الأرض، ثم أماتكم وتوفاكم سبحانه، ثم يبعثكم ليجازيكم، فهل عملتم ليوم الجزاء أم كفرتم وجحدتم نعم الله عز وجل عليكم؟ قال: {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66] يعني: من طبيعة الإنسان الكفر، والكفر الجحد، والمقصود هنا الجحد لنعم الله سبحانه وتعالى، فمهما أنعم على الإنسان استقل ما أعطاه الله سبحانه، سواء صرح بذلك أم لم يصرح، قال الله سبحانه: {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6] أي: كنود جحود كفور، يجحد نعم الله عز وجل، إنها طبيعة الإنسان! قال تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العاديات:7] يعني: لو أن الإنسان حاسب نفسه لعرف أنه فعلاً يجحد نعم الله عز وجل، فتجد بعضهم يقول: إنني مريض، ولا أملك شيئاً، يشكو ربه تبارك وتعالى! فإذا راجع نفسه وتأمل وقال: الله أطعمني، وسقاني، وكفاني، وأواني، ومنع عني الخلق شرورهم، ورزقني، عرف أنه كاذب فيما ادعى من عدم الملك، وأن الله قد أنعم عليه بالنعم العظيمة. فقال هنا سبحانه: {إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ} [الحج:66] اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية فقيل: في الأسود بن عبد الأسد. وقيل: في أبي جهل بن هشام. وقيل: في العاص بن هشام. وقيل: في جماعة من المشركين. ولكن الله عز وجل لم يقصد هؤلاء فقط، وإنما قال: {إِنَّ الإِنسَانَ} [الحج:66] يعني: أن جنس الإنسان فيه هذا العيب أنه يعرف نعم الله، ثم ينكرها كما قال: {يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83]. فينكر نعم الله عز وجل التي أنعم عليه بأي دعوة من الدعاوى كأن يكون خائفاً من الحسد أو غيره. فيقول الله له: لا تنكر نعم الله عز وجل عليك، ولكن قل: الحمد لله الذي أنعم علي وأعطاني. وقل: ما شاء الله؛ إن خفت على نفسك من الحسد من غيرك، أو من نفسك.
تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكا)
تفسير قوله تعالى: (لكل أمة جعلنا منسكاً) يقول سبحانه تبارك وتعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج:67] أي: جعلنا لهم شريعة يعبدون الله عز وجل بها. ومن معاني النسك: شرع الله سبحانه، والنسك العبادة، والذبح لله سبحانه وتعالى. فكل أمة من الأمم جعل الله عز وجل لهم شرعاً ومنهاجاً يسيرون عليه، ثم يأتي نبي بعد نبي فينسخ الله عز وجل على لسانه ما يشاء، ويأتي بشرع آخر. ولكن يتفق الجميع على عبادة الله الواحد سبحانه وتعالى، ويتفقون على أن يسلموا أنفسهم لرب العالمين يحكم فيهم بما يشاء سبحانه وتعالى، ويتفقون على قول لا إله إلا الله. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت بسبب جدال الكفار للمؤمنين في أمر الذبائح، فقالوا: تأكلون ما ذبحتم، ولا تأكلون ما ذبح الله! يعنون بذلك الميتة فكأنهم جعلوا ذلك من باب قياس الأولى. وهذا الجاهل الذي يتعامى عن الحقيقة، نسي أن الذي أزهق الروح وقبضها في الحالتين هو الله سبحانه وتعالى والإنسان إنما باشر الذبح، ثم أخبرك الله أن هذه المذكاة حلال، وأن التي ليست مذكاة حرام. فهؤلاء جادلوا بالباطل مع معرفتهم ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وما يقوله المؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (فلا ينازعنك في الأمر)
تفسير قوله تعالى: (فلا ينازعنك في الأمر) قال الله سبحانه تبارك وتعالى عن هؤلاء للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ} [الحج:67] يعني: دع هؤلاء في إفكهم وافترائهم واختلاقهم على الله عز وجل الكذب، فأنت قد عرفت الحق الذي أنت عليه. ثم قال سبحانه: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [الحج:67] ادع هؤلاء وغيرهم إلى الله عز وجل، ولا يصدنك هؤلاء عن دعوتك إليه. ثم قال له مؤكداً: {إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ} [الحج:67] فأنت على هدى ومن معك عليه كذلك، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]. فإذا عرف المؤمن الحق فلا ينظر لما يقول الكفرة إلا على وجه الرد عليهم بحيث لا يشغل نفسه بهم، فإن اشتغل بهم ضيعوا عليه أمر دينه. ثم قال سبحانه: {وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [الحج:67] أي: انتبه لدعوتك إلى الله عز وجل، ولا تشغل نفسك بجدال هؤلاء؛ فإنهم يأخذون وقتك كله، وأنت قد هداك الله عز وجل إلى دين لا عوج فيه صراط مستقيم إلى جنة رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)
تفسير قوله تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون) قال تعالى: {وَإِنْ جَادَلُوكَ} [الحج:68] أي: إذا جادلوك بهذا الذي يقولونه، {فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج:68] أي: الله أعلم بأعمالكم، وبأقوالكم، ونواياكم. فقد يقول الكافر كلاماً يتوهم منه المسلم أنه يجادل من أجل الوصول إلى الحق، والله يعلم أنهم كذابون، وأنهم لا يريدون حقيقة ولا غيرها. ولكن يريدون أن يشنعوا على الإسلام وعلى المسلمين، ومهما أظهروا عسلاً أمام الناس فقد أبطنوا فيه سماً. ولذلك من يطلع على أقوال المستشرقين الذين يمدحون الإسلام تجد أن في باطن كلامهم الكذب على هذا الدين وأنهم يقولون كلاماً يجذبون به الناس، ثم بعد ذلك يضعون لهم السموم. ومثال ذلك: الكافر الذي ألف كتاب العظماء المائة في التاريخ، يذكر أن أعظم الناس الذي دعوا الخلق وظهروا واشتهروا هو النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقول: إنه يفرق بين كونه رجلاً دعا الناس والتفوا حوله، وبين كتابه الممتلئ بالخرافات، وبالكلام الذي لا يقبله العقل! فالله أعلم بما يعمل هؤلاء، وإن أظهروا أن هذا الدين حسن، فإن لهم هدفاً في قلوبهم وهو تشويه صورة الإسلام، ويجعلونه دين خرافات، فلا يعترفون به. ومن ذلك: ما فعلوا من لجان للتقريب بين الأديان، وأنه لا بد أن يجتمع الناس على التسامح. ثم يجتمعون من أجل أن يتكلموا عن أمر الأديان الثلاثة: اليهودية، والنصرانية، والإسلام. ثم يخرجون بوثيقة يرفض اليهود والنصارى التوقيع عليها وقالوا: نحن لا نعترف بالإسلام أصلاً، أنه دين، أما المسلمون فقد كادوا أن يوقعوا على ذلك! فنقول لهؤلاء المستدرجين من المسلمين: إنهم في الحقيقة لا يعترفون بدينكم، وقد قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] فأخبرنا ربنا أن هؤلاء أبداً لن يحبوا المسلمين، ولن يرضوا عنهم حتى يبدلوا دينهم بما هم عليه. فإذا تغافل المسلم عن ذلك سلط الله عز وجل عليه عدوه حتى يذيقه الأمرين، ليعلموا أن ما قاله الله عز وجل حق!
تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة)
تفسير قوله تعالى: (الله يحكم بينكم يوم القيامة) قال تعالى: {اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج:69] أي: أن الله يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة فيما عرفتم من الحق ثم اختلفتم حوله. يقول العلماء: في هذه الآية أدب حسن علمه الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولعباده جميعهم في الرد على المجادل المتعنت، فقال: مثل هؤلاء لا يستحق الجدال والمناظرة؛ لأنه يتكلم بالباطل ولا يريد الوصول إلى الحق. وعلى ذلك فالذي يستحق أن يجادل هو الذي يطلب الحق ليصل إليه، أما الذي يجادل للجدل، فهذا لا يستحق الجواب.
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] كأنه سبحانه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك قد علمت ذلك، على وجه الاستفهام التقريري (ألم تعلم؟) فيقول له وللمؤمنين بالتبع: اعلموا أن الله يعلم ما في السماء والأرض، واستيقنوا ذلك فقد علمه سبحانه وكتبه عنده في كتاب. فكل ما هو كائن إلى يوم القيامة مكتوب عند الله عز وجل لا يبدل ولا يمحى. قال تعالى: {إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] أي: أن الله عز وجل كتب ذلك في الكتاب، ويسير عليه أن يعلم كل شيء، إنما هو صعب على الإنسان أن يعلم أشياء من أجل أنه يحفظ هذا، ويحفظ هذا، ويكتب ويقيد من أجل أن يحفظ، لكن الله عز وجل لا يحتاج إلى كتاب، ولا إلى اللوح، ولا إلى القلم. إنما يبين سبحانه وتعالى أنه على كل شيء قدير، فخلق قلماً، وأمره أن يكتب كل ما يريده الله عز وجل فكتبه، وجعل لوحاً حفظ فيه كل ما شاء الله سبحانه تبارك وتعالى. وهذا إعجاز من الله عز وجل أن يخلق قلماً فيكتب، وأي لوح هذا الذي يستوعب كل شيء من وقت ما خلق الخلق إلى أن تقوم القيامة؟! فمهما تعجب الإنسان من ذلك فهو على الله يسير. فإن كان ذلك على الله يسيراً فلم لا تعبدون الله؟ ولم تتركونه إلى غيره ممن لا يستطيعون أن يخلقوا؟ قال سبحانه: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل:17].
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا)
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] أي: يعبدون من دون الله أوثاناً، وأحجاراً، ويعبدون أناساً وشياطين وجناً. وفي قوله تعالى: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الحج:71] قراءتان: قراءة الجمهور: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتشديد. وقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب: (مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتخفيف، وهكذا في القرآن كله. ومعنى قوله: ((سلطاناً)) أي: دليل وبينة وكتاب من عنده سبحانه. ثم قال تعالى: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} [الحج:71] أي: لا علم لهم نزل من عند الله، ولا عقل يدل على ما يقوله هؤلاء، فلا نقل ولا عقل. قال سبحانه: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] فإذا جاءوا يوم القيامة وسئلوا: لماذا عبدتم هؤلاء؟ لا يجدون حجة نقلية، ولا حجة عقلية، ولا نصير ينصرهم يوم القيامة حين يردون إلى ربهم سبحانه وتعالى. فكانوا في الدنيا في بعد عن رب العالمين، وقست قلوبهم.
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر)
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] أي: يعبدون من دون الله أوثاناً، وأحجاراً، ويعبدون أناساً وشياطين وجناً. وفي قوله تعالى: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الحج:71] قراءتان: قراءة الجمهور: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتشديد. وقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب: (مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) بالتخفيف، وهكذا في القرآن كله. ومعنى قوله: ((سلطاناً)) أي: دليل وبينة وكتاب من عنده سبحانه. ثم قال تعالى: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ} [الحج:71] أي: لا علم لهم نزل من عند الله، ولا عقل يدل على ما يقوله هؤلاء، فلا نقل ولا عقل. قال سبحانه: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج:71] فإذا جاءوا يوم القيامة وسئلوا: لماذا عبدتم هؤلاء؟ لا يجدون حجة نقلية، ولا حجة عقلية، ولا نصير ينصرهم يوم القيامة حين يردون إلى ربهم سبحانه وتعالى. فكانوا في الدنيا في بعد عن رب العالمين، وقست قلوبهم.
تفسير سورة الحج الآية [73]
تفسير سورة الحج الآية [73] ضرب الله تعالى لنا مثلاً بأحقر المخلوقات وأضعفها وهو الذباب، منبهاً على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها، فتحدى الله عز وجل الكفار وآلهتهم التي يعبدونها بأن يخلقوا ذباباً، بل تحداهم بما هو أقل من ذلك، وهو أن يستنقذوا من الذباب ما أخذ منهم، فهم عاجزون عن رد ما سلبه منهم، ضعف الطالب والمطلوب.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]. يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية مثلاً يضربه لعباده، فاستمعوا لما يقول الله سبحانه، قال عز وجل: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:74]، فضرب الله عز وجل مثل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، وكيف أن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله لا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً. وهنا يذكر لنا شيئاً من أحقر الأشياء التي يراها الإنسان، فيقول: ((إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) أي: هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله، سواء كانت هذه الآلهة من حجر أو كانت من بشر أو كانت من جان أو شياطين أو ملائكة، فهؤلاء عبدوا من دون الله عز وجل ما لا ينفع، ولا يضر نفسه ولا غيره ولا يملك نفعاً ولا ضراً لا لنفسه ولا لغيره، فهؤلاء لو اجتمعوا لن يخلقوا شيئاً من مخلوقات الله سبحانه، ولو كان هذا الشيء من أحقر ما يكون. قوله: ((وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ)) فهنا شيئان: الأول: الذباب لا يقدر أحد أن يخلقه، أي: لا يقدرون ولو اجتمعوا جميعهم أن يخلقوا ذباباً. الثاني: أن هذا الذباب المخلوق الحقير الذي يقتله الإنسان لو أنه سلب من الإنسان شيئاً لا يقدر الإنسان أن يستنقذ هذا الشيء من هذا الذباب، حتى ولو قتل هذا الذباب فإنه لا يقدر أن يستنقذ هذا الشيء منه. وحاول العلماء ذلك، فوضعوا قطعة سكر للذباب، ومجرد أن وقع عليها الذباب رشوا عليه مبيداً وقتلوه، وحاولوا أن يأخذوا منه السكر فوجدوا أنه مستحيل؛ لأن الذباب لما وقف على السكر قام بإنزال إنزيم حلل السكر إلى مادة أخرى تماماً، وضاعت قطعة السكر على الإنسان ولم يقدر أن يأخذها، وقد يأتي إنسان فيفكر ويعاند في هذا الشيء، ويقول: لماذا لا نقدر أن نستنقذ الشيء من الذباب؟ وقد جرب العلماء وأثبتوا أن ما قاله الله عز وجل هو الحق، فهذا المخلوق الحقير الذي يضايق الإنسان اسمه ذباب، من الذبذبة والحركة، يعني: كثرة حركة فيه فهو يتحرك شمالاً ويميناً وفوق وتحت، ويؤذي الإنسان ويضايق الإنسان، في الدنيا وكذلك يوم القيامة يكون هذا الذباب في النار ليؤذي أهل النار والعياذ بالله.
حديث الذباب وموقف علماء الطب وغيرهم منه
حديث الذباب وموقف علماء الطب وغيرهم منه يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لنا في الذباب شيئاً عجيباً في حديثه، يقول: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) جاء في هذا الحديث الذي ظل المسلمون مئات السنين لا يعرفون ما وراء هذا الحديث، ولكن يقولون: نطبق ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أتى ممن لا يفهمون سنة النبي صلى الله عليه وسلم وبدءوا ينكرون ذلك، ويقولون: كيف يروي الأئمة، مثل هذه الأحاديث حتى الإمام البخاري في صحيحه، وهو: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن في إحدى جناحيه داءً وفي الأخرى شفاءً)؟ في الماضي كان المسلمون يعلمون ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الذباب وأن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء، لكن لم يكونوا يعرفون ما هو الداء وما هو الشفاء. وبعد ذلك جاء في القرن العشرين بعض المسلمين ممن استغربوا وخرجوا عن أرضهم وذهبوا للغرب وتعاملوا معهم ورجعوا ينكرون هذا، حتى من المشايخ، ويقولون: لم يكن من المفترض أن يذكر البخاري مثل هذا الحديث في الصحيح، هذا حديث خطأ؛ لأن الذباب مؤذ، وكيف نضع الذبابة كلها بداخل الإناء وكيف نخرجها؟! هذا شيء مقزز، وهذا شيء مؤذ، وهذا فيه مرض، فقالوا ما قالوا فيه، وبعد ذلك يقوم علماء الطب الأجانب ليفحصوا في الذباب، ويبحثوا ما فيها، وماذا في الحديث الذي يذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا أنهم وصلوا بتجاربهم إلى أن الذباب فعلاً في أحد جناحيه جراثيم، وفي الجناح الآخر فيه ما يقتل الجراثيم، هناك أبحاث كثيرة قام بها علماء أمريكيون وبريطانيون وسويسريون وغيرهم فيقولون: ثبت علمياً أن الذباب يفرز جسيمات صغيرة من نوع الإنزيم تسمى (بكتريوفاج) أي: مفترسة الجراثيم، في داخل الذباب نفسه، قالوا: هذه المفترسة للجراثيم تسمى بعامل الشفاء، وهي صغيرة الحجم ويقدر طولها من عشرين إلى خمسة وعشرين (مل مايكرون)، فإذا وقعت الذبابة في الطعام أو الشراب فلو غمست جميعها نزل هذا الإنزيم الذي يقتل الميكروبات الموجودة في هذه الذبابة. يقول الدكتور أمين رضا أستاذ جراحة العظام في بحث عن الذبابة: نؤكد أن المراجع القديمة فيها وصفات طبية لأمراض مختلفة باستعمال الذباب، وهذا شيء عجيب جداً! ثم يقول: وفي العصر الحديث صرح الجراحون الذين عاشوا في السنوات العشر التي سبقت اكتشاف مركبات السلفا بأنهم قد رأوا بأعينهم علاج الكسور المضاعفة والقرحات المزمنة عولجت بالذباب، قال جراحون هذا الشيء! والبعض الآخر قالوا: لاحظ الأقدمون أن موضع لدغة الزنبور أو العقرب إذا دلك بالذباب فإنه ينفع منه نفعاً بيناً. وعندما ذهب الأطباء في الحرب العالمية لمعالجة الجنود لاحظوا أن الجنود الذين يعالجون في ميدان المعركة يشفون بسرعة، أما الضباط الذي ينتقلون للمستشفى ويعالجون بعلاج أرقى ومعقم يتأخر شفاؤهم؛ وذلك لأن الجنود الذين يعالجون في الميدان يتعرضون لوقوع الذباب على جراحاتهم، وليس معنى ذلك أن الذباب شيء جيد، لا، بل هو مؤذ في الدنيا وفي الآخرة والعياذ بالله، ولكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (إذا وقع الذباب)، فالمسلمون لم يعرفوا معنى هذا الحديث، ولكن قالوا: هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما بدأ ناس آخرون منهم يقلدون الغرب في كلامهم، وقالوا: كل شيء نفهمه بالعقل ولا نقبل هذا الحديث، لجهلهم وغبائهم، وكثير من المسلمين فيهم غباء وفيهم جهل وفيهم بعد عن دين الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يتكلم الواحد منهم بجهله ويقول: العلم ينفي هذا الشيء وهو جاهل أصلاً، لم يدرس علماً ولا رآه، لكن هؤلاء الغربيون بيحثون ويرون ماذا وراء هذا الشيء. الدكتور (فيرينك) نشر بحثاً عن جائحات (الهايبا) (يعني: الكوليرا) في الهند، فاكتشفوا كائنات دقيقة تأخذ الجراثيم وتلتهمها، وعندما حصل وباء الكوليرا في الهند، وقتل أناساً كثيرين، وبعد ذلك فجأة قل هذا الوباء وبدأ ينتهي، اكتشفوا أن نوعاً من البكتيريا وهي (البكتريوفاج) (آكلة الجراثيم) كانت السبب في شفاء هؤلاء، وأثبت هذا الرجل أن العامل الأساسي في إطفاء جوائح (الكوليرا) كانت هذه (البكتريوفاج)، وقال: ويوجد في براز الناقهين من المرضى الذين كانوا مصابين (بالكوليرا) هذا (البكتريوفاج)، ويأتي الذباب ويقف على هذا البراز ويذهب على أحواض الماء التي يشرب منها الناس فيضع فيها (البكتريوفاج) ويشفيهم الله سبحانه وتعالى! هذا شيء عجيب جداً، الإنسان لا يتخيل هذا الشيء، وليس المسلمون الذين يقولون هذا الشيء، إنهم الكفار الذين يقولون هذا الأمر، ففي سنة (1928م) كان هناك أنواع من الجراثيم تؤذي الناس، فأتى الذباب وأكل هذه الجراثيم، وبعد ذلك تركها، قال هنا: فاختفى أثرها بعد حين، اختفى أثر هذه الجراثيم بعد حين، وماتت كلها من جراء وجود ملتهم الجراثيم، هذا شأن الذباب في مكافحة الأمراض الجرثومية التي قد ينقلها هو بنفسه، الذباب ينقل الأمراض الجرثومية، وفي نفس الوقت فيه علاج لهذه الأمراض. وفي خلاصة بحثه يقول لنا: إذا هيئ خلاصة من الذباب في مصل فسيولوجي فإن هذه الخلاصة تحتوي على أربعة أنواع من الجراثيم الممرضة. وهذا رجل ألماني اسمه (بريشل) قال: وجد أن الذبابة المنزلية مصابة بطفيلي من جنس الفطريات، وهذا الطفيلي يقضي حياته في الطبقة الدهنية الموجودة داخل بطن الذبابة. وقال العلماء الجدد: إن هذا الفطر الموجود فيه خميرة قوية تزيل أجزاء الحشرة الحاملة للمرض. وذكروا عن علماء إنجليز وعلماء سويسريين وغيرهم في اكتشافات لأشياء: أن الذبابة عالجت أمراضاً معينة، بسبب هذا الشيء الموجود فيها، من ضمنها (التيفود) و (الكوليرا) و (الزحار) وغيرها، وهنا الأبحاث التي ذكرها علماء الغرب في ذلك، فيها الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه المسلمون؛ لأنه غيب، ولم يبحثوا في الذبابة، فأخذوا وصدقوا وسلموا بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلوا ما قاله صلى الله عليه وسلم، وجاء العلماء الغربيون وصدقوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يؤمنوا بما قاله عليه الصلاة والسلام، ولكن بحثهم العلمي أدى إلى هذا الشيء الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاء)، فهنا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في القرآن أن هذا الذباب من أحقر المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى، فذكرها الله سبحانه وتعالى وفيها أنه لا يقدر الإنسان أن يخلق مثلها، ولا يقدر الإنسان إن سلبه هذا الذباب شيئاً أن يستنقذه منه. ((ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)) الطالب الذي يطلب أن يخلق مثل هذا الذباب، فضعف ولا يقدر، وضعف أن يطلب وأن يستنقذ من الذباب شيئاً أخذه منه، والمطلوب: هو الذباب وهو ضعيف حقير يحتقره الإنسان. نسأل الله عز وجل أن يعلمنا ديننا، وأن يجعلنا ممن يؤمنون بالغيب ويصدقون كلام الله رب العالمين وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [73 - 78]
تفسير سورة الحج [73 - 78] ما قدر الكافرون ربهم حق قدره حيث أنكروا قدرته على البعث وعبدوا غيره وكذبوا رسله، والله يصطفي رسلاً من الملائكة ومن الناس، ويعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، فيجب على العباد الاستجابة لرسل الله الذين يدعونهم إلى عبادة الله، فيعبدونه كما أمرهم، ويجاهدون في سبيله لنصرة دينه الذي ارتضاه وشرعه لجميع الناس.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الحج:73 - 76]. يضرب الله عز وجل لنا في هذه الآيات مثلاً، وأمرنا أن نستمع لهذا المثل فقال: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الحج:73] ولم يقل: فاسمعوا له من السماع؛ لأنه قد يمر الشيء على أذنك فقد تفهمه، وقد لا تفهمه. ولكن الاستماع بمعنى: الإصغاء والتدبر والتأمل فيما يقوله الله سبحانه وتعالى. فيضرب الله لنا الأمثال ويقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، والبعوضة من خلق الله عز وجل فلا يستحيي أن يضرب المثل بها، وبما فوقها من كائنات يخلقها الله عز وجل. فهي وإن كانت حقيرة في نظركم لكنها عظيمة جليلة في خلقتها؛ ولذلك لو اجتمع الخلق كلهم أن يخلقوا شيئاً من أحقر الأشياء التي ينظرون إليها ويستقلونها في أعينهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فلذلك يضرب الله عز وجل المثل بهذا الشيء وإن كان يبدو لك حقيراً، ولكن خلقته خلقة عظيمة جداً، فالله الذي خلقه والذي قدره على أن يطير، والذي قدره على أن يؤذيك ويضايقك. فانظر إلى الذبابة وسميت ذبابة؛ لتذبذبها وكثرة طيرانها، وذهابها ومجيئها، فهي مخلوق خلقه الله عز وجل يؤذي بطبعه فجعله الله عز وجل في الدنيا عبرة، وجعله يوم القيامة في نار جهنم عذاباً على أهل النار، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الذباب كله في النار ليكون عذاباً لأهلها. وفي الدنيا لا يقدر الإنسان على أن يمحو الذباب أو يفنيه، وقد يقلل منه، وهو يتكاثر سريعاً بأمر الله تعالى فيبقى ليؤذي الإنسان، وقد ينفع الإنسان به في أشياء كما ذكرنا في الحديث السابق. فالله عز وجل يضرب لنا المثل بالذباب الذي نحتقره ونستصغره، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ} [الحج:73]، إنه لو اجتمع هؤلاء جميعهم العباد والمعبودون من دون الله سبحانه فلا يستطيعون أن يخلقوا ذباباً. قال تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73] فلو أن الذبابة وقعت على طعام أحدكم فأخذت منه شيئاً، وطارت به؛ ما قدرت أن تستنقذه منها. وقد ذكرنا سابقاً كيف أنهم راقبوا هذا في الذباب ووجدوا أنه بمجرد أن تضع لعابها على الطعام وقبل أن يدخل في جوفها تحوله إلى شيء آخر يسهل امتصاصه والطيران به. ولا يقدر أحد أن يستنقذه منها أبداً، قال سبحانه: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} [الحج:73]. والإنسان قد يكون قوياً، فيصارع إنساناً قوياً، ويغلبه ويأخذ منه ما سلبه إياه. ولكن الذبابة الحقيرة تأخذ الشيء، ولا تقدر أن تسترجعه منها. إذاً: اعرف قدر نفسك فالله عز وجل خلق الأشياء وسخرها لكم، وخلق أشياء ولم تقدروا على تسخيرها إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. قال: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] الطالب هو الذي يريد استنقاذ الشيء، والمطلوب هو الذبابة الضعيفة. فكما ضعف الطالب عن الذبابة كذلك ضعفت الآلهة التي يطلبونها ويرجونها من دون الله عز وجل، وضعف عبادها، وهي لا تنفعهم إلا أن يتوبوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، ويعبدونه وحده لا شريك له. ومن هذه الآية يتبين عدم احتقار أي مخلوق من مخلوقات الله تبارك وتعالى، فلعل الله عز وجل يجعل فيه من القوة ما إنه يسلب منك شيئاً، فلا تقدر أن تسترد هذا الشيء منه.
تفسير قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره)
تفسير قوله تعالى: (ما قدروا الله حق قدره) قال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:74] فالله هو القوي العزيز القاهر فوق عباده، ومع ذلك لم يعطوه حقه من العبادة الحقيقية، فقد يذكر الله سبحانه أحدهم ولا يستحضر عظمته، ويقسم بالله وهو كاذب في قسمه، ولو استحضر عظمته لم يقسم به، فإن أقسم كان باراً صادقاً فيما يقول. ومعنى قوله تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الحج:74] أي: ما عظموا الله حق تعظيمه حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. والعجب من هؤلاء حين يعبد أحدهم هذه الأصنام ويسأل: كم آلهة تعبد؟ يقول: سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء! فقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم حصيناً والد عمران بن حصين فقال: (من الذي لرغبتك ورهبتك قال: الذي في السماء). إذاً: عرفوا أن الذي في السماء هو الذي ينفعهم، وهو الذي يضرهم، وهو الذي يملك لهم كل شيء، ومع ذلك عبدوا غيره، وأوحت لهم الشياطين أنكم إنما تعبدونها لتقربكم إلى الله زلفى، وقد أمر الله عز وجل عباده بعبادته وحده، ونهاهم أن يشركوا به شيئاً، ومع ذلك أصروا على الشرك بالله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:74] أي: إن الله قوي عزيز لا يمانع، يمنع ما يشاء، ويعطي ما يشاء.
تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا)
تفسير قوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً) قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75] في هذه الآية كأن الله عز وجل يرد على هؤلاء المشركين الذين قالوا: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، والقريتان: مكة والطائف، فهم نظروا إلى هذين السيدين فيهما، واعترضوا كيف لا ينزل على أحدهما القرآن ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟! فأجاب الله سبحانه: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف:32] أي: هل أنتم تقسمون لأنفسكم شيئاً أم الذي يقسم الأرزاق، ويقسم الرحمات هو الله سبحانه وتعالى؟ فهم قد عارضوا ربهم سبحانه وتعالى، وادعوا أشياء لا يحل لهم أن يدعوها، واعترضوا على نبوة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله سبحانه وتعالى أنه يصطفي من يشاء. وهذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة الذي قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: {أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص:8]، فقال الله عز وجل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا} [الحج:75] أي: يصطفي من الملائكة رسلاً يرسلهم إلى أنبيائه في الأرض، فالملك الذي ينزل من السماء إلى الأرض اصطفاه الله عز وجل واختاره واجتباه من بين الملائكة، فهو مقرب إلى الله عز وجل، وكان من أعظم ملائكة الله عز وجل جبرائيل عليه الصلاة والسلام الذي نزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء من قبله. قال الله سبحانه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] أي: ومن الناس كذلك يصطفي رسلاً، فاصطفى منهم آدم، ونوحاً، واصطفى إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، واصطفى نبينا صلوات الله وسلامه عليه وفضله على سائر الأنبياء والمرسلين بل على سائر خلقه. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:75]، فالله سميع لأقوال عباده، بصير بمن يستحق أن يختاره من خلقه لرسالته، علام الغيوب يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء.
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال سبحانه: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [الحج:76] ما بين يديك هو: ما أمامك من المكان ومن الزمان، وما خلفك أي: ما وراءك من المكان ومن الزمان. فالله عز وجل يعلم ما يكون أمامكم من أشياء وضعها الله عز وجل في أماكنها، وما أمامكم من زمان، وكم ستعيشون في الأرض؟ وإذا متم من يخلفكم؟ كذلك يعلم ما بين أيديكم من أعمال ستعملونها، وما خلفكم مما قد عملتموه، وكل ذلك عند الله عز وجل في كتاب. قال تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [الحج:76]. فكل أمر من الأمور مآله إلى الله عز وجل، ليحاسب من فعله يوم القيامة، فيسأل الإنسان عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم. يعلم الله عز وجل ذلك ويحاسب ويجازي العباد عليه، وإليه ترجع جميع أمور خلقه.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]، أمر الله سبحانه عباده بالركوع وبالسجود، وهذه سجدة يسجد عند قراءتها، لكن عند الإمام مالك وعند الإمام أبي حنيفة أنها ليست من عزائم السجود، وعند الشافعي وأحمد أنها من سجدات القرآن. فالذين قالوا: ليست من عزائم السجود كـ مالك وأبي حنيفة قالوا: هذه الآية أمرت بالركوع والسجود وكأنها أمرت بالصلاة، فعبرت عنها بالركوع والسجود. لكن غيرهم قال: الأمر هنا بالركوع وبالسجود، فيسجد الإنسان لهذه السجدة، وذكروا حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن هذه السورة فضلت بسجدتين فمن لم يسجد فيهما فلا يقرأهما) وإسناده فيه ضعف. وفي هذه الآية عطف العبادة على الركوع والسجود وهما عبادة فكأنه خصص ثم عمم. إذاً: ذكر الركوع والسجود للمزية؛ ولأنهما علامة خضوع العبد لله سبحانه، ويظهر ذلك عندما يحني جبهته ويحني جسده لله تعالى، ويسجد على أشرف أعضائه، وهو وجهه فيجعله على الأرض مطيعاً لله رب العالمين. قال الله سبحانه: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] أي: ذللوا أنفسكم لربكم وأطيعوه فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه، وافعلوا الخير بجميع وجوهه لعلكم تفلحون. قال تعالى: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] وقد علم الله عز وجل أن المفلحين الذين يفعلون ذلك. و (لعل) من الله عز وجل لا بد من تنفيذ ما ذكره سبحانه مرتبطاً بها، فهو أوجب على نفسه سبحانه أن يجعل دار الكرامة لمن أطاعه، ودار المهانة لمن عصاه، فقال هنا: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]. ولعل معناها الرجاء عندنا فنحن نعمل الخير رجاء رضا الله وجنته، لكن الله تعالى قد علم الطائعين فأعد لهم جنته، والعاصين فأعد لهم ناره.
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، أمر الله العباد أن يجاهدوا في الله حق الجهاد، وحق الجهاد أن يكون الجهاد كله لله سبحانه وتعالى؛ وليس للنفس فيه حظ. فقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت أحدنا يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). فالذي يجاهد ليعلي شرع الله سبحانه وليرفع كلمة الله هو الذي يجاهد في سبيل الله سبحانه. ومن أعظم الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه في الله، وأن يجاهد أعداء دينه من الكفار ومن المنافقين. وكذلك أن يجاهد في الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك جاء في حديث فضالة بن عبيد رضي الله عنه مرفوعاً: (ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) وإن كان الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ولكن لا يتم الإيمان إلاَّ أن يعمل أعمالاً أخرى من أعظم هذه الأعمال: أن تكون أميناً مأموناً عند الناس في أموالهم وأنفسهم، فإذا كانوا معك فهم آمنون من شرك فلا تؤذيهم في أبدانهم ولا تخونهم ولا تخادعهم. فيعطيك المال وهو آمن أنك سترد إليه ذلك، وأنك لن تخونه ولن تخدعه ولن تضيع عليه ماله، وكذلك في النفوس. ومعلوم أن المسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عملاً آخر من أعمال الإسلام التي يجب على المسلم فعلها فقال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده). وعليه فالمسلم هو الذي حصل أركان الإسلام، وكان من صفاته: أن الناس يسلمون من لسانه ويده، فلا يقع فيهم بغيبة، ولا بنميمة، ولا يشهد عليهم زوراً، ولا يفعل بهم فجوراً وغير ذلك من آفات اللسان. ومن صفاته: أن يسلم الناس من يده فلا يؤذي بها أحداً إلا بحق الله سبحانه وتعالى، فيغضب لله، وينتصر لله عز وجل، ليس المؤمن الذي يؤذي ويلعن أو يطعن في الناس. وقال في المجاهد: (من جاهد نفسه في طاعة الله) فقد يكون الإنسان يجاهد في سبيل الله عز وجل في الظاهر، وفي الباطن أنه ما قاتل إلا لدنيا يصيبها، أو قاتل ليقال عنه: جريء وشجاع. ولذلك هنا ينبه النبي صلى الله عليه وسلم أنك لكي تجاهد عدوك حق الجهاد لا بد أن تجاهد نفسك في البداية على طاعة الله سبحانه، وعلى القيام بأمره وعلى الإخلاص وعدم المعصية. ولا يتخيل أن إنساناً لا يجاهد نفسه سيجاهد أعداء الله سبحانه، بل ذلك دليل على أنه سيفر منهم. فإذا كان في نفسه لا يصبر على طاعة الله ولا يصلي ولا يصوم ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، ومن ثم يريد جهاد الكفار وهو لم يجاهد نفسه، فإن ذلك لمن العجب! قال: (والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب) فالمهاجر من هاجر من مكة إلى المدينة، أو المهاجر الإنسان الذي يهجر دار الكفر ودار المعاصي إلى دار الإيمان ودار الطاعات، ولكن مع هجر الخطايا والذنوب، فالإنسان المؤمن يبتعد عن الخطايا وعن الذنوب، ويكون هاجراً لها ومخاصماً لها وبينه وبينها حواجز عظيمة؛ لأنه يطيع الله سبحانه. قال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، فحق الجهاد أن تجاهد في سبيل الله سبحانه وتجاهد نفسك فتلزمها بالطاعة وتنهها عن المعصية، وتجاهد الناس في الله فتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتجاهد المنافقين وتجاهد الكفار كما أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه، فمن فعل ذلك كان المجاهد حق الجهاد. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل هذه الدرجة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الحج [76 - 78]
تفسير سورة الحج [76 - 78] يأمر الله تعالى عباده المتصفين بالإيمان أن يركعوا ويسجدوا ويقيموا صلاتهم ويعبدوا ربهم؛ لأن ذلك هو الطريق الموصل إلى الفلاح، كما يأمرهم بالجهاد في الله حق جهاده باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، ومقارعة المشركين الصادين عن الدين، والمولى جل في علاه حين يأمر بهذا لا يريد أن يدخل المكلفين في الحرج والمشقة، إنما هو ابتلاء بأمور يستطيعونها، ومن قام بذلك من هذه الأمة فهو المسلم المستحق أن يشهد على الأمم السابقة بتبليغ رسلهم إياهم الدين، فعليهم بالاعتصام بالله فهو نعم المولى ونعم النصير.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]. في قوله تعالى في آخر الآية السابقة: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجُعُ الأُمُورُ} [الحج:76]، قراءتان: قراءة ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي وخلف: {وَإِلَى اللَّهِ تَرْجِعُ الأُمُورُ} [الحج:76] بالمبنى للمعلوم، وقراءة غيرهم: ((تُرجَع)) بالمبني للمجهول، والمعنى: أن الأمور مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى، فكل أمر يفعله الإنسان مرجع ذلك إلى الله عز وجل، يجازي العبد على خيره بالخير والإحسان، وعلى شره بالعقوبة في النار أو يعفو عمن يشاء. ثم أمر عباده بالركوع والسجود قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77]. (اركعوا واسجدوا)، إشارة إلى الصلاة، إذ إن ذلك من أفعالها، وأيضاً هذه آية من آيات السجدة في كتاب الله العزيز. وهنا خصص الله وعمم، خصص الصلاة وهي من أهم العبادات، فبها تتعبد لربك سبحانه، وتصلح ما بينك وبينه، وتدعوه كل يوم، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:6]، سبع عشرة مرة في صلاة الفريضة وغير ما تدعوه في صلاة النافلة في قراءتك لفاتحة الكتاب. وقد قسم الله الصلاة بينه وبين عبده فقال الله في الحديث القدسي: (إذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، قال الله سبحانه: حمدني عبدي. وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:3]، قال: أثنى علي عبدي. وإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4]، قال: مجدني عبدي. وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل). قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] أي: بكافة أنواع العبادة، ثم قال: {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] أي: لتتقربوا به إلى الله عز وجل سواءً كان الخير فرائض أو نوافل.
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)
تفسير قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78]، تجاهد نفسك في الله سبحانه وتعالى بأن تطيعه في كل ما أمرك به، وتنتهي عما نهاك الله عنه. وتجاهد أعداء دين الله سبحانه: من الكفار، والمنافقين. فالجهاد أنواع: جهاد الكلمة، وجهاد القلب، وجهاد السيف والإيمان. فتجاهد نفسك، وتجاهد غيرك، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ما استطعت إلى ذلك سبيلاً. وتجاهد بالدفاع عن دين الله، وإظهار حجته على خلقه. قال: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78]، فمثلما أن الله سبحانه وتعالى يختار من خلقه ما يشاء، ويجعل من الملائكة رسلاً ومن الناس، فقد اختار هذه الأمة. قال سبحانه: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} [الحج:78] أي: اصطفاكم واختاركم، وفضل هذه الأمة على غيرها من الأمم.
معنى قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)
معنى قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) ثم قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، فالله رءوف رحيم، ما جعل علينا في الدين من حرج. والحرج: الضيق، ويأتي من المكان الذي لا يجد الإنسان لنفسه مخرجاً، ولذلك جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية أنه سأله عبيد بن عمير وجاء في ناس من قومه وقالوا: ما الحرج؟ فقال ابن عباس: أو لستم العرب؟ فسألوه ثلاث مرات وفي كل ذلك يقول: أو لستم العرب؟ ثم قال: ادعوا لي رجلاً من هذيل فقال: ما الحرج فيكم؟ فقال: الحرج من الشجر ما ليس له مخرج، يعني: الشجر الملتف إذا دخلت فيه لم تستطع الخروج منه. ومعنى الحرج هنا: أي لم يجعل الضيق في الدين. فلرأفة الله بالمؤمنين ورحمته جعل لهم في هذا الدين اليسر العظيم، وجعل لهم من قواعده أن الأمر إذا ضاق اتسع، فإذا وجدت الشدة رخص الله لعباده. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (بعثت بالحنيفية السمحة)، والحنيفية ملة إبراهيم، ودين الإسلام الدين الحنيف، والمسلم حنيف مائل عن الأديان الباطلة إلى الصراط المستقيم، إلى الدين الحق الذي فيه السماحة وفيه اليسر. فالله عز وجل كان يشدد على الأمم السابقة بعتوهم وطغيانهم، ومعصيتهم له، وبعدهم عن طاعة رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولكن هذه الأمة جعل فيها الحنيفية السمحة، فأعطاها من المسامحة، وأعطاها من اللين ما لم يعط أمة قبلها، فرفع عنها المؤاخذة فيما تبدي في أنفسها أو تخفيه، قال تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284]، فضاق ذلك على المؤمنين جداً أن يحاسبوا على ما في أنفسهم وإن أخفوه! فقال الله سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]. فدعا المؤمنون ربهم بذلك، فقال: (قد فعلت) أي: لا أؤاخذكم إذا نسيتم، أو أخطأتم إلى آخر الآية. كذلك من فضله على هذه الأمة أنهم يتوبون وتوبتهم تجب ما قبلها، أما الأمم السابقة فقد شدد عليهم، فبنو إسرائيل لما عبدوا العجل من دون الله أمرهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام لكي يتوبوا إلى الله وتقبل توبتهم أن يقتلوا أنفسهم، فقام بعضهم إلى بعض بالسيوف فقتل بعضهم بعضاً حتى قتل منهم في وقت واحد سبعون ألفاً! ثم تقبل منهم، ولم يجعل توبتهم باللسان. ومن ذلك أيضاً: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (لما سأله رجل: إني حلقت قبل أن أنحر، قال: افعل ولا حرج)، وقال آخر: رميت قبل أن فعل كذا، افعل ولا حرج. فما سؤل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج. وكان من فضل الله سبحانه أن أنعم على هذه الأمة برفع الحرج، قال لنا: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، فدين الإسلام أن تستسلم لرب العالمين، وتسلم نفسك إليه لتنتفع بذلك، أما الله عز وجل فلا تنفعه عبادتك، ولكن خلقك إظهاراً لقوته وقدرته سبحانه؛ وليظهر أسماءه الحسنى وصفاته العلى بخلق مخلوقاته فيرحمهم ويتوب عليهم إذا تابوا، فقصد نفعهم تفضلاً منه سبحانه وتعالى. ومن رأفته بخلقه وفضله أن قدر العباد على ما كلفهم، ولم يكلفهم بما لا يقدرون عليه، فمثلاً أمر العباد بخمس صلوات في اليوم والليلة، والعبد يقدر أن يصلي أكثر من الصلوات الخمس، ولكن الله جعلها خمس صلوات فقط في الفريضة، وما شئت من نوافل. وفي الصيام أمرك بصوم رمضان وأنت تقدر أن تصوم رمضان وزيادة، ولكن لم يزد على ذلك إلا أن يكون كفارة أو نذر من العبد. فالله عز وجل لو شاء لجعل السنة كلها صيام، ولجعل الفطر منها أياماً معدودة، ولكن من فضله ومن كرمه لم يكلف العباد إلا ما يطيقونه بل أقل مما يطيقون. وقد جعل ما كلفهم به سبحانه وتعالى أقساماً ثلاثة: قسم يتعلق بالعقائد، وثانٍ يتعلق بالأفعال، وثالث يتعلق بالمنهيات. ففي العقائد كلفوا أن يؤمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وينبني على هذا الإيمان أن يعمل رجاء جنة الله سبحانه وتعالى، وخوفاً من ناره. وجعل سبحانه وتعالى ما يفعله العباد أقساماً: قسم يتعلق بأبدانهم: كالصلاة والصوم. وقسم يتعلق بأموالهم: كالزكاة. وآخر يتعلق بالأموال والأبدان، مثل: الحج. وجعل التكاليف سهلة ميسرة على العباد، وجعل في هذه الأقسام رخصاً للعباد، فإذا سافر العبد جاز له الفطر وقصر الصلاة وجمع الصلاتين في وقت إحداهما. وجعل ما نهاهم عنه رحمة بهم، فلا ينهانا إلا عن الشيء الخبيث المؤذي الذي يضر الإنسان في حياته وبعد وفاته، ومن ذلك في الكف: قسم جعله الله سبحانه إحياءً لنفوس العباد، وإصلاحاً لأبدانهم: كنهيه عن القتل، وعن أكل الخبائث والسموم. وجعل قسماً آخر من المنهيات لئلا تؤذي غيرك بأن تتلف عليهم أموالهم، أو تتلف عليهم أعضاءهم، وجعل في ذلك العقوبة حتى يحيا الناس من غير أن يؤذي بعضهم بعضاً. وقسم لحفظ نسب الناس، ونسلهم وتعظيم المحارم: كالنهي عن الزنا وغير ذلك. فالمتأمل في الشريعة يجدها كلها رحمة في الأمر والنهي وليس فيها من حرج. كذلك لم يكلف الصغير قبل البلوغ وإن كان يعقل، ومن رحمته في ذلك أن يكتب له الحسنات ولا يكتب عليه الأوزار، فلا يبلغ إلا وله رصيد من الحسنات. ومن رحمة الله عز وجل بعباده أن خفف عليهم، ونهى عن التشديد في الدين، وهذا الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لما أحب أن يصوم الدهر كله، ويقوم الليل كله نهاه النبي صلوات الله وسلامه عليه وقال: (إن لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه). والله عز وجل رفع عنا الحرج في الخطأ وفي النسيان، وما استكرهنا عليه. فعلى المسلم أن ينظر في نصوص الشريعة ليعلم ما جاء فيها من ترخيص فيأخذ به، ولا يعمل بالتشهي والهوى.
معنى قوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم)
معنى قوله تعالى: (ملة أبيكم إبراهيم) قال سبحانه: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78] يعني: دين الإسلام هو ما كان عليه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكأنه يقول على وجه الإغراء: الزموا ملة أبيكم إبراهيم وكونوا على ما كان عليه من الدين الحنيف. ثم قال: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78]، هنا كأن قوله سبحانه: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78]، جملة معترضة وكأن الأصل قوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78]، فالله سبحانه بفضله وبكرمه شرف هذه الأمة بأن سماهم أمة الإسلام. فكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الإسلام وكذلك هذه الأمة. أما غيرها من الأمم فقد سميت بعضها باليهودية، والأخرى بالنصرانية وهكذا، أما هذه الأمة فقد اختار الله لها هذا الاسم الذي دعا إليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلامة أقوامهم فقال أحدهم: {وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]، وقال: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72]. قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج:78] يعني: أن الله عز وجل سماكم المسلمين، وشرفكم بذلك، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره قال: (فادعوا بدعوى الله الذي سماكم: المسلمين المؤمنين عباد الله). وأعظم وأجمل تسمية للإنسان أن يسمى مسلماً ولا يتسمى بأي شيء آخر، لأن الله هو الذي اختار هذا الاسم لهذه الأمة. قال: (وفي هذا)، يعني: وفي حكمه أن من اتبع ملة محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المسلمين.
معنى قوله تعالى: (ليكون الرسول شهيدا عليكم)
معنى قوله تعالى: (ليكون الرسول شهيداً عليكم) قال الله تعالى: {لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ} [الحج:78] فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم شاهداً على هذه الأمة، وجعل هذه الأمة شهيدة على الأمم السابقة، فقال: {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] أي: بتبليغ شرع الله عز وجل، فيؤتى يوم القيامة بالأنبياء من قبلنا فيسألون: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم. فيؤتى بأممهم فيقال: هل بلغكم هؤلاء الرسل؟ فيقولون: لا، لم يبلغوا! فنشهد على هذه الأمم، ويشهد علينا النبي صلوات الله وسلامه عليه. فأقام الله هذه الأمة مقام نبيها صلى الله عليه وسلم في الشهادة، فجعلهم شهوداً على الأمم السابقة، وعلى تبليغ رسلهم، ونحن لم نحضرهم، ولكن نشهد بما جاء في القرآن، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف:73]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [هود:25]، {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود:50]، فالذي ذكر الله عز وجل في القرآن نشهد به يوم القيامة. فجعل لهذه الأمة فضلاً عظيماً، وتشريفاً لهم أن يشهدوا على الأمم السابقة.
معنى قوله تعالى: (فأقيموا الصلاة)
معنى قوله تعالى: (فأقيموا الصلاة) قال الله سبحانه: {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ} [الحج:78] أي: أقيموا الصلاة كما أمركم الله عز وجل، وكما بين لكم النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج:78] أي: أخرجوا زكاة أموالكم على ما فصل لكم ربكم في الكتاب، وبين النبي صلى الله عليه وسلم في السنة. قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ} [الحج:78] أي: الجئوا إلى ربكم، واستمسكوا بدين الله سبحانه، ففيه العصمة، وفيه النجاة. ثم قال: {هُوَ مَوْلاكُمْ} [الحج:78] أي: هو ربكم وخالقكم، وناصركم سبحانه وتعالى. قال: {فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78]، فمهما تولى الإنسان أحداً غير الله لا يقدر أن ينصره، ولا يقدر أن ينفعه أو يضره إلا أن يشاء الله، ولكن الله وحده هو النافع الضار، وهو المنعم المتفضل على عباده، فهو نعم المولى ونعيم النصير. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على شكره وذكره، وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤمنون
تفسير سورة المؤمنون [1 - 6] إن الإيمان بالله هو مناط النصر والفوز والفلاح دنيا وأخرى، وقد جعل الله عز وجل علامات وأمارات لأهل الإيمان، من اتصف بها كان في سلك المؤمنين الناجين، ومن حاد عنها يخشى عليه أن يحشر في زمرة الفاسقين الظالمين، وصدر سورة المؤمنون من أوضح مواطن الكتاب العزيز في إظهار صفات أهل الإيمان، وتحديدها، فعلى المؤمن أن يتحلى بها حتى يكون منهم بإذن الله تعالى.
المناسبة بين آخر سورة الحج وأول سورة المؤمنون
المناسبة بين آخر سورة الحج وأول سورة المؤمنون أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: بسم الله الرحمن الرحيم، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:1 - 11]. والمناسبة بين آخر سورة الحج وبين بداية هذه السورة العظيمة: أنه في آخر سورة الحج يقول الله عز وجل: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج:78]، فكأنه قال بعد ذلك: فإذا فعلتم ذلك فأنتم المفلحون، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، فهنا نجد جمال القرآن في الترتيب والنزول، فما نزلت سورة الحج ووراءها سورة المؤمنون إلا لحكمة ولترتيب بلاغي جميل، وهذا الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يعرض القرآن على جبريل، فقد كان يعرض عليه القرآن في كل سنة مرتباً بحسب ما نزل عليه، إلا في آخر سنة من حياته صلى الله عليه وسلم فقد عرض على جبريل القرآن مرتين. وبهذا الترتيب الإلهي فإنك ستجد مناسبات بين خواتيم السورة وبين أول السورة التي تليها، وهنا مناسبة عظيمة وجميلة، فلما ذكر الله عز وجل في آخر سورة الحج أنه سمى المسلمين بهذا الاسم، والمسلم من أسلم نفسه لله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لنا كما في صحيح مسلم: (قد أفلح من أسلم، ورزقه الله كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، أي: قد أفلح الإنسان الذي دخل في هذا الدين، فأسلم نفسه، وأسلم وجهه، وأسلم قلبه لله رب العالمين، يحكم فيه بما يشاء، ويفعل فيه ما يريد، ولا يعترض على الله، فإذا رزقه الكفاف -أي: على قدر الحاجة، لا زيادة ولا نقصان- ورزقه الله سبحانه وتعالى القناعة مع الرزق الذي ساقه إليه، فإنه يقنع. ولاحظ أن الفضل كله من الله عز وجل، فضل من الله سبحانه أن خلق الإنسان، وأن هداه للإسلام، وأن رزقه رزقاً حسناً سبحانه، وأن رزقه القناعة، فإذا قنع فقد جعله من المفلحين، فالفضل كله منه سبحانه، ولذلك صلى النبي صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظوا من دعائه صلى الله عليه وسلم للميت قوله: (اللهم أنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت توفيتها، جئنا شفعاء فاغفر له)، فهذا الدعاء ذو الكلمات اليسيرة القليلة فيه إثبات هذه النعم لله سبحانه، فأعظم النعم على العباد الخلق، فهو خلقهم، والرزق، فهو رزقهم، ثم هداهم للإسلام، ثم توفاهم سبحانه وتعالى. والوفاة بعدها البعث والحساب، فهو سبحانه قد هداهم قبل ذلك، وسيهديهم بعد ذلك لطريق الجنة بفضله وكرمه سبحانه.
عدد آيات سورة المؤمنون وبيان أنها مكية
عدد آيات سورة المؤمنون وبيان أنها مكية هذه السورة الثالثة والعشرون من كتاب الله رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وهي سورة المؤمنون، وهي من السور المكية، حيث نزلت هذه السورة كلها في مكة، فقد أجمع علماء التفسير على أنها سورة مكية كلها، وعدد آيات هذه السورة مائة وثمان عشرة آية، حسب العد الكوفي والحمصي، ومائة وتسع عشرة آية عند الباقين، والخلاف في قوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون:45]، فالذي يقول: أنها مائة وتسع عشرة آية يقف على قوله: (وَأَخَاهُ هَارُونَ)، على أنها رأس آية، والذي يقول: إنها مائة وثمان عشرة آية لا يعتبر هذه رأس آية، أي: أن الذي يقول: إنها مائة وتسع عشرة آية يعتبر الآية السابقة آيتين، فيصبح عدد الآيات مائة وتسع عشرة آية، والاختلاف هذا في عد آيات القرآن جائز، ومعناه: أن الآية الواحدة في بعض السور بعضهم يعتبرها آية واحدة، والبعض الآخر يعتبرها آيتين، وذلك باعتبار كيف وقف عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون:45]، بعضهم جعلها آيتين، والبعض الآخر جعلها آية واحدة، لكن الآية هي هي، والكلام هو هو، إنما الخلاف في العد فقط. فسورة المؤمنون من السور المكية -كما ذكرنا- وهي تتميز بخصائص السور المكية، حيث إن السور المكية تدعو الخلق إلى الله سبحانه وتعالى، فتهتم بأمر العقيدة، واليوم الآخر، وتذكر الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، وتسرد بعضاً من سيرهم وقصصهم، وتذكر الجنة والنار، والآداب، والأخلاق الحسنة، والتربية، وكل هذا سنجده في هذه السورة العظيمة من أولها إلى آخرها.
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون)
تفسير قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) بدأها الله سبحانه وتعالى هذه السورة بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، والفلاح بمعنى: النجاح الدائم، والفلاح يكون يوم القيامة بأن يدخل الإنسان جنة رب العالمين، فإذا حصل له هذا فقد فاز الفوز العظيم الذي لا خسران بعده، وهنا {أَفْلَحَ}، بمعنى: نجح النجاح العظيم الذي لا يخسر بعده أبداً. {قَدْ أَفْلَحَ}، و (قد) هنا للتحقيق والتأكيد، فهؤلاء مفلحون لا شك في ذلك، {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، هؤلاء المؤمنون هم الذين جمعوا هذه الصفات العظيمة التي ذكرها سبحانه في العشر الآيات الأول من هذه السورة. وستجد هذه الصفات متوافقة مع ما ذكر الله عز وجل من الصفات في سورة مكية أخرى، وهي سورة المعارج، فالصفات التي هنا أكدها هناك وزاد عليها شيئاً، فهنا قال عن جزاء من عمل بهذه الأوصاف: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10 - 11]، وهنالك قال سبحانه وتعالى عنهم: {أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:35]، فهؤلاء هم الذين فازوا فدخلوا الجنة وأكرمهم الله عز وجل بها، فينبغي على كل مؤمن أن يحاول أن يكون مع هؤلاء الذين أفلحوا والذين يكرمهم الله عز وجل يوم القيامة ويقربهم إليه، والصفات هذه صفات عظيمة، لكنها سهلة التحصيل على من يسر الله عز وجل لهم ذلك. {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ورد هنا الفلاح في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قد أفلح من هدي)، يعني: إلى هذا الدين، إلى هذا الإسلام، (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه)، (أسلم) أي: أتى بخصال الإسلام، ودخل في هذا الدين، وسلم نفسه لله رب العالمين. {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1]، أي: الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، وآمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، آمنوا بالله سبحانه فكانوا جنوداً لهذا الدين العظيم، يدعون إلى ربهم، فهم جاهدوا في الله حق جهاده كما ذكر الله في آخر سورة الحج، وهنا ذكر أن من جهادهم هذا أنهم خشعوا في صلاتهم، وقد قلنا: إن من أعظم الجهاد جهاد النفس، ولا تستطيع أن تجاهد أعداء الدين وأنت لم تجاهد نفسك، فالإنسان إذا جاهد نفسه وقهرها على الحق الذي يريده الله كان معاناً من الله سبحانه، وكان موفقاً من الله، فهو بعد ذلك يستطيع أن يجاهد أعداء الله بالسيف والسنان، بالحجة واللسان، أي: بالحجة والبيان، يجاهدهم جهاد القلب، وجهاد اللسان، وجهاد الجوارح والأركان، فهذا هو الذي تربى على هذا الدين، وجاهد نفسه وهواه.
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)
تفسير قوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون) قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2]؛ لأن الصلاة هي من أعظم الأركان في هذا الدين بعد التوحيد، فإن فيها عبادة الله سبحانه وتعالى، وفيها توحيد الله، وفيها الدعاء، وفيها إظهار الخشوع والذل والمسكنة والإخبات بين يدي الله رب العالمين.
معنى الخشوع والحث عليه
معنى الخشوع والحث عليه فهذا الفلاح الذي ذكره الله في الآية الأولى يحصل بأن يكون الإنسان خاشعاً في صلاته: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2]، وكلمة (خشع) معناها: رمى ببصره نحو الأرض، وغض بصره، أي: وقف وقفة الإنسان الذليل بين يدي الله عز وجل، فلم يرفع بصره إلى السماء لينظر إليها، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، كما جاء في الحديث: (لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لتخطفن أبصارهم)، يعني: احذر أن ترفع بصرك إلى السماء وأنت في صلاتك، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى سوف يخطف بصرك ويعميك. فاحذر من رفع البصر إلى السماء وأنت تصلي أو تقرأ القرآن، أو وأنت تقنت وتدعو ربك، بل لابد أن يكون بصرك إلى الأرض. وقد قيل: إن الصحابة رضي الله عنه الله عنهم كانوا يصلون ويرفعون أبصارهم إلى السماء، فنزلت هذه الآية: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2]، فرموا بأبصارهم إلى الأرض، فهذا أصل الخشوع، يقولون: خشع بصره، أي: انكسر بصره، أي: تواضع ولم يرفع بصره، ولكنه وضعه في الأرض. وقالوا: اختشع الإنسان، بمعنى: طأطأ رأسه وتواضع، فالمؤمن متواضع لله سبحانه، يطأطأ رأسه ويخفض بصره بين يدي الله سبحانه، وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخشوع يكون في البدن، وهو إقرار باستخذاء، والخشوع يكون في البدن والصوت والبصر، فالخشوع يكون في البدن، بأن يكون الشخص واقفاً فارداً نفسه في الصلاة، متواضعاً لربه سبحانه وتعالى، ففرق بين أنه يصلب قامته ويقف مستقيماً في صلاته، وبين أنه فارد صدره في الصلاة، فالمؤمن يكون واقفاً في الصلاة وقفة المتواضع لرب العالمين سبحانه، ويكون الخشوع في الصوت بألا يرفع صوته ولا يصيح في الصلاة، ولكن إذا كانت الصلاة جهرية فصوته تظهر عليه السكينة، ويظهر فيه الخشوع، ومن سمعه يحسب أنه يخشى الله، وهذا من أفضل الناس صلاة، أي: الذي إذا سمعت تلاوته تحسب أنه يخشى الله سبحانه وتعالى، وليس لكونه يحزن في الصلاة، أو يتغنى ويترنم ترنيمة حزينة، وإنما الصوت فيه دليل الخشوع، صوت فيه تواضع وفيه خشوع لله رب العالمين، فليس المقصود النغمة فقط. فالخشوع قريب من معنى الخضوع، فيه يطأطئ رأسه ويتواضع، ويخفض صوته وبصره، فالخشوع يكون في البدن والصوت والبصر، قال الله عز وجل: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [القلم:43]، وقال سبحانه: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه:108]. والخشوع أيضاً يأتي بمعنى الخضوع، والتخشع: تكلف الخشوع لله سبحانه وتعالى والإخبات والتذلل، وأيضاً يأتي بمعنى: السهولة، وبمعنى: اليبس، قالوا: أرض خاشعة، أي: أنها تثيرها الرياح لسهولتها فتمحو آثارها، ومنه قوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً} [فصلت:39]، أي: متغبرة، متهشمة، يابسة، لا حياة فيها، ثم ينزل عليها الماء فيحييها الله سبحانه وتعالى. فعلى المؤمن أن يكون خاشعاً في صلاته، روى الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس)، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه فرفع بصره إلى السماء، ثم قال لهم: (هذا أوان)، أي: حال سيأتي، مع أنهم ما زالوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وما زال العلم يأتيه من السماء، ولكن كأنه قرب رحيله صلوات الله وسلامه عليه، فيبتدئ الأمر يقل بعد ذلك قرن وراء قرن إلى أن يضيع من الناس أمر دينهم، وجاء في الحديث الآخر: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، وإنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). وفي هذا الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء)، فقال رجل من الأنصار كان على فقه وعلم، واسمه زياد بن لبيد الأنصاري: (كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرأنه نساءنا وأبناءنا!)، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف يضيع منا هذا العلم ونحن قد حفظنا القرآن، وسنحفظه أولادنا ونساءنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (ثكلتك أمك يا زياد! إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة)، المعنى: أنه طالما أن الأمر أمر كوني قدري، وأن الله عز وجل قدر ذلك، فليس من الممكن إلغاء ما قاله الله سبحانه، مهما حفظ الإنسان ومهما عمل. فهنا الرجل حباً في القرآن وحباً في الدين، وإظهاراً للمسارعة في طاعة النبي صلى الله عليه وسلم قال: سنحفظ القرآن، وسنحفظه أولادنا ونساءنا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه بالشيء الآخر: أن الله عز وجل إذا قدر شيئاً فليس من الممكن أن يرفع ما قدره سبحانه، قال له صلى الله عليه وسلم: (إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟!)، يعني: حتى لو أنكم حفظتم القرآن، ولكن إذا ضيعتم الخشوع فماذا يغني عنكم؟! قال جبير -راوي الحديث-: (فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء؟ فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء، قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع)، وكأن الخشوع ليس مجرد كلمة يقولها الإنسان، ولكنها علم يتعلم فيه كيف يخشع بدنه وصوته وبصره لله سبحانه وتعالى، يقول رضي الله عنه: (أول ما يرفع من الناس علم الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً)، أي: يرفع الخشوع فيقف الإنسان في الصلاة وهو يفكر بأمور الدنيا، والثاني يلعب بذقنه، والثالث ينظر شمالاً ويميناً، والرابع يترك الصلاة ويمشي وهكذا، فكل واحد منشغل في حاله بعيداً عن أمر الصلاة، وهذا الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 2]، إذاً: هم في صلاتهم خاشعون، أي: في أثناء الصلاة، وفي سورة المعارج قال تعالى: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:23]، فهم يواظبون على صلاتهم وخاصة صلاة الجماعة، لا يؤخرون الصلاة عن وقتها، وهم كذلك خاشعون في صلاتهم، فهنالك قال: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:23]، وهنا قال: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2].
تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) ذكر الله صفة ثانية لهؤلاء المؤمنين، ففي المعارج قال: {والذين هم عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج:34]، وهنا قال سبحانه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]، هذه صفة ثانية من صفات المؤمن المفلح، وهي أنه معرض عن اللغو، سواء لغو الكلام أو لغو الأفعال، فكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح فإن الإنسان المؤمن لا يشغل باله به، ولا يضيع وقته فيه، حتى ولو كان من الأشياء المباحة، فهم كما قال الله تعالى: {عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}، وفي سورة الفرقان ذكر الله عز وجل من صفات عباد الرحمن قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]، أي: أكرموا أنفسهم ونزهوها عن أن يقعوا فيما لا ينبغي أن يقع فيه المؤمن، وفيما ينبغي أن يلغى ويطرح.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم للزكاة فاعلون) قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون:4]، أي: من صفاتهم أنهم للزكاة فاعلون، ولاحظ قوله: (الذين هم)، فإنه أكد الوصف؛ لأنها ليست مرة واحدة، بل هذا الوصف غلب عليهم فأصبحوا مستمرين ومواظبين عليه، فـ (هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)، فهو يعطي الزكاة، فإذا جاء العام الآخر أعطى الزكاة، وهكذا دائماً يعطي الزكاة، فيؤدون زكاة أموالهم، زكاة فطرهم، زكاة بهيمة أنعامهم، زكاة زروعهم وثمارهم، زكاة ما يخرجه الله عز وجل لهم وما يؤتيهم من رزق في التجارة ونحوها، فهم يؤدون الزكاة بجميع أنواعها.
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون فإنهم غير ملومين)
تفسير قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون فإنهم غير ملومين) قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5 - 6]، وهذا وصف آخر من أوصافهم: أنهم (لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)، فلا يقعون في شيء حرمه الله من زنا، أو لواط، أو مسافحة، أو معاشرة محرمة حرمها الله عز وجل، من نكاح إماء أو كتابيات مما حرم الله عز وجل ومنعه، ولا يقعون فيما حرمه الله عز وجل من عادة سرية ونحوها، فهم {لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5]، أي: يحفظ فرجه إلا على ما أحله الله عز وجل له، وقد أحل الله الزوجة وملك اليمين: الزوجة بعقد النكاح، وملك اليمين بعقد الشراء أو بالهبة، فهذا الذي أحله الله سبحانه وتعالى، فهم يحرصون على أن يأخذوا الحلال ويجتنبوا ما حرم الله سبحانه وتعالى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [1 - 11]
تفسير سورة المؤمنون [1 - 11] يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة أن أهل الفلاح الحقيقي هم المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، وأن من صفاتهم التي اتصفوا بها الخشوع في الصلاة، فهم يؤدونها بشروطها وأركانها ومستحباتها، ثم هم عن الكلام الذي لا قيمة له معرضون، وهم لأداء الزكاة التي افترضها الله عليهم فاعلون، وقد عبر بصيغ المبالغة كناية عن مبادرتهم إليها وفرحهم بإخراجها وإعطائها الفقراء، ثم ذكر عنهم أنهم متصفون بصفة العفة فهم محافظون على فروجهم إلا فيما أحل الله لهم، وهم مع ذلك يراعون عهودهم وأماناتهم فيوفون بها ويؤدونها إلى أصحابها.
صفات المؤمنين المذكورة في أول سورة المؤمنون
صفات المؤمنين المذكورة في أول سورة المؤمنون الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: بسم الله الرحمن الرحيم. {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:1 - 11]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات الإحدى عشرة من أول هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون عن فلاح المؤمنين الذين من صفاتهم ما ذكر هنا: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) فقد حكم لهم بالفلاح سبحانه وتعالى، وهو أعظم النجاح، وهو النجاح الذي لا خسران بعده، والفوز العظيم، والفوز المبين، وقد سماه الله سبحانه وتعالى بأسماء في كتابه تدل على دوام نجاح المؤمنين يوم القيامة، وعلى خلودهم في هذا الفوز العظيم، وأنهم سابقون إلى هذا الخير بفضل الله لا يحرمهم منه أبداً.
إقامة الصلاة
إقامة الصلاة فهم مؤمنون مصدقون بما جاء من عند رب العالمين سبحانه، فقد آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وأسلموا وشهدوا شهادة التوحيد، وأقاموا الصلاة كما أمر الله سبحانه، وآتوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجوا البيت، وفعلوا ما أمر الله سبحانه وتعالى من طاعات، فهم المؤمنون الصالحون، وقد زادوا على أركان الإسلام وأركان الإيمان صفات عظيمة موجودة فيهم، فهم في صلاتهم خاشعون، أقاموا الصلاة كما أمروا: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، ولكن زادوا صفة الخشوع فخشعت قلوبهم، وخشعت أبدانهم، وخشعت نواظرهم، فإذا بهم وهم في صلاتهم لا ينشغلون بغير الصلاة، فأذهانهم حاضرة، وقلوبهم حاضرة، لا يكثرون الحركة، ولا يختلس الشيطان منهم صلاتهم، فهم ينظرون إلى محل سجودهم كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، ويصلون وهم يستشعرون أنهم قريبون من ربهم سبحانه، فيدعونه ويتوسلون إليه سبحانه، يرجون فضله ويخافون عذابه فهم {فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:2].
الإعرض عن اللغو
الإعرض عن اللغو قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]. واللغو: هو ما ينبغي أن يلغى ويطرح من أقوال وأفعال لا قيمة لها، فهم لا يأبهون لها ولا ينظرون إليها، فالإنسان المؤمن يحافظ على نفسه، ويحافظ على وقته، ويحافظ على أفعاله، ويحافظ على كلماته، فلا يضيع وقته فيما لا ينفعه، أو فيما يأتي من ورائه الضرر، فالمؤمن حريص على وقته، يعلم أن عمره أيام محسوبة، وليال مكتوبة، فهو يخاف أن يضيع عمره في لهو ولعب؛ بل يريد أن ينتهز كل ساعة من ساعات عمره وكل لحظة من لحظات عمره فيما هو طاعة لله، حتى إذا جاء يوم القيامة وجد صحيفته ممتلئة بالأعمال الطيبة العظيمة. فالمؤمن دائماً يفكر كيف ينجو يوم القيامة؟ وكيف يطيع الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يحافظ على وقته في طاعة وفي خشوع وفي عبادة؟ فإذا دخل في الصلاة استشعر أنه يكسب من ورائها شيئاً عظيماً في الدنيا وفي الآخرة، فهو يكسب في الآخرة الأجر من الله، وصلة الله عز وجل له، وجنة رب العالمين سبحانه، وأن يكون مع السابقين، وفي الدنيا يكسب أنها تزيده خلقاً حسناً، وأنها تجعله بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، صلاته وأنها عن الفحشاء والمنكر، {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45]، فيدخل إلى الصلاة ذاكراً لله سبحانه، ويخرج من الصلاة فلا يزال ذاكراً لله محباً لها حتى تأتي الصلاة التي تليها وهكذا، فهم في صلاتهم خاشعون، وهم عن اللغو معرضون، وهم للزكاة فاعلون.
إتيان الزكاة
إتيان الزكاة قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون:4] أي: يؤدون الزكاة التي أمر الله عز وجل بأدائها، فلا يبخلون بها ولا يشحون على الفقير، ولا يمنون بأنهم أعطوه صدقة أموالهم، وإذا تصدقوا تصدقوا بأفضل ما عندهم، أو بأوسط ما عندهم، ولكن أبداً لا ينظرون إلى شيء رديء فيخرجونه لله سبحانه وتعالى، وهم يعلمون أن ما يعطونه ويخرجونه فالله عز وجل يخلف خيراً منه، ويعطي أضعافاً مضاعفة عليه، فهم للزكاة فاعلون، علموا أن الزكاة تزكي أموالهم، وتزكي ما في قلوبهم من إيمان، وتنمي ما عندهم من أموال، وأن الزكاة تطيب قلوب الفقراء وصدورهم، وتطيب أعمالهم، فهم يفرحون بأن يؤدوا الزكاة كما يفرح الإنسان الذي يأخذها، فهم يعطون وفي الحقيقة يأخذون، فهو أخرج زكاة ماله والله عز وجل زاده أضعافاً مضاعفة في ماله، وأعطاه الثواب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له عائشة رضي الله عنها وقد ذبحوا شاة وتصدقوا بها على الفقراء قالت: (لم يبق منها إلا الذراع، قال: بل بقيت كلها إلا الذراع). أي: إن الذي أخرجته هو الذي ادخرته عند الله سبحانه وتعالى فبقيت جميعها إلا الذراع الذي سنأكله فسينتهي. فالمؤمنون يؤتون الزكاة، و (فاعلون) هنا اسم فاعل، ومثله (خاشعون)، ومعرضون، من أعرض فهو معرض، واسم الفاعل هو الذي يليق بجميع الزمان في الماضي والحاضر والمستقبل، تقول: خشع في الماضي فهو خاشع، ويخشع الآن فهو خاشع، وسيخشع في المستقبل فهو خاشع، فصفة اسم الفاعل تدل على الدوام، فهم خاشعون دائماً في صلاتهم، فليس خشوعهم في صلاة أو صلاتين ثم ينتهي، بل هو مستمر في جميع صلواتهم. وهم دائماً يعرضون إذا دعاهم إنسان للهو ولغو الحديث، ولذلك ينزهون أنفسهم مثل عباد الرحمن الذين مدحهم الله بأنهم {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72] أي: أكرموا أنفسهم عن أن يقعوا في هذا الباطل أو في هذا اللغو، حتى كأنهم إذا وقعوا فيه فقد أهانوا أنفسهم، فهم ينصرفون عن الكلام الباطل وعن الأفعال التي لا تليق بالمؤمنين. وهم يعطون زكاة أموالهم، ويفرحون بإعطاء الزكاة كفرح من يأخذ المال.
حفظ الفروج عن الحرام
حفظ الفروج عن الحرام قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5]، عبر باسم الفاعل هنا كناية عن أنهم يحفظون فروجهم دائماً في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل، إلا في أمرين: {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:6]، الزوجة التي تزوجها بنكاح شرعي صحيح، {أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:6] وملك اليمين الآن غير موجود، وهم الرقيق، فيشتري الرجل الأمة فيتسرى بها ويطؤها ويجوز له أن يبيعها، فإن أنجب ولداً من هذه الأمة فإنه يكون حراً، طالما أن الأمة ملك له، إلا إذا تزوجها، والأصل المنع من زواج الحر من الأمة؛ لأن ولده سوف يكون رقيقاً برق أمه، فمنع الله عز وجل من الزواج من إماء أهل الكتاب ومن المشركات، فلا يجوز للمسلم أنه يتزوجها أصلاً لا في خوف عنت ولا في غير خوف عنت، وأما الأمة المؤمنة فيجوز له في حال العسر وخوف العنت أن يتزوج منها، لكن الأصل في النكاح أن يتزوج المؤمن من المرأة الحرة، ويجوز للمرأة أن تملك عبداً، ولا يجوز لها أن تتسرى به، إنما يجوز فقط للرجل أن يتسرى بأمته، أما العكس فلا يكون أبداً، فلا تباح فروج المؤمنين والمؤمنات بهذا الأمر، وهذا بإجماع العلماء، وملك اليمين هي التي تباع كما يباع الحيوان، فالمؤمن حافظ لفرجه إلا على زوجه، والمرأة كذلك إلا على زوجها، وهو غير ملوم في ذلك؛ لأنها شهوة تحافظ على زينة الإنسان، وعلى نسله، وعلى بقائه على الأرض الذي أراده الله سبحانه وتعالى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح فقال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). فالنكاح مأمور به، فقد أمر الله عز وجل عباده فقال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، وذلك حتى يستمر بقاء الإنسان على وجه الأرض فيعمرها ويعبد ربه سبحانه وتعالى فيها. فالمؤمنون حافظون لفروجهم إلا فيما أباحه الله عز وجل، وأما غير ذلك فيحرم على الإنسان أن يقع في الزنا أو اللواط والعياذ بالله، أو في الاستمناء -العادة السرية- فالذي يباح له الزوجة فقط في زماننا، أما غير ذلك فلا يباح له. قال تعالى: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:6] أي: إذا أتوا أزواجهم أو ملك يمينهم. قال تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ} [المؤمنون:7] مما لم يبحه الله سبحانه وتعالى {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7] أي: الذين تعدوا الحلال إلى الحرام، فهم المجاوزون للحد، فالله سبحانه وتعالى جعل حدوداً للحلال وللحرام، فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا} [البقرة:229]، أي: أن للحلال حدوداً معلومة لا تتعدى، وهناك حدود للوطء عند النكاح، فلا تتعدى هذا النكاح إلى سفاح أو غيره مما حرم الله سبحانه، وذكر لنا حدوداً أخرى وهي من المحرمات فقال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187]. إذاً: فلا تتجاوز الحلال فتقع في الحرام، ولا تقترب من الحرام فإنه يخشى عليك أن تقع فيه. فالمؤمنون لا يبتغون وراء ما أمر الله عز وجل به وأباحه، وإلا كانوا عادين واقعين فيما لا يحل لهم. قال العلماء: يسمى من نكح ما لا يحل له عادياً، وأوجب عليه الحد لعدوانه كالحد في الزنا برجم المحصن الثيب والمرأة المحصنة الثيبة، أما غير المحصن فيجلد مائة جلدة والمرأة التي لم تحصن مثله، واللائط إنسان عاد، حده الشرعي أن يرجم كما ذكر الفقهاء، ولهم تفاصيل في ذلك. فالمؤمن يقف عند ما أحل الله سبحانه ولا يتجاوزه إلى ما حرمه سبحانه. والمجاوزة تأتي تدريجياً، فلو أن الإنسان ترك نفسه وهواها وقع في النهاية فيما يشتهيه من حلال ومن حرام، ولكن الشريعة تقيد الإنسان، فتأمر المؤمن أن يغض بصره، وأن يحفظ فرجه، وتأمر المؤمنة كذلك: أن تغض بصرها، وأن تحفظ فرجها، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:31]، وقد قالوا: البصر بريد الزنا، فإذا ترك الإنسان بصره فإنه ينظر شيئاً فشيئاً حتى يقع في الحرام وقلبه يشتهي ويتمنى، وفرجه يصدق ذلك أو يكذبه، فلذلك لا تترك نظرك كما تشتهي فتنظر إلى ما تريد، ولتكن مقيداً بشرع رب العالمين سبحانه وتعالى، فالعين نعمة من الله عز وجل، وقد تكون بسبب نظره إلى ما لا يحل لك نقمة عليك، فليحذر الإنسان المؤمن أن يضيع شرع الله عز وجل بأن ينظر إلى ما لا يحل له. والذي ينظر للشيء الذي حرمه الله يقوم غالباً بترك واجبات أوجبها الله عز وجل عليه، فتراه يمشي في الطريق وينظر إلى النساء، فإذا جاء وقت الصلاة -ولعله كان يصلي- فيقول لنفسه: لعله نزل مني لعله كذا، فيؤجل الصلاة، فإذا بالنظرة قد أورثت في هذا الإنسان نفاقاً بتركه للصلاة، ولعله يكون في رمضان فيمشي في الطريق وينظر إلى ما حرم الله عز وجل ثم يذهب ويفطر، وقد صلى أحد الناس معنا المغرب فقال لي: أنا إنسان طيب إلا الصوم فلا أصوم أبداً، فقلت له: لماذا لا تصوم؟ فقال: أنا أشرب السجائر كثيراً وأحب أن أنظر إلى النساء! فعين هذا الإنسان جعلته يترك الصيام، مع أنه قد بلغ ثلاثين أو أربعين سنة، فالإنسان إذا وقع في الحرام أتاه الشيطان فقال له: لا تصم، فيفطر، ثم يقول له: لا تصل لأنك تعمل كذا، فيترك الصلاة والصيام، ولعله يترك ما فرض الله عز وجل عليه كله، فيموت ولا ينفعه شيء. وقد سألني أحدهم: أن رجلاً مات والده ولم يصل قط، فهل نحج عنه أو لا؟ A الله أعلم بحاله. بعض الناس من كبار السن كنا نقول لهم: لماذا لا تصلون؟ فيقولون: ماذا نستفيد من الصلاة إذا صلينا؟ سبحان الله! ومن يدري لعله كان يترك الصلاة وهو صغير ويقول: سأصلي إذا كبرت، فلما كبر قال: ماذا سأستفيد؟ ويظل على ذلك حتى يموت ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالتارك للصلاة كأنه يائس من رحمة الله، ولذلك على المؤمن أن يعتبر بمثل هذه الأشياء، وكيف أن الله منَّ عليه بأن غض بصره وأرشده للصلاة، ومن عليه بأن جعله يصوم في رمضان وفي أوقات التطوع كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فيحمد الله سبحانه ويفرح بنعمة الإسلام وكفى بها نعمة {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا} [الأعراف:43]. فالمؤمن لا يلام على وطء امرأته إلا فيما حرم الله عز وجل عليه، كأن يأتيها في وقت حيضها أو في وقت نفاسها، أو أن ينكحها في دبرها، فهذا كله حرام، قال الله تعالى: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:7].
حفظ الأمانات ومراعاة العهود
حفظ الأمانات ومراعاة العهود ومن صفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8]. فهم مؤدون للأمانة وراعون لها، أي: أنهم محافظون على الأمانة أقصى درجات المحافظة، وقد علمنا ديننا ذلك وكرر علينا هذا الأمر، قال سبحانه وتعالى في كتابه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج:32] أي: يرعى أمانته فيحافظ عليها أشد من محافظته على ماله؛ لأنها أمانة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل: (متى الساعة؟ قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما تضييع الأمانة؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله)، فمتى أصبح الناس ينظرون إلى من سيكون والياً عليهم، لا من جهة دينه، ولكن ينظرون إلى صفات ليست من الدين كقولهم عن بعض الناس: ما ألطفه! ما أقواه! ما أظرفه! فيجعلونه قدوة لهم لأجل ذلك، فلينتظروا الساعة. أما المؤمنون فيعرفون أمانة الله عز وجل، فإذا أرادوا من إنسان أن يكون كبيرهم نظروا إلى دينه وإلى تقواه وإلى حنكته وخبرته في هذا الأمر الذي سيجعلونه فيه، لكن إذا وسد الأمر إلى غير أهله بالمجاملات وبالأحساب ففي هذه الحالة انتظر الساعة. وقوله تعالى: {لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8] بالجمع وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (والذين هم لأمانتهم وعهده راعون). والأمانة من جنس الأمان، قال الله عز وجل في كتابه: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} [الأحزاب:72]. والأمانة أمانة في التكليف، والتكاليف الشرعية عرضها الله سبحانه وتعالى على السموات وعلى الأرض وعلى الجبال فأبين أن يحملنها، لماذا؟ لأنهن عرفن أنهن سيكلفن بشيء بعده إما جنة وإما نار وما يدريهم أنهم سيدخلون الجنة وسينجون من النار؟! فعرضت على الإنسان فحملها الإنسان، ومن أوصاف الإنسان أنه متهور وأنه سريع القدوم إلى الشيء الذي قد يهلكه، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، فحمل الإنسان هذه الأمانة، وأخذ على عاتقه أن يطيع الله عز وجل، فمنهم من أطاع الله ومنهم من عصاه سبحانه وتعالى. فالمؤمنون لأماناتهم وعهدهم راعون، أي: أنه إذا أعطى إنساناً يميناً أو عقداً أو عهداً على شيء فإنه يراعي عهده ولا يخون أبداً ولا يغدر ولا يضيع مواثيقه، بل هو مؤتمن على هذا كله، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك). (أد الأمانة) أي: إذا ائتمنك إنسان على أمانة فأدها إليه كما أعطاها لك. ولو أنه خانك مرة من المرات في شيء فلا تخنه، ولا تقل: مثلما خانني أخونه، وكم من الناس يفعلون ذلك! فتجد كثيراً من الناس من متدينين وغيرهم سرعان ما يخون الأمانة ثم يقول: هو فعل بي كذا في يوم كذا، وينسى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، وينسى أن النبي الأمين صلوات الله وسلامه عليه كان الكفار يؤذونه ويؤذون أصحابه، وكانت أمانات الكفار عنده في مكة صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة أخذ يجهز أماناتهم لردها إليهم وهم يعدون لقتله، وأمر أم أيمن بأداء وإرجاع الأمانات إلى أهلها، فهو منشغل بأماناتهم وهم منشغلون بسفك دمه صلوات الله وسلامه عليه، وينجيه الله عز وجل ويخرج من بين أظهرهم ويتوجه إلى المدينة مهاجراً صلوات الله وسلامه عليه، وقد أمن أن الأمانة سترد إلى أهلها عن طريق أم أيمن وعن طريق علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنهما.
المحافظة على الصلوات
المحافظة على الصلوات قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9] أي: يحافظون على الصلاة فلا يضيعون أوقاتها، ولا هيئاتها، ولا شروطها، وقراءة الجمع للجمهور، وقراءة الإفراد لـ حمزة والكسائي وخلف. : {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} [المؤمنون:10]، أي: هؤلاء المؤمنون هم الذين سيرثون جنة رب العالمين سبحانه {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:11]. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [10 - 13]
تفسير سورة المؤمنون [10 - 13] بعد أن ذكر الله سبحانه صفات المؤمنين في أول السورة ثنى بذكر ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم عليه السلام، فقد خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون، وذكر أنه خلق الإنسان بعد آدم من نطفة، وأن هذه النطفة تمر بمراحل، ثم تتحول إلى علقة، وتتحول العلقة إلى مضغة، وتتحول المضغة إلى عظام مكسو باللحم، ثم تنفخ فيه الروح عندما يمر عليه مائة وعشرون يوماً، فتبارك الله رب العالمين.
صفات المؤمنين
صفات المؤمنين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ما زلنا في سورة المؤمنون التي قدمنا شيئاً من تفسير أول آياتها قبل ذلك، وقد بدأها ربنا سبحانه وتعالى بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] ذكر النهاية والنتيجة التي يسعى إليه كل إنسان مؤمن وهي أن يكون من المفلحين، فبدأ بالأهم الذي يرجوه كل إنسان، والذي خلق الله عز وجل الخلق من أجله وهو أن يفلحوا بطاعتهم وبعبادتهم لله سبحانه. قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} ومن صفات هؤلاء المؤمنين ما ذكر الله عز وجل هنا: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:2 - 9]، هؤلاء هم المؤمنون الذين حكم الله عز وجل لهم بالفلاح، ثم ذكر أن فلاحهم أنهم ينجحون عند الله عز وجل ويفوزون الفوز العظيم الذي لا خسران بعده أبداً فقال: {أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10 - 11] والفردوس: هي أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقها عرش الرحمن سبحانه وتعالى، فهؤلاء الذين اجتمعت فيهم هذه الصفات هم أهل الفردوس الأعلى، وهم في عليين، وهم المقربون من رب العالمين، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. تفضل الله عز وجل على المؤمنين بأن جعلهم يرثون الفردوس، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين إذا دعوا ربهم وسألوه أن يسألوه الفردوس الأعلى من الجنة فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة؛ فإنه أعلى الجنة وأوسطها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، فالإنسان المؤمن إذا سأل الله فليسأله أهم الأشياء وأعظم الأشياء، ويكون هذا هو شاغل الإنسان المؤمن عن الدنيا وعن فتنها وعن مصائبها، أنه يرجو في النهاية الفلاح والفوز العظيم، ويخاف من الخسران ويخاف من النار، فيسأل ربه سبحانه وتعالى ليل نهار أن يكون مع (النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) في الفردوس الأعلى. وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى جعل لكل إنسان مسكناً في الجنة ومسكناً في النار) فأما المؤمنون فيأخذون منازلهم ويرثون منازل الكفار، ويرجع الكفار في منازلهم في النار، والإنسان المؤمن يريه الله عز وجل منزلاً في النار، ويقول له: هذا منزلك لو عصيت الله، والإنسان المؤمن يفرح بأنه أطاع الله وأنه لم يدخل هذا المنزل، والإنسان الكافر يدخل في هذا المنزل والعياذ بالله، والإنسان المؤمن يريه الله عز وجل منزله في الجنة ويقول له: هذا منزلك في الجنة وقد ورثناك منازل هؤلاء، لو أطاعوني لدخلوا هنا، ولكنهم لم يطيعوني وعصوني فدخلوا النار، وأنتم ورثتم هذه الجنة وأخذتموها بفضل الله وبرحمته سبحانه. وما منكم من أحد إلا وله منزل في الجنة وله منزل في النار، والله عز وجل يتفضل على المؤمنين بأن يدخلهم الجنة ويورثهم جنات النعيم.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) لما بدأ الله عز وجل بالشيء الهام الذي ينتظره الإنسان المؤمن، وهو أن يكون مفلحاً وبين صفات الفلاح، بدأ بعد ذلك يذكر لنا بدء خلق هذا الإنسان، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون:12] أي: أن الله هو الخالق للإنسان وغيره من المخلوقات، فهو سبحانه وتعالى خلقهم ليطيعوه وخلقهم ليعبدوه سبحانه وتعالى، فالله عز وجل خلق السماوات وخلق الأرضين، وخلق كل شيء، وما من شيء إلا يسبح بحمده، فليس محتاجاً لعبادة هذا الإنسان ولا لهؤلاء الجان، ولكن الله عز وجل يبتلي الخلق بعضهم ببعض، لحكمة منه سبحانه وتعالى، فملائكته أقوى من سائر خلقه سبحانه وتعالى، وهم يعبدونه ليل نهار، وما من موضع في السماوات إلا وفيه ملك لله عز وجل إما قائم أو راكع أو ساجد يعبد الله ويسبح الله، وهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فهذا الإنسان المخلوق الضعيف الذي هذا أصله لا يحتاج الله عز وجل لعبادته؛ بل خلقهم سبحانه وتعالى ليبتليهم، وهذا الإنسان خلقه ليكرمه إن أطاع ربه، وليحقق مقتضى صفاته أنه الرحيم والقدير والعليم والحكيم والخبير سبحانه وتعالى، فيخلق المخلوقات ليحقق مقتضى هذه الصفات العلية له سبحانه وتعالى، فلا يحتاج إلى خلقه سبحانه ليعبدوه، فلن يزداد بعبادتهم شيئاً ولن ينقص بكفرهم شيئاً، ولكن خلقهم لنفعهم ولما فيه صلاحهم إن هم أطاعوه سبحانه. قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين) هذا أصل الإنسان، والإنسان هنا هو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهذا أصله أنه كان عدماً كان ماء وطيناً، فأوجد الله عز وجل منه هذا الخلق، وتركه من صلصال من طين ومن حمأ مسنون فترة، ثم نفخ فيه الروح سبحانه وتعالى، فكان أصل هذا الإنسان من سلالة من طين، قالوا: السلالة بمعنى: الصفوة، فكأن المقصود منه مني الإنسان، وقيل: السلالة من السلة واستخراج الشيء من الشيء، ولذلك الطين إذا أمسك بين الأصابع تسرب من بين أصابع الإنسان، فهو سلالة وخلاصة من شيء، أو شيء من طين، أي: ماء وتراب، بُلّ التراب فصار طيناً، فهذا الإنسان مخلوق من هذا الطين الذي لو أمسكته بين أصابعك وهو تراب وماء ما قدرت على جمعه، بل يتسلل من بين الأصابع، وقيل: النطفة سلالة، والولد سليل، أي: مأخوذ من هذه السلالة وما تفرع عنها، والطين أيضاً إذا عصرته بين أصابعك انسل وخرج منها، فالأصل أن الإنسان من سلالة من طين ثم صار إنساناً. والإنسان عندما يمر بهذا الطين الذي يسيل في الشارع تراه يجتنب أن يصل إلى ثيابه منه، نقول له: هذا هو أصلك أنت، وأنت مخلوق من هذا الطين (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين).
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) قال الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:13] أي: جعل الله عز وجل هذه الإنسان نطفة وأقرها في مكان وفي قرار مكين، وجعل لها عوامل تجعلها تعيش بالقدر الذي حدده الله سبحانه وتعالى، ثم يخرج منها ما شاء في الوقت الذي يشاؤه الله سبحانه وتعالى، ويخرج من هذا الماء الشيء الذي هو حي، وكوّن أعداداً كثيرة جداً، والذي يكون منه الإنسان شيء واحد وهو هذه النطفة، وهي ماء الرجل. يقول العلماء: إنه ماء الرجل ومتوسط ما ينتجه الرجل في اليوم الواحد حوالي ثلاثمائة مليون حيوان منوي، وهي متجددة دائماً، ومتوسط ما يقذفه الإنسان في القذفة الواحدة من المني في الدفعة حوالي من (3 - 4 سم3) هذه الكمية القليلة ترى كم فيها من حيوانات منوية؟ فيها من أربعمائة إلى خمسمائة مليون حيوان منوي في الدفعة الواحدة، يدفعها الإنسان في جماع أو احتلام، والله عز وجل يختار واحداً فقط من هذه الحيوانات المنوية ليكون منه هذا الإنسان، وهذا الحيوان المنوي فيه صفات معينه في الرجل، وقد خلق الله عز وجل في المرأة منذ خلقها عدداً من البويضات، يقول العلماء: إن البويضات مخلوقة في المرأة تقدر بحوالي اثنين مليون من البويضات، فهي أول ما تنزل من بطن أمها فيها هذا العدد من البويضات، فتبدأ هذه البويضات تتناقص حتى تصل في سن الإنجاب من أربعمائة إلى خمسمائة بويضة فقط، وهذه الكمية كافية للإنجاب في مرحلة ما بين سن (12) إلى (50) سنة الذي هو سن اليأس للمرأة، وهذا العدد الذي قدره الله عز وجل في المرأة لا يزيد ولا يتخلق يومياً كما يحدث في حيوان الرجل، ولكنه ينقص حتى تصل المرأة إلى سن اليأس وتنفد هذه البويضات، ولا تقدر المرأة على الإنجاب بعد ذلك، فإذا حدث غير ذلك فهو من معجزات الله عز وجل في خلقه أن يوجد ذلك لمن يشاء سبحانه وتعالى، كما حدث لزوجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فقد أنجبت بعد سن اليأس. فالله عز وجل خلق هذا الإنسان من هذه النطفة ومن هذه البويضة، وقد ذكر سبحانه أنه خلقه من أمشاج، والأمشاج هو اختلاط مني الرجل ببويضة المرأة، فيكون منها الصفات، صفات الذكور وصفات الإناث، وقد جاءت أحاديث عجيبة جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين لنا هذه المراحل، مع هذا الذي جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا الكلام العظيم الذي في كتاب الله وفي سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه من الأحاديث جعل علماء الغرب يذهلون، وقد جاء في هذا المعنى أن رجلاً سمع ابن مسعود يقول: (الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره)، فتعجب الرجل تعجب كيف يكون شقياً وهو في بطن أمه ولم يعمل شيئاً يصير به شقياً؟! فذهب الرجل إلى حذيفة بن أسيد الصحابي الفاضل رضي الله عنه يقول ذلك كالمنكر على ابن مسعود قوله: (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره)، فقال له حذيفة بن أسيد رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص)، وقوله: (ثنتان وأربعون ليلة) هذا العدد يذكره علماء الطب ويقولون: إن الجنين في الأسبوع السادس تخلق فيه هذه الأشياء، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم من علماء التشريح، ولم تكن عنده كاميرات تصوير يصور بها رحم المرأة ولا شيء من ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوحى لنبيه صلى الله عليه وسلم حتى أخبره بهذا الأمر بهذه الدقة التي لم يعرفها العلماء إلا بالمتابعة والتشريح والمناظرة وهم بعد النظر في الأدلة العقلية قالوا: تخلق هذه الأشياء في الأسبوع السادس تقريباً، أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الليلة وقال: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها) ويقول علماء متخصصون في ذلك: في نهاية الأسبوع السادس -أي: بعد الاثنتين والأربعين ليلة - تكون النطفة قد بلغت أوج نشاطها في تكوين الأعضاء، وهي قمة المرحلة الحرجة الممتدة من الأسبوع الرابع حتى الثامن، ثم يقوم الملك إلى هذه النطفة ويصور فيها هذه الأشياء في خلال هذه الفترة. وهناك أحاديث أخرى جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، كحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال فيه: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سيعد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، والحديث في الصحيحين. وهذه الرواية رواية مسلم وفيها تفصيل دقيق جداً، أكثر مما جاء في صحيح البخاري، والتفصيل الذي فيها قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، وهذا معنى كلام ابن مسعود رضي الله عنه: (الشقي من شقي في بطن أمه) أي: أنه معلوم عند الله من قبل خلق هذا الإنسان أنه شقي أو سعيد، وهذه من الأشياء الغيبية التي يجب أن نؤمن بها، فالله عز وجل خلق الخلق وعلم أن هؤلاء للجنة يصيرون وهؤلاء للنار يصيرون، وقدر أقداراً سبحانه وتعالى، ولكن لم يطلعنا على ذلك ولم نعلم ذلك، فالذي أمرنا به أن نؤمن بذلك ولا نتعرض له بالجدل الباطل. إذاً: فالواجب علينا أن نؤمن بالقضاء والقدر، وليس معنى ذلك أن الإنسان يترك العمل ويقول: لو كنت مكتوباً من أهل الجنة فسأعمل للجنة، لا، فإن هذا من باب الجدل العقيم الذي يضيع الإنسان فيه عمره، وفي النهاية يموت على ذلك وقد ضاعت دنياه وأخراه، فالقضاء والقدر أمرنا بالإيمان به، أما العمل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) فأمرنا ألا نتوقف عن العمل، والقضاء والقدر هو شيء كتبه الله عز وجل عنده، لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه. فعلى الإنسان المؤمن ألا يتعرض لأمر القضاء والقدر إلا بالإيمان به والتصديق واليقين، ثم يعمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما سألوه عن ذلك: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). فهنا في الحديث قلنا: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) يعني: أنه في نهاية حياته لا يوفق لعمل أهل الجنة فيكون من أهل النار. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده السعداء، ولا يجعلنا من عباده الأشقياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [12 - 15]
تفسير سورة المؤمنون [12 - 15] ذكر الله لنا في كتابه مراحل خلق الإنسان وأطواره، وهذه الأطوار من آيات الله العظيمة، ثم بعد أن خلقه يميته، وهذه آية أخرى كبيرة، وبعد موته يبعثه يوم القيامة ليجازيه على أعماله، فتبارك الله أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:12 - 16]. ذكر الله عز وجل في هذه الآيات مراحل خلق الإنسان، وكيف خلقه الله سبحانه وتعالى من شيء حقير: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون:12]، فهذا أصل الإنسان، وقد ذكر الله عز وجل في خلق الإنسان آيات في كتابه سبحانه وتعالى، كقوله في سورة الكهف: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف:37]، كما في قصة الرجلين اللذين آتى الله عز وجل أحدهما جنتين، ولم يؤت الآخر، فاستكبر صاحب الجنتين على صاحبه الذي يعبد الله سبحانه، وقال: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف:34] {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} [الكهف:37]، فأصل خلق الإنسان من التراب، وهنا ذكر الله أنه خلقه من طين، أي: خلقه الله عز وجل من تراب وماء، والأصل في خلقه التراب، والعناصر الموجودة بجسم الإنسان هي نفس العناصر الموجودة في التراب، وأكثر جسم الإنسان من الماء، فهو مخلوق من التراب والماء. قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [غافر:67]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} [فاطر:11]، وقال: {خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [النحل:4]، يذكره الله بأول خلقه وإذا به يخاصم، ويناظر، ويجادل خالقه سبحانه وتعالى! وقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس:77]، وقال: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة:8]، يخرج من المحل الذي يخرج منه البول، يستقذره الإنسان، وقال: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات:20]، فهذا بدء خلق الإنسان، فالله يذكره بأن هذا بدء خلقك، فليس لك أن تجادل ربك، وليس لك أن تستكبر على الخلق، فأنت خلقت من تراب مثلهم، وخلقت من ماء مهين.
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين)
تفسير قوله تعالى: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:13]، أصل النطفة: النقطة من الماء، وكأنها النخبة المنتقاة من الإنسان تجتمع من نطفة الرجل ونطفة المرأة، كما قال الله: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسان:2] أي: مختلطة فيها صفات الرجل، وصفات المرأة، فالبويضة يلقحها الحيوان المنوي، ويجعلها الله عز وجل بعد هذه النطفة علقة، وقوله: {فِي قَرَارٍ مَكِينٍ} [المؤمنون:13]، القرار المكين: هو رحم المرأة، فهو متمكن في مكانه، حفظ الله عز وجل هذا الإنسان في هذا الطور داخل هذا الرحم الذي ثبته في بطن المرأة، وجعل حوض المرأة من عظام يحميه عن اليمين وعن الشمال، ومن أمامه ومن خلفه، وجعل هيئته فيها حماية له، وملأ هذا الكيس الذي يحاط بالجنين بماء بحيث يحميه من أي اضطرابات وصدمات، فكأنه يسبح داخل كيس من ماء، وهذا من فضل الله عز وجل ورحمته سبحانه! فالذي ينظر لمراحل التخليق في بطن المرأة يعلم قدرة الله عز وجل، وكيف حفظ الله هذا الجنين في هذه الأطوار.
تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة)
تفسير قوله تعالى: (ثم خلقنا النطفة علقة) قال الله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]. ((ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً)) النطفة تتحول إلى علقة، فهذه النطفة الملقحة تلتصق في جدار الرحم، مثل النبات الذي له جذر يمص بجذره الماء الذي يغذيه، وكذلك هذه النطفة تصير كالعلقة تعلق بجدار الرحم، وتأخذ منه ما يغذيها من الدماء. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) العلقة تتحول إلى مضغة، وهي صغيرة جداً، وهي كهيئة قطعة اللحم الممضوغة، وتوصف في الكتب العلمية كأنها لبانة ممضوغة، فيها آثار الأسنان. قال الله: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) تتحول هذه المضغة إلى عظام، والله عز وجل ذكر العظام قبل اللحم، وكان المعروف عند علماء الطب إلى عهد قريب أن اللحم يتكون في البداية ثم العظم بعده، ولكن الله عز وجل ذكر العظم ثم اللحم بعده، وهذا الذي اكتشفوه حديثاً أن العظام تتكون في البداية ثم بعد ذلك اللحم. وكانوا قبل أكثر من قرن يقولون: إنه يتكون اللحم ثم العظم، ثم بعد ذلك قبل سنوات قريبة قالوا: يتكون العظم واللحم معاً، ثم اكتشفوا أن العظم يتكون الأول ثم اللحم بعد ذلك، وهذا قد ذكره الله عز وجل هنا، وهم قالوا: إن الفرق بين خلق العظم واللحم وقت يسير جداً لا يكاد يلاحظ؛ ولذلك كانوا يعتقدون أن العظم واللحم يتكونان سوياً. قال الله: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون:14]، في هذا الطور تكون المضغة المخلقة وغير المخلقة، وتكون الغضاريف التي فيها العمود الفقري والرأس، ثم يتحول إلى خلق آخر وهو خلق الجنين على الهيئة المعروفة في بطن المرأة، فيه اليد، وفيه الرجل، والرأس، والعين، والأنف، (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). وقوله سبحانه: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن عامر وشعبة عن عاصم: (فخلقنا المضغة عظماً فكسونا العظم لحماً). وخلق الجنين خلق عجيب، ففي مرحلة من المراحل لا تميز بين هذه المضغة التي تكون في الإنسان أو الحيوان حتى يحوله الله عز وجل خلقاً آخر متمايزاً، فيتميز الإنسان عن غيره من الحيوانات في المراحل التي بعد ذلك، قال الله: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، عندما يسمع الإنسان ذلك لا يسعه إلا أن يقول: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) أي: كثرت بركة رب العالمين سبحانه وتعالى، وتمجد الله سبحانه في بديع صنعه، وعظيم ما خلق سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون)
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال الله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]، بعد أن خلق الإنسان من طين، وفي النهاية يرجع إلى التراب مرة ثانية، فيدفن في قبره فإذا بالديدان تأكله، والديدان يأكل بعضها بعضاً، ويتحول الجميع إلى تراب، قال تعالى: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف:29]، فقد بدأكم من تراب وتعودون إلى التراب، ثم يعيدكم مرة أخرى يوم القيامة، يوم يبعثكم سبحانه وتعالى.
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن تذكير الجنين وتأنيثه في بطن أمه
إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن تذكير الجنين وتأنيثه في بطن أمه روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد! قال ثوبان: فدفعته دفعة كاد يصرع منها)، غضب ثوبان لأنه نادى النبي صلى الله عليه وسلم باسمه ولم يقل: يا رسول الله، وربنا سبحانه وتعالى نهانا أن ندعوه باسمه كغيره من الناس، (فقال اليهودي: لم تدفعني؟ فقال: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، يريد أن يحسم الخلاف ويسكت هذا وذاك، (قال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني)، وهذه عادة اليهود يسمعون بالأذن فقط، ولا يدخل ذلك إلى قلوبهم، (فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه في الأرض) كالمتعجب من هذا الذي سيسمع بأذنه! (فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: في الظلمة دون الجسر)، والجسر هو الذي سيعبر عليه الناس فوق متن جهنم إلى أن يدخلوا الجنة أو يتساقطون في النيران والعياذ بالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (في الظلمة دون الجسر)، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات بما يشاء الله سبحانه، وهذا لا يعلمه إلا نبي، واليهودي يعرف ذلك مما أخبرهم به موسى عليه الصلاة والسلام. (قال الرجل: فمن أول الناس إجازة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: فقراء المهاجرين، فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟)، والتحفة ما تتحف به الضيف أو من يأتي إليك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زيادة كبد النون)، والنون هو: الحوت، فالله عز وجل يطعم هؤلاء من الزيادة التي على كبد الحوت، والله أعلم بعظمه، خلقه الله وجعل تحفة أهل الجنة الأكل من زيادة كبد هذا الحوت، (قال اليهودي: فما غذاؤهم على إثرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها، قال اليهودي: فما شرابهم عليه؟ قال صلى الله عليه وسلم: من عين فيها تسمى سلسبيلاً، قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان، فقال صلى الله عليه وسلم: وهل ينفعك إذا حدثتك؟! فقال: أسمع بأذني، قال: جئتك أسألك عن الولد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنث بإذن الله، فقال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، وما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، بل قال: أنت نبي، ويقولون: هو نبي الأميين. (قال: ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد سألني الذي سألني عنه ومالي علم بشيء منه حتى أتاني به) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنت أعرف هذه الأجوبة، ولكن نزل الوحي حالاً على النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بالأجوبة عن هذه الأسئلة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر) يقول العلماء الذين يتكلمون عن هذا الحديث من علماء الطب: إن البشرية لم تعلم بواسطة علومها التجريبية أن الجنين يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في القرن التاسع عشر، فقد كانوا يظنون أن الجنين من نطفة الرجل فقط، وتيقنوا ذلك في أول القرن العشرين. والحديث تضمن وصفاً لماء الرجل وماء المرأة، وإن كان أكثر أهل الطب إلى عهد قريب يقولون: المرأة ليس لها ماء، فلا يوجد إلا المني من الرجل فقط، ثم بعد ذلك اكتشفوا أن في المرأة حويصلة جراف اكتشفها رجل اسمه دارك، هذه الحويصلة تخرج سائلاً لونه أصفر، قالوا: ماء المهبل يميل إلى الصفرة، وكذلك الماء في حويصلة جراف، قالوا: لكنه يكون قليلاً فلا تشعر به المرأة في الغالب، وقد تشعر به بعض النساء. قالوا: عند خروج البويضة من هذه الحويصلة تدعى حينئذ الجسم الأصفر، فلونها أصفر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر)، ولم ير ذلك صلى الله عليه وسلم، وإنما أخبره الوحي بذلك. وهنا إعجاز آخر حيث قال: (فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكر بإذن الله)، يعني: يكون المولود ذكراً، وإن علا مني المرأة كان المولود أنثى، يقول العلماء: في هذا الحديث إشارة إلى أن إفرازات المهبل لها تأثير في الذكورة والأنوثة، قالوا: إفرازات المبيض حمضية، وتقتل الحيوانات المنوية، وإفرازات عنق الرحم في المرأة قلوية، ولكنها لزجة، وإفرازات الرجل قلوية أيضاً، فإذا غلبت قلوية الرجل على إفرازات الرحم الحمضية كان الجنين ذكراً، وإذا علا ماء المرأة كان المولود أنثى كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: لهذه الإفرازات تأثير على نشاط الحيوانات المنوية المذكرة أو المؤنثة، وقد ذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني هذا الأمر، وذكر أنه بحث عن هذا طويلاً حتى لقي دكتوراً مصرياً في أمريكا له سنين يحضر في هذا الأمر، وأخبره أن هذه المسألة ما زالت تحتاج إلى أبحاث جديدة، وله فيها أبحاث لم ينشرها، فأخبره الزنداني بأن هذا موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن ماء الرجل وماء المرأة يكونان سبباً في ذكورة أو أنوثة المولود، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (إذا علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة كانت أنثى بإذن الله). ومن الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري، وفيه أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، وهذا عبد الله بن سلام كان من أحبار اليهود، وقد أسلم، أما الآخر فلم يذكر أنه أسلم، فـ ابن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما للولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبرني بها جبريل آنفاً)، وذكر له مثل ما ذكر في الحديث الأول، وقال: (أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ذكراً) يعني: إذا غلب ماء الرجل صار الولد ذكراً، (وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل صار الولد أنثى، فقال عبد الله بن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله)، فآمن عبد الله بن سلام بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وطلب منه أن يكتم ذلك، حتى يعرف منزلته عند اليهود، وجاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟! قالوا: أعاذه الله من ذلك)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرجو أن يسلموا إذا علموا أن كبيرهم وخيرهم قد أسلم، (فقالوا: أعاذه الله من ذلك فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: أنت شرنا وابن شرنا، فقال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله)، فأحب أن يعرف النبي صلى الله عليه وسلم قدره فيهم وأنه خيرهم وابن خيرهم، وأنه أفضلهم، وعالمهم، فلما علموا أنه أسلم سرعان ما انقلبوا وكذبوا عليه! والغرض بيان أن القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيها بيان حقائق علمية اكتشفت الآن في زماننا، وهي تبين قدرة الله سبحانه وتعالى، وإعجاز هذا القرآن العظيم، حيث يخبر بحقائق علمية لم تكشف إلا الآن، وقد ذكرها القرآن قبل ألف وأربعمائة عام. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [14 - 18]
تفسير سورة المؤمنون [14 - 18] يذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه العزيز مراحل خلق الإنسان، وفي ذلك إعجاز باهر للعقول، ثم يمتن جل في علاه على خلقه -وهو المنان- بأصناف من النعم التي أنعم بها على عباده، وهي كثيرة لا يمكن أن تحصر بحال من الأحوال، ومنها: نعمة المطر، والتي تعد في حد ذاتها معجزة قوية في تفاصيلها.
أطوار خلق الإنسان
أطوار خلق الإنسان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:15 - 19]. ذكر الله عز وجل عباده بنعمه العظيمة التي أنعم بها عليهم، ومنها: أنه خلقهم من تراب من سلالة من ماء مهين، ثم مرت نطفة الإنسان بالمراحل التي ذكر الله عز وجل في الآية قبل ذلك فقال: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون:14]. فكان الإنسان في بداية تكوينه نطفة، ثم خلق الله عز وجل منها العلقة، ثم المضغة، وأنشأ الله عز وجل خلقاً آخر في مراحله الأولى لا يفرق بين نطفة الإنسان ونطفة الحيوان من حيث المنظر، وكذلك عندما تصير هذه النطفة علقة، ثم مضغة، ففي هذه المراحل تكون شكلاً واحداً في رحم الأم، ثم يخلق الله عز وجل العظام ويكسوها لحماً، وينشئ الخلق الآخر فيصير الإنسان إنساناً، أي: يصبح منظره منظر إنسان، منتصب القامة، فيه اليد والرجل والعين، فتبارك الله سبحانه أحسن الخالقين والخلاق العظيم سبحانه وتعالى، فهو الذي يخلق الشيء فيكون على الوفق الذي قدره سبحانه وتعالى، فهو الخالق البارئ المصور سبحانه، خلق وقدر كل شيء وأوجده من عدم إلى وجود، وأوجد فيه ما يتميز به عن غيره، فيقدر الشيء ويخلقه سبحانه وتعالى ويجعله على النحو الذي قدره عليه، قال تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]. فإن من معاني الخلق: تقدير الشيء، والإنسان قد يقدر الشيء وقد يكون على وفق ما قدره وقد لا يكون، فالإنسان يقدر بتفكيره فتكون الفكرة سهلة عنده فلما يبتدئ ويعمل الذي يقوله قد يقدر أن يصل إلى ما فكر فيه وقد لا يقدر، أما الله سبحانه وتعالى فما من شيء يقدره إلا ويكون على ما قدره عليه سبحانه وتعالى، والأمر عليه يسير وسهل سبحانه وتعالى، فمن معاني الخلق: التقدير، ولذلك يقول زهير بن أبي سلمى في شعره: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري وكأنه يمدح أحداً فيقول: أنت تقدر الشيء فيقع على النحو الذي قدرته، فيأتي الخلق بمعنى التقدير. قال الله عز وجل: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]، والله يقدر ولا بد أن يكون الشيء الذي قدره على النحو الذي أراده سبحانه، والإنسان عندما يقدر فقد يكون هذا الشيء وقد لا يكون، فالله أحسن الخالقين، وأحسن الصانعين سبحانه وتعالى، وهو الذي يتقن الشيء ويصنعه على ما قدره سبحانه. ومن معاني الآية: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14]، أي: أتقن الصانعين سبحانه وتعالى فهو الذي يصنع الشيء على نحو من الإتقان العظيم الذي لا يشبهه فيه أحد أبداً، فلذلك الخلق يأتي بمعنى الصنع.
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون)
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون) قال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]، أي: مثلما خلقكم فإنه سوف يعيدكم إلى التراب مرة ثانية ثم يخرجكم منه ثالثة للجزاء والحساب، قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]، أي: بعد ما خلقكم ورزقكم، وبعد ما جعل لكم أعماراً تعملون فيها ويبتليكم ستموتون. لذلك لا بد أن يكون الموت على بال كل مؤمن، فالمؤمن الفطن هو من يعتبر بغيره، وفي ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. والمؤمن ينظر إلى الموت على أنه نهاية كل إنسان، فلم يحدد لنا ربنا سبحانه متى سنموت ولكن الموت يأتي فجأة وبغتة، ثم إن قبر الإنسان إما أن يكون حفرة من حفر النيران وإما روضة من رياض الجنة. قال تعالى:: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} [المؤمنون:15]، أي: بعد هذا الخلق وبعد الحياة: {لَمَيِّتُونَ} [المؤمنون:15]، أي: راجعون إلى الله سبحانه وتعالى وفي قبوركم تموتون وتسلب منكم أرواحكم. قال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون:16]، أي: تعودون إلى الحياة مرة ثانية يوم القيامة يوم أن يجازي الله عز وجل الخلائق.
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق)
تفسير قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) ثم يذكر الله من نعمه على الخلق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنْ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17]، أي: سبع سماوات طباقاً، أي: بعضها فوق بعض، وسماء فوقها سماء، ونحن تحت السماء الدنيا أي: السماء السفلى، والإنسان لم يعرف حدود هذه السماء ولكنه عرف الكواكب وعرف الأجرام، ولم ولن يصل إلى السماء التي فيها الملائكة، والتي ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أن كثافتها وسمكها خمسمائة سنة، وبينها وبين التي تليها خمسمائة سنة. وقوله: (سبع طرائق) أي: جعلها طرقاً للملائكة في هذه السماوات، والطرائق بمعنى: طارق الشيء أي: جعل بعضه فوق بعض، ومنه طارق النعل، أي: وضع نعله فوق نعل آخر، وهنا طارق السماوات أي: جعل بعضها فوق بعض، فسميت طرائق لأن بعضها فوق بعض، وسميت كذلك لأنها طرق الملائكة في السماء. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17] فهذه السماوات العظيمة التي لا يدري الإنسان عنها شيئاً، والكون في اتساع، كما قال تعالى: {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47]، والإنسان يلهث ويجري لكي يعرف تفاصيل هذه الأشياء، ولكي يقال: إنه عالم فلك، والعلماء يقولون: إنه بيننا وبين السماء في الجزء المنظور من الأرض من ناحيتنا أكثر من أربعمائة ألف مليون مجرة، وكانوا قبل سنة يقولون: إن عددها مائة ألف مليون مجرة، أو مائة مليار مجرة، والآن تضاعف إلى أربعمائة ألف مليون مجرة، ويمكن بعد عشر سنين أن يتضاعف العدد، وكل مجرة من المجرات فيها مثل هذا العدد من النجوم والكواكب والأقمار والشموس. وعلى الرغم من عظم هذا الكون وضخامته إلا أن الله يعلم كل ما فيه وكل تفاصيله، وهو الوحيد القادر على إدارته إدارة دقيقة سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17]، أي: لم نغفل عن الخلق ولن نغفل عنه أبداً، ولكن نجازيهم يوم القيامة على ما صنعوا، ولم نغفل أيضاً عن متابعة مصالح الإنسان، فننزل عليه رزقه، ونعطيه ماءه وشربه، ونهديه وننزل عليه من السماء ما يشفيه من أمراض بدنه، وما يشفيه من أمراض قلبه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17]، أي: في القيام بمصالح هذا الخلق فالله هو الحي القيوم سبحانه وتعالى. كذلك: {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17]، أي: عن خلق هذه السماوات، فنحن لم نغفل عنها، ولو حصل ذلك لسقطت السماء على الأرض، ولكن الله عز وجل لا يعزب عنه شيء ولا يغفل عن شيء.
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) ومن نعمه العظيمة التي يذكرها لنا قال: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18]، معنى السماء في هذه الآية: كل ما سما أو علا فوقك وهو السحاب، وقد يكون المعنى: أن أصله من الجنة، مثلما ذكر لنا أن أصل نهر النيل ونهر الفرات من الجنة، وقد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وانظر إلى التعبير هنا ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ))، ويقول في آية أخرى: {يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ} [الشورى:27]، فالعبد يستغيث بالله: أن أنزل المطر، والله أعلم بمصالح العباد، ومن يستحق ومن لا يستحق، فينزل في هذه البقعة من الأرض كمية من الماء وفي البقعة الأخرى كمية من الماء، بحسب ما يراه الله سبحانه وتعالى، فلو زادت المياه التي تنزل من السماء عن حدها لأغرقت الأرض، ولكن الله ينزل كل شيء بقدر، والمتتبع لأحوال الماء كيف يكون في البحار والأنهار وفي المحيطات وأنه يتبخر إلى السماء بنظام عظيم قدره سبحانه، فيتبخر الماء من البحار ومن أماكن المياه إلى السماء بسبب أشعة الشمس فيعلو، والشمس تسخن ماء البحر لدرجة معينة لا يتأذى بها الإنسان، وهذا من حكمة الله عز وجل، يتبخر فيصعد الماء إلى طبقات الجو العليا، وهذا الماء كلما ارتفع تقل درجة الحرارة، إلى أن يصل إلى حد معين فوق قمم الجبال، فتكون درجة الحرارة أقل منها على الأرض، فيتكثف الماء في منطقة معينة من السماء، وبعد هذا الحد بأربعين كيلو متراً في السماء تزيد درجة الحرارة مرة أخرى، ويقف فيها الماء المتبخر في هذه المنطقة من طبقات الجو، فيرسل الله الرياح لتحرك هذه الأبخرة المتكونة من الماء والتي أصبحت على شكل سحب، وبعد ذلك يأمر الله بأن تنزل الأمطار حيث يريد من الأرض. وقد جاء في الحديث الذي في صحيح مسلم والذي فيه: أن رجلاً كان يسير فسمع صوتاً في سحابة: اسق حديقة فلان، فتتبع فنظر فإذا بالسحابة تجيء من مكان معين فتنزل المياه كلها في شرجة أرض صخرية، فتتجمع المياه وتمشي إلى مكان واحد فقط، فمشى وراء المياه إلى أن وصل إلى حديقة، فسأل صاحب الحديقة عن اسمه، فقال: فلان، فكان نفس الاسم الذي سمعه في الصوت الذي كان في السحابة، فقال: لمَ سألتني عن اسمي؟ فقال له: إني سمعت صوتاً في السحابة يقول: اسق حديقة فلان، فتتبعت الماء فوجدته جاء عندك في الأرض الذي أنت فيها. فماذا يعمل هذا الإنسان؟ قال: إنه يزرع هذه الأرض، والمحصول الذي يخرج منها يقسمه أثلاثاً: ثلثاً يأكل منه هو وأهله وعياله، والثلث الآخر يرده في الأرض زرعاً مرة ثانية، والثلث الثالث يتصدق به لله سبحانه وتعالى، رعى الله سبحانه وتعالى فرعاه الله وحفظه وحفظ له ماله، وما نقص مال من صدقة، فهذه سحابة تنزل ماءها من أجل فلان، وهذه بركة من رب العالمين سبحانه وتعالى، وبركة طاعة الإنسان، فإنه حين يطيع ربه يعطيه من فضله سبحانه وتعالى. فينزل الماء بقدر يناسب الحديقة المعينة، أو على قدر يناسب المزارع المراد إنزال المطر عليها حتى لا يهلك أهلها، وينزل سيولاً في أماكن معينة لحكمة منه سبحانه وتعالى وهي إغراقها وأصحابها، فكل شيء ينزل بقدر من عنده سبحانه وتعالى. يقول لنا العلماء: إن رحمة رب العالمين أن المسطحات المائية من بحار ومن محيطات ومن أنهار والتي تتبخر منها المياه مساحة دقيقة ومحسوبة تماماً، فلو أنها زادت عن هذا الحد لتبخرت كمية كبيرة من الماء، وعندما تنزل بشكل أمطار ستغرق الدنيا، ويقول العلماء: لو أن المسطحات المائية كانت أوسع مما هي عليه لغرقت الدنيا بالمطر الذي ينزل عليها، ولكن حكمة الله سبحانه أن جعل البحار والمحيطات بهذا الحجم أو بهذه المساحة والاتساع. أما كمية الأمطار التي تنزل فهي كمية كبيرة جداً يقال: إنها تعادل حوالي ستة عشر مليون طن من الماء، ينزل من السماء في كل ثانية واحدة، فلولا أن الله عز وجل قسم أرزاق العباد هنا لأغرق هذا الماء النازل الدنيا وأهلك أهلها. والمطر الذي هو على شكل سحاب في السماء يرسل الله عز وجل الرياح فتثيره، ويتولد من ذلك ما يشاء الله عز وجل من برق ومن رعد، فالإنسان ينظر للبرق أنه شيء خطير سينزل مطر، ويخاف منه، ولكن الله سبحانه وتعالى يجعله رحمة منه لزرع الإنسان ولحياة هذا الإنسان. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:18]، فالماء لا ينزل على نفس المكان الذي خرج منه ولكن إلى مكان آخر، ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه لو أن الماء نزل في نفس المكان ما سقى زرعاً ولا ضرعاً، ولكن يتحرك على أرض معشبة يخرج منها ما فيها، وعلى أرض مجدبة يخرج منها ثمارها، وينزل على أرض أخرى فإما أن يتجمع في باطن الأرض في مكان بعيد عن الجراثيم فيكون طاهراً ومطهراً للإنسان وماء عذباً، أو أنه ينزل على أماكن عالية، وقد ينتن لو بقي في مكانه، فيسخر الله عز وجل له ما يسيره فإذا به يجري أنهاراً ويصب في البحار. فالذي رفعه والذي أنزله قادر على أن يذهب به كله فلا يجد الإنسان ما يشرب، فالله على كل شيء قدير، ويجب على الإنسان أن يعرف قدرة الله، وأن يقدر الله حق قدره، قال سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]. الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [18 - 21]
تفسير سورة المؤمنون [18 - 21] نعم الله سبحانه وتعالى على عباده كثيرة لا تحصى، ونعمه سبحانه حين يتنعمون بها تذكرهم بنعيم الآخرة، فقد أنزل الله الماء بقدر معين، وجعل فيه حياة الإنسان والحيوان والنبات، وأخرج به الأقوات والفواكه، ولا يذكر الله عز وجل صنفاً من الثمرات إلا لفوائده الجمة على الإنسان، وسخر الله الأنعام للإنسان ليأكل من لحمها، ويشرب من ألبانها، وعليها يحمل، ففيها عبرة له ومنافع.
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:18 - 22]. في هذه الآيات من هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون يخبرنا الله عز وجل عن نعمه العظيمة التي أنعم بها على عباده، ومن هذه النعم ما ذكرنا في الحديث السابق: إنزال الماء من السماء، قال تعالى: ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ))، هذا الماء الذي نزل من السماء بقدر لو زاد عن حده لأغرق الله عز وجل به الأرض، ولو أنه قل عن مقداره لهلك الناس من العطش وهلكت الزروع والثمار، ولكنه ينزل بقدر ما يشاء سبحانه، ونعمة الماء ونعمة الهواء ونعمة الحياة من نعم الله عز وجل العظيمة على عباده، فجعل لهم هذه الدنيا دار إقامة إلى حين، ثم يتحولون منها موتاً إلى قبورهم ثم يبعثون يوم القيامة لدار الإقامة الأبدية الدائمة. فنعم الله عز وجل على العباد في هذه الدار تذكرهم حين يتنعمون بها كيف سيكون نعيم الآخرة؟ فأنت في الدنيا تحتاج إلى الطعام، وتحتاج إلى الهواء، وتحتاج إلى الماء، وتسأل الله عز وجل هذه النعم، فينزل عليك ما سألته، وقد يمنع عنك شيئاً منها ليذكرك بقدرته سبحانه، وبأنك مخلوق ضعيف تحتاج إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا أعطاك النعمة شكرت ربك وحمدته على ما أعطاك، وتذكرت ما يعطي يوم القيامة عباده في جنته، فيشتاق الإنسان المؤمن إلى جنة رب العالمين، ويعمل جاهداً لها. فهذه الدنيا نعم الله عز وجل فيها تبين للإنسان شيئاً من نعيم الآخرة، وأنه في الدنيا احتاج فأعطاه الله عز وجل وأنعم عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما طعم هو وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما: ({ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8] قال: وهذا من النعيم الذي تسألون عنه)، وذلك لما ذبح لهم الرجل الأنصاري رضي الله عنه شاة فأكلوا وشبعوا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم مذكراً بذلك: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]. فمهما تنعمت بشيء في الدنيا تذكرت نعيم الدار الآخرة، وأن الله عز وجل يسألك عما أخذت في الدنيا، أما في الجنة فلا سؤال، ففي الجنة يأكل أهل الجنة بغير حساب، ولا سؤال بعد ذلك، فإذا كان الإنسان يستشعر بهذه النعم في الدنيا فكيف تكون النعمة في دار المقام في جنة رب العالمين؟ فمن نعم الله: الماء، قال تعالى: ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ))، فالله أنزل الماء، والإنسان لا يقدر على تجميعه إذا نزل من السماء، ولكن الله القادر سبحانه وتعالى جعل ذلك في باطن الأرض في أماكن تستوعب هذه المياه على شكل مخازن جوفية في الأرض؛ بحار ومحيطات وغيرها تستوعب هذا الماء، فيخزنه للإنسان حتى إذا احتاجه وجده. قال تعالى: ((فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ))، فالذي أتاك بالماء، وخلق الإنسان من ماء وجعل من الماء كل شيء حي هو القادر على أن يذهب بهذا الماء الذي أوجده وخلقه سبحانه بقدرته.
تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب)
تفسير قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب) لما ذكر الله نعمة الماء ذكر النعم التي تترتب على نزول الماء، فأنت تشرب من هذا الماء فتقوم حياتك به، ثم يسقي الله لك به الزروع، ويسقي لك ثمارك، ويسقي لك بهائمك، وينشئ الجنات العظيمة، قال تعالى: {فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:19]، وليس جنات ونخيلاً وأعناباً فقط، فقد ذكر الله الفاكهة التي هي الدرجة الثانية، أما الدرجة الأولى فهي القوت، فإذا ذكر الفاكهة فالقوت من باب أولى، أنه أخرج لك أقواتك من هذه الأرض بهذا الماء، وليس القوت فقط، بل وما تتفكه به من أشياء يخرجها الله عز وجل من ثمار ونحوها. قال تعالى: ((فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ)) أي: في هذه الجنات ((لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)) أي: تتفكهون بها وتأكلونها بعد طعامكم أو قبل طعامكم، وتفرحون بمنظرها وبطعمها وبلونها، وبرائحتها، وتتفكهون بذلك ((وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)).
فوائد التمر والعنب
فوائد التمر والعنب فأنشأ الله عز وجل الجنات، وهذه أغلى ما عند الإنسان، كذلك أنشأ له الحقول وأنشأ له ما يشاء من خلقه، فقوله تعالى: ((فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ)) الجنات: البساتين، {مِنْ نَخِيلٍ} [المؤمنون:19] فتأخذون من ثمارها البلح والبسر والرطب والتمر، فنص على بعض ما يخرج منها وهو من أذكاها ومن أعلاها ومن أفضلها، فالتمر تأخذه من النخيل، والتمر فاكهة للإنسان يفرح بها، تسد جوع الإنسان فتعطيه طعاماً فيه غذاء له، وفيه فاكهة، وفيه شيء حلو يتحلى به، وكذلك الفيتامينات والفوائد الغذائية الأخرى. يقول العلماء: النخيل والأعناب من الفواكه التي هي سريعة الهضم عند الإنسان، وسرعان ما تعطي الإنسان ما يحتاجه من سكر ومن غيره، فقالوا: تمتاز الفواكه باحتوائها على العديد من الفيتامينات ومن السكريات السريعة الامتصاص التي تؤدي إلى اختفاء الجوع، فالإنسان حين يشعر بالجوع ويأكل الفاكهة بسرعة يذهب الشعور بالجوع؛ لأن الجهاز المسمي بـ (تحت البصري) الذي تحت البصري في المخ يستشعر بانخفاض نسبة السكر؛ فيستشعر الإنسان بالجوع وبالدوخة؛ ولذلك كان من السنة في رمضان أنك أول ما تفطر تفطر على التمر، قالوا: لأنه يحتوي على نسبة عالية من السكريات السريعة الامتصاص في بدن الإنسان، ويحتوي على نسبة عالية من الفسفور، والفسفور هو غذاء المخ، فالتمر يحتوي على سكريات تمر في الدم بسرعة، فيشعر الإنسان بشيء من الشبع وتعطيه طاقة، والفسفور يغذي المخ، وسرعان ما يعود المخ إلى نشاطه بسبب أكل التمر، فكان من السنة أنك تفطر على التمر أولاً في رمضان. وقالوا أيضاً: إن التمر من الأشياء المفيدة جداً للنساء الحوامل، فهو يعين عند الوضع، ويساعد على انقباض عضلات رحم المرأة في حال الوضع؛ ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى أمر السيدة مريم بقوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم:25 - 26]، أي: كلي من هذا التمر واشربي من الماء وقري عيناً، فقالوا: إنه يعين على الولادة بانقباض الرحم، كذلك يمنع النزيف لأنه يخفض ضغط الدم في الإنسان، كذلك يعين على خروج المشيمة من الجسم أو على الانقباضات التي تخرج الدم والمشيمة من جسد المرأة، هذه فوائد التمر، وكذلك البلح فيه من ذلك، فالتمر ما هو إلا بلح قد يبس. والعنب بأنواعه يحتوي على نسبة عالية جداً من السكر، مثل سكر الجلوكوز الذي هو من أسهل أنواع السكر، ويحتوي العنب على حوالي خمسين في المائة منه، وقيل: إنه نافع جداً للإنسان، فهو يدر البول، ويمنع ترسيب الحصوات في الكلى والحالب وغيرها، ويعين على إزالة الأملاح الذائبة في جسد الإنسان، وقيل: إنه يساعد المريض باليرقان وأمراض الصفرة على إدرار الصفراء في جسم الإنسان وعلى نشاطه وعلى فتح الشهية وغير ذلك. قوله تعالى: ((لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ)) أي: تتفكهون وتستلذون بطعمها وفيها هذه الفوائد التي ذكرناها، وقوله تعالى: ((وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ))، أي: يكون طعاماً للإنسان؛ لأن أهل المدينة كان من ضمن طعامهم التمر، حيث إنهم كانوا يأكلون التمر ويشربون عليه الماء ويقومون على ذلك أشهراً كثيرة، وكذلك العنب يجعلونه زبيباً فيأكلون الزبيب ويشربون الماء.
تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء)
تفسير قوله تعالى: (وشجرة تخرج من طور سيناء) ومما أخرج الله عز وجل بفضله وكرمه لعباده ما قال: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون:20]. إذاً: أخرج الله عز وجل للعباد ما يأكلون، وأخرج لهم طعامهم وأقواتهم، وأخرج لهم فاكهتهم، ومن ضمن ما أخرج الله عز وجل للعباد: ((شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) أي: أصلها من هذا المكان، وقوله تعالى: ((طُورِ سَيْنَاءَ)) فيها قراءتان: قراءة الجمهور: ((مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ)) بالفتح، وقراءة نافع وأبي جعفر والبصريين: أبي عامر ويعقوب: (من طور سِيناء) بالكسر، وطور بمعنى: الجبل، وسيناء بمعنى: البركة أو المباركة، فالمعنى: من الجبل المبارك، وهذا معنىً من معاني كلمة (سيناء). وقيل: بل (سيناء) معناها: الحسن، أي: الشيء الحسن، أو الجبل الحسن، أو الجبل الذي فيه الشيء الحسن، وهذا معنىً من معاني كلمة (سِيناء). وقوله تعالى: ((تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)) المقصود بها: شجرة الزيتون، وهي شجرة لا تكلف الإنسان ولا يعاني في زرعها، ولكن الله عز وجل يزرعها للإنسان فتخرج سريعة، وهي توجد في الصحراء على شكل بذور تشبه نوى العنب، والله عز وجل يخلقها من غير معاناة للإنسان في زرعها ومراعاتها، بل يخرجها الله عز وجل بأسهل ما يكون للإنسان فيستفيد منها. وقوله تعالى: ((تَنْبُتُ)) قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عامر ورويس: (تُنبِت)؛ لأنه من الفعل الأول الثلاثي نَبَتَ يَنبُتُ تَنبُتُ، ومن الرباعي أَنَبَتَ تُنبِتُ، فقوله: (تَنبُت بالدهن) أي: تخرج هذا الدهن، أو تنبت وفيها هذا الدهن، أو تُنبِتُ أي: تخرج من الأرض وتخرج منها الدهن، وهو الزيت الذي فيه، فوصفه الله سبحانه وتعالى بذلك أنه دهن، وفي سورة النور قال: {مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [النور:35]. فقوله تعالى: ((مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ)) أي: أن شجرة الزيتون شجرة مباركة؛ لما فيها من هذا الزيتون الذي يحتوي على فوائد عظيمة ذكرها العلماء، فتنبت بالدهن أي: بالزيت الذي فيها. وقوله: ((وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)) الصبغ: الإدام، فالإنسان يغمس الخبز بالزيتون أو زيت الزيتون ويأكله، أو يجعل الزيتون في طعامه.
فوائد الزيتون
فوائد الزيتون والزيتونة شجرة مباركة كما سماها الله سبحانه وتعالى، والعلماء بحثوا في هذا الزيتون والفوائد الكثيرة الموجودة فيه، فمن ضمن ما ذكروا في الأبحاث الحديثة: أنهم رصدوا ظاهرة صحية لسكان بعض جزر البحر المتوسط فوجدوا بعض السكان كسكان جزيرة كريت وغيرها أنهم يعيشون حياة طيبة، وأن صحتهم عالية، ودرجة الحيوية عندهم عالية، وأنهم يتمتعون بصحة ونشاط، وحاولوا أن يبحثوا عن سر صحة أهل هذه الجزر -كريت وما حولها- فوجدوا أن الغذاء عندهم يعتمد أساساً على زيت الزيتون، فهم أقل الناس تعرضاً للإصابة بارتفاع ضغط الدم وبأمراض القلب وأمراض تصلب الشرايين؛ لأنهم يتمتعون بمستوى معتدل صحي بنسبة الكلسترول الموجودة في دم الإنسان، والسبب في هذا كله اعتمادهم على زيت الزيتون وعلى الزيتون في طعامهم. والعصرة الأولى من زيت الزيتون فيها الفوائد كلها، والعصرة الثانية والثالثة يتسرب إليه أشياء رديئة، وقد يكون زيت الزيتون مغشوشاً في السوق، وقد أخذ من السوق ما كان موجوداً من زيت الزيتون لأنه يسبب السرطان، لكن زيت الزيتون نفسه لا يسبب سرطاناً، بل تصنيع هذا الزيت أو طرق التصنيع هي التي تسبب هذا الشيء، حيث إنهم كانوا يستوردونه من أسبانيا وإيطاليا، ويأتون به وقد اعتصر العصرة الأولى ويسمونه كسباً أو تفلاً، ثم يعصرونه مرة أخرى في درجة حرارة عالية جداً، فتدخل فيه مواد كيميائية تسبب سرطانات في الجسم، فهذا هو السبب في الإصابة بالسرطانات، وليس لكونه زيت زيتون، ومن أنقى زيوت الزيتون وأفضلها الذي يأتي من سيناء؛ لأن الله سبحانه وتعالى سماها الشجرة المباركة. وزيت الزيتون غني جداً بالدهون، وفيه نوعان من أنواع الدهون: دهون مشبعة، ودهون غير مشبعة: فالدهون المشبعة فيه نسبة قليلة منها ومفيدة للإنسان. والدهون غير المشبعة فيه نسبة كبيرة منها، وهي مفيدة جداً جداً، ولا توجد إلا في الزيوت النباتية فقط مثل زيت الزيتون وزيت السمسم وزيت الذرة، وفيها الزيوت غير المشبعة وهي مفيدة للإنسان. والزيوت غير المشبعة الموجودة في زيت الزيتون هي دهون ومع ذلك يقولون: إنها تساعد على تخفيف الدهون الموجودة في الجسم، فالإنسان السمين إذا شرب من زيت الزيتون فإنه يساعده على تخفيف أو إزالة الدهون الموجودة في الجسم، ومن العجب أن تأخذ دهناً لتزيل به دهناً آخر! فدهن زيت الزيتون هذا غير مشبع، ويمنع الأكسدة التي تؤدي لخمول ذهن الإنسان وعدم التفكير، وغير ذلك من الأمراض. ومن الأبحاث التي أجريت على زيت الزيتون: أن ملعقة من زيت الزيتون يومياً تقلل من سرطان الثدي عند النساء أربعين في المائة. وكذلك تناول زيت الزيتون لمريض قرحة المعدة تساعده على قتل نوع من أنواع الجرثومات تسمى: (الهلوبكتر)، وهي نوع من أنواع الجرثومات الحلزونية الموجودة في المعدة وتعمل على قرحتها، فشراب زيت الزيتون يقضي على هذه الجرثومة. ويمنع من سرطان المعدة، ومن سرطان القولون كذلك، ومن تصلب الشرايين، وزيت الزيتون ملطف وملين ومدر للصفراء ومفتت للحصى، ويحتوي على مضادات للأكسدة في جسم الإنسان، وكذلك يحتوي على فيتامينات: فيتامين (أ) و (ب) و (هـ) و (ج)، ولو دهن الإنسان شعر رأسه فإنه يمنع من سقوط شعر الرأس، ودهانه لجلد الإنسان مع شربه يمنع التشققات وغيرها من الأمراض الجلدية التي تكون عند الإنسان. هذه جملة من الفوائد التي جمعها الله سبحانه وتعالى لنا، وقال في زيت الزيتون أو في الزيتون نفسه: ((وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ)).
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) ثم ذكر الله بعد ذلك الأنعام فقال: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:21]. إذاً: ذكر لنا الماء، وذكر لنا الطعام وعلى رأسه الفواكه، وذكر لنا زيت الزيتون، وذكر لنا الأنعام والفوائد الذي فيها، ثم ذكر بهيمة الأنعام، وهي تطلق على أربعة أنواع: الإبل سواء ذكوراً وإناثاً، والبقر ذكوراً وإناثاً، والجواميس منها، وكذلك الأغنام ذكوراً وإناثاً والماعز منها، فهذه التي أنزلها الله عز وجل للعباد، قال تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ} [الأنعام:143 - 144]. وقوله تعالى: ((وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً)) أي: تعتبرون من مناظرها الجميلة، ومما فيها من قوة، والله عز وجل لم يعطك مثل قوة هذه البهيمة من الأنعام، ومع ذلك جعلها مسخرة لك، أنت الذي تذبحها، وأنت الذي تركبها، وأنت الذي تتحكم فيها، فالله عز وجل يسخر ما يشاء لمن يشاء سبحانه، ثم ذكر من النعم التي فيها فقال سبحانه: ((نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)). أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [21 - 22]
تفسير سورة المؤمنون [21 - 22] قص الله علينا في كتابه قصة نوح في سور كثيرة، لما فيها من الدروس والعبر، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وقومه أطغى من كل من جاء بعدهم، وقد لبث فيهم ما لم يلبثه رسول في أمته.
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)
تفسير قوله تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:21 - 24]. يذكر الله عز وجل في هذه الآيات بعض نعمه على عباده سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [المؤمنون:21]، وقد تكرر هذا المعنى في كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى مبدياً الامتنان على عباده بما خلق لهم ورزقهم سبحانه وتعالى، وجعل لهم الآيات والمعجزات الدالة على عظيم فضله، فأمر بالتدبر والنظر فيما خلقه سبحانه، حتى يعتبر الإنسان ويعلم قدرة الله سبحانه وتعالى فيعبد ربه ويوحده، وعند تلاوة الآيات السابقة ندرك أنه هنا ذكر لنا هذه النعم التي أنعم بها على العباد في خلقهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً، فيما خلق لهم من رزق يخرج من الأرض، ومن بهيمة الأنعام، ثم عقب بعد ذلك بذكر التوحيد الذي دعا إليه أنبياء الله على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. فبعدما ساق ذكر النعم العظيمة من الخالق العظيم ذكر لنا إرسال الأنبياء، ودعوتهم قومهم إلى توحيد الله، فكأن هذه الآيات دليل للإنسان يحتج به على قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه لا أحد غير الله سبحانه يقدر على ذلك، ولذا يقول سبحانه: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [النحل:17]، فهو وحده الذي خلق هذه الأشياء، وخلقكم أنتم، أما الذين تعبدونهم من دونه سبحانه فهم {لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا} [الفرقان:3]، بل أنتم الذين تصنعونهم، ومن ثم تتعبدون لهم من دون الله سبحانه! ولذا يدرك المتأمل في سياق هذه الآيات خصوصاً في السور المكية الأمر بالتدبر في هذا الكون، ثم إتباع ذلك الأمر بذكر التوحيد الذي أرسل به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وفي الآيات السابقة ذكرت من نعم الله سبحانه وتعالى نعمة الأنعام، {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً} [المؤمنون:21]، ففي الأنعام عبر يعتبر بها الإنسان، والإنسان عندما يعتبر بالشيء تنشأ في قلبه قوة من الإيمان، تجعله يعبد الله سبحانه ولا يشرك به، ويوحده ويؤدي الحق الذي أمره الله عز وجل بأدائه. والعبرة في خلق بهيمة الأنعام أن ينظر الإنسان إلى هذه البهائم، وكيف أنها لا تبين عن نفسها، فلا تنطق، كما أنها لا تمتلك عقولاً كعقولكم، فلكم في هذه البهيمة عبرة، إذ لو شاء الله لجعلكم أمثالها، وكيف أن هذه الأنعام تمشي على أربع أما أنت فتمشي على رجلين، ولو شاء الله سبحانه لعكس الأمر، ولكن جعل في الإنسان جمالاً في خلقه وانتصاباً في قامته، وجعل له عقلاً يفكر به، وقلباً يعي به، فكان محط أمره أن يتفكر ويعتبر ويتبصر، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2].
نعمة اللبن الخارج من بهيمة الأنعام
نعمة اللبن الخارج من بهيمة الأنعام قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون:21]، ومن النعم التي لا بد أن يتفكر فيها الإنسان وهو يأكل ويشرب كل يوم خلق هذا الأكل والشراب وتيسيره له؛ إذ إن من أعظم النعم عليه هذه النعمة، ولذا يذكر الله عز وجل الإنسان بها فيقول سبحانه: {نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:21]، وفي هذه الآية ثلاث قراءات: قراءة الجمهور {نُسقِيكُمْ} [المؤمنون:21] والكلمة رباعية، أصلها أسقى، فهي (نسقي)، من الفعل الرباعي، وقراءة نافع وابن عامر وشعبة ويعقوب: (نَسقيكم) من الفعل الثلاثي سقى يسقي، وقراءة أبي جعفر {تسقِيكُمْ} [المؤمنون:21]، وهي كذلك من الفعل الثلاثي. والنون في (نسقيكم) نون العظمة فهو الذي يفعل ذلك ولو شاء ما فعل سبحانه، وليس بوسع أحد سواه القدرة على ذلك، والفعلان على القراءتين (أسقى) و (سقى) يتعديان إلى المفعول، ولهذا قال: {نسقِيكُمْ} [المؤمنون:21] أي: نجعلكم تشربون مما في ضروعها من ألبانها، والمعنى واحد: أن الله عز وجل سقاك وأسقاك مما في بطون هذه البهيمة من الأنعام، من الإبل والبقر والغنم. أما القراءة الأخيرة فهي بالتاء بدلاً عن النون {تسقِيكُمْ} [المؤمنون:21]، فأسند الفعل إليها، فهي تسقيكم، وإن كان الذي أسقاك حقيقة هو الله سبحانه وتعالى، ولكن أسند الفعل إليها كونها سبباً، فأنت تأخذ من ضروعها الألبان فتشربها. قال الله: {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ} [المؤمنون:21]، فهي من كثرتها لا تعد ولا تحصى ولكن من تعامل مع نعمة عرفها. ولفظ بهيمة الأنعام يطلق على ثلاث: الإبل والبقر والغنم، وقد ذكر الله عز وجل أنها ثمانية أزواج: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين، وهنا ثمانية أزواج أي: ذكوراً وإناثاً، فعد اثنين من الإبل الذكر والأنثى، واثنين من البقر الذكر والأنثى، والجواميس ملحقة بالأبقار، واثنين من الغنم الذكر والأنثى، والماعز ملحقة بها وإن كان نص عليها هنا في الآية. فهذه كلها نشرب من ألبانها، ومن تقدير الله وفضله أن هذه الألبان كما توافق الإنسان توافق غيره وهي أفضل الطعام والشراب، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل طعاماً أو شرب شراباً دعا ربه فحمده على ما أعطاه وسأله أن يرزقه خيراً من ذلك، ومن دعائه: (اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا خيراً منه)، إلا اللبن فكان يقول: (وزدنا منه، فإنه لا شيء يجزئ مثل اللبن)، إذ أن اللبن طعام وشراب للإنسان.
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون) قال تعالى: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22] وهذه من منافع الإبل خاصة، فالمرء يركب وتحمله من مكان إلى مكان، ولولا أن الله عز وجل الخالق العظيم سخر هذا الحيوان للإنسان لما استطاع أن ينتفع به، ويذكر أن الإبل لم تكن منذ خلق آدم مسخرة للإنسان، وإنما كانت برية وحشية إلى أن مكن الله عز وجل الإنسان منها وسخرها له قبل ألفي عام من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بدء ذلك في قارة آسيا خصوصاً في جزيرة العرب، فهي منبع ومنشأ الإبل. وقيل: كان ذلك الاستئناس في سنة ثمانمائة قبل الميلاد، وقيل: بل كان في النصف الثاني من الألف الثانية قبل الميلاد، أي: قبل ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام بألف وخمسمائة عام، والله أعلم. فبعد أن كانت الإبل شاردة وحشية جعلها الله عز وجل للإنسان مسخرة ذلولة، وفيها العديد من الصفات التي ينتفع بها الإنسان. ومن فضل الله عز وجل على جزيرة العرب أن جعلها موطناً لهذه الإبل، فكانت سبباً في نهضة العرب، وحيث جاء أمر الله عز وجل بالجهاد والإعداد كانت الإبل هي الوسيلة التي ينتقل عليها العرب من مكان إلى مكان، بل في بعض الغزوات قد يشارك من لا خيل له، ولكنه يمتلك إبلاً ينقل عتاده وعدته، فكانت من أسباب الفتوح التي فتح الله عز وجل بها على المسلمين. فقالوا: إنه كان من فضل الله عز وجل على هؤلاء أن استقروا في أماكنهم بأن سخر لهم هذه الإبل للاستقرار والانتقال من مكان إلى مكان. وذكر علماء الاختصاص العديد من الفوائد التي تحصل للمرء من التغذية على ألبان الإبل ولحومها، ومعلوم أن الإبل تأكل من أعشاب الصحراء، وهي من الوفرة والكثرة بمكان، ولها عظيم النفع من الناحية الطبية، فحين تأكل الإبل من كل هذه الأشجار يكون لبنها مليئاً بعناصر هذه الأعشاب الصحراوية ومن ثم ينتفع بها الإنسان، فكان في ألبان الإبل منافع عظيمة جداً بسبب ما تأكله من أعشاب الصحراء. وآيات الله في الإبل كثيرة ومتعددة، ففي خلقها قال تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية:17]، وفيما يخرج منها من منافع قال عنها وعن سائر الأنعام {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} [المؤمنون:21] وفي تسخيرها بعد أن كانت متوحشة قال سبحانه: {سَخَّرَهَا لَكُمْ} [الحج:37] فلا يسع الإنسان إلا أن يحمد الله سبحانه على ما منحه فيها من النعم العظيمة. كما أن من يتعود على أكل لحوم الإبل وشرب ألبانها قال العلماء: فإنها تؤثر في أخلاقه، فيعتاد القدرة على حمل الأشياء الثقيلة، والصبر الطويل، كما أن أمعاء الذي يأكل من لحوم الإبل ويعتاد على شرب ألبانها تكون من أقوى الأمعاء، فلا يصيبها في الغالب نوع من الوهن، ولا الضعف، ولا الأمراض إلا في النادر.
امتنان الله على عباده في خلق الأنعام
امتنان الله على عباده في خلق الأنعام وقد ورد امتنان الله على عباده بخلق الأنعام لهم في آيات كثيرة، منها قوله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} [يس:71] فالخلق خلق الله عز وجل، ثم ملكك أنت هذه الأنعام لتنظر بإمعان لنعمة الله عليك وتشكر ما تفضل به عليك سبحانه، قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66]، والمتفكر في هذه النعم وعجائبها التي لا تنتهي يدرك عظيم قدرة الله تعالى، فهذا اللبن الذي يخرج من بهية الأنعام كان طعاماً تأكله، وبعد أن دخل معدتها وتحول للأمعاء، وهو شيء من الطعام الذي تفرز عليه عصارات الجسد، ومن ثم يستخلص منه القدر الكافي ويدخل الأمعاء الغليظة، ثم يقوم الدم في هذه الحالة بأخذ الشيء الخالص منه ليتحول إلى لبن، فبعد أن كان بين الفرث والدم إذا بالله عز وجل يخرج هذا اللبن ليسكب في الضرع، كما أنه لو أخذ في هذه الحالة لكان طعمه رديئاً جداً، ولكن الله عز وجل جعل غدداً معينة تفرز عليه مسوغات الطعم. قال تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66]، والترتيب في الآية ترتيب مقصود، فهذا اللبن الخالص قد استخلص من بين الفرث الذي في معدة البهيمة وبين الدم. وقوله تعالى: {سَائِغًا} [النحل:66] فيه أن عملية التسويغ لهذا اللبن في نهاية العمليات، فبعد أن دخل في الضرع وصار لبناً خالصاً جاءت عليه مسوغات الطعم فصار على الطعم الذي يشربه الإنسان ويستسيغه، وهذه من عجيب آيات الله عز وجل في خلقه.
من عجائب خلق الله في الإبل
من عجائب خلق الله في الإبل ذكرت مجلة من المجلات العلمية موضوعاً بعنوان سبعون معجزة في خلق الإبل، وهذا مما اكتشفوه ومكنهم الله من معرفته من صفاتها وأخلاقها وغير ذلك. يقولون: من الصفات التي ساعدت على تأقلم الإبل على العيش في الصحراء خلافاً لغيرها من الدواب: أولاً: أرجلها طويلة مستديرة تساعد على السير بخطوات واسعة، فهي في الصحراء تجري سريعاً وتمشي مشية سريعة، وفيها جمالن كما ذكر لنا الله عز وجل حيث قال: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ} [النحل:6] مع أن كل الحيوانات ذات الأربع عند السير تسير بيد ورجل معاً، فتسير على اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، والعكس كأن تسير على اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، إلا الإبل، فتسير على اليد اليمنى والرجل اليمنى معاً واليد اليسرى والرجل اليسرى معاً، فكانت هي الوحيدة في بهيمة الأنعام التي تتحرك بهذا الشكل، ويرى الناظر في تمايلها جمالاً أخاذاً. ولذلك كان يصيب أصحاب الإبل شيء من الغرور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السكينة في أصحاب الغنم، والكبر والخيلاء في الفدادين أصحاب الإبل)، وذلك مما يشاهدونه من جمال الإبل، وإذا اعتلوا ظهورها رأوا أنفسهم فوق الناس، كما أن أثمانها غالية، ولذلك كله قد يدفع صاحبها إلى الغرور إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى. ثانياً: طول رقبة الإبل، ووضع الرأس عليها يساعد على اتزان الجسم في السير عند حمل الأثقال، وقد يصل وزن ما يحمله الجمل على ظهره أكثر من مائة وخمسين كيلو. ثالثاً: أن وزن رجليها الأمامية والجزء من الصدر الأمامي أثقل من الخلف، بعكس غيرها من البقر والغنم، فإن مؤخرتها أثقل من المقدمة، وقيل: إن خمسة وستين في المائة من وزن الجمل في الأعضاء الأمامية منه، وهو عميق وضيق ويعطي قوة ارتكاز على الأرض إذا وقفت أو نزلت من منحدر كما يعينها إذا قامت. رابعاً: خلق للإبل خف مفلطح كبير ولين؛ ليساعدها على أن تمشي في الرمال فترات طويلة، وما استحدثه الأمريكان اليوم من سيارات تمشي في الرمال المتحركة في الصحراء ما هو إلا محاكاة لخف الجمل، فأخذوا من مواصفات أخفاف الإبل، وسعها ولينها وما فيها من الوسائد الهوائية التي تساعد على حملها وتساعد على أن تمشي في الرمال من غير أن تتزحلق. كما أن الحلف اللين يساعد الجمل على عدم الإضرار بالنباتات الموجودة في الصحراء، فهي لا تتضرر من مشي الإبل مع أنها ثقيلة الوزن. خامساً: خلق الله عز وجل في الإبل وسائد من الجلد أسفل صدرها وعلى الركب وعلى الأرجل تساعد الإبل على الجلوس وعلى تحمل السير على الرمال الملتهبة، بل قد لا يقدر الإنسان أن يضع يده أو رجله عليها ومع ذلك تجد الإبل تبرك فوقها من غير أن تتأذى من شدة الحرارة التي فيها، فهي تعمل كعازل حراري لما فوقها. سادساً: طبيعة الجلود لدى الإبل ووجود الوبر عليها يساعد على عزل ما داخل الجسد عن خارجه من طبقات الجو من الحرارة الشديدة. سابعاً: خلق الله عز وجل للجمل سناماً مليئاً بالمواد الدهنية، وفائدة هذه المواد الدهنية أنها إذا عطش الجمل سرعان ما تتحول إلى ماء، فيشرب منه الجمل، ويظل فترة طويلة معتمداً على هذا المخزون من الدهون التي تتحول إلى ماء في وقت الحر الشديد، فيستعين بها على شدة الحر وعلى العطش الشديد. ثامناً: من خصائص التركيبة التي خلقها الله عز وجل فيها: أن الجفن العلوي في عينها ثابت لا يتحرك بخلاف غيرها من الحيوانات، من أجل أن يدفع الرمال عن عينيها، قالوا: بينما الجفن الأسفل هو الذي يتحرك. تاسعاً: يستطيع الجمل النظر في الصحراء مع شدة العواصف الرملية فيها. عاشراً: خلق الله عز وجل في الإبل القدرة على تحمل الحرارة وعدم فقد الماء، فالجمل لا يعرق إلا عند درجة واحد وأربعين درجة مئوية، وهي درجة قد يموت الإنسان فيها، وبذلك يظل الماء محبوساً في جسمه، كما أن بعر الجمل يكون جافاً خالياً من الماء من أجل أن يحافظ على الماء الموجود في الجسد. الحادي عشر: يقل بول الجمل عند العطش والحر من أجل أن يتمكن من الاحتفاظ بالماء الموجود في جسده، كما أنه إذا فقد كمية من الماء في فترة طويلة يستطيع أن يعوضها سريعاً، فيمكنه أن يشرب خلال مرة واحدة أو مرتين من مائة وأربعة لتراً إلى مائة وتسعين لتراً، وهذا يجعله قادراً على أن يظل شهراً في الصحراء مع شدة الحر والعطش. كما أن في خلق الإبل الكثير من الحكم ذكرها الله عز وجل لنا، والمراقبون من العلماء يكتشفون كل يوم أشياء جديدة، وإنما أصبحوا علماء باكتشافهم هذه الخصائص، ونالوا تكريماً وتبجيلاً بين الناس بسبب تلك الاكتشافات، ومع ذلك لا يعظمون الذي خلق تلك الخصائص سبحانه وتعالى.
تفسير سورة المؤمنون (تابع) [21 - 22]
تفسير سورة المؤمنون (تابع) [21 - 22] يمتن الله عز وجل على عباده في كتابه الكريم بأنه سخر لهم ما في السماوات والأرض، وبسط عليهم نعمه، وسخر الأنعام فمنها ما يأكلون ويشربون من ألبانها، ومنها ما يركبون وينتفعون بها، ولكن العباد كلما أسبغ الله عليهم النعم كفروا وأشركوا به سبحانه، وصرفوا العبادة لغير الله، وهذا من كفران النعم والعياذ بالله.
امتنان الله تعالى على عباده بأن خلق لهم بهيمة الأنعام
امتنان الله تعالى على عباده بأن خلق لهم بهيمة الأنعام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:21 - 22]. ذكرنا في الحديث السابق أن الله سبحانه وتعالى منَّ على عباده بأن خلق لهم من الأنعام بهيمة وجعل من هذه البهائم للإنسان منافع كثيرة، وذكر هنا في هذه السورة بعضاً منها، فقال: {نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:21 - 22] فالإنسان يشرب من ألبانها، ولكم فيها منافع كثيرة من أجلها: أنكم تأكلون منها، وأيضاً تركبون عليها وتحملون أثقالكم. فذكر بهيمة الأنعام، ثم قال بعدها سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:23] فيذكر بنعم الله عز وجل على عباده، ثم يذكرهم بالتوحيد الذي هو دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، والعبد إذا تذكر نعمة الله سبحانه، وأن الله هو الذي خلق ورزق، وهدى، وأعطى، وأن الله هو الذي ينزل من فضله على من يشاء من عباده، فيلزم العبد أن يعبد هذا الإله الواحد القادر سبحانه وتعالى.
ذكر بهيمة الأنعام في سورة النساء
ذكر بهيمة الأنعام في سورة النساء فيذكر هذا الفضل في هذه السورة وفي غيرها، فيذكر في سورة النساء: أن الشيطان يريد أن يضل الإنسان، فيقول الله سبحانه: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء:117 - 118] الشيطان هذا الملعون هو الذي قال لربه سبحانه: إن لي نصيباً من عبادك، فقال: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء:119]، فالأنعام التي خلقها الله عز وجل كاملة يأتي الشيطان للإنسان ويوسوس له بأن يقطع آذان الأنعام ويشقها، لأجل أن يسيبها ويجعلها سائبة للشيطان، ويقول: إنها صحت من المرض، فإذا به يتركها للأوثان. فالله هو الذي خلق ورزق، وإذا بالإنسان يوجه هذه النعمة لغير الله سبحانه وتعالى، فكأن ربنا سبحانه يؤكد المعنى أنه الخالق وحده سبحانه، فالخالق هو الذي يستحق أن يعبد وليس غيره، والشيطان هذا اللعين هو الذي يجعل الإنسان يوجه هذه النعم وهذه العبادات التي يفترض عليه أن يوجهها إلى الله عز وجل إلى غير الله سبحانه، فيشق آذان الأنعام، ويغير خلق الله بأمر الشيطان له فيطيعه، يقول الله سبحانه: {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء:119].
ذكر بهيمة الأنعام في سورة المائدة
ذكر بهيمة الأنعام في سورة المائدة ويذكر لنا بهيمة الأنعام في سورة المائدة فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة:1] فبهيمة الأنعام خلقها الله لكم لمنافعكم، لطعامكم وشرابكم، ولم يحرم الله عز وجل عليكم إلا ما فيه مفسدة لكم، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة:3] فهذه أشياء حرمها الله لمفاسد فيها، منها: أنها ميتة، وأنها ذبحت لغير الله سبحانه وتعالى، فيذبحونها على غير اسم الله سبحانه، فأحل لنا بهيمة الأنعام، وجاء الشيطان يحرم على الإنسان أشياء أحلها الله عز وجل لهم.
ذكر بهيمة الأنعام في سورة الأنعام
ذكر بهيمة الأنعام في سورة الأنعام وذكر في سورة الأنعام بهيمة الأنعام، فقال سبحانه عن هؤلاء الذين عبدوا غير الله سبحانه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} [الأنعام:136] فبهيمة الأنعام التي خلقها الله عز وجل لنفعكم، ولطعامكم وشرابكم إذا بهم يجعلون نصيباً منها لله ونصيباً لغير الله. فهذا من العجب أن الإنسان يعلم أن الذي خلق الأنعام هو الله ومع ذلك يعبد غير الله، وأن الذي رزق هو الله ومع ذلك يجعل نصيباً لله من بهيمة الأنعام، ونصيباً آخر لأوثانه وأصنامه. ومن العجب ما يذكره الله عز وجل هنا في سورة الأنعام حيث يقول: {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الأنعام:136] يعني: انظر إلى هذا التوزيع وهذه القسمة عند هؤلاء! فتصدقوا بجزء منها لله وبجزء منها للأوثان، فما كان لله جعلوه لأوثانهم، وما كان لأوثانهم قالوا: ربنا غني عنه، لا يحتاج إلى هذا الشيء، فإذا بعبادتهم كلها توجهت إلى الأوثان وليست لله سبحانه وتعالى، فأشركوا وهم يعلمون أن الله هو الغني عنهم وعن عبادتهم. يقول الله سبحانه: {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:138] بهيمة الأنعام خلقها الله عز وجل رزقاً لعباده، فإذا بالعباد يتحكمون ويقولون: هذه أنعام وحرث حجر محجورة لا يأكلها أحد من النساء، فهي للرجال وليست للنساء، وهذه ممنوعة على الجميع وتترك سائبة لنحو مرض وغيره، فقالوا: ((هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ)) فهم الذين يحللون ويحرمون من دون الله سبحانه وتعالى. {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} [الأنعام:138]، فيكون أحدهم مريضاً، فإذا شفي يجعل هذه الناقة أو هذه البقرة سائبة بين الناس لا ينتفع بها أحد، وما المنفعة التي جرها من وراء ذلك؟ لا شيء، من الذي دعاه إلى ذلك؟ ليس الله سبحانه وتعالى، وإنما هو الشيطان يضحك على الإنسان ويخدعه، فيجعله يخرج ماله للاشيء بل للإثم عياذاً بالله. {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام:139]، فهذه الأنعام الذي يخرج من بطنها خالص للذكور ومحرم على النساء لا يأكلن منها، وإذا نزلت من البطن ميتة فيأكل منها الرجال والنساء، {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام:139] سيجزيهم الله عز وجل على هذا الوصف الذي وصفوه، وعلى هذا التشريع الذي شرعوه من دون الله عز وجل، إنه حكيم عليم. وذكر الأنعام أيضاً في سورة الأنعام فقال: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام:142]، فمنها ما تحملون عليه أمتعتكم، وتركبون فوقها كالإبل، ومنها ما تأكلون منها، قال سبحانه: {وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا} [الأنعام:142] تتخذون من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها ما تلبسونه، فهذه نعم من الله عز وجل، وأخبر سبحانه أنه أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج، وهي ما فصلناها قبل ذلك: من الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الغنم اثنين، ومن الماعز اثنين.
ذكر بهيمة الأنعام في سورة النحل
ذكر بهيمة الأنعام في سورة النحل كذلك ذكر الله لنا في سورة النحل بهيمة الأنعام فقال: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:5 - 6] فيعدد النعم سبحانه وتعالى في هذه السور حتى يعرف الإنسان فضله وقدرته؛ فيقوم بعبادة ربه ولا يشرك به شيئاً، {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} [النحل:5] تستدفئون بها {وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ َ} [النحل:5 - 6] تتجملون، وهي من أنفس أموال الناس {حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل:6] جمال في وقت راحتها، وجمال في وقت مسرحها وخروجها لرعيها، {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل:7] ولو شاء الله عز وجل لما مكنكم منها، ولا أعطاكم من العقول ما تفكرون بها كيف تركبون هذه البهيمة، وجعلكم تمشون على أقدامكم كما تمشي سائر الأنعام، قال سبحانه: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل:7] سبحانه تبارك وتعالى. ويقول تعالى في آية أخرى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل:66] وقد ذكرنا هذه الآية سابقاً، كيف أن الله امتن على عباده بأن أخرج لهم هذا اللبن الخالص من بطون هذه الأنعام، ألبان يشربونها فيها طعام للإنسان وشفاء أيضاً.
من فوائد اللبن
من فوائد اللبن روى أبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، فقال: إذا أكل أحدكم طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيراً منه، وإذا سقي لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه) وعلل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن)، فاللبن يقوم مقام الطعام والشراب، فهذا هو السائل الوحيد الذي يقوم مقام الاثنين طعاماً وشراباً، وقد ثبت عند علماء التغذية أن اللبن أكمل الأغذية من الناحية البيولوجية، رغم أنه قد ينقصه قليل من بعض العناصر الغذائية مثل فيتامين (س) وفيتامين (ج) ومثل الحديد، فقد ينقصه شيء قليل من هذا، ولكن باقي القيمة الغذائية عالية فيه، فهو طعام وشراب للإنسان. قال العلماء: اللبن يمد جسم الإنسان في جميع مراحل حياته بالبروتينات والكربوهيدرات والسكريات والدهون والمعادن والفيتامينات، فهو مليء من كل شيء بفضل الله عز وجل ورحمته، وقد خرج من بين فرث ودم لبناً خالصاً، فالدم نجاسة والفرث قد يكون نجاسة، وهنا خرج من بين الاثنين هذا الشيء الطاهر العظيم، وهو اللبن الخالص الذي يشربه الإنسان ويستسيغه. يقول علماء التغذية أيضاً: يعتبر الحليب أعظم غذاء متكامل وجد على سطح الأرض، حيث إنه صمم ليكون غذاءً لكل مولود من الحيوانات: البقر والماعز والغنم، وكذلك الإنسان عندما يولد له الطفل الصغير، وكذلك صغار هذه الأشياء، فطعامها الأساسي لفترة طويلة هو اللبن، فقالوا: عناصر اللبن الغذائية جاهزة للهضم ولا يضيع منها أثناء الامتصاص في الأمعاء إلا النزر اليسير، فهي عناصر كاملة وسهلة، فلا يوجد شيء منها يضيع ويخرج برازاً أو بولاً إلا شيء يسير جداً، والباقي كله يستفيد منه جسم الإنسان. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بألبان البقر؛ فإنها ترم من كل الشجر، وهو شفاء) فهذه فائدة كبيرة جداً. وقد نشرت مجلة (لانست) في سنة ألف وتسعمائة وخمس وثمانين دراسة قام بها دكتور مكث مدة عشرين سنة يدرس في فوائد اللبن، عشرون سنة يعمل بحوثات على ألفي شخص يشربون اللبن، وهذه فترة دراسة طويلة جداً، قال: فوجد أن أولئك الذين كانوا يشربون كأسين ونصفاً من اللبن يومياً أقل عرضة لسرطان القولون، وأولئك الذين لا يتناولونه يصابون بسرطان القولون، فهذه نسبة عالية في هؤلاء الذين يواظبون على ذلك بهذا القدر أو دونه، والله سبحانه وتعالى لا يجعل فيه هذا الداء. فكانت نصيحة هذا الدكتور -واسمه يارلن - أن يشرب الناس يومياً ما بين كوبين إلى ثلاثة أكواب من اللبن، ولعل كثيراً من الظروف الاقتصادية للناس لا تسمح، ولكن على الإنسان أن يشرب اللبن ولا يتركه بقدر ما يستطيع من ذلك. وهنا دراسة ثانية أعدت في اليابان تشير إلى أن تناول اللبن يقلل من الإصابة بسرطان المعدة، وقالوا: إن كثيراً من التهابات المعدة والأمعاء في الأطفال يكون سببها عدم شرب اللبن العظيم الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، وهناك فوائد كثيرة جداً، ولكن هذا شيء من ضمن الأبحاث التي أجراها بعض الناس على ذلك. قال الله عز وجل في هذه السورة: {نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون:21] وفي قراءة (تسقيكم مما في بطونها) كما قدمنا.
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون)
تفسير قوله تعالى: (وعليها وعلى الفلك تحملون) ثم قال تعالى: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22]، وقال في آية أخرى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ} [النحل:7] والإنسان يركب الإبل منها خاصة دون غيرها. والغرض: بيان أن بهيمة الأنعام التي خلقها الله عز وجل لعباده جعل لهم فيها الطعام والشراب، وأمرهم أن يشكروا هذه النعمة وأن يعبدوا الله، وحذر بعدها من الشرك بالله سبحانه وتعالى، ومن أن توجه هذه النعم لغير الله سبحانه. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في نصيحة يحيى بن زكريا عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام لبني إسرائيل في النصيحة التي أمره الله عز وجل أن يقوم فيها: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وضرب لهم مثلاً في ذلك: فمثل الذي يشرك بالله كمثل رجل بنى بيتاً وجعل حانوتاً للعمل، واشترى أجيراً أو اشترى عبداً وقال: هذا بيتي، وهذا عملي تعمل هنا وتضع المال هنا، فيكون هذا العبد ملكاً لهذا السيد الذي بنى البيت والمحل وقال له: اشتغل في المحل والذي يأتي لك من هذا المال فاجعله في هذا البيت، فإذا بالعبد يعمل في محل هذا الرجل، ويعطي المال لغير سيده، أيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟ لا أحد يرضى بذلك، فإذا كان الإنسان لا يرضى لنفسه فكيف يرضى به لله سبحانه وتعالى؟! فهذا مثل الذي يشرك بالله. فالله خلق لهم بهيمة الأنعام لينتفعوا بها، وأمرهم أن يشكروه الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {أَفَلا يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس:73 - 74] اتخذوا أنداداً من دون الله عز وجل لعلها تنصرهم، ونسوا أن الذي خلقهم ورزقهم هو الذي يقدر على هدايتهم ونصرهم، فالآيات فيها الدعوة إلى توحيد الله سبحانه، بأن تعرف أنه وحده هو الخالق، وهو وحده الذي يعبد لا شريك له. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [23 - 30]
تفسير سورة المؤمنون [23 - 30] يخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله، فلما لم يستجب منهم إلا القليل بعد طول المدة التي ظل يدعوهم فيها دعا ربه أن ينصره على قومه، فأمره سبحانه بصنع السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها المؤمنين ومن كل زوجين اثنين، أي: ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، فأنجاه الله ومن معه عليها، وأهلك الكافرين.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:23]، لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمه وآلاءه على عباده، أو بعضاً منها، ممتناً بها على عباده حتى يعبدوه وحده، ويشكروه على نعمه وعلى ما أعطاهم سبحانه، ذكر قصة نوح باختصار في هذه الآيات. وقد ختم الآيات السابقة بقوله: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [المؤمنون:21]، وقد ذكرنا بعضاً من المنافع فيها. ثم قال: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22]، أي: على بعض بهيمة الأنعام، وهي الإبل. وهذا من منن الله سبحانه وتعالى على عباده، أن ذكر لهم بعضاً من نعمه في طعامهم وشرابهم وملبسهم وركوبهم، فيركبون على الإبل، ويركبون الفلك، ((وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ)) والفلك هي السفن الجارية في البحر. والإنسان يعرف قدر هذه النعمة حين يركب السفينة، وتسير به من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، تحمل متاعه وتجارته، ويتعرف على أناس لم يكن يعرفهم، ويبيع ويشتري ويرزقه الله سبحانه وتعالى. وهنا مناسب جداً أن ذكر نوحاً بعد ذكر السفينة؛ لأن الفلك -أي: السفينة- كانت سبباً في إنقاذ البشرية جميعها، فالإنسان ما زال موجوداً بسبب هذه السفينة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأقدار، وهو الذي يسبب الأسباب، فأمر نوحاً أن يصنع سفينة، فهنا كأنك إذا ركبت سفينة تذكرت أول سفينة صنعت، فنوح لما صنع السفينة بأمر الله حمله الله عز وجل عليها ومن معه من المؤمنين، فكنتم أنتم من ذرية هؤلاء، ووجودكم مرتبط بأول سفينة وجدت، فهذه نعمة من نعم الله عز وجل على عباده يذكرهم بها. والقرآن جميل وعظيم، والآيات متناسقة ومتناسبة بعضها مع بعض، فهنا ذكر نوحاً وهو أول الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من بعد آدم، وذكر هنا أن الفلك تحملون عليها، وذكر نوحاً حتى تذكر أن أول سفينة صنعها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف أن الله سبحانه نجى المؤمنين فيها، فكانت نعمة من نعم الله سبحانه على عباده. وهنا لاحظ قوله: ((تُحْمَلُونَ)) فالذي يحملك ويوفر لك ذلك وسير هذه السفينة هو الله سبحانه وتعالى، فأنت تحمل عليها، ولكن قد تركب وتغرق بهذه السفينة، فالله عز وجل هو الذي حملك على السفينة وعلى الماء، وجعلك تسافر من مكان إلى مكان ببركة رب العالمين وقوته وفضله. قال الله تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ))، فنوح النبي الرسول عليه الصلاة والسلام هو أحد أولي العزم من الرسل، دعا قومه فترة طويلة، وقد عرفنا ما ذكره الله عز وجل في القرآن من أنه دعا قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً. قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ))، داعياً قومه لعبادة الله عز وجل: ((يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))، فدعوة الأنبياء والمرسلين كلهم: لا إله إلا الله، الدعوة إلى الإسلام، قال الله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ} [يونس:71]، قال هذا بعدما أتعبوه، دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى جيلاً بعد جيل، وقوماً وراء قوم، أفراداً وجماعات، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، فلم يستجيبوا له، وفي النهاية قال: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} [يونس:71 - 72] أي: لم تستطيعوا أن تفعلوا ذلك: {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:72]. فهذه دعوة النبي نوح عليه الصلاة والسلام أنه دعا إلى الإسلام، وكذلك الأنبياء من بعده، قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس:84] والحواريون أتباع المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قالوا لربهم: {وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة:111]، فهذه هي دعوة نوح ودعوة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهذا يعقوب: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:133] أي: هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فهؤلاء قالوا: نحن لله عز وجل مسلمون، فدين الإسلام هو دين الله عز وجل، فقول الأنبياء لأقوامهم: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ))، هذه هي كلمة التوحيد، وكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله، وهي نفسها: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)). فكلمة التوحيد فيها النفي وفيها الإثبات: (لا إله) أي: أنفي صفة الألوهية عن أي أحد إلا الله سبحانه وتعالى، فهنا أثبت الألوهية لله سبحانه وتعالى. فنوح قال لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) قوله: ((غَيْرُهُ)) بالضم على الوصف، فيكون المعنى: ما لكم إله غيره، كأن أصلها هكذا من أله فهو إله، فرفعت هنا على المحل نفسه. والقراءة الأخرى: (ما لكم من إله غَيرِهِ)، فهنا جرت على اللفظة نفسها، وهذه قراءة أبي والكسائي وأبو جعفر. وقوله تعالى: ((أَفَلا تَتَّقُونَ)) أصلها أفلا تتقونه، أي: أفلا تتقون الله سبحانه وتعالى؟! أي: هل أطعتم الله ولم تعصوه سبحانه وتعالى؟!
تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم فتربصوا به حتى حين)
تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم فتربصوا به حتى حين) قال الله تعالى: {فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24] نوح عليه السلام كان في كل جيل خلال ألف سنة تقريباً يدعو قومه إلى الله عز وجل، ولكن كثيراً منهم كذبون، قال تعالى: ((فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)) والملأ: هم كبار القوم؛ لأنهم يمتلئ بهم المكان، وهم الكبراء من الأقوام الذين يملئون العين بالنظر إليهم، ويملئون قلوب من حولهم مهابة وخوفاً منهم، ولذلك عندما يذكر الله عز وجل فرعون فإنه يذكر هؤلاء المتكبرين وهم الملأ من قومه وكبارهم. ((فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ)) أي: من قوم نوح، ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)) هذه دائماً حجة الجاهل الذي لا حجة معه، يسمع الكلام ويسمع البينات والحجج ولا يستطيع أن يرد، وإنما يقول: هذا يريد أن يأخذ مني الرئاسة، هذا يريد أن يأخذ مني الكرسي، هؤلاء يريدون أن يجعلوا أنفسهم هم الكبار ويبعدون الكبار الموجودين، وهذا يريد أن يجعل نفسه أفضل منكم، ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً)) هذه هي الكلمة التي قالوها للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، لماذا أنت الذي نزل عليك القرآن؟ لماذا لم ينزل على أحد غيرك؟ وهنا يقولون: لولا أنزل الله ملائكة من السماء، نريد أن نرى ذلك، فهؤلاء قالوا: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ))، ما سمعنا بمثل ما جاء به هذا في آبائنا الأولين. فحجج الكفار في كل العصور والأزمان أنهم يقولون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22]، أي: ستظل كما كان آباؤنا، وهنا قالوا: ((وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ))، ولم يفكروا فيما يقولونه: ماذا ستعمل الملائكة ماذا لو نزلت؟ هل ستطيق أن تنظر للملك؟ هل تستطيع أن تسمع للملك؟ هل ستطيق أن تعصي هذا الملك إذا جاء؟ وأنت تعرف قوته وتعرف أنه يقدر عليك وعلى من في الأرض بتقدير الله عز وجل له، فهنا الملك إذا جاء لن تكون دعوة، وسيكون قهراً وإجباراً، فهنا هؤلاء لم يفكروا فيما يقولون، أنه لو نزل ملك من الملائكة، ومن أجل أن يكون هناك اختبار للناس، فسينزل في صورة البشر، ولو جعله الله على هيئة البشر فهو تحصيل حاصل، وهذا الرسول الموجود من البشر، وهذا أفضل من أن يرسل ملكاً إلى أهل الأرض. قال الله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:25] يقولون عن نبيهم كذباً وزوراً: إنه مجنون، وكذا قالوا عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه، {وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر:9] ازدجروه وطردوه، ولم يريدوا أن يسمعوا منه صلى الله عليه وسلم، وليس هو أول من قيل عنه: إنه مجنون، فقد قيل عن أنبياء من قبله عليه الصلاة والسلام ذلك. قالوا: ((فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ)) أي: أغرى بعضهم بعضاً وقالوا: اتركوه إلى أن يموت لوحده وانتظروا حتى تأتي عليه السنون ويأتي عليه الكبر ويأتي عليه الموت.
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون)
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون) فدعا نوح لربه: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون:26]، هذا في النهاية، وفصل الله عز وجل ذلك في سورة هود تفصيلاً عظيماً، وفصله في غير ما موضع من القرآن، ولكن من أطول ما جاء في قصة نوح وقومه في سورة هود، وكذلك في سورة يونس، وفي سورة نوح، ففي سورة نوح عليه الصلاة والسلام: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:5 - 7]. لما تدعو أنساناً على الأقل يسمع ما الذي تقوله، ولكن هؤلاء كانت قلوبهم مغلفة بالكفر، وكانت مظلمة، فلم يستمعوا إلى نبيهم، بل وضعوا أصابعهم في آذانهم، وليس أناملهم، بل كانوا يضعون أصابعهم كلها، حتى لا يسمعوا كلمة يقولها نوح عليه الصلاة والسلام: ((وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ)) فلم يغمضوا أعينهم فحسب، بل إنهم كانوا يضعون ثيابهم على وجوههم حتى لا يروا نوحاً عليه الصلاة والسلام: ((وَأَصَرُّوا))، مستكبرين، (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا)) عظيماً. ثم قال: {ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا} [نوح:8] أي: أمامهم وهم مجتمعون مع بعضهم، {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح:9]، فلم ينفع السر ولم تنفع العلانية مع هؤلاء، ولم يدعهم يوماً أو ليلة أو سنة أو سنتين، بل ظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي النهاية دعا ربه سبحانه: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح:26]، متى دعا هذه الدعوة؟ لما أخبره الله سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود:36]، فيا ترى كم الذي آمن من قبل؟ {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] أي: أعداد قليلة، وهم الذين استوعبتهم السفينة التي صنعها نوح عليه الصلاة والسلام، فما آمن معه خلال هذه القرون وخلال هذه الدهور إلا القليلون. فهنا يقول الله سبحانه وتعالى أن نوحاً دعا ربه: ((قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ))، دعا دعاء الإنسان المغلوب، ولذلك قال الله في الآية الأخرى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر:10] أي: غلبوني فلست قادراً على أن أدعوهم، فالله عز وجل أخبره أنه لن يؤمن أحد بعد ذلك، فلما علم أنه لا يوجد إيمان من هؤلاء دعا عليهم وقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:26 - 27]، كيف عرف أنهم لا يلدون إلا فاجراً كفاراً؟ بإخبار الله عز وجل له أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، حينها دعا عليهم وقال: ((رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)) أي: لا تذر أحداً على الأرض من الكافرين: ((إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)).
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا)
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا) قال الله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [المؤمنون:27]، هذه هي الفلك التي ذكرها قبل هذه الآية: {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون:22] أي: فحملكم الله عز وجل على هذه السفينة، وسخر الماء لحمل السفينة، وسخر الرياح لإجراء السفينة، وسخر سبحانه وتعالى البر لترسو عليه هذه السفينة، فالنعمة منه سبحانه وتعالى وحده. قال تعالى: ((أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا)) ويا ترى كم حجم هذه السفينة؟ معلوم أن سفينة سيكون فيها مجموعة من البشر ومجموعة من الدواب من كل زوجين اثنين لابد أن تكون سفينة كبيرة، وكون إنسان واحد يصنع هذه السفينة هذا من فضل الله عز وجل، وإلا ما كان لنوح ولا غيره أن يقدر على أن يصنع هذه السفينة، ولكن الله علمه كيف يصنع هذه السفينة، فإذا به يأتي بالأخشاب ويجعلها في البر، ويمر به قومه وهو يصنع هذه السفينة، فيقولون: ماذا تصنع يا نوح؟ فيقول: أصنع سفينة، فيسخرون منه ويستهزئون به كيف يصنع سفينة في البر؟ قال تعالى: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود:38 - 39]. إذاً: لم يستجيبوا لدعوته، بل وهو يصنع السفينة لم يتركوه في حاله، بل كلما مروا عليه في ذهابهم وإيابهم سخروا منه قال الله عز وجل: ((فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)) ونحن نراك وندلك ونرشدك ونقويك، فالله هو الذي علمه وأوحى إليه أن يصنع السفينة، قال الله: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر:13]، أي: اصنع من الخشب الألواح واجعل اللوح جنب اللوح، وثبتها بالمسامير وهي الدسر. وقوله: (بأعيننا) أي: برعايتنا، فهو يراه سبحانه وتعالى ويراعيه في ذلك، قال تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا)) أي: سنجعل لك علامة حتى تركب في هذه السفينة، وهذه العلامة هي هذا الفرن الموجود، فإذا خرج منه ماء بدل النار فاركب السفينة أنت ومن معك، قال تعالى: ((فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ)) أي: أخرج التنور ماء بدلاً من النار، ((فَاسْلُكْ فِيهَا)) أي: أدخل فيها، تقول: سلكت الخيط في ثقب الخرز، أي: أدخلته، فهنا قال: ((فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ)) ((مِنْ كُلٍّ)) وكأن التنوين هنا للتنكير، أي: اسلك من كل شيء زوجين، وهذه قراءة حفص عن عاصم فقط، أما بقية القراء فيقرءونها: ((مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ)) على الإضافة، والمعنى: أركب فيها من كل دابة من الدواب ذكراًَ وأنثى، حتى تدوم الحياة بعد ذلك. فهذه منة من الله عز وجل في نجاة الخلق ووجود هذه الذريات، إذ حملهم في السفينة. ثم قال: ((وَأَهْلَكَ)) أي: واحمل أهلك معك، لكن الذين سبق عليهم القول أنهم لا يؤمنون مثل زوجة نوح ومثل ابن نوح فهؤلاء لا يركبون فيها، قال تعالى: ((إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)) أي: إلا من سبق عليهم قضاء الله وقدره أنهم لا يؤمنون فلا يركبون معك في السفينة. ثم قال: ((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)) أي: لا تخاطبني بعد أن تركب في السفينة في شأن الظالمين، فالإنسان قد يرى عدوه أمامه فيدعو ربه عليه: يا رب خذه يا رب أهلكه، وعندما ينزل عليه العذاب إذا به يرحمه ويدعو له، فهنا كأن الله سبحانه وتعالى يقول لنوح: أنا معذب هؤلاء، فإذا نزل العذاب فلا ترحمهم، ولا تدع لهم بالرحمة؛ لأننا لن نستجيب لك في ذلك، فقال سبحانه: ((وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)) أي: سنغرق هؤلاء الظلمة، فلا ترحمهم، ولا تكلمني فيهم. فسيدنا نوح عليه الصلاة والسلام فعل هذا الشيء إلا مع ابنه، فإنه سأل ربه وقال: {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود:45]، فكان A { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود:46].
تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك وإن كنا لمبتلين)
تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك وإن كنا لمبتلين) قال الله تعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:28] أي: حين تستوي أنت ومن معك داخل السفينة فاذكر ربك سبحانه، واحمده على أن نجاك، ولو شاء لنزل العذاب وأهلك الجميع، {وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} [المؤمنون:29] أي: حين تركب سترى الأهوال التي تأتي على الأرض، فادع ربك أن ترسو السفينة بعد ذلك في منزل مبارك، فقوله: ((أَنزِلْنِي)) أي: إنزالاً مباركاً، و (إنزالاً) مصدر، ((مُبَارَكًا)) أي: فيه البركة وفيه الخير لي ولمن معي، وقوله: ((وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ)) أي: أنت الذي نجيتني بإركابي السفينة، وأنت الذي تنجيني وتنزلني منزلاً مباركاً من فضلك ومن كرمك. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} [المؤمنون:30]، أي: إن في نجاة المؤمنين بأن أنجاهم الله عز وجل، وفي إهلاك الكافرين بأن أغرقهم الله سبحانه وتعالى لآيات، ((وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)) العباد في كل زمان، فما خلقوا إلا للابتلاء والامتحان، يبتلي بعضهم ببعض، وخلقوا لعبادته وحده لا شريك له. نسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [31 - 41]
تفسير سورة المؤمنون [31 - 41] يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرناً آخرين، وهم قوم عاد، فأرسل فيهم رسولاً منهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكذبوه وخالفوه، وأبوا أن يتبعوه؛ لكونه بشراً مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، وكذبوا بلقاء الله يوم القيامة وأنكروا المعاد الجثماني، فاستحقوا بسبب كفرهم وطغيانهم أن أرسل الله عليهم صيحة مع ريح صرصر عاصف قوي، تدمر كل شيء بأمر ربها.
تفسير قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين)
تفسير قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون:31]. هذه قصة أخرى يذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون، بعدما ذكر قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف دعا إلى ربه سبحانه، فلما كذبه قومه أهلكهم الله وجعلهم عبرة، وأنجى نوحاً ومن معه من المؤمنين كما تقدم. فأول من نزل بهم العذاب العظيم الشديد العام هم قوم نوح، فالمفترض فيمن جاءوا من بعدهم أن يتعظوا، ويعلموا أن الله سبحانه قد أهلك قوم نوح، وقد أغرق الأرض ومن عليها، وهؤلاء القوم الذين جاءوا من بعد نوح هم من ذرية نوح ومن ذرية القوم المؤمنين الذين كانوا مع نوح، فكان المفترض في أمرهم أن يتبعوا ما كان عليه آباؤهم المؤمنون، وما كان عليه نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكن عادة الإنسان النسيان، كلما جد عليه زمان نسي ما كان في الماضي، وتجده ينظر إلى الآن وما الذي يفعله، فهو يريد طعامه وشرابه ومتعته ولهوه، ويتناسى ما كان عليه السابقون من معاص، وما أصابهم من شؤم معصيتهم. فقال الله سبحانه وتعالى: ((ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ))، والقرن: الأمة من الناس، والقرن عدد من السنين، قالوا: أربعون سنة، وقالوا: مائة سنة، وقالوا: مائة وعشرون سنة، وقالوا: إن القرن من الزمان هو الذي عاش فيه مجموعة من الناس ثم ماتوا ولم يبق منهم أحد، وعندما نقول: قرن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة، أي: المجموعة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وعاشروه، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي، وقد جاء في الحديث: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم)، أي: هؤلاء الصحابة ماتوا رضوان الله وتعالى عليهم، وجاء من بعدهم التابعون الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، لكن رأوا البعض من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء القرن الذين رأوا الصحابة وظلوا على ذلك إلى أن مات آخر من رأى هؤلاء الصحابة، وجاء القرن الذي يليه الذين لم يروا الصحابة، وإنما رأوا من بعدهم من التابعين، فهؤلاء قرن، وهكذا قرن يمضي ويأتي من بعده قرن آخر. فقال الله عز وجل: ((ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ)) أي: من بعد قوم نوح، ((قَرْنًا آخَرِينَ)) أي: قرن قوم عاد من بعد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل: بل قوم ثمود، باعتبار أن الله قال: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} [المؤمنون:41] ولا مانع أن يكونوا هم قوم عاد، فقد أخذهم الله عز وجل بالريح التي أرسلها عليهم وبصحية صاح فيهم جبريل فأهلكهم الله عز وجل وأبادهم بذلك، فلا مانع من أن يكونوا هم؛ لأنهم الذين كانوا من بعد قوم نوح. إذاً: بعد إهلاك قوم نوح أنشأ الله عز وجل خلقاً وأوجد من بعدهم قرناً آخرين وأمة من الناس غير هؤلاء، وعادة الله سبحانه وتعالى أنه يرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام ليدعوا قومهم ويثبتوهم على دين ربهم سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله)
تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله) قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:32] أي: أرسل إلى عاد أخاهم هوداً، وهو منهم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف:65] وقال هنا: ((فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ)) أي: من البشر ومن هؤلاء القوم، دعاهم بدعوة نوح ودعوة النبيين جميعهم عليهم الصلاة والسلام: أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، فهو دعاهم إلى التوحيد إلى قول: لا إله إلا الله، وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، والتخلي عن عبادة من سواه، فقال لهم: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) أي: ليس لكم إله يستحق أن يعبد إلا إله واحد سبحانه وتعالى، فهو الذي أنشأكم وخلقكم ورزقكم، ولذلك دلهم على النعم التي هم فيها، فقال لهم: إن الله عز وجل قد أعطاكم نعماً عظيمة ومنها قوله لهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:128 - 130]، وقال الله عنهم في سورة الفجر: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [الفجر:7 - 8]، فكانوا قبيلة في غاية الطول وضخامة الأجسام والقوة والنعم التي أترفوا فيها، حتى إنهم صيروا هذه النعم للعب والتلهي، فكانوا يبنون المساكن العظيمة الواسعة الشاسعة التي قد لا يسكنونها، ويتخذون مصانع من المياه يجمعون فيها الماء لعلهم يخلدون ويعيشون أبد الآبدين، فرسولهم عليه الصلاة والسلام دعاهم إلى الله سبحانه وحذرهم من الكفر، وحذرهم من الإشراك بالله، ومن كفر نعم الله سبحانه، وأن يصيروا هذه النعمة نقمة عليهم، فحذرهم من غضب الله سبحانه وتعالى، لكنهم كانوا قساة القلوب بعيدين عن ذكر الله سبحانه وعن عبادته، وكانوا إذا بطشوا بغيرهم من الأقوام كانوا جبارين في غاية القسوة لا رحمة عندهم، فحذرهم نبيهم عليه الصلاة والسلام من ذلك فأبوا ذلك. قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:32]. قوله: ((أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ)) يقرؤها بالكسر أبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة، أما باقي القراء فيقرءونها: (أنْ اعُبدوا الله). كذلك ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) قراءة الجمهور: ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) باعتبار المعنى، وأصلها: (ما لكم) أي: ليس لكم إله غيره سبحانه وتعالى، فكأن الأصل الضم فهذا وصف للمضموم أو للمرفوع، فقرأها الجمهور: ((مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) وراعى اللفظ الكسائي وأبو جعفر وقالا: إنه وصف للمجرور، فوصف المجرور مجرور مثله، فقرآها: (ما لكم من إله غيرِهِ). قوله: ((أَفَلا تَتَّقُونَ)) أي: هلا اتقيتم الله سبحانه وتعالى؟ فهو يحثهم ويحضهم على عبادة الله سبحانه وعلى تقوى الله، وأن يحذروا من أن يغضبوا ربهم سبحانه، فقال لهم: ((أَفَلا تَتَّقُونَ)) أي: أفلا تجعلون من أعمالكم الصالحة وقاية لكم من عذاب الله ومن غضبه؟ فالتقوى: هي أن تقي نفسك غضب الله وعذاب الله، وأن تجعل وقاية وحاجزاً وستراً بينك وبين عقوبة رب العالمين سبحانه، فهؤلاء القوم لم يتقوا الله سبحانه، وإنما كذبوا كما كذب الكفرة من قبلهم.
تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ من قومه إنكم إذا لخاسرون)
تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ من قومه إنكم إذاً لخاسرون) قال الله تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون:33]. الملأ: هم علية القوم في الناس، و (الملأ) مأخوذة من ملء الشيء، ملأ الإناء يمتلئ امتلاءً، فهؤلاء الملأ كأنهم الذين يملئون العيون، ويملئون أماكنهم، ويكون في قلوب الناس منهم هيبة لمكانهم ومكانتهم، ولكونهم كبار القوم. قوله: ((وَقَالَ الْمَلَأُ)) أي: الكبار من القوم، ((مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ)) أي: صفاتهم أنهم كفار وأنهم مكذبون بيوم الدين، وبلقاء رب العالمين سبحانه، ((وَأَتْرَفْنَاهُمْ في الحياة الدنيا)) أي: والحال أننا قد أترفناهم وأعطيناهم الرغد من العيش، والخصوبة والمال الوفير الكثير، والنعمة التي يتنعمون بها، فهؤلاء لما نظروا إلى أنهم مترفون وأنهم الكبار من القوم اغتروا بذلك، فقالوا عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ))، أي: لا يوجد إلا هذا الذي يأتيكم ليدعوكم إلى الله، وهو بشر مثلكم، ((يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)) أي: يأكل ويشرب مثلكم، وإذا كان يأكل ويشرب فإنه سيخرج هذا الشيء ويتبول ويتغوط، فلا ميزة له علينا. فهؤلاء لم ينظروا إلى الحجة والدليل، وإنما نظروا إلى الهيئة التي أمامهم، وقالوا: هذا إنسان مثلنا فكيف يكون أحسن منا؟! فهو يأكل ونحن نأكل ويشرب ونحن نشرب، ويقضي حاجته ونحن مثله، فما الذي فضل به علينا؟ فهم لم يسمعوا لما يقول؛ لأن الكفر يدفع الإنسان للعمى وعدم النظر في حجة من يتكلم، والمكانة والرياسة والسيادة للإنسان كل ذلك يجعله يعمى عن أن ينظر إلى الحجة، أو يخاف على المكان الذي هو فيه، فيقول: لا داعي للنظر في دليل وفي حجة، فتجد الواحد منهم يرد ويقول: إنك لا تفهم شيئاً، وتقول كلاماً مثلنا. قالوا: ((مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ))، وأصلها (ويشرب مما تشربون منه) أي: يشرب نفس الشراب الذي تشربونه. قال تعالى حاكياً عن قوم هود: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون:34]، انظر هنا إلى الكلام الذي ليس له معنى! نقول: إذا كانت طاعة البشر فيها الخسران، فهؤلاء الذين يطيعونكم أنتم، أنتم بشر وهم بشر، فلماذا طاعة نبيكم فيها الخسران وطاعتكم أنتم ليست فيها الخسران؟! إذاً: إذا احتججتم عليهم بهذا الشيء -وهو أنكم إذا اتبعتم بشراً فإنكم خاسرون- فكذلك أنتم بشر إذا اتبعوكم فهم خاسرون، ولكن العمى عن دين الله رب العالمين يجعل الإنسان يهرف بما لا يعرف، ويتكلم بما لا يفهمه هو ولا يقتنع بما يقول، ولكنهم يظنونها حجة يقولونها فقالوها: ((وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)) فهو من البشر، ولكنه لا يأمرهم بطاعة نفسه، وإنما يأمرهم بطاعة الله رب العالمين سبحانه، فالطاعة لله، فلو دروا ما يقولون لعلموا أن هذا وإن كان بشراً فإنه لا يدعو إلى طاعة نفسه، ولكن يدعو إلى طاعة رب العالمين، بما جاء به من عند ربه. إذاً: طاعة الله فيها الفلاح لو كان يعقلون.
تفسير قوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا متم هيهات هيهات لما توعدون)
تفسير قوله تعالى: (أيعدكم أنكم إذا متم هيهات هيهات لما توعدون) قال الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون:35] أي: يعطيكم الوعد وتصدقونه في الكلام الذي يقوله: أننا بعدما نموت ونكون تراباً وعظاماً سنخرج مرة أخرى؟ وقوله: ((مِتُّمْ))، هذه قراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالكسر، وقراءة الجمهور غير هؤلاء يقرءون: (إذا مُتم) بالضم من مات يموت موتاً، ومات يمات كذلك، فتكون مِتُ ومُتُ. قوله: ((إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا)) أي: صرتم تراباً وعظماً، ((أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ)) هؤلاء يتعجبون ويقولون: كيف سنرجع مرة ثانية إلى هذه الدنيا؟! قال تعالى: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:36] أي: لم ننظر أحداً مات ثم رجع، وكأنهم يقيسون الآخرة على الدنيا، ولذلك قالوا: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} [المؤمنون:35 - 36] وقوله: (هيهات) أي: بعد بعداً عظيماً، ومستحيل أن يكون هذا. فقوله: ((هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ))، هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر (هيهاتِ هيهاتِ لما توعدون) بالكسر فيها، ووقف عليها الكسائي وأبو عمرو هكذا: (هيهاه) وإذا وصلاها قالا: (هيهات هيهات) على قراءة الجمهور، لكن الجمهور إذا وقفوا عليها قالوا: (هيهات) بالتاء.
تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن له بمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن له بمؤمنين) قال الله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون:37]، أي: ما هي وما الشأن والأمر إلا أننا نعيش في هذه الدنيا ثم نموت وما نحن بمبعوثين. وهنا قدموا ذكر الموت على الحياة، فهل هذا فيه دليل على أنهم يؤمنون بأن بعد الموت حياة؟ لا، هم لا يقصدون هذا؛ لأنهم لو قصدوا ذلك لما قالوا بعد ذلك: ((وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)) لكن المقصود من كلامهم: ((نَمُوتُ وَنَحْيَا)) أنه يموت جيل ويحيا جيل آخر، يموت الآباء ويحيا الأبناء، ويموت الأبناء ويحيا الأحفاد وهكذا، أو (نموت ونحيا) أي: كنا أمواتاً وكنا نطفاً ثم صرنا أحياء، وبعد ذلك نموت ولا بعث بعده، أو على التقديم والتأخير، وأصلها نحيا ونموت، أي: حياة وبعد ذلك موت ولا يكون هناك بعث مرة أخرى. قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون:38]، يقولون عن نبيهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا: ((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ)) أي: (ما هو) فقصر الوصف عليه، أي: أن هذا صفة رجل من الرجال مثله مثلنا، ولكنه مفتر كذاب، والافتراء أشد الكذب، ((إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى)) أي: اختلق وكذب، ((عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ))، وكأنهم يقولون: نحن القدوة ونحن لن نؤمن له، فاتبعونا في هذا الشيء، وافعلوا كما نفعل نحن، فإننا لسنا لَهُ بِمُؤْمِنِينَ.
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون فبعدا للقوم الظالمين)
تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون فبعداً للقوم الظالمين) لما يئس رسولهم عليه الصلاة والسلام من إيمانهم دعا ربه سبحانه: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنون:39] أي: هؤلاء الذين كذبوني فانصرني عليهم بسبب تكذيبهم لي، وعدم قدرتي عليهم، فقال الله عز وجل مطمئناً له: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون:40] أي: اتركهم وانتظر عليهم فهم بعد حين ووقت يسير قليل سيصبحون نادمين على ما فعلوا، فهم يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم، انتهى الأمر وجاء العذاب من عند الله سبحانه، ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية، ولا ينفعهم ندمهم يوم القيامة ولا في قبورهم. وقوله: ((لَيُصْبِحُنَّ))، اللام قبل الفعل المضارع والنون المثقلة في آخره تدل على القسم، كأن الله سبحانه يطمئنه ويقول: والله ليصبحن نادمين فلا تخف، فكأن الله يقسم لنبيه عليه الصلاة والسلام أننا سننصرك عليهم، وسينظرون ما الذي يحدث لهم. قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:41] هذا هو الذي عاقب الله به قوم عاد، وجاء في آية أخرى قوله: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ} [فصلت:16] أي: ريح عاصفة شديدة البرودة عظيمة الهبوب فيها الأحجار تقذف هؤلاء وترفعهم ثم تقلبهم على رءوسهم، فهم ينزلون كأعجاز نخل منقعر، قد انقعر وقد جز من أصله، فالله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحاً شديدة، وصاح بهم ملك من ملائكة رب العالمين، قال تعالى: ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) أي: أهلكهم الله ورفعهم بالرياح فألقاهم على رءوسهم، فصاروا كأعجاز نخل منقعر، وقوله: ((فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً)) أي: جعلهم غثاء كغثاء السيل، وهو الزبد الذي يكون على سطح الماء على وجه ماء البحر أو النهر، هذا هو الغثاء الذي ليس له قيمة ولا ينتفع بمثله، فصاروا كهذا الغثاء فلا قيمة لهم ولا قدر لهم. ((فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) أي: سحقاً لهم وتباً لهم وعقوبة شديدة للقوم الظالمين، ليس هؤلاء فقط بل هم وأمثالهم وكل من فيه هذه الصفة صفة الظلم الأكبر، من ظلم نفسه بتركه عبادة الله سبحانه، وظلم أنبياء الله سبحانه فلم يتبعهم فيما قالوا، وكذبهم وافترى عليهم، فبعداً وسحقاً وعذاباً للقوم الظالمين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [42 - 49]
تفسير سورة المؤمنون [42 - 49] يخبر الله عز وجل عن الأقوام السابقين، وما كانوا عليه من الجهل بالله والكفر والشرك، ولكنه برحمته ولطفه يرسل إليهم الرسل ليقيم عليهم الحجة والبرهان، فمنهم من يؤمن بهؤلاء الرسل ويصدقهم، وهم قليل، ومنهم من يكذب بهؤلاء الرسل ويعاندهم ويحاربهم بكل ما أوتي من قوة، وهم للأسف كثير، فأعداء الرسل والحق دائماً كثر، ولكن الله لهم بالمرصاد.
تفسير قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين)
تفسير قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:42 - 44]. يخبر الله عز وجل في هذه الآيات أنه أنشأ بعد قوم نوح وقوم عاد قروناً آخرين، منهم من ذكر الله عز وجل لنا في كتابه، ومنهم من لم يذكر لنا. قال: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ)، المذكورون قبل ذلك كانوا قوم نوح، وقوم عاد أو ثمود، ثم أنشأ الله خلقاً آخر بعدما أهلك قوم نوح، ومن بعدهم أهلك عاداً، ثم أنشأ قروناً آخرين.
تفسير قوله تعالى: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون)
تفسير قوله تعالى: (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) قال تعالى: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [المؤمنون:43]، الأجل محدود عند الله سبحانه وتعالى، والعمر معدود عنده سبحانه، فلا أمة تسبق أجلها ولا تستأخر عنه، وتسبق الأجل: كأنه يأتيها فتفوت من الأجل، أو أنها تسبقه وتموت ويقضى عليها قبل ما كتبه الله عز وجل، ولا يستأخرون عن أجلهم، فإذا جاء الأجل فمهما طلبوا النظرة لا ينظرهم الله سبحانه وتعالى، فهم لا يستأخرون عنه. إذاً: لا يقدرون على أن يفوتوا الله سبحانه وما هم بمعجزين، لا يموتون قبل الأجل الذي كتبه الله، ولا يتأخرون عن هذا الأجل، فهم لا يسبقون أجلهم ولا يستأخرون. وقوله: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ)، أي أمة لها أجل عند الله عز وجل، تكون الأمة فيها العدد وفيها العُدد، وفيها الكثرة والقوة، فيأتي عليهم العذاب في حينهم، فإذا بالله عز وجل يهلكهم ويبيدهم، ويخلق من بعدهم قروناً آخرين، وتصبح هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام موجودة ذكرى من ذكريات الأقوام الذين يجيئون من بعدهم. فانظروا إلى قوم نوح كيف كانوا، وكيف علو، وكيف كان يقال عنهم: إنهم يعيشون ويعمرون عمراً طويلاً، ونوح عليه الصلاة والسلام مكث فيهم يدعوهم إلى الله عز وجل، حتى ظن أنهم لن يؤمنوا، يئس من إيمان هؤلاء القوم، وأخبره الله سبحانه: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود:36]، فكانوا في عزة ومنعة وقوة، وفجأة أبادهم الله عز وجل وأغرقهم فلا شيء من هؤلاء الأقوام يبقى إلا الأثر. وجاء من بعدهم قوم عاد، {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر:7]، وقد كانوا يبنون البيوت العالية في الجبال فيتحصنون بها، ويعيثون في الأرض فساداً، فكفروا بالله سبحانه، وكذبوا نبيهم هوداً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وافتخروا بأنفسهم وبقوتهم وعلوهم؛ فجاء وقتهم وأجلهم، فأبادهم الله سبحانه بصيحة ورياح صرصر شديدة، فأهلكهم وجعلهم {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر:20]، وانتهى قوم عاد فانتهت عاد الأولى. ثم جاءت من بعدهم عاد الأخرى أو قوم ثمود، ولم يعتبروا بما حدث لقوم نوح ولقوم عاد، والله عز وجل حذرهم على لسان نبيهم صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فكل أمة تأتي وتعيش تظن أنها لن يهلكها الله سبحانه وتعالى، فظنوا أنهم لا يزالون موجودين هم وأبناؤهم وأحفادهم وأنهم لن يهلكوا، ولكن الله عز وجل أبى أن يرفع شيئاً إلا وضعه. فهنا يذكر أنه أنشأ من بعدهم قروناً آخرين منهم من نعرفهم، ومنهم من لم نسمع عنهم، قال: (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ)، فيأتي الأجل فلا تسبقه ولا تستأخر عنه.
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا)
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا) قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:44]. قوله: (تَتْرَا) بمعنى متتابعين، وقد يكون معنى التتابع على كلمة (تترا) أي: بينهم مهلة، فيأتي الرسول ويمكث في قومه فترة، ثم بعد ذلك يأتي هؤلاء القوم فيهلكهم الله ويموت الرسول عليه الصلاة والسلام، وينشئ الله عز وجل قوماً آخرين، ويرسل إليهم رسولاً آخر يدعوهم إلى الله عز وجل، فكأن قوله: (أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا)، أي: أن قوماً يأتيهم رسول فيهلكهم الله عز وجل، ثم يأتي القوم من بعدهم فيرسل إليهم رسولاً، وهكذا. فالتواتر: هو التتابع، ومنه تواتر المطر أي: نزل بعضه وراء بعض، وهنا الرسل أرسلهم الله عز وجل متتابعين يتبع بعضهم بعضاً. وهذا من رحمة رب العالمين بعباده سبحانه، أنه لا يتركهم وأنفسهم وهواهم وشياطينهم، وإلا فإنهم سوف يضلون ولا شك في ذلك، ولكن الله عز وجل ينزل كتباً من السماء، ويرسل رسلاً لكي لا يكون لهؤلاء الأقوام حجة على الله عز وجل بعدما أنزل الكتب، وبعدما أرسل الرسل. والله عز وجل جعل حججاً كثيرة على ابن آدم، فجعل في نفسه قلباً وعقلاً فينظر ويعتبر ويستمع ويتأثر، ويعرف بفطرته وقلبه وعقله وتفكيره أن هذا الكون لا بد أن يكون له خالق سبحانه وتعالى، ويعرف أن هذا الخالق هو الذي يستحق أن يعبد، ومع ذلك يغويه الشيطان، ويجعله يعبد غير خالقه سبحانه، فلم يترك الله عز وجل العباد لفطرهم فقط، ولكن أنزل كتباً من السماء، وأرسل رسلاً يدعون القوم إلى ربهم سبحانه، ولعل هؤلاء الأقوام يكذبون الرسل، فجعل مع كل رسول علامة ومعجزة وآية تدل على أنه رسول من عند رب العالمين. إذاً: هنا أرسل الرسل وجعل معهم الحجج، وجعل الآيات البينات التي يفهمها كل ذي عقل، ويراها كل ذي عينين، وحينها ليس لأحد حجة على الله عز وجل بعدما فعل بهم ذلك سبحانه. وقوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) (تترا) فيها قراءات: فعلى الوصل تقرأ: (ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها)، وتقرأ: (ثم أرسلنا رسلنا تتراً كل ما جاء أمة رسولها). فقرأها أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو بالتنوين: (تتراً) ويظهر هذا في الوصل، وقرأها باقي القراء: (تترا) بالألف في آخرها، فعلى قراءة هؤلاء سيقرأ البعض منهم بالتقليل مثل ورش، وسيقرأ البعض منهم بالإمالة: مثل حمزة والكسائي وخلف، وسيقرؤها الباقون بالفتح: (تترا)، وسيظهر الفرق بين قراءة هؤلاء والآخرين عند الوصل، أي: في قراءة: (تترا كلما)، و (تتراً كلما) وفي الوقف سيظهر أيضاً الخلاف بينهم فيمن يقف عليها بالفتح، ومن يقف عليها بالتقليل، ومن يقف عليها بالإمالة. قوله: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ)، (كل) هنا فيها عموم، فكل الأقوام الذين أرسل الله عز وجل إليهم رسلاً أول ما يواجهون رسولهم بالتكذيب، ولذلك يخبر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بدعاً من الرسل: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9]، فهو ليس شيئاً جديداً، بل من قبله كانت هناك رسل، وليس هو أول من جوبه بالتكذيب عليه الصلاة والسلام، بل كل الرسل من قبله قد جوبهوا بالتكذيب. إذاً: الإنسان الذي يدعو إلى الله عز وجل لا ينتظر أن يكون الأمر سهلاً، أنه مجرد ما يدعو إنساناً إلى الله فإنه يستجيب له بسرعة، فلست أكرم على الله من رسله عليهم الصلاة والسلام الذين جوبهوا بالتكذيب من أول ما دعوا. قال تعالى: (كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)، أي: أنهم قلدوا من قبلهم، فجاءهم ما جاء الذين من قبلهم، {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2] أي: قيسوا أنفسكم على هؤلاء الرسل، فهؤلاء المكذبون كذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام فأهلكوا. فالذين من بعدهم اتبعوهم في التكذيب فأتبعناهم بالعقوبة، وعجلناهم بها، والذين من بعدهم هكذا، (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) أي: إهلاكاً بعد إهلاك، فكل من كذب الله سبحانه وتعالى أهلكه. قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) والأحاديث هنا: جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به، يعني: جعلناهم قصصاً وحكايات للناس، فيتذكروا قوم عاد، وماذا عملوا حتى أهلكهم الله، فبعدما كانوا قوماً لهم مكانة وشأن وديار انتهوا، ولكن تتحدث عنهم حكايات قوم نوح وقوم عاد فقوله: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ) جمع أحدوثة، وهي: ما يتحدث به، كالأعاجيب تتعجب من شأنهم وأمرهم. وغالباً ما يطلق ذلك على الشر، أي: جعلناهم أحاديث في الإهلاك، وقد يطلق ذلك في الخير، ولكن الغالب في الشر، فجعل هؤلاء القوم أحاديث معناه: أنه أبادهم وأفناهم وجعل فيهم عبرة لمن اعتبر، قال الله سبحانه في الآية الأخرى: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ:19]، فأصبحوا ذكرى، فتتذكر هؤلاء القوم الذين أساءوا فأهلكهم الله ومزقهم وأبادهم. ثم من بعد هؤلاء أنشأ الله قروناً كثيرة، ما بين نوح وبين موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام آلاف السنين، ومئات القرون الذين أرسل الله إليهم رسله، قال تعالى: {مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78]. ثم بعد ذلك التراخي: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) وراء بعض، ومن ثم في النهاية جاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأخوه هارون.
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون)
تفسير قوله تعالى: (ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون) قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون:45] أرسل الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام ومعه أخوه هارون: (بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ) بالآيات التسع البينات: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والأخذ بالسنين، فالله سبحانه وتعالى أرسل آيات لقوم فرعون، فأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، وأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم واليد والعصا ليروا آيات الله عز وجل البينات، فكذبوا. فكان قوم فرعون كلما رأوا شيئاً من الآيات يكادون أن يستجيبوا، ثم يرجعون مرة ثانية إلى التكذيب، فيقولون: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:134] كلام باللسان، ومجرد ما يدعو لهم موسى ربه سبحانه وتعالى ويكشف عنهم الغم الذي هم فيه سرعان ما يرجعون إلى التكذيب، ويقولون عن موسى: إنه ساحر عليه الصلاة والسلام. قوله: (وَسُلْطَانٍ) السلطان هو الحجج البينة عندما يناظره فرعون، يقول فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23] فيرد عليه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:24 - 28]. وفرعون كلامه كله تخريف، أي: كلام ينطق به، فيقول: ما رب العالمين؟ وعندما يجيبه يقول له: أنت ساحر مبين، تتكلم بكلام جنوني، وسندخلك السجن فنجعلك من المسجونين، ولكن موسى يرد عليه بالآيات البينات، وبالحجج الواضحة، يقول: ربنا رب السماوات والأرض. وفرعون كان يقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، فهو الذي زعم أنه رب مع الله، وهذه الكلمة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى، والخلق كلهم يعرفون ذلك مستيقنين أنه لا رب إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يقدر على الخلق والرزق والإعطاء والمنع إلا الرب سبحانه وتعالى، ولم يجادل في ذلك إلا اثنان فقط جعلهم الله عز وجل عبرة للخلق، وهما: النمرود وفرعون، النمرود قال لإبراهيم ذلك: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] تجبر وزعم ذلك، فأحرجه إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة:258] ألست تدعي الربوبية فأت بالشمس من المغرب؟ {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة:258]، فعندما يزعم الإنسان أنه رب لا بد أن يظهر الله عز وجل كذبه ويفضحه، فبهت هذا الإنسان ولم يقدر على الجواب. وهذا فرعون ذلك الذي زعم أنه رب وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وقال: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ} [غافر:36]، وقال: {فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38] ويصعد فوق الصرح والسور العالي، ثم ينزل فيقول: لم أجد شيئاً، لا يوجد رب هناك! ومن ثم يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ويقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51] انظر هنا إلى هذا الكلام الفارغ الذي يقوله هذا الملعون! يقول لقومه: انظروا أنا الملك هنا! أليست هذه الأنهار تجري من تحتي؟! كأنه هو الذي أوجد هذه الأنهار، وكأنه هو الذي خلق هؤلاء، فقال الله سبحانه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف:54]. قوم لا عقل لهم، فاستخف بهم وضحك عليهم وخدعهم، فإذا بهم يستجيبون لما يقول ويتابعونه فيما يأمرهم به.
تفسير قوله تعالى: (إلى فرعون وملئه فاستكبروا)
تفسير قوله تعالى: (إلى فرعون وملئه فاستكبروا) فلما جاءه موسى وجادله بالحجج البينة، وأراه الآيات البينات، أبى فرعون إلا أن يكذب، قال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ} [المؤمنون:45 - 46] موسى رسول عليه الصلاة والسلام، وأخوه هارون أرسله الله عز وجل، وكان أكبر من موسى بسنة، وكان نبيناً ببركة دعوة موسى له، فقد دعا له أن يكون نبياً، فالله عز وجل جعله مع أخيه نبياً. فأرسلهما إلى فرعون وملئه، والملأ: السادة الكبار من القوم، (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)، أخذتهم العزة بالإثم واستكبروا نظراً لأنهم أكبر من موسى وأفضل منه، فرأوا في أنفسهم القوة والعلو، ورأوا في غيرهم الضعف والهوان، فقال الله سبحانه: (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ). وقال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص:4]، والعلو هنا هو قهر الغير والتجبر عليه، (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ) أي: متكبرين قاهرين لغيرهم ظلماً، كما قال الله عز وجل: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ).
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا فكانوا من المهلكين)
تفسير قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا فكانوا من المهلكين) قال تعالى: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون:47]، هذه دعوى كل الأقوام المكذبين للرسل: لم يجد الله غيركم! وأنتم بشر مثلنا! لماذا أنتم الذين جئتم تدعوننا؟! لا ينظرون إلى ما أتوا به من كتب من عند الله ومن آيات ومعجزات، ولكن ينظرون إلى كونه من البشر، فأنت بشر مثلنا، تأكل مما نأكل وتشرب مما نشرب، فبماذا فضلت علينا حتى يبعثك الله؟ إذاً لن نؤمن لك. قال تعالى: (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ) أي: إن بني إسرائيل مسخرون في مصر خداماً وعبيداً لفرعون وملئه، فإذا كنت أنت من هؤلاء القوم فكيف نؤمن لكما وقومكما لنا عابدون؟! لنا نؤمن لكما، قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون:49] فلم يهتدوا بهذا الكتاب الذي جاءهم به موسى عليه الصلاة والسلام بل كذبوا فكانت النتيجة: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون:48] هذه هي العاقبة في الدنيا، العاقبة السيئة لكل من كذب رسل الله، وأعرض عن الله، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله ليمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
تفسير سورة المؤمنون [49 - 53]
تفسير سورة المؤمنون [49 - 53] يذكر الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام ما كان عليه من سبقه من الأنبياء، ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام، ويعتبر عيسى وأمه وتفاصيل حياتهما معجزة أبهرت العقول. ويأمر الله عز وجل عباده أن يأكلوا من الطيبات، فالأكل من الطيب ينبت جسداً طيباً فيكون عوناً له على طاعة الله جل في علاه.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:49 - 52]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قد آتى النبي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الكتاب، أي: التوراة، وقوله (لعلهم يهتدون) أي: من أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل، لعلهم يهتدون بأحكامها والشريعة التي أنزل الله عز وجل فيها. قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون:49]، فالله عز وجل أنشأ القرون وأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى دين رب العالمين، ويهدونهم إلى صراط الله سبحانه، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء أنبياء ورسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقوام بكتب من عند الله سبحانه وتعالى كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فليس بدعاً من الرسل، بل إن موسى دعا بني إسرائيل، ولكن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد خصه الله عز وجل بأشياء، وفُضل على من قبله بأشياء، منها: أن رسالته عامة صلوات الله وسلامه عليه، وأما الأنبياء قبله فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد بعث إلى الثقلين الإنس والجن، وإلى الأبيض والأحمر والأسود، وإلى جميع الخلق يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى. وهذه السورة مكية يخبر الله فيها عن أحوال الرسل، وعن الأقوام الذين دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكيف كذبوا وكيف انتقم الله عز وجل منهم. وبنو إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض أراد الله عز وجل أن يمن عليهم وأن يظهرهم وأن يقويهم، وأرسل إليهم موسى عليه الصلاة والسلام برسالة من عند رب العالمين وهي التوراة، رسالة فيها شريعتهم، فجاء ودعا بني إسرائيل وعلمهم وأرشدهم، ودعا فرعون ليعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً. فأخبر عز وجل أنه كذب موسى، قال: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون:48]، أي: فرعون وملؤه، (فَكَذَّبُوهُمَا) أي: كذبوا موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام (فَكَانُوا) فرعون وملؤه (مِنَ الْمُهْلَكِينَ).
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية)
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون:50]. قوله: (وجعلنا ابن مريم) أي: عيسى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أحد رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأحد أولي العزم من الرسل، والذي جعله الله سبحانه وأمه آية من آيات رب العالمين، وقد نذرت أمها أن تجعل ما في بطنها لله محرراً، فكان ما في بطنها أنثى فرضي بذلك، وقالت لربها: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران:36]، أي: الله أعلم بالذي وضعته أنه أنثى، وقد نذرته باعتبار أن يكون ذكراً، ولكن وفت بنذرها وجعلت الذي في بطنها لله محرراً، أي: لخدمة ربها سبحانه، وخدمة دين ربها، وخدمة بيت المقدس، فكانت مريم آية من الآيات أن حملت وهي لم يطأها أحد، ولم تتزوج، فجعل الله عز وجل فيها آية من الآيات، وجاء المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام بغير أب، فهي حملت بغير زوج وإنما بنفخة من روح القدس، وجاء المسيح عليه الصلاة والسلام بغير أب، فكان هو وأمه آية من آيات رب العالمين. قال تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، أي: جعلناها تأوي هي وابنها إلى مكان في الأرض، في بلد من بلدان الله سبحانه وتعالى، (إلى ربوة)، والربوة هي المكان المرتفع، وقالوا: إنها توجد في مكان اسمه: (الرملة) من بلاد فلسطين، والله عز وجل آواهما، فهو سبحانه الذي يخلق وهو الذي يرزق، وهو الذي يؤوي، وهو الذي يدافع عن الذين آمنوا. ولما جاءت أمه بهذا الولد إذا ببني إسرائيل يتهمونها بالزنا، ويحاولون إشاعة هذا الأمر بين الناس، فحماها الله عز وجل وآواها، فجاء بنو إسرائيل ليكذبوا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأنطقه الله سبحانه وتعالى وهو في المهد صبياً: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:30 - 31]، تكلم وهو رضيع يرضع من ثدي أمه، وقد كلم القوم بهذا الكلام الفصيح البليغ، يدعوهم إلى رب العالمين، ويخبر عن نفسه أنه نبي من أنبياء رب العالمين، فكان آية، والله عز وجل حماهما ودفع عنهما البلاء، وآواهما إلى مكان مرتفع (إلى ربوة ذات قرار) أي: مكان طيب يستقرون فيه أو يستقرون عليه، والقرار: هو المكان المستوي، ولا يُستقر إلا بمكان فيه زروع وثمار، فيستطيع الإنسان أن يعيش فيه، وكأنه كناية عما في هذا المكان من أرض فلسطين أو غيرها من زروع وثمار يأكل منها المسيح عليه الصلاة والسلام وأمه. (ومعين) وكذلك فيها معين أي: عين ماء جارية، والسيدة مريم كفلها الله عز وجل زكريا، وجعلها في كفالة زكريا وهي صغيرة، إلى أن بلغت وهو الذي يكفلها، قال تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران:37]، فكان أمر الرزق الذي يسوقه الله عز وجل إليها آية من الآيات، فهي في المحراب، وفي غرفتها، وفي بيت المقدس، في مكان لا يدخل إليها أحد فيه، والذي يأتيها بالطعام هو زوج خالتها، وهو زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكان عندما يدخل إليها ينظر وإذا به يلقى طعاماً يختلف عن الذي أتاها به، فكان يسألها فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:37]، فكانت آية من الآيات أن آواها الله عز وجل هي وابنها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) أي: عين مياه عذبة جارية. وقد رعاها الله وهي تلد، فكان يقول لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم:25]، فالله عز وجل آواها إلى مكان تلد فيه ولا يطلع عليها أحد في هذا المكان، ولا يزعجها أحد، فحملت في بطنها هذا الغلام الكريم والذي هو نبي من أنبياء الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله عز وجل جعلها في هذا المكان لتستقر فيه وتضع فيه ولدها، فآواها الله سبحانه، ولم تحتج إلى مولدة تولدها، ولم تحتج إلى أحد يعينها، فالله سبحانه وتعالى تكفل لها بكل أمرها كما يكفل لغيرها سبحانه، ولكن اعتنى بها مزيد عناية من فضله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا} [مريم:26]، وقد جعل تحتها جدول ماء تأكل من البلح والرطب من هذه النخلة وتشرب من الماء. قال سبحانه: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ} [المؤمنون:50]، (ربوة) بفتح الراء، وهذه قراءة ابن عامر وعاصم، وقراءة باقي القراء: (إِلَى رِبْوَةٍ) ففيها لغتان. وقوله: {ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون:50]، (قرار) البعض يرققها مثل الأزرق عن ورش، وحمزة أيضاًً يقرؤها بالإمالة أو بالتقليل، وغيرهم يقرءونها بالإمالة، وهم أبو عمرو وابن ذكوان وبخلفه والكسائي، وورش وحمزة يقللونها، وباقي القراء يقرءونها: ((قَرَارٍ)) بالفتح، إذاً: فيها ثلاث قراءات.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً) قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) مع أنه لا يوجد على قيد الحياة غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الخطاب باستحضار جميع من أرسلهم الله عز وجل، فالله عز وجل كأنه يحضرهم ويخاطب الجميع، فحين يذكرهم الله عز وجل هنا أي: اذكروا أني خلقت الرسل كلهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وأني أمرتهم بهذا الأمر، فقلت لهم: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)، بما فيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [المؤمنون:51]، وإذا قال هذا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والذين يستحيل أن يأكلوا من غير الطيبات وهم الذين عصمهم الله، وهذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، فإذا كان الرسل نأمرهم بهذا فأنتم يا بني آدم أولى بهذا الأمر؛ لأن الرسل لن يعصوا ربهم ولن يأكلوا من غير الطيبات، فأنتم أولى بهذا الأمر، فإذا قال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51] فكأنه يقول: لباقي الخلق {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]. وقد وضح لنا ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)، وهنا الأمر للرسل عليهم الصلاة والسلام، والأمر للمؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172]، فأمر الله عز وجل خلقه أن يأكلوا من الطيبات. فقد أمر الله عز وجل الرسل بذلك، وأمر المؤمنين بذلك، ثم ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم ما يترتب على خلاف ذلك، وإذا كان الإنسان في حياته لا يهتم لأمر مأكله ومشربه حلالاً كان أو حراماً، ولا يهمه ما ستكون النتيجة وهي أنه سيحتاج إلى ربه، ويرفع يديه لربه وهو محتاج، وهو في ضيق، وفي شدة، وفي كرب، وقد لا يستجاب له، فقال: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) والإنسان المسافر مستجاب الدعوة، والمؤمن الذي يسافر يجد في طريقه صعوبات ومشقات فتأتيه رحمة رب العالمين سبحانه فيما هو فيه، فيستجيب دعاء هذا الإنسان المكروب، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62] سبحانه وتعالى. قال: (يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، (أشعث): غير مرتب الشعر، (أغبر): عليه من غبار الطريق، (يمد يديه إلى السماء)، وفيه أن السنة عند الدعاء أن ترفع يديك إلى السماء في الدعاء، قائلاً: (يا رب يا رب! ومطعمه حرام)، أي: والحال أن الأكل الذي كان يأكله قبل ذلك أو حالاً كان أكلاً حراماً، (ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) أي: من أين يستجاب لهذا الإنسان؟! وهذا لا يعني أنه لا يستجاب له أبداً، فأمر الاستجابة لله سبحانه وتعالى، ولكن أسباب الإجابة ليست موجودة، فلا يستحق هذا الإنسان أن يستجاب له، ولكن الله رءوف بعباده، فالله لطيف، والله كريم سبحانه، وقد يعصي العبد ويدعو ربه فيستجيب له سبحانه وتعالى، ولكن يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا لا يستحق الإجابة، فإذا دعا العبد ولم يستجب له فليراجع نفسه في طعامه، وفي شرابه، وفي ملبسه وفي غذائه، وهل هو مطيع لله أم هو يأكل المحرمات ويفعل المحرمات. قال الله سبحانه: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، فالإنسان يأكل من الطيبات فإذا أكل شكر الله سبحانه وتعالى، وإذا أنعم الله عز وجل على العبد وأعطاه من فضله ومن رزقه فشكر الله فله نعمتان: نعمة الإعطاء من الرزق، والنعمة الأخرى: التوفيق للحمد وللشكر. وإذا أكل العبد وقال: الحمد لله، والشكر لله، وحمد ربه وشكره، كان هذا أحب إلى الله مما أعطاه للعبد، فالله يعطي للعبد دنيا، والدنيا لا قيمة لها عند الله عز وجل، والعبد يتقرب إلى الله سبحانه بالتسبيح والتحميد والشكر له سبحانه، وهذا يترتب عليه الأجر الأخروي، فهذا أحب إلى الله عز وجل، وإن كان الاثنان من الله الكريم سبحانه، فالله هو الذي يرزق، والله هو الذي يوفقك لشكره سبحانه وتعالى، فكانت الثانية أحب إلى الله عز وجل وهي توفيق عبده لأن يشكره سبحانه. قال تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)، وكأن الأكل الطيب يعين على العمل الصالح، والأكل الحرام لا يعين على العمل الصالح، فينبت جسد الإنسان من الحلال، والجسد النابت من حلال أحرى أن يعبد الله وأن يتصرف في ملكوت الله عز وجل بما يرضي الله سبحانه، والذي يأكل من حرام ينبت جسده من حرام، فالنار أولى به. فلذلك قال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فإذا أكلتم من الطيبات اعملوا صالحاً فسوف توفقون لذلك (وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وهذا دليل على أن الله سبحانه تبارك وتعالى يعلم كل شيء من عمل الإنسان الظاهر والخفي، وعمل القلب، وهذا كله عند الله عز وجل معلوم لا يخفى عليه شيء. وكذلك في سياق الآية التهديد والوعيد بالأسلوب اللطيف من ربنا سبحانه وتعالى، فإذا كان يعلم سبحانه وتعالى، وقدرة الله عز وجل وراء ذلك، فهو الذي يعلم وله القدرة سبحانه وتعالى العظيمة أن يجازي العبد على عمل الخير بخير وعلى عمل الشر بما يستحق، فإذا قال: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، يعني: أعرف ما تعملون وأجازيكم على أفعالكم.
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة)
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة) قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52]. قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) هذه قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ويقرؤها أبو عمرو: (وَأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً)، ويقرأها باقي القراء وهم نافع وأبو جعفر المدنيان وابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب البصريان: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ). قال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} [المؤمنون:52]، الأمة تطلق على معانٍ، ولكن في هذه الآية أطلقت على أحد المعاني وهو الدين، ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف:22]، أي: على ملة، فقال الله عز وجل للمؤمنين: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} [المؤمنون:52]، أي: هذه ملتكم، وهذا دينكم دين واحد وهو دين التوحيد، {وَأَنَا رَبُّكُمْ} [المؤمنون:52] أتيتكم بهذا الدين، وعلمتكم شرائعه فاعبدون واتقون وحدي سبحانه وتعالى. (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)، أي: هذه ملتكم وهذا دينكم، وهو دين واحد دين التوحيد فاعبدوا ربكم سبحانه، {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون:52].
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا)
تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) يبين لنا الله في الآية التي بعدها ماذا عمل العباد فقال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]، أي: إذا بهم يتفرقون في دين الله، فهذا يعبد الله وهذا يشرك بالله، وتأتي كتب الله عز وجل تدعو الناس، ولا ينظرون إلى المتأخر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتبعونه، وشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم هي التي نسخت كل الشرائع من قبله، قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا} [المؤمنون:53] أي: قطعاً، والزبر: جمع زبور وهو الكتاب، وكأن كل واحد فرح بالكتاب الذي عنده ولم ينظر إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتبعه، ففرحوا بما عندهم. قال تعالى: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]، فالله سبحانه ينهى الأمة عن التفرق ويأمر الجميع أن يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمة الدعوة، فهؤلاء صاروا نصارى، وهؤلاء الصابئة، وهؤلاء عباد الكواكب والنجوم، وهكذا، وأمة النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا أيضاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اختلفت اليهود على إحدى وسبعين ملة، واختلفت النصارى على ثنتين وسبعين ملة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: هي الجماعة)، أو قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، أو قال: (ما أنا عليه وأصحابي)، والذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو كتاب ربه وسنته عليه الصلاة والسلام، فمن تمسك بذلك كان من الفرقة الناجية. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم الفرقة الناجية، ونسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [51 - 60]
تفسير سورة المؤمنون [51 - 60] يذكر الله سبحانه وتعالى أن دينه واحد لجميع الأمم والأنبياء والرسل، فهو دين يدعو إلى الخير ويحارب الشر، ومع ذلك لما جاء البشر العلم والطريق الصحيح اختلفوا فيه وتفرقوا إلى فرق وأحزاب وطوائف، كل حزب بما لديه متمسك وفرح، وكل حزب يحسب أنه على الصواب وأنه على هدى، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل أمة أو فرقة تبعث يوم القيامة على ما كانت عليه من دين، وفي ذلك اليوم يتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن أحدثوا من أمته من بعده وغيروا وبدلوا.
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة كل حزب بما لديهم فرحون)
تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة كل حزب بما لديهم فرحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ * فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:52 - 61]. لما أمر الله عز وجل الرسل عليهم الصلاة والسلام بأن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحاً، وأخبر أنه بما يعملون عليم، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة:172]، وقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51])، فذكر أن الرسل مأمورون بأن يأكلوا من الطيبات، وأن المؤمنين كذلك مأمورون بما أمر به المرسلون عليهم الصلاة والسلام، والله بما يعمل الجميع عليم سبحانه، وفيها من التهديد ما فيها، أن الإنسان إذا لم يأكل من الحلال ويترك الحرام فالله به عليم، وإذا كان الله عليماً بما يعمل هذا الإنسان فسوف يحاسبه ويعاقبه، ولا مفر له من ربه سبحانه وتعالى إلا أن يتوب إلى الله. ثم قال الله سبحانه: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وقد قلنا: إن كلمة (أمة) تأتي بمعانٍ عدة، والمعنى المقصود هنا: أن الأمة بمعنى: الملة، أي: وإن هذه ملتكم، فهي ملة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والملة التي ارتضاها الله عز وجل هي الدين، قال تعالى: {ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، فهو دين الإسلام، والمعنى: إن هذا دينكم دين واحد، وهو دين التوحيد، وهي عقيدة واحدة أُرسل بها جميع الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى قوله تعالى: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:32]، أي: يدعون إلى (لا إله إلا الله) إلى دين واحد، وأخبرنا سبحانه وتعالى أنهم يتفرقون في ذلك، فقال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، وأخبر الله سبحانه بقوله: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118 - 119]، فلا يزال الناس مختلفين، والله عز وجل يعلم ذلك، وخلقهم وقدر عنده ما يكون من أمر عباده، فالعباد مهما جاءهم من عند الله من كتاب أو شريعة فمنهم مؤمن ومنهم كافر، والمؤمنون منهم لا يزالون مختلفين فيما بينهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الأمة: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)، فكلهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكن يتنازعون فيما بينهم في أشياء؛ فيفرقون دينهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام:159]، فقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن اتخذ دينه لعباً، وممن اتخذ دينه فرقة يفرق فيه بما يشاء ويتبع هواه، ويتبع غير سبيل المؤمنين، والله سبحانه وتعالى يحذرنا من التفرق. وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ} [الأنبياء:92]، فالرب واحد، وبذلك يكون الدين واحداً، والله سبحانه وتعالى هو الرب وهو الذي شرع هذا الدين سبحانه، فالعبيد عبيد لله سبحانه، فلا بد أن يتبعوا منهج الله فيكونوا على ملة وعلى دين واحد، ولكن جاء الشيطان فنزع الناس من دين ربهم إلى الأهواء فـ (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: كل إنسان فرحٌ بما هو فيه من أهواء، ومن بعد عن دين الله، ويظن أنه على الحق. قال سبحانه: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: تقطعوا أمر دين رب العالمين، وأمر شرعه سبحانه، تقطعوه فيما بينهم، فكل إنسان أخذ بشيء واتبع هواه في أشياء، فتقطعوا الدين زبراً، والزبر: القطعة، أي: كل واحد أخذ قطعة منه ولم يتوحد الجميع، والله سبحانه وتعالى يقول: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة:63]، فالإنسان المؤمن يأخذ دين الله سبحانه كتاباً وسنة، ولكن الذي ينزع بشيء فيأخذه ويترك باقي الأشياء، فهذا من الذين اتبعوا أهواءهم. قال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا)، أي: قطعاً، (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي: هؤلاء يفرحون بهذا الجزء وهؤلاء بهذا الجزء، وكل منهم يتمسك بشيء ويترك أشياء لا يأخذ بها، فيفرح بما أخذ ولا ينعى على نفسه أنه ترك باقي هذا الدين العظيم. وأهل البدع وأهل الضلال كل إنسان منهم يقول: لا إله إلا الله، لكنه يبتدع ويخترع في دين الله، ويفرح بما اخترعه وابتدعه، ويظن أنه على شيء، فهو ترك الكتاب وترك سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفرح ببدعته، ولعله يترك واجبات من واجبات الدين، ويظن أنه على خير، ويظن أنه على صلاح وعلى تقوى، والله عز وجل يخبر عن حال هؤلاء أهل البدع والأهواء أنهم فرحون بما هم فيه. ولذلك كان صاحب المعصية قد يرجى أن يتوب سريعاً إلى الله سبحانه وتعالى، وصاحب البدعة تتباطأ عنه توبته، وصاحب المعصية يعرف أنه عاصٍ، فلعله يندم على المعصية ويتوب، أما صاحب البدعة فهو فرحٌ بما هو فيه، فلذلك لا يراجع نفسه، فقلَّ أن يتوب صاحب البدعة ويراجع أمر دينه ويرجع إلى ربه سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى وسم هؤلاء بأنهم في فرح بالذي هم فيه، ويظنون أنهم على شيء، ويحسبون أنهم مهتدون.
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين)
تفسير قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين) قال تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:54]، يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: لا يضيق صدرك من عمل هؤلاء الذين فرقوا الدين، والذين تأخروا عن دين الله سبحانه، وقد قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الخلق جميعهم، فيقال: هذا نبينا صلى الله عليه وسلم وهذه أمته، والأمة: إما أمة الدعوة وإما أمة الإجابة، وكلا الأمتين تتفرق، وأمة الدعوة هي التي بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيهم الذكر والأنثى، وفيهم الإنسان التقي وفيهم الشقي، وفيهم من أهل الأوثان وأهل عبادة الصليب واليهود وغير ذلك، فأمة الدعوة: كل من يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أرسل إليهم، وقد أرسل إلى جميع من هم على الأرض في عهده إلى يوم القيامة، وأما أمته الذين يأتي إمامهم يوم القيامة: فهم الذين استجابوا له صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا: لا إله إلا الله. فالله سبحانه وتعالى أخبر عن هذه الأمة كلها أنهم لا يزالون مختلفين، فيأتي اليهود على ما هم فيه، والنصارى على ما هم فيه، وأهل الأوثان على ما هم فيه، ويأتي المسلمون الذين يقولون: (لا إله إلا الله) يدخلون في الدين يخترعون ويبتدعون ويتركون دين الله سبحانه، ويخبر عنهم يوم القيامة أنهم يذادون عن حوضه يوم القيامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليذادن أقوام عن حوضي يوم القيامة فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً، ألا بعداً ألا بعداً)، يقول: بعداً لهؤلاء الذين أحدثوا، وهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم ابتدعوا في دين الله وفرقوا دينهم، فلما جاءوا يوم القيامة جاءوا مسلمين، وعلامات الصلاة بادية في وجوههم من آثار السجود، وفي أيديهم وفي أرجلهم، ولكنهم لما كادوا يصلون إلى حوض النبي صلى الله عليه وسلم أبعدوا عنه؛ لأنهم ابتدعوا في دين الله سبحانه، فكل إنسان يترك دين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يخشى عليه أن يأتي يوم القيامة فيذاد عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، أي: يدفع ويبعد عن حوضه، ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا بعداً) أي: لمن أحدث بعدي، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، والذي يحدث في دين الله ويعمل عملاً ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا جماعة المسلمين فأمره مردود عليه، مهما زعم أنه يتقرب إلى الله عز وجل بذلك. فالله سبحانه نزل الكتاب وأرسل رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتبع الناس ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف:3]، أي: لا تتبعوا شركاء من دون الله سبحانه، ولكن اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]، فالمؤمنون على بصيرة من دينهم يتعلمون أمر دينهم، ويتبعون الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون إمامهم يوم القيامة النبي صلوات الله وسلامه عليه. أما أهل الأهواء فيتبعون ما يخترعون، قال تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ). يقول تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) والغمرة: ما يغمرك، وهو الشيء الذي يغمر الإنسان ويغطيه، ومنه الغمر: الماء الكثير الذي يغمر الأرض ويغمر ما تحته، فقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ)، أي: في عمايتهم، وفي ضلالتهم، وفي حيرتهم، وفي شكهم، وفي ابتعادهم عن دين الله سبحانه وتعالى، وفيما طبع على قلوبهم من غشاوة وغلاف، فذرهم في ذلك واتركهم، ولا تحزن عليهم، فنحن سنحاسبهم ونعذبهم. وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ) كلمة وعيد وتوعد من الله تعالى، وما جاءت هذه الكلمة في القرآن كله إلا بمعنى الوعيد، قال تعالى: (حَتَّى حِينٍ)، لو قال: (إلى حين) فقد يكون فيها شيء من المتاع، وشيء من الراحة، ولكن (حَتَّى حِينٍ) معناها: اصبر عليهم فسنريهم حتى يأتيهم العذاب أو حتى يأتيهم الموت فيحاسبهم الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين بل لا يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين بل لا يشعرون) ثم يقول سبحانه: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55 - 56]. قوله: (أَيَحْسَبُونَ)، قرأها نافع وابن عامر وحمزة وأبو جعفر: (أيحسِبون)، وقرأها باقي القراء: (أيحسَبون). وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: هل تظنون أننا كلما أعطيناكم من مال وأمددناكم ببنين وذرية معناه: أنكم من أهل الخير وتستحقون الخير؟ هل هذا دليل على استحقاقكم عند الله يوم القيامة الجنة والنعيم؟ إن الدنيا قد يعطيها الله عز وجل من يحب ومن لا يحب، فعطاء الله للناس في الدنيا ليس دليلاً على أنه يعطيهم يوم القيامة أيضاً، بل قد يكون إملاء واستدراجاً لهم، ولهذا قال تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ)، أي: ما نعطيهم في هذه الدنيا، وقوله تعالى: (مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ)، فليس معنى هذا: أننا نسارع في إعطائهم الخيرات من أجل أن نعطيهم خيرات يوم القيامة، فهذه الخيرات معجلة لهم في الدنيا ولا خير لهم في الآخرة، فهم لم يحسوا أننا نملي لهم، قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]. وقوله تعالى: (بَل لا يَشْعُرُونَ) أي: فهم في غفلة، فالإنسان في غفلة وفي نوم حتى إذا مات استيقظ من هذا النوم، وقام من رقدته ومن غفلته، فالدنيا غفلة للإنسان وحلم من الأحلام، إذا مضى هذا الحلم وجاءه الموت واستيقظ يرى الواقع الأليم الذي كان عليه.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بربهم لا يشركون)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بربهم لا يشركون) ثم ذكر المؤمنين الصالحين الذين يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بالعمل الصالح وقلوبهم وجلة، وما أكثر الصفات الحسنة في المؤمنين التي يذكرها الله عز وجل في كتابه، فيذكر في سورة بعضاً من الصفات وفي سورة أخرى بعضاً آخر منها، فبدأ هذه السورة بقوله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون:1 - 4]، إلى آخر ما ذكر، ثم ذكر صفات أخرى لهؤلاء المؤمنين في نفس السورة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون:57]، فالمؤمن يخشى ربه سبحانه، وقلبه ممتلئ خوفاً ووجلاً من الله سبحانه وتعالى، فيعمل الأعمال الصالحة وهو خائف ألا تقبل هذه الأعمال فكيف يكون حاله إذا عصى الله سبحانه! وما من إنسان إلا ويقع في معصية، مؤمن وغيره، والله عز وجل تواب رحيم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). فهؤلاء المؤمنون يعملون الطاعة خائفين من الله عز وجل ألا يقبلها منهم، فهل يتخيل في هؤلاء أنهم يعصون الله وهم غير مشفقين؟! قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، أي: خائفون وجلون من لقاء ربهم سبحانه ومن عذابه. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:58]، أي: أن العقيدة الإيمانية ملأت قلوبهم، فهم يؤمنون ويصدقون، ويعملون بما يعتقدون وبما يصدقون، ويعملون لليوم الآخر، ويعملون خوفاً من الله سبحانه وتعالى إيماناً به، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:59]، فهم بربهم لا يشركون، فعبادتهم موجهة لربهم وحده لا شريك له، لا رياء فيها، ولا خوف من أحد إلا من الله سبحانه وتعالى، ولا يوجهونها إلى الله وإلى غيره، بل إلى الله وحده لا شريك له، فهم لا يشركون بالله في شيء من العبادات أبداً.
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)
تفسير قوله تعالى: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]، من الصفات الكريمة في الإنسان المؤمن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ)، أي: يعطون، فيعطون عملاً، ويعطون مالاً، ويعطون إخلاصاً ونية، ويعطون ويقدمون أعمالاً تكتبها الملائكة، فهم يعطون الأعمال والملائكة يكتبونها، فكل أعمالهم على الإخلاص وعلى التقوى، وهم كما قال الله تعالى: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، أي: قلوبهم خائفة وخاشعة لله رب العالمين، (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، فالمؤمن يعرف أنه راجع إلى الله، فمهما عمل من عمل ينظر أمامه: يا ترى هل هذا العمل موافق للكتاب والسنة أو مخالف لهما؟ وهل هو موافق لمراد الله؟ وإذا كان موافقاً فهل هذا الذي أعمله أنا مخلص فيه أو لست مخلصاً؟ فهو يقدم العمل المتابع للكتاب والسنة وينظر في إخلاصه، وبعد ذلك يخاف ألا يقبل هذا العمل. وقد جاء في حديث عند الترمذي وابن ماجة ما يوضح لنا هذا المعنى، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60]: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟)، أي: يؤتون ما آتوا من المعاصي وهم خائفون؟ هل هذا هو المعنى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون). هذه هي طبيعة المؤمن، وهي فطرة الله سبحانه وتعالى، فقلبه قد عرف ربه، وصدق وآمن، فهو يخشى ربه، ففي قلبه الإيمان الذي عرفه بقدرة الله سبحانه، والناس ما قدروا الله حق قدره، والإنسان المؤمن يحاول أن يصل إلى درجات المعرفة واليقين العالية، فهو في خوف من الله سبحانه وتعالى، فيؤتي ما آتى، يصلي ولا يمن، ولا يقول: أنا صليت، وأنا سأدخل الجنة، بل يعطي زكاته ويتصدق بالصدقة ويعمل الخيرات ولا يركن إلى ذلك أنه قد نجا بهذا الشيء، فتراه يخاف ألا يقبل منه. فإذا كان إبراهيم النبي المعصوم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وإسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقولان لله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} [البقرة:127]، وهما يبنيان البيت الذي سيحج إليه الملايين من البشر إلى يوم الدين، وهذا يعني أنه (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها)، فالإنسان الذي يبني لله عز وجل مسجداً كلما صلى فيه إنسان كان له بهذا الذي بناه أجر، إذاً: سيكون أجر إبراهيم وإسماعيل ببنائهم هذا البيت من آلاف السنين ويحج إليه الملايين ويصلون فيه ما لا يحصيه من الأجور إلا الله، ومع ذلك يخافون من الله ألا يقبل منهما، فيقولان: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127]، فالإنسان المؤمن يخاف من الله سبحانه ألا يقبل عمله، ويعمل العمل وهو ينظر إلى الآخرة أنه راجع إلى الله، فيخاف أن يموت على غير الإسلام، فيقول كما قال يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما ذكر الملك الذي هو فيه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:101]. فيوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام آتاه الله الملك والعلم والنبوة، وعلم تأويل الرؤى والأحلام، وآتاه الله عز وجل من فضله في الدنيا، وهو وليه سبحانه، دافع عنه، وكان معه حين طرده إخوته، ووضعوه في غيابة الجب، وحين أُخِذَ عبداً وحين نجاه الله سبحانه وتعالى، فجعله ولداً عند من أخذوه وربوه، وبعد ذلك صار عزيزاً لمصر عليه الصلاة والسلام. مع كل ما أعطاه الله من النعم والأفضال يقول: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا)؛ لأن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً، إنما المهم هي الآخرة، فثبتني على دين الإسلام حتى ألقاك عليه، وتوفني على الإسلام، قال تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). نسأل الله عز وجل أن يتوفانا مسلمين وأن يحلقنا بالصالحين، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [57 - 66]
تفسير سورة المؤمنون [57 - 66] بين الله عز وجل في كتابه صفات عباده المؤمنين من أجل أن يتصف بها المسلم، ويتخلق بها في حياته، ويظهرها في سلوكه، فوصفهم الله عز وجل بأعظم الصفات وأفضلها وأرقاها، فهم في خشية منه سبحانه، مؤمنون به، بعيدون عن الشرك، خائفون وجلون منه سبحانه، مع مسابقتهم بالخيرات بين يديه تقرباً إليه. ومن رحمته سبحانه بخلقه أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، أو يوقعهم في الحرج، وإنما كلفهم ما يستطيعونه ويقدرون عليه، ومع هذه الرحمة منه سبحانه بعباده إلا أن الكفار بعيدون عن هديه ودينه، معرضون على شرعه وكتابه، لا يعرفونه إلا وقت الشدائد والأزمات.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون أنهم إلى ربهم راجعون)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون أنهم إلى ربهم راجعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون:57 - 66]. أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن صفات للمؤمنين ترفعهم عند الله سبحانه وتعالى. ومن أهم هذه الصفات: الخشية من الله سبحانه وتعالى، والإيمان بآيات الله، وعدم الشرك بالله سبحانه، والخوف من عدم قبول الأعمال، قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [المؤمنون:57]، أي: أنهم يخافون من الله سبحانه وتعالى، ويشفقون من لقائه. فكل إنسان منهم يتهم نفسه في معاصيه لعلها لا تغفر له، ويتهم نفسه في طاعته لعلها لا تقبل منه، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) فهم قد عرفوا قدرة الله سبحانه، وعرفوا عذابه فكانوا مشفقين من عذابه. قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:58]، أي: أنهم صدقوا بكل ما جاء من عند رب العالمين سبحانه، وعملوا بمقتضى هذا التصديق، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:59]، أي: أنهم لما صدقوا لم يجعلوا مع الله إلهاً آخر يتوجهون إليه بالعبادة، ولم يشركوا في عبادتهم لله عز وجل شيئاً، ولم يراءوا ولم يسّمعوا بعملهم، وإنما عملوا لله مخلصين له في دينه. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون:60]، جاء في الحديث أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الذين: يُؤْتُونَ مَا آتَوا، قالت: (أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون وهم مشفقون خائفون من الله عز وجل؟ فقال: لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون). فالإنسان المؤمن يصوم ويصلي ويتصدق ويفعل الطاعات، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويخشى ألا يقبل منه ذلك فهو يخلص لله سبحانه وتعالى، ويتوجه إليه بالدعاء أن يستجيب له سبحانه، وأن يتقبل منه هذا العمل، قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) أي: أنهم عملوا أعمالاً سجلتها الملائكة، فآتوا الملائكة ما يكتبونه في الكتب التي بأيديهم. وقوله: (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)، أي: أنهم يعلمون أنهم سيرجعون إلى الله وسيقفون بين يديه، وأنه سيحاسبهم ويجزيهم سبحانه، فخافوا من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يسارعون في الخيرات) قال الله عز وجل يمدحهم: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61]، أي: ويسابقون فيها، والخير لا بد أن يسبق إليه الإنسان المؤمن، كما قال الله عز وجل: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} [الحديد:21]، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133]. فالإنسان المؤمن يسارع ويسابق إلى الخير، وأما الشر فهو بطيء عنه ومتباعد عنه، فلا يريد أن يقع فيه؛ لأنه يخاف من الله. فأولئك المؤمنون (يسارعون في الخيرات) أي: في جميع وجوه الخير، وهذه عادة الإنسان المؤمن أنه يحاول أن يحصل الطاعة من كل وجوهها، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإذا قدر أتى بالفريضة، والنافلة، وأتى بكل ما أمر الله عز وجل به ما استطاع سبيلاً إلى ذلك، فهو يسارع في الخيرات، ويخشى أن يسوف. وأما الإنسان طويل الأمل فإنه يبدأ ويقول: غداً سوف أصلي وغداً سوف أصوم وغداً سوف أتوب وغداً سوف أعمل كذا، ثم لا يأتي غداً هذا الذي يزعمه، وقد يأتي عليه الموت قبل أن يتوب، وأما الإنسان المؤمن فإنه يسارع؛ لأنه لا يدري ما الذي سيحدث له بعد ذلك، فهو يفعل الخير الذي نواه، ولا يؤجله، فلعله يموت قبل أن يفعله، وإن كانت نية الخير يؤجر عليها، ولكن فرق بين من نوى وعمل، وبين من نوى ولم يعمل. والإنسان الذي يعمل تضاعف له الحسنة بعشر أمثالها، إلى أضعاف مضاعفة مما يشاء الله سبحانه، وأما الذي نوى ولم يعمل فلعل الذي منعه عن العمل بخله بالطاعة، فتكون لا له ولا عليه، ولعل الذي منعه شيء من قدر الله سبحانه وتعالى ولو استطاع لفعل، فهذه يأجره الله عز وجل وقد يضاعف له، ولكن ليست المضاعفة للإنسان الذي نوى وعمل كالمضاعفة للإنسان الذي نوى ولم يعمل، والأمر إلى الله سبحانه يفعل ما يشاء. فالإنسان المؤمن يحرص على ألا تضيع منه طاعة من الطاعات، وألا يضيع عليه أجر من الأجور، فهو يسارع ويسابق بالخير كي يملأ كتابه عند ربه سبحانه من الثواب ومن الحسنات، كما قال تعالى: (أُوْلَئِكَ)، أي: المؤمنون (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: سبقت لهم من الله عز وجل السعادة فسارعوا في الخيرات، وقالوا: معناها: هم من أجل الخيرات سابقون فهم مسابقون لغيرهم، وسابقون لهم في الطاعة، كما قال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين:26] قال تعالى: (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، أي: لجنة رب العالمين هم من السابقين الذين يحرصون على ذلك، فسبقوا غيرهم، وسبقت لهم من ربهم الحسنى، فهم سابقون. وقد قال الله عز وجل عن هؤلاء: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا} [الأنبياء:101]، أي: عن النار، {مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:101].
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها)
تفسير قوله تعالى: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها) قال الله سبحانه: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [المؤمنون:62]. لما ذكر الله عز وجل الخيرات والمسارعة إليها فلعل الإنسان يقول: لا أطيق أن أفعل كل شيء، فالله عز وجل يقول له: لا يكلفك الله كل شيء وأنت لا تقدر عليه، ولكن افعل ما استطعت، فما تستطيع إليه سبيلاً فافعله وسارع إليه، كما قال تعالى: (وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7]. فلا يكلفك الله عز وجل من العمل إلا ما تطيق، بل دون ما تطيق، وكل ما فرضه عليك فهو أقل مما تطيق، وانظر مثلاً إلى الصلاة، فقد كلفك الله عز وجل بخمس صلوات في اليوم والليلة، فأنت تصلي في اليوم والليلة خمس صلوات، سبع عشرة ركعة، وأنت تصلي معها نوافل اثنتي عشرة ركعة وزيادة، فأنت تطيق أكثر مما فرض الله سبحانه وتعالى عليك، وقد يقوم الإنسان من الليل قياماً طويلاً وهو يطيق هذا القيام، ويأتي رمضان على الإنسان فيصلي التراويح، ويصلي التهجد، ويصلي الفريضة، ويصلي نوافل بالليل وبالنهار، فهي صلوات كثيرة يطيقها الإنسان، والله عز وجل لم يكلفك كل هذا، وإنما كلفك بخمس صلوات في اليوم والليلة، وأما الباقي فهي نافلة إن شئت فعلت، وإن شئت لم تفعل، فالله سبحانه فضله عظيم، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. وفي الإنفاق يأمرك أن تنفق، فتبدأ بالنفقة الواجبة عليك، فيقول لك النبي صلى الله عليه وسلم: (أبدا بنفسك، ثم بمن تعول)، فلست مكلفاً بأن تعطي كل العائلة مالاً إذا كنت لا تملك شيئاً، بل لا تعط أحداً حتى تبدأ بنفسك أنت. فإن كان معك أكثر من ذلك فإن عليك أن تعول أولادك، وزوجتك، وخادمك، وأمك وأباك، فتبدأ بالأهم وبعد ذلك بالمهم وهكذا، فتكلف في الإنفاق أن تنفق بقدر الواجب الذي عليك، وإذا فرض الله عليك الزكاة كلفك أن تخرج ما لا يشق عليك، وقد شرعت الزكاة للرفق والمواساة، فكانت الزكاة مبناها على أمر الرفق بالمعطي الغني الذي يعطي هذه الزكاة، والمواساة للإنسان الفقير، من غير أن تضر بمالك، فجعلت الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر، أي: اثنين ونصفاً في المائة، وهو شيء يسير لا يشق عليك، كما قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. وأما زكاة الزروع والثمار إذا كانت تروى بالسقي وبالتعب منك فإن الواجب في ذلك نصف العشر، وأما إذا كانت تسقيها الأمطار ولا تتعب فيها فإن الواجب في ذلك العشر، والواحد من العشرة أو الواحد من العشرين شيء يسير، فالله عز وجل بفضله وبكرمه جعل الإنفاق الواجب عليك شيئاً يسيراً وليس شيئاً كثيراً. وعندما أمرك أن تحج إلى بيته الحرام لتطيع الله وتوحده سبحانه، وتقيم الشعيرة الذي نادى إليها إبراهيم، فإنه لو شاء لجعله واجباً عليك كل سنة، ولكنه جعل الحج والعمرة في العمر كله مرة واحدة، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه عندما قال: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا قالوا: أكل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم) إلى آخر الحديث، فجعل الحج والعمرة مرة واحدة، وهذه المرة الواحدة أيضاً مقيدة بالاستطاعة والقدرة، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران:97]. وهكذا في كل طاعة لله سبحانه لا يُكلف الإنسان ما يشق عليه فيستحيل أن يفعله، وإنما يكلف بالشيء الذي قد يكون فيه شيء من الجهد والتعب حتى يؤجر، وهو أيضاً يقدر على ذلك، ويقدر على ما هو أشبه به.
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا) ولكن كأن الكتاب الذي ينطق عليك بالحق يكون يوم القيامة، تأخذه من صحيفة الحسنات وصحيفة السيئات. قال سبحانه: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون:63]، يعني: هؤلاء الذين أشركوا بالله وكذبوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه معرضون عن الكتاب، ومعرضون عن نصح ربنا ونصح نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وقلوبهم في غمرة، أي: مغمورة، تقول: هذا الغمر مغطٍ وجه الأرض، فالقلوب مغطاة، أي: عليها أغلفة وحجب وعماء، فهم في عماء وفي غطاء وفي غفلة وفي عماية عن القرآن، وعن هذا النصح الذي في كتب الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ). فقلوب هؤلاء المشركين وقلوب هؤلاء الفجار والعاصين في حيرة، وفي عمى عما وصف الله عز وجل من أعمال البر، فهم عنها معرضون، فيسمعون الأمر بالصلاة ولكن القلوب غافلة، وليست حاضرة، ويسمعون الأمر بالصيام ويرون الناس صياماً في رمضان وهم مفطرون يشربون السجائر ولا يريدون أن يصوموا. فقلوبهم في غفلة، وهم غافلون عن العقوبة التي تكون يوم القيامة وغافلون عن عذاب الله سبحانه وتعالى، وهنا يخبرنا سبحانه: أن لهم أيضاً أعمالاً من دون ذلك. فالقلوب في غفلة عن الثواب، وهم معرضون عن الأعمال الصالحة، وأعمالهم دون الصلاح، أي: أنها من الأعمال الفاسدة والرديئة، يعني: ولهم أعمال في المعاصي رديئة وقبيحة أيضاًَ يفعلونها. فهم في إعراض عن الطاعة وعن الصلاة وعن الصوم، وعن الأفعال التي يتسابق بها المؤمنون إلى الله عز وجل، فهؤلاء العصاة في غفلة عن ذلك، وزيادة على ذلك هم في معاص وذنوب وأعمال دون ذلك. (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: من معاص ونحو ذلك، فلهم خطايا قد سجلها الله عز وجل وكتبها عليهم قبل ذلك. قال تعالى: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: نحن نعلم أنهم سيعملون معاصي، وقد كتبنا ذلك عندنا، وسيفعلون ما قلناه، فيقعون في المعاصي يوماً من الأيام فقوله: (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ)، أي: سيعملونها.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64]. والإنسان المترف: هو المنعم، فتنعم الإنسان في الدنيا مدعاة إلى الترف، ومدعاة إلى البعد عن الله، فتجد المنعم المرفه ينام الليل ولا يقوم لصلاة الفجر؛ لأن السرير أحلى عنده من أن يقوم لله سبحانه وتعالى. فهم مترفون قد أترفوا بالنعم التي من المفروض على الإنسان أن يشكر الله عز وجل عليها، وأن يقدرها بالشكر، وأن يقدم العمل الصالح الذي يوفقه الله عز وجل به لأن يدخل الجنة، ولكن هؤلاء لا يشكرون الله على نعمه، بل يعرضون عنه، ومنهم المشركون الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم لما رأوا أن الله عز وجل أنعم عليهم بالنعم أشركوا في عبادته وعبدوا غيره سبحانه، وجعلوا بهيمة الأنعام قسمين: فقسم لله وقسم لآلهتهم، فما كان لله فإنه يصل إلى آلهتهم، وما كان لآلهتهم فلا يجعلونه لله ولا يصل إلى الله. فهؤلاء المشركون لما أنعم الله عز وجل عليهم عبدوا غيره، فإذا جاءتهم البأساء والضراء يدعونه وحده سبحانه وتعالى، فلما تعنتوا على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ربه سبحانه فقال: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، أي: مثل السنين التي أصابت أهل مصر، أي: سبع سنوات عجاف، فطلب من ربه أن يضيق عليهم، لكي يرجعوا إليه، فقد كانت عادتهم أنهم في وقت الرخاء يشركون، وفي وقت البلاء يهرعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك، كما فعل بنو إسرائيل مع موسى، وكما فعل فرعون مع موسى. قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، والعذاب هنا هو العذاب الدنيوي؛ لأن العذاب الأخروي لن يرجعوا منه مرة أخرى، وأما في الدنيا فقد يتوبون ويرجعون إلى الله عز وجل، فيكشف عنهم العذاب، وأما يوم القيامة فلا كشف للعذاب عن هؤلاء. قالوا: والمقصد من هذا العذاب -أي: ما كان من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم- هو ابتلاؤهم، فإذا بهم يجأرون، أي: يصرخون ويضجون ويستغيثون ويرفعون أيديهم لربنا ليكشف عنهم هذا البلاء الذي هم فيه، فقد ابتلاهم الله عز وجل بالقحط، وبالجوع، حتى أكلوا العظام والميتة والكلاب والجيف والجلود، فما وجدوا شيئاً إلا وأكلوه. فلما اشتد عليهم الأمر ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلسوا يبكون ويطلبون منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم، وكان رحيماً صلى الله عليه وسلم، فدعا ربه سبحانه أن يكشف عنهم هذا العذاب، وقد ذكر الله عز وجل في سورة الدخان أنه سبحانه وتعالى أرسل عليهم هذه الشدة العظيمة، وبعد ذلك قال: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15]، أي: سترجعون وتكفرون مرة ثانية، وفعلاً رجعوا إلى ما كانوا عليه ولم يدخلوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكأن هذه الآية إشارة إلى ذلك، وفصلها في سورة الدخان. قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)، أي: بالعذاب في الدنيا، سواء ما كان من القحط الذي نزل عليهم، أو ما كان من القتل بالسيف في يوم بدر، وقتل رؤسائهم، فإذا هُمْ يَجْأَرُونَ، أي: الذين بقوا يجأرون ويضجون إلى الله عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون فكنتم على أعقابكم تنكصون)
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون فكنتم على أعقابكم تنكصون) قال سبحانه: {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ} [المؤمنون:65]، أي: إذا جاء عليكم العذاب فلن تقدروا أن تمتنعوا من بطشنا ومن عذابنا. (إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ)، وكأن المعنى: أن هؤلاء الذين قتلوا لا أحد يجيرهم، ولذلك وقف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم في قليب بدر يناديهم صلى الله عليه وسلم: (يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا وليد بن عتبة! ويا أبا جهل بن هشام هل وجدتهم ما وعد ربكم حقاً؟ فيقول له عمر: ما تسمع من أجساد قد جيفت -يعني: لا تسمع قولك- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع منهم)، فالله عز وجل أسمعهم ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد وجدوا ما وعد ربهم حقاً ولم يعد لهم الآن توبة ولا شيء، فقد صاروا أمواتاً، وصاروا إلى النار. وأما هؤلاء الأحياء فرجعوا يتعنتون، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في يوم أحد، ثم رجعوا بعد ذلك في الخندق، إلى أن أعز الله عز وجل جنده، وقال لهؤلاء: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ)، أي: لا تصرخوا، ولا تستغيثوا. (إِنَّكُمْ مِنَّا) أي: من عذابنا (لا تُنصَرُونَ) قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:66 - 67]، أي: قبل ذلك -قبل أن ينزل عليكم هذا العذاب بالقتل وبغيره- كانت تتلى عليكم هذه الآيات، (فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ)، أي: تعرضون عن سماع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ملأ الكبر قلوبهم، وجعلهم يعرضون عن سماع ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الاستفادة منه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [63 - 67]
تفسير سورة المؤمنون [63 - 67] ذكر الله عز وجل في هذه الآيات أن قلوب الكافرين في غفلة وضلالة عن الدين، وأن الله عز وجل عندما ينزل عليهم العذاب يوم القيامة إذا بهم يستغيثون به أن يكشف عنهم ما هم فيه، فاستغاثتهم بالله أن يرفع عنهم العذاب لا تنصرهم من عذاب الله؛ لأنهم كانوا في الدنيا مستكبرين على الحق تاركين له وراء ظهورهم.
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا)
تفسير قوله تعالى: (بل قلوبهم في غمرة من هذا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون:63 - 69]. في هذه الآيات من سورة المؤمنون يقول الله عز وجل عن الكفار المشركين الذين لم يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم مع ما بين لهم من الآيات وما دعاهم إليه من الهدى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} [المؤمنون:63] أي: قلوبهم في غفلة وعماية وضلالة من هذا التذكير ومن هذا الدين الذي جئت به، ولهم أعمال قبيحة من دون ذلك، كطعنهم في القرآن وطعنهم في النبي صلوات الله وسلامه عليه، و (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي: قد عرفها الله عز وجل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فلا تيأس من هؤلاء وادعهم إلى الله عز وجل، ولا تحزن عليهم إذا أخذهم عذاب رب العالمين سبحانه، فهم على ما عملوا في كفرهم وإعراضهم سيعملون أعمالاً أخرى قبيحة.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64] والمترفون من الناس هم المنعمون، وهؤلاء أكثر الناس عدم استجابة لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فكلما كانوا في دعة وفي رغد من العيش وفي علو في المناصب كلما كان إعراضهم أشد وبعدهم عن الدين أكثر، فهم فيما نعمهم الله عز وجل فيه مبسوطون بهذا الشيء مسرورون به، لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا ينقص شيئ في هذه الدنيا من رئاستهم وعلوهم، فالله عز وجل يملي لهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم. ومعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: كلما يأتيهم العذاب من عند الله سبحانه في أي صورة من صوره كالقتل في يوم بدر وغيرها من أيام نصر المؤمنين عليهم فأخذهم الله عز وجل بهذا العذاب. قال تعالى: ((إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ)) أي: كلما أتاهم شيء من عذاب الله عز وجل فإنهم يصرخون ويضجون ويستغيثون أن يكشف عنهم هذا العذاب مع أنهم في كفرهم وضلالهم.
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون)
تفسير قوله تعالى: (لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون) قال الله سبحانه وتعالى: {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ} [المؤمنون:65] وهم يصرخون ويستغيثون الله عز وجل فيقال لهم: لا تصرخوا ولا تجأروا ((إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ))، وحين أراد الله عز وجل أن يعذبهم وأن يأتي نصر الله عز وجل للمؤمنين يجأر الكافرون ويستفتحون ويدعون ربهم: اللهم من كنت غضبت عليه منا فأته بهذا العذاب، اللهم أقطعنا للرحم، يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يأت بقطيعة الرحم عليه الصلاة والسلام، وإنما هم بإعراضهم وتكذيبهم هم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك، فقد جاء ليصل الأرحام عليه الصلاة والسلام، وهم كانوا يعترفون بذلك أنه جاء يأمرهم بصلة الأرحام، وبالصلاة، ويأمرهم صلوات الله وسلامه عليه بالإنفاق على ذوي القربى، ويأمرهم بالزكاة، ويأمرهم بالخير كله عليه الصلاة والسلام، عرفوا ذلك ومع ذلك يقولون: هو أقطع الناس للرحم صلوات الله وسلامه عليه، قال لهم ربنا لما جاءهم العذاب: لا تجأروا، لا تصرخوا اليوم (إنكم منا) أي: من عذابنا (لا تنصرون).
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون)
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون) قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون:66] والمعنى: أنهم كانوا يعرضون فلا يسمعون للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يغطون وجوههم حتى لا يروا النبي صلى الله عليه وسلم فيعرضون عنه. ومعنى (ينكصون) أي: يرجعون ويتقهقرون إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله تعالى، فيبتعدون عنه صلى الله عليه وسلم، ويرجعون على ظهورهم.
تفسير قوله تعالى: (مستكبرين به سامرا تهجرون)
تفسير قوله تعالى: (مستكبرين به سامراً تهجرون) قال الله تعالى: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:67] هؤلاء المشركون كانوا يستمعون إلى القرآن ولكن لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن عظيم، وهم يعرفون ذلك، وله حلاوة، وهم يحبون أن يستمعوا إلى حلاوة القرآن، أما أن يؤمنوا به، فهم يسمعون القرآن لجماله لا أنهم يريدون أن يدخلوا في الدين، فإذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر لا يفعلونه؛ لأنهم هم الذين يأمرون وينهون، ولذلك كانوا يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم صادق أمين عليه الصلاة والسلام لا يكذب، ويقول أبو جهل: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا كنا وهم قاب قوسين أو أدنى قالوا: منا نبي، وأنى لنا ذلك! فالأمر أمر عناد واستكبار من أن يكونوا أتباعاً لبني هاشم. وكانوا يقولون كما ذكر الله عنهم: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] أي: أنزل هذا القرآن على محمد من بني هاشم عليه الصلاة والسلام ولم ينزل على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أو على غني آخر من أغنياء قريش. ومعنى ذلك: أنهم لم يتبعوه ولم ينظروا إلى الحق الذي جاء به وإنما نظروا إليه صلى الله عليه وسلم أنه أفضل منهم فلم يدخلوا في الدين، فربنا سبحانه وتعالى أخبر عن حال هؤلاء أنهم نكصوا عن دين الله وتراجعوا القهقرى، ولم يدخلوا دين الله، مستكبرين بالمكان الذي هم فيه، فهم أهل الحرم، فإذا جاء وقت الحج خرج الناس إلى عرفة، وعرفة من الحل، أما هم فلا يصعدون جبل عرفة؛ لأنهم أهل الحرم فهم مميزون على غيرهم، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يفيض هو ومن معه من هؤلاء القرشيين من حيث أفاض الناس، فيخرجون من الحرم إلى الحل -وهو جبل عرفات- ثم يرجعون إلى مزدلفة ومنى فيجمعون في الحج بين الحل والحرم، فالكفار كانوا يعتقدون أنهم أعظم الناس حرمة، وأن لهم حقوقاً على الناس، وأن الناس أتباع لهم وليسوا أتباعاً لأحد، هذا مع بعدهم عن دين الله عز وجل وعبادتهم للأصنام من دون الله سبحانه، فهم يستكبرون عن آيات الله لأنهم أهل الحرم، والمفترض أن الذي يعيش في الحرم يتواضع لأنه في هذا المكان الأمين العظيم الذي فيه بيت الله عز وجل. وقوله تعالى: (سَامِرًا تَهْجُرُونَ) (سامر) تأتي مفرداً وجمعاً، وهي بمعنى: سمار، والسمر: هو حديث الليل في ضوء القمر، ويتسامرون أي: يجلسون ويتكلمون بالليل في أمور دنياهم، ومنه الأسمر، وهو لون بين الأسود والأبيض كلون القمح والحنطة، فالكفار يتسامرون في الليل ويطعنون ويسبون النبي صلى الله عليه وسلم، فهم مستكبرون بالحرم وساهرون بالليل يهجرون.
القراءات في قوله تعالى (تهجرون)
القراءات في قوله تعالى (تهجرون) وقوله تعالى: (تَهْجُرُونَ) فيها قراءتان: قراءة نافع المدني: (تُهجرون)، وقراءة باقي القراء: (تَهجرون)، و (تُهجرون) من أهجر، ومنه الهُجر في الكلام بمعنى: الفحش والكلام القبيح، فهم يتكلمون بالفاحش من القول والقبيح من الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، و (تهَجرون) من الهجر، أي: قطيعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنه الهجرة أي: قطع هذا الشيء وانتقل عنه إلى غيره، فهم يقاطعون النبي صلى الله عليه وسلم، أو من الهجر بمعنى الهذيان والتخريف، يقال: المريض يهجر، بمعنى: يخرف، و (سامراً تهجرون) أي: يخرفون كهذيان المريض ويخلطون في الكلام، وكانوا يسهرون ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مجنون، وهذا القول من خرافاتهم وأكاذيبهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنه ليس بمجنون صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون عنه: ساحر، وأنه جاء بقطيعة الرحم وأنه كذاب، فيخلطون في الأقوال، والإنسان المجنون لا يميز بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وهؤلاء لا يميزون في كلامهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يهجرون أي: يهجرون ويخرفون في القول ويتكلمون بالفحش في النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الكلام في الليل، وكأنه من عادة المشركين، فهم يسهرون الليل من أجل أن يتكلموا في حقوق الناس أو ينشئوا الأشعار مثلاً.
كراهة السمر في الليل
كراهة السمر في الليل جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:67] والليل قد جعله الله عز وجل محلاً للنوم، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]، فالنهار للاستيقاظ والليل وقت للنوم، أو إذا قمت بالليل فصل واعبد ربك سبحانه وتعالى، وليس الليل محل السمر، إلا الإنسان العاصي البعيد عن الله وعن طاعته، فـ ابن عباس رضي الله عنهما ذكر في هذه الآية أن الله تعالى ذم أقواماً يسمرون في غير طاعة الله عز وجل، إما في هذيان وتخريف وكلام فارغ، أو في أذى وطعن وتدبير مكائد للناس. وكان سليمان بن مهران الأعمش من علماء وفقهاء التابعين ومن المحدثين كان يقول: إذا رأيت الشيخ ولم يكتب الحديث فاصفعه فإنه من شيوخ القمر، ومعنى كلامه: أنه لا يستحق الاحترام وإنما يستحق الضرب على قفاه؛ لأنه ضيع عمره وحياته في السهر بالليل للكلام والهذيان والتخريف حتى جاء في آخر حياته ولم يعرف شيئاً من سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان بعض العلماء يجتمعون في ليالي القمر فيتحدثون مع الخلفاء والأمراء ولا يحسن أحدهم أن يتوضأ، فيحسنون كل شيء إلا أمر دين الله تعالى. وجاء في صحيح مسلم عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبله والحديث بعده)، ومعنى ثلث الليل: أن الليل من المغرب إلى الفجر يقسم أثلاثاً، فالثلث الأول كان يصلي النبي صلى الله عليه وسلم فيه صلاة العشاء أحياناً وليس دائماً، وكان يخشى أن يشق على أصحابه صلى الله عليه وسلم من التأخير، وكان يحب أن يؤخر العشاء، وكان يكره النوم قبل صلاة العشاء لأنه سيضيع صلاة العشاء، ويكره الحديث بعدها وهو السمر والسهر، فمن صلى العشاء وأوتر ثم نام فقد غفر الله عز وجل له في نومه. فالإنسان الذي يسهر بعد صلاة العشاء في غير عمل صالح فإنه يجلب على نفسه ذنوباً بالسمر واللهو، والطعن في أعراض الناس بالغيبة والنميمة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أنه يسمر إلا أن يكون في مدارسة العلم وفي طاعة الله عز وجل. يقول العلماء: وأما الكراهية للنوم قبلها فلئلا يعرضها للفوات عن كل وقتها أو عن أفضل وقتها، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: فمن نام قبل العشاء فلا نامت عيناه، وهذا دعاء على الذي ينام قبل العشاء ويضيع صلاة العشاء. والله عز وجل يمحو عن المحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها خطاياه، فقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها،) يعني: الذنوب، ولا يزال الإنسان على ذلك حتى يصلي صلاة العشاء، والله عز وجل يذهب عنه من الخطايا ومن الذنوب، فالمفترض بعد ذلك إذا كان ربنا كفر عنك السيئات فلا تعمل سيئات جديدة باللهو وبالكلام الفارغ بعد العشاء. كذلك السهر إلى ساعة متأخرة من الليل كما يحدث عند كثير من الناس أنهم يسهرون إلى الساعة الثانية عشرة أو الواحدة أو الثانية بعد منتصف الليل، ثم بعد ذلك ينامون فيضيعون صلاة الفجر ويستيقظون بعد شروق الشمس ثم يصلون صلاة الصبح، فيضيعون على أنفسهم الفضيلة ويكتسبون من الآثام، فكره النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بعدها لما يجر هذا الحديث إلى تضييع العبادة واكتساب المآثم. فإذا ذهب إنسان إلى آخر بعد العشاء لحاجة من الحاجات فلا يطول عليه السهر فيضيع عليه وقته، فلا يستطيع أن يقوم من الليل، ولعله يضيع على نفسه صلاة الفجر، فاحرصوا على أوقاتكم، وكل إنسان مسلم يضن بوقته أن يضيعه في لهو ولعب ولغو، فإن الأوقات محسوبة عليك، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فإن لم تقطع وقتك بأخذ الثواب فاتك هذا الوقت ولن يرجع إليك مرة ثانية، فلذلك اجعل لنفسك في يومك وقتاً يكون لذكر الله عز وجل من نوافل وغيرها، واعمل لنفسك وقتاً لطلب العلم ولقيام الليل، ولا تضيع وقتك ووقت غيرك، فالوقت بعد العشاء إما أن يكون للنوم، أو لذكر الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت في ذلك فهذا خير، وإذا كنت في غير ذلك فلا. والدليل على جواز السمر بعد العشاء لذكر الله عز وجل ونحوه: ما جاء من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتي إليه بعض أصحابه أحياناً ويجلسون عنده جزءاً من الليل، كـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد جاء حديث طويل في ذهاب أبي بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودروسه معه بالليل ثم رجوعه إلى بيته. وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [64 - 71]
تفسير سورة المؤمنون [64 - 71] يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه إذا أخذ المنعمين المترفين بعذاب من عنده سبحانه إذا بهم يصرخون ويستغيثون ويضجون، لكن ذلك لن ينفعهم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا معه غيره، ولن يستطيع أحد على نصرتهم، فقد كانوا يسمعون آيات الله من النبي صلى الله عليه وسلم فيرجعون القهقرى ويبتعدون عنه حتى لا يسمعوا القرآن، وهم مع ذلك يستكبرون بمكانهم ومحلهم الذي هو مكة، ويتسامرون بالكلام القبيح الذي فيه طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله نعى عليهم عقولهم حيث إنهم كانوا يسمعون القرآن ولا يفهمونه ولا يتبعونه.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون إنكم منا لا تنصرون)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون إنكم منا لا تنصرون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:64 - 71]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن المكذبين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلهم الله عز وجل عبرة لغيرهم، كالذين من قبلهم لما كذبوا المرسلين أتاهم العذاب من عند رب العالمين. قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} [المؤمنون:64]، أي: المنعمين منهم، {بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64]، والعذب الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عذاباً عاماً؛ لأن الله سبحانه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، ولكن كان عذاباً لمجموعة من الناس بالقتل، قالوا: إنه لم يمنع عنهم المطر ولم يصابوا بالقحط، حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وقال: (اللهم أعني عليهم بسبع كسني يوسف)، فلما جاءهم مثل هذا العذاب جأروا لله عز وجل، ودعوا واستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم الذي هم فيه، كما ذكر الله عز وجل في سورة الدخان: {إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان:15 - 16]، فقد أخبر أنه سيرفع عنهم العذاب قليلاً من قحط وعدم نزول المطر، ومن جوع، ومن شدة، حتى يرجعوا ويؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل أخبر عنهم، {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:15]، أي: إلى غيكم وإلى ضلالكم ولن ينفعكم ذلك. وهنا قال: {حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} [المؤمنون:64] أي: يصرخون ويضجون، ويستغيثون. قال سبحانه: {لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ} [المؤمنون:65]، وهذا فيمن كتب الله عز وجل عليهم الشقاوة، وأنهم سيعيشون على الكفر ويموتون عليه، فمنهم من قتل يوم بدر ومنهم من أخذه الله عز وجل بعد ذلك.
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم مستكبرين به سامرا تهجرون)
تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم مستكبرين به سامراً تهجرون) قال سبحانه مبكتاً لهؤلاء: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} [المؤمنون:66]، يعني: كنتم لا تستمعون لهذا القرآن ولا لهذه الآيات، ولا تعتبرون بها، بل ترجعون القهقرى فتتأخرون وتبتعدون عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تستمعوا لما يقوله عليه الصلاة والسلام. قال سبحانه: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ} [المؤمنون:67]، يعني: بمساركم، أو بمحلكم، أو بالمكان الذي أنتم فيه وهو مكة، متعالين لأنكم أهل الحرم وأنكم أفضل من غيركم، وكان ينبغي لهؤلاء وإن كانوا أهل الحرم وقد جاءهم ذكر من الله سبحانه، أن يفتخروا بالقرآن العظيم، وكان المفروض عليهم أن يتبعوا القرآن العظيم الذي نزل من عند رب العالمين، ولكن كان حالهم أنهم (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً)، (سامراً) مفرد جمعها: سمار، أي: تتسامرون، فقد كانوا يسهرون الليل ويقولون الأقوال القبيحة يؤيدون بها ما هم عليه من باطل، ويردون ويطعنون على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: (تهجرون)، أي: تتكلمون بالقبيح من القول، فقال: إنكم بالليل تسهرون لتكيدوا للنبي صلى الله عليه وسلم وتطعنون فيه، فأنتم تهجرون، وكذلك تتكلمون وتهرفون بما لا تعرفون، فأنتم تهجرون، وتتكلمون بكلام الهجر الذي فيه الهذيان.
حكم السمر بعد العشاء
حكم السمر بعد العشاء لقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السمر بعد العشاء، فإذا صليتم العشاء فإما أن تناموا وإما أن تدعوا ربكم، وإما أن تصلوا، لكن الإنسان الذي يسهر ويلهو ويضيع وقته بعد العشاء فهذا لا ينبغي، وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها)، فإن الإنسان إذا نام قبل العشاء لعله يغلبه النوم فلا يقوم لصلاة العشاء، وكان يكره الحديث بعدها؛ لأن الإنسان آخر عمل يعمله هو صلاة العشاء، والملائكة قد كتبت هذه الصلاة، وهذه الصلاة كفارة لذنوبه التي بين الصلاتين، فلا ينبغي أن يلهو بكلام تكتب عليه بسببه ذنوب مرة أخرى، فالإنسان لا يزال في المباح حتى يقع في المكروه وحتى يقع في الحرام، فعلى ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسامرة بعد العشاء. والكراهية للحديث بعدها إلا أن يكون في ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن، وفي مدارسة العلم وتعليمه، وفي مصالح المسلمين فهذا جائز، والسهر بالليل للحراسة في سبيل الله عز وجل مباح بل فيه أجر عظيم، فقد جاء عند الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والليل وإن كان وقتاً للنوم لكن هذا في طاعة لله عز وجل وفي حراسة بلاد المسلمين، فله أجر عظيم على ذلك، وآخر قام يصلي ويبكي من خشية الله سبحانه وتعالى، وليس مقيداً بالليل بل إن بكى بالليل أو بالنهار فله أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى. وجاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرة: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم: وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأبو بكر الصديق ذهب بهم بعد العشاء، وأهل الصفة كانوا يجلسون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد شيئاً أرسلهم إليه كجهاد ونحوه، وكانوا فقراء، يأتي وقت العشاء وليس عندهم ما يأكلون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه الذي عنده طعام واحد يأخذ معه ثانياً، والذي عنده طعام اثنين يذهب معه بثالث، والذي عنده طعام ثلاثة يذهب معه برابع وهكذا. فـ أبو بكر الصديق أخذ ثلاثة وانطلق بهم إلى بيته رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عشرة ليطعمهم صلوات الله وسلامه عليه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع فمكث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، يعني: كأن أبا بكر الصديق تعشى قبل صلاة العشاء، وبعد ذلك صلى العشاء ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمكث مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الشاهد: أنه كان يسهر مع النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة وذكر وحاجات المسلمين، ففي مثل ذلك يجوز للإنسان أن يسهر بالليل، أما السمر من باب اللهو فلا، لكن من باب ذكر الله عز وجل، ومن باب الإعانة على الطاعة، فهذا جائز. فـ أبو بكر سهر عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم فقام وانصرف، وكان قبل ذلك قد ذهب بثلاثة من أهل الصفة إلى بيته ليتعشوا. فجاء أبو بكر رضي الله عنه بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما أخرك عن أضيافك؟ قال: أوما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليه فغلبوهم، أي: كأنهم استحيوا ألا يأكلوا وأبو بكر الصديق غير موجود، فرفضوا أن يأكلوا في بيته حتى يأتي أبو بكر، وكان المفترض طالما أنه أخذهم للعشاء أن يأمر أهل البيت أن يعشوهم فيتعشوا وينصرفوا، ولكن رفض الضيوف حتى يأتي أبو بكر رضي الله عنه. وفي لفظ في صحيح البخاري أن أبا بكر رضي الله عنه غضب من ذلك: لماذا تحرمونا من الأجر والثواب؟ ولماذا لم تأكلوا حتى هذا الوقت؟ فغضب أبو بكر وأمرهم أن يأكلوا، فحلفت امرأته ألا تطعم الطعام حتى يطعم، كأنها غضبت لغضب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فحلف أبو بكر ألا يأكل من الطعام، والأضياف حلفوا ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر، وكأن الضيوف لهم وجهة نظر وهي أنهم لو تعشوا لربما أكلوه كاملاً فيرجع أبو بكر وهم لم يتعش فلن يجد شيئاً، فانتظروا حتى يتعشوا هم وأبو بكر، فحلف أبو بكر ألا يأكل وحلفت المرأة ألا تأكل حتى يأكل أبو بكر، وحلف الأضياف ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر رضي الله عنه، لقد حلف مغضباً رضي الله تبارك وتعالى عنه بسبب الذي فعلوه، ولكن مع ذلك الرجوع للحق أحق، فلما حلف الجميع ألا يأكلوا قال: أكفر عن اليمين ونأكل، فأكل معهم رضي الله عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه). وربنا سبحانه وتعالى قال لنا في القرآن: {وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ} [البقرة:224]، فتجعل يمينك بالله عرضة وصادة عن فعل الخير فتمتنع من الخير وتقول: لقد حلفت، بل كفر عن اليمين وافعل الخير ولو حلفت. والمقصود أن أبا بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه أكل فأكلت المرأة وأكل الأضياف، وهنا كان العجب! قال: فجعلوا يأكلون وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ظهر من أسفلها أكثر منها، فكانت بركة من الله عز وجل لـ أبي بكر رضي الله عنه، جزاء ما أخذ الأضياف ليأكلوا معه وحلف ألا يأكل ثم كفر عن يمينه وأكل معهم، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا الذي حصل؟ فقالت: وقرت عيني إنها الآن لأكثر قبل أن نأكل منها، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها، فكانت من الله عز وجل بركة عظيمة أن يأكل أبو بكر ومن معه والطعام لا ينفد. والشاهد من الحديث: أن أبا بكر كان يسهر عند النبي صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه، حتى يقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم أبو بكر ويرجع إلى بيته رضي الله تبارك وتعالى عنه، فهذا قيد للنهي عن المسامرة بعد العشاء فهي جائزة في مدارسة العلم والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، أما في اللهو واللعب فهذا لا ينبغي.
تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول)
تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول) قال الله سبحانه وتعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68]، وهنا ينكر على المشركين وينعي عليهم أين عقولكم؟ هذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، وكانوا يستمعونه ويقولون: إنه كلام جميل، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، فهل كان استماعهم لهذا القرآن العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم مجرد استماع كالذي يستمع لأغنية فتعجبه ولا ينتبهون لما يقول؟ فهذه مصيبة على من يستمع إلى القرآن على أنه كلام جميل، ولا يتدبر ما فيه، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} [المؤمنون:68]، أي: أفلا يفهمون هذا الذي يستمعون إليه، {أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:68]، (أم) يقولون: إنها منقطعة فيها معنى الإضراب ومعناها: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فالمعنى: هؤلاء ما تدبروا، ولو كانوا يتدبرون لفهموا هذا الشيء، ولكن كانوا يستمعون بآذانهم فقط. (أَمْ جَاءَهُمْ) أي: بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، وهذا سبب الإعراض أنهم قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22]، أي: نحن نفعل ما كان آباؤنا يفعلونه ولن نفعل غير ذلك، فكأن الله عز وجل يقول: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فلماذا لا يتدبرون هذا القرآن؟ وقال في الآية الأخرى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، أي: هل على كل قلب قفل أقفل به هذا القلب وأغلق فلا يتدبر القرآن؟
تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم وأكثرهم للحق كارهون)
تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم وأكثرهم للحق كارهون) قال تعالى: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [المؤمنون:69]، أنكر على هؤلاء ونعى عليهم عدم فهمهم، هل هو بسبب عدم معرفة هذا الرسول الذي كنتم تصفونه بأنه الصادق الأمين؟ ومستحيل أن يسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد منهم فلا يعرفه، فالله عز وجل يقول: إن الذي يرفض أن يسمع القرآن ولا يتدبره ولا يفهمه كالأنعام، أو كالذي لم يعرف الرسول الكريم. يقول سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون:70]، (أم يقولون) أي: بل أيقولون إنه مجنون، وقد قالوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحقيقة أنهم غير مقتنعين بما يقولون، يقولون عنه: كذاب، وهم في أنفسهم يشعرون أنه صادق، فهم لم يسمعوا منه كذباً قبل ذلك، ويقولون عنه مجنون وهم لم يروا منه أثراً لهذا الجنون، فهم يقولون ويكذبون، فينعي ربهم عليهم ذلك الكذب الذي يقولونه، {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون:70]. بل قد جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه بالحق العظيم، قال تعالى: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون:70]، والكافر كاره للحق؛ لأنه يعرف أن الحق يدعوه إليه وهو لا يريد أن يأتي إلى هذا الحق الذي يراه، فقد عرف الحق وعرف الصواب، وعرف توحيد الله، ولكن أبى ذلك، فقد جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحق لكنهم يكرهون الحق حسداً، وبغياً، وتقليداً، فبعضهم يقلد بعضاً، وحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم فكرهوا ما جاء به؛ ولذلك يقول الله عز وجل: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54]، يقصد بالناس هنا النبي صلى الله عليه وسلم، {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء:54 - 55]، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحق، وسبب إعراض هؤلاء وكراهتهم لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم حسدوه صلوات الله وسلامه عليه، حتى قال أبو جهل: حتى قالوا منا نبي، فأنى لنا بنبي!
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) قال سبحانه: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71]، فالله عز وجل أتى بهذا القرآن العظيم ليرشد الناس، وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولو كان في هذا القرآن ما يتبع أهواء هؤلاء -وحاشا لكلام رب العالمين أن يتبع أهواء أحد من الناس- فمعنى ذلك: أنه ليس من عند الله سبحانه وتعالى، وما هي أهواؤهم؟ هي أن تكون الآلهة متعددة، ولو فكروا قليلاً هل هناك إله غير الله سبحانه وتعالى لتبين لهم قول الله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء:22]، أي: لفسدت السماوات والأرض، فسيكون هذا الإله يريد الشمس أن تشرق من المشرق، والثاني يريدها تشرق من المغرب، والأول يريد القمر هنا والثاني يريده في مكان آخر، وعندئذٍ ستتغير السماوات وتفسد، ولكن لما لم يحدث هذا في السماوات ولا في الأرض، ولم يفسد أي منهما، دل ذلك على أن الإله الذي يدبرها إله واحد، وهذا دليل التمانع. قال سبحانه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ} [المؤمنون:71]، أي: لو جاء في القرآن ما يهواه هؤلاء وما يريدونه لكان هناك إله غير الله سبحانه، وحاشا لله سبحانه، فلو كان هناك إله مع الله لفسدت السماوات والأرض، وفسد الكون، ولكن لم يحدث ذلك، فالقرآن يأتينا بالحق من عند رب العالمين وليس بما تريده أهواء هؤلاء، قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون:71]، أي: أتيناهم بفخرهم وبشرفهم وبعزهم وهو القرآن لو اتبعوه، ولكنهم أعرضوا عنه (فهم عن ذكرهم معرضون)، وشرف الدنيا والآخرة هو كتاب رب العالمين، وما جاءنا به من هدى من عنده سبحانه، فمن اتبعه كان له الشرف والعزة في الدنيا وفي الآخرة، ولكنهم أعرضوا عن القرآن فاستحقوا الهوان في الدنيا وفي الآخرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [70 - 80]
تفسير سورة المؤمنون [70 - 80] إن الدعاة إلى الله وعلى رأسهم أنبياء الله لا يأخذون على دعوتهم أجراً ولا يسألونه، فمن العجب أن يتنكر الناس لدعوتهم، كيف لا وهم يدعون إلى صراط رب العالمين، ومن ثم يعرض عنهم المعرضون الذين لم يؤمنوا بالآخرة، الذين علم الله أنهم قد استحقوا العذاب الأليم في الآخرة، بل قد أصابهم بشيء من ذلك في الدنيا فلم يرتدعوا عن غيهم، ولم يشكروا نعم الله عليهم.
تفسير قوله تعالى: (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون)
تفسير قوله تعالى: (بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ثم أما بعد: قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:72 - 80]. في هذه الآيات من سورة المؤمنون يخبر الله سبحانه وتعالى أنه أتى عباده بهذا الحق العظيم من عنده، قال سبحانه: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون:70] يريد بالحق في الآية: القرآن العظيم، إلا أن أكثرهم عن القرآن معرضون كراهية له.
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض) {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71]، ذكرنا أن الله عز وجل أنزل هذا القرآن بالحق، فيه الشريعة وفيه المنهج وفيه البيان، وفيه إرشاد القوم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولكنهم كانوا يحبون الابتعاد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعما جاء به من حق من عند رب العالمين، فقالوا كما حكى الله عنهم في سورة ص: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، فتعجبوا من غير عجب، وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم من غير سبب، ولكن كان الهوى في أنفسهم هو الذي يدفعهم إلى ذلك؛ لأنهم لو اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم فسيتركون الرئاسة التي هم فيها، ولأن كل إنسان يريد إتباع نفسه هواها يظن أنه لو اتبع النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تنازل عما كان عليه، وذلك لأن عقولهم بعدت عن ربهم سبحانه وتعالى، فتجدهم يقولون ما لا يعرفون، ويتكلمون بأشياء مفتراة، ومن ثم عندما يسلمون بعد ذلك يتبين لهم ما كانوا فيه من باطل، فتجد من يدخل الإسلام منهم يعجب من نفسه: كيف كان يعبد غير الله سبحانه! وكيف كان يتعجب من النبي صلى الله عليه وسلم! ويعلم أنه كان خليقاً به أن يتعجب من نفسه في إنكاره على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله سبحانه وتعالى أعمى أبصارهم، قال سبحانه: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] فتجد أن الأبصار لا ترى الحجج، وأن القلوب لا تعقل ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما جاءهم الحق كرهوه حسداً وبغياً على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يقلد بعضهم بعضاً، وطلبوا أن يكون هذا الذي يأتي به القرآن مثل الذي هم عليه، وأرادوا وقوع الشرك في هذا القرآن. قال سبحانه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71]، أي: لو كان الأمر بحسب أهواء هؤلاء، فإن أهواءهم متباينة ومتعارضة، وكل منهم يشتهي شيئاً قد لا يشتهيه الآخر ولا يطلبه، فلو نزل القرآن على ما يشتهيه هؤلاء فستفسد السماوات والأرض، ولأن كل شيء قام بالعدل، فلو نزل القرآن بالهوى الذي هم عليه لجاء بالباطل، وحاشا لكلام الله عز وجل أن يكون فيه باطل. قال سبحانه: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون:71]، ولكن الوقع أنها لم تفسد السماوات ولا الأرض ولا من فيهن، فعلى ذلك ما يقول هؤلاء هو الباطل، فأما القرآن فلم يأت إلا بالحق؛ لأنه لو جاء بباطل لفسدت السماوت والأرض ومن فيهن. إن التذكير مهمة القرآن، إذ إنه كتاب ذكر، قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون:71]، أي: أتيناهم بهذا القرآن العظيم الذي فيه الذكر، وفيه شرف لهؤلاء لو أنهم اتبعوه، ولكنهم أعرضوا فأنى لهم الشرف. قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71]، أي: هم عن شرفهم المنوط باتباع هذا القرآن قد أعرضوا، كما هم عن ذكر الله سبحانه وتعالى معرضون، وإعراضهم ليس بسبب أنك أثقلت عليهم أجر دعوتك فأنت لم تسألهم مالاً على دعوتك، قال تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72]، (أم) هي المنقطعة بمعنى: بل والهمزة، والمعنى: بل أتسألهم خرجاً؟ والخرج هو الرزق. وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] أي: قل لهم يا محمد: لا أريد منكم أجراً ولا رزقاً، وإنما أطلب منكم أن تراعوني في قرابتي، فتدركوا أن بيني وبينكم قرابة ورحماً فارعوا هذه الرحم، ولا تؤذوني، ودعوني أبلغ رسالة الله سبحانه، أما الخراج فإن ربي قد أغناني.
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم)
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بذكرهم) قال تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72] أي: رزق ربك خير وأبقى، فأنت لا تنتظر إلا الأجر من الله فإنه: {هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72]. و (خرج) و (خراج) فيها للقراء ثلاث قراءات: قراءة الجمهور منهم: المدنيون نافع وأبو جعفر، والبصريون: يعقوب وأبو عمرو وابن كثير المكي وكذلك عاصم الكوفي يقرءونها: (أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير وهو خير الرازقين). وقرأها ابن عامر: (أم تسألهم خرجاً فخرج ربك خير وهو خير الرازقين). وقراءة باقي القراء وهم: حمزة والكسائي وخلف: (أم تسألهم خراجاً فخراج ربك خير). والخرج والخراج بمعنى: الرزق، وبمعنى المال، وبمعنى الأجر من هؤلاء، وإن فرق البعض بينهما، كما فرق أبو عمرو بن العلاء في المعنى فقال: الخرج: ما لم يلزم من النفقة، أي: ما كان من الصدقة، والخراج: ما يلزمك من النفقة ومن الصدقة، وعلى المعنيين سيكون معنى الآية: هل تسألهم خرجاً، أو هل تسألهم خراجاً، أي: هل تسألهم شيئاً لزمهم؟! فأنت لم تسألهم شيئاً، لا شيئاً على وجه اللزوم، ولا شيئاً على وجه التطوع منهم؛ لأنك لم تسألهم أجراً أصلاً؛ إذ إنك تطلب من الله سبحانه وتعالى الأجر، {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [المؤمنون:72].
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم)
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون:73]، في هذه الآية بيان دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يدعو هؤلاء بل ويدعو العالمين جميعهم إلى الدين القويم وإلى الصراط المستقيم، الطريق القيم العظيم، والصراط: هو طريق رب العالمين سبحانه وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى جنة رب العالمين، ولا ينحرف بصاحبه يميناً ولا شمالاً كالطرق المنحرفة التي تقود أصحابها إلى النار. وفي قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المؤمنون:73] قراءات، وهذه القراءات هي ذاتها التي في سورة الفاتحة وقد تقدمت، ولمزيد بيان فإنها كالتالي: (إلى صراط) و (إلى سراط) و (إلى زراط مستقيم)، فيقرؤها بالسين قنبل عن ابن كثير ويقرؤها أيضاً رويس عن يعقوب فتكون: (إلى سراط مستقيم). ويقرؤها جمهور القراء: (إلى صراط مستقيم) بالصاد. ويقرؤها خلف وخلاد بالإشمام، ومعنى الإشمام: أن يشابه الصاد الزاي في النطق به، فيصبح كأنه يشبه حرف الزاي فيها لتكون: (إلى زراط مستقيم). والمعنى واحد على اختلاف القراءات، فالصراط: الطريق، والمعنى: إلى طريق مستقيم.
تفسير قوله تعالى: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون)
تفسير قوله تعالى: (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) قال تعالى: {وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون:74]، وهذه الآية فيها قراءات، وإن وجد خلاف فيها لـ خلاد عن حمزة في الإشمام، فسيكون فيها قراءة السين: سراط، وصراط، والإشمام بالزاي، أما معنى قوله سبحانه: {وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ لآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ} [المؤمنون:74] أي: عن طريق رب العالمين متنكبين راجعين القهقرى، مولين ظهورهم لطريق رب العالمين سبحانه، ومعنى النكوب: من نكب الطريق نكوباً إذا عدل عن الطريق ومال عنها إلى غيرها، وإليه نسبت الريح إذا خرجت عن مجرى ورجعت إلى مجرى آخر، ومعنى الآية: أن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن طريق رب العالمين متنكبون، أي: مائلون زائغون أو مرتدون راجعون عن طريق رب العالمين، وهم بذلك إنما يتبعون أهواءهم.
تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون)
تفسير قوله تعالى: (ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون) قال تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75] أي: بعد أن مات المعرضون عن طريق رب العالمين وأدخلهم الله رب العالمين نار جهنم والعياذ بالله، يتضرعون لله أن يعودوا إلى الدنيا، ولأن الله يعلم أنهم حتى ولو عادوا فلن يؤمنوا فقد قال سبحانه: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75] والمعنى: أن الله عز وجل علم من هؤلاء أنهم لا يؤمنون، وأنهم ينتفعون بدعوة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام حين يدعوهم إلى رب العالمين، فلو أنهم بعد الممات ردوا إلى الدنيا مرة أخرى فسيرجعون إلى ما كانوا عليه من قبل، فقد علم الله عز وجل ما هم عاملون، قال سبحانه: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75]، واللج: التمادي، ومعنى قوله: (للجوا في طغيانهم) أي: لتمادوا في طغيانهم، والطغيان: مجاوزة الحد، فمعنى: طغى الإنسان أي: جاوز حده، وعليه فسيكون معنى الآية: (للجوا في طغيانهم) أي: علو واستكبروا وتمادوا في ضلالهم، وقوله: {يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75] أي: يتذبذبون ويتخبطون، ومنه العمى -عمى البصر- فإن الأعمى حين يمشي فإنه لا يعرف طريقه إلا أن يقوده إنسان، والعمه أشد من ذلك؛ لأنه يشمل عمى قلب الإنسان، ولذا فإن المصابين بالعمه متذبذبون متحيرون، فقد أعميت قلوبهم فهم لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون طريقاً ولا يهتدون إلى سبيل.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب) تقدم قوله تعالى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ} [المؤمنون:75] أي: من عذاب الآخرة، إلا أنهم قد استحقوا عذاب الآخرة، ولكن الله قبل ذلك قد أذاقهم شيئاً من العذاب في الدنيا، ثم كشفه عنهم، ولذا قال مذكراً: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون:76] أي: أخذناهم بالعذاب الدنيوي، {فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} [المؤمنون:76]، أي: لم يخضعوا لرب العالمين، ولم يتضرعوا ولم يخشعوا لله، ولم يرجعوا إلى طريق رب العالمين سبحانه. جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: نزلت هذه الآية في قصة ثمامه بن أثال، فإنه لما أسرته سرية النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وخلى النبي صلى الله عليه وسلم سبيله، وكان ثمامة من اليمامة، وهي على طريق قريش فأخذ على نفسه عهداً ألا يأخذ الكفار من أرضهم شيئاً لا غلالاً ولا شعيراً ولا غيرها إلا أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ثم حقق عهده ومنع كفار مكة من الحبوب. قال ابن عباس رضي الله عنه: وأخذ الله قريشاً بالقحط والجوع حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز؛ إذ أصابتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دعا الله سبحانه وتعالى على قريش بأن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف، ولم يكن دعاؤه من أجل تعذيبهم فحسب؛ بل أيضاً من أجل أن يتأدب هؤلاء ولعلهم يرجعون عن غيهم، فكان هذا العذاب الذي ذكر الله سبحانه: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون:76]، فجاعوا وعطشوا، واشتد عليهم الحر حتى أكلوا الميتة والكلاب والعلهز، وقد سئل ابن عباس: ما العلهز؟ قال: كانوا يأكلون الصوف والوبر فيبلونه بالدم ثم يشوونه ويأكلونه. وإنما أكلوا هذا الشيء على خسته من شدة الجوع. فقال أبو سفيان للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنشدك الله والرحم أليس تزعم أن الله بعثك رحمة للعالمين؟ قال: بلى. قال: فوالله ما أراك إلا قتلت الآباء بالسيف، وقتلت الأبناء بالجوع، فنزل قول الله عز وجل: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [المؤمنون:75])، وجاءت روايات أخرى بمثل هذا المعنى، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم فاستجاب الله سبحانه، وجعل عليهم أياماً فيها قحط شديد، فجاعوا حتى أكلوا الميتة والكلاب والجلود والعلهز، فذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ادع ربك أن يكشف عنا. فدعا لهم الله سبحانه وتعالى، فلما كشف عنهم ذلك تمادوا في غيهم، ولم يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان الأولى بهؤلاء وقد عرفوا أنه دعا عليهم صلى الله عليه وسلم فأصابهم ما أصابهم، ودعا لهم صلى الله عليه وسلم فانكشف عنهم ما هم فيه، كان الأولى أن يؤمنوا، ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا، ولذلك علم الله عز وجل أن هؤلاء لا يستحقون إلا الجزاء الذي استحقه من مات منهم على الكفر، وهو أن يدخلوا نار جهنم ولا يرجعون إلى الدنيا مرة أخرى.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد) الأصل في الإنسان الذي يبتليه الله سبحانه وتعالى بشيء من المصائب في العادة أن يستكين لله سبحانه، ويتضرع له، أما أن يبتليه بالمصائب في الدنيا ويضل على عجرفته وبعده عن الله سبحانه، فهذا يستحق أن يقصمه الله، ولذا قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:77]. أي: إذا جاءهم عذاب رب العالمين سبحانه وتعالى سواء بالقتل أو بالموت والرجوع إلى رب العالمين أو عذاب يوم القيامة، سترى أنهم إذا جاءهم هذا العذاب سيبلسون، قال تعالى: {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} [المؤمنون:77]، أبلس الإنسان، أي: يئس من الرحمة، وتحير في مكانه لا يدري ما الذي يصنعه، فالمبلس: المتحير اليائس، فهؤلاء ييئسون وهم في نار جهنم والعياذ بالله من الرحمة، وخاصة إذا نادوا ربهم سبحانه بالرجوع، فقال: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]. وقد جاء في تفسر الباب الذي يفتح عليهم بالعذاب المذكور في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} [المؤمنون:77] أثر عن عكرمة أنه قال هو باب من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربعمائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، إذا بلغوه فتحه الله عز وجل عليهم، والله أعلم.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) قال سبحانه مذكراً بنعمه: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78]. قوله: {أَنشَأَ لَكُمُ} [المؤمنون:78] أي: خلق لكم سبحانه، {السَّمْعَ} [المؤمنون:78] أي: جعلكم تسمعون، {وَالأَبْصَارَ} [المؤمنون:78] أي: جعلكم تبصرون وتنظرون، {وَالأَفْئِدَةَ} [المؤمنون:78] أي: جعل فيكم قلوباً تعقلون بها، ومع ذلك القليل من يشكر قال سبحانه: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78]. وحري بكل إنسان أن ينظر إلى هذه النعم وينظر إلى مدى شكره لربه، وهل هو من هؤلاء الذين ذكر الله عز وجل أنهم: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78]؟ أم أنه ممن يشكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه؟ والحق أن نعم الله لا تحصى، ومن نعمه سبحانه على الإنسان أنه يعقل، فلم يجعله مجنوناً، وجعل الإنسان ينظر ولو شاء لجعله أعمى، وجعله سميعاً يسمع ولو شاء لجعله أصم، فهذه من نعم الله سبحانه وتعالى على العبد، فهل يشكر ربه أم ينسى هذه النعم؟ بل لعله يستغل هذه النعم في غير ما خلقها الله عز وجل له، كأن يوجه سمعه إلى الغيبة والنميمة وإلى غير ذلك مما حرم الله سبحانه، ويوجه بصره إلى النظر إلى ما لا يحل له، ويوجه قلبه إلى التشكك وإلى الشهوات وإلى الشبهات، بل يجب على الإنسان أن يشكر نعم الله عز وجل عليه، فيستخدم هذه النعم فيما أحل الله سبحانه وتعالى، ويديم شكر ربه ليل نهار على ما أعطاه من السمع والأبصار ومن الأفئدة.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت) قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80]، من نعم الله سبحانه وتعالى العظيمة على العباد: أنه هو الذي خلقهم وأحياهم ليبتليهم، ثم يميتهم ليأجر المؤمنين الأجر الحسن ويدخلهم الجنة، ويحاسب الكفار والمفسدين ويدخلهم النار. ومن نعمه كذلك الليل والنهار، قال سبحانه: {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [المؤمنون:80]، فقد خلق الله الليل والنهار، ويملك سبحانه وتعالى ما في الليل وما في النهار، وكل ما يأتي عليه الليل والنهار، ومعنى اختلاف الليل والنهار: أن هذا مختلف عن هذا، فالنهار فيه نور، والليل فيه ظلمة، والليل يكون بارداً، والنهار يكون حاراً، وقد يفسر اختلافهما كذلك بالزيادة والنقصان، وقد يفسر كذلك بالتكرار، تقول: اختلفت في شيء: تكرر مني الذهاب إليه. وقد فسر قوله تعالى: {وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [المؤمنون:80] بتواصل الليل والنهار خلف بعضهما بعض حتى يأتي يوم القيامة، وفسرت الآية أيضاً: بأن له ما مضى فيهما من سعادة الناس ومن شقاوة آخرين. ثم أنكر عليهم عدم الاعتبار بآياته فقال: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80]، فقد جعل لكم الحواس التي تعقلون بها، وجعل لكم آيات في الكون فهل تعتبرون بذلك؟ إذ إن من اعتبر فقد عرف الله سبحانه وتعالى وعبده، فيذكره ويشكره، ومن لم يعتبر فذاك الشقي الذي كتبت عليه الشقاوة.
تفسير سورة المؤمنون [78 - 90]
تفسير سورة المؤمنون [78 - 90] يبين الله سبحانه وتعالى فضله على عباده، ونعمه سبحانه لا تحصى، وقد تفرد سبحانه بربوبيته على خلقه، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وقد عرف الكفار والمشركون ذلك، ولكن عنادهم وتكبرهم أعماهم عن رؤية الحق واتباعه، وسورة المؤمنون إحدى السور المكية التي نزلت في فترة كان المشركون فيها ينكرون البعث والنشور والإعادة مرة أخرى، ففيها آيات فيها مجادلة للكفار بالحجج والبراهين القاطعة.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) أعوذ بالله من الشيطان الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله تعالى في سورة المؤمنون: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:78 - 89]. يخبرنا الله تبارك وتعالى عن فضله وعن نعمه على عباده في هذه الآيات، فيذكر أنه هو الذي أنشأ السمع والبصر والأفئدة، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [المؤمنون:78]، فهذه نعم من نعم الله سبحانه الذي يستحق أن يعبده العبد سبحانه وتعالى حق العبادة، وأن يستيقن أن الذي أعطاه ذلك قادر على أن يسلبه منه، والذي منحه قادر على أن يمنع ذلك وأن يأخذه، فيشكر العبد ربه سبحانه على هذه النعم وغيرها، وما أكثر نعم الله عز وجل على عباده وما أعظمها. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون:78] والعبد قليل شكره، وهو ينظر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتكلم بلسانه، ويعقل بقلبه، ومع ذلك إذا جاء عند شكر الله سبحانه نسي أو تناسى شكر المنعم العظيم الذي أنعم عليه بهذه النعم وغيرها. أما المؤمن فهو يشكر ربه ويحمده ليل نهار، ويعلم أن النعم من الله سبحانه، وأن الله قد قال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] فالإنسان الذي يشكر الله فإن الله من فضله يتكرم عليه ويزيده، والذي يكفر ويجحد نعم الله سبحانه فإن عذاب الله شديد.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون:78 - 79]، أي: هو الذي ذرأ، والذرء: البث، أي: بثكم ونشركم في الأرض، ولو شاء لجعل لكم موضعاً واحداً منها ولن تستفيدوا بباقيها، ولكن هو الذي نشركم في أرجاء الأرض، فجعل شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وملأها بعباده لمن شاء منهم سبحانه، فالذرء بمعنى: الإنشاء والبث والخلق، أي: فنشركم فيها، بأن خلقكم ووزعكم على هذه الأرض. وكلمة (هو) تأتي في القرآن كله بقراءتين فيها: فيقرؤها قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، (وهْو) بتسكين الهاء. واقي القراء وهى قراءتنا قراءة حفص عن عاصم، وغيره من القراء يقرءونها: (وهُو) بضم الهاء. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون:79] والحشر: هو الجمع، أي: يجمعكم إليه، ويعيدكم ويخرجكم من قبوركم، ويبعثكم، وينشركم، ثم يجازيكم ويحاسبكم، قوله تعالى: ((وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))، يعني: المرجع والمآب إلى الله رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت) قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80]. قوله: ((وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ)) ونرى الإحياء والإماتة، نرى خلق الله سبحانه في كل يوم، هذا جنين يولد وهذا إنسان يموت، وفي كل يوم يحدث ذلك، فيرى الإنسان قدرة رب العالمين على الخلق والإيجاد، وعلى الإفناء والإماتة، فهو الذي يحيي وهو الذي يميت. قوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارَِ))، أي: يجعل الليل والنهار مختلفين، هذا فيه نور، وهذا فيه ظلمة، فالنهار مضيء، والليل مظلم، وكذلك يجعل اختلافاً بين الليل والنهار بالزيادة والنقصان في الصيف والشتاء ونحو ذلك. فقوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))، أي: تكرار الليل والنهار، يأتي يوم ويذهب يوم، يأتي ليل ويذهب ليل، وهكذا، فله اختلاف ذلك، والتكرار والإيجاد حتى يأتي وعد الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ((وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ))، أي: يملك ذلك الله سبحانه وتعالى، وإليه هذا العمل، وهو الذي يعمله، وهو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو الذي يجعلها تغرب من المغرب، فهو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى. وله أيضاً اختلاف ما مضى في الليل والنهار من أعمال العباد، فهؤلاء سعداء وهؤلاء أشقياء، وكل ذلك لله سبحانه بتقديره، فإذا كانت هذه قدرته قال تعالى: ((أَفَلا تَعْقِلُونَ))، أي: ألا تعقلون وتنتبهون ما الذي يراد منكم؟ ولماذا خلقكم الله عز وجل؟ وقد قال في كتابه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فهلا عقلتم ذلك وعبدتم الله حق عبادته سبحانه؟!
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون إن هذا إلا أساطير الأولين)
تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون إن هذا إلا أساطير الأولين) قال تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ}، أي: لن يعقلوا، ولن ينتبهوا، ولن يفهموا، فقد قالوا كما قال الأولون من أهل الجهل والكفر والبعد عن الله، كما قال تعالى: {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، فتعجبوا كما تعجب الأولون، ونسوا ما الذي صنعه الله عز وجل بهؤلاء الأولين، فقد كذبوا وأعرضوا فجاءهم عذاب رب العالمين، فقد أرسل الله إليهم الرسل بالآيات وبالبينات عليهم الصلاة والسلام، فكذب هؤلاء الكفار المرسلين فأخذهم الله، ولم يعتبر هؤلاء الذين من بعدهم. فقوله تعالى: ((قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ))، أي: هل يبعثنا مرة ثانية بعد ما نصير تراباً وعظاماً نرجع مرة ثانية؟ ويستبعدون ذلك، قال الله سبحانه: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78 - 79] سبحانه وتعالى، والذي يتعجب كيف يحييه الله مرة ثانية هل نسي كيف كان هو؟ لقد كان في بطن أمه جنيناً، وكان قبل ذلك نطفة، ثم صار هذا الجنين، ثم صار هذا الإنسان، ثم رأى من يموت وهو سوف يموت ويستيقن من ذلك، فهل نسي أن الذي بدأ خلقه قادر على أن يعيده مرة ثانية؟! وقوله تعالى: ((قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ))، (أئذا)، (أئنا) للقراء اختلاف في قراءتها: فذهب نافع والكسائي ويعقوب إلى البدء بالاستفهام في الهمزتين الأوليين: (أئذا) والثانية بالإخبار فيها (إنا)، فيقرءون: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر بالإخبار في الأولى وبالاستفهام في الثانية: (إذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، على اختلاف في الأداء، بالتسهيل وبغير ذلك، وباقي القراء يقرءونها: ((أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)). وكذلك (متنا) تقرأ: (مُتنا)، و (مِتنا)، ففيها قراءتان. قال تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:83]، يقولون ذلك ويكذبون، وهم قد رأوا كيف خلق الله عز وجل الخلق، وكيف أمات وأحيا سبحانه، ثم يقولون ((لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ)) أي: وعدوا بالموت، بأنهم يموتون ثم يبعثون، قالوا: وهذا كذب. والآباء قبل ذلك قال لهم الرسل: إنكم ستموتون وتبعثون، فقال الآباء: ليس هناك أحد سيبعث، فهم يطلبون البعث الآن، والله عز وجل لم يقل: إنه سوف يبعثهم الآن، ولكن أخبر أنهم مجموعون لميقات يوم معلوم، فقالوا: ((إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، وهذا كلام المكذبين وأهل الجهل: إنا وجدنا آباءنا على أمة، والتقليد للآباء، وإذا أرادوا الرد على النبي عليه الصلاة والسلام يبدءون برميه بالأكاذيب والاختلاقات، فيقولون: ((إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، والأساطير: الخرافات التي كان يتكلم بها الأولون، والأباطيل والترهات.
تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها قل أفلا تذكرون)
تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها قل أفلا تذكرون) قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:84] فقوله: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا))، أي: أجيبوا عن ذلك، فيسأل الله هؤلاء الكفار من يملك هذه الأرض؟ وهم يقرون بالصانع، وأن الله هو الذي خلقها وصنعها وفعل فيها ما يشاء سبحانه، فيقرون بالربوبية للرب سبحانه وتعالى. فقوله: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ))، أي: من يملكها؟ ((وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ))، وهكذا كانوا يجيبون النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون أن الرب هو الخالق، فإذا قال لهم: فلماذا لا تعبدون هذا الذي خلق؟ يقولون: نعبد آلهة تقربنا إلى الله زلفى، أي: يتقربون إلى الله بعبادة غيره، فإذا قيل لهم: من الذي أمركم بعبادة غيره؟ لا جواب عندهم، لا أثارة من علم، ولا دليل من عقل، لا نقلٌ صحيح ولا عقلٌ صريح في هذا، وإنما هو الكذب الصراح. يقول الله عز وجل: ((قُلْ لِمَنِ))، أي: من الذي يملك الأرض ومن فيها وكل ما فيها من خلق؟ ((إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) * ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، أي: هذا كله يملكه الله، قال تعالى: ((قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ))، أي: فإذا كان الأمر هذا لله أفلا تعتبرون بهذا الذي نذكره لكم، وتعرفون أن الذي خلق هو الذي يستحق أن يعبد؟ وقراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:85]، وباقي القراء: (أفلا تذّكرون) بتشديد الدال، والمعنى: أن تتذكر أن الذي خلق ذلك هو الذي يستحق العبادة، ليس غيره سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ((قُلْ لِمَنِ))، بدأ الاستفهام باللام، فكان الجواب أيضاًً باللام، قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، وهذه قراءة جميع القراء.
تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع قل أفلا تتقون)
تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع قل أفلا تتقون) قال تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [المؤمنون:86]، أي: من رب هذه السماوات التي ترون والتي لا ترون؟ ومن ((َرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ))، الذي استوى عليه سبحانه، وحكم خلقه، وتصرف فيهم بما يشاء سبحانه؟ قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، وقراءة الجمهور: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ))، وقرأ البصريان: أبو عمرو ويعقوب: (سيقولون الله) باعتبار: ((قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ))، أنه سؤال ليس فيه لام، فالجواب يكون بغير لام، هذا على قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب: (سَيَقُولُونَ اللَّه)، وباقي القراء بتقدير اللام في السؤال، كالآية التي قبلها. فقوله تعالى: ((مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ))، أي: من الذي يملك هذه السماوات؟ أو لمن هذه السماوات؟ ولمن هذا العرش العظيم؟ ف A (( سَيَقُولُونَ لِلَّه))، والرب هو المالك سبحانه، وهو الخالق، وهو الذي يربي، وهو الذي يتعاهد خلقه سبحانه ويقوم عليهم، فهو قائم على كل نفس بما كسبت سبحانه وتعالى، وهو الذي يعطي والذي يمنع، والذي يرزق، والذي ينفع، والذي يضر، هو ((ْرَبُّ السَّمَوَاتِ السبع ورب العرش العظيم))، سبحانه وتعالى. قال تعالى: ((سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: فإذا إذا كان ربنا سبحانه هو يملك هذه السماوات العظيمة، وهذا العرش العظيم، ((أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: أفلا تخافونه سبحانه وتعالى، وأنتم لا تساوون شيئاً بجوار هذه السماوات والأرضين؟ فقوله تعالى: ((قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ))، أي: ألا تتقون هذا الإله العظيم الذي يملك السماوات والأرض؟
تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء قل فأنى تسحرون)
تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء قل فأنى تسحرون) قال تعالى: ((قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:88]، قراءة الجمهور في قوله: (بيده ملكوت) بالصلة، وقراءة رويس عن يعقوب بعدم الصلة فيها: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كل شيءٍ)، والصلة بمعنى: أن تتحول الكسرة إلى ياء. و (ملكوت) صيغة مبالغة من الملك، كأن نقول: الرحمن، فهو له رحمة سبحانه، والرحمة هي الرحموت، وهي صيغة مبالغة من الرحمة، أي: هو صاحب الرحمة، و (الملك) المبالغة فيه أن تقول: (الملكوت)، و (الجبر) يأتي منه (الجبروت)، و (الرهبة) يأتي منها (الرهبوت)، وهذه من صيغ المبالغة فيها، فالملكوت معناه: الملك العظيم. فقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ))، أي: ملك كل شيء خلقه ويدبره ولا يعجزه أبداً سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ}، أي: الله سبحانه وتعالى هو الذي يغيث من يشاء، وهل أحد يقدر أن يغيث أحداً من الله سبحانه وتعالى إذا أراد الله عذابه؟! وهل يقدر أحد أن يمنع الله سبحانه وتعالى عن ذلك؟ فالله يجير ويمنع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فإذا اجتمع كل الخلق إنسهم وجانهم ليضروا إنساناً والله يجير هذا الإنسان لا يقدرون أن يضروه بشيء، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوه وقد أراد الله عز وجل ألا ينفعه، بل أراد الله أن يضره لا يقدرون أن يغيثوه من بطش رب العالمين سبحانه، فمن يجير من الله عز وجل؟ أي: من يمنع من الله سبحانه؟ لا يمنع منه أحد، فالله يؤمن من يشاء من عذابه، ولا يقدر أحد أن يؤمن من عذاب الله سبحانه وتعالى، وهذا في الدنيا وفي الآخرة. فقوله تعالى: ((وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ)) أي: لا يقدر أحد أن يمنع من غضب الله سبحانه وتعالى، ولا من بطشه، ولا يقدر أحد أن يمنع عذاب الله إذا أراده بأحد، قال تعالى: ((إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))، أي: إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني من الذي يجير على الله؟ A لا أحد. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ} أي: ذلك كله لله سبحانه، فهو الذي يقدر عليه ويملكه، وليس لنا منه شيء، وفي هذه الآية قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب، (سَيَقُولُونَ اللهَ)، في هاتين الآيتين فقط، أما الآية الأولى فلا يوجد فيها إلا قراءة واحدة فقط، والتي هي قوله سبحانه: ((قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) * ((سَيَقُولُونَ لِلّهَ))، هذه القراءة اتفاقاً، لكن الآيتين اللتين بعدها تُقرأ: (سَيَقُولُونَ اللهَ). قال سبحانه وتعالى: ((قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ))، يسحر الإنسان أي: يصرف، بأن يخيل له الشيطان أشياء وهماًً على خلاف الحقيقة، فيا من تقولون: إن ذلك كله لله كيف سحرتم؟ وكيف غفلتم؟ وكيف توهمتم أشياء على غير حقيقتها فابتعدتم عن الله سبحانه وتعالى؟ وكيف خدعكم الشيطان وقد أقررتم أن الله هو الذي يملك هذا كله؟ فقوله تعالى: ((فَأَنَّى تُسْحَرُونَ))، أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعة رب العالمين وتوحيد الله سبحانه؟ وكيف تتخيلون أنكم تشركون بالله سبحانه ما لا ينفع ولا يضر؟ فقد خيل لهم الشيطان أن هذه الأشياء تنفع وتضر؛ فعبدوها من دون الله، فكان من أفعالهم العجب، أن يعبدوا غير الله سبحانه، فإذا سئلوا أعدوا A { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، فإذا سألتهم: هل هذه الأشياء تنفع وتضر؟ يقولون: لا تنفع ولا تضر، فإذا سألتهم: كيف تعبدون ما لا ينفع ولا يضر؟ يقولون: ((وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ))، وهؤلاء القوم أنفسهم إذا أنعم الله عليهم بالإسلام يعجبون من جهلهم وضلالهم في جاهليتهم: كيف عبدنا هذه التماثيل من دون الله سبحانه؟! وكيف عبدنا هذه الأصنام وانتظرنا منها نفعا وضراً؟! فهم يتعجبون، ولكنهم في كفرهم وفي غيهم يعمهون، ولا ينتبهون لما يقعون فيه من خطأ.
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون)
تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) وتدل هذه الآيات على جواز جدال الكفار بالحجج والبراهين، والله عز وجل ذكر هذا على وجه المناظرة لهؤلاء والإلزام لهم بالحق، قال سبحانه: ((بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، أي: جاءهم الله سبحانه وتعالى بهذا الكتاب الحق، قال تعالى: ((وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))، أي: مكذبون، كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كذابون يكذبون على الله عز وجل، ويكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم، فحين يقولون عنه: إنه ساحر، هم يعرفون أنهم كذابون، وحين يقولون عنه: إنه مجنون، يعرفون أنهم كذابون. فالله عز وجل ذكر هنا من صفات الكفار أنهم مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أيضاً كاذبون في اختلاقهم وفي رميهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، وقبل ذلك في ادعائهم لله ولداً، قال تعالى: ((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ))، أي: حاشا لله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [84 - 98]
تفسير سورة المؤمنون [84 - 98] إن الحق ظاهرة أنواره لمن أرادها، ولا تخفى إلا على معاند مكابر، يأتيه الحق فيكذبه، وذلك ما وقع من منكري تفرد الله بالألوهية، فأنزل الله بهم وعيده، ولكن المؤمن مع إيمانه يظل في خشية لله أن يصيبه ما أصابهم، وهو مأمور بدفع سوئهم بالإحسان لعلهم يهتدون، كما أنه مأمور بالالتجاء إلى الله أن يعيذه من شر الإنس والجن.
مجادلة الله تعالى للكافرين بالحجج الباهرة
مجادلة الله تعالى للكافرين بالحجج الباهرة قال الله عز جل في سورة المؤمنون: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:90 - 95]. بعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى عن قدرته العظيمة، وأنه هو الذي أنشأ لعباده السمع والأبصار والأفئدة، وأنهم قليلاً ما يشكرون، وأنه الذي يحيي ويميت سبحانه وتعالى، وأنه له اختلاف الليل والنهار، ثم قال لعباده: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون:80] وبعد أن ذكر قول هؤلاء الكفار المكذبين في إنكارهم للبعث بعد موتهم قال: {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [المؤمنون:82 - 83]، فزعموا أن هذا من خرافات ومن أكاذيب وأباطيل وترهات الأولين، أي: القول بأننا سنبعث مرة ثانية. قال الله سبحانه مبيناً قدرته: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:84]، فالجواب من هؤلاء أنهم يثبتون أن الله عز وجل الخالق، وأنه الذي يفعل ما يريد سبحانه، فيقولون: إن الله يملك الأرض ويملك من فيها، فقال تعالى: {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون:85]، أفلا تتدبرون أن الذي يخلق هو الذي يستحق أن يعبد. {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون:86 - 87]، فهم معترفون أن الله رب السماوات وأنه رب الأرض وأنه رب كل شيء سبحانه، قال الله: {قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:87] أي: إن اعترفتم بذلك أفلا تتقون هذا الخالق العظيم الذي يملككم وما تملكون، والذي خلق سماوات فلا تقدرون أن تعجزوه سبحانه لا في السماوات ولا في الأرض؟! ثم قال تعالى: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} [المؤمنون:88]، أي: بيده الملك كما قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك:1]، فهو يملك كل شيء سبحانه، والملكوت صيغة مبالغة من الملك، فهو المالك لكل شيء سبحانه، وله ملكوت كل شيء وحده لا شريك له، قال: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون:88]، أي: لا أحد يمنع ما يريده الله سبحانه، ولا يغيث من يعذبه الله سبحانه وتعالى، بل هو الذي يجير، فإذا أردتم أن تفعلوا شيئاً فهو وحده الذي يقدر على منعكم من ذلك، وإذا أراد إنسان أن يوقع بآخر شيئاً من الأضرار فإن الله يقدر أن يمنع ذلك، وكذلك فلا أحد يجير من الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون:89]، أي: الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يقدر عليه، {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون:89]، أي: كيف تصدقون تخييل الشيطان لكم أنكم لا تبعثون؟! وبعد هذا كله قال تعالى: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون:90]، أضرب الله عن قولهم الذي يقولونه، ثم أخبر أنه قد جاءهم بالحق وبهذا الكتاب العظيم، وبالوعد الحق من عند رب العالمين، وإنهم لكاذبون يفترون على الله الكذب، وإنهم لكاذبون في دعواهم أن هذا القرآن أساطير الأولين.
تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله)
تفسير قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) قال سبحانه: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون:91]، أي: هؤلاء كاذبون فيما افتروه على الله، إذ قالوا: إن الملائكة بنات الله، وقال اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأخبر الله أنه ما اتخذ من صاحبة ولا ولد، وما كان معه من إله، بل حتى لو حصل هذا -وهو مستحيل- لكن هذا من باب المناظرة لهؤلاء وإقامة الحجة عليهم من باب التنزل في المناظرة، فلو فرضنا أنه يوجد إله مع الله، فسيذهب كل إله بما خلق؛ إذ هذا يخلق وهذا يخلق، وكل واحد يأخذ معه أتباعه وعبيده الذين خلقهم، فهذا يخلق أجراماً، وذاك يخلق أجراماً أخرى، وهذا له نظام في الكون، وهذا له نظام آخر، فتتعارض الأنظمة، وبعد ذلك إما أن يكون أحدهم أقوى فيغلب غيره فهو الإله المتفرد، وإما أن يختلف بعضهم مع بعض فيتدمر هذا الكون كله، وإن كانت الحقيقة والواقع أنه لم ولن يحدث ذلك، فلا إله غير الله سبحانه وتعالى، والدليل على ذلك هذا النظام الذي في الكون، الذي لم يعطب ولم يتزعزع منذ خلقه الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ}، ولا يستحق أحد أن يعبد مع الله عز وجل، فلو وجد إله يستحق العبادة مع الله عز وجل لكان خالقاً؛ لأن الذي يستحق العبادة هو الذي يقدر على أن يخلق، والذي يقدر على أن يفعل ما يريد، وهنا نلاحظ أن الله عز وجل قد أثبت آلهة غير الله فقال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية:23]، فالهوى إله من دون الله سبحانه، وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ} [يس:74]، فالكفار قد ضلوا وعبدوا آلهة من دون الله، ولكن هذه الآلهة باعتراف عبادها لا تملك شيئاً ولا تقدر على شيء، وإنما هي -كما يزعمون- توصلهم إلى الله. فهنا يناقش الله عقولهم الغبية، ويقول: أي آلهة هذه التي تعبدون؟! إذا كانت لا تخلق فلم تعبدونها؟! وإذا قالوا: إنها تخلق فانظروا إلى الكون، فلو كانت آلهة تخلق أو تقدر على الخلق وعلى الرزق لتعارضت هذه الآلهة بعضها مع بعض، ولاضطرب نظام الكون، فالحال أنه لم يضطرب نظام الكون، إذاً: فلا آلهة موجودة مع الله سبحانه، وإنما هو إله واحد. قال تعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا}، أي: لو كان معه إله يخلق {لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}، فيبقى الإله الأقوى كعادة الخلق أن القوي يذهب بالضعيف، والقوي يحكم الضعيف، فلو كانت هناك آلهة هذا يخلق وهذا يخلق فالأقوى فيهم هو الذي سيغلب ويصير له الكون وحده، فيقول سبحانه: {إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، فعندما يصل الإنسان إلى هذا التفكير في ربه سبحانه حاشا له أن يتخذ ولداً أو يتخذ صاحبة، فإن الذي يتخذ الصاحبة هو المخلوق الضعيف، وهو الذي يحتاج إلى من يكون بجواره، ويحتاج لامرأة تعينه ويكون له منها الولد، فإذا به يبقي على نفسه، وهو يفنى ويأتي بعده من يملك ومن يحكم ويأخذ ما تركه، وحاشا لله عز وجل أن يحتاج إلى ذلك! فلا يحتاج إلى صاحبة، ولا يحتاج إلى ولد سبحانه وتعالى عما يصفون وعما يقولون.
تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون)
تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون) (سبحان الله): أي تنزيهاً لله وتقديساً لله سبحانه وتعالى عما يصفونه به من هذه الأوصاف البشعة القبيحة قال تعالى: {عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون:92]، أي: أن الله هو عالم الغيب والشهادة، فمن أسمائه الحسنى عالم الغيب، ومن أسمائه علام الغيوب سبحانه وتعالى. وهنا جاء الوصف مجروراً باعتبار أن لفظ الجلالة مجرور، وفي هذه الآية قراءات: {عَالِمِ الْغَيْبِ}، فقرأ بالكسر ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص عن عاصم: (عالمِ الغيب)، وأما باقي القراء فيقرءونها بالرفع: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}، على اعتبار الابتداء أي: هو عالم الغيب والشهادة سبحانه تبارك وتعالى، كأنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو عالم الغيب والشهادة. وقرأها رويس بالقراءتين، ولكن على اعتبار الوصل والوقف، فإذا وصل قرأها بالجر على أنها وصف لما قبلها أو أنها بدل مما قبلها، وإذا وقف قرأها بالرفع، فيقول: (سبحان الله عما يصفون) ويبدأ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}. فالله يعلم الغيب ويعلم الشهادة، وقدم هنا الغيب على الشهادة لاستواء العلمين عنده سبحانه، لكن المخلوق ما يغيب عنه لا يعرفه، والشيء الذي يشاهده هو الذي يعرفه، سواء شاهده أمامه بنظره، أو شاهده من بعيد بشيء يجعله يرى هذا الشيء البعيد. أما الله عز وجل فالكل عنده سواء مهما أخفى المخلوق فالله عز وجل يعلم السر، ويعلم ما هو أخفى من السر، فهو عالم الغيب وعالم الشهادة. قال تعالى: {َتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}، أي: تمجد وتنزه وتقدس سبحانه وتعالى عما يقوله هؤلاء بأكاذيبهم من أنه اتخذ الصاحبة والولد، واتخذ الشريك سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون)
تفسير قوله تعالى: (قل رب إما تريني ما يوعدون) أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يدعو بهذا الدعاء، {قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:93 - 94]. أي: إذا أتيتهم بالعذاب الذي توعدتهم به فلا تجعلني معهم، وقد كان من عذابهم أن قتل بعضهم في الحروب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ الله عز جل البعض الآخر بالموت، وأسلم منهم من تبقى. وهذه السورة سورة مكية كما ذكرنا، وفيها الإخبار بأشياء من الغيب، كالإخبار عن أسماء الله الحسنى وصفاته العلى سبحانه، والإخبار عن أقدار الله سبحانه، وعن أمور يوم القيامة وما يكون فيها، فهنا يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ادع بذلك؛ لأن الرسول لا يعرف ما الذي سيكون بعد ذلك، فإذا كان سيستأصلهم الله بعذاب فقد أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: نجني يا رب من هذا العذاب، ولا تجعلني مع هؤلاء الظالمين. وقد علم صلى الله عليه وسلم يقيناً أن الله عز وجل قد عصمه من أن يكون مع هؤلاء الظالمين، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33]، ولكن علمه أن يقول ذلك لأنه لا أحد من المؤمنين يأمن مكر الله سبحانه فضلاً عن غيرهم، قال تعالى: {فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99]. وإلا فإن الله قد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]، وقال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، ولكن كأنه يقول له: في مقام التضرع والدعاء ادع ربك ألا يعذبك، فأنت لا تأمن مكر الله سبحانه وتعالى، فإذا كان رسول الله قد أمر بذلك فغيره من باب أولى، فعلى كل إنسان مؤمن ألا يأمن مكر الله سبحانه وتعالى، خاصة وقد أخبرنا سبحانه أنه إذا نزل عذابه فإنه لا يأتي للظلمة فقط، ولكنه يعم الظلمة وغيرهم، ثم يبعثون على نياتهم يوم القيامة. فعلى الإنسان المؤمن أن يخاف من بطش الله ومن مكره سبحانه. قال تعالى: {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:95] أي: ما نتوعدهم به من العذاب سيكون، ولكن لكل شيء عند الله أجل مكتوب عنده سبحانه، فسنظهر لك هذا الذي توعدناهم به.
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة)
تفسير قوله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأمرين: فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96 - 98]، فعلمه كيف يدعو صلوات الله وسلامه عليه، فبعد أن قال: {رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:94]، وسأل ربه ألا يكون مع الظالمين، قال الله له: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون:96]، وهذا تعليم من الله سبحانه، أي: ادفع بالشيء الحسن الشيء السيئ، فمن أساء إليك فأحسن إليه. وقد علم الله نبيه في سورة الأعراف الدفع بالتي أحسن أيضاً، فالإنسان المؤمن يدفع اعتداء الناس بالإحسان لهم؛ لأنه يرغب في هداية هؤلاء، فإذا هدى الله عز وجل على يديك إنساناً من الخلق فلك أجر عظيم عند الله سبحانه، فعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعامل الناس بالحسنى، وأنه إذا عامل بالحسنى ودفع بالتي هي أحسن فالله عز وجل يأجره على ذلك ويدافع عنه، وهذه الصفة تشمل التعامل مع الكفار ومع المسلمين، فالكافر في البداية يُدفع بالتي هي أحسن ترغيباً له في الإسلام، فإذا أصر على ذلك فالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيضاً ادفع بالتي هي أحسن لعلهم يرتدعون، وقد كان بعض الأعراب يسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به يحلم عليه ويتحمل منه، وشيئاً فشيئاً حتى يهدي الله هذا الأعرابي للإسلام. وقد رأينا كيف فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولما وصل إلى هنالك وقام مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم يؤذن، وإذا ببعض الناس يستهزئ بمؤذن النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أبو محذورة، وأبو محذورة كان صوته جميلاً، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم الاستهزاء بمؤذنه، وكان يستطيع أن يأمر بقتل هذا الكافر الذي يستهزئ، ولكنه نادى عليهم ففر من فر وجاء أبو محذورة، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيكم كان أرفع صوتاً؟)، أي: من الذي سمعت صوته، ثم علمه رسول الله ألفاظ الأذان، فأسلم الرجل وصار المؤذن في مكة، فهنا يتحقق قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}. وهذا أدب من النبي صلى الله عليه وسلم ولطف منه، عندما يأتي أبو محذورة ويعلمه رسول الله وهو شاب ولم ينهره صلى الله عليه وسلم، فتأدب الرجل وصار بعد ذلك مؤذن مكة رضي الله تبارك وتعالى عنه. قال الله سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وهذا أمر بالصفح وأمر بمكارم الأخلاق، وفي الحديث: (إن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة)، فالإنسان برفقه يدعو الناس إلى ربه سبحانه، ولكن قد يصل بالرفق وبالعنف إلى نتيجة واحدة، وذلك عندما يدعو إنساناً برفق فيصل به إلى أن يصير مؤمناً، أو يدعوه بعنف وبغلظة وشدة ويصل به إلى أن يكون مؤمناً، فأي الوصفين يكون أعظم لهذا الإنسان وأكثر أجراً عند الله؟ A أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، فالإنسان برفقة يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في رفقه بالخلق. قال سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} فإذا أساءوا إليك فأحسن إليهم لعلك تتألف هؤلاء، وقد لا يتألف هؤلاء، ولكن قد يتألف من وراءه كأهاليهم وأقوامهم عندما يرون أن فلاناً أساء ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم حلم عنه، فعندما يقولون: إن الرجل على حسن خلق فلماذا لا نتبعه؟ والإنسان عندما يرى الكافر وعناده قد يقول: لن أدفع إلا بالأسوأ، فهذا الكافر لا يستحق الإحسان، ولكن أمر الله مقدم إذ قال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، ولعله صلى الله عليه وسلم يقول: هؤلاء يكفرون، ويقولون: كذا، فقال تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}، أي: نحن قد حلمنا عنهم، فاحلم أنت لعل الله عز وجل يهديهم على يديك. فهذا الأدب لا بد أن يكون في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا لم ينفع واستمر هؤلاء على كفرهم وعنادهم فالجهاد بالسيف الذي أمر به النبي صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، قال تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي: من الشرك والتكذيب.
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97 - 98]، وهذا التعليم لرسول الله كيف يدفع شياطين الإنس ويدفع شياطين الجن، فشياطين الإنس الذين يسيئون إليك وإلى دينك، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، فإذا لم ينفع ذلك فجاهدهم كما أمر الله سبحانه وتعالى، ولكن شياطين الجن لا طاقة لك بمحاربتهم بالسيف، فماذا تعمل معهم؟ أخبر الله هنا أنه هو خالقهم سبحانه وتعالى، وهو الذي يقدر عليهم، فعليك أن تلجأ إليه سبحانه وتعالى، فالشياطين يرونك من حيث لا تراهم، فاستجر بخالقهم سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى خالق هؤلاء الشياطين، فإذا جاءك الشيطان فقل: يا رب! اكفني هؤلاء، فإن الله سيكفيك شره. {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكْ}، أي: أتعوذ بك، وألجأ إليك، وأستجير بك، وأستغيث بك أن تجيرني من هؤلاء وتصرفهم عني. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّياطِينِ} والهمزات: هي الوسوسة من الشياطين، والهمز واللمز بمعنى: الطعن، وإن كان الهمز هو الطعن في الخفاء، واللمز الطعن في العلن. فقوله: {مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}، أي: من وساوس الشياطين، ومن دفعهم إياك إلى الباطل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [96 - 101]
تفسير سورة المؤمنون [96 - 101] إن تعامل الإسلام ذو منهجية عظيمة، فحيث ينفع الترغيب والإحسان كان ذلك هو المطلوب، وحيث يصر العدو ويعاند يأتي الجهاد كحل مناسب معه. وإن الإنسان البعيد عن الله تزيد غفلته، ولكنه عند مجيء الموت يريد الإمهال ولا يعطاه، فالخطب بعد الموت عظيم، فمن حياة برزخية مخيفة، إلى وقوف للحساب على الكبير واليسير، في يوم ينسى فيه القريب والبعيد.
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين)
تفسير قوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97 - 98]. لما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يدفع بالتي هي أحسن السيئة، وقال: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون:96]، وهذا في الآية يقصد فيما بينه وبين شياطين الإنس فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ} [المؤمنون:96]، أي: من أساء إليك بإساءة فادفع سوءه بالحسنى؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن يهدي هذا الإنسان، ولعله يراجع نفسه ويعلم أنه ظالم فيرجع إلى الحق الذي أنت عليه، وهذا الأمر إنما يكون إلى قدر معين، فإذا ازداد الأمر فقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بجهاد أعداء لله سبحانه وتعالى. فهو يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا استجابوا فكان بها، فإن لم يستجيبوا وأصروا على الإعراض والكفر وإنكار ما يقوله والاستهزاء به، فقد أمر بأن يجاهدهم صلوات الله وسلامه عليه بالسيف والسنان. وقوله سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون:96]، يفيد أن هناك أحسن وهناك حسن، فما قال: ادفع بالحسن السيئة، ولكن ادفع بالتي هي أحسن، فهناك حسن وهناك أحسن منه، فادفع بأفضل الأشياء وأحسنها، وادفع سيئات هؤلاء لعلك تؤثر في قلوبهم فيستجيبون لك، قال تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون:96]، أي: بما يكذبون عليك وبما يشركون بالله سبحانه تبارك وتعالى. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97 - 98]، والإنسان في وقت غضبه قد يأتيه الشيطان فينفخ فيه ويدفعه لأن يرد الإساءة بالإساءة، فقال الله لنبيه: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ}، فإذا ابتلي الإنسان بمن يسيء إليه فليدفع سوءه بالحسنى، وليتعوذ بالله عز وجل من الشيطان الرجيم، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في حالة الغضب أن نقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وقد جاء (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد غضب واشتد غضبه واحمر وجهه، فقال: إني لأعلم كلمة لو قالها هذا ذهب عنه الذي فيه، قالوا: ما هي؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). فالإنسان الغضبان إذا تعوذ بالله من الشيطان الرجيم أذهب الله عنه ثورة غضبه، ولم يجعله يندفع ويتهور في هذا الغضب. لذلك ذكر الله رسوله بأمرين: الأول: أن يدفع بالتي هي أحسن؛ لأن الشيطان ينزغ في نفس الإنسان المؤمن حينما يرى عدوه يسيء إليه، فدفع الإنسان لابد أن يكون بالتي هي أحسن، فإن لم يجد ذلك فالجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى، وذلك مع الإنس، أما مع شياطين الجن فلا حيلة معهم إلا أن يلجأ العبد إلى ربه سبحانه وتعالى، وربه هو الذي سيعصمه، وقد أخبر الله أن كيد الشيطان كان ضعيفاً، فإذا لجأت إلى الله صرف عنك الشيطان. قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ}، أي: أتعوذ بك وألجأ إليك، وأستجير بك وأستغيث بك من همزات الشياطين، أي: وسوسة الشياطين.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعوذ بالله عز وجل من همز الشيطان، ويقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته قبل أن يقرأ فاتحة الكتاب يبدأ بالتعوذ، كما في الحديث عند أبي داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر)، يعني: في صلاة التهجد أو قيام الليل، (ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، وهذا هو دعاء الاستفتاح في صلاة الليل،: (ثم يقول لا إله إلا الله ثلاثاً، ثم يقول: الله أكبر كبيراً ثلاثاً، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)، فذكر العلماء أن كلمة (همزه) معناها وسوسة الشيطان ونفخ الشيطان وهو الكبر، فالكبر يدفع الإنسان لأن يصير في نفسه عظيماً، فيؤدي به إلى الكفر في النهاية والعياذ بالله! والنفث بمعنى: السحر، أي: أنه يكيد للإنسان بشيء من السحر، وقال بعضهم: النفث هو الشعر؛ لأن الشيطان ينفث في الإنسان بأن يقول الأشعار التي يكون فيها عدم ذكر الله سبحانه، وفيها اللهو والتعريض بالنساء وغير ذلك. وقد يأتي النفث بمعنى: الكبر، أو بمعنى: ما يأمر به الشيطان الإنسان من الزهو والغرور، وأما معنى همز الشيطان فهو الجنون، فيأتي إلى الإنسان فيوسوس إليه حتى يجعله ذاهب العقل مجنوناً، أو يجعله يتيه بنفسه ويفخر بنفسه ويستكبر على الخلق، أو يجعله لا يدري هل فعل الشيء أو لم يفعله؟ فالله عز وجل أمرنا أن نتعوذ به سبحانه، ونقول: يا رب! يا من تقدر على كل خلقك! أعذنا. وهذه الآية فيها قراءات: فقراءة يعقوب: (وأعوذ بك رب أن يحضروني) بالإشباع، وقراءة الجمهور: (أن يحضرون) بالكسرة في آخرها دون الإشباع، والمعنى: أني أتعوذ بك يا رب أن يأتيني الشيطان ويحضرني في حال ذكر الله سبحانه وتعالى، وفي غيره من الأحوال. وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنها لن تضره)، وذلك أن الشيطان يأتي للإنسان في يقظته، فيوسوس له أو يدفعه للتهور والغضب، أو يدفعه للغرور والجنون، فأمرنا أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بل قد ينام الإنسان ولا يتركه الشيطان فيأتي له بالكوابيس وبالأحلام التي تفزعه، فأمرنا النبي أن نتعوذ بالله من الشيطان وأن نقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)، ثم قال: (فإنها لن تضره)، أي: نزعة الشيطان ونزغته وهو نائم لن تضره إذا قال هذه الكلمات العظيمة. أيضاً جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه، حتى يحضره عند الطعام)، فالشيطان لا يترك الإنسان في كل شأن من شئونه، بل يوسوس له ويلهيه عن ربه سبحانه، فيأتيه في عباداته، وكذلك في وقت طعامه، قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان). إن الشيطان يراك ولا تراه، فهو من حولك، ويأتيك وأنت تدخل بيتك، ويريد أن يدخل معك ليبيت معك بداخل البيت، وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم إذا دخلنا البيت أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو نسم فنقول: (اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم الله ولجت وباسم الله خرجت، وعلى الله توكلت)، وبهذا يقوم الشيطان ولم يدرك المبيت معك، كذلك إذا حضر العشاء وأنت تأكل فالشيطان يريد أن يأكل معك وأنت لا تراه، ولكن يخبرك النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر الصدق الذي أخبره به ربه سبحانه، فيعلمك أن تسمي الله سبحانه عند طعامك؛ حتى لا يأكل معك، وكذلك لعل الإنسان يأكل فيسقط منه شيء من طعامه، فهل يتركه أو يأخذه أم ماذا يفعل؟ طالما أنه لم يتلوث فأمط ما به من أذى وكل طعامك ولا تتركه، ولو تركته فإن الشيطان سيأكل معك منه، فلا تدع للشيطان طعاماً لك، ولا تجعل له مبيتاً عندك في البيت، فعلى الإنسان أن يكون ذا ذكر لله سبحانه وفعل للعبادة والطاعة، وأن يحرص على تطهير بيته من الشياطين بذكر الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)
حال الغافل مع الموت
حال الغافل مع الموت قال الله سبحانه وتعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون:99 - 100]، ولا زالت الآية في ذكر المشركين الذين: {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ} [المؤمنون:82 - 83]، فهم يقولون ذلك في حياتهم، فإذا جاء الموت وعرفوا اليقين الذي كانوا يهربون منه، وعرفوا الحق الذي كانوا يكذبونه، فقد كانوا يقولون: {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}، فلما رأوا ذلك وعاينوه إذا بهم يقول قائلهم كما قال الله عنهم: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ}، أي: نزل الموت بأحدهم، يقول قائلهم مستجيراً بربه: {رَبِّ ارْجِعُونِ}، أي: أرجعني إلى هذه الدنيا مرة أخرى {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ}، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: ((قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِي))، بالياء مكان الكسرة. وقوله: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}، أي: من الدنيا، قال الله: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، أي: أن جواب الله له: أنه يستحيل أن ترد إلى الدنيا مرة ثانية، فلن يكون هذا إنما هي مرة واحد تكون فيها في الدنيا، فإما أن تفوز وإما أن تخسر الخسران المبين والعياذ بالله. وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} هذه الكلمة هي قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُونِ}، فهي كلمة لا ينظر إليها ولا يأبه بها، ولا يرد عليه عند طلبها بجواب يفرح به، وإنما قال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]. وقوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، البرزخ: حياة القبر، وهي ليست كحياة الدنيا ولا كحياة الآخرة، بل هو ميت الجسد، ولكن روحه إذا كان من الكافرين فهي في أسفل سافلين تعذب، وإن كان من المؤمنين فإن روحه تنعم عند الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء عندما يقولون: {رَبِّ ارْجِعُونِ}، هم في هذا الوقت في حياة البرزخ، أي: المرحلة التي بين الدنيا وبين الآخرة، وهي مرحلة القبور. وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}، قيل: يرجع الضمير في (إنها) على الكلمة وهي قولهم: {رَبِّ ارْجِعُونِ}، وقيل: إنها تعود على كلمة الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤخر نفساً إذا جاء أجلها، فهي كلمة قالها ربنا سبحانه وقوله صدق وحق. وعلى القول الأول فالرد على طلبهم هو قوله تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ}، وكلمة (من ورائهم) تأتي بمعنى: خلف الإنسان، وتأتي بمعنى: الغيب، وهذا الغيب قد يكون أمام الإنسان، فهنا قوله سبحانه: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ}، أي: أمامهم، ولكن هذا غيب لا يراه أحد، فعبر بقوله سبحانه، {وَمِنْ وَرَائِهِمْ}، أي: كأنهم مستورون عن الناس في الدنيا، والبرزخ هو الحاجز بين الشيئين.
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وقال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]، النفخ في الصور نفختان: نفخة الموت، ونفخة البعث والإحياء والنشور، فنفخة الموت يموت فيها الجميع، وبعدها يصبح الكل أمواتاً. والنفخة الثانية: يوم يبعثون للحساب والجزاء، فإذا بعثوا فكل إنسان يفر من كل أقربائه، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34 - 37]. قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ}، فعندها لا أحد ينظر إلى نسبه، بل الكل يقول: نفسي نفسي. قال ابن عباس رضي الله عنه: لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما يفتخرون بها في الدنيا. وهناك معنى آخر: وهو أنه لا يقول الإنسان: أنا فلان بن فلان، فهذا إنما كان في الدنيا، فقد كانوا فيها يتساءلون عن أنسابهم، أما في الآخرة فلا يتساءلون عن الأنساب كما كانوا يتساءلون في الدنيا؛ لهول ما يرون، فقد قاموا مفزوعين عندما رأوا أن الملائكة تنزل من السماء وتحيط بهم وهم في فزع عظيم، فعلى ذلك لا أنساب بينهم ولا يتساءلون. وعنه أيضاً قال: إن ذلك في النفخة الأولى حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وصحيح إنه إذا جاء الموت فلا يسأل الناس بعضهم البعض عن الأنساب، ولكن عند القيام من القبور للحساب فهذا أشد وأفزع، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (أنهم يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)، والسيدة عائشة رضي الله عنها لما سمعت ذلك سألت النبي صلى الله عليه وسلم: (عراة ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من ذلك)، أي: أن كل إنسان مشغول بنفسه. ولقد سأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:27]، كيف يكون ذلك وقد قال تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]؟ وهنا يقول تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:50]، فوضح له ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقال: لا يتساءلون في النفخة الأولى؛ لأنه لا يبقى على الأرض حي. أما قوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} [الصافات:27]، فذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تساءلوا، وهذا صحيح، وقد يقال: إن ذلك في النفخة الثانية حين يبعثون من قبورهم، فلا أحد يسأل أحداً عن شيء ولكن بعد أن يفوز المؤمنون بدخولهم الجنة يسأل بعضهم بعضاً عن أشياء كانت في الدنيا، كما قال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور:26]، أما حين قاموا من قبورهم يوم الفزع الأكبر فلا أحد يسأل أحداً عن شيء.
دقة الحساب يوم القيامة
دقة الحساب يوم القيامة جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رءوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها أو على أخيها أو على زوجها)، وقد كان الناس في الدنيا كل منهم يقول للآخر: أفديك بكل شيء عندي، لكن هذا الكلام يوم القيامة يذهب، فإذا بالمرأة تفرح أن يكون لها على أبيها حق، فتأخذ من حسناته، وكذلك الحال في زوجها. ثم قرأ ابن مسعود: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]، أي: ينسى كل إنسان أن هذا أبوه أو هذا أخوه أو هذا ابنه، فهو يريد أن يأخذ حسنات من أي إنسان لكي يفلت من العذاب ويدخل الجنة. ثم قال ابن مسعود: فيقول الرب سبحانه وتعالى: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول الإنسان: يا رب! قد فنيت الدنيا فمن أين آتيهم به؟ فيقول الرب للملائكة: خذوا من حسناته، فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته -فوزعت هذه الحسنات على هؤلاء- فإن كان هذا الإنسان الذي يؤخذ من حسناته ولياً لله عز وجل في الدنيا ففضلت من حسناته مثقال حبة من خردل، ضاعفها الله تعالى له حتى يدخله بها الجنة، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه وتعالى، أي: أنه إذا فضلت وبقيت من حسنات هذا الإنسان أشياء يسيرة فإن الله عز وجل يضاعفها، وتلا ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40]، فيضاعف الله له هذه الحسنة حتى يستحق بها أن يدخل الجنة، قال: (وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: رب! فنيت حسناته) أي: انتهت حين وزعت على هؤلاء الذين ظلمهم، وبقي آخرون يطالبونه بحقوقهم، (فيقول الله تعالى: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، يعني: خذوا من سيئات هؤلاء المظلومين وأضيفوها على سيئاته حتى يعذب بها بدلاً عن هؤلاء الذين ظلمهم، قال: (وصكوا له صكاً إلى جهنم)، والعياذ بالله. ولذلك فينبغي للإنسان المؤمن أن يكون ضنيناً بحسناته أن يضيعها، فلا يقع في غيبة أو نميمة، أو زور وبهتان، ولا يظلم أحداً من الخلق فيظلم نفسه، فإن الحساب يوم القيامة عسير. نسأل الله عز وجل أن يجعل حسابنا يسيراً. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [101 - 108]
تفسير سورة المؤمنون [101 - 108] يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن الكفار في يوم القيامة لا أنساب تنفعهم أو تنقذهم من عذاب الله كما كانت تنفعهم في الدنيا، وعندما توضع صحائفهم في الميزان فإن سيئاتهم ترجح على حسناتهم، فيأمر الله بهم إلى النار فتلفح وجوههم فتشوهها، فيقرون ويعترفون لله تعالى أنهم كانوا قوماً ضالين، ويطلبون من الله تعالى أن يعيدهم إلى الدنيا ليوحدوه ويعبدوه، فيرد الله عليهم رداً شديداً وشنيعاً أن اخسئوا فيها ولا تكلمون.
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)
تفسير قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:101 - 108]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات قيام الساعة فقال سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ}، وقد ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في آيات أخرى النفخ في الصور، وذكر أنه ينفخ مرتين: نفخة الصعق، ونفخة الإحياء والبعث. فإذا نفخ النفخة الأولى فإنه يموت جميع الخلق، فلا أحد ينفع غيره، لا الوالد ينفع ولده، ولا الولد ينفع والده وهكذا. فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية قاموا من القبور إلى العرض والنشور، وكل إنسان في فزع شديد، فلا أحد ينظر إلى أحد، ولا أحد ينفع أحداً، ولا يدعى إنسان بنسبه، فلا يقال: يا فلان تعال أنقذني أنا أبوك أو أنا ابنك، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، فلا يسأل الناس في هذا اليوم عن أسمائهم أو أنبائهم أو أحوالهم أو أنسابهم، فكل إنسان منشغل بنفسه.
تفسير قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)
تفسير قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) قال الله تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المؤمنون:102] تحضر الخلائق للعرض أمام رب العالمين سبحانه ويؤتون الكتب، فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه ومنهم من يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، فالإنسان الذي يأخذ كتابه بيمينه ينجح النجاح العظيم ويقول: {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة:19]، ويحضر الميزان وربنا سبحانه وتعالى يقول: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف:8] أي: العدل القسط عند رب العالمين سبحانه، فهنا لا أحد يظلم شيئاً، فتوزن أعماله الصالحة وتوزن أعماله السيئة، وأيهما رجح كان من أهل النجاح أو من أهل الخسران، قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: أفلحوا ونجحوا وكان النجاح الدائم والفوز المبين العظيم عند رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) قال الله تعالى: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:103] فصحيفة أعماله وضعت في كفتي الميزان، فإذا بالسيئات رجحت على الحسنات فكان من الخاسرين، وكفة الأعمال الصالحة لم ترجح لأنها خفيفة، وكفة الأعمال السيئة ثقيلة، فإذا به والعياذ بالله يخسر أعظم الخسران. والخسران في الدنيا هو أن يخسر الإنسان ماله وأولاده وأصدقاءه، ولكن الخسران العظيم أن يخسر نفسه، والإنسان في الدنيا يفدي نفسه بأي شيء من أجل أن ينجو بها، فإذا جاء يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، وإذا به في خسران مبين، ضاعت منه الدنيا وضاع منه العمل وإذا به من أهل النار والعياذ بالله. فالكفار خالدون في النار ولن يخرجوا منها، والموحدون لهم خلود في النار ولكن خلود دون خلود، ويكفي وصفه بأنه خلود فترة طويلة جداً لا يعتد بالسنين، فلا هو مائة سنة ولا مائتي سنة ولا ألف سنة ولا غير ذلك، ولكن {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47] فإذا كان اليوم الواحد بألف سنة فكم سيكون الخلود في نار جهنم والعياذ بالله؟!
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون)
تفسير قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون) قال تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] والنار والعياذ بالله تلفح الوجه، وأشرف ما في الإنسان وجهه، وهو يحميه بسائر أعضائه ويكف عنه الشرور بيده وبرجله. فالنار تبدأ في وجوه هؤلاء الكفار فتشويها، وتلفح بمعنى: تنفح في الوجه أو تنفخ بلهيبها في وجوههم فتحرقها وتلسعها بنار جهنم.
معنى قوله تعالى (وهم فيها كالحون)
معنى قوله تعالى (وهم فيها كالحون) وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} كلح الإنسان بمعنى: عبس وجهه وكان فيه عبوس وضيق وانقباض، (وهم فيها كالحون) قال ابن عباس: وهم فيها عابسون، وأيضاً الكلوح في خلقة الإنسان التشويه والقبح فيها، فهم في غاية العبوس من شدة ما يقاسونه من نار جهنم والعياذ بالله فهم فيها عابسون. قالوا: الكلوح تكشر في عبوس، يقال: فلان كشر عن أنيابه أي: أنه تقلصت العضلات التي في الوجه بحيث انفتح الفم وظهرت الأنياب، وبمعنى: تبسم، لأنه عندما يتبسم الإنسان تنقبض عضلات الوجه، فيبدو الفم والأسنان، فهذا أصل الكشر. وهنا يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: إننا نكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم، فنكشر بمعنى نتبسم، أي: ندفع شر هؤلاء بالتبسم في وجوههم ولكننا لا نحبهم، فهذا الكشر بمعنى ظهور أسنان الإنسان، وهم في النار لا يضحكون ولكن من شدة العذاب تقلصت الشفاه فإذا بالأسنان تبدو فيها، والمنظر غاية في القبح فالوجوه عابسة والأسنان بادية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ألم تر إلى الرأس المشيط بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه. وفي الترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: (وهم فيها كالحون) قال: (تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته)، وإن كان في إسناده ضعف. والإنسان المحروق بالنار فإن جلده يشيط وينكمش، فكذلك هؤلاء، فعندما تأتي نار جهنم والعياذ بالله على وجوههم فإنها تنكمش هذه الوجوه، فإذا بهم عابسون في نار جهنم من شدة الضيق والهم والعذاب الذين هم فيه، كذلك الوجوه مشوية ومشوهة، قال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56] والعياذ بالله. والموحدون الذين كانوا يصلون في الدنيا وكانوا يعصون ربهم وغلبت عليهم السيئات فدخلوا النار، فإن النار لا تأتي على الأماكن التي كانوا يسجدون عليها، وهي: الجبهة والكفان والركبتان وبطون أصابع القدمين.
تفسير قوله تعالى: (ألم تكن آياتي تتلى عليكم وكنا قوما ضالين)
تفسير قوله تعالى: (ألم تكن آياتي تتلى عليكم وكنا قوماً ضالين) ثم قال لهم ربهم سبحانه: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105] فيبكتهم ربهم ويقررهم على ما كانوا عليه في الدنيا: أليس كان القرآن يتلى عليكم؟ ولماذا لم تصدقوا به بل كنتم به تكذبون؟ وسيكون جوابهم على سؤال ربهم: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون:106]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (ربنا غلبت علينا شقاوتنا)، أي: كنا في شقاوة في الدنيا، ولها معاني: المعنى الأول: غلب علينا ما كنا فيه من لذات وشهوات وشبهات، فكنا من أهلها وضيعنا أنفسنا، وهذا معنىً صحيح. ومعنىً آخر: أنهم قالوا ذلك لربهم سبحانه: غلبت علينا شقوتنا أي: حسن ظننا بأنفسنا أننا لن نعذب، وأنك كما أعطيتنا في الدنيا ستعطينا يوم القيامة فلم نعمل صالحاً. وهذه مصيبة الإنسان أن يحسن الظن بنفسه ويظن أن إعطاء الله له في الدنيا دليل على أنه يحبه، ولذلك ترى الإنسان إذا كسب مكسباً فإنه يقول: ربنا يحبني لأنني كسبت هذا النهار كذا! وما يدريه أنه يحبه أو يبغضه، وكونه يعطيه من الدنيا ليس دليلاً على المحبة، وإلا لو كان هذا محبة لكان أولى بها النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يبيت أحياناً ويطوي صلى الله عليه وسلم على بطنه من شدة الجوع، وكانت النار لا توقد في بيته الشهر والشهرين والثلاثة صلوات الله وسلامه عليه، وإنما كان يأكل الأسودين التمر والماء عليه الصلاة والسلام، فإعطاء الله عز وجل العبد في الدنيا ليس دليلاً على محبته وليس دليلاً على أنه سوف يعطيه يوم القيامة. المعنى الثالث من المعاني: أنهم احتجوا بالقدر واعتذروا به، فقالوا: مثلما أنت تقول في الدنيا: قدر الله وما شاء فعل، فهذا قدر الله عز وجل، فقالوا ذلك على وجه الحسرة: أنه غلبت علينا شقوتنا، أي: ربنا كتب عنده أننا معذبون، وهانحن عذبنا بما كتبه الله عز وجل، وربنا إذا حاسبهم لن يقول: قدرت عليكم كذا فأدخلتكم النار، وإنما يقول: عملتم كذا، فيسأل الإنسان عن عمله وليس عن قدر الله سبحانه وتعالى. وأمر القدر مبني على علم الله وحكمته وقدرته سبحانه وتعالى، فهو على كل شيء وتقديره لكل شيء، وهذا أمر أمرنا أن نؤمن به، أما أن تحتج به فلا ينفعك الاحتجاج بالقدر؛ لأنك تعمل الحسنة وتجد نفسك قادراً على فعلها، ومختاراً أن تفعل أو تترك. والله عز وجل علم أنك تفعل، وقدر أنك تفعل، ولكن أعطاك اختياراً فاكتسبته باختيارك، ولم تستشعر وأنت تعمل الحسنة أنك مجبر عليها، وفي وقت فعل السيئة أيضاً لا تستشعر أنك مجبر عليها وإنما تفعلها باختيارك. وقد أمرنا الله تعالى أن نؤمن بالقضاء والقدر، وأن الله قدر وعلم سبحانه وكتب عنده سبحانه وتعالى، وأن ما علمه مستحيل أن يغير، ولكن حين نعمل نحن نستشعر بالاختيار وبالكسب في العمل، فالإنسان عندما يأكل فهو قادر أن يمسك اللقمة وأن يضعها في الإدام أو في الملح أو في الحلو، ومختار أن يأكل هذا أو يتركه، ولم يقل في هذه الحال: القدر جعلني آكل هذا وأترك هذا. فكذلك العمل، فكما قدر الله عز وجل لك قوتك أن تأكله ومكتوب عنده ذلك، كذلك قدر عنده سبحانه أنك تعمل هذا الخير أو هذا الشر، فهذا الأمر نؤمن به، أما العمل فيلزمك أن تعمل الخير وأن تترك الشر، فأنت محاسب على اكتسابك خيراً أو شراً، ولن يقول الله للناس يوم القيامة: ادخلوا النار لأنني كتبتها عليكم، ولكن يقول: جزاءً بما كنتم تعملون. فلما احتج هؤلاء بالقدر أنه ساقهم إلى النار وأنهم ضلوا في الدنيا وتاهوا عن طريق الجنة لم يسمع منهم ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون)
تفسير قوله تعالى: (ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون) ثم قالوا متذللين لرب العالمين ذلاً لا ينفعهم: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107] فعرفوا هذا الوقت أنه ربهم سبحانه، فإذا بهم يتذللون له: ربنا غلبت علينا شقوتنا، وأين إيمانكم بالقضاء والقدر عندما كنتم في الدنيا؟ والآن آمنتم، فهنا {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام:158] فيوم القيامة يوم الجزاء، أما الدنيا فهي للعمل، ويوم القيامة لا إيمان فيها ولا عمل، فقد صار الغيب شهادة. وقوله تعالى: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} أي: لن نعمل هكذا مرة أخرى إن رجعنا إلى الدنيا، وقد أخبرهم الله تعالى في الدنيا أنها مرة واحدة فقط، وأن الله سبحانه وتعالى يحيي الإنسان ثم يميته ثم يبعثه ليوم القيامة ولا رجوع إلى الدنيا مرة ثانية، فلما قالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} كان A { قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] يقال: خسئت الكلب بمعنى: طردته وأبعدته، وهذه الكلمة تقال للكلاب والخنازير، فصاروا كالكلاب في نار جهنم والعياذ بالله، ورد الله عليهم بهذا الرد الشديد الفظيع القبيح: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} أي: اذهبوا إلى نار جهنم مطرودين من الرحمة ولا تكلمون. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: إن أهل جهنم يدعون مالكاً خازن النار فلا يجيبهم إلا بعد أربعين عاماً، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77]، وذلك عندما يأمر الله البهائم أن تكون تراباً، فيتمنى الكافر أن يكون كالبهائم، قال تعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ:40]، ولما أيقن أنه لن يكون تراباً وأنه سيكون في نار جهنم خالداً فيها، فإنه ينادى مالكاً أن يميته الله في جنهم، قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف:77]، فكان الجواب أنه سكت عنهم أربعين سنة ثم قال لهم: {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}. وقال عبد الله بن عمرو: هانت والله دعوتهم على مالك ورب مالك، قال: ثم يدعون ربهم فيقولون: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:106 - 107] فيسكت عنهم ربهم سبحانه وتعالى أمداً طويلاً، قال: عبد الله بن عمرو: قدر عمر الدنيا مرتين، وتركهم في نار جهنم، ثم يرد عليهم بقوله: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108] قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة. يعني: بعدما تضرعوا وطلبوا من مالك ليقض عليهم ربهم، ثم سألوا رب العالمين سبحانه وتعالى وكان الجواب ذلك، قال: فما نبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بصوت الحمير، أوله زفير وآخره شهيق. وجاء أيضاً في الأثر أن الله سبحانه وتعالى مكث عنهم ما شاء الله وناداهم: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنون:105] فلما سمعوا ذلك ظنوا أن الله عز وجل سيرحمهم وسيخرجهم من نار جهنم، فقالوا: {رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:106 - 107]، فقال عند ذلك: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء وأقبل بعضهم على بعض ويصرخ بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار والعياذ بالله. هؤلاء هم أهل النار، وهذا حالهم في نار جهنم يستغيثون فيغاثون بماءٍ كالمهل يشوي الوجوه، ويطلبون الطعام وطعامهم من شجرة الزقوم، ونار مطبقة عليهم، وينادون ربهم أن يرجعهم إلى الدنيا ولا رجوع، ويقال لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}، ويطلبون أن يكونوا تراباً فلا يكونون كذلك أبداً، فهذا حال أهل النار، فمن من الناس يتذكر هذا الحال فيود أن يكون مع هؤلاء والعياذ بالله؟! وعمل الإنسان في الدنيا هو الذي ينجيه من عذاب رب العالمين يوم القيامة، والدنيا عمرها قصير وخطرها كبير عظيم، فالإنسان المسلم يحتاط لنفسه في هذه الدنيا قبل أن يرد هذا المورد الذي لا خروج منه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة المؤمنون [102 - 118]
تفسير سورة المؤمنون [102 - 118] في هذه الآيات تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم، ومن ذلك استهزاؤهم بعباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين والسخرية منهم، ووبخهم سبحانه وتعالى على تضييعهم أعمارهم القصيرة في الدنيا بما يسخط الله ويغضبه، ثم إنه سبحانه وتعالى حذر وتوعد من أشرك به غيره وعبد معه سواه، وأنه لا فلاح ولا فوز لديه يوم القيامة للكافرين.
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا)
تفسير قوله تعالى: (إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109 - 118]. هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها الجزاء الذي يكون يوم القيامة، وأن الناس في هذا اليوم العظيم منهم من تثقل موازينه، ومنهم من تخف موازينه، قال تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون:102 - 103]. هؤلاء الخاسرون خسروا أعظم شيء عندهم وهي أنفسهم، فالإنسان قد يخسر أي شيء ويصبر على هذا الخسران، ولكن أن يخسر نفسه فيكون في نار جهنم فهذا هو الخسران المبين. {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] فإذا دخلوا نار جهنم والعياذ بالله لفحت النار وجوههم، وتبقى آثار لفحها على وجوههم، {وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون:104] قد تشوهت وجوههم وعبست. ويناديهم ربهم سبحانه: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون:105] وهذا فيه تبكيت لهم من ربهم، أي: قد جاءكم هذا القرآن العظيم فلم تعملوا به، واتخذتموه وراءكم ظهرياً وكنتم به تكذبون. قال تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ} [المؤمنون:106]. فأرادوا أن يحتجوا بالقدر يوم القيامة، أي: أنك كتبت علينا الشقاوة في الدنيا فصرنا إلى النار، فلم يسمع الله لقولهم؛ لأن الإنسان يعلم وهو يعمل الشيء الحسن أن هذا حسن، ويفعله وهو قادر على فعله، ويرى في نفسه القدرة على عمل الصالحات وترك السيئات. فهو مختار مكتسب للحسنات أو للسيئات، والله يوفق من يشاء من عباده سبحانه ويهدي من يشاء. فذكر تعالى أنهم طلبوا الرجوع إلى الدنيا، فقالوا: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]، فكان الجواب عليهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، أي: ابقوا في نار جهنم مطرودين من رحمة رب العالمين سبحانه، كالكلب حينما يطرده الإنسان. ثم ذكر تعالى أن من أسباب دخول هؤلاء النار أنهم كانوا يستهزئون من المؤمنين، فالمؤمنون في الدنيا كانوا يدعون ربهم سبحانه، ويدعون إليه سبحانه، والكافرون كانوا غالبين قاهرين، فنظروا إليهم بنظرة استهزاء واستخفاف، فسخروا منهم وعذبوهم، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:109].
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري)
تفسير قوله تعالى: (فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري) قال الله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} [المؤمنون:110]. فالكفار في الدنيا كانوا أقوياء لا يعبئون بالمسلمين، فينقلب الأمر عليهم يوم القيامة، يوم يحق الله عز وجل فيه الحق ويبطل الباطل، فلم تنفعهم قوتهم التي كانت في الدنيا، قال تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:94]. أي: فيجيئون إلى ربهم سبحانه فرادى لا يملكون مالاً ولا شيئاً ينفعهم ويدفع عنهم العذاب. وفي قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ) قراءتان: القراءة الأولى بعدم الإدغام، وهي قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب. والقراءة الثانية بإدغامها، وهي قراءة باقي القراء، فإنهم يدغمون الذال في التاء ويقرءونها تاءً. و (سخرياً) كذلك فيها قراءتان: القراءة الأولى بكسر السين وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين، والقراءة الثانية بضم السين، وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف: (سُخرياً) وكأنها من التسخير، أي: سخرتموهم وألزمتموهم بأعمال شاقة وأتعبتموهم في الدنيا. فقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) بمعنى: تسخرون من المؤمنين وتستهزئون بهم، وبمعنى: أتعبتموهم بالأعمال الشاقة؛ لأنهم كانوا عليهم قادرين وقاهرين. وقوله تعالى: {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي}، فالكافر ينسى ذكر الله عز وجل، والمؤمن يدعو إلى الله عز وجل، فهو ذاكر لله سبحانه وتعالى، فكيف أنسى المؤمن الكافر ذكر الله؟ و A أنساه المؤمن بأن انشغل الكافر به، فكلما ذكر المؤمن ربه كان الكافر له بالمرصاد يستهزئ به ويتعبه ويسخر منه. فشغلة الكافر السخرية والاستهزاء والإتعاب للإنسان المؤمن، فانشغل بذلك عن أن يذكر الله وعن أن يتفكر فيما يقوله المؤمنون، قال تعالى: {حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون:110]. قال الله تعالى في السورة الأخرى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين:34 - 36]. وقال تعالى قبلها: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ} [المطففين:29 - 31]. فالكفار إذا رأوا المؤمنين ضحكوا منهم حتى وإن أظهروا لهم كلاماً طيباً أمامهم، فإنهم من ورائهم يسخرون منهم، هذا إذا كان المؤمن قوياً، أما إذا كان المؤمن ضعيفاً فإن الكافر يستهين به علانية ويسخر منه ويستهزئ به. وكذلك إذا انقلب الكفار إلى أهاليهم فإنهم يقولون: رأيت اليوم واحداً من هؤلاء المؤمنين! ويضحك منه ويستهزئ به ويجعله قصته في بيته. فهو في الطريق يضحك من المؤمن وفي بيته ويوم القيامة يريهم الله عز وجل أعمالهم حسرات عليهم، قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} [المطففين:34]. فالكافر في نار جهنم والمؤمن ينظر إليه وهو في الجنة ويسخر منه ويضحك عليه كما كان يفعله في الدنيا، فقد انقلب عليه في هذا اليوم، قال تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين:34 - 36]، أي: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه في الدنيا؟
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا)
تفسير قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا) قال الله تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون:111] فقد جزاهم الله سبحانه وتعالى الخير على ما صبروا في الدنيا، فهؤلاء هم الفائزون الفوز العظيم الذي لا خسران بعده. وفي قوله تعالى: ((أنهم هم الفائزون)) قراءتان: القراءة الأولى بفتح همزة (أنهم)، وهذه قراءة الجمهور، والقراءة الثانية بكسر همزة (إنهم)، وهذه قراءة حمزة والكسائي: ((إنهم هم الفائزون)).
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين فاسأل العادين)
تفسير قوله تعالى: (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين فاسأل العادين) قال تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:112 - 113] يذكر سبحانه عن هؤلاء الكفار حين خرجوا من قبورهم فيسألهم ربهم سبحانه: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون:112] أي: كم مكثتم وجلستم في هذه الدنيا؟ وعندما يقارنون بين أيام الدنيا وعمر أحدهم الذي قضاه في الحياة الدنيا وبين يوم القيامة، فإن يوماً واحداً بخمسين ألف سنة، فيجدون أن هذا العمر الذي لبثوه في الدنيا لا شيء. وقوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي: ((قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين))، وكذلك كلمة ((لبثتم)) نصف القراء يقرءونها بالإدغام، والنصف الآخر يقرءونها بدونه، فقرأها أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام، وقرأها الباقون بدون الإدعام. {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ} [المؤمنون:112] يسألهم ربهم بعد ما بعثوا من قبورهم ووقفوا في يوم الموقف العظيم بين يدي رب العالمين: كم قعدتم في هذه الدنيا؟ فالمكث هو العمر الذي كان في الدنيا أو الذي كان في قبورهم، وسواء هذا أو ذاك فهو عمر حقير وقليل بالنسبة إلى يوم القيامة. فيجيبون مستقلين لعمرهم السابق، بعدما قارنوا هذه الأيام التي كانت في الدنيا والتي كانوا فيها في البرزخ في القبور مع يوم القيامة هذا اليوم العظيم، قال تعالى: {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113]. وفي آية أخرى قال سبحانه وتعالى: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا} [طه:103 - 104] فهنا عندما يقارنون بين أيام الدنيا وبين أيام الآخرة يقولون: لم نلبث فيها إلا يوماً واحداً. وقوله تعالى: {فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون:113] أي: اسأل من يعد من الملائكة فإنهم يعرفون ذلك، ونحن لسنا عارفين هل لبثنا يوماً أو جزءاً من اليوم. وقوله تعالى: ((فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير والكسائي وخلف ((فسل العادين)) أي: اسأل من يحسبون ذلك ويعدونه.
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلا)
تفسير قوله تعالى: (قال إن لبثتم إلا قليلاً) قال تعالى: {قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [المؤمنون:114] فيجيبهم ربهم سبحانه، وقيل: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول لهم: لم تلبثوا في الدنيا إلا شيئاً يسيراً وقليلاً إذا قورن بالآخرة. وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (لو) حرف امتناع، أي: امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، فلو كنتم تعلمون لآمنتم، ولكنكم أخذتم كلام المرسلين استهزاءً فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لم تعلموا العلم الذي ينفعكم. وفرق بين من عرف الشيء ومن علمه واستيقنه، فالكفار عرفوا ما أخبرتهم الرسل بأنهم يكونون في الدنيا دار التكليف وأن الآخرة دار الجزاء، أما أنهم يعلمون ذلك علم اليقين الذي يدخل في قلوبهم فلا، فلو كانوا يعلمون لآمنوا بهذا اليوم ولكنهم لم يصدقوا ولم يستيقنوا.
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا إله إلا هو رب العرش الكريم)
تفسير قوله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً لا إله إلا هو رب العرش الكريم) قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون:115] أي: أفحسبتم أننا خلقناكم كالبهائم وكالدواب وتركناكم عبثاً؟! فحاشا لله سبحانه أن يكون في خلقه عبث ولعب! ولكنه يخلق كل شيء بحكمة منه سبحانه وتعالى وبعلم وقدرة. فإذا كان الله قد خلقهم من أجل أن يمكثوا في الدنيا وهي عمرٌ قليل، ويموت الناس فيها ثم لا يرجعون إلى الله، فأين العدل الإلهي الذي يكون للمظلوم من الظالم؟! فعدل الله عز وجل أن يعيدهم كما بدأهم، وأن يجازيهم على أعمالهم، والجواب من رب العالمين سبحانه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116] فتبارك وتعالى سبحانه وتمجد وتنزه وتقدس سبحانه، وهو الملك الحق سبحانه، لا يخلق شيئاً عبثاً، وإنما يخلق كل شيء لحكمة، فهو الله الملك الذي يملك كل شيء، فحكمه والذي يحكم كل شيء هو الحق، وما سواه فهو باطل مهما أوتي من ملك الدنيا. وقوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون:116] فهو رب الدنيا ورب الآخرة، فالسماوات السبع والأرضون السبع كلها بجوار كرسي الله سبحانه وتعالى كحلقة في فلاة، والكرسي بجوار عرش رب العالمين سبحانه كحلقة في فلاة!! فيستحق العرش أن يوصف بأنه عرش كريم، فالله مالك الدنيا والآخرة، ومالك هذا العرش سبحانه وتعالى رب كل شيء ومليكه. وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي جاء فيه وصف العرش بأنه كريم، وفي سوى ذلك وصفه سبحانه بأنه العرش العظيم.
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)
تفسير قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به) قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117]، فالذي يدعو مع الله عز وجل إلهاً آخر يقيناً لا برهان له به، والحال أنه لا برهان له به، وليس في الآية منطوق ومفهوم. فالمنطوق: {لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} والمفهوم منها: أن الذي يدعو مع الله إلهاً آخر له برهان، فهذا ليس مقصوداً، إنما معنى الآية: أن من يدعو إلهاً غير الله فهو لا برهان له بهذا الذي يقوله. ومعنى (لا برهان له به) أي: لا حجة له بذلك. وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} هذا وعيدٍ شديد من الله عز وجل، فالمشركون الذين عبدوا غير الله أو الذين عبدوا إلهاً مع الله لا يفلحون أبداً.
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)
تفسير قوله تعالى: (وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) قال الله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون:118] هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه أن يسألوا الله عز وجل المغفرة والرحمة، وأن يصفوه بهذه الأوصاف الجميلة بأنه خير الراحمين وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى. وقد بدأ الله هذه السورة الكريمة بقوله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] وختمها بهذا الدعاء الجميل: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}. فالمؤمن يدعو ربه سبحانه الذي آمن به وأقام الصلاة وآتى الزكاة وفعل الصالحات من أجله أن يثيبه الله سبحانه وأن يغفر له، فبدأ الله بالأعمال الصالحة كالصلاة والزكاة وغيرهما وختم بهذا الدعاء الجميل: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}.
النور
تفسير سورة النور [1 - 2] سورة النور من أعظم سور القرآن، وقد ابتدأها الله بذكر بيان شرفها وأهميتها، وذكر أنه أنزلها وفرضها، وأنه أنزل فيها آيات واضحات وموضحات لما نحتاج إليه، والمقصود منها أن نتذكر بها ما ينفعنا في ديننا ودنيانا، وقد اشتملت على أحكام كثيرة لم تذكر إلا فيها؛ ولذا اهتم أهل العلم بتفسيرها قديماً وحديثاً، وأفردوها بالتصنيف.
مقدمة عن سورة النور
مقدمة عن سورة النور الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:1 - 3]. هذه السورة هي الرابعة والعشرون من كتاب الله سبحانه وتعالى، واسمها سورة النور؛ لما ذكر الله عز وجل فيها من قوله سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور:35]، الآية. وهذه السورة من السور المدنية اتفاقاً، فكلها نزلت بالمدينة، ونزلت في أسباب، وسيأتي البعض من هذه الأسباب، والآيات عددها اثنتان وستون آية على العد الحجازي، وعلى العد الحمصي ثلاث وستون آية، وعلى عد باقي القراء أربع وستون آية. والخلاف في هذا العد مبني على مكان وقف النبي صلى الله عليه وسلم، فيعتبر أنه رأس آية، أو تكون الآية مكملة للآية التي قبلها، وأما الآيات فهي نفسها.
مجمل الأحكام التي ذكرت في سورة النور
مجمل الأحكام التي ذكرت في سورة النور لقد بدأها الله سبحانه وتعالى بقوله: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:1]، وإن كان القرآن قد نزل من عند الله سبحانه، وكل القرآن قد فرض علينا ربنا سبحانه أن نعمل بما فيه من شرعه سبحانه، لكن اختصت هذه السورة بكونها ذكر فيها أحكام عظيمة يحتاج إليها الناس: من العفاف والستر، فذكر الله عز وجل فيها الأحكام الشرعية في أمر العورات، وأنه ينبغي على الإنسان أن يحفظ عورته ولا يحل له أن يقع في الزنا، فإذا وقع الإنسان في الزنا فهو يستحق الحد الشرعي على ذلك. وفيها التحذير من مصايد الشيطان ومكايده للإنسان، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور:21]، فالشيطان يدعو الإنسان لأن يقع في الفواحش، ويزين له الفاحشة حتى إذا وقع فيها صار الإنسان في كبيرة من المعاصي إلا أن يتوب الله عز وجل عليه. وفيها: ذكر الزاني والزانية، وكيف أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج بامرأة زانية مشهورة بذلك إلا أن تتوب إلى الله عز وجل، والعكس كذلك، فالمرأة العفيفة لا يجوز لها أن تتزوج برجل عاهر زان مشتهر بذلك، فمن تاب تاب الله عز وجل عليه، وجاز له أن يتزوج من المرأة بعد التوبة، وكذلك المرأة. وفيها أيضاً: أن الإنسان الذي يقذف غيره بهذه الفاحشة ولم يأتِ بالبينة فإنه يحد، إذ الأصل أن الإنسان لا يتكلم في أعراض الغير، فإذا تكلم فيها فإنه يتكلم بخير أو يسكت، فإذا وقع في أعراض الناس ورماهم بهذه الفاحشة استحق أن يعاقب عقاباً يردعه ويردع أمثاله ممن يتكلمون في ذلك، فيجلد هذا الإنسان ثمانين جلدة على كونه يقذف إنساناً بأنه زنى، أو أنه وقع في هذه الجريمة. وقد يرمي الرجل امرأته بهذه الجريمة، ويصعب على الرجل أن يأتي بشهود، ويصعب عليه أن يداوم العشرة مع امرأة قد رآها وقعت في هذه الجريمة، لذا أنزل الله عز وجل شريعة في هذا الأمر: بأن الرجل يتلاعن هو وامرأته على ما يأتي تفصيله في هذه السورة الكريمة. وذكر الله عز وجل فيها أيضاً كيف يتعامل الإنسان مع ربه سبحانه وتعالى، حيث قال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]، وكيف يواظب على صلته بربه سبحانه وتعالى، وعلى طاعته لله عز وجل التي تكسبه نوراً في قلبه، وزيادة في إيمانه على ما يأتي فيها. فهذه السورة ذكر الله عز وجل فيها هذه الأحكام وغيرها، وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة يأمرهم بأن يعلموا نساءهم سورة النور، وكان الصحابة يهتمون بهذه السورة جداً، فيتعلمونها ويعلمونها أزواجهم وأولادهم، فكان عمر يكتب إلى أهل الكوفة: علموا نساءكم -يعني: أزواجكم وبناتكم- سورة النور، وكذلك جاء عن عائشة رضي الله عنها مثل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) قال سبحانه: {سُورَةٌ} [النور:1] أي: هذه سورة عظيمة، {أَنزَلْنَاهَا} [النور:1] أي: نزلت من عند رب العالمين، {وَفَرَضْنَاهَا} [النور:1] أي: فرضنا عليكم الأحكام التي فيها أن تعملوا بها، وأن تتعلموها، وأن تأمروا بها أنفسكم وغيركم، وغيرها من القرآن مفروض علينا أن نعلم به، ولكن اختصت هذه السورة بهذا التصريح لما فيها من أحكام عظيمة يحتاجها كل الناس، من أحكام الستر والعفاف. قرأ الجمهور {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور:1]، وقرأ ابن كثير المكي وأبي عمرو البصري (وفرّضناها) أي: نزلنا هذه السورة من عندنا مقطعة في الإنزال، فلم تنزل كلها مرة واحدة، وكأنها مأخوذة من الفريضة، ومنها علم الفرائض والمواريث، بمعنى: تقطيع الأنصباء، فهذا له النصف وهذا له الربع، وهذا له كذا، ففيه تقطيع الأنصباء، ومنها: فرضة القوس التي تكون في آخر القوس ويربط فيها الوتر، فالفريضة كأنها القطعة من الأحكام المأمور أن نعمل بها. فـ {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور:1] أي: قطعناها في الإنزال فنزلت من عند الله عز وجل آيات آيات حتى اكتملت السورة. وكلمة سورة معناها في اللغة: المنزلة الشريفة، فالسورة مأخوذة من ذلك، أنها جاءت بمنزلة عظيمة، ووقع عظيم في قلوب المؤمنين، ولها القدر العظيم عند الله عز وجل وعند المؤمنين، فسميت السورة سورة لشرفها، وأنها نزلت من عند رب العالمين سبحانه. قال: {وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [النور:1] أي: واضحات في دلالتها {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:1]، وكأن المعنى: تتذكرون ما نزل من عند الله، فتعملون بهذا الذي ذكركم به، وكلمة {تَذَكَّرُونَ} [النور:1] فيها القراءتان: قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف (تذكَّرون)، وقراءة باقي القراء: (تذَّكَّرون)، وأصلها: تتذكرون ما نزل من الأحكام فلا تنسوا ذلك؛ لعلكم تعملون بما جاء من عند الله سبحانه. والتذكر عكس النسيان، والنسيان قد يكون طبيعة في الإنسان، وقد يكون عمداً، فالأول يعذر فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)، والنسيان قد يكون بمعنى: معاملة الشيء معاملة المتغافل عنه، وهذا فيه عقوبة على الإنسان، والنسيان يأتي بمعنى الترك كما قدمنا قبل ذلك. وفي الآية: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا} [طه:124 - 126]، فالنسيان هنا بمعنى: ترك العمل بما فيها، فالذي يتعامل مع آيات القرآن بتغافل عنها، فيرى الآيات أمامه ومع ذلك لا يعمل بما فيها، فقد تعمد الترك، وهو أحد معاني النسيان لكتاب الله عز وجل، وهو الذي يستحق يوم القيامة أن يعامل معاملة المنسي فقال الله عز وجل: {كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:126] أي: تترك في نار جهنم كالمنسي، وإن كان ربنا لا ينسى شيئاً سبحانه.
بيان بعض الحدود الموجودة في كتاب الله
بيان بعض الحدود الموجودة في كتاب الله ثم ذكر الله تعالى حكماً من الأحكام فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2]، وهذا حد من الحدود الشرعية التي جعلها الله عز وجل حاجزاً بينك وبين الوقوع في الفاحشة والمعصية، فإذا وقعت في هذه الفاحشة والعياذ بالله فإنه يقام عليك الحد الشرعي فيها. فحد الزاني حد من الحدود، وسيأتي في السورة نفسها حد آخر وهو حد القاذف، وهو في الذي يقذف غيره بجريمة الزنا ونحوها. وفي القرآن حدود أخرى مثل حد السارق في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38]، وفي القرآن أيضاً حد الحرابة، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة:33]، فأمر الله عز وجل بأن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، فقال: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]. وكذلك جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حد آخر وهو حد شار الخمر، وهو أن يجلد ثمانين جلدة أو أربعين جلدة على الخلاف في ذلك، وكذلك جاء في السنة حد الساحر وهو القتل بالسيف، فهذه حدود من الحدود التي ذكر الله عز وجل في كتابه أو جاءت في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومنها: حد من يقع في اللواط، وهل هو ملحق بالزنا فيكون مثله أو أن له حكم آخر: وهو أن يرجم هذا الإنسان؟ على كلام يذكره العلماء فيه، فهذه الحدود الشرعية هي التي تمنع الإنسان من الوقوع في المعاصي، فالشريعة جاءت لنفع البشر ودفع الضرر عنهم، فالأحكام والحدود الشرعية تعزير وتخويف للإنسان أن يقع في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، قراءة الجمهور (مائة جلدة)، ويقرأها أبو جعفر (مية جلدة)، ويقف حمزة على (مائة). قال تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]، قوله: {رَأْفَةٌ} [النور:2] بسكون الهمزة هي قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير بالفتح (ولا تأخذكم بهما رَأَفَة في دين الله) على خلاف فيها. والزنا كان معروفاً عندهم في الجاهلية، وكان مشهوراً جداً، وكان في أهل البدو بغايا لهن بيوت معروفة، وعليها رايات وأعلام معروفة، فهذا بيت فلانة، وهذا بيت فلانة، ولذلك كان العرب يقتلون البنات خوفاً من هذا العار، فإذا كان الإنسان لا يربى بناته في بيته تربية صحيحة على دين الله عز وجل فمن الممكن أن تقع البنت في هذه الجريمة.
تعريف الزنا وحد مرتكبه
تعريف الزنا وحد مرتكبه الزنا شرعاً قالوا: هو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح لمطاوعتها. فإن طاوعته اشتركت معه في الجريمة، وأما إذا كانت مكرهة على ذلك بأن اغتصبها فهو وحده الذي يقام عليه الحد، سواء حد الزنا، أو يقام عليه حد الحرابة في ذلك. ويعرف الزنا بأنه: إدخال فرج في فرج مشتهىً طبعاً، محرم شرعاً، وتعريف الزنا بهذا يدخل تحته اللواط، وإتيان البهائم والعياذ بالله. قال تعالى: {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، هذا الحد في الزاني البكر الذي لم يتزوج، والزانية البكر التي لم تتزوج، وأما الذي تزوج فهذا له حد آخر وهو الرجم، سواء قال العلماء بأنه يجلد أولاً بهذه الآية ثم يرجم بعد ذلك، أو أنه يرجم مباشرة على ما في ذلك من تفصيل. فالزانية والزاني البكران أمر الله عز وجل بجلد كل واحد من الاثنين مائة جلدة، أما في أمر الثيب الزاني فجاء في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، وفرق الله عز وجل بين الاثنين فجعل الحد في البكر أخف وفي الثيب أشد؛ لأن الإنسان الذي تزوج ثم وقع في الزنا لا فائدة فيه؛ إذ أنه ترك ما أحل الله له، وقضى شهوته فيما حرم الله عليه، مع تمكنه من قضائها في الحلال فجعل الحد فيه حداً شديداً وهو أن يرجم حتى الموت؛ تأديباً وتكفيراً لسيئته، ولأجل كل من يسمع هذا فيمتنع من الجريمة خوفاً من العقوبة. ومهما ادعى الناس أن مثل هذه العقوبات فيها قسوة وشدة، فهؤلاء الكفار لا قيمة لقولهم، فهم يهربون من دين الله سبحانه، فما إن يجدوا مفاسد ما ذهبوا إليه إلا ويبدءون بالرجوع إلى الأحكام الشرعية، لكن من غير أن ينسبوها إلى الله عز وجل، وانظر إلى الكفار عندما يتكلمون عن الختان، وأن الختان هذا جريمة، وأما اليهود حين يفعلون الختان فليست بجريمة، وهم يريدون بذلك أن تشييع الفاحشة بين المسلمين، حيث إن الختان يهذب شهوة الرجل وشهوة المرأة، فإذا ترك هذا الأمر ثارت شهوة الاثنين فشاع الزنا بين المسلمين، ومن ثم تأتي أبحاثهم وتقول: إن الختان أمر جيد، ويتمنون تطبيقه بينهم، وأما عند المسلمين فهم يتهمونهم بهذا، ويرونه خطأ، وأما عندهم فيبدءون بطرح مسألة الختان؛ وذلك لمنع ثوران شهوة المرأة وتقليل جرائم الزنا، ومن أجل تقليل وجود السرطانات الموجودة عندهم، فهم يفكرون في بلادهم بهذا الشيء، وأما عند المسلمين فيريدون إخراب ديار المسلمين، وأكثر شيء يخرب على المسلمين ديارهم هو الوقوع في الفواحش والعياذ بالله.
الحكمة من ذكر الزاني والزانية في هذه الآية وعدم الإتيان بلفظ يشملهما
الحكمة من ذكر الزاني والزانية في هذه الآية وعدم الإتيان بلفظ يشملهما قال الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور:2]، ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الزانية والزاني، وكان يكفي أن يقال الزاني أو الزناة، ومثل هذه الآية آية السرقة حيث قال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38]، ولو ذكر سبحانه وتعالى واحداً فقط فقال: الزاني لدخلت فيه أيضاً المرأة من باب التغليب، وهذا كما يقال: المؤمنين، فيدخل معهم المؤمنات أيضاً، ويقال: المسلمون، فيدخل معهم أيضاً المسلمات، ولكن في هذه الآية حتى لا يقع الإشكال فيؤخذ الرجل فقط دون المرأة ذُكرا معاً. ومثل ذلك ما جاء في أمر الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، فقد جاء في الحديث: (أن رجلاً جامع امرأته في نهار رمضان، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بالكفارة بعتق رقبة، فقال: لا أملك غيرها -يعني: رقبته-، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصوم شهرين متتابعين، قال: وهل فعلت الذي فعلت إلا في رمضان -أي: في الصيام-؟ فأمره أن يطعم ستين مسكيناً). فهنا الكلام مع الرجل الذي واقع امرأته، ولم يسأل عن حكم المرأة، ولذلك اختلف العلماء هنا حيث إنه لم تذكر المرأة: هل الكفارة هذه على الرجل فقط، أو على الرجل والمرأة؟ فأكثر العلماء على أنها على الرجل فقط، والبعض يقول: لو أن المرأة هي التي دعته لذلك لكانت على الرجل والمرأة، ولكن الخلاف موجود، فلو أن الله عز وجل قال: (الزاني يجلد مائة) لجاء نفس الخلاف هنا في هذه المسألة، ولأتى البعض من الناس يقول: المقصود بالزاني هنا الرجل فقط والمرأة لا تجلد، ولو قال: (السارق اقطعوا يده) لأتى البعض من الناس يقول: إذاً القطع يكون على الرجل فقط؛ إذ المرأة ليس من عادتها أنها تسرق، فحتى يرفع الإشكال ولا يوجد مثل هذا الخلاف قال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2]، وقال: {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة:38]. وأما وجه التفريق بين الآيتين فبدأ بالسارق فقال: {السَّارِقُ} [المائدة:38]، ثم ثنى بالمرأة فقال: {وَالسَّارِقَةُ} [المائدة:38]، وأما في هذه الآية فبدأ بالمرأة فقال: {الزَّانِيَةُ} [النور:2]، ثم ثنى بالرجل فقال: {وَالزَّانِي} [النور:2]، وذلك أن الطمع في المال موجود في الرجال والنساء ولكن في الرجال أكثر؛ لأن {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]، فالرجل عليه النفقة، فلعل من عليه النفقة تدفعه نفسه أن يأخذها من حل أو من حرام، وفي الرجال أمر السرقة أكثر. وأما الزنا فالمرأة سببه، فعندما تتبرج المرأة للرجل ويراها فإنه يشتهي مواقعتها، فلما كانت هي السبب بدأ الله عز وجل بها، وقد كان الزنا في الجاهلية منتشراً، وكانت النساء فتنة للرجال، وكن سبب ذلك فبدأ بهن، وكان إماء العرب وبغاياه مجاهرات بذلك. وقالوا أيضاً: بدأ بالمرأة؛ لأن الزنا في المرأة أشد وأقبح، فإنه عار عليها وعلى أهلها. وقالوا أيضاً: لأن المرأة شهوتها أشد من الرجل، وإن كان الله عز وجل قد هذب ذلك بأن ركب في المرأة حياء، فجعلها أكثر حياء من الرجل، فإذا وقعت في هذه الجريمة نزع منها الحياء فصارت مصيبة بين الناس. وجاء في الحديث عند أبي داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زنا العبد خرج منه الإيمان، وكان فوقه كالظلة) يعني: كالسحابة فوق رأسه، (فإذا انقلع منها -يعني: رجع عن هذه المعصية وتاب إلى ربه- رجع إليه الإيمان)، فالمعاصي سبب لنزع الإيمان الواجب من قلب الإنسان، ولذلك جاء في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن). فالإنسان وقت وقوعه في المعصية لو أن عنده الإيمان الواجب الذي يمنعه منها لما وقع فيها، ولكنه في هذه الحالة ينزع منه القدر من الإيمان الذي يمنعه من هذه المعصية، فيقع في هذه المعصية.
صفة السوط الذي يجلد به الزناة
صفة السوط الذي يجلد به الزناة قال الله عز وجل هنا: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]، فأمر بالجلد، والجلد: هو ضرب الإنسان على جلده، والضرب أو الجلد يكون بالجريد، والجريدة لها صورة معينة، فليست جريدة قصيرة ضعيفة بحيث لا تؤثر فيه، ولا هي طويلة شديدة بأشواك فتقتل الإنسان، ولكن المقصود التهذيب والتأديب لهذا الإنسان، فهي وسط بين الاثنين. وجاء حديث مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاء له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط)، يعني: عصا أو جريدة، (فأتي بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته) أي: سوط جديد قطع تواً من الشجرة، وفيه شوك، ومثل هذا سيؤذي الإنسان، (فقال: ولا هذا، فأتي بسوط قد ركب به ولان) يعني: ليس فيه أشواك وصار فيه شيء من اللين، (فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد)، وهذا مرسل، ولكن عليه العمل.
حكم تجريد الزناة من ثيابهم عند الجلد
حكم تجريد الزناة من ثيابهم عند الجلد هل يجرد الإنسان الذي يجلد من ملابسه ويضرب على جلده؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك وأبو حنيفة وغيرهما إلى أنه يجب أن يعرى ظهره ويضرب على جلده، وكأن الجَلد مأخوذ من ذلك، وأما المرأة فقالوا: نترك عليها ما يسترها ولا يقيها، يعني: لا تكون ثياباً غليظة بحيث تحميها من الضرب، ولكن تكون ثياباً ينفذ منها الضرب إلى جلد المضروبة. وذكر الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام أن القاضي أو الإمام مخير، فإن شاء جرد وإن شاء لم يفعل. وقال الشعبي والنخعي: لا يجرد، وهذا قول ابن مسعود رضي الله عنه، ولعل هذا هو الأولى، فإذا كان الإنسان لابساً ثياباً لا تعوق ضربه، وتجعل الضرب ينفذ إليه فلا تنزع، والله أعلم. أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع) [1 - 2]
تفسير سورة النور (تابع) [1 - 2] لقد حد الله تعالى لهذه الأمة حدوداً وواجبات، وبين حرمة تعديها وتجاوزها، ومن هذه الحدود: حد الزنا؛ ليرتدع الزاني، وليرتدع المفكر فيه كذلك، والحقيقة أن هذه الحدود حياة للمؤمنين؛ لما فيها من حفظ الدين والنسل، ولكي لا يختلط الحابل بالنابل في أمة الإسلام، وقد بين الشارع أهمية إقامة حدود الله، وكيفية إقامتها بما يتناسب مع الحد، وبما يحصل به المقصود.
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها)
تفسير قوله تعالى: (سورة أنزلناها وفرضناها) قال الله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:1 - 3]. هذه السورة بدأها الله سبحانه وتعالى بذكر السورة، فقال: ((سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) أي: هذه السورة العظيمة سورة نزلت من عند الله عز وجل، وقد فرض عليكم أن تقيموا الأحكام والشرائع التي أنزل فيها. ثم ذكر حكماً من الأحكام التي في هذه السورة فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2]، وقدم الزانية على الزاني لشدة فتنة المرأة، فهي تدعو الرجل إلى الوقوع في هذه الجريمة الشنيعة، فبدأ بها وقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2]، وهذا الحكم عام في جميع الزناة سواء كانوا محصنين بزواج أو غير محصنين بزواج، فيكون الجلد مائة على غير المحصن، وزاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغرب سنة، كما في الحديث، ويكون الجلد مائة في الثيب من النساء والرجل المحصن بزواج، ثم بعده الرجم، كما صنع ذلك علي رضي الله تبارك وتعالى عنه. وقد يختص الحكم هنا بغير المحصنين، فيكون قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور:2] أي: إذا لم يكونا محصنين بزواج {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2].
بيان ما يجلد به الزناة، وكيفية الضرب بالنسبة للرجل والمرأة
بيان ما يجلد به الزناة، وكيفية الضرب بالنسبة للرجل والمرأة لقد ذكر العلماء أن هذا الجلد يكون بجريدة لا يكون فيها شوكها فتؤذي في قطع لحم أو إدماء جلد، ولا قديمة منهكة صغيرة بحيث لا تؤلم الذي يضرب بها. واختلف العلماء في كيفية ضرب الرجل والمرأة، فقال الإمام مالك رحمه الله: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء، لا يقام واحد منهما، يعني: يضرب الرجل وتضرب المرأة وهما جالسان، ولا يكون الضرب عند الإمام مالك إلا في الظهر. وذهب الأحناف والشافعي إلى أن الرجل يضرب وهو واقف، والمرأة وهي قاعدة، وتكون مستورة بثياب حتى لا تتكشف. وقال الليث وأبو حنيفة والشافعي: الضرب في الحدود كلها وفي التعذيب يكون الرجل مجرداً قائماً غير ممدود، يعني: يجرد ظهره الرجل إذا ضرب، وذكر غيرهم أنه يضرب الرجل والمرأة وعليهما الثياب، ولكن تكون ثياب الرجل رقيقة بحيث إنها لا تمنع وصول الضرب إلى الجسم.
أقوال العلماء في مواضع الجلد
أقوال العلماء في مواضع الجلد اختلف العلماء في مواضع الضرب هل هو على الظهر فقط أم على الجسد كله؟ والراجح أن الضرب يوزع على الجسد كله؛ لأنه لو كان الضرب على الظهر فقط أو في موضع واحد فكثرة الضرب قد تجرح، ولذا يوزع الضرب على الجسد، ولكن تجتنب مقاتل الإنسان، ويجتنب وجه الإنسان. وقال العلماء: يجب أن يكون الضرب مؤلماً لا يجرح -أي: لا يشق ويسيل الدم- ولا يبضع -أي: يقطع اللحم-. قالوا: ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، أي: لا يرفع يده حتى يظهر إبطه، وهذا هو قول الجمهور، وممن قال بذلك علي وابن مسعود رضي الله عنهما. وأتي عمر رضي الله عنه برجل في حد، فأتى بسوط بين سوطين، أي: لا هو جديد بشوكه بحيث يجرح ويؤذي، ولا قديم ضعيف بحيث لا يؤثر، وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك، وأعط كل عضو حقه، أي: وزع الضرب على الجسد، ولا تضرب في مكان واحد فتتسبب في شدة الأذى، ولكن وزع الضرب على الأعضاء. وأتي رضي الله عنه بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العدوي لكي يجلده، وقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضرباً شديداً، يعني: وعمر ما كان يظن أنه سيضربه بهذه القسوة، فهو يقصد بقوله: (لا تأخذه فيك هوادة) يعني: أنه لن يرحمك على ما ذكر الله عز وجل في الكتاب، وإنما سيقيم الحد بتمامه ولا ينقص فيه، فلما رآه يضربه ضرباً قاسياً، قال رضي الله عنه: قتلت الرجل، كم ضربته؟ قال: ستين، فقال: أقصّ عنه بعشرين، يعني: اجعل بدل الثمانين ستين، ولا تضرب أكثر مما ضربت؛ لأنك أوجعت وقسوت في الضرب.
بيان من يقوم بتنفيذ الحدود
بيان من يقوم بتنفيذ الحدود يقول الإمام القرطبي رحمه الله: الحد الذي أوجب الله عز وجل في الزنا والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين يدي الحكام. أي: أن الحد ليس لآحاد الناس، فكل إنسان يأخذ من وجده يشرب خمراً ويضربه بنفسه، أو من وجده يزنى فيجلده الحد بنفسه؛ لأن الحدود لو تركت لآحاد الناس لدخل في الأمر كل إنسان بحسب ما يشتهي أن يفعله في المحدود، وقد يصل في النهاية إلى قتله، فلذلك فالحدود لا يقيمها غير الحكام، فالقاضي ينظر في الإنسان الذي وقع في حد من الحدود، وينظر هل عنده شبهة من الشبهات؟ وهل هو مستحق لذلك أم غير مستحق؟ وهل عقله حاضر أم أنه مجنون حينما وقع في هذا الشيء؟ فإذا وجد شيئاً من ذلك فلا يقام الحد؛ لأن الحاكم لو أخطأ في العفو فعفا عن إنسان يستحق العقوبة خير له من أن يخطئ في عقوبة إنسان بريء، وأما لو تركت الحدود للناس فقد يأتي إنسان ويمسك شخصاً ويقول: أنا رأيت هذا يزني، فيجتمع عليه الناس ويضربونه ضرباً شديداً حتى يقتل، وبعد ذلك يتبين أن هذا كان بينه وبينه عداوة فاتهمه بالزنا، وكانت النتيجة أن قتل بسبب كلام كذاب من الناس. وكذا لو يدعي إنسان أنه رأى آخر يسرق وجاء الناس وقطعوا يده، وبعد ذلك يتبين أنه: لم يسرق شيئاً، أو سرق شيئاً لا يحد فيه السارق ولا ينطبق عليه فيه حد السرقة. إذاً: فلا بد من أن ينظر القاضي في هذه الجريمة هل هي الجريمة التي ذكرها الله عز وجل ونص عليها؟ وهل هذا الإنسان مستحق لهذا الحد أم أن هناك موانع وأعذار تمنع من إقامة الحد عليه؟ وإذا كان مستحقاً لذلك فهل الذي يقام عليه الحد في الزنا هو محصن بزواج أم غير محصن بزواج؟ لكن لو ترك لرعاع الناس ليقيموا الحدود فجلدوه حتى مات فهل سيعيدونه إلى الحياة مرة أخرى؟ لا. إذاً: فالحدود لا تكون لآحاد الناس، وإنما تكون للقاضي، فهو الذي يأمر بذلك ويقيم الحد. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وينبغي أن يقام بين يدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم الذين يختارهم الإمام لذلك. وكذلك كان الصحابة يفعلون رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، ويقولون: تجب المحافظة على إقامة هذه الحدود، والقدر الذي فيها، والمحل والحال، بحيث لا يتعدى فيها الشروط. ففي الصحيح عن حضين بن المنذر قال: (شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد أتي بـ الوليد وقد صلى الصبح ركعتين، فقال: أزيدكم؟) أي: أأكمل لكم أربعاً؟! فعرف أنه سكران، فأتي به إلى عثمان رضي الله عنه وكان قريباً لـ عثمان رضي الله تعالى عنه، فأمر بإقامة الحد عليه، فشهد عليه رجلان: أحدهما حمران وهو مولى عثمان أنه شرب الخمر، وشهد آخر عليه أنه كان يتقيؤه، أي: الخمر، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فأمر علياً أن يجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، يريد الحسن بن علي رضي الله عنه، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر: قم فاجلده، فجلده ثمانين جلدة وعلي يعد. ومعلوم أن هؤلاء كلهم من فضلاء الصحابة رضوان الله عليهم ولذا فإنه لا يقيم الحدود إلا فضلاء الناس.
مقدار الجلد في حدي الزنا والقذف
مقدار الجلد في حدي الزنا والقذف لقد نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنا والقذف، ففي القذف ثمانون جلدة، والقاذف هو الذي يرمي رجلاً أو امرأة بالفاحشة، ويجلد القاذف الحد المنصوص عليه في كتاب الله عز وجل، وهو ثمانون جلدة، وأما الزاني غير المحصن سواء كان رجلاً أو امرأة فيجلد مائة جلدة.
الأقوال في مقدار الجلد في حد شارب الخمر
الأقوال في مقدار الجلد في حد شارب الخمر لقد ثبت التوقيف في الخمر على ثمانين جلدة من فعل عمر رضي الله تعالى عنه، وقد كانوا قد اختلفوا كم جلد النبي صلى الله عليه وسلم شارب الخمر، فقيل: جلد أربعين وقيل: ثمانين، وقد ورد (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بشارب الخمر فأمرهم بضربه، فقال: قوموا له، فقاموا له، قال الراوي: فمنا الضارب بسوطه، ومنا الضارب بنعله، ومنا الضارب بثوبه). فقوله هنا: (قوموا له) خطاب لفضلاء الصحابة ليفعلوا ذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً، فلو فعل أحد منهم شيئاً فيه ضرر بالمجلود فالله سبحانه وتعالى سيطلع النبي صلى الله عليه وسلم أن فلاناً تعمد أن يفعل كذا. فلا يعقل أن يترك هذا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم للناس، فيقال: قوموا له، فيأتي بعض الناس ممن بينه وبينه عداوة فيقوم يضربه بشيء يقتله، فلكي لا يكون مثل ذلك فإن الحد لا يترك لآحاد الناس أن يقيموه، وإنما الحاكم يوكل من يقيم هذا الحد كجلاد يكلف بذلك ويقوم به في مشهد من فضلاء الناس؛ حتى يعرف أن هذا لم يقتله بالحد الذي يقام عليه. فلذلك أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بإقامة هذا الحد، وتتابع الصحابة أنه يقام الحد في شرب الخمر بثمانين جلدة. يقول ابن العربي المالكي: وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم المعاصي حتى يتخذوها ضراوة، فيزاد الحد لأجل زيادة الذنب. والأصل في الحد ما جاء في الشرع في كتاب الله عز وجل، أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الزيادة خلاف الأصل، إلا أنهم قد استدلوا على هذه الزيادة بما وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من شرب الخمر فاجلدوه، فإن شربها في الثانية فاجلدوه، فإن شربها في الثالثة فاجلدوه، فإن شربها في الرابعة فاقتلوه)، فالإنسان الذي لم يزجر مع تكرار الجلد فقد يصل الأمر به في النهاية أن يعزر بالقتل؛ فلذلك قالوا: إنه إذا احلولت له المعصية فيزداد في الحد، وقد أتي عمر رضي الله تعالى عنه بسكران في رمضان، -ومعلوم أن حد شرب الخمر إما أربعون وإما ثمانون- فقال عمر رضي الله عنه والصحابة: إن الحد ثمانون جلدة. وكأنهم رأوا أن الذي يردع هذا الإنسان ثمانون، وهذا أقرب إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً قاسه عمر رضي الله عنه على أقل الحدود وهو حد القذف؛ لأن الإنسان إذا شرب الخمر أصيب بالهذيان، ومن ثَم يقذف الناس، فلذلك جعلوا حد شرب الخمر كحد القذف، لكن الذي سكر في نهار رمضان، أمر عمر بضربه مائة، فكأن عمر نظر لحرمة اليوم فهو يوم من شهر رمضان، فأمر بعشرين جلدة زيادة تعزيراً، فحد الخمر ثمانون، وعشرون لهتك حرمة الشهر. قال ابن العربي رحمه الله: فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات، وذكر أن رجلاً لعب بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط، فلم ينكر ذلك الإمام مالك حين بلغه. وقوله: لعب بصبي كأنها مقدمات اللواط والعياذ بالله، فاللوطي حده الشرعي القتل سواء بالرجم أو بالضرب بالسيف، أو بحسب ما ذكر العلماء في ذلك، لكن الوالي هنا جلده ثلاثمائة جلدة، فلم يضربه ثمانين جلدة كما في حد القاذف، ولا مائة جلدة كما في حد الزاني غير المحصن، ومع ذلك لم ينكر الإمام مالك رحمة الله عليه، وكأنه رأى في هذا الباب أنه يقام عليه الحد ويعزر بأكثر من ذلك. وقد صنع عمر في التعزير أكثر من ذلك، فإنه قام شخص بتزوير خاتم عمر رضي الله عنه، وأخذ مالاً من بيت المال بتزويره لختم عمر رضي الله عنه، فأمر عمر بجلده مائة، فجلد مائة، ثم تركه في السجن إلى أن برئ من هذه الجلدات، ثم أخرجه وجلده مائة أخرى، ثم أدخله السجن حتى برئ، ثم أخرجه وجلده مائة ثالثة، فدل ذلك على أن الإنسان يؤدب بالشيء الذي يردعه في باب التعزيرات، وقد يصل أحياناً إلى أن يقتل إذا كان يستمرئ الذنب ويخشى الضرر على الناس منه، كمن يتاجر في الحشيش أو الأفيون، فإنه يوزع على الناس ما يؤذيهم، فقد يصل التعزير في مثله إلى أن يقتل. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حده شارب الخمر من حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وهو يتخلل الناس يسألهم عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان عنده فضربوه بما في أيديهم، قال: وحثا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه التراب، فلما كان أبو بكر رضي الله عنه أتي بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين)، يقول الإمام الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، فآتيه وهو في المسجد ومعه عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه. فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين وعمر ثمانين، وتتابع الناس على ذلك أن شارب الخمر يجلد ثمانين جلدة.
تفسير قوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)
تفسير قوله تعالى: (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) قال الله تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2]، فقوله سبحانه: {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2] الخطاب هنا للمؤمنين، وهذا فيه تهييج داعي الإيمان في القلوب، كما تقول لإنسان: إذا كنت رجلاً فتعال لي، مع أنه رجل أمامك وليس امرأة، ولكن تريد تهييجه ليفعل ذلك. فكذلك هنا الله عز وجل كأنه يقول: إن كنتم مؤمنين فافعلوا ذلك، فكل إنسان يخشى أن يسلب منه هذا الإيمان إذا ترك أمر الله سبحانه وتعالى، فإنه يفعل ما أمر الله عز وجل به من إقامة هذا الحد. قوله: ((وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ))، قراءة الجمهور: ((رَأْفَةٌ)) بتسكين الهمزة، وأما قراءة ابن كثير (رَأَفَةٌ في دين الله) بفتح الهمزة. والرأفة هي الرحمة، وهي أرق الرحمة، والمعنى: لا تأخذكم بهما رقة وأنتم تفعلون ذلك، فلا تخففوا الضرب من غير إيلام؛ لأن الله سبحانه هو أولى بالرحمة منكم إذا كان هذا يستحق الرحمة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، ثم قرأ: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النور:2]، وجاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (حد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً)، والمطر أربعين صباحاً يأتي بالبركة من السماء، فإقامة الحد سبب في نزول البركات من السماء؛ لأن الحد فيه أمر بمعروف ونهي عن منكر، وفيه ردع لأصحاب المعاصي عن معاصيهم، وفيه أن أخذ الناس لحقوقهم بإقامة الحد، فمن حُدّ في الدنيا سقط عنه العذاب يوم القيامة، وكذا الإنسان إذا ظلم بأن قذفه آخر أخذ حقه بأن يقام على الظالم حد القذف مثلاً. إذاً: إذا وجد شرع الله عز وجل بين الناس في الدنيا وحكم فيما بينهم؛ فإنهم يستحقون الرحمة، ويستحقون أن يوصفوا بالإيمان، يقول الله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف:96]، فإقامة الحدود دليل الإيمان والتقوى وتنزل البركات من السماء والأرض. وقال سبحانه وتعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] أي: ليشهد إقامة الحد عليهما طائفة من المؤمنين، وقالوا: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، أي: لا يشهد هذا الحد إلا من وصفهم الله عز وجل بأنهم من أهل الإيمان، فخرج بذلك الفساق. كما أنه إذا كان الحاضرون من المؤمنين فقد يدعون الله عز وجل أن يتوب عليه، فيتوب الله عز وجل عليه، فلذلك قال العلماء: المقصود بذلك الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضور الناس، وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله.
تفسير سورة النور [2 - 5]
تفسير سورة النور [2 - 5] لقد بين الله عز وجل في كتابه الكريم أسس وقواعد بناء المجتمع المسلم على تقوى الله عز وجل، وتنظيم حياته، وذلك أن القرآن الكريم هو دستور لحياة المسلم في كل صغيرة وكبيرة من أمور حياته، وإن مما اهتم به القرآن الكريم الاعتناء بطهارة المجتمع ونظافته، ذلك أن المجتمع الطاهر النظيف تكون ثمرته طيبة؛ ومن أجل ذلك حرم إشاعة الفاحشة، وحرم الزنا، وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم الكلام في أعراض الناس وقذفهم إلا بالبينة الشرعية الواضحة، وهذه الآيات تبين هذه الحقيقة وتوضحها، وتبين عاقبة المتعدي والمجترئ عليها.
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة)
تفسير قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4 - 5]. في هذه الآيات من سورة النور ذكر الله سبحانه حكم القذف بعد أن ذكر سبحانه حكم الزنا، فقد ذكر الزنا في قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] وذكر هنا الجلد، وأنه يجلد كل واحد منهما مائة جلدة، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)، وهذا الحديث فيه زيادة حكم على ما في هذه الآية، فقد ذكرت الآية أن البكر -وهو الإنسان الذي لم يتزوج، أو المرأة التي لم تتزوج- إذا وقع أحدهما في هذه الجريمة فإنه يجلد مائة جلدة. وقد جاء أيضاً الحكم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، وزاد على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام). إذاً: فينفى الزاني والزانية سنة من البلدة التي وقعت فيها هذه الجريم، فيجلدان مائة، ويغربان عاماً.
الأمر بعدم التساهل في إقامة الحدود
الأمر بعدم التساهل في إقامة الحدود قال الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2]، فلا تأخذ الذي يقيم الحد رأفة في دين الله عز وجل. ومعنى ذلك: أنه يجلد الزاني جلداً يؤذي، ولا تأخذه رأفة في ذلك، وليس معنى ذلك أن يقتله بضربه. وأيضاً من معاني {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} [النور:2] ألا تقلل من الحد، كأن تضربه خمسين بدلاً من المائة، ولكن اضربه كما أمر الله عز وجل، والله أعلم بحكمه سبحانه وتعالى. قال تعالى: {َلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] أي: أنه لابد لإقامة الحد من أن يشهده طائفة من المؤمنين، فيعلمون أن هذا الذي يقام عليه الحد آثم، وأنه يستحق ذلك، ولعلهم يدعون له أن يغفر الله عز وجل له فيغفر له، وكذلك يشهدون ذلك حتى لا يكون الذي يقيم الحد يجلد جلداً يقتل معه مثلاً، فيكون هناك شهود على هذا الذي يقيم الحد. وكذلك حتى لا يتهاون في ذلك فيقلل من الضرب مثلاً، فيكونوا شهوداً على ذلك أيضاً، وأيضاً حتى يشعر هذا الإنسان بالفضيحة عندما يرى الناس يشاهدونه وهو يضرب، فلعله يرتدع أن يقع في ذلك مرة أخرى.
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات فإن الله غفور رحيم)
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات فإن الله غفور رحيم) ثم ذكر ربنا سبحانه حكم القذف فقال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4] والمحصنات هن: النساء العفيفات المؤمنات، وأيضاً الرجال الأعفاء المؤمنون لهم نفس هذا الحكم بإجماع أهل العلم على ذلك، قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4]، فأمر الأعراض ليس سهلاً، فليس من حق أحد أن يتكلم على آخر بأنه رآه يزني، ولو كان قد رآه وحده فشهادته غير مقبولة، فلا معنى لأن يقول: رأيته يزني إلا أن يجلد هو الحد، فإذا قال ذلك قلنا له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ هلال بن أمية: (البينة على ما تقول وإلا حد في ظهرك).
تشدد الشرع في أمر الأعراض
تشدد الشرع في أمر الأعراض وقد جعل الله عز وجل أعراض الناس محترمة، ولا يجوز لإنسان أن يقع فيها ويؤذيها، فإذا فعل ذلك أقيم عليه الحد إذا كان قاذفاً، أو يعزر في ذلك إذا كان ساباً بغير القذف. فالذين يرمون المحصنات لا بد وأن يأتوا بأربعة شهداء كما قال سبحانه: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، فحد القذف أقل من حد زنا البكر سواء كان رجلاً أو امرأة، وإذا كان الذي وقع في الزنا ثيباً من الرجال أو من النساء فيكون حده الرجم، وهو من أشد الحدود، فيرجم هذا الإنسان؛ لأنه قد تزوج وعنده ما يكف به نفسه، فكيف يذهب إلى حرمات المسلمين ويصنع ذلك؟ فلا عذر له، ولا يمهل، ولكن يقام عليه هذا الحد، وهو الرجم تطهيراً له، وتطهيراً للمجتمع أيضاً من مثل ذلك. إذ أنه لو ترك الإنسان المتزوج يزني فإن كل إنسان سيجلس مع امرأته ومع الغريبة، فتنتشر المحرمات بين الناس، وتحل المصائب، ويستحق بها الناس حرمان البركات من السماء، فلأن يبتر هذا الإنسان من المجتمع أولى من حرمان المجتمع من بركات السماء؛ بسبب وجود مثل هذا الإنسان فيه.
الأحكام المترتبة على القذف
الأحكام المترتبة على القذف قال تعالى مبيناً حكم القاذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]. فذكر الله عز وجل أحكاماً على هؤلاء الذين وقعوا في جريمة القذف، وجريمة الوقوع في عرض إنسان، فقال: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]. والحكم الثاني: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4]، وهذه الأبدية مقيدة بالتوبة، فإذا تابوا بعد ذلك قبلت شهادتهم، ثم قال ذاكراً ما تبقى من أحكام: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4 - 5]. فالإنسان الذي وقع في القذف يستحق أن يوصف بأنه فاسق، والفاسق لا تقبل شهادته، فإذا شهد في المحكمة عند القاضي فإنه ترد شهادته؛ لأنه فاسق، وهذا القاذف قد يكون عند نفسه صادقاً، فقد يكون رأى شيئاً، ولكن الشريعة قيدت وكتفت هذا الإنسان من أن يتكلم بكل ما رأى، فلعله رأى شيئاً على غير حقيقته، أو لعله أخطأ في هذا الشيء، ولأن يخطئ في السكوت أفضل له من أن يخطئ في الكلام، فإذا تكلم أقيم عليه الحد بذلك.
قصة قذف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه
قصة قذف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وقد روي أنه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه قذف مجموعة من الناس رجلاً من أفاضل الصحابة وهو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، فقد قذفه أربعة، فشهد عليه ثلاثة، والرابع كاد ولم يفعل. وهؤلاء الأربعة هم أبو بكرة وهو صحابي فاضل رضي الله تبارك وتعالى عنه، واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة، وأخوه نافع بن الحارث بن كلدة، وشبل بن معبد، وزياد بن أبيه، فلما ذهبوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع منهم، فلما جاء الرابع وهو زياد قال عمر رضي الله عنه: أرى رجلاً لا يفضح الله أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على لسانه، فقال الرجل: أما الزنا فلم أر، قال: رأيت أمراً قبيحاً. والظاهر أن هذا كان من باب النكاح الذي كان لا يجيزه عمر، وكأن المغيرة رضي الله تبارك وتعالى عنه -كما جاء في بعض الروايات الضعيفة التي توضح هذا الشيء- أنه لما كان والياً في أمر من أمور المسلمين تزوج هذه المرأة بهذه الولاية؛ لأنه كان أميراً، فكان هو بدلاً عن الولي فزوجها من نفسه؛ لأنه الأمير. فلما تزوجها رآه هؤلاء وهو يأتيها وقد أصبحت امرأته، فرفعوا الأمر إلى عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولم يروا أنه تزوجها، وعمر كان لا يجيز مثل هذا الزواج، وكان يسميه نكاح السر، ويقول: لو رفع إلي ذلك لرجمت فيه. فكان المغيرة بين أمرين: إما أن يقول: تزوجتها واجتهدت في ذلك، وهنا يقول له عمر: لأرجمنك؛ لأن هذا ليس زواجاً على ما يختار عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، وإما أن يسكت ولا يتكلم كما فعل هنا رضي الله تبارك وتعالى عنه، وهؤلاء قالوا: إنهم رأوه يأتيها. وقال الرابع: رأيت أمراً قبيحاً أما الزنا فلا. وحاشا له أن يزني رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولكنه كان متأولاً في ذلك، ورأى أنه يجوز له أن يتزوجها من غير وليها لكونه أميراً. والصواب: أنه ليس له ذلك، ولكنه اجتهد رضي الله تبارك وتعالى عنه. فلما شهد الثلاثة بذلك ولم يشهد الرابع وإنما قال: رأيت أمراً قبيحاً أما الزنا فلا، أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالثلاثة فأقيم عليهم الحد، ومنهم هذا الصحابي الفاضل أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث بن كلدة رضي الله تبارك وتعالى عنه. وأما الرابع الذي قال: رأيت أمراً قبيحاً فلم يقم عليه الحد، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لهؤلاء: توبوا وارجعوا عن ذلك، فأنا أقبل شهادتكم إذا تبتم ورجعتم عن هذا -وهذا بعدما أقام عليهم الحد، وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة-، فتاب اثنان ورجعا عما قالا، وأما أبو بكرة فقال: لا والله لا أرجع، ولقد رأيته، وقام يعيدها مرة ثانية، فأراد عمر أن يقيم عليه الحد مرة ثانية رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقال علي بن أبي طالب -وهو فقيه رضي الله تبارك وتعالى عنه- لـ عمر: إن أقمت عليه الحد فارجم صاحبك. يعني: إذا أردت أن تقيم عليه الحد فمعنى ذلك أنه قد كملت عندك أربع شهادات؛ لأنك جلدت هؤلاء الثلاثة، وستجلد هذا مرتين، فكأنه شاهد رابع، وقد قبلت أنه شاهد رابع، فقد أصبح الآن عندك أربعة شهود، إذاً: فارجم هذا الآخر، وأقم عليه الحد. فلم يفعل عمر بن الخطاب لم يجلد ولم يرجم، وكان عمر بن الخطاب بعد ذلك لا يقبل شهادة أبي بكرة رضي الله عنه، ويقول له: تب فإذا تبت -يعني: رجعت وكذبت نفسك في هذا الذي قلته- قبلت شهادتك، فرفض هذا الشيء، وكان رجل عدلاً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان إذا طلب للشهادة بعد ذلك يقول: لا تقبل شهادتي، ولا يؤخذ بشهادتي. يعني: أن عمر قد رد شهادته، وأما هو عند نفسه فيرى نفسه صادقاً، وما كان يقول عن نفسه أنه: كذاب حاشا له أن يكون كاذباً رضي الله عنه، ولكنه أخطأ في التأويل. فالمقصود: أن هؤلاء الثلاثة قد شهدوا، وأما الرابع فقال: رأيت أمراً قبيحاً، ومع ذلك لم تقبل هذه الشهادة، فإذا كان الشاهد واحداً فمن باب أولى له أن يسكت.
قصة ماعز رضي الله عنه
قصة ماعز رضي الله عنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان يربي ماعزاً يتيماً في حجره، فلما كبر ماعز رضي الله عنه وتزوج وقع على امرأة أو على جارية من الحي، فذهب هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: إن ماعزاً قد زنى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا هزال هلا سترته بثوبك). يعني: كان الأولى بك أن تسكت من أن تفضح إنساناً لعله يتوب إلى الله عز وجل. فهنا أمر بالستر على المسلمين، فلعل الإنسان الذي سترت عليه يستحيي من نفسه، ويرى أن الله قد ستره فيتوب، ولا يعود إلى هذا مرة ثانية، بخلاف الفضيحة، فإنه إذا فضح وتكلم الناس فيه فإنه يستسهل هذه الجريمة، وكثرة الكلام في هذا يسهل على الناس أن يتخيلوا هذه الجريمة واقعة، فإذا رأوها بعد ذلك سهل عليهم أن يسكتوا عنها، فتشيع بين الناس هذه الجريمة.
النهي عن إشاعة الفاحشة
النهي عن إشاعة الفاحشة قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19]. وقد نزلت هذه الآية في قصة الإفك وفيما أشاعه أهل الإفك من الكلام عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} [النور:19]، والمحبة أمر قلبي، فالذي يحب ويتمنى أن تشيع الفاحشة بين الناس له {عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:19] فكيف بالذي يفعلها؟ ومن إشاعة الفاحشة التكلم بها، فكثرة الكلام في الزنا يجعل الناس يتهاونون في أمره، فيسكت كل إنسان عما يراه، فلا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. ولذلك كان من أول الأشياء في الكف عن ذلك إسكات ألسنة الناس عن الكلام في ذلك، فنهي أن يتكلم الإنسان في عرض أخيه المسلم ويقول: رأيت فلاناً يزني أو كذا، وشدد الله سبحانه وتعالى في ذلك فاشترط لقبول هذا القول أربعة شهود، ((فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكذابون)) أي: وهم الفسقة الذين ترد شهادتهم. وقد قال العلماء في قول الله عز وجل: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4] أنه يبقى مدة العمر إلى أن يموت لا تقبل شهادته، إلا أن يتوب إلى الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:5]، فقوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور:5] يعني: من هذا الذي وقعوا فيه، بأن يكذبوا أنفسهم في هذا الذي قالوه، ويرجعوا عن هذا الذي فعلوه أو قالوه، والله غفور رحيم.
اختلاف العلماء في الاستثناء الوارد في الآية
اختلاف العلماء في الاستثناء الوارد في الآية وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام، ثم جاء الاستثناء بعدها، فاختلف العلماء في عود هذا الاستثناء، وعلى ماذا يرجع؟ فإن الآية ذكرت: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، فهذا هو الحكم الأول، والحكم الثاني: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4]، والحكم الثالث: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]، ثم جاء الاستثناء {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور:5]. فاتفق العلماء على أن القاذف يجلد، وأن الاستثناء لا يعود إلى هذا الحكم، فإذا طلب المقذوف إقامة الحد على من قذفه فإنه يجلد ثمانين جلدة. وأجمعوا على أن الاستثناء لا يرجع إلى الجلد، وأما الحكمان الباقيان {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] فالجمهور على أن قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور:5] يرجع إليهما. وقالوا: إن الأصل أنه إذا تعاقبت جمل وجاء شرط بعدها أو استثناء فإن هذا الاستثناء أو الشرط يعود إلى جميع الجمل. وقال الإمام أبو حنيفة ومن وافقه: إن الاستثناء يعود إلى أقرب مذكور إليه. فعلى قول الجمهور فالاستثناء يعود إلى الجميع، إلا أن الإجماع قد قام على أنه لا يعود إلى الجميع، بل لا بد من الجلد، وإنما يعود إلى الأمرين الباقين، وهما قوله تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4] أي: فإذا تابوا فاقبلوا شهادتهم. {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] أي: فإذا تابوا فلا يوصفون بكونهم فسقة. وأما عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله فإن الضمير لا يعود إلا إلى قوله تعالى: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]؛ لأن الضمير لا يعود إلا إلى أقرب مذكور، فإذا تاب إلى الله سبحانه فيرتفع عنه وصف الفسق فقط، وأما شهادته فلا تقبل أبداً عند أبي حنيفة فسواء تاب أو لم يتب فلا تقبل شهادته، وهذا باعتبار أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل فإنه يرجع إلى آخر جملة. ومما احتج به الجمهور على أن الاستثناء يرجع إلى جميع ما سبق قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة:33 - 34]. فذكر الله سبحانه وتعالى أنهم: {يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]، وقال: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} [المائدة:34] أي: فلا تفعلوا بهم ذلك، فعاد الاستثناء إلى جميع ما كان قبل ذلك في هذه الآية. ولكن جاء في قتل المؤمن خطأً أن الله سبحانه وتعالى ذكر استثناء في النهاية فلم يعد هذا الاستثناء إلا إلى آخر مذكور، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء:92]. فذكر الله سبحانه وتعالى أن على القاتل خطأً دية مسلّمة إلى أهل المقتول، فقال: {وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء:92] أي: فمن لم يجد الرقبة المؤمنة فليصم شهرين متتابعين. قالوا: فعاد الاستثناء إلى آخر جملة باتفاق. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [3]
تفسير سورة النور الآية [3] يخبر الله تعالى أنه لا ينبغي للزاني أن يتزوج بامرأة عفيفة إلا إذا كان قد تاب وظهرت توبته، وكذلك لا يجوز للزانية أن تتزوج بعفيف، وإنما تتزوج بمثلها، والتزوج من الزانية المشركة يحرم باتفاق، وأما الزانية المسلمة فيحرم التزوج بها إذا لم تتب, وهذا باتفاق أيضاً.
تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)
تفسير قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3]. لما حرم الله عز وجل الزنا، وحرم الوسائل التي تؤدي إليه من النظر واللمس وغير ذلك، ذكر هنا شيئاً آخر من الأحكام الشرعية التي تجعل الإنسان يبتعد عن أمر الزنا، ويبتعد عن الزناة. قال سبحانه: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قال المفسرون: صيغة الخبر هنا في قوله: {لا يَنكِحُ} بمعنى النهي، فهذا نهي للإنسان أنه يتزوج بامرأة زانية، وكذلك المرأة العفيفة لا تتزوج الرجل الزاني، فالزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، فلا يتزوج إلا بمثله. ويأتي حديث للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى وهو قوله: (لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله)، وفي رواية في سنن أبي داود: (لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يتزوج الزاني المجلود الذي لم يتب إلا من كان مثله، أو أن العادة أنه لا يتزوج الزاني إلا بامرأة توافقه على ما كان فيه من الباطل والمحرم.
أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة)
أقوال العلماء في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) اختلف العلماء في معنى هذه الآية، ويذكر الإمام القرطبي ستة أوجه من أوجه التأويل: الوجه الأول: أن مقصد الآية تشنيع الزنا وتبشيع أمره، وأنه محرم على المؤمنين، كأنه في قوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ} [النور:3] أي: وحرم الزنا على المؤمنين. قال: وهذا معنى حسن بليغ، واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ. فقوله سبحانه: ((لا يَنكِحُ)) أي: لا يطأ ولا يواقع ولا يزني إلا بمن توافقه، فإن كانت مسلمة فقد اتصفت بصفة رذيلة وهي أنها زانية، أو أن التي توافقه على ذلك تكون من المشركات. والعكس: فالزانية لا يطأها في حال زناها إلا إنسان زانٍ، فإن كان مسلماً فقد اتصف بهذا الوصف الرذيل: أنه زان، أو لا يطأها إلا إنسان مشرك يستبيح ذلك الفعل، {وَحُرِّمَ ذَلِكَ} [النور:3] أي: وحرم الزنا على المؤمنين، هذا هو القول الأول من كلام أهل العلم. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وأصحابه أنهم قالوا: النكاح في هذه الآية بمعنى الوطء، وإن كان النكاح يأتي في القرآن بمعنى العقد، وذهب بعض أهل العلم إلى أن جميع ما جاء في القرآن من نكاح فإنه بمعنى العقد، ورجح ذلك الإمام الزجاج من أئمة اللغة، وقال لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، أي: بمعنى عقد الزواج. وقال ذلك أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يعرف النكاح في كتاب الله عز وجل إلا بمعنى العقد، وهذا القول فيه نظر، فصحيح أنه قد جاء في القرآن قوله الله عز وجل: {حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230] وهذا فيه معنى العقد، ولكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تبيين النكاح بأنه الوطء والعقد وليس مجرد عقد الزواج، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي طلقها زوجها ثلاثاً ثم تزوجت غيره، وأرادت أن ترجع إلى الأول، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) فهنا مجرد تزوجِّها من إنسان آخر والعقد عليها لا يبيح لها أن ترجع إلى الأول حتى يطأها هذا الثاني، فجاء في القرآن النكاح بمعنى الوطء، كما جاء في القرآن بمعنى العقد. فعلى ذلك قول ابن عباس هنا في قوله: {الزَّانِي لا يَنكِحُ} [النور:3] أي: لا يطأ، بمعنى أنه لا يزني إلا بزانية مثله أو مشركة تستبيح ذلك، هذا هو الصواب.
ذكر سبب نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها)
ذكر سبب نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها) قوله تعالى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا} [النور:3] أي: لا يطأها {إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3]. قالوا: نزلت هذه الآية لسبب، وهو ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسرى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عناق)، كان هذا الرجل الذي هو مرثد بن أبي مرثد يأخذ الأسرى الموجودين في مكة من المسلمين ويهربهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عمل جليل من هذا الرجل، وكان لهذا الرجل امرأة بغي وهي صديقة له، وهذه المرأة كانت تعينه وتساعده في خطف الأسرى حتى يأخذهم ويهرب بهم إلى خارج مكة. فالرجل أراد أن يتجمل مع هذه المرأة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (يا رسول الله! أنكح عناقاً؟) أي: أأتزوج هذه المرأة التي خدمتني كثيراً في هذا الأمر؟ فكان الجواب (أن النبي صلى الله عليه وسلم سكت، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3])، وهذه المرأة لم تكن قد تابت بعد من الزنا، بل كانت ما زالت على زناها، ومعروفة بالبغاء، ولكن كانت تساعده في تهريب الأسرى، فهنا الفعل الذي فعلته المرأة وإن كان فعلاً حسناً حيث أعانته في تهريب المسلمين إلا أنها كانت زانية، فلا يحل له أن يتزوج هذه المرأة الزانية، فنزلت الآية: {وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3] يعني: في حال زناه. قال: (فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها علي وقال: لا تنكحها)، هذا لفظ أبي داود، وجاء في الترمذي بأطول من ذلك. فقال أكثر أهل العلم: إن عناقاً كانت كافرة ولم تكن مسلمة، وكانت فاجرة بغي، فهذا الرجل لما أراد أن يتزوجها منع من ذلك؛ لأنها كافرة وأيضاً لكونها زانية، فوصفت بأنها زانية، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنكحها).
حكم التزوج بالزانية
حكم التزوج بالزانية اختلف العلماء: هل يجوز للرجل أن يتزوج بالمرأة الزانية؟ ذكرت الآية أن: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم منع من ذلك أيضاً، وذكر أنه: (لا ينكح الزاني المحدود -أو المجلود- إلا مثله). إذاً: فلا يجوز لإنسان مسلم أن يتزوج بامرأة زانية، لكن هل معنى ذلك: أنه لو تزوجها يبطل هذا النكاح؟ الراجح أنه يحرم ولا يبطل النكاح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله) وهذا الزاني إذا كان من المسلمين فيجوز له أن يتزوج، والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه إذا كان محدوداً وأقيم عليه الحد في ذلك، فهذا المحدود إما أن يكون قد تاب إلى الله عز وجل، فلا بأس على ذلك، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا} [البقرة:160]، فيجوز له أن يتزوج من عفيفات المسلمين، أو أنه لم يتب، وكأن الحديث يشير إلى الزاني المحدود الذي لم يتب، فهذا لا يجوز له أن يتزوج من عفيفات المسلمين، بل يتزوج بمثله. وكذلك المرأة التي اشتهرت بالزنا مثلما كانت عناق مشهورة بذلك، وقد كان هناك في الجاهلية بيوت للزناة معروفة، فهذا بيت فلانة، وهذا بيت فلانة، فيذهب إليها الرجال لهذه الفاحشة، فالمعروفة بهذه الجريمة لا يجوز للرجل أنه يتزوج بمثلها حتى تتوب وتظهر توبتها، فإن تابت جاز أن يتزوجها، وهذا مذهب أحمد رحمه الله، أما لو تابت من الزنا وتزوجها رجل فالنكاح صحيح اتفاقاً، لكن جمهور العلماء عندهم أن النكاح صحيح إذا تزوج الرجل بامرأة كانت تزني ولم تتب، لكنه يأثم في هذا الشيء الذي أتاه.
ذكر سبب آخر في نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك)
ذكر سبب آخر في نزول قوله تعالى: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) قال الإمام القرطبي: إن هذه الآية مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت من الزانيات، وكانت تشترط أن تتزوج الرجل وتنفق عليه بشرط أن تستمر على الزنا الذي هي فيه. فجاء هذا الرجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتزوجها، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل هذه الآية. وكأن الآية نزلت في قصة أم مهزول وقصة عناق أيضاً، والحديثان صحيحان. وقيل: إنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوماً من المهاجرين الفقراء، ولم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، ونزلوا في صفة المسجد، وكانوا أربعمائة، وكانوا يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل، فكان رزقهم ضعيفاً، وليس معهم مال يتزوجون به، وكان في المدينة نساء من البغايا مشهورات، فهؤلاء سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجوا من هؤلاء زواجاً رخيصاً؛ لأن التزوج من المرأة البغي أرخص من غيرها، فنزلت الآية في المنع من ذلك، وأنه ولو كان فقيراً فلا يجوز له أن يتزوج امرأة من البغايا المشهورات بهذا الأمر.
قول الحسن في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية)
قول الحسن في معنى قوله تعالى: (الزاني لا ينكح إلا زانية) جاء عن الحسن: أن المراد هنا الزاني المحدود، والزانية المحدودة. يعني: كأن الآية محمولة على أن من زنى واشتهر بذلك فإنه لا يجوز له أن يتزوج إلا بمثله، ولا يتزوج بعفيفة من المسلمين. وقال بعض أهل العلم: إن قوله سبحانه: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور:3] منسوخة بقول الله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32] قوله: ((الأَيَامَى مِنْكُمْ)) يعني: غير المتزوجين، فعمت المتزوجين وغير المتزوجين. ولكن الأولى في ذلك أن الإنسان المؤمن لا يجوز له أن يتزوج بامرأة بغي مشهورة بذلك، ويجوز له أن يتزوج بنساء مسلمات عفيفات وهن كثيرات، ويجوز له أن يتزوج بامرأة هذا حالها ولكنها قد تابت إلى الله سبحانه وتعالى، كما ذهب إلى ذلك الإمام الحسن البصري وذهب إلى ذلك الإمام أحمد رحمه الله. وكذلك الرجل الذي وقع في هذه الجريمة واشتهر عنه ذلك، لا يجوز أن يوافق ولي المرأة على أن يزوجه بابنته، ولكن إن تاب وبدت توبته جاز له أن يزوجه. لكن لو حصل أن إنساناً مشهوراً بهذه الجريمة تزوج بامرأة عفيفة من المسلمين، وقلنا بحرمة ذلك، فهل يبطل هذا العقد؟ الراجح: أنه لا يبطل هذا العقد، ولكن عليه الإثم في ذلك. والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [4]
تفسير سورة النور الآية [4] إن حفظ العرض مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولذلك فقد عاقبت الشريعة كل من يفتري على الآخرين ويطعن في أعراض المسلمين، فشرع الله حد القذف صوناً للأعراض وحفاظاً على سمعة العباد.
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات)
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:4 - 5]. في هذه السورة الكريمة يذكر الله عز وجل فيها حكم الإنسان القاذف الذي يقذف مؤمناً أو مؤمنة، سواء كان القاذف رجلاً أو امرأة، فحكمه الشرعي فيه هو ما ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية. قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4]، والمحصنات هن العفيفات من المؤمنات. والمحصنة: هي التي أحصن فرجها، وهي العفيفة التي استعفت عن الحرام، فهي كريمة مؤمنة. وقراءة الكسائي: (والذين يرمون المحصِنَات) بكسر الصاد فهي محصنة لنفسها، موصوفة بأنها حصان محصنة، وقراءة الجمهور: (المحصَنات) بالفتح. والرمي: السب والقذف، فالذين يرمون، أي: يسبون ويقذفون، وأصل القذف: أخذ الحجارة والحذف بها، فاستعير ممن يقذف بالحجر فيجرح إلى الذي يقذفه بلسانه فيجرح كذلك، فقالوا: وجرح اللسان كجرح اليد، وقد يكون جرح اللسان أشد بكثير من جرح اليد، فجرح اليد يبرأ، ولكن جرح اللسان بالسب أو القذف ينتشر بين الناس. وقد جاء الإسلام بحماية الأنساب وحفظ النسل بأن حرم الزنا؛ حتى لا تختلط الأنساب، فلا يعرف لمن يكون الولد ومن الذي اشترك فيه. وجاء أيضاً بحماية الأعراض، فحرم على الناس أن يقذف بعضهم بعضاً، وعرض الإنسان هو محل المدح والذم، فالذي يرمي محصناً أو محصنة بجريمة الزنا عوقت بهذه العقوبة، قال سبحانه وتعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، فإذا رمى القاذف أحداً بجريمة الزنا فإنه يحد حد القذف، وأما إذا سب بشيء آخر غير الزنا فلا يحد حد القذف وإنما يعزر، وحد القذف ثمانون جلدة، لقول الله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]. والأمر الثاني: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} [النور:4] أي: إلى أن يموتوا، لا تقبل لهم شهادة، بل يصيرون كذابين، والأمر الثالث: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]، فوصفهم بالفسق، هو الخروج عن طاعة رب العالمين سبحانه، فعاقب الله الفاسق بعقوبة شديدة منها ما هو حال الآن وهو حد القذف بطلب المقذوف، ومنها ما هو مستمر إلى أن يموت، وهي وصفه بالفسق وعدم قبول شهادته، إلا إذا تاب فحكمه سيأتي. وفي قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} [النور:4] قال العلماء: الرمي هو السب بجريمة الزنا، ويسمى: القذف، ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بـ شريك بن سحماء.
الحكمة من تخصيص المحصنات بالذكر
الحكمة من تخصيص المحصنات بالذكر والحكم في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4] يعم الجميع، فالذي يرمي محصنة أو محصناً بهذه الجريمة فهو داخل تحت هذه الآية، ولكن لما كان أمر النساء أشد وأهم في ذلك خصصه الله عز وجل بالذكر، كما بدأ بذكر الزانية في أول السورة؛ لأنها داعية إلى ذلك بفتنتها. وهنا لما كانت المرأة مصونة مستورة خصها بالذكر وإن كان الحكم عاماً لمن يرمي المحصنة أو المحصن. يقول العلماء: إن الله عز وجل ذكر في هذه الآية النساء من حيث كونهن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس، وسوف يلحقها ويلحق أهلها العار فذكرت لأهميتها. وقذف الرجال المحصنين داخل تحت هذا الحكم بالمعنى وبإجماع الأمة على ذلك، وإن كان النص قد ذكر قذف النساء المحصنات وهذا كتحريم لحم الخنزير، فقد ورد النص به لأهميته، وعظم الخنزير وشحمه وجلده تبع له في التحريم.
شروط حد القذف
شروط حد القذف وحتى يقام حد القذف على القاذف لا بد من توفر شروط إقامة الحد، وهي تسعة شروط: شرطان في القاذف، وشرطان في المقذوف، وخمسة شروط في المقذوف به. فالقاذف هو الإنسان الذي يرمي آخر بالزنى، ويشترط أن يكون عاقلاً بالغاً حتى يقام عليه الحد، فإذا كان مجنوناً فلا حد عليه، وإذا كان غير بالغ فيعزر تعزيراً ولا يقام عليه الحد؛ لأنه غير مكلف. وأما المقذوف به: فهو الكلام الذي يقذف به الإنسان، كأن يقذفه بوطء يلزمه فيه الحد، سواء كان بالزنا أو باللواط، أو بنفيه من أبيه، كأن يقول: يا فلان أنت زان أو واقع في اللواط مثلاً، أو أنت لست ابن فلان، على وجه يقصد به نفيه عن أبيه بسبب هذه الجريمة. ولكن إذا لم يكن يقصد ذلك وإنما يقصد معنى آخر، كأن يرى إنساناً ذكياً ويقول له: أنت لست ابن فلان؛ لأن أباه غبي، فهذا لا يقصد القذف، وإنما يقصد معنى آخر. فهذان شرطان في المقذوف به. وأما المقذوف فيشترط فيه خمسة شروط حتى يؤخذ له من الآخر حقه، ويقام على الآخر الحد: الشرط الأول: أن يكون المقذوف عاقلاً، فإذا كان مجنوناً فلن يتأثر بالقذف، وإن تأثر أهله؛ لأن تشريع حد القذف كان حماية للمقذوف، وتأديباً للقاذف، إلا أنه لما لم يتأذى المقذوف بأن كان مجنوناً فلا يجلد القاذف في هذه الحالة، وقد يعزر على ذلك، والتعزير معناه العقوبة في الشيء الذي لا حد فيه، كعشر جلدات من ذلك ولكن لا يبلغ به حد القذف. وإذا لم يكن المقذوف بالغاً فلا يقام الحد على القاذف؛ لأنه معلوم أنه كذاب، وقد يعزر في ذلك. ويشترط في المقذوف كذلك أن يكون مسلماً، فإذا قذف المسلم كافراً فإنه يعزر على ذلك، ولكن لا يقام عليه الحد. ويشترط في المقذوف أن يكون حراً حتى لا يكون أدنى من القاذف، فإذا كان المقذوف عبداً فلا يقام على قاذفه الحد، ولكن يحرم قذفه، وقاذفه يحد في يوم القيامة، والله عز وجل جعل الناس مسخرين بعضهم لبعض، فجعل هؤلاء أحراراً وجعل هؤلاء عبيداً، وجعل للأحرار أحكاماً وجعل للعبيد أحكاماً، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد سبحانه وتعالى. فلو قذف العبد أقتص من قاذفه يوم القيامة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من قذف مملوكه أقيم عليه الحد يوم القيامة). ومن شروط المقذوف: أن يكون عفيفاً عن الفاحشة، فلو أن إنساناً قذف آخر وقال له: يا زاني، وتبين أن هذا الإنسان المقذوف ليس عفيفاً، فعلى ذلك لا يقام عليه الحد، وقد يعزر على ذلك تعزيراً.
اختلاف أهل العلم في التعريض بالزنى هل هو قذف أم لا
اختلاف أهل العلم في التعريض بالزنى هل هو قذف أم لا اتفق العلماء على أن القاذف إذا صرح بالزنا كان قذفاً، كأن يقول: أنت زانٍ مثلاً، وأما إذا لم يصرح بالزنى بل عرض بكلام يفهم منه ذلك فاختلف العلماء هل يقام عليه الحد أو لا؟ فذهب الإمام الشافعي وأبو حنيفة إلى أنه في التعريض لا يقام عليه الحد، وقد يعزر على ذلك. وذهب الإمام مالك والمشهور عن أحمد أنه في التعريض يقام الحد عليه. وسبب الخلاف أن هذا التعريض هل ينظر فيه إلى براءة ظهر هذا الإنسان فيحمي ظهره من الجلد، أو إلى أن المقذوف أوذي بهذا الكلام الذي قيل له؟ فمن العلماء من غلب النظر إلى أن الأصل البراءة إلى أن يثبت القذف بالتصريح، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة. ومن العلماء من قال: إن التعريض فيه ما يساوي التصريح، فإذا عرض في الكلام كان في ذك إيذاء يستحق أنه يقام عليه الحد، ولعل هذا هو الأرجح. وقد ذكر الله التعريض في كتابه عن قوم شعيب لما قالوا عن سيدنا شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87] وهم يقصدون: إنك لأنت السفيه المتهور، فذكرها الله عز وجل في كتابه مشنعاً على هؤلاء السفلة الذين قالوا ذلك لنبيهم عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن التعريض كالقذف الصريح. وكذلك ذكر الله سبحانه وتعالى عن أبي جهل أنه يقال له يوم القيامة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49] وهو في موقف ذل ومهانة يوم القيامة، والمقصود به الإهانة والتحقير، لأنه كان يظن نفسه عزيزاً في الدنيا، فقيل له: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان:49]، والمقصود: إنك أنت الذليل المهان. وكذلك حكى الله عز وجل عن قوم مريم عليها السلام لما أتت قومها تحمل غلاماً أنهم قالوا لها: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم:28] أي: من أين أتيت بهذا الغلام ولم يكن أبواك يقع في جريمة الزنا، ولا كانت أمك بغياً، والمقصد هو التعريض بأن هذا الغلام من البغي، فأنطقه الله سبحانه وتعالى وقال: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [مريم:30]، وقد ذكر الله عز وجل قول اليهود عن مريم فقال: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} [النساء:156]، وكان من قولهم: {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم:28]، فكأن التعريض أخذ حكم التصريح. وأيضاً: جاء أن عمر رضي الله عنه حبس شاعراً اسمه جرول، لما قال لأحد الناس: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فهذا لا يقصد به المدح، وإنما المقصود به الذم والشتم وأنه كالمرأة تقعد في بيتها، وتؤتى بالطعام والشراب والكسوة، فلذلك حبسه عمر رضي الله عنه، وتوعد هذا الشاعر بقطع لسانه. وأيضاً لما سمع قول النجاشي يقول عن أناس: قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل أي: أن هذه القبيلة لا يظلمون أحداً ولا يغدرون بأحد، وهذا كأنه مدح ولكن الحقيقة أنه شتم وسب، فـ عمر سمعه وأخذ الكلام على محمله أنه يمدحهم، فسأل رجلاً عنده: تراه ذمهم؟ قال: لقد بال عليهم بهذا الكلام، والمقصود أنهم ضعفاء لا يقدرون أن يقوموا بهذا العمل. فقوله: ولا يظلمون الناس حبة خردل تعريض بضعفهم وقلة عددهم، وكان أهل الجاهلية ينصح بعضهم بعضاً بالظلم، وأنه دليل القوة، فهؤلاء لا يظلمون الناس حبة خردل لضعفهم وقلتهم، وعدم قدرتهم على ذلك. فعاقب عمر هذا الشاعر، وعاقب الآخر؛ لأن التعريض بالكلام قد يكون مثل التصريح. فلذلك إذا عرض إنسان بآخر بهذه الجريمة وفهم من الكلام أنه يقصد الزنا فإنه يقام عليه الحد كالذي يصرح بذلك، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [4 - 9]
تفسير سورة النور [4 - 9] يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أن من رمى زوجته بجريمة الزنا فعليه أن يلاعنها بأن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين في قوله، ثم يدعو على نفسه في الخامسة باللعنة -وهي الطرد من رحمة الله- إن كان من الكاذبين عليها، ولا يدرأ عنها العذاب حتى تشهد أربع شهادات أنه كذب عليها، ثم تدعو في الخامسة على نفسها بالغضب إن كان صدق فيما قاله، ويترتب على هذه الملاعنة فراق أبدي بينهما، وانتفاء الرجل من الولد، وقد رجح الجمهور أن الملاعنة يمين وليست شهادة، وإن كانت تشبه لفظ الشهادة.
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات)
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور:6 - 10]. ذكر الله في هذه الآيات حكم القذف، ثم ذكر سبحانه قذفاً خاصاً وهو أن يقذف الرجل امرأته بجريمة الزنا والعياذ بالله، فالأول: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4] أي: عموم المحصنات المؤمنات العفيفات: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]، فالإنسان القاذف استحق ثلاثة أنواع من العقوبة: أن يجلد الحد وهو ثمانون جلدة، وأن يوصف بأنه إنسان فاسق، وألا تقبل منه الشهادة أبداً، إلا إذا تاب إلى الله سبحانه وتعالى. وذكرنا في الحديث السابق أن الله سبحانه وتعالى ذكر ثلاثة أشياء ثم استثنى بعد ذلك، فاختلف العلماء هل هذا الاستثناء: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} [النور:5] يرجع إلى أقرب مذكور أو يرجع إلى جميع الأشياء السابقة.
عودة الضمير في الجمل المتعاطفة
عودة الضمير في الجمل المتعاطفة اختلف العلماء إذا تعاطفت جمل ثم جاء الاستثناء بعد ذلك هل يعود هذا الاستثناء للجميع إلا ما أخرجه الدليل، أو يرجع إلى آخر مذكور قبله؟ فعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أنه يعود إلى آخر مذكور فقط دون الباقي، وعند الجمهور أنه يعود إلى الجميع إلا إذا دل الدليل على إخراج أحد المذكورين من هذا الاستثناء. وبناءً على ذلك، فيكون عند الجمهور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4] أي: يقذفون المحصنات بجريمة الزنا: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور:4]، وبإجماع أهل العلم أنه لو طلب المقذوف أو المقذوفة من القاضي أن يقيم الحد على فلان لأنه قذفه، فإنه لا يسقط الحد عن هذا القاذف ولو تاب. ((وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) عند الإمام أبي حنيفة أن الاستثناء: في قوله: ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا))، يعود على أقرب مذكور، فلا يكون القاذف فاسقاً إذا تاب، ولكن لا تقبل له شهادة حتى ولو تاب، ويقال عنه: هذا عدل وليس بفاسق. والجمهور يقولون: طالما أنه صار عدلاً وليس فاسقاً، إذاً فتقبل شهادته. وذكرنا آيتين أخريين في كتاب الله عز وجل: الآية التي في الحرابة: وهي أن يعمد رجل أو مجموعة رجال فيقطعون على المسلمين طريقهم، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} [المائدة:33]. إن العقوبة التي فرضها الله سبحانه عليهم جعلها خزياً لهم في الدنيا، وعقوبة لهم يوم القيامة فإن لهم عقوبة أخرى عند الله عز وجل: {ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة:33 - 34]. فهنا اتفق العلماء على أن التائب من هذه الجريمة يسقط عنه هذا الحد، فقطاع الطريق على المسلمين إذا قدر عليهم الإمام أو نائبه قبل التوبة فإنه ينكل بهم يطبق عليهم هذه الأحكام، لكن إذا لم يقدر عليهم فقد جعل الله عز وجل لهم حكماً آخر وهو: أنه فتح لهم باب التوبة، ولو تاب هؤلاء وعرفوا أنهم سيقام عليهم الحد المذكور في الآية فلن يتوبوا، وسيظلون على ما هم يقطعون الطريق، ويزدادون عتواً فالله عز وجل من رحمته وحكمته أن جعل هؤلاء لو تابوا فإنه يسقط عنهم الحد، واتفق أهل العلم على ذلك. قالوا: فبناءً على ذلك فقوله: ((إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ)) هذا استثناء، وهو يرجع إلى جميع المذكورات قبل ذلك: من أنهم لا يقتلون، ولا يصلبون، ولا تقطع أيديهم ولا أرجلهم من خلاف، ولا ينفوا من الأرض، هذا في سورة المائدة. وفي سورة النساء ذكر الله عز وجل قتل المؤمن خطأ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء:92] إلى آخر الآية، فذكر هنا شيئين: تحرير الرقبة المؤمنة، والذي لا يجد الرقبة المؤمنة عليه أن يصوم شهرين متتابعين، والأمر الثاني: دية مسلّمة إلى أهله، قال: {إِلَّا أن يصدقوا} [النساء:92]. وإذا تصدق أهل القتيل هل تسقط عنه الكفارة؟ قال أهل العلم: لا تسقط عنه الكفارة؛ لأن الكفارة لازمة له، ولكن إذا تصدقوا بالدية سقطت الدية فقط فلا تؤخذ منه الدية، ويلزمه الكفارة وهي عتق رقبة، وإن لم يجد فصام شهرين متتابعين. ولما جاء كان الاستثناء في القرآن يعود مرة إلى جميع المذكورات، ومرة يعود إلى آخر مذكور، اختلف العلماء في ذلك، والبعض قال: نتوقف حتى يأتي دليل آخر يبين هل يعود الضمير إلى الأخير أو إلى غيره. لكن الراجح أن الأصل في الاستثناء إذا تعاطفت جمل أنه عائد على جميع الأشياء السابقة إلا لدليل يخرج أحد هذه الأشياء أو بعض هذه الأشياء.
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم)
تفسير قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك نوعاً آخر من أنواع القذف المخصوص، إذاً: فهنا قذف مؤمنة غريبة لا يعرفها، أو يعرفها كأن تكون جارة له أو غير ذلك، وقد يقذف أي امرأة وأي رجل، لكن أن يقذف امرأته فهذا بعيد، لذلك فالغالب أنه لا يقول ذلك فيفضح نفسه، ويفضح أهله، ويوسم أولاده بهذه الأمر الفظيع وبهذه الجريمة والصفة القذرة، فهنا الله سبحانه وتعالى ألزم الرجل الذي يقذف امرأته بالملاعنة التي ذكرت في هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:6 - 7].
اختلاف العلماء في الملاعنة
اختلاف العلماء في الملاعنة اختلف العلماء هل الملاعنة التي بين الرجل وبين امرأته شهادة لأن الله عز وجل قال: شهادة أحدهم، أو هي أيمان، موثقة بكلمة الشهادة؟ فذهب الجمهور إلى أنها يمين، ولكن وثقت هذه اليمين بكلمة الشهادة، وبكونه يستحضر أنه شاهد نظر هذا الشيء، فهو على يقين مما يقول. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن الملاعنة هذه شهادة وليست أيماناً، ولكن أكدت بلفظ اليمين. إذاً: قيل هي شهادة فيها شائبة يمين، وقيل: بل هي يمين فيها شائبة شهادة، فسيبنى على هذين القولين: أنها إذا كانت شهادة فلن تقبل إلا ممن تقبل شهادته، فإذاً لا بد أن يكون الرجل حراً والمرأة حرة، وأما إذا كان أحد الاثنين حراً والآخر عبداً فلن تقبل منه الشهادة؛ لأن العبد ليس من أهل الشهادة. فإذا كان الرجل عبداً متزوجاً بامرأة أمة فلا تصح بينهما هذه الملاعنة على قول من يقول: إنها شهادة. وأما على قول الجمهور: إنها يمين، فقالوا: إن اليمين يصح من أي أحد سواء كان حراً أو عبداً. والذين قالوا: إنها يمين احتجوا بأن هذه الآية ذكر الله عز وجل فيها: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور:6]، ففصل كلمة شهادة بأن يقول: بالله كذا، وهذه ليست صيغة شهادة، وإنما هي صيغة يمين؛ لأن الأصل في الشهادة أن الشاهد لا يحلف، وهنا الشاهد يحلف على الشهادة التي رآها، والأصل أن الشاهد عدل، فطالما أن الشاهد عدل إذاً فتقبل شهادته في الشيء الذي يقوله. ولكن كونه يذكر هنا أنه لا بد أن يقول: بالله كذا، ويكرر هذا اليمين أربع مرات، ففيه دليل على أن هذا من الأيمان وليس من الشهادات. ويدل على ذلك أنه جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: (احلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق، يقول ذلك أربع مرات)، فسماه حلفاً، وفي هذا دليل على أن هذا من الحلف وليس من الشهادة. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بعد هذه الأيمان: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، فدل هذا على أن الذي قاله الرجل والذي قالته المرأة يمين. إذاً فالراجح أن هذا اللعان بين الرجل وبين امرأته يمين من الأيمان. قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ} [النور:6] أي: يقذفون: {أَزْوَاجَهُمْ} [النور:6] أي: الرجل يقذف المرأة فتكون الملاعنة بين الاثنين، وبالملاعنة تحرم عليه المرأة نهائياً، وإذا كانت حاملاً ينتفي عنه الحمل بسبب هذه الملاعنة، والصيغة في (يرمون) لجمع المذكر، فهي في رمي الرجل للمرأة وليس العكس. والمرأة إذا رمت زوجها فإنها تدخل تحت مسألة القذف السابقة. وأما الرجل حين يقذف امرأته فإن فيه مهانة شديدة جداً، وسيكون هناك ولد في يوم من الأيام فينتفي منه هذا الرجل، فيكون ضرره متعدٍ، فلذلك كان فيه هذه الملاعنة. {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ} [النور:6]، فلو كان هناك أربعة شهداء آخرون فشهد الشهود لرجمت المرأة بذلك.
القراءات في قوله: أربع
القراءات في قوله: أربع {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6]، هذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ} [النور:6]، وكأنه مبتدأ وخبر، والتقدير: الشهادة أربع. وقرأ باقي القراء نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وشعبة عن عاصم: (فشهادة أحدهم أربعَ شهادات بالله)، وكأن شهادة هنا مصدر أصله: أن يشهد أحدهم أربعَ شهادات بالله، فنصبت على ذلك. فسيقول أربع جمل فيها: أنه يشهد بالله أنه صادق فيما يقول، وأنها فعلت هذه الجريمة.
تفسير قوله تعالى: (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين)
تفسير قوله تعالى: (والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) قال الله سبحانه: {وَالْخَامِسَةُ} [النور:7] أي: الشهادة الخامسة، أو الجملة الخامسة التي يقولها هي: {أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النور:7]، فيدعو على نفسه باللعنة، وهذا شيء فضيع جداً؛ فاللعنة معناها: الطرد من رحمة الله عز وجل، ولما كان يدعو على نفسه باللعنة إن كان كاذباً فيما يقول، دل هذا على أن القذف فضيع جداً، وأنه إن كان كاذباً فقد استحق أن يطرد من رحمة رب العالمين سبحانه. القراءات فيها: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ} [النور:7] هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع ويعقوب: (أنْ لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبين)، وكلمة (لعنة) مكتوبة في المصحف بالتاء المفتوحة، فالجميع يقرءونها: (أنَّ لعنةَ الله)، أو (أنْ لعنةُ الله)، والأكثرون عند الوقف عليها يقفون عليها بالتاء، إلا ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب، فإنهم يقفون عليها بالهاء.
تفسير قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب إن كان من الصادقين)
تفسير قوله تعالى: (ويدرأ عنها العذاب إن كان من الصادقين) قال الله سبحانه {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ)) [النور:8 - 9]، وهي بالفتح قراءة حفص عن عاصم فقط، وباقي القراء يقرءونها بالضم: (والخامسةُ)، وكأن قراءة حفص عن عاصم: (أن تشهد أربع شهادات، والخامسة معطوفة على أربع شهادات. وعلى قراءة الجمهور أنه استئناف، فتكون مبتدأ، والتقدير والخامسة في الملاعنة كذا وكذا. {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [النور:9]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع: (أن غضِب الله عليها) على الفعل الماضي. وقراءة يعقوب: (أن غضبُ الله عليها إن كان من الصادقين)، فيكون لفظ الجلالة مضافاً. وقراءة نافع: (أن غضِب الله) على أن لفظ الجلالة فاعل، وقراءة الجمهور: {أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا} [النور:9]، على أن غضب مصدر، ولفظ الجلالة مضاف إليه. وسبب نزول هذه الآية: ما رواه أبو داود عن ابن عباس: أن هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بـ شريك بن سحماء، وهلال رجل من الصحابة، وقد رجع إلى بيته فوجد امرأته ومعها رجل في البيت، فلم يهيجهما، فلما أصبح ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة، وإلا حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي ببينة على ما تقول، أو يقام عليك الحد. والحد في القذف كان قد نزل لكن آية الملاعنة لم تكن قد نزلت بعد، فالرجل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر وماذا يعمل معها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (البينة) يعني: ائت بأربعة شهود يشهدون لك على ذلك وإلا فالحد في ظهرك. فقال الرجل: (يا رسول الله! إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينة؟!) أي: من أين سيأتي بالبينة؟ قال: (فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: البينة وإلا حد في ظهرك، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد) وفعلاً نزلت هذه الآية تبرئ الرجل من الحد بهذه الملاعنة، فنزلت: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور:6] الآية حتى قوله: {مِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:9]، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وتلا هذه الآية وحصلت الملاعنة من الاثنين. ومما جاء في ذلك ما قاله سعد بن عبادة رضي الله عنه، قال: (يا رسول الله! إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح) يعني أنه سيضربه بحد السيف، وصفحة السيف هي عرضه. ويعني: لن اضربه ضرب تأديب ولكن سأضربه ضرب قتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من غيرة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الله عز وجل الفواحش ما ظهر منها وما بطن). وجاء أيضاً في قصة رجل آخر من الصحابة وهو عاصم بن عدي الأنصاري، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً فأخبر بما جرى جلد ثمانين، وسماه المسلمون فاسقاً فلا تقبل شهادته، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟! وإلى أن يلتمس أربعة شهود فقد فرغ الرجل من حاجته، فقال عليه الصلاة والسلام: كذلك أنزلت يا عاصم). وكان عويمر العجلاني -وهو قريب لـ عاصم - يسأل عن هذا الأمر كثيراً، وكأنها مسألة خطرت في قلبه فبدأ يسأل عنها، وقال: سل لي يا عاصم! أي: اذهب واسأل النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يجد مع امرأته رجلاً أيسكت أم أنه يفعل شيئاً، ومن أين يأتي بالشهود على ذلك. وكرر الرجل كلامه، فذهب عاصم وسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا تسأل عن شيء لم يحصل، فإذا حصل فاسأل، وأحياناً يكون السؤال عن شيء قد سكت عنه الشرع فينزل الأمر بتحريمه، أو يسأل الإنسان عن شيء فيه بلاء فيبتلى بسبب سؤاله، فهذا سأل عن شيء لم يحصل فإذا به هو الذي يبتلى به، فوجد مع امرأته رجلاً، وكأن هذا من شؤم هذا السؤال. فـ عاصم سأل النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى الرجل وقال له: إنك لم تأت بخير، لقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من الكلام الذي قلته، والآخر رجع إلى بيته فوجد الرجل مع امرأته. وقد نزلت الآية لهذه الأسباب، وإن كان الأقوى أنها نزلت في هلال، ثم طبق هذا الحد على الباقين، كما يذكر بعد ذلك، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [6 - 10]
تفسير سورة النور [6 - 10] لقد حد الشارع الحكيم حدوداً وشرع شرائع حماية للمجتمعات من الرذيلة، وحفاظاً على الأعراض والأنساب، ومن تلك الأحكام التي شرعت ملاعنة الرجل لزوجته إذا اتهمها بالزنا ولم يأت بأربعة شهود، ويترتب على ملاعنة الزوجين أحكام منها: نفي الولد إن كانت حاملاً، والفراق للأبد، وألا ينسب الولد إلى أبيه.
تفسير آيات اللعان
تفسير آيات اللعان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور:6 - 10].
خلاف العلماء في الشهادات هل هي شهادة أم يمين
خلاف العلماء في الشهادات هل هي شهادة أم يمين ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حكماً من الأحكام، وحداً من الحدود وهو حد القاذف، وهو الذي يقذف المحصنة أو المحصن من المؤمنين، والمقصود بالمحصن أي: العفيف من الرجال، والمحصنة: العفيفة من النساء يعني: المؤمنات، فهذا يشمل عموم المحصنات، وهنا خص الله عز وجل الذين يرمون أزواجهم، ورمي الرجل لامرأته هذا شيء نادر أن يحدث، فجعل له حكماً من الأحكام وهو: أن الرجل يتلاعن هو وامرأته في ذلك. فالرجل يقول: إنها فعلت هذه الفاحشة، والمرأة تكذب ذلك ولكن بصورة معينة جاءت في هذه الآية، فأحدهما سيشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الصادقين فيما رمى به امرأته من ذلك، والشهادة الخامسة أنه يدعو على نفسه بلعنة الله عز وجل إن كان من الكاذبين. فإذا قال الرجل ذلك وجب على المرأة العذاب، ويدرأ عنها أنها تجيب وترد على هذه الدعوى بأن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما يقول، وقد قدمنا في الحديث السابق أن العلماء اختلفوا في أن أيمان الملاعنة التي ذكرت بصيغة الشهادات هل هي أيمان بصيغة الشهادة أم هي شهادة بصيغة الأيمان؟ والجمهور على أنها أيمان بصيغة الشهادات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلّف الرجل والمرأة، فقال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) ففي الحديث بيان أن هذه أيمان. وذهب الأحناف إلى أنها شهادة، وعلى ذلك لا تكون الشهادة إلا ممن هو أهل للشهادة، فالعبد لا تقبل شهادته؛ لأن العبد ليس أهلاً للشهادة، هذا عند الأحناف. واحتج الجمهور بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، والأحناف ذكروا أنها شهادة واحتجوا بهذه الآية: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ} [النور:6]، قالوا: إن الأصل في الذي يقذف المحصنة أنه لابد أن يأتي بأربعة شهداء، وهنا قام الرجل مقام الأربعة الشهود، فهو الآن شاهد، ولكن لولا أنه جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم تسميتها بالأيمان لكان قول الأحناف قولاً وجيهاً.
قصة الملاعنة التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
قصة الملاعنة التي وقعت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاءت قصة الملاعنة في صحيح البخاري وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين رجل وامرأته، وذكر القصة أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد فيه ضعف يسير، ولكن يشهد له أحاديث أخرى في هذا المعنى، فسياق الإمام أبي داود سياق طويل وفيه تفصيل، ففيه قال ابن عباس رضي الله عنهما: (جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عز وجل عليهم، فجاء من أرضه عشياً، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يزد حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه صلوات الله وسلامه عليه، فنزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور:6] الآية، فسرَّى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال للرجل: أبشر يا هلال! قد جعل الله عز وجل لك فرجاً ومخرجاً، قال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة لتأتي، فجاءت فتلاها عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: هاتين الآيتين، (فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا). فهنا الرجل قذف امرأته والمرأة كذبته، فالنبي صلى الله عليه وسلم وعظ الاثنين: (الله يعلم أن أحدكما كاذب) أي: لا يمكن أن يكون الاثنان صادقين، فأحدهما كاذب، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر المرأة والرجل وقال: (إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا) ففي الدنيا كان الرجم شديداً، ولكن ما في الآخرة أشد وأفظع، فلما قال ذلك صلى الله عليه وسلم قال هلال: (والله لقد صدقت عليها، فقالت: قد كذب) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاعنوا بينهما)، فهذا الحكم الذي في كتاب الله عز وجل فطبقوه، (فقيل لـ هلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان الخامسة قيل له: يا هلال! اتق الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة) يعني: أنت حلفت أربعة أيمان، فهذه الخامسة هي الموجبة عليك لعنة الله سبحانه وتعالى إن كنت من الكاذبين، (فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي) فهنا المرأة شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (فشهدت حالفة بالله سبحانه إنه لمن الكاذبين، فلما كانت عند الخامسة قيل لها: اتقي الله؛ فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب) يعني: العذاب في الآخرة (فتلكأت ساعة) يعني: المرأة سمعت النصيحة فكادت أن تؤثر فيها (فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي)، وهنا قارن بين النظر في الآخرة ثم النظر في الدنيا، الإنسان ينظر إلى الآخرة على أنها بعيدة، فهي رأت أن قومها سيفتضحون فقالت: لا أفضح قومي، فنظرت وآثرت الدنيا على الآخرة، قال: (فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) ثم قال: (ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما).
الأحكام المترتبة على الملاعنة
الأحكام المترتبة على الملاعنة وهنا حكم من الأحكام الشرعية وهو: التفريق بين الاثنين (وقضى ألا يدعى ولدها لأب)، فهي كانت حاملاً من ذلك، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق، ففرق بين المرأة والرجل، وهذا يكون تفريقاً أبدياً، فالرجل الذي يطلق امرأته ثلاثاً لو أنها تزوجت بعد ذلك بآخر ثم طلقها جاز له أن يراجعها ويتزوجها مرة أخرى، ولكن في مسألة الملاعنة إذا تمت فإنه يفرق بين الاثنين ولا يجتمعان أبداً، سواء تزوجت غيره أو لا، فلا يجتمعان أبداً طالما تمت الملاعنة. وقضى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية بألا يدعى ولدها لأب، ولا ترمى، فيقال: ابن أبيه، أو يدعى لأمه: فلان بن فلانة، لكنه ليس لفلان هذا، قال: ولا ترمى المرأة؛ لأنه لم يثبت عليها شيء، فلا ترمى المرأة ولا يرمى ولدها، لكن لو حصل أن شخصاً عيرها وقال لها: أنت زانية ما النتيجة؟! قال: (ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد)، فقد حصلت الملاعنة بين الرجل والمرأة فحكمهما مؤخر إلى يوم القيامة، فالله عز وجل يفصل بينهما، ولكن في الدنيا لو أن إنساناً رمى هذه المرأة حتى ولو كان يوجد هناك شيء يفيد أن هذه المرأة هي فعلاً وقعت في هذا الشيء فليس لأحد أن يرميها، فإن فعل أحد ذلك أقيم عليه الحد، كذلك الولد الذي جاء لا يدعى لأب، ولكن إذا رماه إنسان بالزنا فإنه يقام عليه الحد بذلك. قال: (وقضى ألا بيت عليه ولا قوت؛ من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفىً عنه)، وهنا حكم آخر، (فقضى ألا بيت لها)، يعني: أن المرأة المطلقة لها النفقة والسكنى إذا كانت في فترة العدة، فالمرأة التي طلقت مرة أو مرتين لها النفقة والسكنى، ولا نفقة ولا سكنى للمرأة بعد الطلقة الثالثة. فقوله: (ولا قوت؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنه)، فيه بيان أن المرأة المطلقة لها النفقة والسكنى على التفصيل الموجود عند الفقهاء، والمتوفى عنها كذلك. ثم أشار في الحديث إلى شيء ليبين أن المرأة ستكون صادقة أو كاذبة فقال: (إن جاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الإليتين فهو للذي رميت به)، فالنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى زوجها هلال، ونظر إلى شكل شريك بن سحماء فإذا هو رجل غليظ سمين، فقال: -ولم يقل ذلك لكل الناس وإنما للبعض- إذا جاء هذا الولد (أورق، جعداً، جمالياً خدلج الساقين، سابغ الإليتين، فهو للذي رميت به، فجاءت به على هذا النعت)، أورق يعني: أسمر، وجعداً يعني: شعره ليس ناعماً، جمالياً يعني: ممتلئ، خدلج الساقين أي: رجلاه يخينتان وسمينتان، وسابغ الإليتين أي: مقعدته سمينة، (فهو للذي رميت به). فهنا أشار النبي صلى الله عليه وسلم لشيء ومع ذلك فالحكم باق، وهو أن الذي يرمي هذه المرأة حتى ولو ظهر الولد الذي جاءت به يشبه الذي وقعت المرأة به ليس لأحد أن يرمي المرأة، ولا أن يرمي الولد، ومن فعل أقيم عليه الحد قال: (فجاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان) وهنا سمى هذه الشهادة يميناً، فأخذ الجمهور بهذا، قال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن). قال عكرمة: عن ابن عباس: فكان بعد ذلك أميراً على مصر وما يدعى لأب، يعني: أميراً على قطر من الأقطار، فهذا الولد كبر وفاق غيره وصار أميراً في يوم من الأيام، ومع ذلك لا يعرف أبوه، فلو أنه مات فأمه هي التي ترثه، وهذه هي المسألة الوحيدة التي فيها: أن الأم تكون عصبة للابن، فالأم تأخذ كل الميراث في هذه المسألة، فلو أنه مات أخذت الأم نصيبها ونصيب الأب في هذه المسألة، والغرض أن هذا صار أميراً في يوم من الأيام ولا أحد يرميه بشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك. يقول الإمام القرطبي رحمه الله في ذلك: إذا نفى الرجل الحمل فإنه يلاعن، يعني: غاب عنها فترة طويلة ثم جاء فإذا بها حامل فهنا يجوز له أن يرميها في هذه الحال، قال: فإذا نفى الحمل فإنه يلاعن، فيقول: هذا ليس ابني، فتكون الملاعنة بين الاثنين لإثبات ذلك. يقول القرطبي رحمه الله: واللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقين كانا أو عدلين، ومبنى ذلك على أن الملاعنة هي أيمان وليست شهادات، فأي إنسان فإنه يصح أن يحلف، والمرأة كذلك تلاعن إذا نفت عنها التهمة، فمن يقول: إنها شهادة فلا تصح الملاعنة إلا إذا كانوا من أهل الشهادة، وإذا كانوا ليسوا من أهل الشهادة فلا يقام ذلك. فـ القرطبي يقول: وعندنا وعند الشافعي هي يمين -وهذا قول الجمهور أيضاً- أنها يمين، وهذا هو الأرجح من ناحية الدليل. يذكر العلماء هنا مسألة: وهي لو أن إنساناً تزوج امرأة ثم طلقها، وبعدما طلقها قذفها، فهل تحصل بينهما ملاعنة أم أنه يقام عليه الحد لأنه الآن صار غريباً؟ قالوا: ننظر في ذلك هل المرأة حامل أو لا، أي: الرجل عندما طلق المرأة هل كانت حاملاً؟ فإذا كانت حاملاً فله أن يلاعن؛ لأن الملاعنة هنا إنما هي لنفي نسب هذا الولد، حتى لا تنسبه إليه، وإذا لم تكن المرأة حاملاً وانتهت عدتها فبعد انقضاء العدة ليست زوجة له، وفي خلال العدة قد يجوز للرجل أن يراجع امرأته إذا كانت له مراجعة، فإذا انتهت العدة صار غريباً عنها، فإذا قذفها لا يقال: لا بد من ملاعنة بين الاثنين، وإنما يقال له: البينة أو حد في ظهرك. وهنا مسألة: الملاعنة لا تكون بين الزوجين في بيت من البيوت مثلاً، وإنما يتلاعنا عند القاضي، فالقاضي هو الذي يفعل ذلك، وهو الذي يفرق بين الاثنين، والملاعنة حكم خطير جداً يبنى عليه التفريق الأبدي بين الاثنين؛ فعلى ذلك لابد من حضور الاثنين عند القاضي ليقوم بذلك، وليس لآحاد الناس أن يفعل ذلك. كذلك من المسائل: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، الزوج ومعه ثلاثة آخرون شهدوا بذلك، فهل يحسب الزوج شاهداً فيقام عليها الحد أم أن الرجل يلتعن مع المرأة؟ يقول العلماء: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها فإن الزوج يلاعن، فلا بد من ملاعنة بين الرجل وبين امرأته، والشهود ليس لهم قيمة الآن، فلابد من أربعة شهود حتى يثبت قول الرجل، ويقام على المرأة حد الملاعنة. الدليل قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} [النور:4] فهنا الرجل رمى المرأة ولابد له من أربعة شهود يشهدون على المرأة أنها زنت، فذهبوا وشهدوا أمام الحاكم وقالوا: رأينا فلانة تزني وهنا الآن أربعة شهود شهدوا فيقام عليها الحد الرجم. من المسائل التي ينقلها الإمام القرطبي عن ابن العربي المالكي يقول: من غريب أمر هذا الرجل -يقصد الإمام أبا حنيفة - أنه قال: إذا قذف زوجته وأمها بالزنا أنه إذا حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم، قال ابن العربي: وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم فيه شيئاً يحكى، وهذا باطل جداً، فإنه خص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. قلت: الإمام القرطبي ينقل هذا الكلام عن ابن العربي المالكي، وابن العربي أحياناً يكون غير منصف في كلامه، والعجب أن القرطبي ساق هذا الكلام دون أن يبين وجه الصواب، والصواب: أن هذه المسألة هي نفسها التي ذكرناها قبل ذلك في الخلاف بين أبي حنيفة والجمهور من أن الملاعنة هل هي شهادة أو أيمان، فبناها على هذا الأصل، وهنا قول ابن العربي المالكي أن الإمام أبي حنيفة ليس له أصل يرجع إليه غير صحيح، بل له أصل يرجع إليه، وكان المفروض أن الإمام القرطبي ينبه على ذلك. [النور:4] والمسألة: لو أن الرجل رمى امرأته بالزنا وقال: يا زانية يا بنت الزانية! فشتمها بذلك، فهو رماها ورمى أمها، فمذهب الإمام أبي حنيفة أنه إذا قذف الرجل الزوجة وأمها فإن حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم؛ لأنه يرى أن الملاعنة شهادة وليست أيماناً، فإذا حد لأجل الأم أصبح فاسقاً لا تقبل شهادته في ابنتها، لأن الله يقول: {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} [النور:4] الآية. فعلى ذلك لا يصلح أن يتلاعن مع المرأة، فالرجل مشى على أصله رحمة الله عليه في ذلك، فالخلاف في الأصل وليس في هذا التفريع، فكلام ابن العربي ليس بصواب، وقوله: إنه كلام باطل، وأثر غريب، ولا أصل قاسه عليه ولا نظر، هذا كلام خطأ من ابن العربي كعادته إذا لم يعجبه الرأي شن على صاحبه. وذكرنا ذلك لبيان أن القرطبي كان المفروض عليه أن ينبه في المسألة أن أبا حنيفة له أصل يرجع إليه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع) [6 - 10]
تفسير سورة النور (تابع) [6 - 10] لقد حد الله تعالى حدوداً لهذه البشرية، وبيّن لهم ما يجب عليهم تجاهها، ومن تلك الحدود: اللعان الحاصل بين الزوجين، واللعان يكون إذا قذف الزوج زوجته ولم يأت بأربعة شهداء، فهنا يلاعن بينهما بالطريقة الواردة في هذه الآيات، وبعد ذلك يفرق بينهما أبداً، وينسب الابن إلى أمه، وإذا مات ورثته أمه، ولا يجوز أن يرمى هو ولا أمه، ومن رماهما جلد حد القذف.
سبب نزول آيات اللعان
سبب نزول آيات اللعان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور:6 - 10]. ذكرنا في الحديث السابق سبب نزول هذه الآيات، وهي قول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ} [النور:6]، وكان ذلك في قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بهذه الفاحشة ثم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب الحكم الشرعي في ذلك، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (البينة وإلا حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بالبينة على قولك أو حد في ظهرك، والبينة هنا مأخوذة من الآيات السابقة التي قال الله عز وجل فيها: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} [النور:4]، وهذا الذي كان معمولاً به قبل نزول هذه الآية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـ هلال: (البينة وإلا حد في ظهرك)، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم لحسن ظنه بالله عز وجل: إن الله سينزل فيه ما يبرؤ ظهره، وبالفعل فقد أنزل الله عز وجل ما يبرؤ ظهره. وحدثت أيضاً قصة أخرى لرجل آخر من الصحابة اسمه: عويمر العجلاني. فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن سعد قال: إن عويمراً أتى عاصم بن عدي -وكان سيد بني عجلان- فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟ فطلب من عاصم بن عدي سيد بني عجلان أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! وذكر له ما قاله عويمر، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها صلوات الله وسلامه عليه. وهذا في رواية لـ مسلم: قال: (فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم). إذاً: فهذه من ضمن الأسئلة التي لا ينبغي أن يسألها الإنسان، وهي أن يسأل عن بلاء أو فاحشة ولو حصلت في أهل بيته، فإنه لا يدري لعل البلاء يكون موكلاً بمنطقه وما يقوله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره المسائل خاصةً التي لم تقع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)؛ لأنهم كانوا يسألونه كثيراً، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبرهم أن الله عز وجل يكره ذلك، وأخبرهم: (أن من أشد الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته). فالأصل في المسائل التي سكت عنها الشارع العفو؛ ولذلك كان من أشد الناس جرماً من حرمت بسببه أشياء كان قد سكت عنها الشارع، فهذا الرجل وهو: عويمر العجلاني لما سأل عاصماً أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم كره النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها؛ حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع إلى عويمر قال له: يا عاصم! ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم لـ عويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، وكأنه هو الذي ابتلي بهذه المصيبة، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد نزل فيك وفي صاحبتك)، وكان الحكم في هذا قد نزل قبله بقليل في قصة هلال بن أمية وامرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (قد نزل فيك وفي صاحبتك) أي: أن نفس الحكم في هلال وامرأته سيطبق عليك وعلى صاحبتك، (فأت بها).
بعض الأحكام المتعلقة بالعان
بعض الأحكام المتعلقة بالعان ففيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأتي بالمرأة إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم حتى يفصل بينهما، وهذا يدل على أن الملاعنة تكون عند القاضي أو الحاكم، وليس بين المرأة وزوجها. قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله! إن أمسكتها)، وهذه رواية الإمام مسلم، قال: (فطلقَها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم). قال ابن شهاب الزهري راوي الحديث: فكانت سنة المتلاعنين. يعني: التفريق بين الاثنين، وأخذ جمهور أهل العلم من هذا الحديث: أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، وليس ذلك بحجة في هذا الحديث؛ لأن التفريق هنا ليس بطلاق، وإنما حصل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرقة حصلت بالملاعنة، وبإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم لها، وبتفريقه بينهما، ثم طلاق الثلاث لا يحرم مطلقاً، فإنه يجوز له أن ينكحها إذا نكحت هي زوجاً غيره، لكن الملاعنة تفريق نهائي إلى الأبد. وفي رواية أخرى لهذا الحديث قال: (وكان فراقه إياها بعدُ سنة في المتلاعنين)، وفيه قال سهل: (فكانت حاملاً)، أي: أن زوجة عويمر كانت حاملاً، فكان ابنها ينسب لأمه فقط، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها، وأن الزاني بها لا يرث؛ لأنه أب غير شرعي، فالأم ترث منه بالفرض، فإذا لم يوجد لهذا الابن من الزنا أحد يرثه من عصبات ونحوهم ففي هذه الحالة ترث الأم الفرض منه، وترث ما تبقى من الإرث تعصيباً، وهذه هي الصورة الوحيدة التي ترث فيها الأم جميع الميراث. وفي رواية أخرى: في صحيح مسلم أيضاً قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد) أي: تمت الملاعنة بحضور النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكأن عظمة المسجد تمنعهما من الكذب خاصة مع هذه الأيمان المغلظة، قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد). وفي الحديث: (فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين). فهذه قصة أخرى من القصص التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نزلت الآية بسبب قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بـ شريك بن سحماء، وكأن بين القصتين وقتاً بسيطاً وقليلاً بحيث إن عويمراً لم يعرف شيئاً عن نزول هذه الآية؛ ولذلك ذهب ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
رجل قذف امرأته بعدما سكت عنها، فهل يلاعن أم لا؟
رجل قذف امرأته بعدما سكت عنها، فهل يلاعن أم لا؟ وهنا يقول العلماء: هل للرجل أن ينفي حمل امرأته بعدما سكت عنها أم لا؟ فالكثير من العلماء يقولون: ليس له أن ينفيه بعد سكوته؛ لأن سكوته بعد العلم به ينزل منزلة الرضا به، وبعض العلماء يقول: إذا وجد امرأته حاملاً ولم يعلم بذلك فإنه يلاعنها لزاماً، وبعضهم يقول: بل يسأل عن سبب سكوته، فإن أعطى عذراً وجيهاً قبل منه، كأن يعتذر بأنه كان يظن انتفاخ بطنها مرضاً من الأمراض أو نحو ذلك. قالوا: فإن أخر ذلك إلى أن وضعت ثم قال: رجوت أن يكون ريحاً أو سقطاً لأستريح من القذف، فالراجح: أن هذا عذر مقبول، وله أن يلاعن بعد ذلك. يقول الإمام القرطبي: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية، فقد رمي بالزنا، فهل لها الملاعنة؟ أقول: لا؛ لأن الملاعنة تكون في رمي الرجل لامرأته، فهذا أفحش وأشد، لكن إذا رمت المرأة زوجها فعليها الحد إلا أن تأتي بشهود فيرجم الرجل، لكن لو أن المرأة رمت زوجها بالزنا بلفظ التأنيث فقالت: يا زانية! فهل يعتبر ذلك صريحاً في الرمي أم يعتبر تعريضاً فقط؟ الراجح: أنه من صريح الكلام، سواء قالت: يا زاني! أو يا زانية!
حكم اللعان في النكاح الفاسد
حكم اللعان في النكاح الفاسد ومن المسائل أيضاً: يقول الإمام القرطبي رحمه الله: يلاعن في النكاح الفاسد؛ لأن النكاح إما أن يكون صحيحاً أو فاسداً، أما السفاح فليس نكاحاً بلا خلاف بين العلماء، وهذا مثل نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل المرأة يوماً أو يومين ثم يطلقها من دون ولي ولا شهود، وهذا النكاح كان موجوداً في أيام الجاهلية ثم وجد في الإسلام ثم نسخ وأزيل، والآن موجود عند الشيعة، فهذا من قبيل الزنا، والنكاح باطل في الأصل، لكن النكاح الفاسد: هو الذي فقد بعضاً من الشروط التي اختلف فيها العلماء. وقد جاء في الحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فإذا جاء بولي دون الشهود واكتفوا بإعلان النكاح، فعند بعض العلماء: أنه يكفي ذلك ويغني عن الشهود، وعند البعض: أنه لا بد من شاهدي عدل في ذلك، وأما الإعلام فهو من ضمن الواجبات في ذلك، فهذا النكاح على هذه الصورة يصير فاسداً عند من اشترط الولي والشاهدين، فهو نكاح وإن وصف بالفساد، لكن لو رمى الرجل امرأته بالزنا وكان نكاحهما فاسداً فإن له أن يلاعنها؛ لأن الفساد لا يخرج النكاح عن مسماه في الأصل. واختلفوا فيما لو أبى الرجل أن يلاعن امرأته بعد رميه لها بالزنا هل يحد أم لا؟ فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: لا حد عليه؛ لأن الله تعالى جعل على الأجنبي حداً وعلى الزوج اللعان، وهذا خطأ، بل الصواب أن الحد يقع على الاثنين معاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ هلال بن أمية: (البينة، وإلا حد في ظهرك)، فلما نزلت آية اللعان أمره بالملاعنة بدلاً عن الحد، فيسقط الحد بالملاعنة؛ ولذلك قال الإمام مالك، والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء: إذا لم يلتعن الزوج حُدّ؛ لأن اللعان براءة كالشهود للأجنبي، وفي حديث العجلاني وهو عويمر ما يدل على ذلك، وهو قوله في الحديث: (إن سكت سكت على غيظ، وإن قتلت قتلت، وإن نطقت جلدت أو أقيم علي الحد). فالراجح: أن الإنسان إذا رمى امرأته بهذه الجريمة فإنه يقام عليه الحد إلا أن يأتي بشهود، أو يلتعن مع المرأة.
من الذي يبدأ به في اللعان
من الذي يبدأ به في اللعان والبداءة في اللعان تكون بما بدأ الله عز وجل به، فإذا كانا في مجلس الحاكم أمر الرجل بالبداءة، فيقسم أربع مرات بهذه الصيغة: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي ضرب من القسم، يعني: أشهد حالفاً بالله سبحانه تعالى إني لمن الصادقين فيما قذفت به هذه من هذا الأمر، ويشهد بشيء قد رآه لا بشيء قد أخبر عنه، ثم يقول في الخامسة: أن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين فيما رمى به هذه من ذلك. فحينئذ وجب عليها الحد بذلك، فالذي يدرأ عنها العذاب أنها ترد بأربع شهادات، فتقسم بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من هذه الجريمة، ولذلك قال تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} [النور:8]، وكأنها قد استوجبت الحد بكون الرجل قال هذه الشهادات الأربع، فهي تدرأ وتدفع عن نفسها هذا الحد بأن تشهد بالله أربع مرات فتقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من هذه الجريمة، وفي المرة الخامسة تقول: إن غضب الله عليها إن كان الرجل من الصادقين.
انقطاع الصلة بين الزوجين المتلاعنين إلى الأبد
انقطاع الصلة بين الزوجين المتلاعنين إلى الأبد فإذا تمت الملاعنة فرق بينهما فلا يجتمعان أبداً، ولا يتوارثان، وبهذا انفسخ هذا النكاح من أصله، فالفرقة هنا ليست فرقة طلاق، بل فرقة فسخ؛ ولذلك فلا ميراث بين الاثنين، ولا نفقة ولا سكنى للمرأة، ولا يحل للرجل أن يراجعها أبداً، هذا قول جمهور أهل العلم. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الرجل لو كذب نفسه بعد ذلك وقال: إنه كاذب فيما رماها به من ذلك، فإنه يقام عليه حد القذف، ثم بعد ذلك يكون خاطب من الخطاب. والراجح: أن السنة قد جاءت بأنهما لا يجتمعان أبداً.
ما يفتقر إليه اللعان
ما يفتقر إليه اللعان يقول العلماء: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء، فإذا تمت هذه الأشياء فرق بينهما: الأول: أنه يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم يدعو على نفسه في المرة الخامسة باللعنة إن كان من الكاذبين، والمرأة تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. إذاً: فعدد الألفاظ مقصور. الثاني: قالوا: إنه يفتقر أيضاً إلى المكان، والراجح: أن هذا ليس بشرط صحة في الملاعنة، فهو يصح في أي مكان طالما حضر الحاكم أو القاضي. الثالث: الوقت، وليس شرطاً لصحة اللعان، فقد اختار العلماء: أن المساجد تختار لهذا لشرفها، وبعضهم حدد الوقت فقال: بعد صلاة العصر؛ لأنه الوقت الذي يعظم فيه اليمين؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى. الشرط الرابع: جمع الناس. والصواب: أن عدد الألفاظ وحضور الحاكم لهذه الملاعنة شرطان رئيسيان لصحة اللعان، وكذلك وجود الناس في ذلك؛ حتى يشهدوا على الرجل وامرأته، فإذا حدثت هذه الملاعنة فرق بين الاثنين، والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [11]
تفسير سورة النور الآية [11] إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان له من البلاء أوفر نصيب، فقداتهم في عرض أحب نسائه إليه، وزيادة في التمحيص واستخراج مكنون الصبر ينقطع الوحي شهراً، فعمت الشائعة، وهمس المنافقون ثم صرحوا، واشتد الكرب على بيت النبوة وصاحبه الكريم لتصفى خلته لربه، ولما بلغ الأمر ذروته جاء الفرج والوحي من الرب الرحيم ببراءة الطاهرة زوجة المصطفى وحبيبته رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وما بعدها حديث الإفك الذي قاله المنافقون، ووقع فيه بعض المسلمين في شأن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وفي ذلك موعظة لكل إنسان مؤمن لئلا يتطاول على أشياء قد حرمها الله عز وجل فيقع فيها. وقد بدأت هذه السورة بذكر حرمة الزنا، ثم الكلام عن القذف وأن الإنسان الذي يقذف غيره إن لم يأت بالشهداء فهو عند الله من الكاذبين، وقال سبحانه: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:4]. فالأصل في الإنسان المسلم أن يمسك لسانه عن الوقوع في أعراض الناس، كما أنه يكف يده عن أن يقع في سفك الدماء، أو أن يأخذ أموال الناس بالباطل. ولما ذكر الله عز وجل في أول هذه السورة القذف والزنا حدثنا هنا عن أمر من الأمور التي وقعت لزوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأحب أزواجه إليه، ففي ذلك موعظة وبيان أنه إذا نزلت بإنسان مصيبة فليست هي آخر الدنيا، وأنها ليست الهم الذي يجعل الإنسان يستشعر الشر العظيم في ذلك، ولكن ما من مصيبة تنزل إلا وفيها خير من الله عز وجل، ولذلك يطمئن الله المؤمنين ويقول: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11]، وإن كانت صورته شراً للمؤمنين، وشراً في بيت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدث هذا الإفك الذي يفتريه الكذابون على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك يقول الله: هو خير، وما من شر يحدث للإنسان إلا ومن وراءه خير لو صبر على الذي ابتلي به. وليس هناك شيء يدوم، بل إن الشر الذي يبتلى به الإنسان لا بد أن يأتي عليه الوقت ويزيله الله عز وجل، ويرفعه بعدما يكون هذا الإنسان المؤمن قد أخذ الأجر العظيم من الله سبحانه على صبره على ذلك. قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور:11]. الإفك: حديث الكذب، يقال: الإنسان الأفاك، أي: الكذاب الذي يختلق الشيء، ويؤلف الكذبة ويقولها، فيتناقلها الناس ويتناولونها منه. والعصبة: الجماعة من الناس من ثلاثة فما فوق، وتطلق على العشرة أيضاً، وقد تطلق على الأربعين. فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أي: أن مجموعة منكم وقعوا في الإفك، إلا أن صاحب الجريمة والإفك والكذب هو عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المنافقين، وكان خزرجياً أنصارياً، ووقع فيه كذلك مجموعة آخرون من المسلمين أساءوا بالوقوع في ذلك، فأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليهم الحد، والعجيب أن هذا المنافق لم يقم عليه الحد؛ لأنه تكلم في السر وكلم المنافقين أمثاله، وشاع الخبر فتناقله المسلمون، ووقعوا فيه، فكان ممن تكلم في ذلك مسطح بن أثاثة، وأمه ابنة خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان أبو بكر ينفق عليه؛ لأنه كان فقيراً، وكان ممن شهد بدراً، فوقع في شأن عائشة رضي الله عنها، ووقع فيها رجل آخر وهو شاعر النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه، وكان ممن نقل هذا الكلام أيضاً أخت زوجة النبي صلى الله عليه وسلم واسمها حمنة بنت جحش، وهي أخت زينب بنت جحش رضي الله عنها وضرة عائشة، ولكن عصمها الله عز وجل بالورع. ومعلوم أن النساء الضرائر تكيد كل ضرة لصاحبتها، ولكن هذه التي كانت في منزلة عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم تقول عنها عائشة: وكانت تساميني عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تحدث الناس بهذا الحديث الكاذب فـ زينب رضي الله عنها مع كونها ضرة لها عصمها الله عز وجل بالورع، وقالت: لا أقول إلا خيراً، أحمي سمعي وبصري، ما علمنا إلا خيراً. لكن أختها حمنة بنت جحش وقعت في ذلك وتكلمت، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد هؤلاء الحد الشرعي بعد القصة الطويلة التي حصلت. والله عز وجل له حكم عظيمة في هذا الأمر الذي حدث لأحدى نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فغيرها لن تكون أفضل منها فإذا حدث لها مثل ذلك فلتتصبر بما حدث لـ عائشة رضي الله عنها. وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما وجد مسطحاً ابن خالته يتكلم عن ابنته وكان ينفق عليه حلف أنه لا ينفق عليه، فنزل القرآن يؤدب أبا بكر الصديق ويحذره من ذلك ويقول: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22]. فإذا به يقول: بلى أحب أن يغفر الله لي.
سياق قصة الإفك كما في صحيح مسلم
سياق قصة الإفك كما في صحيح مسلم وهذه القصة موجودة في الصحيحين: صحيح بخاري وصحيح مسلم لكنها في صحيح مسلم أكمل وأتم، فنذكر رواية مسلم لهذا الحديث عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها حين قال لها أهل الإفك مقالاً فبرأها الله مما قالوا. فـ الزهري أخذ هذا الحديث من أربعة من التابعين وهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود، قال: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضاً. فهنا تتبين قوة حفظ ابن شهاب الزهري رضي الله عنه، فقد كان جبلاً في الحفظ؛ لذلك كانوا يقولون: الحديث الذي لا يعرفه الزهري ليس حديثاً أصلاً. فـ ابن شهاب الزهري يذكر الحديث عن أربعة كل واحد حدثه بهذا الحديث، ويعرف ماذا قال كل واحد، وما هو النقص الذي عنده، والزيادة التي عند الآخر، ويذكر هذه الألفاظ، وقد حفظ الله عز وجل هذا الدين بهؤلاء الحفاظ رضوان الله تعالى عليهم. قال: ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه) أي: كانت عادته -وهو متزوج تسع نساء- إذا أراد أن يخرج في غزو أو سفر أن يقرع بينهن، فلم يكن يقول: هذه المرة فلانة، والمرة الثانية فلانة، وهو لا يعرف هل ستكون المرة الثانية أو لا، فلذلك كان في أمر السفر يقرع بينهن، والتي يخرج سهمها يأخذها معه صلوات الله وسلامه عليه. قالت: (فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما أنزل الحجاب)، وهذا كان في غزوة بني المصطلق أو غزوة المريسيع، وكان ذلك سنة ست بعدما أنزل الله عز وجل آية الحجاب. قالت: (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل)، فقد أمر الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم وبناته بالحجاب الذي هو حجاب الشخص فلا ترى، فهي تحمل في هودج، وهو محفة مثل الصندوق فوق ظهر الجمل، فلا يعرف من حمله أبداخله أحد أم لا؟ فهي مطيعة لله عز وجل حين أمرها بالحجاب على هذه الهيئة وليس مجرد لبس الثياب فقط. فتقول رضي الله عنها: (فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت من شأني أقبلت إلى رحلي) يعني: كأنها ذهبت تقضي حاجتها ثم رجعت، وكان معها عقد تلبسه فضاع في المكان الذي ذهبت تقضي حاجتها فيه، فرجعت تأتي بالعقد من ذلك المكان، وعند ذلك جاء الذين يحملون الهودج فحملوه وظنوا أنها بداخله، وهي تذكر لماذا لم ينتبهوا إلى الهودج هل هو ثقيل أم خفيف؟ وهل فيه أحد أم لا؟ تقول رضي الله عنها: (وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام) يعني: لم يكن عندهم سعة، فكان أكل النساء أكلاً قليلاً؛ فلذلك كانت خفيفة لم تحمل اللحم ولا غيره، فالذي يحمل الهودج لا يعرف هل هناك أحد أم لا؟ قالت: (فرحلوا الهودج) يعني: على البعير (وهم يحسبون أني فيه، قالت: وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم) فهي تذكر أنها كانت جارية حديثة السنة ولا زالت صغيرة، إذ حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم كان لها من العمر ست سنوات ودخل بها ولها تسع سنوات في المدينة، فالعقد كان في مكة والدخول كان في المدينة، وهذه الغزوة كانت في سنة ست، أي: أن عمرها خمسة عشر عاماً رضي الله عنها، وتذكر أنها كانت جارية حديثة السن. فقالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب)، وقد كان تفكيرها على قدر سنها رضي الله عنها، فذهبت تبحث عن العقد الذي ضاع، وكان من الممكن أن تخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذهابها؛ ولكن لعله لم يكن موجوداً بجوارها صلى الله عليه وسلم، ولم يخطر على بالها أن تخبر أحداً بالأمر، فظنت أنها ستأتي به وترجع قبل أن يمشوا، فما كان منهم إلا أنهم مشوا قبل رجوعها. قالت: (فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب) أي: أن المكان الذي كانوا موجودين فيه ليس فيه أحد. قالت: (فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت) أي: نامت في المكان الذي كانت فيه. قالت: (وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش) والتعريس: هو النزول للمبيت من وراء الجيش، فكأنهم يجعلون مثل ذلك بحيث إنه لو فقد الجيش شيئاً يجده من عرس وراءه. قالت: (فأدلج فأصبح عند منزلي) يعني: مكث في المكان الذي هو فيه وبعد ذلك قام من الليل وصار وراء الجيش فجاء على المكان الذي هي فيه في وقت الصباح. قالت: (فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ). يعني: كأنها نامت في مكانها فلما نامت انكشف حجابها عن وجهها فهو جاء فرآها فعرفها، وكان يعرفها من قبل ذلك. قالت: (فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني) استرجاعه يعني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قالت: (فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة). فانظروا أدب الرجل لم يكلمها ما الذي أتى بك إلى هنا؟ وما الذي أخرك؟ لم يقل شيئاً رضي الله عنه أكثر من أن قال: إنا لله وإنا إليه راجعون: (والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين عرفني، فأناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها) أي: أناخ الجمل ودعس على يده بحيث يكون ثابتاً على الأرض، فركبت عائشة رضي عنها. قالت: (فانطلق يقود بي الراحلة) فهي راكبة وهو يمشي يقود الجمل. قالت: (حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغلين في نحر الظهيرة) يعني: خرج بها من مكانها في الصبح ووصلت إلى الجيش عند الظهر. قالت: (فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول) فأبوه أبي، وأمه سلول؛ ولذلك يقال له: عبد الله بن أبي ابن سلول فعندما نكتبها نثبت همزة الوصل في ابن الثانية دون الأولى؛ لأن سلول أم عبد الله وليست أم أبي. قالت: (فقدمنا المدينة فاشتيكت حين قدمناها شهراً، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي) يعني: تغير النبي صلى الله عليه وسلم وهو بشر، وذلك حين سمع الناس يقولون هذا الكلام. وكان الذي بدأ بالكلام في ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فجاء في رواية في غير صحيح مسلم أن هذا الرجل حين وجدهما راجعين قال: والله ما سلم منها ولا سلمت منه، فبهذه الكلمة تعرف إجرام هذا الرجل الذي تسامح النبي صلى الله عليه وسلم معه كثيراً، ومن ذلك أنه حين مات هذا المجرم -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- إذا بابنه -وابنه رجل صالح- يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على أبيه، فمجاملة للابن ذهب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه. وقد قال هذا الرجل مقالته في استخفاءً، فلما ذكر مقالته تكلم الناس وانتشر الحديث، فتغير النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مرضت لم تعرف من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك اللطف الذي كان فيه قبل ذلك، فقد كان يأتيها ويسأل عنها ولا يزيد على أن يقول: كيف تيكم؟ وينصرف صلى الله عليه وسلم، وهي لا تدري ما الأمر، وما الذي حصل. قالت رضي الله عنها: (فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل) يعني: كان أمر العرب أن البيوت ليس فيها دورة مياه، فلكي يخرجوا للخلاء تخرج المرأة بالليل في صحبة امرأة أخرى، وتذهب إلى المناصع وهو المكان الذي تقضي فيه حاجتها وترجع بالليل. قالت (فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح) أي: دعت على ابنها بالتعاسة، فتعجبت عائشة من ذلك وقالت لها: (أتسبين رجلاً قد شهد بدر؟) يعني: ابنك شهد بدراً ثم تسبينه وهي لا تعرف ما الذي عمله مسطح وما الذي عمله غيره. فقالت لها: (أي هنتاه أتسمعي ما قال) تعني: أنت لا تعرفين ماذا قال فيك. قالت: (وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي) يعني كانت في بداية شفائها من مرضها، فإذا بها تخبرها بذلك فازداد مرضها رضي الله عنها. قالت: (فلما رجعت إلى بيتي فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال: كيف تيكم؟ قالت: قلت أتأذن لي أن أتي أبوي، وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر) أي: ليست مصدقة أن يكون الناس قد قالوا عليها هذا الشيء، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: (فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ فقالت: يابنية هوني عليك). أمها هي أم رومان وهي امرأة مؤمنة تقية، فق
تفسير سورة النور [11 - 15]
تفسير سورة النور [11 - 15] إن للقدر أسراراً عظيمة قد لا تنكشف لأول وهلة، فيظن من يظن أن في الأمر شراً فإذا به خير عظيم، فحادثة الإفك التي حدثت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم اضطرب بها البيت النبوي، واشتد الكرب، وازدادت البلبلة خصوصاً وقد انقطع الوحي شهراً زيادة في التمحيص، ثم يأتي الفرج من القريب المجيب، فيشرع الأحكام، وترفع الدرجات، ويلاقي المنافقون شنيع صنيعهم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. ذكرنا في الحديث السابق أن هذه الآيات من هذه السورة الكريمة نزلت في تبرئة السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها مما قاله الأفاكون الكذابون المنافقون عنها، وذكرنا ما رواه البخاري ومسلم من هذه القصة التي فيها حديث الإفك، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في الناس لما سمع ذلك وقال: (من يعذرني في رجل قال عن أهل بيتي ما قال، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقام رجل من الأنصار وهو سعد بن معاذ سيد الأوس رضي الله عنه وقال: نحن نعذرك يا رسول الله) يعني: نحن ننصفك في ذلك الذي حدث، (فإن كان من الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بأمرك، قالت عائشة رضي الله عنها: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج -وكان رجل صالحاً ولكن أخذته الحمية، فقال لـ سعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله)، وهنا أحياناً العصبية تكون في قلب الإنسان فتدفعه إلى الخطأ وقد يكون مؤمناً، وقد يكون على صلاح، فيتكلم بكلام يحاسبه الله عز وجل عليه، فهذا من أخطر ما كان. فالنبي صلى الله عليه وسلم شغله هذا الحديث الفظيع الذي قيل عن زوجته رضي الله عنها ومع ذلك هذا يتكلم ويقول لـ سعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله)، ويقصد المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، (فكاد الأوس والخزرج يقتتلون بسبب ذلك، فسكتهم النبي صلى الله عليه وسلم)، وتأملوا كيف أن عصبية الجاهلية تدفع الناس لنسيان المشكلة الأساسية والدخول في أمور فرعية بعيدة عن الأصل. وأخبرت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءها وقال لها: (إذا كنت قد ألممت بأمر فتوبي إلى الله)، فهي ردت على هذا بما ذكر سابقاً، وفي النهاية أنزل الله عز وجل بعد شهر عذر السيدة عائشة، وأنها بريئة من هذا الذي قيل عنها، فكان لها منزلة عظيمة جداً عند ربها سبحانه أن ينزل في شأنها عشر آيات. وكانت تقول: كان شأني في نفسي أحقر من ذلك، يعني: كانت تتمنى أن لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه تبرئها، لكن أن ينزل قرآن فما كان ذلك على بالها. وتقول عائشة رضي الله عنها: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها عن أمري: ما علمت أو ما رأت؟ فقالت: زينب رضي الله عنها: يا رسول الله! أحمي سمعي وبصري، يعني: أخاف من ذلك، وإني لا أقول كلاماً كذباً أبداً، والله ما علمت إلا خيراً. وفيه تقوى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن القدوة للمسلمين والمسلمات من بعد ذلك، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة الجميع، فهؤلاء نساء النبي صلى الله عليه وسلم طهرهن الله عز وجل تطهيراً؛ فلذلك قالت: أحمي سمعي وبصري. ومهما تكون الغيرة في المرأة من ضرتها لكن لا يدفعها ذلك إلى أن تقول مثل هذه المقالة الشنيعة. فقالت زينب وهي كانت تغار من عائشة، والسيدة عائشة تغار منها، ولكن مع ذلك شهدت بالحق وأنه مستحيل أن تقع عائشة في ذلك فقالت: ما رأيت إلا خيراً، وما علمت إلا خيراً، وأقسمت بالله على ذلك رضي الله عنها. إن الذي بدأ بهذا الإفك هو عبد الله بن أبي ابن سلول الرجل المنافق، وقد أسر ذلك لمن حوله من المنافقين فأشاعوا هذا الكلام، ولذلك لم يثبت عليه شيء وإن كان هو صاحب هذه الكذبة العظيمة والإفك العظيم، فحين جاءت السيدة عائشة ومعها صفوان بن معطل السلمي يقود الناقة التي تركبها قال هذا الرجل المجرم: والله ما نجت منه ولا نجا منها، فكان أصل الكلام من هذا الرجل فتناقله الناس، وممن تناقله وثبت عليه حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، فهؤلاء لما أنزل الله عز وجل براءة السيدة عائشة أمر بهم فأقيم عليهم الحد، وأما عبد الله بن أبي ابن سلول فلم يقم عليه شيء، وهذا من الله عز وجل إملاء واستدراج، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحدود كفارة) فمن أقيم عليه الحد فهذا كفارة فيتوب الله عز وجل عليهم بذلك، وأما هذا فالله يستدرجه ويمهله ويؤخره إلى يوم القيامة للحساب العظيم، ولنار جهنم التي يستحقها هنا المنافق وأمثاله. لذلك إذا كان ربنا سبحانه وتعالى لا يعاقب العبد في الدنيا فليس معنى ذلك أنه أفلت من العقاب، ولكن إن تاب تاب الله عز وجل عليه، وهذا الرجل لم يتب إلى الله، وكان إلى آخر حياته على كفره ونفاقه وكذبه، وعلى الوقيعة بين المؤمنين حتى أهلكه الله سبحانه وتعالى وهو مشهور بالنفاق بين الناس. فمن كان يدافع عن هذا الرجل علم يقيناً كيف آل الأمر به في آخر حياته إلى النار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد صلى عليه حين مات، ثم نهاه ربه سبحانه وتعالى بعد ذلك أن يصلي على المنافقين، فلما نهاه عن أن يصلي على أحد منهم مات أبداً علم الناس يقيناً أن هذا الرجل كان من المنافقين، وأنه كان لا ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له كما ذكر الله تبارك وتعالى. وقد ظلم في هذه القصة مع السيدة عائشة صفوان بن المعطل السلمي فلما عرف أن حسان كان يتكلم فيه أخذ السيف واختبأ في مكان، فلما ظهر حسان علاه بسيفه وقال: تلقّى ذباب السيف عني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر فإن كنت شاعراً تستطيع الرد فأنا لا أرد إلا بالسيف، فضربه السيف، فذهب حسان يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالعدل، وإن كان حسان من ضمن من وقع في السيدة عائشة فقد أقيم عليه الحد، فعلى ذلك يكون له القصاص. فالنبي صلى الله عليه وسلم طلب من حسان أنه يهب ذلك له، قال: واستوهبه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، يعني: اتركها من أجلي، فتركها حسان رضي الله وتعالى عنه، وكان حسان بعد ذلك يقول شعراً يمدح عائشة رضي الله عنها، فجلس عند غرفتها وقال عنها رضي الله عنها: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل يذكرها أنها على غاية الكمال في العفة رضي الله تبارك وتعالى عنها، فهي رزينة عاقلة ما يظن فيها أبداً أن تقع في ريبة فضلاً عن أن تقع في ذلك الذي قالوه عنها. وتصبح غرثى من لحوم الغوافل، غرثى بمعنى: جائعة غير آكلة، أي: أنها نظيفة طاهرة لا تقع في عرض أحد أبداً، ولا تأكل لحوم الناس بمثل هذه المقالة. فلما قال لها ذلك رضي الله وتعالى عنهما قالت: ولكنك لست كذلك. فلما كان الناس يريدون أن يقعوا فيه كانت تنهاهم عن ذلك، وتقول: إنه قد أقيم عليه الحد، وإنه كان شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تذكره بخير. فتأمل ما قال عليها وما قالت عليه، فكان من شعره فيها قوله: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواصل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل فإن كان ما بلغت اللغت أني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي فكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلها تقاصر عنها سورة المتطاول إذاً: يمدح السيدة عائشة، ويمدح النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يلقب بشاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أقوى شعراء النبي صلى الله عليه وسلم هجاء للكفار، بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أهجهم وروح القدس معك). يعني: كل شاعر من الشعراء تكون الشياطين من وراءه، لكن هذا كان جبريل من وراءه يؤيده. فعلى ذلك فله فضيلة، فمن رحمة رب العالمين سبحانه أن أنزل الحدود وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحد عليه وعلى من معه من المسلمين الذين تكلموا؛ تطهيراً لهم لكي يعرف أنهم قد طهروا من هذا الذي وقعوا فيه. وأما عبد الله بن أبي ابن سلول فأمره إلى يوم القيامة للعذاب الأليم هو وأمثاله. جاء في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما نزل عذري قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلى القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم: حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش). قال العلماء: إنما لم يحد عبد الله بن أبي ابن سلول لأن الله تبارك وتعالى قد أعد له في الآخرة عذاباً عظيماً، فكأنه أخر ذلك ليوم القيامة فيأخذ العذاب الشديد. قال الله عز وجل: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12]، هذا تأديب للإنسان المؤمن ألا يسمع كلاماً فيه كذب، أو فيه انتهاك لعرض إنسان مسلم، وأنه إذا سمع ذلك رد على الذي يقوله، ولا يسيء الظن في المسلمين، فالأصل براءة عرض الإنسان المسلم، وأنه بريء مما يرمى به حتى يأتي الرامي بأربعة شهود كما ذكر الله عز وجل يشهدون على ذلك.
القراءات في قوله تعالى: (لا تحسبوه شرا لكم)
القراءات في قوله تعالى: (لا تحسبوه شراً لكم) وفي قوله سبحانه: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور:11] قراءتان: قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر: (لا تحسَبوه) بفتح السين. وباقي القراء: (لا تحسِبوه شراً لكم) بالكسر. والمعنى: أن مثل هذا البلاء الذي قد يرمى ويلقى على إنسان في الدنيا ليس بالشر للإنسان طالما كان من وراءه الأجر عند الله، فيصبر الإنسان المؤمن على ذلك. قال تعالى: {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11]، أي: وإن كان في ظاهره أنه مصيبة ولكن فيما عند الله عز وجل فيه أجر، فلذلك قال: {هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11]، يعني: فيما تنتظرون من أجر عند الله عز وجل، وأيضاً في الدنيا من تمحيص واختبار وتمييز الخبيث من الطيب، فينتبه الناس من هذا الإنسان الخبيث، ويحذرون شر مثل عبد الله بن أبي ابن سلول في المؤمنين. قال الله سبحانه: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} [النور:11] يعني: إلا أن يتوب الإنسان ويقام عليه الحد؛ لأن الحدود كفارات للذنوب. قال تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} [النور:11] وكأن كثيراً قد تكلموا لكن الذين اشتهر أمرهم أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد عليهم، وأما غيرهم فلم يحصل لهم شيء ولعلهم حكوا الكلام فقط. وهذا الرجل لم يقم عليه الحد تأخيراً له ليوم القيامة، ووصفه بأنه {َالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} [النور:11]، وفي ذلك قراءتان: هذه قراءة الجمهور. وقراءة يعقوب ((والذي تولى كُبره منهم))، والكبر من الأمر معناه: عظيم الأمر وأعظم الجرم في ذلك فهو أول من قال بالمقالة الذي ذكرناها والباقون رددوا ذلك، فمن عرف منهم أقيم عليه الحد، والله عز وجل يبسط يد التوبة لمن يتوب إليه سبحانه، فقال: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]، يعني: أن الحد لا يكفي لتطهيره؛ لذلك لم يقم عليه في الدنيا، ويدخر له العذاب العظيم ليوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) ثم أدب المؤمنين فقال: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12]. قوله: ((بِأَنفُسِهِمْ)) تحتمل وجهين: ظن كل إنسان بنفسه الخير، وأنه لا يتكلم بمثل هذه المقالة التي هي محض من الشر، فعلى ذلك الظن الخير إني أحسن الظن فيمن قيل عنه هذا الشيء، فيظن المؤمنون والمؤمنات بعضهم في بعض الخير. قال تعالى: ((ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا)) أي: ظن بعضهم في بعض الخير، أو استحضروا ظن الخير في أنفسهم فقاسوا غيرهم على أنفسهم، فقد جاء أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله تبارك وتعالى عنه لما سمع ذلك ذهب إلى امرأته وسألها، فقالت له: يا أبا أيوب أسمعت ما قيل في عائشة رضي الله عنها؟ فقال: نعم، وذلك كذب، أكنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟ فهنا ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، فقالت: لا والله، قال: فـ عائشة أفضل منك لا تفعل هذا الشيء. فهنا لو أن كل الناس كانوا كـ أبي أيوب الأنصاري لأخمد الأمر من أوله، وما كان أحد قال هذا الشيء. فربنا يؤدب المؤمنين لماذا ما قلتم كما قال أبو أيوب الأنصاري، وظننتم الخير في أنفسكم وقستم عائشة على أنفسكم، فهي أفضل منكم، وهي أم المؤمنين، فإذا كان أحدكم يأنف أن تقع امرأته في ذلك فهل يظن بالسيدة عائشة أن تقع في مثل ذلك!! قال تعالى: {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12] (الإفك) أعظم الكذب، و (مبين) يعني: بيِّن واضح، فهذا كذب بين واضح. يقول العلماء: إن هذه الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن، ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم، لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً. والمعنى: أن الإنسان المؤمن إذا قال: لا إله إلا الله فتحلى بهذه الكلمة فهو معصوم الدم والعرض والمال، هذا الأصل. فالإنسان طالما أنه مسلم، فالأصل أنه صالح، والأصل أنه عفيف، فهذه أصول لا نزول عنها، ولا نبتعد عنها إلا بشيء يقيني، وعلى ذلك فمهما جاء من كلام: فلان يعمل كذا، فلا يصدق فيه إلا أن يأتي اليقين أنه فعلاً فعل هذا الشيء، فيقيننا لا يزول عن هذا الوصف الذي هو عليه حتى يثبت الشيء الآخر عليه بدليل يقيني.
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) قال سبحانه: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ} [النور:13] قوله: (لولا) أداة تحضيض، والمعنى: هؤلاء القائلون هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء، وقد كانت السيدة عائشة وحدها في هذا المكان، وجاء صفوان فدخلا إلى المدينة، فمن أين سيأتون بالشهود حتى يثبتوا هذا الكذب الذي يقولونه؟! قال سبحانه: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13]، هذا فيهم وفي كل من كان مثلهم، فكل من رمى مسلماً في عرضه فالأصل أنه كذاب حتى يثبت ما يقول ببينة واضحة، وبشهود تقبلهم الشريعة، فإذا لم يأت بالشهود فهو كذاب عند الناس وكذاب عند الله سبحانه وتعالى. قال الإمام القرطبي: أي: في حكم الله كاذبون، وقد يعجز الرجل عن إقامة البينة وهو صادق في قذفه، ولكن الشريعة جاءت بحرمة أعراض المسلمين. يعني: ليس من حقك أن تتكلم حتى يكون عندك شهود يشهدون بهذا الشيء، ولو ترك الأمر هكذا فكلما رأى شخص شيئاً تكلم عنه، ففضح الناس بعضهم بعضاً، ولكن في مثل هذا الشيء لا بد من أربعة شهود وإلا يكون هذا المتكلم كاذباً عند الناس وكاذباً عند الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم)
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) يقول سبحانه: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]. ولولا فضل الله عليكم ورحمته فإن الأمر أمر خطير جداً أن يغضب النبي صلى الله عليه وسلم، والله لا يسكت على مثل ذلك، ولكن رحمة رب العالمين التي جعلته سبحانه وتعالى بفضله وبرحمته يكف عن هؤلاء العذاب العظيم، كأن يزلزل بهم الأرض، أو يخسف بها فيدخلهم النار. ولكنه سبحانه لفضله ورحمته سبحانه في الدنيا والآخرة قال: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]، أفاض في الكلام بمعنى: أخذ في الكلام، وكأنهم تكلموا كثيراً، وشاع الكلام في ذلك، فلولا أن الله برحمة عظيمة واسعة رحمكم بها لكان عذبكم جميعكم في الدنيا بما قلتم عن عائشة رضي الله وتعالى عنها.
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم)
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم) قال: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]. يعني: يتلقفه بعضكم من بعض في استعجال ودون روية وتثبت.
القراءات في قوله تعالى: (إذ تلقونه)
القراءات في قوله تعالى: (إذ تلقونه) وفي قوله تعالى: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ)) ثلاث قراءات: هذه قراءة الجمهور بسكون الدال، وقراءة ابن كثير: بكسرها. وقراءة حمزة وخلف وأبي عمرو وهشام: بإدغام الذال في التاء. والتلقي بالألسنة لنقل ذلك فأنتم تتكلمون بما ليس لكم به علم، ((وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا)) يعني: أن تتكلم عن عرض مسلم فضلاً عن أن تتكلم عن عرض أم المؤمنين رضي الله وتعالى عنها، فذلك ليس هيناً بل هو عند الله عظيم، وكم من الذنوب يقع فيها الناس وينظرون إليها أنها دقيقة وأنها هينة ولا قيمة لها وهي عند الله عز وجل عظيمة، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لما مر بالقبرين يعذبان فقال صلى الله عليه وسلم: إنهما لا يعذبان وما يعذبان في كبير؛ بلى إنه لكبير -يعني: ما يعذبان في كبير في نظرهما، وفي نظر الناس أنه شيء بسيط ولكنه عند الله عظيم فضيع- أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة)، فكم من الذنوب التي يقع فيها الإنسان يحسبها هينة وهي عند الله عظيمة! نسأل الله العفو والعافي في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [11 - 19]
تفسير سورة النور [11 - 19] إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد ابتلى الله خليله وحبيبه محمداً صلى الله عليه وسلم ليستخرج منه مكنون خلته، وليعلم أن الخليل لا يرضى بالمزاحمة، فاتهم في عرضه وأحب نسائه إلى فؤاده، ثم زيادة في التمحيص تنتشر الشائعة وينقطع الوحي من السماء، ثم بعد العسر يأتي الفرج وتأتي البشرى: أن ما كنتم فيه من شدة ليس شراً لكم بل هو خير لكم؛ لرفع درجاتكم، ولتسن لكم الحدود، وليجازى المنافقون بسوء صنيعهم.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:11 - 19] ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حديثاً تكلم به المنافقون عن عائشة رضي الله عنها في أمر الإفك، فكذبوا وافتروا عليها، قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [النور:11]، وعائشة رضي الله عنها ما كانت تظن أن الله سبحانه وتعالى سينزل في شأنها قرآناً، فتقول: كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل في قرآن، ولكن كانت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا في منامه تبرئني، فأنزل الله عز وجل عشر آيات في هذا الشأن كما سمعنا. فقال: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} [النور:11] الإفك هو الكذب، وعصبة منكم: أي: مجموعة منكم، وليسوا كل المؤمنين، قال تعالى: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ} [النور:11]، بل هي مصيبة من المصائب، وما من مصيبة إلا وفيها خير للمسلمين وإن كان ظاهرها الشر. قال تعالى: {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ} [النور:11] فالإنسان الذي يكسب خطيئة وإثماً فإنما يكسب ذلك على نفسه، وإن كان قد يضر غيره في الدنيا بهذا الذي قال، ولكن في الحقيقة أن ضرره ذلك يقع عليه في الدنيا وفي الآخرة كما حدث بهؤلاء الذين تكلموا بهذا الأمر، وأما الذي أشاع هذا الأمر واستهواه ونشره في الناس، وتكلم به سراً بينه وبين المنافقين حتى شاع بعد ذلك، فهو الذي تولى كبره كما قال سبحانه: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11].
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا)
تفسير قوله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) قال تعالى: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12] يحض الله سبحانه وتعالى المؤمنين أنهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يحسنوا الظن بإخوانهم، وأنهم إذا أحسنوا الظن في أنفسهم فليقيسوا إخوانهم على أنفسهم، وإخوانهم أفضل منهم، فيقول سبحانه: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ} [النور:12] يعني: كل مؤمن ومؤمنة، {بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور:12] يعني: ظن بعضهم في بعض ظن الخير وليس ظن السوء، أو أن كل إنسان عند نفسه أنه على خير، فإذا كان يرى نفسه كذلك فكيف بنظره إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله وتعالى عنها؟. فالمفروض عليهم أن يحسنوا الظن ولا يتكلموا في ذلك، فهلا فعلوا ذلك؟ {وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور:12] كما قال ذلك أبو أيوب الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما.
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)
تفسير قوله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) قال تعالى: {لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ} [النور:13] أي: هؤلاء القائلون الكذابون هلا جاءوا بأربعة شهداء يشهدون لهم أن ما يقولونه حق؟ وهيهات أن يقدروا أن يأتوا بالشهداء على ذلك. قال تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النور:13].
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم)
تفسير قوله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم) قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14]، فالله عز وجل رحمن ورحيم في الدنيا والآخرة، فلولا أنه تفضل على المؤمنين فعفا عنهم سبحانه لجازى الجميع بهذا الذي قالوه، وحاسبهم في الدنيا بأن يعذبهم فيجعلهم عبرة لغيرهم. وقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:14] أي: فيما خضتم فيه من الحديث عذاب عظيم.
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم)
تفسير قوله تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) قال تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} [النور:15] أي: تتلقونه من لسان إلى لسان فتتكلمون به، {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ} [النور:15] كأن الكلمة كلمة عظيمة وخطيرة وشنيعة تملأ الفم، فتكلموا بأفواههم. قال تعالى: {مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور:15]، وربنا سبحانه قد حذرنا من ذلك فقال: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36]، فالإنسان مسئول عن سمعه ماذا يسمع به، وماذا ينصت إليه، ومسئول عن بصره ما الذي ينظر إليه ويبصره، ومسئول عن قلبه ما الذي يكنه فيه وينويه ويضمره. فقال سبحانه: {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [النور:15] فالذم هنا لمن يتكلم فيما لا يفقهه ولا يفهمه وليس له به علم. وفي قوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور:15] تحسبون ذلك هيناً في أنفسكم وفي نظركم وهو عند الله سبحانه شيء عظيم فظيع.
القراءت في قوله تعالى: (وتحسبونه هينا)
القراءت في قوله تعالى: (وتحسبونه هيناً) وفي قوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا} [النور:15] قراءتان: بفتح السين، وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة. وقراءة أبي جعفر وباقي القراء بكسر السين: (وَتَحْسِبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)
تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) ثم قال: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] أي: هلا إذ سمعتموه {قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور:16] أي: لولا أنكم فعلتم ذلك فقلتم: هذا شيء فظيع ولا نتكلم بمثله أبداً، لخمدت الفتنة في مهدها. قال تعالى: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور:16] أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الإفك الفظيع في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم. فلو أنهم عقلوا ذلك فنظروا أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاشا لله سبحانه أن يجعل له ما يؤذيه في أهل بيته، وقد قال الله سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]. فهلا أحسنتم الظن في ربكم سبحانه وقلتم: حاشا لله أن يجعل أحداً يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجته وحبيبته، سبحانك يا ربنا أن يحدث هذا، أو أنك تجعل من يؤذي نبيك صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك، فيقولون: هذا الذي قالوه بهتان عظيم، والإفك أعظم الكذب، والبهت أن يرمي الإنسان غيره بما ليس فيها جهاراً. فيقولون: لو أننا قلنا ذلك فهو بهتان عظيم.
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا)
تفسير قوله تعالى: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً) قال تعالى: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ} [النور:17] أي: يحذركم بهذه الموعظة وبما حدث أن ترجعوا لمثل ذلك أبداً، قال: {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17]، وهذا تحضيض وتهييج للإيمان في القلوب، فإذا كنتم مؤمنين فلا تعملوا هذا الشيء، وهذا كما تقول لإنسان: إن كنت رجلاً فاعمل كذا، وهنا إن كنتم مؤمنين فلا ترجعوا إلى هذا أبداً واحذروا أن تتكلموا به أبداً.
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليكم حكيم)
تفسير قوله تعالى: (ويبين الله لكم الآيات والله عليكم حكيم) قال تعالى: {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:18] أي: يوضحها لكم لئلا يكون لكم حجة على الله سبحانه بعدما بين ووضح {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:18] يقول هشام بن عمار: سمعت مالكاً يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب عائشة رضي الله عنها قتل. هذه فتوى الإمام مالك رحمه الله، وأبو بكر الصديق أفضل أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومنزلته منزلة عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو كنت متخذاًَ خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً) وإيمانه لو وزن بإيمان الأمة ليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم لرجح إيمان أبي بكر على الأمة، فيقول مالك: لو أن إنساناً سب أبا بكر رضي الله عنه فإنه يستحق أن يعزر وأن يؤدب، وكذلك عمر رضي الله وتعالى عنه. وأما من سب عائشة -يعني: بالإفك- فيستحق القتل، فما الفرق بين الاثنين؟ الفرق أن أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رجل فاضل من المؤمنين، فالإنسان الذي يقذفه يكون فاسقاً وكذاباً يستحق الحد الذي ذكر الله في الكتاب. لكن الذي يقذف عائشة فهذا مكذب بكتاب الله سبحانه، فربنا أنزل براءة عائشة رضي الله عنها في القرآن، فلما يأتي إنسان يرميها بذلك كالشيعة أو كالمجرمين منهم الذين يرمونها بذلك فهنا ربنا سبحانه وتعالى يشهد عليهم بأنهم كاذبون، فلذلك أفتى الإمام مالك: أن من يسبها -يعني يرميها بهذه الفاحشة- فإنه يستحق القتل. ثم قال الله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:18] حكيم بما يشرعه لكم؛ ليردعكم وليؤدبكم، ولتنتهجوا منهج الله سبحانه وتعالى في أمره ونهيه.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19] أي: الذي يحب ويتمنى في قلبه أن يشيع أمر الفاحشة ويفشو ويكثر. والفاحشة هي الأمر المفرط في القبح، والمقصود به جريمة الزنا. فالإنسان الذي يحب ذلك ويتمنى أن يكون هذا بين الناس أمراً عادياً والناس يفعلونه، فالذي يحب ذلك ولو لم يفعل، ولو لم يعن على ذلك، ولكن يتمنى بقلبه ذلك هذا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، فكيف بالذي يفعلها ويأتيها؟! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). قوله: {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [النور:19]، في الدنيا لهم عذاب أليم بإقامة الحد وغيره مما يبتليهم الله عز وجل به في ذلك الأمر، وذلك إذا لم يتوبوا إلى الله سبحانه، وقد رأينا كيف أن الله يبتلي هؤلاء الزناة واللواطين بالإيدز، ويبتليهم بالسيلان وبالزهري وبالهربز وغيرها من الأمراض الفتاكة التي لا يعرفون لها دواءً. وفي الآخرة العذاب الأليم في نار جهنم، لكنه هنا مقيد في عذاب الآخرة بمن مات مصراً على هذا الذنب، وأما من تاب فيتوب الله عز وجل عليه، والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه، ويعلم كل شيء وأنتم لا تعلمون، فقال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19]. وقد روى الإمام أبو داود والإمام أحمد أيضاً من حديث معاذ بن أنس الجهني قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حمى مؤمناً من منافق بعث الله ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم) يعني: سمع منافقاً يتكلم في عرض مؤمن من المؤمنين فيرميه بالفاحشة، ويرميه بكلام زور، فحمى عرضه منه وقال له: فلان لا يفعل مثل هذا الشيء، وأنت كاذب فيما تقول، فحمى عرض المؤمن، ودافع عنه، فالله عز وجل يبعث له ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، فلا يدخلها، فإذا مر على الصراط وكاد أنه يهوي بذنوبه إذا بالملك يعدله على الصراط ولا يجعله يقع في نار جهنم. ثم قال: (ومن رمى مسلماً بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قاله) فالإنسان الذي يسيء الظن في المسلمين فيفتري عليهم، أو يتحدث عنهم بأكاذيب سواء عرف أنها أكاذيب أو لم يعرف كان مصيره ما ذكر في الحديث؛ لأن التحدث في أعراض الناس لا يحل لأحد، وإذا تكلم فإنه يأتي بشهود على هذا الذي يقوله حتى يقبل منه هذا الشيء، فيقام الحد على من رماه بهذه الجريمة. وإذا كان يتكلم نقلاً للحديث يريد شينه كأن يكون مغتاظاً من شخص فيقول: أنا سمعت الناس يقولون عنه كذا وكذا، يريد شين هذا الإنسان فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يحبسه يوم القيامة على جسر جهنم، فإذا مر على الصراط يحبس فوقه فلا يستطيع أن يمر على الصراط حتى يخرج مما قال، فهو محبوس على جسر جهنم تلفحه النار، ولن يستطيع أن يخرج مما قال؛ لأنه قد قاله في الدنيا. وكأن المعنى أنه يعذب بذلك في هذا المكان، ويحبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال. وهذا الحديث حسنه الألباني في سنن أبي داود في الطبعة الثانية. وقد ذكر هنا الإمام القرطبي حديثاً بهذا المعنى رواه الطبراني وإسناده فيه ضعف، وفيه: (أيما رجل شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها) وهذا يشهد له الحديث الذي ذكرنا في المعنى. فأي رجل -وكذلك المرأة- شد عضد إمرئ من الناس في خصومة لا علم له بها، يعني: لقي اثنين يختصمان من الناس فوقف مع واحد على الثاني، فشد عضده وهو لا علم له بشيء ولكن عصبية وتحيز له، وبدأ يتكلم مع هذا ويفتري أيضاً فيقول: أنا رأيته وسمعته، وهو لم ير ولم يسمع شيئاً، فذكر هنا أنه في سخط الله حتى ينزع عنها. ثم قال: (وأيما رجل حال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقاً) وهذا الحديث إسناده ضعيف لكن له شاهد آخر بهذا المعنى: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره) كأنه يعاند الله تعالى، فربنا يأمر بإقامة الحد، وهذا يرفض ذلك ويمنعه. قال هنا: (فقد عاند الله حقاً، وأقدم على سخطه، وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار) وهذا الجزء من الحديث الذي ذكرناه حسنه الشيخ الألباني في سنن أبي داود وإن كان ضعفه في ضعيف الجامع الصغير لكنه في طبعة ثانية حسن هذا الحديث. والحديث الذي عند الطبراني يشهد له ما عند أبي داود وعند الإمام أحمد من حديث سهل بن معاذ بالمعنى نفسه. فذكر هنا أن الذي يريد أن يشين امرأً مسلماً فيرميه بشيء هو منه بريء، فقال: (كان حقاً على الله تعالى أن يرميه بها في النار، ثم تلا مصداقه من كتاب الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19]). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [19 - 22]
تفسير سورة النور [19 - 22] لقد نهى الله المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، وعن سبيل المجرمين، فإن الشيطان حريص على رؤية المسلمين والناس أجمعين في النار، لكن الله يعصم بفضله المؤمنين عن اتباع سبيله، وطريق غوايته، ثم بين تعالى أنه على المنفقين ألا يقطعوا نفقاتهم عن الذين تكفلوا بالإنفاق عليهم ورعايتهم؛ لأنه من اتباع خطوات الشيطان الرجيم، المطرود من رحمة رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:21].
مصير الذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا
مصير الذين يحبون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا في هذه الآيات وما قبلها من هذه السورة الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى عن أحكام عظيمة، منها ما قدمناه قبل ذلك من أن الله عز وجل بين لنا الآيات، وأخبرنا أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وهذا في الذين يحبون إشاعة الفاحشة فقط فكيف بالذين يفعلون الفاحشة؟! لا شك أن لهم عذاباً أليماً في الدنيا، بإقامة الحد عليهم، وبشؤم معصيتهم التي صنعوا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فمن شؤم هذه الفاحشة أن ينزع الإيمان من قلبه، ويعلق فوق رأسه حتى يتوب إلى الله ثم يرجع إليه إيمانه. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور:19] أي: أن الله يعلم من يستحق هذه العقوبة ويعلم أن الإنسان الذي يقع في رمي المحصنات الغافلات إنسان يستحق العقوبة العظيمة عند الله عز وجل؛ لإفساده بين الخلق، ولاتهامه المؤمنين أهل العفاف وأهل الصدق وأهل التقوى بهذا البهتان العظيم، فالله يعلم من الذي يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة ممن لا يستحقها، وهو يعلم كل شيء، وأنتم لا تعلمون إلا ما يخبركم ويعلمكم به سبحانه. إذاً: الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم العذاب الأليم في الدنيا بإقامة الحد عليهم، وإذا ماتوا وهم مصرون على هذا الذي قالوه فالله عز وجل يعذبهم عذاباً أليماً في نار جهنم. قال سبحانه: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور:20]، والجواب هنا محذوف ولك أن تتخيل ما الذي يحدث حين تعصي ربك سبحانه؟ وما الذي تستحقه من الله عز وجل على هذه المعصية؟ ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) فتقدير A لعذبكم في الدنيا بعذاب أليم، كأن ينزل عليكم من السماء عذاباً، أو يفتح عليكم من الأرض عذاباً، أو يخسفها بكم، ولو يؤاخذ الله العباد بذنوبهم وبما كسبوه لعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولكن الله ذو فضل عظيم، حيث يتفضل فيعفو عن العباد، ويتفضل فيعطي العباد، ويتفضل فيفتح باب التوبة للعباد. قال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} والرءوف اسم من أسماء الله الحسنى فيه رحمة الله سبحانه وحنانه بعباده. وفيها قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم {وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النور:20]، وقراءة باقي القراء: (وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوف رَحِيمٌ) الأولى: رءوف على وزن فعول، والثانية: رَؤُف على وزن فَعُل، وكذا في آيات القرآن التي فيها هذه اللفظة: (رءوف).
التحذير من اتباع خطوات الشيطان
التحذير من اتباع خطوات الشيطان يقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] يحذر الله عز وجل المؤمنين من أن يتبعوا مسالك الشيطان ومداخله وأهواءه التي يدعو الناس إليها، والمعنى: لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم الشيطان لسلوكها. قوله: ((خُطُوَاتِ)) الخطوات واحدها خطوة، والخطوة ما بين القدمين، كأن تمد رجلاً للأمام فتقيس ما بين القدم الأمامية والقدم الخلفية، فتلك المسافة تسمى: خطوة. قوله: {لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] بالضم للطاء وهذه قراءة قنبل عن ابن كثير وقراءة ابن عامر وقراءة حفص عن عاصم وقراءة الكسائي وقراءة أبي جعفر ويعقوب، وأما باقي القراء فيقرءونها بالفتح: (لا تَتَّبِعُوا خَطَوَاتِ الشَّيْطَانِ). يقول سبحانه {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور:21] أي: ومن يسر في مسالك الشيطان، وكأن الشيطان يمشي ثم يضع علامة، فيأتي الإنسان ويمشي على هذه العلامة وهكذا، فمن تبع خطوات الشيطان فإن الشيطان يأمره بالفحشاء والمنكر، والله عز وجل يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر، فالذي يسير وراء الشيطان سيكون من أهل الفحشاء -وهي القبائح- ومن أهل الزور والبهتان، ومن أهل الأفعال والأقوال القبيحة، قال سبحانه في سورة البقرة: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة:268] أي: أن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ويأمركم بأن تقعوا في كل فاحشة؛ لأن الشيطان لا يحب الخير للإنسان، فهو عندما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام كاد له، فجعله الله عز وجل شيطاناً رجيماً، وتوعده بالنار، قال سبحانه: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} [الحجر:36 - 37] أي: المؤخرين فلن نعذبك الآن، وإنما سنؤخر عذابك إلى يوم القيامة، ووعد الله حق لا يخلف، ولذا ظل الشيطان يتغيظ من ابن آدم؛ فهو بخلق آدم أظهر ما في داخله من الكبر والغرور، قال الله عز وجل حاكياً عن إبليس: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]. فقد ابتلي آدم بالشيطان، فهو يحسده أن خلقه الله عز وجل بيده، وأمر الملائكة أن يسجدوا له، فرفض أن يسجد لآدم، واستكبر عليه وكان من الكافرين باستكباره، فالله عز وجل جعله من أهل العذاب. فآدم كان سبب عذاب هذا الشيطان، فالشيطان جعل يحسده ويحسد بنيه، يقول الله سبحانه مخبراً عن توعد الشيطان بإغواء بني آدم: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:82]، ويقول في موضع آخر: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف:17]، فهو يكيد للإنسان حتى يأخذه معه إلى النار، والله سبحانه وتعالى بين لنا في كتابه أنه عدو لنا فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6] أي: احذروا أن تكونوا من أهل النار، فالشيطان يدعوكم إلى ذلك، وهنا في سورة النور يخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر، فهذا سبيله وهذا ديدنه. قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} [النور:21]، فتكررت (لولا) مرات في هذه السورة، وقد لا يذكر جوابها أحياناً ويذكر أحياناً أخرى كما في هذا الموضع: ((وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ))، وذلك بأن هداكم وأن علمكم سبحانه، ولولا رحمته بكم سبحانه: ((مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا)) يعني: ما تزكى وما تطهر منكم أحد أبداً، وما استحق أن يكون من أهل الجنة، وما استحق أن يهدى، {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء:26 - 28]، وهذا محض فضل من الله عز وجل، إذ أنه يريد بكم الخير والرحمة والتخفيف فضلاً منه ونعمة، فلولا فضله ورحمته بالناس ما تطهر أحد أبداً، ولا عرف شرع الله سبحانه ولا طريق جنته. يقول الله سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور:21] أي: يهدي من يشاء إلى طريق الحق وطريق الإسلام، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} [النور:21] كل شيء، ((عَلِيمٌ)) بمن يستحق منكم أن يهدى ومن يستحق منكم أن يضل.
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة)
تفسير قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) قال الله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22] هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي غيره من المؤمنين، لكنه كان سبب نزولها، فقد كان ينفق على مسطح بن أثاثة، وأم مسطح هي بنت خالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أما مسطح فهو ابن خالته مجازاً، واسمه مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل: إن مسطح لقب له واسمه عوف، وكان فقيراً مسكيناً، وكان من المهاجرين من أهل بدر، وربنا سبحانه وتعالى قد اطلع على أهل بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). وكان مسطح بن أثاثة ممن خاضوا في حديث الإفك، وقد جاء عنه أنه اعتذر لـ أبي بكر رضي الله عنه عن ذلك، وقال: إنما كنت أغشى مجالس حسان، وكان حسان شاعراً، فـ حسان كان يقول الشعر وأنا أسمعه ولا أقول، فقال له أبو بكر: لقد شاركت فيما قيل، وأقسم أبو بكر يميناً أنه لا ينفق عليه مرة ثانية؛ لأنه كان يحضر المجلس الذي يتكلم فيه عن عائشة، أما اعتذاره ذاك فالله أعلم بثبوته، إلا أن الله عز وجل قد أمر بإقامة الحد، فكان مسطح ممن أقيم عليه الحد، ويلزم منه أنه تكلم فأقيم عليه الحد رضي الله عنه، كما أقيم الحد على حسان بن ثابت وحمنة أخت زينب بنت جحش، فهؤلاء الثلاثة أمر الله عز وجل بأن يقام عليهم الحد؛ تطهيراً لهم في الدنيا، فلا يكون عليهم يوم القيامة شيء، وأما عبد الله بن أبي ابن سلول ذاك المنافق فالله عز وجل أخره للآخرة، فلم يقم عليه الحد في الدنيا؛ ليكون له العذاب الأليم في الآخرة، وقد فضحه في كتابه سبحانه حيث قال: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:11]. فلما حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح أنزل الله عز وجل هذه الآية يأمر أبا بكر وغيره بأن يرجعوا في ذلك الحلف الذي حلفوه. فقال سبحانه: {وَلا يَأْتَلِ} [النور:22] يعني: لا يحلف ولا يقسم، فأصلها من الألية، والألية بمعنى اليمين والحلف. قوله: (ولا يأتلِ) هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر: (ولا يتأل أولوا الفضل منكم والسعة) أي: لا يقسم أولو الفضل منكم والسعة، وفيه مدحة لـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه صاحب فضل، كما أن فيه إشارة إلى أن كل صاحب فضل يجب أن يراعي أن الله سبحانه قد أعطاه من فضله، وجعله أفضل من غيره، فإن أكرمك الله فكن كريماً في معاملتك وأخلاقك مع الناس. قوله سبحانه: {وَالسَّعَةِ} [النور:22] أي: الغنى. قوله تعالى: {أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور:22] أي: أن يؤتوا أهل القرابة، وقد كان مسطح ابن خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو من أصحاب المسكنة وأصحاب الفقر والمهاجرين في سبيل الله، والملاحظ هنا أن الذي أتى به مسطح وغيره كبيرة من الكبائر، إذ الوقوع في عرض إنسان مسلم كبيرة من الكبائر، فضلاً عن أن يقع في عرض عائشة رضي الله عنها وهي المكرمة المطهرة. وهذه الكبيرة لم تحبط له عملاً، ودليل عدم حبوط العمل من الآية أن الله ذكر أنهم من أولي القربى من المساكين والمهاجرين في سبيل الله، وقد كان مسطح من المهاجرين، فدل على أن الذي وقع فيه لم يحبط عمله، ولذلك كان البعض من أهل العلم يقولون: هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل، وآيات الرجاء كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ومع أن أبا بكر الصديق مقصود بالآية إلا أنها عامة له ولغيره، أي: ينبغي أن تراعي قرابتك وإن أساءوا إليك، فهذا أبو بكر أساء إليه قريبه بأفظع ما يكون، حيث رمى ابنته زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره الله أن يعطيه وإن كان قال ذلك. قوله: ((وَالْمَسَاكِينَ)) أي: راع الفقير والمسكين؛ لكونه فقيراً أو مسكيناً مسلماً، فيعطى حتى ولو كان مسيئاً في جانب آخر ووقع في كبيرة من الكبائر. قال تعالى: {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور:22]، فوصفه بأنه مهاجر، وهجرته في سبيل الله، فلم يهاجر لدنيا مع أنه وقع في كبيرة، ومع ذلك لم يلغ له ذلك سبحانه، وهذا من فضله ورحمته سبحانه. قوله: ((وَلْيَعْفُوا)) اللام لام الأمر، فالله عز وجل يأمر المؤمنين بالعفو، فإذا كان العفو في ذلك الشيء الفظيع وهو الطعن في العرض، وقد يحمي الإنسان عرضه بدمه، مع ذلك فالله يقول له: ((وَلْيَعْفُوا))، فكيف بما هو أقل من ذلك؟! فيجب العفو أيضاً. قوله: ((وَلْيَصْفَحُوا)) الصفح: هو التجاوز والمغفرة عن هذا الذي وقع في الإساءة، وقد تعظم الإساءة عند إنسان حتى إذا قيل له: اعف واصفح قال: لا؛ لأنك لا تعرف ماذا عمل بي، فقد عمل فيّ كذا وعمل فيّ كذا، فالله سبحانه وتعالى يقول {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور:22] أي: اعف واصفح ليكون جزاؤك من جنس عملك، كما أنك تعفو عن الناس فالله يعفو عنك، وإذا كنت تصفح عن الناس فإن الله يصفح عنك. ولذا حين تحدث إساءة لإنسان ينبغي أن يتذكر ذنوبه في جانب ربه سبحانه وتعالى، ويتذكر إساءاته مع الله عز وجل، ويتذكر معصيته لله سبحانه وتعالى، فإذا تذكر ذلك ورغب في مغفرة الله له فعليه أن يغفر للناس ويصفح عنهم، قال سبحانه وتعالى: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22]، فلما قال الله عز وجل ذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: بلى بلى أحب والله أن يعفو ويصفح عني. فقد وعد الله سبحانه كرماً منه بالعفو والصفح لمن كان من أهل العفو والصفح، فقال: {أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22] أي: يغفر ويتجاوز ويعفو {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:22].
بيان ما تحبط به الأعمال
بيان ما تحبط به الأعمال قال العلماء: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرة من الكبائر فإنه لا يحبط العمل، وإنما يحبط عمل الإنسان الكفر بالله والشرك به، قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65] يعني: لا يحبط العمل إلا إذا مات الإنسان على الشرك بالله، فإنه إذا أشرك بالله ومات على ذلك حبط عمله؛ لقوله تعالى: ((لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ))، والراجح أن جميع الكبائر غير محبطة لعمل الإنسان، لكن الكبيرة ذنب عظيم يستوجب العذاب عليه، ومع ذلك قد يكون للإنسان أعمال أخرى يقبلها الله عز وجل، فلا تحبط هذه الكبيرة هذه الأعمال. ومن محبطات الأعمال مع الشرك بالله سبحانه أن الإنسان يمن بالعمل الذي عمل، فلو أن مؤمناً عمل عملاً يبتغي به وجه الله سبحانه ثم منّ بعمله سواء كانت صدقة أو غيرها فإنه يحبط.
بعض الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل)
بعض الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (ولا يأتل أولوا الفضل) لقد أخذ أهل العلم من الآية مع ما ورد في الأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم: أن الذي يحلف على شيء أنه لا يفعله فرأى أن فعله أولى فعليه أن يرجع عن هذا الحلف، ويفعل هذا الذي حلف ألا يفعله، ويكفر عن يمينه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني والله لأحلف على شيء فأرى غيره خيراً منه إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير)، فالإنسان إذا حلف على ألا يعمل كذا ثم وجد أن ما حلف على تركه واجب عليه، وهو آثم بتركه، كأن يحلف أن يقطع الرحم، فهنا يحرم عليه قطيعة الرحم، ويجب أن يصل الرحم ويكفر عن هذه اليمين. وفي الحديث (لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه)، أي: لأن يصر في يمينه، كمن يغضب ثم يقسم أن يفعل المعصية، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبره أن الإصرار على هذه اليمين أشد إثماً من أن يرجع في يمينه ويكفر عنها. قال الفقهاء: من حلف ألا يفعل سنة من السنن وأقسم على ذلك، جُرحت عدالته، وردت شهادته؛ لأن الله عز وجل ينهانا أن نحلف على فعل شيء باطل لا يجوز {وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النور:22]، ولذا ينبغي ألا تحلف على منع خير، فلو أن إنساناً حلف على منع خير وجب عليه أن يفعل الخير، وأن يكفر عن هذه اليمين. وأما إذا كان على التأقيت كأن يقسم ألا يصوم يوماً بعينه وصيامه نافلة، فلا يفسقه ذلك، ولا ترد شهادته بذلك، إنما الذي يفسق الإنسان أن يحلف أنه لا يفعل سنة للنبي صلى الله عليه وسلم أبداً، فهذا جارح قوي فيه، وقد تصل التهمة في الإنسان الذي يقسم على ترك سنه إلى الكفر والعياذ بالله، إذا كان يرفض سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أصلها، كأن يأخذ بالقرآن ويترك سنة نبيه صلى الله عليه وسلم رافضاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه قد أمرنا بأخذ القرآن والسنة، فقال: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4]، فكل ما يلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب وسنة هو وحي من عند الله، فمن رد السنة كأنه يرد الوحي من عند الله، والله أعلم.
تفسير سورة النور [23 - 26]
تفسير سورة النور [23 - 26] من الموبقات المهلكات التي توعد عليهن رب الأرض والسماوات: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فإن هذه الجريمة من أعظم الكبائر، ومن أشد المخاطر، فكيف يقف من وقع في أعراض المؤمنات -وبالأخص في عرض عائشة أم المؤمنين وسيدة الطاهرات- أمام الله عز وجل؟! وماذا يصنع من تشهد عليه جوارحه بذلك عند الحكم العدل؟! فإياك إياك من الوقوع في الهلاك والخسران!
تفسير قوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة)
تفسير قوله سبحانه: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ * الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:23 - 26]. في هذه الآيات من سورة النور يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن الجزاء الأخروي والدنيوي للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، وذكر الله عز وجل قبل ذلك حد القذف، وهذا جزاء في الدنيا، وذكر هنا شيئاً آخر من العقوبة التي تكون في الدنيا وفي الآخرة وهي اللعن؛ لأنهم يستحقون ذلك، واللعن: هو الطرد من رحمة الله سبحانه وتعالى.
أوجه القراءة في كلمة المحصنات
أوجه القراءة في كلمة المحصنات قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23] أي: هؤلاء الذين يقذفون المحصنات، وهنّ العفيفات من النساء، وكلمة: (المحصنات) في كل القرآن فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (المحصنات)، وقراءة الكسائي: (المحصِنات)، ما عدا التي في سورة النساء في آية التحريم: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء:23] إلى قوله سبحانه: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:24]، فقد اتفق الجميع على أنها هنا بالفتح. والمحصنات هن المتزوجات، لكن كلمة: (المحصنات) في غير هذا الموضع تقرأ بقراءتين: قراءة الجمهور: (المحصنات)، على أنها اسم مفعول، يعني: أن غيرها أحصنها، وقراءة الكسائي: (المحصِنات)، على أنها اسم فاعل، يعني: أنها أحصنت فرجها ونفسها، فهي محصنة، وهي محصَنة يعني: أحصنها زوجها لما تزوجها، فجعلها عفيفة؛ لأنه كفها عن غيره. كذلك: أحصنها وليها، أو أحصنها الله سبحانه وتعالى، أي: فطرها عفيفة، وجعل العفة من طبيعتها، فهي محصَنة وهي محصِنة، أي: عفيفة مانعة فرجها عن غير ما أباح الله سبحانه وتعالى لها. قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ} [النور:23] أي: يقذفون، {الْمُحْصَنَاتِ} [النور:23] أي: العفيفات، {الْغَافِلاتِ} [النور:23]، وهذا مدح للمرأة المؤمنة، فليس فيها لؤم أو خبث أو نوع من التطفل، بحيث إنها تريد أن تعرف كل شيء، فهذا مدح للمرأة المؤمنة المبتعدة عن الناس، التي لا تستمع إلى الوشايات وإلى أقوال الزور وإلى الكلام غير الطيب، فهي غافلة عن أحوال الناس، وعما يراد بها، فتجدها دائماً في سترها وبيتها، فقد أعفها الله سبحانه وتعالى عن الحرام، فهي في غفلة عن أمر الدنيا، مقبلة على ربها سبحانه وتعالى، فهذا مدح للمرأة المؤمنة.
صفات المحصنة في هذه الآية
صفات المحصنة في هذه الآية قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} [النور:23]، فمن صفاتها: أنها مؤمنة عفيفة غافلة عن هذا الكلام الفارغ الذي يقال عنها، وحكم المحصن أيضاً نفس هذا الشيء، فكما أن العفاف موجود في النساء، فهو كذلك موجود في الرجال، فالذين يرمون هؤلاء لعنوا في الدنيا والآخرة، أي: استحقوا اللعن، وهو الإبعاد عن رحمة الله سبحانه وتعالى. والمقصود بالذين يرمون المحصنات: إما المنافقون، فهم ملعونون في الدنيا والآخرة؛ لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، ولذلك لن يدخلوا الجنة أبداً، فالمنافقون في الدرك الأسفل من النار لكفر قلوبهم. أو: أنهم الفسقة والمجرمون، فعلى ذلك ستكون اللعنة والطرد من رحمة رب العالمين سبحانه إلى حين، فهناك فرق بين لعن الكافر ولعن المنافق ولعن الإنسان الذي هو على التوحيد، فقد يخلد في النار كما يخلد القاتل نفسه في نار جهنم إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى، ولكن خلود هذا الموحد دون خلود الكافر، فالكافر خالد مخلد فيها أبداً بلا خروج، وأما عصاة الموحدين وإن أتوا من الكبائر ما أتوا فسيدخلون نار جهنم إلى ما يشاء الله سبحانه، فإذا أخبر أنهم ملعونون، أو أنهم خالدون، فخلودهم أقل من خلود الكفار وإن كان مدة طويلة جداً لا تحصى، نسأل الله العفو والعافية. إذاً: فهؤلاء الذين يقذفون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة، فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله سبحانه في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا وقعت عليهم لعنة من يلعن أمثالهم، فهو يقول: لعنة الله على الذين يرمون المحصنات الغافلات، فيستجاب لمن يدعو عليهم بذلك، وفي الآخرة يطردهم الله عز وجل من رحمته ويدخلهم نار جهنم والعياذ بالله، وقد يكون ذلك في الكفار -كما ذكرنا- والمنافقين فهو خلود أبدي، وقد يكون في عصاة الموحدين فهو خلود دون خلود، وقد يكون هذا لمن أصر على ذلك ومات عليه، وقد يكون الإنسان وقع في هذا الجرم ولكنه تاب إلى الله سبحانه وتعالى، فأمره إلى الله سبحانه إن شاء عذبه وإن شاء رحمه سبحانه وتعالى، ولكن لا بد من القصاص، فيقتص للمؤمن أو المؤمنة الذي وقع هذا الإنسان فيهما، فيحبسون حتى ولو كان هذا الإنسان من أهل الجنة، حتى ولو كانت له أعمال صالحة تدخله الجنة، فيحبس على جسر قبل الجنة حتى يقتص هذا الآخر منه، فيأخذ من حسناته ما يشاؤه الله سبحانه وتعالى، فالإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل تاب الله عليه، لكن في حقوق الآدميين لا بد من القصاص، فإن لم تكن عنده حسنات أخذ من سيئاتهم فوضعت عليه، وذلك حتى يقتص لحقوق الآدميين. قال الله سبحانه عن هؤلاء: {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23] يعني: يوم القيامة لهم العذاب العظيم، وقد يكون العذاب في الدنيا أيضاً كما في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم إن الله هو الحق المبين)
تفسير قوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم إن الله هو الحق المبين) قال سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، وهذا متعلق بما قبله، فلهم عذاب عظيم، إذاً: فهم ملعونون في الدنيا والآخرة: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]، أي: في يوم القيامة، وفي هذا اليوم يقول سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف (يوم يشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون)، ففصل بين الفعل والمفعول بالجار والمجرور، وهي كلمة: عليهم، فجاز فيها الوجهان، إما التأنيث على الأصل فيها، وإما التذكير على أنه فصل بين الفعل والمفعول بهذا الضمير. قال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} [النور:24] يعني: يوم القيامة {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات حديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات)، والموبقة هي المهلكة، وهي من عظائم الذنوب التي تهلك صاحبها، قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله! وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، فهذه الخصال من كبائر الذنوب. فبدأ بالشرك بالله، ثم السحر وهو من الكفر، وذكر من الجرائم العظيمة قتل النفس، قال: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)، إذاً: فمن أعظم الكبائر الوقوع في هذه الأشياء. والحديث هنا لم يذكر فيه أشياء أخرى هي من الكبائر، وكأن هذه الأشياء من أعظم الكبائر. إذاً: فاللسان يشهد على صاحبه، فالإنسان كان يتكلم في الدنيا بلسانه، وعقله يوجه لسانه إلى كيفية الكلام، فيكذب ويصدق ويخبر، وأما يوم القيامة فالله سبحانه هو الذي يجعل اللسان ينطق بالحق، ولا يستطيع عقل الإنسان أن يوجه اللسان في تلك اللحظة، وإذا باللسان الذي كان يجادل عن صاحبه في الدنيا يشهد عليه يوم القيامة: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ} [النور:24] أي: وتنطق أيدي هؤلاء بما كانوا يقترفون، {وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]، فكل هذه الجوارح تنطق يوم القيامة، فيومئذ يكون الجزاء وافياً، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور:25]، والدين هنا بمعنى: الجزاء والحساب، كما قال سبحانه: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:4]. وقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم توضح نطق أعضاء الإنسان يوم القيامة بالخير شاهدة له، أو بالشر الذي كان يفعله في الدنيا. فمن الأحاديث التي جاءت في أمر الخير: حديث رواه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود أيضاً من حديث يسيرة -امرأة من المهاجرات- قالت: (قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة)، فأمرهن بالتسبيح والتهليل والتقديس، أي: ذكر الله سبحانه بقول: سبحان الله، وقول: لا إله إلا الله، وهذا معنى التسبيح والتهليل، وأما التقديس فمعناه: أن تقول: سبوح قدوس، فتقدس ربك سبحانه. قال: (واعقدن بالأنامل)، والأنملة: هي طرف الأصبع، فالأفضل أن يسبح الإنسان بيده؛ لأن الأنامل تنطق يوم القيامة أنها كانت تسبح لله سبحانه وتعالى. قال: (فإنهن مسئولات مستنطقات) أي: الأنامل، فسيسألن وسيطلب منهن النطق والشهادة لصاحبهن. قال: (ولا تغفلن فتنسين الرحمة) يعني: عن ذكر الله سبحانه، فإذا غفل الإنسان عن ذكر الله نسي رحمة الله، فنُسي يوم القيامة، فهذا في الخير. وأما في الشر فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث أنس قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك صلى الله عليه وسلم، فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ -يعني: يحتج على الله سبحانه وتعالى، وهو كذاب فيما يحتج به- يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول الله تبارك وتعالى: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)، وهذا من كذب العبد وإجرامه، فهو يريد أن يكذب على الملك سبحانه وتعالى، وهو يظن أن جوارحه ستنطق بما ينفعه يوم القيامة، وهذا كما قال سبحانه: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142]. قال: (فيقال: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيدعو على نفسه: بُعداً لكنّ فعنكن كنت أناضل)، أي: أدافع عنكن ثم تشهدن علي؟! فما نفعته أعضائه يوم القيامة، بل شهدت عليه. والآية أخبرت أن اللسان أيضاً ينطق شاهداً على العبد، وجاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست دونها سحابة؟)، أي: هل يصيبكم الضرر أو يزدحم بعضكم على بعض؟ وفي رواية: (هل تضامون؟)، يعني: هل يظلم بعضكم بعضاً من أجل النظر إلى الشمس؟ بل كل الناس ستنظر من مكانها. إذاً: فليس أحد في الدنيا يتضرر أو يزدحم عند رؤيته الشمس، فكذلك الحال في النظر إلى الجبار جل جلاله، ولله المثل الأعلى سبحانه، قال: (فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)، والمعنى: لن تتضرروا في رؤية ربكم سبحانه تعالى، ولن تزدحموا لتروا ربكم، بل سيرى كل مؤمن ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة. قال: (فيلقى العبد) أي: يلقى الله عبده، (فيقول: أي فل!)، أصلها: أي فلان! (ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟) أي: سخرت لك هذه النعم العظيمة، قوله: (وأسودك) من السيادة، أي: أجعلك سيداً ورئيساً على قومك، (وأزوجك) أي: أعنتك وجعلتك تتزوج، (وأسخر لك الخيل والإبل)، فكنت أنت المالك لها، والمتحكم فيها، والمسيطر عليها، (وأذرك ترأس وتربع) يعني: تركتك تترأس على قومك (وتربع)، أي: ترتع كما تشاء، أو: تملك الرباع، وتملك الأطيان والديار، أو: تأكل مرباع قومك، قال: (فيقول: بلى، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ -أي: هل خطر على بالك أنك ستقف هذا الموقف؟ -فيقول الرجل: لا، فيقول: سبحانه: فإني أنساك كما نسيتني) أي: مثلما نسيت أنك ستقابل ربك وأنه سيحاسبك. قال: (ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول الثالث: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول له: هاهنا)، أي: قف هنا؛ لأنه يعلم أنه كذاب، فيحاسبه الله حساباً عسيراً، ثم يقال له: (الآن نبعث شاهدنا عليك)، فيفكر في ماهية هذا الشاهد ومن يكون، قال: (فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فينطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق الذي يسخط الله عليه)، فهذا الإنسان تنطق أعضاؤه بالشهادة عليه أنه فعل كذا وفعل كذا، وفي الحديث الذي قبله ذكر: أنه يدعو على نفسه، ويدعو على أعضائه إذا شهدت عليه. وهنا في الآية يقول الله عز وجل: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ} [النور:24]، فلسان الإنسان أيضاً ينطق شاهداً عليه يوم القيامة، قال: {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24] أي: بكل ما كانوا يعملون في الدنيا، قال: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور:25] أي: جزاءهم الحق، {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور:25]، أي: في يوم القيامة {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [النور:25] أي: الحكم العدل سبحانه وتعالى، فهو الحق الذي يحق الحق سبحانه وتعالى، ويعلمون أن ما سواه مما عبدوه من دون الله باطل، وأن الله هو الحق وحده سبحانه وتعالى، {الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:25] أي: الظاهر الجلي، والمبين كذلك: الذي يبين شريعته ومنهاجه ويظهرهما، فيبين طريق الهدى وما يحتاج إليه خلقه من شرعه سبحانه وتعالى، قال: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ} [النور:25] قالوا: بمعنى: يبين لهم الحقائق ويظهر حقائق ما كانوا يصنعونه في الدنيا، وما كان يعدهم به من ثواب ويهددهم به من عذاب يوم القيامة، فالله هو الحق المبين.
تفسير قوله سبحانه: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
تفسير قوله سبحانه: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) ثم يقول سبحانه: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]، الخبيثات: أكثر المفسرين على أن المراد بها هنا: الكلمات، يعني: الكلمات الخبيثات، والسياق نفسه يدل على ما حدث من أهل الإفك في كذبهم على عائشة، فقد أخذوا الكلمات الخبيثة في ذم السيدة عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها وفي قذفها، فالله عز وجل يقول للناس: تفكروا! فالكلمات الخبيثة لا تخرج إلا من خبيث، فالخبيثات للخبيثين، والخبيثون هم: أهل الخبث، وهم متلازمون مع الكلام الخبيث، فهي لهم وهم لها. قال: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} [النور:26] أي: أصحاب الكلمات الطيبة الجميلة، فهي لا تخرج إلا من الإنسان الطيب، صاحب الكلام الحسن، والنية السليمة، والقلب الطيب، فالطيبات للطيبين، فهم أهل لذلك. وكلام الإنسان دليل على ما في قلبه، فإن كان لا يتكلم إلا بكلام خبيث فهو إنسان خبيث، وإن كان لا ينطق إلا بطيب فهو إنسان طيب، قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور:26]. ثم قال: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور:26] يعني: أن الطيبين والطيبات بريئون من كلام هؤلاء الخبثاء الذين يرمونهم بالفواحش، يعني: المنافقين. ثم قال: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]، فقد أعد الله عز وجل لهم المغفرة العظيمة يوم القيامة، وكذلك الرزق الكريم؛ جزاءً على صبرهم في الدنيا على أصحاب الكلام الخبيث. نسأل الله العافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [23 - 27]
تفسير سورة النور [23 - 27] يبين المولى سبحانه سنة من سننه الماضية في الغابرين واللاحقين، وهي أن الرجل الطيب لا يتكلم إلا بطيب الكلام، ولا ينكح إلا طيب النساء، وأن الرجل الخبيث لا يتفوه إلا بخبيث الكلام وفاحشه، ولا يقع إلا على خبيثات النساء، وذلك إذا لم يتوبوا، وأما لو تابوا فإن التوبة تجب ما قبلها، وتلحقهم بالصنف الأول وهم الطيبون.
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات)
تفسير قوله تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وما قبلها أحكاماً في يوم القيامة: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]. وقد قدمنا قبل ذلك أن الله سبحانه حرم أعراض المؤمنين كما حرم دماءهم وأموالهم، فالمؤمن لا يحل له أن يقع في عرض أخيه المؤمن أو المرأة المؤمنة، فلا يتكلم عنه بما يسوءه وما لا يحل له الكلام فيه، بل لو أنه رأى فيه ما لا يجوز فينبغي عليه أن ينصح، وأما القذف بجريمة الزنا فلا يجوز لأحد أن يقع فيه إلا أن يأتي بأربعة شهود على هذا الذي يقوله، فإن لم يفعل ذلك فهذا إنسان كذاب كما وسمه الله عز وجل بذلك، مع أنه قد يكون رأى ذلك بنفسه ولكن الشريعة لم تبح له أن يتكلم حتى يكون معه أربعة يشهدون على ذلك، فأخبر: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور:23]. فهم في الدنيا ملعونون، وفي الآخرة مطرودون من رحمة رب العالمين سبحانه، قال سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النور:24]. وقدمنا كيف أن الإنسان يأتي يوم القيامة يجادل عن نفسه فإذا بأعضائه تشهد عليه بما كان يصنعه يوم القيامة، فيوفيهم الله عز وجل جزاءهم وعقابهم الوافي الذي يستحقونه، جزاءً على ما قدموا، قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [النور:25]. فالله سبحانه وتعالى يحق الحق، ويأبى أن يدوم الباطل، فإنه وإن ترك أهل الباطن ففي النهاية يقصمهم سبحانه وتعالى، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر. فمن أسماء الله تعالى الحق، وهو يحق الحق يوم القيامة، فيرون كيف يحكم الملك الحق بالعدل المبين، ويظهر الحق يوم القيامة فهو الحق المبين، أي: المبين المظهر لهذا الحق يوم القيامة، والمبين في الدنيا للناس طريق الهدى، وما يحتاجون إليه من شرع رب العالمين سبحانه. والله هو الحق المبين أي: الحق الثابت بذاته، الظاهر في ألوهيته سبحانه وتعالى. والله الحق أي: هو ذو الحق وصاحب الحق البين، فيعلمون يوم القيامة أن الله هو الحق المبين الذي يبين لهم حقائق ما كانوا يعملون في الدنيا، وما كان يتوعدهم عليه فيها فيظهره سبحانه. ثم قال: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور:26]، والخبيثات وصف لمحذوف تقديره: الكلمات، والمعنى: أن الكلمة الخبيثة لا تخرج إلا من إنسان خبيث، والكلمة الطيبة لا تخرج إلى من إنسان طيب. ثم قال: {وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} [النور:26] يعني: لا ينتظر من خبيث إلا كلاماً خبيثاً كلاماً غير طيب. قال تعالى: {وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور:26] يعني: المنتظر من الأناس الطيبين المؤمنين أن يتفوهوا ويتكلموا بالكلام الطاهر الطيب الجميل، فكأن هذه أوصاف للكلمات وأوصاف لأصحابها. ثم قال: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور:26] يعني: أن الطيبين والطيبات بريئون مما يقول هؤلاء المنافقون وهؤلاء الفساق, ومما يرمونهم به من كلام خبيث، كأن المقصود بذلك عائشة رضي الله تعالى عنها وصفوان، فهؤلاء الطيبون، ولا يخرج منهم إلا الطيب، وهؤلاء قد برأهم الله عز وجل مما وقع في أعراضهم من أهل الكذب وأهل النفاق. وقيل: إنها تحمل على ما تقدم قبل ذلك في قوله تعالى: {الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3]. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله)، وكأن المعنى المقصود: أن الزاني المجلود مفضوح أمام الناس؛ فقد شهد عليه أربعة بهذه الجريمة، فإذا كان عاهراً مجاهراً بذلك ولم يتب فلا يجوز لإنسان أن يزوج ابنته الطيبة لمثل هذا الإنسان الخبيث الذي يجاهر بهذا الزنا، أو بهذه الأفعال الفاحشة، فهذا يتزوج امرأة مثله في ذلك. لكن إذا تاب وعلمت توبة، وإذا تابت المرأة وعلمت توبتها، جاز أن يتزوج الرجل وأن تتزوج المرأة، وأما أن يغر إنسان طيب بمثل ذلك فهذا يعد عيباً من العيوب، فلا ينبغي لمسلم أن يتزوج مثل هذه، وإنما يبحث عن المرأة الطيبة كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، فالإنسان المؤمن يتزوج لقضاء وطره، وهذا شيء ولكن ليس هو كل شيء، وإنما يتزوج أيضاً لتكون له أسرة طيبة، وأولاد طيبون ينفعونه في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا ينفعونه بالبر والإحسان، فإذا كبر الإنسان احتاج إلى أولاده، فيكونون بجواره يعينونه على طاعة الله سبحانه وتعالى، فإذا مات دعوا له، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور:21]. فالبيت الطيب ينفع صاحبه والبيت الخبيث يضره دنيا وآخرة، لذلك فالمؤمن يكون حريصاً على أن يكون بيته بيتاً مؤمناً، فيظفر بذات الدين، وإلا فتربت يداه. وقد ذكر بعض أهل العلم عن عائشة رضي الله عنها أنها أعطيت تسعاً لم تعطهن امرأة من نسائه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل فضلها بذلك، فذكر بعض أهل العلم عن عائشة أنها قالت ذلك، وإن كان إسناده ضعيفاً إليها، فمما أعطاها سبحانه: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بصورة عائشة رضي الله عنها حين أمر أن يتزوجها كما صح بذلك الحديث، فنزل في سرقة من حرير وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فكانت عائشة رضي الله عنها زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بإعلام الله عز وجل له في ذلك. كذلك تزوجها بكراً، وما تزوج بكراً غيرها. وكذلك توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها رضي الله عنها، وكانت تقول: توفي رسول الله ما بين حاقنتي وذاقنتي، تعني: على صدرها تحت ذقنها. فلا شك أن لها فضيلة أن يجعل الله عز وجل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون إليها. وقالت: إنه قُبر في بيتها، وهذا موجود حتى الآن، وهو دليل على فضيلة عائشة رضي الله تعالى عنها. والملائكة تحف بيت عائشة رضي الله عنها؛ لأن فيه قبر النبي صلوات الله وسلامه عليه. وإذا كان في أهله لا يأتيه جبريل حتى ينصرف عن أهله، وأما عائشة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معها فجاءه جبريل وبلغها السلام، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ترى ما لا أرى. وتقول: إن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، فما يبعدني عن جسده صلوات الله وسلامه عليه. وقد أنزل الله عز وجل عذرها في كتابه، وبرأها مما قال الكذابون عنها. وكذلك أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال الله عنه: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التوبة:40]. وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وزن إيمانه بإيمان الأمة لوزنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك وعدها الله عز وجل بمغفرة ورزقاً كريماً على أنها إحدى زوجات لنبي صلى الله عليه وسلم، ثم خصها في هذه الآية فقال: {أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في فضلها: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام). وذكروا أيضاً في فضائل عائشة رضي الله عنها: أن يوسف عليه السلام، لما رمي بالفاحشة برأه الله عز وجل على لسان شاهد، فقال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف:26 - 28]. فبرأه الله عز وجل على لسان إنسان قال ذلك، قيل: كان صبياً صغيراً أو كان رجلاً كبيراً فالله أعلم بذلك، فكان على لسان بشر. والمسيح صلوات الله وسلامه عليه لما رموا أمه وقالوا: {لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} [مريم:27]. أنطقه الله سبحانه فقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم:30]، فأجاب عن نفسه وعن أمه. فلما رميت عائشة رضي الله عنها بالإفك برأها الله عز وجل ولم يجعل براءتها على لسان أحد من الناس، لا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، ولا على لسان أحد يدافع عنها، وإنما في كتاب الله عز وجل، بآيات تتلى إلى يوم القيامة، فجعل لها فضيلة أن ذكر شأنها في كتابه في هذه السورة الكريمة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]. هذا أمر من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بالاستئناس والاستئذان، وهذه آية من آيات الآداب التي يجهلها كثير من الناس، وإن علموها فلا يطبقها أكثرهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور:27]. فالبيوت التي هي غير بيتك لها حكم، وبيتك له حكم آخر، فقال: (لا تدخلوا بيوتاً).
القراءات في قوله (بيوتا)
القراءات في قوله (بيوتاً) في هذه الآية قراءتان: قراءة ورش وأبي عمرو وحفص عن عاصم، وجعفر ويعقوب: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور:27] بضم الباء في بيوت. وقراءة باقي القراء: {لا تَدْخُلُوا بِيُوتًا غَيْرَ بِيُوتِكُمْ} [النور:27] بكسر الباء فيها. قال: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور:27]، والاستئناس هو طلب الأنس الذي يكون بين الناس، والألفة التي تكون بيهم، فالألفة تكون بالحديث وبالمودة؛ لأنك إذا اقتحمت على الناس بيتهم يخافون من دخولك، فجعل الله أمرين هنا: أمر الاستئذان بالقول، وكذلك تؤنس هذا الذي دخلت عليه من نفسك فيستشعر الراحة، ويستشعر الألفة والمودة، فيستمع إليك فيما تريد. فالله عز وجل كرم بني آدم فقال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء:70]. فمن تكريم الله عز وجل للإنسان أن خلقه إنساناً يمشي على قدميه، وليس كغيره من الحيوانات التي تمشي على الأيدي والأقدام. وجعل للإنسان عقلاً يفكر به، وجعل له مراكب يركبها، وحمله في البر والبحر، وجعل له بيتاً لراحته، وجعل الأرض كفاتاً للإنسان في حياته ومماته، ففي الحياة هو فوق الأرض، وفي الممات هو في باطن الأرض، وأكرمه الله عز وجل بأن جعله يستتر في الدنيا في البيت، ويستتر في الموت بالقبر، فالبيت سترة للإنسان يقضي فيه حاجته، أو يغير فيه ثيابه، ويتحرر فيها من أشياء تكون أمام الناس قيوداً عليه، وفي بيته يتخفف من ثيابه، وينام كما يشاء. فالبيت مكان راحته، فلذلك جعل لهذه البيوت آداباً بحيث إنه لا أحد يحرج الآخر في بيته ولا يضايق عليه، فخصص الله عز وجل بني آدم بالمنازل، وأما الحيوان فيقضي حاجته في الطريق، والإنسان يذهب إلى بيته فيستتر تكريماً من الله عز وجل له. فستره عن أبصار غيره في بيته، وجعل له الاستمتاع بهذه البيوت على الانفراد، وجعله ملكاً في بيته، وهذه من المنن التي منّها ربنا سبحانه على بني إسرائيل قال: {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة:20]. فليس كل واحد من بني إسرائيل سيكون ملكاً على الناس، وإنما المقصود كالملوك، والملك لا يختلف كثير عن غيره من الناس، فهو يملك بيتاً، وأنت تملك بيتاً، وتملك مالا، وتملك طعاماً وشراباً، وعندك أمن في بيتك. فالله عز وجل جعل للإنسان طعامه وشرابه، وجعل له مكان أمنه في بيته، وملكهم الاستمتاع بها على الإنفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على الإنسان في بيته، ومنعهم من النظر داخل البيت حتى يستأذنوا ويلجوا بإذن، وأما بغير إذن فلا يحل لأحد أن يطلع على بيت أحد بغير إذنه. جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقأوا عينه). ومعنى الحديث: إذا كان الإنسان يتجسس وينظر إلى نافذة إنسان آخر أو من داخل ستارة أو نحوها، جاز لهذا الآخر أن يفقأ عينه ولا دية في ذلك. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً نظر إليه وهو في بيته وبيده مدرى -أي: عود يمشط به شعره صلى الله عليه وسلم- والرجل يتلصص وينظر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقأ عينه به، ثم قال: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) وذلك أن الإنسان له حرية بداخل بيته، فمن حقه أنه يكون له أشياء يسترها عن غيره، وليس من حق أحد أن يتدخل في ذلك. وذكر الإمام الطبري في سبب نزول هذه الآية ما جاء عن علي بن ثابت: (أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد) فالمرأة في بيتها لعلها تخلع شيئاً من ثيابها فلا تحب أن يراها أحد إلا إن يكون زوجاً لها، قالت: (لا أحب أن يراني عليها أحد، وإنه لا يزال يدخل علي الرجل من أهلي وأنا على تلك الحال) يعني: يأتي أبوها يفتح الباب ويدخل، ولعلها تكون متجردة من ثيابها، فيدخل الأب على هذه الحالة، فشكت للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله عز وجل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]. قالوا: والاستئناس بمعنى الاستعلام، أي: طلب العلم، كأنك تعلم من بداخل البيت أنك موجود في الباب، والاستئناس يكون قبل الدخول وبعده، وأما قبل الدخول فيكون بصوت يعلم أن هذا الإنسان موجود بالخارج، ثم إذا كان الآخر يسمع، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ أما بعد الدخول فيكون الاستئناس بالمودة في الكلام، حتى يرتاح الآخر بدخولك عليه. ومن ذلك لما دخل عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد غضب على نسائه واعتزل في مشربة له، فخشي عمر وغيره أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد طلق نساءه، فذهب عمر للنبي صلى الله عليه وسلم واستأذن، فلم يؤذن له إلا في المرة الثالثة، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وجلس فوجد النبي صلى الله عليه وسلم غضبان، فجلس ساكتاً وبعد قليل استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام، فأذن له فتكلم عمر حتى ضحك النبي صلى الله عليه وسلم. فالغرض أن الاستئناس إذا كان قبل الدخول فهو من باب الاستئذان والاستعلام، أو إعلام من في الداخل بوجود هذا الذي في الخارج، ثم يستأذن فيدخل، فإذا دخل فيؤنس أهل البيت بالكلام الطيب الذي يقوله والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [27]
تفسير سورة النور الآية [27] إن الدين الإسلامي دين الآداب، ففيه مراعاة وحفظ لعورات الآخرين، ومما يدلل على ذلك أنه شرع أدباً حث عليه في القرآن الكريم وعلى لسان النبي الأمين وهو أدب الاستئذان، وهذا الأدب فيه حفظ لعورات المسلمين، فتنبغي مراعاته والعمل به والتأدب بآدابه.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور:27 - 29].
وجوب الاستئذان قبل الدخول
وجوب الاستئذان قبل الدخول في هذه الآيات من سورة النور يذكر الله عز وجل لنا آداباً من الآداب الشرعية التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون، فقال: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]، وذكر أن ذلك {خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]، والاستئناس كما ذكرنا في الحديث السابق طلب الإيناس، وهو من الأنس: ضد الوحشة، فتدخل البيت فيأنس بك أهل البيت ولا يستوحشون منك، فينبغي على الإنسان ألاّ يدخل على أهل بيت ويهجم عليهم هجوماً، ولكن يجب عليه أن يستأذن قبل الدخول، ويعلن بأنه على الباب، أو أنه قادم إليهم، فيشعرون بنوع من الأنس وعدم الاستيحاش منه. فقالوا: إن الاستئناس من الإيناس، أي: أن تؤنس غيرك أو أن تجعله يأنس بك ويألفك ولا ينفر من دخولك عليه.
الفرق بين الاستئذان والاستئناس
الفرق بين الاستئذان والاستئناس ذكر الله هنا الاستئناس وذكر الاستئذان، ولكل منهما معنى يختلف عن الآخر، فلذلك قالوا في الاستئناس: أنه قبل دخوله الدار يعلن أنه فلان، أو أنهم يستشعرون منه بصوت ونحو ذلك، فجاء عن أبي أيوب رضي الله عنه ذكر الاستئناس ورفعه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على الرجل أن يتكلم بتسبيحة، أو بتكبيرة، أو يتنحنح، فيأذن له أهل البيت) والمعنى: أن الذي يأتي إلى أهل بيت عليه قبل الدخول أن يعلمهم أنه آت ولا يدخل دون أن يشعرهم بذلك فسيشعر الناس بالوحشة منه، سواءً كان هو صاحب البيت أو غير صاحب البيت. وجاء عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن ابن مسعود كان إذا دخل الدار استأنس فيتكلم ويرفع صوته، ومن في البيت يستشعرون أن أحداً آتٍ فيتهيئون لذلك. وقد جاء عن مجاهد أنه قال: {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} [النور:27] أي: تتنحنحوا أو تتنخموا، وليس الغرض التنحنح ولا التنخم ولكن الغرض أنك لا تدخل البيت فجأة فيفزغ منك أهل البيت، فإذا أردت دخول البيت فعليك أن تؤنس أهل البيت، ثم تسلم عليهم، ثم تدخل. وفي بيتك أيضاً عليك أن تستأنس وتستأذن وتدخل، إلا أن يكون داخلاً على امرأته أو العكس، فيجوز ذلك دون إذن، لكن دخول الابن على أبيه، أو البنت على أبيها أو على أمها، والابن على أمه أو على أخته فكل ذلك لا بد من الاستئناس والاستئذان؛ فإنه قد يدخل على وضع قد يتأذى ويكره صاحبه أن يراه أحد وهو على هذا الوضع. يقول أهل العلم في ذلك: مد الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك لغاية وهي الاستئناس وهو الاستئذان، وإن كان الراجح أن الاستئناس غير الاستئذان. (تستأنسوا) أي: فتعلموا أهل البيت أنكم آتون بأي صورة من الصور، فيصبح أهل البيت يستشعرون أن هناك أحداً موجوداً فيتهيئون، فإذا سلم أجابوا وردوا عليه السلام.
من آداب الاستئذان
من آداب الاستئذان {وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]، والتسليم أنك تستأذن على أهل البيت ثلاث مرات وتسلم فتقول: السلام عليكم أأدخل؟ السلام عليكم أأدخل؟ السلام عليكم أأدخل؟ فإذا أذنوا دخلت، وإذا لم يأذنوا لم يجوز لك أن تفتح الباب وتدخل، قال تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]. وذكرنا قبل ذلك حديث أبي موسى الأشعري مع عمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما، فقد أرسل عمر إليه فذهب أبو موسى واستأذن ثلاثاً، ولم يأذن عمر رضي الله عنه؛ لأنه كان مشغولاً، فبعد الثالثة انصرف أبو موسى الأشعري، فقال عمر بن الخطاب: ألم أسمع صوت الأشعري؟ فقالوا: بلى، فقال: علي به، ائتوا به، فأتوا بـ أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فسأله عمر رضي الله عنه: ما منعك أن تأتينا؟ فقال: أتيت فسلمت ثلاث مرات فلم ترد علي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع) فأراد عمر رضي الله تعالى عنه أن يستيقن من ذلك فأمره بأن يأتي بمن يشهد له بذلك، فجاء أبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وشهدا له بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. فعلى ذلك إذا استأذن الإنسان على أهل بيت فليستأذن ثلاث مرات وهذا أقصى ما فيه، وليس له أن يزعج أهل البيت بأكثر من ذلك، فإذا أرادوا أن يردوا عليه ردوا، وإذا لم يردوا عليه رجع وانصرف إلا أن يستيقن أنهم لم يسمعوا استئذانه فله أن يستأذن أكثر من ثلاث مرات، ولكن إذا سمعوا ولا يريدون مقابلتك فارجع، والله عز وجل يقول: {وإَذْا قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:28]. فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً من بني عامر استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في البيت فقال الرجل: أألج؟) يعني: أأدخل، وهذا ليس من أدب الاستئذان؛ فالأدب أن يبدأ بالسلام. وجاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه)، ولأن ذلك {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور:28] كما قال الله عز وجل. يقول العلماء: إنما خص الاستئذان بثلاث؛ لأن الغالب من الكلام أنه إذا كرر ثلاثاً سمع وفهم؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، أي: إذا تكلم بكلمة وأراد أن يحفظوا هذه الكلمة أعادها ثلاثاً حتى يحفظوها، فالعادة أنه إذا تكرر الشيء ثلاث مرات فإنه يكفي فهماً وعرفاً، فالذي يستأذن ثلاث مرات يعرف أنه يستأذن فإما أن يسمح له بالدخول وإما ألا يسمح له. وأيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم: (كان إذا سلم على قوم سلم ثلاثاً)، وهنا لعل القوم عدد كبير فيريد أن يسمع الجميع فيسلم ثلاثاً، فلعله يظن أنهم مشغولون فلا يسمعون في المرة الأولى، فيسلم الثانية ويسلم الثالثة صلوات الله وسلامه عليه؛ ليسمع الجميع. يقول أهل العلم: فإذا لم يؤذن له بعد الثالثة فقد ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، فإذا ما أذن بعد ثلاث مرات - سواء كان الاستئذان بالتسليم، أو بالطرق على الباب، أو برن جرس الباب - فأهل البيت لا يريدون دخول هذا الضيف. قالوا: أو لعله يمنعه من الجواب عذر، فربما أن صاحب المنزل في دورة المياه فيتأذى من كثر طرق الباب. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذهب إلى أحد الصحابة وهو عتبان بن مالك رضي الله عنه فأتاه صلى الله عليه وسلم واستأذنه، فخرج الرجل مستعجلاً، في رواية (أنه خرج يجر إزاره)، كأن الرجل كان يغتسل أو كأنه كان قد أتى أهله، فلما سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم لبس ثيابه وأسرع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلنا أعجلناك)، وهذا من أدب النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ولم يرد هنا أنه استأذن أكثر من ثلاث، أو أنه أمر الرجل بالخروج حالاً، ولكنه استأذن صلى الله عليه وسلم فسمع الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فخرج متعجلاً. وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه أتى سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه فاستأذن فسلم صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات يسمعه سعد بن عبادة ولا يجيب إلا في سره -يعني: يستكثر من تسليم النبي صلى الله عليه وسلم عليه- ولما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الثالثة انصرف عليه الصلاة والسلام، فخرج سعد رضي الله عنه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه السلام جهراً، وقال: إنما أردت أن أستكثر من تسليمك -يعني: أحبينا أنك تكثر من السلام علينا؛ من أجل أن ينالنا بركة هذا السلام- ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم معه). وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ترك الناس العمل بالاستئذان. وكأنه يقصد في زمنه رضي الله عنه أن الناس تركوا العمل به؛ لوجود الأبواب على البيوت، فأصبح الذي في الداخل لا يسمع صوت التسليم فيحتاج أن يطرق الباب، فكأن هذا معنى كلام ابن عباس. فقال العلماء: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب فيصعب على الإنسان في هذه الأزمنة أن يأتي على باب العمارة مثلاً ويقول: السلام عليكم أأدخل؟ وهذا لن يسمعه أحد، فعليه أن يرن جرس الباب. وجاء عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم السلام عليكم). وهذا من الأدب، فأنت حين تطرق على الباب أو ترن الجرس ولا تقف بوجهك أمام باب الشقة؛ فلعل امرأة تفتح الباب فتنظر للداخل، أو لعل صاحب البيت يفتح فتنظر إلى داخل البيت، ولكن يجب أن تقف عن يمين أو عن شمال الباب بحيث يكون وجهك تلقاء الحائط وليس تلقاء الباب. وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك؛ بسبب أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور، فإن كان الباب مغلقاً فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن وإن شاء دق الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حائط بالمدينة على قف في البئر، فمد رجليه في البئر، فدق الباب أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني للحاجب-: ائذن له، وبشره بالجنة). فكان النبي صلى الله عليه وسلم في حائط، أي: في بستان جالساً على بئرٍ، وكأن الجو كان حاراً فأراد أن يبرد رجليه بداخل البئر صلوات الله وسلامه عليه، والبستان له باب، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فطرق الباب لأنه أتى من بعيد وطرق الباب حتى يسمع من بالداخل. يقول الإمام القرطبي: صفة الدق أن يكون خفيفاً بحيث يُسمع، ولذلك ثبت في حديث عن أنس بن مالك قال: (كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافر) أي: أن الصحابة لما كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يطرقون الباب بأكفهم، ولكن يطرقون الباب بأظافرهم، وهذا من الأدب. ويتحكم في مثل هذا الشيء اختلاف المكان، وبحسب سماع أهل البيت.
ذم قول الطارق: (أنا)
ذم قول الطارق: (أنا) ومن الأدب أن الذي بداخل البيت إذا سأل من؟ فعلى الطارق أن يقول: فلان، أو يقول: أنا فلان، لكن لا يقول: أنا فقط، فالذي بداخل البيت لا يعرف من يكون الذي بخارجه، فقد جاء (أن جابراً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقال جابر رضي الله عنه: فقلت: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا أنا، كأنه كرهها)، إذاً فالأدب أن يقول الإنسان: أنا فلان. وجاء عن عمر بن الخطاب (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله! أيدخل عمر؟)، فالاستئذان يجب أن يذكر صاحبه اسمه. وكذلك في التلفون فبعض الناس أحياناً عندما يتكلم لا يذكر اسمه ظناً أن الذي يتكلم معه يعرفه، فهذا مما لا ينبغي، فعلى الإنسان أن يتواضع، وأما الذي يستكبر فيحس أن كل الناس يعرفونه بمجرد أن يتصل بالتلفون، فالإنسان يجب عليه أن يتواضع ويستشعر في نفسه أن غيره أفضل منه، فمن تواضع للناس يرفعه الله سبحانه وتعالى، قال عليه الصلاة والسلام: (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه الله). وقد جاء عن الصحابة والتابعين آثار في هذا الأمر: فـ أبو موسى الأشعري جاء إلى عمر بن الخطاب يستأذن وقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعري ثلاثاً، فيذكر نفسه، فربما ما سمع الأولى فيسمع الثانية أو الثالثة، فذكر اسمه ووصفه رضي الله تبارك وتعالى عنه. وذكر الخطيب البغدادي في جامعه عن علي بن عاصم الواسطي قال: قدمت البصرة فأتيت منزل شعبة بن الحجاج رضي الله عنه، وهو من أمراء وأئمة المؤمنين في الحديث، قال علي بن عاصم: فدققت عليه الباب، فقال شعبة: من هذا؟ قال: فقلت: أنا، فقال شعبة: يا هذا ما لي صديق يقال له أنا! ما أعرف أحداً اسمه أنا، ثم خرج إلي رضي الله عنه. وذكر عمر بن شبة حدثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن عبيد الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. وجاء عن كثير من السلف كراهة أن يصف الطارق نفسه ويقول: أنا، ولكن يقول: أنا فلان، أو يقول: فلان. وجاء في سنن أبي داود: (أن صفوان بن أمية أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلبن وجدايا وضغابيث، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة -أي: أرسل إليه بلبن ولحم ضباء غزلان وضغابيث وهي قثاء- فدخل الذي أتى بالهدية ولم يسلم -فلم تشفع له الهدية التي أتى بها- فقال له صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليك). وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه). وجاء عن أبي هريرة قال: إذا قال الرجل: أأدخل؟ ولم يسلم، فقل: لا، حتى تأتي بالمفتاح وهو: السلام عليكم. فالذي يريد أن يدخل يأتي بمفتاح الدخول وهو: الاستئذان مع التسليم. وجاء عن حذيفة أنه جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت -بسبب أن الباب كان مفتوحاً- فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال حذيفة رضي الله عنه: أما بعينك فقد دخلت، وأما استك فلم تدخل، أي: ما دخلت وقعدت بمقعدتك ولكن بعينك قد دخلت. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: أنه اطلع رجل من جحر في حجرة للنبي صلى الله عليه وسلم ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدراة يحك بها رأسه - أي: كان معه عود يحك بها رأسه صلى الله عليه وسلم، والرجل ينظر من خرم في الجدر على النبي صلى الله عليه وسلم- فقال صلى الله عليه وسلم: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر). يقول الإمام القرطبي هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي تسكنه الذي فيه أهلك فلا إذن عليك، إلا أنك تسلم إذا دخلت، وعند الدخول على المرأة يفضل أن يستأنس؛ لعله يرى منها ما يكره، كأن تكون المرأة في غير حالة الاستعداد لأن يراها الزوج، فلعلها تتأذى بهذا الشيء، فقد كان ابن مسعود يقول: السلام عليكم حتى يشعروا أنه موجود، فتقوم زوجته تتهيأ لاستقبال زوجها، وخاصة إذا كان قادماً من سفر. يقول قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك؛ فهم أحق من سلمت عليهم، فإن كانت التي تدخل عليها أمك أو أختك قالوا: تنحنح واضرب برجلك؛ حتى تنتبه لدخولك. قال قتادة: لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها -ويقصد بالأهل: الزوجة- قال: أما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها. ولذلك قال مالك رحمه الله: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما. روى عطاء بن يسار (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال: نعم. قال: إني أخدمها -يعني: أستأذن وأنا أخدمها؟ - فقال: استأذن عليها. فعاوده ثلاثاً، فقال: أتحب أن تراها عريانة؟ فقال: لا. قال: فاستأذن عليها)، الحديث رواه مالك في موطئه بإسناد رجاله ثقات، ولكنه مرسل عن عطاء، وعطاء بن يسار من كبار التابعين. وإذا دخل بيتاً وليس فيه أحد فيستحب أن يسلم على نفسه؛ لعموم قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61]، فاستحب أهل العلم أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال قتادة: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه يؤمر بذلك، وهذا صح عن ابن عمر رضي الله عنه، ورواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه ابن أبي شيبة بسند حسن عن ابن عمر رضي الله عنه بهذا المعنى: إذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد فقل ذلك، وليس على سبيل الوجوب، ولكن استحباباً، وذُكر أن الملائكة ترد عليهم. قال الله عز وجل: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27] يعني: هذا التسليم والاستئناس أخير وأفضل لكم {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]، والذكرى ضد النسيان، وتتذكر أي: تتعظ، وفيها قراءتان {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]، وهي قراءة حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، و (لعلكم تذَّّكَّرون) بالإدغام وهذه قراءة باقي القراء، والمعنى أنك تتذكر بهذه الموعظة فلا تنساها، فتعمل بها فتؤجر عليها. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [27 - 30]
تفسير سورة النور [27 - 30] من أهم ما جاءت به الشريعة إتمام مكارم الأخلاق، والأمر بمحاسن الآداب، ومنها: أدب الاستئذان، الذي بتطبيقه يستأنس الإنسان بصاحبه، ويحفظ عينه عن الوقوع في نظر ما لا يحل له فيؤذي بذلك قلبه ويؤذي صاحبه، إلا أن البيوت التي فيها منفعة للإنسان ولا يوجد فيها ما يثير الفتنة ومكامن الشهوة فلا بأس ألا يستأذن فيها؛ لأنه إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]. في هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى أدباً من الآداب يعلمه للمؤمنين في (حالة إتيانهم) بيوتاً غير بيوتهم، وذلك أنهم يستأنسون ويستأذنون ويسلمون على أهلها، قال: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27]، فهنا ذكر الاستئذان والتسليم على أهل البيت كما قدمنا قبل ذلك، ثم قال: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور:27]، {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور:27] وكذلك إذا كان يوجد لك محارم في هذا البيت وأردت أن تدخل فتستأذن أيضاً على الدخول على المحارم، إلا أن تكون الزوجة فهنا لا يجب الاستئذان في الدخول على الزوجة، والعكس الزوجة مع الزوج وإنما هذا الأفضل، فالأفضل أن يستأنس وألا يفزع أهل البيت بأن يدخل فجأة عليهم. {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا} [النور:28] يعني: في هذه البيوت إذا لم تجدوا أحداً فيها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم. ومن الآداب أن الإنسان إذا جاء بيتاً واستأنس واستأذن وسلم ولم يرد عليه، وعلم أنه يوجد أحد بداخل البيت فطالما لم يؤذن له فليس له أن يدخل هذا البيت. {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} [النور:28]، فالبيوت لها حرمات، فعلى ذلك فليس من حقك أن تدخل بيتاً غير بيتك حتى تستأنس، وتسلم على أهله، ويؤذن لك بذلك. جاء عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري هذه الآية -يعني: قوله سبحانه: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:28]- فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع وأنا مغتبط. قال سبحانه: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} [النور:28]. وهذا أدب آخر من الآداب أن صاحب البيت قد يقول لك: ارجع، سواء كان له عذر في ردك أو لا، فعليك أن ترجع ولا تغضب قال تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم} [النور:28] يعني: أطيب وأطهر لكم، فحين رجعت بزكاء نفسك طيب الله عز وجل قلبك، وأعطاك الثواب على استجابتك لأمر الشارع الحكيم. فانظر إلى قصة المهاجر السابقة الذي أراد أن يطبق الآية على نفسه، ويتمنى أن يستأذن فيقال له: ارجع، فيرجع بهذا الأجر والثواب الذي قال الله عز وجل عنه: {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور:28]. يعني: أنك استجبت لدين ربنا سبحانه، فترجع وقد طهر الله عز وجل قلبك، وجعل نفسك زاكية، وجعل لك أجراً عظيماً عنده. وهناك فرق بين هؤلاء وبيننا، فنحن إذا ذهب أحدنا إلى آخر فقال له: ارجع، غضب غضباً شديداً، وتألم لذلك، وأما هم فبالعكس تماماً، فهذه الآداب الشرعية لا بد أن نلتزم بها، ودين الله عز وجل يعلم الإنسان المؤمن الذوق، والأدب الراقي، ويعلمه أنه لا يغضب من الحق، وهذا هو معنى الاستئذان فإما أن يسمح لك بالدخول أو لا، فطالما أنك رضخت للإذن فارضخ للجواب. وقد علمهم الله تعالى في الآية الأخرى كيف أنهم يستأذنون على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم إلى طعام، فقال: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب:53]، فالأصل أنه إذا دعاك لطعام أن تذهب في وقت الطعام ولا تذهب قبل ذلك، فإذا كانت الوليمة بالليل فلا تذهب من أول النهار وتنتظر، قال: {وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب:53] أي: بعد ما انتهيتم من الطعام فانصرفوا. وعند الدعوة تذهب على وقتها، فإذا قيل لك: أنا أدعوك للطعام عندي في وقت المغرب، فلا تذهب من العصر. وهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول: {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} [الأحزاب:53]، فالدعوة يليها الدخول بعد الإذن، ثم إذا طعمت فانتشر، ويقول لنا: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} [الأحزاب:53] بمعنى: طبخ الطعام ونضجه، ولكن اذهب في وقت نضج الطعام، فتأكل وتنصرف، وهذا الأدب علمه الله عز وجل للمؤمنين هو مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع غيره عليه الصلاة والسلام. يقول الإمام القرطبي: إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير، يعني: الذي يستأذن سواء كان صغيراً أو كبيراًَ، والذي يأذن سواء كان صغيراً أو كبيراً، فصاحب البيت قد يبعث إليك ابنه يحضرك فيكون قد أذن لك في الدخول فتدخل؛ لأنه وكيل أو مبلغ عن صاحب البيت، وسواء كان هذا الصغير دون البلوغ أو فوق البلوغ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه دون البلوغ وكان يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يخدمه، ومع ذلك يستأذن عليه في دخوله، ويجلس معه ثم ينصرف في قضاء حوائج النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله سبحانه: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور:28] يعني: أن الله يراقبكم ويعلم ما تعملون، فإذا راقبكم وعلم ما تعملون فإنه سيحاسبكم عليه يوم القيامة، وكأنه يهدد الإنسان: أنك إذا لم تلتزم بهذه الآداب الشرعية ولم تلتزم بشرع الله عز وجل فالله يحاسبك على هذا الذي فعلت يوم القيامة. ويكون هذا توعد لأهل التجسس على البيوت, وطلب الدخول على غفلة لفعل المعاصي، والنظر إلى ما لا يحل وما لا يجوز، ولغيرهم ممن يقع في المحظور. فتعلمنا من الآيات كيف نستأذن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، ويعلم أصحابه ألا يستقبلوا الباب بوجوههم، ولكن عن يمين الباب أو عن شمال الباب؛ حتى لا تقع العين على ما في الداخل. ولو أن إنساناً وقف أمام الباب متغافلاً ويقصد أنه إذا انفتح البيت فإنه ينظر إلى داخل البيت، فالله عز وجل يهدده ويقول: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور:28]، فيمكن أن يظهر أمام الناس أنه غافل، لكن ما في قلبه يعلمه الله سبحانه. فمن تجسس على البيوت أو طلب أن يدخل على غفلة من أهل البيت حتى يرى ما لا يجوز له، أو أنه ينظر من خارج البيت إلى ما لا يحل له، فهؤلاء جميعهم الله عز وجل يقول لهم ولغيرهم: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور:28].
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة)
تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور:29] البيوت نوعان: بيوت مسكونة، وبيوت غير مسكونة، فالبيوت المسكونة: إما بيوتكم أو بيوت غيركم، فتتعلم الاستئذان في الجميع، إلا الرجل مع امرأته. وإذا كانت بيوتاً غير مسكونة مثل أن ينزل في فندق مثلاً ويحجز غرفة فإنه يدخلها بلا إذن؛ لأنه ليس بداخلها أحد أصلاً. أو إنسان دخل دورات مياه في الطريق وهي خالية فلا حرج في ذلك. فإذا كانت أماكن فيها منافع للإنسان وليس فيها أحد فلا يوجد إذن ولا معنى للإذن، فيقول: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} [النور:29] يعني: ليس فيها أحد من الناس، ولكن {فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ} [النور:29] يعني: فيها منفعة لك كالدخول لقضاء حاجة أو نحو ذلك. يقول جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع: الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم في ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو جاء ينظر إليها فهذا متاع، وكل منافع الدنيا متاع. والمعنى: أن البيت غير المسكون ليس شرطاً أن يكون معداً للنزول فقط، ولكن قد يكون بيتاً للنزول وليس فيه أحد، أو أنه مكان لقضاء الحاجة، أو بستان، أو طريق يأتيه الإنسان لقضاء حاجة من حوائجه، فليس فيه أحد فيجوز له أن يدخل هذا المكان من غير استئذان. يقول سبحانه: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور:29]، قد يبدي الإنسان الخير والله عز وجل يعلم أنه يضمر الشر، فما خفي على الناس فلا يخفى على الله سبحانه وتعالى، فالله يعلم ما تبدون من خير أو شر، وما تخفون من خير أو شر.
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) أمر الله المؤمنين بعد ذلك ويقول: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المؤمنين بهذا الأمر: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30]، وسورة النور أول ما بدأها سبحانه وتعالى بأن ذكر حد الزاني والزانية، ومن مقدمات الزنا: النظر، فلذلك هنا أمر بغض الطرف، يعني: اخفض بصرك، ولا ترفعه فتنظر إلى ما يحرم، وقلل من النظر إلى الأشياء حتى لا تقع في الحرام، قال تعالى: {يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30]، وما قال: يغضوا أبصارهم وفرق بين يغضوا أبصارهم، ويَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، فالبصر نعمة من النعم، فتنظر إلى ما يحل لك، وتنظر إلى ما تحتاج إليه، وتنظر إلى أشياء فيها منفعة لك، وتنظر فتعلم أن هذا فيه خير لك أم أنه ليس كذلك. والبضاعة تشتريها فتنظر إليها، ولكن إذا وصلت للحرام هنا يقول لك: غض من البصر، ولم يقل: غض بصرك فتبقى دائماً تنظر في الأرض ولا تنظر إلى ما أحل لك، وأبغض النظرات هي النظرات المحرمة، وذلك إذا وجدت الفتن، وإذا وجد ما يحرم على الإنسان أن ينظر إليه من امرأة أجنبية، أو أمرد حسن وغير ذلك مما لا يجوز له أن ينظر إليه، فعلى ذلك يغض بصره في هذه الأحوال، والأصل أنه يباح له أن ينظر إلى ما يحل، فإذا عرض شيء يحرم فنظر إليه فله النظرة الأولى، وعليه النظرة الثانية، كأن يكون الإنسان ماش في الطريق وفجأة رأى أمامه ما يحرم عليه، وهو لم يتعمد ذلك فيغض البصر، فإذا استدام البصر فهنا يأثم على ذلك. جاء في صحيح البخاري أن سعيد بن أبي الحسن قال للحسن بن أبي الحسن أخيه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، يعني: حين يخرجون للجهاد في سبيل الله عز وجل فيصلون إلى الأماكن التي فيها الكافرات فتكون المرأة كاشفة عن وجهها، وعن شعرها، وكاشفة عن صدرها. قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]. وقال قتادة: عما لا يحل لهم. قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31]، فيحفظ الإنسان نظره عن أن يقع في خائنة عين، فينظر إلى ما نهى الله عز وجل عنه، يقول الإمام القرطبي: البصر هو الباب الأكبر للقلب، وأعمر طرق الحواس إليه، فإن نظر الإنسان لشيء فسرعان ما يشتهي قلبه هذا الشيء الذي نظر إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته -يعني: من جهة البصر، فينظر الإنسان ولا يزال ينظر حتى يقع في الشيء المحرم- فيجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إياكم والجلوس في الطرقات)، يحذرهم من أن يجلسوا في الطرقات. فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه)، فطالما أنكم ستقعد في الطريق وليس لكم أماكن أخرى فافعلوا، وقد كان العرب ليس لهم بيوت ولا نوادٍ للجلوس فيها، وكانت بيوتهم ضيقة، فكان المكان الذي يجتمعون فيه إما المسجد وإما الطريق، فيجتمعون في الطريق، فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقالوا: ما لنا منها بد، أي: نحن نحتاج لهذا من أجل أن نتحدث في أشياء، أو يرشد بعضنا بعضاً، فقال: (فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقه، قالوا: ما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فهذه خمسة حقوق للطريق، فالمار في الطريق يحرم عليه أن ينظر إلى ما حرم الله عز وجل، والذي يحط في الطريق أشياء يحرم النظر إليها يأثم إثماً عظيماً؛ كأن يخرج الرجل ابنته أو امرأته متبرجة إلى الطريق، أو يعلق صور نساء عاريات في الطريق، فإذا كان النظر إلى ذلك حراماً، فالذي يجعل ذلك أشد إثماًَ، وواقع في الحرمة الشديدة بسبب ذلك. ثم قال: (وكف الأذى) أي: أنك لا تؤذي أحداً من المسلمين، والدين يعلمك أنك تكون رفيقاً لا عنيفاً، وترشد الناس برفق، فتأمر بالمعروف تبتغي أن يهدي الله عز وجل الناس بك، وتنهى عن المنكر حتى يقل، وإذا كان النهي عن المنكر سيسبب منكراً أكبر فلا داعي للنهي عنه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وعلمهم ربنا سبحانه وتعالى فقال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125]. ومن حقوق الطريق: رد السلام، فإذا مر بك إنسان وسلم عليك وجب عليك أن ترد عليه السلام. وقد جاءت أحاديث أخر بحقوق أخرى مثل: إرشاد الطريق، وإعانة الإنسان الذي يحمل شيئاً على دابته، أو يحمل على ظهره فتعينه على ذلك، وتغيث الملهوف والمحتاج. جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سأله عن نظر الفجأة، فقال صلى الله عليه وسلم: (اصرف بصرك)، وقال: (لا تتبع النظرة النظرة) يعني: لو فرضنا أنك كنت ماشياً فوقع بصرك على شيء محرم فتغض البصر ولا تنظر مرة أخرى، قال: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية). قال الإمام الأوزاعي: حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان وهو أحد التابعين، فلما نظر إليها راجع نفسه ولطم نفسه على عينه ففقأها. ثم قال لعينه: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك. فلقي أبا موسى الأشعري الصحابي الفاضل الفقيه رضي الله عنه، فقال له أبو موسى: ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب. يعني: أنت نظرت والعين أداة، ولكن القلب والعقل هما اللذان يوجهانها، وليس مطلوب منك ذلك، فقد ظلمت عينك فإن لها أول نظرة، وعليها ما كان بعد ذلك. قال الأوزاعي: وكان غزوان ملك نفسه، فلم يضحك حتى مات رضي الله وتعالى عنه. يعني: كان يتعهد نفسه بالتأديب أنه لا يضحك فيما لا يليق مثلاً، أو أنه من شدة خوفه من الموت والحساب كان يحاسب نفسه على أعماله وأقواله وضحكاته. وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، فالإنسان المؤمن إذا نظر إلى شيء يحرم عليه من صورة إنسان أمرد فعليه أن يغض البصر، وكما يقال: النظرة سهم من سهام إبليس. فكلما نظر الإنسان إلى شيء وأطال النظر إليه أورث في قلبه نوعاً من العشق لهذا الشيء، وشيئاً فشيئاً حتى يقع في الحرام، والقلب والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، لذلك فالإنسان الذي في البرّ لا يدخل نفسه في اللجة فيغرق. فإذا نظر إلى الشيء فالعين تستحلي النظر، والقلب يدفع إلى ذلك ولكن إذا غض البصر من أوله عصمه الله عز وجل، وأورثه في قلبه إيماناً، وأذاقه الله عز وجل حلاوة الإيمان في قلبه بذلك. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى طاعته وغض أبصارنا وكف أيدينا، وحفظ فروجنا، نسأل الله عز وجل أن يعيننا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة على جنته.
تفسير سورة النور [30 - 31]
تفسير سورة النور [30 - 31] يأمر الله سبحانه المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عن الحرام؛ لأن البصر هو بوابة الوقوع في كبيرة الزنا، وبيَّن سبحانه أن غض البصر أزكى للمؤمن وأطهر لقلبه؛ لأن المؤمن إذا فعل الطاعات واجتنب المعاصي والسيئات زكت نفسه وطهرت، ولأهمية غض البصر أمر الله عز وجل المؤمنات بأمر خاص أن يغضضن من أبصارهن، مع أنهن قد دخلن بالتبع في قوله: (قل للمؤمنين).
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)
تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:30 - 31]. لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، وأن يحفظوا فروجهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]، فهذا أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر أمته بغض البصر. وغض البصر: هو خفض البصر وعدم النظر إلى ما حرمه الله سبحانه وتعالى، وبدأ بذكر البصر لأن البصر يوصل الإثم إلى الفرج، فغض البصر يجعل في قلب الإنسان الإيمان، ويحصنه من الوقوع في الزنا؛ لأن البصر يرسل النظرة إلى النفس فتتشهى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فبدأ بالسبب الذي يؤدي للنتيجة وهي الوقوع في الفاحشة. وكلمة المؤمنون يدخل فيها الذكور بالأصل والإناث بالتبع، وكذلك نقول لمجموعة من الناس: هؤلاء مسلمون، فهذه الكلمة وإن كانت جمع للذكور لكن يدخل تحتها الإناث، وإنما غلب الذكور، فكان من الممكن أن يكتفى بذلك وتكون الآية للمؤمنين والمؤمنات جميعاً، ولكن الله سبحانه وتعالى ذكر المؤمنين الذكور وذكر المؤمنات حتى لا تظن المرأة أن هذا خطاب للرجال فقط، فأكد أنها مقصودة بالآية التي تليها. قوله: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} توكيد لهذا الشيء، وقد ورد في القرآن أوامر يأمر الله عز وجل المؤمنين بها بصيغة: يا أيها الذين آمنوا فيدخل فيها الرجال والنساء، ولكن عندما يكون الأمر أمراً خطيراً يحتاج لأن ينبه عليه الجميع، وأن كل إنسان سيسأل عن هذا الأمر يوم القيامة، فإنه يذكر الرجال ويذكر النساء، فهنا السورة في أولها ذكرت الزانية والزاني، ولو كان ذكر الزاني فقط لعرفنا أنه يدخل فيه الزانية أيضاً، ولكن للتأكيد على أن الرجل الذي يقع في هذه الفاحشة مسؤول يوم القيامة والمرأة كذلك، وحتى لا يكون لأحد عذر ذكر الله الرجال والنساء، وعندما جاء ذكر حكم كبيرة من الكبائر قال الله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة:38]، فنص على الرجل ونص على المرأة، وكذلك عندما تظن البعض من المؤمنات أن الرجال مذكورون في القرآن وحدهم بأن لهم أجراً كبيراً، والنساء بالتبع تأتي الآية وتقول: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} [الأحزاب:35] إلى آخر هذه الآية، فيذكر الرجال ويذكر النساء، ولو ذكر الرجال لكفى ويدخل تحته النساء، ولكن لبيان أن هؤلاء يثابون، وأيضاً هؤلاء يثبن على ما يفعلن من الأعمال الصالحة، ومن هذا الباب جاء التأكيد وأن كل إنسان رجل كان أو امرأة سيسأل يوم القيامة عن هذا الأمر، فالرجل مطلوب منه غض البصر، والمرأة أيضاً مطلوب منها غض البصر. (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)، حفظ الفرج: هو أن يستره عن أن يراه من لا يحل له أن ينظر إليه، والمعنى الآخر: ستر الفرج عن الوقوع في الفاحشة. فعندما قال الله تعالى: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) لأن بصر الإنسان حاسة يحتاج إلى النظر بها رجلاً كان أو امرأة، ولكن الفرج الأصل فيه الستر والحفظ فلم يقل: ويحفظوا من فروجهم، ولو قال ذلك لكان معنىً صحيحاً، لأن الإنسان يحفظ فرجه إلا عما يحل له، ولكن لما كان الأصل في النظر أن ينظر الإنسان، قال: (يغضوا من أبصارهم) أي: بعضاً من هذه الأبصار، وهو النظر المحرم، ويباح ما سوى ذلك، لكن الفرج على العكس من ذلك، فالأصل فيه الستر والحفظ، فلم يقل: (من فروجهم) ولكن قال: (وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ). قوله: (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (ذَلِكَ): أي: الغض والحفظ. (أَزْكَى لَهُمْ) أي: أطهر لهم، والإنسان كلما عمل طاعة زكى نفسه، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9 - 10]، وكلما زكاه الله عز وجل وطهره أورثه إيماناً في قلبه، والإيمان يزيد وينقص، فيزيد الله عز وجل المؤمنين هدىً، ويزيدهم إيماناً بطاعتهم له سبحانه وتعالى، وينقص الإيمان بمعصية الإنسان لربه سبحانه، ولا يزال الإيمان ينقص حتى يضيع بالكلية، لذلك فالمؤمن يحرص على المحافظة على إيمانه بطاعة الله سبحانه، وعلى أن يزداد إيمانه بذكره لله سبحانه وبالعمل الصالح، فغض البصر يجعل للإنسان في قلبه نوراً، ولذلك جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي فالإنسان العاصي يبتعد عنه نور الإيمان، والإنسان المطيع يمتلئ قلبه نوراً، فيعرف ما الذي يفعل ويعرف ما الذي يجتنب. (ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ) أي: غض البصر، وحفظ الفرج. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ) الخبرة: هي العلم الدقيق بخفايا الشيء وخباياه، وخفايا النفوس وخفايا الأعين، فالله خبير سبحانه وتعالى. (بِمَا يَصْنَعُونَ) بما يصنع الرجل وبما تصنع المرأة، وبما يتصنع الرجل وبما تتصنع المرأة، فالله خبير بما يبديه هذا الإنسان وبما يخفيه، وبما يصنعه لله عز وجل وما يصنعه لغير الله سبحانه وتعالى. وقد جاء في حديث بهز بن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟! قال صلى الله عليه وسلم: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) أي: أن الأصل الستر وحفظ العورة. (فقال: الرجل يكون مع الرجل) وكان أهل الجاهلية لا يستحيون من هذا الشيء. (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن استطعت ألا يراها أحد فافعل) أي إن استطعت أن تستتر ولا يرى سوءتك أحد أبداً فافعل، (قال قلت: فالرجل يكون خالياً؟!) أي: وحيداً في البيت، (فقال صلى الله عليه وسلم: الله أحق أن يستحيا منه من الناس)، فالإنسان يستحيي من ربه سبحانه أن يقعد متجرداً، وإن كان ليس محرماً عليه إذا كان في حمام أو نحو ذلك فتجرد من ثيابه لحاجة، ولكن إذا كان يستحيي من الناس فليستحيي من الله سبحانه وتعالى.
حكم دخول الحمام
حكم دخول الحمام يقول الإمام القرطبي رحمه الله: بهذه الآية حرم العلماء نصاً دخول الحمام بدون مئزر، والمقصود بالحمام هنا: الحمام العمومي، وهو مكان يدخله الناس كلهم يستحمون فيه، وفي الماضي لم يكن هناك حمامات في البيوت، ولم يكن يوجد دورات مياه في البيوت، فكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا أراد أحدهم أن يأتي الخلاء فإنه يخرج إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يرجع إلى بيته، والنساء كن يخرجن من الليل إلى الليل إلى المناصع -مكان- فتخرج المرأة مع امرأة أخرى لقضاء الحاجة، فكان أمراً صعباً جداً، وهذه كانت عادة العرب في أول الأمر، ثم بعد ذلك فتح الله عز وجل عليهم وأصبحت البيوت بها دورات مياه، ولكن كانت المياه باردة فكانوا يحتاجون لتسخين المياه للاستحمام، ولم يكن البيوت يوجد بها هذا الشيء، فكانوا يحتاجون أن يخرجوا إلى الحمام -وهو مكان فيه نار يخرج منها ماء-، فيذهب الناس يستحمون فيه، والحمام مأخوذ من الحميم، والحميم هو اللهب والنار، فكانوا يذهبون إلى المكان الذي فيه الحميم، ليستحموا بالماء الساخن، فكان البعض من الناس يدخلون ويتكشفون في هذا المكان، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولم يكن ذلك مشهوراً عند الصحابة، ولكن لما فتحوا الفتوح بدأوا يذهبون إلى بلاد الشام ويجدون هذه الحمامات، ويذهبون إلى بلاد العراق ويجدون هذه الحمامات ولم يكن معروفاً في المدينة هذا الشيء إلا على سبيل الندرة. فإذا دخل الإنسان حماماً عمومياً فلا بد له أن يستر ما بين سرته وركبتيه. وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة. فذكر في خلوة، وإن وجد إنسان فيه فليكن هذا مستتر والآخر مثله. وصح أن ابن عباس رضي الله عنه أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة، فقالوا: يجوز للرجال أن يدخلوا الحمام بالمآزر، ولكن يستر من سرته إلى فخذه. قالوا: وكذلك النساء للضرورة، ويشدد في أمر النساء، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ترويه أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده! ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل) إن من النساء في زماننا هذا من تنزع ثيابها في الحمام، وفي بيت غير بيتها، ونراها تمشي كاسية عارية، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تهتك الستر الذي بينها وبين الله عز وجل، أي: تستحق من الله أن يفضحها وأن يعاقبها في الدنيا وفي الآخرة، فقال: (إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن عز وجل). وأيضاً جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احذروا بيتاً يقال له: الحمام) الحديث رواه الطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس، وصححه الشيخ الألباني قالوا: يا رسول الله! ننقي الوسخ، قال: فاستتروا) أي: إذا كنت تحتاج أن تذهب إلى هذا المكان فلا بد أن تكون مستتراًَ ولا تكون متجرداً. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وأما دخول الحمام في هذا الزمان فحرام على أهل الفضل والدين. والمقصود بالزمان زمن القرطبي، وقد كان في القرن السابع رحمه الله تعالى. قال: لغلبة الجهل على الناس، واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي مآزرهم أي: أنه يدخل الحمام وعندما يكون في وسط الناس يخلع ثيابه فتبدو عورته أمام الناس، وهذا محرم. يقول رحمه الله: حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائماً وسط الحمام وخارجه بادية عورته، فهذا أمر بين الرجال، فكيف بين النساء؟! لاسيما بالديار المصرية. هذا كلام القرطبي، وأصله من قرطبة، وسكن في صعيد مصر، ومات فيها رحمه الله تعالى، وعندما رأى أشياء كثيرة في مصر قال: لاسيما بالديار المصرية؛ فإن حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، أي: أن الأشياء التي تستر الناس في حماماتهم قد خلت منها الحمامات المصرية، فكيف لو أتى في هذا الزمان ورأى البحار التي بها العري ولا حول ولا قوة إلا بالله.
شروط دخول الحمامات العامة
شروط دخول الحمامات العامة يقول رحمه الله: قال العلماء: فإن استتر فليدخل بعشرة شروط: الأول: ألا يدخل إلا بنية التداوي، أو بنية التطهير عن الرحضاء، أي: أن يكون محتاجاً لهذا الشيء، فإن لم يكن محتاجاً فلا يذهب. الثاني: أن يتعمد أوقات الخلوة أو قلة الناس. فلا يذهب في وقت يكثر الناس فيه؛ لأنه قد يكون منهم من لا يستحيي فينكشف أمام هذا الداخل. الثالث: أن يستر عورته بإزار صفيق، والإزار: هو ثوب يستره من سرته إلى ركبته أو أسفل من ذلك، ومعنى صفيق: أي متين وغليظ. الرابع: أن يكون نظره إلى الأرض، أو يستقبل الحائط؛ لئلا يقع بصره على محظور، أي: إذا ذهب محتاجاً إلى هذا المكان فليكن بصره للحائط أو للأرض؛ حتى لا ينظر إلى شيء محظور. الخامس: أن يغير ما يرى من منكر برفق، فيقول: استتر سترك الله، أي: أن يأمر غيره بالاستتار برفق. السادس: إن دلكه أحد فلا يمكنه من عورته: من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته. السابع: أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس. الثامن: أن يصب الماء على قدر الحاجة. التاسع: إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه، أي: عندما يحب أن يدخل مع الناس فلينتظر إلى أن يأتي أناس محترمون أهل دين فيذهب معهم، بحيث يكون في وسط أناس لهم خلق ودين واستتار. العاشر: أن يتذكر به جهنم، أي: إذا رأى النار تذكر نار جهنم، فيعينه ذلك على الاستتار وعلى غض البصر. هذه الشروط في الحمام المصري الذي يكون مقفلاً فكيف الحال بالبحر المفتوح الذي فيه الرجال والنساء، فممنوع أن يذهب المسلم إلى مثل هذا المكان فيكون في وسط الناس ويقول: أغض بصري! كيف سيغض بصره؟! إلا أن يكون على الصورة التي ذكرها القرطبي أن يذهب في وسط أناس من أهل الخير والتقوى في وقت خال مثل الفجر أو غيره. فالمرء المسلم يخاف من الله سبحانه وتعالى، ويحافظ على نفسه، وعلى دينه، ويغض بصره، ولا يذهب إلى مكان يرى فيه الفحش أمامه ولا يقدر على إنكار شيء منه، وقد عمت الفواحش في الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله يقول في كتابه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، فالإنسان عندما يختلط بأهل السفه وأهل العري يسهل عليه أن يكون مثلهم، فتجده يذهب إلى البحر وينزل في وسط الناس، ويقف بينهم وفخذاه ظاهرتان، فيهين نفسه شيئاً فشيئاً، حتى يهون في نفسه، ويهون عليه دينه، وينسى ربه سبحانه وتعالى. فالمسلم دائماً عصمته في الالتجاء إلى الله عز وجل، وفي كونه مع جماعة المسلمين وإخوانه الصالحين، فإذا ذهب إلى مكان فليذهب إلى المكان الذي به أهل الصلاح، وليحرص على أن يطيع الله سبحانه وتعالى، ويغض بصره؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى شيء سرعان ما يتساهل ويتأول لنفسه حتى يقع في الفاحشة والعياذ بالله، ولنأخذ العبرة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا أخذهم الطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا من قبل)، فتجد الناس يتساهلون في الحرام وفي المنكر وفي العري، ثم يختلط الرجال بالنساء، وبعد ذلك يقعون في الفاحشة، فيأتي العذاب من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا ما نسمع عنه في هذه الأيام، فهناك وباء ظهر في الصين وبدأ ينتشر في شرق آسيا وغيرها، وهو وباء (سارس)، وهو التهاب رئوي، وهو: ميكروب ضعيف جداً، والقضاء عليه في خارج جسم الإنسان لا يستغرق خمس دقائق بكلور أو بغيره، أما إذا دخل جسم الإنسان فإنه ليس له علاج، فلم يجدوا له علاجاً إلى الآن، وقد أخذ ينتشر، فالآلاف من الناس يموتون من هذا المرض، وقد قرأنا في الصحف أن الصين يقولون: نريد أن نرجع إلى تقاليدنا القديمة، فلا داعي لأن يقُبِّل الناس بعضهم بعضاً، لقد بدءوا يعرفون سبب الأمراض، فهم عندما يقبلون بعضهم يقعون في الفواحش فيبتليهم الله عز وجل بالأمراض، فمرض الهربس والسيلان والإيدز يأتي من المباشرة الجنسية، فقالوا: لا بد من وضع واقٍ لكي لا يأتي بالمباشرة، ولكن هذا الميكروب أصبح ينتقل إليهم عن طريق التنفس، يخادعون الله سبحانه وتعالى وهو خادعهم، ويريدون أن يعجزوا ربهم سبحانه وتعالى؟! وهيهات أن يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وقد قالت وزيرة الصحة الصينية ونائبة رئيس الوزراء: نريد أن نرجع إلى التقاليد القديمة، لا داعي لأن يقبل أحدنا الآخر، لا داعي حتى أن يصافح أحدنا الآخر، يريدون أن يسلموا بالإشارة فقط، لقد بدءوا يعرفون أن الفاحشة التي يقعون فيها هي التي تجلب لهم المصائب والأمراض، وكلما كثرت الفواحش في الناس ابتلاهم الله عز وجل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها)، وأما إذا كانت الفاحشة مستترة فإن الله قد يستر على عباده، حتى إذا أعلنوها بين الناس ضربهم الله بالطاعون والأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع) [30 - 31]
تفسير سورة النور (تابع) [30 - 31] من حكمة الله عز وجل أن أمر بغض البصر وحفظ الفرج؛ حتى لا تشيع الفاحشة وتنتشر الجريمة، وحتى يتمكن الإنسان من غض بصره وحفظ فرجه عن المحرمات أمر الله عز وجل النساء بعدم الخروج سافرات، ونهاهن عن التبرج حتى لا يفتن بهن الرجال، وسداً لذريعة الفساد، وإغلاقاً لأبواب الفتن.
الأمر بغض البصر وحفظ الفرج
الأمر بغض البصر وحفظ الفرج الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:30 - 31]. في هاتين الآيتين من سورة النور يأمر الله عز وجل المؤمنين رجالاً ونساءً بأمرين: غض الأبصار، وحفظ الفروج. ثم ذكر للنساء مزيد تأكيد في ذلك فقال: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] إلى آخر ما ذكره سبحانه وتعالى. ففيه أن هذا الدين العظيم جعل حدوداً للإنسان، وليس من حق الإنسان أن يقتحم هذه الحدود التي جعلها الله عز وجل حماية له ولغيره، فبصر الإنسان خلقه الله عز وجل لينظر به إلى ما ينفعه، وحرم عليه النظر به إلى ما يضره، فليحذر الإنسان وليغض بصره، كما أمر الله عز وجل بقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30]، ولم يقل: قل للناس، ولكن قال: قل للمؤمنين، تهييجاً لداعي الإيمان في القلوب، فإذا كان العبد مؤمناً فسوف ينفذ ما أمره الله عز وجل به. وقوله: (يغضوا من أبصارهم)، (ويغضضن من أبصارهن) أي: من بعض النظر وليس من جميع النظر، وإلا فالعين خلقت لكي تنظر وتبصر، ويتأمل بها الإنسان ما يريد أن يتأمله، ويبصر بها ما يريد أن ينظر إليه. فيكون غض البصر، واخفض الطرف عن الحرام. قال تعالى: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]، وكأن البصر علاقته بقلب الإنسان وبفرجه علاقة شديدة وقوية، فلذلك هنا عقب بعد غض البصر بحفظ الفرج، فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]، ولما كان الأصل في البصر: غض بعضه، قال: عضوا من أبصاركم، ولما كان الأصل في الفرج: الحفظ، قال: احفظوا فروجكم كاملة، فأمرهم بحفظ الفرج عن كل ما حرم الله سبحانه وتعالى إلا ما يباح للإنسان من زوجته أو ملكت يمينه. قال الله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} [النور:30] أي: أطيب وأطهر لهم، وقد مدح الله عز وجل المؤمنين الذين يتطهرون بقول: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222]، وقال عن الذين يزكون أنفسهم ويطهرونها: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس:9]، فيزكي نفسه أي: يطهرها بطاعة الله سبحانه والبعد عن محارمه. {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:10] أي: أوقعها في الرجس والنجس والخبث، وفيما حرم الله عز وجل من المعاصي ومن الذنوب، فالمؤمن يزكي نفسه بمعنى: يطهرها. وفرق بين التزكية التي يريدها الله عز وجل من العبد، والتزكية التي يمنع منها العبد، كما في قوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32] أي: لا تمدحوا أنفسكم بالأوصاف التي فيها المدح، بمعنى: لا تجعل نفسك أفضل من غيرك بهذه الصفات، ولكن الله أعلم بما في القلوب، وهو أعلم بأهل التقوى سبحانه، فقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:10] أي: قد أفلح من زكاها بالعمل وليس بالقول وقوله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [النجم:32] أي: بالأقوال، وبمدح بعضكم بعضاً، فتقطعوا ظهور إخوانكم بهذا المديح الذي لا ينبني عليه إلا العجب والرياء والافتخار، ولكن زكوها بتقوى الله عز وجل، وبفعل الطاعات، فمن كان كذلك فهو مفلح، فيزكيه الله عز وجل ويطهر قلبه، ويعصمه من الشيطان: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30]. وأمر الله المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31]، فبغض الإنسان بصره: يحافظ على فرجه وإيمانه، ويحافظ على قلبه من الشهوات والشبهات؛ لأن الإنسان إذا أطلق لبصره العنان، ونظر إلى ما حرم الله: اشتهى هذا الذي حرمه الله، فوقع في العشق الحرام، وبعد ذلك يستبيح الحرمات التي حرمها الله سبحانه وتعالى.
التحذير من فتنة النساء وما يقع في آخر الزمان
التحذير من فتنة النساء وما يقع في آخر الزمان لقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد ما يخشاه على هذه الأمة هو فتنة النساء، فقال: (اتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). فخاف صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة من النساء، وأمر المرأة بأن تحتجب، وقال: (المرأة عورة)، كما أمرها الله عز وجل ألا تبدي زينتها إلا لمحارمها، فإذا أبدت المرأة زينتها للأجانب عنها أوقعت نفسها في الفتنة، وأوقعتهم في ما حرم الله سبحانه وتعالى، فأوشك الناس أن يستبيحوا للزنا، وهذا هو الحاصل في هذا الزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقد أصبح الإنسان يترخص في شرع الله سبحانه، وينسى دينه، ويقع في المحرمات، رجالاً ونساء، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البزار وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير. قال: قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم، ليكونن)، فلا تقوم الساعة حتى يحدث ذلك، وقوله (يتسافدوا في الطريق) أي: يزني الرجل بالمرأة في الطريق. وهذا ما يحدث في دول الغرب، ففي الحدائق العامة أمام الناس لا يستحي الإنسان أن يأتي المرأة فيفعل بها ما يشاء، طالما أنها بالغة وكبيرة راشدة، فالقانون عندهم لا يمنع من هذا الشيء، وأما بلاد المسلمين - ولا حول ولا قوة إلا بالله - فقد وجدت بعض تلك الصور سواء قلت أو كثرت، فالرجل يحتضن الفتاة في الشارع، ويمشي معها في الطريق، ويضع يده على كتفها، وتتعرى المرأة في الطرقات، وفي البحار، إلى غير ذلك من العري والأشياء الفاضحة التي تحدث هنالك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا - يقعوا في الزنا- في الطريق تسافد الحمير)، كما تفعل البهائم بلا حياء. قال عبد الله بن عمرو: (قلت: إن ذلك لكائن؟) كأنه يتعجب: هل من الممكن أن يحصل هذا الشيء؟ قال: (نعم، ليكونن). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإخبار بما يكون من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله عز وجل يخبره بما يكون، فيخبر الناس، فيكون على ما قاله صلوات الله وسلامه عليه.
ما ينبغي للمسلم فعله حتى يغض بصره ويحفظ فرجه
ما ينبغي للمسلم فعله حتى يغض بصره ويحفظ فرجه روى الترمذي وابن حبان، من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتي أهله؛ فإن الذي معها مثل الذي معها). وهذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وبينه عملاً صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان جالساً مع أصحابه عليه الصلاة والسلام -والنساء في عهده صلى الله عليه وسلم كن محتجبات، فليس هناك امرأة تمشي كاشفة أو عارية، التزاماً بأمر الله سبحانه وتعالى- فتمر امرأة من بعيد، ويقوم النبي صلى الله عليه وسلم ويذهب إلى بيته ويأتي أهله، ثم يخرج إليهم بعد ذلك ويخبرهم أنه رأى هذه المرأة، فذهب إلى بيته وأتى أهله صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يهيجه الشيطان، أو يوسوس له؛ لأن الله قد عصمه من ذلك، ولكنه أراد أن يعلم أصحابه عليه الصلاة والسلام، فأتى أهله، ثم اغتسل، ثم خرج وأخبرهم بما حدث، وكأنه يقول: لا تجعل نفسك تشتهي ما لا تفعله ولا تحصل عليه إلا بطريق الحرام، ولكن اذهب إلى ما أحله الله لك. أما الشباب العزاب فقد قال لهم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء). فعلمهم أن من استطاع منهم تكاليف الزواج، وعنده القدرة عليه فليتزوج: (فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) أي: فإن الزواج يعين المؤمن على أن يغض بصره، وعلى إحصان فرجه. والذي لا يقدر على الزواج فعليه ألا يتمنى ما لا يقدر عليه، ولكن قال له صلى الله عليه وسلم: عليك بالصوم؛ لأن الصوم يقلل ما في نفسه من شهوة، فالغذاء إذا قل قلت شهوة الإنسان، وكثْرة الصيام نوع من تقليل الأغذية. والأمر الآخر أن الصوم يذكر الإنسان بمحارم الله، فيحفظ لسانه وبصره وأذنه ويده ورجله عن الحرام، فإذا بصومه -إذا كان صوماً حقيقاً- يبعده عن ذلك، ويعينه على غض بصره وحفظ فرجه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يتزوج، والأمر بالزواج هنا للاستحباب، ولكن إذا خشي الإنسان على نفسه الوقوع في الفتنة وعنده قدرة على الزواج وجب عليه أن يتزوج؛ حتى يحصن فرجه، ويعف نفسه عن الوقوع في ما حرم الله سبحانه. وقوله سبحانه: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31] فيه أمر للنساء أن يحفظن فروجهن، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ فرجك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك). فيجب على المرأة أن تحفظ فرجها إلا من زوجها، كما يحرم عليها وعلى الرجل إبداء ما حرم الله سبحانه وتعالى إبداءه.
حفظ الفرج نوعان
حفظ الفرج نوعان حفظ الفرج -كما ذكرنا قبل- نوعان: الأول الحفظ من النظر، فلا ينظر إليه أحد. والثاني: الحفظ من الوقوع في الحرام، ولذلك مدح الله عز وجل المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون:5] فهذا هو الأصل، {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون:6] أي: أن الرجل يحفظ فرجه إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه، فله أن يملك الأمة فيطأها ويكون له منها الولد، أما المرأة فإنها تحفظ فرجها إلا من زوجها فقط، وأما ما ملكته يمينها فلا يجوز لها معاشرته. والآن وفي زماننا لا يوجد إماء ولا عبيد، وعلى ذلك فيجب على الرجل حفظ فرجه إلا من زوجته فقط، والمرأة كذلك مع زوجها.
الأمر بالحجاب وعدم إظهار الزينة
الأمر بالحجاب وعدم إظهار الزينة قال الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، وهذا يدل على أن زينة المرأة: زينة ظاهرة، وزينة باطنة. فالزينة الظاهرة: كالثياب ونحوها، فعندما تمشي المرأة في الطريق لابسة ثيابها فإنها تكون معذورة في إبداء هذه الزينة.
اختلاف أهل العلم في كشف الوجه والكفين
اختلاف أهل العلم في كشف الوجه والكفين واختلف العلماء: هل للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها للأجانب؟ مع اتفاقهم على أن المرأة إذا خشي منها الفتنة وكانت في زمن يكثر فيه الفساق أنه لا بد أن تستر وجهها وكفيها بحيث لا يبدو منها شيء، وفي غير ذلك اختلفوا، فذهب البعض إلى أنه لا يبدو منها إلا الوجه والكفان، وذهب البعض الآخر إلى أنه لا يبدو منها شيء مطلقاً.
أدلة القائلين بجواز كشف الوجه والكفين
أدلة القائلين بجواز كشف الوجه والكفين استدل القائلون بجواز كشف الوجه والكفين بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر قول الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31] بقوله: إن ما ظهر منها هو الوجه والكفان. وجاء أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسر ما ظهر منها، قال: الكحل والسوار والخضاب، وذكر نحو ذلك. وجاء عن عائشة رضي الله عنها ما يؤيد هذا القول فيما رواه أبو داود أن أسماء بنت أبي بكر أخت السيدة عائشة رضي الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنها، وقال: (يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه) صلوات الله وسلامه عليه. فهذا الحديث احتج به من قال: إن المرأة يجوز أن يبدو منها الوجه والكفان. وهذا الحديث اختلف أهل العلم في الاحتجاج به، فأكثرهم قالوا بضعفه، حتى الذي رواه - وهو الإمام أبو داود - ذكر أنه مرسل، وقال: هذا مرسل خالد بن دريك، ولم يدرك عائشة. يعني: أن فيه انقطاعاً؛ لأن راوي الحديث وهو خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها، أي: أنها ماتت رضي الله عنها قبل أن يسمع منها رضي الله عنه، ولأجل ذلك ضعف الحديث. قالوا: وعلى فرض صحته فيكون قبل أن يأمر الله عز وجل النساء بالحجاب في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59]، فالحديث كان في بداية الأمر، وبعد ذلك أمر الله عز وجل بالحجاب. واحتج من أجاز كشف الوجه والكفين أيضاً بما جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في أن الفضل كان رديفاً للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: (يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم. قال: وذلك في حجة الوداع). فقالوا: إذا كان هذا الحديث الأول قبل الحجاب، فإن الحديث الثاني كان بعد الحجاب، ففيه أن الفضل بن عباس كان راكباً خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والمرأة كانت حاجة تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تحج لأبيها، وأن الفضل نظر إليها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لوى وجه الفضل إلى الناحية الأخرى؛ حتى لا ينظر إليها. فالذين قالوا بجواز كشف الوجه احتجوا بأن المرأة كما في الحديث كشفت وجهها.
أدلة القائلين بعدم جواز كشف الوجه والكفين
أدلة القائلين بعدم جواز كشف الوجه والكفين استدل القائلون بعدم جواز كشف الوجه والكفين بأن ينظر إليها لتركه النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليها، وقالوا أيضاً: إن المرأة كانت محرمة، فكأنها أبدت وجهها وكفيها لكونها محرمة، والكلام ليس في الإحرام وإنما في غير ذلك. كما احتج العلماء القائلون بأنه لا يجوز أن يبدو منها شيء بحجة قوية وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) وهذا الحديث رواه الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنهما بسند صحيح. وراوي الحديث هو الذي قال في قول الله تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]: إن ما ظهر منها هو الثياب الظاهرة. والنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (المرأة عورة) لم يستثن شيئاً، فكل المرأة عورة لا يجوز أن يبدو منها شيء. فالعمل بهذا الحديث أقوى، والمرأة يلزمها أن تستتر وخاصة في زمن يكثر فيه الفساق. وفي هذا الحديث: (إذا خرجت استشرفها الشيطان)، فالشيطان: إما شيطان الجن -إبليس وأشياعه- وإما شيطان الإنس. واستشرف بمعنى: رفع البصر إليها، وأصل الاستشراف: أن يضع الإنسان يده على عينه حتى ينظر إلى الشيء البعيد. فمعنى: (استشرفها الشيطان) أي: نظر إليها الشيطان، أو أنه جاء إليها فجعل الناس ينظرون إليها، فكأن الاستشراف هنا إذا كان من شيطان الجن بمعنى: زينها في نظر الناظرين من شياطين الإنس حتى تعجبهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كأنه يحذر المرأة أن تخرج إلى الرجال فينظروا إليها فتفتنهم، وأكثر ما يفتن في المرأة وجهها، وأول شيء ينظر إليه الإنسان من غيره هو الوجه. فعلى ذلك يلزم المرأة أن تستتر في مثل زماننا هذا الذي كثر فيه الفساق، وإن كانت المسألة خلافية بين أهل العلم، هل يجب عليها أن تستر وجهها وكفيها أو يستحب؟! الأحوط هو قول من قال بلزوم ستر الوجه والكفين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان)، والله أعلم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [31]
تفسير سورة النور الآية [31] لقد كرم الله سبحانه وتعالى المرأة المسلمة، وعلمها كيف تصون نفسها، وتعتز بحجابها، فهي محط أنظار أمراض النفوس، وهي فتنة إذا لم تلتزم بأوامر ربها، ولذلك فإن سورة النور تذكر بعض الآداب والواجبات التي على المرأة أن تعمل بها؛ لتحفظ دينها ومجتمعها من الانحلال، ولنساء المسلمين اليوم أسوة بنساء المهاجرين والأنصار بالأمس، وبهذا التأسي يفزن برضا الله سبحانه وجناته.
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]. لقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين والمؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج كما قدمنا قبل ذلك، وزاد هنا للمؤمنات فقال: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}، أي: لا تبدي المرأة زينتها إلا ما ظهر منها.
اختلاف أهل العلم فيما يحرم إظهاره من زينة المرأة
اختلاف أهل العلم فيما يحرم إظهاره من زينة المرأة واختلف أهل العلم في هذه الزينة المذكورة في الأول، وقال بعد ذلك: ((وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ))، فكأن هناك زينة ظاهرة في المرأة يجوز إيداؤها، وزينة أخرى لا يجوز لها أن تبديها وهي زينة باطنة. فالزينة الظاهرة: هي الثياب الظاهرة التي تلبسها المرأة، فلا تملك أن تخفيها، وتحتاج المرأة للخروج لحاجتها، فهذه هي الزينة الخارجة والزينة الظاهرة، فلا ينبغي للمرأة أن تلبس من الثياب ما يلفت إليها النظر، وتتبرج في الطريق بألوان الثياب وتجعل الناظرين ينظرون إليها، ولا يجوز لها أن تلبس شيئاً يصف بدنها، ولكن لا بد أن تستتر بثياب صفيقة غير شفافة، وتكون ساترة لها، وربنا سبحانه وتعالى كرم المؤمنات وجعل المرأة المؤمنة مستترة، فلا ينظر إليها أحد ولا يهينها أحد، فهي مستورة بستر الله سبحانه وتعالى، فتلبس ثيابها، وتتجمل بإيمانها، فهي ثياب الإيمان التي تفرق بين المرأة المؤمنة والمرأة الفاسقة الفاجرة الكافرة، فصان الله عز وجل المؤمنات من أن ينال من أعراضهم، فالمرأة المؤمنة تغض بصرها فلا تقع في الحرام، وهي لا تنظر إلا إلى ما أحل الله عز وجل لها، فلا تنظر إلى رجال أجانب، ولا تنظر إلى عورات النساء أو الرجال، فهي تغض بصرها إلا ما أحل الله عز وجل لها من نظر إلى الزوج أو نظر إلى المحارم فيما يحل، قال تعالى: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)).
اختلاف أهل العلم في نظر المرأة إلى الرجل وفي نظر الرجل إلى المرأة
اختلاف أهل العلم في نظر المرأة إلى الرجل وفي نظر الرجل إلى المرأة وهنا اختلف أهل العلم في نظر المرأة إلى الرجل، فهل يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل؟ نقول: يحرم على الرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا بد أن تستتر المرأة من الرجل إلا في حال الضرورة، فإذا كان في حالة ضرورة جاز للرجل أن ينظر للمرأة، كالمداواة ونحوها إن لم يوجد نساء، فعلى ذلك يجوز أن ينظر إلى ما تدعو الحاجة إليه، لكن غير ذلك لا بد من غض البصر، وحفظ الفرج، وحفظ ما حرم الله عز وجل أن يبدو وأن يظهر، فالمرأة تحفظ نفسها وبدنها، وتحفظ فرجها، وتغض من بصرها، وجاء في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، تقول أم سلمة: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة)، تعني: أنا وميمونة كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، (فأقبل ابن أم مكتوم حتى دخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب)، يعني: بعدما أمر الله عز وجل بالحجاب، (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلن: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما؟) أي: ألستما تبصران؟ هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الترمذي، لكن إسناد الحديث فيه ضعف. ففيه: أن المرأة لا تنظر إلى الرجل، وهذا هو المعنى الصحيح، وجاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها في الصحيحين قالت: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا أسأم، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو). وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ستر عائشة وكانت تنظر إلى الحبشة، وكانت عادة الحبشة في الأعياد أن يلعبوا بالحراب ويرقصوا بها، وقد دخلوا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد، وفعلوا هذا الشيء في مسجده صلى الله عليه وسلم ونظر إليهم، وقال للسيدة عائشة رضي الله عنها: (أتشتهين تنظرين؟) أي: أتحبين أن تنظري؟ وهي لا تريد أن تنظر ولا غيره، ولكن تريد أن ترى قدرها من النبي صلى الله عليه وسلم (فوقفت تنظر وهو يسترها بثوبه صلى الله عليه وسلم، وظل النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى هي التي سئمت) أي: لم يقل لها: كفى، ولكن هي التي سئمت فدخلت، فالسيدة عائشة رضي الله عنها هنا نظرت لذلك، وفي رواية: (أن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد، قالت: فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبه، فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت). فالجمع بين الحديث وهذه الآية: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور:31] أن المرأة لا تنظر إلى الرجل الواحد نظرة تأمل وتفحص فيه، وكونها تنظر إلى مجموعة يلعبون نظرة عامة فهذا جائز يدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها هذا. وأما أن تنظر إلى رجل واحد أو إلى رجال نظرة شهوة ونظرة تفحص فهذا غير جائز؛ لأن ذلك يوقع في قلبها الفتنة كما يحدث العكس للرجال، فهذا هو المنهي عنه. وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث كان والسيدة عائشة صغيرة، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ولها سبع سنوات، ودخل بها ولها تسع سنوات، قالوا: فكانت صغيرة، فيجوز للصغيرة ذلك. والصواب: أنها كانت كبيرة وليست صغيرة، فقد جاء في بعض الروايات أن هذا كان بعد مقدم الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، وكون النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها في المدينة ولها سبع سنوات، ودخل بها ولها تسع سنوات، فإنه سيكون قد مضى من عمرها ست عشرة سنة، إذاً: فالقول: إنها كانت صغيرة قول بعيد، والصواب: أنها جاوزت الست عشرة سنة رضي الله عنها. وأيضاً جاء في حديث لـ فاطمة بنت قيس في الصحيحين، لما طلقها زوجها التطليقة الثالثة، وكأن المرأة لم يكن لها مكان تعتد فيه، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقد كان في البداية أمرها أن تمضي إلى إحدى النساء واسمها أم شريك، امرأة أنصارية، قال: اذهبي واعتدّي عندها، ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المرأة عجوز، ويحضر إليها الكثيرون من الصحابة في بيتها تطعمهم أو تعطيهم شيئاً، والبيت مع ضيقه وهي فيه سيحصل شيء من الحرج حين يقدم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتنظر إليه أو ينظر إليها، فقال: (اعتدي عند ابن أم مكتوم)، وكان ابن عمها وليس محرماً لها رضي الله عنهما، فأمرها وقال: (إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده)، إذاًَ: هو أعمى لا يراها، ولكنها تراه، والضرورة موجودة، فالمرأة ليس لها مكان تعتد فيه، وزوجها طلقها الطلقة الثالثة وليس لها بيت، إذاً: فالأحرى بها أن تذهب عند هذه المرأة العجوز، وهذا من حيث النظر في البداية، ولكن لما كانت هذه المرأة كبيرة وكان الناس يحتاجون إليها ويذهبون إليها في بيتها، والبيت مع ضيقه وحضور الرجال إليها تطعمهم أو تعطيهم شيئاً، سيجعل هذه المطلقة تنظر إلى مجموعة من الرجال. إذاً: الأفضل أن تعتد عند ابن أم مكتوم في بيته، فهو رجل واحد، وإن نظرت نظرت إلى رجل واحد، والرجل سيكون متزوجاً، وعنده أهله في بيته، فعلى ذلك سيكون الأمر أيسر بكثير عند ابن عمها ابن أم مكتوم من أنها تكون عند أم شريك، فلذلك أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تعتد عند ابن أم مكتوم، وعلل ذلك بأنه رجل أعمى تضع ثيابها عنده، يعني: في هذا البيت، فضلاً عن أن ابن أم مكتوم كان ابن عم لها. قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]، واختلف العلماء فيما يظهر من الزينة: فذهب ابن عباس وغيره إلى أن ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان. وجاء عن ابن مسعود وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أن قوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31] يعني: الثياب الظاهرة. وقال أهل العلم: إنه في الزمن الذي يكثر فيه الفساق ويبتعد الناس عن الدين، فلا بد للمرأة أن تستتر جميعها، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم في أنه هل تبدي المرأة الوجه والكفين أم أنها تستر الجميع؟ لكن في زمن الفتنة تستتر المرأة وخاصة إذا كانت جميلة ينظر إليها الناس، فلابد أن تستر وجهها، وتستتر بستر الله الذي أمرها الله به. قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31]، الخُمُر: جمع خمار، والخمار: الغطاء، ومنه: خمرّ الشيء، يعني: غطاه، والخمار هنا المقصود به: الغطاء الذي يوضع على رأس المرأة، فيكون الخمار نازلاً من فوق الرأس فيستر صدر المرأة، وسمى الله صدر المرأة جيباً، وأمر أن تضرب المرأة بالخمار، فينزل من على رأسها ويستر صدرها، وقوله تعالى: {جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] مثل كلمة عيون، وكلمة بيوت في القرآن، فإنها تقرأ بالضم وتقرأ بالكسر، فتقرأ بُيوت وبِيوت، شُيوخ وشِيوخ، عُيون وعِيون، جُيوب وجِيوب، وابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي يقرءونها بالكسر، وبقية القراء يقرءونها بالضم.
سبب نزول قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)
سبب نزول قوله تعالى: (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر، يعني: كانت المرأة في الجاهلية تضع خماراً على رأسها وتجعله وراءها، فيبدو من الأمام صدرها، فهذا مثل جاهلية اليوم تجد المرأة تمشي وصدرها منكشف، فكان أهل الجاهلية على هذا الشيء. وكانت المرأة في الجاهلية لا تبالي أن يظهر منها شعرها، أو أن يظهر منها أذنها وقرطها، أو يبدو خلخالها، بل كانت تمشي في الطريق لابسة خلاخيل في رجليها فتضرب برجلها حتى يسمع صوت الخلخال وهي ماشية، فينتبه إليها الناس وينظرون إليها، فحذر الله عز وجل المؤمنات من الوقوع في ذلك. فقد ذكر الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (رحم الله نساء المهاجرات الأول، لما نزل: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] شققن أزرهن فاختمرن بها)، وكذلك نساء الأنصار، فجاء عنها رضي الله عنها في صحيح البخاري أنها قالت: (لما أنزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها) يعني: أخذت الإزار الذي تلبسه فشقته من قبل الحاشية، أي: البطانة، فقد كان الثياب عندهن قليل، فنزلت الآية بالأمر بحجاب المرأة. وأيضاً جاء في حديث ذكره ابن أبي حاتم عن صفية بنت شيبة قالت: (بينا نحن عند عائشة رضي الله عنها قالت: فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلاً، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] لما نزلت هذه السورة انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان) تعني: أن كل واحدة بحثت عن الذي عندها من إزار أو مرط أو غيره، فتغدو وتجعله فوق رأسها وتغطي به صدرها، وتذهب لتصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الفجر، ففي الليل عرفن ذلك، وفي الفجر ذهبن يصلين مع النبي صلى الله عليه وسلم كما تقول السيدة عائشة: أنها نظرت لمنظر النساء وكأن الغربان على رءوسهن، يعني: فقد وضعن على رءوسهن أشياء من الثياب السوداء ونحو ذلك، ومعروف أن الغراب أسود، أو المقصد: أن المرأة كانت تجعل الثياب على رأسها وتبالغ في إخفاء رأسها. وورد في رواية أخرى عن عائشة عند أبي داود قالت: (يرحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها)، فدل على أن كلاً من المهاجرات والأنصاريات فعلن ما أمر الله عز وجل به حالاً، ولم تقل المرأة: سنفعله تدريجياً كما يفعل نساء هذا الزمان، فتلبس ما تشاء من بنطلون ضيق وتزعم أنها محجبة، وتحط على رأسها ريشة قماش وتزعم أنها طارحة جلباباً، وتخادع نفسها ويغرها الشيطان، وفي النهاية الموت يأتي على الجميع والحساب يوم القيامة.
الدعوة إلى الحجاب وإلى الرجوع إلى تطبيق كتاب الله وسنة نبيه
الدعوة إلى الحجاب وإلى الرجوع إلى تطبيق كتاب الله وسنة نبيه ولذلك على الإنسان المؤمن أن يعلم أهل بيته، ويعلم بناته أن يستترن، وأن يطعن الله سبحانه وتعالى، فالمرأة إذا عصت الله سبحانه وتعالى كانت شؤماً على نفسها وعلى أهل بيتها، وكانت فتنة لغيرها، فلا بد أن يتقي الله سبحانه وتعالى النساء والرجال في البنات وفي الأخوات وفي الأهل. ففي حالات كثيرة تجد الرجل يمشي مع زوجته متبرجة ولا يستحيي من ذلك، وتلاقي المرأة تمشي مع ابنتها والرجل مع ابنته وهي متبرجة، فإن قلت: هذا حرام، قال: لا زالت صغيرة، فكلمة صغيرة ضحك بها الغرب على الشعوب المسلمة، وبدءوا يقولون: المرأة صغيرة، ثم تجد الأب يترك ابنته إلى ثمانِ عشرة سنة ويعاملها كطفلة! إن السيدة عائشة تزوجت ولها سبع سنوات، ودخل بها النبي صلى الله عليه وسلم ولها تسع سنوات، فتقول: إذا بلغت الصبية تسعاً فهي امرأة. ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعاملون الصغيرة على أنها كبيرة، وليس من اللائق أن تقول عن رجل: طفل صغير، وقد مضى من عمره ثمانِ عشرة سنة، فإن أعداء الإسلام يضربون هذه الأمة بأسلحتهم ويهينونها، وبذلك فإن المسلم يهين نفسه، ويستحق الهوان من غيره، ولا يستحق أن يدافع الله عز وجل عنه. من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام فالإنسان الذي تهون عنده نفسه يصير أهون عند الغير، فأمة المسلمين لما نسوا أنفسهم، وطأطئوا رءوسهم للغرب، ولما تركوا دينهم وراءهم، واقتدوا بأوروبا وأمريكا، وصارت التشريعات الفرنسية هي التي تحكمهم، وأصبح كتاب الله زينة للبيوت فقط لا للتشريع، ونسى المسلمون ربهم سبحانه وتعالى سلط الله عليهم غيرهم فأذلوهم، وصارت الشعوب ترمي المسلمين بأنهم متخلفون، وشعوب المسلمين هي الشعوب المتأخرة التي جعلت اهتمامها بالدنيا فقط، فإذا أراد المسلمون أن يقلدوا الغرب يتركون التقليد في الأشياء العلمية المفيدة ويقلدونهم فيما يخالف دين الإسلام، فهل من التنوير أن المرأة تتبرج، وأن الرجل ينظر إلى ما يشاء، والبحور تمتلئ بالعرايا، فهذا هو التنوير الذي عرفه المسلمون من هؤلاء، فقد تركوا ما عندهم من علوم وبقوا متأخرين، وقد كانوا قادة الأمم في العلوم قبل ذلك، فقد كانت كتب المسلمين في الطب وغيرها تترجم إلى هؤلاء ليتعلموا من المسلمين، واليوم أصبح المسلمون المتأخرين المتخلفين وأصبح هؤلاء القادة عليهم والسادة فوقهم، فيأمرونهم فينفذون لهم ما يريدون، فكيف يقول المسلمون: نحن نريد أن نعرب الطب، فنقول: لو عربتم كتب الطب فهل سيقرؤها الآخرون وهم أصلاً يسبقكونكم في هذه العلوم، فهذا الكلم الذي يتكلم به المسلمون عبارات جوفاء وأشياء لا ينظرون إلى جوهرها، بل ينظرون إلى مظهرها فقط، فالمسلمون لن يعودوا إلى ما كانوا عليه إلا إذا تمسكوا بكتاب ربهم سبحانه وتعالى، وطبقوا هذا النور العظيم، إذا تعلمت المرأة كيف تحتجب، وكيف تطيع ربها سبحانه، وكيف تعلم أولادها، فإذا عرفوا ذلك ورجعوا إلى دين الله عز وجل أعانهم الله سبحانه على أن يكونوا سادة الأمم، وجاء العصر الذي يقاتل فيه المسلمون اليهود ويقول الحجر (يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله)، فهنا يجعل الله عز وجل الجمادات تقاتل مع المسلم، وتعينه على الجهاد في سبيل الله عز وجل. وأما إذا كان المسلم متأخراً ومتخلفاً وتاركاً لدين الله عز وجل وراء ظهره فلا ينتظر توفيقاً من الله إلا أن يراجع دينه، ويرجع إلى ربه. نسأل الله عز وجل أن يعيننا ويعين كل المسلمين على العودة إلى كتابه وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع) الآية [31]
تفسير سورة النور (تابع) الآية [31] لقد جاء الإسلام بصيانة المرأة وسترها والمحافظة عليها، وكذلك جاء لتطهير المجتمع من أمراض الشهوات والرذائل، ولذلك حرم الزنا، وأمر بحفظ الفروج. ولما كانت المرأة هي العامل الأقوى في نشر هذه الأمراض أمرها الله عز وجل بحفظ البصر والفرج، وأمرها بالحجاب وعدم إبداء الزينة إلا لمن ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية.
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
أنواع الزينة
أنواع الزينة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النور: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو أن يأمر المؤمنات بما أمر به المؤمنين، فقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور:31]. والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة. فالزينة الظاهرة لا تبدي المرأة منها إلا ما تحتاج إلى إبدائه كالثياب الخارجة، بشرط ألا تكون زينة في نفسها بحيث تلفت إليها أنظار من تمر به من الرجال ونحو ذلك، قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31]، والخمار هو: ما تغطي به المرأة رأسها، فتضرب بهذا الخمار على رأسها، وتستر به صدرها. والمقصود بالجيب: جيب القميص، أو جيب الدرع، وهو مكان دخول الرأس في القميص أو في الدرع أو في ما تلبسه المرأة، وقد يكون واسعاً فيبدو صدرها فأمرها الله عز وجل أن تنزل الخمار الذي فوق رأسها فتستر به صدرها. قال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور:31]، وهذه هي الزينة الثانية وهي الزينة الباطنة، فلا لا يجوز للمرأة أن تبدي هذه الزينة إلا لمن ذكرهم الله عز وجل هنا وأباح لها أن تبديها لهم. وما تبديه المرأة للزوج غير ما تبديه لباقي هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية. وقد ذكر سبحانه هنا اثني عشر صنفاً من الأصناف الذين يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهم.
الزينة التي تبديها المرأة أمام الزوج
الزينة التي تبديها المرأة أمام الزوج قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور:31]، والبعل: هو زوج المرأة، ويطلق على السيد أيضاً. والمرأة إما حرة وإما أمة، فالمرأة الحرة تبدي زينتها وجمالها وبدنها كله لزوجها، فللزوج أن ينظر من زوجته إلى كل شيء منها، وكذلك تنظر المرأة إلى زوجها، وهذا حلال أحله الله عز وجل. وكذلك السيد مع أمته، والأمة هي المملوكة المشتراة بالمال، والزوجة هي التي يعقد عليها وليها للزوج، فلا يملك الزوج منها شيئاً، ولكن ينتفع بما أباح الله عز وجل له من استحلال فرجها، والاستمتاع بها. وأما الأمة فيملك سيدها أن يبيعها وأن يبقيها وأن يعتقها، والآن لا توجد إماء ولا يوجد عبيد؛ فقد حررهم الله عز وجل بما فرض في القرآن من كفارات ونحوها، فحررهم كلهم حتى لم يبق في المسلمين عبيد، بل وفي العالم كله لم يبق عبد ولم يبق إلا العبودية لغير الله سبحانه وتعالى الموجودة في الخلق، أو في الكفرة فهم يعبدون غير الله سبحانه، وأما العبيد والإماء فليسو موجودين الآن. فالبعل المقصود به: السيد أو الزوج، فللزوج أن يرى من المرأة كل ما يبيحه الله عز وجل له، فينظر إليها إلى بدنها كله، وقد بدا هنا بالزوج.
الزينة التي تبديها الزوجة أمام بقية الأصناف غير الزوج
الزينة التي تبديها الزوجة أمام بقية الأصناف غير الزوج قال تعالى: {إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ} [النور:31]، فللمرأة أن تبدي زينتها لأبيها، ولا شك أن ما تبديه المرأة لزوجها غير ما تبديه لأبيها، فإن الزينة التي تبديها المرأة لزوجها هي بدنها كله، وأما الزينة التي تبيدها المرأة لأبيها أو لباقي من ذكر الله سبحانه وتعالى فهي ثياب المهنة أو ثياب البيت، وما قد يبدو منها في ثياب بيتها أو ثياب مهنتها، مثل يدها أو رجلها أو ساقها أو ذراعها أو شعرها أو رأسها، وأما عورتها فيما بين سرتها إلى ركبتها فلا يطلع هؤلاء على ذلك. وتخفي صدرها فلا تظهره أمام هؤلاء، قال أهل العلم: إن ما تبديه المرأة لهؤلاء الأحد عشر غير ما تبديه المرأة لزوجها. قال تعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور:31] أي: آباء البعولة وآباء الأزواج. قال تعالى: {أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور:31] أي: إن المرأة أمام أبيها وأمها وأولادها وبقية الأصناف لا تظهر لهم إلا ما يظهر منها في ثياب مهنتها في بيتها مثل كتفها ونحرها وذراعها وقدمها وشعرها ورأسها وذراعها ولا تظهر أمام هؤلاء ما بين سرتها إلى ركبتها، وإنما هذا يظهر أمام الزوج فقط. قال سبحانه وتعالى: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ} [النور:31]، أي: ابن المرأة {أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور:31] أي: ابن زوجها. {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ} [النور:31]، أي: أن للأخ أن يرى ذراعها وساقها ورأسها فهذا جائز {أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ} [النور:31] أي: من تكون هي عمة له فيجوز له أن ينظر أيضاً إلى رأسها وشعرها وذراعها ورجلها. قال تعالى: {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} [النور:31] أي: من تكون لهم خالة، قال تعالى: {أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31] أي: نساء المرأة فمن كان معها من نسائها قريبة لها فتدخل عليها، وهن غير الكافرات. وقد اختلف أهل العلم في المقصود هنا. قالوا: لكن الأصل هنا في قوله: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31] يعني: نساء المرأة من المؤمنات. فهنا الاتفاق على أن المسلمات يدخلن على المرأة، وينظرن منها إلى ما يجوز للمرأة أن تنظر إلى المرأة منه.
حكم التجرد وإظهار العورة
حكم التجرد وإظهار العورة ولا يجوز للمرأة أن تبدو متجردة أمام امرأة أخرى، وكثير من النساء يفعلن هذا الشيء ويتساهلن فيه، فلا تستحي المرأة أن تبدي ما بين سرتها إلى ركبتها أمام امرأة أخرى، وهذا غير جائز، فعلى المرأة أن تستتر من النساء، والرجل يستتر من الرجال، فلا يبد لهم ما بين سرته إلى ركبته، فهذا عورة. والعورة قسمان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالعورة المغلظة: السوءتان. والعورة المخففة: غير ذلك مما بين السرة إلى الركبة. والعورة المغلظة لا يجوز لأحد أن يبديها، ولا يجوز لأحد أن ينظر إليها إلا لحاجة، والعورة المخففة قد تبدو مع المهنة أو مع شيء آخر، ولكن لا يُنظر إليها. والمرأة مع المرأة كذلك، فلا تنظر المرأة إلى عورة امرأة أخرى فيما بين سرتها إلى ركبتها إلا لحاجة من تطبيب ونحو ذلك. وأما لغير حاجة فليس لها ذلك. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) يعني: لا تنظر إلى بدنها كله، فقد يكون في نفسها شيء فتذكر هذا الشيء لزوجها، أو تفضح هذه المرأة أمام غيرها، فحمى ربنا سبحانه وتعالى المؤمنة وقال لها: لا تظهري زينتك أمام أحد إلا من ذكر هاهنا. ولا يجوز للمرأة أن تظهر ما بين السرة إلى الركبة لأحد إلا لزوجها، وإلا لحاجة من تطبيب ونحوه. إذاً: فالمقصود بقوله تعالى: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31] النساء المسلمات، قال العلماء: تَظهر المرأة بزينتها للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة، وأما نساء أهل الذمة فقد خاف العلماء من أن تبدي المرأة زينتها أو تكثر من التزين أمامهن فيفضحها، فإنهن لا دين عندهن، فإن من الممكن أن يذكرن أن فلانة شكلها كذا ولونها كذا ورجلها كذا وعينها كذا، فيذكرن أشياء من زينتها فيفضحنها، أو يذكرنها للكفار. وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد: فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، وإنهن من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر عورتها أو إلى عورتها إلا أهل ملتها. فهذا مذهب عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فقد خشي عمر من دخول المسلمات مع الكافرات في الحمامات، فإذا كان المسلمون إذا دخلوا الحمامات العمومية تجردوا من ثيابهم أمام الآخرين فكيف بالنساء؟ فهن ناقصات عقل ودين، فقد تفعل المرأة ذلك، فإذا دخلت المرأة حماماً فيه كافرات أيضاً فقد تفعل هذا الشيء، فخشي عمر من ذلك، فنهى عن مثل ذلك؛ خوفاً من هذا الشيء.
حكم إبداء المرأة لزينتها أمام النساء
حكم إبداء المرأة لزينتها أمام النساء إن مسألة إبداء الزينة أمام الكافرات أنواع: أما إبداء البدن كله فهذا محرم، فلا يجوز لا أمام مسلمة ولا أمام كافرة. وأما أن تخفي المرأة ما بين السرة إلى الركبة وتبدي غير ذلك أمام امرأة مسلمة فهذا جائز، وأما أمام الكافرة فتمنع المرأة من هذا الشيء، وأما ثياب المهنة التي تلبسها في بيتها أمام أبيها أخيها وأقاربها ومحارمها الذين ذكرهم الله عز وجل فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فذهب الشافعي وغيره: إلى المنع من ذلك. فقد ذكر الإمام النووي وغيره أن المرأة المسلمة لا تبدي زينتها أمام امرأة كافرة في ذلك. وذهب الحنابلة وغيرهم: إلى أنه لا فرق بين ما تبديه المرأة المسلمة أمام المسلمة وبين ما تبديه أمام المرأة الذمية، كما أنه لا فرق بين ما يبديه المسلم أما المسلم وبين ما يبديه أمام الذمي. وجاء عن الإمام أحمد روايتان في هذه المسألة. فقال: أنا أذهب إلى أنها لا تنظر إلى الفرج، ولا تقبلها حين تلد. أي: أن المرأة الكافرة لا تكون لها قابلة إذا وجدت الطبيبة المسلمة أو الداية المسلمة، فإن لم يوجد غيرها واحتيج إلى ذلك فلا بأس، ولو اضطرت إلى الذهاب إلى طبيب ذهبت إلى الرجل الطبيب المسلم. أي: أن الأمر في التطبيب مع الحاجة، فقد تذهب المرأة إلى الطبيبة المسلمة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيبة الكافرة، وإذا لم تجد ذهبت إلى الطبيب الذكر المسلم. وجاء عن الإمام أحمد رواية أخرى، وهي: أن المسلمة لا تكشف قناعها عند الذمية. والقناع هو: الغطاء الذي تجعله المرأة فوق رأسها تستر به رأسها ومحاسنها. فقال: لا تكشف قناعها عند الذمية، ولا تدخل معها الحمام، والخوف من دخول الحمام خوفاً من التجرد، فإن المرأة قد تستهين بأمر دينها فتخلع ثيابها كما يحدث الآن، فقد صارت المرأة تخلع ثيابها في البحار أمام الرجال والنساء، ولا تفرق بين شيء وشيء، فنهى العلماء عن ذلك؛ خوفاً مما يحدث بعد ذلك، فلعل المرأة المسلمة تتجرد أمام المرأة الكافرة، فتصورها وترسلها لغيرها لتفضحها بها. ولعلها إذا تجردت أمام الكافرة يكون في نفسها شيء من شهوات النساء الباطلة أو الشذوذ، فتقع معها في السحاق، والعياذ بالله. أو تدعوها إلى مثل ذلك. فإذاً تستتر المرأة ولا تبدي زينتها أمام هؤلاء، وأما إذا كان لا يقصد إلى هذا الشيء فالراجح: أن ما تبدو به أمام المرأة المسلمة جاز لها أن تبدو به أمام غيرها، ولكن الأحوط أن تحتاط المرأة لنفسها، فإذا عرفت عن هذه أنها تتكلم في أمر النساء، أو يخشى من شهوتها، أو ثرثرتها، فإنها تستتر، ولا تدخل أمثالها على بيتها. قال ابن قدامة رحمه الله: والأول أولى. وهو أنها تبدو أمام الكافرة بثياب الزينة وبما يجوز لها أن تظهره أمام المسلمة، قال: لأن النساء الكوافر من اليهود وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: كان بعض نساء اليهود يدخلن على السيدة عائشة رضي الله عنها، ولم ينهاها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت أنه أمرها أن تحتجب من هذه المرأة، قال: فلم يكن يحتجبن ولا أمرن بحجاب، وقد جاء أن امرأة يهودية جاءت إلى عائشة رضي الله عنها: تسألها شيئاً، أي: تطلب منها إعانة، فدعت للسيدة عائشة وقالت: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله عز وجل عليه بعد ذلك (إنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله عز وجل من عذاب القبر). يعني: إلى هذا الحين لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر ولم يوح إليه في أمر عذاب القبر بشيء، حتى دخلت المرأة اليهودية على السيدة عائشة ودعت لها بذلك. فسألت السيدة عائشة النبي صلى الله عليه وسلم عن قول اليهودية فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: (إنكم تفتنون في قبوركم. وقال: إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، فكان يتعوذ بالله من عذاب القبر)، صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك قالت أسماء وهي أخت عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم: (قدمت علي أمي وهي راغبة، يعني: في الإسلام، أو: راغبة عن الإسلام، أو: راغبة في صلة من الصلات، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ فقال: نعم)، وقد كانت أم أسماء غير أم عائشة، فأم عائشة اسمها أم رومان وقد كانت مؤمنة مسلمة، وأما أم أسماء فكانت كافرة، فجاءت تزور أسماء وهي كافرة، فلما جاءت أرسلت أسماء لتسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل تستقبلها وهي كافرة؟ فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تستقبلها؛ فإنها أمها. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها هنا أن تحتجب منها. وهنا قد يقال: هي أمها، والمرأة لا تحتجب من أمها، إلا ما لا يجوز لها إظهاره أمام الأم. ولكن اليهودية التي دخلت على عائشة رضي الله عنها لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحتجب منها، ولم يثبت عنه مثل ذلك. قالوا: فعلى ذلك لا يثبت الأمر بالحجاب إلا بنص من كتاب أو سنة، وهذا ليس فيه ذلك، فعلى ذلك فقوله سبحانه: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31] يحتمل أن يراد به جملة النساء، يعني: من يدخل على المرأة من النساء سواء كن من أقارب المرأة، أو غريبات عنها، أو إمائها مسلمات أو كافرات، أو كن حرائر من ذميات أو نحو ذلك، فيجوز للمرأة أن تظهر أمامهن كلهن بثياب زينتها، ولكن لا تتجرد أمامهن، وعليها أن تستر أمام النساء ما بين سرتها إلى ركبتها، وتستتر أكثر من ذلك أمام النساء الكافرات.
معنى قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن)
معنى قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن) قال الله عز وجل: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النور:31] وهذا هو الصنف العاشر ممن تبدي المرأة زينتها أمامهم، قال تعالى: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النور:31] فإذا كانت فالمرأة تملك أمة مسلمة أو كافرة فيجوز لها أن تبدو بثياب زينتها أمامها، وكذلك إذا كانت المرأة تملك عبداً كافراً أو مسلماً، ففي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك). فالعبد الذي تملكه المرأة يجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها. وفرق بين أن تملك المرأة عبداً وبين أن يملك الرجل أمة، فالرجل إذا ملك أمة فيجوز له أن يطأها؛ لأنها ملكه، والمرأة إذا ملكت عبداً فلا يجوز له أنه يطأها، إلا إذا تزوجها بإذن وليها، أو زوجها وليها عبداً، وكان هذا العبد يجوز له أن يتزوجها. فلا يجوز له أيضاً أن ينظر إليها متجردةً، وإنما يدخل عليها ويقضي لها حوائجها، فيجوز له أن ينظر إلى وجهها ويدها ولو انكشف شيء من شعرها أيضاً جاز له أن ينظر إليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى لـ فاطمة غلاماً عندما كانت محتاجة لمن يخدمها ويعينها، فدخل عليها وكان ثوبها الذي عليها إذا غطت به رأسها انكشف قدمها، وإذا عطت قدمها انكشف شعرها أو رأسها رضي الله عنها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليس عليك بأس، إنما هو أبوك أو غلامك)، فدل هذا على أن العبد يجوز له أن ينظر إلى يد سيدته ووجهها، أو حتى إلى شعرها. وأما أكثر من ذلك فلا، وهذا الحديث لم يذكر فيه أكثر من أنه بدأ شيء من رأسها أمام هذا العبد، فإذا اعتقت هذا العبد صار حكمه كغيره من الناس، فلا يجوز له أن ينظر إليها.
معنى قوله تعالى: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال)
معنى قوله تعالى: (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) ومن الأصناف الذين ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ} [النور:31]، والإربة أصلها: الحاجة. والمقصود هنا: الشهوة، قال تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور:31]، وذلك مثل الرجل الشيخ الكبير والعجوز الذي لا شهوة عنده، أو الإنسان العنين، أو الإنسان المخنث خلقة، يعني: خلق وفيه خنوثة وتكسر، وفيه صفات الأنوثة وليس له في النساء حاجة. فإذا بدأ أنه له في النساء ذلك لم يجز أن يدخل عليهن، قال تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ} [النور:31]، قال المفسرون: هو: الأحمق الذي لا حاجة به إلى النساء، يعني: المعتوه الذي ليس فيه شيء من العته، ولا شهوة فيه. وقيل: العنين، وقيل: الإنسان المخنث خلقة، وقيل: الرجل يتبع القوم فيأكل معهم، ويرتفق معهم وهو ضعيف، يعني: في شهوته وفي علقه، ولا يشتهي النساء. فإذا كان على هذا النحو بأن خلق لا شهوة فيه، أو بسبب مرض فيه جاز له أن يدخل مع رجال البيت على النساء، وأن يسأل أو يأكل أو نحو ذلك. قال تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ} [النور:31]، فإذا بدا أن هذا الإنسان يفهم أمر النساء لم يجز له أن يدخل، ولذلك جاء في الحديث: (أن رجلاً كان مخنثاً وكان يدخل على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسأل نساء النبي صلى الله عليه وسلم فيعطينه، وكانوا يرون أنه لا حاجة له في النساء ولا شهوة فيه، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم مرة وهو يتكلم في أمر النساء، وهو ينصح أخاً لإحدى أمهات المؤمنين، ويصف له امرأة ويقول: إذا فتح الله عز وجل عليكم ثقيفاً فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ألا أرى هذا يعلم ما هناك؟) يعني: يفهم أمر النساء، فمنعه ونفاه خارج المدينة أبداً؛ من أجل ألا يخدع الناس، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فنفي خارج المدينة، وكان يؤْذن له كل أسبوع ينزل المدينة يسأل الناس. فهو لما كان معروفاً بين الناس أنه مخنث وأنه لا شهوة له في النساء كانوا يتركونه يدخل بيوتهم يسأل، فيعطونه ويطعمونه، ولما ظهر من كلامه أنه يفهم أمر النساء، ويصف امرأة بأنها فيها من الجمال وكذا وكذا، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منعه من الدخول على بيوت النساء، ونفاه خارج المدينة، فكان بعد ذلك ينزل في كل أسبوع مرة، فيسأل الناس. وفي قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} [النور:31] قراءتان: فقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر (غيرَ أولي الأربة من الرجال)، وقرأ باقي القراء بالجر فيها.
معنى قوله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء)
معنى قوله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) قال تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ} [النور:31]، وهذا هو الصنف الثاني عشر ممن يجوز للمرأة أن تبدو أمامهم بزينتها، وهو: الطفل. والطفل يطلق على من لم يبلغ الحلم، فيطلق على الإنسان وهو في بطن أمه جنين، وعندما يخرج من بطن أمه إلى المراهقة. وكلمة راهق بمعنى: قارب البلوغ ولم يبلغ، فمرحلة المراهقة تطلق على آخر مرحلة من مراحل الطفولة قبل البلوغ. أي: أنه قارب البلوغ ولم يحتلم. فالطفل إذا لم يبلغ جاز للمرأة أن تبدو بزينتها أمامه، إلا إذا بدأ عليه شيء من الشهوة، أو كان يتكلم بما يراه، وينقله لغيره، أو يصف النساء، فإذا علم منه ذلك فعلى المرأة أن تتستر أمامه. والله أعلم. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [31 - 32]
تفسير سورة النور [31 - 32] إن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ينفذ إلى القلب فيمرضه، أو يصيبه في مقتل، ومن تركه أورثه الله نوراً يجد حلاوته في قلبه، وقد جاء الأمر الرباني لمن اتصفن بصفة الإيمان من النساء أن يغضضن أبصارهن، وألا يكن داعيات للفتنة بحركاتهن أو زينتهن وملابسهن، أو حتى بالضرب بأرجلهن ليعلم ما يخفينه من زينتهن، ثم جاء النداء الرباني الرحيم بأن من فعل شيئاً من ذلك فطريق فلاحه أن يتوب إلى الله تعالى، ويرجع إليه.
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)
تفسير قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. لما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة عما يجوز للمرأة أن تظهره أمام محارمها، وعن الزينة الظاهرة والباطنة، وما لا يحل لها أن تظهره أمام غير محارمها، أمر عباده بالتوبة إليه سبحانه فقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]، فإذا كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقول: (إني لاستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)، وهو المعصوم الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويعد له في المجلس الواحد سبعين مرة يستغفر فيها، فالمؤمنون مأمورون بأن يتوبوا في كل وقت إلى الله سبحانه، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]، وتوبة العبد سبب للفلاح، فما من إنسان إلا ويبدر منه ذنب من الذنوب كبر أو صغر، جاء في الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون). وذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى ما تتعلق هذه الآية أو هذه الجملة به، فذكر النساء وقال: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور:31]، فذكر هؤلاء. وقد يبدو من المرأة شيء من زينتها أمام غير من ذكر الله عز وجل، فكأنه يشير إلى ذلك ويقول: توبي إلى الله عز وجل مما بدر منك سواء كان عمداً أو خطأً، وقد تنكشف المرأة أمام البعض، وتستتر أمام البعض الآخر، وقد منع الله عز وجل من إظهار الزينة إلا أمام من ذكر. وقد تستصغر إنساناً ولا يكون صغيراً، وقد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ويكون من هؤلاء، فيأمر الله عز وجل بالتوبة إليه، ففي نهاية هذه الآية قال الله سبحانه وتعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ} [النور:31] يعني: الرجال الذين لا حاجة لهم في النساء: من كبر سن فيه، أو يكون إنساناً مخنثاً خلقة. فإذا دخل وطلب طعاماً أو سأله ونظر إلى شيء فهنا لا يجب على المرأة أن تستتر استتاراً كاملاً منه، ولكن قد تظن أن هذا من غير أولي الإربة ثم يبدو أنه من هؤلاء، مثل المخنث الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ونقصد بالمخنث الإنسان الذي ليس به حاجة إلى النساء، أو الذي في تركيبه طبيعة النساء، وأما المخنث تطبعاً فهذا ملعون، وفي الحديث: (لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال). فالإنسان الذي يتكسر في مشيته ويتشبه بالنساء ملعون، والمرأة المترجلة التي تتشبه بالرجال في زيها وفي مشيتها ملعونة. ولكن لما نتكلم عن المخنث الذي يجوز أن يدخل البيت ويسأل المرأة نقصد به من كان أشبه بالنساء منه بالرجال خلقه. وكذلك الطفل قال تعالى: {وَالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور:31] أي: الطفل الذي لا يميز العورات، أو الطفل الذي لم يبلغ. فإذا كان الطفل صغيراً جاز للمرأة أن تبدو أمامه بزينتها، فإذا كان الطفل كبيراً وهنا سواء كان ابنها أو غير ابنها، فإذا كان ابن لها فهو ممن دخل في هذه الآية، وإذا كان ليس ابناً لها وكان صغيراً مثله لا يطلع على عورات النساء ولا يفهمها جاز أن تبدو في ثياب مهنتها أمامه، لكن إذا ظن أنه يفهم ذلك وأنه قد قارب البلوغ، وأنه يتكلم بكلام كثير ممكن ينقل أوصاف المرأة للرجال مثلاً فيجب عند ذلك أن تستتر المرأة أمامه، فإن بدا منها شيء فهنا ربنا سبحانه وتعالى يذكر بالتوبة فيقول: {تُوبُوا إِلَى اللَّهِ} [النور:31]، فالإنسان المؤمن يكثر من التوبة إلى الله عز وجل من ذنوبه التي يقع فيها. وأيضاً هنا ذكر في هذه الآية تحذير للنساء من الضرب بالأرجل فقال: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31]، فقد كانت المرأة في الجاهلية تمشي وقد ينكشف شيء من شعرها، أو شيء من صدرها فلا تبالي بذلك، وإذا أحبت إحداهن أن تلفت النظر لبست خلخالاً في رجلها، فإذا مرت بالرجال ضربت برجلها الأرض فيحدث الخلخال صوتاً، فينتبه الرجال لها وينظرون إليها. وقارن بين جاهلية الأمس وجاهلية اليوم كيف أنها اليوم لا تحتاج إلى الخلخال ولا غيره، فهاهي تمشي عريانة أصلاً، فتلفت نظر جميع من ينظر إليها في الطريق، وأيهما أشد الجاهلية الأولى حين يبدو من المرأة شيء من رقبتها، أو شيء من شعرها وهي تمشي، أو لكي تبين أنها امرأة تسير في الطريق تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال، أم جاهلية اليوم حين تمشي المرأة كاسية عارية في الطريق والكل ينظر إليها؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد تمشي المرأة في الطريق فتضحك بصوت مرتفع ينتبه إليها من ينظر إليها، وقد تتكلم بصوت عالٍ، وهذه هي الحرية التي تطلبها، النساء فتضع إحداهن المساحيق على وجهها أو على جسدها، وهي ألوان تلفت النظر إليها، أو عري فاضح وتهتك أمام الناس، فتهتك ما بينها وبين ربها من ستر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
القراءات في قوله تعالى: (أيه المؤمنون)
القراءات في قوله تعالى: (أيه المؤمنون) قوله: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور:31] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر: (أيهُ الْمُؤْمِنُونَ)، كأنه أخذ الكلمة على أنها كلمة واحدة أصلها: أي والضمير، فتعامل معها على أنها كلمة واحدة، فهي مناداة، فعلى ذلك بناها على ما يرفع به فكانت (أيهُ الْمُؤْمِنُونَ). وهي قراءة أنكرها بعض أهل العربية، ولكن القرآن حجة على غيره، وليس غيره حجة عليه، فأفصح اللغات ما نزل به كتاب رب العالمين، وطالما ثبتت القراءة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي حجة وحدها لذاتها. وأيها مكتوبة في المصاحف همزة وياء وهاء، فعلى قراءة (أيه) ستكون عليها فتحة بدون ألف، ولذلك اختلف القراء في الوقف عليها: فذهب أبو عمرو، ويعقوب والكسائي إلى أنها تقرأ بالألف على أصلها {وتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا} [النور:31]. وباقي القراء قالوا: نتعامل مع الرسم الذي هو موجود فيها. فإذا وقفنا عليها قلنا: ((أيّهْ)) على أنها همزة وياء وهاء، والهاء عليها فتحة فإذا قرئت وصلاً كانت: {أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} [النور:31]، وإذا وقف عليها يبقى: ((أيُّه)) على قراءة الجمهور. قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31]، فقيد الفلاح بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تجب ما قبلها)، فالتوبة تمحو وتزيل ما كان قبلها من معاصي.
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) ثم قال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، هذه الآية خطاب من الله عز وجل للأولياء أن أنكحوا بمعنى: زوجوا، فكأنه يشير لولي المرأة، أو إلى ولي من يحتاج إلى تزويج ممن لا يقدر أن يتزوج بنفسه؛ لضعف عقله مثلاً، أو لكونه عبداً، فيقول: زوجوا هؤلاء. فالإنسان الذي يقدر على الزواج بنفسه فسيتزوج، ولكن المرأة لا تزوج نفسها فوليها مأمور أن يزوجها، فقال: {وَأَنكِحُوا} [النور:32]، وفرق بين أنكحوا وانحكوا، فانكحوا بمعنى تزوجوا، وهو خطاب للرجل، وأما أنكحوا فمعناها: زوجوا، وهو خطاب لولي المرأة ألا تعضل المرأة عن الزواج. وفيها إشارة إلى أن المرأة لا تزوج نفسها إذ لم يقل: أنكحن، ولذلك جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن تزوجت بغير ولي: (أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل)، فلا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها، ولكن الولي هو الذي يزوجها، والولي أبوها أو جدها أو عمها أو أخوها، فهؤلاء عصبة المرأة الذين يزوجونها. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فلا يتم النكاح إلا بأن يعقده ولي المرأة. قال تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ} [النور:32] والأيامى: جمع أيم، والأيم هي المرأة التي لا زوج لها، وقد يطلق على الرجل الذي لا امرأة له، ولكن هذا قليل. فأصل الأيم المرأة غير المتزوجة سواء كانت لم تتزوج أصلاً، أو تزوجت وطلقت، أو تزوجت وتوفي عنها زوجها، فهذا كله داخل تحت الأيامى. وقد اختلف العلماء في حكم هذا النكاح: هل هو فرض، أم مستحب، أم مباح؟ فقال العلماء: يختلف ذلك باختلاف حال المؤمن من خوف العنت، وعدم صبره. يعني: حسب حال الإنسان: هل يقدر على الصبر عن النكاح فلا يتزوج، أم أنه لا صبر له عن النكاح، فإذا كان يخاف على نفسه العنت، ويقدر على الزواج فيجب عليه أن يتزوج إذا كان عنده التكاليف المالية، ويخاف على نفسه الوقوع في الزنا. وإذا كان معه مال يكفيه: إما للحج وإما للزواج فهو مخير بين الاثنين. لكن إذا كان يخاف على نفسه الزنا في زمن مثل زماننا الذي كثرت فيه الفتن، ويخاف على نفسه الوقوع فيها، ولا صبر له عنها فيبدأ بالزواج، ثم يرزقه الله عز وجل ما يحج به بعد ذلك، وإلا فليقدم الحج على الزواج. يقول العلماء: إذا خاف الهلاك في الدين أو الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم واجب، وإن لم يخش شيئاً فيقول بعض العلماء: إنه يباح له الزواج. وقال البعض: إنه مستحب، وهذا هو الراجح؛ فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها) أي: أن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذهبوا يسألون نساء النبي صلى الله عليه وسلم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عبادته: كم يصوم؟ وكيف يصلي؟ وكم يقوم من الليل؟ فلما أخبر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الصحابة عن حاله وعن صلاته؛ كأنهم تقالوها، يعني: كانوا يظنون أن يقال لهم: إنه يصلي من بعد العشاء إلى طلوع الفجر، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر يحتاج لقضاء حاجته، ويحتاج إلى أن يكون مع نسائه، وهو مشغول بأشياء فلا يمكن أن يكون وقته كله صلاة وصوم فقط. فهؤلاء كأنهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض: (وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً). يعني: هو الذي كان يتوقعه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل كله من العشاء إلى الفجر، فقال: أنا سأعمل هذا الشيء. وقال الآخر: (وأنا أصوم الدهر ولا أفطر)، وهذا كان متوقعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم كل يوم. وقال الآخر: (وأنا اعتزل النساء ولا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال لهم: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) أي: أنا أخشى الخلق لله عز وجل، واتقى خلق الله لله سبحانه. قال: (لكني أصوم وأفطر)، ولو أن الدهر كله كان صياماً فكيف سيقوم بالعبادات الأخرى كالجهاد في سبيل الله عز وجل، وتعليم الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! قال: (وأصلي وأرقد)، ولو أنه يقوم الليل كله لتعب، ونفهت عيناه، وتعبت قدماه، ولم يقدر على المواظبة والمواصلة، ولكنه يقوم من الليل، ويرقد صلوات الله وسلامه عليه. قال (وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، وضع لهم هذه القاعدة: فالذي لا يريد سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يستحق أن ينسب إليه، ولا يستحق أن يتشرف بأن ينسب إلى سنته، أو أن يكون معه يوم القيامة. فوضع لهم هذه القاعدة التي أراحت المؤمنين، ومن شدد على نفسه وجد المشقة بعد ذلك، فـ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه شدد على نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ القرآن في شهر، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: اقرأ القرآن في خمسة عشر يوماً، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: في أسبوع، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه). فشدد على نفسه فكان يختم في كل ثلاثة أيام، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صم يوماً وأفطر يوماً، فقال: أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل مثله، ثم قال: خير الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً). فـ عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما لم يأخذ الرخصة، وأخذ بهذا لما كبر سنه رضي الله تعالى عنه وجاءته الشيخوخة، فلم يكن قادراً على ذلك، وهذا ليس فرضاً عليه، وكان يقول: يا ليتني أخذت برخصة النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: هو كان أعلم مني بنفسي، فقيل له: لماذا لا تترك الذي أنت فيه؟ يقول: لا أريد أن أترك شيئاً كنت أفعله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأريد أن أقابله يوم القيامة، فشدد على نفسه فشدد عليه. قال الله سبحانه: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، هذا إذا وجد العبيد، فهنا يأمر الله عز وجل سيد العبيد أن يزوجهم ويعفهم، وإذا تركوا بغير زواج أوشك العبد أنه يهرب من سيده ليزني، والأمة كذلك، فأمره بإعفاف هؤلاء. ثم وعد الله عز وجل الجميع فقال: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32]، وفضل الله عظيم سبحانه. والإنسان يعيش في الدنيا يبتغي فضل الله سبحانه، ورزقك عند الله مقسوم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:58]، فوعد من الله عز وجل لهم أنهم إذا استغنوا بالله سبحانه، وطلبوا العفاف في هذا الزواج، فالله يغني الناكح المتعفف، وكم من إنسان يتزوج ويغنيه الله سبحانه، وكم من إنسان يتزوج ويفتقر، فهذا وعد الله والله لا يخلف الميعاد، فمن توكل على الله فالله وكيله، والله حسبه، والله يعطيه سبحانه. والإنسان الذي يعتمد على نفسه ويترك توكله على الله سبحانه ويحسن الظن بنفسه، ويسيء الظن بالله لا يستحق أن يعان إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3]. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم)، فجعل الله عز وجل لهؤلاء حقاً عليه عز وجل أن يعينهم. فقال: (المجاهد في سبيل الله سبحانه) أي: ليس في سبيل دنيا ولا مغنم، وإنما في سبيل الله، ولرفع دين الله ونصره. قال: (والناكح يريد العفاف)، إنسان يتزوج يريد أن يغض بصره، وأن يحصن فرجه، ويريد أن يتعفف بهذا النكاح، ويرجو رحمة الله ثقة في الله، فهذا حق على الله أن يعينه وأن يغنيه سبحانه. قال: (والمكاتب يرد الأداء)، والمكاتب: هو العبد الذي كاتبه سيده على أن يؤدي مالاً معيناً ويصير حراً، فهو يسعى جاهداً لذلك، فحق على الله عونه. وهذا حديث صحيح رواه النسائي، والترمذي، وابن ماجه. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (التمسوا الغنى في النكاح)، أي: أنه يستدل وينزع بهذه الآية: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32]. وقال عمر رضي الله عنه: عجبي ممن لا يطلب الغنى في النكاح وقد قال الله تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32]. فهذا في الإنسان الناكح الذي يريد العفاف، والذي يتوكل على الله، ويتقيه، ولا يرهق نفسه ولا يرهق غيره بتكاليف النكاح، فالإنسان الذي يتزوج على كتاب الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويريد أبسط الأشياء، والمرأة التي تريد ذلك فهذا زواج مبارك، وهذا من بركتها. فالله عز وجل ييسر النكاح لهؤلاء، وييسر لهم الغنى، والإنسان الذي يتزوج ويريد أن يتزوج بالديون، وأن يكون عنده الشيء العظيم من والمتاع، والمرأة تأبا أن تتزوج إلا إذا كان المهر كذا، وكان المتاع كذا، فهؤلاء يفتقرون في النهاية. ولكن كلما تيسر أمر النكاح كان فيه بركة من الله عز وجل، وكان فيه عون من الله سبحانه على ما في هذه الآية من وعد الله، نسأل الله من فضله ورحمته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله و
تفسير سورة النور [32 - 33]
تفسير سورة النور [32 - 33] دين الإسلام هو دين الفطرة، فقد جاء ليهدي النفوس لا ليعذبها، ومن أجل ذلك سن الزواج الذي هو نداء الفطرة في كل إنسان سوي، فأمر المولى سبحانه أولياء الأمور بتزويج من احتاج إلى ذلك رجالاً ونساء، ولأن هذه الغريزة متعلقة بالجسد والنفس فهي مرادة حتى من العبيد والإماء، إذ لا دخل لرقهم في غرائزه وشهواتهم.
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم)
تفسير قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32]. يأمر الله سبحانه في هذه الآية بالنكاح والإنكاح، فيقول: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32] (أنكحوا) أي: زوجوا، فالولي يزوج من هو ولي عليها، كابنته وأخته، فإذا زوجت فلا ترفض ذلك؛ فهي مأمورة بالطاعة، ويلزمه ألا يكرهها، إلا أن تكون صغيرة ومثلها لا رأي له. ولكن الأصل أن الله سبحانه وتعالى جعل النكاح عفة لعباده، وجعله وسيلة للتناسل وإبقاء النسل إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى. قال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى} [النور:32] يعني: من ليست له زوجة من الرجال، ومن ليس لها زوج من النساء، والأصل أن الأيم هي المرأة التي لا زوج لها، ويطلق أيضاً على الرجل الذي لا زوجة له. قال: {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، فأمر أيضاً بتزويج العبيد والإماء، أي: أعينوهم على العفة بالزواج، قال: {مِنْ عِبَادِكُمْ} [النور:32]، فكما أن الحر له حقوق، فكذلك العبيد لهم حقوق، فالله عز وجل جعل لهم حقوقاً في كتابه، وجعل لهم حقوقاً على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن العبد إنسان مؤمن مثل الحر، ولكن جعله الله عز وجل تحت يدك، فلا تتجبر عليه، ولا تقس عليه، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم)، إذاً: فهذا العبد جعله الله تحت يد الحر، ولو شاء الله لجعل هذا الحر عبداً تحت يد هذا العبد وجعله حراً، ولكن الله عز وجل منّ على عباده حين ملكهم هؤلاء، وقال: راعوا الحقوق في الذين تملكونهم، فكما أنك إنسان ومقتضى إنسانيتك أن لك حقوقاً فتحتاج إلى النكاح لتعف به نفسك، فكذلك هذا العبد يحتاج إلى ذلك. والإنسان الحر لو لم يتزوج لعله يقع في السفاح والزنا، والعبد كذلك، بل العبد أشد، فالحر قد يجد من أهله من يمنعه من ذلك، وأما العبد والأمة فلا أهل لهما. فالعبد قد يكون أسيراً وجيء به إلى أرض غير أرضه، فإذا به لا أهل له، ولا رادع له، فإما أن يكون في قلبه إيمان يمنعه وخوف من الله عز وجل يدفعه إلى طاعة الله، وإما أنه لا يهتم بشيء، فإذا به من أفجر الفجار. ووجود الإنسان الحر في أهله إذا أراد أن يقع في منكر فإنه يستحيي منهم ويخاف؛ لأنه يوجد فيه من يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. ولذلك أمر الله عز وجل الأحرار بالزواج؛ لأن هذا يحصنهم ويمنعهم من الفجور، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يا مشعر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فأنه أغض للبصر، وأحصن للفرج)، فالزواج ليس للأحرار فقط دون العبيد، ولكن قال الله عز وجل هنا: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، والصلاح خير لصاحبه في كل أحواله حراً كان أو عبداً، فهنا وصى الله سبحانه بهؤلاء الصالحين من العبيد والإماء أن زوجوا هؤلاء، فالسيد يملك الأمة، فإما أن يعفها هو بأن يطأها ويكون له منها الولد، فهي ملك يمين، أو يتزوجها، أو يزوجها، أو يبيعها لمن يقدر على ذلك. وأمر الله عز وجل الحر السيد أن يزوج هذا العبد حتى لا يقع في الحرام، قال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32].
معنى قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله)
معنى قوله تعالى: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) ثم قال سبحانه: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ} [النور:32]، فوعد من الله سبحانه أن الإنسان الذي يتزوج ابتغاء العفاف أن الله عز وجل سيغنيه من فضله. وفي قوله تعالى: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32] ثلاث قراءات: فقراءة أبي عمرو، وروح عن يعقوب: (يُغْنيِهِمِ الله من فضله). وقراءة حمزة والكسائي وخلف ورويس أيضاً: (يغنيهُمُ الله من فضله) بضم الهاء والميم؛ لأن أصل حركة الضمير الضم، فمشى مع هذا الأصل. وقراءة باقي القراء: {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:32]، بكسر الهاء وضم الميم. والله سبحانه وتعالى واسع الرحمة، واسع الفضل، واسع الغنى، فلا تقتر على خلق الله سبحانه. والله عليم بمن يستحق أن يغنيه، فكم من إنسان يتزوج ويكون فقيراً، فتكون البركة في هذا النكاح. وكم من إنسان يتزوج ويكون قد قدر عليه رزقه في هذا النكاح، فالله أعلم بمن يستحق فضله، فنحن نرى شيئاً والله عز وجل يرى قلوب العباد ما الذي فيها، وما الذي يستحقونه. فقد وعد في كتابه فقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3]، فهناك إنسان يتقي ربه سبحانه، ويتوكل عليه، ويمشي في الأمر فييسره الله عز وجل، وهناك إنسان يجرب ربه فيقول: سأتزوج فأنظر هل سيغنيني أم لا؟ والله جل في علاه لا يجرَّب، لكن إن تثق في الله عز وجل يعطك، وإن تتوكل على الله فالله نعم المولى ونعم الوكيل ونعم النصير. ولذلك فالإنسان الذي يثق بالله عز وجل يقول له: (أنا عند ظن عبدي بي)، فظن بالله خيراً؛ فإن الله عز وجل عند حسن ظنك به. أما أن تجرب ربك وكأنك لم تحسن الظن به، وكأنك تشك في وعده سبحانه وتعالى، فلا يستحق فاعل هذا إلا ما يشاءه الله سبحانه. ففقر الإنسان لا يمنعه من الزواج طالما أنه يملك شيئاً يتزوج به، ويجد من ترضى به على حاله، فليتزوج ولينتظر الفضل والرزق من الله سبحانه، وإذا كان شديد الفقر لا يقدر أن ينفق على من يتزوجها، فليصبر في هذه الحال. وفرق بين إنسان رزقه قليل فيستطيع أن يعيش عيشة متواضعة في مكان يسير، وعلى قدر حاجته، وينفق على المرأة التي يتزوجها وهي ترضى بهذا، فهذا خير وبركة وتيسير من الله سبحانه وتعالى، ولذلك هنا جاء في الحديث ما يبين أن الفقر لا يمنع من الزواج، وأن الإنسان الفقير طالما أنه يجد شيئاً فليتزوج. ففي الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد أن امرأة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني وهبت لك نفسي)، وهذا جائز للنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب:50]، وهذا الحكم له وحده فقط صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الله عز وجل: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب:50]. فلما قالت المرأة ذلك سكت النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر هنا في الحديث أنها قامت قياماً طويلاً، فقال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: (زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة) يعني: كأن الرجل وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن يتزوجها، وكان شديد الحياء، فاستحيا أن يقول لها: لا، وهذا من أدبه الجم عليه الصلاة والسلام. فالرجل استشعر ذلك، والمرأة تريد الزواج، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل عندك من شيء تصدقها؟)، ولم يقل: اذهبي وهاتي أولياءك؛ لأن الله تعالى يقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب:6]، فهو أولى بها من أبيها وأخيها ومن نفسها أيضاً. فقال لهذا الرجل -وقد نظر لمصلحة المرأة الآن-: (هل عندك من شيء تصدقها) يعني: لم يسأله هل عنده بيت أو مكان يتزوجها فيه، ولكنه سأله عن المهر. فقال الرجل: (ما عندي إلا إزاري) أي: ليس عندي شيء إلا الإزار الذي ألبسه، فقال: (إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك) يعني: ماذا ستعمل؟ وكيف ستصلي وقد أعطيتها وأصبح ملكاً لها؟! ثم قال: (التمس شيئاً، فقال: ما أجد شيئاً، فقال التمس)، وكانوا فقراء، فالرجل منهم يذهب يعمل ويأتي بطعام يومه أو وجبته، فهذا الذي يملكه، فإذا تزوج فإنه يستطيع أن يطعم المرأة كل يوم، ولكن لابد للمرأة من مهر، فالرجل لم يجد، فقال: (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم يقل له: من ذهب أو من فضة، لأنه لن يستطيع أن يأتي به، ولكن ولو خاتماً من حديد، فلم يجد، فقال: (أمعك من القرآن شيء، فقال: نعم، سورة كذا وكذا، وسورة كذا، لسور سماها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد زوجناكها بما معك من القرآن) يعني: مهرها الآن السور التي معك، فإذاً: أنت ملزم أن تحفظها الذي تحفظه من القرآن، فهذا هو مهر هذه المرأة. والغرض من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد الرجل فقيراً لا يملك أن يدفع مهراً، ومع ذلك لم يقل له: لا تتزوج، فطالما أنه يقدر على أن يأتيها بطعام يومها، وأنه يستطيع أن ينفق عليها ما تحتاجه من ضروريات الحياة، إذاًَ: فعلى ذلك له أن يتزوجها ولو كان المهر شيئاً يسيراً. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن: (من بركة المرأة يسر مهرها)، فيكون مهراً يسيراً خفيفاً، وهذا من بركة المرأة أن تتزوج فيكون الزواج يسيراً لا مشقه فيه، وأيضاً ما إن تتزوج حتى تنجب فهذا من بركة المرأة.
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا)
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) قال الله عز وجل بعد ذلك: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]، فإذا كان الإنسان لا يوجد معه مهر، ولا يستطيع أن يقوت من يعول ولا أن يقيم بيتاً، فكيف سيتزوج؟! فيلزمه الاستعفاف إذاً. قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ} [النور:33] السين في يستعفف استدعاء واستفعال، يعني: ليطلب العفة، ويستدعي العفة من نفسه. والعفة: هي الكف عما حرم الله سبحانه وتعالى، وعما لا يحل للإنسان أن يفعله. فالإنسان العفيف هو الذي يصبر عن محارم الله سبحانه، ويضبط نفسه ويكف نفسه عما حرم الله، وعما يجب أن يتركه. وليستعفف هؤلاء الذي لا يجدون نكاحاً، يعني: لا يجدون طول النكاح، فلا يقدر على النكاح بسبب المال. وإلى متى يستعففون؟ قال الله تعالى: {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]، وكأنه وعد من الله سبحانه وتعالى إن تستعفف يغنك الله عز وجل. وليستعفف هؤلاء إلى أن يرى الله عز وجل منهم عفة حقيقة وصبراً جميلاً، فيغنيهم الله عز وجل من فضله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)، فالصوم يمنع الإنسان من معصية الله عز وجل؛ لأنه يقلل الدماء في عروقه، فيصبره على الشهوة، ويصبره على أمر النكاح، ولا يستعجل الإنسان فيقول: أنا صابر فلماذا لم يغنني الله؟ وأنا أسال الله فلماذا الله لم يعطني؟ فالإنسان المتعجل جدير بعدم الإجابة، لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي)، فهذا إنسان عجول يدعو قليلاً ثم ينقطع، فالإنسان الذي يدعو يصبر لأمر الله سبحانه، فالله لم يقل: أنا سأستجيب لك اليوم، ولا غداً. وانظر حين وعد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بفتح مكة فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} [الفتح:27]، فالصحابة يريدون وعد الله عز وجل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى رؤيا قبل ذلك أن الله يفتح لهم، فلما ذهبوا عام الحديبية ولم يستطيعوا أن يدخلوا مكة ورجعوا قالوا: (ألم تكن تحدثنا أنا نأتي مكة)، فكأنهم تعجلوا ذلك، قال: (بلى، وإنا إن شاء الله آتوها، هل حدثتكم أنا نأتي هذا العام؟!)، هل قلت لكم إننا سنأتي هذه السنة؟ فلم يقل ذلك ولكن ذكر لهم رؤيا رآها أنهم سيفتحون مكة، وسيدخلونها، وأما تحقيق ذلك فمرجعه إلى الله تعالى، ولكن سيكون وعد الله الذي وعد به نبيه صلوات الله وسلامه عليه. فرجعوا من الحديبية بعدما كانوا مؤملين أنهم يدخلون مكة، ولم يدخلوا، ولما أمرهم أن يحلقوا كأنهم ما زالوا ينتظرون دخول مكة، فلم يحلقوا، وأصبح كل واحد يتلكأ ويتأخر حتى حلق النبي صلى الله عليه وسلم شعره، ثم بدأ يحلق بعضهم لبعض، وكاد بعضهم يقتل بعضاً من شدة غمهم؛ لأنهم لم يدخلوا مكة هذا العام. فلما كانوا راجعين أنزل الله عز وجل سورة الفتح: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، فتح ماذا وقد رجعنا من دون فتح ولا شيء؟ فذهب عمر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم -وكان من أكثر الناس كلاماً في هذا اليوم- فقال: (أو فتح هو؟ قال: نعم) يعني: هل هذا الذي عملناه فتح وقد رجعنا بشروط أقرب للهزيمه منها للعدل، ورجعنا ولم ندخل ولم نعتمر؟ فقال: نعم، فتح، فصدَّق عمر أن الأمر فتح، وكان أعظم الفتوح. وفي سنين الإسلام الطويلة قبل ذلك كان العدد الذي يدخل في الإسلام قليلاً، إلا أن ما بين الحديبية إلى فتح مكة دخل في دين الله الأفواج الكثيرة، ثم فتحت مكة بعد عامين فكان الفتح العظيم من الله، وكانت الإجابة بوعد الله سبحانه وتعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه. فهنا لم يقل: سنفتح لكم مكة اليوم، أو غداً أو بعد كذا، والله أعلم من يستحق أن يستجيب له حالاً، ومن يستحق التأجيل، ومن لا يستحق الاستجابة في الدنيا بل يدخر له ذلك ليوم القيامة. لذلك على المؤمن أن يصبر لأمر الله وينتظر الفرج ولو بعد حين، وتأمل صبر يعقوب عليه الصلاة والسلام على ذهاب ابنه، فلما قال الله: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف:4]، وهذه رؤيا نبي فهي حق، فلذلك الأب فهم الرؤيا، وأنه لابد أن الأب والأولاد كلهم يسجدون ليوسف عليه الصلاة والسلام، فهذه رؤيا حق، فقال: {لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:5]، ثم أخذوا أخاهم وألقوه في الجب، وجاءوا لأبيهم وقالوا: أكله الذئب، فلم يصدقهم في ذلك، ولم يقل: يا رب ائتني به الآن، فأنا لا أصدقهم فيما يقولون، أو دلني على مكانه، وإنما صبر سنين طويلة إلى أن أصبح يوسف أميراً على مصر، وحاكماً عليها، وهذه سنين طويلة جداً إلى أن رجع يوسف لأبيه أو جاء الأب إلى ابنه. فعلم أن الله لا يخلف الميعاد، وأن هذه رؤيا حق، فلم يسأل ربه أو يناقشه في هذه الرؤيا، وأولاده يكذبون عليه يوماً بعد يوم، فقالوا: أكله الذئب، ثم قالوا: {تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ} [يوسف:85] وقد قالوا له ذلك قبل أن يجد يوسف عليه الصلاة والسلام. وقد كان شديد الصبر والكظم لغيضه، {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف:84]، فذهبت عيناه من الحزن، لكنه لم يتعجل أمر الله إلى أن جاء أمر الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} [يوسف:100]، وهذه الرؤيا لها فوق الخمسين سنة قبل ذلك، ثم كان تأويل هذه الرؤيا -وهي رؤيا صدق- وتحققت لكن لم يُحدد زمن لوقوعها. كذلك الإنسان المؤمن الذي يتوكل على الله ويثق بوعده، وأن الله يريد به الخير واليسر، وأنه إن أخر شيئاً فلخير أخره، فماذا سيخسر الله إن استجاب الآن أو غداً، ولكن له حكمة سبحانه وتعالى، فثق بالله سبحانه، وانتظر فضله ورحمته الواسعة. نسأل الله عز وجل من فضله ورحمته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [33]
تفسير سورة النور الآية [33] خلق الإنسان في هذه الحياة ليبتلى، فقد يبتلى بالفقر والغنى، ومن ذلك أن الرجل كامل القوة تام الأعضاء قوي البنية قد لا يجد صداق امرأة ينكحها، فيأتي التوجيه الرباني مرشداً له كيف يتصرف ويواجه هذا الابتلاء، وذلك بأن يطلب الاستعفاف بالصيام، والابتعاد عن كل ما يثير هذه الشهوة الجامحة حتى تزول شدته، ويأتي الفرج من ربه، فينكح ما طاب له من النساء.
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله)
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:33]. لما أمر الله عز وجل عباده بالنكاح وقال: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، ووعد سبحانه بالفضل منه {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور:32]. قال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور:33]، فالقادر على النكاح يتزوج، وخاصة إذا كان في زمن الفتنة ويخاف على نفسه من العنت والوقوع في الفاحشة، فيجب عليه أن يتزوج طالما عنده القدرة المالية، وعنده القدرة على النكاح. وأما الذي لا يقدر فيطلب العفاف والكف عن ما حرم الله سبحانه بأن يغض بصره، ولا يمشي في أماكن الحرام، ولا يصادق أصدقاء السوء، ولا يطلع على ما لا يحل له الاطلاع عليه، ويكف شهوته بأن يكثر من الصوم، ويتذكر أمر الآخرة والحساب عند الله عز وجل، وأمر النار لو أنه وقع في الفاحشة وفي المعصية، ويتذكر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث في أن (العين تزني، وأن اليد تزني، وأن الرجل تزني) وما إلى ذلك من أحاديث، فيستعين بما ذكرنا وغيره على أن يحصن نفسه؛ لئلا يوقع نفسه في الفاحشة, فيتعفف بالبعد عن الحرام. {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]، والله سبحانه يعد بأن يغنيه من فضله وقت ما يشاء سبحانه وتعالى، فيتعفف هؤلاء انتظاراً لفرج الله، وانتظاراً للغنى من الله سبحانه وتعالى.
تشوف الإسلام إلى إعتاق العبيد
تشوف الإسلام إلى إعتاق العبيد ثم قال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:33] وهؤلاء هم ملك اليمين، وهم العبيد والإماء، فلهم حقوق كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث فقال: (إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم) فالله عز وجل جعل هؤلاء العبيد تحت أيدي الأحرار يملكونهم، والله يفعل ما يشاء، وقد كان الرق قبل الإسلام منتشراً جداً، وكان موجوداً عند العرب في الجاهلية وعند اليهودية والنصرانية وعند الكفار من هنود وبوذيين وغيرهم من الأمم، فجاء الإسلام على هذا الوضع الموجود، فلو أنه بدأ وقال: حرروا الرقاب، لما أطاق أحد أنه يفعل ذلك، وما نفذوا ذلك؛ لأن الرقاب التي في أيديهم أموال، فالواحد يشتري بماله عبداً أو عبدين أو ثلاثة؛ ليعلموا ويأخذ منهم الأجرة على العمل الذي عملوه، وهو يملكهم ويبيعهم، فلو أنه حرم عليهم ملك العبيد وأمر بتحرير كل العبيد لما استجابوا لذلك. ولذلك جاء الإسلام يريد أن يحرر هؤلاء العبيد، ولكنه لم يأت بوجوب إعتاق الرقاب مطلقاً، ولكن جعل ذلك في الكفارات مثل كفارة القتل خطأً أو عمداً، فيحرره إذا كان قبل عمداً واستحق بذلك النار؛ فلعل الله عز وجل أن يعفو عنه. فالإنسان الذي قتل خطأ الكفارة التي عليه أن يبدأ بالعتق، والإنسان الذي يحلف يميناً فعليه كفارة ويبدأ بتحرير الرقبة، والإنسان الذي يظاهر من أهله عليه في الكفارة تحرير رقبة، والذي يفطر عمداً بجماع في نهار رمضان عليه كفارة تحرير رقبة. فجعل كفارات كثيرة أول ما يبدأ المكفر فيها يبدأ بتحرير الرقاب، فهذا هو ما يجب فيه تحرير الرقاب، وما سوى ذلك فقد جعل تحرير الرقاب مستحبا، ً فمن خاف من النار يوم القيامة أعتق عبداً يكون فكاكاً من النار. وأمر الله المسلمين أن يجعلوا جزءاً من زكاة أموالهم في عتق الرقاب، قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة:60]، فقوله: (وفي الرقاب) يعني: جعل شيء من زكاة ماله لعتق العبيد. وقد جعل من ذلك أيضاً عتق المكاتَب، فإذا وجد السيد في عبده خيراً وعلم منه صلاحاً وتديناً وأمانة وقدرة على الكسب ولا يوجد مانع من عتقه أعتقه، وقد يقول الإنسان: هذا مالي فكيف أضيعه من يدي ببساطة؟! فلما علم الله شح النفوس جاء بطريقة ثانية فحْواها ألا يضيع مال السيد، بل يترك العبد يعمل ويدفع ثمن نفسه، فيكتب عقداً بينهما أنه يدفع ذلك خلال سنتين مثلاً، ثم يكون بعد ذلك حراً. فانظروا كيف حرر العبيد، فمرت السنون والأعوام وإذا بكل العبيد يعتقون، ولا يوجد رق بعد ذلك. وانظر الفرق بين الإسلام وبين الغرب الكافر فلما أراد الأمريكان أن يحرروا العبيد صدر بذلك قرار جمهوري، فوقعت حرب أهلية بين الناس، ودام القتال سنوات طويلة بين أصحاب المال ومن يريد أن يتحرر. أما الإسلام من فقد حرر العبيد من غير إراقة دماء، ولكن حرر هؤلاء خلال سنين طويلة. فالإسلام يخاطب القلوب والعقول، ويذكر بالآخرة، ويربط العامل بدخوله الجنة، والنجاة من النار، فجاءت هذه الآية في الكتابة، والكتابة: هي العقد بين السيد والعبد سواء كان ذكراً أو أنثى. فيقول لهم سبحانه: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:33] فالعبد يطلب من سيده أن يحرره، فهذا معنى قوله: (يبتغون)، فلا يتعنت السيد فيمنع ذلك، لكن طالما أن العبد يقدر على أن يأتي بثمن نفسه، وهو عبد صناع فلا مانع أن يكتب معه عقده، قال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النور:33] وملك اليمين هو العبد أو الأمة. قال: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور:33]، هذا أمر من الله للسادة بالكتابة، قال: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33] يعني: إن علمت في هذا الإنسان أمانة وتديناً وصلاحاً وقدرة على الكسب فكاتبه. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن عقد الكتابة في هذه الحالة واجب، واحتجوا بقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور:33]، وهذا أمر من الله فيحمل على الوجوب. لكن الجمهور قالوا: هذا الأمر على الاستحباب، وقرينة صرفه عن الوجوب قوله في الآية نفسها: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33]، والخير والصلاح والتدين والأمانة شيء قلبي ولا أحد يطلع عليه، فالسيد لم يعلم إلا بالظاهر، وقد يكون الباطن خلاف ذلك، فقد يظهر ذلك ليعتق. وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا وجد من عبيده من هو محافظ على العبادة اعتقه، فكان عبيده يتظاهرون أمامه بذلك، فكان يعتقهم. ففال له الناس: إن هؤلاء يخدعونك وإنما يفعلون ذلك أمامك فقط، فكان يقول: عبد الله بن عمر رضي الله عنه: من خدعنا بالله انخدعنا. فـ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان صادقاً مع الله، وتأمل الفرق بيننا وبينه، فنحن نحاول أن نكون أذكياء، لكن الصحابة كان ذكاؤهم فطرياً، فهم لا ينخدعون ولكن يتغافلون. والمؤمن يتعامل مع الله سبحانه وتعالى، فإذا وجد إنساناً يظهر الصلاح اعتبره صالحاً، ولا يشغل نفسه به: هل هو صادق أم لا؟ لأن الله سبحانه هو الذي سيتولى حسابه، فلماذا يضيع وقته معه ويقعد يرقبه ليتأكد من صلاحه؟! لذلك كان الصحابة أفطن وأعلم بأمر الدنيا والآخرة منا، فنحن نقعد نفتش وننقب ونبحث فيضيع وقتنا بدون فائدة، لكنه ببساطة يقول: من خدعنا بالله انخدعنا. يعني: نحن عملنا هذا العمل لله، فلنا الأجر عند الله، وهم حسابهم عند الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور:33]، فإن علم الإنسان في هذا العبد خيراً كاتبه، قالوا: وعلم الخير شيء مجهول، ونحن إنما نعلم الظاهر فقط، وأما ما في القلب فلا نعمله، فيكون الحكم على ذلك: إذا علمت صلاحه يقيناً وجبت مكاتبته، وأما إذا لم يعلم يقيناً فيستحب أن أكاتب هذا العبد الذي ظهر فيه الخير والصلاح. قال تعالى: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، فانظروا الفضل من الله عز وجل، فربنا كريم ويعلِّم العباد الكرم. فالله عز وجل يأمرك أن تكاتب هذا العبد، وهو لا يملك مالاً؛ لأنه قبل عتقه ملْك لسيده، وكذلك كسبه، فإذا كاتبته على مال معين فاعفه عن جزء منه؛ إعانة له في عتقه، فالله عز وجل يقول لهذا السيد: اتق الله في هذا العبد أن تأخذ منه كل المال، فإن كنت كاتبته على ألف فخفِّض له قليلاً، فإذا أعطاك ثلاثة أرباع المال فاعف عن الربع الأخير، وإذا كان عليه عشرة أقساط فأترك له قسطاً أو قسطين. وهنا قال سبحانه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، فالله عز وجل دائماً يذكرك أن المال ليس مالك، وإنما هو مال الله، ويعرف الإنسان ذلك في وقت الوفاة حينما يقول: مالي كله صدقة، فيقال له: المال مال الورثة، ولكن لك أن توصي بالثلث من المال فقط، وبشرط ألا توصي بذلك لوارث، فليس من حقك أن تفعل ذلك، فإن كنت تريد أن تعمل الخير فأوصي إلى غير وارث. وعندما يكون الإنسان في مرض الموت يستشعر أنه الذي جمع المال طول عمره، فإذا أراد أن يصرفه رُفع أمره إلى القاضي ليحجر عليه، فهذا المال جمعة في حياته كلها لكن ليس من حقه الآن أن يصرفه؛ فقد انتقل للورثة. فالإنسان خليفة في الأرض، وهو لا يخلف الله تعالى كما يقولون، وإنما الإنسان يخلف غيره، فهذا يموت والآخر يأتي بعده، وهذا يذهب وهذا يأتي، والمال في يد هذا وبعد ذلك أخذ هذا المال آخر، فيخلف بعضهم بعضاً. فهنا يقول ربنا سبحانه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33] يعني: أن السيد الذي كاتب عبده يتنازل عن قسط أو قسطين من المال، وكذلك المسلمون يدفعون من زكاة أموالهم؛ ليساعدوه من اجل أن يعتق ويتحرر. وبهذه السورة العظيمة الجميلة تحررت رقاب كثيرة حتى تحررت كل الرقاب التي مع المسلمين. والكتابة كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم صورة من الصور التي تبين حرص الصحابة على الخير وخاصة أمهات المؤمنين رضوان الله وتعالى عليهن، فهذه عائشة رضي الله عنها جاءتها بريرة، وهي امرأة كانت أمة وكان زوجها عبداً، فـ بريرة يملكها أناس، وزوجها -اسمه مغيث - يملكه أناس آخرون، فتزوج مغيث من بريرة، وبعد ذلك كاتبها أهلها على تسع أواق في تسع سنوات أو في خمس سنوات، فـ بريرة لما كاتبوها دخلت على عائشة رضي الله عنها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين. وهذه الرواية من روايات الحديث في صحيح البخاري، وفي رواية أخرى وهي الأرجح منها: أنهم كاتبوها على تسع أواق من الفضة خلال سنين معينة وتعتق بعدها، فهي لم تكن أدت من كتابتها شيئاً، فجاءت إلى عائشة رضي الله عنها تستعين بها على ذلك، فأعجبتها وأحبت أن تسارع وتبادر إلى خير، فقالت: أرأيت إن عددتها لهم عدةً واحدة أيبيعك أهلك فأعتقك فيكون ولاؤك لي؟ يعني: إذا دفعت لك ذلك مرة واحدة، هل سيبيعك أهلك؟ وهي لا تريد أن تشتريها لتجعلها أمة عندها، وإنما لتعتقها رضي الله تبارك عنها. فذهبت بريرة إلى أهلها فأبى أهلها ذلك، وقالوا: لا إلا أن يكون لنا الولاء. والولاء في هذا الباب بمعنى: الميراث، والمعنى: أنهم أرادوا ذلك، إذ قد تصبح غنية في المستقبل، فلعلها تموت فإذا لم يكن لها ورثة ورثوها بالولاء. وبريرة كانت متزوجة من مغيث، والظاهر أنها عندها أولاد منه، فلما عتقت خيرت في زوجها هل تبقى معه أو لا تريد أن تبقى معه، فكان مغيث يجري وراءها في الطريق وهو يبكي يريدها أن تبقى معه،
تفسير سورة النور [33 - 34]
تفسير سورة النور [33 - 34] لقد حث الله عباده على النكاح، ومن لم يجد ما لا يتزوج به فقد حثه الله على العفاف، ووعده بالغنى، ورغب الله في مكاتبة الرقيق إن كان فيهم خير، فيكون العتق صلاحاً لهم في دينهم ودنياهم؛ ولا يكونون عالة على غيرهم، وحرم الله على من يملك الجواري أن يكرههن على الزنا، فإن أكرهن فإن الله يغفر لهن إن كن لا يردن ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا)
تفسير قوله تعالى: (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور:33 - 34]. يأمر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين بالعفة بعدما أمر بالإنكاح، قال سبحانه وتعالى قبل ذلك: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32]، فأمر بالتزويج، وأن الولي الذي عنده عبد أو أمة وهم يريدون النكاح أن يعينهم عليه. ثم قال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور:33]، فالقادر على النكاح يتزوج، والذي لا يجد قدرة مالية على النكاح فليستعفف: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33]، وهذا أمر.
معنى قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم)
معنى قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم) قال: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور:33]، هذه المكاتبة التي فصلناها قبل ذلك، فقد أمر الله عز وجل الذين يملكون العبيد والإماء إذا وجدوا منهم صلاحاً، ووجدوا فيهم أمانة، ووجدوا فيهم خيراً وقدرة على الاكتتاب؛ أن يعينوهم على التحرر والخروج من الرق إلى الحرية، قال: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، فأمرهم أن يكاتبوهم إذا لم يحرروهم بلا شيء، فيدفع العبد ثمن نفسه، وذلك بأن يعمل ثم يدفع ثمن نفسه فيكون حراً بعد ذلك. وأمر الله عز وجل بإعانتهم، فهذا الذي يملك عبداً، ويكاتب هذا العبد على ثمن أمره الله عز وجل بالإعانة، وذلك إما بخفض قيمة الأقساط التي يدفعها، فيتنازل له عن قسط أو قسطين من هذا المال، أو أن يعنيه بالمال من صدقة أو من زكاة ونحو ذلك؛ حتى يصير حراً، قال الله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، ويذكرنا الله أن المال هو مال الله عز وجل، فمهما آتيت إنساناً من مال فلا تزعم أن الفضل لك، وإنما الفضل من الله؛ لأنه صاحب المال وصاحب الغنى الحقيقي سبحانه وتعالى.
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء)
معنى قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) ذكر الله حكماً ثالثاً في الآية نفسها وهو: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33]، فالحكم الأول: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور:33]، والحكم الثاني: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} [النور:33] وأمر بإعانتهم على فك رقابهم فقال سبحانه: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، ثم ذكر حكماً آخر فقال: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33]، وهذا الحكم عام وسبب هذا الحكم خاص، والفتيات هنا هن الإماء، وما كان رجل أبداً يكره ابنته على أن تذهب إلى الزنا، بل كان العرب يقتلون بناتهم خوفاً من الوقوع في ذلك، ولم يكن يحدث هذا من الحرائر غالباً وإنما كان يحدث من الإماء، فكان الرجل يملك مجموعة من الإماء، فيأمر الأمة أن تذهب تسافح وتأتي له بأجرة، فنهى الله عز وجل عن ذلك. وكان سبب نزول هذه الآية في المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه، فقد كان منافقاً كافراً امتلأ قلبه بالكفر والحنق على الإسلام، وأعماله فاسدة، وهذا الرجل كان في الجاهلية من كبار الناس في المدينة، وكادوا يجعلونه ملكاً عليهم لشرفه عندهم، فلما جاء الإسلام وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنه قد انتهى أمره وضاعت رياسته، فانقلب ما كان فيه من أمور خير كان عليها في الجاهلية، إلى شر شديد جداً في الإسلام! فدخل في الإسلام كرهاً؛ لأنه وجد من حوله قد دخلوا في الإسلام، وسيضيع منه الأمر إذا ظل على كفره، وخوفاً من أن يقتل كافراً، فدخل في الإسلام ظاهراً وقلبه ممتلئ بالبغض للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت أعماله شنيعة قذرة، وقد كان يكيد للنبي صلى الله عليه وسلم، ويوالي اليهود، ويدافع عن اليهود، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل يهود بني قينقاع دافع عنهم هذا المنافق دفاعاً شديداً، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أجلاهم ولم يقتلهم. وهناك فرق بين هذا المنافق الكافر المجرم وبين الرجل الأنصاري العظيم سعد بن معاذ رضي الله تبارك وتعالى عنه، فهذا المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول كان يهود بني قينقاع أولياء له في الجاهلية، وسعد بن معاذ كان يهود بني قريظة أولياء له في الجاهلية أيضاً، فلما جاء الإسلام ومنع الموالاة مع الكفار فـ سعد بن معاذ ترك هؤلاء. ولما أراد النبي صلى الله عليه وسلم قتل بني قينقاع، إذا بـ عبد الله بن أبي يدافع عنهم دفعاً شديداً، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتقتلهم في غداة واحدة؟! ولم يزل يدافع عنهم حتى تركهم النبي صلى الله عليه وسلم له؛ تأليفاً لقلبه، وليس حباً لهذا الإنسان، عسى أن يصلح حاله، وأيضاً خوفاً من الفتنة؛ لأن أشياعه من الأنصار كثير، فقد كان خزرجياً، والخزرج أهل ود النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل دفاع عن دين الله عز وجل، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم فتنتهم بهذا الرجل المجرم عبد الله بن أبي ابن سلول، فترك له هؤلاء اليهود، وأجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه. وأما سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري رضي الله عنه الذي اهتز عرش الرحمن لوفاته رضي الله تبارك وتعالى عنه؛ فرحاً بقدومه على ربه سبحانه، فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم في حصاره لبني قريظة أن ينزلوا على حكمه، رفضوا أن ينزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ، وظنوا أنه سيفعل بهم كما فعل المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول بحلفائه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزلهم من الحصن بأمان إلى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، ولما جاء سعد بن معاذ وقفوا يبكون له ويتوددون له، ويذكرونه بأيام الجاهلية، وما كان بينه وبينهم، فقال: آن لـ سعد بن معاذ ألا تأخذه في الله لومة لائم، وحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، وأن تؤخذ أموالهم، فقتل في غداة واحدة جميع رجالهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مصوباً لحكمه: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك). وهذا عبد الله بن أبي بن سلول المجرم الملعون قال عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [المنافقون:8]، يقصد بالأعز نفسه، وبالأذل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين لعنة الله عليه، وقد سلط الله عز وجل عليه ابنه عبد الله، وكان رجلاً مؤمناً رضي الله عنه، فوقف بسيفه على أول المدينة ومنع أباه من الدخول؛ حتى يعترف أنه هو الأذل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأعز، ومنعه من الدخول حتى أقر بأنه الذليل لعنة الله عليه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو العزيز ومن معه من المؤمنين. فهذا الرجل أهل لكل خيانة، وأهل لكل شر، وأهل لكل فساد، وهو سبب نزول هذه الآية، فقد كان عنده جاريتان، وكان يأمرهما بالزنا ويكرهما عليه، فتخرج الفتاة وتزني وترجع إليه بمال الزنا والعياذ بالله. روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن جارية لـ عبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، كان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33]. قال الله: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33]؛ لأنه لا يتصور الإكراه إلا والفتاتان لا ترغبان في ذلك وتمتنعان منه، وأما إذا كانت الفتاة تطاوع على ذلك فلا إكراه في ذلك، لكن الفتاة كانت مؤمنة، وكانت ترفض ذلك، فكان يجبرها على هذا الزنا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية يحرم ذلك. وقوله: {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33] هذا وصف للحال الذي عليه الفتاتان، وليس هذا شرطاً، وليس المعنى: إذا أردن تحصناً فلا تكرهوهن، وإذا لم يردن فأكرهوهن، فلا مفهوم لهذه الآية، ولكن المعنى: والحال أنهما تريدان التحصن والبعد عما حرم الله، وتريدان هذا الإسلام العظيم، وتريدان طاعة الله سبحانه، فلا يحل لكم أن تصنعوا ذلك معهن ولا مع غيرهن، والتحصن بمعنى العفة. ثم بين الله سبب إكراههم الفتيات على البغاء فقال: {لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور:33]، فالأمر كله من أجل المال، والمنافق لا يشبع من شيء، فهو يريد المال ولو بهذه الصورة القذرة حيث يأمر الفتيات بالبغاء. وقوله: (لتبتغوا) مفعول لأجله، أي: لأجل أنكم تبتغون عرض الحياة الدنيا، والدنيا أعراض، نقول: جاء للإنسان عرض، والمرض عرض يعرض للإنسان، والعرض شيء لا يدوم، فما أخذته في الدنيا لا يدوم لك أبداً، بل ينفد ويزول، فكل أعراض الدنيا مهما أخذت منها شيئاً، وكذلك ما يعرض لك من مرض ومن أشياء تبتلى بها فإنها لا تدوم، فهؤلاء يبتغون عرض الدنيا، فالله يحذر من ذلك، ويبين أن هذا عرض ليس دائماً، فابتغ ما عند الله من الجنة الدائمة. وقوله {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور:33] فيها قراءات: قرأها ورش وقنبل عن ابن كثير وأبو جعفر ورويس: (على البغاء ان) بهمزة أولى محققة، وبهمزة ثانية مسهلة. وقرأها قالون والبزي بالعكس؛ بتسهيل الأولى، وبتحقيق الثانية (على البغآ إن)، ولهما المد أو القصر في ذلك. وقرأها ورش أيضاً مطولاً لها: (على البغآ إن أردن) فيمد الهمزة الأولى ويمد الأخرى، وهذه قراءة أخرى له في ذلك. وقرأها أبو عمرو: (على البغا إن)، بحذف الهمزة الأولى وإثبات الثانية فقط. ثم قال تعالى: {وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ} [النور:33] أي: يكره الفتاة على الزنا {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ} [النور:33]، أي: هؤلاء النساء {غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور:33]، فالمكرهة معذورة في إكراهها، فإذا أجبرها سيدها على ذلك بالضرب أو بالتخويف بالقتل، فهذه مكرهة، فالله يغفر لها، وهذا الذي أكرهها له العذاب الأليم عند رب العالمين سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات) قال الله: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور:34]، لقد تفضل الله عز وجل على عباده بأن أنزل عليهم هذا القرآن الذي يتلى ويعمل بما فيه ويثاب الإنسان عليه. {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ} [النور:34] عظيمات {مُبَيِّنَاتٍ} [النور:34]، فيها قراءتان: (آيات مُبْيَّنات) و (آيات مُبِّيَنَات)، فقرأها ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: بالكسر، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وشعبة عن عاصم: بالفتح على اسم المفعول. فهي مبِّينة على اسم الفاعل بمعنى آية موضِّحة، فهي توضح لك ما تحتاج إليه، فهي في ذاتها ظاهرة وواضحة، وليست محتاجة إلى تعب وعناء في فهمها، فهذا القرآن العظيم كل إنسان يعرف العربية ويسمعه فإنه يفهم ما يقوله الله سبحانه وتعالى، فهو بيِّن في نفسه، وهو مبَّين للأحكام التي يريد الله عز وجل منك أن تعمل بها، وهي مُبَّيَنَة، فإذا جاءت في موضع مجملة وضحت في موضع آخر، وإذا أشكلت في موضع وضحت وفسرت في موضع آخر، وكذلك يبينها النبي صلى الله عليه وسلم بسنته صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: {وَمَثَلًا} [النور:34] يعني: هذا القرآن الذي نزل من عند رب العالمين فيه الآيات البينات، وفيه الأمثال، فالله يضرب لكم فيه الأمثال كما قال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، فيضرب المثل بالبعوض، وضرب المثل بالذبابة، ويضرب المثل بالأحياء والأموات، ويضرب المثل بالجماد، وبالحيوان، وبالطيور؛ لنفهم عنه سبحانه وتعالى. قوله: {وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [النور:34] أي: الأمثال من الأمم السابقة كيف فعلوا، وكيف فعل بهم. {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور:34] أي: وفيه موعظة، والذي يفهم هذه الموعظة ويعمل بها هو التقي، وأما غير التقي فلا يفهم ولا يعتبر، فيكون هو عبرة لغيره، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، فالقرآن فيه آيات بينات، وأمثال من خلوا من قبلنا؛ لنتعظ ونعمل. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيعملون بأحسنه وينتفعون به. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [35]
تفسير سورة النور الآية [35] ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه نور السماوات والأرض، ومنورهما، وهادي أهل السماوات والأرض إلى الصراط المستقيم، وضرب الله سبحانه وتعالى مثلاً لنوره قي قلب المؤمن بمشكاة -وهي الكوة غير النافذة- فيها مصباح بداخل زجاجة بيضاء نقية كالكوكب المنير المتلألئ، وفتيل هذا المصباح يوقد من زيت شجرة الزيتون المباركة، وهذا الزيت يكاد يضيء من شدة صفائه، فهذا مثل لنور الله في قلب المؤمن، وهو نور الإيمان والوحي والهدى.
تفسير وقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة)
تفسير وقوله تعالى: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35]. ذكر الله عز وجل نوره في هذه الآية العظيمة الكريمة، ومجيئها في هذا الموضع غاية في الجمال والإحكام والإتقان، فالله عز وجل ذكر قبلها غض البصر، فقال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} [النور:30]. وذكر بعدها: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:31]. ثم ذكر أنه أنزل: {آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [النور:34]. ثم ذكر هذه الآية العظيمة، وذكر بعدها: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]. فالذي يتأمل في هذه الآيات يجد أن الله سبحانه وتعالى قصد أن يبين لنا نوره سبحانه وتعالى، فهو النور سبحانه، وجعل في قلوب عباده نوراً، وأنزل عليهم من السماء نوراً يهديهم، وأرسل إليهم رسولاً من عنده يهديهم إلى نوره سبحانه وتعالى، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة:15]. فهذا نور بعضه وراء بعض: نور طاعة الله سبحانه وهداه، ونور اجتناب معصية الله سبحانه وتعالى وعقوبته، وذكر ذلك لما ذكر غض البصر، وكأن المعنى: أن من غض بصره فإنه يورث في قلب الإنسان نوراً من عند الله سبحانه وتعالى. فالله نور السموات والأرض، أي: منورهما وهادي كل شيء سبحانه وتعالى، وطاعته تورث في القلب النور، ومعصيته تحجب عن القلب النور.
فوائد غض البصر
فوائد غض البصر قال أهل العلم: من فوائد غض البصر: أنه يورث نور القلب، والإنسان الذي يغض بصره فإنه يستنير قلبه، ويورث الفراسة، فيكون الإنسان ذكياً تقياً يعرف الشيء ويفطن إليه بمجرد إحساسه. ولذلك أخبر سبحانه وتعالى عن قوم لوط أنهم أظلمت قلوبهم فصاروا متحيرين لا يفهمون ولا يفقهون، ووقعوا في هذه الجريمة الشنعاء وهي إتيان الرجال من دون النساء، فالله سبحانه وتعالى يخبر عنهم: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72]. والإنسان الذي يقع في المعصية وخاصة الفاحشة من زنا ولواط، فإن مبدأ هذه الفاحشة هو النظر إلى المرأة أو الأمرد، فيقع في النهاية في هذه الفاحشة والعياذ بالله. وهؤلاء وقعوا فيها واستحلوا ما حرم الله سبحانه وتعالى، فأخبر تعالى أنه عاقبهم وعاجلهم بعقوبة عجيبة جداً، فأرسل عليهم رسولاً من عنده سبحانه يستدرجهم فيما هم فيه من بلاء ومعصية حتى إذا أصروا على الوقوع في هذه الفاحشة، إذا برسل الله عليهم الصلاة والسلام -وكانوا ملائكة من عند رب العالمين- يخرجون لوطاً، وإذا بالقرية تهدم على من فيها، ويرسل عليهم ربنا سبحانه وتعالى حجارة تحرق من كان فيها، ويهلكهم ويتلفهم ويدمرهم بهذه الجريمة، يقول تعالى: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يعمهون} [الحجر:72]. والسكرة: العماية، يعني: كأنهم مخمورون، فعقولهم تائهة قد سكرت كالإنسان الذي يشرب الخمر فيتوه عقله، وكذلك أنها مسَّكرة، أي: مغلقة عليهم قد أغلقت وتاهت عقولهم؛ بسبب ما وقعوا فيه من الفاحشة. فالفواحش تظلم على الإنسان قلبه، ومبدأ هذه الفواحش من نظر الإنسان، فينظر فيقع في الزنا أو اللواط، والقلب يتمنى الشيء والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
أضرار النظر إلى ما حرم الله
أضرار النظر إلى ما حرم الله قال أهل العلم: إن التعلق بالصور والنظر إلى ما حرم الله سبحانه يوجب فساد العقل، وعمى البصيرة، وسكر القلب بل جنونه، فيجن القلب فلا يعقل ما الذي يدفع صاحبه إليه، فلذلك قال بعض الشعراء: سكران سكر هوى وسكر مُدامة فمتى إفاقة من به سكران والإنسان السكران الذي في قلبه هوى لا يفيق، وعقله يذهب، فإذا بالقلب والعقل لا يأبهان لشيء ولا يفهمان شيئاً، فإذا به يضيع، ومتى يفيق هذا الإنسان الذي يضيع؟
الأمور التي تؤدي إلى إصابة الفراسة
الأمور التي تؤدي إلى إصابة الفراسة ذكر الله سبحانه آية النور عقب آيات غض البصر لينبه الإنسان أن غض البصر يورث في القلب نوراً وهذا من فوائد الطاعة وتجنب معصية الله سبحانه، لذلك قالوا: كان رجل من أهل العلم اسمه شاه بن شجاع الكرماني، كانت لا تخطئ له فراسة، فكان يتوسم في الشيء ويقول: أظنه كذا، فيكون على ما ظنه، والأمر ليس أمر ذكاء من الإنسان أو أن يجعل نفسه فاهماً وعارفاً بكل شيء، ولكنها من الله عز وجل نور في قلب الإنسان، فيتفطن للشيء الذي لا يتفطن إليه غيره. فسألوا هذا الرجل عن ذلك، فقال: من عمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وأكل الحلال، لم تخطئ له فراسة. فالإنسان الذي يريد أن يتوقع الشيء ويكون على النحو الذي يتوقعه، ولا أحد يستطيع أن يخدعه، فإن ذلك لن يأتي من كثرة مخالطة الناس، أو أن يظن الإنسان أنه ذكي، ولكن يطيع الله عز وجل فيورثه الله عز وجل في قلبه ما يفهم به الأمور. فهذا الرجل الفاضل كان يقول: من عمّر ظاهره بإتباع السنة، أي: من يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ويتابع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. وعمّر باطنه بدوام المراقبة، أي: لا يبقى الظاهر متابعاً للسنة والباطن خرب، ولكن يعمره بمراقبة الله وبالخوف من الله سبحانه وتعالى، فاجتنبوا المعاصي ظاهراً وباطناً. ويغض بصره عن المحارم، ويكف نفسه عن الشهوات، يعني: الباطلة التي حرمها الله عز وجل، فكذلك يأكل الحلال ولا يأكل من حرام، وإذا اجتمعت فيه هذه الصفات الخمس فالله عز وجل يجعل في قلبه فراسة، فلا يكاد يخطئ في شيء يظنه أو يتفرس فيه، فـ {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35].
شرح حديث: (إن الله عز وجل لا ينام)
شرح حديث: (إن الله عز وجل لا ينام) وجاء في صحيح مسلم عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية: النار- لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). فالله عز وجل من صفاته سبحانه وتعالى وكماله وجماله أنه لا ينام، وإذا كان أهل الجنة لا ينامون، والنبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن ذلك فقال: (النوم أخو الموت) فالنوم دليل على أن الإنسان متعب، فيستريح بالنوم، وأهل الجنة لا يتعبون أصلاً، فالجنة لا تعب فيها ولا شقاء ولا نصب، والنوم في الجنة يضيع على المؤمنين جزءاً من استمتاعهم بالشهوات فيها، وبما أباحه الله عز وجل وجل لهم، وما أعطاهم من إكرام. ولا موت بعد الموتة الأولى، فإذا كان هذا في الإنسان المخلوق، فإذا دخل الجنة فالله عز وجل لا يجعله ينام إكراماً من الله عز وجل لعبده، فكيف يجعل في عبده صفة ويكون هو سبحانه وتعالى على خلاف ذلك! فالله له الكمال سبحانه وتعالى، فالله لا ينام أبداً، فإن النوم أخو الموت، فلا يظن أبداً بالله عز وجل أن يكون فيه هذا النقص. وقوله صلى الله عليه وسلم: (يخفض القسط ويرفعه) فهنا ميزان الله عز وجل العدل، فيفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، فيعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، يخفض ويرفع، يعز ويذل، ويفعل ببعض عباده شيئاً ويفعل بغيرهم شيئاً آخر خلاف ذلك، وكل هذا مقتضى حكمته سبحانه وتعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، معناه: أن الأعمال كلها تصعد إلى الله عز وجل ولا يتأخر منها شيء، والإنسان لما تأتيه أشياء فإنه يأخذ بالأول فالأول؛ لأنه لا يقدر على أن يأخذ الجميع مرة واحدة، ولله عز وجل المثل الأعلى، فكل شيء يصعد إليه فهو يعلم كل شيء سبحانه وتعالى، فالأعمال تتسابق ارتفاعاً إليه سبحانه، وهو مطلع على الجميع سبحانه وتعالى قبل صعودها إليه بل قبل أن يفعله الخلق.
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حجابه النور) فقد احتجب الله عن خلقه وهم أهل سمواته وأرضه بحجاب من النور سبحانه وتعالى، والله عز وجل أخبر عن نفسه أنه نور سبحانه وتعالى، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قيام الليل: (اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن) أي: منور السموات والأرض، فالله عز وجل نور السموات والأرض، كما ذكر لنا في هذه الآية، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى، وأيضاً جاء في القرآن قول الله سبحانه: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر:69]. ويوم القيامة لا شمس فيه ولا قمر ولا نجوم ولا كواكب، والذي يضيء ويشرق في الأرض ويجعلها منيرة يوم القيامة هو نور الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} [الزمر:69]. وجاء في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره -سبحانه وتعالى- فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل) فرجعت الهداية إلى نور الله سبحانه وتعالى، فإنه خلق الخلق وجعلهم في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره سبحانه، فمن أصابه من هذا النور جاءه الهدى من الله عز وجل، ومن لم يصبه من نور الله عز وجل كان من الأشقياء. وأيضاً جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، فنور السموات من نور وجهه سبحانه وتعالى. فالله نور السموات والأرض ومنورهما وهادي أهل السموات وأهل الأرض. والله عز وجل ذكر آيات في غض البصر قبل قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35]، ثم بعد ذلك ذكر الله عز وجل أمر المساجد فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]. فالمراد بالنور: الطاعة، أي نور غض البصر، فمن كف نفسه عن المعصية أورثه الله عز وجل في قلبه نوراً، ومن أتى إلى بيوت الله عز وجل وعمرها بطاعة الله جعل الله عز وجل في قلبه نوراً، فالبعد عن المحارم يورث في القلب النور، والاشتغال بالطاعة يجعل في القلب النور، فالله عز وجل يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فإن غض بصره عما حرم الله سبحانه عوضه عليه من جنسه بما هو خير، فجعل الله مكانه نوراً في قلبه يرى به الأشياء على حقيقتها، فيطلق نور بصيرته، ويفتح عليه أبواب العلم والمعرفة والفراسة من فضله سبحانه. ومن فائدة غض بصر الإنسان والبعد عن المعاصي: قوة القلب، فالله عز وجل يقوي قلب الإنسان ويثبته ويشجعه، ويجعل الله عز وجل له سلطاناً من عنده ينصره به مع سلطان حجته، ولهذا قالوا: إن الإنسان العاصي يوجد في قلبه من الذل ما لا يستشعره إلا هو، أما الإنسان الطائع فإنه يستشعر في قلبه عز الطاعة. وذل المعصية جاء من ظلمتها، فإذا به لا يبصر الشيء على حقيقته. يقول الحسن البصري رحمه الله: إنهم وإن هملجت بهم البراذين، وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية في رقابهم، يأبى الله إلا أن يذل من عصاه. فالإنسان وإن ركب المراكب العالية الفخمة: فسارت به السيارات، وطارت به الطائرات، وركب السفن، ومشى مختالاً في الأرض، فالله يأبى عز وجل إلا أن يجعل في قلبه الذل والحاجة إليه سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35]. فالله نورٌ سبحانه وتعالى، وهو منور السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، وهو سبحانه حجابه النور، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة المعراج: (هل رأيت ربك؟ قال: نوراً أنى أره) أي: أنه لا يطيق أن يرى ربه سبحانه تبارك؛ لأنه لم يعط من القوة أن يرى الله عز وجل كما يعطى ذلك المؤمنون فيرونه في يوم القيامة، وأما في المعراج فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ببصره إلا نوراً، وأما أن يصف ربه سبحانه فلا يقدر على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: ((مَثَلُ نُورِهِ)) ليس هذا هو النور الذي هو حقيقته سبحانه وتعالى، ولكن النور الذي يضرب له المثال هو نور هدايته في قلب الإنسان المؤمن، فإن الله عز وجل يقذف في قلب المؤمن نوراً شديداً قوياً كهذا النور الذي يصفه سبحانه وتعالى، فمثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح، والمشكاة هي الكوة، وهي طاقة في الحائط غير نافذة، وأصل المشكاة هو الدلو من الجلد، أو العلبة المفتوحة من مكان وحد فقط. وهذه المشكاة بداخلها مصباح، وفتيل هذا المصباح موضوع في داخل زجاجة، والزجاجة غاية في الإنارة والإضاءة كالكوكب الدري الشديد الإضاءة، وهذه المشكاة موجهة للضوء إلى مكان واحد مثل اللمبة التي يوضع عليها عاكس، فإنه يوجه النور ويكون قوياً موجهاً إلى مكان، فالعلبة المفتوحة من طرف واحد يكون ذلك أقوى للإضاءة، وبداخل هذه المشكاة مصباح، وفتيل هذا المصباح داخل الزجاجة، والزجاجة كالكوكب المنير المضيء، فكيف إذا اتقد هذا الفتيل بداخلها؟! وقوله تعالى: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ} [النور:35]. فهذا المصباح له زيت يوقده، وهذا الزيت يستخرج من شجرة الزيتون، وزيت الزيتون يعطي إنارة عظيمة، وهو زيت مبارك، كما سيأتي في أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، وهذه الآية تكفي في الدلالة على ذلك. والشجرة إذا كانت شرقية يكون فيها فوائد، فإنها تأتيها الشمس من المشرق فتعطيها نوعاً من التطييب لها، وإذا كانت غربية ففيها نوع أخر، وإذا كانت وسطاً كانت أفضل أنواع أشجار الزيتون، فهي شجرة وسط لا شرقية ولا غربية، والزيت الذي فيها يكاد يضيء وحده من غير ما يوضع فيه نار، فكيف إذا وضع بداخله النار! فهذا كله لبيان النور الذي في قلب الإنسان المؤمن، فكيف يكون إذا كان في قلبه هذا النور الشديد العظيم؟ وهل يقع هذا في معصية؟ وهل يضل ويتوه عن طاعة الله سبحانه؟ كلا. قال الله سبحانه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35] أي: نور فوقه نور، فهو أنوار مجتمعة بقلب الإنسان الذي يتبع هدى الله سبحانه وتعالى، {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35]، وأمر الهدى والإضلال يرجعان إلى الله، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه وتعالى، ويضرب الأمثال بذلك لعل الناس يتذكرون. هذا هو التفسير الإجمالي للآية، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [35 - 37]
تفسير سورة النور [35 - 37] لقد شبه الله نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن فينير له الطريق، ويهديه في الظلمات، ويطمئن في المخاوف، شبهه تشبيهاً رائعاً في هذه الآيات، فانظره مع تفسيره تزدد علماً وفهماً.
تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة)
تفسير قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة) الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نوره العظيم الذي يهدي به من يشاء من خلقه، فقال: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35]. {اللَّهُ نُورُ} [النور:35] أي: منور السموات والأرض بما جعل فيها من ضياء،. قال سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35] أي: هادي من في السموات ومن في الأرض، فالله نور ليس كغيره من النور، كما أننا نؤمن بصفاته سبحانه وأنه لا يشبهه شيء، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]. وأخبر أنه خلق الإنسان من سلالة من طين، فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان:2]. فالله سميع وبصير سبحانه، وجعل للإنسان سمعاً وبصراً، وجعل فيه حياة، ونؤمن أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، فالمخلوق فيه كحياة، ولكنها ليست كحياة الخالق سبحانه وتعالى. وللمخلوق سمع وبصر، ولكنها لا يشبهان أبداً سمع الخالق سبحانه ولا بصره، وكذلك الله نور، ولا يشبهه نور غيره. فالله نور السموات والأرض، والله منوِّر السموات والأرض، فينورهما بما يشاء، والله يهدي أهل السموات وأهل الأرض، فهذه من معاني تنوير الله سبحانه وتعالى للسموات والأرض. ثم ضرب مثالاً لنوره فقال: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور:35]، وختم بقوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35] إذاً: فلا يضرب مثلاً لنوره الذي هو صفة من صفاته سبحانه، فهو لا يشبهه شيء، ولا يضرب له الأمثال، ولكن يذكر لنا شيئاً من نور هداه سبحانه في قلب الإنسان المؤمن. فالإنسان يعرف صفات الله سبحانه وتعالى لما يرى أمامه في الكون من قدرة الله عز وجل العظيمة المبهرة، فيعرف قدر الله سبحانه، قال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]، فلولا أن الإنسان يرى أشياء كبيراً حجمها، لما عرف أن الله هو الكبير سبحانه وتعالى. فيرى الأرض عظيمة قد استوعبت من عليها من مخلوقات، ويرى من الأجرام التي خلقها الله عز وجل ما هو أكبر بكثير من هذه الأرض، فيعلم أن هناك ما هو أكبر من هذا الكبير. ثم ينظر في هذه المجرات التي خلقها الله عز وجل، فيعلم أنها أعظم وأعظم وأكبر من هذا الكون الذي يراه من أرض ومن شموس حولها، فيرى هذا شيئاً كبيراً، والله أكبر من كل شيء سبحانه وتعالى. فالله يُري الإنسان الآيات ليعرف بها عظيم صفات الله تبارك وتعالى. وكذلك يرينا نوراً قد خلقه الله عز وجل، وهذا نور آخر أعظم منه خلقه الله أيضاً، وهذا نور ثالث أعظم وأعظم، فالإنسان يطلع على ما يراه من نور، فيرى نوراً موجوداً في الأرض، ونوراً يأتي من القمر، وهذا ضياء يأتي من الشمس، وفوقها ما هو أعظم من ذلك بكثير. فالإنسان يرى النور في الدنيا، فهو يطيق أن ينظر إلى ضوء الشمعة، ولكن إذا كان مصباحاً لم يكد يقدر أن ينظر إليه، فإذا كبر ما فيها من ضوء صارت هالوجيناً مثلاً فمستحيل أن ينظر إليها بنظره، فالله نور سبحانه وتعالى، وهو أعظم من ذلك بكثير. فيضرب لنا هذا المثل للتقريب للأذهان، فعندما يرى الإنسان الشيء الكبير يعلم أن الله أكبر من ذلك، وعندما يرى الشيء العظيم يعلم أن الله أعظم من ذلك. فمثل نوره ما يجعله في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان، ونور معرفة الله سبحانه، واليقين به سبحانه، ونور القرآن في قلب الإنسان المؤمن، ونور الإتباع والهدى في قلبه، فهذا النور الذي يضيء له فلا يكاد يضل، ولا يكاد يقع في شيء يغضب الله سبحانه وتعالى. {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} [النور:35] قالوا: المشكاة: هي الكوة في الحائط، وكأنه نافذة مغلقة من مكان ومفتوحة من مكان آخر، وكأنه فتحة في الحائط موضوع فيها هذا المصباح. قال تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور:35] كأنه العلبة التي توضع بداخلها اللمبة من أجل تجميع الإضاءة في مكان، فكأنه يريد هنا أن يرينا مثلاً من الأمثلة: أنه إذا وجد مثل هذا النور في مكان فلا يمكن لإنسان ألا يرى ما حول هذا النور إلا أن يكون أعمى. إذاً: فهو نور عظيم أضاء المكان الذي هو فيه، فتخيل مكاناً مغلقاً، وهناك علبة بداخلها مصباح، وهذا المصباح صفته أنه: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [النور:35]، والفتيلة التي فيها النار داخل الزجاجة، وهذه الزجاجة يذكرها الله عز وجل فقال: {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ} [النور:35]، فكل شيء فيها مضيء، والفتيلة مضيئة، والمشكاة التي بداخلها كأنها مضيئة. قال تعالى: {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [النور:35] بداخل علبة زجاجية، الزجاجة هذه كأنها وحدها {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ} [النور:35] كأنها كوكب دري، والمصباح: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ} [النور:35].
القراءات في قوله (كوكب دري)
القراءات في قوله (كوكب دري) قوله تعالى: {دُرِّيٌّ} [النور:35] فيها ثلاث قراءات: (دِرِّيء) وهي قراءة أبي عمرو والكسائي. و (دُرِّيء) هي قراءة شعبة عن عاصم، وحمزة وباقي القراء يقرءون: {دُرِّيٌّ} [النور:35] كأنه من الدر، أو من الإضاءة العظيمة الشديدة. وقوله تعالى: {كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور:35] أي: كوكب ثاقب مضيء إضاءة عظيمة، أو كأنه الكوكب الدِّرِّي من الدرء، وهو الاندفاع، كأنه الكوكب الجاري بسرعة في السماء، فكلما ازداد جرياً ازداد إضاءة وتوهجاً، فكأن الزجاجة كوكب مضيء، إذاً: الزجاجة وحدها كأنها مضيئة، المصباح بداخلها مضيء. يقول هنا سبحانه وتعالى: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ} [النور:35] يعني: أن الفتيل يوقد من زيت هذه الشجرة التي بارك الله عز وجل فيها، وهي شجرة الزيتون، فجعل في زيتها الفوائد العظيمة للإنسان في كل شيء، فإذا أوقد فيه مصباح كان أشد استنارة. {لا شَرْقِيَّةٍ} [النور:35] أي: لا شرقية فيحجب عنها الضوء الغربي. {وَلا غَرْبِيَّةٍ} [النور:35] فيحجب عنها الضوء الشرقي، ولكنها وسط، وهذا أشد لجمالها ولحسن زيتها. يقول الله سبحانه: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ} [النور:35] أي: أن زيتها الذي يوقد هذا المصباح يكاد يضيء لوحده، فلو فرضنا أن فتيلة سيخرج منها نار، ومن أجل أن نغذي هذه الفتيلة سنضع لها زيتاً، والزيت لوحده يكاد يضيء، والمصباح يضيء، والزجاجة كوكب دري، وموضوعة في مكان مغلق، فكم سيكون حجم الإضاءة التي بداخل هذا المكان؟ فهل ممكن أن يضيع منك شيء في مكان بمثل هذه الإضاءة؟ لا. وكذلك ما يجعله الله عز وجل في قلب الإنسان المؤمن من نور الإيمان يستدل به على عظمة الخالق سبحانه، ويستدل على صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل الصالح فيعمله، ويستدل على أن هذا حلال فيأتيه، وأن هذا حرام فيبتعد عنه، فهذا نور في قلب المؤمن يهديه الله عز وجل به إلى ما يشاء من طاعته. قال سبحانه: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35] يعني: هذه الأنوار بعضها فوق بعض تضيء لصاحبها، وتريه الطريق المستقيم. قال سبحانه: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35] أي: لنور الهدى، ونور الإيمان، ولنور القرآن العظيم، ومتابعة سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكرنا في الحديث: (إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل). فالله سبحانه وتعالى يهدي لنوره من يشاء. قال تعالى: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ} [النور:35] فهذا مثال من الأمثلة العظيمة، وهو مثال: النور، ويضرب الله أمثلة كثيرة في كتابه سبحانه، ويقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، فيضرب المثل بالبعوض، ويضرب المثل بالذبابة، ويضرب المثل بالنور، ويضرب المثل بالنار، ويضرب المثل بالظلمات، ويضرب الأمثلة بما يشاء سبحانه؛ حتى يقرب للإنسان فيفهم عن الله سبحانه وتعالى ما يريد أن يفهمه إياه. إذاً: فهنا يضرب الأمثال حتى يفهم الإنسان، فإذا قرأ القرآن ولم يفهم ما أراده الله عز وجل منه ضرب له الأمثال، فحذره من الحرام، وأمره بأن يؤدي الواجبات والمستحبات فإذا لم يفعل ذلك ولم يفهم، فهذا شاء الله عز وجل أن يضل ولا يهتدي. فالله يضرب الأمثال واضحة كهذا النور، فإذا لم يعقل الإنسان، فمعناه: أنه لا يريد أن يفهم هذا الذي آتاه من عند الله، فيستحق ما يناله من عذاب يوم القيامة. قال تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:35] أي: ليس علمه محدوداً بل أحاط بكل شيء علماً، فما في السموات وما فوقها، وما في الأرض وما تحتها، كل ذلك قد أحاط الله عز وجل به علماً.
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) قال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36]. {فِي بُيُوتٍ} [النور:36] وهي: المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى، وكل شيء ملك لله، فالأرض أرض الله، والسماء سماء الله، وكل شيء لله، ولكن لتشريف هذه المساجد سماها بيوته سبحانه وتعالى. {أَذِنَ} [النور:36] أي: أمر الله سبحانه وتعالى وقضى أن ترفع وتشيد وتبنى؛ لعبادة الله سبحانه وتعالى.
القراءات في قوله تعالى: (في بيوت)
القراءات في قوله تعالى: (في بيوت) في قوله تعالى: ((فِي بُيُوتٍ)) قراءتان: قراءة بضم الباء وهي قراءة ورش وأبي جعفر وأبي عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم بضم الباء. وباقي القراء يقرءونها بالكسر: ((في بُيوت أذن الله أن ترفع)). ومثلها ما جاء في القرآن من: ((شُيُوخ)) و ((شِيوخ))، و ((عُيُون)) و ((عِيون)) ونحو ذلك، ففيها قراءتان: بالكسر وبالضم. قال تعالى: (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي: يرفعها الإنسان ليعبد الله عز وجل فيها. {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]. إذاً: هذه المساجد ليست مبنية للعب، وإنما بنيت لعبادة الله سبحانه وتعالى. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنيت المساجد لما بنيت له) أي: لذكر الله وما والاه، وعالم ومتعلم، وللصلاة، فهذه بيوت الله سبحانه أذن أن ترفع لذلك.
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ} [النور:37]، فهذه البيوت فيها رجال وصفهم الله عز وجل بذلك، (رِجَالٌ) وكأنه يقول: نعم الرجال وأفضل الرجال عمّار بيوت الله سبحانه وتعالى، الذين ذكرهم وقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]. فهؤلاء الذين هداهم الله سبحانه وأكرمهم، لذلك فالإنسان المؤمن إذا وجد نفسه يواظب على بيوت الله عز وجل للعبادة، ويكون محباً لبيت الله سبحانه، فليبشر بهذه البشارة التي بشر الله سبحانه بها هنا وفي سورة التوبة. فذكر هنا: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37] فكأنه يمدحهم بهذا الوصف، فهم رجال ليسوا كغيرهم من الرجال. فهؤلاء الرجال اختصهم الله بأن يعمروا بيوته، فاستحقوا أن يوصفوا بهذا الوصف: أنهم رجال، يعني: نعم الرجال، وهكذا كما تقول لإنسان: أنت رجل، وأنت تقصد: أنت نعم الرجل، أنت فيك صفات ليست في غيرك. وكذلك في هؤلاء، وذكر أنهم يعمرون مساجد الله وبيوته فقال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]. وبيوت الله هي المساجد، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً، ولو كمفحص قطاة بنى له الله بيتاً في الجنة) سواء كان المسجد صغيراً أو كبيراً. قال تعالى: {أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] أي: تشيد ويرفع بنيانها، ليصلي الناس بداخلها. وترفع أيضاً بمعنى: تطهّر وتعظّم ويرفع شأنها. فالمؤمن يعظم بيت الله عز وجل، فلا يأتي المسجد من أجل أن يلعب بداخله، ولا يأتي المسجد من أجل أن يؤذي أحداً في بيت الله سبحانه، فلا يجوز الأذى ظاهراً ولا باطناً، وقد يتأذى الإنسان من شيء فتتأذى الملائكة منه أشد من أذى الإنسان. فيُرفع بيت الله سبحانه فلا يؤذي فيه أحداً، ويطهره من الأنجاس والأقذار، ويعظم بيت الله سبحانه وتعالى. وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب)، فديار الأنصار كانت كثيرة، فكأن البعض منهم يشق عليهم أن يأتوا إلى مسجد النبي الله صلى الله عليه وسلم من عوالي المدينة ونحوها، فأمرهم أن يتخذوا مساجد في الدور. والدار: مجموعة البيوت التي تكون متلاصقة في مكان، يعني: يتخذون في أحيائهم مساجد، فيصلون فيها صلاة الجماعة، فإذا كان يوم الجمعة جاءوا فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المساجد أن تطهر وتطيب، فالمسجد مكان يصان عن الأذى، ويطهر ويطيب، فتكون رائحته طيبة. إذاً: فالإنسان الذي يأتي إلى بيت الله برائحة خبيثة من ثيابه أو من جواربه، هذا قد فعل غير ما أمر الله عز وجل به، لذلك فالإنسان المؤمن يحرص على نظافته، ويحرص أنه إذا جاء إلى المسجد أن يتطيب، وأن يتجمل لبيت الله سبحانه، كما أمر الله سبحانه وتعالى قال: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]. قال تعالى: ((أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)) إذاً: هنا ستبنى المباني، لكن هل المعنى أن ترفع فوق القدر المحتاج إليه فيكون المسجد تحفة معمارية مثلاً؟ لم نؤمر بهذا الشيء، بل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم المنع من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، فجاء في الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد) إذاً: فالمساجد أصبحت للمباهاة وليست من أجل الصلاة، بل من أجل أن يقال: مسجدنا أحسن من المسجد الآخر. وجاء في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا زخرفتم مساجدكم، وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم) وفي رواية: (فالدبار عليكم) وهو بمعنى: الدمار. والمعنى: أنك مخلوق لعبادة الله سبحانه، فإذا نسي الإنسان هذه العبادة، ونظر إلى شيء آخر غير العبادة، وكل همه أن يزخرف المسجد، وأن يدهن بأصفر وأحمر، وينقش ويزخرف، ويضع صور في المسجد، فإذا دخل الصلاة نقرها كنقر الغراب، فإذا انتبه الإنسان لزينة المسجد، ونسي السبب الذي من أجله بني هذا المسجد، فانتظروا الدمار من الله سبحانه وتعالى، فلم تعد المساجد للعبادة، ولم تعد لذكر الله، بل صارت للمباهاة. وكذلك في الحديث نفسه قال: (إذا حليتم مصاحفكم) فأصبح هم الإنسان أنه يشتري مصحفاً حسناً؛ من أجل أن يعلقه في السيارة، أو من أجل أن يعلقه في بيته، أو يضعه أمام المرآة حتى يتفرج عليه، لكن لا يفتح المصحف ولا يقرأ فيه شيئاً، مع أن كتاب الله أنزل ليحفظ في الصدور، ويحفظ بالأعمال، فيعمل بما فيه شريعة ومنهاجاً، ويحفظه فيتلوه متعبداً به لله سبحانه، فإذا ترك هذا كله، وأصبح المصحف من أجل أن يعلق في السيارة، أو يوضع في البيت كنوع من الديكور، فانتظر الهلاك والدمار؛ فالمصحف لم ينزل من أجل أن تضعه تحت المخدة وتنام، من أجل البركة في زعمك، أو تضعه على الدولاب ولا يقرأ فيه، وإنما جاء المصحف شريعة من الله عز وجل يقرأ ويتدبر، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، فكأن قلب الإنسان الذي لا يقرأ القرآن ولا يتدبر فيه مغلق بقفل لا يفتح؛ لأنه ترك القرآن وراءه. يقول الله سبحانه وتعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:36 - 37]. قوله: {بِالْغُدُوِّ} [النور:36] أول النهار. قال تعالى: {وَالآصَالِ} [النور:36] الأصيل: وقت العصر، والمقصد أنه دائماً صباحاً ومساءً وهو في تسبيح وفي ذكر لله عز وجل في الصلوات الخمس وفي غير ذلك. {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور:37] فهؤلاء هم الرجال الذين وعدهم الله سبحانه أن يهديهم، وأن يغفر لهم، وأن يرحمهم. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [36]
تفسير سورة النور الآية [36] ما أجمل تلك البيوت التي رفعها الله سبحانه فنزهها عن الأقذار الحسية والمعنوية، وخصها بأن يذكر فيها اسمه، وجعل روادها أهل القلوب السليمة التي لا تلهيها تجارة أو بيع عن ذكر ربها، فالأجساد خارجها والقلوب معلقة كالقناديل تضيء فيها، فيجازيهم ربهم الرحيم يوم القيامة أحسن الجزاء وأتمه، ويزيدهم من فضله!
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه)
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:36 - 37]. يذكر الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين المساجد وهي بيوت الله في الأرض، قال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] (أذن) أي: أمر وقضى سبحانه وتعالى. {أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36]، فذكر صفة هذه المساجد أنها مرفوعة يرفعها المؤمنون ويبنونها بطاعة الله سبحانه وتعالى، وبذكر الله سبحانه.
القراءات في قوله تعالى: (يسبح له فيها)
القراءات في قوله تعالى: (يسبح له فيها) في قوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا} [النور:36] قراءتان: قراءة حفص ومن معه، وابن عامر ومن معه، فـ ابن عامر وشعبة يقرءان هذه الآية: (يُسبَّح له فيها بالغدو والآصال)، فعلى قراءة شعبة عن عاصم وابن عامر يستحسن الوقف على رأس هذه الآية: (يُسبح له فيها بالغدو والآصال). وباقي القراء منهم حفص عن عاصم ونافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36]. وعلى هذه القراءة يستحسن الوصل حتى لا يفصل الفاعل عن الفعل، فيقرأ: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) فيصل الآية بما بعدها. فهؤلاء رجال من صفاتهم: أنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فهؤلاء المؤمنون عمّار بيوت الله سبحانه وتعالى لا يلهيهم شيء عن صلاتهم، ولا عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وقد مدحهم الله سبحانه وتعالى بأنهم لا تلهيهم الدنيا، وقد عبر عن الدنيا بالتجارة والبيع وذلك أكثر ما يشغل الإنسان، فهو يحتاج أن يشتري ويبيع ليتم بهما عيشه، ومع ذلك لا يلهيهم هذا عن ذكر الله سبحانه، وعن الإتيان إلى بيت الله في الصباح وفي المساء وفي كل وقت، فلا يضيع صلاة، فقلوبهم معلقة بالمساجد، وهؤلاء ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما في الحديث: (رجل قلبه معلق بالمسجد)، إذا خرج منه حتى يرجع إليه، فقد تعلق قلبه بالمسجد، فجعله الله عز وجل من أهل جنته وأظله بظله يوم لا ظل إلا ظله. هذه المساجد التي أذن الله عز وجل أن ترفع ويذكر فيها اسمه جعل في بنائها الثواب العظيم، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة) فمن بنى لله مسجداً ولو كان صغيراً، وضرب له هنا مثالاً بمفحص القطاة، وهي الحمامة التي تجعل لنفسها عشاً تبيض فيه ولو كهذا، ويستحيل أن يكون المسجد كهذا ويصلي فيه أحد، ولكن المقصد أنه ولو كان مسجداً صغيراً يصلي فيه جماعة قليلة، فكيف بمن بنى لله مسجداً كبيراً.
رفع المساجد حسيا ومعنويا
رفع المساجد حسياً ومعنوياً {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] يقول العلماء: وبيوت الله عز وجل أذن برفعها وتطييبها وتطهيرها ولم يأذن باللغو فيها، ولا باللعب فيها، ولا بتنجيسها ولا بالإيذاء فيها للملائكة أو للناس، فلذلك تصان المساجد من اللغو، وتصان من الرفث، ومن البيع والشراء ونحو ذلك كما سيأتي. فمما تصان عنه وتنزه عنه: الروائح الكريهة، يقول الإمام القرطبي رحمه الله: مما تصان وتنزه عنه المساجد: الروائح الكريهة، والأقوال السيئة وغير ذلك، وذلك من تعظيم المساجد أنه لا ينبغي أن يكون فيها رفث، ولا ينبغي أن يكون فيها لغو، ولا ينبغي أن يرفع فيها الأصوات إلا بذكر الله سبحانه وتعالى. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه في غزوة تبوك: (من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد)، فالذي يأكل ثوماً وبصلاً لا يأتي المساجد. وفي حديث آخر قال: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم). وقال عمر رضي الله عنه في خطبته: (ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين ولا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً). فلا مانع من أكل الثوم والبصل وهما مطبوختان، فإنهما في هذه الحالة لا رائحة لهما، وأما إذا كانا غير مطبوختين فإنهما لهما رائحة كريهة، فإذا أكلهما أحد وجاء إلى المسجد فإنه يؤذي الملائكة والمصلين بذلك، فلا ينبغي له أن يأتي إلى المسجد، فلا يجوز للإنسان أن يتعمد أن يأكل ذلك قرب وقت الصلاة، ولكن يجعل بينه وبين وقت الصلاة وقتاً كافياً، كأن يأكل بعد العشاء مثلاً بحيث إذا جاء الفجر لا تكون رائحة فمه متغيرة بذلك. يقول العلماء -وهذا نقل الإمام القرطبي رحمه الله-: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يؤذي الناس برائحة فمه الكريهة، وكذلك يؤذي الملائكة فالعلة يقاس عليها. قال: وفي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبيهه ينبغي أن يجتنب مجتمع الناس. أي: إنسان رائحة ثيابه منتنه يتأذى بها الناس إذا جاء المسجد فعليه التباعد عن الناس؛ لرائحته النتنه. أو إذا كان الإنسان ثيابه قذرة مشحمة فإذا دخل في الصف يؤذي الناس ويسجد على الأرض فيوسخ سجاد المسجد، فهذا لا ينبغي أن يأتي المسجد وهو على هذه الحالة، ولكن يغير ثيابه ويأتي بيت الله نظيفاً طاهراً، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] أي: عند موضع كل صلاة، فتتزين للصلاة كما تتزين لضيفك الذي تقابله. فهنا رائحة الثوم والبصل رائحة منتنه فكيف برائحة السجائر التي يشربها الإنسان فيؤذي بها الناس، ويؤذي بها الملائكة؟! وكذلك إذا كانت رائحة الإنسان قذرة منتنة من عرق شديد ونحو ذلك مما يتأذى به الناس، وأحياناً بعض الناس تكون رائحة عرقهم رائحة شديدة فإذا كان على ذلك فليتنظف قبل أن يأتي بيت الله سبحانه، حتى لا يؤذي الناس بهذه الرائحة. وبعض الناس في الصيف يلبس حذاءً وجورباً ويدخل المسجد فتكون رائحة المسجد غاية في القذارة والنتانة لا يقبلها الإنسان، فعلى المرء أن ينزع جوربه وليدخل مكان الوضوء فيتوضأ ويغسل رجليه؛ حتى لا يؤذي الناس برائحته. ولو أن كل الناس دخلوا المسجد بأرجل منتنه أوشك الناس ألا يصلوا في المسجد، فتجد أحياناً سجاد المسجد حين تسجد عليها لا تطيق رائحتها، فتجلس منتظر متى الإمام يرفع تكاد أن تختنق من وضع رأسك على الأرض، ومن شم الرائحة المنتنه في الأرض. فإذا كان هذا من إنسان فلا ينبغي أن تكون مثله، فإذا تأذيت بذلك فاحرص على أن تكون نظيفاً عند دخولك المسجد؛ حتى لا يتأذى أحد من رائحتك، ولا تؤذي الملائكة بذلك. وكذلك أصحاب الروائح المنتنه في صناعة من الصناعات، كأن تكون صناعته تحتم عليه أن يتعامل مع أشياء لها رائحة تكون في يده أو ثيابه، فإذا جاء عند وقت الصلاة فليغسل ذلك، والمنظفات موجودة عند الناس من صابون ونحوها بحمد الله وبفضله، فليغسل أثر ذلك حتى يأتي المسجد وهو نظيف طيب الرائحة. قالوا: وإذا كان هذا يتأذى به الناس، وتتأذى منه الملائكة فلا ينبغي أن يحضر الجماعة، فمن يتأذون منه أكثر من ذلك كأن يكون في المرء مرض فيخرج منه رائحة منتنه، أو إنسان به جرح فحصل في الجرح نوع عفونة بحيث إنه لا يطيق الناس أن يشموا رائحة هذا الإنسان، فله عذر أن يمكث في بيته ولا يجب عليه أن يأتي لصلاة الجماعة؛ حتى لا يؤذي الناس، وقد قال الله تعالى: {وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [النور:61]. ولذلك كان من الشريعة أن الإنسان المجذوم يكون بعيداً عن الناس، (لما جاء المجذوم للنبي صلى الله عليه وسلم يبايعه قال له: ارجع فقد بايعناك، ارجع فقد بايعناك). والجذام نوع من الأمراض المعدية بقدر الله، فهو سبحانه يجعلها سبباً من أسباب انتقال الأمراض من شخص إلى آخر، وهو مرض صعب شديد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحب هذا المرض. (فر من المجذوم فرارك من الأسد). فلا ينبغي للمجذوم أن يحضر مع الناس الجماعات، وهذا الذي قاله للناس قاله تعليماً، وحتى لا يظن الإنسان أنه بمجرد أن جاء هذا المجذوم وواقف بجواره أنه سيكون مثله، فكأنه يقول للمجذوم: لا تؤذ الناس، ولما أتى يبايع النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ارجع فقد بايعناك). فيأخذ الإنسان بالحيطة والحذر في ذلك، ويستيقن أن ما أصابه فبقدر الله سبحانه وتعالى، وما أخطأه فلن يخطئه إلا بقدر الله سبحانه وتعالى. فقال أهل العلم: إن من كان ذا عاهة مؤذية يتأذى منه الناس بسببها فلا ينبغي عليه أن يحظر في جماعة الناس. وكالمريض بمرض في الرئة يعلم منه أنه يؤذي الناس بعطاسه، ومعلوم عند عطس الإنسان أن الرذاذ يصل من عطسته إلى سبعة أمتار، فإذا كان الإنسان صاحب مرض معدي فلا ينبغي أن يحضر مع الناس في صلاة جماعة، ولكن يعتزل في بيته حتى يشفيه الله سبحانه وتعالى، أخذ أهل العلم ذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في التأذي برائحة الثوم والبصل، فقالوا: هذا أشد من ذلك، فإذا كان هذا المريض معذوراً في ذلك فالإنسان غير المعذور الذي لسانه ذرب وطويل ومؤذي، ولا يستطيع أن يتحكم في نفسه إذا دخل المسجد، وإذا كان في الشارع أو في السوق وكلمه أحد شتمه وسبه، فمثل هذا يمنع من دخول المسجد. وذكر الإمام القرطبي عن أبي عمر بن عبد البر من فقهاء المالكية وأحد الأئمة المجتهدين، قال: شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام رحمه الله أفتى في رجل شكاه جيرانه، واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده. يعني: رجل سفيه يأتي بيت الله عز وجل ويتكلم على الناس ويؤذيهم بلسانه، ويمد يده فيضرب الناس، ولا يحترم بيت الله سبحانه وتعالى. يقول أبو عمر بن عبد البر: فأفتى بإخراجه من المسجد، وإبعاده عنه، وألا يشهد معهم في الصلاة؛ إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه. يعني: عامله معاملة المجنون، فهو طالما كان سفيهاً لا يمسك نفسه فيضرب ويبطش بيديه، فعلى ذلك يكون حكمه حكم المجنون، فلا ينبغي أن يكون في بيت الله سبحانه وتعالى. وأبو عمر بن عبد البر من العلماء المجتهدين يقول: فذاكرته يوماً أمره، وطالبته بالدليل. يعني: يتكلم مع شيخه فيما أفتى به، ما الدليل على الذي ذكرته؟ فقال: وراجعته فيه القول فاستدل بحديث الثوم، فقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم. فإذا كان الذي يأكل ثوماً يمنع من المجيء إلى المسجد، مع أنك يمكن أن تتعود على رائحة الثوم والبصل، وأما طول اللسان واليد في المسجد فهذا مما لا يطاق. قال: وهذا عندي أكثر ممن أكل الثوم، وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد. فكأن الإمام ذلك أبو عمر ابن عبد البر ينقل ذلك موافقاً لشيخه بعدما سأله. قال أهل العلم: المساجد كلها سواء، وهذا هو الصواب وإن كان فيه خلاف يسير، ولكن المساجد كلها سواء في ذلك فالإنسان الذي به رائحة غير طيبة لا ينبغي أن يدخل المساجد: لا المسجد النبوي، ولا الكعبة، ولا المسجد الحرام ولا غيره من المساجد، فكلها يستوي فيها المنع. قال: أفتى العلماء على أن المساجد كلها سواء لحديث ابن عمر فيمن أكل من هذه الشجرة، -يعني: الثوم- فلا يأتين المساجد. قال العلماء أيضاً: وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الأشغال، والاشتغال في بيت الله عز وجل لا ينبغي أن يكون إلا بالصلاة وبالذكر. ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قام في المسجد وقال: (من دعا إلى الجمل الأحمر) فقد كان عنده جمل أحمر فضل عليه، فوقف في المسجد بعد الصلاة وقال: من رأى الجمل الأحمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وجدت لا وجدت) فدعا على الرجل ألا يجد جمله فقال: (لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له) وجاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر (أنما بنيت المساجد للتسبيح، ولذكر الله، وللصلاة). فهنا قال للرجل: (لا وجدت) مع أن يمكن أن يقال: هذا معذور وجمله ضائع، وهو ليس شيئاً حقيراً. فنقول: (ولو كان جملاً أو أكثر من ذلك فليست المساجد مكاناً لذلك، وإذا أراد أن ينادي على جمله فليناد خارج المسجد، أو في الشارع وليس في المسجد، فإنما بنيت المساجد لما بنيت له، فلا ينبغي رفع الأصوات في المساجد، وهذه حالة تجدها في كثير من المساجد، وأحياناً عندنا في المسجد بعد الصلاة تجد بعض الناس يقف ويتكلم ويكثر من الكلام، فيشوش على الناس صلاة النافلة وهو يحكي ويتكلم، ولا يدري أن الناس ين
تفسير سورة النور (تابع1) الآية [36]
تفسير سورة النور (تابع1) الآية [36] إن عمارة بيوت الله بالذكر والصلاة وقراءة القرآن دليل على تعلق قلب العبد بربه، وعلى قوة إيمانه واتصاله بالله تعالى. ولما كان لعمارة بيوت الله هذا الفضل العظيم كان لا بد من التأدب مع هذه البيوت العظيمة، وتعظيمها، وعدم اللهو واللعب فيها، وترك ما يفضي إلى شغل الناس عن الصلاة وقراءة القرآن فيها.
فضل عمارة المساجد بالذكر والطاعات
فضل عمارة المساجد بالذكر والطاعات الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:36 - 38]. مدح الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذين يحرصون على المجيء إلى بيوت الله سبحانه، وعلى الجلوس فيه مصلين مسبحين الله تعالى، فقال: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ} [النور:37]، وقال في سورة التوبة، {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]، فجعلهم الله عز وجل من أهل الهدى؛ لحرصهم على المجيء إلى بيوت الله سبحانه، ومواظبتهم على صلاة الجماعة، وحرصهم على الجلوس بعد الصلوات في المساجد مسبحين الله، ذاكرين الله سبحانه، فجعل الملائكة يستغفرون لهم، ويشهدون لهم عند الله عز وجل كما في الحديث بقولهم: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون). فالمساجد بيوت الله سبحانه وتعالى في الأرض، وقد شرفها الله عز وجل وجعلها لذكره، ففي الحديث أنه لما جاء الرجل الأعرابي وجلس وبال في المسجد نصحه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: (إن هذه المساجد لم تبن لهذا؛ إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن)، فبيوت الله عز وجل يصلي العبد فيها صلاة الجماعة، والنافلة ونحو ذلك، ثم يجلس ذاكراً الله عز وجل فيها، كما يأتيها ليتعلم أو يعلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذه المساجد بنيت لذكر الله، أي: لأصناف ذكر الله عز وجل: من قراءة للقرآن، ومن تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير، وقراءة وسماع دروس العلم.
آداب الجلوس في المسجد
آداب الجلوس في المسجد
عدم الانشغال بكلام أهل الدنيا
عدم الانشغال بكلام أهل الدنيا جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة يذكر فيها آداب المساجد، وأشياء لا يجوز للإنسان أن يفعلها داخل المسجد، فمن ذلك ما جاء في الحديث: (أن رجلاً من الصحابة كان يصلي -وهو يجهل عدم جواز الكلام في الصلاة- فإذا برجل بجواره يعطس في الصلاة، فقال: الحمد الله، فقال: يرحمك الله -فتكلم في الصلاة-، فلما قال ذلك نظر إليه الناس -فكأنه هش لما نظر إليه الناس- فقال: ما لكم تنظرون إلي؟ فضرب الناس بأيديهم على أفخاذهم، فسكت بعد أن كاد يتكلم)، وبعد الصلاة توقع من النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهره أو يزجره، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). فالإنسان وهو يصلي سواء في المسجد أو في غير المسجد لا يجوز له أن يتكلم بكلام أهل الدنيا، فإذا كان في بيت الله جالساً ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فينبغي عليه أن يكون على هيئة الذي يبتغي الفضل والأجر من الله عز وجل على جلوسه، فلا ينشغل بكلام الدنيا، ولا بالمسامرة مع الناس. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وأما رفع الصوت في المسجد فإن كان مما يقتضي مصلحة للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده، والمعنى: أنه إن رفع صوته في غير صلاة مكتوبة جهرية مثلاً، أو في غير تعليم الناس العلم، وإنما لمصلحة خالصة، كأن ينادي: ضاع مني كذا، أو من يشتري كذا، أو غيره من المصالح الخاصة، فهذا يدعى عليه بنقيض قصده، أي: بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن سمع من ينشد ضالة في المسجد: (فليقل لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا).
النهي عن التشبيك بين الأصابع في المسجد
النهي عن التشبيك بين الأصابع في المسجد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا توضأ وخرج من بيته قاصداً المسجد فهو في الصلاة، ثم قال: (فلا يفعلن هكذا، وشبك بين أصابعه)، أي: إذا كنت في الطريق من بيتك إلى المسجد وأنت متوضئ فأنت في صلاة، فلا تشبك بين أصابعك حتى في الطريق إلى المسجد؛ لأنك في صلاة، فإذا كان هذا في الشارع، فكيف في بيت الله سبحانه وتعالى؟! فلا ينبغي أن يتشاغل الإنسان بتشبيك أصابعه أو بقرقعتها، أو باللعب واللغو في داخل بيت الله عز وجل، فالمساجد بنيت لما بنيت له من ذكر الله وما والاه من التعلم والتعليم، والصلاة وقراءة القرآن.
النهي عن رفع الصوت في المسجد
النهي عن رفع الصوت في المسجد سمع عمر رضي الله عنه رجلاً في المسجد كان يرفع صوته فقال عمر: ما هذا الصوت؟ أتدري أين أنت؟ فأنكر عليه أن يرفع صوته في المسجد، ونهاه عن ذلك؛ لأنه ليس من الأدب أن يرفع الإنسان صوته في بيت الله عز وجل إلا لما هو مشروع، كإمام يرفع صوته، أو مبلغ يبلغ عن الإمام في الصلاة، أو في درس علم، أما رفع الصوت بكلام الدنيا فهذا مما لا ينبغي في بيت الله سبحانه.
النهي عن تناشد الأشعار في المساجد
النهي عن تناشد الأشعار في المساجد جاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة)، فهذه من الأشياء التي ينهى عنها في بيت الله عز وجل. فمما ينهى عنه في المساجد: تناشد الأشعار، والأشعار منها ما هو جائز ومنها ما ليس بجائز، فالشعر الجائز كأن يكون في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، أو في ذكر الله سبحانه وتعالى، أو في مدارسة العلم، كأن يكون متناً في الفقه، أو في الحديث، ونحو ذلك مما يقوم الإنسان بحفظه من الأشعار؛ ليتعلم العلوم الشرعية، ومما يكون خلال الدروس العلمية، أو في المواعظ ونحوها. لكن أن يقعد الإنسان في المسجد يقول شعراً من أشعار الدنيا فهذا لا يجوز، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. والدليل على جواز قول الشعر في المسجد إذا كان فيه مدح للنبي ودفاع عن الإسلام: هو أن حسان بن ثابت كان ينشد في المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اهجهم وروح القدس معك)، فيدعوه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هجاء المشركين، وقد كان يدافع عن الإسلام بشعره رضي الله تبارك وتعالى عنه، ومثل ذلك جائز، وأما أشعار الدنيا التي يقولها الإنسان في المسجد فهذا لا يجوز، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وأما تناشد الأشعار في المسجد فاختلف ذلك -أي: كما تقدم ذكره- وجاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشعر: (هو كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح)، وهذا حديث حسن. ففيه أن الأشعار منها ما هو حسن ومنها ما قبيح، فإذا كان الذي في بيت الله عز وجل من قبيل الحسن فهو الذي يجوز أن يقال، كأن يكون في موعظة مثلاً، أو أثناء خطبة ونحوها، أو في مدارسة العلم كدراسة متن أو أرجوزة من الشعر في أصول الفقه مثلاً، أو في أصول الحديث، فهذا يعين طالب العلم على حفظ العلم، ومثل ذلك يجوز، وأما إنشاد الشعر للشعر فلا يجوز، وهذا نهى عنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد
النهي عن البيع والشراء وإنشاد الضالة في المسجد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البيع والشراء في المسجد، ففي الحديث: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) أي: ادعوا على الإنسان الذي يبيع ويشتري في المسجد، وقولوا له: لا أربح الله تجارتك. كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنشد الضالة في المسجد، وأن يرفع الإنسان بذلك صوته وينادي: من لقي كذا، أو أنا لقيت الشيء الفلاني، فهذا لا يجوز، فالبحث عن الضالة، أو تعريفها ليس في المسجد، وإذا أحب الإنسان أن ينشد ضالة ويرفع بذلك صوته فليخرج خارج المسجد، ولا مانع أن يقول: وجدت كذا أو لقيت كذا، أما داخل المسجد فلا، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى رجلاً يفعل ذلك ويقول: من دل على الجمل الأحمر؟ فقال: لا رده الله عليك، إن المساجد لم تبن لهذا). فهذا رجل ضاع منه جمل فرفع صوته في المسجد قائلاً: من لقي الجمل الأحمر، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك، ودعا عليه، وقال: (لا رده الله عليك). إذاً: فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أنه لا يجوز رفع الصوت في المسجد بتجارة، أو ببيع وشراء، أو بالبحث عن ضالة، فأمور الدنيا لا ينبغي الانشغال بها في المسجد، بل ينشغل فيه الإنسان بذكر الله عز وجل، والصلاة، وبالعلوم الشرعية ونحو ذلك.
النهي عن تحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة
النهي عن تحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى أن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة)، أي: كأن تكون هناك حلقات يتحدثون فيها، أو حلق للعلم، فلا ينبغي أن يجلسوا قبل خطبة الجمعة متحلقين، فهذا يعلمهم القرآن والتجويد، وهذا يعلمهم التفسير وغير ذلك؛ لأنهم بذلك يسدون على الناس الأماكن في بيت الله عز وجل، فقبل خطبة الجمعة ينتظر الناس الصلاة، فمنهم من يصلي، ومنهم من يذكر الله عز وجل، ومنهم من يقرأ سورة الكهف، ومنهم من يقرأ غيرها من القرآن، ومنهم من يسبح وهكذا، فكل إنسان مشغول بشيء. فالناس يحرصون على المجيء إلى بيت الله عز وجل في يوم الجمعة، ويزدحمون في المسجد، فلو جلس إنسان يعلم الناس قبل صلاة الجمعة في حلقة، وكل واحد أخذ حلقة في المسجد، حتى يمتلئ المسجد بالحلقات، فلن يلقى الذي يأتي من خارج المسجد مكاناً يجلس فيه، وإن قعد فلن يستطيع أن يقعد وسط الحلقة، فقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في وسط الحلقة)، وإن قعد خارج المسجد فالملائكة على أبواب المسجد يكتبون أسماء الداخلين إلى بيت الله عز وجل. وأيضاً: فالذين يجلسون قبل خطبة الجمعة لإلقاء الدروس فإنهم يرفعون أصواتهم ويشوشون على الناس الذين يصلون، ويذكرون الله عز وجل، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فلا ينبغي أن يكون قبل خطبة الجمعة حلق للدروس ولا لغيرها، ولكن يأتي كل إنسان بمفرده ليذكر الله أو ليصلي النافلة، أو يجلس ينتظر صلاة الجمعة، هذا الذي ينبغي أن يكون. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وقد كره بعض أصحابنا التعليم في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة.
الحفاظ على المسجد من لعب الصبيان
الحفاظ على المسجد من لعب الصبيان إن الأطفال قد يأتون إلى المسجد لكي يتعلموا العلوم، وقد كانوا في الماضي يعلمون الأطفال القرآن في المسجد، ويحفظونهم الأحاديث، فكانوا يخافون على المسجد من اللغو واللعب الذي يقوم به الأطفال، ويمنعون من ذلك. أما إذا كان بأجرة فقد عده بعض العلماء أنه من باب الإجارة، أو من باب البيع، فقد يرفع المعلم صوته بطلب الأجرة بداخل المسجد، وهذا ممنوع منه في البيع. قال القرطبي رحمه الله: فإذا كان بغير أجرة منع أيضاً من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ، فيؤثر دخولهم المساجد على نظافتها، وقد أمرنا بتنظيفها وتطييبها، والأطفال منهم من قد يتبول في المسجد، ومنهم من يأكل ويرمي الأكل فيه، أو يقذره بحذائه، ولهذا يمنع من ذلك. وليس معنى ذلك هو القول بمنع الأطفال من المسجد منعاً باتاً، ولكن إذا كان وجودهم يشوش على المصلين، وهناك من يؤدبهم ويعلمهم ويمنعهم من اللعب فلا بأس إذاً، وأما إذا ضاق الأمر واستمر الإزعاج، وضاعت على الناس صلاتهم، فيمنعوا من دخول المسجد، وخاصة إذا كانوا صغار السن، أو دون سن السبع السنوات بحيث يتأذى المصلون من أصواتهم ولغوهم ولعبهم؛ لأن صغار السن قد لا يأتون المسجد إلا للعب، ويمكن أن يأخذ الطفل المصحف ويقطعه، أو يشطب فيه، فإذا كان الإمام القرطبي يقول: تقذير أرض المسجد -فقط- ممنوع منه، فكيف بتقطيع المصاحف، أو الشطب فيها ونحوه؟! إذاً: إذا أتينا بالأطفال إلى المسجد فليكن في السن الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة فيه: (مروا أولادهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فبعد سن السبع يؤتى بالطفل إلى المسجد، بشرط أن يعلم آداب المسجد، ويحذر من اللعب مع الأطفال فيها.
حكم المبيت في المسجد
حكم المبيت في المسجد قال القرطبي رحمه الله: وأما النوم في المسجد لمن احتاج كإنسان غريب احتاج أن يبيت في المسجد، وليس له مكان يأوي إليه فلا بأس أن يبيت فيه. وجاء في صحيح البخاري عن أنس: (قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في الصفة). وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في المسجد. وكان ذلك قبل أن يتزوج عبد الله بن عمر، فكان يبيت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي فيه ويقوم الليل، ويجتهد في العبادة، ثم يستريح في المسجد كالمعتكف في بيت الله سبحانه وتعالى، فمثل ذلك جائز. وجاء في صحيح البخاري عن عائشة قالت: أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب وكان لها حفش في المسجد، قالت: فكانت تأتينا فتتحدث عندنا، فإذا فرغت من حديثها قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فهذه المرأة أسلمت وكان قومها كفاراً، ولما أسلمت هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لها مكان تنزل فيه، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، وبنى لها حفشاً، والحفش: هو عش صغير أو خيمة صغيرة في المسجد تنام فيها المرأة إذا لم يكن لها بيت، ولم يكن عند أحد مكان يسعها فتنزل فيه. فهذه المرأة كانت تدخل على السيدة عائشة رضي الله عنها، فإذا جلست فإنها تقول: ويوم وشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فسألتها السيدة عائشة: وما يوم الوشاح؟ فقالت المرأة: خرجت جويرية لبعض أهلي وعليها وشاح من أدم، فسقط منها، فانحطت عليه حدية وهي تحسبه لحماً فأخذته. أي: أن جارية قريبتها كانت تلبس وشاحاً من جلد -الوشاح لونه أحمر- فنزلت حدية وحسبته لحماً، وخطفته وطارت به، فأخذوا هذه المرأة -ظناً منهم أنها سرقت هذا الوشاح- وعذبوها وفتشوها، قالت: فبينا هم حولي وأنا في كرب إذ أقبلت الحدية -أي: وهم يعذبونها ويفتشونها ويتهمونها بالسرقة، فإذا بالحدية تأتي- ومعها الوشاح وتلقيه فوقهم، فهذا هو الأمر العجيب الذي جعل المرأة تقول هذا البيت من الشعر. ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من بلدة الكفر نجاني فقالت: قلت لهم: هذا الذي اتهمتموني به وأنا منه بريء. فهذه المرأة هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسلمة، وليس أهل لها في المدينة، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن جعل لها عشة في مؤخرة المسجد تبيت فيها. يقول الإمام القرطبي: من احتاج إلى ذلك -أي: إلى المبيت بمثل هذه الحاجة- فليبت في المسجد. أما أن يتخذ المسجد كالفندق فلا، فبعضهم يذهب ليعمل في النهار، ثم يجيء بالليل لينام، لا ليصلي أو يقوم الليل أو يعتكف؛ فهذا لا ينبغي، ولم تبن المساجد لهذا، ولكن الذي يأتي إلى المسجد ويبيت فيه؛ لكي لا تفوته صلاة الفجر، فهذا إنسان بات لغرض ولعلة صحيحة، وأما أن يتخذ في المسجد مكاناً كالبيت؛ حتى لا ينزل في فندق ويدفع أجرته فهذا لا ينبغي. والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع2) الآية [36]
تفسير سورة النور (تابع2) الآية [36] لقد شرع الله لعباده الصلاة في المساجد، وبين أنها بيوته، وبين فضلها وفضل بُنائها، ووصف المنشغلين بذكر الله عن الملاهي والمغريات بأنهم الرجال، فالرجل الحقيقي: هو الذي يقدم حق الله على حظوظ نفسه وشهواتها، ولقد بين الله جزاء هذا العمل من إكرامه لأهله في الدنيا والآخرة، فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل.
فضل المساجد وفضل أهلها وما يقال عند دخولها
فضل المساجد وفضل أهلها وما يقال عند دخولها الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:36 - 38]. ذكرنا في الحديث السابق هذه الآية وهي قوله سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36]. ففيها ذكر هذه المساجد التي عظمها الله عز وجل وقضى وأمر برفعها، وأن يذكر فيها اسمه سبحانه، وأن يسبح له فيها في الصلاة وغيرها. قوله: (بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ) الغدو: أول النهار، ومنه صلاة الغداة أي: الفجر. والآصال: جمع أصيل وهو من الظهر إلى العشاء، فدخلت مواقيت الصلوات الخمس فيها، فكأن التسبيح يكون في جميع أوقات الصلاة في المساجد، فهؤلاء هم الرجال الذين من صفاتهم: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37]. فهم يأتون بيوت الله سبحانه فيصلون لله سبحانه وتعالى، ويذكرونه ويسبحونه، ويحضرون حلق الذكر، فتشهد لهم الملائكة بذلك من وقت إتيانهم من بيوتهم إلى رجوعهم إلى بيوتهم، فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون. ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنك إذا جئت بيت الله عز وجل ودخلته أن تسمي الله تعالى، وتدخل برجلك اليمنى، وتدعو ربك سبحانه أن يفتح لك أبواب رحمته. فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي حميد -أو عن أبي أسيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)، فداخل المسجد طالب للرحمة، والخارج من المسجد طالب لفضل الله سبحانه وتعالى، فالذي يأتي إلى بيت الله يريد المغفرة ويريد فضل الله عز وجل ورحمته، والخارج من المسجد يبحث عن رزقه عندما يرجع إلى بيته، فيسأل الله عز وجل من فضله، وأن يرزقه ويغنيه ويعفه ويعطيه من فضله سبحانه. وقد جاء في الحديث الآخر: (إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك). وجاء في حديث السيدة فاطمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل المسجد قال: باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم! اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك). فدخول المسجد ليس كدخول غيره، فعندما تدخل المسجد تطلب الرحمة، وعندما تخرج من المسجد تطلب الفضل من الله عز وجل، وهذه مزية لبيت الله سبحانه. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا دخل المسجد يقول: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، ويدخل برجله اليمنى ويقول: باسم الله، اللهم صل على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك)، وجاء في هذا الذكر في قوله: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم) يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا قال ذلك قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم). فيجب على المسلم أن يحفظ هذا الذكر العظيم، فإذا دخل بيت الله عز وجل قال: (أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)، فإن الله عز وجل يعصمه من الشيطان الرجيم، (يقول الشيطان: حفظ مني سائر اليوم). وإذا دخل صلى على النبي صلى الله عليه وسلم بأي صيغة من صيغ الصلاة عليه، ومن هذه الصيغ كما في هذه الرواية: (اللهم صل على محمد) وفي رواية: (والصلاة على رسول الله)، أو (والسلام على رسول الله) صلى الله عليه وسلم، ثم تسأل الله عز وجل من رحمته. فالدخول إلى المسجد يكون بالرجل اليمنى، والخروج من المسجد يكون بالرجل اليسرى.
بعض من أحكام تحية المسجد
بعض من أحكام تحية المسجد وفي الحديث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، وهذا أدب آخر يختص به بيت الله عز وجل، فإذا دخلت المسجد فلا تقعد حتى تصلي ركعتين تحية المسجد. وفي حديث آخر يقول أبو قتادة: (دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟ قلت: يا رسول الله! رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)، فمن السنة ألا تقعد إذا دخلت بيت الله عز وجل مباشرة، بل لابد أن تفرق بين المسجد وبين غيره، فتصلي ركعتين تحية المسجد، ثم تجلس بعد ذلك. وتحية المسجد سنة على قول جماهير أهل العلم، وذهب البعض إلى أن تحية المسجد واجبة، واحتجوا على ذلك: (بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة فدخل سليك الغطفاني والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس الرجل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم وأن يصلي ركعتين، وأن يتجوز فيهما)، قالوا: وسماع خطبة الجمعة واجب، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يقوم وأن يصلي ركعتين دليل على أنه سيترك الواجب، فليس من الممكن أن يترك الواجب لأجل المستحب على قولهم، فعلى ذلك يترك الواجب للواجب، فقام فصلى ركعتين تحية المسجد، فعلى ذلك تكون ركعتا تحية المسجد واجبتين، وهو قول البعض من الظاهرية، كـ داود بن علي، وأما ابن حزم فذهب إلى أنها سنة وليست فريضة، وهو الصواب. ودليله ما جاء في حديث المعراج: قال الله عز وجل: (هن خمس في العدد وهن خمسون في الأجر، أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي)، فالصلوات المفروضات خمس من عند الله عز وجل، وهن في الأجر خمسون. ومن الأدلة: حديث الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (هل علي غيرهن؟! قال: لا، إلا أن تتطوع)، فدل ذلك على أن غير الصلوات الخمس لا تكون فريضة إلا ما كانت الصلاة فيها فرض كفاية مثل: صلاة الجنازة، وأما غير الصلوات الخمس فليست بفريضة إلا أن يكون نذراً نذره الإنسان على نفسه. وقد ذكر أهل العلم: أن تحية المسجد لو كانت واجبة لوجب على كل من دخل أن يصليها، ويلزم من ذلك عدم جواز دخول المسجد إلا على وضوء. يقول القرطبي رحمه الله: ولا أعلم قائلاً بذلك. وهذا الاستدلال صحيح، إذ لو كانت واجبة لما جاز لأحد أن يدخل المسجد إلا وهو متوضئ؛ لأنه يلزمه أن يصلي تحية المسجد، ولكن أهل العلم يقولون بجواز أن يكون متوضئاً أو غير متوضئ، فإن لم يكن متوضئاً جاز له أن يجلس، ولكن الأفضل فيه أن يكون على وضوء حتى يصلي ركعتين تحية المسجد.
حكم تعارض تحية المسجد مع الخطبة في الجمعة أو السلام على الناس وأيهما يقدم
حكم تعارض تحية المسجد مع الخطبة في الجمعة أو السلام على الناس وأيهما يقدم وإذا كان الخطيب يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما، حتى يدرك الخطبة ولا يضيع على نفسه واجباً، فإن ضيع بعضها فلن يضيع الكثير، ويجب عليه ألا يطيل في تحية المسجد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل ركعتين وتجوز فيهما)، فأمر بالتجوز في ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم في صلاة تحية المسجد هنا: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين). ولو أن الإنسان دخل المسجد فسمع شيئاً ينشغل به عن تحية المسجد كسماعه للأذان، فإنه يجوز له أن يصلي تحية المسجد ثم يدرك ترديد ما بقي من الأذان، والأفضل أن ينتظر حتى يردد الأذان مع المؤذن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو، ثم بعد ذلك يصلي تحية المسجد؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا سمع أحدكم المؤذن فليقل مثلما يقول، ثم يصلي علي، ثم ليسأل الله لي الوسيلة، فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه. ولو أن الإنسان دخل المسجد فهل يبدأ بالسلام على الناس أم بتحية المسجد أولاً؟ الصواب فيها: هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، فنهى عن الجلوس حتى يصلي ركعتين، فيجوز له أن يسلم على الناس إذا دخل لقول الله سبحانه: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61]، فإذا دخل الإنسان المسجد بدأ فسلم على الناس، ثم صلى ركعتي تحية المسجد، والتسليم لن يأخذ منه وقتاً، ولن يجلس ليسلم على الناس، والنهي في الأصل ليس عن التسليم وإنما النهي عن الجلوس فقط حتى يصلي ركعتين، ونحن نقول هذا الكلام لأن بعض إخواننا يسأل عن ذلك. وأما تسمية هذه الصلاة: بتحية المسجد فلم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فيه كلمة تحية المسجد، أو أنه سمى هذه الصلاة: تحية المسجد، ولكنه قال: (فليصل ركعتين)، فهذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، لكن الفقهاء سموها: تحية المسجد، فالشاهد: أن من قال: إنه يمنع السلام على الناس حتى يبدأ بتحية المسجد فقد أخطأ، وقد قال الله عز وجل: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا} [النور:61]، فجاء بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب مباشرة، فإذا وجدت المسلم أمامك فسلم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام على المسلمين، فإذا وجدت المسلم في طريقك أو في مسجدك أو في أي مكان فابدأه بالسلام، حتى إنه يشرع السلام إذا فرق بينك وبينه شيء من جدار أو شجرة أو نحوه، وتسلم عليه أيضاً إذا التقيتما بعد ذلك، ولا ينبغي لي أن أدخل المسجد والناس أمامي يقابلوني ثم لا أسلم على أحد حتى أصلي ركعتين وبعد ذلك أتوجه إلى الجميع بالسلام، فلم يقل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل ذلك أحد من أهل العلم، وإنما الصواب: أنه يسلم على من لقيه في المسجد أو في غيره، ثم يصلي تحية المسجد بعد ذلك. وقد نبهنا قبل ذلك: على أنك إذا جئت والإمام يخطب ودخلت المسجد فلا بد عليك أن تصلي ركعتين ثم تجلس، ولا ينبغي أن تلقي السلام على أحد والخطيب يخطب، فالواجب عليك أن تستمع الخطبة فقط، وكلامنا هنا: هو في إلقاء السلام على الناس إذا لم يوجد ما يمنع من الكلام، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال لصاحبه: أنصت! والإمام يخطب فقد لغا). وفي حديث آخر: (ومن لغا فلا جمعة له)، والإنسان إما أن يتكلم لحاجة أو لغير حاجة، كأن يقطع كلام الخطيب ويكلم الناس، أو يعطس الإنسان فيرفع صوته بالحمدلة، فيجيبه أحدهم بصوت مرتفع فيقول: يرحمك الله، فيرد عليه، فهذا كله لا ينبغي في أثناء الخطبة، لكن إذا عطست والخطيب يخطب فقل: الحمد لله في سرك، ولا ترفع بها صوتك، وإذا رفعت صوتك وقلت: الحمد لله، فلا ينبغي لأحد أن يشمتك إلا إذا سكت الخطيب، فيقول: يرحمك الله؛ حتى لا يكون هناك كلام في أثناء الخطبة، فإن من تكلم في أثنائها فقد لغا، ومن لغا فقد ضيع على نفسه صلاة الجمعة، لكن إذا كان الإنسان خارج المسجد فلا تحية عليه حينئذ، فلا توحد تحية للشارع مثلاً، فإذا جاء والخطيب يخطب وهو في الشارع، فليجلس في الشارع، لكن هل يجوز له أن يسلم على الناس ويرفع صوته مدِّعياً أنه في غير مسجد؟ لا؛ لأن للشارع حكم المسجد في السماع؛ لأنه يسمع الخطيب، فيلزمه أن يستمع للخطبة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
تفسير قوله تعالى: (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله)
جواز الوقف والوصل في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال)
جواز الوقف والوصل في قوله تعالى: (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) قوله سبحانه: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36] >قوله: (يُسَبِّحُ): أي: ينزه الله سبحانه وتعالى عن النقص ويقول: سبحان الله! ويسبح: أي: يصلي لله سبحانه وتعالى، ولذلك سميت صلاة النافلة بالسبحة؛ لأن الله سبحانه يسبَّح فيها. وقوله: (يُسَبِّحُ)، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ). وقراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم: (يُسَبَّحُ). وإذا قرئ بقراءة ابن عامر وشعبة فالمستحسن أن يقف على رأس الآية فيقول: (يسبَّح له فيها بالغدو الآصال)، ثم يبدأ: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور:37]، وهنا شيء محذوف يدل عليه ما بعده. وقوله: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ)، إما أنه عائد على الآية التي قبلها (فِي بُيُوتٍ)، فيكون المعنى: في بيوت رجال؛ لأن (رجال) هنا مبتدأ، و (في بيوت) الجار والمجرور في محل رفع خبر مقدم عليه. أو هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله على الابتداء والخبر. وعلى قراءة الجمهور: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا) بالفعل المبني للمعلوم، فإنه قوله: {رِجَالٌ} [النور:37] يكون فاعلاً، وبالتالي فلا يجوز الفصل بين الفعل والفاعل، فعلى ذلك يصل بينهما فيقال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37]، فيصل الفاعل مع فعله؛ حتى لا تنقطع الجملة.
المؤمنون لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله سبحانه
المؤمنون لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله سبحانه قال تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور:37]، فذكر أن هؤلاء الرجال لا يلهيهم شيء عن ذكر الله سبحانه، وأعظم شيء يلهي الإنسان عن الذكر هو المال، وأعظم الأموال: هي التي تكون مكتسبة من التجارة. فهؤلاء المؤمنون لا يلتهون عن ذكر الله عز وجل بتجارة ولا ببيع، وقالوا: إن التجارة هي ما يجلب من خارج البلد، والبيع: ما يكون فيما بينهم من تجارة حاضرة. قالوا: (لا تلهيهم تجارة ولا بيع)، أي: لا شيء يجيء من الخارج، ولا شيء موجود بينهم يبيعونه.
عظم أجر الذهاب إلى المساجد والمرابطة فيها
عظم أجر الذهاب إلى المساجد والمرابطة فيها ووجود الإنسان المؤمن في بيت الله عز وجل فيه أجر عظيم جداً حتى ولو كان جالساً لا يصلي، فلو كان جالساً ينتظر الصلاة أو في عقب الصلاة فله أجر عظيم، بل في مشيه إلى بيت الله سبحانه الأجر العظيم، كما جاء في الأحاديث، ومنها ما رواه أبو داود بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه)، وهنا: أن أجر الذي يأتي إلى الصلاة المكتوبة كأجر الحاج المحرم، وليس معنى هذا أنه يغني عن الحج، ولكنه أجر يماثل أجر الحاج المحرم. قال: (ومن خرج إلى تسبيح الضحى) أي: وقت صلاة الضحى، ليصلي ركعتين في المسجد. قال: (لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين). فقوله: (وصلاة على إثر صلاة) أي: صليت الصبح وبعد ذلك رجعت إلى بيتك ثم جئت في صلاة الظهر بشرط ألا تلغو بين الصلاتين، أي: لا تضيع الوقت في كلام فارغ، أو أشياء تأثم عليها أو أشياء مكروهة، فإذا حفظت لسانك فيما بين الصلوات كتب لك كتاب في عليين، أي: أعلى الجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. وجاء في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، ومشاء: غير معنى ماش؛ فالماشي قد يمشي مرة أو مرتين، لكن المشاء: هو المداوم على المشي، فهو يواظب على صلاة الفجر، ويواظب على صلاة العشاء في بيت الله عز وجل، فلا يمتنع من ذلك بزعم: أن الدنيا مظلمة، والجو بارد، أو الجو حار، بل يأتي بيت الله عز وجل في كل وقته، خاصة في أوقات الظلم: الفجر والعشاء، فالذي يأتي في الظلام إلى بيت الله سبحانه فليبشر بنور تام يوم القيامة، والنور التام هو عكس النور الناقص، والإنسان يوم القيامة قد يكون له نور يضيء أمامه ما يشاء الله سبحانه، وقد تكون أمامه ظلمات يوم القيامة، فالله عز وجل ينيرها لأصحابها بصلاتهم، وبإتيانهم المساجد في وقت الظلم: في الفجر وفي العشاء. وبعض الناس يتقد له النور ويخبو مرة على قدر عمله، وعلى قدر قربه من الله عز وجل؛ ولأنه ابتعد وعصى، فيتقد له نور يرى به قليلاً ثم ينطفئ النور ويظلم عليه، ويتقد مرة أخرى وبعد ذلك يظلم عليه، لكن أهل صلاة الفجر وصلاة العشاء لهم نور تام كامل لا يخبو ولا ينطفئ، وذلك بمواظبته على الصلاة في هذين الوقتين: في العشاء وفي الفجر. قوله: (بشر المشائين) أي: المواظبين على صلاة الفجر، (بالنور التام يوم القيامة). وقد جاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح). و (النزل): هو طعام الضيف، فتقول: فلان نازل عندي، أو: جهزت له نزله، أو: جهزت له القرى -وهو طعام الضيف- فكأن هذا الذي يغدو إلى بيت الله عز وجل في الصباح، أو يروح وقت العشي ونحوه، كالضيف لله عز وجل، فالله يجهز له في الجنة نزله وطعامه، فالله عز وجل يتفضل على زائر مساجده بأن يعطيه من فضله ورحمته في جنته. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا من فضله ومن رحمته، وأن يجعلنا من أهل عليين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور (تابع3) الآية [36]
تفسير سورة النور (تابع3) الآية [36] إن المشي إلى المساجد له فضل عظيم، وثواب جسيم، فكل خطوة ترفع درجة، وتمحو سيئة، وكذلك المكث في المساجد له ثواب عظيم، فالمرء في صلاة إذا كانت الصلاة هي التي تحبسه في المسجد.
فضل المشي إلى المساجد والصلاة فيها مع الجماعة
فضل المشي إلى المساجد والصلاة فيها مع الجماعة الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:36 - 38]. ذكرنا أن الله سبحانه وتعالى جعل له في الأرض بيوتاً، وهي: المساجد، وجعل عمّارها أفضل الخلق، وأقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، والذين يستحقون أن يهديهم الله عز وجل في الدنيا، وأن يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله. وجعل من هؤلاء من يحفظون كتاب الله عز وجل، وجعلهم أهله سبحانه، وبشرهم بمشيهم في الظلمات إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة). وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: رجل قلبه معلق بالمساجد) إذا خرج منها حتى يرجع إليها، فتعلقت القلوب بالمساجد، والذي يتعلق قلبه ببيت الله سبحانه وتعالى هو متعلق بالله عز وجل، فإذا كان يوم القيامة نفعه هذا التعلق ببيت الله سبحانه في أن يظله الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) وهذا ثواب عظيم من الله عز وجل لمن أتى إلى بيت الله، فكل خطوة يرفعه الله بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً: (صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة) أي: أن صلاته في الجماعة في بيت الله سبحانه وتعالى تزيد على صلاته منفرداً في بيته أو في سوقه ببضع وعشرين درجة. قال صلى الله عليه وسلم موضحاً: (وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، فلم يخطُ خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحسبه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فأي فضيلة أعظم من هذه الفضائل التي ذكرت في هذه الأحاديث. فصلاة الإنسان في جماعة تضاعف على صلاته وحده ببضع وعشرين درجة، وسبب هذه الدرجات هو أن المسلم قام بأفعالٍ كثيرة وليس مجرد الصلاة فقط، بل إنه توضأ وتطهر وأحسن وضوءه، ثم خرج يمشي من بيته إلى المسجد، فالخطوة الواحدة يرفعه الله عز وجل بها درجة، والأخرى يحط عنه بها خطيئة، وهكذا، لكن بشرط أنك لم تأت إلا للصلاة، وليس من أجل أن تقابل أحداً، أو أن لديك موعد مع إنسان، لا، ولكنك جئت لا تنهزك إلا الصلاة، ولم تدفعك وتحضك على المجيء إلى بيت الله إلا الصلاة، وحب الله سبحانه وتعالى.
فضل الجلوس في المسجد
فضل الجلوس في المسجد قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه) فمن حين أن يدخل بيت الله عز وجل فهو في صلاة حتى يخرج. وفي هذا الحديث يخبرنا صلى الله عليه وسلم وهو يرى ما لا نرى، ويعلم ما لا نعلم، صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: (والملائكة يصلون على أحدكم)، وهناك فرق بين: يصلون عليكم، وقوله: يصلون على أحدكم، فمعنى يصلون عليكم أي: على الجميع، فتكون الصلاة على جميع الموجودين، فقد ينال البعض منها الكثير وينال البعض القليل، ولا ينال البعض الآخر، ولكنه قال: (يصلون على أحدكم) أي: على كل واحد منكم، وكل واحد تختصه الملائكة بالصلاة عليه، فتدعو له، وجميع الموجودين في المسجد ينالهم الخير العظيم، وتنالهم دعوات الملائكة الكرام عليهم السلام. قال: (يصلون على أحدكم) أي: يدعون لأحدكم، (ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه) وهذه دعوات عظيمة، والواحد منا إذا وجد أحد الصالحين فإنه يقول له: ادع لي، فالملائكة هنا تدعوا للعبد دعاء مستجاباً من فضل الله وكرمه سبحانه وتعالى، ولن تخص أحداً دون الآخر، بل تدعوا للجميع واحداً واحداً، فتقول لكل واحد من القادمين إلى بيت الله عز وجل: (اللهم ارحمه) تدعو لهم بالرحمة. (اللهم اغفر له) تدعو له بالمغفرة. (اللهم تب عليه) تدعو له بالتوبة، فإذا كان مذنباً تاب الله عز وجل عليه، وغفر له ورحمه، وإذا تاب الله عليه وغفر له ورحمه، فقد فاز بجنة الله عز وجل ورضاه سبحانه. فهذه الدعوات، وهذا الجزاء العظيم يناله بشرط أن يأتي إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، أي: أنه جاء من بيته متطهراً من أجل الصلاة، ثم قيد الحصول على تلك الفضيلة بقيدين في آخر الحديث، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، فالمؤذي أذاه في كل مكان، فإذا كان في المسجد آذى نفسه بأذاه لغيره، فإذا آذى أحداً من الناس: بغيبة، أو بنميمة، أو بلمز، أو برفع صوت، أو بشتم، أو بسب، أو بأي نوع من أنواع الأذى باليد أو باللسان، فلا يستحق ذلك الجزاء العظيم، حتى وإن كان جاء للصلاة ولم ينهزه إلا الصلاة. والقيد الآخر: قوله صلى الله عليه وسلم: (ما لم يحدث فيه)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه، إذاً: فقوله: (ما لم يحدث فيه) أي: ما لم يبتدع في بيت الله سبحانه وتعالى. فإذا لم يؤذ أحداً من الناس، ولم يبتدع في دين الله سبحانه وتعالى، فقد استحق هذا الأجر العظيم الذي جاء في الحديث. وقد سئل أبو هريرة عن معنى الحدث؟ ففسره ببعض معنى الحدث، وقال: (ما لم يحدث) أي: يفسو أو يضرط، بمعنى: خروج الحدث منه، وهذا معنى صحيح أيضاً، ولكن الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)، ولم يزد على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. فهذا تفسير من الراوي، وهو: أبو هريرة رضي الله عنه، وهو من أعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه، فذكر بعض معاني الحدث، ومن ضمن الإحداث في المسجد: أن يبتدع الإنسان بدعة في دين الله، وهذا فسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد). ومن ضمن الإحداث، بمعنى: الحدث: أن يجلس في المسجد على غير وضوء، فمن توضأ وجلس في المسجد نال من الأجر وكأنه في صلاة، وذلك من حين أن يدخل المسجد إلى أن يخرج، حتى ولو كان جالساً في سهو أو يتفكر، فإذا كان على وضوء ناله هذا الأجر كله. فينبغي على المسلم أن ينتهز فرصة وجوده في المسجد بأن يكون على وضوء، وأن يكثر من ذكر الله سبحانه، وألا يلغو وهو في بيت الله سبحانه وتعالى.
المكوث في المسجد أو حضور الجنازة
المكوث في المسجد أو حضور الجنازة قال حكيم بن زريق: قيل لـ سعيد بن المسيب: أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ بمعنى: هل تفضل أن تجلس في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، أو تترك المسجد وتخرج لحضور الجنازة؟ فقال رضي الله عنه: بل الجلوس في المسجد أحب إلي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان) وأما الجالس في المسجد فإن الملائكة تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه). فاستحضر رحمه الله أن الملائكة تدعو له وهو جالس في المسجد، وفضل أن يجلس في المسجد على أن يحضر الجنازة، وفي كل خير، فحضور الجنازة فيه أجر عظيم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، لما سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد -أي: تبعها- فصلى عليه جنازة فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) أي: بشهوده الجنازة، والانتظار حتى تنزل في قبرها، فلما سمع ذلك قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. ففيه أن ابن عمر تحسر على أنه اكتفى بأن صلى على الجنازة، ولم يشهدها، أو أنه وصلها وانصرف قبل أن تنزل إلى قبرها، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. فينبغي على الإنسان أن يحرص على حضور الجنازة ما لم يمنعه عذر، فإذا خير بين أن يعتكف في المسجد وبين أن يحضر الجنازة، فهو مخير بين خيرين، وإن كان حضور الجنازة فيه خير ونفع متعد، وثوابه عظيم، كما فيه أيضاً تطيب لقلب أهل الميت، ومواساة لهم، وفيه دعاء للميت وهو في قبره بالتثبيت، وأجور كثيرة من نواح أخرى قد تزيد على وجود الإنسان في المسجد، ولكن في كل خير.
المفاضلة بين المكوث في المسجد وحضور الجنازة
المفاضلة بين المكوث في المسجد وحضور الجنازة قال حكيم بن زريق: قيل لـ سعيد بن المسيب: أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ بمعنى: هل تفضل أن تجلس في المسجد من الصلاة إلى الصلاة، أو تترك المسجد وتخرج لحضور الجنازة؟ فقال رضي الله عنه: بل الجلوس في المسجد أحب إلي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان) وأما الجالس في المسجد فإن الملائكة تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه). فاستحضر رحمه الله أن الملائكة تدعو له وهو جالس في المسجد، وفضّل أن يجلس في المسجد على أن يحضر الجنازة، وفي كل خير، فحضور الجنازة فيه أجر عظيم، وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه لما سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من شهد جنازة -أي: تبعها- فصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) أي: بشهوده الجنازة والانتظار حتى تنزل في قبرها، فلما سمع ذلك قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. ففيه أن ابن عمر تحسر على أنه اكتفى بأن صلى على الجنازة ولم يشهدها، أو أنه شهدها وانصرف قبل أن تنزل إلى قبرها، فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. فينبغي على الإنسان أن يحرص على حضور الجنازة ما لم يمنعه عذر، فإذا خير بين أن يعتكف في المسجد وبين أن يحضر الجنازة فهو مخير بين خيرين، وإن كان حضور الجنازة فيه خير ونفع متعد، وثوابه عظيم، كما فيه أيضاً تطيب لقلب أهل الميت، ومواساة لهم، وفيه دعاء للميت وهو في قبره بالتثبيت، وأجور كثيرة من نواح أخرى قد تزيد على وجود الإنسان في المسجد، ولكن في كل خير.
ذم الكلام بغير ذكر الله في المسجد
ذم الكلام بغير ذكر الله في المسجد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: (سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقاً حلقاً، ذكْرهم) وفي رواية: (إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم؛ فإنه ليس لله بهم حاجة)، ذكره الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة، وذكر له شواهد، وصححه أو حسنه. أي: أنهم جاءوا يتسامرون في المسجد، فيجلسون حلقاً حلقاً يتكلمون في الدنيا وليس في ذكر الله سبحانه وتعالى. وقوله: (ذكْرهم أو إمامهم الدنيا) بمعنى: ما يأمونه، أي: مقصدهم وذكرهم ليس ذكر الله عز وجل، ولكن يذكرون الدنيا، فيتكلم هذا عن ما عنده في البيت، ويتكلم ذاك بما وراءه من الشغل، وهكذا، فكثير من الناس هذا حالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قوله: (فلا تجالسوهم) أي: لا تقعدوا معهم في مثل هذه المجالس، فإذا رأيت شخصاً يحدثك عما صنع بالأمس، أو أنه ذهب إلى مكان كذا، أو بقي له عند فلان كذا، فلا تجلس معه، فإنه يحرمك من الأجر، ومن دعوة الملائكة لك. والإنسان المؤمن يضن بعمره، ويضن بوقت العبادة أن يضيعه في كلام فارغ لا يؤجر عليه. فإذا كنت في المسجد فاحرص ألا يلهيك أحد عن ذكر الله عز وجل، وإذا وجدت نفسك جالساً تسبح الله بعد الصلاة، وتريد أن تقرأ آية الكرسي والمعوذات، وجاء أحدهم يريد أن يتكلم معك ويشغلك فلا ترد عليه، وقل له: اصبر حتى اختم الصلاة؛ لأن كثيراً من الناس يحب أن يضيع وقته بالكلام، فإذا وجدك في الشارع، أو في المسجد تكلم معك، فاحرص على ألا تضيع وقت العبادة معه. إن الذي يأتي ليتكلم معك في أمور الدنيا قد ضيع عليك أجراً عظيماً، فآية الكرسي التي تقرأ عقب الصلاة يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر الصلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) أي: أنك إذا صليت الفريضة، وقرأت آية الكرسي ثم مت، دخلت الجنة، فالذي يأتي ليكلمك عن أمور الدنيا في هذا الوقت فإنه يحرمك من هذا الثواب، فلا يستحق الجواب، إلى أن تختم الصلاة، وتختم بهذه الأذكار التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي على الإنسان ألا يفرط في وقته أو وقت غيره. وكثير من الناس يقولون: إنهم مشغولون وورائهم أعمال مهمة، فيصلي مستعجلاً ويترك الأذكار، فإذا خرج وقف على باب المسجد يحدث هذا ويتكلم مع ذاك، فينشغل عن ذكر الله عز وجل، وعن التسبيح والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بكلام هذا وذاك، وبأشياء له عنها مندوحة أن يتركها. إن العمر لا يعوض، واليوم الذي يمضي من الإنسان لا يعود إليه، واليوم قد يقدر الإنسان على شيء، ولا يقدر عليه غداً، فليحرص على أن يأخذ من الدنيا أعظم ما فيها وهو ذكر الله سبحانه وتعالى وطاعته.
من آداب المساجد
من آداب المساجد لقد جمع الإمام القرطبي حوالي خمسين عشر خصلة في تعظيم حرمة المساجد، وهي أكثر من ذلك بكثير، ولكن نذكر الملخص الذي ذكره القرطبي رحمه الله، قال من حرمة المسجد: أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، فيلقي السلام إذا دخل المسجد على أقرب الناس إليه، ولا يرفع بذلك صوته فيزعج الآخرين، ويسمع كل من في المسجد؛ لأنه لو رفع كل إنسان دخل المسجد صوته بالسلام ليتأذى الناس بذلك، خاصة وفيهم من يقرأ القرآن، أو يسبح، أو يصلي. ولذلك قال رحمه الله: إن كان الناس جلوساً، فكأنه احتراز من إزعاج المصلين، حتى لا يشغلهم بالسلام. ولذلك يقول جابر بن عبد الله: لا أحب أن أسلم على من يصلي، وإن سلم علي أحد رددت، أي: أنه إذا وجد أحداً يصلي لا يقول له: السلام عليكم، ولكن إذا سلم عليه أحد وهو في الصلاة ردّ عليه السلام، وذلك بأن يشير بيده، أو بإصبعه أنه سمع ذلك، ولكن لا يرد بالقول وإلا بطلت صلاته. فمن آداب المسجد: أن يسلم الداخل على من فيه، فإن لم يكن في المسجد أحد فإنه يسلم كذلك؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] أي: يسلم بعضكم على بعض، وإذا لم يكن فيه أحد من الناس فإن فيه ملائكة الله عز وجل، فإذا دخل استحب أهل العلم أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أي: أنه يسلم على نفسه، وعلى من في المسجد من ملائكة الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال القرطبي رحمه الله تعالى: إن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ومن آداب المساجد أيضاً: أن يركع ركعتين قبل أن يجلس كما ذكرنا في الحديث السابق. قال: وألا يشتري ولا يبيع فيه، والمعنى: أنه لا يجوز أن يجري عقد الشراء والبيع أو المساومة على المبيع في المسجد، ولكن لو أن إنساناً اشترى من إنسان شيئاً خارج المسجد، وجاء هذا بالشيء إلى المسجد، وأعطاه له فقط من غير كلام آخر، فهذا جائز؛ لأنه مجرد مناولة، كأن يشتري إنسان كتاباً من آخر خارج المسجد، ثم جاء البائع وأعطاه كتابه داخل المسجد. وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من يبيع أو يشتري في المسجد فقال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك) أي: يدعون عليه. قال رحمه الله: ومن آدابها: ألا يسل فيه سهماً ولا سيفاً، والغرض أنه لا يؤذي أحداً من المسلمين بشيء في يده، فإذا دخل المسجد ومعه حديدة، أو شيء قد يؤذي به الناس فليتجنب أن يمشي به في وسط الزحمة؛ لكي لا يخدش بحديدته أو ما معه أحداً. قال القرطبي رحمه الله: ولا يطلب فيها ضالة، وقد ذكرنا من قبل أنه لا يجوز للإنسان أن يعرف فيه ضالة، كأن يقول: وجدت كذا، أو ضاع مني كذا، فمن أراد ذلك فليكن خارج المسجد. قال: ولا يرفع فيه صوتاً بغير ذكر الله سبحانه وتعالى، أي: بالكلام عن أمور الدنيا، وإذا رفع صوته فليكن في درس علم أو في صلاة. وأيضاً: لا يرفع الصوت بذكر الله عز وجل؛ حتى لا ينزعج الناس، ولذلك لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة في رمضان وهم يصلون التروايح خشي أن تفرض عليهم، فلم يصل بهم صلاة التراويح جماعة، إلا مرة أو مرتين، ولم يفعل بعد ذلك، وقال: (خشيت أن تفرض عليكم أو تكتب عليكم). فكان الصحابة يصلون فرادى، فخرج مرة فسمعهم يصلون، وكل شخص يصلي وحده، ويرفع صوته، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (كلكم يناجي ربه، فلا يرفع بعضكم صوته على بعض، ولا يؤذي بعضكم بعضاً) أو كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه. إذاً لا يرفع في المساجد صوت بغير ذكر الله سبحانه، وكذلك إذا كان بذكر الله فلا يرفع بحيث يؤذي الناس بعضهم بعضاً، فإذا كان الناس جالسين في انتظار صلاة الجمعة فلا يرفع الإنسان صوته بقراءة القرآن؛ حتى لا يشغل الذي بجواره، بل يسمع نفسه فقط، أو يسر القراءة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة). والجاهر بالقرآن: هو الذي يرفع صوته، والله تعالى يقول: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة:271] أي: شيء حسن أن تبدي الصدقة، ولكن: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:271] أي: أفضل لكم، وكذلك في قراءة القرآن، فالجهر بها بين الناس شيء طيب، لكن من غير أن يتأذى بها أحد من الناس، فإذا كان في رفع الصوت بها أذى فيجب على القارئ أن يخفض صوته، ومع هذا فالإسرار بها أعظم في الأجر إذا كان بين الناس. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [36 - 37]
تفسير سورة النور [36 - 37] إن أحب البقاع إلى الله تعالى هي المساجد، وقد أمر الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وللمساجد آداب ينبغي لكل مسلم مراعاتها، وقد بين أهل العلم هذه الآداب بأدلتها من الكتاب والسنة وقواعد الشريعة ومقاصدها.
آداب المساجد
آداب المساجد الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:36 - 38]. ذكر الإمام القرطبي في هذه الآية خصالاً في تعظيم بيوت الله سبحانه وتعالى وهي المساجد، فقال رحمه الله: قد جمع بعض العلماء في ذلك خمسة عشرة خصلة قال: من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري ولا يبيع، ولا يسل فيها سهماً ولا سيفاً، ولا يتخطى رقاب الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن البيع والشراء في المسجد فقال: (من رأيتموه يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك). وفي صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها؛ لا يعقر مسلماً) يعني: الذي يمشي في زحمة سوق أو في مسجد وفي يده شيء قد يؤذي به الناس كسيف أو سهم ونحو ذلك، فيأخذ النصل بيده حتى لا يؤذي به أحداً من الناس. وأيضاً لا يجوز أن يطلب في المسجد ضالة كأن يقول: لقد ضاع مني الشيء الفلاني، ولكن يطلبها خارج المسجد وليس داخله، ومن وجد شيئاً فليعرفه خارج المسجد وليس في داخل المسجد.
حرمة تخطي رقاب الناس في المسجد وإيذائهم
حرمة تخطي رقاب الناس في المسجد وإيذائهم ومن آداب المسجد أن السابق إلى المكان أحق به، فالإنسان الذي جاء إلى الصف الأول مبكراً هو أحق بمكانه، ولا أحد ينازعه في المكان فيقيمه ويجلس مكانه؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل الرجل من مكانه ويجلس هو فيه. وكذلك نهى عن تخطي الرقاب، فقد رأى رجلاً يتخطى الرقاب في صلاة الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة، فقطع خطبته وقال للرجل: (اجلس فقد آذيت وآنيت) أي: آذيت الناس وتأخرت عن الصلاة. فإذا كان الناس قد ازدحموا وملئوا المكان فلا ينبغي لأحد أن يتخطى رقابهم حتى يجلس أمامهم، وهذا تجده كثيراً، فبعض الناس في وقت صلاة الجمعة والمسجد مزدحم، فيدخل متأخراً من باب المسجد فيتخطى الصفوف حتى يجلس في الصف الأول! وهذا من سوء الأدب، فقد تأخر عن المجيء إلى المسجد وجاء ليؤذي الناس، والإيذاء للمسلمين حرام، فلا يجوز لأحد أن يؤذي أحداً من المسلمين، فمن الأذى لهم أن يتخطى أحد الصفوف ويجلس بينهم فيزحمهم في صفهم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل بين الرجلين إلا بإذنهما، فلعل إنساناً يحب إنساناً آخر ويحب أن يجلس بجواره، فيأتي ثالث ويقول: وسع وسع، ويقف بين الاثنين، هذا من سوء الأدب، فالأدب أن يسلم ويستأذن فإذا أذنا له جلس، وإلا لم يجلس بينهما. وأيضاً من الأدب في بيت الله عز وجل ألا يرفع فيه صوت بغير ذكر الله سبحانه وتعالى، ولا يتكلم في المسجد بأحاديث الدنيا. وكذلك لا يضيق على أحد في الصف، وعلى الإنسان أن يحرص على الصف الأول، ففي الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)، ولكن ليس معنى هذا أن يزاحم الإنسان المصلين، بل يأتي مبكراً حتى يجلس في الصف الأول. وكثيراً ما يحدث هذا الخطأ فتجد الصف ممتلئ ولا يوجد مكان لآخر، فتجد من يدخل في الصف، حتى إن بعضهم يترك له المكان ويرجع إلى الصف الثاني، فهذا أخذ مكان غيره وليس مكانه ولا يستحقه. وأحياناً بعض الناس يضايق الآخرين في الركوع أو السجود بكوعه، فقد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد فرج بين يديه، فيحاول أن يصنع ذلك في صلاة الجماعة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا كان منفرداً أو إماماً صلى الله عليه وسلم. فعلى المصلي في الصف أن يحرص على آداب الصف، ولا يؤذي أحداً من المصلين. وكذلك لا يرفع صوته بذكر الله عز وجل لا في الصلاة ولا في غيرها بحيث يتأذى منه الناس، فالبعض يقرأ من المصحف بصوت عالٍ، وهذا خطأ، فعليه أن يخفض صوته ويسمع نفسه فقط، وإذا كان المسجد فارغاً فليرفع صوته إذا شاء: (والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة) كما في الحديث. وكثير من الناس يرفع صوته حتى في الصلاة، فيسمع الناس قراءته وتسبيحه ودعاءه، ويؤذي من بجواره. عليك أن تقبل على الصلاة نشيطاً فرحاً بأنك تصلي كما في الحديث: (أرحنا بها يا بلال)، لكن لا ترفع صوتك فيها فتؤذي أحداً من الناس. وبعض الناس في الصلاة يقرأ الفاتحة سراً حتى يصل إلى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:7] فيرفع صوته، فيزعج الذين بجواره. وبعض الناس يظهر تعبه في الصلاة كالكسلان، فأنت تصلي بين يدي الله عز وجل، وفي الحديث: (إن الله لا يمل حتى تملوا)، فالله عز وجل لا يمنع عنك ثوابه حتى تمتنع أنت من طاعته سبحانه وتعالى، ومن ذكره سبحانه، فاحرص على إتقان الصلاة وإحسانها، فقف فيها بجد وبنشاط فإنك بين يدي الله عز وجل، وأري ربك أنك تعبده عبادةً حقيقة لا عبادةً فيها ملل. ومن الآداب: ألا يمر أحد بين يدي مصلي، فإذا كان إنسان يصلي وجعل أمامه سترة فامش من وراء السترة. والسترة للمصلي مشروعة، وبعض الناس يصلي في آخر المسجد بلا سترة، فيوقع الناس في الحرج عند الخروج والبحث عن أحذيتهم. فاحرص إذا كنت مسبوقاً أن تصلي إلى سترة، وإذا لم تجد سترة أمامك فتقدم ودع غيرك يمر من ورائك.
تنزيه المسجد من النجاسات والقاذورات واللعب وكلام الدنيا
تنزيه المسجد من النجاسات والقاذورات واللعب وكلام الدنيا ومن الآداب: ألا يبصق ولا يتنخم ولا يتمخط في بيت الله سبحانه وتعالى، إلا إذا كان محتاجاً إلى ذلك فيخرج منديلاً ويتفل في منديله بطريقة مهذبة بحيث لا يؤذي من بجواره من الناس. ولا يفرقع أصابعه في الصلاة، ولا يعبث بشيء من جسده، فهذا ليس من أدب الصلاة. وكذلك ينزه المسجد عن النجاسات وعن الصبيان والمجانين، فمن كان على ثيابه نجاسة قد يلوث بها الأرض. فليجتنب دخول بيت الله عز وجل حتى يزيل النجاسة. ويجنب دخول المسجد الصبيان الذين لا يعقلون، فقد يجري ويلعب في المسجد، ويرفع صوته ويؤذي الناس، فمثل هذا ينزه المسجد عن إدخاله فيه، والذي يؤتى به إلى المسجد هو من كان في سن يصلى فيها وذلك بعد سبع سنوات، ويكون معلوماً من حاله أنه يعرف أن يصلي، وإذا قيل له: اسكت يسكت، وبعض الناس عنده سفاهة غريبة جداً، فهو يعلم أن ابنه قليل الأدب يلعب في المسجد، فإذا قيل له: يا أخي اتق الله لماذا أتيت به؟ فيقول: ما هو دليلك يا أخي؟! يعني الذي عمله ابنه في المسجد من سوء الأدب غير مهم عنده، لكن أنت ما هو دليلك على أنك تمنعه؟! وقد ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره على حرمة ذلك، فالمساجد لها حرمة، فلا يجوز الإتيان إلى المسجد بالصبيان المعروفين بأذى الناس واللعب لا للصلاة ولا لغيرها، لكن الذي يؤتى به لبيت الله عز وجل من يصلي ويتأدب، وإذا أمر أن يسكت سكت. وكذلك المجنون لا يمكَّن من دخول المسجد، فهو غير مكلف أصلاً حتى يدخل بيت الله، وإنما يخرج من بيت الله سبحانه حتى يستطيع الناس أن يصلوا، فالمسجد ليس مكاناً للمجانين ولكنه بيت الله سبحانه. وإذا علم من حال إنسان أنه يأتيه حالات جنون فمثل هذا يمنعه أهله من المجيء للمسجد حتى يزول عنه ذلك. أيضاً: من حرمة المساجد عدم إقامة الحدود فيها من جلد ونحوه؛ لأنه الذي يقام عليه الحد سيصرخ ويصيح، وليس المسجد مكاناً لذلك، وإذا كان حد القتل فسيلوث المسجد بدمائه. ومن الآداب: أن يكثر من ذكر الله تعالى ولا يغفل عن ذكره سبحانه، ولا ينشغل بكلام الدنيا، فهذا بيت الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن يعظم، فعلى المرء أن يجلس في بيت الله لطاعة الله وليس لإزعاج المصلين، فكل مصل منشغل بصلاته، ويكفيه الوساوس التي تأتيه وهو في الصلاة يسرح فيها، فلا تزدها عليه بكلامك ورفع صوتك وكأنك تنفر الناس عن الصلاة.
عدم اتخاذ المساجد طرقا والحرص على نظافتها
عدم اتخاذ المساجد طرقاً والحرص على نظافتها قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من اقتراب الساعة أن يرى الهلال قبلاً، فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقاً، وأن يظهر موت الفجأة) رواه الدارقطني، وقال الألباني: حديث حسن. قوله: (أن يرى الهلال قبلاً) قبلا: بفتحتين، ومعناه أنه يرى الهلال كبيراً، والهلال في أول ليلة من الشهر يرى صغيراً جداً ولا يكاد يراه إلا القليل من الناس، ويختفي سريعاً، ولكن من علامات الساعة أنه يكبر في أول ليلة من الشهر، فيظن الناس أنه قد طلع قبل تلك الليلة ولم ينتبهوا له! قال: (وأن تتخذ المساجد طرقاً) هذا من أشراط الساعة، فالمسجد يكون طريقاً للناس، فيدخل الرجل المسجد ليمر منه ولا يصلي، وإنما يدخل لحاجة وينصرف، وكأن المسجد شارع وليس هو بيت الله سبحانه! قال: (وأن يظهر موت الفجأة) يعني: يكون الرجل قاعداً صحيحاً وفجأة يموت، وهذا يحدث كثيراً، ومن الماضي كان يحدث ولكن يكون في آخر الدنيا موت أكثر الناس كذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (موت الفجأة أخذة أسف). وهذا للإنسان الفاجر يعني: أن الله عز وجل يعاجله بالعقوبة ولا يعطيه فرصة ليتوب إليه سبحانه، وقد كان الصحابة يفرحون إذا مرض الإنسان قبل أن يموت، ويحبون أن يمرض شهراً أو شهرين أو أكثر من ذلك أو أقل؛ لأن المرض كفارة، فيكفر المرض من ذنوب الإنسان، فإذا مات بعد ذلك لعله يموت مغفوراً له، فإذا غضب الله على عبد فإنه لا يترك له فرصة ليتوب، ويأخذه فجأة، قال الله: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24]، وفي الحديث: (إن الله يملي للفاجر حتى إذا أخذه لم يفلته) أي: يتركه يعلو ويعلو ويعلو وفجأة يأخذه فلا يفلته، يقبضه الله عز وجل ليعذبه على جميع ذنوبه، ولا يجعل له شيئاً من الكفارات، فمن أشراط الساعة أن يكثر شرار الخلق، فيكثر فيهم موت الفجأة. وفي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)، وهذا إذا كانت أرض المسجد تراباً، فإذا كان المسجد مفروشاً بسجاد فلا يحل لأحد أن يبصق عليه، فإذا فعل وجب عليه أن يطهر ذلك المكان من أثر ذلك. وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق)، فإماطة الأذى من محاسن أعمال هذه الأمة عند الله عز وجل، فقد تكون هناك قشرة موزة قد يتزحلق بها أحد فأماطها وأبعدها عن الطريق، فله أجر، أو وجد أذىً يؤذي الناس فأزاله عن الطريق، أو وجد مجاري تخرج إلى الشارع فأصلحها، فإنه يؤجر على ذلك. فمن الحسنات أن تميط الأذى عن الطريق، وقد صار الناس يأنفون من ذلك، بل وانقلب الحال، فصار الناس بدل أن يميطوا الأذى عن الطريق يضعون الأذى في الطريق، فيضع الزبالة في الطريق مع وجود صناديق القمامة، وبعضهم يرميه أمام الجيران، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن). فمن مساوئ الأعمال تقذير بيت الله سبحانه، فعلى المسلم أن يحرص على نظافة بيت الله سبحانه وتعالى، فقد كانت امرأة تقم وتكنس المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فافتقدها النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فسأل عنها، فقالوا: ماتت بالليل فدفناها، فقال: (هلا آذنتموني؟)، يعني: هلا أخبرتموني بموتها، وهذا لفضيلتها، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى قبرها فصلى عليها هنالك بعدما دفنت المرأة؛ لأنها كانت تكنس المسجد وتزيل الأذى من المسجد، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم لها فضيلتها فذهب فصلى عليها عند قبرها، وقال: (إن هذه القبور ممتلئة ظلمة على أصحابها، وإن صلاتي عليهم تنور قبورهم). قوله سبحانه وتعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ} [النور:36 - 37] وخص الرجال بالذكر، والمعنى: هم رجال ليسوا كغيرهم من الرجال، كذلك قال الإمام القرطبي هنا، وتخصيصهم بالذكر دليل على أن النساء لا حظ لهن في ذلك، فالمرأة صلاتها في البيت وليس في المسجد، فإذا جاءت المسجد لحاجة فهذا حسن، كأن تأتي لسماع درس علم أو نحوه ما لم تفتن أو تفتن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن، وليخرجن وهن تفلات). وقد جاء في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) يعني: كلما صلت المرأة في المكان البعيد عن أن يراها الناس كان هذا أفضل لها، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) فإنه نبه على أن البيوت خير للمرأة من المساجد إلا أن تحتاج المرأة لشيء في المسجد فيجوز لها أن تذهب إلى المسجد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [36 - 39]
تفسير سورة النور [36 - 39] ذكر الله تعالى صنفاً من عباده يتميزون عن غيرهم من اللاهثين وراء الدنيا والغافلين عنها بأنهم يسبحون الله تعالى ليل نهار في الغدو والآصال، فلا يلهيهم تصرفهم في قضاء حوائجهم ومعاشهم من تجارة وبيع عن ذكر ربهم، أو عن إقامة صلاتهم، أو أداء حق الله الواجب في أموالهم؛ لأنهم يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار، فالمولى الكريم سيجزيهم أحسن ما عملوا، ويبدلهم بعد خوفهم أمناً. وأما الكافرون فلا ينفعهم ما عملوه في الدنيا، بل يكون حالهم كالعطشان في الصحراء يرى السراب فيظنه ماءً، فإذا جاءه لم يجده شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع والله يرزق من يشاء بغير حساب)
تفسير قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع والله يرزق من يشاء بغير حساب) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:36 - 39]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات رجالاً لا تلهيهم التجارة والبيع عن المجيء إلى بيوت الله سبحانه، ولا تشغلهم الدنيا عن رحمة رب العالمين، ولا عن حب الله وطاعته سبحانه. {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور:36] أي: في الصباح والمساء، ففي كل وقت يسبحون الله سبحانه ويصلون طائعين، فهم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. فالمؤمنون الصالحون الذين يعرفون حق الله سبحانه وتعالى يعبدونه ولا يشركون به شيئاً، فأقبلوا بقلوبهم ووجوههم عليه، وأتوا إلى المساجد حين سمعوا النداء، وحرصوا على صلاة الجماعة، وتعلقت قلوبهم بالمساجد فلا تلهيهم تجارة ولا بيع. ولعل المقصود بالتجارة التي تقدم عليهم من خارج البلد، والبيع: التجارة الحاضرة التي بينهم. فلا يلهيهم الشيء البعيد الذي يتشوق الناس إليه، وينتظرونه، ولا الشيء القريب الذي هو في متناول أيديهم شغلهم عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فهم في ذكر لله سبحانه وتعالى دائماً، فإن كانوا في تجاراتهم فهم في ذكر لله. وقد اختلف العلماء في قوله سبحانه: {عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة} [النور:37] فقال بعضهم: (عن ذكر الله) يعني: الأذان، فكأنهم يسمعون الأذان ويرددونه، ويأتون إلى المساجد حين يسمعون النداء. وقيل: حضور الصلاة. وقال ابن عباس: عن الصلاة المكتوبة. وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى، فيوحدونه ويمجدونه بها. وقيل: نزلت في أهل الأسواق، قال سالم: جاز عبد الله بن عمر رضي الله عنه في السوق وقد أغلق الناس حوانيتهم وقاموا ليصلوا في جماعة، فقال فيهم نزلت: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]. والغرض: أن ذكر الله أعم من أن يكون الصلاة أو غيرها، فذكر الله سبحانه في قلب الإنسان المؤمن، وعلى لسانه في كل حين، فلا ينشغل عن الذكر وهو يبيع؛ لأن ذكر الله عز وجل في قلبه وفي عقله، فهو يخاف من الله ولا ينساه أبداً، فلا يغش في بيعه، ولا يخون، ولا يطفف في الكيل، ولا في الميزان، ولا يخدع، ولا يدلس ولا يغبن، ولا يفعل فعلاً يسخط الله عز وجل عليه، فهو بذلك ذاكر لله لا ينساه: لا في بيعه، ولا في تجارته، ولا في مشيه، ولا في بيته ليل نهار. وهذا الإنسان المؤمن يلهمه الله عز وجل ذكره، فإذا به يستمتع به، فإذا أكل قال: بسم الله، وإذا دخل بيته قال: بسم الله، وإذا مشى وهو في الطريق سمى الله سبحانه، ويذكر الله عز وجل في أبسط ما يكون من ذكر الله، فكيف إذا قرأ كتاب الله سبحانه، وذكر الله بكلام الله سبحانه؟! وكذلك لا ينشغل عن إقام الصلاة، فيحضرها عند إقامتها، ويحرص على تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، ويحرص الصف الأول. فإذا صلى أقام صلاته فأحسنها ولم يسئ فيها، ولم ينقرها نقر الغراب، ولم يصل صلاة الإنسان المتلهف على الدنيا، المسرع إليها المفرط في الصلاة. كذلك لا يلهيه البيع ولا التجارة عن إيتاء الزكاة، وكم من إنسان يكون معه مال، ويخاف إن أخرج الصدقة أن ينقص المال، فيبخل ويشح ويضل، فإذا أتى عليه وقت الزكاة بدأ يفكر هل يخرج الزكاة دفعة واحدة أو على دفعات وأقساط؟! وكأنه يشح ويظن على ربه سبحانه، وكأنه يستكثر أن يعطي الفقير المال جملة واحدة، وقد يخشى إن أعطاها الفقير أن تضيع منه!! فيقال لمن هذا حاله: أنت لم ترسل حافظاً على الفقير، ولا حسيباً عليه، ولكن الله عز وجل أمرك أن تخرج زكاة مالك في وقتها. لكن لو أن إنساناً أخرج جزءاً قبل وقته لحاجة الناس، فلا مانع من ذلك، وأما إذا جاء وقت الزكاة فصار عليك إخراجها فرضاً، فإذا أخرتها صارت ديناً عليك، فإذا قسطته شيئاً فشيئاً كان ديناً عليك تسدده بالتقسيط، ولا تدري لعلك تموت قبل تسديده كاملاً ولا يخرج ما بقي عنك أحد، فيضيع عليك الأجر في الدنيا، وعليك الوزر في الآخرة؛ لأنك منعت زكاة المال. فهؤلاء لا يلهيهم البيع، ولا تلهيهم التجارة عن ذكر الله، ولا عن إقام الصلاة، ولا عن إيتاء الزكاة، فيفعلون كل ذلك مخافة الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37] أي: يخافون يوماً عظيماً خطيراً، ونكّره الله سبحانه وتعالى معظماً لشأنه، والتقدير: يخافون يوماً وأي يوم يكون هذا اليوم؟ إنه يوم عظيم. {يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان:7] أي: الشر فيه منتشر وعظيم، وشر هذا اليوم ما يكون فيه من عذاب وأهوال. وفي هذا اليوم يقوم الناس خمسين ألف سنة ينتظرون أن ينتهي بهم هذا الموقف إما إلى الجنة، وإما إلى نار. ومن شدته يقول بعض الناس: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، ويظنون أن النار أهون عليهم من هذا الموقف، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور:37] أي: تتحول قلوب الناس عن أماكنها، وهذه الآية مثل قوله تعالى: {إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر:18] فالكفار يوم القيامة لا يطمئنون أبداً فهم في غاية الفزع، وقد كانوا في الدنيا مطمئنين وهم يعصون، ولك أن تتخيل إنساناً في شدة الفزع يقول: قلبي، وهذا في فزع الدنيا وهو فزع خفيف، وأما فزع يوم القيامة فلا نجاة منه، بل تتحول فيه القلوب عن أماكنها. وكذلك تتقلب وتتحول فيه الأبصار، فإذا ببعضهم قد ازرقّت أبصارهم، قال تعالى: {وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} [طه:102] أي: عيونهم زرقاء وألوانهم سوداء، وذلك أقبح ما يكون في الإنسان. وكذلك تعمى أبصارهم يوم القيامة والعياذ بالله. وكذلك تتحير الأبصار فتصير عينا الإنسان المفزوع زائغتين، فتتقلب شمالاً ويميناً يبحث عن منجى وملجأ فلا يجد ملجأً، ولا منجىً من الله إلا إليه. وإذا دخلوا النار تقلبت قلوبهم وأبصارهم في نار جهنم. وأما المؤمنون فيعصمهم الله سبحانه وتعالى وينجيهم، نسأل الله العصمة والعافية في الدين والدنيا والآخرة. قال تعالى: {لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [النور:38]، فالمؤمن يجزيه الله سبحانه أفضل ما عمل. وأصل الجزاء يوم القيامة أن يكون على الإحسان في الدنيا وعلى الإساءة، لكن لأنهم كانوا مؤمنين، واجتنبوا كبائر الذنوب، غفر الله لهم صغائر ذنوبهم وتجاوز عنها، قال سبحانه: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]. بل يبدل سيئاتهم حسنات من فضله وكرمه سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:38]، وهذا كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26]، فالزيادة النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور:38] فلا أحد يطلب من الله عز وجل شيئاً وهو مخلص لرب العالمين سبحانه، راجٍ له إلا أعطاه الله سبحانه. فالله هو الغني بذاته، فيرزق من يشاء في الدنيا وفي الآخرة ولا أحد يجبر الله عز وجل أن يعطيه شيئاً، وإذا أراد أن يضيق على أحد فلا أحد يغالبه سبحانه. فهو يعطي من يشاء على الحسنة عشر أمثالها، وعلى الحسنة مائة مثل أو سبعمائة مثل، أو بغير حساب، أي: من غير عد. وقوله تعالى: (بغير حساب) لها معنيان: الأول: بغير خوف أن ينفد ما عنده؛ فإن خزائنه ملآى لا تغيظ أبداً. والثاني: أن يرزق عبده بغير أن يحاسبه، والله يفعل ما يشاء، وقد يدخل أناساً من المؤمنين جنته من غير أن يحاسبهم على شيء، بل يغفر لهم ويدخلهم جنته بفضله ورحمته.
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) أما الكفار فذكر أمرهم وحالهم ومآلهم، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39]. فالكفار عملوا أعمالاً في الدنيا ظنوا أنها نافعتهم، فلما أتوا يوم القيامة صارت هباءً منثوراً، قال الله سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]. وقد يفعل الكافر في الدنيا الأعمال الصالحة، فقد يحسن إلى جاره، وقد يفعل الخير، وقد يتصدق بصدقة، ولكن ذلك لا يقبل منه، إنما يوفيه الله به في الدنيا، ولا يدخر له شيئاً يوم القيامة. فإذا جاء الكافر يوم القيامة جعل الله عمله هباءً منثوراً، والهباء هو ما يراه الإنسان في شعاع الشمس وهي داخلة من الكوة، وكذلك عمل الكافر يكون هباءً منثوراً لا قيمة له في يوم القيامة. وذلك أن العمل لكي يكون مقبولا لا بد فيه من شرطين: الأول: الإخلاص، وهو أن يعمله لله وحده لا شريك له. والثاني: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم. فهذان شرطان لقبول العمل؛ فإذا أتى الإنسان بالعمل الخالص لله المتابع للنبي صلى الله عليه وسلم فيه قبله الله. وأما الكافر: فقد امتنع أن يتابع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عمل عملاً أشرك بالله فيه وعبد غيره، فالله أغنى الشركاء عن الشرك، فجعل أعمالهم التي عملوها وظنوا أنهم ينتفعون بها يوم القيامة كالسراب. والسراب هو: الشيء الذي تراه في وقت الظهيرة في الصحراء المنبسطة أمامك كأنه ماء، فمن شدة الحر يسخن الهواء ثم تنعكس الأشعة، فتظن أن الأشعة المنعكسة فوق الأرض ماءً وليست ماءً. والإنسان العطشان في الصحراء يجري وراء هذا السراب يظنه ماءً؛ فإذا وصل إلى مكانه لم يجده شيئاً، فكذلك الإنسان الكافر. فقد كان في الدنيا يعمل أعمالاً يظن أنه يتقرب بها، وأنها صالحة، وأنها تنفعه، وقد رفض أن يتابع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن به، وأن يدخل في هذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده ولم يرض لهم غيره. فلما رفض إذا بالله سبحانه لا يقبل منه عملاً، فقدموا يوم القيامة وأعمالهم كسراب بقيعة. والقيعة والقاع: المنبسط من الأرض الصحراء، قال تعالى: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39] أي: أن هذا الإنسان الظمآن الذي يكون في الصحراء يشتهي شُرْب الماء، فإذا رأى السراب جرى إليه ولهث حتى يصل فلا يجد شيئاً؛ وكذلك هذا الكافر يوم القيامة يظن أنه ينتفع بعمله فلا يقبل منه شي.
القراءات في قوله تعالى (يحسبه الظمآن)
القراءات في قوله تعالى (يحسبه الظمآن) وفي قوله تعالى: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39] قراءتان: قراءة ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وخلف: (يحسَبه) بفتح السين. وقراءة باقي القراء: (يحسِبه الظمآن) بكسر السين. قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور:39] أي: إذا وصل إليه لم يجده شيئاً. وانتقل إلى يوم القيامة فقال: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} [النور:39]، فكأن الظمآن حين يصل إلى الذي ظنه ماءً ولم يجد شيئاً سيموت من شدة العطش، والكافر يوم القيامة يقدم ويظن أن ينتفع بعمله، فإذا جاءه ضاع منه هذا العمل، ووجد الله عنده؛ ليوفيه حسابه، والله له بالمرصاد، فيأخذه ويحاسبه الجزاء الوافي، والله سريع الحساب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [39 - 40]
تفسير سورة النور [39 - 40] يضرب الله تعالى مثلاً رائعاً لمآل أعمال الكافرين في الآخرة برجل مسافر انقطع عنه الماء، واشتدت عليه حرارة الجو، ولا أنيس له ولا سمير في الصحراء القاحلة، فيلوح له من بُعد سراب لامع، فيحسبه ماء، فيهرع إليه وإذا به ينصدم، فبعد أن يجهد نفسه ويزداد عطشه لشدة جريه يجد أن ذلك سراباً فلا ينتفع به، وكذلك أعمال الكافرين، فهم يظنون أنها تنفعهم، فيجعلها الله سبحانه يوم القيامة هباءً منثوراً.
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة)
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39]. لما ذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآيات أمْر المساجد وأن هذه المساجد يوجد فيها المؤمنون الذين يعبدون الله سبحانه وتعالى، ويخلصون له، والذين ينير الله عز وجل قلوبهم بحفظ كتابه سبحانه، وبكثرة تسبيحهم وصلاتهم في بيوت الله، ثم ذكر المؤمنين وذكر شيئاً من أعمالهم وذكر جزاءهم. ثم انتقل لذكر الكافرين كيف تكون أعمالهم وكيف يكون جزاؤهم عند الله تبارك وتعالى، فقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39]، فالكافر مهما عمل من خير فإنما يجزى عليه في الدنيا فقط. وأما عند الله يوم القيامة فلا أجر له ولا ثواب؛ لأن الأجر والثواب عند الله مرتبط بإيمان العبد، وشرط الثواب على العمل أن تعمله خالصاً لله سبحانه وتعالى، فليس فيه ريا ولا شرك. فهؤلاء الكفار عملوا أعمالاً هي شرك بالله تبارك وتعالى، وتقربوا إلى غير الله، أو عملوا أعمالاً ابتغوا بها الخير لغيرهم، ولكن أصل الإيمان ليس في قلوبهم، فقد كفروا وجحدوا ربهم، وكذبوا رسل رب العالمين، ثم عملوا أعمالاً فلن تقبل منهم؛ لأن شرط القبول: الإيمان والتصديق والدخول في هذا الدين العظيم، فإذا رفضوا كلام رب العالمين، وكذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد ذلك تصدقوا أو عملوا أعمالاً صالحة في الظاهر فهذه لا قيمة لها عند الله سبحانه وتعالى، فإذا جاءوا يوم القيامة اغتروا بأعمالهم، وظنوا أن لهم أعمالاً مقبولة عند الله سبحانه، فلما قدموا وجدوا هذه الأعمال هباء منثوراً، قال سبحانه: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] أي: كالذرات المتناثرة التي تراها في الكوة إثر دخول الشمس منها، فكذلك أعمالهم لا يؤجرون عليها. وهنا ضرب الله ومثلاً آخر يتبين منه عدم قبول أعمال هؤلاء وكيف يكون شأنها، وكيف يتحسرون عليها يوم القيامة، فيقولون: يا ليتنا عملنا هذه الأعمال مع تصديقنا بالله تبارك وتعالى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} [النور:39]، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} [النور:39] مبتدأ، و {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} [النور:39]، مبتدأ ثانٍ وخبر، والجملة خبر للمبتدأ الأول، أو {أَعْمَالُهُمْ} [النور:39]، بدل من {الَّذِينَ كَفَرُوا} [النور:39]. قال تعالى: {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} [النور:39]، وهو هذا الشيء اللامع البعيد الذي تراه في وقت الظهيرة وأنت تمشي في صحراء واسعة منبسطة في شدة الحر، فتنزل الحرارة وتبخر الأبخرة الموجودة في طبقات الهواء مع تمدد أشياء منها، فتنكسر عليها أشعة الشمس فتراها كأنها ماء أمامك، فمثل عمل الكافر كإنسان يمشي في صحراء في غاية العطش، فوجد أمامه قاعاً منبسطاً فظن أن فيه ماء وهو سراب في وقت شدة الظهيرة، فجرى تجاه هذا الماء يريد أن يشرب منه، فلما وصل بعد تعب لم يجد ماء ولا شيئاً، ولكن وجد سراباً لامعاً كالماء وليس ماء حقيقة. قال تعالى: {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} [النور:39]، فغير الظمآن في هذا المكان ليس محتاجاً للماء ولكن الظمآن في غاية العطش هو الذي يكون في غاية الاشتياق أن يصل إلى هذا الماء ليشرب منه، وكذلك الكافر يوم القيامة ينتظر عملاً ينجيه وينقذه مما هو فيه، فإذا به يتذكر الأعمال الصالحة التي عملها، فلما ظن أنه ينتفع بها إذا بالله عز وجل لا يقبل منها شيئاً. قال هنا: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور:39]، لما جاء يوم القيامة ولم يقبل منه هذا العمل وجد الله هناك عز وجل ليسأله ويجازيه على كفره وجحوده وتكذيبه، فكما لم يجد صاحب السراب العطشان ماء، كذلك هؤلاء يوم القيامة لم يجدوا ثواباً على أعمالهم بل قد أحبطها كفرهم فلم يجدوا شيئاً. قال تعالى: {وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ} [النور:39] أي: وجد الله له بالمرصاد، أو وجد جزاء الله سبحانه وتعالى له على كفره عند حشره، قال: {فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور:39] أي: أعطاه العقوبة الوافية جزاءً بما قدم من كفر قال: {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور:39]، فيحاسب الخلق جميعهم لا يشغله شيء عن شيء يوم القيامة، فيوفي للمؤمنين جزاءهم بالحسنى، ويوفي الكافرين جزاءهم وعقوبتهم على ما فرطوا وما قدموا من أعمال سيئة.
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي)
تفسير قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي) وهذا مثال آخر قال سبحانه: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} [النور:40]، إذاً: فالكفار أعمالهم مثلها الله عز وجل لنا بهذين المثلين: بمثل السراب، أي: أنها لا شيء، وبمثل الظلمات، فقال: {كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور:40]، فأعمالهم مع كفرهم لا نجاح فيها ولا قبول لها، بل هم في ظلمات الكفر والشك والحيرة، وفي ظلمات المعاصي في الدنيا وكذلك يوم القيامة، فيمثِّل لهم هذه الأعمال وهم في حيرة وشك وفي كفر. وانظر إلى هذه الصورة قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ} [النور:40]، فهذه الظلمات في بحر شديد غوره وعميق جداً، وليس في أي بحر، ولكن قال: {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} [النور:40] أي: في بحر عميق بعيد غوره بعيد قاعه يغشى هذا البحر {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ} [النور:40]. وهنا في هذه الآية يذكر الله عز وجل موجاً فوقه موج آخر، وقد كانوا في الماضي يقولون: موج من فوقه موج، أي: من ورائه موج. إذاً: موج عالٍ وراءه موج عالٍ مثلما ترى البحر عندما يكون مرتفعاً عالياً، فتأتي موجة تلو الأخرى، فكانوا يقولون ذلك، ولكن مع تقدم علوم البحار ونزول الناس بآلاتهم إلى أعماق البحار وجدوا تطبيقاً حقيقياً لهذه الآية، وأنه {مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} [النور:40]، وليس موج، من وراءه موج فقالوا: هذا لا يكون إلا في البحر العميق. قالوا: وهذه من معجزات كتاب رب العالمين سبحانه التي تبين أنه جاء من عند رب العالمين، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم ينزل بحراً قط، ولو كان عند بحر فإنه يكون بحراً سطحياً، وأما البحر العميق فلا، لا هو ولا أحد من أصحابه أبداً نزلوا بحراً عميقاً، ومن يقدر على ذلك؟! قالوا: أقل أعماق الموج الداخلي في البحر مائتا متر من سطح البحر، قالوا: ويكون موجاً داخلياً في البحار العميقة جداً كالمحيطات، فتكون أمواج مختلفة جداً في العمق الذي لا يقدر الإنسان أن يصل إليها في الغطس في البحر، وأكبر مسافة ينزل إليها الإنسان ولا يؤذى بنزوله إليها حوالي ثلاثين متراً أو سبعة وثلاثين متراً، فهذه أقصى مسافة يقدر الإنسان أن يصل إليها من غير آلات ولا شيء. وإذا نزل أكثر من ذلك فإنه يزيد عليه ضغط الماء فتتحول الغازات الموجودة في دماغ الإنسان كغاز النيتروجين مع شدة الضغط إلى سائل، فإذا خرج وخف الضغط رجع إلى غاز، فيفور دماغه ويموت. لذلك فهؤلاء الذين ينزلون أقصى من ذلك لا بد أن تكون معهم آلات حتى لا يحدث لهم ذلك، وإذا أرادوا الصعود لا يصعد مرة واحدة، ولكن يصعد مسافة قليلة وينتظر فترة طويلة، ومن ثم يطلع مسافة ثانية وينتظر فترة طويلة، ويحتاج أن تكون معه أنبوبة أكسجين من أجل أن يتنفس، والغواص يعلمونه ذلك حتى لا يصاب بأذى. فهنا الآية تخبر عن هذا الموج الذي تحت أعماق مائتي متر عن سطح الماء أنه موج وفيه ظلمة، وهذا فعلاً هو الحاصل، فالمكان الذي فيه الموج الداخلي في أعماق المحيطات لا تجد شيئاً من النور، ولذلك الكائنات الحية التي في هذا المكان لها خصائص أخرى غير الكائنات التي فوق السطح القريبة من الناس، فتجد أن بعض الأسماك ليس لها عيون أصلاً؛ لأنها ليست محتاجة للرؤية بداخل هذه الأعماق المظلمة. فالله عز وجل يخبر عن هذه الأعماق أنها ظلمات، فإذا نزلت تسبح في البحر مترين مثلاً تجد أشعة الشمس غير منكسرة، فترى ما حولك، ثم تنزل تحت جداً فتجد الظلمة بالداخل التي أخبر الله سبحانه وتعالى عنها بقوله: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ} [النور:40]، وليس هذا في أي بحر، وإنما هو البحر العميق {فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} [النور:40]، وهو موج داخلي قال: {مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ} [النور:40]، وهو موج سطحي، فيقولون: هذا الموج السطحي مع حركة الماء يكسر أشعة الشمس، ولذلك عندما تصنع شيئاً داخل الماء ومن ثم تحرك الماء فوقه فإنك لا ترى هذا الشيء الداخلي؛ لانكسار الأشعة، فهذا الموج الداخلي في ظلمة. ثم قال: {مِنْ فَوْقِهِ سحاب} [النور:40] إذاً: فوق ذلك سحاب أيضاً فاليوم شاتي والسماء مظلمة وفي سطح البحر موج عالٍ، وداخله موج آخر، قال تعالى: {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور:40]، فالذي في مثل هذا المكان العميق في الماء وفي مثل هذه الظلمة ظلمة السحاب، وظلمة السماء، وظلمة الليل، وظلمة قاع البحر، إذا أخرج يده لا يكاد يراها. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]، إذاً: هذه الظلمات نطبقها على حال الإنسان الكافر فهو في ظلمة كفره، وفي ظلمة حيرته وتخبطه، وفي ظلمة شكه في قلبه، فلا يطمئن الكافر أبداً، فمهما ظهر أمام الناس أنه مطمئن، وأنه ساكن، ولكن قلبه ممتلئ حيرةً بخلاف الإنسان المؤمن. والإنسان المؤمن وإن تكالبت عليه مصائب الدنيا، فهو مطمئن بالله سبحانه وتعالى، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فتطمئن القلوب بذكر الله والركون إليه؛ قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، فالمؤمن يعرف ربه، ويعرف مصيره وأنه راجع إلى الله؛ لذلك إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهذه كلمة عظيمة يستحق عليها الإنسان المؤمن الثواب العظيم، فإذا قال: إنا لله في وقت المصيبة ووقت البلاء يعني: ماذا حصل: أخذت مني الدنيا أو أخذ مني شيء منها، فأنا كلي لله سبحانه وتعالى، وأمري راجع إلى الله، فهو مطمئن بالله سبحانه.
القراءات في قوله تعالى: (من فوقه سحاب ظلمات)
القراءات في قوله تعالى: (من فوقه سحاب ظلمات) وأما الكفار فهم في ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وفي قوله: {مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور:40] ثلاث قراءات: هذه قراءة الجمهور. وقرأها البزي عن ابن كثير (من فوقه سحاب وظلمات). وقرأها قنبل عنه (ومن فوقه سحاب ظلماتٍ بعضها فوق بعض) على الإضافة، وكأن المعنى: سحاب فيه ظلمات عظيمة، وهو سحاب الليل أو سحاب الشتاء الذي فيه الظلمة، فهو يستر ضوء الشمس عن الإنسان، أو سحاب من فوقه سحاب. ثم رجع على البدل من أولها {أَوْ كَظُلُمَاتٍ} [النور:40]، فقال: {سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور:40]، على البدل من الأول. قال تعالى: {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور:40]، إذا أخرج يده في هذه الظلمات لم يكد يرى يده ولو قربها من عينه، وقد لا يرى هذه اليد، فمعناه أنه في ظلمات شديدة. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]، فالنور نور الله سبحانه قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:35]، وقال: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [النور:35]، فالمؤمنون أنار الله قلوبهم وأبصارهم وبصائرهم. فالمؤمن يرى الآيات فيعتبر ويتعظ، والكافر مهما رأى من شيء فلا عبرة ولا اتعاظ، وهو بعيد عن الله سبحانه وتعالى وقد سحب منه النور، فلا نور له. فمن أراد الله به خيراً أضاء الله قلبه ونورّه فاهتدى، ومن لم يرد الله به خيراً ابتعد عن دين الله سبحانه وتعالى، قال: {مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور:40]، يهتدي به في ظلماته، ويموت هذا الإنسان على كفره إلا أن يشاء الله به خيراً. لذلك الإنسان المؤمن الذي يواظب على المجيء إلى بيت الله عز وجل له البشارة العظيمة من كتاب رب العالمين في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [النور:38]، إذاً: فالبشارة في كتاب رب العالمين بالجزاء على أحسن ما عملوا، ويكفر عنهم سيئاتهم سبحانه وتعالى. والبشارة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة). ففي ظلمات الليل يذهب المؤمن لصلاة المغرب، ولصلاة العشاء في بيت الله رب العالمين. وفي ظلمة الفجر يذهب المؤمن إلى بيت الله، فيقال له: كما ذهبت في الظلمة وأنار الله قلبك بالإيمان؛ فيوم القيامة ينير لك ويضيء لك موقفك ومكانك، ويضيء لك الصراط، فتمر عليه بفضل الله سبحانه وتعالى وبنور الله. نسأل الله عز وجل أن ينير لنا طريقنا إليه في الدنيا، وفي قبورنا، ويوم القيامة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [41 - 45]
تفسير سورة النور [41 - 45] يخبر تعالى أنه يسبح له من في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن والحيوان وحتى الجماد، فكل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله تعالى. ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود وحده لا شريك له. ثم ذكر سبحانه أنه يسوق السحاب بقدرته، وقد يكون المطر النازل من السحاب نعمة وقد يكون نقمة، ويقلب الله الليل والنهار ويتصرف فيهما كيف يشاء، فهذا دليل على عظمته وقوته وعزته تعالى.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:41 - 44]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن تسبيح الكائنات التي خلقها، فكل مخلوق خلقه الله سبحانه يسبح بحمده، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]، ومعنى يسبح بحمده أي ينزهه ويحمده. فقوله تعالى: {يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:41] أي: أن السموات والأرض ومن فيهما من جميع المخلوقات تسبح ربها، وأخبر هنا (بمن)، التي يخبر بها عن العاقل، فمن يسبح الله وينزهه ويحمده فهو عاقل وإن كان جماداً أو نباتاً أو حيواناً، فطالما أنه عرف ربه، وحمد ربه وسبحه فهو عاقل، فاستحق أن يخاطب بذلك. فكل من في السموات والأرض يسبحون ويطيعون الله سبحانه وتعالى، ويخضعون له ويخشونه، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج:18]. أي: ما من شيء إلا يسبح بحمد الله سبحانه، ويسجد لله طائعاً أو مكرهاً، فالمؤمن يسجد لله طائعاً له وينفذ أمره، لكونه عرف الله سبحانه وعبده وابتغى رضاه سبحانه وتعالى، والكافر يسجد لله مكرهاً، ويطيعه، وينفذ فيه أمر الله الكوني القدري. فكل شيء يسجد لرب العالمين سبحانه طائعاً أو مكرهاً، وقوله تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} [النور:41] أي: ما بين السموات والأرض، وهو هذا الجو وما فيه من مخلوقات من طيور تطير وغيرها، فهذه الطيور تسبح بحمد ربها سبحانه، فتصطف في السماء باسطة أجنحتها مسبحة ربها سبحانه تبارك وتعالى، حامدة له على ما أعطاها وما قدره لها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدوا خماصاً، وتروح بطانا). ففهمت الطيور أن الله ربها وخالقها ورازقها، وأنه لا يتركها، فإذا بها تسبح حامدة ربها، في حال كونها صافات وباسطات أجنحتها في السماء. {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور:41] أي: أن الله عز وجل قد علم صلاة كل مخلوق وتسبيحه، والإنسان لا يفهم لغة الطيور والحشرات والحيوان، وقد جعل الله عز وجل لها ما تتخاطب به وتسبحه به. فالمؤمن يتفكر في خلق الله الخلاق العليم العظيم سبحانه، الذي هو أكبر من كل شيء، ويعلم كل شيء، فهو يعلم لغات الطيور وغيرها في اللغات. فالعربي يتكلم بلغة يعرفها الله، وكذلك الأعجمي والطير والبهائم، فكل هذه المخلوقات قد علم الله عز وجل صلاتها ودعاءها وتسبيحها. وعلماء الحيوان يبحثون في ذلك، ويقولون: هناك لغة للحيوان يتخاطب بها، وكذلك للحشرات وللنمل وللنحل فكل منها يخبر بعضها بعضاً عن أشياء، وهي تصلي لرب العالمين بهيئة يعلمها الله، وتسأل الله فيعطيها، وتتوكل على الله فيرزقها. ومعنى تسبيح الله: تقديسه وسؤاله ودعاؤه وتنزيهه عن كل معصية. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور:41] أي: والله عليم بما يفعل الخلق جميعهم: من إنسان أو حيوان أو جان أو ملك أو جماد، فمن يفعل شيئاً يعمله الله سبحانه وتعالى، ولا يتحرك شيء إلا بمقدار، ولا ينزل شيء إلا بقضاء الواحد القهار، سبحانه وتعالى. فالله قد أحاط بكل شيء علماً، فكل شيء دق أو جل، صغر أو كبر قد أحاط الله به علماً، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير)
تفسير قوله تعالى: (ولله ملك السموات والأرض وإلى الله المصير) قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:42]، لله يملك السموات وما فيها، والأرضين وما فيها، فكل شيء خلقه الله فهو ملك له. ومهما زعم إنسان أنه يملك في الدنيا، أو أنه صار ملكاً فملكه هذا عرض، ولكن صاحب الملك الحقيقي هو الله سبحانه تبارك وتعالى، وملك الإنسان يزول ويرجع كله بعد ذلك إلى خالقه سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور:42] أي: كل شيء راجع إلى الله، فملك الإنسان في الدنيا راجع إلى الله عز وجل، وهو تارك ما أخذه ليرجع إلى صاحبه وخالقه سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحابا)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً) يخبرنا الله عن قدرته العظيمة سبحانه تبارك وتعالى، كما أخبرنا عن تسبيح الكائنات له عز وجل، فالله يرزقنا من السماء، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [النور:43]، ومعنى يزجي سحاباً أي: يدفعها برفق، فيحركها ويسوقها ملك من ملائكة رب العالمين موكل بالسحاب، فالسحاب يتراكم بعضه مع بعض، وهذا معنى قوله تعالى: {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} [النور:43]، ثم ينشأ بداخله من الهواء ما يجعله كالشفاط فيسحب السحب بعضها من بعض، ثم يجعله ركاماً، أي: يتراكم بعضه فوق بعض. إذاً في البداية يسوق الله سبحانه وتعالى السحب من مكان إلى مكان، ثم تجتمع، ثم يعلو بعضها فوق بعض حتى تصير كالجبل في النهاية، وهذا الشيء لا يراه أبداً إنسان من الأرض، وإنما يعلمه من صعد فوق السحاب بطائرة، فيرى السحابة فعلاً مثل الجبل بالضبط، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ير ذلك، وإنما أخبره الله خالق كل شيء سبحانه وتعالى. فإذا صارت السحب كالجبل بعضها فوق بعض إذا بأمر الله يأتي فينزل المطر من خلاها، قال تعالى: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ} [النور:43]، والودق هو قطرات المطر، وقوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ} [النور:43] ومعنى من خلاله أي: من بينه.
القرءات في قوله تعالى: (وينزل)
القرءات في قوله تعالى: (وينزل) ((وَيُنَزِّلُ)) [النور:43]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو: (ويُنِزلُ). وقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور:43] أي: السحاب الركامي الذي يتكون بعضه فوق بعض حتى صار كهيئة الجبل، فينزل منه فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، فيسوق الله المطر إلى من يشاء من خلقه فيكون رزقاً له، وينزل على من يشاء من خلقه البرد فيهلكهم فيكون وبالاً عليهم، والله يفعل كل خير بعباده ويفعل ما يشاء سبحانه وتعالى. قال تعالى: {فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ} [النور:43]، قال علماء الفلك: يكون ارتفاع السحاب الركامي من خمسة عشر إلى عشرين كيلو متر ممتداً إلى أعلى، ويمر بثلاثة مراحل: مرحلة الالتحام ثم مرحلة تراكم السحب بعضها فوق بعض، فتكون كالجبل، ثم مرحلة الهطول، ومن ثم تفنى هذه السحابة وتنتهي. وهذا السحاب الذي خلقه الله عز وجل يتكون بداخله شحنات كهربائية -الله أعلم بها- فينشأ منها هذا البرق، قال سبحانه: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43] والمعنى: ليس كل بصر يذهب من ضوء هذا البرق، وإنما يكاد يذهب.
القراءات في قوله تعالى: (يذهب)
القراءات في قوله تعالى: (يذهب) وفي قوله تعالى: {يَذْهَبُ} [النور:43] قراءتان: الأولى قراءة الجمهور ببناء الفعل للمعلوم، والثانية: (يُذْهِبُ) وهي قراءة أبي جعفر يزيد بن قعقاع، وهي ببناء الفعل للمجهول أو لما يسم فاعله. قال علماء الفلك: إن هذا السحاب فيه شحنات كهربائية مفرقة فيه قد تصل إلى أربعين شحنة في الدقيقة الواحدة، فإذا حصلت هذه الكمية من الشحنات بعضها وراء بعض تكون البرق، فالذي ينظر إليه تخطف بصره، ولذلك فإن الراصد لهذه البروق يذهب بصره، وهو ما يحدث للملاحين والطيارين الذين يخترقون عواصف الرعد والبرق، كما في المناطق الحارة، فينجم عن فقد أبصارهم أضرار عظيمة في غرق المراكب أو السفن وفي سقوط الطائرات بسبب النظر إلى هذا البرق. فهل كان هناك طائرات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليرون ذلك؟ أم هل راقبه أحد الصحابة حتى ذهب بصره من هذا البرق؟
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار)
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار) قال الله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44]. والمعنى أن الله تعالى يقلب الليل الطويل في الشتاء إلى ليل قصير في الصيف، والعكس من ذلك في النهار، فالليل تكون فيه البرودة، والنهار تكون فيه الحرارة، والليل يكون فيه القمر، فيكون هلالاً ثم محاقاً وسراراً الخ والنهار تأتي فيه الشمس، وقد تأتي السحب فتحجب ضوء الشمس، ويقلب ما يشاء سبحانه وتعالى، فيقلب أرزاق العباد بالليل والنهار، فيعطي من يشاء ويمنع من يشاء، فهو يقلب الليل والنهار كما يشاء سبحانه. وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44] أي: ما يفعله الله عز وجل من تقليب الليل والنهار فيه عبرة لأصحاب الأبصار الذين ينظرون ويعقلون ويفهمون ويعلمون أن الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي خلق الإنسان ورزقه وقدر له المقادير، وهو الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء. فهم ينظرون في الكون ويعلمون أن مدبر هذا الكون واحد لا شريك له، فلو كان في هذا الكون إله غير الله سبحانه لفسد الكون كله، ولكن هذا الكون أصلحه الله عز وجل وجعله على هذا النظام البديع الذي يظل عليه إلى أن يأتي قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
القراءات في قوله تعالى: (والله خلق)
القراءات في قوله تعالى: (والله خلق) قال الله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور:45]، فهذا آية من آياته سبحانه. وقوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} [النور:45] هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((والله خالق كل دابة من ماء)). فلم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تحليل طبي لجسد الإنسان ليعرف مم خلق!
كلام علماء الطب عن الماء في جسم الإنسان
كلام علماء الطب عن الماء في جسم الإنسان قال علماء الطب: إن جسد الإنسان يتكون من سبعين في المائة (70%) منه ماء، وباقي هذا الجسد يتركب من باقي المواد التي خلق منها، وكذلك كل ما يدب على الأرض مخلوق من ماء سواء كان إنساناً أو حيواناً أو ما يكون في الأرض من حشرات، وما يكون في الجو من طير، فالتحليل لأجساد هذه الأشياء يثبت أن التركيب الأغلب فيها هو من الماء.
معنى الماء في الآية الكريمة
معنى الماء في الآية الكريمة والماء يأتي لمعنيين: فيأتي بمعنى النطفة، فكل ما يدب على الأرض يتكاثر بذلك. ويأتي بمعنى الماء المعروف الذي يتركب منه الجسد، وكان الناس في الماضي يفهمون أن المراد بالماء هو النطفة، وأما أن جسد الحيوان أكثره ماء فهذا لم يعرف إلا بالعلم الحديث، والقرآن قد سبق العلم الحديث في أن الماء ضروري للإنسان، فيمنُّ الله عز وجل على الإنسان بأنه قد رزقه هذا الماء. والإنسان ممكن أن يعيش من غير أكل مدة أقصاها ستون يوماً، وأما الماء فلا يستطيع أن يصبر على فقده أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، ويموت الإنسان إذا فقد الماء أكثر من ذلك. فالماء ضروري للإنسان وجسده مركب منه، والماء أساس تكوين الدم في الإنسان، وكذلك السائل اللمفاوي، والسائل النخاعي، وإفرازات جسم الإنسان: كالبول والعرق والدموع واللعاب والمخاط، والسوائل الموجودة في الغضاريف والمفاصل، وسبب رخاوة جسم الإنسان هو الماء الذي فيه، ولو أن الإنسان فقد عشرين بالمائة من الماء الذي فيه فإنه يوشك أن يموت. فالله يمن على العباد أنه خلقهم من ماء، وسقاهم منه، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، ليطهرهم به، وليثبت به أقدامهم. فالماء نعمة عظيمة، فإنه يذيب المواد الغذائية والفضلات الموجودة في جسد الإنسان حتى تخرج منه كالبول والعرق، فيجب على الإنسان أن يحمد الله على هذه النعمة العظيمة بعد الشرب وكذلك بعد أكل الطعام، فصاحب النعم العظيمة لا يعرفها إلا إذا فقدها، فاحمد ربك في وقت الرخاء يعطك في وقت البلاء، ولا تكن كالذي لا يذكر ربه إلا إذا فقد النعمة.
تفسير سورة النور [42 - 46]
تفسير سورة النور [42 - 46] يدلل الله عز وجل على عظيم قدرته في هذا الخلق والكون بأنه ينشئ السحاب الثقال المحملة بالماء الكثير والبرد فيرزقه من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويقلب الليل والنهار ليستفيد منهما الإنسان للعمل والراحة والسكنى، وخلق المخلوقات على أشكال وصور مختلفة، كل هذا ليدلل على قدرته العظيمة، وحكمته البالغة، وآياته الواضحة الباهرة.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور:44 - 46]. أخبرنا الله تعالى في هذه الآيات وما قبلها عن بديع صنعته في خلقه سبحانه وتعالى، وعن قدرته العظيمة، وأنه يسبح له من في السموات والأرض، والطير كذلك تسبح ربها صافات، فكل قد علمه الله عز وجل صلاته وتسبيحه. فالله عليم يعلم كل شيء، والله خالق كل شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم بمن خلق، قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]، فخلق كل شيء وجعل له ما يفهم به ويخاطب به، والله يفهم جميع لغات هذه الأشياء من إنسان وحيوان وبهائم وحشرات وطيور وجماد ونبات، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]، والله سبحانه وتعالى عليم بما يفعلون، وعلمه محيط بكل شيء، ولا يحيط الخلق بشيء من علمه، فالله أحاط بكل شيء علماً، فانظر إلى الإنسان كيف أحاط الله به علماً، يكتب ما يعمل هذا الإنسان منذ خلق، ويؤمر الملك أن يكتب أجل هذا الإنسان وعمله، وشقي أو سعيد، فكم سيبقى هذا الإنسان في بطن أمه؟! ومتى سينزل من بطن أمه؟! وهل سيموت فيها أم يخرج منها حياً؟! فيأمر الله عز وجل الملك أن يكتب جميع ما يكون عليه، فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد. فنزل إلى هذه الدنيا وقد علم الله عز وجل قبل خلقه كيف سيكون هذا الإنسان فيها، هل يعيش أم يموت، وهل يموت صغيراً أم شاباً أم كهلاً أم شيخاً، وما الذي سيتعلمه، وما الذي سيعمله، وما الذي سينويه، وهل سيكون على الإسلام أم على غيره، فعلم الله كل شيء، والإنسان قد يبتلى ويصاب بأشياء من مصائب الدنيا، يصاب بأشياء تسعده وأشياء تشقيه، والله قد علم ذلك كله، فهذا في الفرد الواحد، ويعلم فوق ذلك بكثير، فيعلم نفس الإنسان حين يخرج ونفسه حين يدخل، ومتى يكون آخر نفس لهذا الإنسان، فهؤلاء الناس جميعهم الله يعلم من كل واحد منهم هذا الشيء، يعلم من يموت ومن يعيش، ويعلم في النبات {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59]، فهذا شيء عظيم جداً جداً، فعندما تنظر في علم الله سبحانه في ورقة من ورق الشجر فهو يعلم متى ستنبت هذه الورقة، ومتى تكتمل، ومتى تسقط على الأرض، وكذلك الحبة الصغيرة يعلم الله متى تنمو، ومتى تكون في الشجرة، ومتى تكون ثمرة، ومتى تجف، ومتى تسقط في الأرض، ومتى تبتلعها، ومتى تنمو من جديد، وهذا شيء عظيم جداً من علم الله سبحانه، فيتحير الذي ينظر ويفكر في هذا، فعلم الخالق سبحانه وتعالى علم محيط بكل شيء. والإنسان لا يحيط بشيء من علم الله، والإنسان هنا جنس فيشمل كل الناس، فلو اجتمعوا فلا يحيطون بشيء من علم الله عز وجل، والذي ينظر في علم الإنسان يريد أنه كلما ازداد علماً تخصص في شيء، وإذا ازداد علماً بعد ذلك قلّ الشيء الذي يتخصص فيه، فانظر للإنسان الذي يتعلم وهو صغير فعندما يكبر ويذهب إلى الكلية يتعلم الطب، فيدرس جميع الفروع دراسة ليست تفصيلية، وإنما يدرسها دراسة عامة، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في فرع واحد فقط، فإذا ترقى بعد ذلك تخصص في شيء من هذا الفرع، وتجد إنساناً أصبح طبيباً ممارساً أو أصبح أخصائياً لجزء من جسم الإنسان، ويقوم بتحضير الدكتوراة في جزء منها في شيء معين فيه، وبعد ذلك يتخصص في مرض معين من الأمراض يكون له باع في هذا الشيء، فعلم الإنسان كلما ازداد تخصص وضاق، وبقية الأشياء ليس لديه فيها خبرة، فتذهب لطبيب مشهور جداً في نقطة معينة في هذا الشيء يعرفه، فعندما تسأله عن منطقة بعيدة منها يقول لك: اذهب إلى أخصائي فيها، فهذا الإنسان علمه لا يحيط بشيء واحد من كل جهاته، والله عز وجل أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة:255]، فهو العليم سبحانه وتعالى الخبير، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور:41]. {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النور:42] جميع ما في السموات وما في الأرض ملك لله تعالى، فهو المالك الحقيقي، فيملك كل شيء، ويحكم على كل شيء، ثم المصير إليه سبحانه وتعالى، {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [النور:42] أي: المرجع والمآب. ثم يعجبنا من قدرته العظيمة كيف يكون السحاب كما ذكرنا في الحديث السابق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} [النور:43] (يُزْجِي): يسوق ويدفع برفق، ثم يؤلف بين هذه السحاب، ثم يركمها بعضها فوق بعض حتى تصير جبلاً عالياً بمقدار (15) كيلو متراً أو (20) كيلو متراً بعضها فوق بعض. قوله: (فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) أي: فترى قطرات المطر تنزل من خلاله، فلو شاء لسكبه دفعة واحدة، وتخيل لو انسكب هذا السحاب دفعة واحدة، كيف سيصنع بمن ينزل فوقه؟ فهذا يكون شيئاً عظيماً ومهولاً، ولكن الله بفضله ورحمته سبحانه ينظم كونه. قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) وهذا مثل هيئة الجبل الموجود على الأرض. (فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) أي: قطع الثلج. ومن رحمة رب العالمين أنه لا يجعل السحابة تسقط قطعة ثلج واحدة؛ لأنها ستنزل على الناس وتكسر كل ما تنزل عليه، لكن الله بفضله ورحمته ينزل البرد قطعاً صغيرة من الثلج، ولو شاء الله عز وجل لجعله مهلكاً لخلقه، ولكنه رحيم بنا سبحانه تبارك وتعالى. قوله: (فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ) يصيب بهذا المطر والبرد من يشاء، فرحمة الله مقسومة، فيقسم الأرزاق لعباده، فيكون في هذا المكان مطر كثير، وفي هذا المكان مطر غزير، وفي هذا المكان مطر يسير، بحسب ما يقدره رب العالمين سبحانه من أرزاق للعباد، ويكون في مكان ما مهلكاً، وفي مكان آخر منبتاً، والله يفعل ما يشاء. قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) أي: ضوء البرق الذي يخرج من خلال هذه السحاب ومن خلال هذا الرعد، وفي البرق شحنات كهربائية تكون بداخل هذه السحاب، فيكاد سنا وضوء هذا البرق يذهب بأبصار من ينظر إليه.
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار)
تفسير قوله تعالى: (يقلب الله الليل والنهار) قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ} [النور:44]. كما ذكرنا أنه يجعل الليل يطول فيقصر النهار، ويجعل الليل بارداً والنهار حاراً، ويجعل الليل مظلماً وقد يكون منيراً، ويجعل النهار مضيئاً وقد يظلمه بسحاب، فيقلب أرزاق العباد بين الليل والنهار، ويقلب حالاتهم من نوم وغيره بالليل والنهار. قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ) أي: هذه عبرة وعظة لأولي الأبصار، فينظرون كيف يقلب الله الليل والنهار، ولو شاء لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، قال تعالى: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ} [القصص:71]، فلو أنه فعل ذلك فمن سيقدر أن يأتي بالضياء، ولو شاء الله لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، وقال تعالى: {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص:72]، فجعل الليل سكناً، وجعل فيه النوم سباتاً، وجعل النهار فيه معاشاً، فالإنسان يحتاج إلى أن يستريح، وقد يقول الإنسان: أنا أستطيع أن أظل بغير نوم لمدة ثلاثة أيام، ويحاول هذا الشيء ويجد في النهاية أنه يستسلم للنوم ولا يقدر على هذا الشيء، وإلا فإنه يتعب ويموت في النهاية، فالله عز وجل جعل الليل والنهار، وتقلب العباد واحتياجهم لليل والنهار والنوم والعمل عبرة لأولي الألباب والأبصار، فيعلمون أنهم محتاجون لربهم سبحانه، ومحتاجون إلى فضله ورحمته جل وعلا، فيحتاج الإنسان إلى رزقه فيقول: يا رب! ويحتاج إلى صحته وعافيته فيقول: يا رب!، ويحتاج إلى نومه فيقول: يا رب! ولا يشعر بحاجته إلا حين يفقدها، وعندما تجد نفسك أرقت ليلة ثم ليلة أخرى فتصير كالمجنون، ولا تعرف كيف ينام! فتقول: يا رب! اجعلني أنام، وتقوم بشرب المسكنات والمنومات، لكي تجد النوم، فالله عز وجل صاحب الفضل العظيم على الإنسان، فهو الذي يجعلك تنام بالليل، والإنسان يريد أن يعمل وفجأة يمرض، فيقول: يا رب! اشفني أريد أن أعمل، وأريد أن آكل، وأريد كذا، ولا يعرف فضل الله عز وجل ونعمته عليه، فلا يشكره على هذه النعمة إلا حين يبتليه الله سبحانه بفقدان هذه النعمة، فالإنسان المؤمن دائماً يتذكر ويبصر ما بصره الله عز وجل به.
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء)
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء) ثم يذكر الله نعمة أخرى من نعمه سبحانه وتعالى كما ذكرنا في الحديث السابق، وهذه النعمة هي الماء، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [النور:45]. قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، أي: كل ما يدب على الأرض خلقه الله عز وجل من ماء، والله خلق خلقاً كثيراً، فخلق الملائكة وجعلهم من نور، وخلق الجان فجعلهم من نار، وخلق الإنسان والدواب فجعله من ماء، فالله خلق كل ما يدب على الأرض من ماء. قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ) هنا يرينا الله آياته العظيمة سبحانه وتعالى، فهو الخالق وحده لا شريك له، فخلق الخلق وجعل لكل شيء من خلقه قدرة معينة قدره عليها، فمن هذه المخلوقات ما يمشي على بطنه كالثعبان والحية وغيرها، فهذه تمشي على بطنها على الأرض، أو في الماء كالحيتان ونحو ذلك. قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ)، فهذا الإنسان الذي جعله الله عز وجل يمشي على رجلين، وكرمه سبحانه وتعالى، وشرف يديه فرفعها ولم يجعله كغيره ممن يمشي على يديه، ثم يتناول بها طعامه، ولكن جعل اليدين مرتفعتين، وجعل القدمين على الأرض، فشرف الإنسان وكرمه سبحانه وتعالى. قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ)، والله يخلق ما لا تعلمون، ولكن هذا الغالب المشاهد، وإن وجدنا من الحشرات ما له أكثر من أربع أرجل، فالله يخلق ما يشاء، ولكن هذا الغالب الذي نراه أمامنا، فلو شاء الله عز وجل لجعل الإنسان يمشي على يديه ورجليه، فأراد أن يريه كيف كرمه سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء:70] أي: جعلنا الإنسان مكرماً يركب فوق الجمل والخيل ولا يمشي على أربع، ولا يُركب ولكنه يَركب، فكرمه الله سبحانه ليعبده ويشكره، ولو شاء لجعله مثل الحشرات، ولو شاء لجعله مثل الثعابين يمشي على بطنه. فقد أرانا الله هذه القدرة منه سبحانه حتى نحمده ونشكره سبحانه وتعالى على ما أنعم به علينا، فيقول سبحانه: (يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) يخلق الله ما يشاء ممن يمشي على رجلين، وممن يمشي على أربع، وممن يمشي على بطنه، وخلق الملائكة تطير بأجنحتها {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [فاطر:1]، يخلق ما يشاء سبحانه وتعالى. قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فكل شيء قد جعله الله للإنسان عبرة، فيرى آية من آيات الله: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فالإنسان يتفكر في كل مخلوقات الله عز وجل التي تدل على بديع صنعها، وعلى أن الخالق واحد، فينظر إلى النملة كيف خلقها الله! وكيف تكسب رزقها! وكيف جعل لها تفكيراً فتعرف كيف تأتي بهذا الطعام! وكيف تخزنه للشتاء! وإذا كانت الحبة التي ستأتي بها لو مكثت إلى الشتاء فستنبت، فيفهمها ربها سبحانه كيف تخرق هذه الحبة حتى لا تنبت ولا تنمو! فجعل فيها قدرة أن تأكل وتبحث عن طعامها، وأن تعيش مع غيرها، فالذي أعطاها هذا الشيء، وأعطى الحيوان من بهائم وغيرها هذه القدرة هو الله سبحانه وتعالى، وأعطى الإنسان ما هو فوق ذلك، فيتفكر الإنسان كيف أن الله جعل لهذه قدرة وجعل لهذه قدرة! أفلا يكون هو القدير على كل شيء سبحانه وتعالى؟! وجعل في هذه حياة وفي هذه حياة، أفلا يكون هو الحي الباقي سبحانه وتعالى؟ فيرينا آيات قدرته سبحانه وبديع صنعته في هذه المخلوقات، لنتفكر أن الذي جعل هذا معجزاً وهذا معجزاً وهذا معجزاً هو الله الواحد القادر على كل شيء سبحانه!
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات)
تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات) قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النور:46]. قوله: (لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ) هي آيات بينات، وهي مبينات، والآية البينة: هي الآية الواضحة، فأنزل كتاباً واضحاً، وجعل لنا في الكون آيات واضحة لكل ذي عينين وبصيرة، فيبصر ويعلم أن الله خلق هذا عبرة لخلقه ليتفكروا. (مُبَيِّنَاتٍ) اسم فاعل، والمعنى: أنها مبيِّنة للإنسان فيما يحتاج إليه، وهذه قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وباقي القراء يقرءونها: (لقد أنزلنا آيات مبيَّنَات) أي: قد وضحنا ما أشكل عليكم فيها، وهي في نفسها مبَّينة قد بينها الله سبحانه وتعالى، وبينها لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، والآيات المبيَّنَة لا يفهمها كل إنسان، ولكن ذلك راجع لأمر قضاء الله وقدره سبحانه، وحكمته وعلمه، فهو يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكم يمر الإنسان على آيات من آيات رب العالمين في الكون فينظر إلى الآية ولا يعتبر بها، ويقرؤها ولا ينتبه لها! حتى يقول له إنسان: انظر إلى هذا الشيء فينتبه؛ لعظيم قدرة الله عز وجل على هذا الأمر، وكم من آيات نراها ولا نتعجب لها! فإذا تفكرنا فيها أو دلنا إنسان عليها كأننا لأول مرة نسمع هذه الآية ونرى مقتضاها في الكون الذي أمامنا، فالله عز وجل هو الذي يهدي سبحانه، فمهما استعان الإنسان بغيره فلا يقدر أن يعينه على الهدى إلا رب العالمين سبحانه، فهو الذي يهدي من يشاء إلى دينه القويم وإلى شريعته ومنهاجه. وكلمة (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فيها إثبات للقضاء والقدر، وأن الله عز وجل من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله، فإنه سبحانه يهدي من يشاء ويعافي ويعصم فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، فالإنسان الذي يضله الله هذا عدل من الله؛ لأنه يستحق غير ذلك، والإنسان الذي يهديه الله فهذا فضل من الله سبحانه وتعالى يتفضل به على من يشاء. قوله: (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الصراط: هو الطريق، أي: إلى طريق مستقيم، وهو طريق شريعة رب العالمين سبحانه. وكلمة صراط هنا فيها ثلاث قراءات: فتقرأ بالصاد، وتقرأ بالسين، وتقرأ بالزاي المشمة. فيقرؤها قنبل عن ابن كثير، ورويس: (إلى سراط مستقيم) بالسين. ويقرؤها خلف عن حمزة بالزاي: (إلى زراط مستقيم). ويقرؤها باقي القراء: (إلى صراط مستقيم) بالصاد المكسورة. نسأل الله عز وجل أن يهدينا، ونعوذ به أن يضلنا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [47 - 52]
تفسير سورة النور [47 - 52] يخبرنا الله سبحانه هنا عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فأعمالهم تخالف أقوالهم، فهم يقولون أنهم مؤمنون بينما أعمالهم تنافي الإيمان وتضاده، وهذا فيه تحذير من الله للمؤمنين حتى لا يقعوا فيما وقع فيه أولئك من النفاق والكفر بالله تعالى، وقد بين سبحانه للمؤمنين بأن الفلاح والفوز كله في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم)
عدم التحاكم إلى شرع الله من صفات المنافقين
عدم التحاكم إلى شرع الله من صفات المنافقين الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورو النور: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} [النور:47]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عن المنافقين وكيف يتصرفون حين يدعون إلى الاحتكام لرسول الله صلى الله عليه وسلم. يحذرنا الله عز وجل من مثل هذه الأخلاق التي عليها هؤلاء المنافقون، فهم يقولون بألسنتهم: آمنا، ويقولون: سمعنا وأطعنا، وفي وقت الجد إذا بهم يندفعون عن الإيمان إلى ما يشتهون من هوىً ومن باطل. فإذا كان الشيء الذي يطلبونه عند النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: نتحاكم إليه، وإذا لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ولن يعطيهم هذا الشيء -لأنهم يعرفون أنهم مبطلون- تحاكموا إلى غير النبي صلوات الله وسلامه عليه. قال الإمام الطبري وغيره: (كان رجل من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فدعاه اليهودي إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المنافق مبطلاً فرفض، وقال: إن محمداً يحيف علينا)، حاشا له صلوات الله وسلامه عليه، بل إن هذا المنافق كان ظالماً لليهودي، فانظروا إلى أهل النفاق كيف تخرج كلمة الكفر من ألسنتهم، فمهما أخفوا ما في قلوبهم فلا بد وأن تتلفظ الألسن بهذا الشيء الذين يبطنونه، ويظهر في فلتات الألسن منهم ذلك. فاليهودي يقول له: تعال نتحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهودي علم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيحكم بالحق، وأنه نبي حقاً صلوات الله وسلامه عليه، وإن لم يعترف هذا اليهودي أنه نبي. ولكن على كلٍ عرف اليهودي أنه صلى الله عليه وسلم لن يحكم إلا بالحق، وكان له حق فقال للمنافق: (تعال نذهب للنبي صلى الله عليه وسلم، فرفض المنافق وقال: تعال نذهب إلى كعب بن الأشرف) لأن الضلِّيل كعب بن الأشرف يهودي يقبل الرشوة، فهذا المنافق يذهب لليهودي فيعطيه الرشوة فيحكم له على أخيه اليهودي، لكن النبي صلى الله عليه وسلم سيحكم بالعدل وبالحق صلوات الله وسلامه عليه. فالله عز وجل يعجب من أمر هؤلاء المنافقين الذين يقولون: آمنا بألسنتهم ولا يتجاوز الإيمان الألسن إلى القلوب، فقال تعالى مخبراً عنهم: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} [النور:47] هذه المقالة بالألسن. ثم قال: ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ))، فيسهل على المنافق أن يقول: لا إله إلا الله، لكن كونه ينفذ مقتضى لا إله إلا الله بأن يتحاكم إلى شرع الله عز وجل، فهذا ما لا يفعله المنافق إلا إذا كان الشرع في هذا الشيء سيوافق هواه، وإذا كان هو المظلوم والشريعة ستعطي له حقه ففي هذه الحالة يذهب ويقول: أريد الشريعة، فالحاكم الذي سيعطيه ما يهواه فهو تابع لهذا الذي يريد. فهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ((ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ)) أي: من بعد هذا القول. ثم قال: ((وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ))، فالله عز وجل أخبر المؤمنين أن هؤلاء ليسوا من المؤمنين في شيء، فالذي يدعى إلى كتاب الله تعالى ليحكم بيننا ويرفض هذا الشيء فهذا ليس مؤمناً، وليس على دين النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين)
تفسير قوله تعالى: (وإذا دعوا إلى الله ورسوله وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين) يقول سبحانه في هؤلاء المنافقين: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} [النور:48]، قوله: ((وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ)) ذكر هنا الله سبحانه وتعالى وذكر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ثم أعاد الضمير لواحد، فقال: ((لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ))، فالذي سيحكم بين الاثنين بشرع الله هو النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي سيقضي في الخصومة صلى الله عليه وسلم، فلذلك أعاد الضمير إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فذكر الله عز وجل أنه الذي أنزل الكتاب وهو الذي أنزل الأحكام الشرعية وجعلها شريعة ومنهاجاً، لكن الذي سيحكم بهذه الشريعة هو النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)) يعني: النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ((إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ)) كأن هؤلاء هم الذين يقولون: آمنا بألسنتهم، فمنهم من يستجيب ويذهب، ومنهم من يعرض. فكأن الفريق الذي يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم ويتحاكم إليه إنما ذهب استحياءً، وهم قالوا: آمنا بألسنتهم، فاستحيوا وذهبوا وتحاكموا، وأما الفريق الآخر منهم الذي لا يذهب للنبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا رأى في زعمه أن الحق معه، وأنه سيحكم له بذلك، فيذهب للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} [النور:49] فالحق إما لك وإما عليك، فإن كان الحق عليك فأده، وإن كان الحق لك فخذ حقك، فالنبي صلى الله عليه وسلم سيحكم بالحق، ويعطي كل ذي حق حقه، فيأخذ من الظالم ليعطي للمظلوم، فهؤلاء المنافقون إذا كانوا مظلومين تحاكموا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيأتي لهم بحقهم، وإذا كانوا ظالمين ذهبوا لأهل الرشوة وأهل الفساد ليتحاكموا إليهم. فقوله: ((وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ)) أي: طائعين منقادين خاضعين مسرعين للنبي صلى الله عليه وسلم طالما أنهم سيأخذون منه، لكن إذا كان سيحكم عليهم ذهبوا إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا)
تفسير قوله تعالى: (أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا) قال الله سبحانه وتعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:50] أي: أن هذا الذي يبعد عن حكم الله وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يظن أن الله عز وجل سيظلمه؟ حاشا لله عز وجل. وهل يظن أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيظلمه؟ هذا مستحيل أيضاً، فيقول سبحانه: ((أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) أي: هل في قلوبهم النفاق والكفر. ثم قال: ((أَمِ ارْتَابُوا)) أي: صاروا متشككين في شرع رب العالمين سبحانه، ومتشككين في النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يحكم بينهم بالعدل، فهذا كله من النفاق، وهذا كفر بالله عز وجل، فكون في قلوبهم الشك والريبة من النبي صلى الله عليه وسلم هذا كفر. ثم قال: ((أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ)) أي: إن ظنوا أن الله سبحانه وتعالى سيظلمهم فقد كفروا بذلك، فالله يعجب من أمرهم: فإما أن يكونوا مؤمنين فمستحيل أن يظنوا هذه الظنون، وإلا فهم على كفرهم فالله يفضحهم. وقال سبحانه: ((أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)) أي: يميل ويجور ويظلم. وقوله: {بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [النور:50] أي: أن الله لا يظلم أحداً شيئاً سبحانه وتعالى، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه. فهؤلاء الذين يخافون أن يظلمهم الله كيف يظلمهم وهو يملك كل شيء؟! وقال سبحانه: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). قال أهل العلم: إن القاضي الذي يحكم بين المسلمين بعضهم مع بعض لا بد وأن يكون مسلماً، فلا يجوز أن يكون الكافر قاضياً ولا والياً على المسلمين ويحكم بينهم، وكيف سيحكم بشرع الله سبحانه وهو كافر به؟! وقال سبحانه: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء:141]. فإذا كانت هناك خصومة بين مسلم وبين كافر فالذي يحكم بينهما هو القاضي المسلم، وأما إذا كانت الخصومة بين ذمي وذمي وبين كافر وكافر، فإذا تحاكما للمسلمين جاز أن يحكموا بينهما، وجاز أن يعرضوا عنهما إذا علموا أنهما مبطلان، وإذا تحاكما إلى غير المسلمين فشأنهما. فهنا وجوب الحكم إذا تخاصم المسلمون فيما بينهم إلى القاضي المسلم، وأن الواجب عليهم أن يحكِّموا بينهم من يصلح للقضاء وللحكم، ومن يصلح لفصل الخصومة من المسلمين، وليس من الكافرين ولا من المنافقين. قال الله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور:51]. قوله: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ)) (قول) خبر كان مقدم، واسمها (أن يقولوا) وهو المصدر المنسبك من أن والفعل، كأنه يقول: إنما كان قولَ المؤمنين قولهُم، أي: أنهم يقولون: سمعنا وأطعنا. فالمعنى: أن السمع والطاعة هو قول المؤمنين حين يدعون إلى الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم للحكم بينهم. وقوله: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ)) (إنما) أداة قصر وحصر، والمعنى: أن هذا القول فقط هو الذي يصدر عن المؤمن، ولا يصدر عنه قول غير هذا القول أبداً، فالمؤمن إذا دعي إلى الله ورسوله: تعال نتحاكم لشرع الله، قال: سمعنا وأطعنا، فإن كان الحق له أخذه، وإن كان الحق عليه أعطى الحق لصاحبه. ثم قال: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ)) ((لِيَحْكُمَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: ((لِيُحْكَمَ)) بينهم، أي: ليُحْكَمَ بينهم بشرع رب العالمين. وقوله: ((أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)) أي: ننفذ أمر الله عز وجل ونطيعه سبحانه وتعالى بما يحكم فينا النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ((وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) فقضى الله عز وجل بأن الذين يقولون ذلك إذا دعوا ليحكم بينهم رب العالمين لكتابه وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الناجون يوم القيامة، والناجحون النجاح الأبدي، وأهل النعيم المقيم، وأهل الجنة. فالواجب على كل إنسان مؤمن إذا حدث بينه وبين غيره خصومة أن يتحاكما، إلى قاض مسلم؛ ليحكم بينهما بشرع رب العالمين سبحانه. فالمؤمن عليه أن يحكِّم شرع الله، وإذا كان يعلم أنه ليس له حق على الآخر ولكن في يده أوراق، أو في يده شيكات فليس له أن يقول: سأرفع عليك قضية؛ لأن بيدي أوراقاً بهذا الشيء؛ لأن المؤمن يعرف شرع رب العالمين سبحانه، ويخاف من عقوبة رب العالمين، والمؤمن لا يكذب ولا يغش ولا يخدع ولا يخون ولا يزور، وإنما يقول بالحق، قال تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء:135]. فالإنسان المؤمن يكون قائماً بالعدل، وشهيداً ولو على نفسه، أو على والديه أو على أقاربه، فيشهد بالحق ولا يكذب أبداً. وربنا يحذرنا من أكل أموال الناس بالباطل حيث يقول سبحانه: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:188]، فالإنسان المؤمن يتحاكم لشرع رب العالمين سبحانه وتعالى. وأيضاً الذي يحكم بين الناس لا بد وأن يعرف شرع رب العالمين، ولا بد أن يكون دارساً لشرع رب العالمين، وخاصة مسائل القضاء التي تكلم فيها الفقهاء، وأما إذا كان شيخ حارة، أو حافظاً للقرآن وهو لا يعرف شيئاً من أحكام رب العالمين سبحانه فهنا لا يلزم أن يذهب إلى هذا الإنسان، وإنما الواجب أن يذهب إلى من يعرف الأحكام الشرعية، وكم من إنسان يجهل الأحكام الشرعية ويقضي بالهوى والإثم، فتجد بعض هؤلاء إذا سأله إنسان عن شيء أجاب بما يعرفه هو ولم يرجع إلى أهل العلم في ذلك، لذلك فاحذر أن تحكم بين الناس وأنت جاهل، وأنت لا تعرف الحكومة في هذه المسألة، ولكن قبل أن تحكم اقرأ واطلع واعرف الحكم الشرعي في الشيء قبل أن تقضي بشيء فيوبقك يوم القيامة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (أن القضاة ثلاثة: رجل عرف الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به فهو في النار، ورجل قضى على جهل فهو في النار). لذلك فالمؤمن إذا دعي إلى كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم قال: سمعنا وأطعنا، ولا يتحاكم إلى غير شرع الله سبحانه، فلا يتحاكم إلى إنسان يقبل الرشوة، أو إنسان لا يعرف شرع الله سبحانه، أو يحكم بالهوى ويحكم بالعرف، فبعض الناس يحكمون في المسألة بالقضاء العرفي كما يزعمون، فتجدهم يقولون لمن تحاكم إليهم: سنحكم عليك أن تذبح جملاً، أو تذبح خروفاً، أو عليك دية أو ديتين أو ثلاث ديات، في أشياء لم يحكم الله عز وجل فيها بذلك، فهذا الذي يحكم بهذا كأنه يحكم مع الله سبحانه وتعالى، وكأنه يشرع شيئاً لم يقله رب العالمين ولا حكم به النبي صلوات الله وسلامه عليه. لذلك فالذي يقضي بين الناس أو يفصل في الخصومات لا بد وأن يكون على علم بشرع رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه)
تفسير قوله تعالى: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه) قال الله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور:52] أي: أن الإنسان الذي يسمع ويطيع الله ورسوله فهو المفلح والفائز، ففي الآية الأولى ذكر السمع والطاعة في الحكم، وفي هذه الآية ذكر السمع والطاعة في جميع الأمور. فالأولى: ((إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ)) يعني: في حال الحكم، قالوا: سمعنا وأطعنا على العين والرأس، فالذي يقوله ربنا ننفذه، وليست مقالة باللسان فقط، ولكن يقول باللسان وينفذ ذلك بالفعل، فإن كان عليه الحق دفع هذا الحق، ولم يتهرب ولم يتملص من ذلك، فحكم الله يجب على العبد أن ينفذه. ثم عمم ربنا سبحانه في كل قضية وفي كل عمل من الأعمال أنك تطيع رب العالمين سبحانه، فقال: ((وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) أي: في كل شيء من أمور العبادات، ومن أمور المعاملات، ومن أمور الأحوال الشخصية، ومن أمور الجنايات والديات، ومن أمور حياته ومعاشه، فهو في كل الأمور يطيع الله عز وجل فيها، ويطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، مع خشيته وإخلاصه لرب العالمين؛ لأن الإنسان قد يطيع في الظاهر ولكنه في باطنه لا يخشى، بل ينافق ويرائي، فلابد من هذا القيد: الطاعة مع الخشية لرب العالمين سبحانه، فهي طاعة في الظاهر وفي الباطن. وقوله: ((وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ)) أي: يتقي غضب الله سبحانه وتعالى، ويكف عن نفسه غضب الله بطاعة الله سبحانه، فالتقوى أن يجعل وقاية وحاجزاً بينه وبين معصية الله، وبينه وبين غضب الله سبحانه. فقوله: ((وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ)) (يتقه) هذه فيها قراءات للقراء، فيقرؤها: (ويتقْهِ) بسكون القاف حفص عن عاصم فقط، كأنها على نية الجزم؛ لأن أصلها: يتقي، ففي آخرها حرف العلة، فإذا جزمت حذفت حرف العلة فقط، وتصير القاف مكسورة، ولكن حفصاً سكن القاف، وكأنه اعتبر في هذا الأخير نية الوقف عليه، أو بنية الجزم له، كذا قال النحويون فيها. فقراءة حفص: ((ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقْهِ فأولئك هم الفائزون))، وأما بقية القراء غير حفص عن عاصم فيقرؤنها بكسر القاف: (ويتقِه) لكن اختلفوا في الهاء، فمنهم من يختلسها، يعني: يجعلها كسرة، ومنهم من يشبعها، يعني: يجعلها كالياء فيها، فقرأ قالون ويعقوب وابن عامر بخلفه: (ويتقِهِ) بكسر القاف والهاء بعدها. وقرأ ورش وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وكذلك أبو جعفر بالإشباع للهاء بكسر الهاء: (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقِهي فأولئك هم الفائزون). وقرأها أبو عمرو وشعبة عن عاصم -وهذه قراءة ثانية عن عاصم - وهشام وخلاد بخلفهما، وكذلك ابن وردان بسكون الهاء وبكسر القاف، فتصير قراءة هؤلاء: (ويخش الله ويتقِهْ). فالله عز وجل حكم لهم بأنهم مفلحون، وبأنهم فائزون قد نالوا الفوز العظيم، ونالوا الدرجات العظيمة عند رب العالمين بطاعتهم له سبحانه. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [53 - 55]
تفسير سورة النور [53 - 55] إن أعظم ما يواجهه المؤمنون الصادقون هو ذلك الصنف المتلوث المدعو بالمنافقين، فهو ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، ولما كان الوحي الكريم يبين للمؤمن ما ينفعه ويريه ما يضره كشف المولى سبحانه صفات هذا الطابور الخامس، ومن صفاتهم: أنهم يكثرون الحلف ويبالغون فيه أنهم إن أمروا ليخرجن، ولكن الله خبير بأعمالهم، ومطلع على قلوبهم، فيجازي كل واحد بما عمل.
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لإن أمرتهم ليخرجن)
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لإن أمرتهم ليخرجن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له,, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور:53]. في هذه الآيات يذكر الله عز وجل المنافقين وكيف أنهم يقسمون بالله سبحانه وتعالى ويجتهدون في أيمانهم وهم كاذبون، وقد حذر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم من طاعة كل حلاف مهين، فهؤلاء المنافقون كانوا يحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكثرون من الحلف، والإنسان إذا وجد نفسه أنه يكذب في الكلام فإنه يؤكد كلامه باليمين حتى يظن به أنه صادق ولا يهتم أن يكذب، فإنه قد امتلأ قلبه بالنفاق، فإذا به لا يهتم بأن يعظم اليمين ويعظم ذكر الله سبحانه وتعالى. فالمنافق في باطنه الكفر، ويظهر الإسلام بلسانه فلا يهتم أن يحلف صادقاً أو كاذباً، فيحلفون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مجتهدين بأغلظ الأيمان: إنهم لصادقون، كما ذكرهم الله عز وجل وفضحهم في سورة التوبة قال: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} [التوبة:56]، فيحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم بالله رب العالمين أنهم من المؤمنين، وربنا يكذبهم (وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)، وقال تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور:53] متى يكون هذا الكلام؟ إذا انتهت الحرب وإذا انتهى القتال، فتظهر شجاعتهم في الكلام فقط فيقولون: نحن مطيعون لما تأمرنا وسنقاتل في سبيل الله، ويجتهدون في الأيمان المغلظة، والحقيقة أنهم لن يفعلوا ذلك ولكنهم قوم يكذبون. فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكذبون على الناس فإذا جاءوا يوم القيامة كذبوا على الله سبحانه وتعالى، ويحلفون بالله سبحانه إنهم من المؤمنين والله يعلم أنهم كاذبون في الدنيا، ويشهدون بالله إنهم مع المؤمنين والله يشهد أنهم لكاذبون، قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون:1]. فكم كذبهم الله عز وجل في كتابه، وكم فضحهم في كتابه العزيز سبحانه، فهنا من ضمن ما يكذبون به يقول: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم)) يعني: بالجهاد والطاعة (ليخرجن) مطيعين مجاهدين في سبيل الله، فأجاب الله عز وجل وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((قل لا تقسموا)) أي: لا تحلفوا فأنتم كذابون، ثم قال: {طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور:53] وفيها معنيان: المعنى الظاهر منها والقريب: طاعتكم طاعة معروفة، يعني: قد عرفنا دأبكم وعرفنا عادتكم وكذبكم، فطاعتهم باللسان فقط، وأما الحقيقة فهي التكذيب في القلوب، وعدم فعل الذي تحلفون أنكم ستفعلونه، قال سبحانه {لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} [النور:53] أي: طاعتكم طاعة معروفة، فهي طاعة باللسان لا يصدقها القلب ولا تصدقها الأفعال. والمعنى الآخر: أن الطاعة التي يريدها الله عز جل طاعة معروفة، فليست هي التي تصنعون، وإنما هي أن تنفذوا أحكام رب العالمين سبحانه، وقد بين الله عز وجل في القرآن ما هو المطلوب منكم وهو: أن تطيعوا الله، وأن تطيعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وأن تفعلوا ما جاء في القرآن، وما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فالطاعة ليست غائبة عنكم وليست بعيدة منكم وليست مجهولة لكم، فهي أوامر الله وأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك معروف عندكم، ولكنكم لا تفعلون. فالطاعة التي يريدها الله عز وجل معروفة وليست مجهولة فنفذوا إن كنتم صادقين، وأما طاعتكم التي تزعمون فهي أيضاً معروفة وأنها أكاذيب، وأنكم لا تصنعون ما تقولون. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [النور:53] أي: خبير بما خفي في قلوبكم وما خفي من أفعالكم، فالله خبير بما تعلمون من أفعال باطنة تكتمونها عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلم الله سبحانه ما تعملون فيما بينكم، وما تقولونه وتخفونه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الناس.
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)
تفسير قوله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) قال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور:54] أي: أطيعوا الله والرسول، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله؛ لأنه يبلغ أوامر رب العالمين سبحانه. وهنا أكد فقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور:54]، فهؤلاء فهم منافقون يحتاجون إلى أن يؤكد عليهم؛ فلعلهم إن قيل: أطيعوا الله قالوا: نطيع الله ولا نطيع الرسول عليه الصلاة والسلام، فأكد ربنا أنه لا بد من طاعة الله وطاعة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور:54]، فإن تولوا أصلها إن تتولوا، فقال هنا: قل مخاطباً لهم أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول؛ فإن تتولوا عن طاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنما عليه ما حمل، وعليكم ما حملتم، فهنا إدغام تاء في تاء. فإن تولوا فإنما على الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وهذا هو الذي حمل من ربه سبحانه، أي: فإنما عليه ما حمل من تبليغ الرسالة، قال تعالى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54]، فهذا هو المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبلغ، وأما الهداية فعلى الله، قال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56]، فالله يهدي من يشاء من عباده، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقدر على تحويل القلوب، ولا على تغيير قناعات الناس، وإنما يأمر وينهى بأمر رب العالمين. قال تعالى: {وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ} [النور:54] أي: من طاعة الله وطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهو مكلف بالتبليغ وأنتم مكلفون بالتنفيذ وبالطاعة، فهو لا يحمل من أوزاركم شيئاً، وأنتم عليكم هذه الأوزار وعليكم ما حملتم. قال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54]، أكد ربنا سبحانه بهذا طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه. ثم قال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] أي: تبليغ ما أمر الله عز وجل به، البلاغ المبين: هو البلاغ الواضح، وقد فعل صلوات الله وسلامه عليه، فبلغ البلاغ الواضح، وأدى الأمانة التي أمره الله عز وجل بها، وبيَّن للناس ووضح لهم وشرح لهم ما يحتاجون إليه، فما تركهم إلى أن لقي ربه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) ثم جاء وعد رب العالمين سبحانه وتعالى فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55]، فوعد الله سبحانه النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الكتاب العظيم ووعد المؤمنين فقال: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ))، وقيَّد وعده بالإيمان والعمل الصالح، فوعد الله عز وجل بالتمكين في الأرض للمؤمنين، وهذا وعد لا بد أن يكون ولا بد أن يحدث، فالله عز وجل لا يخلف الميعاد. فإذا لم يحدث هذا فالمسلمون لم يأتوا بالشرط الذي ينبني عليه الجواب، والحكم الذي قاله الله سبحانه ووعده وعد مشروط فيه أن تكونوا مؤمنين، وأن تعملوا الصالحات. فإذا كانوا مؤمنين وعملوا الصالحات -والصالحات كل ما أمر الله عز وجل به في دينه-: فأقاموا أمر دينهم، وجاهدوا عدوهم، وكانوا صالحين في أنفسهم مصلحين لغيرهم، هادين مهديين، فالله عز جل ينجز ما وعد. قال تعالى: ((لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم)) الفعل المضارع إذا كان قبله لام التوكيد وآخره نون التوكيد الثقيلة فتكون هذه الجملة واقعة في جواب قسم محذوف، فالتقدير هنا: والله ليستخلفنهم، فالله سبحانه يقسم أنه لابد أن ينصر هؤلاء، وليجعلنهم خلفاء في الأرض. قال تعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55]، فقد استخلف الذين من قبلهم من المؤمنين في الأمم التي كانت قبل أمتنا، والتي جعل الله عز جل لها نصراً على عدوها، فقد كانت أمة موسى عليه الصلاة والسلام مستضعفة في الأرض، فوعدهم الله عز وجل أن يستخلفهم ويمكن لهم، فنصرهم على فرعون وجنوده، ومكن لهم وأهلك فرعون ومن معه. لهذا وعد الله عز وجل المؤمنين أنهم إذا نصروا الله فإن الله ينصرهم، فقال: {إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد:7]، ووعدهم الله عز وجل إذا أعدوا القوة واستعدوا لأعدائهم وكانوا مؤمنين صالحين أن ينصرهم وأن يستخلفهم. قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، وتمكين الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في الأرض إنما يكون بهذا القيد وبهذا الشرط وهو: طاعة رب العالمين، فكما جعل الذين من قبلنا يتمكنون بإيمانهم، وجعلهم أئمة بطاعتهم لرب العالمين، فكذلك أرانا سبحانه وتعالى كيف جعلهم أذلة بمعصيتهم له، فبنو إسرائيل الذين أطاعوا الله مع موسى نصرهم الله، ثم عبدوا العجل فإذا بالله عز وجل يأمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فقتلوا في غداة واحدة سبعين ألفاً منهم، فالمؤمن ينصره الله، والذي يخالف يخذله الله. فلما أطاعوا ربهم سبحانه نجاهم وخرجوا منصورين، ولما انحرفوا عن دين رب العالمين إذا بربنا سبحانه يجعلهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلما رجعوا إلى الطاعة رجع الله عز وجل إليهم بالفضل، فلما عصوا ربهم رجع عليهم بالعقوبة قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة:78]. فالمؤمنون الذين يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم، ويتمسكون بدينهم، ويعملون الصالحات وكان عملهم خالصاً لله، وعدهم الله أن ينصرهم، فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم} [النور:55] يعني: يجعلهم خلفاء، فيزيل الأمم ويجعل هؤلاء الذين يتمكنون يخلفونهم في الأرض، فيزيل حكاماً ويزيل ملوكاً ويذهب طغاة ويجعل هؤلاء هم الخلفاء في الأرض. فأول من مكن الله عز وجل لهم من هذه الأمة هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أطاعوا الله عز وجل، وأطاعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا في سبيل الله، ففتحت لهم الفتوح، ومكن لهم ربنا سبحانه وتعالى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً)، فكأن ذلك هو التطبيق الحرفي لهذه الآية في هؤلاء، وليس فيهم فقط ولكن في كل من يفعل كفعلهم رضوان الله تبارك وتعالى عليهم. فالخلافة كانت ثلاثين سنة، يروي هذا الحديث أبو داود والترمذي عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويفسره سفينة ويقول لمن يحدثه: أمسك عليّ خلافة أبي بكر سنتان، وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان ثنتا عشرة سنة، وخلافة علي ست سنين، فيكون المجموع ثلاثين سنة سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه من علامة نبوته ومعجزاته صلوات الله وسلامه عليه، فقد أخبر أنه ستكون خلافة على منهاج النبوة ثلاثين سنة ثم يكون ملكاً عضوضاً. فلما تولى معاوية رضي الله عنه تحولت الخلافة إلى ملك، ولكن كان يحكم بشرع رب العالمين. فالذين استخلفهم المؤمنون في هذا العصر العظيم في الثلاثين سنة كان فيها الحق والعدل والاتباع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها النصر والتمكين، ثم جاء الخلفاء من بعدهم فأقاموا دين رب العالمين وتمسكوا، وإن كان من بعدهم أقل ممن كانوا من قبل، ولكن كانوا مستمسكين بدين الله، ففتح الله لهم بلاد الأرض مشارقها ومغاربها. ثم ترك المسلمون دين رب العالمين سبحانه فإذا بالله يذلهم وإذا بهم يتقهقرون ويتراجعون، وتتمكن منهم الأمم؛ لأنهم خالفوا ما قال الله سبحانه وتعالى: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55] يعني: بني إسرائيل ومن قبلهم ممن كانوا مؤمنين. وهذه فيها قراءتان {كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55]، وهي قراءة الجمهور. وقراءة شعبة عن عاصم: {كَمَا اسْتُخْلفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ}. وقال تعالى: ((وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)) هذا وعد من الله سبحانه بتمكين دين الإسلام الذي قال فيه: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، وهذا أيضاً جواب للقسم والتقدير: والله ليمكنن لكم هذا الدين طالما أنتم على الإسلام وعلى الصلاح في العمل، وأنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً، قال تعالى: ((وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا)) بشرط أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور الآية [55]
تفسير سورة النور الآية [55] لقد وعد الله أولئك المتطلعين إلى النصر والتمكين، ونشر دين رب العالمين، والذين يريدون الاستخلاف في الأرض وتمكين دينكم فيها، وإزالة الرعب وإبداله أمناً، وعدهم بذلك بشرط أن يؤمنوا ويعملوا ويعبدوا الله حق عبادته، ويحذروا من الشرك بنوعيه، فإذا حققوا ذلك فإن الله لا يخلف الميعاد.
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]. في هذه الآية الكريمة وعد من الله سبحانه وتعالى للذين آمنوا به سبحانه، وعملوا الصالحات التي أمروا بها بالتمكين في الأرض والاستخلاف. قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]، فهذه ثلاثة أشياء وعد الله عز وجل بها هاهنا: الاستخلاف في الأرض، فيعطيهم الله عز وجل الحكم فيحكمون بشرعه سبحانه وتعالى، فقد آمنوا وعملوا الصالحات وتربوا على العقيدة الصحيحة وعلى العمل الصالح، فاستحقوا أن يسودوا العالم، وأن يحكموا غيرهم، فوعدهم بالاستخلاف، ووعدهم بأن يمكن لهم هذا الدين العظيم الذي ارتضاه لهم. قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55]، والخطاب هنا لأصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [النور:55]. والمعنى: أنه سيعجل لكم هذا ما استمسكتم بدين الله، وما استمسكتم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولن يؤخره عنكم، وكان وعد الله الحق سبحانه وتعالى، فرأى الصحابة ذلك مباشرة، فهم أولى الناس بأن يستخلفوا، ولذلك خير القرون وأحبها إلى الله عز وجل هم قرن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه على هذا الدين العظيم. قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). فإذا كان الله عز وجل وعد المؤمنين فالوعد عام، فإذا نص على هؤلاء فالوعد عاجل في التنفيذ: أنه يا من أنتم آمنتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وابتليتم وتعبتم وأوذيتم في سبيل الله عز وجل سنمكن لكم، فكان الوعد من الله عز وجل، وكان التنفيذ في حياة النبي صلوات الله وسلامه عليه، والله لا يخلف الميعاد. فأخبر هنا أنه ليستخلفنهم فكانت الخلافة للنبي صلى الله عليه وسلم، فحكم بدين رب العالمين، وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فحكموا بشرع الله، ومكن الله عز وجل لهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في وعده للمؤمنين: (والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون). فالآية وعد من الله عز وجل، والحديث وعد من النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث في صحيح مسلم وفيه: أن الله سيتم هذا الأمر بعدما كانوا في ضعف، وفي قلة، وفي ذلة، وفي خوف، وفي أذى من الكفار، فالله يعدهم أن سنمكن لكم وستكونون أقوياء، وسيسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله سبحانه، يعني: أنه في غاية الأمان وليس خائفاً من أحد إلا الله سبحانه وتعالى، والذئب على غنمه وهذا خوف الطبع، فإذا كان معه غنم فهو ليس خائفاً من أحد أن يسرقها؛ فبالإسلام استتب الأمن والأمان، لكنه يخاف الخوف الجبْلي الطبعي: أن الذئب يأكل الغنم. وحدث مثل هذا الأمن في يوم من الأيام، بل وفي أعوام كثيرة طالت واستقر الأمن وحدث وعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين، وذلك لما فعلوا ما أمر الله عز وجل به، فقال: {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:55] يعني: المؤمنين السابقين قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم قد استخلفهم الله سبحانه، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} [القصص:5]. فمنّ عليهم وجعلهم -بعدما كانوا عبيداً- سادة، وبعدما كانوا مقهورين أذلة جعلهم منصورين أعزة، والفضل بيد الله تبارك وتعالى. قال تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور:55]، فدين الإسلام في أيام مكة لم يكن ممكناً له، فكان المشركون يؤذون المؤمنين، ويؤذون النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لما هاجر النبي إلى المدينة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، مكن له ربه سبحانه وتعالى، أي: نصره، وجعل له المكانة في الأرض. قال تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]. وهو الخوف الذي كانوا فيه من المشركين ومن أذى الكفار، والخوف الذي كانوا فيه من غيرهم، فالله عز وجل يذكر أنه سيبدل هذا الخوف إلى الأمن والأمان بالقوة التي يعطيهم الله عز وجل، وبالعلم والعزة التي يعزهم الله عز وجل بها، بالضعف الذي يصيب أعداءهم، وكيف نصر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فكان من جنود النبي صلى الله عليه وسلم التي جعلها الله عز وجل ليمكن له الرعب في قلوب المشركين. قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران:151]. إذاً: فالإنسان الكافر المشرك يجعل الله عز وجل في قلبه الرعب والخوف، فإذا به يخاف من النبي صلى الله عليه وسلم، ويخاف من المؤمنين، وهذا من تمكين الله عز وجل لدينه. والنصر له أسباب مادية، وأسباب معنوية، فمن أسبابه المادية قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] , وقال: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [الأنفال:66]. إذاً: فالقوة المادية: هي قوة السيف، وقوة العدد. وقوة الإيمان في قلوب المؤمنين من القوى التي يجهز المؤمنين أنفسهم بها، فالمؤمن يؤمن بالله، ويثق في نصر الله، والله يزيده إيماناً، ويزيده قوة، ويجعل قلبه ثابتاً، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم:27]، فيربط على قلوب المؤمنين ويجعلهم في ثبات ولا يخافون ولا يبالون بأعدائهم. والكافر يجعل الله عز وجل الخوف في قلبه، فأقل شيء يفزعه ويخيفه، ولذلك أخبرنا عن بني إسرائيل فقال: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر:14]. أي: لا يجتمعون لقتالكم وأنتم جيش وقوة، فهم يخافون منكم، إلا إذا فقدتم أسباب النصر فلم توجد قوة عندكم: لا قوة بدنية، ولا قوة عقدية، ولا قوة معنوية، فعندئذ يبتدئ الكافر يتحرش بكم. فأهل الكتاب يخافون من المؤمنين، وقد جعل الله بأسهم بينهم شديداً طالما كان المؤمنون متمسكين بعهد الله سبحانه وبدينه، فالله يلقي في قلوب الذي كفروا الرعب، قال سبحانه: {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ} [الحشر:14]. إذاً: لما يكون عندهم حصون، وأما وجهاً لوجه فيخاف إذا كان المؤمن في قوة، وعنده جيش، وعنده سلاحه. ولذلك ترى هؤلاء بدباباتهم وبمدافعهم يجرون وراء الصبيان الذي يحذفوهم بالحجارة في فلسطين، فهو يخاف أن يجري وراءه بحجر مثله، لكنه يجري وراءه بمدفع، فهذا يحذفه بحجرة، وهذا يرميه بالرصاص، فطالما هو في دبابته فهو متحصن بحصنه وسيقاتل، قال الله تعالى: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ} [الحشر:14] أي: من وراء سواتر، أو من وراء جدار، لكنه يخاف من المواجهة وذلك مما جعل الله عز وجل في قلبه من رعب ومن خوف. قال الله سبحانه للمؤمنين: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]. فتبديل الخوف الذي أنت فيه أمناً هو من الله سبحانه، ويقلب الأمر على هؤلاء الكافرين، فالكافر مستقر في نفسه أنه سينتصر، فيزعزع الله عز وجل هذا في قلبه، ويزلزل قدمه، ويبعد عنه أسباب النصر، ويهزمه سبحانه وتعالى، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17] أي: أنت أخذت بالأسباب وأنت ترمي، فعليك الرمي فقط، والذي يوصل هذا الشيء ويجعله يصيب ويجعله يقتل هو الله سبحانه وتعالى. فالله يطمئن المؤمنين ويقول: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال:12]، فلا تخف من الكافر، واقدم عليه واقطع رقبته ويده والله معك. هذا إذا استمسك المؤمنون بدين رب العالمين سبحانه يمكنهم وينصرهم.
القراءات في قوله تعالى: (وليبدلنهم)
القراءات في قوله تعالى: (وليبدلنهم) قال تعالى: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55] هذه قراءة الجمهور: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ} [النور:55]. وقراءة ابن كثير، وشعبة عن عاصم ويعقوب: ((وليبدِلنهم من بعد خوفهم أمناً)). فيبدل الخوف الذي في القلوب أمناً وأماناً، وهذا الوعد من الله عز وجل له شروط، قال سبحانه: {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55]، إذاً: فالمؤمن يعبد الله سبحانه ولا يشرك به شيئاً، وكأنه يقول: أنتم أيها المؤمنون طالما تمسكتم بدين رب العالمين، وكنتم تعبدون الله ولا تشركون به شيئاً: لا شركاً أكبر يخرجكم من الملة، ولا شركاً أصغر، ولا شركاً خفياً، فلكم الاستخلاف والنصر. والشرك الأكبر أن يعبد الإنسان وثناً أو حجراً، أو يطلب من غير الله ما لا يطلب إلا من الله سبحانه وتعالى، أو يتوكل على غير الله ولا يتوكل على الله سبحانه، فهذا من الشرك الذي يخرج صاحبه من الملة. والشرك الأصغر كأن يقول: لولا السلاح الذي في يدي لما انتصرت، وينسى الله سبحانه وتعالى. والشرك الخفي في قلب الإنسان كالرياء والسمعة، كأن يقول: نحن ذاهبون إلى القتال وسنعمل كذا، وكأنه هو الذي يفعل وينسى الله سبحانه وتعالى. فإذا انتفى ذلك عن قلب الإنسان المؤمن وكان صادقاً مع الله، وأخلص لله كان الله معه ينصره سبحانه. قال: {يَعْبُدُونَنِي} [النور:55] أي: يتوجهون بالعبادة إلي وحدي، فالمؤمن حين يجد نفسه قد ضاقت به السبل وقد اعتاد أن يقول: يا رب، ففي وقت الضيق ينصره الله سبحانه وتعالى. وأما إذا ضاق عليه الأمر وابتلي فدعا: يا سيدي فلان، يا وليي فلان، يا فلان، فيسأل غير الله سبحانه فقد أشرك بالله، وإن زعم أنه على الإسلام. وكذلك إذا نسي الله، ونسي التوكل على الله سبحانه، وبدأ يتوكل على الخلق، فيتوكل على فلان أن يمده بسلاح، ويتوكل على فلان أنه ينصره ويكون معه في وقت الذل، وينسى الله سبحانه وتعالى، فهنا يتخلى عنه ربه. فالتوكل على الله: أن تجعل الله وحده وكيلك الذي يقوم بأمرك، وهو الذي يدبر أمرك. فالإنسان المؤمن توكله على الله، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدوا خماصاً، وتروح بطاناً). فلو أن المؤمن يتوكل على الله حق التوكل ثقةً بالله سبحانه وتعالى، ويأخذ بالأسباب، فالله يكون معه، وينصره سبحانه وتعالى. فهذا وعد من الله سبحانه، وقد جاء في حديث تميم الداري الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر) وكان تميم الداري رضي الله عنه يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافراً الذل والصغارة والجزية. والحديث إسناده صحيح. قال هنا: (ليبلغن هذا الأمر)، ليبلغن: فعل مضارع مسبوق باللام المؤكدة، ومنتهي بالنون المثقلة المؤكدة، فهو جواب لقسم، كأنه يقول: والله ليبلغن هذا الأمر، يعني: هذا الدين العظيم، سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وهذا من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه عليه، ومن محاسن التشبيه العظيم، فالإسلام يبلغ ما بلغ الليل والنهار، إذ الليل والنهار يدخلان كل البيوت، فكذلك هذا الدين العظيم لابد وأن يبلغ جميع بقاع الأرض يوماً من الأيام. وهذا وعد من الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلوات الله وسلامه عليه، كما يأتي الليل على الجميع، ويأتي النهار على الجميع فسيأتي هذا الدين على الجميع، قال: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر) المدر: الطوب، والوبر: الشعر. فبيوت الخيام في الصحاري، وبيوت الطوب والأبنية في البلدان والقرى كلها سيدخلها هذا الدين يوماً من الأيام. قال: (إلا أدخله الله هذا الدين) يدخله هذا الدين وإن أبى المشركون. قال صلى الله عليه وسلم: (بعز عزيز، أو بذل ذليل) يعني: إنسان يعزه الله عز وجل بهذا الدين، أو إنسان آخر يرفض هذا الدين فيذله الله سبحانه وتعالى برفضه إياه، حتى يدخل هذا الدين كل البيوت. قال: (عزاً يعز الله به الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله). فهنا وعد من الله سبحانه وقد تحقق شيء من هذا الوعد، وجاء دين الله عز وجل ودخل الناس فيه أفواجاً، وانتشر في بقاع الأرض، ولكن بهذه الصورة التي في هذا الحديث سيكون يوماً من الأيام؛ فإن الله لا يخلف الميعاد، ولم يحدث أن الدين دخل جميع البيوت فأسلم جميع الناس، ولكن سيكون بهذا الوعد الذي في هذا الحديث يوماً من الأيام يعز الله عز وجل هذا الدين كما كان قبل ذلك وأكثر من ذلك، فيدخل الجميع فيه، وذلك حين ينزل المسيح صلوات الله وسلامه عليه، فيحكم الناس ليس بالتوراة ولا بالإنجيل، ولكن يحكمهم بهذا القرآن، ويكون إمام المسلمين من المسلمين، فيصلي بهم ويتأخر للمسيح عليه الصلاة والسلام حتى يتقدم، فيقول المسيح: لا إمامكم منكم. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المسيح عليه الصلاة والسلام ينزل فيضع الجزية -يعني: يمتنع من أخذها- فلا يقبل إلا الإسلام، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب)، فلا يكون في الدنيا إلا هذا الدين العظيم. قال الله عز وجل:: {يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور:55] فهذا شرط، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإذا كانت حياة المؤمن ظاهراً وباطناً، قولاً وعملاً، كلها فيما يحبه الله عز وجل، استحق أن ينصره الله وأن يمكن له. قال: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ} [النور:55] أي: بعدما ذاق حلاوة الإيمان، وعرف ربه سبحانه، قال: {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]. والفسق هنا: الفسق الأكبر بمعنى: الخروج من دين رب العالمين سبحانه، وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، فكذلك هؤلاء بعدما دخلوا في دين الله عز وجل لم ينالوا منه شيئاً كفروا بالله، ففسقوا فخرجوا عن دين الله، وخرجوا عن طاعته، فلا يضرون إلا أنفسهم، قال: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55] بمعنى: الفسق الأكبر، فالكفر منه أكبر مخرج لصاحبه من الملة، ومنه أصغر. والظلم منه ظلم أكبر، ومنه ظلم أصغر. والفسق منه فسق أكبر وفسق أصغر، فهنا الفسق المقصود به الكفر برب العالمين، والخروج من هذا الدين. نسأل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [56 - 59]
تفسير سورة النور [56 - 59] لقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وهي عبادة لله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة، وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعل الله يرحمهم بذلك. وذكر سبحانه أحكام استئذان الأقارب بعضهم على بعض، فأمر الله المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أوقات: ألأول: من قبل صلاة الغداة، والثاني: وقت القيلولة، والثالث: بعد صلاة العشاء، وفي غير هذه الأوقات لا جناح عليهم في الطواف على بعضهم البعض.
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون)
تفسير قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]. لما وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين الذين يعبدون الله سبحانه ولا يشركون به شيئاً أن يمكن لهم في الأرض، وأن يستخلفهم، وأن يبدل خوفهم أمناً، أمرهم بعد ذلك بأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويطيعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ لعلهم يرحمون، فالوعد من الله عز وجل بالتمكين في الأرض، والوعد من الله سبحانه وتعالى بالرحمة في الدنيا وفي الآخرة، إذا كان المؤمنون على صلاح وعلى حسن عبادة لرب العالمين، فإذا فعلوا ذلك استحقوا الاستخلاف والتمكين، وأن يؤمنهم الله عز وجل في الدنيا، وكذلك استحقوا أن يرحمهم الله عز وجل يوم القيامة. فهنا استحقاق الرحمة كان بما قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]، فخصص عبادات ثم عمم الطاعة، فهنا خصص العبادة البدنية والعبادة المالية بالذكر، فالعبادة البدنية: الصَّلاة، وهي أفضل العبادات البدنية، والعبادة المالية: الزكاة، فعلى صاحب المال أن يؤدي ما فرضه الله عز وجل عليه، فإذا كان عنده نصاب من أي نوع من أنواع الأموال التي فيها الزكاة وحال عليه الحول وجب عليه أن يؤدي زكاة ماله. قوله: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ))، إن إقامة الصلاة ليست مجرد الأمر بالصلاة، وإنما هي أن تستقيم فيها، ولا تتلهى عنها، ولا تسهو فيها، بل تقيم الصلاة على النحو الذي أمرك به ربك سبحانه، والذي وضحه لك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب). وكذلك أمر في الصلاة بقوله: (اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، فيطمئن الإنسان في صلاته، وليكن مقبلاً على الله سبحانه فيها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (صل صلاة مودع) أي: لا يظن أن يصلي غيرها، فأنت تقوم في الصلاة على الهيئة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وبالخشوع الذي أمرت به، فإذا أقمت الصلاة كما أُمرت نهتك عن الفحشاء وعن المنكر، وكذلك الزكاة تبعد عنك شح النفس الذي خلق في الإنسان. قوله: ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ))، وقد ذكر ربنا سبحانه في غير هذه الآية: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء:59]، وقال في آية أخرى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران:132]، وقال في الآية الأخرى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80]، فطاعته صلى الله عليه وسلم طاعة لله سبحانه وتعالى، فأمر وقال: ((وأَقِيمُوا الصَّلاةَ)) أي: على الهيئة التي أمرتم بها، ((وَآتُوا الزَّكَاةَ)) أي: على ما فرض الله عز وجل عليكم، ((وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) أي: فيما يأمركم به عليه الصلاة والسلام، وكل ما نهاكم عنه تنزجرون عنه. قوله: ((لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)) هذا وعد من الله عز وجل، وهو لا يخلف الميعاد، فإذا قال: لعلك ترحم فيقيناً سيرحمك، لكن إذا أتيت بهذا الشرط الذي ذكره لك، فرحمة الله عز وجل عظيمة وواسعة، وأخبر عنها بقوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف:156]، هذا وعده سبحانه أنه يكتب هذه الرحمة {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [الأعراف:156 - 157] أي: بكل معروف، {وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف:157] يعني: عن كل منكر، {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:157]. إذاً: هنا ربنا سبحانه جعل المطيعين من المؤمنين هم المرحومون وأهل الرحمة، وهم المفلحون يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض) قال الله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [النور:57]، قوله: ((لا تَحْسَبَنَّ))، جاءت بالخطاب وجاءت بالغائب، فقوله: ((لا تَحْسَبَنَّ))، هي قراءة عاصم وقراءة أبي جعفر، أي: يقول هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تظن ولا تحسب أن هؤلاء المشركين يعجزون الله سبحانه وتعالى في الأرض. وأما قراءة ابن عامر وقراءة حمزة: (لا يحسَبن الذين كفروا معجزين في الأرض)، وقراءة باقي القراء: (لا تحسِبَن الذين كفروا معجزين في الأرض)، ففي كل القرآن يقرأ: (تحسَب) عاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر بفتح السين، وأما باقي القراء فيقرءون (تحسِب) بالكسرة. إذاً: أربعة يقرءونها في كل القرآن: (تحسَب) أو (يحسَب) أو (تحسبَن) أو (يحسبَن)، كلها بفتح السين، وهؤلاء هم: ابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر، وأما باقي القراء فيقرءون هذه الألفاظ كلها: (تحسِب) و (يحسِب) و (تحسِبن) و (يحسِبن) بكسر السين. قوله: (لا تحسبن) هي على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي تنصب مفعولين، فقوله: ((لا تَحْسَبَنَّ)) أي: هؤلاء الكفار، ((مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)) أي: لا تحسب أنت، فهنا الفاعل هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله: (الذين كفروا) هذا المفعول الأول، وقوله: ((مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ)) هذا هو المفعول الثاني لتحسب. والقراءة على الغائب: (لا يحسبَن) قراءة ابن عامر وقراءة حمزة وقراءة إدريس عن خلف، والمعنى: لا يحسبَن الذين كفروا أنفسهم يعجزون الله سبحانه وتعالى في الأرض، فهنا قوله: أنفسهم هو المفعول الأول، و (مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) هو المفعول الثاني. قوله: ((لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ)) أي: ومعاجزين، يقال: أعجزت الإنسان أو أعجزت الرجل أن يدركني، يعني: بحيث لا يقدر عليه ولا يقدر أن يأتي به، فهؤلاء الكفار وصل غرورهم أن يظنوا أنهم يعجزون الله عز وجل، وأن ربنا لا يقدر عليهم، فهو قال لهم: لا تظنوا هذا الشيء، فأين تذهبون من الله عز وجل والأرض أرضه، والسماء سماؤه؟ فلا ملجأ من الله إلا إليه، فلا يحسبون أنفسهم أنهم معجزون لله عز وجل، وفائتون من الله سبحانه وتعالى في الأرض. قوله: ((وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ)) أي: أنهم لا يفلتون من الله عز وجل، وأنهم إذا ماتوا سيجمعهم من الأرض مهما تفرقوا فيها، وانظروا إلى ذلك الإنسان الذي أمر بنيه وقال: (إذا مت فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم انظروا يوماً شديداً ريحه فذروني في البر والبحر، إن الله إن يقدر علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين). فهنا الإنسان ظن أنه إذا عمل هذا الشيء فلن يفلت من الله عز وجل، فأين يذهب من الله عز وجل؟ فالأمر يسير عليه جداً سبحانه، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82]، {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات:25] أي: جامعة لما فوقها في الحياة وبعد الممات، فلما مات هذا الإنسان وذروه في البر والبحر جاء أمر الله عز وجل يوم القيامة: يا أرض هاتي ما كان فيك منه، فجمعته الأرض، ويا بحر هات ما كان فيك فاجتمع الرجل، فأحياه الله عز وجل وسأله يوم القيامة، والحديث معروف. والمقصود أن الإنسان لا يغتر ولا يظن أنه يعجز ربه سبحانه وتعالى، فمهما هرب فالله عز وجل يأتي به، فليتأدب المرء مع ربه سبحانه، وليحسن الظن بالله عز وجل، وليفعل الطاعات، وليعلم أنه مهما هرب فإن الله آت به، ثم يكون مأوى هؤلاء الذين يهربون من الله عز وجل نار جهنم. قال تعالى: ((وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ)) فهذا مصير بئيس وفظيع لهؤلاء، فبئس المكان مكان هؤلاء، وما صاروا وذهبوا إليه يوم القيامة وهو النار.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم) يأمر الله عز وجل المؤمنين بأدب من الآداب الشرعية العظيمة فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:58]، وهذه الآية في الاستئذان الخاص، والآية السابقة كانت في الاستئذان بعمومه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] أي: في أي بيت غير بيتك لا تدخل حتى تستأذن وتستأنس، فإذا كان في بيتك فهناك ثلاثة أحوال لا بد من الإذن فيها، فخصص هنا وقال: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)) أي: العبيد الذين تملكونهم في بيوتكم، وكذلك {والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ} [النور:58] أي: الأطفال الصغار، والطفل متى فهم ووعى وعرف العورة واستحيا منها فإنه يؤمر بالاستئذان، ولذلك قال الزهري حين سئل عن عُمْر هذا الذي يستأذن؟ فقال: أربع سنوات، يعني في هذا السن يعرف العورة، وإذا نظر يستحي من هذا الشيء، فعلى ذلك يعلم الصبي أنه لا يفتح الباب ولا يدخل على أبيه وأمه إلا بعد أن يستأذن، فيعلَّم في هذا السن. والصبي ليس مكلفاً ولذلك أمر الله عز وجل المؤمنين بقوله: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ)) أي: ليستأذنوكم أنتم لكن لا يأثم إن دخل دون استئذان وإنما هو تعويد حتى لا ينظر إلى شيء يتأذى به ولا يفهمه، فقد يدخل الصبي الصغير ويفتح الباب ويجد الأب يجامع الأم، فهذا منظر بالنسبة له يجعله يتحير فيه، ولعله يمرض بسببه، وكم رأينا من أصيب بعقدة نفسية في حياته من صغره بسبب أنه نظر لشيء لا يفهمه، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يؤدب المؤمنين ويؤدب الصغار والكبار ويعلمهم أن الصغير يستأذن طالما أنه يعقل ويفهم ذلك، فإذا أراد أن يدخل باباً مغلقاً فيه الأب أو فيه الأم، أو فيه الأخ، أو فيه الأخت فإنه يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأن هذه الأوقات هي مظنة أن يكون الإنسان فيها عارياً، فقال سبحانه: ((لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثلاث مرات)) يعني: الأطفال الصغار الذين يفهمون العورات، يستأذنون ثلاث مرات، وهنا المقصد أن يستأذنوا في الأوقات الثلاثة التي سيأتي بيانها، وليس المعنى أنه يستأذن ثلاث مرات ويقول: أأدخل؟ أأدخل؟ أأدخل؟ لا؛ لأن بقية الآية يوضح مقصد الله سبحانه وتعالى من الثلاث المرات، فقال تعالى: ((مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ))، فهذه هي الأوقات الثلاثة التي الغالب فيها أن الإنسان وخاصة في الحر يدخل غرفة نومه، ويخلع ثيابه، فلعله ينام وليس عليه إلا ما يستر العورة المغلظة فقط. وإذا كان الصغير الذي هو غير مكلف ومرفوع عنه القلم ومع ذلك هو مأمور بأن يستأذن، ومأمور الولي أن يعلمه أن يستأذن فكيف بالبالغ الكبير؟! قال سبحانه وتعالى: ((مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) يعني: هذه الأوقات الثلاثة أوقات قد تنكشف فيها عوراتكم وأنتم نائمون أو مستيقظون، ((ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) يعني: هي ثلاث عورات لكم، فهنا المبتدأ محذوف، والخبر فيها (ثلاثُ) على قراءة الجمهور، وأما شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف فقرءوا: (ثلاثَ عورات لكم) يعني: كأن هذه الأوقات أوقات عورات لكم. فقوله: ((ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ)) أي: حرمنا على الإنسان فيها أن يفتح باباً مغلقاً في هذه الأوقات حتى يستأذن مَن بداخلها، ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ)) أي: ليس عليكم أنتم أن تفتحوا باباً في بيتكم، فيدخل بعضكم على بعض، لكن في الماضي كانت الغرف ليس لها أبواب، وإنما عليها ستور، فكان الواحد يفتح ستره ويدخل بسهولة، فالله عز وجل علم أدب الاستئذان سواء الستر موجود أو الباب مغلق، ففي غير هذه الأوقات عادة الإنسان أنه يلبس فيها ثيابه، فلا بأس أن يدخل بعضهم على بعض، إلا أن يكون الباب مغلقاً، فإذا كان الباب مغلقاً فلا أحد يفتح باباً ويدخل فيه؛ لعل إنساناً يبدل ثيابه، ولعله يكون متعرياً، فطالما أن الباب مغلق فإن عليه أن يستأذن. إذاً: في هذه الأوقات الثلاثة قد يكون الباب مفتوحاً بالليل مثلاً وعليه ستارة، ويكون وراء الستار الرجل مع امرأته أو نحو ذلك، فنهى عن الدخول فيها دون استئذان؛ لأن هذه الأوقات مظنة انكشاف العورة. قال سبحانه: ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ))، فهنا الخطاب في قوله (عليهم) للعبيد الذين ملكت أيمانكم، وأما الأطفال الصغار فليس عليهم إثم أصلاً، وإنما الإثم على الكبير البالغ. وقوله: (جناح) يعني: إثم قوله: ((طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) يعني: يطوف بعضكم على بعض؛ لأن العادة في بيت الإنسان أن أبواب الغرف تكون مفتوحة، ويدخل من مكان إلى مكان ويتحرك براحته في بيته، ولكن في هذه الأوقات يراعي الإنسان أن يستأذن حتى لا ينظر إلى أمه أو إلى أبيه وهما على حال لا ينبغي أن ينظر إليهما فيه. فقوله: ((طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ)) يعني: في سائر الأوقات، قوله: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} [النور:58] يعني: كهذا البيان العظيم الواضح، فالله عز وجل يوضح لكم دينكم ويوضح لكم آدابكم، فهو سبحانه لا يستحيي من الحق، فعلى ذلك هنا تأمر ابنك أن يستأذن، وتعلمه أدب الاستئذان من صغره، حتى يتعود على ذلك، فإذا كبر لا يفتح باباً مغلقاً أبداً حتى يستأذن مَن بداخل هذا المكان. قال سبحانه: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} [النور:58] أي: بما تحتاجون إليه وبما ينفعكم، {حَكِيمٌ} [النور:58] في أمره سبحانه، فكل ما يأمر به مبناه على حكمته سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا) قال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59]. يعني: هذا الطفل الصغير إذا كان يعود على الاستئذان، فإنه حين يبلغ الحلم من باب أولى أن يستأذن كما استأذن الكبار قبل ذلك، وإلا يكون عليه الإثم في ذلك. قوله: ((وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ)) أي: الاحتلام، وهي علامة البلوغ، ((فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ)) يعني: البيان واضح وليس بخفي {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59]، فإذا اتضح لك هذا البيان فلا يحل لك أن تفعل ما نهاك الله عز وجل عنه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النور [58 - 60]
تفسير سورة النور [58 - 60] أمر الله النساء بالحجاب والستر؛ صوناً لهن وحفاظاً عليهن، وأباح للقواعد منهن اللاتي لا يرجون النكاح أن يضعن بعض ثيابهن رفقاً بهن، وتيسيراً عليهن، ومراعاة لكبر سنهن، لكن ذلك بشرط ألا يتبرجن بزينة، ومع ذلك فإن الستر خير حتى للعجائز، والله أعلم بخلقه وما يصلحهم.
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا)
تفسير قوله تعالى: (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النور: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور:60]. ذكر الله عز وجل آيات الاستئذان وأمر المؤمنين أن يستأذنهم الذين ملكت أيمانهم والذين لم يبلغوا الحلم منهم؛ حفاظاً على العورات، ودعوة إلى التستر في البيوت، فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الذين هم في ملك اليمين وإن كانوا يدخلون على أهل البيت إلا أنهم في هذه الثلاثة الأوقات لا بد وأن يستأذنوا. وكذلك الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا الحلم عليهم أن يستأذنون في هذه الأوقات الثلاثة: من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأن هذه ثلاث عورات، فيضع الرجل والمرأة الثياب في هذه الأوقات؛ للنوم والراحة. وقوله تعالى: {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النور:58] أي: في البيوت يطوف بعضكم على بعض، ويخرج هذا من مكان ويدخل في مكان آخر، ولكن هذه الأوقات لا بد من الاستئذان عند الدخول. ثم ذكر بعد ذلك أن هؤلاء الصغار إذا بلغوا الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم، فقال: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور:59]، إذاً: فالكبار يستأذن الرجل منهم على أبيه، وعلى أمه، ويستأذن على أخيه، وعلى أخته؛ لأنه إذا لم يستأذن فقد يفتح باباً ويرى عارياً مثلاً فيتأذى بذلك الرائي والمرئي، فأمر الله عز وجل بالاستئذان، فيعلم الصبي الصغير ويربى على ذلك، فإذا بلغ فلا يفتح باباً مغلقاً حتى يستأذن قبل الدخول. ثم قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59]، فكرر المعنى للتأكيد أن الله عز وجل يبين آياته التي أنزلها من عنده سبحانه، ويبين أحكامها التي فيها حكمته العظيمة البالغة، وهي من علمه سبحانه، قال الله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النور:59]. وذكر الله عز وجل أن المرأة يجب عليها أن تستتر، وأنه لا ينظر إنسان إلى شيء منها، ثم تكلم عن القواعد من النساء، والقواعد: جمع قاعد، والقاعد من النساء: المرأة الكبير العجوز، ولا يقال: قاعدة؛ لعدم وجود المذكر فيها، وأما قولهم: الرجل قائم، والمرأة قائمة فلوجود الوصف في الرجل وفي المرأة، فيحتاج لتاء التأنيث للتفريق بينهما، ولكن القاعد تكون عن الحمل، ولا يوجد رجل قاعد عن الحمل، فكلمة قاعد هنا ليست محتاجة لتاء التأنيث، إذاً فالقاعد من النساء هي المرأة الكبيرة في السن التي لا تشتهى، ولا يرجى من وراءها حمل إذا تزوجت، والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، قالوا: هن العجز اللواتي قعدن عن التصرف في حوائجهن، وقعدن عن الولد والمحيض؛ بسبب كبر السن. وهذا قول أكثر أهل العلم، والمقصد أنها عجوز كبيرة لا يشتهى مثلها لزواج. {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60]، فلم يقل: ((فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن)) فقط، بمعنى وضع جميع الثياب، ولكن قيد ذلك بشرط وهو: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60]، أي: لا زال هناك ثياب أخرى عليهن، فالمقصد هو التخفيف من بعض الثياب، فليس عليهن جناح أن يضعن من ثيابهن ويبقى عليهن ثياب؛ حتى لا يكن متبرجات، ولذلك قال: ((غير متبرجات بزينة))، وخص القواعد بذلك لانصراف الأنفس عنهن، فلا حاجة للرجال فيهن، فأبيح لهن ما لا يباح لغيرهن. إذاً: فالمرأة الشابة البالغة إلى أن تصل إلى سن القواعد قبل ذلك يجب عليها أن تستتر، والراجح أن تستر جميعها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة عورة)، فتضع الخمار فوق رأسها، وتلبس الدرع، وهو القميص الذي تلبسه النساء، ثم تجعل الجلباب ساتراً فوقها، وهو العباءة تلبسها فتتغطى من رأسها إلى رجليها. وإذا كانت المرأة قاعداً فيجوز أن تترك العباءة التي تضعها النساء فوق الثياب، وتكتفي بالقميص والخمار الذي فوق رأسها وتستر به شعرها، فتلبس الثياب التي تستتر فيها، ولا تحتاج إلى لبس العباءة والجلباب. قال العلماء: إن الكبيرة في السن كالشابة في التستر، إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع والخمار، والمقصود بالدرع: القميص الذي يسمى بالجلابية، والخمار هو الغطاء الذي تستر به رأسها ومنكبها ورقبتها. قال ابن مسعود وابن جبير: إن القاعد من النساء تضع الجلباب الذي يكون فوق الدرع. وقوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور:60] أي: غير مظهرات زينة، والتبرج مأخوذ من البروج، والبروج جمع برج، والبرج يطلق على القصر، ويطلق على منازل الكواكب في السماء، والبروج كأنها منازلها والقصور التي تنزل فيها، وسميت البروج لكونها مضيئة ومزينة، ولذلك جعلها الله عز وجل زينة في السماء. فقوله: غير متبرجات، يعني: أن المرأة لا تبدوا أمام الرجال مظهرة زينتها بحيث تفتنهم بمنظرها، فغير متبرجات أي: غير مظهرات ولا متعرضات بالزينة لينظر إليهن، فإن ذلك من أقبح الأشياء وأبعدها عن الحق. إذاً كأن التبرج هو التكشف والظهور للعيون، ومنه قوله سبحانه: {بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78]، والمرأة الكبيرة لا تشتهى، فلا يجوز لها أن تزين نفسها بحيث تبدو أمام الناس في فتنة. قيل لـ عائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين! ما تقولين في الخضاب والصباغ والقرط والخلخال وخاتم الذهب؟ فقالت: يا معشر النساء! قصتكن قصة امرأة واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، تعني: أن المرأة في بيتها تلبس الخلخال والخاتم وتتزين، ولكن الظهور بهذه الزينة أمام الرجال الأجانب ممنوع، فقالت: لا يحل لكن أن يروا منكن محرماً.
صنفان من أهل النار
صنفان من أهل النار إن التبرج شيء نهى الله عز وجل عنه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه أشد النهي، ففي الصحيح عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) أي: ما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا في عهده عليه الصلاة والسلام. الصنف الأول: هم الشُّرَط، وقوله: (قوم معهم سياط كأذناب البقر) أي: معهم كرابيج وسياط يضربون بها الناس، ويعذبوهم بها. والصنف الثاني: (ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)، فمن الكبائر التي تقع فيها المرأة هو تبرجها وإظهار زينتها، وتعريها للناس، فهذه من أشد النسا عذاباً يوم القيامة. يقول الإمام القرطبي: قال ابن العربي: إنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات؛ لأن الثوب إذا رق يصفهن. أي: أنهن يلبسن الثوب الرقيق، وفي الزمان الماضي لم يكونوا يعرفون البنطلونات ولا الثياب المحزقة ولا الشفافة، وإنما الذي يعرفونه هو أن المرأة إما أن تلبس جلابية ثقيلة أو خفيفة، والجلابية الخفيفة هي التي يتحدث عنها ابن العربي، فتكون رقيقة تصف المرأة إذا لبستها، ولو عاش ابن العربي إلى هذا الزمان لذهل مما يراه بين الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقول الإمام القرطبي: هذا أحد التأويلين. التأويل الثاني: أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى، أي: أنها لابسة للثوب وليس عندها تقوى، فالذي كان في زمنهم هو أن المرأة إذا خرجت عارية تكون مكشوفة وليست كاسية عارية، ففسروا الكاسية العارية بأنها كاسية بالثوب عارية من التقوى، ويستشهد له بقول الشاعر: إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا وخير لباس المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا كما يحتج له بما في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منهم ما يبلغ الثدي ومنهم ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قالوا: ماذا أولت ذلك؟ -أي: الثوب- قال: الدين)، فكأن القرطبي رحمه الله يقول: إن هؤلاء النساء كاسيات من الثياب عاريات من الدين، وهذا الذي يمكن أن يفهم في الزمان الماضي. يقول القرطبي: هذا التأويل أصح التأويلين، وهو اللائق بهن في هذه الأزمان، وخاصة الشباب، فإنهن يتزين ويخرجن متبرجات، فهن كاسيات بالثياب عاريات من التقوى حقيقة ظاهراً وباطناً، حيث تبدي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودهن، وذلك مشاهد في الوجود منهن، فلو كان عندهن شيء من التقوى لما فعلن ذلك، ولم يعلم أحد ما هنالك، هذا كلام القرطبي رحمه الله. يقول: مما يقوي هذا التأويل: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في وصفهن في باقي الحديث: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي: أن المرأة منهن تلبس طُرحة بعد أن لفت شعرها وجعلته بارزاً يظهر من تحت الخمار، ومنه ما يسمى في زماننا بالكعكة. وما ذكر في الحديث موجود في هذه الأيام، فالمرأة تمشي متبرجة، وفوق رأسها لفات كبيرة من الشعر، وتذهب إلى الكوافير؛ حتى تتزين للناس، وتمشي كاسية تلبس ثياباً رقيقة، وتبدي ما تحتها، بل تكشف صدرها، ويدها، ورجلها، وفخذها، وتلبس البنطال الضيق الذي يرى منه كل جسمها، فمن فعلت ذلك فهي من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وهي من الملعونات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العنوهن إنهن ملعونات)، وهذا على العموم، ولا يخص واحدة دون أخرى. فكل من فعلت ذلك فهي منحرفة بعيدة عن دين الله سبحانه، وعن شرع رب العالمين بتبرجها، وداعية إلى الفتنة والفحش ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رءوسهن كأسنمة البخت) البخت: نوع من أنواع الجمال، عظام الأجسام، ضخام الأسنمة، فقوله: (رءوسهن كأسنمة البخت المائلة) أي: أنهن يقمن بلف شعورهن وجمعها في مكان فوق الرأس، ومن يرى ذلك يعلم أن الشعر قد لف بطريقة معينة تلفت الأنظار. وقوله: (لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) يعني: الذي لم يدخل الجنة قد يشم رائحتها من مسيرة مئات السنين، وهذه لن تدخل الجنة ولن تشم رائحتها.
خير النساء وشر النساء
خير النساء وشر النساء يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البيهقي عن أبي أذينة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير نسائكم الودود الولود، المواتية المواسية إذا اتقين الله)، فهي ودود فيها مودة ومحبة مع زوجها وأهلها، وولود: لها أولاد، والمواتية: المطيعة لزوجها، فهي امرأة ذات حنان ورقة وطاعة لزوجها، فهي مواتية وليست مخالفة. وأما المرأة التي تتبنى مبدأ: خالف تعرف، فتخالف زوجها وتعارضه ولا تطيع أوامره فليست من خير النساء، بل هي من شر النساء. والمواسية: هي التي تواسي الزوج بنفسها وبطيب كلامها، ففيها رحمة ورأفة، فهذه من خير النساء، وهذه الصفات قد توجد في المرأة المسلمة، أو قد توجد فيها الكثير من هذه الصفات، ولكنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اتقين الله)، فإذا كانت المرأة مؤمنة تتقي ربها سبحانه وتعالى فهي من خير النساء. ثم بدأ صلى الله عليه وسلم بالمتبرجات، فالمتبرجة أشر امرأة على الأرض، فقال: (وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات) من الظهور وتحسين الخلقة، فالمرأة المعجبة بنفسها، والمهتمة بزينتها، والتي تحب أن تفتن الناس بمنظرها وجمالها: متخيلة، ويقال: الروضة متخيلة، أي: روضة نضرة، فكذلك المرأة التي تريد أن تبدي زينتها للناس، والأصل في المرأة ألا يرى جمالها إلا زوجها، وأما أن تبيح نفسها للناس -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فهذا لا يجوز، ولعلها في بيتها لا تتزين لزوجها ولا تلبس له، فإذا خرجت تزينت لغير أهلها، فهذه شر النساء (المتبرجات المتخيلات)، وهن المنافقات اللاتي قل إيمانهن. وهذا النفاق قد يكون نفاقاً أكبر مخرجاً من الملة وذلك إذا استحلت التبرج، وزعمت أنه لا دليل على إن التبرج حرام، وأنه مسألة شخصية مزاجية، فتنكر فرضية الحجاب، وتنكر ما أمر الله عز وجل به من استتار المرأة، فهذه أنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فتكون بذلك كافرة، ونفاقها نفاق أكبر مخرج من دين رب العالمين. وأما من اعتقدت أن التبرج حرام إلا أنها تفعله فنفاقها من النفاق العملي، والأولى والثانية لا يدخلن الجنة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم)، فالغربان بيضاء وسوداء، وهذا فيهن كثير، لكن الغراب الأعصم صاحب المنقار الأحمر والذي رجلاه حمروان نادر في الغربان، فكذلك لا يدخل الجنة من هؤلاء إلا النادر منهن ولا حول ولا قوة إلا بالله.
التحذير من فتنة النساء
التحذير من فتنة النساء جاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في هذه الأمة ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى لو كان في بني إسرائيل من يأتي أمه علانية والعياذ بالله لكان في هذه الأمة من يصنع ذلك، وانظروا إلى حال المسلمين الآن، وانظروا إلى المسلمات في تشبههن بالكافرين والكافرات، فالمرأة تتبرج ولا تبالي بدين ربها سبحانه، بل لا تعرف منه شيئاً، فلا تصلي ولا تصوم ولا تصنع شيئاً من الدين، ومن النساء من تسأل عن حكم الصلاة بالبنطلون؛ لأنها تريد أن تصلي مع الناس بالبنطلون الجنز، فتسأل عن شيء لا يجهله أحد، فالكل يعلم أن صلاتها باطلة، ولكن ذلك من الجهل بدين رب العالمين، وقد تسأل المرأة عن حكم الصلاة ورأسها مكشوف، وغير ذلك من الأسئلة التي تدل على جهل الناس بدين الله سبحانه. فعلى المسلمين أن يتقوا الله في نسائهم ويعلموهن أمور دينهن، ولا يتركوهن لمن يعلمهن التبرج. إن من المسلمين من يصلي وعلامة الصلاة على رأسه ولكنه يمشي مع ابنته في الشارع متبرجة، فإذا أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر قال لك: لا زالت صغيرة، وقد يكون عمرها عشرين سنة مثلاً، فلعلها لن تكون كبيرة في نظره إلا عندما تكون من القواعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الفرقان
تفسير سورة الفرقان [1 - 3] بدأ الله عز وجل سورة الفرقان بتنزيهه وتقديسه عن النقائص جل وعلا، ممتناً على عباده بإنزال القرآن على حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، ومذكراً لعباده بأنه المالك للخلق وحده ولم يكن له شريك في الملك، الذي أحصى كل شيء وخلقه وقدره تقديراً؛ ولذا كان العجب من أولئك الذين عبدوا غيره من أصنام وأحجار لا تنفع نفسها فكيف ستنفع غيرها؟!
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:1 - 6]. هذه السورة الخامسة والعشرون من كتاب رب العالمين سبحانه، وهي سورة الفرقان، وهي سورة من السور المكية، قيل: إلا ثلاث آيات منها فمدنية، والجمهور على أن هذه السورة مكية، قال ابن عباس: إلا قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68] إلى قوله سبحانه: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70] قالوا: فهذه مدنية، وباقي السورة كلها مكية، والسورة فيها خصائص السور المكية، ففيها: ذكر الكفار ومطاعنهم على هذا القرآن العظيم وعلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطعن هؤلاء في نبوته صلى الله عليه وسلم، وفيها الرد على مقالات هؤلاء وجهالاتهم. كذلك فيها: الرد على افترائهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها ذكر صفات الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته، وفيها أيضاً أخلاق وصفات المؤمنين، وبيان كيف خلق الله عز وجل الإنسان والبحار والأرض، وجعل سبحانه وتعالى آيات لعباده في ذلك على ما يأتي التفصيل. وفيها أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، والسور المكية تهتم بأمر العقيدة، وذكر اليوم الآخر والجنة والنار، وفيها بيان صفات المتقين: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، إلى غير ذلك من خصائص وصفات السور المكية. والسورة آياتها سبع وسبعون آية اتفاقاً ليس هناك خلاف بين أهل العلم.
معنى قوله: (تبارك)
معنى قوله: (تبارك) بدأها الله سبحانه وتعالى بقوله: {تَبَارَكَ} [الفرقان:1]، كما بدأ غيرها بقوله: {سُبْحَانَ} [الإسراء:1]، فتبارك الله بمعنى: تقدس سبحانه، وبمعنى: تعالى الله عز وجل، وهو من البركة ومعناه: الخير العظيم، فتبارك الله بمعنى: زاد خيره وثبت ودام، فبدأ السورة بهذه الكلمة العظيمة: {تَبَارَكَ} [الفرقان:1]، أي: تقدس سبحانه، ثبت خيره، دام خيره، زاد خيره، والبركة منه، يعني: يطلب منه سبحانه وتعالى البركة التي هي نماء الخير وزيادته.
معنى قوله: (الذي نزل الفرقان)
معنى قوله: (الذي نزل الفرقان) قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ} [الفرقان:1]، أي: الله سبحانه وتعالى، فذكر صفة له سبحانه وتعالى، أنه ينزل، أنه يشرع سبحانه وتعالى، فمن أفعاله أنه ينزل الفرقان على عبده، والفرقان: هذا الكتاب العظيم، وسمي فرقاناً؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين أعمال أهل الجاهلية وأعمال أهل الإسلام.
معنى قوله: (على عبده)
معنى قوله: (على عبده) قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1]، فيه شرائع رب العالمين سبحانه من حلال وحرام وغير ذلك مما يعظ الله عز وجل به عباده، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] أي: النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه، وعبد الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. هذه صفته وهو يقول للناس: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، صلوات الله وسلامه عليه، ويقول -وهو جالس على الأرض يأكل صلوات الله وسلامه عليه طعامه-: (إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، وقد وصف الله سبحانه نبيه بالعبودية في أشرف المواضع: ففي سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1]، فشرفه بهذا الوصف، وأنه عبد لله صلوات الله وسلامه عليه، فذكره في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء:1]، فهذا مقام الإسراء، وهو مقام عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أسرى به ربه، ثم عرج به جبريل إلى السماء، فالله عز وجل شرفه وذكره بهذا الوصف في مقام تفضيله وتكريمه. وفي مقام التحدي في سورة البقرة، يقول سبحانه: {وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} [البقرة:23]، فهو عبد نزل عليه القرآن من عند رب العالمين سبحانه، فليس ملكاً من الملائكة ولكنه بشر من البشر، وصفة العبودية صفة جميع خلق الله عز وجل، الملائكة والإنس والجن، فكل خلق الله عبيد لله رب العالمين سبحانه. في مقام الدعوة إلى رب العالمين، قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن:19] صلوات الله وسلامه عليه، وهنا قال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1] صلوات الله وسلامه عليه. فالصفة التي يتشرف بها الإنسان هي صفة العبودية للملك الديان سبحانه وتعالى، فالإنسان المؤمن يتشرف بأن ينسب إلى ربه؛ لأنه عبد لله سبحانه، وطبيعة الإنسان في هذه العبودية إن لم يرض طائعاً أن يكون عبداً لله كان عبداً لهواه، وعبداً للشيطان، وعبداً لأحقر خلق الله سبحانه وتعالى. فنفس الإنسان فيها العبودية، إما أن يعبدها ويذللها لرب العالمين وهذا مقتضى لا إله إلا الله، يعني: لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له، وإما أن يأنف الإنسان ويتكبر، فإذا بالله عز وجل يجعله عبداً لأحقر خلقه فيعبد تمثالاً أو حجراً، يعبد وثناً أو شجراً، يعبد شمساً أو قمراً، يعبد غير الله سبحانه وتعالى.
معنى قوله: (ليكون للعالمين نذيرا)
معنى قوله: (ليكون للعالمين نذيراً) قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان:1]، لماذا نزل الفرقان على النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، والضمير هنا عائد على الفرقان أو على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالفرقان: القرآن العظيم، هذا الكتاب نذير للبشر. والنذارة: بمعنى التخويف، أي: مخوفاً ومحذراً للعالمين -عالم الإنس وعالم الجن- جميعهم من بطش الله وانتقامه، ومن غضبه على من عصاه وأشرك به، {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، فالقرآن منذر للناس، وكذلك هو مبشر للمؤمنين الذين يعملون الصالحات. كذلك النبي صلى الله عليه وسلم هو النذير البشير، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفتح:8]، فهو شاهد على الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ومبشر لمن أطاع بالجنة، ومنذر لمن عصى بالنار، فالنبي صلى الله عليه وسلم النذير المبين، والقرآن نذير من عند رب العالمين قال تعالى: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، أي: منذراً.
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا)
تفسير قوله تعالى: (الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً) قوله: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان:2]، يعني: رب العالمين سبحانه الذي له ملك السماوات والأرض، (له ملك): الذي يملك سبحانه وتعالى، و (له) هنا للملك، بمعنى: يملك كل شيء، وملك وملكوت واحد بمعنى: أن ما في السماوات وما فوقها وما تحتها، والأرض وكل شيء فوق وتحت وبين كل ذلك ملك لله سبحانه وتعالى. فهو الذي خلق، وهو الذي ملك سبحانه وتعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان:2]، وما قال: الذي ملك السماوات والأرض، وكأنها كانت لأحد ثم ملكها هو، ولكن اختص بالملك وحده لا شريك له، فلم يكن لأحد غيره سبحانه وتعالى. وما قال: الذي ملك السماوات والأرض له، وإنما: (الذي له)، فبدأ بالجار والمجرور لبيان الاختصاص الذي له سبحانه وتعالى، فله ملك السماوات والأرض، كما قدم المفعول في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5]، ففرق بين: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5]، و (نعبدك)، فمعنى نعبدك أي: قد يعبد الإنسان ربه ويعبد غيره، فيثبت شيئاً ولم ينف غيره، بخلاف: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5]، فأثبت العبادة له وحده لا شريك له دون غيره. فهذه فائدة تقديم المعمول على العامل، وكذلك هنا لم يقل: (ملك السماوات والأرض له)، فقد يكون له ولغيره، ولكن الذي له وحده سبحانه وتعالى ملك السماوات والأرض.
معنى قوله: (ولم يتخذ ولدا)
معنى قوله: (ولم يتخذ ولداً) قوله: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الفرقان:2]، حاشا له، وفيه رد على المشركين الذين يقولون: الملائكة بنات الله، ورد على اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله، ورد على النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، فأخبر سبحانه أنه لم يتخذ ولداً حاشا له سبحانه، فالذي يتخذ الولد يكون محتاجاً إليه، حتى إذا كبر سنه وبلغ العجز والشيخوخة احتاج إلى الولد. والله الحي القيوم سبحانه قائم على كل شيء، لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد سبحانه وتعالى، فله ملك السماوات والأرض، كيف يكون له الولد؟! وكيف تكون له الصاحبة؟! وأي حاجة به سبحانه وتعالى إلى ذلك؟! ثم من يحتاج إلى الصاحبة؟ ومن يحتاج إلى أن يكون له نسل بعد ذلك؟ ولكن الله عز وجل لا يحتاج إلى شيء، فكل شيء مفتقر إليه سبحانه، ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك. ولم يكن له من يشاركه في تدبير ملكه حاشا له سبحانه وتعالى، بل الله مدبر لكل شيء، والوكيل على كل شيء، والقائم على كل شيء سبحانه، فليس له شريك في ملكه، ولا في خلقه، ولا في العبادة، فالله سبحانه وتعالى المعبود وحده، الخالق وحده، الملك وحده، ملك الملوك سبحانه.
معنى قوله تعالى: (ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا)
معنى قوله تعالى: (ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً) قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]، فالله الخالق البارئ المصور سبحانه وتعالى، خلق كل شيء فأحسن خلقه، وقدره ودبر أمره تدبيراً محكماً سبحانه وتعالى، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:2 - 3] سبحانه وتعالى. يقدر الشيء فيعطيه قدره، فلا يكون أكثر من هذا القدر، ولا أقل من هذا القدر، ومنها ما هو عند البشر، نقول: هذا يقدر كذا، يخرص ويظن ويدبر في نفسه الشيء كيف يكون. فالخلق والتقدير بمعنى: أنه ظن أن هذا البساط يكون طوله كذا، وعرضه كذا، فبدأ يعطيه المقاسات، ثم قصه على هذا الشيء، فالله سبحانه وتعالى المقدر الذي دبر الأمر فأعطى، لهذا يكون كذا، ويكون كذا، ويكون كذا، فلما أوجده كان على هذا الذي دبره الله عز وجل لا زاد فيه شيء ولا نقص منه شيء. فانظر إلى قوله سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24]، الخالق معناه: خالق كل شيء، وموجد كل شيء سبحانه وتعالى، البارئ: الموجد أيضاً للأشياء، والمصور أي: للأشياء التي يوجد فيها أشياء معينة، كالعينين، والأذنين، والأنف، والشعر ونحوه. ولو أتى كل اسم لوحده من هذين الاسمين فإنه يشمل معنى الخلق والتصوير، لكن لما اجتمعا مع بعض صار هناك فرق دقيق بين معاني هذه الأسماء الحسنى العظيمة لرب العالمين، فهو الخالق يعني: الذي يقدر الشيء قبل أن يوجده، هذا سيكون إنساناً، فإذا أوجده لابد وأن يكون إنساناً، وهذا سيكون حيواناً فكذلك، وهذا سيكون جماداً، وهذا سيعيش كذا ويموت في كذا وهذا في صفته كذا وكذا وكذا، فقبل أن يوجده قدره سبحانه وتعالى، فالخالق قدر الشيء، فيكون المعنى: الله عز وجل خلق الأشياء وأوجدها. فلما قال: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24]، أعطى معنى التقدير في الخلق الذي قدر سبحانه وتعالى، والبارئ: براه وأوجده بعد أن كان عدماً، والمصور: سماه سبحانه بالتصوير، فجعل له العينين والرأس والشعر، وأعطاه الصورة التي تميزه عن غيره. فـ {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر:24]، سبحانه وتعالى، فهنا أخبر أنه خلق كل شيء يعني: دبره وأوجده على حكمة منه سبحانه، فكان على التقدير الذي جعله سبحانه وتعالى عليه، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، فهو تقدير عظيم محيط بكل شيء إلى يوم يبعثون إليه سبحانه وتعالى. فالله يقدر كل شيء حتى دخول كل إنسان الجنة أو النار إلى ما شاء رب العالمين، فهذا الإنسان يخلق في الوقت الفلاني في العصر الفلاني، وينزل في الوقت الفلاني، ويمكث في الحياة كذا وكذا، ويكون من صفاته كذا وكذا، ويكون عمله كذا وكذا، ويكون في الناس كذا وكذا، وهذه صورة نذكرها في الإنسان، وقس على ذلك ما يكون من حيوان وجان وجماد ونبات، وكل شيء يدخل في هذا التقدير بحكمة رب العالمين سبحانه. قال: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان:2]، لا تحيط بهذا الشيء علماً، ما هي الأشياء يا ترى؟ كل شيء أوجده الله في الأرض حتى الحشرة الصغيرة التي في باطن الأرض، يا ترى! كم حشرة موجودة على الأرض؟! لا تعد هذه الأشياء، وكم قد مات منها وكم سيوجد بعد ذلك؟ كل شيء من هذا تقديره عند الله سبحانه، النبات وأوراق الأشجار والثمار والأشجار نفسها، وكل ما يكون على ساق، وكل ما يكون على نجم، هذا كله خلقه الله وقدره تقديراً، وقس على ذلك في كل مخلوقات الله سبحانه، فكل شيء مقدر عند الله سبحانه وتعالى. إذاً: فقد بدأ في بداية السورة بذكر هذا القرآن العظيم، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الاعتقاد في كتاب رب العالمين، وأنه الفرقان، وأنه شرع رب العالمين، وأنه جاء من السماء لإثبات صفة العلو لله سبحانه، فقد نزل القرآن فجاء من عند رب العالمين، فالله فوق سماواته سبحانه، ونزل الكتاب على عبده محمد صلوات الله وسلامه عليه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر وصفه الذي نعتقد به أنه رسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، وأنه نذير من عند الله مبين، وأنه عبد من عباد الله صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر نفسه سبحانه أنه الملك، وأنه الذي لا شريك له في خلقه ولا في تقديره، ولا في ملكه، ولا في عبادته سبحانه وتعالى، لا شريك له فهو المالك الملك، وهو الذي خلق كل شيء، وهو الذي أحكم وقدر تقديراً.
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون)
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون) ثم ذكر المشركين كيف عبدوا غير الله متعجباً من حالهم، أهذا الإله العظيم الذي يعبد؟ وما الذي يعبدونه من دون الله؟ قال: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان:3]، أي: أن هذه الآلهة التي عبدوها لا تخلق شيئاً، بل هي مخلوقة حيث كانت حجراً، وليس الإنسان هو الذي أوجد هذا الحجر، ولكن الله عز وجل هو الذي خلقه وأوجده، فإذا بالإنسان لا يعبد ربه ويعبد هذا الشيء المخلوق، وهذه الآلهة لا تخلق شيئاً بل هي مخلوقة خلقها الله عز وجل، وصنعها الإنسان فجعلها على هذه الهيئة: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الفرقان:3]. قوله: (ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً)، هذه الآلهة التي يعبدونها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، هل يمكن للطفل الصغير أن ينفع نفسه؟ هذه الآلهة لا تعرف النفع ولا الضر، فبدأ بالضر قبل النفع؛ لأن النفع يحتاج إلى شيء من التعقل لينتفع به، ولكن الضر قد يقع للصبي فيضر نفسه، فيمسك سكينة ويقطع بها يده، وهذه الآلهة لا تعرف أن تعمل أي شيء، فهي حجر من الأحجار تضعه في مكان سيبقى في هذا المكان حتى ترجع إليه يوماً من الأيام. فهذا الحجر الذي لا يملك أن يضر فضلاً عن أن ينفع نفسه، هل ينفعك أنت أو يضرك أنت؟ قال: {وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا} [الفرقان:3]، هنا يذكر تعالى من أفعاله العظيمة سبحانه أنه الذي يميت، وأنه الذي يحيي، وأنه الذي ينشر ويبعث يوم القيامة، فهل هذه الآلهة تملك أن تحيي شيئاً؟ هل تملك أن تميت شيئاً؟ هل تملك أن تبعث من في القبور للسؤال والحشر والنشور؟ لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم شيئاً، إذاً: كيف يعبدونها من دون الله؟ الحمد لله الذي جعلنا مسلمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [4 - 10]
تفسير سورة الفرقان [4 - 10] لقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بظروف شديدة مع المشركين في دعوته لهم إلى الله سبحانه وتعالى، فقد واجهوه بأشد أنواع الأذى والكيد والاتهامات الباطلة، فلقد قالوا عنه: أنه مجنون وكاهن وساحر وشاعر وغيرها من التهم الباطلة، بل وقالوا عن القرآن العظيم الذي جاء به: إنه إفك وخرافة وأساطير الأولين، وإنه من قول اليهود، وإنه يعلمه إياه بشر، ثم تعنتوا في طلب الآيات من رسول الله على صدق رسالته، فطالبوه بأن يكون ملكاً، أو يأتي معه ملك، أو أن يكون غنياً، أو صاحب جنات وعيون!! وهذه الآيات تتحدث عن ذلك كله، وتبين ما نال رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد هؤلاء المشركين السفهاء، وتبين ما بهم من كفر وعناد عليهم عضب الله العزيز القوي.
اتهام الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بافتراء القرآن، وأنه استعان بغيره على ذلك
اتهام الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بافتراء القرآن، وأنه استعان بغيره على ذلك أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:4 - 10]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن تكذيب الكفار للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وتكذيبهم للقرآن العظيم، فقال تعالى حاكياً قولهم: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ))، والإفك: الكذب، فهم يقولون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعلمون أنه الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه، وهم الذين كانوا يلقبونه بالصادق الأمين عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقولون عنه ذلك، وقد كان هذا عند النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً عظيماً، حتى طمأنه ربه سبحانه، فقال: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]، يعني: لا يقولون عنك: إنك تغيرت فصرت كاذباً في كلامك، ولكنهم يجحدون بهذا الكلام العظيم الذي جاء من عند رب العالمين. والجحد للشيء: التكذيب به مع المعرفة بصحته وصوابه، فالإنسان الذي يجحد الحق الذي عليه، وهو يعرف أن عليه حقاً وديناً، وعندما يأتي صاحب الدين يطالبه بحقه فينكر وهو يعلم في نفسه أن عليه ديناً لهذا المطالب، فهذا يسمى جاحداً، والظالمون والكافرون يجحدون ويكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً، وهم مستيقنون في أنفسهم أنه على الحق صلوات الله وسلامه عليه، وأنه لا يكذب عليه الصلاة والسلام. فقالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ} [الفرقان:4]، أي: كذب، ((افْتَرَاهُ)) أي: اختلقه وألفه، ((وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ))، أي: فليس وحده قال ذلك، وإنما هناك أناس ساعدوه على أن يقول هذا الشيء؛ لأنهم وجدوا في القرآن أخباراً لا يعرفونها، ولا يعرفها إلا أهل الكتاب. فادعوا على النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع من أهل الكتاب، وأن أهل الكتاب هم الذين علموه هذا الشيء، والمراد بقوله: ((قَوْمٌ آخَرُونَ)) كما قال ابن عباس رضي الله عنه: مجموعة من الناس كـ أبي فكيهة مولى بني الحضرمي وعباس وجبر، وأناس كانوا من النصارى، فقالوا: هؤلاء هم الذين يعلمون النبي صلى الله عليه وسلم، فكذبهم سبحانه وتعالى بالحجج العقلية، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان:4]. أي: هؤلاء ظلمة كذابون مفترون فيما يقولونه على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن كنتم صادقين في قولكم هذا (فأتوا بكتاب مثله)، أي: هاتوا قرآناً مثله، كما قال تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود:13]، وكما قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23]، إذا كنتم تقولون ذلك، والأدوات عندكم فأنتم أهل اللغة العربية، فإذا كنتم تزعمون على النبي صلى الله عليه وسلم أنه اختلق القرآن وافتراه فاختلقوا أنتم أيضاً وافتروا وأتوا بمثل هذا القرآن، وإذا كان كما تزعمون قد علمه قوم آخرون فاذهبوا إليهم وتعلموا منهم، وأتوا بمثل هذا القرآن إن كنتم صادقين، فالأدوات التي يزعمون أنه تمكن بها من الإتيان بالقرآن موجودة عندكم، فأنتم تعرفون اللغة العربية كما يعرف، وأهل الكتاب موجودون، فاذهبوا إليهم وأتوا من عندهم بمثل هذا القرآن إن كنتم صادقين، فما قدروا على ذلك أبداً، ولن يقدروا أن يقبلوا هذا التحدي ويأتوا بشيء، والذي قبل منهم هذا التحدي بدأ يخرف، ويقول كلاماً هو تخريف، فيضحك عليه الكفار قبل المسلمين عندما يسمعون ما يقول، فعندما يحاول أن يوزن سورة على مثل سورة العصر مثلاً، أو على مثل سورة الهمزة يؤلف أشياء فيسمعه الكفار ويقولون: والله إنك لتعلم أنا نعلم أنك كاذب فيما تقول، ويسخرون منه، أما أن يقبل أحد هذا التحدي، فإنه لا يستطيع ذلك، وقد قال الله سبحانه: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا} [الفرقان:4]، أي: ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وظلموا أنفسهم؛ بأن جعلوا أنفسهم من أهل النار، والعياذ بالله. {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا} [الفرقان:4]، أي: ظلماً من القول ومن الفعل، {وَزُورًا} [الفرقان:4]، أي: بهتاناً وتزويراً، وتزوير القول هو: أن يأتي بكلام ظاهره الحسن وباطنه القبح والزور، والذي جاءوا به هو كلامهم وقولهم: إن هذا القرآن مختلق ومفترى، وقولهم للناس الذين يأتون من قبائلهم ليسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسمعوا منه، فنحن أعلم بهذا الرجل منكم، فهو كذاب وساحر وكاهن ومفتر، فيزورون القول على الناس، ويتهمونه زوراً وباطلاً صلوات الله وسلامه عليه.
اتهام الكفار للقرآن بأنه أساطير الأولين
اتهام الكفار للقرآن بأنه أساطير الأولين قال تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان:5]، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من يكتبها له، فأخذ من أساطير الأولين، والأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة: الخرافة، والكلام الكثير، والحكايات والأحاديث؛ فقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه جمع هذه الأشياء، {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5]، أي: تلقى عليه، أي: أن هناك أحداً يأتي له بهذه الأشياء ويكتبها له، ثم يلقيها عليه صلى الله عليه وسلم بكرة وأصيلاً، والبكرة: أول النهار، من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، والأصيل: بعد العصر وقبل الغروب، فقالوا: هذا هو الوقت الذي لا نراه فيه، بعد الفجر وقبل المغرب عندما تكون الناس منشغلة، فيأتي إليه من يعلمه فيقوله، قال: (فهي تملى)، يعني: ألفوا وزوروا الكلام؛ حتى يصدقهم من يسمعهم، قالوا: ((فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)).
بيان سعة علم الله عز وجل
بيان سعة علم الله عز وجل قال الله سبحانه مكذباً لهم: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الفرقان:6]، أي: الذي أنزل هذا القرآن العظيم هو الله سبحانه، فقد أنزله من السماء، من عنده سبحانه، ففيه: أن القرآن منزل من عند رب العالمين، جاء به الروح الأمين على النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ليهدي به الخلق، قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} [الفرقان:6]، أي: الله سبحانه الذي يعلم كل شيء، ويعلم السر قبل الجهر، فإن الناس لا يعلمون إلا الجهر، ولكن الخالق الكريم يعلم السر والجهر، كما قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6]، فهو بهذا يفتح لعباده باب التوبة ليتوبوا فهو يعلم سرهم وجهرهم، ويعلم كذبهم وإفكهم، ومع ذلك إن تابوا تاب الله عز وجل عليهم، وقد كان منهم من يكذب النبي صلى الله عليه وسلم أشد التكذيب، فلما أسلم كان من خيار الناس، كـ عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فإنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ سيفه ليقتله، صلوات الله وسلامه عليه، فألقى الله في قلبه الإيمان فآمن رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان من خير الناس، ومن خير أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال الله سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:6]، ففيها: أن الله سبحانه علم من هؤلاء التكذيب، وعلم أن منهم من سيؤمن؛ ولذلك لم يحجب عنهم التوبة والمغفرة، وإنما قال: ((إنه كان غفوراً))، أي: لمن يتوب إلى الله فيغفر ويستر ذنوبه، ((رحيماً))، أي: يرحم ويتوب على من يشاء. ثم ذكر كذبهم أيضاً فقال سبحانه: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7]، وهذا من ضمن التضليل عند هؤلاء، يعني: أنت رسول من عند رب العالمين، لم لمَ ينزل علينا ملكاً من السماء؟ وهم يعلمون يقيناً أن الأنبياء من قبله -صلوات الله وسلامه عليه- والرسل عليهم الصلاة والسلام كلهم كانوا من البشر، ولم يكونوا ملائكة ولا جناً، وهم يعرفون ذلك ويعرفون أن سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي بنى الكعبة التي يطوفون حولها لم يكن ملكاً من الملائكة، وإنما كان بشراً وهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، بل ويعرفون أن إسماعيل كان رسولاً، وكان من البشر. فمن أين جاءوا بهذا القول، وهو أن الرسول لا بد أن يكون ملكاً من الملائكة؟ ما هذا إلا افتراء على الله عز وجل، وعلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ} [الفرقان:7]، أي: يعجبون من ذلك {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفرقان:7]، يعني: أنه لا بد أن يكون الرسول ملكاً من السماء لا يأكل الطعام، حتى يكون رسولاً. {وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:7]، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يقضي حوائجه بنفسه، فيذهب إلى السوق ويشتري ويبيع، صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل حوائجه التي يحتاجها بنفسه عليه الصلاة والسلام، فلما لم يعجبهم هذا الشيء اجتمع كما يقول ابن إسحاق سادات منهم، ومنهم عتبة بن ربيعة وغيره، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا محمد! إن كنت تحب الرئاسة وليناك علينا)، في حديث طويل وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يريدون أن ينتهوا من أمر نبوته صلى الله عليه وسلم بأي شيء. فقالوا له: ماذا تريد منا؟ أتريد أن تكون الرئيس علينا؟ وإن كنت تحب المال جمعنا لك ما شئت من أموالنا، وإن كان بك لمم جمعنا لك من أموالنا وعالجناك، ونظرنا في الطب والأطباء فداويناك، فلما أبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبرهم أنه رسول من عند رب العالمين سبحانه، فإن آمنوا فهذا خير لهم، وإن لم يؤمنوا فأمرهم إلى الله سبحانه رجعوا إلى باب آخر من أبواب الاحتجاج على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما بالك وأنت رسول من الرسل، تأكل الطعام؟ فما هو الذي جعلك تأكل الطعام وأنت رسول من الرسل؟ ونسوا أو تناسوا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يكنى بأبي الضيفان؛ لأنه كان عندما يحب أن يأكل يجمع الضيوف ليأكلوا معه، عليه الصلاة والسلام، وكان يأكل الطعام ولم يكن ملكاً من الملائكة، فقالوا له: ما بالك وأنت رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، تأكل الطعام، وتقف بالأسواق؟ فعيروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكاً، وعيروه بالمشي بالأسواق وقالوا له: إن الأكاسرة والقياصرة في بيوتهم، ويجيئ إليهم الطعام إلى قصورهم وأنت تقول: إنك رسول الله، وخيرته من خلقه، عليه الصلاة والسلام، وتذهب لتشتري طعامك من السوق، وتتعب نفسك بذلك، والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق؟ وقد كان صلى الله عليه وسلم يخالطهم في أسواقهم، ويأمرهم وينهاهم صلى الله عليه وسلم، ويذهب إلى الوفود التي تأتي إلى مكة في الحج؛ ليدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، فلما أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رسول من رب العالمين، وأنه ليس ملكاً، عليه الصلاة والسلام، رفضوا ذلك فأنزل الله سبحانه: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20]، أي ما من نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام إلا كانوا من البشر، فأبوكم آدم عليه السلام كان من البشر، عليه الصلاة والسلام، وكان يأكل الطعام كما تأكلوا منه أنتم، وكان كل الأنبياء والرسل يمشون في الأسواق كما يمشي النبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود من الآية: لا تغتم بما قالوه يا محمد! فإنهم كذابون.
تعنت المشركين في شروطهم للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
تعنت المشركين في شروطهم للإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم
طلبهم إنزال ملك من السماء
طلبهم إنزال ملك من السماء قال تعالى حاكياً عما اشترطوه لإيمانهم: {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7]، فأجابهم سبحانه في سورة الأنعام عن ذلك بقوله: {وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ} [الأنعام:8]، أي: ولو جعلناه ملكاً لجعلناه بشراً؛ لأنكم لا تطيقون أن تنظروا إلى أي ملك من الملائكة، وقد كنتم قبل ذلك لا تستغيثون بالجن، فقد كان يقول أحدكم: أعوذ برب هذا الوادي -أي: من الجن- لأنهم يخافون منهم، وكانت الجان والشياطين يضحكون عليهم، ويرهقونهم في طريقهم، فيسمعونهم أصواتاً، فيخافون من ذلك. فكانت الجن تتلاعب بهم؛ لأنهم مشركون بالله رب العالمين، فإذا كان الجان وهم ضعفاء تخافون منهم فإنكم ستخافون من الملك من الملائكة إذا نزل عليكم، وستصدقون جبراً وكرهاً، والله لا يريد ذلك منكم، وإنما يريد أن تؤمنوا اختياراً وطوعاً، وتستشعرون أنكم تختارون هذا الدين على غيره، حتى يحاسبكم الله سبحانه تبارك وتعالى على ذلك يدخلكم الجنة، فلو جعلناه ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون، ولو أنزلنا ملكاً لجعلناه في صورة البشر، فيكون الأمر تحصيل حاصل؛ لأننا سنجعل الملك على صورة البشر، حتى لا تفزعون منه، وإذا كنا سنجعله بشراً فلا داعي لذلك؛ لأن عندكم البشر منكم، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، يدعوكم إلى رب العالمين، إذاً: فاختياركم أن يكون الرسول ملكاً ينزل من السماء ليس شيئاً وجيهاً ولا سديداً، بل هو كلام من الزور والكذب والتضليل.
اشتراطهم نزول كنز من السماء على رسول الله
اشتراطهم نزول كنز من السماء على رسول الله قال الله سبحانه حاكياً قولهم: {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]، وقد كانوا لا يعجبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام، ولا يعجبهم أنه يمشي في الأسواق، وقد سماه الله سبحانه وتعالى: عبداً شكوراً، صلوات الله وسلامه عليه، وكان من صفاته عند أهل الكتاب التي يعرفونه بها كما جاء في صحيح البخاري: أنه ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق عليه الصلاة والسلام. يعني: يمشي في الأسواق ولا يرفع صوته بالصخب فيها صلوات الله وسلامه عليه. قال المشركون: {أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ} [الفرقان:8]، أي: يريدون أن ينزل عليه من السماء كنز ينظرون إليه نازلاً من السماء؛ حتى يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم.
اشتراطهم أن يكون لرسول الله جنة يأكل منها
اشتراطهم أن يكون لرسول الله جنة يأكل منها ثم قال تعالى: {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان:8]، يعني: هلا كان لك بستان من البساتين، فلا تشتري حاجتك، وإنما تأخذها من هذا البستان؟ فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون له كنزاً من الكنوز، أو يكون له بستان وجنة يأكل منها.
اتهام الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بالسحر
اتهام الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بالسحر ثم قال تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان:8]، ومسحور: على وزن مفعول، وهي هنا بمعنى الفاعل، أي: ساحر فكأنهم يقصدون أنه ساحر عليه الصلاة والسلام، فقوله: ((إن تتبعون))، يعني: ما تتبعون ((إلا رجلاً مسحوراً))، أي: ساحراً متقناً للسحر، أو مسحوراً من السَّحْر، والسحر بمعنى الرئة والصدر، وكأنهم يقولون: إنكم تتبعون رجلاً له سَحْر مثله مثلنا، أي: له رئة وله صدر، يعني: أنه شخص من البشر ليس خارجاً عنهم، قال: ((إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا)).
تخبط الكفار في شأن النبي صلى الله عليه وسلم
تخبط الكفار في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم متعجباً: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} [الإسراء:48]، يعني: انظر لكذبهم وإفكهم وزورهم، فهم يضربون أمثالاً وهم يعرفون أنهم على الباطل فيما يقولون، قال: {فَضَلُّوا} [الإسراء:48]، أي: تاهوا عن طريق الحق، ولم يصلوا إلى شيء {فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء:48]، أي: لا يستطيعون سبيلاً للوصول إلى الطريق القويم أو إلى حق يهتدى به، أو إلى كلام يعقل، وإنما هم يعلمون بأنهم كذابون، ولا يفهمون ما يقولون فكيف يقنعون غيرهم؟! ولذلك كان الكفار يجلسون معاً فيقول بعضهم: ماذا نقول عن هذا الرجل؟ فيقول أحدهم: قولوا: ساحر فيرد عليه آخر: نحن عاشرنا السحرة وعرفناهم، والكلام الذي يقوله ليس بسحر، فيقول الثاني: قولوا إنه كاهن فيرد عليه بعضهم: لقد عرفنا الكهان وأقاويلهم وسجعهم، وليس من سجعهم في شيء. فيقول الثالث: نقول عنه: شاعر فيردون عليه: لقد عرفنا الشعر، وما يقوله أهل الشعر، وأهل الرجز وأهل كذا، وليس هذا بالشعر، فكان الكفار أنفسهم يقول بعضهم شيئاً، ويرد عليهم الآخرون بأن هذا ليس صحيحاً فيه، ثم يقولون في النهاية: نقول: ساحر، فإذا سئلنا: لماذا ساحر؟ قلنا: لأنه يفرق بين الأب وابنه، والمرأة وزوجها، يعني: أنه فرق الناس بهذا الدين فجعل هذا مسلماً وهذا كافراً، فنقنع الناس بهذا، إذاً: هو ساحر؛ لأنه يفرق بين الناس، فلما قالوا ذلك قال الله عز وجل عنهم: {انظُرْ} [الإسراء:48]، أي: اعجب لهؤلاء الجهلة فيما يقولون، {كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} [الإسراء:48]، أي: الأمثال الباطلة {فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الإسراء:48]، أي: لا يعرفون طريقاً إلى الحق، بل تاهوا عن طريق الرشد والصواب وطريق الله سبحانه ((فلا يستطيعون سبيلاً)). ثم قال: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان:10]، أي: تبارك وتقدس سبحانه وتعالى، و (تبارك)، أي: كثر خيره وبركته، وثبت وزاد {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان:10]، وقال: (إن شاء)، ولم يقل: لو شاء؛ لأن (إن) حرف تحقيق، فالمعنى: إذا أراد فعل ذلك، وهو قادر وإذا أحببت فعلنا بك ذلك، ولم يقل: لو شاء؛ لأن لو حرف امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، فيكون المعنى: أنه لن يحصل، فلذلك قال: إن شاء ربك فعل ذلك، وقد خير الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه في ذلك، فقد جاء في مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: (ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً)، وقد كان مما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قالوا له: إن بلادنا ضيقة، فلو دعوت ربك أن يبعد عنا هذه الجبال قليلاً، وأيضاً طلبوا منه أن يجعل لهم جبل الصفا ذهباً حتى يؤمنوا به، فلما قالوا ذلك قال: (وتفعلون؟ فقالوا: نعم، فدعا صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل، فقال: إن ربك عز وجل يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت صيرت لهم الصفا ذهباً، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين). وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وكانت آية النبي صلى الله عليه وسلم هذا القرآن العظيم، ولو جاء لهم بالآيات الحسية التي طلبوها كما طلب قوم صالح الناقة، فلو كفروا بعد ذلك لجاءهم العذاب، واستأصلهم أجمعين، فلما خُير النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت جعلنا لهم الصفا ذهباً، وإن شئت فتحنا لهم باب التوبة والرحمة)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل باب التوبة والرحمة). وفي رواية: قال صلى الله عليه وسلم: (لا، بل أستأني بهم) أي: لا أريد الصفا ذهباً، ولكن أصبر عليهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء:59]، أي: أن الآيات تخويف وليست تبشيراً، وهذه هي الآيات الحسية. وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة لما لم يستجيبوا له وذهب إلى الطائف فرموه بالحجارة ولم يستجيبوا نزل عليه ملك الجبال، وقال: (إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين) وهما جبلا مكة عن شمالها ويمينها، فيهلك الجميع، فجاءه وقال له ذلك، وهو في هذا الوقت العصيب صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان كله حزن على كفر هؤلاء ومع ذلك قال: (لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، صلوات الله وسلامه عليه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [7 - 16]
تفسير سورة الفرقان [7 - 16] لقد أضل الله المشركين لعنادهم وكفرهم وتعجبهم من كون الرسول صلى الله عليه وسلم بشراً، ومع ذلك يرد الله عليهم بالحجج والبراهين الساطعة، ويرهبهم من دخول النار، ويرغبهم في دخول الجنة، ولا يكون ذلك إلا بالانصياع لأوامر الله، والإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ذكر ما جاء في سورة الفرقان من تعجب المشركين من كون النبي صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر وما جاء من تعجيزهم له، وما جاء من رد الله تعالى عليهم
ذكر ما جاء في سورة الفرقان من تعجب المشركين من كون النبي صلى الله عليه وسلم بشراً من البشر وما جاء من تعجيزهم له، وما جاء من رد الله تعالى عليهم الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا * تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا * إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا * قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسْئُولاً} [الفرقان:7 - 16]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن المشركين الذين تعجبوا من كونه صلى الله عليه وسلم بشراً من البشر، وأنه يأكل الطعام، وأنه يمشي في الأسواق، قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان:7]، فهم يعجبون من حاله صلوات الله وسلامه عليه، ويطلبون أن ينزل إليه من السماء ملك ليكون منذراً مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة يأكل منها، وهذا من باب التعنت معه صلوات الله وسلامه عليه. فهم لا يريدون أن يسمعوا له عليه الصلاة والسلام، ولا يريدون أن يتبعوه في دينه، إنما يريدون وضع العوائق والعقبات أمام دعوته صلوات الله وسلامه عليه، فهم يقولون: إذا كنت تريد أن نقبل منك، فاجعل ملكاً ينزل ويمشي معك في الأرض كي نعرف أنك صادق فنتبعك، أو ينزل عليك كنز من السماء كي نصبح أغنياء، أو يكون لك بستان كبير واسع، وتأكل من هذا البستان، وفي هذه الحالة نعرف أنك رسول حق. وهكذا نظروا إلى أشياء مادية على وجه التعنت، وإلا فالتحدي قائم بهذا القرآن على أن يأتوا بكتاب مثله، أو يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو بسورة من مثله، ولم يقدروا على ذلك، فانصرفوا عن قبول هذا التحدي، إلى وضع العقبات أمامه صلى الله عليه وسلم، وكأنهم يقولون: لا، لن نقبل منك دعوتك، إلا أن تستجيب لنا في ذلك. قال تعالى: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان:8]، أي: تتبعون رجلاً ساحراً، أو رجلاً كغيره من البشر له سحر، يعني: له رئة، يتنفس كما تتنفسون، وله صدر وبطن ويأكل الطعام، فلا ينفع ذلك في أن يكون رسولاً من الرسل عليه الصلاة والسلام. هذا الذي قالوه مع علمهم اليقين بأن إبراهيم كان نبياً عليه الصلاة والسلام، وكان بشراً من البشر، وكان يأكل الطعام، وكان يكنى بأبي الضيفان، عليه الصلاة والسلام، فهم يعرفون ذلك، ولكن المقصد من كلامهم التعنت معه صلى الله عليه وسلم ورد ما جاء به. فقال الله مكذباً لهم، ومعجباً له من فعلهم: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ} [الفرقان:9]، أي: أنظر إلى تعنتهم وإلى كلامهم الباطل، وإلى هذا الهراء الذي يزعمونه، قال سبحانه: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان:9]، أي انظر كيف ضربوا لك هذه الأمثال التي يقولونها؛ ليتوصلوا إلى الباطل وليس إلى الحق، فيا للعجب من ذلك؛ لأن الأصل في ضرب المثل: أن يضرب لتقريب المعنى، ولإحقاق الحق، أما ضرب الأمثلة لإبطال الحق، فهذا من العجب، فاعجب لهم، فإنهم يتعجبون من غير عجب، ولكن اعجب لما يقولونه من أشياء باطلة، قال تعالى: {فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا} [الفرقان:9]، أي: لا يستطيعون للوصول إلى الحق سبيلاً، أو إلى تصحيح ما يقولونه. قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ} [الفرقان:10]، أي: كثرت بركته، تبارك وتعالى وتقدس وتمجد سبحانه وتعالى، الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك، وهذه الأشياء التي يطلبونها هي أشياء يسيرة جداً أمام الله سبحانه، لا قيمة لها، فهو سبحانه إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات وليس بستاناً واحداً فقط ولا جنة تأكل منها، بل يجعل لك جنات كثيرات، فلو كان الأمر على ذلك لجعل لك تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً، وليس بيتاً من حجر، وليس خيمة، وليس بيتاً من طوب، ولكن قصوراً عظيمة كبيرة، قال تعالى: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]. وقوله تعالى: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10]، هذه قراءة الجمهور بالإدغام على أنها مجزومة، وقراءة ابن كثير وابن عامر وشعبة عن عاصم: (ويجعلُ لك قصوراً) على الرفع والاستئناف، أي: أن الله قادر على أن يجعل لك ذلك، قال: {وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} [الفرقان:10].
ذكر حال أهل النار
ذكر حال أهل النار ثم أمر نبيه أن اصرف تفكيرك عن ذلك، فهم قد كذبوا بالساعة فلا تهتم لكلامهم، وقد وقعوا في أعظم الكفر بالله سبحانه، ثم يجادلون في ذلك، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان:11]، ولم يقل: وأعتدنا لهم سعيراً، بل لهم ولغيرهم وكل من كذب بيوم القيامة أعتدنا له السعير، والسعير: النار المستعرة، يعني: شديدة التلهب والاضطرام والإيقاد والاشتعال، فهي سعير، ومنها الكلب المسعور؛ لأنه يجري في كل مكان، ويعلق في أي شيء، فهو مضطرب ويجري نفوراً، فكذلك نار جهنم ترد على أي شيء والعياذ بالله، تقدم عليه وتحرقه وتلهبه فهي مستعرة، والسعر أيضاً: الجنون، فكأنها نار ملتهبة، حتى أنها لا تقدر أن تميز هذا الذي أمامها، أهو عظيم أم حقير؟ فكل من دخل فيها استعرت عليه، والتهبت عليه وأخذته، نسأل الله العفو والعافية. وقوله تعالى: {وَأَعْتَدْنَا} [الفرقان:11]، أي: حضرنا وجهزنا، {لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان:11]، وكلمة (لمن) من صيغ العموم، أي: كل من كذب بالساعة أعتدنا له عذاب السعير. ويقول سبحانه في هذه النار: {إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12]، أي: إذا رأتهم النار من مكان على بعد خمسمائة سنة، أي: من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً، وهنا كأنه من باب الاكتفاء في قوله تعالى: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12]، والأصل: سماع الزفير، والزفير: صوت النفس الخارج فيسمع، والتغيظ يرى، فتقول: رأيت فلاناً متغيظاً، وسمعت له صوتاً، فالأصل في ذلك: أنهم سمعوا زفيرها، ورأوا تغيظها عليهم، فالتغيظ لا يسمع، وهذا يسمونه: الاكتفاء بالواحد عن المجموع، فالله سبحانه اكتفى بذكر ذلك، كقوله سبحانه وتعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس:71]، فالأصل أنه لا يقال: أجمعت الشركاء، وإنما أجمعت عزيمتي، أجمعت رأيي، بمعنى: عزمت على الشيء، ويقول: جمعت الشركاء، فكأن المقصد منها هنا أن يكتفي بواحد من الفعلين، أجمعوا أمركم وجمعوا شركاءكم، فاكتفى بواحد للتعبير عن الاثنين. وكحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (رغبة ورهبة إليك)، فهذا فيه الاكتفاء أيضاً، وحمل اللفظ على المجاورة، أي: رغبة إليك ورهبة منك، فاكتفى بواحد من الاثنين عن ذلك. ومنه قول الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا فقوله: تزجد الحاجب أي: تطوله، لكن العيون لا تطول، فكأنه يقصد: زججن الحواجب وكحلن العيون، فاكتفى بفعل على الاثنين، فهذا من باب الاكتفاء الذي يقولونه، أو المجاورة. من أجل ذلك قال تعالى: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا} [الفرقان:12]، أي: كأنهم رأوا لها هذا التغيظ، وسمعوا صوت زفير جهنم، قال تعالى: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12]. فقوله سبحانه: {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} [الفرقان:12]، وقوله سبحانه: {إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [الفرقان:12]، فيهما دلالة على أنها رؤية حقيقية، تراهم النار حقيقة، وقد جاء في حديث عند الترمذي وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج عنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق). والله عز وجل يخلق ما يشاء، فإن نار جهنم يؤتى بها، ويخرج منها هذا العنق، والعنق له أذنان تسمعان، وله عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول هذا العنق: (إني وكلت بثلاثة، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين)، وكل هذا يوم القيامة يخطف هؤلاء إلى نار جهنم والعياذ بالله. فيخرج من النار هذا العنق، وهو ذراع يخرج من النار، يبصر ويسمع ويتكلم ويخطف هؤلاء من الموقف، ويجعلهم في نار جهنم والعياذ بالله، وهذا حديث صحيح، وفيه أنه وكل بثلاثة: بكل جبار عنيد، أي: بكل إنسان فيه جبروت، وفيه معاندة لدين رب العالمين سبحانه، وبالمشركين ممن دعوا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين، الذين يصورون الصور، وينحتون التماثيل، ويصنعون الأصنام، والذين يرسمون فيضاهون خلق الله سبحانه، فقد وكل الله بهم هذا العنق يوم القيامة. يقول سبحانه: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ} [الفرقان:13]، و ((ضَيِّقًا)) [الفرقان:13]، قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (وإذا ألقوا منها مكاناً ضَيْقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً)، فقوله تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا} [الفرقان:13]، أي: أن هذا الكافر وهذا المشرك الذي يدخل النار يلقى منها في مكان ضيق. والنار واسعة جداً والعياذ بالله، وقعرها بعيد جداً، ومع ذلك يضيق الله سبحانه وتعالى على أهل النار الأماكن التي هم فيها، فيلقى كل هؤلاء الكفار في مكان ضيق فيها، والنار لا تكتفي بذلك، بل كلما ألقي فيها فوج وسألهم خزنتها، قالت: هل من مزيد؟ فالخزنة يسألونهم ألم يأتكم نذير؟ يقولون: بلى، والنار تقول: هل من مزيد؟ ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول: قط قط اكتفيت اكتفيت)، أي: لن أقول ذلك مرة أخرى. يقول سبحانه وتعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ} [الفرقان:13]، أي: أن كل إنسان مع قرينه، ومع مشاكله، ومع صاحبه، فرفيق السوء يكون مع رفيقه، والإنسان يكون مع شيطانه، ومع من كان يستهويه من الجان في نار جهنم، مقترناً معه، موثقاً مكتفاً معه، فالإنسان والقرين الاثنان في النار، {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ} [الفرقان:13]، أي: مربوطين بعضهم ببعض، قال تعالى: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان:13]، أي: استيقنوا من العذاب، فدعوا بالثبور، والثبور: الهلاك، أي: يدعون على أنفسهم بالموت، من أجل أن يستريحوا مما هم فيه، {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان:13]، أي: هلاكاً، فيقال لهم: {لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً} [الفرقان:14]، أي: لا تدعو اليوم موتاً واحداً، بل ادعوا موتاً كثيراً، وادعوا ما شئتم، فليس هناك موت.
ذكر حال أهل الجنة
ذكر حال أهل الجنة قال تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الفرقان:15]، وهذا من جمال كتاب رب العالمين أنه عندما يذكر لنا النار، ويكون الإنسان مستشعراً غضب رب العالمين سبحانه، ويستشعر الخوف الذي قد يدفعه إلى أن يظن أنه قد ضاع وأيس من الرحمة، يفتح سبحانه باب الرحمة، ويرينا كما أن هناك نار، فهناك جنة أيضاً، فيجعل الله الإنسان بين الترغيب والترهيب، رهبه وخوفه، ثم رغبه ومناه، قال تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ} [الفرقان:15]، أي: هل هذا الذي هم فيه خير، أم الجنة؟ قال تعالى: {أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ} [الفرقان:15]، أي: جنة الخلود، فأهل النار يدعون بالثبور والهلاك على أنفسهم، وأهل الجنة يلقون فيها تحية وسلاماً، حياة دائمة خالدين فيها، فهم يخلدون فيها ولا يخرجون منها. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. فقوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ} [الفرقان:15]، أي: هل هذا خير، {أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} [الفرقان:15]؟ فقد وعد الله عز وجل المتقين الذين اتقوا غضب الله، أن لهم هذه الجنة جزاءً على ما قدموا من عمل، ومصيراً يصلون إليها، فالمصير والنهاية الدخول إلى هذه الجنة، جزاءً بما كسبوا وبما عملوا من أعمال صالحة. ولهم في هذه الجنة، كما قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} [الفرقان:16]، فكلمة: (ما) من ألفاظ العموم، فكل ما يتمناه الإنسان يجده في الجنة، والله عز وجل يقول لهم: تمنوا، ماذا تريدون؟ فيتمنى أهل الجنة ويتمنون، والله عز وجل يذكرهم، وكذا وكذا، فيتمنون ويذكرهم وكذا وكذا، فيعطيهم سبحانه وتعالى، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ} [الفرقان:16]، هذا الذي هم فيه ليس لزمن محدود يتمتعون به، فالله يطمئنهم، فيقول: وأنتم خالدون فيها، ولن تخرجوا منها أبداً، قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا} [الفرقان:16]، أي: كان هذا الأمر على ربك سبحانه وعداً ألزم نفسه به، وأوجبه على نفسه، ولا أحد يوجب على الله عز وجل شيئاً، ولكن هو الذي أوجب على نفسه، فقال: كان هذا الأمر وعداً عليَّ، ((مَسْئُولًا))، أي: الملائكة تسأل ربها، كما قال تعالى: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ُ} [غافر:8]، فالملائكة تسأل ربها سبحانه: أن يدخل المؤمنين الجنة، والمؤمنون يسألون ربهم سبحانه وتعالى، وقد عرف الله عز وجل المؤمنين جنته؛ حتى يسألوه إياها، فهذا كان وعداً من الله، فقد أمر عباده أن يطلبوا الجنة فسألوه إياها، فبشرهم وأدخلهم جنته، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [17 - 20]
تفسير سورة الفرقان [17 - 20] أخبر الله عز وجل في كتابه أن الظالمين يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض، وتعود صداقتهم وموالاتهم لبعضهم عداوة وكرهاً، وهكذا كل محبة وموالاة كانت لغير الله في الدنيا، بل إن هؤلاء الظلمة تتبرأ منهم معبوداتهم الباطلة التي كانوا يعبدونها في الدنيا، سواء من الأحياء أو الأموات أو الجمادات، وهنا يحيق بهم عذاب الله عز وجل، فلا ناصر لهم ولا شفيع ولا حميم ينصرهم من دون الله.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا * وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:17 - 20]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن الحشر يوم القيامة، وعن جمع الناس فيها، وعن جمع المشركين مع من كانوا يعبدونه من دون الله سبحانه، وعن السؤال في هذا اليوم العظيم، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الفرقان:17]، أي: يحشر الخلق جميعهم، وإن كان ذكر هنا المشركين فقط، مع أنهم يحشرون مع المؤمنين يوم القيامة، وهو يذكر لنا هنا ما يكون من خلاف هؤلاء بين يدي الله عز وجل، قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة:166]، فكيف يكون الحال يوم القيامة وقد تبرأ الناس بعضهم من بعض؟ فالوالد يتبرأ من ابنه، والابن يقول: نفسي نفسي، والزوجة تقول: نفسي نفسي، والأنبياء يقولون: نفسي نفسي، فكل إنسان يوم القيامة يقول: نفسي نفسي. فهنا يقول الله عز وجل لهؤلاء المشركين: كيف يكون حالكم يوم يتبرأ بعضكم من بعض؟ قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} [الفرقان:17]، وهذه قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وأبي جعفر، ويعقوب، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} [الفرقان:17]، بالكلام على الإفراد. وقرأ باقي القراء بنون العظمة: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ)، وهي تعظيم للخالق سبحانه وتعالى الذي يحشرهم يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الفرقان:17]، والحشر: الجمع، والإخراج من القبور، وضم بعضهم إلى بعض في الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. {فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17]، أي: يقول الله سبحانه، وهذه قراءة الجمهور بصيغة الإفراد، وقرأ ابن عامر (فنقول) بنون التعظيم للخالق سبحانه، وله أن يقول ذلك ويتكلم عن نفسه بنون العظمة سبحانه، قال تعالى: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17]. فهنا يسأل الله سبحانه وتعالى هذه الآلهة التي عبدوها، وينطقها يوم القيامة، فينطق الحجر، وينطق الصخور، وينطق الأشجار التي كانوا يعبدونها، وينطق الإنس والجن والملائكة، وكل من عبد من دون الله سبحانه وتعالى، ويقول الله عز وجل للمسيح عليه الصلاة والسلام: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة:116]. هذا المسيح عليه الصلاة والسلام، والآلهة التي عبدوها من دون الله تنطق وتتبرأ من هؤلاء عندما يسألهم سبحانه: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} [الفرقان:17]، أي: أأنتم جعلتموهم يضلون عن سبيل الله، وعن طريق رب العالمين؟ أم هؤلاء العباد هم الذين ضلوا عن السبيل بعقولهم وببعدهم عن الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء)
تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء) فيكون A { قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً} [الفرقان:18]، أي: ننزهك يا ألله! عن ذلك. {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا} [الفرقان:18]، أي: لا يحل لنا، ولا يجوز لنا ذلك. {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18]. فأنت ولينا ولا يحل لنا أن نعبد غيرك، أو أن نتخذ من دونك ولياً من الأولياء، والمعنى هنا: أنهم تبرءوا إلى الله عز وجل من كل من عبدهم من دون الله سبحانه وتعالى. وقد قرأها الجمهور: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ} [الفرقان:18]، يعني: هذه الآلهة التي عبدت تقول لله سبحانه وتعالى: ليس من حقنا أن نتخذ أولياء نعبدهم وينصروننا، فكيف نعبد نحن؟! فإذا كنا نحن لا يحل لنا أن نعبد غيرك، فكيف يعبدوننا من دونك؟! {قَالُوا سُبْحَانَكَ} [الفرقان:18]، أي: ما كان هذا الشيء ولا طلبناه، ولا أردناه ولا وافقنا عليه، قال تعالى: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18]، أي: ولياً من دونك نتولاه في الدنيا حتى نضيع الآن، وقرأ أبو جعفر: {قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18]، يعني: أن نُعبد من دونك، على بناء الفعل للمجهول، والأصل فيها: أن نتخذ دونه أولياء، ومن جاءت زائدة لتأكيد نفي ذلك، فعلى ذلك لا يحل أن نكون معبودين من دونك يا رب العالمين! قال: {مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ} [الفرقان:18]. أي: فنعبد من دونك، ولا يحل لنا أن نكون من دونك. ولكن السبب أنك متعتهم وآباءهم، كما قال الله سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6 - 7]. فالإنسان عندما يكون فقيراً ومحتاجاً وتحيط به المصائب فإنه يدعو ويقول: يا رب! وعندما يستغني ويحس أنه صحيح معافى ينسى ربه سبحانه، فقالوا هنا: ربنا! أنت متعتهم وأغنيتهم فنسوا ذكرك، قال تعالى حاكياً قولهم: {وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} [الفرقان:18]، أي: حتى نسوا هذا القرآن، ونسوا ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم من مواعظ. {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18]، يعني: لا خير فيهم، نقول هذه أرض بور، يعني: لا تنبت، أي: أنك إذا وضعت فيها الماء والبذور والسماد فلا فائدة فيها، فهي أرض بور لا تنبت زرعاً، ولا ينتفع بها أحد، فكذلك كان هؤلاء بشركهم وكفرهم كالأرض البور التي لا خير فيها، فهم كانوا لا خير فيهم، فقد تمتعوا في الدنيا ونسوا الخالق سبحانه فلم يعبدوه. {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان:18]. قال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص! هلموا إلى أخ لكم ناصح! فلما اجتمعوا إليه قال رضي الله عنه: ما لكم لا تستحون؟! تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً. وهذه نصيحة عظيمة من أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، فهو يقول لأهل حمص: ما لكم لا تستحون؟ تبنون ما لا تسكنون، أي: تبنون البيوت الكثيرة، التي لا تسكنونها، والتي لا تعمرونها، وإنما تتركونها وتذهبون إلى ربكم سبحانه، وتجمعون ما لا تأكلون، أي: تجمعون وتدخرون أكثر مما تحتاجون إليه، وتتكالبون على الدنيا، كأنكم ستعيشون أبداً فيها، وتأملون ما لا تدركون، أي: تأملون أن تعيشوا أبد الآبدين، إن من كان قبلكم، أي: اتعظوا بالذين كانوا من قبلكم، فقد بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، أي: بنوا البناء المشيد العالي، وكذلك جمعوا من العبيد في الدنيا ما يكون لهم بهم عزة وقوة، وأملوا آمالاً بعيدة فلما جمعوا هذه الدنيا قال: فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، أي: هذا الجمع الذي جمعوه لم ينفعهم شيئاً، وإنما صار جمعهم هذا بوراً، وإن الجمع الذي ينتفع به الإنسان هو أن يجمع الأعمال الصالحة، فتكون مثمرة ويكون له أجرها عند الله سبحانه وتعالى. وأما ما جمع من حطام الدنيا فسرعان ما يزول، أو يموت الإنسان عنه ويتركه ويذهب إلى ربه، فإذا بالآمال غرور، أي: ضائعة لم يأت منها شيء، وصارت هذه المساكن قبوراً لأصحابها نسأل الله العفو والعافية.
تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوكم بما تقولون)
تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوكم بما تقولون) يقول الله سبحانه وتعالى لهؤلاء: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً} [الفرقان:19]، أي: يقول الله للمشركين الكفار: فقد كذبتكم هذه الآلهة التي عبدتموها من دون الله سبحانه، {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19]. وقوله: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ} [الفرقان:19]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل عن ابن كثير: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا يَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} [الفرقان:19]، وقوله: ((فَمَا تَسْتَطِيعُونَ)) هذه قراءة حفص فقط، وقرأ باقي القراء: ((فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا)) فعلى ذلك قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} [الفرقان:19]، إما أنه يخاطب المؤمنين أو يخاطب الكفار، فإذا كان الخطاب للمؤمنين فيكون المعنى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} [الفرقان:19]، أي: هؤلاء الكفار {بِمَا تَقُولُونَ} [الفرقان:19]، وبما أتيتموهم من كتاب وسنة أيها المؤمنون! وإذا كان الخطاب للكفار فيكون المعنى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ} [الفرقان:19]، يعني: هؤلاء الآلهة كذبوكم أيها الكفار! بما كنتم تقولون وتزعمون من أنهم ينفعونكم وأنهم يضرونكم، قال تعالى: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19]، قرأ حفص عن عاصم: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} [الفرقان:19]، يعني: يا أيها الكفار! {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19]، وقرأها الجمهور: (فما يستطيعون)، يعني: الآلهة لا تقدر على الصرف ولا على النصر، والصرف معناه: التحويل، فقوله تعالى: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا} [الفرقان:19]، أي: لا تستطيعون أيها الكفار صرف العذاب عن أنفسكم، ولا هذه الآلهة تقدر أن تصرفه وتزيله عنكم. {وَلا نَصْرًا} [الفرقان:19]، أي: ولا يستطيعون نصركم في هذا اليوم، وحمايتكم من عذاب الله وبطشه سبحانه، فكذبتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله سبحانه، فما استطاعت أن تصرف عنهم العذاب، ولا استطاعت نصرهم على قضاء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19]، وهذا خطاب على العموم، فكل من يظلم وخاصة الظلم الأكبر الذي هو الشرك بالله سبحانه، كما قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]، فجزاؤه كما قال الله: {وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا} [الفرقان:19]، أي: ليس أي عذاب، وإنما العذاب العظيم الكبير الأليم، نسأل الله العفو والعافية.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام) يقول سبحانه مخاطباً رسوله صلوات الله وسلامه عليه: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20]، هنا يطمئن الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأنك لست بدعاً من الرسل، وليس أمرك غريباً عنهم، بل كل الرسل قبلك كانوا يذهبون إلى الأسواق، ويحضرون متاعهم، ويبيعون ويشترون، وهذا ليس عيباً فيهم، ولا عيباً فيك. قال: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الفرقان:20]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة، يعني: بالفقر، فقالوا له: أنت تذهب تعمل وتبيع، فأنت محتاج للمال مثلما نحتاج نحن إليه فبماذا فضلت علينا؟ ولماذا أنت الذي جعلت رسولاً إلينا؟ قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:7]، وكأن المعنى: أنت تأكل وتشرب، وتتبول وتتغوط مثلنا، وقد ذكر الله ذلك عن المسيح عليه الصلاة والسلام، فقال: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة:75]، أي: أنه بشر من البشر، فهو يأكل مثل البشر، وأمه كذلك، والذي يأكل يحتاج إلى أن يخرج هذا الذي أكله. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم بشر من البشر يأكل ويشرب ويحتاج أن يخرج ذلك وليس هو من الملائكة، وليس عيباً أن يكون من البشر صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ} [الفرقان:20]، وأتى بلام التوكيد ليؤكد أنه لم يخرج عن ذلك أحد فكلهم بشر، قال تعالى: {وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20]، أي: في حاجتهم، فيذهبون ويشترون ويبيعون ويتاجرون، أي: أنهم محتاجون إلى ذلك، كما قال تعالى: {وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20]، يقول: الإمام القرطبي رحمه الله: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة. والإنسان المؤمن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن الرزق من عند الله سبحانه، وليس معنى ذلك: أن الإنسان يجلس في بيته، وينتظر أن ينزل له الرزق من السماء على أطباق يأكل منها، وإنما يخرج إلى السوق كما خرج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والأولياء، فكانوا يذهبون يشترون ويبيعون، ويحضرون متاعهم، فهي أصل في أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى. وعندما خرج أهل اليمن للحج من غير زاد وقالوا: نحن المتوكلون، فلما وصلوا إلى مكة سألوا الناس، أنزل الله سبحانه وتعالى: {وَتَزَوَّدُوا} [البقرة:197]، أي: لا تقولوا: نحن متوكلون، ثم تسألون الناس. فهنا يذكر الله تعالى صفة في الأنبياء وهي أنهم يكتسبون، فكان أشرف الرزق لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما كان من الغنائم في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان الآية [20]
تفسير سورة الفرقان الآية [20] لقد أرسل الله عز وجل الرسل لهداية الناس، وتعبيدهم لرب العباد سبحانه وتعالى، وقد كان هؤلاء الرسل بشراً من جنس البشر، يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، وينامون كما ينامون، ويقضون حوائجهم ككل البشر، ولقد فتن الكفار بهؤلاء الرسل، وظنوا أن من شرط الرسول ألا يكون بشراً على طبيعتهم، جهلاً منهم بحقيقة الرسالة، ومقام النبوة، وقد رد الله على زعمهم هذا في هذه الآية الكريمة، وبين أن الرسل لا يكونون إلا بشراً، حتى يأنس بهم المرسل إليه، وحتى يتمكن الرسول من إبلاغ دعوته كما أراد الله تعالى.
بيان كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشرا كبقية البشر
بيان كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشراً كبقية البشر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان:20]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من سورة الفرقان أنه ما أرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم من المرسلين إلا وحالهم أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يعملون حوائجهم بأيديهم، وهذا من تواضعهم عليهم الصلاة والسلام، فكانوا يخرجون يبتاعون ويشترون، ويقضون حوائجهم بأنفسهم، وقد علمهم ربنا سبحانه وتعالى هذا الخلق العظيم، خلق التواضع، فعلموا الخلق ذلك، وقد قال تعالى منبهاً على ذلك: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20]. والتعبير بأنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق إشارة إلى أنهم بشر كبقية البشر، فهم يأكلون الطعام، كما أن البشر يأكلون الطعام ويخرجونه، وكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كذلك، وليس النبي صلى الله عليه وسلم بدعة من الرسل، عليه وعليهم الصلاة والسلام، بل الكل يستوي في ذلك، فهم سواء في أكل الطعام ثم إخراجه، وفي ذهابهم إلى الأسواق لإحضار طعامهم وشرابهم، وهذا دأب المرسلين عليهم الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان:20]، يعني: لشراء ما يحتاجون إليه من الأسواق، ومشي الإنسان إلى السوق لشراء حاجته، قد يكون فيه أجر له، وقد يكون فيه وزر عليه، فيؤجر عندما يتعامل بما أمر عز وجل به، وعندما يبيع ويشتري بيع المؤمن للمؤمن، أو بيع المسلم للمسلم، فلا يخون ولا يغدر ولا يغش ولا يدلس ولا يغبن، فالمسلم الذي يبيع ويشتري على هذه الصورة بالعقود الصحيحة له أجر على ذلك؛ لأنه يخاف من الله سبحانه وتعالى، وأما الإنسان الذي يذهب إلى السوق للمراء والجدال مع الناس، وللاختلاط بالنساء، والنظر والتأمل فيما حرم الله سبحانه وتعالى، وليغش ويخدع ويدلس ويغبن، فإن عليه وزراً في ذلك.
ما يقول عند دخول السوق
ما يقول عند دخول السوق ودخول السوق فيه خطر عظيم جداً، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له قصراً في الجنة) هذه رواية عند الترمذي. وفي رواية أخرى: (ورفع له ألف ألف درجة)، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
سبب عظم أجر هذا الذكر
سبب عظم أجر هذا الذكر فينبغي على المسلم أن يحرص على ذلك، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم أجر هذا الذكر عظيماً؛ لأنه اشتمل على عدد من مسائل الاعتقاد، وهي: أن الله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى، وأنه يحي ويميت، وأنه يخلق، وأنه يرزق سبحانه وتعالى، وأن الله هو الحي الذي لا يموت سبحانه، وهو الذي بيده الخير، وهو على كل شيء قدير ومسائل الاعتقاد أجرها عظيم عند الله. وأيضاً لأن السوق مليء بالأشياء التي قد يأثم بها الإنسان، فقد ينظر إلى نساء عاريات، قد يصطدم بامرأة أو برجل أو كذا، فلا يخرج منه إلا وقد امتلأ من الآثام الكثيرة، وقد يحلف كاذباً في بيعه أو شراءه، وقد يخدع، وقد يمد يده إلى شيء من غير إذن صاحبه، وقد يفعل معاصٍ كثيرة، فلا يخرج من السوق إلا وقد وقع في كبيرة من الكبائر، أو في كثير من الصغائر؛ فلذلك يذكره النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر، فإذا قاله لم توقعه نفسه في شيء من هذه الأشياء؛ لأنه ذكر الله عز وجل، وأن الله حي لا يموت، وأن الله يحي ويميت، فيتذكر أنه راجع إلى ربه عز وجل مرة أخرى حين يموت، وأنه قد أخذ عليه العهود والمواثيق أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وأن يفعل ما أمره الله عز وجل به، فيتذكر الإنسان أن الله حي الذي لا يموت، وأنه سيموت فيحاسبه الله سبحانه وتعالى، يتذكر أن الله على كل شيء قدير، فيخاف منه؛ لأنه ليس منه مهرب، ويتذكر أن الله سبحانه يرزق عباده، فهو الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فإذا تذكر ذلك فلن يسرق، أو يمد يده إلى شيء خفية، أو يغش؛ لأنه يعلم أن الله بيده الخير، وأن خزائنه مليئة لا تغيض، وأن المعطي هو الله، فيدع ما عند الناس، ولا يأخذ مالاً إلا بطيب نفس من صاحبه. فإذاً: على الإنسان المؤمن أن يذكر نفسه بهذا الذكر؛ حتى يتعامل مع الناس معاملة إسلامية صحيحة، فإذا دخل السوق فإنه يغض بصره، ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يحسد الناس على ما أتاهم الله عز وجل من فضله سبحانه وتعالى، ولا يجادل كثيراً، ولا يماكس أو يساوم حتى يرهق الإنسان، وإنما يتخلق بالخلق الحسن، وكل ذلك يتذكره حين يقول هذا الذكر: (لا إله إلا الله)، يعني: لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له، فعبادتي لله، فصلاتي وصيامي ودخولي السوق للبيع أو الشراء ومعاملاتي وآدابي وأخلاقي لله، وهي معاملة مع الله سبحانه، وكل هذه يتذكرها المسلم وهو يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير). فإذا تذكر الثواب هانت عليه الدنيا، فإنه يعطى (ألف ألف حسنة، ويمحى عنه ألف ألف سيئة، وترفع له ألف ألف درجة)، وهذا شيء كثير جداً من فضل الله عز وجل، فإذا نظر إلى ذلك فإنه يحتقر الدنيا، فلم تعد لها عنده قيمة، فيعود ويسأل نفسه: لماذا يعمل كذا، ويحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله؟ ولماذا ينظر إلى النساء الكاسيات؟ ولماذا يعمل كذا؟ فيتذكر عند ذلك جنة الله سبحانه، فتهون عليه الدنيا، فيدخل السوق ويحصل على الأجر من الله، ويحصل على ما يحتاجه من السوق ثم يخرج، وهذا فضل من الله.
بيان أن السوق مكان معركة الشيطان
بيان أن السوق مكان معركة الشيطان وأما غيره فإنه يدخل السوق معركة الشيطان، فقد جاء في صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته. فالسوق معركة الشيطان، والمعركة مأخوذة من: الاعتراك، والاعتراك: مقاتلة الأبطال، فمكان معركة الشيطان داخل السوق، ينصبها هناك، ليصطاد ضحاياه، ويوقعهم في الهوى فيضلهم، فهذا يسرق، وهذا يبخس، وهذا يغش، وهذا يحتال، وهذا يماكس، وهذا يغدر، وهذا يدلس، وهذا يبيع الشيء المعيب، وهكذا فهو معركة الشيطان؛ لذلك كان سلمان يقول: لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه، فإنها معركة الشيطان. يعني: فيها من يصطاده الشيطان ويضيعه. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الأنبياء أنهم دخلوا الأسواق، فيجوز للمسلم أن يدخل السوق، ولكن بالنية الحسنة، ولحاجته من البيع أو الشراء، مع التزامه بالآداب الشرعية.
بيان أن الخلق بعضهم فتنة لبعض
بيان أن الخلق بعضهم فتنة لبعض يقول الله سبحانه وتعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان:20]، أي: كل خلق الله عز وجل، فقد جعل الله بعضهم لبعض فتنة، حتى المتناقضات في الدنيا، مثل الغني والفقير، فإن هذا نقيض لهذا، فالفقير فتنة للغني، والغني فتنة للفقير، فكل من الاثنين فتنة للآخر، فالفقير ينظر للغني ويقول: أعطاه الله ولم يعط، وليس بأفضل مني، فيكون فتنة له، والغني ينظر للفقير ويقول: لو كان صالحاً لأعطاه الله، وما حرمه إلا لأنه لا يستحق، والذي معي إنما هو بعقلي وذكائي وتدبري، فكل واحد منهما فتنة للآخر، وكذلك المؤمن والكافر كل منهما فتنة للآخر، فالمؤمن ينظر إلى الكافر ويرى أن الله يعطيه في الدنيا مالاً وبنين وكذا وكذا، فيكاد يتزلزل عن دينه، لولا أن الإيمان الذي في قلبه يثبته، ولولا شرع الله عز وجل الذي يقول له: لا، فنحن جعلنا هذا لك فتنة، فإياك أن تفتن بذلك، فإنما نبتليك بهذه الدنيا، فاصبر، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]، فيقول المؤمن: أصبر على هذه الدنيا. والكافر ينظر إلى المؤمن، وإلى البلاء الذي هو فيه، وإلى الكرب والتضييق الذي عليه فيقول: لو كنت أسلمت لحصل لي هذا، فيكون فتنة له. وكذلك الصحيح والمريض، فإن المريض ينظر إلى الصحيح فيكون فتنة له، فيتساءل لماذا هو صحيح يمشي على رجليه وأنا لا أقدر على المشي بقدمي، وإنما على عصا؟ ولماذا هو بصير وأنا أعمى لا أرى؟ ولماذا هو يسمع وأنا لا أسمع؟ فجعل بعضهم لبعض فتنة، فهذا يفتن بهذا، وهذا يفتن بهذا. والإنسان البصير يرى أنه أحسن من المريض؛ لأنه ينظر والمريض لا ينظر. وهكذا يبتلي الله عز وجل العباد بعضهم ببعض. ثم أمرهم الله بالصبر على قضاء الله وقدره، فقال: {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]؟ وجعل الرسل فتنة لأقوامهم، فمع أنهم هداية لأقوامهم من الضلال إلا أنهم فتنة لهم، كما قال أحد الكفار: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، يعني: ألا يوجد عظيم في القريتين -مكة والطائف- ينزل عليه القرآن غير محمد صلوات الله وسلامه عليه؟ أفلا يوجد في مكة فلان وفلان، وفي الطائف فلان وفلان؟ ثم هو فقير ليس معه شيء ومع ذلك صار نبياً ورسولاً!! فكان صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار، فامتنعوا من الدخول في دين الله عز وجل؛ لأنهم رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أغناهم، ولا رئيس القبيلة التي هو فيها، ففتنوا بذلك، فقال الله عز وجل للمؤمنين: {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]؟ أي: تصبرون على هذه الفتن وهذا البلاء أم تكفرون؟ فالمؤمن يصبر لأمر الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة فبما كسبت يداه، وأيضاً الحكام والرعية فإن بعضهم لبعض فتنة، فالمحكوم يقول: إن الحاكم ظالم يظلمني، ويعمل كذا وكذا، والله يقول له: اصبر لأمر الله سبحانه وتعالى، وأما الحاكم فإنه يتعالى على المحكوم ويقول: أنا أحسن منه، ولم أصل إلى هذا المكان إلا بذكائي ومنزلتي، وصدق الله عندما قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]. فالإنسان المسلم يصبر على قضاء الله وقدره، ويصبر عن معصية الله فلا يقع فيها، ويصبر على طاعة الله فيأتيها، فهو صابر لأمر ربه، وربنا يقول: {أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان:20]. وقد روي أن الإمام المزني رحمه الله وهو من تلامذة الشافعي رضي الله عنهما أخرجته الفاقة والفقر يوماً -وقد كانوا يقولون: من طلب العلم الشرعي فلا بد أن يعانق الفقر، وقد كان أغلب العلماء رضي الله تبارك وتعالى عنهم فقراء- خرج يوماً فلم يجد ما يأكل ولا ما يشرب؛ فخرج يبحث عن رزق، فرأى رجلاً في مراكب ومواكب، وليس عنده علم، وإنما كان من الجهال، ويركب المراكب، وحوله مواكب يحمونه ويحرسونه، فلما نظر إليه سمع شخصاً يقرأ هذه الآية: ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ))، وهذا من رحمة الله به، فإنه يعظه، ويقول له: اصبر فهذا المزني رحمه الله. وروي أيضاً: أن ابن القاسم صاحب مالك تلا هذه الآية حين رأى أحد الأمراء وهو أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، فتلا هذه الآية: ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ)). فالمؤمن حين يرى شيئاً لا يقدر عليه يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، فلا يحسد أحداً، ثم يذكر نفسه بقوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ))، ويقول: سأصبر لأمر الله سبحانه وتعالى. أما أن يحسد المبتلى المعافى فهذه هي الفتنة، إذاً: فمعنى قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً))، أن يقوم المبتلى والفقير وصاحب الحاجة والمريض وصاحب المنزلة الضعيفة والحقيرة يحسد من هو أفضل وأعلى منه، فهذه هي الفتنة أو أن يحتقر صاحب النعمة من هو أقل منه، فهذه فتنة، فالله عز وجل يقول للجميع: (أتصبرون)، فلا بد للإنسان من أن يصبر، ويقول: إن كان الله قد أعطاني المال، فسأنفقه في الوجوه التي يريدها سبحانه وتعالى، وأعطيه لله سبحانه وتعالى، ويقول الفقير: سأصبر على هذه الحاجة التي أنا فيها؛ لأني ابتغي جنة الله سبحانه وتعالى، ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ)). وقد كان من الفتن التي فتن الله بها قريشاً: أنهم نظروا لهذا القرآن وعلموا أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام الرب العظيم سبحانه، ثم نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فرأوا معه أبا ذر وعبد الله بن مسعود وعماراً وبلالاً وصهيباً وعامراً بن فهيرة وسالماً مولى أبي حذيفة وهم فقراء وبعضهم عبيد، فقالوا: إذا أسلمنا أصبحنا مثلهم، وقعدنا معهم، فلن ندخل في هذا الدين، والذين قالوا هذا القول هم أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث، وكانوا مشايخ قريش وأغنيائها ورؤسائها، فهم الذين قالوا: لن نسلم ونجلس مع هؤلاء، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نسلم فاجعل لنا يوماً لا يقعدون فيه معنا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابتهم، وإذا بالله عز وجل ينزل على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:52]. أي: احذر أن تطرد هؤلاء عنك، كما يريد الكفار من إبعادهم؛ حتى يجلسوا هم، ثم نصر الله عز وجل دينه، وأذل هؤلاء الكفار، فمنهم من مات على كفره، ومنهم من أسلم بعد ذلك، فرأى فضل هؤلاء السابقين عليه، والذين ذكرهم الله عز وجل بقوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة:10]، أي: الذين سبقوا، وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة:100]، ولذلك: فإن الإنسان المؤمن يصبر إن كان ضعيفاً أو فقيراً أو محتقراً عند القوم، وليعلم أن له عند الله عز وجل ما ترفع به درجته.
دلالة الآية على طلب الرزق
دلالة الآية على طلب الرزق وهذه الآية أيضاً أصل في تناول الأسباب والأخذ بها، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة والاحتراف وغير ذلك. فالإنسان المؤمن يعمل ويكتسب بعرقه وبتعب يده، وهذا من أشرف الكسب، فيبيت وقد غفر الله عز وجل له بكسبه وتعبه، فلا يجلس فارغاً في بيته ويقول: لم أجد العمل المناسب، بل إذا وجد عملاً ولو غير مناسب أو ضعيف وهو حلال فهو أفضل له عند الله عز وجل من أن يتكفف الناس، ويمد يده إليهم، وينتظر من ينفق عليه. ولذلك نقول لإخواننا الشباب: اجتهدوا واتعبوا واشتغلوا ولا يجلس الواحد بعد أن يتخرج من الكلية في بيته فارغاً، ويستدين أموال الناس، وإنما يعمل ولو عملاً ضعيفاً، ويتعب نفسه، والله عز وجل سيكافئه على قدر تعبه، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق:2 - 3]. فالأنبياء كانوا يتعبون، وكانوا يتوكلون على الله سبحانه، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى عن داود: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء:80]، فعلمه صنعة الزرود، وصنعة الدروع، وعلم سيدنا نوحاً كيف ينجر ويصنع السفينة، والنبي صلى الله عليه وسلم تاجر وتعب، صلوات الله وسلامه عليه، وقد رعى الغنم قبل ذلك عليه الصلاة والسلام، ثم شرفه الله عز وجل بالجهاد في سبيله، وجعل رزقه تحت ظل رمحه، فالإنسان المؤمن لا يأنف من طلب الرزق طالما أنه من وجه حلال. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [21 - 26]
تفسير سورة الفرقان [21 - 26] الكافرون دائماً يتعنتون على مر الزمان، فهم يسألون أسئلة ويطلبون مطالب من أنبيائهم على وجه التعجيز وليس للإيمان، وعلى ذلك فإن الله لا يقبل منهم عملاً صالحاً لعدم وجود شرط الإيمان فيهم، ويوم القيامة يظهر الهول، وتشتد الكربات، ويظهر الأمر جلياً أن الملك كله لله الواحد القهار.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا * وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:21 - 26]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات كيف أن المشركين كانوا يتنطعون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويطلبون ما يستحيل عليهم أن يجاب لمثله، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ} [الفرقان:21]، فلو شاء الله عز وجل لأنزل ملائكة، ولكن حكمته سبحانه وتعالى تأبى ذلك؛ لأن معناها الإيمان جبراً وقهراً، وإذا رأى الإنسان الملائكة ماذا يملك؟ هل يقدر أن يختار؟ يرى الملائكة أمامه ثم يقول: أؤمن أو لا أؤمن، لا لن يقول ذلك، ولكن إذا رأى الملائكة لا بد أن يؤمن؛ لأنه يخاف ولا طاقة له بهؤلاء الملائكة، فلذلك من حكمة ربنا سبحانه أن يجعل للإنسان اختياراً في باب التكليف، فيكتسب الخير ويكتسب الشر ويحاسب على كسبه، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يقدر الأقدار سبحانه وهو الذي يعلم أن هذا في الجنة وهذا في النار، وهو الذي يعطي للإنسان الاختيار ليختار بمشيئته الله في ذلك، قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29]. هؤلاء الكفار الذين لا يرجون لقاء الله، أي: لا يخافون لقاءنا أو لا يؤملون ذلك، أو لا يبالون به فكله من معاني (لا يرجون)، فهم لا يرجون لقاء الله، يعني: ليس على بالهم هذا الشيء؛ لعدم وجود الإيمان باليوم الآخر في قلوبهم، وهم لا يرجون لقاء الله، بل يقولون: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:24]، إذاً: فلا يوجد بعث بعد أن نصير تراباً، فلن نحاسب ولن نجازى وهم لا يؤملون ذلك، فلا يؤمل لقاء الله إلا هذا الذي يرجو جنة الله ويخاف من عذابه، وهؤلاء ليس على بالهم هذا الشيء فـ {لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان:21]، أي: لا يخافون من لقائنا ولا يبالون بلقائنا ولا يؤملون لقاءنا، فقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [الفرقان:21]، هم الكفار. قال تعالى: {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ} [الفرقان:21]، ولولا: للتحضير والحذف، يعني: هلا نزل علينا الملائكة؟ {لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21]، يعني: من التطاول قولهم: حتى نرى ربنا، وكأنهم يقولون: لن نؤمن إلا بذلك، وهم الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء:90 - 92]، و (قبيلاً): مقابلة يعني: نرى الملائكة أمامنا بأعيننا، ولن نؤمن لك حتى وإن أتيتنا بهذا كله، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ولو أتيت بهذا كله فلا نظن أننا نصدقك. إذاً: فالمعنى: أن الطلب لمجرد المعاندة، فيصير الأمر على ذلك أنهم لن يؤمنوا، فالله أعلم سبحانه وتعالى، وعلمه عظيم وهو الحكيم وهو القوي سبحانه القادر على كل شيء، فإذا آمنوا لن يزداد ملك الله عز وجل بهؤلاء شيئاً، ولو أنهم كفروا وعتوا عتواً كبيراً لم يخسر الله سبحانه وتعالى شيئاً، فهم مع جهلهم وغبائهم يظنون أن تعنتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ينفعهم، ولكن ستجري عليهم أقدار الله عز وجل شاءوا أم أبوا، وفي النهاية إلى النار إن ماتوا وهم كفار. قال ربنا سبحانه: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا} [الفرقان:21]، أي: هؤلاء المتكبرون المتجبرون لقد استكبروا في أنفسهم، والإنسان الذي يستكبر في نفسه يحس أنه أعلم من غيره وأفضل من غيره، فيقول الله عز وجل لهؤلاء المستكبرين: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} [الفرقان:21]، والعتو: أعظم الظلم وأفحشه، والعتو كذلك: أشد الكفر والفساد في الأرض، والعتو هنا بمعنى: العلو على هيئة الاستكبار، فقد علو وتعاظموا في أنفسهم، واستكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم، وأفسدوا في الأرض بكفرهم وعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى، وظلموا أنفسهم وغيرهم.
تفسير قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين)
تفسير قوله تعالى: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) قال الله سبحانه: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً} [الفرقان:22]، أي: يرون الملائكة في أثناء قتالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يراهم إلا الكافر وهم يضربونه على رأسه وعلى جنبه، فالكفار يرون الملائكة، يرونهم وهم يقتلونهم. قوله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى} [الفرقان:22]، أي: لهم لا الملائكة، فلن يأتيهم وهم على كفرهم إلا بالعذاب، فيتطاولون ويطلبون رؤية الملائكة، والله عز وجل يعلم أن هؤلاء لا يطيقون ذلك، بل إذا رأى أحدهم جنياً فزع وخاف، وهم من أخوف الناس من الجن، فقد كان الواحد منهم إذا مشى في طريق يأتي الشيطان يستهويه ويضحك عليه فيفزع ويخاف، حتى إنه ليكفر بالله سبحانه ويقول: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: بسيد هذا الوادي من الجن، فهو لم ير الملائكة، فإذا رآهم وأنزلهم الله عز وجل عليه فكيف سيميز بينهم وبين الجان؟ فهم يقولون ما لا يفهمون، وكأنهم يطلبون العذاب من الله سبحانه. والكفار أغبياء وحمقى حتى في دعائهم على أنفسهم، فهم يقولون: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الأنفال:32]، فهذا الدعاء يدل على غباء القلوب والعقول، فالإنسان يقول: يا ربِّ! إن كان هذا هو الحق فاهدني إليه، والذي يقول: يا ربِّ! عذبني، فيطلب العذاب لنفسه فهو أحمق لا يفكر. يقول سبحانه: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:22]، أي: لا توجد بشارة لهم، بل العذاب الشديد، فقد أعطاهم الله في الدنيا مالاً ويقولون: إذا رجعنا إلى الله فإنه سيعطينا كذلك، فيخدعون أنفسهم بذلك؛ لأنه لا بشارة للمجرمين، إنما البشارة للمؤمنين يوم القيامة. والملائكة تضرب الكفار على وجوههم وعلى أدبارهم في أثناء خروج أرواحهم من أجسادهم، وتتقد قبورهم عليهم ناراً، ويوم القيامة يدخلون النار والعياذ بالله. قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22]، وهؤلاء المجرمون إذا رأوا الملائكة يضربونهم على وجوههم وأدبارهم، ومعهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا من النار أعيدوا فيها، قال لهم الملائكة: {حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:22]، يعني: حراماً محرماً عليكم دخول الجنة، فكلما جاءت النار وعلت بهم يودون أنهم يخرجون فتأتي المقامع من فوق رءوسهم وتردهم ثانية في نار جهنم والعياذ بالله، فالملائكة تقول: إن خروجكم من النار محرم عليكم، وممنوع دخولكم الجنة. والحجر: الحاجز الذي يحيط بالإنسان، وسمي عقل الإنسان حجراً؛ لكونه يحجزه عن المعاصي، ويحجزه عن أن يؤذي نفسه أو يؤذي غيره، فعقل الإنسان يدفع الإنسان إلى أن يفعل الخير وأن يجتنب الضر فسمي حجراً، وكما تقول: حجراً محجوراً، كذلك الكفار يقولون ذلك، فالكافر يقول: حجراً محجوراً يعني: لا تؤذونا يا ملائكة! ولا تعذبونا، حرام عليكم أن تفعلوا بنا هذا الشيء، والملائكة تقول: حجراً محجوراً، أي: لن تخرجوا من هذا المكان، فأنتم محبوسون فيه دائماً.
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)
تفسير قوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً) يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، أي: قدمنا إلى ما عمل هؤلاء الكفار، ومعنى ذلك: عمدنا إلى أعمالهم التي عملوها وقدموها في الدنيا، فالكافر قد يفعل الخيرات فيبر أمه، ويصل رحمه، ويتصدق على إنسان على دينه أو على غير دينه، لكن الله عز وجل لا يدخر له أجراً للآخرة، بل يعطيه في الدنيا فقط، فقد يعطيه صحة حين يمرض ويشفيه الله سبحانه وتعالى، وقد يعطيه مالاً ويعطيه البنين بحيث لا يبقى له عند الله يوم القيامة شيء، فإذا مات وجاء يوم القيامة ضاع هذا العمل فجعله الله عز وجل {هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، والهباء: الذرة التي تراها من النافذة حين تدخل الشمس، وحين تمسك هذه الذرات بيدك لا تجد شيئاً في يدك، فهذا الهباء، أو هو غبار التراب الذي تبثه وتذروه الرياح، فكذلك هؤلاء الذين كانوا يعملون في الدنيا بالخير لا يقبل منهم؛ لأن قبول الخير مقيد بشرطه وهو الإيمان، أن يكون مؤمناً بالله سبحانه، ومؤمناً برسله عليهم الصلاة والسلام، ومؤمناً بالملائكة، ومؤمناً باليوم الآخر، ومؤمناً بالقضاء والقدر، فإذا جاء بأصول الإيمان يقبل الله منه عمله، وإذا لم يأت بأصول الإيمان لا يقبل الله منه شيئاً.
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا)
تفسير قوله تعالى: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً وأحسن مقيلاً) أما أصحاب الجنة فيذكرهم ربنا سبحانه وتعالى وكأنهم صحبوا الجنة، فهم معها دائماً لا يخرجوا منها وكما أن هؤلاء أصحاب النار ملازمين للنار ملازمة الرفيق لرفيقه والصاحب لصاحبه، كذلك أصحاب الجنة يلازمونها ولا يخرجون منها أبداً، وبين الله حالهم فقال سبحانه: {خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان:24]، والمستقر: مكان القرار، فأصحاب في خير مستقر، وأهل النار في شر مستقر وهو النار، وهؤلاء في خير مقر يستقرون فيه وهو الجنة، وفي أحسن مقيل يقيل فيه الإنسان وإن كانوا لا ينامون، والمعنى: أنه مكان راحة، أي: يدخل أهل الجنة الجنة فيستريحون فيها، والله عز وجل يمتعهم بما شاء خالدين فيها أبداً، ولا نوم في الجنة. فهنا المقيل بمعنى: الراحة، أو بمعنى: المنزل، أو بمعنى: المثوى والمأوى، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. يعني: يفصل الله عز وجل القضاء بين خلقه ولا يشغله شيء عن شيء، ويطيل الله عز وجل يوم القيامة على من يشاء ويخفف على من يشاء سبحانه وتعالى، فلا ينتصف النهار حتى يدخل هؤلاء الجنة ويدخل هؤلاء النار.
تفسير قوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام)
تفسير قوله: (ويوم تشقق السماء بالغمام) قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً} [الفرقان:25]، أي: اذكر ذلك {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25]، فقبل أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يسبق ذلك حساب الله سبحانه وتعالى لعباده، فاذكر {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25]، يعني: اذكروا هذا اليوم، وليكن على بالكم، واعملوا لهذا اليوم، يوم تشقق السماء فترى فيها الغمام الذي يحجب ما وراءه، وينشق هذا الغمام وينزل منه الملائكة، يقول ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ويبدل الله سبحانه الأرض، قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ} [إبراهيم:48]، إذاً: فالأرض تسع هؤلاء كلهم، ولا شك أن الأرض شيء صغير جداً بجوار السماء، فالملائكة حينما ينزلون، لا تسعهم هذه الأرض، ولكن الله عز وجل يبدلها أرضاً أخرى فتسع هؤلاء كلهم، فيأتي الملائكة وينزلون من عند رب العالمين سبحانه. يقول ابن عباس: فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الأولى، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة. وهذا شيء فظيع جداً وشيء مهول، فالخلق واقفون، والملائكة تنزل وتحيط بهم، والناس في فزع عظيم نسأل الله العفو والعافية، ويسأل الناس الملائكة أفيكم ربنا؟ مما يرونه من عظمة الملائكة في هذا اليوم ونزولهم من السماء، فيظنون أن فيهم الله سبحانه، ثم يأتي الله سبحانه وتعالى لفصل القضاء، نسأل الله عز وجل العفو والعافية. يقول سبحانه: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ} [الفرقان:25]، أصلها: تتشقق، فقوله: (تشَّقَّق) قراءة أبي عمرو، وأما قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء: (وَيَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّمَاءُ) بمعنى: تتشقق السماء، والمعنى: المبالغة، فالسماء يأتي أمر الله إذا بها تكشط كما يكشط الشيء من على وجه اللبن. فقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25]، يعني: تتشقق فيبدو الغمام عن الغمام، وقوله تعالى: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا} [الفرقان:25]، أي: ملائكة السماء ينزلون من السماء وأهل الأرض يسألونهم: فيكم ربنا؟ فيقولون: لا، قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:22]، فجاءت الملائكة من السماء وأتى ربنا سبحانه وتعالى، قال تعالى: {وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ} [الفرقان:25]، يعني: أنزلهم الله سبحانه وتعالى، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (وننزِلُ الملائكة تنزيلاً)، يعني: ينزلهم الله عز وجل من السماء فيحيطون بأهل الأرض.
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن)
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن) قال الله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} [الفرقان:26]، فهذا يظهر الملك الحقيقي، فالإنسان في الدنيا يقول: أنا ملك وأنا مالك، أي: أملك بيتي وأملك كذا، ويقول: أنا حاكم على الناس، فإذا أتى يوم القيامة ظهرت الحقيقة، وهي أنه لا أحد يملك شيئاً، وإنما {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان:26]، سبحانه وتعالى. وفي الدنيا كذلك الملك لله سبحانه وتعالى، ولكن جعل الناس بعضهم لبعض، وسخر بعضهم لبعض، فبعضهم يملك بعضاً، وبعضهم ملوك على البعض في الدنيا، وليس هذا على الحقيقة، فالمالِكُ والملِكُ الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، فيوم القيامة يظهر ذلك جلياً، قال: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا} [الفرقان:26]، أي: يوم القيامة {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:26]، أي: يوماً شديداً شاقاً فظيعاً، يقولون: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [27 - 29]
تفسير سورة الفرقان [27 - 29] يندم الإنسان يوم القيامة فلا توبة تنفعه ولا ندم، فقد كان في الدنيا يعرف الحق، ولكنه ضل وانحرف، وكان من أصدقاء السوء من يبعده عن طريق الحق ويشجعه على اتباع الباطل، وهذه الآيات من سورة الفرقان توضح ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:27 - 29]. في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن ندم العصاة والظلمة يوم القيامة وندم المجرمين يوم لا ينفع الندم، فالإنسان يندم في الدنيا وينفعه ندمه، ويتوب إلى الله وتقبل توبته، فإذا غرغرت نفس الإنسان وخرجت فلن تقبل له توبة، فذاك حين {لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158]. ويوم القيامة يريد الكافر أن يؤمن؛ لأنه قد رأى أمامه ما كان غيباً قبل ذلك، فلا ينفعه هذا الإيمان، وإنما ينفعه في الدنيا حين كان الإيمان بالغيب، قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، فالإيمان ينفع حين يكون الأمر غيباً، أما أن يؤمن والأمر مشاهد أمامه فلا ينفعه ذلك، فيوم القيامة يكثر الندم، قال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن:9]، يوم يرى المؤمن نفسه مقصراً فكيف بالفاجر؟ وكيف بالعاصي؟ وكيف بالكافر؟ المؤمن يقول: ضيعت من عمري أياماً كان من الممكن أن أفعل فيها طاعات فترتفع درجاتي، وآخذ بها ثواباً أكثر مما أنا فيه، وسمى الله عز وجل ذلك اليوم بيوم التغابن؛ لأن كل إنسان يرى أنه مغبون، والغبن في الدنيا: أن تشتري السلعة بأكثر من ثمنها، أو تبيع السلعة بأقل من ثمنها، فالإنسان يرى أنه اشترى الدنيا ودفع فيها الكثير، فضيع من وقته وضيع من جهده ودينه، فيوم القيامة يندم؛ لأنه اشترى هذه الدنيا ودفع فيها العمر الذي كان من الممكن أن يستغله في شيء أفضل من ذلك، كذلك يرى أنه باع الآخرة بثمن بخس قليل في الدنيا، باع آخرته بالمعاصي التي فعلها، وبشهوات ضاعت، وبلذات انقضت، وبأموال تركها لورثته، فذلك يوم التغابن، يوم يشعر فيه كل إنسان أنه غبن نفسه وخدعها، وخانته نفسه. وفي هذه السورة يخبرنا الله عز وجل عن الظالمين والمجرمين والمشركين والكفرة يوم القيامة، وذلك حين يعض الظالم على يديه، فالإنسان عندما يستشعر الندم لشيء ضيعه يعض أصبعه، كذلك النادم يوم القيامة يعض يديه، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27].
سبب نزول قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه)
سبب نزول قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه) قال المفسرون: هذه الآية نزلت في خصوص بعض المشركين، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، فلا مانع من أن نعرف هؤلاء الذين نزلت في خصوصهم هذه الآية، وإن كان كل ظالم يوم القيامة يفعل ذلك: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ} [الفرقان:27]، فالذي لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتد به ولم يدخل في دينه، يعض على يديه يوم القيامة ويقول ذلك. يقول ابن عباس وسعيد بن المسيب: إن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف، فقوله تعالى: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:28]، هي على عمومها، فكل إنسان صادق إنساناً من أهل السوء ومشى معه، وأحبه للدنيا يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة:166]، فلا صلات فيما بينهم، ولا قرابات تنفعهم، فيندم كل إنسان على ما فرط وضيع، ويقول: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:28]، قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن عقبة بن أبي معيط كان خليلاً لـ أمية بن خلف، وأمية بن خلف وأبي بن خلف أخوان، وكان الثلاثة يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم. وعقبة بن أبي معيط ابنته من المؤمنات المهاجرات رضي الله عنها، واسمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرت وحدها إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأبوها من رءوس الكفر، يقول ابن عباس: يراد بهذه الآية عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف، فأما عقبة فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عقبة في الأسارى في يوم بدر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله؛ بسبب إيذائه الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، ولو كان هذا الرجل أسلم لتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ظل على كفره فأمر بقتله صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (أأقتل دونهم؟ فقال: نعم بكفرك وعتوك)، أي: أنت كنت كافراً شديد الإفساد وشديد العتو، فقال عقبة: من للصبية؟ قال: (النار)، فقتله علي رضي الله تبارك وتعالى عنه.
مقتل أمية بن خلف في غزوة بدر
مقتل أمية بن خلف في غزوة بدر وأما خليله أمية بن خلف فقتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيها قصة يرويها الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: انطلق سعداً بن معاذ معتمراً فنزل على أمية بن خلف وكنيته: أبو صفوان، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد، إذ كانا صديقين أي: أن سعد بن معاذ كان صديقاً لـ أمية بن خلف، وأمية هذا كافر في مكة، وذاك أسلم وهو في المدينة رضي الله عنه، فكان سعد إذا راح إلى هنالك يطوف بالكعبة ينزل على أمية بن خلف، وكان أمية كذلك إذا جاء المدينة نزل على سعد، فلما نزل سعد في مكة قال أمية: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، وذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وإيواء الأنصار له، وكان على رأس الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان يحبه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء هم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروه، وكونه يذهب إلى مكة فإن أهل مكة يعرفون أن هذا سعد بن معاذ الذي آوى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ستحصل مشاكل هنالك. لذلك نزل على أمية بن خلف صديقه، فـ أمية بن خلف قال: انتظر لا تطف حتى ينتصف النهار، فلما انتصف النهار أخذ يطوف، فبينما هو يطوف إذا بـ أبي جهل لعنة الله عليه يقول: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد، فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمناً وقد آويت محمداً -صلوات الله وسلامه عليه-؟ فقال له: نعم أطوف آمناً بالبيت وقد آويناً محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وكان شجاعاً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فتلاحيا بينهم، يعني: كل واحد شتم الثاني، أبو جهل شتمه، وهو رد عليه الشتمة، ولاحظ أنه وحده رضي الله عنه وأبو جهل في وسط الناس وفي وسط الكفرة الذين يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج أمية وقال لـ سعد: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، فقال سعد: والله لإن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، وقد قال الله سبحانه يمن على قريش: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش:1 - 2]، أي: يذهبون إلى الشام فيتاجرون، ويذهبون إلى اليمن فيتاجرون، فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فقال له: دعنا عنك، فإني سمعت محمداً صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، وكلمة يزعم هنا بمعنى: يقول وليس معناه: أنه ظن أو كذب، فقال أمية: أنت سمعت هذا من محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: نعم، فقد كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين، فمهما كذب هؤلاء الملاعين النبي صلى الله عليه وسلم فإنه في قرارة أنفسهم أنه صادق؛ ولذلك قال ربنا سبحانه: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]، لذلك لما قال سعد لـ أمية: إن النبي صلى الله عليه وسلم زعم أنه قاتلك، قال: أنت سمعت هذا من محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، فقال أمية: والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ فقالت: وما قال؟ قال: زعم أن محمداً يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهي كافرة وزوجها كافر، وهم الذين يقولون عنه كاذب، ويكذبونه عليه الصلاة والسلام، ولكن بينهم وبين أنفسهم هو ليس بكذاب، بل هو صادق صلى الله عليه وسلم، فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ في يوم فنادوا: تعالوا نقاتل محمداً ومن معه عليه الصلاة والسلام، فقالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فقال: نعم، فأراد ألا يخرج؛ لأنه خاف من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله، وقدر الله سبحانه وتعالى أن يلقاه أبو جهل ويقول له: إنك من أشراف الوادي، فاخرج معنا يوماً أو يومين، فسار معه حتى كانت نهايته بعد ذلك، وكان من المحفزين له على الخروج عقبة بن أبي معيط، ذلك الملعون الذي قال له: اخرج، وأتى بجمرة فيها بخور ووضعها أمامه وقال: اقعد إنما أنت مع النساء، فقال أمية: قبحك الله وأخذته العصبية وخرج معهم حتى يقتل هنالك. ويخبر عبد الرحمن بن عوف فيما رواه البخاري أنه كان بينه وبين أمية مكاتبة قال: كتب أمية بن خلف بأن يحفظني في ضيعتي بمكة وأحفظه في ضيعتي في المدينة، فلما جاء يوم بدر وخرج أمية بن خلف، وقد حضر لنفسه أجود بعير في مكة ليهرب منه صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء إلى بدر أراد أن يهرب، وحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحميه، فإذا بـ بلال رضي الله عنه يراه، وقد كان أمية يعذب بلالاً رضي الله عنه، فقال: أمية بن خلف رأس الكفر لا نجوت إن نجا، فنادى الأنصار فحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحمي أمية فلم يستطع، وكان مع أمية ابنه علي بن أمية بن خلف، فقال عبد الرحمن بن عوف: فشغلتهم بابنه فقتلوه، وجاء من وراءه أمية حتى لا يقتلوه، قال عبد الرحمن بن عوف: فقلت له: ابرك ونم على الأرض، ونام فوقه عبد الرحمن بن عوف يريد أن يحميه، فإذا به تتناوشه السيوف من تحت عبد الرحمن بن عوف وجرحوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقتلوا رأس الكفر أمية بن خلف وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله
أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وأما عقبة بن أبي معيط خليل أمية فله قصة أخرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في إساءته إليه، روى البخاري من حديث عمرو بن العاص وقد سأله عروة عن أشد ما آذى الكفار النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله. أيضاً: جاء أن ابن أبي معيط وأبي بن خلف التقيا، وكان عقبة خليلاً لـ أبي بن خلف، وقد كان أبي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكاد يسلم، فصنع وليمة ودعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيها؛ لأنه كافر، فقال: أريد أن أسلم، فلما قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إذا بـ عقبة بن أبي معيط يلومه ويقول له: لم تبق بيني وبينك مودة ولا محبة حتى تذهب إليه وتشتمه وترد عليه الذي قال. وذكر في رواية أخرى أنه أمره أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يدخل عليه ويشتمه، فلما كان يوم بدر أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، بسبب أفعاله الشنيعة التي استحق بها أن يقتل وألا يعفى عنه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً فقتله.
مقتل أبي بن خلف على يد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد
مقتل أبي بن خلف على يد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وقد كان أبي بن خلف يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبياً بن خلف يقول ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (بل أنا قاتله إن شاء الله)، وقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة عليه الصلاة والسلام، أما أخوه أمية فقتله الأنصار الذين كانوا مع بلال رضي الله عنه، وانطلق أبي للنبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يلتمس غفلة من النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه، وكان ذلك يوم أحد، فإذا بالمسلمين يحولون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه)، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رمحاً لا نصل له فرماه بها، فنزلت من تحت درعه في رقبته فخنقته، ورجع وقد خدش منه خدشاً صغيراً، فرجع إلى قومه وحملوه، وقال: قتلني محمد، فضحكوا منه فقال: بل قتلني محمد -صلى الله عليه وسلم- ووالله لو تفل علي لقتلني، وفعلاً قتل بهذه الضربة من النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: فلم يخرج كثير دم، واحتقن الدم في جوفه فجعل يخور كما يخور الثور فأقبل أصحابه حتى احتملوه، ونزلت فيه هذه الآية، وهي قول الله سبحانه: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، نزلت في عقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبي بن خلف، ومن كان على شاكلتهم ممن عصى الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه على دينه، يقول هذا الظالم: {يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا} [الفرقان:28]. أما القراءات في هذه الآية: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ} [الفرقان:27]، فهذه قراءة الجمهور بإظهار الذال، وهي قراءة يعقوب وابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب، فإنهم يقرءون: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} [الفرقان:27]، أما بقية القراء فيقرءونها: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذتُّ)، بإدغام الذال في التاء، فتقرأ تاء فقط. وقوله تعالى: {يَا وَيْلَتَا} [الفرقان:28]، وقفاً ووصلاً، والجمهور يقرءونها كذلك: {يَا وَيْلَتَا} [الفرقان:28]، ويقرأ رويس وقفاً فيها: (يا ويلتاه)، يعني: كأن الواو للندب هنا، فهو يندب حظه ويندب على نفسه، وأصلها: (يا ويلي) للويل، والويل: الهلاك والموت، وكأنه ينادي: يا هلاك احضر! تعال خذني لأموت، فعندما يدعو الإنسان على نفسه يقول: (يا ويلي) معناها: يا هلاكي احضر! ولا موت يوم القيامة. وكل إنسان كان له خليل يدعوه إلى السوء يوم القيامة يتبرأ منه ويقول: يا ليتني ما صادقتك؛ ولذلك على المؤمن أن يحذر من رفقاء السوء.
تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني)
تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) يقول الله عز وجل هنا عن هذا الإنسان حاكياً قوله: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ} [الفرقان:29]، أي: لقد أضلني عن كتاب الله، وعن ذكر الله، وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ جاءني هذا الذكر، وجاءتني التذكرة، وجاءتني الموعظة، فأضلني وأبعدني عن دين رب العالمين سبحانه، فقوله: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ} [الفرقان:29]، أي: رماني في الضلال بعد أن جاءني الذكر، يقول الله عز وجل: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:29]، فالشيطان ضحك على الإنسان في الدنيا، وخدعه وخذله يوم القيامة وتبرأ منه، قال تعالى: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم:22]، أي: أنتم أشركتموني، ولكن أنا كافر بشرككم، فتبرأ الشيطان منهم يوم القيامة، والمسلم ينظر في هذه الآيات، فيعتبر بما يكون يوم القيامة، ويعمل من الآن، فيعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً، ويطيع الله ويطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويفارق رفقاء السوء، فإنهم يضرونه ولا ينفعونه وقت الحاجة إليهم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [30 - 33]
تفسير سورة الفرقان [30 - 33] صورة بلاغية حقيقية يصورها القرآن الكريم قبل مجيء يوم القيامة، وهي موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أمته يوم القيامة، حيث إنه يشتكي إلى الله من بعض أمته الذين هجروا القرآن فلم يتلوه ولم يعملوا به، ولم يتحاكموا إليه، ولكن الله جعل لكل نبي عدواً من المجرمين، فهي سنة الله الكونية التي لا تتبدل، فإنزال القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم له حكمة في كيفية نزوله، وبعد نزوله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)
تفسير قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان:30 - 33]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات كيف يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ويشكو إلى ربه سبحانه وتعالى إعراض قومه، واتخاذهم هذا القرآن مهجوراً. {وَقَالَ الرَّسُولُ} [الفرقان:30]، أي: يوم القيامة، أو أنه في الدنيا يشكو إلى ربه ما حصل، والجزاء يكون يوم القيامة، يقول: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، أي: هجروا القرآن فجعلوه كالبيت المهجور، والبيت إما أن يكون معموراً وإما أن يكون مهجوراً، والبلد والمكان والموطن والموضع إما أن يكون هذا كله معموراً أو مهجوراً، وكذلك هؤلاء مع القرآن: إما أن يعمروا قلوبهم بذكر الله عز وجل، وبحفظ كتابه سبحانه، وبكثرة قراءة القرآن والعمل به، فيعمرون ديارهم وبيوتهم وقلوبهم بهذا القرآن العظيم الذي فيه شرع رب العالمين، وإما أن يتركوه فلا يعملون به، فإذا تركوه وراءهم كذبوه ورفضوا أن يعملوا به، وعصوا الله سبحانه وتعالى فقد هجروا هذا القرآن، ومن أشد الناس جرماً من يحفظ كتاب الله ثم لا يعمل به، أو يحفظ القرآن ثم ينساه، فهذا من أشد الناس جرماً، وداخل تحت هذه الآية، والعبرة بعمومها، فالذين اتخذوا هذا القرآن مهجوراً هم المجرمون والفجار والعصاة، والإنسان الذي لا يقبل على قراءة القرآن من المسلمين فقد اتخذه مهجوراً، والذي يعلم الأحكام الشرعية الموجودة فيه ثم لا يعمل بها فقد اتخذه مهجوراً، والذي يحفظ القرآن ثم يتناساه أو يتغافل عنه حتى يتفلت من صدره فقد اتخذه مهجوراً، فيأتي الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاكياً إلى ربه أن قومه اتخذوا هذا القرآن مهجوراً. قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، هذه قراءة الكوفيين وابن عامر أيضاً، ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وروح عن يعقوب: (إن قوميَ اتخذوا هذا القرآن مهجوراً) بالفتح. ولفظ (القرآن) يقرؤها جمهور القراء بالهمزة، ويقرؤها ابن كثير المكي بدون همزة (القران). قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، أي: هجروا هذا القرآن، فكأنهم عرفوا ما فيه ثم تركوه بعد ذلك، فاتخذوه كالشيء الخرب الذي يهجر.
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين)
تفسير قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المجرمين) قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً} [الفرقان:31]، (ذلك) اسم إشارة، (وكذلك) تشبيه بالمشار إليه، أي: كذلك جعلنا قبلك كمثل هؤلاء، فجعلنا مع كل نبي أعداء، وجعلنا لكل نبي مجرمين يعادونه، ويتركون ما جاءهم به من شريعة. فإذاً: الذي فعل بك ليس شيئاً جديداً، بل إن سنة الأنبياء من قبلك والرسل عليهم الصلاة والسلام أن قومهم يكذبونهم، ويتخذون ما جاءهم من عند ربهم مهجوراً، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ} [الفرقان:31]، والنبي أعم من الرسول، فالأنبياء كثيرون، والرسل هم الأقل، فإذا قال: (لكل نبي)، فيدخل فيه الرسل كذلك، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ} [الفرقان:31]، كل القراء يقرءونها (نبي) ما عدا نافع، فإنه يقرؤها (نبيء) بالهمز. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ} [الفرقان:31]، فالله يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد سبحانه وتعالى، وكان قادراً على أن يلهم الناس بأن يوحدوا الله سبحانه، وأن يصدقوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ولكن مشيئة الله قضت أن يوجد المصدق والمكذب، شاء الله عز وجل ذلك، وقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]، فالله هو الذي يهدي، وكذلك الله هو الذي يضل، قال تعالى: {فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم:4] سبحانه وتعالى. قوله: {وَكَفَى بِرَبِّكَ} [الفرقان:31]، يكفي أن الله عز وجل هو الذي يقدر وحده على أن يهدي هؤلاء، وعلى أن يضلهم، وعلى أن ينصرك ويخذل أعداءك {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31]، والمعنى: لا تبالي بعداوة من يعاديك، فإنهم لا يملكون لك شيئاً، وإن الله ناصرك، وقد وعده سبحانه وصدق في وعده، فقال: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، فعصمه ربه سبحانه وتعالى حتى بلغ هذه الرسالة العظيمة. فإذاً: الإنسان المؤمن عندما يتلو هذه الآية: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، يخاف على نفسه أن يدخل تحت هؤلاء، وأن يكون قد هجر كتاب رب العالمين، لذلك لا بد من متابعة قراءة القرآن، وحفظ القرآن ليل نهار، فيراجع ما حفظه من القرآن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن: (إنه أشد تفلتاً من البعير في عقالها)، فالجمل يتفلت بسرعة إن لم يربطه صاحبه بالعقل، وكذلك هذا القرآن العزيز، فأنت تحتاج إليه وهو ليس محتاجاً إليك، فالله عز وجل يقول: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت:41]، فتأمل هذه اللفظة العظيمة التي وصف بها نفسه سبحانه الله العزيز الغالب القاهر فوق عباده الذي لا يغالب، والذي لا يمانع، فلم يقدر أحد أن يمنع شيئاً يريده الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:2]، فهو العزيز سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يريد، ويحكم ما يشاء سبحانه وتعالى، وكتابه كتاب عزيز منيع الجانب، لا يقدر أحد على أن يحرف كتاب رب العالمين، وقد حاول الكفار طيلة ألف وأربعمائة سنة أن يحرفوا أو يبدلوا، أو يزعزعوا ويذبذبوا المؤمنين في كتاب ربهم فما قدروا على ذلك، وما استطاعوا إليه سبيلاً. فالقرآن كتاب عزيز، فهو كتاب رب العالمين، المؤمن يحفظه، والله عز وجل يكون معه، ويملأ قلبه نوراً، والإنسان الذي تركه وهجره فإنه يجد ظلمة في قلبه، ويجد نفسه قريبة من المعاصي؛ فيضيع نفسه بترك هذا النور العظيم من عند رب العالمين؛ لذلك احرص على كتاب ربك سبحانه، فكتاب الله فيه الشريعة العظيمة، وفيه الهدى والنور، من تمسك به فإن نهايته إلى الجنة، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله وراءه ساقه إلى النار)، القرآن شافع عظيم يشفع للعبد يوم القيامة، وماحل مصدق، فيأتي ليجادل أشد الجدل عند الله سبحانه وتعالى عن صاحبه الذي عمل به حتى يأمر الله عز وجل بصاحبه إلى الجنة. ولا يزال يجادل ويدافع كالمحامي الشديد الدفاع عن موكله، وكذلك القرآن يوم القيامة يدافع عن صاحبه أشد المدافعة، حتى ينزع صاحبه. فهذا القرآن ماحل مجادل عظيم الجدل عن صاحبه، مدافع عظيم الدفاع عن صاحبه يوم القيامة، فهو ماحل مصدق، والذي يدافع في الدنيا قد يصدق وقد يكذب، لكن القرآن كتاب رب العالمين لا يوجد كلام غير هذا مصدق يوم القيامة للدفاع عن صاحبه. والإنسان الذي يجعل القرآن إمامه يقوده إلى الجنة، والقائد دائماً في الأمام، فالذي يجعل القرآن أمامه فإنه يأخذ بيده، ويقوده إلى الجنة حتى يدخلها، فمن جعله وراءه كأنه جعله سائقاً وراءه يدفعه إلى النار والعياذ بالله! لذلك اجعل القرآن دائماً نصب عينيك، واحفظ كتاب الله، وتدبر ما فيه، كما قال ربنا: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد:24]، {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء:82]، فالقرآن كتاب من عند رب العالمين، طرفه بيد الله سبحانه، وطرفه الآخر بيدك أنت، فتمسك بهذا القرآن ليقودك إلى ربك، إلى جنة الله كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه. لذلك احرصوا على حفظ القرآن قبل تعلم الفقه والعقيدة والأصول، احفظ كتاب رب العالمين سبحانه، فهذا شيء عظيم جداً، فالقرآن كل حرف منه بعشر حسنات، وكل كلمة من هذا القرآن فيها أجر عظيم، وكل آية يرفعك الله عز وجل بها درجة يوم القيامة، فتكون فوق كثير من خلق الله عز وجل يوم القيامة. القرآن إذا حفظه الإنسان يحلى والداه بتاج الإيمان يوم القيامة، وتاج الوقار، يحليان من حلي الجنة، تاج لا يقوم لنوره أحد، فكيف بصاحب القرآن يوم القيامة؟! فاحرصوا عليه ولا تتخذوه وراءكم مهجوراً: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، هجروه فلم ينظروا فيه، ولم يتأملوه، وحاجوا النبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يبطلوا ما جاء من عند رب العالمين. فإذاً: كفروا وكذبوا به، ثم الهجر بعد ذلك بحسبه، فهجر الإنسان العاصي يكون بترك أحكام الله عز وجل، وهجر الإنسان المسلم لكتاب ربه ألا يواظب على حفظه، وإذا حفظ منه شيئاً نسي هذا الذي يحفظه، ولا يحاول أن يراجع ما يحفظه من كتاب الله، فتكون المصاحف في البيوت معلقة للزينة، ويتركها الإنسان لا يحفظ منها شيئاً ولا يعمل بها.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32]، الكفار يتعجبون ويعجب بعضهم بعضاً، فيقولون: {لَوْلا نُزِّلَ} [الفرقان:32]، أي: هلا نزل القرآن هذا كله مرة واحدة؟! لماذا ينزل آية آية وسورة سورة؟ {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ} [الفرقان:32]، أي: على النبي صلى الله عليه وسلم: {الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32]. الجواب من عند رب العالمين سبحانه حيث قال: {كَذَلِكَ} [الفرقان:32]، أي: فعلنا ذلك: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، هذا فيه التثبيت لك. تخيل لو أن القرآن نزل مرة واحدة وفيه الناسخ والمنسوخ، كيف يأمرهم صلى الله عليه وسلم بالشيء الذي يعرفون أنه سينسخ بعد ذلك؟! فلعلهم لا يعملون به، وكيف يأتي الأمر أن هذا الغذاء الذي يخلق الله عز وجل منه سكراً ورزقاً حسناً؟! الناس يأكلون ويشربون وبعد ذلك يحرم عليهم الخمور، كيف يأتي هذا مع ذاك؟ فهؤلاء قالوا: إن موسى عليه الصلاة والسلام نزلت عليه التوراة مرة واحدة، والمسيح عليه الصلاة والسلام جاءه الإنجيل مرة واحدة، فلماذا لم ينزل عليك القرآن مرة واحدة؟! فيجيب الله سبحانه وتعالى عن ذلك، بأنه لو نزل هذا القرآن مرة واحدة لما كان فيه التثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم. قال: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، يعني: نزلناه منجماً آية آية، وسورة سورة، وآيات من سورة وآيات من سورة أخرى لنثبت به فؤادك، والكفار يأتون فيسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فتنزل الآيات من عند رب العالمين تجيبهم، فيثبت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ويطمئن قلبه بذلك، فإذاً: الله حكيم سبحانه وتعالى، تستجد لهم الحادثة من الحوادث فينزل حكم رب العالمين فيها، ويأتي عليهم شيء في القتال مع الكفار، فينزل عليهم من كتاب رب العالمين، كيف أنه ثبته في هذه الغزوة، وكيف أنه: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11]، فينزل ما يوافق كل حادثة ما يناسبها من آيات من كتاب رب العالمين سبحانه؛ تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك تثبيتاً للمؤمنين، قال سبحانه: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} [الفرقان:32]، أي: قلبك {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32]، أي: نزلنا هذا القرآن منجماً ومفصلاً من عند رب العالمين، ويأتي التوكيل بمعنى القراءة، أي: قرأه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بقراءة مرتلة رتيبة منتظمة، يطمئن بها قلب النبي صلى الله عليه وسلم، ويعيها قلبه ولبه وعقله عليه الصلاة والسلام، ويحفظ ذلك. كذلك قال ابن عباس: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32]، أنها بمعنى: رسلناه ترسيلاً، يعني: نزلناه مفرقاً، فالترتيل يأتي بمعنى القراءة، والمعنى: أن جبريل قرأه على النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي بمعنى: الترسيل، والمعنى الأول هو الأشهر، والمعنى الثاني كأن تقول لشخص: على رسلك، يعني: على مهلك، فكذلك نزلنا هذا القرآن شيئاً فشيئاً، وتلوناه عليك ترتيلاً، يعني: قرأه جبريل متمهلاً متأنياً حتى تتقن وتحفظ منه ذلك، ولذلك كان القرآن عندما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعجل في حفظه عليه الصلاة والسلام، ويحرك لسانه بسرعة حتى يحفظ هذا الذي يقوله جبريل عليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك نزل القرآن من عند ربه سبحانه يقول له: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:16 - 19]. فربنا العظيم سبحانه وتعالى يعلم النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم المؤمنين كيف يتعلمون العلم الشرعي، ويعلم الإنسان كيف يتعلم ويحفظ، فقال له سبحانه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة:16]، لماذا تعجل؟ افهم أولاً وتأنى وأعد ما نقوله لك ونحن سنثبته في قلبك، كذلك حين يسمع العلم لا يذهب يتكلم وهو يسمع، فلن يعقل هذا الذي يقول، ولكن يتفهم ويتدبر بقلبه وعقله، ويسمع حتى يفهم ذلك ويكون من الله عز وجل التحفيظ بعد ذلك، قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:18]، تتبع ما يقوله متفهماً متأنياً متأملاً واعياً، (ثم إن علينا بيانه) فنحن نعلمك، و (إن) أداة النصب والتحقيق، ومعناه: يقيناً نبين لك ذلك ونعلمك: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} [القيامة:19]، وليس على غيرنا، بل نحن الذين سنعلمك ونفهمك ذلك، فعلينا البيان: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19]. ثم يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]. فالقرآن كثير ضرب المثال، ويحتاج إلى أمثلة ليفهم الإنسان، فالذي يجادل يضرب المثل، والكفار يضربون الأمثال للنبي صلى الله عليه وسلم، ويكذبون ويضلون ويضلون، لكن الله عز وجل يضرب الأمثلة الحقة، يقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]، فيضرب لك المثل بالبعوضة، وهذه الذبابة لو اجتمعتم على أن تخلقوا مثلها لم تقدروا، ولو يجتمع الناس فيحاولون على أن يخلقوا ذبابة لما استطاعوا إلى ذلك، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، ثم يتحداهم ربنا سبحانه وتعالى بالذبابة نفسها قال تعالى: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، فالذبابة عندما تأخذ من الشخص شيئاً لا يستطيع أن يأخذه منها، والإنسان ضعيف ولكن الذبابة أضعف منه، قال تعالى: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، فالمؤمن يصدق كلام رب العالمين، والكافر ينظر ثم يجرب هذا الأمر، فيأتي الكفار ينظرون إلى الذبابة إذا وقفت على قطعة سكر وأخذت منه قتلوها، ثم نظروا أين ذهب هذا السكر، فلا يجدون، الذبابة حللت السكر وأصبح شيئاً آخر، يقول الله عز وجل: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73]، هذا المثال الحق من رب العالمين، والقرآن كله حق من رب العالمين. والكفار يضربون الأمثلة للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: لم تكن ملكاً مثل قيصر وكسرى! لماذا لم يكن لك بيت من ذهب مثلاً؟ لماذا لا تكون لك حقول وبهائم وأنعام وجنات؟! فالله عز وجل يعجبه: (انظر كيف ضربوا لك الأمثال)، بدلاً من أن ينظروا ويتأملوا في كتاب رب العالمين، وهذه الآيات العظيمة يقولون: نريد جنة وبساتين وأنهاراً، ماذا يفعل بالبستان؟ جنة رب العالمين أعظم، أما ما طلبوه في الدنيا فهذا شيء يزول، ولو جاءهم من عند رب العالمين فكذبوه لكان العذاب بعده مباشرة، ولكن رحمة الله سبحانه أن يؤخر هؤلاء لعلهم يسلمون مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، لذلك يقول: {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان:33]، من هذه الأمثلة الكاذبة الباطلة التي يقولونها، فنحن نجيؤك بما هو أفضل من ذلك بالحق من عند رب العالمين، وأحسن تفسيراً، فقد جئناك بالحق من الأمثلة من عندنا، وجئناك بالحق من كتاب رب العالمين، وما هو أحسن تفسيراً وتأويلاً ونظراً وفهماً من كتاب رب العالمين. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يتدبرون كتابه كما يريد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [34 - 40]
تفسير سورة الفرقان [34 - 40] يحشر الله الكافرين إلى جهنم على وجوههم يوم القيامة، فهم شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل، ويحشر المؤمنين إلى الجنة، فهم في خير مكان وأحسن مقيل، وقد أشار الله سبحانه في سورة الفرقان إلى الأمم السابقة وتكذيبهم لأنبيائهم وإهلاكه سبحانه لهم.
تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم)
تفسير قوله تعالى: (الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان:34 - 39]، {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان:20]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من سورة الفرقان عن قوم يحشرهم الله يوم القيامة على وجوههم، وهم الكفار الذين كذبوا بآيات الله سبحانه وكفروا بلقائه، فأخبر أن حشرهم يوم القيامة يكون كذلك: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ} [الفرقان:34]. فالإنسان يوم القيامة يبعثه الله عز وجل من قبره ويحشره إلى يوم القيامة، ويجمع الله عز وجل الخلق كلهم فيقفون في صعيد واحد، فإذا انتهى الحساب، يساق أهل النار إلى النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، فأهل النار يدخلون النار على هذا الحال والعياذ بالله، إذ يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فيدفعون ويكبون على وجوههم، فيتقون النار بوجوههم والعياذ بالله. جاء في حديث الصحيحين من حديث أنس بن مالك: أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله! يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) بلى، فالله على كل شيء قدير. فالإنسان في الدنيا يتقي الأشياء بكفه، وسمي الكف كفاً؛ لأنه يكف بها عن نفسه، أي: يدفع بها عن نفسه، فعندما يسقط يتكئ بيده، وعندما ترميه بحجر يتقيها ويكفها بيده، أما في نار جنهم فلا يقدر على ذلك، وإنما يكف عن نفسه بوجهه، فيمشي في نار جهنم وبدلاً من المشي على رجليه يزحف على وجهه، والله على كل شيء قدير، فهؤلاء الكفار الذين كذبوا في الدنيا، وأعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وجادلوا بالباطل، هذا مصيرهم يوم القيامة، فهم يحشرون على وجوههم إلى جهنم، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} [المائدة:60]، يعني: هذا المكان الذي هم فيه هو شر مكان، فهو المكان الرديء الخبيث، وهو المكان الذي يستحقونه: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]. وإذا كان هؤلاء شر مكاناً فإن أهل الجنة هم خير مكاناً، فإن الله عز وجل يكرمهم ويحشرهم إلى الجنة ركوباً أو مشياً، أو كما يشاء الله سبحانه وتعالى، فيدخلهم جنته بفضله وبرحمته، أما أهل النار فإن الله يقول فيهم: {أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:60]. فهم شر في المكان وأضل عن السبيل، أي: ابتعدوا عن الطريق الحق، ولم يمشوا في طريق الهدى، فتاهوا وضلوا، وكذلك أضلهم الله عز وجل عن طريق الجنة، فإذا بهم يدخلون النار، فهم أضل عن السبيل في الدنيا، وأضل يوم القيامة، فيضلون طريقهم فيذهبون إلى النار.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فدمرناهم تدميرا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فدمرناهم تدميراً) ثم يخبرنا ربنا سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:35 - 36]. هذه السورة من السور المكية، ففي السور المكية خصائص معروفة منها: تقرير أمر العقيدة، وتقرير أمر توحيد الله سبحانه وتعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالجنة والإيمان بالنار، وذكر أهل الجنة وذكر أهل النار، كذلك يقص على نبينا صلى الله عليه وسلم في السور المكية قصص المرسلين عليهم الصلاة والسلام وتكذيب أقوامهم لهم، إما بإطالة واستفاضة، وإما باختصار وتفصيل، فهنا يذكر الله عز وجل إشارات إلى ذلك، فإنك لست وحدك الذي أوذيت في الله سبحانه أو الذي كذبك قومك، بل من قبلك موسى وغيره عليهم الصلاة والسلام، قد كذبهم أقوامهم. قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الفرقان:35]، أي: المعهود المعروف وهو التوراة، وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان:35]، أي: جعلنا له معيناً أخاه هارون، دعا موسى ربه سبحانه أن يشد أزره بأخيه، ويجعله معه وزيراً، فاستجاب الله سبحانه وتعالى، لما قال: {هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:30 - 36]، فاستجاب له ربه سبحانه، وجعل معه أخاه هارون وزيراً. قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} [الفرقان:35]، أي: التوراة؛ وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا} [الفرقان:35]، والوزير بمعنى: المعين والمساعد، أي: فجعلناه معه معيناً ومساعداً يحمل معه أثقال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: {فَقُلْنَا اذْهَبَا} [الفرقان:36]، يأمر الله موسى وهارون: {اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} [الفرقان:36]، أي: اذهبا إلى فرعون وملئه، قال: {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36]. واختصر القصة جداً هنا في هذه السورة، إشارة فقط إلى أنك إذا كذبك قومك، فليس هذا بجديد، بل هم ينتظرون ما جاء لفرعون وجنوده من عند رب العالمين سبحانه، فقد كذبوا فدمرناهم، وكذلك هؤلاء، إن كذبوا وأعرضوا فنحن نفعل بهم ذلك، أو يرحم سبحانه وتعالى ويفعل ما يشاء، قال: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان:36]، أي: إلى هؤلاء القوم فدعوهم إلى الله سبحانه، فلما كذبوا الرسل دمرناهم تدميراً، وعرفنا كيف أن الله سبحانه أغرق فرعون وجنوده في اليم فكان تدميرهم بإغراقهم وإهلاكهم، فرعون وقول: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]، فلم ينفعه إيمانه في وقت غرقه هو ومن معه.
تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم)
تفسير قوله تعالى: (وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم) ومن قبل ذلك أول المكذبين قوم نوح، فقد كذبوا الرسل، قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} [الفرقان:37]. فذكر الله أول من أهلك الله عز وجل، وآخر من أهلك الله سبحانه وتعالى قبل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكان قوم موسى الذين كذبوا، فأغرق الله عز وجل فرعون وجنوده، ومن قبل ذلك أول من أهلك الله سبحانه وتعالى من القرون قوم نوح، قال: {وَقَوْمَ نُوحٍ} [الفرقان:37]، يعني: واذكر قوم نوح {لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُل} [الفرقان:37]، مع أن رسولهم نوح فقط، الذي جاءهم من عند رب العالمين سبحانه، فدعاهم إلى الله ليل نهار، والذي يكذب رسولاً واحدا فمعناه: أنه مكذب لجميع الرسل، فإن دعوة الرسل دعوة واحدة إلى رب العالمين سبحانه، فهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويدعون إلى الإيمان بالله سبحانه، ويأخذون على الأقوام العهود والمواثيق، آمنوا بالله سبحانه، فإن جاءكم رسول مصدقٌ لما معكم فآمنوا بهذا الرسول، فالإيمان بالله عز وجل مقتضاه: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره، فإذا كذب الإنسان رسولاً واحداً فقد كذب بالرسالة، وكذب بكل ذلك، فلذلك جعلهم الله عز وجل مكذبين لجميع رسله، قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُل} [الفرقان:37]، وقد قام فيهم نوح عليه الصلاة السلام ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله عز وجل، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا} [نوح:5]، أي: بالليل يدعوهم، وبالنهار يدعوهم، وبالسر يدعوهم، وبالجهر يدعوهم، وأمام الناس يدعوهم، وفي الخفاء يدعوهم، وهم لا يستجيبون لله سبحانه وتعالى، فاستحقوا أن يغرقهم الله سبحانه، فكأن ذكر فرعون وذكر قوم نوح المقصود منه: بيان الإغراق، فقد أغرق الله عز وجل قوم نوح وأغرق قوم فرعون، فجاء العذاب من عند رب العالمين على صورة واحدة، وإن كان هذا الإغراق لقوم نوح إغراقاً عاماً، فالإغراق لفرعون وجنوده كان خاصاً، أما قوم نوح فقد أمر الله عز وجل الأرض أن يخرج منها الماء، وأمر السماء أن ينزل منها الماء، فأغرق من على وجه الأرض، إلا من كان في السفينة مع نوح، أما فرعون فقد أغرقه الله عز وجل وجنوده في اليم كما عرفتم في قصته، قال تعالى: {أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} [الفرقان:37]، أي: جعلناهم عظة وعبرة للناس وللخلق جميعهم، فقوم نوح أغرقوا جميعهم، ولم يعش بعدهم إلا المؤمنون فقط، فالكفار جميعهم أهلكهم الله سبحانه، والمؤمنون يحدثون الذين من بعدهم، أنهم كانوا قوماً كافرين أغرقهم الله سبحانه وتعالى، فأخبروا عن ذلك إخبار صدق، فقد أخبر الله عز وجل، وأخبر نبيهم عليه الصلاة السلام، وأخبر بذلك المؤمنون، فكانت عبرة وعظة للخلق جميعهم. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ} [الفرقان:37]، أي: لجميع الناس {آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان:37]، أي: فقد جهز الله عز وجل وأعد لهم العذاب الشديد.
تفسير قوله تعالى: وعادا وثمود وأصحاب الرس)
تفسير قوله تعالى: وعاداً وثمود وأصحاب الرس) وهنا يذكر لنا عاداً وثمود: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38]. يذكر الله عز وجل إشارات في هذه السورة، فنحن نرى أنه في سورة الأعراف مثلاً وفي سورة هود يطيل في ذكر قصصهم، وهنا يشير إشارات إلى هؤلاء، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قد كذب قوم نوح فأهلكناهم، وكذب قوم موسى فأهلكناهم، وكذبت عاد فأهلكناهم، وكذبت ثمود فأهلكناهم، وكذب أصحاب الرس فأهلكناهم، وهؤلاء جميعهم يذكرهم الله سبحانه وتعالى مطمئناً للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادرٌ على أن يهلك هؤلاء أيضاً إذا أصروا على عنادهم وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان:38]، وثمود يجوز فيها الصرف، ويجوز عدم الصرف فيها؛ فلذلك تقرأ بقراءتين هنا: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان:38]. والقراءة الأخرى: (وَعَادًا وَثَمُودَّاً وَأَصْحَابَ الرَّسِّ)، بالنصب فيها والتنوين. فقراءة حفص عن عاصم وحمزة ويعقوب أيضاً: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان:38]، وباقي القراء يقرءون: ((وَعَادًا وثموداً وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا)). فعادٌ أرسل الله عز وجل إليهم هوداً، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:65]. ثم ذكرهم بنعم الله عز وجل عليهم، وقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:128 - 129]. وذكرهم بنعم الله عز وجل عليهم وقال لهم: إن الله عز وجل قد {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:133 - 135]، ومع ذلك لم يصدقوا، بل كذبوا رسولهم عليه الصلاة السلام، فجاء العذاب من عند رب العالمين فأهلكهم الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَثَمُودَ} [الفرقان:38]، أي: قوم صالح، فعاد كانوا في جنوب الجزيرة، يبنهم وبين اليمن، وثمود في شمال الجزيرة بينهم وبين الشام، ففي رحلة الشتاء والصيف يذهبون إلى اليمن ويذهبون إلى الشام، ويمرون على ديار ثمود، ويمرون على قوم عاد، فيعرفون هؤلاء، ويعرفون كيف أهلكهم الله سبحانه. فقوم صالح الذين كذبوا صالحاً عليه الصلاة والسلام، دعاهم إلى الله، وتنطعوا وطلبوا آية يرونها أمامهم، وكانت الآية التي أرادوها ناقة تخرج من الجبل، فانشق الجبل وخرجت منه ناقة، والناقة معها فصيلها، وآتاهم الله عز وجل هذه الآية، بعد أن أخذ منهم العهود والمواثيق أنهم إن جاءتهم الآية يؤمنون بها، فلما رأوا الآية كادوا يؤمنون، ولكن كاد القوم بعضهم لبعض فإذا بهم يكفرون ويجحدون ويعقرون الناقة، فجاء العذاب من عند رب العالمين سبحانه، فأهلك الجميع بعدما أهلكوا الناقة، وأرادوا قتل نبيهم عليه الصلاة والسلام، فجاءهم العذاب كما عرفنا. وقوله تعالى: {وَأَصْحَابَ الرَّسِّ} [الفرقان:38]، هم قوم من الأقوام ذكرهم الله عز وجل بهذه الإشارة: أصحاب الرس، وقد ذكر كثير من المفسرين أن أصحاب الرس بمعنى: البئر، فقالوا: هم قوم أرسل الله عز وجل إليهم نبياً فدعاهم إليه، فكذبوه وأخذوه فرسوه في البئر، يعني أخذوه وحطوه في البئر، وأقفلوا عليه البئر، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، وأشار إليهم هنا أنهم أصحاب الرس، قال تعالى: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38] أي: قرون كثيرة وأمم عظيمة منهم من قصصهم على النبي ومنهم قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك، وليس كل الأنبياء ولا كل الرسل يذكرهم الله عز وجل، بل الكثيرون جداً جداً من الأنبياء والكثيرون من الرسل لم يذكرهم لنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، إلا عدداً محصوراً محدوداً لبيان أنه قد وعظ الخلق وأقام عليهم الحجج، وأنه أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون الأقوام إلى الله، فكذبوا رسل الله فأهلكهم سبحانه، فقوله سبحانه: {وَقُرُونًا} [الفرقان:38]، أي: أمماً {بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان:38] أي: بين نوح وبين النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير قوله تعالى: (وكلا ضربنا له الأمثال)
تفسير قوله تعالى: (وكلاً ضربنا له الأمثال) {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان:39]. يعني: لم نضرب الأمثال لكم أنتم فقط، بل كل الأمم ضربنا لهم الأمثال، ووعظناهم ونصحناهم وذكرناهم، فأبوا إلا التكذيب، قال تعالى: {وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان:39]، أي: دمرنا تدميراً، وأهلكناهم إهلاكاً عظيماً.
تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء)
تفسير قوله تعالى: (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء) {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان:40]، أي: رأوا هذه القرية قرية قوم لوط وهم ذاهبون إلى الشام، فهم يرون ويعرفون أن هنا مكان قوم لوط، أهلكهم الله، وجعل مكانهم بحيرات مالحة متعفنة، ويعرف المارة هناك أن الله عز وجل أهلك قوم لوط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لتكذيبهم رسولهم عليه الصلاة والسلام، ولإتيانهم الفاحشة، فكان الرجال يقعون في الرجال، فأهلكهم الله سبحانه، وأمطر عليهم مطر السوء، وهو المطر السيئ الشديد، فليس من جنس المطر الذي نعرفه، وإنما مطر من نار جهنم، فأتتهم حجارة من السماء، فأهلكهم الله بهاِ: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]، وهم حتى الآن يرون هذه القرية ويعرفون مكان قوم لوط الذين أهلكهم الله عز وجل بفلسطين، قال تعالى: {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان:40]. يعني: أن الكفار كانوا لا يخافون من ربهم ولا يرجون أن يحشروا يوم القيامة؛ لذلك لا يتذكرون ولا يعترفون بالأمم السابقة، ويقولون: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:24]. وقد عرف هؤلاء الكفار إبراهيم النبي عليه الصلاة السلام، وعرفوا أنه أبو الأنبياء، وأنه جدهم عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كذبوا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، ولم يرجوا النشور والبعث يوم القيامة، وإنما يفتخرون لأنهم في أرض إبراهيم وأن عندهم الكعبة، ويطوفون ويشركون بالله سبحانه، ولا ينتظرون النشور يوم القيامة، فقال الله عز وجل: {بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا} [الفرقان:40]، فيستحقون العذاب. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [41 - 43]
تفسير سورة الفرقان [41 - 43] يخبر الله نبيه عن حال هؤلاء المشركين المعاندين لله ورسوله أنهم يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ويحث بعضهم بعضاً على الصبر على الباطل، وعلى معاندة الحق ومعارضته، والصد عنه، فهؤلاء الناس من صنف من ختم الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم فأصبحوا كالأنعام لا يهتدون سبيلاً، فأنت لست وكيلاً عليهم، وإنما عليك البلاغ والحجة والبرهان.
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا)
تفسير قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:41 - 43]. في هذه الآيات من سورة الفرقان يذكر الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه كيف أنه اتخذه المشركون هزواً يستهزئون به صلوات الله وسلامه عليه، وهو يدعوهم إلى الله سبحانه وهم يدعونه إلى الضلال، فإذا مر بهم النبي صلى الله عليه وسلم استهانوا به واستهزءوا به صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون مستهينين به: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان:41]، وكأنهم يستكثرون عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون رسولاً لرب العالمين. ولذلك قالوها في موضع آخر: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، فكيف ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟! لماذا لا ينزل على عروة بن مسعود بالطائف، أو ينزل على أحد من الكبار الموجودين في مكة؟! كيف نزل عليه؟! وبدءوا هم يتخيرون من عند أنفسهم لماذا لم ينزل على فلان أو فلان؟ {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، والجواب ليس من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما من الله سبحانه، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [الزخرف:32]، هؤلاء الجهلة الحمقى والمغفلون أهم يقسمون رحمة الله؟! {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124]، {اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران:179]، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68]. فالله يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، يجتبي ويصطفي ويختار من هو أهل لذلك، والله أعلم بذلك، وقبل النبي صلى الله عليه وسلم كان أهل الكتاب يعلمون أنه سيبعث في هذا الزمان رسول، فبعض العرب بدأ يستعد لذلك، فكان أحدهم يلقب نفسه (الراهب) ويتعبد حتى يكون هو رسول هذا القرن أو هذا الزمان، ولكن الله عز وجل يختار من يريده، فهو أعلم بقلوب عباده، فاصطفى نبيه صلوات الله وسلامه عليه. أما ذاك الراهب الذي كان في الجاهلية راهباً فكان بعد الإسلام أفسق خلق الله سبحانه وتعالى وأقذرهم، وأكثرهم معصية للنبي صلى الله عليه وسلم وكيداً له، وابنه كان من أعبد خلق الله سبحانه وتعالى، وقتل شهيداً في يوم أحد، وهو حنظلة بن عامر الراهب غسلته الملائكة بعد موته، فقد سمع الصيحة للقتال فخرج وكان معرساً بامرأته فتركها وانصرف إلى القتال في سبيل الله، فقتل شهيداً رضي الله عنه، فغسلته الملائكة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وأبوه كان يستعد لأن يكون رسولاً، وفي ظنه أنه رسول هذا الزمان، وبدأ يتعبد ويتعبد، ولكن الله لم يختره، وإنما اختار نبيه صلوات الله وسلامه عليه بذلك. وكان الكفار إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يستهينون به ويستهزئون، فيظهرون ذلك أو يضمرونه، فأحياناً كانوا يظهرون ذلك وكان يصبر صلى الله عليه وسلم على أذاهم كثيراً، وأحياناً كان يجاريهم ويقول: (والله لقد جئتكم بالذبح)، فإذا بهم يخافون ويقولون: انصرف يا أبا القاسم! فما كنت جهولاً، يخافون منه صلوات الله وسلامه عليه، وأحياناً يجتمعون بشرهم فإذا بهم عندما يرونه ساجداً يسلطون أحدهم فيذهب ويأتي بسلى بعير فيجعله فوق ظهر النبي صلى الله عليه وسلم. وجاء أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد على الأرض فوضع قدمه على رقبته، وكاد أن يقتله ويخنقه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا عقبة بن أبي معيط لما جاء إلى المدينة أسيراً في حربهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في بدر استحق أن يقتله النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم في مكة. يقول الله سبحانه: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان:41]، سواء أظهروا الاستهزاء أو أضمروه، قائلين: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان:41]، أي: هذا الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يبيع ويشتري مثلنا هو هذا الذي بعثه الله عز وجل رسولاً؟! قال: {إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا} [الفرقان:41]، وأصلها (هزؤ) بالهمز، فقراءة النقل لـ حفص فقط، وبقية القراء يقرءونها بالهمز فيقرؤها الجميع ما عدا حمزة: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزؤاً))، وحمزة يقرؤها: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزءاً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا))، فإذا وقف عليها قال: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هزا)) وهناك قراءة أخرى في الوقف عليها لـ حمزة يقول: ((إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزْوا)) والمعنى: يسخرون منك، إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا استهزاءً فيستهزئون بك ويسخرون منك، قائلين: {أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان:41].
تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها)
تفسير قوله تعالى: (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) قال تعالى: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان:42]، يعني: لقد كاد يضلنا ويلهينا ويصرفنا عن عبادتنا، أي: عبادتهم الباطلة التي يقولون: إنهم سيصبرون عليها، {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا} [الفرقان:42]، ليصرفنا، {عَنْ آلِهَتِنَا} [الفرقان:42]، الباطلة، ولولا: {أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان:42]، أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها. فهم يعلمون أن هذه آلهة باطلة، لا تنفع ولا تضر، ويعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينفعهم ويضرهم، وهو الذي يرزقهم، وهو خالقهم سبحانه بشهادتهم بذلك، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، ومع ذلك صبر الكفار على العبادة الباطلة، أفلا يصبر المسلمون على عبادتهم الحقة؟! فهؤلاء الكفار دافعوا عن باطلهم، وقاتلوا المسلمين، وذهبوا للنبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر، وفي يوم أحد، وفي يوم الأحزاب لقتال المسلمين، وهم يعلمون أنهم أهل باطل، أفلا يصبر المسلمون على دين رب العالمين وهم يعلمون أنهم على الحق، وقد وعدوا الجنة؟! الكفار يقولون: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:24]، أي: سنموت ونحيا في هذه الدنيا، يعني: حياة ثم موت وانتهى كل شيء؛ فلذا ما معنا إلا ما أخذناه في الدنيا من الدنيا، فهم على باطل، ويعرفون أنهم على الباطل وليسوا على الحق، فصبروا على باطلهم الذي هم عليه، وقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إن أبا جهل وهو ملقى على الأرض لعنة الله عليه وعلى أمثاله قتيلاً يأتيه ابن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه ويصعد فوق صدره فيقول لـ ابن مسعود: لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم! يعني: يصغره تحقيراً له يعني: يا راعي الغنم! صعدت فوق صدري وأنت راع، يقول هذا الشيء حال سكرات الموت، ويأبى الله عز وجل له الهداية حتى وهو في موته، فتصعد روحه وهو يقول هذا الشيء. فيقول له ابن مسعود: لقد انتقم الله منك يا عدو الله! فيقول له: وهل أنا إلا رجل قتلني بعض قومي، أي: شخص من أناس قتلهم بعض قومهم، ويموت على هذا الشيء، انظر إلى دفاعهم عن باطلهم حتى الوفاة! رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقاتل فيقول: ضربت رجلاً من المشركين بالسيف على عاتقه ضربة قال: فأخذني فخنقني، -حضنه بساعده- حتى كادت روحي أن تخرج وتزهق بذلك، ثم أردته الوفاة فمات هذا الرجل، وانطلق صاحب النبي صلى الله عليه وسلم. فانظر إلى هذا المضروب ضربة بالسيف أدركته الوفاة من هذه الضربة، ومع ذلك يصر على أن يخنق من ضربه، ولا يمن الله عز وجل عليهم بالهداية وهم أهل باطل يعلمون أنهم على الباطل، ويقول: {اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص:6]. وهذا دأب الكفار والمشركين في كل زمان، فيصبر بعضهم بعضاً على آلهتهم، والإنسان يفكر بعقله: ما الذي يجعلني أصبر؟! إما أن أصبر لأتجمل مع الناس، أو أصبر لكي آخذ الأجر يوم القيامة، أو أصبر ليكون جزائي في الدنيا مثلاً. فالكفار يقولون: اصبروا، فنقول لهم: وماذا تأخذون عندما تصبرون على هذه الآلهة؟! أما في الآخرة فلا شيء لهم، وأما في الدنيا فقد يأخذون وقد لا يأخذون، قد ينتصرون فإذا انتصروا فالسادة هم السادة والضعفاء هم الضعفاء ولن يتغير شيء من حالهم، فعلى ذلك تحصيلهم في الدنيا شيء يسير حقير ليس له قيمة، أن يحصلوا على مناصب وأموال، أما المؤمن الذي يعده ربه سبحانه وتعالى أن يصبر وله الجنة، قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35]، أفلا يغار المسلم حين يرى هؤلاء يصبرون على باطل وهو لا يصبر على الحق الذي هو عليه؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان يكون القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر). ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الواحد من هؤلاء يعمل العمل ويكون له أجر خمسين رجلاً من أصحابه، وفي رواية: (يكون له أجر خمسين شهيداً) فهذا الأجر العظيم الذي يكون للقابض على دينه كما يقبض الإنسان على الجمر، وللمتمسك بدينه، الجنة عند رب العالمين، وله وعد الله عز وجل بالعزة في الدنيا والتمكين إذا صبر على ذلك، وله إحدى الحسنين: إما النصر وإما الشهادة، وله عند الله سبحانه حبه ورضاه في الجنة والحور العين. المسلم أمامه كل هذا الثواب، والكافر لا ثواب له فيصبر ويقول: {وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص:6]، يقول الله سبحانه عن هؤلاء الكافرين: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان:42]، أي: لولا أننا صبرنا على هذه الآلهة لصرفنا عنها {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:42]، وفي كلامهم إشارة إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وقوته في الدعوة، وحجته البينة القوية. وفي الآية إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك وسيلة ولا سبيلاً للدعوة إلى الله عز وجل إلا وسلكها صلوات الله وسلامه عليه، يقول الله عز وجل: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الفرقان:42]، أي: اصبروا فسترون النتيجة، {حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:42]، قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: سوف تعلمون من أصحاب الضلال، ومن أصحاب الصراط السوي، {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:42]، أي: طريقاً يوصل إلى النار. قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]، عبدوا الآلهة من دون الله سبحانه، والآلهة أنواع، فيعبدون أصناماً وأوثاناً وأحجاراً، ويعبدون الشمس والقمر، ويعبدون النجوم والبروج، ويعبدون أشجاراً، ويعبدون الهوى من دون الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: الهوى إله يعبد من دون الله، وتلا هذه الآية: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43]، فالهوى يدعو الإنسان إلى طاعة الشيطان والبعد عن الرحمن سبحانه، فإذا به يعبد ما يشاء، ويترك عبادة الله، ويكفر بالله، فهو عابد لهواه ولشيطانه {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43]، قالوا: كانت العرب إذا أحبت شيئاً عبدته من دون الله، فإذا هوى الرجل منهم شيئاً عبده من دون الله، فإذا رأى ما هو أحسن منه ترك الأول وعبد الثاني، فكان يأتي بحجر يراه جيداً فيقوم ينحته صنماً ويعبده من دون الله، فإذا رأى حجراً آخر أفضل من الأول نحته صنماً وترك الأول وعبد الثاني؛ فعبدوا الهوى، وعبدوا آلهة بأهوائهم الباطلة وبأكاذيبهم، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43]، (أَرَأَيْتَ) استفهام، وهذه الكلمة فيها قراءات، (أَرَأَيْتَ) قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر بالتسهيل، (أَرَأَيْتَ)، وقراءة ورش بالمد الطويل فيها (أَرَآيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، وقراءة الكسائي بدون مداخلة: (أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ))، يعني: هل علمت؟ أو هل رأيت ببصرك ما يصنعون ويعبدون من دون الله سبحانه؟ قوله: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]، يعني: هذا الذي اتبع الهوى هل أنت حفيظ عليه؟! هل أنت كفيل وضامن لهذا الإنسان؟! أنت لا تملك لنفسك شيئاً فضلاً عن أن تملكه لغيرك، قال تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ} [الشورى:48]، {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ} [المائدة:99]، فإذا كان ربنا يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فغيره أولى، فلا يملك الداعي إلى الله عز وجل أن يغير قلوب الخلق، وإنما يملك أن يتكلم بالحجة والبرهان، وأن يقنع ويعلم ويرشد، ويدل على الخير، لكن التحويل من شيء إلى شيء هذا لا يملكه إلا الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63]، فالنبي صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم بمعنى: يدل، ولكنك: {لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] أي: لا تغير ولا تحول، وإنك لا تهدي إلى صراط مستقيم، وإنما تدل الناس على طريق الخير، وتعلم الناس الخير، وتحذرهم من الشر. أما الذي يحول القلوب من شيء إلى شيء فهو الله سبحانه وتعالى الذي يملك ذلك، ولذلك قال لهم هنا: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]، وهذا استفهام إنكاري، والمعنى: لست عليهم حفيظاً، ولست عليهم وكيلاً، فإنما الله عز وجل هو الحفيظ والوكيل، والله هو الذي يغير القلوب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا إلى سواء السبيل، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [43 - 47]
تفسير سورة الفرقان [43 - 47] الذين يعبدون أهواءهم من دون الله يسمعون ولا يعون ولا يعقلون، فهم أضل من الأنعام، إذ الأنعام تعرف ربها وتسبحه وهي لا تعقل، ثم يذكِّر الله عباده بنعمه عليهم وفضله عليهم بالليل والنهار، وسورة الفرقان إحدى السور المكية التي تبين ذلك.
تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه وجعل النهار نشورا)
تفسير قوله تعالى: (أرأيت من اتخذ إلهه هواه وجعل النهار نشوراً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:43 - 47]. لما عجب الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه من هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الهوى إلهاً من دون الله سبحانه، فقال له: {أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]. أي: من كان بهذا الحال لا عقل عنده، ولا يستجيب لدعوة ربه سبحانه، ولا يستجيب لما يدعوه إليه عقله وفطرته، وهو أن يعبد الذي خلقه ورزقه سبحانه، فهل أنت تكون عليه حفيظاً وكفيلاً بأن تدخله في هذا الدين؟ لا تقدر على ذلك، فإن الذي يغير القلوب ويحول الناس من حال إلى حال هو الله سبحانه وتعالى، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان:44].
تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون)
تفسير قوله تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون) هؤلاء الكفار المشركون هل {تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان:44]، أي: يسمع سمعاً ينفعه، فيعي ويفهم ويتأمل ويتدبر، حتى يتعلم، ويعلم الحق، بل إنهم يسمعون الكلام والتلاوة لكنهم لا يسمعونها سماع من يبتغي الحق. قال: {أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان:44]، أي: يتفكرون ويتدبرون ما جاء من عند رب العالمين، فهم كذلك لا يفعلون ذلك. قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ} [الفرقان:44]، هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر: بفتح السين، وباقي القراء يقرءونها: (أم تحسِب) والمعنى واحد. {أَنَّ أَكْثَرَهُمْ} [الفرقان:44]، ولم يقل: كلهم {يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان:44]؛ لأن الله قد علم أن منهم من سيسمع ويعقل ويدخل في هذا الدين، وقد كان دخل منهم الكثير في دين الله سبحانه، لكن الأكثرون يسمعون ولا يعقلون، ينظرون إلى الآيات ولا يفهمون ما فيها ولا يحاولون ذلك، يقول الله سبحانه: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ} [الفرقان:44]، يعني: في حال سماعهم، وعدم تفكرهم، وعدم تعقلهم، إن هم إلا كالبهائم. والأنعام خلقها الله سبحانه وتعالى ولم يجعل لها عقولاً تفهم بها كعقول الآدميين تخاطب، ولكنها عرفت ربها سبحانه فسبحته بحسب ما علمها سبحانه وتعالى، وفضل الإنسان بالعقل الذي يفهم ويعي ويتدبر ويتفكر به ومع ذلك لا يعقلون، ولا يفهمون عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأيهما خير، البهائم التي لم يعطها الله عقلاً أم هؤلاء الذين لهم عقول وهم لا يسمعون ولا يعقلون؟ قال سبحانه: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ} [الفرقان:44] أي: أنهم أشد من الأنعام وأقبح {بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44]. فبهيمة الأنعام إذا قدتها في طريق مرة أو مرتين عرفت طريقها، أما هؤلاء فلا يحاولون أن يفهموا ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة ما يكرره عليهم صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يقفون له بالمرصاد، ويكذبونه، ويحذرون الناس منه، حتى أن البعض من الناس كان من كثرة ما يسمع من هؤلاء يدخل إلى مكة وقد جعل أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ويأتي أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: والله ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي ألا آتيك، يعني: من شدة تحذير الكفار لهؤلاء فقد كانوا يقولون للرجل لا تذهب إلى محمد ولا تستمع منه، ويحلفونه على ذلك مرة ومرتين وأكثر، فهم يصدون الناس هذا الصد الشديد عن سبيل الله وهم لا يفهمون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحاولون ذلك، فهم كالأنعام {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44]. يقول مقاتل: البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تعقلها. فصاحب البهيمة يجيء ليربط البهيمة فتقف له حتى يربطها، ويسوقها فتنقاد له، ومعنى أنها تنقاد لأربابها التي تعقلها أي: التي تربطها، أما هؤلاء المشركون فلا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، وإن عرفوا ذلك وأقروا به لم يعبدوه، فلم تنفعهم المعرفة. وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة فهي لم تعتقد كفران ذلك، ولكن الأولى أن يقال: إن البهائم عرفت ربها سبحانه لما جعل فيها من معرفة، وأمرها سبحانه فسبحت بحمده كما أمرها سبحانه وتعالى، قال الله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]. فالبهائم تعرف ربها وتسبحه سبحانه وتعالى، وإذا جاءت يوم القيامة شكت إلى ربها سبحانه سوء صنيع أربابها، وما صنعوا بها من عدم إطعامها وإشرابها، ومن إساءة معاملتها، بل ويقتص للبهائم يوم القيامة، فيقتص للجلحاء من ذات القرن، ثم يأمر الله الأنعام فتصير تراباً. أما الإنسان الذي فهم وعقل فإنه يأتي يوم القيامة وينظر إلى الأنعام كيف يقتص لبعضها من بعض، وكيف أن الله يأمرها بأن تكون تراباً، {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} [النبأ:40]، وهيهات أن يكون ذلك. فقد خلقه الله لعبادته، وحذره من معصيته، وحذره من الشرك به، حذره من النار التي يخلد فيها المشركون ولا يزولون عنها، فأبى إلا أن يعصي وأن يشرك بالله، فكان جزاؤه أنه في الدنيا {كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44]، فهم في تحير في الدنيا وتخبط، ويوم القيامة في النار، والعياذ بالله.
تفسير قوله تعالى (ألم تر إلى ربك)
تفسير قوله تعالى (ألم تر إلى ربك) يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين بالتبع: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:45 - 46]. السورة مكية، وفيها خصائص السور المكية من تقرير أمر العقيدة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان برسل الله سبحانه، كما أن فيها ذكر صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، وفيها: تقرير توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وفيها ضرب الأمثال، والحجج والبينات، وفيها الآيات التي تخاطب عقول الناس، {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} [الفرقان:45]، أي: هذا الظل الذي تراه انظر كيف مده الله سبحانه وتعالى! فيكون الظل ثم يتناقص شيئاً فشيئاً، وأعلى ما يكون الظل في الليل، قال العلماء: الظل: الليل، وفرق البعض فقال: الظل ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ثم بعد ذلك تأخذ الشمس من الظل شيئاً فشيئاً حتى تغرب فيكون الليل بعد ذلك. أما علماء الفلك فيقولون: الظل: هو الليل، يأتي الليل فيسود الكون كله، ثم تأتي الشمس تنقص من الليل شيئاً فشيئاً فيتناقص الظل، ويبدأ وقت الظل من الزوال، فقبل صلاة الظهر تكون الشمس فوق الرءوس، ويكون الكل في شمس وفي ضياء، ثم تزول الشمس شيئاً فيبدأ الظل يكبر شيئاً فشيئاً، وكلما مالت الشمس ناحية الغروب كلما انتشر الظل إلى أن يدخل الليل فيستوعب الظلام كل الكائنات. قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان:45]، أي: لو شاء الله لأثبته وجعله ليلاً، ولو شاء سبحانه لجعل الشمس دائمة، قال سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص:71 - 72]. فالإنسان يجب عليه أن يتفكر ويسمع ويعقل آيات رب العالمين، فلو شاء سبحانه لثبتت الشمس في مكانها وبقي النهار أبداً، فمن غير الله عز وجل يأتيكم بهذا الليل الذي تستريحون فيه؟ وإذا انعكس الأمر من إله غير الله يأتيكم بنهار ويأتيكم بضياء؟ وهنا يذكر لله لنا المعنى نفسه: لو أن الله سبحانه ثبت هذا الظل فدام الظل وانتهت الشمس فمن سيأتيكم بضياء؟ ثم قال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان:45]، فلا يعرف الظل حتى تشرق الشمس فتفرق بين هذا وذاك، ولذلك قالوا: والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا النهار لما عرفنا فائدة الليل، ولولا الليل لما عرفنا قيمة النهار، فالله جعل ليلاً ونهاراً، أسود وأبيض وجعل أشياء مختلفة لولا هذا الاختلاف لما تبين لنا جمال هذا الشيء الذي أوجده الله عز وجل لنا، فالإنسان في النهار يخرج إلى معاشه، ينظر، ويقرأ، ويكتب، ويرى في النور ما لا يراه في الظلام، فهو في النهار يتعب ويعمل، والجسد يحتاج إلى الراحة، ولو ظلت الشمس ثابتة فمن أين تأتي الراحة؟ إذاً: لابد من ليل، لابد من سكون حتى يستريح الإنسان، فيأتي الليل فيستشعر جمال الليل، وحين يتعب ويستريح يستشعر جمال الراحة بعد تعبه وهكذا، فجعل الله عز وجل الليل والنهار يتقلبان على الإنسان، يستريح في الليل ويعمل في النهار، ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وجعله لك آية تستظل به من الشمس، {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان:45]، ثابتاً قليلاً أو كثيراً أو ظلاماً، قال: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان:45]، فالشمس تقبض الظل شيئاً فشيئاً حتى إذا كان قبيل الزوال زال الظل كله، ثم بعد ذلك ينتشر الظل. {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا} [الفرقان:46]، أي: ليس فجأة، ولكن الله عز وجل يجعل الإضاءة شيئاً فشيئاً، فالسماء بعد أن كانت سوداء يكون لونها بنياً ثم تبيض وتطلع الشمس شيئاً فشيئاً من رحمة رب العالمين سبحانه، ولو شاء لجعل الليل يأتي فجأة والنهار يذهب فجأة ولكنه سبحانه يقبضه شيئاً فشيئاً حتى لا ينزعج الإنسان ويتحير في ذلك، فخروج الليل من النهار والنهار من الليل يكون تدريجياً. والزروع منها ما ينتفع بالظل ومنها ما ينتفع بالشمس، ولو دامت عليه الشمس لفسد، ولو دام عليه الظل لفسد، فجعل الله عز وجل الظل والشمس، وجعل الليل والنهار رحمة منه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النهار نشورا)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم النهار نشوراً) قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]. والإنسان مخلوق ضعيف فحين تطلع الشمس يذهب فيعمل ليأتي برزقه الذي قدره الله عز وجل له، وبعد أن يعمل يجوع فإذا جاع أكل وشرب، فإذا جاء الليل نام، ولو واصل يوماً ويوماً لما استطاع الخروج واكتساب رزقه ولربما مات من ذلك، فجعل الله لنا الليل لباساً يعني: يغطي الكون كله، والإنسان يحتاج إلى ظلمة الليل في النوم، لأن نوم النهار لا يغني عن نوم الليل، فإذا نام الإنسان في النهار ساعات طويلة فإنه لا يستريح بهذا النوم، فهو يحتاج إلى الليل حتى ينام فيستريح في ظلمة الليل، ولذلك نوم الليل للإنسان أفضل بكثير من نوم النهار، فجعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم في الليل أو النهار سباتاً، والسبات: هو الراحة والانقطاع، فالإنسان الذي أصابه أرق في النوم يصبح مريضاً، لكن إذا نام وانقطع عن هذه الدنيا فإنه يستيقظ مستريحاً، والسبات مأخوذ من السبت بمعنى: القطع، وسمي يوم السبت؛ لأن اليهود كانوا ينقطعون فيها للعمل باختيارهم، وعقوبة لهم منعهم الله من العمل في يوم السبت، فجعل النوم سباتاً أي: كأنه انقطاع عن العمل، وانقطاع عن الدنيا، والنوم سماه النبي صلى الله عليه وسلم: الموتة الصغرى، والله عز وجل قال {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر:42]، فيتوفى الله الأنفس حين تموت، بقبض الأرواح، والنوم موتة صغرى يتوفى الله عز وجل فيها نفس الإنسان فيستريح الإنسان في هذا النوم ثم يرد عليه روحه حين يستيقظ، فسمي النوم لذلك بالموتة الصغرى، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور). ولا ينام أهل الجنة في الجنة، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك قال: (النوم أخو الموت)، فأهل الجنة في نعيم لا ينقطع عنهم النعيم بنوم ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنهم في راحة لا يتعبون ولا ينصبون فلا يحتاجون إلى النوم، فجعل الله في الدنيا للعباد النوم سباتاً رحمة منه سبحانه وتعالى، {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]، والنشور بمعنى: الارتفاع، والنشر: هو الشيء المرتفع، والنشرة: رفع الشيء من شيء إلى شيء، وهنا {وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان:47]، أي: يحيا الإنسان فيه، فبعدما أماته بهذا النوم، وبعدما ذهب في سبات عميق يحيه الله عز وجل فيقوم لعمله يباشره، وهذه من نعم الله التي يدل الإنسان عليها، فكأنه يقول: الذي جعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً ألا يستحق أن تحمدوه وتشكروه على هذه النعم وتعبدوه وحده لا إله إلا هو؟ نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان الآية [48]
تفسير سورة الفرقان الآية [48] شرع سبحانه في هذه الآية وما قبلها في بيان الأدلة الدالة على وجوده سبحانه، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، وبيان نعمه العظيمة على عباده، من نعمة الظل والضياء والشمس والليل والنهار، وكذلك إرسال الرياح التي تبشر بالمطر وتسوق السحاب من مكان إلى آخر، وهذه السحب محملة بالماء الطهور، الذي به حياة الأرض والإنسان والحيوان، وغير ذلك من النعم العظيمة.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
معنى الطهور والفرق بينه وبين الطاهر وفوائد الماء
معنى الطهور والفرق بينه وبين الطاهر وفوائد الماء قال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، قال: ((ماء طهوراً)) ولم يقل: ماءً طاهراً، وإنما هو طهور، والطهور متعد، أي: ليس طاهراً في نفسه فقط، وإنما هو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهذا الفرق بين: أنزلنا من السماء ماءً طاهراً، (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً)، فالماء الطهور: هو ماء طاهر، ولكن يطهر غيره، وقد يكون الماء طاهراً ولا يطهر غيره، مثل: الماء الذي خالطه شيء طاهر فأخرجه عن وصفه ماء، وعن كونه ماءً مطلقاً، فنقول: هذا ماء مخلوط بكذا ولا يصح أن أتوضأ به، ولا تصح إزالة النجاسة به، بل لابد أن يكون ماءً مطلقاً، فالله عز وجل ينزل من السماء ماءً رحمةً لعباده، وقد ذكر في سورة الأنفال: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11]. فمن فوائد إنزال الماء من السماء: أن الله عز وجل أنزل على العباد في يوم بدر ماء من السماء، فيتطهرون بهذا الماء، أيضاً من الفوائد: أن هذا الماء يستخدمونه في طعامهم وشرابهم، والماء يثبت الأرض تحت أقدامهم بعد أن كانت أرضاً رملية تتحرك وتضطرب تحتهم، فيثبتها ويهبطها بهذا الماء الذي ينزل من السماء، ويذهب عن العباد رجز الشيطان وهواجسه التي تنادي عليهم أن يهربوا من أمام أعدائهم، فالله عز وجل يطهر العباد بما يشاء. قوله: ((وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)) هل الماء الذي يخرج من الأرض ليس بطهور؟ لا، ليس هذا بمقصود، ولكن جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: الماء باق على أصل خلقته، ولما سئل عن ماء البحر صلوات الله وسلامه عليه قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فالماء النازل من السماء هو ماء طهور، وكذلك الماء النابع من الأرض أو الجاري فوقها أيضاً هو ماء طهور؛ لما جاء في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. وهنا يذكر الإمام القرطبي في تفسيره للماء الطهور فيقول: المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها وطعومها وأرياحها حتى يخالطها غيرها. يعني: أن الماء الذي نزل من السماء ماء طاهر وطهور، حتى لو تغير لونه، والماء النابع من الأرض كذلك، إلا أن يتغير بنجاسة فيأخذ حكم الماء النجس، لكن إذا لم تغيره نجاسة، أما ما خرج من بئر أو خرج من النهر أو البحر، فهذا كله ماء طاهر، وسواء كان ملحاً أو مراً أو عذباً فكله طاهر، فعلى ذلك مياه الآبار حتى وإن تغيرت بالمجاورة بالرمال أو بالتراب الذي حولها فهي طاهرة ومطهرة، يتطهر بها الإنسان يتوضأ ويغتسل ويشرب منها، فعلى ذلك الماء الخارج من الأرض الأصل فيه أنه طاهر، لكن إذا جاءت نجاسة على هذا الماء فغيرته وأخرجته عن وصفه صار نجساً، إلا أن يكون ماءً كثيراً ولم تغيره هذه النجاسة، فهو باق على أصل طهوريته؛ لأنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، أو قال: لم ينجسه شيء). والقلتان: حوالي خمسة أمتار مكعبة من الماء؛ فإذا كان الماء بهذا الحجم فهذا كثير، فإذا وقعت فيه نجاسة يسيرة ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، والحديث بمنطوقه يدل على ذلك، وبمفهومه يدل على أنه لو كان أقل من هذا فوقع فيه شيء من النجاسة، فإنه يتنجس الماء بذلك. يقول الإمام القرطبي في التفسير: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به. المعنى من كلامه: أنه طالما هو في البئر أو في النهر ووقعت عليه أوراق أشجار فتغير الماء بشيء من الاخضرار، فهو باق على طهوريته، ويجوز الوضوء منه على ذلك، كذلك ماء بئر في صحراء إذا طارت عليه الرمال أو التراب ومن الجير ونحوه فتغير وتعكر، لكن لم يخرج عن وصفه ماء فهو طاهر، ويجوز للإنسان أن يتوضأ به ويغتسل منه وهكذا.
حكم سؤر الإنسان المسلم والكافر
حكم سؤر الإنسان المسلم والكافر قال القرطبي: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها، ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه. السؤر: هو ما بقي من الماء، فلو أن إنسان نصرانياً عنده إناء فيه ماء فشرب منه وجاء مسلم وأراد أن يشرب فإنه يكره له ذلك، لكن لا يحرم ذلك؛ لأنك لم تستيقن النجاسة في ذلك، فيجوز للمسلم أن يشرب باقيه أو أن يتوضأ به، ولكن يكره ذلك، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو غيرهم من الكفار. قال: وكذلك المدمن الخمر، فلو أن إنساناً شرب الخمر ثم أخذ إناء فيه ماء وشرب من هذا الإناء، فإنه يكره الشرب من أثر هذا الإنسان. في الماضي يتكلم في هذه المسألة من حيث الطهارة والنجاسة، فيقول: يكره ذلك باعتبار أن هذا الإنسان الذي يشرب الخمر فاسق، ولم يقل: حرام، لكن الآن مع وجود التحاليل الطبية وغير ذلك، نقول: إن الأفضل للإنسان ألا يشرب من أثر أي إنسان؛ لأنه لا يدري ما يكون في فم هذا الإنسان من مرض، كأن يكون مريضاً بالسل، أو بالربو، أو عنده مرض رئوي أو مرض في الفم وكذا، فيتأذى الناس بعضهم من بعض بهذا الشيء، فالإنسان يأخذ حذره في ذلك، ولا يؤذي نفسه ولا يؤذي غيره. إذاً: كلام الفقهاء هنا في كونه نجساً أو طاهراً، وليس معنى ذلك: أنه مأمور أن يشرب أو يستحب له، لا؛ لأن مع كثرة الأمراض لابد أن يأخذ حذره من هذا الشيء، ولذلك نمنع من جعل الماء في العلب وإن كان بعض إخواننا يحب أن يجعلها في المسجد، فكنا نفعل هذا الشيء في الماضي، أما الآن مع كثرة الأمراض وكثرة الأوبئة وانتقال العدوى بقدر الله سبحانه وتعالى، بأسباب ملموسة معروفة، فعلى الإنسان أن يجتنب هذا الشيء؛ لأن الأمراض تنتقل بأسباب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك فيروس الكبد، فإنه ينتقل عن طريق اللعاب، وهناك فيروسات تنتقل عن طريق الدم، فعلى ذلك تأخذ حذرك فلا تشرب من هذه العلب الموضوعة في المساجد أو في الشوارع، وهذا لا ينافي قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، وإنما هو أخذ بالأسباب فلا نؤذي أحداً من الناس، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نحتاط، وهذا لا يمنع قدر الله؛ لأنه سبحانه إن شاء لك شيئاً لا قدر الله وقع وجرى، وليس معنى ذلك: أنه إذا كان قدر الله جارياً أن نتركه يجري دون الأخذ بالأسباب، لا؛ لأن الجوع والعطش من قدر الله فنحن ندفع القدر بالأخذ بالأسباب فنأكل ونشرب، فكذلك ندفع قدر المرض بالوقاية منه، وعدم الاقتراب من الأسباب المؤدية إليه، وإذا وقع ندفعه بالتداوي بالمباح، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا نزل الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها) فنهانا أن ندخل مكاناً فيه الطاعون؛ احتياطاً لأنفسنا، وإن كان قضاء الله عز وجل يجري. ثم قال: وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها. والمعنى: أن هناك أناس مثل الصين يأكلون الكلاب والهرر وغيرها من الجيف، فهذا الإنسان لو أنه أخذ الإناء وشرب منه، فهل يجوز للمسلم أن يشرب من هذا الإناء الذي شرب منه ذلك الكافر الذي يأكل الجيف والكلاب وغير ذلك؟ هذا الشيء مؤذ، لكن الفقهاء لا يحرمون ذلك وإنما قالوا: يكره ذلك، كذلك يجوز الوضوء من ذلك الإناء، فقد قال الإمام البخاري: وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصراني. يعني: لما خرج عمر رضي الله تعالى عنه إلى الشام طلب ماء ليتوضأ، فقامت امرأة نصرانية فأدت لـ عمر ماء فتوضأ رضي الله تعالى عنه. وهذا الماء شرب منه عمر رضي الله تعالى عنه، فكان ماءً عذباً، فلما شرب منه صعب عليه حال هذه المرأة النصرانية، فقال لهذه المرأة: أيتها العجوز أسلمي تسلمي. يعني: عندما أكرمت عمر بهذا الماء الطيب العذب فشرب منه وتوضأ رأى أن يدعوها للإسلام إكراماً لها، فقال: أسلمي تسلمي، فقد بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، فكشفت المرأة عن رأسها فإذا مثل الثغامة، يعني: أبيض، فقالت: عجوز كبيرة أموت الآن، يعني: بعد السن أدخل في الإسلام وأغير ديني! فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اشهد.
حكم ولوغ الكلب في الماء الذي في الإناء
حكم ولوغ الكلب في الماء الذي في الإناء يقول الإمام القرطبي: فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك: يغسل الإناء سبعاً ولا يتوضأ منها، فقد ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، أو قال: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (وعفروه الثامنة بالتراب)، فهذا بيان: أنه لا يجوز لك أن تتوضأ بماء شرب منه الكلب، هذا إذا كان ماءً قليلاً في إناء، أما إذا كان ماء في بئر فسؤر الكلب وريقه لا ينجس البئر، إنما ينجس الإناء بذلك؛ لأنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم). أيضاً لو أن الكلب أخذ ثوبك وعضه فإنه ينجس الثوب ويغسل مرةً واحدة فقط، لكن الإناء فقط هو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب فهنا أمر بغسل الإناء سبع مرات، فدل على أن هذا الماء ينجس، لكن الإمام مالك ذهب إلى أن الماء طاهر وليس نجساً، ولكن يغسل الإناء سبع مرات تعبداً، هذا قوله رحمه الله، والصواب قول الجمهور: أن هذا دليل على النجاسة. وجاء في حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب)، وهذا الحديث نص في المسألة (طهور): يعني: التطهير، ولا يكون التطهير إلا من نجاسة، فعلى ذلك يكون ريق الكلب نجساً وليس طاهراً، فإذا ولغ الكلب في الإناء فلا بد من غسل أثر الكلب فيها، فيغسل سبع مرات إحداهن بالتراب، والأفضل أن تكون الأولى بالتراب، وكأن ريق الكلب فيه شيء لا يزول إلا بالتراب، وبعض المحللين الذين حللوا المياه التي شرب منها الكلب وجدوا أنواعاً من الجراثيم لا تزول إلا بالتراب، فقالوا: التراب يزيل هذا الشيء، فسبحان الله! فقد جعل عز وجل التراب عجيباً، ويكفي أن الميت يكون دفنه في التراب، فإنه بعد ذلك يتحلل أثر الميت تماماً من هذا التراب، ولا يكون في التراب شيء منه، فالله عز وجل يخلق ما يشاء، ويخبر سبحانه وتعالى عن الشيء الحق، فالماء طهور والتراب أيضاً طهور عند عدم وجود الماء والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان (تابع) الآية [48]
تفسير سورة الفرقان (تابع) الآية [48] لقد خلق الله تبارك وتعالى الرياح بشراً بين يدي رحمته، تبشر الإنسان بقرب نزول المطر الذي هو مصدر الرزق بعد ذلك للإنسان، ولقد أهلك الله عز وجل بهذه الرياح قوم عاد لما طغوا وعتوا، وظنوا أنه عارض من المطر والرحمة فكان العكس من ذلك، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من الرياح ومن الغيم إذا أبصره خشية أن يحل بالمسلمين ما حل بالمجرمين في سالف الدهر، وقد تعرض المفسر هنا لمسائل فقهية خاصة بالماء الطهور وأحكامه ولوازمه، وما إلى ذلك من الأحكام التي ينبغي على المسلم معرفتها والعلم بها.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته)
الفرق بين قراءة (بشرا) (ونشرا) في المعنى
الفرق بين قراءة (بشراً) (ونشراً) في المعنى أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها عن نعمه العظيمة على عباده، فهو الذي جعل لنا الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، وهو الذي مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً، وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، فهذه بعض من آيات الله عز وجل التي يراها كل إنسان فيه عقل؛ ليعتبر ويعلم حاجته الماسة لذلك، وكيف أن الله أنعم بهذه النعم العظيمة وغيرها سبحانه وتعالى. فمن نعمه سبحانه: الظل، وكذلك الضياء والشمس، ومن نعمه سبحانه وتعالى: تقليب الأجواء، بين حر وبرد، وفصول أربعة في السنة، وتقليب الليل والنهار بالزيادة والطول؛ ليجعله راحة ومعاشاً للإنسان، فالإنسان يتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى بكل حال. وهنا يذكر لنا سبحانه وتعالى من نعمه: نعمة الرياح، فيقول: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الفرقان:48]، ثم قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، فالرياح تسوق السحاب ومن ثم ينزل الماء من السماء للعباد حتى يحيي الله به الأرض الميتة، ويجعل للعباد من هذا الماء رزقاً ومن كل الثمرات. قال: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا)، فالله يرسل الريح بشارة للعباد، فيستبشرون بما يأتي من الرياح الباردة نسبياً، فيتروحون بها ويستبشرون بعد ذلك بنزول المطر قريباً بإذنه سبحانه، فهي بشرى كما هي قراءة عاصم فقط: (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها ابن عامر: (نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه)، وقرأها حمزة والكسائي، وخلف: (نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) فالله يرسل الرياح بشراً ونشراً، فمن قرأها: (نُشُرًا) و (نُشْرًا) و (نَشْرًا)، فهو مأخوذ من النشور، والنشور يأتي بمعنى: القيام، وبمعنى: الإحياء بعد الموت، وبمعنى: البعث، فالله عز وجل يرسل الرياح بشارة ونشراً يبشر العباد بهذه الرياح بقرب نزول المطر من السماء، فهي بشارة من رب العالمين سبحانه، وهي نشر: ينشر الله عز وجل ويحيي بها الأرض بعد موتها، فيرسل الرياح فتأتي بالمطر من السماء، فالله عز وجل يحيي هذه الأرض وينشرها، فالرياح تحرك السحاب، ولو لم يخلق الله عز وجل الرياح لكانت السحاب تخرج مياهها من البحر أو من النهر، فتصعد إلى السماء وتنزل في نفس المكان مرةً ثانية، ولكن من رحمة الله سبحانه أن جعل ماء البحر وماء النهر يتبخران ويرتفعان إلى السماء ثم يرسل عليها الرياح فتتكون السحب وتنقلها إلى حيث يريد الله ويشاء سبحانه وتعالى، فينزل المطر على من يشاء سبحانه رزقهم ويمنعه من يشاء، فإذا نزل الماء جعله نشراً ينشر الله عز وجل ويحيي به الأرض الميتة.
أحوال الرياح وأقسامها، وبيان وجل النبي صلى الله عليه وسلم منها
أحوال الرياح وأقسامها، وبيان وجل النبي صلى الله عليه وسلم منها قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا} [الفرقان:48]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيْحَ نُشُرَاً بَيْن يَدَي رَحْمَتِه} [الفرقان:48]، وهذه من ضمن من يقرأها: (نُشراً) فذكر الله عز وجل الرياح والريح على القراءة الأخرى. وفيه دليل: على أن الرياح والريح تتعاقبان في المعنى الواحد، ومن فرق بقوله: إن الرياح تأتي بالخير، والريح تأتي بالشر فقد جاء بتفرقه غير صحيحة؛ لأن كلمة الرياح في القرآن كله منهم من قرأها: (الرياح)، ومنهم من قرأها: (الريح)، فالله عز وجل يرسل الريح بشراً بين يدي رحمته، ويرسل الرياح أيضاً بشراً بين يدي رحمته، فالريح والرياح تأتيان بالخير، وتأتيان بما يشاء الله سبحانه، وقد كان النبي صلوات الله وسلامه عليه يحدث له شيء من الانزعاج إذا هاجت الريح فيقبل ويدبر، ويدخل ويخرج، فلما سألته السيدة عائشة رضي الله عنها عن ذلك؟ قال: (ما يؤمنني! فلقد رأى قوم السحاب في السماء فقالوا: هذا عارض ممطرنا)، وهم: قوم عاد، فما كان عارضاً ولا سحابة وإنما كانت نيراناً من السماء أهلكت القوم جميعهم، فكان إذا أمطرت السماء سر النبي صلوات الله وسلامه عليه وهدأ روعه.
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا)
تفسير قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً) إذاً: فقد أخبر الله سبحانه أنه يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، ورحمة الله عز وجل: هي السحب والمطر الذي ينزل من السماء، والرحمة في هذه الآية خرجت مخرج الغالب، إذ أن الرياح قد تكون خالية من المطر، وقد يكون في هذه الرياح هلاك لبعض الناس، قال سبحانه: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان:48 - 49]، فأنزل من السماء ماء طهوراً، ولم يقل: ماءً طاهراً؛ لأن الطهور متعدٍ إلى غيره، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهذا هو الفرق بين الماء الطاهر والماء الطهور، فقد يكون الماء طاهراً ولكنه لا يطهر غيره، مثل: الماء المتغير، فنقول: إن الماء الذي خالطه شيء طاهر فأخرجه عن مسمى الماء، وعن كونه ماءً مطلقاً، فإنه يسمى حينئذ: ماءً مخلوطاً بكذا ولا يجوز الوضوء به، ولا ينفع في إزالة النجاسة، بل لا بد أن يكون ماءً مطلقاً، فالله عز وجل ينزل من السماء ماءً رحمةً لعباده، وقد ذكر سبحانه في سورة الأنفال: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11].
فوائد إنزال الله المطر يوم بدر على المسلمين
فوائد إنزال الله المطر يوم بدر على المسلمين فمن فوائد إنزال الماء من السماء على العباد يوم بدر: قال: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11]، فيتطهرون بهذا الماء، {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11]، فهذا من فضل رب العالمين سبحانه على عباده، فإن الماء يستعمل للشرب وللتطهر وللطعام، وليثبت الأرض من تحت أقدامهم بعد أن كانت أرضاً رملية تتحرك وتضطرب تحتهم، فهو يثبتها بهذا الماء الذي ينزل من السماء، وكذلك ليذهب عن العباد رجز الشيطان ورجسه، فهو يحث المسلمين على الفرار والهرب من أمام أعدائهم، فالله عز وجل يطهر العباد بما يشاء، {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، ولا يفهم من هذه الآية أن ما خرج من الماء من غير السماء كالأرض غير طهور، فليس المقصود ذلك، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الماء طهور لا ينجسه شيء)، يعني: الماء الباقي على أصل خلقته، ولما سئل عن ماء البحر صلوات الله وسلامه عليه قال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ففهم من ذلك: أن الماء النازل من السماء أو النابع من الأرض أو الجاري فوقها ماء طهور كما جاء في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
حكم التطهر بالمياه النازلة من السماء والنابعة من الأرض
حكم التطهر بالمياه النازلة من السماء والنابعة من الأرض وهنا يذكر الإمام القرطبي في تفسيره في الماء الطهور: أن المياه المنزلة من السماء والمودعة في الأرض طاهرة مطهرة على اختلاف ألوانها ورياحها حتى يخالطها غيرها. يعني: أن الماء الذي نزل من السماء طاهر وطهور، حتى لو تغير لونه؛ لأنه في الأصل ماء طاهر، وكذلك الماء النابع من الأرض، إلا أن يتغير بنجاسة فيبقى له حكم الماء النجس، لكن إذا لم تغيره نجاسة كماء البئر والنهر والبحر فهذا ماء طاهر، سواء كان مالحاً أو عذباً، فعلى ذلك: مياه الآبار حتى وإن تغيرت بالمجاورة بالرمال أو بالتراب الذي حولها فهي طاهرة مطهرة، فيتطهر بها الإنسان ويتوضأ ويغتسل ويشرب منها، فعلى ذلك: يكون الماء الخارج من الأرض طاهراً في الأصل، لكن إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو أخرجته عن وصفه؛ فإن كان ماءً قليلاً تنجس، وإن كان كثيراً فهو طاهر بشرط: ألا يتغير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، أو قال: لم ينجسه شيء). والقلتان: حوالي: خمسة أمتار مكعبة من الماء؛ فإذا كان الماء بهذا الحجم فهو كثير، فإذا وقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، والحديث بمنطوقه يدل على ذلك، أما مفهومه فيدل على أن الماء يتنجس إذا كان أقل من القلتين.
حكم الماء المتغير بطاهر
حكم الماء المتغير بطاهر يقول الإمام القرطبي في التفسير: الماء المتغير بقراره كزرنيخ أو جير يجري عليه، أو تغير بطحلب أو ورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز عنه، فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء به. والمعنى من كلامه: أن النهر مثلاً قد يتغير إذا وقعت عليه أوراق الشجر، فقد يجعل لونه مائلاً إلى الاخضرار فهذا باقٍ على طهوريته، فهو طاهر ويجوز الوضوء منه، كذلك إذا وجد ماء بئر في صحراء وقد وقع فيه شيء من التراب من الجير ونحوه فتغير وتعكر فإنه يبقى على ذلك طاهراً، فيجوز للإنسان أن يتوضأ به ويغتسل منه وهكذا.
حكم التطهر بسؤر الكفار أو الحيوانات الآكلة للجيف
حكم التطهر بسؤر الكفار أو الحيوانات الآكلة للجيف قال القرطبي: فاتفق العلماء أن ذلك لا يمنع من الوضوء. فلو أن هذا الماء خالطته يد إنسان بأن وضعها في هذا الماء، فهل يتنجس بذلك سواء كان مسلماً أو كافراً؟ يقول لنا هنا: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها، ومن توضأ بسؤرهم فلا شيء عليه، والمقصود من السؤر: هو ما بقي من الماء، فلو أن إنساناً نصرانياً استخدم إناء عنده فشرب منه ثم جاء مسلم وأراد أن يشرب فإنه يكره له ذلك، والمعنى: أنه لا يحرم ذلك؛ لأنك لم تستيقن النجاسة في ذلك، فيجوز أن تستخدم بقية الماء في شرب أو وضوء، ولكن يكره له ذلك، سواء كان نصرانياً أو يهودياً أو غيرهم من الكفار. قال: وكذلك المدمن الخمر، فلو إن إنساناً شرب الخمر ثم أخذ بالشرب من هذا الإناء، فإنه يكره له ذلك ولا يحرم. وهو يتكلم في هذه المسألة من جهة الطهارة والنجاسة، فإذا قلت: يكره ذلك، فباعتبار فسق هذا الإنسان شارب الخمر، فلا نأمن من أن يكون في فمه من أثر ذلك فيتلوث الإناء منه، لكن لما لم يستيقن من ذلك فإنه لم يقل حرام. والآن مع وجود التحاليل الطبية وغير ذلك، نقول: إن الأفضل للإنسان ألا يشرب من أثر إنسان آخر؛ لأنه لا يدري ما يكون في فم هذا الإنسان من مرض، فقد يكون مصاباً بالسل أو الربو أو مرض رئوي أو مرض في الفم ونحو ذلك، فيؤذي نفسه بذلك، فعلى الإنسان أن يأخذ حذره من ذلك؛ لكي لا يؤذي نفسه أو غيره. إذاً: فكلام الفقهاء هنا من جهة الطهارة والنجاسة، لكن ليس معناه: جواز الشرب منه مطلقاً، فلا بد للإنسان مع كثرة الأمراض أن يأخذ حذره من هذا الشيء، ولذلك نمنع من وضع الماء في قلل في المسجد، وإن كان بعض إخواننا يحب أن يضع قلة في المسجد، لكننا ننصح بأخذ الحيطة خصوصاً مع كثرة الأمراض والأوبئة المعدية بقدر الله سبحانه وتعالى وبأسباب ملموسة معروفة، فعلى الإنسان أن يجتنب هذا الشيء، وكذلك نمنع من قضية الماء المسبل في الشوارع، فإن الفيروسات الوبائية قد تنتقل عن طريق اللعاب ومن ثم إلى الدم، فيسبب أمراضاً خطيرة في الكبد ونحوه، فنحن ننصح بعدم الشرب من هذه المياه؛ لأنها قد تؤدي إلى أمراض كالجذام وغيره، وهو مرض معدٍ وهذا لا ينافي أن هذا من قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، لكن يجب أن نأخذ بالأسباب فلا نؤذ أحداً من الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، فهو يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نحتاط، ولكن ليس معنى ذلك: أننا قادرون على منع قدر الله إن أراد بنا شيئاً، فقدر الله جارٍ نافذ، وليس معنى ذلك أيضاً: أن نترك الأسباب ونتوكل على الله فقط، فإننا إذا عطشنا أو جعنا أكلنا وشربنا عملاً بالأسباب، فنفس هذا الكلام يقال في المرض. فالجوع يدفع بالأكل، والعطش بالشرب، والمرض بالوقاية منه؛ ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إذا نزل الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها)، فنهانا أن ندخل مكاناً فيه الطاعون احتياطاً لأنفسنا، وإن كان قضاء الله عز وجل يجري. يقول الإمام القرطبي: يكره سؤر النصراني وسائر الكفار، والمدمن الخمر، وما أكل الجيف كالكلاب وغيرها. وقد وجد أناس -كما في الصين- يأكلون الكلاب والقطط، والمقصود: أن كلام الفقهاء في هذا دائر بين الحل والحرمة، وهنا يقول بالكراهة، أي: أن اليهودي أو النصراني أو المشرك إذا شرب من إناء فيه ماء فإنه يجوز لك أن تتوضأ منه، لكن اجتنابه أولى. قال الإمام البخاري: وتوضأ عمر رضي الله عنه من بيت نصراني، وهذا لما جاء إلى الشام رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقد كان هذا الماء من أجمل المياه التي ذاقها عمر رضي الله عنه، فقد كان ماءً عذباً جميلاً، فلما شرب منه صعب عليه حال هذه المرأة النصرانية فقال لها: أيتها العجوز! أسلمي تسلمي، فأراد أن يدعوها لأنها أعطته هذا الماء الطيب الجميل، فقال لهذه المرأة يدعوها للإسلام: أسلمي تسلمي، فقد بعث الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، فكشفت المرأة عن رأسها فإذا مثل الثغامة، يعني: أن رأسها أبيض من الشيب، والثغامة نبت أبيض الثمر مثل القطن، فقالت: عجوز كبيرة أموت الآن، يعني: أنها تستبعد بعد هذا السن أن تدخل في الإسلام وتغير دينها، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم أشهد.
حكم الوضوء من الماء إذا ولغ فيه الكلب، وكيفية تطهيره
حكم الوضوء من الماء إذا ولغ فيه الكلب، وكيفية تطهيره يقول الإمام القرطبي: فأما الكلب إذا ولغ في الماء فقال مالك: يغسل الإناء سبعة ولا يتوضأ منه. وهذا حكم صحيح، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) أو قال: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (وعفروه الثامنة بالتراب)، فهذا بيان أنه لا يجوز لك أن تتوضأ بما شرب منه الكلب، وهذا إذا كان ماءً قليلاً في الإناء، أما إذا كان ماء بئر أو نهر فإن سؤر الكلب أو ريقه لا ينجس البئر، وإنما ينجس الإناء بذلك فيجب إراقته. أيضاً: لو أن الكلب عض ثوبك فإنه ينجس ويجب غسله مرةً واحدة فقط، لكن الإناء فقط هو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وإذا أمر بالغسل سبع مرات فهل هذا دليل على أن هذا الماء ينجس أم لا؟ فالإمام مالك: ذهب إلى أن الماء طاهر وليس نجساً، ولكنه يغسل سبع مرات تعبداً لله تعالى، فهذا قوله رحمه الله، والصواب قول الجمهور: أن هذا دليل على النجاسة، فقد ثبت في حديث آخر قوله صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب). وهذا الحديث نص في المسألة، فقوله: (طهور) يعني: التطهير، فلم يطهره إلا من نجاسة، فعلى ذلك يتبين أن ريق الكلب نجس وليس طاهراً، فإذا ولغ الكلب في الإناء فلا بد من غسل أثر ريقه سبع مرات إحداهن بالتراب، والأفضل: أن تكون الأولى بالتراب، وكأن في ريق الكلب شيئاً لا يزول إلا بالتراب، وقد أثبت بعض المحللين للمياه وجود أنواع من الجراثيم في ريق الكلب لا تزول إلا بالتراب، ولذلك يدفن الميت في التراب؛ لكي يتحلل بعد فترة ويذهب أثره تماماً من هذا التراب، فلا يكون في التراب شيء منه، والتراب أيضاً يطهر في عدم وجود الماء والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [48 - 52]
تفسير سورة الفرقان [48 - 52] أنعم الله عز وجل على خلقه نعماً كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم: أنه سخر لنا ما في الكون لننتفع به، مما لا حول لنا ولا قوة عليه، ومن هذه النعم: الرياح التي تسوق السحاب بالمطر إلى حيث يشاء الله، وكذلك نعمة الماء التي لا يستغني عنها أي كائن حي، ومع تسخيره سبحانه لنا هذه النعم إلا أن أكثر الناس لا يشكرون نعمة الله، ولا يقدرونه تعالى حق قدره، بل أبوا إلا الكفر والعناد والبعد عنه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:48 - 52]. في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن بعض نعمه العظيمة على عباده سبحانه. ومن هذه النعم: أنه أرسل الرياح سبحانه وتعالى بشراً بين يدي رحمته سبحانه، فيستبشر العبد بقدوم الرياح التي يرسلها الله عز وجل، فهي ترطب بدن الإنسان مما هو فيه من حرارة، وكذلك يجعلها سبحانه تحرك السحاب في السماء من مكان إلى مكان؛ لينزل المطر في المكان الذي أراده الله، فيحيي الله عز وجل به الأرض بعد موتها، وهذه من رحمة رب العالمين سبحانه، ويرسل الرياح فتتحرك بها السفن بفضل الله عز وجل وبرحمته، ويحرك بها ما يشاء سبحانه، ويسخرها للعباد يستخدمونها فيما يصنعونه من آلات ومحركات، فقد جعل الله عز وجل الهواء والرياح رحمة منه سبحانه، وقد يقلبها ويصيرها على قوم عذاباً من عنده والعياذ بالله، فالله على كل شيء قدير، يصرف الآيات ويقلبها، فيجعل الرحمة ويأتي بغيرها، من فضله ومن رحمته سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، والمقصود بالسماء هنا: السحاب التي في السماء، قال تعالى: {أَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهذا أنقى أنواع الماء، ومنه: الماء الذي ينزل من السحاب، وهذا الماء يخرج من الأرض ويكون فيه الطيب والنجس، وقد يكون مالحاً أو مراً أو كدراً، ولكنه يتبخر إلى السماء فلا يصعد إلا الماء النقي، فتتكون منه السحب، فالماء الذي في السحاب أنقى أنواع المياه مطلقاً، فإذا نزل إلى الأرض نزل ورجع إليها ماء نقياً، ولكن قد تعتريه بعض الأتربة والغبار في الجو، وأما وهو في السحاب فهو أنقى أنواع الماء، فإذا نزل على العباد نزل عليهم ماء طهوراً، أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره. قال الله سبحانه: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا} [الفرقان:49]، أي: هذا الماء الطهور الذي نزل من السحاب يحيي الله عز وجل به البلدة الميتة، كما قال: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49]، وقد قرأها الجمهور: ((ميتاً))، وقرأها أبو جعفر (ميِّتاً). والمعنى واحد، يعني: أن الله عز وجل يحيي بهذا الماء الذي ينزل من السماء الأرض الميتة، أي: المجدبة التي لا زرع فيها، فإذا نزل الماء أحياها الله عز وجل به، فقد جعله سبحانه كالروح للأرض. قال تعالى: {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49]، أي: إما أنه بواسطة هذا الماء تخرج الأرض زرعها، وإما أن تكون الأرض سبخة لا زرع فيها، ولكنها تجمع هذا الماء فيشرب منه الإنسان فقد جعل الله عز وجل الماء سقياً للبشر وسقياً لكل حيوان، وجعله روحاً للأرض، ينبت الله عز وجل به النبات من فضله ورحمته. وقوله تعالى: {وَنُسْقِيَهُ} [الفرقان:49]، أي: نسقي هذا الماء، وهو من أسقى الرباعي، ويأتي نسقى من الثلاثي، فيأتي من الاثنين، وفيها في القرآن في غير هذه الآية القراءتان: نَسقي ونُسقي، وأما هنا {نُسْقِيَهُ} [الفرقان:49]، ففيها قراءة واحدة فقط من الفعل الرباعي، قال تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} [الفرقان:49]، يعني: هذا المطر نزل من السماء لكل حيوان، فيسقي الله عز وجل به الإنسان والحيوان. وقوله تعالى: {مِمَّا خَلَقْنَا} [الفرقان:49]، أي: من كل ما خلقنا، فنسقي بهذا المطر {أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49]، أي: بشراً كثيراً، وقوله: {أَنَاسِيَّ} [الفرقان:49]، إما أن واحدها إنسي أو إنسان فيجمع على هذا الجمع، فالله سبحانه وتعالى بفضله وبرحمته يتكرم على عباده بإنزال هذا المطر، وقد يستحق الإنسان هذا المطر وقد لا يستحقه، ولكنه سبحانه لم يمنعه عنهم حتى لا يجدوا شيئاً منه؛ لأن رحمته تأبى إلا أن ينزل المطر، ولكن قد يقلله على قوم ويزيده لأقوام آخرين. فهو سبحانه ينزل المطر من السماء، وإن لم يستحقه الإنسان استحقته البهائم، فينزل من السماء مطراً ليسقي به هذه البهائم، وينتفع الإنسان، كما قال تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} [الفرقان:49]، وقد قدمها هنا لأنها لا تذنب، وأما العباد فيذنبون فقد يستحقون المطر وقد يستحقون القحط، ولكن الأنعام لا ذنب لها فقدمها، قال تعالى: {ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} [الفرقان:49]، وقد تكفل سبحانه بالرزق لجميع هذه الأنعام التي عرفت ربها؛ لأن هذه الأنعام التي لا تذنب في حق خالقها سبحانه تستحق أن يأتيها الله عز وجل بأرزاقها، فقدمها على الناس، قال تعالى: {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا} [الفرقان:49]، قال: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49]، يعني: قد يُحرم الماء من يشاء سبحانه من الإنس ويسقي الكثيرين منهم، فقال: {وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} [الفرقان:49].
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا)
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان:50]، وأقرب مذكور بهذه الآية هو المطر، أي: ولقد صرفنا هذا المطر بين الناس ليذكروا، وإن قد كان ذكر بعض المفسرين أن المقصود بقوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} [الفرقان:50]، يعني: القرآن، قالوا: لأن هناك إشارة إليه في أول السورة في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان:1]، وكذلك في قوله: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان:29]، وكذلك في قوله تعالى: {اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان:30]، قالوا: فهذه إشارات إلى أن المقصود هنا هو: القرآن، يعني: صرفنا هذا القرآن على وجوه بالأوامر وبالنواهي، وبالتذكرة وبالعظات، وبضرب الأمثال وغير ذلك، أو: صرفنا هذا المطر الذي ننزله من السماء بوجوه التصريف، فينزل على هذه الأرض فيخرج منها الزرع والثمار، وقد ينزل في مكان آخر فلا تنتفع به الأرض، ولكن تجمعه فينتفع به الإنسان، وقد ينزل في مكان رخو فتشربه الأرض وينزل إلى المياه الجوفية، فيصرفه الله عز وجل بوجوه التصريف. كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان:50]، سواء تصريف المطر كما ذكرنا، أو تصريف القرآن بالأوامر وبالنواهي وبالعظات وغير ذلك، فهذا كله للتذكرة، كما قال تعالى: {لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان:50]، أي: وليذكروا الله سبحانه وتعالى، وليعتبروا وليتذكروا وليتبصروا وليشكروا ربهم سبحانه وتعالى على نعمه، ويخافوا أن يحرمهم منها بتقصيرهم، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا} [الفرقان:50]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (ليذْكُروا)، أي: الله سبحانه تبارك وتعالى، ويشكروه على هذه النعم العظيمة. قال تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان:50]، فأما البهائم فقد عرفت ربها سبحانه ولم تعصه سبحانه تبارك وتعالى، وأما الإنسان فمن الناس من يعبد الله، ومنهم من يشرك به سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه على إثر سماء كانت من الليل: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب). فعندما ينزل المطر من السماء فمن العباد من يكفر بالله سبحانه ويشرك به، ومنهم من يحمده سبحانه ويشكره ويوحده، فهؤلاء الشاكرون هم الذين يقولون: مطرنا بفضل الله وبرحمته، أي: جاء المطر من عنده وبرحمته سبحانه. وأما الذين يشركون فهم الذين يقولون: جاءت النوء بكذا، ومطرنا بنوء كذا، والنوء: هو نزول القمر في منازل أو في أماكن معلومة خلال الشهر، ففي كل يوم له منزل ينزل فيه، وأيضاً الشمس في كل ثلاثة عشر يوماً تنزل في منزل من هذه المنازل، فالقمر يدور خلال الشهر كله، التسعة والعشرين أو الثلاثين يوماً خلال هذه المنازل التي في السماء، والشمس خلال السنة جميعها تدور في هذه المنازل، فقد جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وموعظة للعباد، ورجوماً للشياطين، وهداية للخلق، يعرفون طرقهم بها، فإذا ترك الإنسان ذلك وبدأ ينظر في النجوم ويتكلم في الحظ، وينظر في منازل القمر والنجوم ويقول: إذا القمر نزل في المنزل الفلاني فإن هذا اليوم سيكون فيه مطر، أو إذا القمر عمل كذا فسينزل المطر، وكأن النجوم هي التي تأتي بالمطر، أو كأن القمر هو الذي يأتي بالمطر، فالله عز وجل يقول: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر). فالكافر هو الذي يقول: لما نزل القمر في المنزل الفلاني أتى لنا بالمطر، والنجم أتى بالمطر، فهذا كافر؛ لأنه نسب الفضل الذي لله عز وجل لمخلوق من مخلوقاته، وهو مسير بأمر الله لا يملك نفسه فضلاً عن أن يملك غيره، فهذا الذي يقول: مطرنا بنوء كذا أصبح كافراً بالله. وفرق بين أن نقول: مطرنا في نوء كذا، وبين أن نقول: مطرنا بنوء كذا، فقولنا: بنوء، كأن النوء هو الذي أتى بالمطر، وكأن القمر أو النجم هو الذي أتى بالمطر، وأما قولنا: في نوء كذا، فهو بمعنى: في زمن كذا، كما نقول: مطرنا في شهر أكتوبر، أو في شهر كذا، ولا نقول: شهر أكتوبر هو الذي يأتي لنا بالمطر؛ لأن شهر أكتوبر زمن من الأزمان خلقه الله عز وجل، لا يأتي بشيء، والذي يأتي بالمطر هو الله سبحانه وتعالى. ففرق بين مطرنا في نوء كذا، ومطرنا بنوء كذا، وإن كان الأفضل ألا تقال أصلاً؛ لأن الكثيرين من الناس لا يفرقون بين بنوء وفي نوء، فالأفضل تركها، وألا يقول الإنسان ذلك، قال تعالى: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الفرقان:50]، أي: كفروا بالله سبحانه، إما لأنهم نسبوا هذا المطر لغير الله سبحانه قاصدين ذلك فكفروا، أو لأنهم مقلدون في الكلام لغيرهم فوقعوا في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا وجاهدهم به جهادا تكبيرا)
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً وجاهدهم به جهاداً تكبيراً) قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:51 - 52]، في هاتين الآيتين إشارة جميلة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قدره العظيم عند رب العالمين سبحانه، فقد ذكر المطر أولاً وهو خير عميم ينزل من السماء، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ} [الفرقان:50]، أي: يرسل المطر إلى هذه القرية وإلى غيرها وغيرها، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل الخلق، ففي هذه الآية إشارة جميلة إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه رحمة للعالمين جميعهم، كما أن المطر رحمة لمن ينزل عليهم، فأشار سبحانه إلى المطر وإلى إرساله إلى أقوام، ومنعه على أقوام، ثم أشار إلى إرساله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الخلق جميعهم إنسهم وجنهم إلى قيام الساعة، فقال له: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ} [الفرقان:51]، أي: كما نزلنا المطر على قرى ومنعنا منه قرى فلو شئنا لفعلنا مثل ذلك وأرسلنا إلى كل قرية رسولاً، ولكن جعلناك أنت رحمة للعالمين جميعهم، فأرسلناك إلى الخلق جميعهم. قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان:51]، أي: ينذرهم، ولكن جعلناك وحدك لنرفع درجاتك، وجعلناك رحمة للعالمين. قال تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52]، وقد كان الحمل ثقيلاً على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5]، والمسئولية عظيمة عليه عليه الصلاة والسلام، ولكن كان الله يعينه عليها، وقد جعله وحده يدعو إلى الله، فبدأ الإسلام غريباً به وحده صلوات الله وسلامه عليه حتى هدى الله عز وجل به من شاء من خلقه، وقال له: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52]، أي: أنهم يريدون أن يصرفوك عما أوحينا إليك، ويريدون إبعادك عن الدعوة إلى الله سبحانه، فاحذر أن تطيعهم في شيء. وهذه السورة سورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام التي كان فيها في مكة يؤذى ويضطهد ويمنعه الكفار من الدعوة إلى الله عز وجل، ويمنعون الناس من سماعه عليه الصلاة والسلام، فيقول له ربه: لا تطع هؤلاء الكافرين، {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان:52]، أي: بهذا القرآن {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52]، يعني: بلغ هذا الدين العظيم، وبلغ ما أوحينا إليك من القرآن، وعلم الناس، ومهما أرادوا منعك فلا تطعهم، ولكن جاهدهم به جهاداً كبيراً. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [51 - 53]
تفسير سورة الفرقان [51 - 53] قدرة الله سبحانه لا حد لها، فهو سبحانه يفعل ما يشاء، وفي كل أفعاله تتجلى حكمته ورحمته وعدله، فالله قادر على أن يبعث رسلاً إلى كل بلدة ومحلة كما ينزل الغيث، ولكنه خص نبيه بأن يكون خاتم الأنبياء ورسول العالمين، ومن ثم فقد أيده بالمعجزات التي تثبت نبوته لمن رآه أو لم يره، حيث ضمنها كتابه الخالد القرآن الكريم، ومن تلك المعجزات التي تضمنها القرآن: الإخبار بحقائق علمية لم يكتشفها العلماء إلا في مطلع القرن العشرين، فسبحان الله العليم الحكيم!
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا برزخا وحجرا محجورا)
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً برزخاً وحجراً محجوراً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا * وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:51 - 53]. يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قادر على أن يبعث في كل قرية وفي كل بلد منذراً، ولكنه شاء سبحانه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وحده هو الرحمة للعالمين، فكان هو المرسل من عند رب العالمين اختياراً واصطفاء واجتباءً بهذه الرسالة الكريمة إلى الخلق أجمعين، إنسهم وجنهم، ليدعوهم إلى ربه سبحانه، وكما أن الله سبحانه وتعالى ينزل المطر من السماء ليحيي به الأرض، ويصرفه في البلاد بين عباده كيف يشاء سبحانه وتعالى، فقد أنزل القرآن العظيم رحمة منه ليحيي به القلوب، فكما جعل المطر حياة للأرض، فقد جعل القرآن حياة للقلوب، وكما صرف المطر كيف يشاء في كل قرية وبلد فقد أنزل القرآن العظيم على النبي صلوات الله وسلامه عليه ليدعو به الخلق أجمعين، على أن الله قادر على أن يعدد الرسل، قال سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان:51]، ولكن الله أراد رفع درجة النبي صلى الله عليه وسلم فجعله وحده ليس في زمنه فقط ولكن في كل الأزمان اللاحقة لزمنه عليه الصلاة والسلام، فكان هو الرسول صلوات الله وسلامه عليه منذ بعث إلى قيام الساعة وليس بعده رسول، إلا ما يكون من نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ليحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه من قرآن وسنة، فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن ينزل فيكم المسيح بن مريم حكماً مقسطاً فيقتل الخنزير ويرفع الجزية، ويكسر الصليب)، وبذلك علم أن أحكام القرآن هي التي تنفذ وليس غيرها إذا نزل المسيح صلوات الله وسلامه عليه، بل قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس ويؤمهم بعد نزول المسيح رجل منهم تكرمة لهذه الأمة، فإنها لا تؤم من غيرها. والآية تبين أن الله عز وجل اختص النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة إلى جميع الخلق وقد نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة، أو كافة)، أي: أنه عليه الصلاة والسلام بعث إلى انسهم وجنهم، قال سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52]، أي: فيما يدعونك إليه من اتباع آلهتهم أو من جعل أيام لهم، ولغيرهم من المسلمين أياماً أخرى، أو لتمييزهم على غيرهم بل: {وَجَاهِدْهُمْ} [الفرقان:52]، والجهاد بالسيف في الأعوام المكية لم يكن قد فرض بعد، وإنما فرض جهاد السيف في المدينة، والمراد بالجهاد في الآية الجهاد بالحجة والبيان، والجهاد بالقرآن والإعلان، وهو المسمى بجهاد الدعوة وهو أن يخرج إلى الناس فيدعوهم إلى الله سبحانه ويحذرهم معصيته فإنها توجب غضبه وعقوبته، ووصف الجهاد المطلوب من النبي أن يقوم به بأنه جهاد كبير مبالغة في الحث على الدعوة إلى الله.
التحذير من التبعية لليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار
التحذير من التبعية لليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار وفي قوله تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52]، تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من المؤمنين من التبعية للكفار وطاعتهم، إذ أن طاعتهم مضرة للنبي ومضرة لأتباع هذا الدين، كما أن طاعتهم تؤدي إلى النار والعياذ بالله، ولذا يجب على المؤمن ألا يستجيب للكافر ولا يطيعه، فإن الكافر لن يرضى عن المؤمن حتى يتبع ما هو عليه من باطل، قال تعالى في ذلك: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]، وقال أيضاً: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة:82]، فالمشركون أعداء للمؤمنين، والعدو لا يرضى عن عدوه، فهم لن يرضوا عن المؤمنين أبداً، وكذلك اليهود، وكذلك النصارى، إلا ما ذكر في أمر النصارى أن منهم من يتواضع حين يسمع القرآن، ويبكي خشوعاً وخضوعاً فيدخل في هذا الدين، فهؤلاء فقط ذكر الله عز وجل أن قلوبهم لينة، وأنهم يسمعون القرآن فيبكون عند سماعه ويدخلون في دين النبي صلى الله عليه وسلم، أما غير أولئك من الكفار فإنهم لن يرضوا عن المسلمين إلا أن يتابعوهم في دينهم، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120]، فقوله سبحانه: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ} [الفرقان:52]، أي: لا تطع الكافرين ظناً منك أنهم يرضون عنك بطاعتك إياهم، بل لن يرضوا، ومهما تنازلت فستجدهم يطلبون المزيد من التنازلات.
جهاد الدعوة والبلاغ
جهاد الدعوة والبلاغ قال تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} [الفرقان:52]، أي: جاهدهم بهذا القرآن، والقرآن سلاح عظيم قوي قاهر؛ لأنه كلام رب العالمين سبحانه، وفي الآية أمر للنبي ولكل من يصلح له الخطاب: أن تمسك بالقرآن وجاهد به، ويعني أن تجاهد بهذا القرآن: أن تحفظ القرآن، وتعرف أحكامه، وتدعو الناس إليه، وتتخلق بما فيه من آداب عظيمة، فإنك إن كنت على هذا العلم من القرآن كنت قادراً على أن تجاهد الكفار بالبيان وحينها ينصرك الله عليهم، وقد جاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن جهاداً عظيماً، فدعاهم إليه في مكة ليل نهار ولكن لم يستجب له عليه الصلاة والسلام إلا القليل، فلما هاجر إلى المدينة ودعا إلى الله سبحانه وتعالى استجاب له الناس ودخلوا في دين الله سبحانه وتعالى، وبعد أن استجاب له الناس في المدينة فرض عليه الجهاد باليد والسيف والسنان، وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد جاهد الكفار بالدعوة باللسان، وبالسيف والسنان فنصره الله سبحانه ودخل الناس في دين الله أفواجاًً. وإذا كان في القرآن الحجة البيان، إلا أنه ليس وحده آلة الجهاد فقد جعل الله عز وجل مع القرآن حكم الجهاد قال سبحانه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، فإذا كان المسلم يحب رحمة رب العالمين سبحانه، ويحب أن يسلم في بدنه، ويأمن في نفسه ولكن الله عز وجل فرض عليه الجهاد والقتال في سبيله سبحانه وأمره: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة:216]، كأمره: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]، وكقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43]، إذ أن في القتال العزة لهذا الدين، والإعزاز للإسلام والمسلمين، ولذا فالله عز وجل حين فرضه لعل بعض المسلمين لم يفهم من الآية الوجوب فقال: {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [النساء:77]، فأجابهم الله سبحانه وتعالى بقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} [النساء:77]، فلما جاهد المسلمون وجدوا حلاوة النصر، ووجدوا عزة التمكين بعد أن مكنهم الله سبحانه، وحينها أحبوا الجهاد في سبيل الله فلم يزالوا مجاهدين في سبيل الله، طالبين الشهادة والدار الآخرة حتى أعطاهم الله الآخرة والأولى، فأعطاهم الجنة في الآخرة وأعطاهم الدنيا، فصاروا هم الملوك على الدنيا يحكمون بشرع رب العالمين سبحانه، ودانت لهم الدنيا لأنهم أقاموا دين الله سبحانه، ونصروه، وأحبوا الآخرة، وأحبوا الشهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى، فقد مكن لهم سبحانه وتعالى، ففي مكة قال لنبيه: جاهدهم به أي: بالقرآن، وفي المدينة قال له وللمؤمنين: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة:216]، وقال أيضاً: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة:36]، وقال سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة:5]، فأمر الله عز وجل المؤمنين بقتال الكفار، والكافر طالما المؤمن يستعد له فإنه يخاف منه، أما إذا نام المسلم ونسي نفسه: فإن الكافر يتحرش به، ويعلو فوقه، ولا يتركه أبداً؛ لأن الدنيا إما أن يغلب المؤمن فيها بدين الله سبحانه فيعزه الله، وإما أن يغلب الكافر بكفره، ولذا ينبغي على الإنسان المؤمن أن يتمسك بدين الله ولا يخاف من أحد، فإنه إن هاب الكافر إستأسد عليه، كما أن المؤمن حين يترك دين ربه سبحانه فإن الله يخذله ولا ينصره؛ لأن من أسباب النصر أن يتعلم الإنسان المؤمن دين ربه وشرعه العظيم، وأن يتمسك به ويدعو إليه، ويجاهد في سبيله، فحينها ينصره الله سبحانه وتعالى.
ملمح من إعجاز القرآن في ذكر حقائق البحار
ملمح من إعجاز القرآن في ذكر حقائق البحار ذكر لنا الله من آياته العظيمة فقال: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53]، ومثلها قوله تعالى في الآية الأخرى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:19 - 20]، ولفظ البحرين في الآية الأولى لا يحتمل معناه إلا البحر الملح والبحر العذب، أي: البحر والنهر، وإن كانت الآية الثانية في سورة الرحمن: تحتمل الاثنين أي: البحر المالح والعذب، وتحتمل واحداً وهو البحر المالح، يقول الإمام القرطبي: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن:19]، أي خلا وخلط، وأرسل، وكلمة (مرج) تأتي بمعنى التراكم، وتأتي بمعنى الإختلاط، وتأتي بمعنى دخول الشيء في الشيء، فيكون معنى قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53]، أي: أرسلهما فأرسل البحر المالح وأرسل البحر العذب الذي هو النهر، ومعنى: خلاه أي: تركه فانطلق النهر إلى أن صب في ماء البحر، وعلى المعنى الثالث {مَرَجَ} [الفرقان:53]، الذي هو خلط، اختلط الاثنان، ولكن سيكون المعنى: اتصالهما لم يجعل البحر يتحول إلى عذب، ولم يجعل ماء النهر يتحول إلى ملح، قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} [الفرقان:53]، وسمي ماء النهر عذباً؛ لأن فيه عذوبة وحلاوة، وفيه فرات فهو شديد العذوبة، ذو طعم جميل، ثم وصف ماء البحر فقال سبحانه: {وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان:53]، أي: شديد الملوحة، وقد يكون فيه مرارة مع الملوحة التي فيه، فالأول: شديد العذوبة وهذا شديد الملوحة. وقد حفظ الله سبحانه ماء البحر بأن جعل الملوحة التي فيه تمنعه من التعفن، وحفظ الكائنات التي فيه بما جعل لها فيه من غذاءً، وما يسر له من تنفس، وحفظ ماء النهر بأن أجراه؛ إذ الماء العذب إذا وقف في مكانه ينتن، وجري ماء النهر يجعله عذباً فراتاً لا يتعفن ما دام جارياً، ومن حكمة الله سبحانه ورحمته بعباده أن حفظ لهم المياه بتلك الأوصاف المصاحبة لها، فلعلمه سبحانه أن ماء النهر عرضة للجراثيم، وعرضة للبكتيريا، وعرضة للأشياء التي تقع فيه، فقد حفظه الله عز وجل بالجريان، فإنه ما دام جارياً لا يتعفن؛ لأنه متغير دائماً، والنهر من المعلوم أنه عندما يصب في البحر، وعندما يصب في البحر يتبخر بفعل حرارة الشمس إلى السماء، ثم تدفعه وتحركه الرياح إلى مصب النهر، فإذا نزل المطر في أول النهر جرى النهر ليصب في البحر وهكذا تستمر دورة بين الأرض والسماء، يحفظ الله عز وجل العباد بهذه المياه وهذه الأمطار، كما يحفظ الله العيون في الآبار بهذه الصورة، إذ أن ماء العيون نابع من مياه جوفية داخلية، وقد جعل الله عز وجل المياه الجوفية على بعد كبير من سطح الأرض، بحيث تكون بعيدة عن نزول الجراثيم إليها، وبذلك يحفظها الله سبحانه وتعالى في جوف الأرض، وهذا من آيات الله العظيمة سبحانه، قوله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53]، أي: أرسل البحرين أو جعلهما يضطربان فيختلطان، ومنها أمر مريج، قال تعالى: {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} [ق:5]، أي: أمر مختلط مضطرب، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا ثم شبك بين أصابعه صلوات الله وسلامه عليه، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: كيف أصنع جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة). فقوله في الحديث: (إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم)، أي: صار الناس أهل منكر، ولم تقدر على تغيير هذا المنكر الذي من علاماته: أن تبقى العهود كثيرة مختلطة مضطربة، لا يفي أصحاب العهود بشيء منها، وقوله: (خفت أماناتهم)، أي: كثرت فيهم الخيانات، والمعنى: إذا رأيت الناس على هذا الحال وكانوا مختلطين مضطربين لا رأي يجمعهم، ولا دين يوجههم فابتعد عنهم، ما دمت غير قادر على أن تصلح فيهم شيئاً وتخشى على نفسك أن تتغير معهم، وعجزت عن إصلاحهم، أما إذا كان المؤمن يقدر على الإصلاح فيلزمه أنه يدعو إلى الله سبحانه وتعالى لعل الناس يستجيبون له، وفي الحديث (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). فقوله في الحديث (مرجت العهود)، أي: اختلطت، وكذلك يكون معنى مرج في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53]، أي: جعلهما يختلطان أو يدخل هذا في ذاك، وهما كما وضعهما سبحانه: قال: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان:53]، فالفرات: شديد الحلاوة أو شديد العذوبة، والأجاج: شديد الملوحة التي فيها مرارة، ثم قال سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53]، قال القرطبي في تفسير البرزخ: أي: حاجزاً من قدرته، فلا يغلب أحدهم على صاحبه، و (حجراً محجوراً) قال: أي: ستراً مستوراً يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر، وأمر التقاء البحرين ووجود آخر لم يره الكثير من العرب وخاصة عند نزول هذه الآية، فمن البعد بمكان أن يذهب الناس إلى مصر لينظروا نهر النيل وهو يصب في البحر المتوسط مثلاً، أو غيره من الأنهار وهي تصب في البحار، ولكن الله سبحانه وتعالى يخبر عباده بهذه الآيات العظيمة العجيبة في مدلولها، فيقول: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الفرقان:53]، ولم يذكر بحرين معهودين عند الناس كأن يقول مثلاً: البحر الفلاني والبحر الفلاني، بل الآية عامة في كل بحرين يلتقيان، وخصهما في هذه السورة فقال: {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [الفرقان:53]، وأطلق في سورة الرحمن فقال: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:19 - 20]، فاحتمل البحر الملح والبحر العذب، واحتمل البحران المالحان.
العلماء المتخصصون يؤكدون سبق القرآن
العلماء المتخصصون يؤكدون سبق القرآن يقول العلماء المتخصصون في البحار: علم البحار لم يستقر كعلم حقيقي إلا في سنة ألف وثمانمائة وثلاثة وسبعين، أي: بعد اثني عشر قرناً من النبي صلى الله عليه وسلم أو نحوها، يقول العلماء: في هذه السنة خرجت سفينة اسمها: (تشالنجر) وطافت حول البحار ثلاثة أعوام للدراسة، وكان هذا أول ما حدث في دراسات البحار فبدأت تدرس مياه البحار ومياه المحيطات ومياه الأنهار، ويدرس التقاء هذه بتلك والكائنات الموجودة هنا، والكائنات الموجودة هناك ودرجة الكثافة في مياه كل منها، ودرجة الملوحة ودرجة العذوبة، وما الذي يحدث إذا التقى البحر بالمحيط؟ أو التقى البحر ببحر آخر؟ أو التقى النهر بالبحر؟ وظلوا ثلاث سنوات يؤسسون علوم البحار. وكان في هذه الباخرة أول هيئة علمية بينت أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، وأن البحار المالحة حين تلتقي لا تختلط مياهها، فماء البحر له خصائص معينة وماء المحيط لها خصائص أخرى، وإن كانا مالحين: فإن ملوحة الأول بدرجة معينة وملوحة الثاني بدرجة معينة، كما أن في البحر كائنات حية ليست موجودة في المحيط، وفي المحيط كائنات لا تعيش في البحر، كذلك الماء العذب مع الماء المالح، فإن لكل منهما كائنات حية وأسماك تعيش بداخله لا تستطيع أن تعيش في الآخر، والأعجب من ذلك أن البرزخ: وهو المنطقة التي يلتقي فيها ماء البحر مع ماء النهر، يقولون: كأن حاجزاً يحجز هذه المنطقة عن غيرها فلها كائنات حية تعيش فيها فقط فإذا خرجت منها إلى ماء النهر أو ماء البحر تموت، فإنها لا تعيش إلا في هذا البرزخ الذي قال عنه الله سبحانه: {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53]، أي: مانعاً ممنوعاً فالداخل فيه ممنوع من الخروج منه؛ لأنه حين يخرج منه يموت. يقول العلماء: بينت هذه الباخرة بعد الدراسات أن البحار المالحة تختلف في تركيب مياهها، ولقد أقاموا محطات ثم قاسوا النتائج من هذه المحطات ووجدوا أن البحار المالحة تختلف فيها الحرارة والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، وفي سنة ألف وتسعمائة واثنين وأربعين، ظهرت لأول مرة نتيجة أبحاث طويلة جاءت بعد أن قامت مئات المحطات البحرية بدراسة البحار والمحيطات والأنهار، حيث وضع في كل محطة هيئة علمية مؤهلة للدراسة والبحث، وكان خلاصة هذه الأبحاث أنهم توصلوا إلى أن مياه البحار مختلفة عن بعضها فكل بحر له خصائصه التي يختلف بها عن المحيط، والمحيط له خصائصه التي يختلف بها عن منطقة التقاء البحر بالمحيط، وأنهما برغم اختلاطهما لا يغير واحد منهما الآخر.
القرآن يشير إلى حقيقة يجهلها المفسرون
القرآن يشير إلى حقيقة يجهلها المفسرون كما وجد العلماء مصداق قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:19 - 22]، فمن المعلوم عند العرب أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرج إلا من البحر المالح فقط، ولذلك كان المفسرون جميعهم عندما يتكلمون عن هذه الآية يقولون: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} [الرحمن:19]، أي: العذب والمالح، {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} [الرحمن:22]، قالوا أي: من أحدهما الذي هو المالح فقط؛ لأن العرب لم يكونوا يعرفوا لؤلؤاً ومرجاناً يخرج إلا من البحر المالح فقط، لكن هذه الدراسات أثبتت أن اللؤلؤ والمرجان يخرج من البحر العذب أيضاً، فقد وجدوا ذلك في نجلترا، واستراليا، وأمريكا، وهي أماكن بعيدة جداً عن العرب لا يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ذكر القرآن في قوله تعالى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا} [الرحمن:22]، أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين، فيخرجان من البحر الملح ومن البحر العذب، ولما كان المفسرون يعلمون ذلك فقد قالوا: يخرجان من البحر المالح فقط، وقالوا: إن الآية وإن جاءت على هيئة العموم في البحرين إلا أن المقصود بها الخصوص، ولكن العلماء الآن يقولون: بل يخرج اللؤلؤ والمرجان من البحر العذب كما يخرج من المالح، وصدق الله العظيم حين يخبرنا بذلك قبل ألف وأربعمائة عام فيقول: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:19 - 21]، أي: بأي نعمة من نعم الله عز وجل تكذبون أيها الإنس! وأيها الجان؟! ثم يقول: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن:22]، وهنا في آية الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} [الفرقان:53]، فالبرزخ: المنطقة الحاجزة بين البحرين، وهي منطقة الالتقاء، والأعجب من ذلك وجود مياه جوفية عذبة تحت المحيط وتحت البحر، فإنها عندما تنفجر تلك المياه العذبة من تحت البحر يقوم أهل هذا المكان فيخرجوا من قلب مياه البحار مياه عذبة، وذكروا أن هناك حسبة يعرف بها مكان خروج المياه العذبة، كما ذكروا أيضاً: أنه برزخ مائي وفاصل مائي يفصل بين كل بحرين يلتقيان في مكان واحد سواء في محيط أو في بحر، وتمكنوا من معرفة هذا الفاصل وتحديد ماهية هذا الفاصل، وقالوا: إن هذه المياه العذبة التي تنفجر من داخل البحار أحياناً قد يحدد عمقها، إذ يحسبون ارتفاع البر عن البحر ثم يضربون المسافة الأولى في أربعين فينتج سمك هذه المياه، على أن هذه المياه تظل عذبة محتفظة بخصائصها وإن كانت خارجة من قلب البحر، ويستفاد من هذه المياه العذبة للشرب، (بينهما برزخ لا يبغيان)، فلا يطغى ماء البحر فيملح هذه المياه الجوفية، ولا هذه المياه تستطيع تغيير مياه البحر، وبذلك جعلها رحمة للعالمين.
تفسير سورة الفرقان [53 - 57]
تفسير سورة الفرقان [53 - 57] آيات الله الدالة على عظمته وقدرته وحكمته لا نهاية لها ولا حد، ففي البر آيات يعجز المرء عن حصرها، وفي البحر أكثر وأكثر، وليس الأمر كذلك فحسب؛ بل إن شاهد صدق النبي صلى الله عليه وسلم جلي لكل بصير، متفتق لكل عالم، فحديثه عن البحر بهذه الدقة التي عجز العلماء عن إدراكها في زمنهم يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فعجباً لمن يعرف هذه الآيات ثم يعبد غير الله!
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان:53 - 57]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن بديع خلقه سبحانه وتعالى وكمال قدرته سبحانه، فيقول: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53] فذكر في هذه الآية أنه مرج البحرين، ((وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ))، والمرج بمعنى: اختلاط الشيء بالشيء الآخر، وهنا المقصد منه: إدخال هذا في ذاك من غير أن يختلط حقيقة، فماء البحر بما فيه من ملوحة، وماء النهر بما فيه من حلاوة وعذوبة لا يختلطان بحيث يطغى أحدهما بصفاته على الآخر؛ لأن الله جعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً، وتقدم أن للفظ: مرج عدة معان، فهو يأتي بمعنى: أرسل، وبمعنى: خلّى سبيله، وبمعنى: خلط، والمراد منه هنا: أدخل النهر فصب في البحر وتميز الماءان كل منهما عن الآخر، بل وكذلك قد تخرج مياه جوفية من قلب البحر أو قلب المحيط وتظل محتفظة بخصائص المياه العذبة، ولا تختلط بماء البحر ولا بماء المحيط مع أنها تنبع من جوفها، وهذه آية عظيمة على قدرته سبحانه. ومن آياته العظيمة ونعمه العميمة التي امتن بها على عباده في البحر ما ذكره سبحانه في سورة فاطر: {وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} [فاطر:12]، فجعل لنا من فضله سبحانه في هذه المياه عذبها ومالحها اللحم الطري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماءه الحل ميتته)، فيأكل المرء مما خلق الله عز وجل في هذا البحر لحماً طرياً وليس ذلك فحسب، بل ويستخرج منه حلية يلبسها ويتزين بها، وذكرت الآية أن الحلي يستخرج من كليهما، ومعلوم أن العرب لم يكونوا يعرفون أن الحلية تستخرج إلا من البحر المالح فحسب، أما البحر العذب أو ماء النهر؛ فإنهم ما كانوا يعرفون أنه يستخرج منه لؤلؤ ومرجان وحلي، فجاء العلم بعد ذلك ليثبت للناس صدق ما قاله الله سبحانه، حين استخرجوا من مياه الأنهار اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك من الحلي. قوله عز وجل: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}، والبرزخ: هو المكان الذي يتوسط البحرين، ومنه مرحلة البرزخ في القبر؛ لأنها وسط بين الدنيا والآخرة، فالعباد لهم في الدنيا خصائص منها: أنهم أحياء روحاً وجسداً، وفي القبور مرحلة أخرى ينفصل فيها الجسد عن الروح حيث تذهب الروح إلى مستقرها إما في عليين وإما في سجين، وأما الجسد فهو في القبر، ويجعل الله عز وجل ما يأتي عليه من نعيم أو عذاب بما يشاء سبحانه، ثم تتبعها مرحلة ثالثة وهي مرحلة الدار الآخرة، وفيها ترجع الأرواح إلى الأجساد على هيئة أخرى غير التي كانت عليه في هذه الدنيا، إذ أنها في الدنيا كانت على الهيئة التي تفنى فيها، أما يوم القيامة فتكون على الهيئة التي تبقى، ولتخلد إما في الجنة وإما في النار، فكان القبر برزخاً أي وسطاً بين الدنيا والآخرة، وكذلك البرزخ الذي يتوسط البحر والنهر، فمع أن النهر يصب في البحر، إلا أن برزخاً يتوسط عند التقاء المائين يمنع من اختلاطهما، بل ويتميز عنهما بخصائص تجعله مخالفاً للبحر المالح والنهر العذب، كما تعيش فيه كائنات منفردة لا يمكنها العيش إلا فيه، قال تعالى: ((وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا)) [الفرقان:53]، والحجر بمعنى: المانع، ولذلك سمي العقل بالحجر؛ لأنه يمنع الإنسان من الخطأ والخطر والإثم والتعدي، وكما أن للإنسان حجر، فإن البرزخ كذلك، فيكون معنى: وحجراً محجوراً أي: مانعاً يحرم الدخول فيه والخروج منه إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فلا يختلط ماء البحر بحيث يغير ماء النهر الذي يصب فيه ولا العكس، فقد منع الله عز وجل بهذا البرزخ أن يختلط أحدهما بالآخر فيتغير ماء البحر أو ماء النهر، وعن الكائنات التي تعيش في المكان، يقول علماء البحار بعد دراسات دامت سنين طويلة: إن هذا البرزخ يمنع الكائنات التي في ماء البحر أن تدخل ماء النهر والعكس كذلك، كما أن في منطقة البرزخ نفسها كائنات كأنها محجور عليها في هذا المكان، فلا تخرج منه.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشرا)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً) لما أرانا الله عز وجل بديع قدرته في المياه المالحة والعذبة والبرزخ الذي يتوسطهما وما فيه من كائنات، أرانا من بديع ما خلقه عز وجل في الإنسان، فقال معقباً بعد ذكر الماء الذي يعد أساس الكائنات، فهذه البحار مياه وهذه الأنهار مياه، وما فيها من كائنات مخلوقة من الماء، وكذلك الإنسان الذي يعيش على البر مخلوق من الماء. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} [الفرقان:54] خلق الله عز وجل الإنسان من ماء، وجعل أكثر ما يتركب منه الإنسان الماء، فقوله: (خلق من الماء) أي: من نطفة من ماء مهين، فجعل من هذه النطفة إنساناً، وجعل النسب، وجعل الصهر، والمراد بالنسب: هم من ينتسب إليهم الإنسان من أقربائه، فكأن النسب الأقرباء: الأب؛ الأم؛ الأخ؛ الأخت؛ الابن؛ البنت؛ الأحفاد؛ الأجداد؛ الأعمام؛ ومن الخطأ لغة وشرعاً ما نقوله عن الأنساب أنهم أقارب الزوجة، أو أقارب الزوج، والصحيح: أنهم الأصهار، والأصهار من المصاهرة، أي: كأنهم صهار، وكأن شيئين متباعدين اختلطا فانصهر أحدهما في الآخر، ومثله ما يقع في صهر المعادن، حيث يؤتى بمعدنين ثم يذابا ويخلط أحدهما بالآخر، ومنه يعلم أن الله عز وجل قد جعل النسب شيئاً والصهر شيئاً آخر، فخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً. يقول العلماء: إن الصهر يعني: الذي يحل نكاحهم، وأما النسب فيعني: الذين لا يحل نكاحهم، وقالوا أيضاً: اشتقاق الصهر من صهر الشيء بمعنى: خلطه، فالناس يتزوجون بينهم فيختلط الماءان من هذا ومن ذاك، ويأتي النسب بعد ذلك من الأبناء، حيث ينسبان إلى الأب وإلى الأم. ويقال في أقارب الزوجة: أختان، ويقال في أقارب الزوج بالنسبة للزوجة: أحماء، مفردها: حمو، فيطلق الحمو على أخي الزوج وأبيه، وما يتبعهم من أقارب الزوج، والأختان والأحماء هم الأصهار، فيدخل تحت الأصهار الأحماء ويدخل تحتها الأختان، وبذلك يُعلم أن الله عز وجل خلق الإنسان وجعل له النسب وجعل له المصاهرة، وذكر الله عز وجل المحرمات من النسب والمصاهرة والرضاعة في سورة النساء فقال: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء:22]، ثم ذكر المحرمات من النسب فقال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء:23]، فذكر سبعاً من النسب، ثم قال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء:23]، فذكر اثنين من الرضاعة، إذ هما ملحقان بالنسب، ثم ذكر بعد ذلك المصاهرة فقال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ * وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء:22 - 23]، وذكر قبل ذلك: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:22]، فذكر من المحرمات بالمصاهرة أصنافاً أربعة. فقد جعل الله عز وجل الإنسان آية من آياته سبحانه وتعالى حيث خلقه من ماء مهين، فجعل النطفة من الرجل، وجعل من المرأة ما يتم خلق الإنسان به، وهي البويضة، ثم جعل الله عز وجل النسب والصهر من ذلك، وهذا من كمال قدرته وحكمته سبحانه، قال سبحانه: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} فعبر بكان التي تفيد المضي، ولكن في هذا الموضع تفيد: الماضي، والحاضر، والاستقبال، وهي الأداة الوحيدة التي تدل على ذلك في مثل هذا المعنى، ولذلك كثيراً ما يسند الله عز وجل صفاته إلى الفعل كان، كقوله سبحانه: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء:96]، وكان من الأزل، وهو الآن كذلك، ولا يزال كذلك إلى الأبد سبحانه، وبذلك عُلم أن كلمة كان هنا لا تفيد الماضي فقط، ولكن تفيد الاستمرارية من الماضي إلى الأمد البعيد وإلى ما لا نهاية، فقوله: (كان الله خبيراً بصيراً)، وقوله: {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} [الفرقان:54]، يدلان على أنه قادر على كل شيء، ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك، فالله قادر على أن يخلقَ وعلى أن يرزق، وعلى كل شيء سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم)
تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم) لما ذكر الله الآيات التي تدل على قدرته في خلقه سبحانه، وبين كيف يخلق لنا أشياء في غاية الكمال والجمال والإبداع، أخذ يذكر أن الإنسان وبالرغم مما يرى من آيات الله الباهرة يكفر ويعبد غير الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ} [الفرقان:55]، فقوله: (ويعبدون من دون الله) أي: أن كل ما سوى الله فهو دون، فكل من يعبد من دون الله أو من الذين هم غير الله سبحانه وتعالى لا ينفعون ولا يضرون لا أنفسهم ولا غيرهم، قال تعالى: {مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ} [الفرقان:55]، وفي هذا الموضع قدم النفع على الضر وفي غيره من المواضع يقدم الضر على النفع، وهم لا يملكون لا هذا ولا ذاك، إذ الإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، إلا أن يشاء الله سبحانه فيقدره على ذلك، وفي قوله: (مالا ينفعهم ولا يضرهم) تعريض أنهم يعبدون أصناماً وأوثاناً لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، ثم قال: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55]، أي: أن الكافر يعين غيره من الكفار على هدم دين الله سبحانه وتعالى، والمظاهرة بمعنى: التقوية، والمعنى: يقوي الكافر غيره من الكفار على عصيان الله سبحانه وتعالى، ومن يظاهر على المعصية يظاهر على هدم دين الله سبحانه، ويقوي الشيطان فيما هو فيه من عناد واستكبار ويعينه على المسلمين، قال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكافر هنا: أبو جهل لعنه الله، والمعنى: أن أبا جهل كان يستظهر بعبادة الأوثان على أولياء الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها هو أبو جهل، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الله عز وجل قال: (وكان الكافر)، فاللام في لفظ الكافر للجنس وهي من ألفاظ العموم، ولذا فكل كافر على ذلك، فهو لا يحب المسلم ولن يرضى عنه حتى يدخل المسلم في دين هذا الكافر، فتلك إعانته الكفار والشيطان على أولياء الله عز وجل. قوله: ((عَلَى رَبِّهِ))، أي: على الله عز وجل، والمعنى: يظاهر على هدم دينه سبحانه وتعالى، وقيل: بل الكافر هو إبليس، ولكن العبرة بالعموم، فعموم الكفار يعين بعضهم بعضاً على هدم دين الله سبحانه. يقول الحسن في معنى (ظهيراً) أي: معيناً للشيطان على المعاصي من المظاهرة وهي: التقوية والإعانة. هذا معنى من المعاني، والمعنى الآخر لقوله تعالى: {وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا} [الفرقان:55]، أن الظهير مأخوذ من الظهر، نقول: ألقيت الشيء ورائي ظهرية، أي: لم ألتفت إليه، ومعنى: (على ربه) أي: عند ربه، والمعنى: كان مقام الكافر عند ربه مقام الذل والمهانة لا قيمة له، ولذلك يلقيه الله في نار جهنم وأمثاله، ويذكر عنهم أنه يجعلهم كالمنفيين في نارهم، قال سبحانه: {فَالْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية:34]، وليس المعنى أن الله ينسى، فالله لا ينسى شيئاً سبحانه، وقوله: ((نَنسَاكُمْ)) بمعنى: نعاملكم معاملة المنسيين فنقذفكم في نار جهنم كالمنفيين، فأنتم مطرودون من رحمة الله لا نأبه بكم، وقد ذكر الله في آيات أخر أنهم يصرخون وينادون فلا يغاثون ولا يجيبهم ربهم سبحانه، ومثل النسيان ما دل من الآيات على أن الله لا ينظر، والمعنى: لا ينظر إليهم بنظر رحمة سبحانه وتعالى، إذ الله يبصر كل شيء ويرى كل شيء سبحانه. والقول الثالث في معنى قوله تعالى: ((وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا)) قالوا: بمعنى مظهور، أي: أن كفر الكافرين هين على الله سبحانه وتعالى، فالله لا يأبه بكفرهم شيئاً، فهو الغني سبحانه وهو القدير، فلا يضرون ربهم شيئاً وإنما يضرون أنفسهم.
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا)
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً) أخبر الله نبيه بمهمته الذي كلف بها فقال له صلوات الله وسلامه عليه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الفرقان:56]، أي: وظيفتك يا محمد! البشارة والنذارة فحسب، ومثله قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} [آل عمران:144]، فوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا أنه رسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، والرسول: هو صاحب الرسالة أو موصلها، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاءته رسالة من عند رب العالمين ليوصلها إلى الخلق، فأداها بأمانة صلوات الله وسلامه عليه كما أمره ربه حيث قال: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67]، أي: أنك إن تهاونت في شيء من رسالة الله عز وجل، فكأنك تهاونت بالجميع ولم تبلغ هذه الرسالة، وقد بلغ رسالة ربه سبحانه وأشهد الناس على ذلك وقال لهم: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم فاشهد)، فأشهد ربه سبحانه أنه بلغ الخلق هذه الرسالة التي مقتضاها تبشير من يطيع الله سبحانه وتعالى بالجنة، وبذلك سمي مبشراً عليه الصلاة والسلام، وهو منذر يخبرهم ويتوعدهم بالنار إذا عصوا ربهم سبحانه، فمعنى الآية: وما أرسلناك إلا مبشراً للمؤمنين ومنذراً للكافرين والعصاة.
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر)
تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر) قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [الفرقان:57]، ينفي النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرة على تبليغ هذه الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو مبلغ لرسالة ربه سبحانه، ورزقه على ربه سبحانه وتعالى، وقوله: ((مِنْ أَجْرٍ))، نفي أن يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأجر مهما كان يسيراً، ((إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا))، وهذا استثناء منقطع، أي: غير متعلق بما قبله، فالمعنى: ما أسألكم عليه من أجر، ولكن الذي أطلبه منكم أن تطيعوا الله سبحانه وتعالى، وأن تتخذوا إليه السبيل باتباع هذا الدين. وقوله في الآية الأخرى: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23]، استثناء منقطع أيضاً، والمعنى: لا أطلب شيئاً من أموالكم ولكن الذي أطلبه منكم أن تراعوا قرابتي، فأنتم الأقربون، فبدلاً من أن تعينونني على هذه الدعوة تعادونني؟! فغاية ما أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من المودة فتتركونني أبلغ رسالة ربي سبحانه ولا أطلب أموالكم، وقد عرضوا عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يعطوه من الأموال ما يشاء، أو يملكوه عليهم، أو يزوجوه خير نسائهم، فأبى إلا أن يراعوا قرابته وأن يطيعوا الله سبحانه وتعالى، فإن لم يفعلوا فليكفوا شرهم عنه حتى يبلغ دين ربه، وبلغ صلوات الله وسلامه عليه دين الله سبحانه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.
تفسير سورة الفرقان [60 - 61]
تفسير سورة الفرقان [60 - 61] آيات الله الكونية كثيرة، وكلها تدعو لعبادته والسجود له سبحانه، ومن هذه الآيات: النجوم التي في السماء والشمس والقمر، ومنها: اختلاف الليل والنهار، وقد جعلها الله خلفة لمن أراد أن يتذكر فيهما ويشكر الله في أوقاتهما.
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن)
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا * تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:60 - 62]. في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن كفر المشركين وتعنتهم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أنه رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه، ولكن دفعتهم العصبية والجاهلية إلى أن يعاندوا النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستجيبوا له، يقول الله عز وجل عن هؤلاء أنهم إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، اسجدوا لله سبحانه، والرحمن: اسم من أسمائه سبحانه وتعالى، أي: ذو الرحمة العظيمة الواسعة سبحانه وتعالى، والرحمن والرحيم صفتان على وزن المبالغة، فالرحمن على وزن فعلان، والرحيم على وزن فعيل، فالرحمن ذو الرحمة بجميع خلقه المؤمنين والكافرين، فرحمة الله عز وجل عظيمة واسعة، فمن رحمته أن أنزل الكتب لهداية الخلق جميعهم، وأرسل الرسل لهداية الناس إلى دين رب العالمين، فهو الرحمن سبحانه، ورحمته واسعة عظيمة، يرزق المؤمن ويرزق الكافر، يعطي هذا ويعطي ذاك سبحانه وتعالى، والرحيم ذو الرحمة العظيمة المختصة بالمؤمنين، ولذلك يقول: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43]، فهو رحمن رحيم. فإذا قيل لهؤلاء الكافرين: {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ} [الفرقان:60]، يعني: أي شيء هذا؟ {وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان:60]، يعني: هل نعمل بما تأمرنا به؟ ويتعنتون معه صلوات الله وسلامه عليه، ويتهمونه بأنه ينهاهم عن الشرك وأنه يقع فيه بحجج غبية تليق بأمثال هؤلاء الذين وصفهم الله بقوله: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان:44]، فيقولون: يأمرنا بالتوحيد وينهانا أن نشرك وهو يقول: الله الرحمن، فهو يشرك وينهانا عن الشرك! وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يقع في الشرك، ولكن غباء المشركين يدفعهم لهذا القول، مع أن الرجل منهم له اسم، وله كنية، وله لقب، ولم يقولوا: إنه ثلاثة بل هو واحد عندهم، فما الذي جعل ذلك واحداً عندهم وفهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم يشرك بالله سبحانه؟! فالله سبحانه الواحد، وهذه أسماؤه وصفاته سبحانه وتعالى لا شريك له. فإذا قيل لهؤلاء الكفرة: {اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ} [الفرقان:60]، أبوا ورفضوا وعاندوا وقالوا: {وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} [الفرقان:60]، يخاطبونه صلى الله عليه وسلم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي: (أنسجد لما يأمرنا) بالغيب، وكأنهم يخاطبون بعضهم بعضاً: هل ننفذ ما يأمرنا به هذا الرجل ونسجد لما يأمرنا؟ ثم يكذبون ويقولون: إنه يعلمه رجل في اليمامة اسمه الرحمن! فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم ويكذبون على الله سبحانه، قال الله سبحانه: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33] يعني: لا يعتقدون أنك كذاب في أنفسهم، وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، ولكنهم يجحدون بآيات الله، والجحد أن يجحد الإنسان الشيء وينكره وهو يعلم وجوده، فهذا جاحد، وهو أشد من الكاذب. يقول الله سبحانه: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60]، يعني: زادهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأن يسجدوا لله سبحانه، وأن يطيعوا، وأن يخضعوا، وأن يصلوا لله ويسجدوا؛ زادهم هذا الأمر نفوراً وابتعاداً عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وبعداً عن الدين.
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً) قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]. فقوله: {تَبَارَكَ} [الفرقان:61]، أي: كثرت بركته، وكثر خيره، وتمجد وتعالى سبحانه، {الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61]، يعني: جعل في السماء النجوم والكواكب والمجرات، وفيها خلق لله سبحانه أعظم من هذا الإنسان الضعيف، وهذه الكائنات التي خلقها الله سبحانه تسجد له، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44]، فتبارك الله سبحانه الذي جعل في السماء بروجاً وهي منازل النجوم، ومنازل الكواكب. {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} [الفرقان:61]، وهي الشمس، {وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، وهذه قراءة الجمهور: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا} [الفرقان:61] على التوحيد ومعناها: الشمس، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (وجعل فيها سُرُجاً وقمراً منيراً) فليست شمساً واحدة ولكن شموس، ولكنكم لا ترون كل هذه الشموس التي خلقها الله عز وجل، فالله جعل شموساً وجعل أقماراً، وجعل مجرات فيها كواكب ونجوم وشموس، وجعل فيها ما يشاء من خلقه سبحانه وتعالى، فتبارك الله الذي جعل هذه الأشياء تسجد له، وتطيعه ولا تعصي الله أبداً، ولكن المشرك ينفر من طاعة الله سبحانه، ويأبى ويرفض! هذا الكون كله يطيع ربنا سبحانه، فلما ذكر الله أن الكافر أعرض ونفر وبعد عن الطاعة؛ ذكر أن الشمس والقمر والبروج كلها تطيع رب العالمين سبحانه وتعالى، فتبارك الله الذي جعل خلقه يطيعونه كما يشاء سبحانه، وإذا أبى الإنسان فقد قال لنا ربنا سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج:18]، يعني: الكثير يدخلون في دين الله عز وجل، وكثيرون آخرون لا يدخلون في دين الله ويعصون ربهم سبحانه، فالمؤمنون أطاعوا الله مع باقي خلق الله سبحانه، فصار الكون موافقاً في طاعة الله سبحانه، والمؤمن مع هذا الكون المطيع، فانظر المؤمن يسجد لله، والشمس والقمر والجبال والنجوم والبحار والأشجار كل شيء يسجد لله سبحانه ويطيعه وينفذ أمره سبحانه وتعالى. قال: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، والبرج هو: المنزل الذي ينزل فيه القمر، وتنزل الشمس في هذه المنزلة في كل ثلاثة عشر يوماً، فهذه منازل الشمس ومنازل القمر. قال: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، وصف القمر بأنه منير، وما قال: وقمراً مضيئاً، وفرق بين الإنارة والإضاءة: فالإضاءة تحتاج إلى إشعال وفيها احتراق، وفيها نار، أما الإنارة فلا تحتاج إلى ذلك، فالشمس تضيء والقمر ينير، فالقمر مظلم ولكن ضوء الشمس ينير الأرض ويضيء القمر؛ ولذلك قال الله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء:12]، فالله جعل الليل آية، وجعل النهار آية، وجعل آية النهار الشمس ترونها، وجعل آية الليل القمر، قال: {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ} [الإسراء:12]، يعني محا من القمر نوره، وعلماء الفلك يقولون: كان القمر يوماً من الأيام مشتعلاً متوهجاً كالشمس، قالوا ذلك الآن، وقالها قبلهم ابن عباس قبل ألف وأربعمائة سنة، قال ذلك مفسراً هذه الآية يقول: كان القمر مضيئاً كالشمس فمحا الله عز وجل النور الذي كان فيه، قال الله: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12]، بينة مضيئة يراها كل ذي عينين، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الشمس والقمر آيتان من آيات الله سبحانه وتعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فهما يسجدان لله سبحانه، ويطيعان الله سبحانه وتعالى، فالشمس والقمر والمجرة وأصغر الأشياء وأكبر الأشياء وكل المخلوقات تطيع ربها سبحانه، والإنسان الكافر يطيع الله إذا أجبره الله سبحانه وتعالى بقضائه وقدره، وإذا جاء الاختيار فكثيرون يطيعون، وكثيرون يعصون الله سبحانه، ولن يفروا من قضائه وقدره سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله طاعة الشمس والقمر بعد ذكر نفور هؤلاء ليبين طاعة الكائنات لله سبحانه، فكل شيء في الكون يطيع ربه ويصرفه كما يشاء، والذي ينظر في آيات الله سبحانه وتعالى وفي علم الفلك وما يذكره العلماء في ذلك يعلم أن منظومة الكون كلها على نظام وقانون سنه الله عز وجل لها لا تشذ عنه أبداً، ويوافقها في ذلك المؤمنون فقط، فالمؤمن يطيع الله عز وجل ويسجد لله سبحانه وتعالى مختاراً طائعاً مريداً لذلك، والشمس والقمر والنجوم والأفلاك وكل شيء يجري لمستقر له إلى قضائه وقدره الذي يقدره الله سبحانه وتعالى، وتجد الأرض تدور ولا تخرج عن مدارها أبداً، ولا تغير اتجاهها أبداً، وتدور من الشمال إلى اليمين عكس عقارب الساعة، والشمس كذلك تجري، والأرض تدور على الشمس بهذه الطريقة عكس عقارب الساعة، والمجموعة الشمسية كلها تدور حول نفسها وحول المجرة بنفس هذه الطريقة، والمجرة نفسها تدور في الكون بنفس هذه الطريقة، منظومة عجيبة جداً! كل الكون من أكبر شيء إلى أصغر شيء حتى الذرة الصغيرة لها نواة حولها الإلكترونات تدور حولها عكس عقارب الساعة من الشمال إلى اليمين، مثل المجرة تدور بهذه الطريقة من الشمال إلى اليمين عكس عقارب الساعة، ويوافقهم في هذا الدوران المسلمون وهم يطوفون حول الكعبة، فهم يدورون عكس عقارب الساعة! قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [61 - 63]
تفسير سورة الفرقان [61 - 63] من عجيب أمر القرآن أنه دائماً يلفت المسلم إلى النظر في الكون، والتأمل فيه، واستلهام عظمة الله فيه، والعبد حين يفعل ذلك لا يملك إلا التسليم والخضوع، والسير على هدى رب العالمين، متصفاً بجميل الخلال ومحاسن العادات.
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا)
تفسير قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:61 - 63]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن كمال قدرته وعظيم شأنه فيقول سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، فبعد أن ذكر أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، أبوا ونفروا وازدادوا نفوراً وبعداً عن طاعة الله سبحانه، قال سبحانه عن ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60]، قال سبحانه: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61]، فالله سبحانه وتعالى هو العلي المتعالي العظيم الذي خيره عظيم جليل، ومعنى: تبارك، أي: كثرة بركته وكثر خيره سبحانه وتعالى، فقوله: {الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61]، البروج: منازل الشمس ومنازل القمر، وقوله: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، سراجاً أي: شمساً.
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة)
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]، إن من آيات الله سبحانه أن جعل الليل لباساً، والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، فجعل الليل ساتراً للعباد، وجعله وقتاً للنوم يستريحون فيه، وجعله مع النهار خلفة، أي: يخلف أحدهم الآخر، فيذهب الليل ويأتي النهار، ويذهب النهار ويأتي الليل، قال: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان:62]، أي: لمن أراد أن يتذكر، وفي قوله سبحانه: {خِلْفَةً} [الفرقان:62] معان: أحدها: يخلف أحدهما الآخر، والثاني: يخالف أحدهما الآخر، فالليل مظلم، والنهار مضيء، والليل يطول، والنهار يقصر، والليل يقصر، والنهار يطول، فأحدهما يختلف مع الآخر زيادة ونقصان، ويتعاقبان دواليك ليلاً فنهاراً وهكذا، وهذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وحركة الليل والنهار ناتجة عن حركة الأرض التي تدور حول نفسها، فالسطح المقابل للشمس يكون منيراً، وغير المقابل للشمس يكون مظلماً، ولا يزال دوران الأرض حتى يأتي أمر الله سبحانه وتعالى، والأرض كذلك تدور حول الشمس في مسار قدره الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم أن كل شيء يتحرك ويدور يحركه الله عز وجل في مسار وبكتاب، فكل شيء عنده بحسبان سبحانه وتعالى، وكل شيء عنده بمقدار. وفي قوله سبحانه: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} [الفرقان:62] قراءات، فهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة وخلف ((لمن أراد أن يتذكر))، فيذكر من الذكر، وهو خلاف النسيان، أما التذكر، فهو من العظة، فالإنسان حين يرى ذلك يذكر الله سبحانه وتعالى ويتعظ بهذه الآيات. وتخالف الليل والنهار كما أنه آية من آياته الباهرة فهو كذلك نعمة من نعمه الغامرة، إذ بدون تخالفهما تستحيل الحياة، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص:71 - 72]، فلو شاء الله لجعل الأرض ثابتة في مكانها لا تدور حول نفسها، فيظل السطح المقابل للشمس مضيئاً على الدوام، ويظل السطح المخالف لها مظلماً على الدوام، ولكن الله قلب الليل والنهار ليريكم قدرته وآياته سبحانه، فالله سبحانه وتعالى جعل لهذا الكون قوانين بحكمة وقدرة منه، منها: أنك تستطيع أن تعيش فوق هذه الأرض الدائرة الجارية المتحركة وأنت لا تشعر بحركتها، بل أنت فوق الأرض تشعر بحركة النجوم وتشعر بحركة الشمس، وتشعر بحركة القمر ولا تشعر بحركة الأرض التي أنت فوقها، كل ذلك جعله الله عز وجل لمن أراد أن يذكر فيتعظ ويعتبر، فما عليه إلا أن ينظر في الكون حوله، ويتأمل في كيفية خلق الله سبحانه له، وكيف أن الله أعطى كل شيء قدره. قوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]، أي: من أراد أن يتعظ وأراد أن يشكر الله سبحانه وتعالى فليتأمل في الآيات، فإنه كلما تأمل آية من آيات الله كلما ازداد شكراً لله وحمداً له على آلائه ونعمه سبحانه، وإجمال ما تقدم: أن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر، فيتذكر نعم الله سبحانه، ويتعظ فيحمد ويديم شكره، فإن فاتك عمل بالليل أدركته بالنهار، وإن فاتك بالنهار أدركته بالليل، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من امرئ تكون له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة)، وهذا من رحمة الله سبحانه بعباده ونعمته عليهم. جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس والحسن أن تفسير قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً} [الفرقان:62]، أي: يخلف هذا ذاك وذاك هذا، فيخلف الليل النهار والنهار الليل، فمن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، ومن فاته شيء بالنهار استدركه بالليل، ويحتجون بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الدال على أن الذي له قدر من الليل يقومه، ففاته ونام ولم يقم من الليل فأدرك بالنهار في وقت الضحى لله عز وجل فصلى ما فاته أجزأه عن الليل. وجاء في صحيح مسلم أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، وفي الحديث: حث على استدراك النوافل، فمن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار، ومن فاته عمل بالنهار من أعمال كان يعملها، كصلاة كان يداوم عليها أو غيرها من الطاعات، أدرك بالليل ما فاته من تطوع النهار.
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) يذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك صفات عباد الرحمن فيقول: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، قوله: عباد الرحمن: الرحمن اسم من أسمائه وصفة عظيمة من صفاته سبحانه وتعالى، وهو من الأسماء العظيمة التي تمتلئ بالرحمة، لما فيه من المبالغة في رحمة رب العالمين بعباده، وقد أضاف لفظ العباد إلى اسمه فسماهم: عباد الرحمن، فهم عباد له سبحانه، ولكن وصفهم بهذا الوصف العظيم الجليل يدل على أنهم قريبون من رحمة رب العالمين سبحانه، وأنهم مستحقون للرحمة، وعباد الرحمن لهم صفات يتميزون بها عن غيرهم، فهم ليسوا كالكفار حين قيل لهم: اسجدوا للرحمن فنفروا، قال الله عن ذلك: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان:60]، بل هم مؤمنون عرفوا الرحمن وأحبوا ربهم سبحانه وتعالى فتقربوا إليه رجاء رحمته، فكانوا على هذه الأخلاق التي يذكرها الله عز وجل في هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة.
عباد الرحمن يتشرفون بعبوديتهم لله سبحانه
عباد الرحمن يتشرفون بعبوديتهم لله سبحانه بعد أن ذكر جهالات المشركين، وطعنهم في القرآن، وطعنهم في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، عقب بذكر عباده المؤمنين فقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]، فأول صفة من صفات عباد الرحمن: أنهم عباد لله سبحانه وتعالى، شرفهم بمقام العبودية، حين حرم غيرهم منه فأصبحوا من الدنائة أضل من الأنعام، قال تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179]، فحين عبد الله أقوام وتقربوا إليه فاستحقوا أن ينسبوا إليه، نجد من خرج عن طاعته وعن عبادته فما استحق أن يكون متصفاً بعبوديته لله؛ لأنه صار عبداً لهواه وشيطانه، واستحق أن يوصف أنه كالأنعام بل هم أضل سبيلاً.
عباد الرحمن يتواضعون لغيرهم
عباد الرحمن يتواضعون لغيرهم ومن صفات عباد الرحمن: أنهم: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]، والمشي هنا متضمن لمعنى المعيشة، أي: أن هؤلاء يعيشون فوق الأرض في سلام وتؤده وطمأنينة، فسيرهم في تواضع لله سبحانه وتعالى وتواضع للخلق، فقوله: {يَمْشُونَ} [الفرقان:63]، عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم على الأرض، كما يتضمن انتقالهم من مكان إلى مكان، فإنهم حين ينتقلون ينتقلون وفيهم هذا الخلق العظيم. قوله: (هوناً)، الهون: مصدر من هان، تقول: هان الشيء يهون، فيمشي هيناً، والمعنى: هانت عليه نفسه؛ لأنه عبد لله سبحانه وتعالى، وما دام عبداً فعلى أي شيء يستكبر فوق الأرض؟! بل حياته في سكينة ووقار، فعباد الرحمن يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد، وتؤدة، وطمأنينة، وحسن سمتٍ، قدوتهم في ذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه. وليس المعنى: أن المشي يكون بتمهل، إذ صفة المشي ليست داخلة في هذا الشيء، وقد تكون داخلة فيه ولكن ليست الأصل؛ لأن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف ذلك، فقد ثبت عنه أنه كان يمشي في قوة صلوات الله وسلامه عليه، وكان يمشي كأنما يتقلع، يعني: يرفع رجله ويضعها في قوة صلى الله عليه وسلم، وكان يسرع في المشي عليه الصلاة والسلام خلقة لا تكلفاً، أي: لم يكن يتكلف الإسراع من أجل أن يتعب من حوله ولكن خلقة. يقولون: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا زال زال تقلعاً ويخطو تكفؤاً، والتكفؤ: هو الإسراع، وكأنه يندفع إلى الأمام صلوات الله وسلامه عليه، قال: ويمشي هوناً، أي: ليس في مشيته صفة الكبر، أو التعاظم على الخلق، ولكن يمشي في تؤدة صلوات الله وسلامه عليه، فالتؤدة والطمأنينة لا تنافي الإسراع في المشي، ثم قال: ذريع المشية: أي أن خطوته صلى الله عليه وسلم واسعة، فهو لا يمشي مشية الشيخ الكبير الضعيف، ولكن مشيته مشية القوي صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: كأنما ينحط من صبب، أي: أن مشية النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض، كمشية النازل من فوق جبل، أو من مكان عالٍ. وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه كان يسرع في المشي جبلاً لا تكلفاً أيضاً. وهناك فرق بين إنسان طريقته في المشي الإسراع حين يقضي حوائجه، وبين إنسان يتكلف ذلك، إذ الناظر إلى من يتكلف الإسراع يراه كأنه يجري جرياً، والجري يدل على أنه تكلف لا خلقة، وقد كانت هيئة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشي هيئة فيها سكون وطمأنينة مع إسراع في قضاء حوائجه صلوات الله وسلامه عليه. قال العلماء في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]: إنما يمشي هوناً العالم بالله سبحانه، الخائف منه سبحانه، العارف بأحكامه، يخشى عذابه وعقوبته.
عباد الرحمن لا يردون السيئة بالسيئة
عباد الرحمن لا يردون السيئة بالسيئة قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، الصفة الثانية من صفات عباد الله: أنهم إذا خاطبهم الجاهلون، والجاهل: هو الإنسان الشرس، السيئ الخلق، المتعجرف، المتكبر، إذا خاطب هذا الجاهل المؤمن فإنه يقول: سلاماً، أي: يقول قولاً يستدعي المتاركة، وقيل: معنى سلاماً: كما قال تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]، أي: لن نعاملكم بما تقولون. وليس معنى ذلك: أن المؤمن يكون ضعيفاً، يفعل به الناس ما يشاءون، ويستهزئون منه وهو يتركهم، ولكن المعنى: أن فيه قوة، فإذا ترك خصمه فإنما يتركه وهو قادر عليه، وليس لكونه مستضعفاً. ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير) فالإنسان المؤمن يتنازل لغيره، ولكن عن قوة وقدرة، وليس ضعفاً وقلة حيلة، بل خوفه من الله سبحانه وتعالى يجعله لا يبتدئ بالمصاخبة، وإذا بدئ بها فهو يقول: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]. قال بعض أهل العلم في تفسير قوله: {سَلامًا} [الفرقان:63]: إن سلاماً من التسلم، أي: تسلماً منك، نبرأ من فعلك ولا نفعل بك ما تفعل بنا، فنحن لا نسخط، ولا نجهل، ولا نسب، ولا نشتم، ونتقي الله عز وجل في كل مسلم، فهو مؤمن قوي، ولكن مع ذلك لا يبدأ بالعدوان، ويدفع بالتي هي أحسن، وكم من إنسان يدفع بالحسنى، فليقي الله عز وجل في قلب خصمه الحب له، قال الله سبحانه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34].
تفسير سورة الفرقان [63 - 67]
تفسير سورة الفرقان [63 - 67] أخبرنا الله عز وجل في كتابه عن صفات عباده وأوليائه في العديد من سور القرآن الكريم، من أجل أن يتخلق بها المسلم الحق، ويطبقها واقعاً في حياته؛ إذ إن الدين ليس شعاراً وكلمات تقال باللسان فقط، بل لابد أن يصحبه العمل، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقد أخبر الله عز وجل أن المتصف بهذه الصفات هم عباد الرحمن، أي: هذه هي صفاتهم لمن أراد أن يكون منهم.
تفسير تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)
تفسير تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:63 - 67]. في هذه الآيات من آخر سورة الفرقان يخبرنا الله عز وجل عن عباد من عباده ذوي صفات عظيمة جميلة اختصهم الله عز وجل بها، ووصفهم بأنهم عباد الرحمن، والرحمن من أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى، وهو اسم عظيم فيه الرحمة العظيمة، قال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63]، والإنسان الهين يعني: السهل الذي فيه سكينة ووقار، فهم يمشون على الأرض مشية هينة، وفيهم تواضع وإخبات لله سبحانه وتعالى، فلا يستكبرون على الخلق، وليس المعنى أنها: مشية بطيئة، ولكن المعنى: أنهم يمشون ولا يضربون بأرجلهم، ولا يغترون ويحركون أذرعاتهم، ويقولون: نحن أقوياء وأعلى من غيرنا، ولكنهم يمشون بوقار وسكينة، وهذا لا يمنع من أن يمشوا بسرعة في حاجاتهم، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيخبرنا الله سبحانه: أن من صفاتهم: أنهم حلماء متواضعون، وأن فيهم اقتصاداً وتؤدة وسكينة، قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، وليس معنى الجاهل: أنه الذي لا يعرف القراءة والكتابة، فهذا أمي، ولكن المقصود به هنا: الجاهل في خلقه، فقد يكون متعلماً إلا أن في أخلاقه نفوراً وشراسة وقسوة، وقد يكون فيه غضب، وإذا غضب لا يفهم ولا يعي ما يقول، فهؤلاء أهل الشراسة والنفور والصياح والجلبة والصخب إذا خاطبوا عباد الرحمن بصورة غير طيبة كان ردهم عليهم رداً طيباً، كما قال تعالى: {سَلامًا} [الفرقان:63]، يعني: موادعة ومتاركة وليس بيننا وبينكم شيء، ولكن نبتعد عنكم ونترككم فيما أنتم فيه، أو قالوا: سلاماً، أي: تسليم متاركة، يعني: سلام عليكم، كونوا في حالكم ونكون نحن في حالنا، مع أنهم أقوياء وهم لا يدفعون السيئة بالسيئة، ولكن يدفعون بالحسنة السيئة، ويرجون الخير ممن يدعونه إلى الله سبحانه وتعالى من الله وحده، فهم حلماء في دعوتهم إلى الله، وهم أقوياء لا يستذلهم أهل الفساد، وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما أمر الله سبحانه بقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران:104]. والإنسان القوي يقدر على الانتقام من خصمه ولكنه يتواضع لله سبحانه وتعالى، ويحلم ويصبر، ولكنه لا يهين دين الله أبداً، فإذا وجد من يهينه أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وغير هذا المنكر بما استطاع من تغيير، وأما في نفسه فإذا تعرض له إنسان أو شتمه فإنه يحلم ما لم يتعرض لدين الله سبحانه وتعالى، فإذا تعرض لدين الله فإنه يغضب لله ويدافع عن دين الله، وفي أثناء دعوته للناس إلى دين الله قد يجد منهم غلظة وقسوة في الجواب، فيصبر على ذلك، ويدعوه مرة وثانية لعله يستجيب له، فإذا لم يجد فائدة قال: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]، أي: ليس بيننا وبينكم إلا أمر الله سبحانه وتعالى يحكم بيننا، وهو في تواضعه لا يذل نفسه؛ ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق). أي: أن الإنسان يعز نفسه، ولا يعرض نفسه للذل، ولا يتعرض لبلاء لا يطيق دفعه، ولكنه يدافع عن دين الله، ويدعو الناس إلى الخير ويصبر، وليس بمجرد أن يسيء إليه إنسان يرد الإساءة بالإساءة، ولكنه يصبر ويحلم ويدفع بالتي هي أحسن، فإذا لم يجد بداً من المتاركة تاركه، قال تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]. فإذا تعرض لدين الله سبحانه بالإساءة، فإنه يدفع ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بما أمر به ربنا وبما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما)
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً) ومن صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]، والمبيت: قضاء الليل سواء كان الإنسان نائماً أو يقظان، كما نقول: بت البارحة سهران، فهؤلاء يبيتون أي: يمضي عليهم الليل وهم قائمون لله عز وجل، فيقضون ليلهم بين القيام والسجود، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]. وليس المعنى: أنهم يصلون الليل كله ولا ينامون فيه، فإن هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا على الندرة، ولم يمض الليل كله قائماً صلى الله عليه وسلم إلا قليلاً، ولكنه كان يقوم كثيراً من الليل، كما أمره الله عز وجل: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} [المزمل:2 - 4]. أي: نصف الليل، أو أقل من نصفه، أو أكثر قليلاً من نصفه، ثم قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:4]. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إن أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يصلي لله سبحانه، فيقوم نصف الليل، وينام ثلثه، ويقوم سدسه)، أي: أنه كان يقسم الليل بين قيام ونوم؛ حتى يفهم ما يقول، وحتى يواظب على ذلك، فإن أحب العمل إلى الله عز وجل أدومه وإن قل، فالمؤمن يواظب على قيام الليل، فيصلي بالليل ولو ركعتين، أو يصلي أكثر من ذلك، فيصلي كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، بحسب ما ييسر الله عز وجل له من ذلك. فعباد الرحمن لا يصلون ليلة واحدة فقط، ولا يقومون الليل في رمضان فقط ويتركونه في غير ذلك، بل قد مدحهم الله عز وجل بالمداومة على ذلك، وبين أنهم {يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ} [الفرقان:64]، يعني: كل ليلة، فهذا دابهم وعادتهم، إلا ما شاء الله سبحانه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]، أي: يراوحون بين ذلك فإنهم يقومون قياماً طويلاً، ثم يركعون ركوعاً طويلاً، ثم يسجدون سجوداً طويلاً، فالليل راحتهم، وقيام الليل جنتهم، فيقومونه لله سبحانه، ويستعينون به على طاعته سبحانه، ولذلك مدحهم الله عز وجل، وأخبر عن قيام الليل بقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]. والناشئة: القيام، يعني: فإذا كنت نائماً مستريحاً ثم قمت لتصلي فإن هذا القيام يكون فيه فهم وتدبر لمعاني آيات كتاب الله عز وجل، كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، أي: أن ما تقوله بلسانك أشد مواطئة وموافقة لما في قلبك، فتفهم بعقلك وبقلبك ما ينطق به لسانك، فيكون هناك مواطئة بين الاثنين -القلب واللسان- قال تعالى: {وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، أي: أقوم استقامة، وأقوم قولاً، والقيل بمعنى: القول، أي: أن ما ترتله تفهمه وتجيد نطقه؛ لأنك قد استرحت بالليل، ثم قمت في وقت نوم الناس تصلي لله سبحانه وتعالى؛ لتكون من عباد الرحمن. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجداً وقائماً. وكأنه يقصد من صلى العشاء ثم ذهب إلى بيته فنام، ثم قام فصلى من الليل ولو ركعتين، فهذا يكتب له أجر هذه الليلة.
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم)
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم) ومن صفات عباد الرحمن: أنهم يدعون ربهم سبحانه بهذا الدعاء الذي يدل على التواضع، فهم يعرفون قدر أنفسهم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65]، والإنسان كلما ازداد عبادة كلما ازداد قرباً من الله سبحانه وتعالى، فهم يتقربون من ربهم سبحانه، ومع ذلك يخافون عذابه، ومن صفات الأنبياء والمرسلين والأولياء: أنهم يدعون ربهم سبحانه خوفاً وطمعا، ورغباً ورهباً، مع أنهم يحبون ربهم سبحانه، ويتقربون إليه، ويرجون ما عنده من خير، ويخافون ما عنده من عذاب. فأهل التقوى يخافون على أنفسهم، وقد علموا قول الله سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]، فهذا قسم من الله سبحانه، ووعد ووعيد منه سبحانه، فلا بد من المرور على النار كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ} [مريم:71]، أي: ما منكم، وهذا حصر، والمعنى: أن الجميع يردون النار، والورود على الشيء: المرور إليه، فمن الناس من يمر ويدخل النار، ومنهم من يمر فوقها وينجوا، نسأل الله العفو والعافية، قال سبحانه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم:71]، أي: قضاءً متحتماً قد فرضه الله سبحانه عليكم، قال تعالى: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم:71 - 72]، فكأنهم استشعروا ذلك، وعلموا أنهم واردون على النار فقالوا: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} [الفرقان:65]، وكأنهم في تواضعهم يستشعر أحدهم أنه لم يتقرب إلى الله بشيء يذكر، وأن عبادته إن لم يقبلها الله عز وجل فسيكون من أهل النار، فيقول: يا رب! اصرف عني عذاب جهنم. قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65]، أي: ملازماً، وهي مأخوذة من الغريم، والغريم هو: الإنسان الذي تستلف منه، وتتدين منه، فالعادة أنه يلازمك ولا يفارقك مطالباً بحقه، فكأن النار -والعياذ بالله- عذابها يلازم أهل النار ملازمة الغريم لصاحبه، حتى ينجي الله عز وجل من يشاء بفضله وبرحمته سبحانه، قال تعالى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65].
تفسير قوله تعالى: (إنها ساءت مستقرا ومقاما)
تفسير قوله تعالى: (إنها ساءت مستقراً ومقاماً) قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:66]، أي: أنها أسوء ما يلقاه الإنسان في حياته وفي أخراه، فأسوأ شيء يمر عليه أن يرى نار جهنم أو أن يدخلها، قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:66]، أي: دار قرار يستقر بها الكفار، فهي دار إقامة يقيم بها العصاة كرهاً، أي: يكرههم الله عز وجل فيدخلهم النار، فيدعون فيها ويسحبون ويلقون جزائهم في نار جهنم، قال تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ:26]. فلما عرف عباد الرحمن قدر النار، وما فيها من مصير وعذاب أليم، دعوا: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا} [الفرقان:65 - 66]، أي: أنها بئس المستقر وبئس المقام.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، أي: وسطاً، فلا يسرفون أو يبذرون فيكونون من إخوان الشياطين، ولا أنهم يقصرون ويفرطون في الإمساك فيكونون بخلاء مذمومين، وإنما كما قال الله عز وجل: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29]، أي: لا تجمع يدك إلى عنقك، -وهذا كناية عن التقتير والبخل- ولا تسرف في كل شيء فتضيع مالك وأهلك، فلا تسرف ولا تقتر، وكن وسطاً بينهما. فكان من صفاتهم: أنهم: {إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} [الفرقان:67]، أي: لم يعطوا الكثير ويجلسون ولا شيء معهم، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان:67]، من التقتير بمعنى: التضييق والبخل، وفيها ثلاث قراءات {وَلَمْ يَقْتُرُوا} [الفرقان:67]، وهذه قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، من الفعل الثلاثي قتر، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: ((وَلَمْ يَقْتِرُوا)). فهاتان قراءتان من الفعل الثلاثي قتر، وقراءة من الفعل الرباعي أقتر، وهي قراءة نافع المدني وأبي جعفر المدني أيضاً، وقراءة ابن عامر الشامي: ((وَلَمْ يُقْتِرُوا))، فهذه ثلاث قراءات، والمعنى واحد وهو: أنهم لا يبخلون، بل ينفقون في ما أحب الله سبحانه وتعالى. يقول المفسرون في ذلك: إن من أنفق في غير طاعة الله سبحانه فهو مسرف. يعني: أن الإنفاق في معصية الله إسراف، والإمساك عن الإنفاق في طاعة الله سبحانه وتعالى بخل، فمن لا يدفع زكاة ماله، ولا ينفق النفقة الواجبة عليه، ولا يحسن إلى من أمر أن يحسن إليه فهذا مقتر، وأما من أنفق في طاعة الله سبحانه وتعالى مهما كثرت فهو محسن، وهذا هو القوام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: من أنفق مائة ألف في حقٍ فليس بصدقة. أي: كأن يحسن إلى الناس وإلى ذوي القربى، وينفق المال الكثير في حق، فهذا ليس إسرافاً. ولذلك لما أنفق أبو بكر الصديق ماله كله لم يعتبر ذلك إسرافاً، ولكن كان إحساناً من أبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه. يقول ابن عباس: ومن أنفق درهماً في غير حقه فهو إسراف. فمن أنفق ولو شيئاً يسيراً في باطل، كأن يشتري به سيجارة أو خمراً، أو شيئاً يعصي به الله سبحانه وتعالى، أو شيئاً حرمه الله عز وجل فهو مسرف، مع أنه قد يكون مالاً قليلاً. يقول ابن عباس رضي الله عنه: ومن منع من حق عليه فقد قتر. أي: الذي يمنع الحق الواجب عليه، كأن يترك عياله من غير طعام ولا شراب ولا كسوة ولا سكن وينفق على الغريب فهذا إنسان مقتر. فعباد الرحمن إذا أعطاهم الله سبحانه مالاً أنفقوه في الحق الذي أراده الله سبحانه، وينفقون النفقة الواجبة، وينفقونه إحساناً منهم، ولا ينفقون في معصية الله سبحانه، ولا يقترون، بل هم قوام أي: وسط بين ذلك. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباد الرحمن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [63 - 69]
تفسير سورة الفرقان [63 - 69] لعباد الرحمن صفات تجعلهم يرتقون فيكونون أفضل خلق الله بعد رسله، فهم متواضعون خائفون من عذاب الله، قوامون بالليل، لا يشركون بالله، ولا يقتلون النفس بغير حق، ولا يزنون، وقد وعد الله المؤمنين إذا اجتنبوا الكبائر بمغفرة الصغائر، ووعد الذين يفعلون الكبائر بمضاعفة العذاب والذل يوم القيامة.
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)
تفسير قوله تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكر الله عز وجل في سورة الفرقان من صفات عباد الرحمن، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:68 - 69]. ذكر الله سبحانه وتعالى عباد الرحمن وهم من أفضل خلق الله سبحانه، بل أفضل خلق الله سبحانه بعد أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، فذكر من صفاتهم أنهم متواضعون، وأنهم مقتصدون، وأنهم على سمت حسن، وأنهم غير متكبرين، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، فهم متواضعون، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعفون عن من ظلمهم، ويحلمون على من أساء إليهم، وردهم حسن ليس قبيحاً، وردهم جميل ليس رديئاً، فإذا خاطبهم الجاهلون بسفاهتهم كان الرد منهم المتاركة، قال تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]. يردون بذلك وهم أقوياء ليسوا ضعفاء، وهم لا يخافون من أهل الصخب، ومن أهل النفور، ولكنهم يتقون الله سبحانه، ويؤملون أن يهدي الله عز وجل هؤلاء، ويدفعون بالتي هي أحسن لعل الله عز وجل يهدي بهم هؤلاء.
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما)
تفسير قوله تعالى: (والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]، فمن صفاتهم في العبادة: أنهم يكثرون عبادة ربهم سبحانه، فحياتهم كلها عبادة لله سبحانه، ليلهم عبادة، ونهارهم عبادة لله سبحانه، وكل أعمالهم يخلصونها لله سبحانه. ولذلك المؤمن في حياته، وفي نومه، وفي قيامه، وفي صلاته، وفي صيامه، وفي أعماله، وفي كل شيء قد يحوله إلى عبادة لله سبحانه وتعالى، ينام وينوي الاستراحة، وينوي أن يقوم فيصلي من الليل، ولعله يقوم، ولعله لا يقوم، ويؤجر على ذلك. فهم يخلصون أعمالهم لله سبحانه، ويجعلون من عبادتهم، ومن معاملاتهم، ومن عادتهم ما يوافق شرع الله سبحانه، فيكونون عابدين لله ليل نهار، إذا جاء الليل يبيتون النية أن يقضوا ليلهم لربهم سجداً وقياماً، فيراوحون بين القيام والركوع، والسجود والقعود، ويعبدون الله سبحانه وتعالى، وليس معناه: أنهم لا ينامون، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينام بالليل عليه الصلاة والسلام، ولكن يقسم ليله صلوات الله وسلامه عليه، ينام ثم يقوم فيصلي، ثم يرجع فينام، ثم يقوم فيصلي، وهكذا. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها وقد سئلت عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل: (كان يصلي أربعاً)، تذكر من حسنها ومن طولها، (ثم يصلي أربعاً)، وتذكر من حسنها وطولها صلوات الله وسلامه عليه، (ثم يوتر بثلاث)، صلوات الله وسلامه عليه، فكان يقوم من الليل ويصلي ركعتين، ثم يرجع فينام حتى ينفخ، ينام صلى الله عليه وسلم نوماً متوسطاً، ثم يقوم بعد ذلك عليه الصلاة والسلام، فيصلي مرة ثانية، ثم يرجع فينام بالليل كذا مرة، ويقوم وينام عليه الصلاة والسلام، وفي كل مرة يصلي لله، فعباد الرحمن يأتسون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيقومون بالليل يصلون لله سبحانه سجداً وقياماً، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64]، أي: ساجدين قائمين، هم يسجدون، ويقومون، وأفضل الأعمال الصلاة، وأفضل الهيئات فيها السجود لله سبحانه، والعبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم مستقرا ومقاما)
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم مستقراً ومقاماً) كذلك القيام أشرف الذكر، فالمسلم يقوم ويقرأ القرآن، فهم قائمون، قارئون لكتاب الله سبحانه، ساجدون داعون ربهم، ودعاؤهم: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:65 - 66]، فهم متواضعون، ويخافون على أنفسهم، لا غرور أعمالهم، بل تراهم خائفين من دخول النار مع قومهم، وصلاتهم، ومع حسن عبادتهم، ولكن الخوف من النار يغلب عليهم في دعائهم، قال تعالى: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65]، أي: كان ملازماً لصاحبه كملازمة الغريم، كان عذاباً دائماً شديداً فظيعاً نسأل الله العفو والعافية. قال تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:66]، أي: إنها ساءت منزلة وبئس المستقر الذي يستقر به أهل النار، وبئس المقام الذي يقيم فيه أهل النار والعياذ بالله، فقوله تعالى: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:66]، أي: موضع إقامة.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، وهذه من صفاتهم الجميلة أنهم محسنون، وأنهم في الأمر وسط ما بين الإسراف وبين التقتير، وخير الأمور أوسطها. فهم لا يبذرون ولا يسرفون في الإنفاق، وأيضاً: لا يضيقون ولكن بين الاثنين، فإذا جاء وقت الإحسان أنفقوا، وليس في الإحسان إسراف، فالإنسان مهما أحسن وأعطى لله عز وجل لا يقال: مسرف في ذلك، إلا أن يضيع واجباً عليه. فهؤلاء ينفقون لله سبحانه وتعالى ويحسنون، وينفقون على أنفسهم وعلى أولادهم فلا يسرفون، ولا يقترون، وكانوا في نفقتهم بين ذلك قواماً، أو كان إنفاقهم وسطاً بين الإسراف والتقتير.
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر) ومن صفاتهم أيضاً أنهم: {لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68]، فمن أكبر الكبائر، أن يشرك الإنسان بالله سبحانه ويقتل ويزني. ولذلك جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله! أي ذنب أكبر عند الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أن تدعو لله نداً وهو خلقك)، فأعظم ذنب يقع فيه العبد أن يشرك بالله، وأن يجعل لله الند والنظير والشبيه والمثيل، فكيف يخلقك وتعبد غيره سبحانه؟ فهذا أعظم ذنب، قال: (قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، مثل ما كان أهل الجاهلية يقتلون بناتهم خشية الإنفاق عليهن. فالله عز وجل ذكر ذلك وذكر من صفات عباد الرحمن أنهم لا يفعلون ذلك أبداً، فلا يئدون بنتاً، ولا يقتلون إنساناً غريباً، ولا إنساناً آخر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال ثم أي؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك). فمن أعظم الذنوب الزنا فهو حرام، والإنسان حين يزني بزوجة جاره فهذا أفظع ما يكون، والمفترض أن الإنسان مؤتمن على جاره، سواء كان هذا الجار مسلماً أو كان كافراً، فهناك ائتمان بين الجار وجاره، والجار أقرب الناس إلى جاره يعينه في وقت حاجته إليه، في مرض أو في جنازة أو في حاجة، فالجار يسرع إليه قبل أقربائه. فلذلك الجار له حقوق عظيمة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، يعني: ظن النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة وصية جبريل له بالجار أن الله سينزل في آيات المواريث أن الجار من ضمن الورثة، ظن ذلك صلوات الله وسلامه عليه من كثرة الوصية به، فهنا يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الفواحش والذنوب أن الإنسان يزني بحليلة جاره، والزنا مع أي امرأة كبيرة من الكبائر ويستحق صاحبها أن يقام عليه الحد في الدنيا، ويستحق عقوبة الله في الآخرة. ولكن إذا كان الزنا بحليلة الجار فهو أفظع وأشد والعقوبة فيه أشد، ففي الآية أخبر الله عز وجل عن هؤلاء المؤمنين أنهم لا يدعون مع الله إلهاً آخر، ولا يشركون بالله صنماً ولا وثناً، ولا يشركون حجراً ولا شجراً ولا إنساناً ولا جاناً ولا ملكاً ولا غير ذلك، بل يدعون ربهم وحده لا شريك له. وقوله تعالى: {َلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان:68]، وهنا استثنى، فقتل النفس قد يكون بباطل وقد يقتل بحق؛ ولذلك استثنى الله سبحانه القتل بالحق، جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام)، وأخبر في الحديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، فهذه ثلاثة أشياء لا يحل دم المرء المسلم إلا بها. فالإنسان يقتل نفساً بغير حق، فيستحق أن يقام عليه القصاص، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النفس بالنفس)، قال: (الثيب الزاني)، أي: الإنسان المتزوج الذي يقع في الزنا يستحق الرجم، والثالث: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، فالإنسان الذي ارتد بعد إسلامه إذا لم يتب ويرجع إلى الإسلام فهذا يستحق القتل. هؤلاء الثلاثة يستحقون ذلك، فالاستثناء عائد على هؤلاء، فعباد الرحمن لا يقتلون نفساً بغير حق إلا أن يكون جهاداً في سبيل الله سبحانه أو قصاصاً أو إقامة حدود الله سبحانه. قوله تعالى: {وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68]، أي: لا يقعون في الزنا، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الزنا وأنه كبيرة من الكبائر، وذكر لنا الحد الذي يكون في الزنا، فالله سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم لا يقعون في الكبائر، وقد وعد الله عز وجل المؤمنين الذين لا يقعون في الكبائر بمغفرة الذنوب ودخول الجنة، والكبائر كثيرة منها: الشرك بالله، السحر، قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أكل الربا، أكل مال اليتيم، التولي يوم الزحف، قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، عقوق الوالدين، السرقة، التولي بعد الإسلام، وارتداد أعرابي بعد الهجرة، الرشوة، أكل السحت. فهذه كبائر إن اجتنبها الإنسان المؤمن حتى يموت، فالله عز وجل يغفر له صغائر ذنوبه، لذلك جاء في القرآن قول الله سبحانه: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31]، فجعل الله اجتناب الكبائر مكفراً لصغائر الذنوب وهذا من رحمة رب العالمين سبحانه. وجعل للعباد مكفرات يكفر بها ذنوبهم، ومن هذه المكفرات أن الإنسان يصلي الصلوات المكتوبة، الصلاة إلى الصلاة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة، والحج كلها مكفرات تكفر ذنوب العبد. فالإنسان إذا أذنب ذنباً توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين، واستغفر الله من هذا الذنب غفر الله له هذا الذنب، وجعل من المكفرات للذنوب اجتناب الكبائر، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء:31]، أي: صغائر ذنوبكم، {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]، فعباد الرحمن يجتنبون الكبائر فاستحقوا المغفرة، ويصلون ويفعلون الطاعات فاستحقوا الدرجات.
تفسير قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما ويخلد فيه مهانا)
تفسير قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ويخلد فيه مهاناً) يقول الله سبحانه: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} [الفرقان:68]، يعني: من الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والزنا {يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68]، يعني: يجد العذاب الشديد من الله سبحانه وتعالى، وقوله تعالى: {أَثَامًا} [الفرقان:68]، أي: عقوبة الإثم، وقالوا: هو واد في قعر جهنم جعله الله عز وجل للكفرة وأشباههم. فهؤلاء الذين يقعون في هذه الكبائر يقعون في هذا الوادي في نار جهنم والعياذ بالله، أو يجدون عقوبة إثمهم. قال تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان:69]، أي: من يفعل ذلك، يعني: كل من يفعل ذلك. قال سبحانه: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، وقوله: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان:69]، قرئت بالسكون على الجزم عطفاً على: {يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68]، الذي هو جواب الشرط، فكلمة (يضاعف) معطوفة عليه فهي مجزومة، وقرئت بالرفع على الحال والاستئناف. وقوله: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} [الفرقان:69]، وقرئت: (يضاعفُ) وقرئت بالتضعيف: ((يضعّفْ لَهُ الْعَذَابُ))، وقرئت أيضاً: ((يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ))، فيكون هناك أربع قراءات في هذه الكلمة. فقراءة نافع وأبي عمرو وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]. وقراءة شعبة عن عاصم: (يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)، بالرفع فيها، وقراءة ابن كثير وقراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب: ((يُضَعَّفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)). والقراءة الباقية وهي قراءة ابن عامر: ((يُضَعَّفُ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)). أيضاً كلمة: {فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، فيها قراءتان: قراءة بالوصل والإشباع، {فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، وهي قراءة حفص عن عاصم وكذلك ابن كثير، كأن فيها ياء في آخرها، {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]. أما باقي القراء فيقرءونها بالكسر فقط، {وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، فكلمة: {فِيهِ} [الفرقان:69]، نجد في المصحف أنها مسكورة وبعدها ياء مقلوبة أي في أعلى الهاء، فمعناها: أنك تقرأ بالياء. والمعنى: أن الله عز وجل يضاعف العذاب يوم القيامة على الذين يشركون بالله، ويأتون الكبائر، ويجعلهم خالدين في نار جهنم في هذا العذاب الشديد، فهم يستحقون الهوان، ويستحقون الإهانة في نار جهنم. وإذا استغاثوا بربهم قال لهم: اخلدوا فيها، امكثوا فيها، قال تعالى: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]. فقوله تعالى: {اخْسَئُوا فِيهَا} [المؤمنون:108]، مثل ما يقال للكلب: اخسأ، فيقال لأهل النار والعياذ بالله: اخسئوا، فيعاملون معاملة الكلاب وهم في نار جهنم، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [70 - 71]
تفسير سورة الفرقان [70 - 71] رحمة الله واسعة وحلمه عظيم، فهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير، والإنسان إذا تاب إلى الله لابد أن يعمل صالحاً حتى يبدل الله سيئاته حسنات، وأن يقلع عن الذنب فلا يعود إليه أبداً، ويرد الحقوق إلى أصحابها إن كان لهم حقوق.
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)
تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان:70 - 71]. يذكر الله سبحانه وتعالى في آخر هذه السورة الكريمة صفات عباد الرحمن، فمن صفاتهم: وأنهم {يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، ومن صفاتهم: أن نفقتهم متوسطة، فلا يسرفون ويبذرون ولا يقترون، ولكن: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، ومن صفاتهم: أنهم لا يقعون في الكبائر، فلا يشركون بالله سبحانه {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68]، والله سبحانه وتعالى يحذر من الوقوع في الكبائر ويقول: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان:68]، فالذي يقع في كبيرة من الكبائر يجد العقوبة من الله سبحانه وتعالى، والآثام هنا: جمع إثم، وقد وضحه ربنا وفسره بأنه: مضاعفة العذاب، فقال تعالى: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان:69]، فمن أشرك بالله سبحانه فالله لا يغفر له شركه إذا مات على الكفر بالله سبحانه، بل هو من أهل النار ويخلد في النار مهاناً، كذلك الذي يأتي كبيرة من الكبائر يستحق العذاب ويخلد في النار، ولكن خلود الموحدين الذي هو دون خلود من أشرك بالله سبحانه وتعالى، فالخلود لمن قتل النفس المؤمنة أو وقع في الزنا أو فعل الكبيرة من الكبائر دون الشرك بالله يخلد في النار إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى، ولكن الكافر لا يخرج أبداً من النار. قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان:70]، فرحمة الله عظيمة وواسعة، قال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156]، فالإنسان الذي يقع في كبيرة من الكبائر دون الشرك، ثم يتوب إلى الله سبحانه، يفتح الله له باب التوبة، فيقول هنا: {إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان:70]، يعني: حتى ولو وقع في هذه الكبائر، ثم تاب إلى الله سبحانه وآمن وعمل عملاً صالحاً، إذاً: إذا كان إنساناً مشركاً ووقع في الذنوب والكبائر ثم تاب من الشرك فدخل في الإسلام، فهذه التوبة بدخوله في الإسلام، تجب ما قبلها، فتوبته في الدخول في الإسلام تجب ما كان عليه من شرك قبل ذلك، وفي الحديث: (الإسلام يجب ما قبله). قال تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان:70]، والتوبة ليست مجرد قول باللسان، يقول: تبت إلى الله وهو ما زال يقع في الذنب أو يقع في الشرك، ولكن التائب من الذنب من يندم ولا يعود إلى فعله أبداً، ففي سنن ابن ماجة عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وليس التائب الذي يقع في الذنب ويصر عليه، ولكن التائب الذي ندم على ذنبه وأقلع عنه، واستغفر ربه سبحانه وتعالى وتاب وأناب، وأعاد الحقوق إلى أصحابها إن كانت هناك حقوق أخذها من الناس، فهذا هو التائب إلى الله سبحانه، أقلع عن الذنب، وندم عليه، وعزم ألا يقع فيه مرة أخرى، ورد الحقوق إلى أصحابها، قال الله سبحانه مقيداً هذه التوبة: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} [الفرقان:70]، أي: إذا كان كافراً فتاب بأن دخل في هذا الدين، قال تعالى: {وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} [الفرقان:70]، إذاً: لا بد من العمل الصالح بعد التوبة. فالذي يعصي ربه ويقول: أستغفر الله، تبت إلى الله، وهو ما زال مواقعاً للذنب هذا لم يتب توبة حقيقية؛ لأن التوبة كما يقول ربنا سبحانه أن يتوب ويؤمن ويعمل عملاً صالحاً حتى يبدل الله سيئاته حسنات، قال سبحانه: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:70]، وفضل الله عظيم، وهو الذي يملك أن يحول قلوب عباده من معصية إلى طاعة، ومن كفر إلى إيمان، فقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ} [الفرقان:70]، يعني: التائبين {يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان:70]، وتحتمل معان تحتها، يعني: بعدما تابوا إلى الله وعملوا صالحاً يلهمهم الله عز وجل الحسنات فيعملونها فيبدل ما قد كانوا اقترفوه من إساءة وفواحش وكفر إلى إيمان وإحسان وطاعة، فالله يبدل في الدنيا أعمالهم من أعمال سيئة رديئة إلى أعمال حسنة صالحة، ويقول بعض أهل العلم ومنهم الحسن: قوم يقولون: التبديل في الآخرة وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشك، وإحصاناً من الفجور، والجزء الثاني من كلام الحسن صحيح، وهو أن الله يبدل في الدنيا سيئات هؤلاء حسنات، ولا مانع من أن يبدل في الآخرة أيضاً كما صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، إذاً: الإنسان يتقي الله سبحانه، وإذا وقع في السيئة فليتبعها بالحسنة، فإن الحسنة تمحو هذه السيئة، فإذا تاب العبد إلى الله وعمل صالحاً فالله يمحو العمل السيئ بهذا العمل الصالح الذي عمله، وقد جاء من فضل الله عز وجل ومن رحمته ما هو أعظم من ذلك، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وآخر أهل النار خروجاً منها)، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من عصاة الموحدين هو آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة، فهو قد دخل النار وعذب فيها، ولكن نفعه توحيده وقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يصلي في الدنيا، ولكن وقع في معاص أوبقته، ووقع في كبائر استحق بها أن يدخل النار وأن يخلد فيها إلى ما شاء الله سبحانه، ولكن أخرجه الله عز وجل بعد ذلك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها)، فالله عز وجل يقول للملائكة بعد أن دخل هذا العبد النار وخرج منها بفضل رب العالمين سبحانه: هاتوا له كتاب أعماله واعرضوا عليه هذه الذنوب. فهذا العبد وقع في كبائر الذنوب، ووقع في صغائر الذنوب، فاستحق النار بسبب ما وقع فيه من الذنوب، ثم أخرجه رب العالمين من النار، قال: (اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا كذا وكذا وكذا، وعملت يوم كذا كذا وكذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه)، فهو صاحب كبائر وصغائر، فالله عز وجل لما رحمه وأخرجه من النار وجاز الصراط أراد أن يزيده من فضله سبحانه، فقال للملائكة: (اعرضوا عليه كتاب الأعمال)، أي: اخفوا عنه الكبائر وأروه صغائر الذنوب، فنظر الرجل ولم ينكر أنه فعل هذه الذنوب، يقول: (وهو مشفق من كبار ذنوبه)، أي: خائف ألا يفضح أيضاً بكبار ذنوبه، قال: (وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة)، يعني: أنت ما كنت تستحق شيئاً من الحسنات بل استحققت النار، فأخرجناك وجاوزنا بك الصراط، والآن سنعطيك، فهذا العبد عرضت عليه صغائر الذنوب، فلما رآها خاف وأشفق أن تعرض عليه الكبائر، فإذا بالله عز وجل يستر الكبائر ويريه هذه الصغائر، ثم يقول: سنبدل مكان كل صغيرة حسنة من الحسنات، فلما رأى الرجل ذلك إذا به يطمع فيقول: يا رب! قد عملت أشياء لا أراها ها هنا، قال: (فضحك النبي صلوات الله وسلامه عليه حتى بدت نواجذه)، فقد كان مشفقاً من كبائر الذنوب، وإذا به يذكرها لما رأى أن الله يبدله. فهذا الحديث الذي في صحيح مسلم فيه: أن الله بفضله وبكرمه يبدل يوم القيامة لبعض الناس، أو للتائبين من الناس، أو لمن يشاء من خلقه سبحانه ذنوبهم إلى حسنات ويعطيهم أجراً، وهذه الآية تدل على أن هذا الذي بدلت سيئاته حسنات قد تاب إلى الله سبحانه، والحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخر أهل النار خروجاً منها)، إذاً: معناه: هذا دخل النار ومكث فيها ما شاء الله عز وجل، ثم أخرجه الله من النار وأدخله الجنة برحمته، وليدخله الجنة هو فمحتاج لحسنات، فإذا بالله يبدل صغائر ذنوبه إلى حسنات ويدخله الجنة برحمته سبحانه وتعالى. حديث آخر رواه الطبراني بإسناد رجاله ثقات وفيه: أن رجلاً كنيته أبو طويل قال: (يا رسول الله! أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها فهل له من توبة؟)، فهو رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أنه وقع في ذنوب كثيرة وما ترك لا حاجة ولا داجة إلا وقع فيها، والحاجة: الذنوب التي تختص بالحجيج، أي: سرقة الحجيج، وهي مصيبة من المصائب، فهو يقطع على الحجيج طريقهم، ويسرق أموالهم، ثم أدركته التوبة فتاب إلى الله سبحانه وذهب يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا اقتطعها فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل أسلمت؟)، يعني: كأن
تفسير سورة الفرقان [71 - 72]
تفسير سورة الفرقان [71 - 72] من صفات عباد الرحمن: أنهم يتوبون إلى الله توبة نصوحاً، ويتبعون هذه التوبة بالعمل الصالح الذي يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ومن صفاتهم أيضاً: أنهم لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، فضلاً عن العمل به، فهم ينزهون أنفسهم عن ذلك، وعن اللهو بسائر أنواعه، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
تفسير قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)
تفسير قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان:71]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وما قبلها وما بعدها عن صفات عباد الرحمن، وذكر في خلال الآيات التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وقال: ((وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا))، والتوبة: هي الرجوع عن الذنب، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والإنسان التائب توبة نصوحاً هو الذي يندم على ذنبه الذي وقع فيه، ويعزم ألا يرجع إليه مرة أخرى، ويستغفر ربه سبحانه وتعالى من هذا الذنب، ويعيد الحقوق لأصحابها، ويستحل أصحابها مما عليه لهم، فمن تاب هذه التوبة النصوح التي أمر الله بها بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم:8]، فقد تاب توبة خالصة لله سبحانه وتعالى. قوله: ((وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا)) أي: أن التوبة ليست كلمة يقولها المرء باللسان، ولكن لا بد أن تكون عن اعتقاد في القلب، وعزم على ألا يرجع إلى المعصية، وندم على هذه المعصية التي وقع فيها، ثم يعمل صالحاً حتى يبدل الله عز وجل عمله من عمل سيئ إلى عمل حسن، فيبدل الله السيئات إلى حسنات، فهذه هي التوبة المقبولة التي يستحق بها العبد أن يكفر الله عز وجل عنه سيئاته، قال: {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان:71]، يعني: يتوب إلى الله توبة حقيقية، توبة خالصة، يرضى الله عز وجل عنه بها. جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن ماجة عن ابن مسعود مرفوعاً: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وهذا من فضل الله العظيم سبحانه، فإذا تاب العبد توبة بشروطها فهذا كأنه لم يأت ذنباً، وكأنه لم يقع في الذنب، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث فقال: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فالإنسان الذي يقع في المعصية، ولكن يستدرك ذلك ويراجع نفسه، ويرجع إلى ربه سبحانه وتعالى بالتوبة، فهذا يتوب الله عليه، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد يذنب ذنباً، ثم يقوم فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران:135]). فالإنسان المؤمن يذكر الله عز وجل، فيستغفر لذنبه الذي وقع فيه، فإذا تاب تاب الله عز وجل عليه، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح فقال: (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه)، يعني: أن باب التوبة مفتوح إلى أن تظهر العلامات الكبرى للساعة، فإذا ظهرت العلامات الكبرى، والتي منها: طلوع الشمس من مغربها، وهذه من أكبر العلامات التي تدل على أن الساعة على وشك، فإذا تاب العبد قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عز وجل عليه، أما بعد طلوعها من المغرب فلا تقبل. كذلك إذا تاب المرء قبل أن يغرغر فإن التوبة مقبولة قبل الغرغرة، يعني: قبل أن تصل الروح إلى حلق الإنسان.
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما)
تفسير قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً) قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]، فهنا شهد الزور بمعنى: أنه أتاه، أو أنه حضره ونظر إليه، ومن حضره فكأنه فعله. فالإنسان المؤمن الذي هو من عباد الرحمن لا يشهد الزور، فإذا كان لا يحضر الزور فمن باب أولى ألا يشهد شهادة زور، فإذاً: على ذلك هنا (لا يشهدون الزور) أعم من كلمة (لا يشهد بالزور). فشهادة الزور بأن يشهد كذباً، وتكون مرة وتكون مرات، ولكن لا يشهدون الزور أي: لا يحضرونه، ولا يسمعونه، ولا يكونون في مكان فيه زور، وأصل الزور: الكذب، أو الشيء المزور المزخرف، يعني: الشيء المايل من الازورار، أو من التزوير، فزور المقالة بمعنى زخرفها وزينها، وازور عن الحق بمعنى مال عن الحق، فهؤلاء لا يشهدون الشيء المائل عن الحق والشيء الباطل، يعني: لا يحضرون باطلاً ولا يشاهدونه، ولا يخوضون فيه، فهم قد نزهوا أنفسهم وأكرموا أنفسهم عن ذلك.
أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور)
أقوال المفسرين في معنى قوله تعالى: (والذين لا يشهدون الزور) قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان:72] جاء عن المفسرين في معنى هذه الآية أقوال، ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس أنه قال: هو أعياد المشركين. أي: من ضمن شهادة الزور أن الإنسان يشهد ويحضر أعياد المشركين، ويوافقهم في أعيادهم. ويقول عكرمة: لعب كان في الجاهلية. يعني: أياماً كانوا يلعبون فيها في الجاهلية. وقال مجاهد: يعني: الغناء. وذلك بأن يجلس ويغني ويعزف ويسمع الموسيقى والألحان ونحو ذلك. وقال ابن جريج: الكذب. وقال علي بن أبي طلحة ومحمد بن علي: لا يشهدون بالزور. وكأنها من الشهادة، وليس من المشاهدة، وكل هذا صحيح، وكله مراد. والمعنى: أن الإنسان المؤمن ينزه نفسه أن يوجد في مكان يغضب الله عز وجل على أهل هذا المكان، فلا يحضر شهادة زور، ولا يحضر مكاناً فيه زور وفيه لغو وفيه ما ينبغي أن يطرح وأن يلغى، ولا يتكلم بمثل ذلك.
فظاعة شهادة الزور والتحذير منها
فظاعة شهادة الزور والتحذير منها شهادة الزور من أعظم وأفظع المنكرات، فهو هنا لم يقل: لا يشهدون بالزور، وإنما قال: ((لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)) سواء قل أو كثر، فشهود الزور بأن يحضر مجلساً فيه لغو ولعب، وإن كان لن يعمل معهم ذلك، ولكنه لا ينكر عليهم، فهذا شهد مشهداً باطلاً لا ينبغي له أن يشهده. فالإنسان الذي يتكلم بالكذب مصاب بمصيبة، ولذلك جاء في شهادة الزور في الصحيحين من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، أو قال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، يقول أبو بكرة: فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت)، يعني: كررها عدة مرات لتوعية الناس وتحذيرهم من قول الزور وشهادة الزور، وهناك فرق بين الاثنين، فقول الزور: أن يتكلم الإنسان من غير شهادة عند القاضي أو غيره ويكذب في الكلام، فهذا قول الزور وقول الكذب، أي: ينمق القول ويزخرفه على من معه فيدلس عليه ويكذب عليه. أما شهادة الزور: فهي أن يكذب في الشهادة عند القاضي أو عند الحاكم في الدعاوى أمام الناس، فهنا حذر من الكذب في الكلام، وهذه شهادة الزور، قوله: (وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)، فما زال يكررها صلوات الله وسلامه عليه بياناً أن هذا شيء فظيع، وشيء عظيم، والله عز وجل يعاقب عليه أشد العقوبة. فشاهد الزور واقع في أكبر الكبائر؛ لأن الإثم فيها ليس على نفسه فقط، ولكن على هذا الذي شهد عليه زوراً، فقد ضيع حقه، فبدل أن يأخذ الحق بشهادة هذا، يضيع الحق منه إلى غيره. فلذلك الإنسان الذي يحلف كذباً ليقتطع مال المسلم، هذا حلف يميناً غموساً تدخله في النار وتغمسه فيها، وتسمى: يمين الغموس، فكيف بمن يشهد بالزور حتى يضيع حق الإنسان فيأخذه غيره؟ هذا شاهد زور، فله العقوبة الأليمة عند الله سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور). كذلك جاء في حديث آخر في أمر الإنسان الذي يتعبد ويصوم لله سبحانه، ثم مع ذلك يتكلم بالزور، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، يعني: الإنسان الذي يقول: أنا صائم سواء كان صيام تطوع أو فريضة، وحياته كلها زور وكذب وغش وأكل لأموال الناس، نقول له: صائم عن الطعام والشراب، ومفطر على أعراض الناس، ومفطر على الزور وأكل أموال الناس، فليس لله حاجة في أن تدع طعامك وشرابك. فالإنسان المؤمن يصلي صلاة تمنعه من الفحشاء والمنكر، ويصوم صوماً يمنعه من ذلك، قال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، وكذلك الصوم، فقال هنا: (من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). أيضاً: جاء عن عمر رضي الله عنه، أنه أتي بشاهد زور، فأوقفه أمام الناس يوماً إلى الليل؛ وقد أوقفه أمام الناس من أجل أن يفضحه أمام الناس؛ لأنه شاهد زور، ثم قال: هذا فلان يشهد بزور، فاعرفوه، ثم حبسه عمر رضي الله تعالى عنه. وفي رواية: أنه ضربه أحد عشر سوطاً، ثم قال: لا تأسروا الناس بشهود الزور. يعني: لا تحبسوا الناس بسبب إنسان يشهد عليهم بالزور، واتقوا الله سبحانه وتعالى في الناس، وذلك بأن تتحروا من الشاهد الحق، فمن زكاه الناس فاقبلوه، أما شاهد لا تعرف عنه شيئاً، ويأتي يشهد بالزور وتحبس الناس من أجله، فلا تفعلوا ذلك، ثم قال: فإنا لا نقبل من الشهود إلا العدل.
معنى اللغو وأقوال المفسرين فيه
معنى اللغو وأقوال المفسرين فيه يقول الله سبحانه في صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72]، اللغو: هو الكلام اللغو وأفعال اللغو، فعباد الرحمن إذا حضروا مجالس فيها لغو، نزهوا أنفسهم وأكرموها؛ لأن الله عز وجل أعزهم بالإيمان، وبحب الله سبحانه، فهم ينزهون أسماعهم أن تسمع باطلاً، وينزهون ألسنتهم أن تنطق بباطل، وينزهون أبدانهم أن يحضروا مجالس باطل، فهنا قال: ((وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)) أي: الإنسان المؤمن يكرم نفسه فلا يهينها بالمعصية، يكرم نفسه بالطاعة، ويكرم نفسه بمصاحبه الأخيار، ولا يهين نفسه بمصاحبة الفجار والأشرار، فالإنسان المؤمن يبتعد عن أهل الزور، وعن أهل الخيانة وأهل الكذب وأهل الباطل، لا يرافقهم ولا يجالسهم، فإذا مر بمكان فوجد هذا الزور وهذا الباطل نزه نفسه وأكرمها وابتعد عن ذلك. يقول المفسرون في ذلك: هو كل ما سقط من قول أو فعل. يعني: الأفعال الساقطة والأقوال الساقطة، فيدخل فيه الغناء، ويدخل فيه اللهو وتدخل فيه الموسيقى ونحو ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين، وذكر النساء وغير ذلك من المنكر. قال مجاهد: إذا أوذوا صفحوا، يعني: نزهوا أنفسهم عن رد الكلام السيئ بالكلام السيئ، ولكنهم يعفون ويصفحون، قال: وإذا ذكروا النكاح كنوا عنه. يعني: فألفاظهم ألفاظ رقيقة مهذبة، وليست ألفاظاً فاحشة، فهم لا يتكلمون إلا بالكلام الطيب لا بالكلام البذيء، يكنون عما يستقبح ولا يصرحون به. قال المفسرون في قوله تعالى: ((وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)) أي: معرضين منكرين لا يرضونه، ولا يمالئون عليه، ولا يجالسون أهله. أي: مروا مرور الكرام، ينزهون أنفسهم أن يخوضوا في باطل هؤلاء، فهذا يكون قد أكرم نفسه أن يهينها بمعصية الله سبحانه وتعالى. وقيل: المعنى: أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا وجد منكراً، فمروره بالمنكر بأن ينهى عنه، وأن يأمر بالمعروف، وإذا لم يقدر على ذلك فلا يمر به ولا يجلس معه والله أعلم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من عباد الرحمن. أقول قولي هذا, وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [73 - 74]
تفسير سورة الفرقان [73 - 74] من صفات عباد الرحمن: أنهم إذا ذكروا بآيات الله تذكروا، ومن صفاتهم: أنهم يدعون لأنفسهم وأهليهم بالخيرات، ويحرصون على صلاح أزواجهم وذرياتهم.
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا)
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الفرقان في ذكر صفات عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:73 - 74]. هذه الآيات الكريمة من سورة الفرقان يذكر الله عز وجل فيها صفاتاً لعباد الرحمن، ومن صفات عباد الرحمن التي ذكر هنا: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، ففي هذا بيان لكيفية عبادة عباد الرحمن لربهم سبحانه وتعالى وتقربهم إليه، وكيف يستمعون النصيحة من كتاب الله ومن هدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فإذا ذكروا تذكروا ولم ينسوا، إذا ذكروا بآيات الله سبحانه أقبلوا عليها بقلوبهم ووجوههم وعقولهم متفهمين متدبرين واعين متذكرين متعظين منتفعين بها، فمن صفاتهم إقبالهم على كتاب الله سبحانه وتعالى. قال الله: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، وكأن الآية فيها تعريض بالذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صماً وعمياناً، والخرور: السقوط، ولا سقوط حقيقة، فالذين يعرضون عن آيات الله عز وجل كأنهم سقطوا سقوطاً معنوياً، فهؤلاء أعداء الله سبحانه لا يسمعون ولا يستجيبون بل يبتعدون عن سماع كتاب الله سبحانه وتعالى، وخروا عليها صماً وعمياناً، فبدل أن يقبلوا إلى الله عز وجل أعرضوا عنه، أما عباد الرحمن سبحانه فإنهم يخرون لله عز وجل مطيعين له، ساجدين له، وإذا ذكروا تذكروا. وأولئك الذين يعرضون عن آيات الله يخرون عليها صماً وعمياناً، أي: يعرضون عن كتاب الله عز وجل، كقولك: فلان قعد يفعل كذا وكذا وليس ثم قعود، ويقال: قعد فلان يرد على فلان، وقد يرد عليه وهو قائم، وقد يرد عليه وهو ماش، ولكن المعنى: أنه توجه إليه وانتبه إليه بكليته ليرد عليه مثلاً، فهؤلاء عباد الرحمن {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، بل خروا عليها يستمعون كلام الله عز وجل وهم يعون ويفهمون ذلك، فكأنهم خروا على كتاب الله عز وجل وأقبلوا عليه فلم يعرضوا عنه، واستمعوا وانتفعوا بذلك، وذكر في آيات أخر أنهم {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:107 - 109]، فهذا إقبال عباد الرحمن على الطاعة، وإذا جاءت آيات من آيات الله عز وجل فيها سجود خروا لله سجداً، فهذا خرور حقيقي، فهم مقبلون على كتاب الله سبحانه، متدبرون لما يقوله الله سبحانه، فإذا جاءت آية السجدة خروا لله عز وجل سجداً له، فخرورهم خرور القلوب وخرور الأبدان، ويخرون بقلوبهم ويقبلون ويتوجهون سجداً لربهم سبحانه، ولا يخرون صماً وعمياناً.
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين)
تفسير قوله تعالى: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين) قال الله سبحانه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} [الفرقان:74]، أي: يدعون {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]، هذا دعاؤهم يدعون ربهم، وقد دعوا قبل ذلك فتعوذوا بالله من النار فقالوا: {رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان:65]، ودعوا فسألوا ربهم سبحانه من فضله ومن رحمته دعاء ينفعهم في الدنيا وفي الآخرة، وما أجمل هذا الدعاء! {رَبَّنَا هَبْ لَنَا} [الفرقان:74]، أعطنا من فضلك ومن كرمك، وامنحنا وهب لنا أي: اجعل {لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74]. وقوله: {وَذُرِّيَّاتِنَا} [الفرقان:74] فيها قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب، فهؤلاء يقرءون: {وَذُرِّيَّاتِنَا} [الفرقان:74] على الجمع، وقراءة باقي القراء أبي عمرو وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (وذريتنا قرة أعين) على الإفراد، والذرية: هم الأبناء والأحفاد، وذرية الإنسان: ما خلق الله عز وجل من نفسه، وأصلها: من الذر، والذر: البث والنشر، فما كان من الإنسان من أولاده وأحفاده فيسمون: ذرية، فعباد الرحمن يدعون بالدعاء الذي ينتفعون به في الدنيا وفي الآخرة: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74]، وقرة العين من القرور أو من القر، والقر: البرد، والقرور: الاستقرار، فكأنهم أرادوا المعنيين: اجعل لنا من الأزواج ومن الذرية ما تقر به أعيننا، أي: يجعل العين فيها قرة وبرودة، والإنسان الحزين تكون دمعة حزنه حارة، وإذا بكى من الفرح كان بكاؤه بارداً، فكأنهم يقولون: ربنا أفرحنا بطاعتهم لك سبحانك، وطاعة الأزواج، وطاعة الوالدين، واجعلهم مطيعين فنفرح بهم، فنرى أولادنا يحفظون كتاب الله عز وجل، ويحافظون على شرع الله سبحانه، ويقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيفرح المؤمن بزوجته وأولاده ويسر حين ينظر إليهم، فهم يطيعون الوالدين، والزوجة تطيع زوجها طاعة لله سبحانه وتعالى، فتقر أعين عباد الرحمن بهذه الطاعة لله سبحانه وتعالى، فانتفعوا بهم في الدنيا وفي الآخرة ينتفعون بهم أيضاً، فإن حفظ الأولاد كتاب الله سبحانه وتعالى يكسى الوالدان من حلي الجنة بسبب حفظ أولادهم لكتاب الله عز وجل، وقد يكون الأولاد والذرية لهم درجات عالية رفيعة عند الله عز وجل فيشفعون في آبائهم ويرتفعون إلى درجاتهم بهذا الأمر، فالله عز وجل يجعلهم مصدر سرور لهم في الدنيا، ومصدر فرح وحبور في الآخرة. وأيضاً الإنسان المطمئن الفرح عينه قارة، والإنسان الحزين والخائف عينه غير مستقرة ينظر شمالاً ويميناً وهو متحير، فهم يدعون الله عز وجل أن يثبتهم، وأن يقر أعينهم ويجعلها قارة فرحة مستبشرة بذلك، فيقولون: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74]، يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وذلك أن الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم لـ أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة عظيمة مباركة فقال: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه)، فكان أولاده وأحفاده يتجاوزن المائة. والأولاد الكثيرون إن كانوا مطيعين لله عز وجل ينتفع الأب والأم بهم، وهذه من البركة فيهم، يقول العلماء: الإنسان إذا بورك له في ماله وولده قرت عينه بأهله وعياله، وإذا كانت عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة، فالزوجة من صفاتها التي تعجب الإنسان أن تكون مقبولة جميلة عنده، وأن تكون عفيفة، وأن تطيعه إذا أمر، وأن تخاف أن يغضب عليها، فإن غضبه قد يكون منه غضب الله سبحانه وتعالى، وتكون فيها حوطة تحوط أهلها بالخير، تحوطهم بالحنان، وبالرأفة، وبالرحمة، وبالرعاية، وتحوط بيتها فهي راعية في مال زوجها، (وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته). ومن فائدة الذرية الطيبة: أنهم يعينون الوالدين على طاعة الله عز وجل، ويعينونهم في أمر الدنيا وأمر الآخرة، فإذا كان الإنسان على هذا الحال لم يحسد الناس ولم يلتفت إلى زوج أحد ولا إلى ولده، واستقرت عينه، فعباد الرحمن يسألون الله عز وجل أن يجعل في أزواجهم وذريتهم ما يكفيهم وما يغنيهم عن أن ينظروا إلى الناس ويحسدوهم، فالمؤمن تسكن عينه عن الملاحظة، ولا تمتد عينه إلى ما ترى، وذلك حين قرت العين وسكنت النفس. ثم قال: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]، وهذا من الدعاء العظيم الجميل، وأن يكون الإنسان إماماً لأهل التقوى، وليس إماماً لعموم الناس، ولكن للمتقين، وهذه درجة رفيعة عالية جداً للإنسان، وليس معناها أن يكون إماماً في الصلاة، وكم من المتقين من لم يكن من أئمة الصلاة، كأئمة المسلمين مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة وغيرهم من أئمة المسلمين، فلم يكونوا أئمة في الصلاة، فالإمامة هنا إمامة الدين، الإمامة في الزهد، الإمامة في التقوى، الإمامة في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيقولون: {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]. جاء في الموطأ: أن عمر رضي الله عنه قال لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنه: إنكم أيها الرهط! أئمة يقتدى بكم، قال هذا عمر لما رأى طلحة بن عبيد الله محرم في شملة مزخرفة أو حمراء، فأنكر عليه عمر رضي الله عنه ذلك، وقال: يقولون: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس ذلك، فحرج عليه ألا يلبس ذلك، وقال: إنكم أئمة يقتدى بكم. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المتقين. فالإنسان المؤمن يدعو أن يكون إماماً للمتقين، {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74]، ولم يقل: أئمة؛ لأن (إماماً) هنا مصدر، فالمصدر يأتي في الإفراد وفي الجمع على هيئة واحدة، فكأن المعنى: أئمة نؤم المتقين ونكون أمامهم عند الله سبحانه ومقربين ويقتدى بنا في الدنيا ونتقدمهم يوم القيامة. يقول القشيري: الإمامة بالدعاء لا بالدعوة. يعني: أن الإنسان يكثر دعاء ربه سبحانه وتعالى، والتبتل بين يديه، والابتهال لله عز وجل، فيقربه الله عز وجل ويجعله إماماً يقتدى به في الخير. وكم من إمام يؤم الناس في الصلاة ولا يقتدى به ولا يصدق له في الأمر، وكم من إنسان مغمور بين الناس ليس مشهوراً ولكن أهل التقوى ينظرون إليه أنه من أهل الزهد وأنه من أهل العفة، وأنه من أهل الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء الأئمة الذين تعرفهم ملائكة الله عز وجل وتصلي عليهم وتدعو لهم. يقول إبراهيم النخعي: لم يطلبوا الرياسة بل دعوا أن يكونوا قدوة في الدين. وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: اجعلنا أئمة هدى. وقال مكحول: اجعلنا أئمة في التقوى يقتدي بنا المتقون. فالإنسان المؤمن يدعو ربه سبحانه أن يجعله صالحاً، وأن يجعل الناس يقتدون به، وإذا اقتدى به الناس فكل عمل طيب يعمله ويعمله الناس يكون له أجر فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء). إذاً: الذي يفعل الفعلة الحسنة ويتقرب بها إلى الله ويقتدي به الناس فيها يكون له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الفرقان [75 - 77]
تفسير سورة الفرقان [75 - 77] بعد أن ذكر الله صفات عباده في آخر سورة الفرقان، ختم ذلك بذكر جزائهم بسبب صبرهم في هذه الدنيا، وهو جزاء لا يخطر على بال أحد، ولم تسمع به أذن، ولم تر مثله عين.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكر الله عز وجل صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان، ثم ختم هذه السورة بقوله سبحانه: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} [الفرقان:75 - 77]. في هذه الثلاث الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة يذكر الله سبحانه وتعالى جزاء عباد الرحمن، بعد أن ذكر صفاتهم قبل ذلك، من حسن الخلق، وحسن المعاملة، والعبادة لله سبحانه، والتخلي عن الشرك بالله سبحانه، وعن كبائر الآثام والذنوب، فذكر الله عز وجل من صفاتهم في هذه السورة إحدى عشرة صفة، فذكر التواضع، وذكر الحلم، وذكر التهجد، وأنهم يقومون من الليل، وذكر خوفهم من الله سبحانه وتعالى، وذكر من تركهم الإسراف والتقتير، وذكر أنهم نزهوا أنفسهم عن أن يشركوا بالله أو أن يقعوا في الزنا، أو أن يقعوا في القتل، وذكر أنهم يتوبون إلى الله سبحانه، وذكر أنهم يجتنبون الكذب وشهود الزور، وأنهم يعفون عن المسيء، وأنهم يقبلون الموعظة، ويطيعون من يعظهم ويذكرهم بالله سبحانه، وأنهم يبتهلون إلى الله داعين راغبين راهبين يرجون من الله عز وجل أن يصرف عنهم عذاب جهنم، وكأنهم يستشعرون الورود فيها، فيطلبون من الله أن يصرفها عنهم، وكذلك يطلبون من الله سبحانه في دعاء جميل: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74]، وهذا الدعاء فيه الحكمة وفيه ذكاء هؤلاء في الطلب، فهم يطلبون ما ينفعهم دنيا وأخرى، {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان:74]، فتقر أعيننا وتستقر قلوبنا بذلك في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا يفرحون بما يكون عليه أزواجهم، وبما تكون عليه ذرياتهم من طاعة الله سبحانه ومن حسن الخلق ومن حسن الصورة، فيطلبون من الله عز وجل أن يرزقهم هذه الذرية الصالحة والزوجات الصالحات، وينتفعون في الدنيا بذلك، وينتفعون يوم القيامة أيضاً بالأعمال الصالحة، فالزوجة الطيبة المطيعة لله سبحانه ينتفع بها زوجها يوم القيامة، وتكون زوجته في الجنة، ومن خير نسائه في الجنة، كذلك أحدهما يشفع في الآخر، وأحدهما يرفع الآخر، كذلك الذرية الطيبة، فينتفع الإنسان المؤمن بذريته الطيبة، فيكون له أجر تلك الذرية ما وجدوا على الأرض حتى تقوم الساعة. ثم ذكر الله عز وجل جزاء هؤلاء فقال: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} [الفرقان:75]، فيجزيهم الله سبحانه أفضل الجزاء، وهي: الغرفة، والغرفة: الحجرة التي تكون للإنسان وهي عالية، فتطلق الغرفة على المكان العالي، خلافاً لما تعارفنا عليه، فهؤلاء لهم الغرفة عند ربهم، يعني: أعالي الجنة، الفردوس الأعلى من الجنات، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. قال: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [الفرقان:75]، يعني: الدرجة الرفيعة، وأعلى منازل الجنة، وأفضل منازل الجنة، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. يقول الله سبحانه: {يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} [الفرقان:75]، أي: بسبب صبرهم، فصبرهم كان سبباً في دخول هذه الغرفة وهذه الجنة، صبرهم على طاعة الله عز وجل وطاعة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، وصبرهم عن المحرمات فلا يقعون فيما حرم الله، وصبرهم على القضاء والقدر، وهذه أنواع الصبر الثلاثة، فصبروا على الطاعة، ففعلوا ما أمر الله سبحانه وتعالى به، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا في سبيل الله سبحانه، وأدوا العبادات التي أمر الله عز وجل على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، فصاموا وصلوا وزكوا وحجوا، وفعلوا كل خير طلب منهم، فصبروا على الطاعة، والطاعة تكليف، والتكليف يكون فيه مشقة وكلفة، فهؤلاء صبروا على هذا التكليف فأطاعوا، وصبروا عن المعاصي، فانتهوا عما نهاهم الله سبحانه وتعالى عنه من الشرك والسرقة والزنا والقتل والعقوق والمنكرات، وقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وصبروا على ما ابتلاهم الله عز وجل به ليمحصهم، وليظهر إيمانهم، وليظهر تقواهم، ابتلاهم بالمصائب، وبنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وإذا بهم يصبرون ويطيعون الله سبحانه وتعالى، فلا يضجرون، ولا يعترضون، ولا يتذمرون، ولكن يصبرون لأمر الله سبحانه وتعالى، ويقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون. فهؤلاء بشرهم ربنا سبحانه وتعالى في الدنيا بأن لهم أجراً عند الله سبحانه، فيجزون الغرفة بما صبروا، فبصبرهم وصلوا إلى أعالي الجنات، {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:157]، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم. قال: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا} [الفرقان:75]، (يُلقَّون) هذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (ويَلقون فيها تحية وسلاماً) فهم يُلقون ويَلقون، والمعنى متقارب، فإذا دخلوا الجنة لقوا التحية من ملائكة الله عز وجل، بل ويحييهم ربهم بالسلام سبحانه وتعالى، {سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس:58]، يلقون ذلك، وينادون بهذه التحية، فإذا دخلوا الجنة أفواجاً إذا بالملائكة تحييهم فتتلقاهم بالتحية والسلام. وكلمة التحية معناها: الدعاء بالحياة، فتقول: حييت فلاناً، أحيي فلاناً، بمعنى: أدعو له بالحياة الطيبة الكريمة، فمن الذي يدعو لهم بهذه الحياة الطيبة، وبالحياة التي هي أمن وسلام دائم؟ إنهم ملائكة الله عز وجل بأمر الله سبحانه، بل ويحييهم ربنا سبحانه وتعالى، تحية من عنده مباركة طيبة، {سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر:73]، يلقون فيها تحية، أي: دعاء بالخلود في الجنة، بالحياة الكريمة الدائمة التي لا يزولون عنها أبداً، تسلم عليهم ملائكة الله، ويسلم عليهم ربهم سبحانه، ويسلم بعضهم على بعض، ويلهمهم ربهم في الجنة التسبيح كما يلهمون في الدنيا النفس. والتحية: هي البقاء الدائم والملك العظيم، ويلقون فيها السلام أيضاً، أن سلمتم وأنكم تسلمون، وأنكم تعيشون في الجنة بسلام، فلا خصام في الجنة، ولا نكد فيها، ولا كدر فيها، ولا حقد ولا غل ولا قاذورات ولا نجاسات، ولا حيض ولا نفاس، ولا تفل ولا مخاط، ولا شيء في الجنة يكدر على أهل الجنة حياتهم ومعيشتهم، يأكلون ما يشاءون ولا يتخمون أبداً، بل إذا أكل الإنسان منهم، أخرج ما أكل رشحاً يرشحه، أي: عرقاً رائحته كرائحة المسك، فلا بول ولا غائط، وهذا من فضل الله ومن كرمه ورحمته سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما)
تفسير قوله تعالى: (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً) قال الله: {خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان:76]، هذه الجنة يخلدون فيها، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا خوف من المستقبل، ولا حزن على الماضي، فحياتهم آمنة مستقرة، حسنت مستقراً يستقرون فيها، ومكان إقامة ينزلون فيها، ولا يخرجون منها أبداً.
تفسير قوله: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)
تفسير قوله: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم) قال سبحانه وتعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [الفرقان:77]، هذا الإنسان لا يساوي شيئاً وما يعبأ به ربه سبحانه، ويعبأ من العبء: وهو الثقل، يقال: هذا يحمل عبئاً يعني: ثقلاً وكلفة وشدة ومشقة، فما الذي يشق على الله سبحانه وتعالى من هذا الإنسان الضعيف الحقير الذي كان نطفة، وكان علقة، وكان مضغة، وكان لا شيء، كان تراباً ثم صار هذا الإنسان ثم يرجع إلى التراب؟! فما الذي يكون من هذا الإنسان حتى يشق على الله سبحانه وتعالى؟ {مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي) [الفرقان:77]، يعني: لا يعبأ بكم الله سبحانه وتعالى شيئاً، ويحتمل أن يكون المعنى: أي عبء يعبئه بكم ربي وتتعبونه به؟ لا شيء، فهو لا يبالي بكم سبحانه، فإذا أدخلكم الجنة أو أدخلكم النار فلا يبالي، وجنة الله رحمته سبحانه، ونار الله غضبه وعقابه وعذابه، فإن أدخل الخلق كلهم الجنة فلن ينقص شيئاً، ولن يكلف الإنسان ربه شيئاً، ولو أدخلهم كلهم النار فلا يقدرون أن يدفعونها عن أنفسهم، فما الذي يعبئه سبحانه؟ ((قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان:77]، يعني: لا يبالي بكم ربكم سبحانه لولا دعاؤكم إياه، وكأن الخطاب هنا لجميع الخلق، والتخصيص بالدعاء للمؤمنين أو التعميم، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه هدى هؤلاء المؤمنين، فإذا بهم يدعون الله، أي: يوحدونه سبحانه، ويطلبون منه وحده لا شريك له الخير ويسألونه، الجنة، فبدعائهم استحقوا أن يكرمهم الله سبحانه. فالمعنى: لا يعبأ الله بالخلق جميعهم لولا دعاء هؤلاء المؤمنين، وتوحيدهم ربهم سبحانه، فاستحقوا أن يكرمهم وأن يدخلهم الجنة، ومن رحمته أنه يدعوكم إليه، وأنه لا يعذب الخلق حتى يبعث رسولاً، قال: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15]، فالله عز وجل لا يشق عليه أن يرسل الجميع النار، ومن الذي سيعترض على الله سبحانه وتعالى؟ لكن قد قضى برحمته سبحانه أنه لا يعذب حتى يبعث رسولاً، فأنزل الكتب وبعث الرسل، وجعل من الناس الشقي والسعيد. إذاً: المعنى: قل ما يعبأ بكم ربي -أيها الخلق- لولا أنه كتب على نفسه الرحمة، وكتب على نفسه ألا يعذب أحداً حتى يحذره، وحتى يرسل الرسل، وينذر الخلق، فما يعبأ بكم ربي لولا أنه أرسل إليكم الرسل فتدعونه سبحانه. ومعنىً آخر وهو: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي} [الفرقان:77]، أيها المشركون! لولا أنكم تدعونه في وقت الضراء، فالمشركون كانوا يشركون بالله في السراء، فيدعون بعلاً أو يدعون اللات والعزى، فإذا وقعوا في الضراء وفي الشدة وحدوا الله وأفردوه بالعبادة، فطلبوا منه وسألوه، فالله عز وجل تركهم في الدنيا يعيشون بسبب هذا الدعاء الذي دعوا به ربهم سبحانه وتعالى، ولكن في الآخرة يكون في الجنة المؤمنون الموحدون، وفي النار المشركون العصاة. وقوله سبحانه: {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} [الفرقان:77]، أي: أيها المشركون! قد كذبتم فاستحققتم العذاب، فسوف يكون هذا العذاب لزاماً، أي: ملازماً لكم لا يفارقكم أبداً، وسيكون جزاء تكذيبكم ملازماً لكم. عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قد مضت البطشة والدخان واللزام. وكأنه يقول: إن اللزام: هو العقوبة في الدنيا، وهو ما كان في يوم بدر لهؤلاء المشركين من أن الله هزمهم فعذبهم في الدنيا فصاروا إلى النار، واللفظ يحتمل أكثر من هذا المعنى، فاللزام العقوبة سواء في الدنيا أم في الآخرة. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علماً نافعاً، وأن يجعلنا من عباد الرحمن. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشعراء
تفسير سورة الشعراء [1 - 6] لقد أنزل الله عز وجل كتابه على نبيه واضحاً بيناً لا لبس فيه ولا غموض، وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغه وتعليمه للناس، واهتم لذلك أشد الاهتمام، حتى إنه كان يحزن على إعراضهم حتى يكاد أن يهلك نفسه من شدة الحرص عليهم، ولقد أمره الله عز وجل أن يتحلى بالصبر؛ لأنه ليس عليه إلا البلاغ، وأما الهداية فليست له، وذكر سبحانه أنه لو أراد لجعل الناس مؤمنين، ولكنه لم يرد ذلك لحكمة بالغة.
نبذة عامة عن سورة الشعراء
نبذة عامة عن سورة الشعراء الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الشعراء: بسم الله الرحمن الرحيم: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:1 - 9]. هذه هي السورة السادسة والعشرون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة الشعراء، وهي سورة من السور المكية، وفيها خصائص السور المكية، وآياتها مائتان وست وعشرون آية حسب العد المدني الأخير والمكي والبصري، وعند الباقين الكوفيين والشاميين والمدني الأول: مائتان وسبع وعشرين آية. وهذه السورة آياتها قصيرة، وفيها حكم عظيمة جداً، وفيها ذكر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كعادة السور المكية، فيذكر الله عز وجل فيها الأنبياء؛ لينبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنهم قد ابتلوا من قبله، وأن ما ابتلي به ليس شيئاً جديداً، وإنما هو سنة أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام. وفي هذه السورة تثبيت الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وكأن الله يقول له: كما ابتلي الذين من قبلك ثم نصرهم الله فكذلك أنت، فاطمئن إلى أن نصر الله قريب. وفيها تهديد للكفار والمشركين على ما يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المؤمنين، وأنهم إما أن يؤمنوا وإما أن ينزل بهم العذاب والعقوبة من عند رب العالمين كما حدث مع الذين من قبلهم.
الكلام على الحروف المقطعة
الكلام على الحروف المقطعة بدأت هذه السورة بالحروف المقطعة، وهي: حرف الطاء والسين والميم، {طسم} [الشعراء:1]، فهذه السورة والتي تليها والتي تليها: الشعراء والنمل والقصص تسمى بسور الطواسم، يعني: التي فيها طسم، أو التي فيها: طس، وتسمى بالطواسين. فقوله تعالى: {طسم} [الشعراء:1] هي مثل غيرها من السور التي بدأها الله عز وجل بحروف مقطعة في أوائل السور، وما قيل في هذه السور فإنه يقال أيضاً في هذه السورة، وهو أن الله عز وجل بدأها بهذه الحروف بياناً للناس أن القرآن من جنس هذه الحروف التي تتكلمون وتنطقون بها، فأتوا بسورة من مثله، فهو تعجيز منه سبحانه لخلقه، فكأنه يقول: إن هذا القرآن ليس كلاماً أعجميعاً، ولا هو بلغة لا تعرفونها، بل هو بغلتكم أنتم، وأنتم الفحول والكبار في النطق باللغة العربية خطابة ونثراً وشعراً، فأتوا بكلام مثله، أو فأتوا بسورة من مثله، أو فأتوا بعشر سور من مثله مفتريات، فلم يقدروا على شيء. وقيل: إن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور هي مسميات للسور، فتسمى السورة بها، فيقال: سورة طسم الشعراء، والتي تليها سورة طس النمل، والتي تليها سورة طس القصص، وقيل: بل إنها أقسام يقسم الله عز وجل بها. وقيل: بل إنها افتتاح للسور لشد انتباه الكفار؛ لأنهم لم يتعودوا على هذا الشيء، فعندما يقول: الم، فإنهم يسمعون للذي يقول، ويسمعون لهذا الكلام الغريب، فيتلوا عليهم بعد ذلك هذا القرآن العظيم، ولذلك لا يذكر في هذا القرآن العظيم فواتح للسور مثل: ألم، الر، طسم، طس، حم، وغيرها من الفواتح إلا ويذكر بعدها إشارة لهذا القرآن العظيم، كما قال تعالى في سورة البقرة: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة:1 - 2]، وكما قال في سورة آل عمران: {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران:1 - 3]، وقال هنا: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء:1 - 2]، فكأنه يشد انتباه هؤلاء بحروف لا يفهمون معناها؛ من أجل أن يتعرفوا ما هو المقصود، فإذا سمعوا ذكر لهم ما يريده منهم هذا القرآن العظيم. وعلماء العد يقولون: إن كل سورة يبدأها الله عز وجل بفواتح من أحرف معينة فإن هذه الحروف تكون فيها أكثر عدداً من غيرها من الحروف، فلو عددت حروف هذه السورة فستجد أن الطاء والسين والميم أكثر حروف السورة تكراراً فيها. قال تعالى: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء:1 - 2]، وفي هذه السورة كرر الله عز وجل بعض الآيات فيها مرات، فكرر قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]، فقد كررها ثمان مرات في هذه السورة، فلا يذكر نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ويذكر هاتين الآيتين، فقد ذكر قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر بعده ذلك فقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. ثم ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم نوحاً، ثم هوداً، ثم صالحاً، ثم لوطاً، ثم شعيباً، وبعد أن يذكر كل قصة يقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]، فيكرر ذلك لتقرير هذا الأمر والتأكيد عليه، فإن في هذه آية لمن يعتبر، ففي كل قصة من قصص الأنبياء وما فعل الله عز وجل بأقوامهم آية من الآيات، ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين، وكذلك من جاء من بعدهم لم يؤمنوا بما جاء قبل ذلك. وكذلك كرر الله سبحانه قوله: {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106] على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد ذكر ذلك في خمسة مواضع من هذه السورة: في قصة نوح، وفي قصة هود وفي قصة صالح، ولوط، وشعيب. وكذلك كرر قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:108] في قصة نوح وهود وصالح. والمقصد من ذلك التأكيد والتقرير لماذا أرسل الله الرسل، وأنه أرسلهم لبيان شرع رب العالمين، ولهداية الناس للإيمان بربهم، وأن يطاعوا ولا يعصوا.
تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب المبين)
تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب المبين) وقد بدأ سبحانه وتعالى هذه السورة بقوله سبحانه: {طسم} [الشعراء:1]، فقراءها شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالإمالة للطاء، {طِسم} [الشعراء:1]، والطاء لا تمد إلا مداً طبيعياً، وتمد السين مداً طويلاً بمقدار ست حركات، وكذلك الميم. وتدغم السين في الميم عند الجمهور، وحمزة ينطقها بنونها ولا يدغمها. وأما أبو جعفر فكعادته في كل هذه الفواتح التي في أوائل السور فإنها يقرأها حروفاً مفرقة ولا يوصلها ببعضها؛ من أجل أن يبين أنها ليست كلمة، بل هي حروف مقطعة. قوله تعالى: ((تِلْكَ)) إشارة للبعيد، والمقصود منها التعظيم للآيات العظيمة، {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء:2] يعني: هذه الآيات العظيمة التي نتلوها عليكم هي آيات الكتاب المعهود الذي نزل من عند رب العالمين، وهي القرآن المبين المفصح عما فيه، البين الواضح الذي فيه الحجج، وفيه النور، وكلامه بيِّن ليس غامضاً، ولا يوجد فيه إشكال، بل تفهمون ما يقوله لكم.
تفسير قوله تعالى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) ثم وجه الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه مواسياً له، فقال تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، فقوله: ((بَاخِعٌ)) أي: قاتل ومهلك، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت ستقتل نفسك من أجلهم وهم لا يستحقون هذا الشيء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ربهم سبحانه وتعالى فإذا بهم يعرضون عنه ويكذبونه، فكان يحزن حزناً شديداً صلوات الله وسلامه عليه، فكأنه تعالى يقول له: إذا حزنت حزناً شديداً فإنك في آخر الأمر ستقتل نفسك غماً وكمداً، ولن تبلغ هذه الرسالة، ولكن اصبر وتسلى بما جاءك من عند ربك، وصابر على ذلك، وادعهم مرة ومرتين وثلاثاً، ولا تهلك نفسك من أجلهم. وهذه الآية كقوله تعالى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] أي: ستقتل نفسك عليهم؛ لكونهم لم يؤمنوا بهذا الحديث، من شدة أسفك عليهم، فهذا في سورة الكهف، وقال هنا: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:2 - 3] أي: بسبب عدم إيمانهم، {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء:4] أي: لو شئنا أن يؤمنوا قسراً وقهراً لأنزلنا عليهم معجزة حسية من السماء يرونها، فتكون آية من آيات رب العالمين، وعذاباً وهلاكاً عليهم، فنهلك بعضهم حتى يؤمن الباقون، فنريهم الملائكة عياناً تخويفاً لهم، فيؤمنون قهراً، ولكن لا نريد ذلك، بل نريد أن يؤمنوا وقد نظروا إلى آيات الله عز وجل المتلوة، فيعرفون ما يخبرهم به ربهم سبحانه، فيؤمنون على الغيب وليس على الشهادة؛ لأن الإيمان على الشهادة لا ينفعهم؛ لأن هذا ليس هو الإيمان بالغيب الذي يريده الله عز وجل؛ ولذلك قال: لو أردنا لأنزلنا عليهم آية بينة، ولأريناهم الجنة، ولأريناهم النار، ولأريناهم الملائكة، ولأنزلنا عليهم آيات من السماء فآمنوا قهراً وجبراً.
تفسير قوله تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية)
تفسير قوله تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية) فقال تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ} [الشعراء:4] أي: لو أردنا لفعلنا، ولكن لا نريد ذلك، وقوله تعالى: {نُنَزِّلْ} [الشعراء:4] هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((نُنَزِّلْ)). وقوله تعالى: ((عليهم)) قرأها حمزة ويعقوب: (عليهُم) في كل القرآن وقرأ الباقون: (عليهِم). قال تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً} [الشعراء:4] أي: هم يكذبون بنزول القرآن من السماء، ولو أردنا وشئنا لنزلنا عليهم آية يرونها نازلة من السماء، وهي إما عذاب نعذب به بعضهم، وإما آيات ومعجزات يرونها حسية أمامهم، فلو أردنا لفعلنا، وإن كان الله قد فعل أشياء من ذلك ولم تكن للجميع، وذلك مثل مسألة انشقاق القمر، قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1].
معجزة انشقاق القمر
معجزة انشقاق القمر فقد طلب بعضهم من النبي صلى الله عليه وسلم معجزة حسية يرونها، وقالوا له: إذا كنت رسولاً فاجعل القمر ينشق، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه، وأشار صلوات الله وسلامه عليه إلى القمر، فانفلق القمر فلقتين، فكان آية من السماء، ولكن لم تكن لكل الكفار، بل كانت للبعض الذين كانوا مستيقظين في هذه الليلة، ولو كانت للجميع فكفروا لنزل عليهم العذاب من عند رب العالمين، فرأى هؤلاء ذلك ثم قالوا: إنما سحر أبصارنا بهذه الشيء، فقال بعضهم لبعض: إن كان سحر أبصارنا فإنه لم يسحر أبصار الذين يأتون من رواء الجبل، فانتظروا حتى يقدم قادم فنسأله، فجاءت القوافل من رواء الجبل وسألوهم: هل رأيتم القمر في ليلة كذا قد انشق؟ فقالوا: رأيناه انفلق ثم رجع مرة أخرى. فهذه معجزة من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان البعض من المسلمين ينكرون ذلك، ويتأولون قوله تعالى في الآية: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1] أنه في يوم القيامة سيكون هذا الشيء، وأما في الدنيا فلا، ويردون الأحاديث التي جاءت في انشقاق القمر إلى أن أثبت الكفار ذلك فرجعوا إلى عقولهم، فقد ذكر الكفار: أنه لما طلعت بهم سفن الفضاء إلى القمر -وهذا نقل زغلول النجار - نظروا فيه وبحثوا فرأوا في القمر شقاً بطول القمر كله، فقالوا: هذا الشق دليل على أنه انفلق في يوم من الأيام، والتحم مرة أخرى. قال الله عز وجل: {وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك، فقد جاءت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم بأنه أشار إلى القمر فانفلق، ومع ذلك لم يؤمن هؤلاء الكفار إلا لما شاء الله عز وجل لهم. فيقول سبحانه هنا: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء:4]، فالإنسان المتكبر يكون رافعاً رأسه إلى أعلى؛ استكباراً على الخلق، وأما الإنسان المذلول فيكون ثانياً رقبته إلى أسفل، فالمقصود هنا بقوله تعالى: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء:4] أي: خضعت الأعناق وذلت بهذه الآية التي جاءت من عند رب العالمين سبحانه، فلو شئنا لفعلنا ذلك فألزمناهم الإيمان قهراً، وجعلناهم خاضعين ذليلين فيدخلون في هذا الدين، ولكن لم نرد ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من ربهم الرحمن محدث)
تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من ربهم الرحمن محدث) قال تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء:5] أي: وما يأتي هؤلاء الكفار من ذكر من عند الرحمن، ولم يقل: من الله ولكن قال: من الرحمن؛ لبيان فضله ورحمته سبحانه، ولم يقل: من الرحيم؛ لأن الرحمن صيغة مبالغة، وفيها رحمة ربنا بالعالمين كلهم المسلمين والكفار. وأما الرحيم ففيها صيغة المبالغة في رحمة رب العالمين الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43]، فهنا ناسب أن يذكر الرحمن لرحمته للخلق، فقد رحم خلقه، فأنزل الكتب، وأرسل الرسل لجميع الخلق، ولم يميز بعضهم عن بعض، حتى تكون حجة رب العالمين على الخلق جميعهم. {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [الشعراء:5]، فالقرآن كلام رب العالمين، وكلام رب العالمين صفة من صفاته ليست محدثة، بل هي صفة قديمة من صفات رب العالمين، فقد أخبر أنه يتكلم سبحانه، وقد تكلم الله عز وجل بالقرآن قبل أن يخلق السموات والأرض، فهذا القرآن كلام رب العالمين سبحانه. وهنا يذكر أنه محدث، أي: محدث النزول، فقد نزل إلى السماء الدنيا، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً: فتجدد النزول يكون باعتبار الحوادث، وإلا فهو كلام قديم من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل الأنبياء من قبله عليهم الصلاة والسلام. قال سبحانه: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ} [الشعراء:5] يعني: نزول هذا القرآن هو المحدث؛ لأن مجيء جبريل عليه السلام به كان بحسب الحوادث، فإذا حدثت حادثة نزل جبريل عليه السلام بآيات من كتاب الله سبحانه. ثم قال تعالى: {إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} [الشعراء:5] أي: أن الكفار يعرضون عما جاء فيه. ثم قال تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا} [الشعراء:6] أي: فعلوا ذلك. {فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الشعراء:6] أي: سيأتيهم من عند رب العالمين أخبار ما كانوا به يستهزئون، فقد كانوا يستهزئون بأنك ستنتصر عليهم وسيكون ذلك، وكانوا يستهزئون بأنهم سيغلبون وسيكون ذلك، وكانوا يستهزئون بأنهم سيموتون ويبعثون، وسيكون ذلك، فهذه أنباء ما كانوا به يستهزئون، فإنه آت. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [1 - 13]
تفسير سورة الشعراء [1 - 13] يخبر الله سبحانه وتعالى في أول سورة الشعراء عن آيات القرآن العظيم، ويصف القرآن بأنه بين واضح جلي، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، وهذا القرآن هو أكبر وأعظم معجزة أنزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم بين سبحانه حال المشركين المكذبين بهذا القرآن، وما دل عليه من البعث والنشور وتكذيبهم بذلك، فنبههم سبحانه إلى النظر في كيفية إخراج النبات من الأرض الميتة، لعلهم يؤمنون بأن الله قادر على أن يبعثهم مرة أخرى للجزاء والحساب.
تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب أنباء ما كانوا به يستهزئون)
تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب أنباء ما كانوا به يستهزئون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} [الشعراء:1 - 6]. ذكرنا في الحديث السابق أن هذه السورة من السور المكية، والسور المكية لها خصائص منها: أنها تهتم بأمر العقيدة والتوحيد، وذكر ابتلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام، وذكر ما فعل الأقوام مع المرسلين، وما فعل الله عز وجل عقوبة لهؤلاء، فأنزل بهم عذابه وبطشه سبحانه وتعالى. في هذه السورة يقول الله سبحانه وتعالى: ((تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)) أي: هذه الآيات التي نتلوها عليك هي آيات هذا القرآن العظيم البين الواضح الحجة، الذي يفهمه من يسمعه فلا يحتاج إلى بيان، فهو بين بذاته، وهو نور وبرهان من الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ((لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ))، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لعلك مهلك نفسك إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن العظيم، لا، لا تهلك نفسك على آثارهم، ولا تهتم لكفرهم، ولكن عليك أن تدعوهم، فليس عليك إلا أن تبلغ رسالة رب العالمين سبحانه، أما أن يهتدوا أو لا يهتدوا فليس هذا شأنك، وإنما هو بيد الله سبحانه وتعالى. ((إِنْ نَشَأْ ننزل)) أي: لو أردنا أن نلزمهم هذا الإسلام ونلزمهم بالإيمان لجعلناه قهراً وقسراً أن يؤمنوا، ولو شئنا لنزلنا ((عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)) أي: خاشعة وذليلة، ولكن الآية التي جاءت من عند رب العالمين إلى هؤلاء هي هذا القرآن العظيم المعجز، وقد تحداهم الله عز وجل به أن يأتوا بكتاب مثله، أو أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، أو أن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. قال سبحانه: ((وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ)) أي: ما يأتيهم من آيات ومن قرآن فإنه من عند رب العالمين، قوله: ((مُحْدَثٍ)) أي: جديد في نزوله، وقد نزل به جبريل من عند رب العالمين ليخبرهم بهذه الحادثة وهذه الواقعة، وإلا فالقرآن قديم من قبل ذلك. قال سبحانه: ((فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)) أي: هؤلاء المشركون قد أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كذبوه فيما جاء به من عند ربه، فيهددهم الله سبحانه بقوله: ((فسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون))، فقد كانوا يستهزئون بالموت، وبالبعث وبالنشور، وبالحساب، وبانتقام الله عز وجل منهم، وبوعده للمؤمنين أن يمكن لهم، فسيأتي نبأ هذا كله، ففي يوم من الأيام سيموتون ويرجعون إلى ربهم ويعلمون كيف كانوا يستهزئون بما هو الحق من عند رب العالمين، ولذلك قال لهم: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة:82]. كم ضحك الكفار مستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ وكم بكوا بعد ذلك لما لقوا ربهم؟ ولذلك وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر في يوم بدر وقد ألقيت فيه جثث الكفار رءوس الكفر، وقف يناديهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟) أي: هل وجدتم الآن وأنتم في هذا القليب في هذا البئر المطمور عليكم هل رأيتم ما وعد الله عز وجل من نصر الإسلام والمسلمين، ومن خذلانكم، ومن عذابكم؟! (فقال عمر: يا رسول الله! كيف يسمعون وقد بليت أجسادهم؟ فيقول له: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، فقد أسمعهم الله عز وجل ما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه لهم، فجاءتهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. فهذه السورة مكية، وهي تتهدد هؤلاء الذين كذبوا رسوله وكذبوا كتابه، وفعلاً حدث بعد ذلك بهم ما أخبر الله به، وصدق الله العظيم سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [الشعراء:7]، فقد كانوا يستدلون على النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم سيصيرون جيفة وسيموتون ولا يبعثون، فقد جاء في الحديث: (أن أحد المشركين ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عظم من رأس إنسان ميت ففركه أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: تزعم أن ربك يبعث هذا؟ قال: نعم يبعثه ويدخلك النار). فربنا يقول لهؤلاء الحمقى والمغفلين: انظروا إلى النبات الذي نخلقه، فهو يخرج نضراً وفيه الثمار من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يصير يابساً جافاً، ثم يموت بعد ذلك، ويخلق الله عز وجل غيره، فهل رأيتم إلى الأرض وهي ميتة حين ينزل عليها الماء من السماء كيف تنبت من كل الثمرات؟ أليس الذي أنبتت ذلك قادراً على أن يعيدكم مرة أخرى؟! لم لا تنظرون! قال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا} [الشعراء:7]، فكل نبتة تخرج من الأرض وكل حبة يجعلها الله عز وجل آية لكم، وفي كل ثمرة توجد آية للعباد. قوله: ((كم أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ)) أي: من كل صنف من الأصناف. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} فالله عز وجل هو الذي خلق ورزق، وهو الذي قدر كل شيء، وهو الذي أخرج لكم كل شيء، فهو بهذا ينبهكم على عظمته وقدرته، وأنكم لو نظرتم بعيونكم وتفكرتم بقلوبكم لعلمتم أن الذي يخلق هذا النبات: فتخرج النبتة، ثم تكون الحبة، ثم تأخذ أنت هذه الحبة وتضعها في الأرض فإذا بالله ينبتها مرة ثانية، ويخرج منها ما يشاء من فضله سبحانه قادر على إعادتكم، فهذه آيات ليل نهار يراها الإنسان أمامه، {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40] فقد أخرج لكم {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} [الشعراء:7]، أي: من كل صنف ونوع من الأنواع متشابه وغير متشابهة، {كَرِيمٍ} [الشعراء:7] أي: حسن شريف. وأصل الكرم في اللغة: الشرف، وبمعنى الفضل، فيقال: هذه نخلة كريمة، يعني: تؤتي ثمرها اللذيذة الطعم، فهي نخلة كريمة فاضلة كثيرة الثمار، ورجل كريم أي: شريف فاضل صفوح يعطي، فهنا أخرج الله لكم من النبات من كل زوج كريم، فأكرمكم الله بذلك، وأعطاكم من وفير ما خلق لكم، ألا تبعدونه سبحانه؟! قال تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وما كان أكثرهم مؤمنين))، هذه الآية يكررهما الله عز وجل في القرآن عدة مرات، كلما ذكر قصة قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]، فيكرر ذلك لتتدبروا في كل آية، والله عز وجل في كتابه إذا أراد أن يعظ الخلق كرر لهم ذلك، كما كرر في سورة الرحمن واحداً وثلاثين مرة قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن:13]، فكان كلما ذكر نعمة للإنس وللجن قال: ((فَبِأَيِّ آلاءِ)) أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون بها؟ وهنا يذكر لنا الآيات ويكرر كذا مرة ويقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. قوله: ((وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ))؛ وذلك لأنهم لا يتفكرون ولا يوقنون ولا يؤمنون بأن الله وحده هو الذي يستحق العبادة، ولذلك قال لنا في الآية الأخرى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، وقال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] أي: أكثر الناس من أهل الباطل، وأهل الحق قليلون، ولذلك في يوم القيامة ينادي ربنا سبحانه آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويقول: (يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحداً إلى الجنة). وقال سبحانه هنا: ((وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)) أي: الأكثرون هم الذين يعرضون ويكذبون، والأقلون هم المؤمنون، فالحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان. يقول سبحانه: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:9] أي: وإن كان أكثرهم كافرين فلا يحتاج إليهم ربهم سبحانه؛ لأنه الغني سبحانه، فهو مستغن عنهم وعن عبادتهم إنه العزيز القوي القاهر الذي لا يغالب أبداً سبحانه. ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ)) فبدأ بعزته سبحانه وتعالى واستغنائه عن خلقه، ثم عقب بذكر رحمته، وإن كان الغالب في كتابه أن يبدأ بالرحمة قبل ذكر صفات العزة والقوة، ولكن هنا لما ذكر أن أكثرهم كافرون فالمناسب ذكر عزته وقدرته وقوته سبحانه. قوله: ((الرَّحِيمُ)) فرحمته خاصة بالمؤمنين، فيعذب الكافرين ويرحم المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى فأرسل إلى هارون)
تفسير قوله تعالى: (وإذْ نادى ربك موسى فأرسل إلى هارون) لقد ذكر سبحانه بعد ذلك قصة موسى صلوات الله وسلامه عليه، وقصة موسى تكررت في القرآن في مواطن كثيرة من القرآن، وموسى عليه الصلاة والسلام كان صاحب شريعة قبل نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فذكر موسى وذكر محمد للتشابه، يعني: أن كليهما هذا صاحب شريعة، وهذا يدل على أن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام جاء مكملاً ومتمماً لما جاء به موسى صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وليحكمهم بالتوراة التي جاء بها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجاء عيسى بالإنجيل وهو كتاب مواعظ وليس شريعة، لكن التوراة هي التي حكم بها المسيح صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك لما يذكر ربنا القرآن يقول لنا: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود:17]، أي فهناك تشابه بين القرآن وكتاب موسى، لكن القرآن أعظم كتب الله سبحانه وتعالى، وهو ناسخ لغيره من الكتب إلى قيام الساعة، وهو الذي يعمل به إلى قيام الساعة، وإذا نزل المسيح حكم بهذا القرآن العظيم. فيقول ربنا سبحانه وتعالى هنا: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء:10]، قوله: (وإذ) أي: اذكر وقت، قوله: (وإذ نادى ربك موسى) هذه القصة قصة عجيبة جداً بطولها في القرآن، فكلما قرأت في موضع تجد فيها أشياء موجودة في مكان آخر وأشياء غير موجودة، فالإنسان في هذه القصة يجد أنها تكررت في القرآن، في سورة البقرة تجد ذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي سورة الأعراف، وهود، ويونس، وطه، والقصص، والشعراء، والنمل، ومع كثرة ذكر قصة موسى فإنك لا تمل من القراءة، فإنك عندما تقرأ القصة في موضع تتبين أشياء وتكتسب معرفة لم تكن تعرفها قبل ذلك، بخلاف لو أنك تقرأ قصة يكتبها إنسان مرة ومرتين وثلاثاً فإنك تمل منها، لكن القرآن لا يمل منه قارئه أبداً، فكلما قرأ يجد شيئاً جديداً لم يكن ينتبه له قبل ذلك. إن قصة موسى ذكرت قبل ذلك مراراً في عدة سور من القرآن، وفي كل سورة يذكرها بما يناسب السورة التي ذكرت فيها، فأنت حين تقرأ القصة في سورة الأعراف تجد القصة متسلسلة معها، وكذلك عندما تقرأ القصة في سورة طه تجد القصة متسلسلة معها، وهنا في هذه السورة كذلك، فسبحان الله! ما أعظم هذا القرآن وما أجمله! فتجد القصة لا تتنافى أبداً مع السياق الكلي للسورة، فهي متسلسلة على نمط معين. فهنا قبل ذكر القصة قال الله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:8 - 13]، فتجدها منسقة على نفس الوزن الذي عليه السورة جميعها. فيذكر ربنا سبحانه وتعالى هنا أن موسى عليه الصلاة والسلام أمره ربه {أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء:10] أي: بعدما صار رسولاً عليه الصلاة والسلام، وفي سورة القصص يذكر لنا قصته من ولادته، وكيف كان فرعون يقتل الأولاد من بني إسرائيل، وأما هنا فأراد ذكر شيء معين ألا وهو ذكر الرسالة، فنبه بها واستطرد فيها، وذكر كيف أن موسى عليه السلام أقام الحجة على فرعون، وكيف أنه وقف صلباً أمامه يجادله ويقرعه بالحجة، ولا يخاف منه؛ لأن الله قد ثبته عليه الصلاة والسلام.
الهدف من ذكر الله قصة موسى وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم
الهدف من ذكر الله قصة موسى وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم إن الغرض من ذكر قصة موسى عليه السلام هو تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته، أي: كما ثبتنا موسى فإننا نثبتك، وكما نصرنا موسى فسننصرك، وكما هزمنا فرعون وجنوده فسنهزم هؤلاء، فاطمئن بذلك، واقرأ هذا القرآن تزدد إيماناً ويقيناً. قوله: {إِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء:10] أي: نادى ربنا موسى وهو راجع من مدين متوجهاً إلى طور سيناء، فالله عز وجل جعله يرى في الظلام شجرة من بعيد فيها نار، فلما ذهب إليها وجد في هذه شجرة ناراً فأراد أن يأخذ منها قبساً، فناداه ربه سبحانه وتعالى هنا: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:12 - 14]، وأمره الله عز وجل بالتوجه إلى فرعون، فطلب موسى من ربه سبحانه أن يجعل معه أخاه هارون وزيراً، وهنا السياق يذكر ذلك. ((َإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) من هؤلاء؟ قال: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} [الشعراء:11] والظلم الذي كان فيه فرعون هو الكفر بالله سبحانه، وادعاء الربوبية مع الرب العظيم سبحانه وتعالى، بل إنكار ربوبية رب العالمين، وزعمه ذلك لنفسه، قوله: ((قَوْمَ فِرْعَوْنَ)) وهم القبط الذين كانوا في مصر، فأهل مصر كانوا يسمون بالأقباط، فأمر موسى أن يتوجه إلى فرعون وإلى أهل مصر ليدعوهم إلى الله الرب الخالق سبحانه وتعالى؛ ليعبدوه وحده لا شريك له. قوله: ((أَلا يَتَّقُونَ)) ربهم سبحانه، قال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:12 - 13]، هنا في هذه القصة اختصر أشياء، وقد ذكرها لنا في سورة طه، فذكر أنه لما جاء إلى هذه الشجرة ناداه ربه سبحانه وتعالى وقال له في خطابه: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18]، أما هنا فذكر أن موسى لما أمره ربه أن يتوجه إلى فرعون ليدعوه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء:12] أي: أخاف من فرعون؛ لأنه خرج من مصر بعدما قتل القبطي وهو من أتباع فرعون، قتله موسى وخرج هارباً، وسبب قتْله لأنه كان يختصم ويتشاجر مع رجل من بني إسرائيل، وموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لم يقصد قتله، ولم يكن بعد قد نبئ ولا أرسل عليه الصلاة والسلام، بل كان رجلاً من الناس، ولكن الله عز وجل بفضله وبرحمته عفا عنه وغفر له سبحانه، وموسى أراد يخلص الإسرائيلي من القبطي فوكزه بيده وكان قوياً فقتله، فلما قتله استغفر وتاب إلى ربه سبحانه وتعالى، ثم إنه خرج هارباً من فرعون؛ لئلا يقتله بهذا الذي قتله، فقال هنا لربه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء:12]، وهذه قراءة الجمهور، ويقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو: ((إِنِّيَ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) وقوله: (يكذبون) يقرؤها يعقوب: ((أَنْ يُكَذِّبُونِي)). قوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13]، فطلب من ربه سبحانه أن يجعل معه أخاه هارون نبياً، فمن الله عز وجل عليه وجعل هارون نبياً مع أخيه موسى. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [10 - 22]
تفسير سورة الشعراء [10 - 22] يخبر الله تعالى عما أمر به رسوله وكليمه موسى عليه السلام حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره وأخاه بالذهاب إلى فرعون وقومه، وكيف أنه سبحانه أيده بتحويل العصا إلى حية، ففزع موسى وخاف، وما هذا إلا ليثبته ويجعله قادراً على مواجهة المفزعات، بحيث يذهب إلى فرعون وهو مطمئن، وعنده القدرة على مواجهته ودعوته إلى عبادة الله وحده، وإطلاق بني إسرائيل من أسره وعبوديته.
تفسير قوله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين)
تفسير قوله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:10 - 21]. في هذه الآيات من سورة الشعراء يذكر الله سبحانه وتعالى قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد ساقها في القرآن في مواضع كثيرة، وفي كل موضع يذكر من القصة الشيء الذي يناسب هذه السورة ويناسب هذا الموضع. فهنا يذكر قصة تكليف الله عز وجل موسى بالرسالة، وأن يتوجه إلى فرعون ليدعوه إلى الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء:10]، وهنا لم يوضح لنا أين ناداه، لكن في سورة القصص يذكر الله سبحانه وتعالى أين ناداه، حيث يقول: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29] يعني: أن موسى كان عند الطور في جبل سيناء يقال فيه: طور سِيناء وسَيناء وسينين، وهو الجبل المبارك، أو الأرض المباركة، أو المكان المبارك. {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص:29] أي: كان راجعاً هو وزوجته، {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29]، وكأنه كان في وقت برد شديد وفي ليل مظلم والمكان مخيف، فاستأنس من وحشته بنار في مكان بعيد، فتوجه إليها؛ ليأتي منها بقبس من نار، {قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا} [القصص:29] أي: ابقوا في هذا المكان وأنا سأتوجه وحدي إلى هذه النار، قال: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29]. كأنه كان تائهاً لا يعرف، فلعله يأتي من عند هذه النار بخبر عن الطريق، أو يأتي بقبس من نار يستنيرون ويستدفئون به؛ {فَلَمَّا أَتَاهَا} [القصص:30] أي: جاء إلى هذا المكان الذي فيه النار، {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ} [القصص:30] أي: من جانب الواد الأيمن، {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص:30]، فإذا بشجرة فيها نار تضطرم فيها وهي خضراء، فالله عز وجل ناداه لما وصل إليها: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]. وقال في سورة الشعراء: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الشعراء:10]، وهناك في القصص ناداه الله عز وجل: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:30 - 31]. يعني: بدأ الابتلاء من الله عز وجل لموسى والاختبار، ثم التثبيت والإخبار أنه رسول رب العالمين عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكذا حدث مع نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له جبريل مباشرة: أنت رسول، وإنما ألقى في روعه ذلك، ولكن كان الاختبار في البداية والتدريب والتمرين حتى يثبت صلوات الله وسلامه عليه، فهنا موسى ذهب وتوجه وحده وترك أهله خوفاً عليهم، وليكون النداء له وحده ليسمع كلام رب العالمين وحده، فهو الرسول عليه الصلاة والسلام، فلما توجه إلى ذلك المكان جاء النداء من رب العالمين، ففزع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فطمأنه ربه وقال: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:12 - 13]، فهنا وحي من الله، ولكن قبل ذلك ثبته بأن أراه معجزة أمامه؛ ليعلم أن الذي يناديه هو ربه سبحانه، أو مناد من عند ربه سبحانه وليس شيطاناً وليس جاناً يفزعه في هذا المكان، لذلك قال له ربه سبحانه: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص:31] أي: ارم العصا التي في يدك، {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} [القصص:31] أي: كأنها حية ألقى العصا {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:31] أي: ولى فاراً ولم ينظر وراءه من شدة الفزع والخوف، {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31]. فلما أراه آية ومعجزة خاف منها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأراد الله أن يطمئنه ويثبته، ولو كانت هذه المعجزة حصلت أمام فرعون للمرة الأولى فسيخاف فرعون وموسى أيضاً، ولكن الله عز وجل أرى موسى هذه الآية في ظلمة الليل في مكان موحش وهو وحده عليه الصلاة والسلام، والعصا تتحول إلى ثعبان أمامه؛ حتى لا يفزع حين يذهب إلى فرعون ليريه هذه الآية. ثم قال تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [القصص:32] أي: ضع يدك في جيب قميصك، والجيب هو مكان دخول الرأس من القميص، فكان يضع يده في جيب قميصه فيخرجها بيضاء لها شعاع كالشمس في الليل، فيعجب موسى لذلك، فيطمئنه ربه سبحانه وتعالى ويقول له: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص:32] أي: إذا خفت فضم يدك إلى جناحك إلى جنبك يذهب عنك هذا الخوف، فذهب الخوف عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ثم قال له ربه سبحانه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} [القصص:32] ليس لك أنت؛ لأنك قد عرفت، ولكن {إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:32] أي: اذهب بهذه الآيات إلى فرعون وقومه. ففي سورة القصص أطال ذكر القصة، واختصرها هنا في سورة الشعراء.
تفسير قوله تعالى: (قوم فرعون ألا يتقون إني أخاف أن يكذبون)
تفسير قوله تعالى: (قوم فرعون ألا يتقون إني أخاف أن يكذبون) {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} [الشعراء:11] أي: أليس يتقون ربهم ويخافونه سبحانه وتعالى؛ لئلا ينزل بهم العذاب والنكال؟ فبعدما اطمأن موسى وعلم أن الذي يخاطبه هو الله عز وجل، ورأى المعجزات البينات، بدأ يطلب من ربه سبحانه الإعانة فقال: {رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء:12] أي: أخاف من فرعون ومن معه أن يكذبوني، فهو كان يعرف أنهم سيكذبونه، فقد ذكر الله لنا في سورة طه وفي سورة القصص أنه تربى في بيت فرعون، وبهذا يكون قد عرف طبيعة فرعون، وما الذي يمكن أن يجابهه به، وكذلك قد عرف الملأ من قوم فرعون وما الذي يمكن أن يواجهونه به، فلذلك بدأ بذلك وقال لربه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [الشعراء:12]، وقراءة يعقوب: ((إني أخاف أن يكذبوني)).
تفسير قوله تعالى: (ويضيق صدري ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون)
تفسير قوله تعالى: (ويضيق صدري ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) قال الله تعالى: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13]. كأنه يقول: وإني يضيق صدري، ولذلك رفعت هنا على الاستئناف أو القطع عما قبلها، {وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي} [الشعراء:13]، فقد كان في لسانه لثغة وثقل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وموسى عليه الصلاة والسلام كانت فيه حدة، وكان يغضب بسرعة، ولذلك عندما غضب على القبطي وكزه موسى عليه الصلاة والسلام فقتله. فهنا يقول لربه: أنا أخاف من نفسي وأخاف على نفسي، فأخاف أن يكذبوني، وأيضاً أخاف أن يضيق صدري بسرعة، وأيضاً عندي لثغة في لساني فلا ينطلق لساني، فلا أستطيع الكلام معهم، {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} أي: اشدد أزري بأخي هارون يكون معي، وجاء في سورة القصص قال: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص:34] أي: يتكلم أحسن مني؛ لأن موسى كانت فيه لثغة في لسانه من صغره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وكان سببها: أنه لما كان في بيت فرعون حمله فرعون، فإذا بموسى يشده من لحيته فيغضب فرعون ويريد قتله، فإذا بزوجة فرعون تقول له: إنه صبي لا يفهم، لكن فرعون كان مصراً على أن يقتل الصبي، فقالت له: أعطه جوهرة وأعطه جمرة وانظر أيهما سيأخذ؟ فالله عز وجل جعله يأخذ الجمرة من النار ويضعها على لسانه، فأصيب بلثغة في لسانه، حتى أصبح لا يجيد التعبير، ويثقل النطق على لسانه، ولذلك دعا ربه فكانت معجزة أخرى من معجزاته عليه الصلاة والسلام: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:25 - 28]، ثم قال له ربه بعد ذلك: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36]. فهنا في هذه الآيات يقول لربه سبحانه: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي} [الشعراء:12 - 13]، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة يعقوب: (ويضيقَ صدري ولا ينطلقَ لساني) بنصب الفعل، وكأنه عطف على أن خوفي من تكذيبهم وخوفي من أن يضيق صدري، وخوفي من ألا ينطلق لساني فلا أقدر على التبليغ، {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13]؛ لأنه أفصح مني لساناً، وقال أيضاً: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [الشعراء:14]. قالوا: كان موسى عليه السلام أنفع أخ لأخيه في الدهر كله؛ لأنه طلب من ربه أن يجعل أخاه نبياً معصوماً؛ لأنه ما من نبي إلا وهو معصوم، وما من نبي إلا وهو في الجنة، فكان أعظم دعاء يدعوه أخ لأخيه هو هذا الذي دعاه موسى، واستجيب له في أخيه هارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. فقوله: ((وَلَهُمْ)) يعني: لفرعون وقومه لهم، ((عَلَيَّ ذَنْبٌ)) أي: لهم علي قصاص، وهو أنه قتل القبطي، قال: ((فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ)) أي: أن يقتصون مني؛ لأني قتلت رجلاً منهم، وقراءة يعقوب: ((فأخاف أن يقتلوني)).
تفسير قوله تعالى: (قال كلا فاذهبا بآياتنا أن أرسل معنا بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (قال كلا فاذهبا بآياتنا أن أرسل معنا بني إسرائيل) قال الله تعالى: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء:15]، والآيات هي: العصا واليد، فاذهبا بهذه الآيات إلى فرعون وجنوده، قال سبحانه: ((إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ))، وقال في سورة طه: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه:46] أي: أسمع ما تقولان وما يقال لكما، وأرى ما تفعلون. وقال سبحانه: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ} [الشعراء:16]، فأمر الله عز وجل بأن يذهبا أولاً إلى فرعون {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا} [الشعراء:16]، يعني: اذهبا إليه وقولا له: {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16]، وهناك في طه أمر سبحانه أن يقولا له: {إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} [طه:47] فهناك ذكر التثنية، وهنا ذكر الإفراد، وقد ذكر المفسرون أن سبب إفراد كلمة رسول: أن الأصل في ذلك هو موسى عليه الصلاة والسلام، فأفرد باعتباره هو الأصل الذي يبلغ، وقيل: لا، ليس هذا المقصود، بل إن الرسول يأتي بمعنى المرسل الذي يرسل، وتأتي بمعنى المصدر يعني: الرسالة، فإذا جاءت كلمة الرسول بمعنى الرسالة فلا تثنى ولا تجمع، فيكون للواحد، وللاثنين وللجمع، قالوا: وهذا مثل قول الله عز وجل عن إبراهيم: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] فهنا جاءت أيضاً على معنى المصدر، والمعنى: أعداء لي، فلما قصد المصدر كانت الصورة واحدة، فيقول: هذا عدو لي، وهذان عدو لي، وهؤلاء عدو لي، يعني: أن العداوة بيني وبينهم قائمة، وكذلك الرسالة هنا وكأنه يقول: إنا ذووا رسالة من عند رب العالمين، ((إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)). وقيل: إنه صيغة فعول وفعيل يستوي فيهما المذكر والمؤنث، والواحد والجمع إذا قصد المصدر. وقال تعالى: {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:17] يعني: جئناك بأن ترسل معنا بني إسرائيل. إذاً: فالغرض هو دعوة فرعون وجنوده إلى عبادة رب العالمين سبحانه، وأن يترك بني إسرائيل يخرجوا من مصر مع موسى وهارون على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (قال ألم نربك فينا وليدا قال فعلتها إذا وأنا من الضالين)
تفسير قوله تعالى: (قال ألم نربك فينا وليداً قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين) قال تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18]. انظر هنا إلى هذا الانتقال من أمر إلى آخر، فالمشهد الأول: أن موسى ما زال عند الشجرة، وأنه يخاطب ربه، وربه يأمره أنه يذهب إلى فرعون، وموسى يطلب من ربه سبحانه أن يبعث معه أخاه هارون، فأخبره الله عز وجل بأن أخاه سيكون معه، ثم وجه الاثنين: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ} [طه:43 - 47]، إذاً فهذا الخطاب كان في الأول مع موسى عند الشجرة، هذا هو المشهد الأول. المشهد الثاني: أن موسى توجه إلى أخيه وطلب من أخيه أن يكون معه؛ لأنه نبي، وجاءت المخاطبة من رب العالمين والتكليف للاثنين: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ} [طه:43] وهذا هو المشهد الثاني. المشهد الثالث: وهما في بيت فرعون، فاختصر هذا كله في الآيات، وانتقل من مشهد إلى آخر، وهذا من حسن التخلص، وهذا من أفصح وأبلغ ما يكون في اللغة، فهذا المشهد الثالث: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء:18]، فانتقل الآن إلى داخل قصر فرعون وفرعون يرد عليهم، فلا يوجد تكرار ممل، بل انتقل مباشرة إلى ذكر رد فرعون: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18]، وكأن فرعون يمن على موسى عليه الصلاة والسلام، ويقول: أنت جئت لتدعوني وأنا الذي ربيتك وجلست عندي هنا في بيتي وفي قصري سنوات، {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} [الشعراء:19] يعني: قتلت القبطي من قومي، {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء:19] أي: لنعمتي عليك، ولتربيتي لك، كأنه هنا جاحد لنعمته، فهذا هو معنى الكفر الذي يقصده فرعون، وليس الكفر بالله سبحانه وتعالى. قال موسى: {فَعَلْتُهَا} [الشعراء:20] أي: حصل مني هذا الشيء ولست كافراً، ولم أجحد نعمة، ولم أكفر بالله رب العالمين سبحانه، {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:20] أي: ما كنت رسولاً من عند رب العالمين سبحانه، وما قصدت أن أقتل هذا الإنسان، ولكني أخطأت، فالضلال يأتي بمعنى الخطأ، ويأتي بمعنى التيه.
تفسير قوله تعالى: (ففررت منكم لما خفتكم أن عبدت بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (ففررت منكم لما خفتكم أن عبدت بني إسرائيل) قال الله تعالى: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} [الشعراء:21] أي: هربت خوفاً منكم، فموسى كان خائفاً من فرعون من أن يقتله، فالله عز وجل أراه ما يفزعه، ثم بعد ذلك طمأنه سبحانه حتى يعتاد على أنه يرى المواقف المفزعة فلا يفزع ولا يخاف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال: {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} [الشعراء:21] أي: رسالة من عنده سبحانه، {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:21] أي: جعلني واحداً من رسله. ثم قال لفرعون: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:22]، وهذه فيها معنيان أحدهما أجمل من الآخر: الأول: ((وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ)) كأنه إقرار بأن لك عليّ نعمة فعلاً؛ لأنك أنت الذي ربيتني عندك في البيت، و ((عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)) يعني: كان بنو إسرائيل كلهم عبيداً عندك، فأنت مننت علي وأنعمت علي وربيتني ولم تجعلني كغيري. الثاني وهو أجمل من الأول: أنه قال له ذلك تبكيتاً له، يعني: هل هذه نعمة تمنها علي أن عبدت أهلي بني إسرائيل أكثر من ثلاثمائة ألف شخص في البلد فجعلتهم كلهم عبيداً بغير ذنب أساءوه فيه إليك، فسخرتهم وأتعبتهم وشققت عليهم، ثم تمنّ علي؟! فإن كنت مننت علي بأن تركتني حياً، فقتلك لأولاد بني إسرائيل ذنب فظيع ارتكبته في حقهم، فالمنة لله عز وجل حيث نجاني منك، فأنت لم تصنع معي شيئاً إلا أنك تمن علي أن ربيتني، فلو لم تقتل أولاد بني إسرائيل وتركتني لرباني أبواي، ومن الذي رباني عندك أليست أمي التي أرضعتني؟! فكأنه يقول: أنت مننت علي وتركتني حياً، وكنت تقتل أبناء بني إسرائيل، وهل هذه نعمة أن عبدت جميع أهلي من بني إسرائيل؟ إذاً: فهو يبكت فرعون بذلك، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [18 - 48]
تفسير سورة الشعراء [18 - 48] يذكر الله سبحانه وتعالى لنا قصص الأمم السابقة للعبرة والعظة، فقد ذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وكيف أن فرعون عاند بالباطل، فلم يأت بحجة على قوله، ولم يستمع لحجج موسى عليه السلام، بل دفعها بكلام سامج، وقول بارد، ثم عندما أفحم استخدم منطق القوة، فلم ينفعه ذلك، ثم حشر وجمع السحرة أجمعين؛ لعلهم يغلبون موسى عليه السلام، لكن سرعان ما آمن هؤلاء السحرة وصاروا داعين لفرعون إلى الهدى.
تفسير قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين إن كنتم موقنين)
تفسير قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين إن كنتم موقنين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:23 - 31].
ذكر ما جاء من إرسال الله لموسى وهارون إلى فرعون وقومه
ذكر ما جاء من إرسال الله لموسى وهارون إلى فرعون وقومه يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما بعدها أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وجهه ربه وأمره أن يذهب إلى فرعون هو وأخوه هارون، فيدعوانه إلى رب العالمين، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال الله عز وجل لموسى وهارون: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:16] يعني: إنا ذو رسالة من عند رب العالمين سبحانه وتعالى. وهذه الرسالة نأمرك فيها بتوحيد الله سبحانه، وبعبادته، وأن ترسل معنا بني إسرائيل، فما كان جواب فرعون إلا أن قال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18] يعني: أتيت تطلب منا هذا الآن ونحن ربيناك، ولنا عليك نعمة في يوم من الأيام، وقوله تعالى: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ} [الشعراء:19] يعني: هذه الفعلة الشنيعة من قتلك القبطي في مصر؛ فعلتها وأنت من الكافرين لنعمتنا عليك، ولتربيتنا لك، فقد قتلت رجلاً من جنودنا. قال الله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:20] يعني: وأنا لا أعرف، فقد أخطأت ولم أقصد أن أقتله، ولم أكن رسولاً بعد ولا نبي، وكنت قد ضللت وما قصدت ذلك، فقد أردت شيئاً فكان غير هذا الشيء. فموسى أراد أن يضرب هذا الرجل فكانت الضربة فيها مقتل هذا الإنسان، قال موسى عليه الصلاة والسلام: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:21]، إذاً: فقد كنت من الضالين عن أمر هذه الرسالة، وعن الحكم الشرعي في ذلك، ففررت منكم. فالله عز وجل وهب لي بعد ذلك حكماً وجعلني رسولاً من رسله، {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:21]. قال تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:22] يعني: أنت تمن علي بالتربية، وهل هذه نعمة أن مننت علي وعبدت باقي أهلي وجعلتهم عبيداً عندك؟! {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:22]، فتمن علي أن ربيتني، وما ربيتني إلا لما ألقتني أمي في البحر بسببك أنت، فقد كنت تقتل جميع الأطفال من بني إسرائيل من الذكور، فاضطرت أمي أن تلقيني في اليم بسببك أنت، فكنت عندك في البيت بسببك أنت، ولو تركتني لرباني أبي وأمي وما احتجت إليك في شيء، فهل هذه نعمة أن مننت علي بهذا الشيء؟! فقد تركتني حياً وقتلت غيري من بني إسرائيل، فأي نعمة في ذلك؟! فقال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23]؟ هذا السؤال من فرعون كأنه يستفهم فيه عن الأجناس فيقول: وما هذا الشيء؟ وهذا مثل فعل بعض أهل الجاهلية الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: من أي شيء ربك أمن در أم ياقوت أم ذهب أم فضة؟ والأجناس خلقها الله عز وجل فهي مخلوقة، والله عز وجل تعالى وتنزه عن مشابهة خلق من خلقه سبحانه وتعالى. فقال فرعون: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23] يعني: هل هو بشر مثلنا؟ أم هو شيء آخر من حجارة أم من ذهب؟ ما هو هذا الجنس الذي تكلمنا عنه؟ فقال موسى مجيباً عليه: {قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24]، والجواب من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام جواب رزين وحكيم، ففرعون يسأل عن شيء على وجه التهكم، فهو الذي ادعى أمام قومه الألوهية، قال: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:23 - 24]، فلم يقل: أنا إلهكم فقط؛ بل قال: أنا ربكم أيضاً، فالإله هو الذي يستحق العبادة، ففرعون لم يقل: اعبدوني فقط، بل قال أيضاً: واعلموا أنني أنا صانع الأشياء، وأنا الرب، وأنا الذي أفعل ما أشاء. والربوبية مقتضاها: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والنفع، والضر، والرفع، والوضع، فالله سبحانه وتعالى يخلق ويرزق، فإذا بفرعون لعنة الله عليه وعلى أمثاله يدعي الربوبية مع الألوهية، ويصل استخفافه بقومه إلى أن يقول لهم: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]. ويسأل فرعون موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويقول: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23]، فقال موسى مجيباً عليه: {قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24]. فقوله تعالى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ} [الشعراء:24] يعني: الذي خلق هذه السموات التي لا تملك أنت أن تصنع مثلها ولا أدنى منها، ورب الأرض التي لم تخلق أنت شيئاً فيها، وأنت تزعم للناس أنك ملك مصر، وأن هذه الأنهار تجري من تحتك. وقوله تعالى: {وَمَا بَيْنَهُمَا} [الشعراء:24] أي: ما بين السموات والأرض، فخالق هذا كله هو الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24] أي: إن كان عندكم يقين ولم يكن في قلوبكم شك، إذ أن الله هو الذي فطر هذا كله وأبدعه وأوجده، ولا تقدرون على أن تفعلوا شيئاً من ذلك، فهذا هو الرب العظيم الذي يستحق العبادة.
تفسير قوله تعالى: (قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين)
تفسير قوله تعالى: (قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين) يقول الله عز وجل: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25]. ولو كان عنده حجة لنطق بها ولكنه ليست عنده حجة، بل هو إنسان غبي، فيستغل جهل من معه ويقول هذا الأمر، فيجادل موسى أمام الملأ ولا يرد على موسى حجته، فإن موسى يقول: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [الشعراء:24] أي: خلق الشمس والقمر، وخلق كذا، وخلق كذا، ولكن فرعون لا يملك ولا يقدر أن يقول: وأنا خلقت كذا وكذا، لذلك ما كان منه إلا أنه قال لهم: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25] أي: اسمعوا ما يقول، وهذا على وجه التهكم منه، ولو كان يملك حجة لقالها، ولو كان عنده جواب لرد على موسى، ولكن كان جوابه: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25]. أي: أنا ربكم الذي تعبدونني وهذا يقول لي: هناك رب ثان غيري! فقال موسى مجيباً عليه الصلاة والسلام: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:26]، فهذا الرد كلام رزين وحكيم لمن يتأمل ويفهم إن كان عنده قلب، ففرعون هذا أبوه كان فرعوناً قبله، وجده كان فرعوناً قبله، وآباؤه وأجداده ذهبوا جميعاً، ولو كانوا أرباباً كما يزعمون لعاشوا وما ماتوا، فلذلك يقول له: إن هذا الرب هو الخالق لا يموت، وآباؤك كلهم قد ماتوا قبل ذلك، فأين ذهب هؤلاء الآباء؟ فربي هو الذي خلقك وآباءك السابقين ثم أفناهم، وأنت تكون كذلك. فقال فرعون رداً على موسى: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]. وهذه سفاهات علية القوم، وسفاهات الطبقة العالية التي لا تفهم شيئاً، ففرعون وجنده ووزراؤه عجزوا عن الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو يسفه كلام موسى، ويقول لمن حوله من القوم: هذا رجل مجنون، قال تعالى: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]، والمجنون لا أحد يتبعه، فينبغي لكم ألا تتبعوا هذا المجنون بزعم فرعون اللعين، فقال موسى مجيباً له: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:28] أي: لو كان عندكم عقول لفهمتم ذلك، فربي وربكم هو الذي خلق المشرق، وخلق المغرب، وخلق ما بينهما، وأنت تقول لقومك: أنا ملك مصر، لكن بقية بلاد العالم أنت لا تملكها، ولو كنت خالقاً لملكت الدنيا كله، ولكن أنت ملك هنا في مصر فقط، وأما ربي فهو الذي خلق مصر وغيرها، وهو رب المشرق ورب المغرب وما بينهما سبحانه وتعالى، ورب كل شيء لو كنتم تعقلون ذلك، ولم يكن مع فرعون من حجة إلا أنه بدأ بالتسفيه، وتعجيب القوم من موسى، وبادعاء أنه مجنون، ولما لم يستفد من ذلك لجأ إلى القوة والبطش.
تفسير قوله تعالى: (قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)
تفسير قوله تعالى: (قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين) قال تعالى حاكياً عن فرعون: {قَاَلَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء:29]، وذكروا عن فرعون أنه كان إذا سجن أحداً فإنه يجعله في غيابة السجون إلى أن يموت، فكان الموت أرحم عندهم من السجن، ففرعون يجعله في مكان مظلم في قعر الأرض ويتركه حتى يموت في هذا السجن، فقال لموسى متوعداً له: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ} [الشعراء:29] أي: أقسم {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء:29]، سنسجنك ونعذبك، وحجة ضعيف الرأي أن يهدد بالبطش.
تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتك بشيء مبين فإذا هي بيضاء للناظرين)
تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتك بشيء مبين فإذا هي بيضاء للناظرين) قال موسى لفرعون: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء:30] يعني: بما أنك لا تعرف كيف تجيب فهل تتبعني إذا جئتك ببينة ومعجزة تدل على أني رسول من عند رب العالمين سبحانه؟ ولا يستطيع فرعون أن يمنع موسى من إتيانه بالبينة؛ لأن خلفه حاشية وملأ، قال تعالى: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:31] أي: لو أنت صادق هات هذه البينة التي تدعيها. فقوله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء:30] أي: بحجة بينة واضحة فيها البرهان، وفيها الإعجاز والتعجيز لك ولمن معك، قوله تعالى: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:31]، وهو يعلم يقيناً أنه صادق عليه الصلاة والسلام، ولكن يريد أن يحقر من أمره أمام الناس، فقال: إن كنت صادقاً فهات الذي تقوله، قال تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ} [الشعراء:45]، وقال سبحانه في سورة الأعراف: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف:107]، وقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى قبل ذلك أن يلقي عصاه فإذا هي ثعبان أمامه، ويفر موسى فزعاً منها. ولم يرسل الله موسى إلى فرعون حتى طمأنه ودربه على ذلك، قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18]، فلما: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:19 - 20]، ففر موسى وفزع منها، فناداه ربه: تعال يا موسى! وخذ هذه العصا ولا تخف، وطمأنه ربه سبحانه حتى أخذ هذه العصا. والوقت الذي ألقى فيه موسى العصا وصارت ثعباناً كان في ليل مظلم، وفي مكان موحش، وموسى خائف أيضاً، وهذا أشد ما يكون من الفزع، فإذا بالله يطمئنه في ذلك تدريباً لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حتى إذا كان أمام فرعون فإنه سيلقيها وهو مطمئن؛ لأنه جرب قبل ذلك. فهنا ألقى عصاه وهو مطمئن بربه سبحانه، {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف:107]، وذكر هنا أنها: {ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء:45]، وفي سورة طه قال: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20]. فقد دبت فيها الحياة وصارت ثعباناً بيناً عظيماً فظيع المنظر يسعى بين الناس، فقوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الشعراء:32] أي: بيِّن أمامهم ليس سحراً وليس كذباً وليست تخيلاً لهم، ولكن صارت ثعباناً حقيقياً أمامهم. وقوله تعالى: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الشعراء:33]، وقبل ذلك قال الله له: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12]، وقال هنا في سورة الشعراء: {فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الشعراء:33]، فكان لها شعاع كشعاع الشمس، فأدخلها في جيبه وأخرجها بيضاء والجميع يرون ذلك، فهي معجزة أمامهم.
تفسير قوله تعالى: (قال للملأ حوله فماذا تأمرون)
تفسير قوله تعالى: (قال للملأ حوله فماذا تأمرون) قال الله تعالى حاكياً عن فرعون حين رأى هذه الآية: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الشعراء:34]، فليس هناك شيء نافع مع فرعون، فقد جادله موسى بالحجة العقلية فلم يرض بذلك، ثم بالحجة البينة المنطقية فلم يفهم، ثم بهذه الآية الحسية التي أمامه فيقول: هذا ساحر مبين، قال تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الشعراء:34]، وصدقوه، كما قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:109]. ففرعون قال ذلك، والملأ قالوا ذلك مجاملة لفرعون، فقالوا: هذا ساحر يضحك علينا ويسحرنا، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء:34 - 35]، فكان فرعون يقول لقومه: إن هذا ساحر قد علم السحر ووصل فيه إلى درجة عالية جداً، وهو يريد أن يخرجكم من أرضكم؛ لكي يثوروا على موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف:110]، فيجعل بقوله هذا نفسه عاملاً بالشورى، فهو يطلب منهم المشورة بعد أن استبد برأيه في الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يترك أحداً يرد، وفي النهاية قال: ساحر، ثم أخذ يتواضع للناس فقال: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف:110].
تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه يأتوك بكل سحار عليم)
تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه يأتوك بكل سحار عليم) {قَالُوا أَرْجِهِ} [الشعراء:36]، أي: أخره، من الإرجاء، وفيها قراءات: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) وهذه قراءة عاصم، وقراءة حمزة، ويقرؤها قالون وابن وردان بخلف عن أبي جعفر (أَرْجِهِ وَأَخَاه)، بالكسر وعدم الهمز فيها، ويقرأها ورش وابن جماز والكسائي وخلف (أَرْجِهِي وَأَخَاهُ)، بالإشباع أيضاً من غير همز. إذاً: فالقراءات التي فيها: (أَرْجِهْ وَأَخَاه)، وهي قراءة عاصم وقراءة حمزة. الثانية: (أَرْجِهِ وَأَخَاهُ)، وهي قراءة قالون وبخلف عن أبي جعفر. والقراءة الثالثة: (أَرْجِهِي وَأَخَاهُ)، وهي قراءة ورش والكسائي، وابن جماز، وخلف. وهناك قراءة رابعة: بالهمز فيها، وأيضاً سيكون فيها التسكين والكسر والإشباع، فيقرأ ابن كثير وهشام (أَرْجِئهُو وَأَخَاهُ)، من الإرجاء وهو التأخير، وهذه قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر بالإشباع. ويقرؤها البصريان: أبو عمرو ويعقوب: (أَرْجِئْهُ وَأَخَاهُ)، من غير إشباع فيها، وبالهمز مع الضم للهاء. ويقرؤها ابن ذكوان: (أَرْجِئْهِ وَأَخَاهُ)، فهذه ست قراءات في هذه الكلمة. قال: {أَرْجِهِ وَأَخَاهُ} [الشعراء:36]، وكل المعاني في الإرجاء أي: التأخير، أي: اصبر قليلاً حتى يأتي الذين يعرفون كيف يردون عليه. وقوله تعالى: {فِي الْمَدَائِنِ} [الأعراف:111] أي: في مدائن مصر، فابعث إلى الجنوب وإلى الشمال وهات السحرة الموجودين عندك في البلد جميعهم. وقوله تعالى: {حَاشِرِينَ} [الشعراء:36] يعني: جامعين، يجمعون هؤلاء السحرة، ويجمعون الناس. قال تعالى: {يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} [الشعراء:37]، فهذا ساحر وسنأتي نحن له بكل سحار، والسحار: صيغة مبالغة في ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فجمع السحرة لميقات يوم إن كانوا هم الغالبين)
تفسير قوله تعالى: (فجمع السحرة لميقات يوم إن كانوا هم الغالبين) وجاء السحرة من كل أنحاء مصر، قال تعالى: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:38] أي: في اليوم المحدد لحضور ذلك. قال تعالى: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ} [الشعراء:39] يعني: ففرعون هو الذي جمع السحرة وجمع الناس؛ لكي يشاهدوا هزيمة موسى بزعمهم وظنهم، ولو كان هذا إنساناً عاقلاً ما فعل ذلك؛ لأن موسى سيريه آيات لا يقدر عليها أحد من البشر، وبسبب عناده أعماه الله عز وجل عن الحجج، فقيض الله له من يشهد عليه أنه على الباطل. قال تعالى: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:40]، وانظر إلى منطق الجهلة والحمقى والمغفلين، فهم لا يقولون: لعلنا نتبع الحق، أو لعلنا نتبع من يغلب، فمنطقهم مثل منطق أهل الجاهلية الذين قالوا: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]، والمفترض أن الإنسان العاقل يقول: يا رب إذا كان هذا حقاً فاهدني إليه وأدخلني فيه، وكذلك هؤلاء الجهلة من المفترض أن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب، ولعلنا نتبع من ظهر الحق معه، لكنهم قالوا: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} [الشعراء:40] أي: نحن مع هؤلاء السحرة: {إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:40].
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء السحرة إذا لمن المقربين)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء السحرة إذاً لمن المقربين) {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ} [الشعراء:41] طمعوا في عطاء فرعون؛ لأنهم لا إيمان في قلوبهم، بل هم من أكفر الناس، فقد طمعوا في القرب من فرعون، وأن يعطيهم من الأموال ومن المناصب، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:41] يعني: لقد أتيت بنا من البلدان كلها فهل ستدفع لنا أجرة على هذا الشيء؟ وانظروا كيف يقلب الله عز وجل القلوب، فقد أتوا أول النهار يطلبون الغنيمة والأموال فكانوا في آخر النهار من المؤمنين. فقال فرعون لهؤلاء: نعم سأعطيكم الذي تريدون، {وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء:42]، فقد جئتم من بلدان بعيدة لتنصروني على هذا، فستكونون قريبين مني. قوله تعالى: {وَإِنَّكُمْ إِذًا} [الشعراء:42] يعني: حين تغلبون {لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء:42].
تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون رب موسى وهارون)
تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون رب موسى وهارون) لما اجتمع السحرة مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قالوا له متأدبين معه كما في سورة الأعراف أيضاً: {يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا} [الأعراف:115 - 116]، فاختصر ربنا سبحانه كلام موسى، بينما هنا يقول: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [الشعراء:43]، وقد أتوا ومعهم الحبال والعصي لكي يرموها أمام الناس، فتظهر أمامهم أنها قد صارت حيات تسعى في الأرض، وكذلك عصيهم، قال تعالى: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} [الشعراء:44]، ودعوا بعزة فرعون فقالوا: {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء:44]؛ لأنه ربهم بزعمهم. {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف:116] وأتوا بسحر ليس هيناً، بل هو سحر عظيم، فإن الإنسان يخدع حين يرى هذا الكم الهائل من العصيان ومن الحبال وهي تتلوى على الأرض أمام أعين الناس، قال تعالى: {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء:44] أي: يقسمون بعزة فرعون أنهم هم الغالبون؛ لأنهم رأوا العصيان كثيرة أمامهم وصارت حيات كثيرة، وموسى معه عصا واحدة. فيأتي الأمر من الله عز وجل لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن لا تخف، قال تعالى: {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69]، فلما جاء الأمر من الله ألقى موسى عصاه، قال تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء:45]. واختصر القصة هنا ربنا سبحانه وتعالى، فذكر أنهم ألقوا فألقى موسى، وبأمر الله سبحانه صارت عصاه حية تسعى وهي عصا واحدة، قال تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} [الشعراء:45] أي: تبتلع وتلتقط كل العصي والحبال الموجودة على الأرض، وتأكلها جميعها، قال تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الشعراء:45]. فقوله تعالى: {تَلْقَفُ} [الشعراء:45]، هذه قراءة حفص عن عاصم، وأما قراءة البزي عن ابن كثير: (فَإِذَا هِيَ تَّلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ)، بالإدغام، وقراءة باقي القراء: (فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ)، يعني: تبتلع كل ما أمامها من هذه العصي وهذه الحبال، وغُلب هنالك السحرة، وعلموا أن هذا لا يكون إلا من الرب سبحانه، فخروا لله ساجدين؛ لأنهم عرفوا الحق. فقد كانوا في أول النهار من أكفر الناس، وصاروا في آخر النهار عباداً لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَأُلْقِيَ} [الشعراء:46] أي: خروا وألقوا بأنفسهم ساجدين لله رب العالمين، {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:47]، سبحانه وتعالى، {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء:48]، على نبينا وعليهما الصلاة والسلام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [46 - 56]
تفسير سورة الشعراء [46 - 56] إن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فقد هدى الله سحرة فرعون بعد أن كانوا سحرة ضالين، فأصبحوا مؤمنين بالله عز وجل، وقد بين الله تعالى في سورة الشعراء طغيان فرعون وتجبره على بني إسرائيل، وكيف قام بتعذيبهم، ولنا في هذه القصة عبرة وآية.
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة ساجدين)
تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة ساجدين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:46 - 51]. يذكر لنا ربنا سبحانه فضله على من يشاء من عباده سبحانه، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، فالله عز وجل أضل فرعون وقد رأى من الآيات الكثير، وقد جاءه موسى بتسع آيات بينات من عند الله سبحانه وتعالى، فيده فيها آية، والعصا فيها آية، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:133]، وأخذهم الله بالسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فكان ذلك من الله عز وجل آيات بينات لم يؤمن بها فرعون وقومه، مع أنه كلما جاءت آية قالوا متوسلين لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الأعراف:134]، وكل مرة يدعو موسى ربه ويكشف الله عنهم الرجس والعذاب، فيرجعون مرة أخرى إلى كفرهم وتكذبيهم، فالله يضل من يشاء حتى ولو رأوا أمامهم الآيات مفصلات بينات، ويهدي من يشاء ولو بآية واحدة من عنده سبحانه، فهؤلاء السحرة جاءوا مكذبين معترضين على موسى مناصرين لفرعون، ومع ذلك رأوا آية واحدة حين ألقى عصاه، فجعلت تلقف ما ألقوه من حبال وعصي، فخروا لله ساجدين، فهداهم الله جميعاً في ساعة واحدة.
تفسير قوله تعالى: (قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون)
تفسير قوله تعالى: (قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون) قال تعالى: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف:121 - 122]، لما قالوا ذلك إذا بفرعون تأخذه العزة ويقول: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [طه:71]، فانظروا إلى الاستكبار، فهو يريد أن يكون أمر الإيمان بالله سبحانه بإذنه هو، وهو الذي يقول: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24] أي: أنه يأمرهم أن يعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى، يقول لهم: آمنتهم من غير إذني ودخلتم في دينه؟ فهو قد رأى الآيات وامتنع من الإيمان، وأي إذن ينتظرونه منه وقد دخل قلوبهم الإيمان فآمنوا بالله رب العالمين سبحانه ولا يحتاج إلى إذن من أحد؟!
تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم)
تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم) قال تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [الشعراء:49]، قال فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ) أي: لموسى، {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الشعراء:49]، فالإنسان الذي لا حجة عنده يلقي بالكلام جزافاً، ويلقي بالكلام الذي لا معنى له، ففرعون يقول ذلك لهؤلاء السحرة الذين جمعهم هو، ولم يعرفوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يجالسوه قبل ذلك، بل جمعهم فرعون من أدنى الأرض ومن أقصاها، فاجتمعوا وقالوا: ننصر فرعون، قال تعالى: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:40]، وقال السحرة لفرعون: {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:41]، فهم لم يعرفوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يجالسوه إلا في هذه المرة، فلما رأوا الحق معه اتبعوا الحق الذي جاء من عند ربهم سبحانه وتعالى. فقال لهم فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ)، وهذا كلام كذب يعرف فرعون أنه كاذب فيه، فيقول: أنتم عملتم حيلة من ورائي، فهو يريد أن يداري أمام الناس، فقد جمع الناس ليعلموا أنه كذاب، فإذا به يقول: هذا كبيرهم؛ لأنه لم يستطع أن يقول شيئاً يرد به على موسى إلا الكذب. قال تعالى: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) فمتى كان كبيرهم؟! ومتى علمهم السحر وقد أتى من بلاد الشام إلى مصر في هذه الأيام؟! يقول فرعون مهدداً لهم: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: سنفعل بكم ما ترون. قال: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:50] أي: سأقطع يد ورجل كل واحد منكم، وأصلبكم على جذوع النخل؛ لأجعلكم آية للناس. فهذا فرعون الذي وصفه الله بأنه فرعون ذو الأوتاد، وهذه الكلمة تكررت في القرآن مرتين، فذكر الله عز وجل فرعون بهذه الصفة، وفرعون لقب لملوك مصر، واسم فرعون هذا عرفناه من كلام الذين يبحثون في التواريخ، فكل ملك من ملوك مصر يلقب بهذا اللقب: فرعون، وأما اسمه فقد ذكرنا قبل ذلك أنهم ذكروا أن اسمه: منبتاح بن رمسيس الثاني أو خليفة رمسيس الثاني، وعلماء التاريخ يبحثون في أشياء عجيبة جداً، فيصلون إلى شيء قد أثبته القرآن قبلهم، فعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وبحثوا في الآثار المصرية استخرجوا جثث القدماء المصريين والملوك، وبعد ذلك أخرجوا اللغة الهيروغليفية التي هي لغة الفراعنة، وبدءوا يدرسونها لكي يعرفوا معانيها، وتعبوا في ذلك كثيراً. وصعد علماء الفلك إلى القمر فاكتشفوا أن القمر قد انشق يوماً من الأيام، والله عز وجل قال في كتابه: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، وهم يبحثون لكي يعرفوا اسم فرعون وصفة فرعون وكيف مات فرعون، فأتوا بتصديق لما قاله الله عز وجل في كتابه سبحانه وتعالى، والمسلمون لم يكونوا يعرفون أن فرعون هذا لقبه وله اسم آخر غير ذلك، وله وصف آخر غير ذلك إلا ما جاء في القرآن، وأنه فرعون، وأنه ذو الأوتاد، فإذا بعلماء الغرب الذين يبحثون يقولون: من ملوك الفراعنة من كان اسمه كذا، وبعد ذلك بحثوا في هذا الاسم، وقالوا: هذا فرعون موسى، واسمه بي نو خيو، وكانوا يتساءلون: هل هذا اسم للفرعون أم وصف للفرعون؟ فبحثوا عن معنى الكلمة حتى وصلوا إلى أن: كلمة (بي) تعني: ذو، و (إن) أو (نو) بمعنى: أل، و (خيو) أو (إخ) أو (خي) بمعنى: أوتاد، وهذه هي الكلمة التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، وهذا الكلام ليس كلامنا، ولكنه كلام موجود على الإنترنت ذكره البعض من المسلمين عن دكتور من الذين تخصصوا في اللغة الهيروغليفية اسمه الدكتور علي فهمي خشيم، وذكر يحثاً طويلاً في هذا الشيء مؤداه في النهاية أنه فرعون ذو الأوتاد الذي ذكره الله عز وجل في كتابه. وسمي ذا الأوتاد لأنه كان يضع لخصومه أوتاداً على الأرض ويكتفهم في هذه الأوتاد، أو أنه يربطهم على فروع الأشجار، ويدق لهم مسامير ويعلقهم فيها، فهذا هو فرعون ذو الأوتاد، فاسمه الذي وصلوا إليه هو منبتاح، وأنه كان خليفة رمسيس الثاني، ووصفه ذو الأوتاد، وربنا يذكر لنا فرعون ذا الأوتاد، وذكر لنا هنا أنه كان يصلب هؤلاء السحرة على جذوع النخل أو في جذوع النخل. إن فرعون هذا ذكر الله سبحانه أنه غرق، وقد نجى الله بدنه وألقاه على نجوى من الأرض بحيث ينظرون إليه ويعرفون أن هذا فرعون الذي أغرقه الله سبحانه، وأصحاب العلوم الحديثة يكتشفون ويقولون: إن هذه فعلاً هي جثة منبتاح، وهي جثة فرعون الذي آذى موسى، والذي خرج وراء موسى وأغرقه الله، وفعلاً غرق في البحر ولم يمكث في البحر فترة طويلة حتى خرج من البحر، وهذا بناء على تحليل جثته، ونحن لا نحتاج إلى ذلك، فالقرآن يغنينا، فقد أراهم الله الآيات التي يعلم بها من يكذبه، فقد جاء القرآن بالصدق والخبر الذي لم يصلوا إليه إلا بعد 1400 عام من نزول هذا القرآن المعجز العظيم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون أن كنا أول المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون أن كنا أول المؤمنين) عندما أقسم فرعون أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم أجمعين، نرى دخول هؤلاء في الإيمان الذي لم يتعد الساعة أو الساعات القليلة، ولكن الإيمان قد استقر في القلوب، حتى إنهم ليردون على فرعون بهذا الكلام العظيم: (لا ضَيْرَ) أي: لا يضرنا، ونتخيل هنا أن هذه الكلمة تصدر من إنسان مؤمن منذ زمن بعيد قام لله وصام لله وصلى لله واستقر الإيمان في قلبه، فيقول: ليس مهماً أن أؤذى في الله سبحانه، وقد يكون الإنسان له في الإسلام فترة طويلة وبمجرد أن يؤذى يفتن، ولكن هؤلاء يتهددهم فرعون فيقولون: (لا ضير) أي: لا يهمنا هذا الشيء، لا ضرر علينا في ذلك طالما آمنا بالله سبحانه، مع أنهم لم يؤمنوا إلا قريباً. قال الله تعالى: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) يعني: أن النهاية أننا راجعون إلى الله سبحانه وتعالى، فمتى تعلموا هذه العقيدة؟ لقد ألقى الله سبحانه في قلوبهم ذلك، فعرفوا الحق من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ((إِنَّا نَطْمَعُ))، في أول النهار كان يطمعون في جزاء فرعون ويقولون: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا)، وفي آخر النهار يطمعون في ربهم سبحانه وتعالى وفي فضله الكريم. قال تعالى: (أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: سابقنا وسبقنا إلى الدخول في هذا الدين قبلك وقبل غيرك، فطمعنا الآن في أن يغفر لنا ربنا خطايانا ولست أنت يا فرعون، ففرعون قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ولكنهم الآن عرفوا من ربهم سبحانه وتعالى، فطمعوا في فضله سبحانه. قوله: (أَنْ) يعني: لأننا. وقوله: (كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: أول المؤمنين بربنا سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون) قال ربنا سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء:52] جاء الوحي من الله سبحانه وتعالى لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، والإسراء: هو الخروج بالليل، وهنا كأن فرعون غفل أو نسي فأذن لموسى، أو أنه أراد أن يتخلص منه ومن معه بدلاً من أن يجعل الناس يؤمنون به، وتجربته مع السحرة معروفة، فأذن لهم بالخروج مع موسى، فإذا بموسى ومن معه يخرجون، وفكر فرعون من سيخدمه بعد ذلك، ومن سيسخره في العمل بعد ذلك، وربما خرج هؤلاء ورجعوا له بجيش مرة أخرى، فلابد إذن أن نلحقهم ونردهم إلى مصر مرة ثانية. قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى) أي: جاء الوحي من الله سبحانه لموسى: (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، فطلب من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، فوافق فرعون، وخرج موسى ببني إسرائيل، وكانوا قبل ذلك قد استعاروا من قوم من أقباط مصر حليهم، فأخذوا هذه الحلي وخرجوا بها، فإذا بأهل مصر يقولون: خرجوا وأخذوا ذهبنا فلن يرجع إلينا ذهبنا، وفي هذه الليلة كما يذكر المفسرون ألقى الله عز وجل الموت على من بمصر من رجالهم أو البعض من رجالهم، فإذا بهم ينشغلون في الليل ولا ينتبهون إلا عند الإشراق، والله سبحانه وتعالى يشغل من يشاء بما يشاء، ويدبر أمر من يشاء، ولكي يهرب موسى ومن معه ولا يلحقهم فرعون يريهم الله الآيات، فإذا ببعض من القوم يموتون، قالوا: ألقي الموت على أبكارهم، وعلى البعض من شبابهم، وألقي الضياع على البعض من أموالهم، والموت على البعض من حيوانهم، فإذا بهم ينشغلون في ليلتهم عن موسى ومن معه بذلك، وينتبهون في وقت الإشراق، فقال الله سبحانه: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء:52]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير: (أن اسرِ بعبادي)، فأسرى بهمزة قطع في القراءة الأولى، وفي الأخرى بهمزة وصل في أولها. قوله تعالى: (بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) قراءة نافع وأبي جعفر: (بعباديَ إنكم متبعون)، والباقون بالسكون: (بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ). وفيها البشارة من الله سبحانه وتعالى لموسى بالنجاة من فرعون، أي: وفرعون سيجري وراءكم ولكن نحن سننجيكم من فرعون ومن معه.
قوله تعالى: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين وإنا لجميع حاذرون)
قوله تعالى: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين وإنا لجميع حاذرون) {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء:53]، لما انتبه فرعون أن موسى خرج بمن معه إذا به يرسل ويجمع من جنوده من يحشر الناس ويجمعهم إلى فرعون قائلاً لهم: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء:54]، يعني: موسى ومن معه شرذمة قليلون، والعدد الذي ذكر عن موسى ومن معه أنهم كانوا ثلاثمائة ألف أو ستمائة ألف والله أعلم كم كان العدد، فثلث مليون شخص أو نصف مليون شخص عدد كبير، وعندما يقول فرعون: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) فمعنى ذلك أن فرعون أتى بأضعاف مضاعفة أكثر من هؤلاء الذين خرجوا؛ لذلك حقرهم أمام من معه، وقال: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ). قال الله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء:55] أي: أن هؤلاء القوم غاظونا. قال تعالى: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:56]. قوله: (وَإِنَّا) أي: مجموعة كبيرة. قوله: (حَاذِرُونَ) قرأها ابن ذكوان والكوفيون: (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)، وقرأها باقي القراء: (وإنا لجميع حذرون)، فـ (حاذرون) بمعنى مستعدون. و (حذرون) معناها: متيقظون منتبهون، أي: أننا منتبهون لهؤلاء وسنعرف كيف نأتي بهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [52 - 59]
تفسير سورة الشعراء [52 - 59] ذكر الله عز وجل من طغيان فرعون شيئاً لم يفعله أحد من المجرمين، فقد طغى وتكبر، وقتل وشرد، ودعا إلى الرذيلة، ثم ادعى الربوبية والعياذ بالله، فأرسل الله إليه موسى بالحجج والبراهين، فلم يزده ذلك إلا علواً وتكبراً في الأرض، فأذن الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل هروباً من ظلم فرعون وبطشه، فخرج فرعون بجيشه وجنوده، وقوته وعتاده، فأهلكه الله هلاكاً عجيباً، وجعل جسده آية لمن بعده، فأخرجه الله من أرض الخير والبركة والجنان.
حوار موسى مع فرعون صاحب الحجج الواهية
حوار موسى مع فرعون صاحب الحجج الواهية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} [الشعراء:52 - 66]. يذكر الله سبحانه في هذه الآيات وما قبلها قصة موسى النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنه دعاه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فأعرض فرعون وأبى إلا أن يجادل ويكذب موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ورأينا كيف أنه تناقش مع موسى من منطق القوه وليس من منطق الحجة، فناقش موسى بالقوة والغلبة وبكثرة أتباعه، وصار يستهزئ بموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فذكر هنا وفي غيرها من سور القرآن أن فرعون ناقشه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال لموسى: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23]؟ فقال مجيباً له: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24] قال لقومه: ألا تسمعون؟ قال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:26 - 28]. فالكلام الذي يقوله فرعون لا حجج فيه ولا منطق، وهو كلام يفهم منه أصحاب العقول أنه لا حجة عند صاحبه، وأنه يقول كلاماً جزافاً، حيث سأل: وما رب العالمين؟! ثم قال لمن حوله يعجبهم من جواب موسى: ألا تستمعون؟! والإنسان الذي يتعجب من غير عجب يسمى بالإنسان الأحمق الذي لا يفهم، وأما الإنسان العاقل فهو الذي يفهم الكلام ويزنه فيعرف أنه حق أو باطل، وأما الأحمق الذي لا يدري ما الحجة ولا يعرف كيف يجادل فهو الذي يتعجب من حجة لا يعرف كيف يرد عليها، فهذا هو حال فرعون عندما قال لمن حوله: ألا تستمعون إلى هذا الذي يقوله هذا؟! فلما أخبرهم بأن الله هو رب السماوات ورب الأرض وما بينهما، وأنه رب المشرق والمغرب، وأن فرعون لا يملك شيئاً، وليس كما يزعم أنه ربهم الأعلى، فإذا بفرعون يقول لمن حوله في السورة الأخرى: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، فكأنه يقول: أنا ملك وأنا أملك، فموسى يقول: ربي ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا))، وأنت تقول: لك ملك مصر التي لم تخلقها ولا تقدر أن تدبر شيئاً فيها! وإنما الذي يدبر أمر ملكه هو الله الخالق وحده لا شريك له. قال الله عن فرعون: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:51 - 52]، فبدلاً من أن يلقي الكلام مدعوماً بالحجة ابتدأه بالسخرية من العيب الذي في الإنسان، وهذا هو الذي يدل على جهل صاحبه، فالإنسان الجاهل الغبي الأحمق هو الذي يترك حجة من يناظره ويبتدئ اتهامه بالعيوب الخلقية، مع أن هذا العيب قد أزاحه الله عز وجل عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكن عندما لم يكن بيده شيء قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} [الزخرف:52] أي: هذا الحقير الذي أمامكم الذي لا يكاد يبين حجته، لأن موسى قبل ذلك كان في لسانه لثغة لا يقدر على الكلام، فقال لربه: {رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:25 - 28] إذاً: حتى أفصح الكلام داوي ما بلساني من عقدة، فكان قبل ذلك فيه لثغة، ففرعون يذكره بالماضي من أنه كان لا يعرف كيف يتكلم ولا ينطق بفصاحة، فيقول لقومه: أنا خير من هذا الذي لا يعرف يتكلم، ولا يجيد التعبير ولا الحديث. فكل الذي رآه فرعون أمامه من الآيات كذبها، فالله عز وجل أخذهم {بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:130]، قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ} [الأعراف:133]، فكل هذه الآيات ما أعجبت فرعون، وإنما يريد أسورة من ذهب تنزل عليه من السماء، {فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف:53 - 54] يعني: في هذا، فقد كانوا خفاف العقول فلم تعجبهم تلك الآيات مجاملة لفرعون، فأصحاب القوة يجعلون لهم من المنافقين من يجاملونهم بمثل ذلك، حتى ولو رأوا أمامهم الآيات بينات فلا يأخذون بها. وانظر إلى الفرق بين هؤلاء وبين السحرة الذين أنعم الله عز وجل عليهم فآمنوا لما رأوا آية واحدة من الآيات، فقد رأوا العصا بيد موسى يقلبها ربها سبحانه حية تلقف ما يأفكون.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وإنا لجميع حاذرون)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وإنا لجميع حاذرون) عندما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر وذلك عندما أذن له فرعون بالخروج كان عدد بني إسرائيل ثلاثمائة ألف أو ستمائة ألف، فخرجوا من مصر فإذا بفرعون يتنبه بعد ذلك ويريد أن يعيدهم مرة أخرى إلى الذل والتسخير في مصر. قال الله عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء:52] فلما خرجوا إذا بفرعون يرسل وراءه {فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء:53] يعني: منادين جامعين يجمعون الناس وجنود فرعون قائلين: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء:54] وهذا يعني: أن فرعون ومن معه كانوا أكثر من ذلك بكثير، فيخبر الله عز وجل عنهم ويرينا آية من آياته العظيمة أن النصر من عنده وحده لا شريك له، قال فرعون: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:55 - 56] يعني: نحن في أهبة الاستعداد حذرون متيقظون ومستعدون.
تفسير قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون كذلك وأورثناها بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون كذلك وأورثناها بني إسرائيل) قال الله سبحانه: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:57 - 59]. وانظر إلى جمال القرآن حيث يقول الله: فأخرجنا فرعون ومن معه ((مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) * ((وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ)) * ((كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ))، فالنتيجة: نصرة بني إسرائيل، ولكن الذي حدث أنه فصل هذا النص بعد ذلك سبحانه، فقال: ((فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وهشام وحفص عن عاصم وقراءة يعقوب وخلف (وعُيون) بضم العين، وباقي القراء يقرءونها (وعِيون) مثل (بُيوت) و (بِيوت). قال: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ} يعني: مصر، فقد كانت مليئة بالبساتين، والله عز وجل جعل فيها هذا النيل العظيم من فضله سبحانه، ونهر النيل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث مالك بن صعصعه أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المعراج قال: (ورفعت لي سدرة المنتهى نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة) وهذه شجرة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حجمها فقال: بنبقها، أي: الثمرة كأنه قلال هجر، وهو مكان وموضع كان مشهوراً بصنع القلال العظيمة التي لا يقدر الرجل على حملها إلا بالكاد لثقلها. ثم يقول لنا هنا النبي صلى الله عليه وسلم: (في أصلها أربعة أنهار -في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار- نهران باطنان ونهران ظاهران، فسأل جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة) نهران يمدان هذه الشجرة من الجنة (وأما الظاهران فالنيل والفرات) فيها نهر عظيم قدر نهر النيل ونهر الفرات، واليهود يحاولون أن يأخذوا النهرين: النيل والفرات، فيقولون: دولة اليهود من النيل إلى الفرات، فهم يعرفون أنها أنهار مباركة من عند رب العالمين سبحانه، وذكْر القصة في حديث صلى الله عليه وسلم. فالله عز وجل قال: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ} [الشعراء:57] أي: بساتين عظيمة {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء:58] فهذه البلاد فيها الخيرات دائماً، ولكنها من أيام الفراعنة ينهبها الفراعنة ويأخذون الذهب، ويسرقون ما فيها من الخيرات، وما زال فيها خير حتى الآن، وانظر في سورة يوسف لما قال لملك مصر: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ} [يوسف:55] فهو جعل مصر خزائن الدنيا. فهنا ربنا سبحانه يذكرنا بأن فيها الجنات والعيون والكنوز والزروع والمقام الكريم، وأهل التاريخ يذكرون عن هذه البلدة أنها كانت طوال عمرها فيها الجنات العظيمة، وعمرو بن العاص لما جاء إلى مصر ومعه ابنه عبد الله بن عمرو، يذكر أن الجنات كانت بحافتي النيل في الشقتين جميعاً من أسوان إلى الرشيد، ويذكر القرطبي أن بين هذه الجنات زروعاً فيها، قال: والنيل سبعة خلجان: خليج الإسكندرية -وهذا من أيام القرطبي - وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، وهي متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، أي: أنها جنات حول نهر النيل من أقصى البلاد إلى أدنى البلاد قال وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً بما دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشرة ذراعاً نيل السلطان، يعني: فإنهم يحسبون ارتفاع النيل بالذراع دائماً، فإذا وصل ارتفاع النيل إلى ستة عشر ذراعاً قالوا: إن السلطان سيفرض جباية؛ لأن الخير سيأتي كثيراً، هذا كلام القرطبي رحمه الله، وقال: وكانت أرض مصر جميعاً تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعاً، يعني هذه الإصبع تروي أرض مصر كلها، هذا كلام القرطبي، وكان إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعاً وزيد عليه أصبع واحد من ثمانية عشرة ذراعاً، ازداد في خراجها ألف ألف دينار، فهذا الذي يذهب إلى السلطان، فهذه من خيرات مصر وبركاتها، هذا كلام الإمام القرطبي، وذكر نحو هذا بعض العلماء. فنهر النيل من عجائب الدنيا، وذلك أنه يزيد إذا انصبت الأمطار في جميع الأرض حتى يسيح إلى جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب، وهذا كان يحدث في الماضي، فكان نهر النيل يفيض فيملأ البلاد كلها، وكل خيراته توزع على البلاد، وكان الناس أحياناً من ارتفاع النهر يتواصلون من مكان إلى مكان عن طريق القوارب ونحوها. يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: نيل مصر سيد الأنهار. أي: أفضل أنهار الدنيا، وهذا النهر العظيم قال عنه قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: يا أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما هي؟ قالوا: إذا خلت اثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر وأرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، وتسمى عروس النيل، ثم نرمي بها في النيل. وهذا من جهلهم عندما يفعلون ذلك، قال: فقال لهم عمرو رضي الله عنه: هذا لا يحل في الإسلام، فتركوا العادة فإذا بالنهر لا يجري لا كثير ولا قليل، حتى هموا بالهجرة من هذا المكان، واستمر على هذا مدة ثلاثة شهور، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص وأن الناس سيهاجرون ويتركوا المكان أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن ذلك، فكتب إليه عمر: إنك قد أصبت بالذي فعلت، إن هذا حرام لا يحل، وإن الإسلام يهدم ما قبله، ولا يكون هذا، وبعث إليه ببطاقة في داخلها كتابة منه وأمرهم أن يرموها في نهر النيل، وكان عمر محدثاً ملهماً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلما جاءت البطاقة إلى عمرو إذا فيها مكتوب: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل عيد الصليب بيوم، وفيها بيان كرامة من الكرامات وآية من الآيات، فالله الواحد سبحانه هو القادر على ذلك، وليس لأحد من الخلق أن يفعل ذلك، قال: وقد تهيأ أهل مصر للجلاء، أي: كانوا جاهزين للارتحال من البلد والخروج منها؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة في النيل أصبح يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشرة ذراعاً، يعني: أصبحوا في يوم عيدهم وقد جاءت آية من الآيات تبين أن الله سبحانه وحده لا شريك له هو الذي يجري النهر، فأجراه الله آية من الآيات سبحانه، وقطع الله تلك العادة عن أهل مصر من تلك السنة، قطعها بسيدنا عمر رضي الله عنه، فالله عز وجل أزال هذا الشرك، ودخل أقباط مصر في دين الإسلام لما رأوا من آيات توحيد رب العالمين سبحانه، والآن أصبحوا يعملون بعض الأشياء الموروثة من الفراعنة، فيصنعون قلادة وحروز وتمائم ويكتبون عليها شركيات ثم يرمونها في النهر ويقولون: هذا فيه بركة، فبعدما نجى الله هذا البلد من هذا الشرك، ومن هذه البلادة والغباوة التي كانوا يعتمدون فيها على الخلق دون الخالق سبحانه فإنهم يريدون أن يرجعوا إليها مرة ثانية. نسأل الله عز وجل أن يحفظ على المسلمين دينهم، وأن يعيدهم إلى سنة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، وإلى توحيد ربهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [52 - 68]
تفسير سورة الشعراء [52 - 68] بين الله عز وجل في هذه الآيات الكريمات قصة إنجاء موسى عليه السلام وقومه من بطش الطاغية فرعون، فلما أن أذن فرعون لموسى بالخروج من مصر خرج ليلاً في قومه وبادر بالخروج؛ لأن الوحي قد جاءه بأن فرعون سينكث عهده، وفعلاً أرسل من يجمع الناس ويؤلبهم عليهم ثم اتبعوهم، وكان قدر الله تعالى أن أخرج فرعون وجنده إلى مصيرهم وهو الهلاك والغرق في البحر، فلما كادوا أن يدركوا موسى وقومه جاء الفرج وتجلت قدرة الله سبحانه عندما ضرب موسى البحر فانغلق، وصارت فيه الطرق التي سلكها مع قومه فنجوا، ثم أهلك الله تعالى فرعون وجنده.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي وكنوز ومقام كريم)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسرِ بعبادي وكنوز ومقام كريم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد إلا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء:52 - 58]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات قصة خروج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل من مصر، وكيف أهلك الله عز وجل فرعون وجنوده شر هلاك، فآتاهم العذاب من حيث لا يتوقعونه، فأمر الله عز وجل موسى أن يسير بعباده في الليل فقال: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء:52]. وأخبره أن فرعون سيتبعهم، وكان موسى قد ظن أن فرعون لا يتبعه؛ لكونه أذن لهم في الخروج من مصر، فخرج ومن معه، فأوحى الله إليه بذلك؛ حتى لا يخاف، وليطمئن أن ربه سبحانه معه. قال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء:53]. أي: من يجمعون الناس بعد أن تنبه فرعون لخروجهم، ويقول الجامعون: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} [الشعراء:54 - 55]. فجمع الناس بهذه المقولة: إن بني إسرائيل عدد قليل قد خرجوا {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:55 - 56]. يعني: عددهم وقوتهم لا تقارن بعددنا وقوتنا؛ فلذلك سنذهب إليهم ونرجعهم إلى هنا بقوتنا وعددنا. قال الله عز وجل، {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:57] أي: خرج فرعون وجنوده فتركوا أرضهم وديارهم، وتوجهوا إلى البحر الأحمر متبعين لموسى عليه السلام ومن معه. قال سبحانه: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ} [الشعراء:57 - 58]. يعني: كانت لهم في هذه الديار الجنات والبساتين، وعيون الماء فضلاً عن أن لهم من الله عز وجل هذا النهر العظيم نهر النيل، والكنوز والمقام الكريم الذين كانوا يعيشون فيه، فأخرجهم الله عز وجل من هذا كله، وكنوز الأرض كثيرة موجودة في مصر، وكان الفراعنة يستغلونها، ويستخرجون الذهب ثم يصنعون منه الحلي، ويجعلونه مع الموتى في قبورهم، ويصنعون أشياء كثيرة من ذلك. فأخبر الله عز وجل أنه أخرجهم من هذه الكنوز، ومن مقامهم الكريم الذي كانوا يقومونه في أرض مصر. والمقام الكريم: هي المجالس، أو الأرض نفسها، أو المنابر التي كانوا يتكلمون فيها أمام الناس، والناس تذعن لهم في ذلك. فأخرجهم الله عز وجل مما أعطاهم من نعم، وخرجوا متجبرين متكبرين جاحدين لربهم سبحانه مطاردين نبي ربهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال الله سبحانه: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:59]. وقال الله سبحانه وتعالى في سورة القصص: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} [القصص:5 - 6]. فكان بنو إسرائيل مستضعفين، وكانوا يتبعون موسى عليه الصلاة والسلام، فأراد الله عز وجل أن يري خلقه قدرته وقوته في أن يضع المستكبرين ويذلهم ويرفع المستضعفين ويعزهم بإيمانهم، وبنصرتهم لدين ربهم سبحانه. فإذا به يورث هذا الذي تركه فرعون من أموال وكنوز لبني إسرائيل، فمكن لهم وأورثهم ذلك، قال: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:59]. ثم رجع لتفصيل هلاك فرعون فقال: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} [الشعراء:60]. يعني: فرعون اتبع موسى ومن معه في وقت شروق الشمس عند الضحى، وكان من المفترض أن أصحاب موسى قد خرجوا بالليل أن يسبقوهم ويفوتهم، لكن فرعون بما معه من خيل سريعة أدركوهم أو كادوا، فقال: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى} [الشعراء:61] وهم فزعون خائفون، {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61]. وأما موسى عليه السلام فهو مطمئن بربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى يطمْئِن قلوب أنبيائه وأوليائه. قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61]. يعني: أوشكوا على أن يلحقوا بنا، فكل فريق يرى خصمه أمامه. قال تعالى حكاية عن موسى: {قَالَ كَلَّا} [الشعراء:62] وهي أداة ردع وتسكيت، أي: اسكتوا ولا تتكلموا في ذلك؛ فإن الله عز وجل هو الذي ينصرنا. {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]، فمن شدة الفزع كأنهم نسوا ربهم سبحانه، ولذلك لم يقل موسى: إن معنا ربنا سيهدينا، وإنما قال: إن معي، فأنا مطمئن بربي، وواثق به حتى وإن تزلزتم وتزعزعتم وشككتم، فربي سيهديني إلى الطريق. فالله عز وجل يهدي موسى عليه السلام على ما يشاء.
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر)
تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر) قال تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء:63]. ذكروا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما خرج من مصر متوجهاً إلى الشام هو ومن معه تاهوا عن الطريق، فتعجب موسى من ذلك، فسأل من معه لماذا يحدث ذلك؟ فقال علماء بني إسرائيل: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. فقال موسى: فأيكم يدري مكان قبره؟ -وهذا الحديث ذكره أبو يعلى والحاكم وصححه، وصححه أيضاً الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة- فقالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى عليه الصلاة والسلام فقال: دليني على قبر يوسف. قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، تعني: إذا أعطيتني ما أريد دللتك على مكان القبر. فقال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأن موسى عليه الصلاة والسلام ثقل عليه ذلك، فالجنة ليست بيده حتى يوافق على ذلك، فلما تحير موسى عليه الصلاة والسلام قال له ربه: أعطها حكمها. فلما أعطاها ما أرادت دلتهم على المكان وكان قد غطته المياه، فاحتفروا واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها إذا بالطريق مثل ضوء النهار. والمقصود بالعظام جسد يوسف الصديق؛ لأن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولذلك جاء: (أن تميماً الداري قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يحمل عظامك؟!)، والمنبر لن يحمل العظام بل سيحمل الجسد كله، فالعظام تطلق على الجسد. قال: فأوحى الله إلى موسى أن أعطها حكمها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة فقالت: انضبوا هذا الماء، فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام، فتبينت لهم الطريق مثل ضوء الشمس، أو مثل ضوء النهار. وجاء في سبب ذكر هذه القصة التي ساقها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي، فطلب منه أن يأتي إليه إلى المدينة؛ حتى يكافئه على معروفه، فنزل الأعرابي ضيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأكرمه، ثم قال له: حاجتك؟! يعني: سلني ما تريد. فقال: ناقة أركبها، وأعنزاً أحلبها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!)، يعني: أعجزت أن تطلب مثل ما طلبت! فقال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: وما عجوز بني إسرائيل، فقص عليهم هذه القصة. فبدلاً من أن يطلب الأعرابي الآخرة طلب حاجته في الدنيا، ولكن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يخدمونه كان يقول لأحدهم: سلني، فيقول: أسألك مرافقتك في الجنة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أعني على نفسك بكثرة السجود، يعني: أكثر من السجود، وأكثر من القيام حتى أدعو لك فتكون معي في الجنة. والغرض أن الله سبحانه أخبر أنه أخرج بني إسرائيل من مصر وأهلك فرعون، فلما كاد فرعون أن يصل إلى موسى ومن معه إذا بالله عز وجل يوحي إلى موسى {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء:63]. وكان بنو إسرائيل وقتها في غاية القلق، فيسألون: أين أمرك ربك أن نسير؟ فكان يشير إلى البحر، فيأتي أحدهم يريد أن يقتحم البحر فلا يقدر، فيرجع إلى موسى، وهنا جاء الأمر من الله عز وجل أن اضرب البحر بعصاك. وعصا موسى عصا عجيبة، كانت فيها آيات عظيمة، قال: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه:18] يعني: حال سيرى، {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه:18]، أي: أضرب الشجر فتسقط الأوراق لتأكلها الأغنام، {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18] أي: لي فيها منافع أخرى. وهذه العصا صارت حية بعد ذلك، وكانت آية لموسى وعلامة على نبوته عليه الصلاة والسلام ومعجزة له من عند ربه سبحانه، ثم كانت آية لفرعون وجنوده فلم يتعظوا ولم يعتبروا. ثم كانت آية في مرة أخرى عندما كان موسى عليه الصلاة والسلام يغتسل وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكأن ذلك كان جائزاً في شرعهم، وكانوا يقولون: إن موسى لا يغتسل معنا لأنه آدر، أي: فيه عيب في خلقته فيستحي أنه يكون معنا. فإذا بموسى يغتسل مرة ويريد الله عز وجل أن يبرئ موسى مما يقولون فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بها، فإذا بموسى يجري وراء الحجر ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. فنظر إليه بنو إسرائيل فوجدوا أنه سليم ومن أصح الناس، فلما أخذ الحجر ضربه بعصاه فجرح الحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بالحجر لندباً من أثر الضرب) فكأن الحجر حين جرى صارت له الطبيعة الإنسانية، فعوقب كما يعاقب الآدمي، فكانت العصا في يد موسى يضرب بها هذا الحجر. وهنا مرة أخرى يضرب بها جماداً وهو البحر، فهذا من عجيب آيات الله سبحانه وتعالى فلما ضرب البحر قال الله عز وجل: {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء:63]. وقال له سبحانه: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ} [الدخان:24]. يعني: وقفت الأمواج في مكانها، وشقت الضربة البحر وفلقته، فإذا في البحر اثنا عشر طريقاً، لك سبط من أسباط بني إسرائيل طريق يسيرون فيه وذلك بضربة عصاه عليه الصلاة والسلام. والله عز وجل يخبر أن البحر أصبح رهواً، أي: جامداً كأنه ثلج، وأمواج البحر كما هي ماء ولكنها واقفة في مكانها، وينضب البحر في الأماكن التي يسير فيها موسى ومن معه من بني إسرائيل: {فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء:63]. ويذكر الله لنا أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى} [الشعراء:62 - 63]. فجاء الوحي وهو قوله: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ} [الشعراء:63]، أي: جزء من البحر: {كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء:63]، أي: كالجبل العظيم.
تفسير قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين ثم أغرقنا الآخرين)
تفسير قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين ثم أغرقنا الآخرين) قال تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ} [الشعراء:64]. يعني: قربنا فرعون ومن معه، فحين بدأ موسى وقومه الدخول في الطرق التي فتحها الله لهم في البحر أقبل فرعون وراءهم، وإذا به ينظر إلى البحر فاحتار: هل يدخل ورائهم أم يقف؟ فأخذته العزة فاقتحم وراءهم كأنه يريد أن يريهم أنه هو الذي شق البحر، قال سبحانه {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ} [الشعراء:64]، يعني: قربناهم وأدخلناهم داخل البحر. قال تعالى: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:65]. فكانت النجاة من رب العالمين سبحانه، فلما خرج آخر رجل من بني إسرائيل كان فرعون ومن معه قد تكاملوا في وسط البحر، وهنا جاء أمر الله سبحانه للبحر كما أمره في البداية أن ينفلق أمره أن يلتئم، فالتأم عليهم، فأغرقهم أجمعين، قال سبحانه: {ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ} [الشعراء:66]. أي: أغرقنا هؤلاء الأبعدين: فرعون ومن معه.
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء:67]، أي: في ذلك آية عظيمة وعجيبة ما كان يظن بنو إسرائيل وقوعها، فلما رأوا الآيات أمامهم كان من المفترض أن يكونوا أكثر الخلق إيماناً، فقد رأوا كيف أهلك الله عز وجل فرعون، ولكن في قلوبهم شيء؛ ولذلك قال موسى عليه السلام: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} [الشعراء:62]. يعني: أنكم في شك، وأما أنا فمعي ربي سيهديني، فهداه الله عز وجل وأنجاه وأنجى من معه. وكذلك لما كانوا في طريقهم في البحر تشككوا أيضاً؛ لأن في البحر اثني عشر طريقاً، فكانوا يطلبون من موسى أن يروا إخوانهم، ويتساءلون: هل أخذهم فرعون أم غرقوا في البحر؟ فإذا به يتعجب من أمرهم هذا، فيضرب في كل مكان من هذه الطرق فيفتح لهم كالشبابيك، فينظر بعضهم إلى بعض. ثم لما خرجوا بعد ذلك قالوا: إن فرعون لم يهلك مع أنهم يرون الماء يلتطم على فرعون وجنوده، وكأنه قد بقي في أذهانهم قول فرعون: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وهذا من إجرام فرعون وعتوه وعلوه. فإذا بالله تعالى يريهم آية أخرى من الآيات فقال: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس:92]. فأنجى بدنه ولم يجعله يغرق أو تأكله أسمالك البحر مثلاً، ولكن قذفته الأمواج بعد ذلك على البر، فنظر بنو إسرائيل إليه. والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يذكر فيه الله سبحانه وتعالى أنه أخرج فرعون بجسده من البحر، وأما التوراة التي فيها ذكر موسى وذكر الخروج فلا تذكر إلا أن الله أغرقه فقط وأما إخراجه فلا؛ ولذلك كان هذا سبباً لإسلام أناس من الكفار منهم الطبيب الفرنسي الجراح، موريس بوكاي الذي درس التوراة والإنجيل والقرآن وعمل مقارنة بينها وبين العلم الحديث، ثم أسلم وقال: هذا الكتاب كتاب رب العالمين سبحانه، ثم ذكر قصة فرعون ومن معه، فقال: إن الجثة لما أخذت إلى فرنسا لتحليلها أو لترميمها كشفوا عليها فوجدوا فيها آثار الموت غرقاً، وأن هيئة الجثة تدل على أن هذا ميت مات غرقاً، فقد وجدت أنسجة الجثة مليئة بالملح، وأثبتت التحاليل أيضاً: أنه قعد في البحر فترة وجيزة. فيقول الدكتور: أظهرت أشعة إكس تكسير العظام دون تمزق الجلد واللحم. يعني: أن عظمه من الداخل متكسر، وجلده ولحمه من الخارج غير منزوعين ولا متقطعين. فقال أهل الطب: وهذا دليل على أن الماء ضغط عليه حتى كسر العظام الداخلية، وأما الجسد والأنسجة الخارجية فلم تتأثر، وهذا لا يكون إلا من ضغط الماء فقط. فقالوا: إن هذا الفرعون الذي جثته عندهم هو فرعون موسى الذي أغرقه الله سبحانه وتعالى، هو الذي يسمونه منبتاح. وقد ذكره الله تعالى في سورة يونس فقال: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس:92]، وكأن المعنى أن نخرج البدن سليماً، وفعلاً خرجت الجثة سليمة لينظر لها بنو إسرائيل. فلعله لو نهشته أسماك البحر أو نزلت عليه صخور من البحر لم يعرفوا هيئته، ولكن الله عز وجل أخرج الجثة أمامهم ليروا أن هذا هو فرعون. قال سبحانه: {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس:92].
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم) ثم ذكر الله عز وجل لنا في هذه الآيات: أنه أنجى موسى ومن معه أجمعين، وأغرق الآخرين، وعقب بالتعقيب الذي سيتكرر ثمان مرات في هذه السورة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:8] أي: إن في ذلك الذي سمعتم ورآه بنو إسرائيل قبل ذلك لآية عظيمة من الله سبحانه وتعالى، وحجة وبرهان عظيم على ما نقول: من قدرتنا على إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين، ولكن لم يكن أكثرهم مؤمنين، بل أكثر من في الأرض ضالون عن سبيل الله، قال سبحانه: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]. قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:9]. أي: العزيز الغالب القوي الذي لا يقهر، فأهلك فرعون وجنوده، والرحيم بالمؤمنين فأنجى بني إسرائيل، وكأن في ذلك إشارة لهذه الأمة أن الله عز وجل ينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين. وهذه السورة من السور المكية كما ذكرنا قبل ذلك، وقد نزلت في وقت كان المسلون في ضعف، وفي قلة وذلة، وكانوا يؤذون من الكفار ويعذبون، فنزلت هذه الآيات تطمئنهم أنه لن يعمل فيكم أكثر مما عمل في بني إسرائيل، وقد أنجاهم الله عز وجل، وأورثهم الأرض واستخلفهم وكذلك أنتم، فجاء وعد الله ومكن الإسلام والمسلمين. نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الكفر وأهله. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمين.
تفسير سورة الشعراء [69 - 86]
تفسير سورة الشعراء [69 - 86] لقد ذكر الله عز وجل نبيه إبراهيم عليه السلام في مواطن من القرآن ومدحه مدحاً عظيماً، وفي قصته مع قومه عبرة لمن أراد الاستقامة على دين الله وترك الشرك به سبحانه، ويتجلى أدب إبراهيم مع ربه في دعائه له، والتوجه إليه لا إلى غيره، وكذلك كان أدب الأنبياء جميعاً عليهم السلام.
ذكر ما ورد من قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه
ذكر ما ورد من قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:70 - 82]. لقد ذكر الله تعالى قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في عدة سور من كتابه العزيز، ومن هذه السور سورة الشعراء. وسورة الشعراء من السور المكية، فهي تتميز بخصائص السور المكية، وتهتم بمحاجة الكافرين لتربية المسلمين، وتهتم بالإخبار عن صفات الله سبحانه وقدرته وقوته وعظمته، فيخبر الله سبحانه عن نفسه، ويخبر عن أنبيائه عليهم الصلاة والسلام كيف عاداهم الكفار، وأن أنبياءه دعوا إلى عبادة الله الواحد القهار، فنصرهم أن الله عز وجل بعدما كاد لهم الكفار، وأرادوا إيذاءهم، فجاء النصر من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وقد كان الكفار يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كيداً عظيماً، ويمكرون به صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عز وجل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]. فالكفار مكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يوثقوه ويكتفوه ويحبسوه عليه الصلاة والسلام، أو يقتلوه، أو يخرجوه ويطردوه من مكة، قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]، ويخبر الله في هذه الآيات وفي مثل هذه السورة المكية كيف أن الكفار تحرشوا بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام وكادوا لهم كيداً عظيماً، وكيف نصر الله عز وجل أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، ونصر المؤمنين، وفي ذلك تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وتصبير لهم، أي: اصبروا فإن الله ناصركم كما نصر الأنبياء من قبلكم. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء:69] أي: اتل عليهم الخبر والقصص التي قصها الله عز وجل عليك في كتابه، قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} [الشعراء:69] أي: اقرأ عليهم هذه الآيات التي فيها خبر النبي إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فضل إبراهيم عليه السلام
فضل إبراهيم عليه السلام إن إبراهيم هو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهو خليل الرحمن، والخليل: القريب والحبيب، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام اتخذه الله خليلاً، كما قال في كتابه: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]، وقال سبحانه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120]، وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114]، وقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود:75]، وما أعظم صفات إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهي صفات يذكرها الله عز وجل لنا في القرآن؛ حتى نأتسي ونقتدي بهذا النبي العظيم عليه الصلاة والسلام فيها. فقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً، ولا يحتاج الله لخليل من البشر، فاختاره واصطفاه خليلاً، أي: أحب الأحبة وأقرب المقربين، فإبراهيم كان خليلاً لله سبحانه وتعالى، فـ (خليل) مأخوذ من الخلة، يقال: فلان خليل لفلان، كأنه تخللت محبته إلى قلبه، أي: دخلت المحبة في القلب واخترقته وتخللته. فإبراهيم خليل الرحمن، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم وصل إلى هذه الدرجة العظيمة فهو خليل الرحمن، كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكني خليل الله أو خليل الرحمن)، سبحانه وتعالى. والخليل أعظم من الحبيب، فهو أقرب الأحبة، وقد كان إبراهيم خليلاً للرحمن بصبره، ولذلك قال الله عز وجل عنه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّة} [النحل:120] أي: وحده، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد اجتمعت في إبراهيم من الصفات ما لا تجتمع إلا في أمة كاملة، واستطاع وحده أن يقوم بهذه الصفات، فقد ابتلاه الله عز وجل فصبر على هذا البلاء، فابتلاه في القريب، وابتلاه في أبيه، وابتلاه في ابنه، وابتلاه في زوجه، وابتلاه في بلده أن يهاجر من بلده إلى بلد أخرى، وفي كل ذلك يصبر راضياً محتسباً على نبينا وعليه الصلاة والسلام. يقول الحافظ في الفتح: إبراهيم بالسريانية معناها: أبٌ راحم أو أب رحيم، إذاً: فإبراهيم هو الأب الرحيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال: والخليل: فعيل من فاعل، بمعنى: فاعل، وهو من الخلة بالضم، وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلالاً، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم من حب الله سبحانه وتعالى، أما إطلاقه على الله عز وجل فهو من باب المقابلة، إذاً: كأن إبراهيم الخليل تخلل حب الله عز وجل في قلبه، وامتلأ قلبه بحب الله؛ فأحبه الله سبحانه وتعالى. وقالوا الخلة: أصلها الاستصفاء، أي: ينقيه ويختاره، وسمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله سبحانه وتعالى، يقول: قصر حاجته على ربه وانقطع لله سبحانه وتعالى، فهي من الخلة وهي بمعنى الحاجة أيضاً، أو بمعنى: انقطاع الحاجة إلى الله سبحانه، أو قصر الحاجة إلى الله، ولذلك مما روي: أنه لما أراد الكفار إلقاءه في النار وجاءه جبريل يسأله: ألك إلي حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، حاجتي إلى الله سبحانه وتعالى، فكان قضاء الله أسرع بإبراهيم، حيث قال الله للنار: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69]، فكانت برداً وسلاماً عليه، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وكذلك قال الله فيه: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} [النحل:120]، يعني: وحده جمع خصالاً من خصال الخير لا تجتمع إلا في أمة، فكانت في إبراهيم وحده عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120]، والقانت: هو الخاشع والمذعن والمطيع والمتواضع لله رب العالمين، والعابد لله قوله تعالى: {حَنِيفًا} [النحل:120] أي: ترك كل الملل الباطلة وحنف عنها، أي: مال عنها إلى دين رب العالمين، فصارت الكلمة تطلق على الاستقامة، أي: المستقيم على دين رب العالمين، وأصل كلمة الحنف: الميل، يقال: فلان حنيف بقدمه أو برجله، فكلمة حنف بمعنى: اعوجّ، ولكن إبراهيم لكونه مال عن ملل الكفار واستقام على دين الله وصف بأنه حنيف عليه الصلاة والسلام. ومن صفاته الحسنة في القرآن قول الله عز وجل: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114] أي: يحلم ولا يتهور ولا يتعجل عليه الصلاة والسلام، وأواه أي: كثير التأوه والخوف والبكاء من خشية الله، فكأن أصلها من (أوه) (يتأوه) أي: يبكي بصوت من خوف الله سبحانه وتعالى. إن هذه الصفات الكثيرة التي يذكرها الله لإبراهيم دليل على عظمة شأن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قصة إبراهيم مع قومه ودعوته لهم إلى ترك عبادة الأصنام
قصة إبراهيم مع قومه ودعوته لهم إلى ترك عبادة الأصنام في هذه الآيات من سورة الشعراء يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصة إبراهيم، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:69 - 70]، لقد ولد إبراهيم بالعراق على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان أبوه هناك، وكان أهل العراق يعبدون الأصنام من دون الله سبحانه، فهاجر بعد ذلك إلى الشام، وكان أهل الشام يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه وتعالى، فابتلي في البلدين: في العراق وفي الشام عليه الصلاة والسلام، فقام بأمر الله أحسن قيام، قال الله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:69 - 70]، فإبراهيم ينكر عليهم أن يعبدوا أصناماً من دون الله سبحانه وتعالى، وقد كان أبوه فتنة عظيمة له، فقد كان يصنع الأصنام لقومه، فأي بلاء أشد من هذا الابتلاء، وكيف يذهب إلى الناس فيقول لهم: لا تعبدوا الأصنام، فيقولون: أبوك الذي صنعها!! فهذه فتنة شديدة جداً، ومع ذلك صبر عليها إبراهيم، فقال لأبيه وقومه: {مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:70] أي: أي شيء هذا الذي تعبدونه من دون الله؟ وهذا سؤال استفهام إنكاري، فهو ينكر عليهم هذا الذي يعبدونه من دون الله. قال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71] أي: كأنهم ظنوا أن إبراهيم يسألهم سؤال المستفهم الذي لا يعرف حقيقة الأمر فهم يوضحون له الصورة، بينما هو في الحقيقة يعرف أنها حجارة لا تنفع ولا تضر، وهو ينكر عليهم عبادتهم هذه الحجارة، ويقول: ما الذي يجعلكم تعبدون هذه الأشياء؟ هل تنفعكم هذه الأشياء؟ وكأنه يقررهم من أجل أن يعترفوا أن هذه الأصنام إنما هي حجارة وأنها أخشاب؛ إذاً: هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر بمقتضى ردهم، حيث إنه قال لقومه: {مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:70]، قال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا} [الشعراء:71] أي: أوثاناً وأحجاراً كانوا يصنعونها من ذهب ومن فضة ومن حجارة ومن خشب، وقولهم: أصناماً أي: جمادات نعبدها من دون الله سبحانه، وقد صوروها على هيئة صور، قال تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71]، وكلمة نظل تأتي في العمل بالنهار، وأحياناً عمل الليل والنهار، فكأنهم كانوا يعبدونها جهاراً بالنهار، ولا يستحيون من عبادتهم لها، فعبادتهم لها ليس هو في الخفاء؛ لأنهم قالوا: {نَظَلُّ لَهَا} [الشعراء:71]، أي: في الظل في النهار نعبدها، وكأن المعنى: إذا كانوا بالنهار لا يستحيون، فهم بالليل والنهار يعبدون هذه الأوثان والأصنام. وقوله تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71] أي: ملازمين لعبادتها، والعكوف على الشيء هو اللزوم للشيء سواء كان هذا الأمر طاعة أو معصية، فهنا عكف على الشيء بمعنى: لازم هذا الشيء، واستمر عليه. فقال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء:72]، أي: هذه باعترافكم أصنام وجمادات، فهل تسمعكم؟
جمال السياق وحسن التصوير في سور القرآن الكريم
جمال السياق وحسن التصوير في سور القرآن الكريم انظر إلى السياق والوقف في الآيات فكله في آخره الختام بهذا الوزن، فهذه القصة ساقها الله عز وجل بسياق موافق للسورة نفسها في الوزن وفي فواصل الآيات، فيقول تعالى هنا: {مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:70 - 71]، فالسورة تتميز بالآيات والفواصل القصيرة، وتتميز بالوزن في النهاية، أي: يكون في آخرها الياء والنون، أو الواو والنون وإن كانت تأتي الياء والميم في بعضها، لكن الغالب على هذا الفاصل أن يذكر فيه ياء ونون أو واو ونون في آخرها. فما أجمل تعبير القرآن وما أجمل تصويره! حيث إنك تجد أنه يكرر السورة في مواضع أخرى ليست بنفس المتن ونفس الفواصل، فإذا نظرنا في سورة الأنعام لوجدنا أن الله عز وجل يذكر قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الكواكب حين جاء إلى الشام ووجدهم يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه وتعالى. فقد قال إبراهيم لهؤلاء: هذا ربي الذي تزعمون، وكأنهم ينتظرون الرد من إبراهيم حين قالوا له: نحن نعبد هذا الكوكب من دون الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام:76 - 78] أي: أنا بريء من هذا الشرك ومن هذه العبادات التي تعبدونها، قال تعالى على لسان إبراهيم: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:79]. إن سورة الأنعام فواصلها طويلة؛ فجاءت القصة بنفس الفواصل الطويلة مثلها مثل باقي السور، وكذلك يذكر الله في سورة الأنبياء قصة إبراهيم مع أبيه ومع قومه، وهي تأتي على فواصل معينة، والقصة معها على هذه الفواصل، وهذا هو تفنن القرآن العظيم، حيث إنه يذكر قصة في سورة هي نفس القصة في السورة الأخرى، لكن ليست بنفس الصيغة ونفس العبارة، فالقصة قد تكون واحدة لكنه يصيغها بصيغة تناسب سياق السورة التي هي فيها؛ لذلك فأنت عندما تقرأ القصة في كل موضع فإنك لا تمل من ذكرها، ومثل ذلك تجده في قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وغيرها من قصص الأنبياء، حيث إنها ذكرت في عدة سور. يقول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء:72]، والأصل: أن يقول: إذ تدعونهم، ولكن مراعاة لفواصل الآيات يقول: إذ تدعون، فأنت حين تسمع صوت الآية، وتسمع وزنها فكأن لها موسيقى، قال تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:72 - 74]. إذاً: فهذه الأصنام لا تسمع، وإبراهيم يقررهم بذلك، وهو يعلم أنها لا تسمع، إذاً: فالسؤال ليس سؤالاً للاستفهام، وإنما هو سؤال للإنكار على هؤلاء، أي: هل تعترفون أنها لا تسمع؟ كما قال تعالى: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} [الشعراء:72]، فإذا ناديت الصنم فإنه لا يرد عليك. وقوله تعالى: {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء:73] أي: هل يقدر أن ينفعك بشيء هذا الصنم؟ وهل يقدر أن يضرك بشيء لو فعلت به شيئاً؟ A لا يقدر أن يفعل شيئاً قال تعالى: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] أي: أن عادة الكفار أن يقولوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22]، فبما أن آباءنا كانوا على شيء فنحن سنمشي على آثارهم، وسنهتدي بهديهم، ونقتدي بسنتهم، لذلك فالله سبحانه وتعالى هنا يعير الكفار بذلك، فأين عقول هؤلاء الذين يعلمون أن الأصنام لا تنفع ولا تضر حين يقولون: {وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74]. قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ} [الشعراء:75 - 76] أي: كلكم على نفس العبادة أنتم والآباء، {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] أي: أنّ هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله سبحانه أنتم وآباؤكم وكل معبوداتكم الباطلة أعداء لي إلا رب العالمين، فكلمة عدو هنا: بمعنى: أعداء، فكلمة (عدو) هنا اسم جنس بمعنى أعداء، والأصل أن يقول: إنهم أعداء لي إلا رب العالمين، فالكلمة تؤدي معنى الجماعة، فتأتي أحياناً للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر وللمؤنث، فتقول: عدو، وتقصد بها الواحد، وتقصد الاثنين، وتقصد الجمع، وتقصد الرجل، وتقصد المرأة، كما هو في اللغة العربية. وأحياناً يفرقون بين عدو وعدوة، فيقال: الرجل عدو، والمرأة عدوة، وذلك إذا كانت معادية، فقد تقول: فلان عدو لي، أي: أنا أعاديه وهو قد لا ينتبه لهذا الشيء، مثل الأصنام في قوله: {إِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء:77]، فهي أصنام وجمادات لا تشعر بشيء، ولكن أنا أعاديها؛ لأنكم عبدتموها من دون الله، فتأتي كلمة عدوة بالتاء في آخرها بمعنى: أعاديها وتعاديني. قوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] الاستثناء هنا استثناء منقطع، فكأنه قال: أنتم تعبدون غير الله، فكل الذي تعبدونه من دون الله أعداء لي، والوحيد الذي أعبده هو الله سبحانه وتعالى، فقوله تعالى: {إِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي} [الشعراء:77] أي: هذه الأصنام أعداء لي، وقوله تعالى: {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] أي: أعبده وأحبه وحده لا شريك له. وقبل ذلك ذكر في قصة موسى في هذه السورة نفسها أنّ فرعون قال لموسى عليه الصلاة والسلام: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23] فقال تعال حاكياً عن موسى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24]، فقال تعالى حاكياً عن فرعون: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25]، فقال الله تعالى حاكياً عن موسى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:26]، فقال الله تعالى حاكياً عن فرعون: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]، فقال الله تعالى حاكياً عن موسى: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:28]. لذلك فإن عادة الكفار أن يسألوا: من ربك؟ ومن عادتهم أن يعبدوا أشياء أمامهم، وأن يعبدوا أبداناً وجمادات أمامهم، فإذا قيل لهم: من ربكم؟ قالوا: هذا الصنم أو هذا الحجر أو هذا الخشب أو هذا التمثال، وهي أشياء ماثلة أمامهم؛ لذلك قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: {مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:23]، أي: مصنوع من ماذا هذا الرب؟ أمن ذهب أو من فضة؟ فقال له موسى: {رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24] أي: ربي الذي خلق كل هذه الأشياء سبحانه وتعالى. وكذلك في قصة إبراهيم لما قال إبراهيم لقومه: {إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77]، فذكر لهم الرب سبحانه وتعالى، وكلمة الرب بمعنى: الذي يفعل ما لا يقدر غيره على فعله، الرب: هو المربي والفعال والصانع والخالق سبحانه وتعالى، إذاً: ربي الخالق، قال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78]، أي: خلقني وبناء على ذلك فهو أعلم بي ولذلك {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78]، فهل هذه الأصنام خلقتكم حتى تهديكم؟ فتعبدونها لأن آباءكم عبدوها فاتبعتم هدي آبائكم في ذلك، فمن الذي هدى آباءكم إلى ذلك؟ لقد عبدوا أصناماً من دون الله لا تنفع ولا تضر، ولكني أنا عبدت الله الذي ينفعني والذي يضر سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78]، تمشي على نفس الوزن الذي قبله الياء والنون، وإن كان الأصل أن يقول: (الذي خلقني فهو يهديني)، بزيادة ياء بعد النون، وهذه قراءة يعقوب، ومثلها قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:78 - 80]، أما باقي القراء فيقرءونها بغير الياء سواء وقفاً أو وصلاً. وقوله تعالى: ((الْعَالَمِينَ)) هي جمع عوالم، أي: كل العوالم العالم العلوي والسفلي وما بينه وكل خلق الله، والرب هو يربه ويدبر أمره، فالله صانعه وخالقه ورازقه ومعطيه سبحانه وتعالى وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي} [الشعراء:78] أي: أنا الذي اهتديت وليس أنتم، فأنا عبدت من خلقني، فهو الذي يستحق العبادة قوله تعالى: {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78] أي: يهديني لصراطه المستقيم، أو يهديني لعبادته ويعلمني. قال تعالى: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} [الشعراء:79] أي: أن الذي يطعم هو الله، وأما أصنامكم فلا تط
أمثلة من أدب الأنبياء مع رب العالمين
أمثلة من أدب الأنبياء مع رب العالمين إن في القرآن مواضع تذكر أدب الأنبياء مع رب العالمين، كما في سورة الكهف في قصة موسى والخضر عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك أن الخضر لما سار مع موسى وأراه ثلاث آيات عجيبات قال بعد ذلك: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً} [الكهف:78]، فذكر منها قوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]، مع أن الخضر نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام ولا يفعل شيئاً إلا بوحي من الله سبحانه وتعالى، فالله هو الذي أوحى إليه أن يخرق هذه السفينة؛ لأن هناك ملكاً يأخذ السفية من أهلها غصباً، والخرق شيء من العيب؛ لأنه يخربها ويفسدها؛ ولذلك قال: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]، مع أن موسى يعرف أن هذا وحي من الله، لكن الأدب في الكلام عن الله سبحانه أن ينسب فعل العيب إلى نفسه، قال تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79]. وأما في أمر الغلام الذي قتل فقد قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف:74]، فقال: {فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [الكهف:80] أي: كان والداه صالحين، قال: {فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف:80 - 81]، أي: أردنا نحن، مع أن المريد أصلاً لذلك والذي أمر بذلك هو الله سبحانه وتعالى، ولكن أدب الخضر جعله ينسب إلى نفسه ذلك، فقال: فأردنا، وكأنه يقول: نحن وافَقْنَا ربنا سبحانه وتعالى في ذلك، فالله أخبرنا بالحكمة فكان هذا الصواب فأردنا ذلك؛ لأن الله يريد، فلم يقل أراد الله قتله، وإن كانت هذه هي الحقيقة، ولكنه نسب ما ظاهره قد يوهم العيب إلى نفسه، فقال: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف:79]، وفي أمر الغلام قال: {فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف:81]. وقوله تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ} [الكهف:82]، فهو عمل نافع، لأنه رأى أن الجدار سيقع فقام وعدله وهذا فيه منفعة، قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ} [الكهف:82]، فلما كان خيراً محضاً في الظاهر والباطن نسبه إلى الله سبحانه وتعالى؛ تأدباً مع رب العالمين سبحانه. إذاً: فالأنبياء لما يتكلمون عن رب العالمين فإنهم يكونون في غاية الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (والشر ليس إليك)، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا عن ربه سبحانه في القرآن، فيقول: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16]، فما كان من شيء إلا والله خالقه من خير وغيره، ولكن خلق الله للأشياء هو خير من الله سبحانه، فخلق المؤمن وخلق الكافر كله خير من الله عز وجل، فالله خلق المؤمن ليدخله الجنة، وخلق الكافر ليجاهده المؤمن؛ فيدخل المؤمن الجنة، فكأن الله لو لم يخلق هذا الكافر فإن المؤمن لن يصل إلى الدرجات العالية، فكان في الخلق خيراً للمؤمنين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (والشر ليس إليك)، فكل ما خلقته فورائه خير سواء لنفسه أو لغيره. وكذلك في سورة الكهف ذكر الله فتى موسى واسمه يوشع بن نون، فعندما نسي الحوت قال: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف:63]، فالذي يقدر للإنسان أن يتذكر والذي يحجب عنه ذلك هو الله سبحانه وتعالى، ولكن يوشع بن نون يقصد أنه نسي على وجه من الشر، فالشيطان تسبب في ذلك، ولم ينسب ذلك إلى الله عز وجل، وأما من حيث الخلق فالله خالق كل شيء سبحانه وتعالى. نعود إلى الآية قال تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} [الشعراء:80 - 81]، أي: الذي هو قادر على الإماتة وقادر على الإحياء وحده لا شريك له، هل أصنامكم تفعل ذلك؟ فربي يفعل هذا كله. وقوله تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82]، والكلام هنا عن يوم الجزاء ويوم الحساب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يطمع في رحمة ربه يوم الدين، فكيف لا يطمع غيره في ذلك؟! قال: {الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} [الشعراء:82]، وما كانت خطيئة إبراهيم؟ لم يذكر لنا ذنبٌ أذنبه إبراهيم إلا أنه كذب ثلاث كذبات، وهو مضطر لذلك على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم يذكر في الحديث أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات، والظاهر أن هذه الكذبات كانت من باب التعريض، أي: أنه يعرض فيقول كلاماً ليوهم غيره، وهذا أمرٌ واضح.
كذبات إبراهيم عليه السلام
كذبات إبراهيم عليه السلام قوله تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} [الشعراء:82]، الخطيئة: هي الذنب، وقد يطلق على الكبيرة من الذنب، فإبراهيم كأنه يستعظم الذنب في حق رب العالمين سبحانه، والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه أنه كذب ثلاث كذبات في حياته كلها مع كثرة البلاء الذي ابتلي به، وهذا شيء يسير جداً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإن إبراهيم كان يعرض في الكلام فهو معذور كما أن غيره يعذر في مثل ذلك، فالكذبة الأولى: كما قال الله عز وجل عن إبراهيم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، فإن إبراهيم لما حطم الأصنام قالوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]، فسألوا إبراهيم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء:62]، قال الله تعالى على لسان إبراهيم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63] أي: إن كانوا يردون ويتكلمون، فإن كبيرهم هو الذي فعل ذلك، وكأنه تقييد للشيء فقال: {إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، فإذا كانوا لا ينطقون إذاً فكبيرهم لا يفعل ذلك، إذاً فكأنه علق ذلك على شرط ليس موجوداً وهو {إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، فقد فعله كبيرهم، ولكن أنتم تعلمون أنهم لا ينطقون إذاً لا يفعل كبيرهم ذلك. والكذبة الثانية: كما في قوله تعالى: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89]، وذلك لما خرج قوم إبراهيم إلى عيد لهم أرادوا أخذ إبراهيم معهم، فقال إبراهيم: {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات:89]، فأظهر أنه مريض وأبطن أن يكيد كيداً في هذه الأصنام، فهو يريد أن يكسر هذه الأصنام، والإنسان قد يكون سقيماً في بدنه وقد يكون سقيماً في قلبه أو في باطنه، وهذا شيء معنوي، وكأنه مثقل بالهموم، فيقول: إني مريض من كثرة ما أرى من المنكرات، وكأن إبراهيم يقصد هذا المعنى، فيوهمهم أنه مريض مرضاً بدنياً فلا يخرج، وحقيقة هو يريد: أني مرضت معنوياً من عبادتكم لهذه الأصنام. وأما الكذبة الثالثة: لما جاء الجبار وأخذ منه سارة سأله عنها: من هذه؟ فلو قال: زوجتي لقتله، فقال: أختي، فهذه الكذبة الثالثة التي كذبها إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال لـ سارة: ما على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، إذاً: فنحن إخوة في الله سبحانه وتعالى، فإبراهيم يقصد الإخوة الإيمانية لا النسب؛ لأنها زوجته. قال تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} [الشعراء:82]، فسمى هذه الكذبات خطيئة ولم يسمها خطأً، وكأنها ذنوبٌ كبيرة وقع فيها فأرجو من الله {أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82] وسواء كانت هذه الكذبات شيئاً قد وجد أو أنها لم توجد فإنه قال ذلك على سبيل رجاء رحمة رب العالمين سبحانه: {َالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82]، وكأن الإنسان المؤمن الذي يقول ذلك يستحق أن يغفر الله عز وجل له، فالذي هو مستيقن أن هناك يوماً يسمى يوم الدين ويوم الجزاء ويوم الحساب، فيطمع من ربه أن يغفر له في هذا اليوم، فيعمل لذلك؛ يستحق المغفرة منه. ولذلك جاء في الحديث في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟)، وابن جدعان من أقرباء السيدة عائشة رضي الله عنها فهو قريب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقد كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين). إذاً: فلا ينفعه ذلك الذي كان يفعله، وابن جدعان كان رجلاً كريماً جداً، ولذلك يذكرون عنه أنه كان يطعم الناس كما في الحديث، وكانت له جفنة عظيمة جداً يرقى إليها بسلم، أي: يصعدون إليها ليملئوها طعاماً. يقول الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: قال العلماء: وكان ابن جدعان -واسمه عبد الله بن جدعان - كثير الإطعام، وكان قد اتخذ للضيفان جفنة يرقى إليها بسلم. ولاحظ وجه المناسبة بين إبراهيم وبين ابن جدعان، فإبراهيم عليه السلام كان أبا الضيفان، فكان يلقب ويكنى بذلك عليه الصلاة والسلام، فكان الضيوف يأتونه فيطعمهم، وقد أتى إليه ثلاثة من الملائكة في هيئة ثلاثة من البشر، فأطعمهم عجلاً حنيذاً، وكان ابن جدعان رجلاً كريماً يطعم الضيفان، ويحضر لهم الجفنة الضخمة التي لا يرقون إليها إلا بسلم من أجل أن ينالوها، إلا إن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82]، وأما ابن جدعان فلم يقل ذلك؛ لذلك لم يستحق أن يغفر الله عز وجل له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفعه؛ إنه لم يقل يوماً من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، فلو قال ذلك لنفعته هذه الكلمة، فلو أقر بربوبية الله سبحانه، وأنه وحده القادر على المغفرة، ولو أنه أقر بألوهية الله سبحانه وتعالى فعبده ودعاه -فإن الدعاء عبادة لله عز وجل- بدلاً من أن يتوجه إلى الأصنام، لنفعه ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، وأما إبراهيم فقد قالها ودعا ربه: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء:83]. فهو حين قال: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:82] توجه إلى ربه سبحانه وسأله من فضله، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} [الشعراء:83]، والحكم: هو معرفة الله سبحانه، ومعرفة حدوده وأحكامه تعالى، وأيضاً معناه: هب لي فهماً وهب لي علماً من لدنك، فهذا هو السؤال النافع، فالإنسان يسأل ربه ما ينتفع به كما سأل إبراهيم ربه، وأيضاً قالوا: من معانيها النبوة والرسالة إلى الخلق، فاستجاب له ربه سبحانه وتعالى. قوله تعالى: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء:83] أي: اجعلني عندك مع عبادك الصالحين، وألحقني بالنبيين من قبلي في درجتهم، وليس معناه: توفني الآن وإنما معناه: إذا توفيتني فاجعلني في درجة النبيين الذين من قبلي عليه وعليهم الصلاة والسلام. ثم قال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء:84] أي: اجعل لي ذكرى جميلة عند الآخرين، فاستجاب الله عز وجل له، فكل من جاء من الأنبياء بعده فهم من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكلهم يذكرون إبراهيم ويدعون له على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وقد تنازع عليه اليهود والنصارى، فاليهود يقولون: كان إبراهيم يهودياً، والنصارى يقولون: كان إبراهيم نصرانياً، والمسلمون يقولون: بل كان حنيفاً مسلماً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فهذا الثناء الجميل كله لإبراهيم عليه السلام، وكل من جاء بعد إبراهيم يذكره بخير عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ} [الشعراء:84] أي: اجعل كل من يأتي بعدي يذكرني بالثناء الحسن، لا يدعو أحد علي بشر، ولا أحد يتكلم عني بكلام لا يليق، فكان من جاء بعد إبراهيم يذكرونه بالثناء الحسن؛ استجابة لدعوته ربه سبحانه. ثم قال: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء:85] أي: مع المؤمنين الذين يرثون الجنة، فهو لم يقل: اجعلني وارث جنة النعيم، بل أنا وغيري نرث جنة النعيم، فتكون لنا بعد ذلك ولا نخرج منها أبداً. ثم قال: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:86]، فسأل ربه أن يغفر لأبيه؛ لأنه كان من الضالين، وهذا كان قبل أن يعلم إبراهيم أن أباه عدو لله، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود:75]. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [69 - 104]
تفسير سورة الشعراء [69 - 104] ذكر الله في هذه الآيات من سورة الشعراء مكانة إبراهيم عليه السلام وعلو منزلته، فلقد أنكر على أبيه وقومه عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقد تبرأ إبراهيم عليه السلام من أبيه وقومه ومما يعبدون من دون الله تعالى، وسأل إبراهيم ربه جل شأنه أن يعطيه علم النبوة، وأن يلحقه وذريته بالصالحين، وأن يجعل من يأتون بعده من الأقوام والأمم يثنون عليه ثناءً حسناً.
تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إلا من أتى الله بقلب سليم)
تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إلا من أتى الله بقلب سليم)
تلبية المشركين عند طوافهم بالبيت الحرام
تلبية المشركين عند طوافهم بالبيت الحرام لقد كان المشركون يلبون عندما يطوفون بالبيت، ويسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي معهم، فلما يذكرون الشرك بالله سبحانه ويقولون: إلا شريكاً هو لك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: قط قط، أي: حسبكم ما قلتم من توحيد، ولا داعي لهذا الشرك الذي تقولونه، فكانوا يلبون بالتوحيد ثم يقرنون هذا التوحيد بالشرك بالله سبحانه، فيقولون: لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر عليهم ذلك، ويأمرهم أن يوحدوا الله وحده لا شريك له.
مناظرة إبراهيم لقومه في عبادة الأصنام
مناظرة إبراهيم لقومه في عبادة الأصنام ذكر الله عز وجل أن إبراهيم إمام الموحدين وأبا الأنبياء دعا الخلق إلى حج هذا البيت؛ لإقامة التوحيد، وألا يجعلوا لله شريكاً في ملكه وخلقه وأمره، فوجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أباه يصنع الأصنام لقومه، وقومه يعبدونها، فقال لقومه: {مَا تَعْبُدُونَ} [الشعراء:70]؛ حتى يقروا بألسنتهم أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} [الشعراء:71] يعني: حجارة صورناها على هيئة الآدمي، أو هيئة ما فيه الروح، فقال: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء:72 - 73] أي: هل هذه الأصنام تسمع من يناديها؟ وهل هي تنفع أو تضر؟ {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء:74] يعني: نحن نفعل كما فعل آباؤنا، {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:75 - 77]. يعني: هؤلاء أعداء لي، فكل ما عبد من دون الله فأنا أتبرأ منه، وأعاديه وأظهر العداوة له، إلا الله وحده لا شريك له الذي أعبده ولا أشرك به شيئاً، {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء:78] أي: الذي يملك الخلق هو الذي يملك الأمر، فيأمر ويهدي سبحانه، {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء:79 - 82]. فهذا الرب هو الذي يملك الدنيا والآخرة، {رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:77] أي: العالم العلوي والعالم السفلي، فرب كل شيء هو الله سبحانه وهو الذي أعبده ولا أشرك به شيئاً.
مكانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعلو منزلته
مكانة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعلو منزلته الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ * وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:69 - 104]. ذكر الله عز وجل في سورة الشعراء قصص الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، ومنها قصة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء:69]. أي: اتل على الذين تدعوهم إلى الله عز وجل، وهم يعرفون جيداً من إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهو الذي بنى الكعبة التي هي شرف لهم، فيحج الناس إليها من كل مكان، ويطوفون بهذا البيت، ويعرفون أن الذي بناه هو إبراهيم ورفعه معه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كان إمام الموحدين، فقد دعا الناس إلى توحيد الله سبحانه، فليتعظوا بذلك، وليتبعوا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام الذي دعا الخلق إلى توحيد الله، ودعاهم إلى أن يحجوا هذا البيت.
تفسير قوله تعالى: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين)
تفسير قوله تعالى: (رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين) قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام داعياً ربه: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} [الشعراء:83] أي: علماً ونبوة، فهو يسأل الله عز وجل الشيء الذي ينفعه في الدنيا والآخرة، إذاً: فالحكم هو النبوة والعلم والمعرفة بالله سبحانه، وبحدوده وأحكامه سبحانه. قوله تعالى: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [الشعراء:83] يعني: اجعلني في درجة السابقين من الأنبياء وكذلك من يلي الأنبياء والمرسلين، فاجعلني معهم يوم القيامة في درجتهم العالية. قال ابن عباس: أي: اجعلني في أهل الجنة.
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) قال: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ} [الشعراء:84] يعني: اجعل من يأتون من بعدي يذكرونني بخير، وكأنه يقصد: ثبتني على هذا الدين ولا تضلني، واجعلني إماماً للخلق، فإذا اقتدوا بي دعوا لي، فاجعلهم يدعون لي بألسنتهم، ويصدقون ما قلت ولا يكذبونني، ويثنون علي ولا يقبحوني. ثم قال: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} [الشعراء:85] يعني: اجعلني مع ورثة الجنة الذين يدخلونها.
تفسير قوله تعالى: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين إلا من أتى الله بقلب سليم)
تفسير قوله تعالى: (واغفر لأبي إنه كان من الضالين إلا من أتى الله بقلب سليم) إذاً: فكل هذه الأدعية جميلة من إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومنها: دعاؤه لأبيه، وأبوه كان من الضالين، وإبراهيم نفسه يقر بذلك: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:86] فإذا كان أبوه من الضالين وهو مصرّ على ذلك حتى يتوفاه الله على هذا الضلال، فكيف يغفر له كفره؟ فالله لا يغفر الشرك أو الكفر، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. {وَاغْفِرْ لِأَبِي} [الشعراء:86] هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو: ((وَاغْفِرْ لِأَبِيَ)) بفتح الياء؛ ((إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ)) أي: من التائهين المتحيرين الذين تاهوا عن الهدى وذهبوا إلى الضلال.
المنافق خب لئيم
المنافق خب لئيم والمنافق خب لئيم، أي: أنه يفتش وراء كل شيء، والأصل عند المنافق وعند الكافر إساءة الظن في الجميع، فجميع الناس عنده مخيفين، لذلك فهو يفتش وراء كل إنسان من أجل أن يعرف ما وراءه. وطبيعة الإنسان تنضح على عينه، فيرى كل إنسان بما في قلبه هو، فالإنسان الذي عنده إساءة الظن في الناس، وأنهم مخيفون، فهذا لأنه هو في نفسه مخيف وليس قلبه مطمئناً، فنظرته نضحت على عينه هذا الشيء فيرى الناس أمامه كلهم على هذه الهيئة، وفي هذا خطر على الإنسان، ولذلك جاء في حديث النبي صلى أنه قال: (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، أي: أنه ينظر أن كل الناس قبيحون، وأنهم هلكى، فهو أشدهم هلاكاً؛ لأنه اغتر وظن أنه هو الناجي الوحيد. والإنسان المؤمن يحب الخير لنفسه ولجيرانه وللناس أيضاً، ويحب لهم أن يكونوا مؤمنين، وأن يكونوا مصلين، وأن يكونوا من أهل الطاعات، ولذلك فإن إبراهيم دعا أباه ودعا قومه إلى الخير، ودعاهم إلى الله عز وجل وتلطف في دعوتهم إلى ذلك، فدعا أباه فقال: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:43 - 45]. فانظر الكلام الطيب من إبراهيم لأبيه صانع الأصنام وعابد الأوثان، فيجيب أبوه بقوله: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ} [مريم:46] أي: ألا تعجبك الآلهة التي أعبدها، أراغب عنها؟ {لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم:46] أي: لأرجمنك بالحجارة وأشتمك أمام الناس، وامش بعيداً عني، فهذا الجواب السفيه يصدر من أهل السفاهة، وذلك لائق بهم، وأما إبراهيم فالذي يليق به أنه حليم أواب منيب عليه الصلاة والسلام، فيحلم عن أبيه، فقال: {سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم:47] أي: مهما عملت فأنا سأستغفر لك ربي؛ {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم:47] أيْ: إنه كريم ورءوف بي عطوف علي، وحنانه عظيم بي. وقوله صلى الله عليه وسلم: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) يعني: قلوبهم طيبة ونقية، فلا غل فيها، وفيها التوكل على الله وتوحيد الله سبحانه كقلوب الطير. يقول العلماء: هذه الأفئدة مثل قلوب الطير في كونها خالية من كل ذنب، سليمة من كل عيب، لا خبرة لها بأمور الدنيا، فصاحب هذا القلب لا يفتش عن أحوال الناس، فهو يتعامل مع الناس بكرم ورأفة ورحمة، فصاحب هذا القلب السليم من أهل الجنة، كما قال الله عز وجل: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88 - 89]. وكلام إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فيه جمال في السياق وحسن انصراف وتخلص من شيء والدخول في شيء ثانيٍ، ألا وهو الكلام عن الجنة وعن النار، فالكلام هنا ليس كلام إبراهيم، إنما هو كلام رب العالمين سبحانه.
ما هو القلب السليم
ما هو القلب السليم والقلب السليم هو القلب الذي ليس فيه غل ولا ضغينة ولا حقد ولا شك ولا شرك بالله سبحانه، وإذا اقترف ذنوباً فإنه لا يظل مقيماً عليها، بل سرعان ما يتوب إلى الله سبحانه، والقلب السليم هو قلب المؤمن؛ فإنه سليم من الشرك والشك. وأما قلب الكافر أو المنافق فإنه مريض؛ لأنه لا يعرف الحق، ولا يعرف الله سبحانه وتعالى، ولا يعبده حق العبادة، فعلى ذلك فإن المؤمن قلبه مطمئن بذكر الله، فهو قلب سليم وصحيح.
الفرق بين القلب المريض والقلب السليم
الفرق بين القلب المريض والقلب السليم وفرق بين القلب المريض والقلب السليم، فصاحب القلب السليم يعرف أن هذا حق وأن هذا باطل، لذلك يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك)؛ لأن القلب إذا كان سليماً مال إلى الحق وعرفه ولم يتبع الهوى، وهو القلب الخالي عن البدع؛ لأن الإنسان المبتدع إذا وقع في بدعة فإنه يخرج منها إلى بدعة أخرى، إلا أن يتوب الله عز وجل عليه، فالمؤمن قلبه سليم؛ لأنه بعيد عن الشرك والنفاق والرياء والبدع والضلالات، وهو سليم من الميل إلى حظوظ الدنيا، إذاً: فالقلب السليم قلب خالص لله سبحانه وتعالى.
تعريف ابن سيرين للقلب السليم
تعريف ابن سيرين للقلب السليم يقول ابن سيرين: القلب السليم: أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور، والمسلم قلبه سليم إذا لم تطمس أنواره الظلمات والمعاصي. وجاء في الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير)، فالطير يخدع سريعاً، فإذا وضعت الشبكة فإنه يقع فيها، لأنه ليست له خبرة كبيرة، فكأن هؤلاء الذين أفئدتهم مثل أفئدة الطير لا خبرة لهم في الحياة، ولا يهمهم أن يأخذوا خبرة في الحياة، فهم يتعاملون مع الناس بسلامة الصدور، ويستغل الناس منهم ذلك فيخدعونهم ويضحكون عليهم، ويغبنونهم ويدلسون عليهم، وهم يتعاملون مع الله، فيعفون عمن ظلمهم، ويجعلون أمرهم لله سبحانه وتعالى، فالمؤمن غر كريم، والكافر خب لئيم. فالمؤمن غر بمعنى: أنه قد يُضحَك عليه، ولا يحاول أنه في كل حاجة يقوم يبحث وراءها ويدقق فيها، فوقته أغلى وزمنه أغلى، فهو خائف أن الموت يدركه وهو على غير عبادة، فلا يذهب وراء الناس ووراء كل عمل يعملونه، وقد يشتمه إنسان فيقول: ما يقصدني، وكانوا يعتبرون ذلك في الجاهلية من مكارم الأخلاق، ولعل بعضهم يقول: ولقد أمر على اللئيم يسبني فأمر ثم أقول لا يعنيني أي: ولقد أمر على إنسان لئيم فيشتمني، فأتجاوز هذا اللئيم وأقول لنفسي: ما يقصدني، مع أنه يراه وهو يشتمه، فهو لا يريد أن يضيع وقتاً في عراك مع هذا الإنسان. وكذلك الإنسان المؤمن، فهو يعلم أن الدنيا زمنها محدود، فهو من ساعة ما ولد وعمره محدود، وهو آخذ في النقصان، فهو ينقص ولا يزيد، وإذا كان الإنسان مقدر له أن يعيش ستين سنة فإنه كلما مر عام نقص من عمره، فلا يزال في التناقص لغاية النهاية.
المؤمن غر كريم
المؤمن غر كريم إن المؤمن يخاف أن يضيع هذا العمر الذي قيمته عظيمة جداً ولا يتكرر، فإذا تشاجر مع هذا، ويدقق في الأمور مع هذا، ويبحث وراء هذا، فإن ذلك سيضيع عليه جزءاً من عمره، إذاً فالمؤمن لا وقت عنده لهذه الأمور، فالمؤمن غر كريم، يعني: أنه ليس له خبرة كبيرة في أمور الدنيا، وليس معناه: أنه غبي، فالمؤمن ليس غبياً، المؤمن فيه نور الإيمان، ولكنه لا يضيع وقته ويفتش وراء كل حاجة من أجل أن يحصل عليها، فهو سليم الصدر، ويتعامل مع الناس بمنطلق حسن النية وحسن الظن. وانظروا إلى سيرة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فإنه كان يحب أن يعتق العبيد، فالعبد الذي يجده صالحاً مصلياً فإنه يعتقه، فكان العبيد فيهم لؤم فعندما يرون عبد الله بن عمر فإنهم يذهبون إلى المسجد للصلاة ويخشعون في الصلاة، فيعتقهم ابن عمر ويقول لمن يفعل ذلك: أنت حر لوجه الله، فلما تكرر منه ذلك قال له الناس: إنهم يخدعونك، فهم ما كانوا يعملون هذا من ورائك بل أمامك فقط، فقال ابن عمر قولته الجميلة: من خدعنا بالله انخدعنا. ومعنى مقالة ابن عمر: إذا كان قد خدعني فإني أحب عبادته وربنا لا يخدعني، فربنا يعاملني على ما في قلبي وعلى سلامة صدري، فإذا كان هذا العبد قد خدعني فهو لم يخدع الله، فالله يعطيني أجري، وهو عليه إثمه. فالمؤمن غر كريم يعطي، والإنسان الكريم هو الذي يسامح ويعفو ويتعامل مع الناس بكرم الخلق، وكذلك المؤمن.
سبب استغفار إبراهيم لأبيه وهو كافر
سبب استغفار إبراهيم لأبيه وهو كافر وقال سبحانه في سورة أخرى ليبين سبب استغفار إبراهيم لأبيه وهو لا يزال على الكفر، فقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة:113 - 114] يعني: لما زجره أبوه قال له: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، قال تعالى: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:47 - 48]. فوعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم:47]، فبناء على هذا الوعد قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ} [التوبة:114] أي: عن وعده إياه، فلما بين له ربه أن أباه عدو لله، تبرأ من أبيه ومن المشركين، وعبد الله وحده لا شريك له، فاستحق أن يكون خليل الله سبحانه. قال تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة:114]. ثم دعا ربه فقال: {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:87 - 89]. فقوله تعالى: {وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} [الشعراء:87]، فالخزي العظيم هو خزي يوم القيامة، وقد يصيب الإنسان في الدنيا شيء من الإهانة أو الإذلال لكن ليس هو الذل ولا الخزي العظيم، فالخزي العظيم ما يكون يوم القيامة، فتكون فضيحة أمام الخلائق جميعهم ثم المصير إلى نار جهنم -والعياذ بالله- فإبراهيم عليه الصلاة والسلام سأل ربه ألا يخزيه في هذا اليوم العظيم، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أن إبراهيم -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- يرى أباه يوم القيامة وعليه الغبرة والقترة) أي: يرى أباه يوم القيامة وعليه الذل، ووجهه منكدر مخسوف من شدة حيائه مما فعل في الدنيا من عبادته غير الله سبحانه. وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يلقى إبراهيم أباه يوم القيامة فيقول: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله عز وجل: إني حرمت الجنة على الكافرين)، فإبراهيم يذكر لربه: أنت وعدتني أنك لا تخزني، وأي خزي أشد من أبي الأبعد وهو يدخل النار، ولذلك رحم الله عز وجل إبراهيم يوم القيامة ولم يخزه، فلما نظر إلى أبيه في صورته حن لأبيه، فقال الله عز وجل: (يا إبراهيم! انظر ما وراءك، فنظر إبراهيم وراءه فلما التفت إذا بأبيه يتحول إلى صورة ضبع -أي: هيئة هذا الحيوان الذي على هذه الصورة -فإبراهيم لا يخطر بباله أن هذا أبوه ملطخ بطين ودم- ثم يؤخذ بقوائمه ويلقى في النار). فالذي أشرك بالله سبحانه لا ينفعه أن ابنه كان أباً للأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد حذره الله سبحانه وتعالى وقال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48]، فأبى الرجل إلا الكفر، وقال لإبراهيم: إما أن تكون معي فيما أنا فيه وإلا اعتزلني، وإلا لأرجمنك، أي: أسبك أو أخذفك بالحجارة، فهذا كان جوابه في الدنيا، فلم يستحق يوم القيامة إلا النار، يقول الله عز وجل: {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ} [الشعراء:88] أي: لا ينتفع الإنسان بالمال ولا بالبنين يوم القيامة، إلا أن يكون هذا المال أنفقه في الدنيا في طاعة الله، أو أن يكون ربى الأبناء تربية صالحة على عبادة الله، فينفع الأبناء آباءهم يوم القيامة بشفاعة ونحوها، ولكن في البداية في الموقف العظيم الكل يفر بعضهم من بعض، وكل إنسان يقول: نفسي نفسي، وحتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يقولون: نفسي نفسي نفسي. ويوم القيامة لا ينفع المال، وقدِّم المال على البنين في الذكر؛ لأن نفع المال في الدنيا للإنسان لعله أكثر من نفع البنين، وكل الناس يكون معهم المال، وليس كل الناس معهم البنون، فعلى ذلك فإن الإنسان بماله يفعل ما يريد فيأكل ويشرب، ولكن ليس كل إنسان له أولاد وبنون. فيقول هنا: هذا المال الذي كنت تتمتع به في الدنيا لا ينفعك يوم القيامة، فليس هناك رشوة، أو أخذ مال، وإنما ينفع في هذا اليوم {مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:89].
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) يقول تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [الشعراء:90 - 93]. ففي هذه الآيات انتقل الله تعالى من كلامه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} [الشعراء:69 - 70] وذكر مقالته، ثم أخبرهم عن رب العالمين، وانتقل لبيان من هو رب العالمين، فدعا إبراهيم قومه إلى ربه سبحانه، ثم دعا لأبيه، ثم جاء بعد ذلك ذكر النار والجنة، فالله عز وجل الآن يخاطبنا نحن، فهنا حصل التفات وخروج من خطاب إلى خطاب آخر، ومع ذلك تقرأ كل هذه الآيات في سياق واحد ولا تلاحظ الالتفات والخروج من موضوع إلى آخر، وفي هذا دلالة على عظمة القرآن كلام رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين)
تفسير قوله تعالى: (وأزلفت الجنة للمتقين) يقول ربنا سبحانه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء:90] أي: صارت لهم قريبة منهم، وأدنيت حتى يدخلوها، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها. فأهل التقوى هم الذين اتقوا المعاصي، واتقوا غضب الله سبحانه، واتقوا الذنوب والشرك بالله فصاروا من أهل الجنة، فهم أتقياء أنقياء أثرياء، قلوبهم مصابيح الدجى، نجاهم الله في الدنيا من كل غبراء مظلمة، ونجاهم يوم القيامة يوم الموقف العظيم من أن يكونوا من أهل النار، فقربهم من الجنة وقربها لهم، وأدنيت {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الشعراء:90].
تفسير قوله تعالى: (وبرزت الجحيم للغاوين)
تفسير قوله تعالى: (وبرزت الجحيم للغاوين) وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ} [الشعراء:91] أي: أظهرت، وبرز الشيء ظهر وارتفع. وانظر إلى التعبير الجميل في تقريب الجنة من المتقين، فما قال: إنهم قربوا منها، فالإكرام العظيم لأهل التقوى أن الجنة تقرّب منهم، فقد جاءت إليكم فادخلوها، قال تعالى: {وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتْ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء:90 - 91]. وأما الكفار فقبل أن يدخلوا النار فإن الله يريهم النار؛ من أجل أن يخافوا منها، وبعد ذلك يلقون في نار جهنم والعياذ بالله. وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ} [الشعراء:91] أيْ: أُبرزت لهم، فجعلت بارزة يراها كل من ظهرت له، وسميت الجحيم؛ لأنها متقدة مستعرة وفيها اشتعال، يقال لعين الأسد: إنها جحمة؛ لأنها عين براقة مشتعلة، وعين الأسد فيها احمرار، فهي تخوف فسميت جحمة، وكذلك هذه النار -والعياذ بالله- فإنها مشتعلة. إذاً فالجحيم هي: النار المستعرة المشتعلة. {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء:91]، غوى الإنسان أي: ضل واتبع العوى، وإنسان غاوٍ أي: إنسان ضال ترك طريق الهدى وانحاز إلى الضلال، فهو إنسان غاوٍ. إذاً فالكفار والغاوون من أهل الكبائر وأهل المعاصي أظهرت لهم جهنم قبل أن يدخلوها، {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [يس:63]، فينظرون إلى النار فيخافون ويفزعون من منظرها، وبعد ذلك يدخلونها، وانظروا إلى السياق القرآني يقول الله عز وجل: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ} [الشعراء:91 - 93]، أين الأصنام؟ وأين الأوثان؟ وأين كبراؤكم؟ وأين الجان؟ وأين من كنتم تعبدونه من دون الله؟ والسؤال هنا ليس سؤال استفهام، وإنما هو سؤال توبيخ وتبكيت لهؤلاء، {أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ} [الشعراء:92 - 93] الآن {أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [الشعراء:93] أي: إن كانوا لا يستطيعون أن ينصروكم، فلينصروا أنفسهم {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} [الشعراء:93] أي: عندما رأوا النار ورأوا عذاب رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (فكبكبوا فيها هم والغاوون)
تفسير قوله تعالى: (فكبكبوا فيها هم والغاوون) قال تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء:94]. فقد قلنا: إن الله عز وجل أراهم النار -والعياذ بالله- كي يخافوا ويذعروا منها، وإذا بهم يؤخذون ويكبكبون، وهذا التعبير غليظ وفيه شدة. وتفسير كبكبوا: أي جمعوا على بعض ودحروا في نار جهنم، فوقعوا فيها، {يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور:13]، ويضربون على أقفائهم؛ من أجل أن يكبوا في نار جهنم بعضهم فوق بعض، فكل إنسان غاوٍ، أو ضال، أو بعيد عن الله سبحانه، أو استكبر عن عبادة الله، وترك طاعة الله فإنهم ينطبق عليهم، {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء:94]، ومعهم {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء:95]، وجنود إبليس في الدنيا كانوا لا يرون إبليس ولا جنوده، وفي يوم القيامة يرونهم على أبشع الصور، فالإنسان يخاف من المناظر القبيحة التي أمامه، فكيف بمن سيكون صاحبه في النار من مثل هذه المناظر؟! فيجعلون جميعاً في نار جهنم: هؤلاء الغاوون {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء:95]، فلما دخلوا النار {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} [الشعراء:96] أي: يتخاصمون ويتشاجرون مع بعض في النار، فيكون هناك نار وعذاب وعراك وخصام.
تفسير قوله تعالى: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين)
تفسير قوله تعالى: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) قال تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الشعراء:97] أي: لقد كنا ضالين؛ لأنكم عتمتم علينا وجعلتمونا نضل ونبتعد عن رب العالمين. وقوله تعالى: {تَاللَّهِ} [الشعراء:97] هذا قسم بالتاء، ولا يكون إلا في لفظ الجلالة فقط ولا يجيء لغير لفظ الله. وقوله تعالى: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الشعراء:97] أي: يا خسارة! فنحن كنا في ضلال مبين واضح في أيام الدنيا، فكيف عمينا عن الحق؟ {إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الشعراء:97] أي: لقد كنا في ضلال مبين.
تفسير قوله تعالى: (إذ نسويكم برب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (إذ نسويكم برب العالمين) {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:98]، فقد نظروا إلى إبليس وجنوده، ونظروا إلى من عبدوا من دون الله فقالوا: لقد كنا في ضلال: أأنتم آلهة؟! فأين ذهبت عقولنا؟ وكيف كنا نعبدكم من دون الله؟ {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:97 - 98] أي: أأنتم مثل رب العالمين؟!
تفسير قوله تعالى: (وما أضلنا إلا المجرمون)
تفسير قوله تعالى: (وما أضلنا إلا المجرمون) قال تعالى: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} [الشعراء:99] أي: ما أضلنا إلا أهل الجرم والفجور والمعاصي، وكذلك الشياطين الذين زينوا لنا عبادة غير الله سبحانه، وزينوا لنا الشرك والكفر والمعاصي.
تفسير قوله تعالى: (فما لنا من شافعين)
تفسير قوله تعالى: (فما لنا من شافعين) قال الله تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100]، فهم يندبون حظوظهم، ويبكون على أنفسهم، ويقولون: لا يوجد من يشفع لنا، وذلك لما رأوا أهل الإيمان وأهل التوحيد يشفع بعضهم لبعض، فأهل الطاعة نفعتهم الشفاعة. فقد دخل أناس من الموحدين النار، ونفعهم من شفع فيهم كالنبي صلى الله عليه وسلم، وأهل الدين، ومن أحبهم من المؤمنين، فأخرجهم الله عز وجل من النار، فلما رأى الكفار ذلك قالوا: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} [الشعراء:100] أي: نحن ما لنا أحد يشفع لنا.
تفسير قوله تعالى: (ولا صديق حميم)
تفسير قوله تعالى: (ولا صديق حميم) قال تعالى: {وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:101] أي لا يوجد رجل بيننا وبينه صداقة دافئة؛ لأن الحميم: هو الماء الساخن الدافئ، يعني: رجل بيننا وبينه صلة وصداقة في الدنيا تنفع الآن، فلا تنفع صداقة كلام فقط، فقد كانوا في الدنيا أصدقاء، فأهل المعاصي يصادق بعضهم بعضاً، ويقولون له في الدنيا: نحن نفديك بأرواحنا ونفديك بكذا، وهذا كلام فارغ، فلما يأتي يوم القيامة لا يجد من يقول له: أفديك بكذا، فكلهم في النار والعياذ بالله، فقالوا: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100 - 101].
معنى الشفيع
معنى الشفيع والشافعون: هم الشفعاء، وسمي الشفيع شفيعاً؛ لأنه لا يترك صاحبه وحده، وإنما يشفعه فيكون معه اثنين بدلاً من أن يكون وحده، فتقول: تعال يا فلان اشفع لي عند فلان، يعني: كن بجانبي فنصير اثنين، ولا تتركني وحدي.
معنى الصديق
معنى الصديق والصديق: مأخوذ من الصدق، فهو صديقك الذي يصدقك، والذي يكون معك، وفي قلبه محبة ومودة لك فيصدقك في النصيحة، ويأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، ويكون معك في سرائك وفي ضرائك، وهو الصادق في ودادك الذي يهمه أمرك، فهذا هو الأخ في الله سبحانه.
منافع الصديق لصديقة
منافع الصديق لصديقة والأخ في الله ينفعك في الدنيا، وينفعك في قبرك، وينفعك يوم القيامة، ففي الدنيا ينصحك ويأمرك بالمعروف وينهاك عن المنكر، وما سألته شيئاً إلا وأجابك في هذا الشيء، فإذا طلبت منه إعانة أو شيئاً آخر فهو يكون معك، فإن لم يكن معك بماله أو ببدنه فهو معك على الأقل بكلامه فيواسيك. فإذا مت فهو الذي يشيعك إلى قبرك، ويقف على قبرك يدعو لك، ويصلي عليك، فتنتفع به وأنت في قبرك. وإذا مت فهو يبحث عن حال عيالك وأهلك هل هم محتاجون لشيء، ففي الدنيا كانت صداقة حقيقية فنفعت، وأنت في قبرك فهو يبحث عن دينك ليقضي عنك دينك؛ حتى لا تعذب عند الله سبحانه. فإذا كنت يوم القيامة وأدخلت النار فإن هذا الصديق الحميم الذي كان من الأتقياء ينفعك عند رب العالمين، ولا يزال يدعو ربه حتى يخرجك الله عز وجل من النار بفضله وبكرمه سبحانه، وبدعاء هذا الصديق الحميم. ولعل هذا الأخ في الله يكون أخوه في منزلة دنيا في الجنة، وهو في منزلة عليا، فيشفع عند رب العالمين فيرفع أخاه في منزلته، وانظر لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: (المرء مع من أحب)، فهذا الصديق الحميم وهذا الأخ في الله ينفع أخاه في الدنيا وفي الآخرة، فلذلك فالكفار عندما يرون ذلك إذا بهم يتحسرون في وقت قد فاتهم ذلك، فلا ينفعهم البكاء، ولا تنفعهم الحسرة، ولا ينفعهم الندم، ولا ينفعهم إيمانهم فقد رأوا ما كان غيباً رأوه شهادة، فقالوا: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء:100 - 101].
تفسير قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين) ثم قالوا: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} [الشعراء:102] أي: مرة ثانية نرجع إلى الدنيا، وقد قضى الله ألا يرجع إليها لا المؤمن ولا الكافر، فالدنيا هي مرة واحدة فقط، وقال الكفار: نرجع إلى الدنيا، وقد قالها المؤمنون الشهداء لما وجدوا عظيم الثواب عند رب العالمين، فسألوا ربهم سبحانه أن يعيدهم إلى الدنيا؛ حتى يقتلوا مرات ومرات في سبيل الله سبحانه لما رأوا من عظيم الأجر عند الله سبحانه، قال تعالى على لسان الكفار: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:102 - 103]. أي: إن في هذا الذي تلوناه عليكم، والذي ذكرناه لكم في هذه الآيات وغيرها موعظة وعبرة لمن كان مؤمناً، ولكن أكثر الناس ليسوا مؤمنين، فلا ينتفعون بهذه المواعظ.
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين) قال تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:103 - 104]، وتتكرر في نهاية الآيات في كل قصة من القصص القرآنية هذه الآية، فقد تكررت ثمان مرات، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:103 - 104]؛ ليبين لك عقب كل قصة من القصص أن هنا آية، فاعتبر إن كنت ممن يعتبر، وأكثر الناس لا يعتبرون، فكن أنت من الأقل الذين يعتبرون {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:103]، فإن لم تعتبر أنت ولا غيرك فـ {إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:104]، فالله لا يحتاج إلى أحد، وهو الرب سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ} [الشعراء:104] التأكيد باللام، والتأكيد بـ (هو) {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:104] سبحانه، فهو عزيز غالب لا يغالب سبحانه، وإذا أمر بالشيء لا يقدر أحد أن يمنعه، قال تعالى: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:2]، فهو عزيز قوي قاهر غالب سبحانه، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم، ومن تاب إلى الله تاب الله عز وجل عليه. نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا، وأن يجعلنا من عباده المرحومين. أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [105 - 122]
تفسير سورة الشعراء [105 - 122] في قصة سيدنا نوح عليه السلام من العظمة وبعث الثقة بوعد الله ما يتجلى لكل متأمل، فقد أمره الله أن يصنع سفينة في حين أن معطيات العقل قد تجعل ذلك ضرباً من الخيال؛ بسبب جهل العقل عن معرفة الغيب، فصنَع نوح السفينة، وأمر الله الأرض أن تخرج ماءها، وأمر السماء أن تنهمر بالماء، فصعد نوح على السفينة ومعه من أمره الله بحمله، وأغرق الكفار والمكذبون، وقيل الحمد لله رب العالمين.
كيفية نشوء الشرك في قوم نوح
كيفية نشوء الشرك في قوم نوح الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:105 - 122]. هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة العظيمة سورة الشعراء، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها نبياً من الأنبياء، بل هو أبو الأنبياء قبل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنوح أرسله الله عز وجل إلى قومه؛ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكان آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو أبو البشر قد تعلم أولاده منه توحيد الله سبحانه وتعالى، واستقاموا على التوحيد قروناً وأزمنة طويلة، حتى جاء قوم نوح فعبدوا غير الله سبحانه وتعالى، وكان السبب في ذلك تصوير التماثيل، وصنعوا التماثيل وجعلوا ينظرون إليها ظناً منهم أنها تذكرهم السابقين، وقد كان الناس من قبلهم على التوحيد الخالص عشرة قرون أو أكثر من ذلك، وإن كان هناك معاص قبلهم لكن الشرك لم يوجد إلا في هؤلاء، وأما القرون من قبلهم فقد كانوا على التوحيد حتى جاء هؤلاء فأشركوا بالله سبحانه.
طروء الشرك على قوم نوح وسببه
طروء الشرك على قوم نوح وسببه قال الله في سورة نوح: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح:23 - 24]. فقد كان سبب شركهم أن هؤلاء القوم الذين سماهم الله عز وجل كانوا أناساً صالحين، فأعجب الناس صلاحهم، فلما مات هؤلاء الصالحون قال الشيطان لهؤلاء، أو ألقى في قلوبهم أن صوروا لهم الصور، واصنعوا لهم التماثيل حتى تذكروهم، فصنعوا لهم صوراً، وصنعوا لهم تماثيل، وكانوا يأتون إلى أماكن صورهم وتماثيلهم ويقولون: هؤلاء كانوا من الصالحين، ولم يزالوا على ذلك فترة من الزمن، ثم مات هؤلاء وجاء أولادهم بعد ذلك، فقال أولادهم: إن آباءنا كانوا يتبركون بهؤلاء ويأخذون البركة منهم، ونحن نتبرك بهم كما كان يفعل آباؤنا، فذهبوا إلى هذه الصور والتماثيل يلتمسون منها البركات، ويلتمسون منها الإحسان وأشياء يزعمونها، فمضت السنون وجاء أقوام بعد ذلك فقالوا: كان آباؤنا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله سبحانه، فلذلك لما قالوا: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23] يذكر ابن عباس رضي الله عنه: أن هذه أسماء أناس صالحين، فما كانوا كفرة ولا مشركين، فأحب الناس أن يتذكروهم، فجعل الشيطان لهم هذه الحيلة التي وصلوا بها في النهاية إلى أن يعبدوا الصور والتماثيل؛ ولذلك حرمت صناعة التماثيل والصور في ديننا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ) سواء كانت الصورة تمثالاً يصنعه الإنسان أو ينحته فإنه سيأتي يوم القيامة ويقال له: انفخ فيه الروح، أو أنه يرسم ما فيه الروح بيده، فيقال له يوم القيامة: انفخ فيه الروح، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أن يصور صوراً أو يرسم بيده صور أشياء فيها الروح، فإن ذلك لا يجوز، وكذلك نحت التماثيل فإنه حرام في شرعنا.
تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين)
تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين) ذكر الله عز وجل قصة نوح هنا فقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، وسرد الآية على نفس السياق الذي وردت فيه كل القصص في هذه السورة، {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123]، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:141]، {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:176]، وفي كل الآيات يذكر: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} [الشعراء:106] إلا في أصحاب الأيكة فقال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:177]؛ لأن هؤلاء الذين ذكر الله عز وجل في قصصهم: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} [الشعراء:106] كانوا إخوة لذلك النبي في النسب، أو كانوا من القوم، فيقال: فلان أخو فلان يعني: من النسب، وقد يقال: فلان أخو فلان أي: من نفس القبيلة، ولا يشترط أن يكون أخاً لواحد منهم من النسب، فقد يكون من القبيلة وهو بعيد في نسبه منها، فيقال: يا أخا بني تميم، يعني: أنت من بني تميم، أو أهلك كانوا من بني تميم، فذكر الله عز وجل هنا السياق المناسب لسياق السورة، فبدأه بالقصص، وختمه أيضاً بما تختم به القصص: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، فذكر المرسلين بالجمع مع أنه أرسل إلى قوم نوح عليه الصلاة والسلام رسولاً واحداً وهو نوح، ولكنه ذكر الجمع هنا؛ لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، فدعوة المرسلين دعوة واحدة، فالرسل كلهم يدعون أقوامهم أن {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، فمن كذب هذا الرسول الذي يأمرهم بقوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، فقد كذب كل من دعا إلى ذلك.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح فاتقوا الله وأطيعون)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح فاتقوا الله وأطيعون) قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106]، فهنا يعظهم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو منهم وهم قومه، فدعا قومه ليلاً ونهاراً كما ذكر الله عز وجل ذلك في سورة نوح، فقال: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح:5 - 9]، وكل هذا الدعاء من نوح لقومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً كان لغاية واحدة وهي: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:59]، ولكن لم يزدهم دعاؤه هذا إلا فراراً وعناداً وإصراراً على الكفر، كما قال: {فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ} [نوح:6 - 7] أي: يا قوم تعالوا إلى الله ليغفر لكم ذنوبكم، فيدعوهم إلى الله مخبراً لهم أن الله سيغفر لهم، ولكن كان الرد منهم ما قاله تعالى: {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:7]، وهذه مبالغة في عدم السمع وعدم الاستماع وعدم التنبه لما يقوله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أن الأصل أن الإنسان لا يدخل أصبعه كاملاً في أذنه، وإنما يدخل الأنملة وهي طرف الأصبع، ولكن هذا على وجه المبالغة في عدم تقبلهم سماع دعوة نوح عليه السلام، وإضافة إلى عدم سماعهم للحق كانوا إذا رأوا نوحاً عليه السلام وضعوا ثيابهم على وجوههم؛ حتى لا ينظروا إليه على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح:7]، وقال تعالى: {وَأَصَرُّوا} [نوح:7] يعني: على كفرهم، {وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:7] أي: استكباراً فضيعاً وشنيعاً، فإذا بهم لا يسمعون ولا يعقلون ولا يتنبهون لما يقوله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106] يعني: ألا تتقون الله سبحانه وتعالى، {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:107]، وكل رسول من رب العالمين فهو أمين، أي: مؤتمن على شرع رب العالمين سبحانه، فقد ائتمنني ربي على هذه الشريعة حتى أبلغكم وأدعوكم وأهديكم إلى صراط الله المستقيم، {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} [الشعراء:107] يعني: صاحب رسالة من الله عز وجل، قد جئت لكم بشريعة وبرسالة من الله سبحانه، وأنا مؤتمن من لدن ربي سبحانه، {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:107]. وقوله: {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106] مفتوحة الآخرة، أي: ألا تتقون الله سبحانه وتعالى. قال بعدها: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:108]، فطاعة الرسول من طاعة الله سبحانه وتعالى، أي: أطيعوني فيما جئت به تكن طاعتكم هذه طاعة لله رب العالمين، وقراءة الجمهور: {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:108]، وقراءة يعقوب: ((وَأَطِيعُونِي)).
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر واتبعك الأرذلون)
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر واتبعك الأرذلون) قال تعالى حاكياً كلام نوح عليه السلام: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109]. فقد كان كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: إننا لم نأت لنطلب أجراً على هذا الشيء، إنما الذي يأجرنا ويعطينا الأجر هو الله سبحانه، وكذلك فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أمره ربه أن يقول: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] أي: لا أسألكم عليه أجرة تدفعونها إلي، ولكني أطلب منكم أن تبروني في الرحم التي بيني وبينكم، فإن بيني وبينكم نسباً فراعوا ذلك النسب والقربى. فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أجرهم على الله سبحانه، ولا يسألون أحداً أجراً على شيء، ولا يقبلون صدقة من أحد أبداً، والذي يأخذونه هو ما يأخذونه بجهادهم في سبيل الله سبحانه أو بكسب أيديهم، فيعلمهم الله عز وجل صنعة يعملون بها، فيكون عيشهم إما من غنائم الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى كما كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وإما أن تكون حرفة يعلمهم الله سبحانه وتعالى إياها كما علم داود وغيره عليهم الصلاة والسلام. وقوله: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109] اختلف فيها القراء، وهذه هي قراءة الجمهور، وأما قراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب: ((إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ))، والذي يمد فيهم يقرأ: (إن أجري~ إلا على رب العالمين) على حسب اختلافهم في المد والقصر. {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:109] وهنا ناسب أن يذكر الرب سبحانه ولا يناسب أن يذكر الإله؛ لأن مقتضى أنه إلهي أن أعبده، ومقتضى أنه ربي أنه هو الذي يعطي ويرزق؛ ولذلك قال: ((إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّي))، وما قال: على إلهي، وإن كان الإله هو الرب سبحانه، لكن مقتضى ربوبية الله سبحانه أنه هو الذي يشرع، ويرسل الرسل، وأنه الذي يرزق الرسل وغيرهم من الخلق. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:110 - 111]. قوله: (أَنُؤْمِنُ) كأنهم يستنكرون ذلك، ويقولون: أنؤمن ونكون مثل هؤلاء؟ وهذا هو كلام الكفرة في كل عصر، فالمشركون قالوا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: إننا لا نجلس مع هؤلاء فتعيرنا القبائل، وقوم نوح قالوا: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111] يعني: وقد اتبعك أراذل القوم، أي: السفلة من القوم، والناس الفقراء الضعفاء الذين ليسوا بسادة ولا كبراء ولا وزراء في القوم، فهؤلاء هم الذين كانوا يتبعونه، ونفس الكلام قاله المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم لما رأوا صهيباً وعماراً ورأوا غيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء والمساكين فقالوا: لا نجلس مع هؤلاء، فاجعل لنا يوماً وحدنا إذا أردت أن نسمع لك، فإذا بالنبي يكاد أن يستجيب لهم طمعاً في إيمانهم، ولكن الله حذر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي مخلصين له، ويريدون وجهه، {وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:28]، وقال تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:52] أي: اجلس مع هؤلاء ولا تتركهم فإن حسابهم على الله، وحسابك على الله، وحساب هؤلاء الكفار على الله سبحانه، فلا أحد يحمل عن أحد من حسابه شيء. ثم أخبر الله نبيه وخليله صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا طرد هؤلاء فإنه يكون ظالماً، وحاشا له أن يظلم، فما كان ليطردهم، ولكنه أراد أن يجعل لهؤلاء يوماً ولهؤلاء يوماً، فإذا بالله يصف ذلك بأنه طرد لهم، مع أنهم آتون ليلاً ونهاراً يتعلمون الدين فكيف يطردهم ويقدم هؤلاء ويجعل لهم يوماً بدلاً من هؤلاء، مع أن هؤلاء لعلهم لا يؤمنون؟! وكذلك قوم نوح لما قالوا لنوح عليه الصلاة والسلام: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111] يعني: وقد اتبعك الأرذلون والضعفاء والذين ليس لهم من الأمر شيء، فنحن لن نجلس معهم ولن نؤمن، {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111] يعني: هؤلاء الأتباع الذين من حولك ضعفاء، وليس معك جيش ولا قوة، فلن نؤمن لك ما دام معك هؤلاء.
تفسير قوله تعالى: (قال وما علمي بما كانوا يعملون ونجني ومن معي من المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (قال وما علمي بما كانوا يعملون ونجني ومن معي من المؤمنين) لقد أجاب سيدنا نوح على قومه: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الشعراء:112] أي: لا تنظروا إلى الظاهر فقط، فلعل هؤلاء الضعفاء كما تزعمون لهم أعمال باطنة عظيمة يعلمها الله ويؤجرهم عليها، فلا تنظروا إلى الظاهر وتحكموا على السرائر حكمكم على الظاهر، فإن لهم أعمالاً عظيمة، ويكفي إيمانهم، فالله أعلم بما كانوا يعملون، فلم أكلف العلم بأعمال هؤلاء، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى. ثم يقول نوح عليه الصلاة والسلام: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء:113] أي: حساب هؤلاء بأعمالهم إنما هو على الرب سبحانه، وكأنه يقول: إذا كان ربنا سيحاسب الضعفاء فإنه سيحاسب الأقوياء كذلك، ولكن نوحاً كان يتلطف معهم في القول: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} [الشعراء:113] أي: بذلك وتفهمونه. {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:114] أي: لا أطرد المؤمنين، وهذا هو الذي حذر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم منه، فسمى عدم مجالستهم طرداً لهم، فقال: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام:52]، وهنا نوح عليه الصلاة والسلام قال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا} [الشعراء:114 - 115] يعني: ما أنا {إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الشعراء:115] أي: ليس عملي أن أقرب أناساً وأبعد أناساً، أو أرفع أقواماً وأجعل أقواماً في منزلة وآخرين، ولكن عملي أن أنذر الجميع، فمن استجاب كانت له المنزلة العظيمة يوم القيامة عند رب العالمين، ومن أعرض نال العذاب في الآخرة، وكذلك كل الرسل فإنما هم منذرون لأقوامهم، فالنبي هو البشير والنذير، فالبشير من يخبرك بما تفرح به ويسرك؛ وكذلك كان الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أجمعين يبشرون المؤمنين بالجنة وما لهم في دار الحبور والسرور، وإما أن يكون النبي منذراً يخبرهم ويخوفهم بما ينتظر من كفر وفجر من عذاب عند رب العالمين، وهنا قال نوح: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الشعراء:115]، وما قال بشير؛ لأنهم لا يستحقون بشارة، فإنهم كفار جميعهم أجداداً وآباء وأحفاداً، فقد كان يلقن بعضهم بعضاً الكفر، ويحذر بعضهم بعضاً من الإيمان بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
تهديد قوم نوح له وموقفه من ذلك
تهديد قوم نوح له وموقفه من ذلك قال سيدنا نوح لربه سبحانه: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:27]، وذلك عندما مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، إذ كان عمره طويلاً، وأما هم فكان منهم صاحب العمر الطويل ومنهم صاحب العمر القصير، فقد مات الأجداد، فجاء الآباء وماتوا، فجاء الأبناء وماتوا، فجاء الأحفاد والرسول هو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد بذل نوح عليه الصلاة والسلام في دعاء هؤلاء الأقوام إلى ربهم سبحانه الكثير من العمر والجهد، وعندما يذكر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة فكأنه يقول له: ستأتي البشارة والنصر من الله كما نصر نوحاً، وقد صبر نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، فاصبر كما صبر الذين من قبلك من الرسل، {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف:35]. قال نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ} [الشعراء:115] أي: أخوفكم عذاب الله بسبب كفركم وشرككم، ((مُبِينٌ)) أي: بين واضح، وعندي الحجج والبراهين من الله. {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء:116]، وهنا التخويف بمقتضى قوتهم، إذ قالوا: نحن أقوياء وأنت ضعيف، فقالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ} [الشعراء:116] يعني: عن سب آلهتنا وعن دعوتنا إلى التوحيد الذي تدعو إليه {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء:116]، والرجم يأتي في القرآن بمعان مختلفة: فقد يأتي بمعنى الرجم بالحجارة، وقد يأتي بمعنى: السب والشتم، وكل ذلك فعله الكفار مع نوح ومع غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهددوا نوحاً بالرجم بالحجارة، أي: القتل، والمرجوم هو القتيل رمياً بالحجارة، أو هددوه بأن يكون من المشتومين. وعند ذلك قال نوح سائلاً ربه سبحانه: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} [الشعراء:117 - 118] أي: ائتني بالفتح من عندك، والفتح هو النصر، فانصرني عليهم، وقوِّ حجتي، وأظهر دعوتي، وذلك بعد أن شكا إلى ربه تكذيب قومه فقال: {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا} [الشعراء:117 - 118]، ونكر كلمة الفتح، يعني: فتحاً عظيماً، {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:118]، فسأل ربه أن ينجيه، وأن ينجي من معه من المؤمنين، وقد كان المؤمنون قلة مع نوح، فما آمن معه إلا قليل من قومه، بل إن امرأة نوح لم تكن على دينه وكانت كافرة، وابن نوح أيضاً كان كافراً، وامرأة نوح قد ضرب الله عز وجل بها المثل في القرآن، فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} [التحريم:10] أي: خانتاهما في كونهما على الكفر ولم يؤمنا بدين الله عز وجل، أو في كونهما يدلان القوم على مواضع الضعف عندهما، وليس المقصود من ذلك الخيانة في العشرة الزوجية، فالله يعصم أنبياءه من أن يكون في بيوتهم مثل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فافتح بيني وبينهم فتحا أغرقنا الباقين)
تفسير قوله تعالى: (فافتح بيني وبينهم فتحاً أغرقنا الباقين) بعد أن دعا نوح ربه: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:118]. قال سبحانه: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الشعراء:119] أي: فأنجاه الله سبحانه، والفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب، وكأن نوحاً لما دعا الله نصره، ولكن بعد أن أمره بأخذ أسباب النصر وأسباب النجاة، فأوحى إلى نوح أن يصنع الفلك بقوله: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود:37]، وقال الله محذراً له: {وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود:37]، فإذا بنوح يستجيب لأمر الله، فعلمه الله كيف يصنع السفينة، فإذا بنوح يصنعها في الصحراء بعيداً عن الناس، وعندما يمر عليه الكفار وهو يصنع سفينة في أرض لا ماء فيها يتعجبون ويسخرون منه، قال تعالى: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود:38] أي: لم تضحكون علينا، اضحكوا على أنفسكم مما سيحدث بعد ذلك، ولكنهم لم ينتهوا، بل كلما مر عليه ملأ منهم قالوا: ماذا تصنع يا نوح؟! وأين الماء الذي ستحمل عليه هذه السفينة؟ فيضحكون ويسخرون منه، ولا يتوقعون أن الماء سيأتي من بطن الأرض، وليست السفينة هي التي سيذهب بها إلى الماء، فسبحان الله الخلاق العظيم تبارك وتعالى. قال تعالى: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود:38 - 39].
علامة بدء الغرق التي جعلها الله لنوح
علامة بدء الغرق التي جعلها الله لنوح لقد أمر الله سبحانه نوحاً فقال: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. وقد جعل الله علامة منه عز وجل لنوح، وهي أن هذا التنور الذي تشتعل فيه النار سينبعث الماء من داخله، فإذا وقع ذلك فاركب السفينة أنت ومن معك، {إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} [هود:40] أي: وعدنا الذي وعدناك به، {وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود:40] أي: إذا رأيت النار تنطفئ في التنور، ويخرج منه الماء فهذه العلامة إشارة لنزول العذاب، ولكن سننجيك أنت وأهلك المؤمنين، ونهلك هؤلاء الظالمين، فلما جاء أمر الله وفار التنور بالماء ركب نوح السفينة هو والمؤمنون معه، ونادى على ابنه: {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود:42]، فأبى هذا الابن الكافر إلا أن يكون مع قومه، ورفض نصيحة أبيه عندما رأى الأرض تخرج كل المياه الجوفية منها، ومياه الأنهار تفيض وتلتقي مع مياه الأرض جميعها، وإذا بهؤلاء القوم يهربون إلى الجبال، وإذا الأمواج تعلو فوق الجبال وابن نوح معهم {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} [هود:43]، فلم يسمع كلام أبيه ولم يستجب لكلام ربه سبحانه، وإذا به كما قال تعالى: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود:43] أي: أحاط به الماء فصار من المغرقين، وارتفعت السفينة وعلت، وأهلك الله عز وجل الكفار. قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [الشعراء:119] أي: الموقر الممتلئ، وهو السفينة، فرجل واحد صنع سفينة وسعت هؤلاء المؤمنين معه، فسبحان الله! قال الله عز وجل لنوح: {احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} [هود:40] أي: احمل أهلك، واحمل المؤمنين معك، واحمل من الدواب من كل زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولا قدرة لإنسان أن يصنع ذلك إلا بأن يقدره الله سبحانه وتعالى على ذلك، فهو الذي علمه، وهو الذي أعانه سبحانه وتعالى، فصنع هذه السفينة فصارت موقرة مشحونة مملوءة بالخلق وبالدواب وغيرهم. قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} [الشعراء:119 - 120] يعني: بعدما أنجيناه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أغرقنا هؤلاء الباقين، فطفت السفينة فوق الماء، وأهلك الله عز وجل الكفار غرقاً، فكانوا أول الخلق على الأرض يعاقبون بمثل هذه العقوبة الصعبة الشديدة، وهي أن تنفجر المياه من تحتهم، وتنزل عليهم المياه من أبواب السماء {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر:11 - 13] أي: حملنا نوحاً على سفينة مصنوعة من ألواح ومسامير، فالألواح هي الخشب، والدسر: المسامير. والسياق في كل قصة يناسب السورة التي هو فيها، والفواصل التي هو فيها، فهنا قال: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر:13]، فما قال: على فلك ولا على سفينة؛ لأن الوزن والسياق والخاتمة هنا لكل آية هو حرف الراء، فذكر فيها الفاصلة المنتهية بالراء، فلما ذكر السفينة عبر عنها بـ {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} [القمر:13]؛ لتناسب باقي السياق الذي في الآيات. ثم قال الله سبحانه: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر:13 - 14] يعني: أن العادة عندما تكون هناك سفينة والأرض تنفجر تحتها ماء، ويوجد طوفان عظيم جداً فإنها تُغرق هذه السفينة، إضافة إلى أن الأمطار التي تنزل {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ} [القمر:11]، فلابد أن تغرق السفينة، ولكن الله عز وجل يخبر هنا أنه هو لذي حملها فلن تغرق هذه السفينة {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر:13 - 14] أي: بحفظنا وبحراستنا وبرعايتنا، فنحن الذين حملناها، ونحن الذين حفظناها، وهذا الجزاء جزاء لمن كان كفر، أي: من كفر بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنهم كفرو به وجحدوا بما جاء به، وهناك فرق بين كَفَر وكُفر، فكفر مبني للمجهول، فنوح عليه الصلاة والسلام قد كفروا به وكذبوه وجحدوه، فهذا الجزاء هو جزاء لهذا النبي الذي كفره قومه، وأبوا أن يستمعوا له وأن يستجيبوا لدعوته.
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قال ربنا سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:121]، وهذه آية عظيمة، فلو أن عندكم أفهاماً تفهم، وعقولاً تستجيب، وقلوباً تطيع رب العالمين سبحانه لكفتكم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:121 - 122]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:121]، وهذه التذكرة هي للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه، وهي أن الأكثرين من أهل الأرض على ضلال، وأن الأقلين هم المؤمنون، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:121]. وهذه السورة سورة مكية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة والذين استجابوا له مائة من الناس تقريباً، وما زادوا على ذلك، فعندما ينظر إلى الكفار وهم ألوف والذين استجابوا له ليسوا إلا عشرات قد يحزن عليه الصلاة والسلام، فيقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:121] أي: بل كان أكثرهم من الكفار، فلا تنظر إلى الكثرة ولكن انظر إلى نصر الله سبحانه العظيم، فهو الذي نصر الضعفاء، وهو الذي مكن لهم بعد ذلك، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:122]. فذكر كلمة (ربك) التي تعني: الربوبية؛ لأن المقام مقام ربوبية، فالفعال لما يريد هو الرب سبحانه وتعالى، والمعز لمن يشاء والمذل لمن يشاء من العبيد هو الرب سبحانه وتعالى، فيذكر تعالى أن جنابه ممتنع، ولا يقدر أحد أن يمانع أو أن يرفض ما يأمر الله عز وجل به، فيأتي أمر الله على هؤلاء كما يريد الله، فقد أمر الأرض أن تنفجر عيوناً فانفجرت عيوناً، وأمر السماء أن تنزل أمطاراً فانفتحت أبواب السماء بماء منهمر، فأغرق الكفار وأنجى المؤمنين الأبرار. ثم قال سبحانه وتعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود:44]. وأمر الله سبحانه للشيء إنما هو كن فيكون، {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود:44] فنسب الماء إلى الأرض؛ لأن الأرض في باطنها ماء خلقه الله عز وجل، ففيها المياه الجوفية التي كان الناس لا يعرفون عنها شيئاً، فإذا بهم يعرفون الآن أن المياه الجوفية عظيمة جداً، وأن الأرض ممتلئة بالمياه الجوفية، فيأتي رزق الله عز وجل للعباد من الأرض ومن السماء، إذ ينزل لهم ماء من السماء، ويخرج لهم عيوناً من باطن الأرض. قال تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} [هود:44] يعني: ما خرج منك من ماء فابلعيه، {وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود:44] أي: لا تنزلي ماء بعد ذلك، {وَقُضِيَ الأَمْرُ} [هود:44]، فاستوت السفينة على جبل الجودي، وهو كما قالوا: جبل في تركيا اسمه جبل الجودي، وهم الآن يبحثون حول هذا الجبل عن سفينة نوح على نبينا وعليه الصلاة السلام، وجعلوا هذا المكان مزاراً للآثار، فالله أعلم. فالله سبحانه ذكر أنها استوت على هذا الجبل، واسمه جبل الجودي {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود:44] أي: هلاكاً وسحقاً لكل قوم يكذبون رسل الله سبحانه، وفي هذه الآيات العظيمة كان قبلها الآيات في إنجاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإغراق فرعون وجنوده ما يبهر الألباب من عظمة قدرة الله تعالى، وفي قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأن الله أنجاه من النار فخرج وترك قومه وهاجر إلى بلاد الشام يدعو إلى ربه، فنصره ربه سبحانه بالحجة والبيان، كل ذلك يجعل المؤمن يثق بوعد الله ونصره، وهنا ذكر نوحاً وقومه، ثم يذكر بعد ذلك قصة عاد وقصة هود مع قومه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [123 - 140]
تفسير سورة الشعراء [123 - 140] يذكر القرآن الكريم قصص الأمم السابقة للعبرة والعظة، وما من أمة إلا وقد جاءها نذير من الله عز وجل يذكرهم بنعم الله سبحانه، ويدعوهم إلى عبادته وحده، وكم من أمم بطرت معيشتها وكفرت بأنعم الله فأذاقها الله العذاب من حيث لا يشعرون، ومن هؤلاء قوم عاد.
تفسير قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين فاتقوا الله وأطيعون)
تفسير قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين فاتقوا الله وأطيعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:123 - 140].
تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع المرسلين
تكذيب رسول واحد تكذيبٌ لجميع المرسلين هذه قصة أخرى من القصص العظيمة التي يذكرها لنا ربنا سبحانه وتعالى في سورة الشعراء بالسياق نفسه الذي ساقه قبل ذلك، {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، فذكر أن قوم عاد كذبوا المرسلين، مع أن رسولهم كان رسولاً واحداً، فقال الله عز وجل: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123]؛ لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، فكل رسل الله عليهم الصلاة والسلام دعوتهم واحدة، فهم يدعون إلى عبادة الله، قال تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:61]، فهم يدعون أقوامهم إلى توحيد الله، وإلى دين رب العالمين، فمن كذب واحداً منهم فيما يأمر من توحيد الله فقد كذب جميع رسل الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ} [الشعراء:123]، ذكر الله سبحانه هذه القبيلة، وذكر ثمود وذكر قبل ذلك قوم نوح، وذكر إبراهيم، والعرب يعرفون تماماً من هؤلاء، وذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكرر ذلك في القرآن في مواطن كثيرة، وأهل الكتاب يعرفون ذلك تماماً، فالله سبحانه خاطب الجميع بأنه أرسل رسلاً يعرفهم العرب ويعرفهم أهل الكتاب، فموسى عرفه أهل الكتاب، وأخبر الله عز وجل عن أشياء تفصيلية في قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا يعرفها إلا من قرأ التوراة، واطلع على كتب أهل الكتاب، وكانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ولم يقرأ كتاباً قط، ولم يكتب صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج خارج مكة ليتعلم من أحد وإنما خروجه كان في تجارات ورحلات معلومة معدودة، فإن بعض أهل مكة خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الرحلات كان معه عمه أبو طالب، والكل يعرفون أين يتوجه النبي صلى الله عليه وسلم في تجارته، وكيف يرجع، وهو لم يقابل أهل الكتاب ويجلس معهم ليستمع منهم مثلاً، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فحين يجدون تفصيلات عجيبة في هذا القرآن عن ذكر الأنبياء السابقين لا يعرفها إلا من اطلع على الكتب السابقة فإن ذلك يدل على أنه يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه من عند رب العالمين. فقوم عاد كانوا في جنوب الحجاز بين الحجاز واليمن، وقوم ثمود كانوا في شمال الحجاز بين الحجاز وبين الشام، فقد كان لقريش رحلتان، قال تعالى: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} [قريش:1 - 2]، فكانت لهم رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، فيتوجهون إلى الشام ويتوجهون إلى اليمن في رحلتين تتكرران دائماً، فإذا ذهبوا إلى الشام مروا على ديار ثمود، وكانوا يعرفون وعرفوا أن قوم ثمود كانوا هنا، وهنا أهلكهم الله، وحجر ثمود معروف، وإذا ذهبوا إلى اليمن مروا على ديار عاد، وعرفوا أن ديار عاد كانت هنا، وأهلكهم الله عز وجل في هذا الموطن، ويعرفون أن في هذا البلد الأمين الذي هم فيه كان إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان ابنه إسماعيل كذلك، وقد دعاهم إبراهيم ودعاهم ابنه إسماعيل إلى توحيد الله سبحانه فإذا بهم يعبدون أصناماً من دون الله، وقد رأوا ما حاق بالأمم من قبلهم، فهؤلاء قوم عاد أهلهكم الله في هذا المكان الذي عرفتم، وهؤلاء قوم ثمود أهلكهم الله عز وجل في هذا المكان الذي عرفتم. يقول سبحانه: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ} [الشعراء:123 - 124] أي: كذبوا لما قال لهم أخوهم ورسولهم هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:124]، فيخاطب قومه: ألا تتقون الله سبحانه وتعالى فتوحدونه وتؤمنون به وتعبدونه وتطيعونني فيما جئتكم به من وحي من عند رب العالمين؟ {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:125]، فهو رسول يدعوهم إلى الله، ويدعوهم إلى التوحيد وإلى شرع رب العالمين سبحانه، فقال: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:125] يعني: مؤتمن من عند رب العالمين على هذه الرسالة، وقد عرفتم أنتم أمانتي، فما من رسول يبعثه الله عز وجل إلى قومه إلا وهم يعرفون سلفاً أنه أمين، وأنه لا يكذب، وأنه لا يقع في الفواحش ولا في الذنوب، فالرسل عليهم الصلاة والسلام يذكرون أقوامهم بقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:125] أي: قد عرفتم أمانتي، فإذا لم أكن قد خنتكم قط قبل ذلك فكيف أخون الله رب العالمين سبحانه وأبلغ شيئاً لم يقله؟ وإذا لم أكن كذبت عليكم يوماً من الأيام فكيف أكذب على الله سبحانه؟! قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:126]، دعاهم ليتقوا الله، وحثهم على ذلك، وأمرهم بذلك: اتقوا الله وأطيعون، وهذه كسابقتها قراءة الجمهور: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:126]، وقراءة يعقوب وصلاً ووقفاً: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي).
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) قال تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127] أي: لا أسأل أحداً من الناس أجراً ولكن: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127]، و (إن) هنا بمعنى: (ما)، و (ما) و (إلا) من أدوات القصر، فإذا قيل: ما في الدار إلا فلان فمعناه: ليس في الدار أحدٌ إلا فلان، فإذا قال: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127] يعني: لا أنتظر أبداً أجراً من أحد من الخلق، وإنما أنتظر الأجر من الخالق سبحانه وحده لا شريك له، {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127]، وهذه كسابقتها أيضاً فيها قراءتان، فهذه القراءة {إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:127] هي قراءة نافع وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم، وأما باقي القراء: شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب فيقرءون: (إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ)، إذاً: تقرأ بالفتح وبالسكون.
تفسير قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون)
تفسير قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) لقد ذكر الله عز وجل عاداً فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} [الفجر:6 - 8]، فقوله تعالى: {إِرَمَ} [الفجر:7] هو جدهم، فعاد إرم هم أحفاد إرم، فالقبيلة أبوهم عاد وأبو عاد إرم وأبوه سام وأبوه نوح، فهو عاد بن إرم بن سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهؤلاء القوم يذكرهم نبيهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو أخوهم هود، وليس شرطاً أن يكون له أخوات من هؤلاء، ولكنه ابن من أبناء القبيلة يشترك مع هذه القبيلة في جدهم الذي هو سام بن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فيخبر ربنا سبحانه هنا أن هوداً قال لقومه: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء:128]، الريع: هو المنطقة المرتفعة أو الطريق الممتد، فهؤلاء كأنهم لفراغ أوقاتهم يلعبون ويبنون آية، والآية: هي البرج العالي الذي يكون للملك، فيطلع منه على الناس، أو أبراج يربي فيها الحمام ويلعب به، أو أبراج لمراقبة الناس حتى إذا مروا من عندها أخذوا من المارين خراجاً أو مالاً، فقال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ} [الشعراء:128] الريع: هو المكان المرتفع من الأرض هذا قول، أو الطريق الواسع وهذا قول آخر، أو أنه الفج الذي بين الجبلين، أو الثنية، يعني: المرتفع الصغير من الأرض، أو المنظرة. وذكر الله سبحانه تعالى أن هؤلاء القوم كانوا جبارين، وكانوا يبطشون بطشاً شديداً بلا رحمة، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ} [الفجر:6] أي: الرؤية البصرية، والرؤية هنا: هي الاطلاع عن طريق ما أخبر الله عز وجل في كتابه، يعني: ألم تعلم مستيقناً كأنك ترى ذلك، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر:6] إشارة إلى قوتهم والتعجب مما فُعِلَ بهم، وقوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر:7] أي: أولاد إرم ذات العماد، فقد كانت بيوتهم عالية جداً، ولها أعمدة عالية؛ لأن أجسامهم كانت عظيمة، وكانوا طوالاً وعراضاً، فاغتروا بقوتهم وأجسامهم حتى إنهم كانوا يبطشون بغيرهم من الخلق بتجبر وعتو، فالواحد منهم يضرب ويقتل غيره من غير سبب ومن غير ذنب، فيقول لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء:128] يعني: ليس لكم حاجة في بنائها، إنما هي زيادة في اللعب والعبث في ذلك، فإذا مر قوم من غير البلاد يضربونهم ويقتلونهم، ويأخذون أموالهم ويخيفون من حولهم.
تفسير قوله تعالى: (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)
تفسير قوله تعالى: (وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون) قال الله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129]، إذاً: بناؤهم ليسوا هم في حاجة إليه، وإنما للفخر وإظهار الجبروت على غيرهم، فالله يملي لهم ويقول: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]، فأملى لعاد، وذهب إليهم رسولهم عليه الصلاة والسلام هود يدعوهم إلى الله سبحانه ويقول لهم: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129]، والمصانع لها معانٍ وكلها مقصودة هنا، فمن معاني المصانع: الحصون المشيدة، أي: يبنون حصوناً ويشيدونها، ظناً منهم أنهم سيخلدون بهذه المصانع، ومن معاني المصانع أيضاً: القصور المشيدة، أي: تتخذون حصوناً وقصوراً، وقالوا أيضاً: من معاني المصانع: أماكن جمع الماء، أي: يحفرون في الأرض آباراً عظيمة للمياه، فالله عز وجل يخبر أنهم يفعلون هذه الأشياء وكأنهم سيخلدون إلى الأبد. فقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129] أي: ترجون بذلك الخلود والعيش دهوراً طويلة، ومن الحماقة التي نسمع عنها في هذا العصر الحديث هو محاولة بعض الجهلة المغفلين إطالة عمر الإنسان، ويجرون في ذلك أبحاثاً ويزعمون أنهم قد وصلوا في بحثهم إلى الشيء الذي يطيل عمر الإنسان أو يقصره، ونسوا أن الله هو الذي كتب على العباد أن آجال الأمة من كذا إلى كذا، ومستحيل أن تزيد هذه الآجال التي حددها الله عز وجل، ففي العصور القديمة مد الله لهم في أعمارهم، وجاءت هذه الأمة فجعل الله أعمارها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين) يعني: غالب أعمار هذه الأمة على ذلك ما بين الستين إلى السبعين، والقليلون من يجاوزن ذلك إلى المائة أو إلى المائة والعشرين، وقوم عاد اتخذوا هذه المصانع يرجون بها الخلود، فيقول لهم نبيهم: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ} [الشعراء:129] مؤملين أن تخلدوا ولا تموتوا أبداً، وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} [الشعراء:129] أي: كأنكم تخلدون، وهذا استفهام توبيخي، يعني: تريدون أن تخلدوا، ولن يكون ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)
تفسير قوله تعالى: (وإذا بطشتم بطشتم جبارين) قال تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:130]، هذه مصيبة أخرى من مصائبهم، فقد كانوا كفاراً فدعاهم هود إلى الله سبحانه وتعالى، وكانوا أهل لهو وعبث فدعاهم إلى ربهم سبحانه أن يتوبوا ويتركوا هذا اللهو والعبث، ويأتوا لعبادة رب العالمين سبحانه وتعالى، ومن مصائبهم أن بطشهم كان شديداً، وأصل البطش: الإمساك، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصعقة التي تكون يوم القيامة يقول: (يصعق الناس فأكون أول من يفيق -صلوات الله وسلامه عليه- فإذا بموسى عليه الصلاة والسلام باطش بساق العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم لم تصبه هذه الصاعقة)، فلا يدري النبي صلى الله عليه وسلم هل موسى قام قبله صلى الله عليه وسلم أم هو ليس ممن صعقوا في هذه الصاعقة، ومعنى باطش: أي بساق العرش. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه في عبده المؤمن: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها -أي: يمسك بها-، ورجله التي يمشي بها). فالله عز وجل إذا أحب العبد كان له سمعه الذي يسمع به، يعني: لا يسمع إلا ما يرضي ربه سبحانه، وكان الله عز وجل معيناً لهذا الإنسان في بصره، فهو يراقب الله سبحانه وتعالى، ولا ينظر إلا إلى ما أحل الله، ولا ينظر إلى ما حرم الله سبحانه، (ويده التي يبطش بها) كقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال:17]. فالإنسان يمسك بعدوه والله يعينه ويمكنه منه سبحانه وتعالى، فهذا هو البطش. يقول تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ} [الشعراء:130] أي: أخذتم عدوكم، {بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:130] أي: أمسكتم إمساكاً فيه الموت، يضرب الضربة يقتل بها غيره، فقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:130] أي: سطوتم بعنف على غيركم من الناس فبطشتم بهم وقتلتموهم، فالبطش من معانيه: القتل، فيقتلون غيرهم من غير جريمة، أو على شيء لا يستحق معه أن يقتل، فقالوا: هو القتل على الغضب من غير تثبت، بل بمجرد أن يغيظه يضربه ويقتله، فهذا بطش الجبارين الذين نهانا ربنا سبحانه وتعالى عن مثله، وأمر عباده أن يزينوا أمرهم بالحلم، فلا يكونون متسرعين مندفعين متهورين، ولذلك قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] ولكن الله أعطاه الرقة صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن فظاً ولا غليظاً ولا صخاباً في الأسواق عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {جَبَّارِينَ} [الشعراء:130] الجبار يأتي بمعانٍ، فالله الجبار القوي سبحانه وتعالى، فأخذه شديد، والجبار يأتي من الجبر، والجبر: الإصلاح، فالله يجبر ما يفسد وينكسر من خلقه، فهو يجبر خلقه سبحانه وتعالى، فإذا انكسر إنسان أقامه الله سبحانه ورأف ولطف به سبحانه وتعالى. وأما هؤلاء فجبارون بمعنى: أنهم قساة عتاة يضربون فيقتلون، فقالوا: الجبار من الناس هو القتّال في غير حق، يعني: يقتل من غير وجه حق، قالوا: وكذلك قوله سبحانه: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ} [القصص:19]، يقولها لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما أراد أن يبطش بالذي هو عدو له، فموسى أراد أن يمسك هذا العدو ويضربه فقال: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا} [القصص:19] أي: تريد أن تقتل الناس من غير وجه حق. ومن معانيها أيضاً: الجبار: المتسلط العاتي على غيره، ومنها قول الله عز وجل: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} [ق:45]، فليس جبار صلوات الله وسلامه عليه ولكنه {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128].
تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون وجنات وعيون)
تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون وجنات وعيون) قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:131]، فكررها مرة ثانية، فقد ذكرها في البداية وكررها مرة ثانية هنا، فانظروا إلى قوله: {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:124]، فحثهم على تقوى الله سبحانه وتعالى بأسلوب فيه لطف، ثم أمر: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:131]، ثم بين أنه لا يطلب منهم أجرة في الدنيا وإنما الأجر على رب العالمين، ثم بين لهم الذنوب التي يستحقون بها عقوبة رب العالمين، ثم أمرهم مرة ثالثة بتقوى الله سبحانه، فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:131]، ثم أمرهم مرة رابعة: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء:132]. فهذه أربع مرات يحثهم ويأمرهم بتقوى الله سبحانه وتعالى. وتقوى الله: أن تجعل حجاباً بينك وبين عقوبة رب العالمين سبحانه، فلا تقع في المعاصي، بل تجعل الطاعات لك رحمة يوم القيامة تنجيك من غضب الله سبحانه، فأمرهم وحثهم على أن يتقوا غضب الله عليهم، فهم جبارون ولكن الله إذا أخذهم فأخذه شديد أليم. وأمرهم هود عليه السلام فقال: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء:132]، ففي الأمر الأول ذكرهم بذنوبهم، ثم ذكرهم بنعم الله سبحانه، فهل هذه هي المكافأة التي تكافئون بها ربكم سبحانه أن أعطاكم هذه النعم فتكونون جبارين مع الخلق، ولا تراعون في الناس إلاً ولا ذمة؟! فقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء:132] أي: اتقوا الله الذي أعطاكم ما تعرفونه أكثر من غيركم. ثم قال تعالى: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} [الشعراء:133] عطاء من الله سبحانه، و {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:134]، إذاً: فقد أعطاكم الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وسخرها لكم، وأعطاكم البنين. والجنات: هي البساتين العظيمة والكثيرة الممتلئة بالثمار، والعرب يمرون على هذه الأماكن فلا يجدون فيها بساتين ولا ثماراً، فقد كانت في يوم من الأيام فيها البساتين وفيها الثمار كما ذكر الله عز وجل لنا هنا، وسترجع مرة أخرى هذه البساتين والثمار في هذه الأماكن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ستعود بلاد العرب مروجاً وأنهاراً)، فقوله صلى الله عليه وسلم: (ستعود) معناها: كانت موجودة قبل ذلك وسترجع مرة ثانية، والعلماء الذين نظروا إلى كتاب الله قالوا: فعلاً في يوم من الأيام كانت هذه الأرض فيها البساتين وفيها الأنهار وفيها الثمار، وقد عرف ذلك خبراء الجيولوجيا وعلم الأرض عن طريق الحفريات، وهؤلاء العلماء أنفسهم يقولون: إنها سترجع مرة ثانية في هذه الأماكن، فستجري العيون والأنهار وسترجع فيها الثمار. وقال تعالى: {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:134] كلمة عيون في القرآن كله تقرأ بضم العين وبكسر العين: عُيون وعِيون، مثل جُيوب وجِيوب، بُيوت وبِيوت، فـ ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي يقرءون: ((وَعِيُونٍ))، وباقي القراء ومنهم حفص عن عاصم يقرءون: {وَعُيُونٍ} [الشعراء:134]. قال تعالى: {وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:134] أي: عيون مياه، والجنات: البساتين.
تفسير قوله تعالى: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وما نحن بمعذبين)
تفسير قوله تعالى: (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وما نحن بمعذبين) قال تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:135]، أي: إذا قابلتم هذه النعمة بكفركم بربكم سبحانه، فإذا كان قد أعطاكم النعم فإذا بكم تتفرغون للهو وللعبث، فانتظروا عقوبة رب العالمين سبحانه، وهذا الكلام ليس لهم وحدهم، بل هو لكل إنسان يعتبر بذلك، فالقرآن تذكرة، والله يقول: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى:9]، ويقول: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات:55]، فالمؤمن حين يقرأ مثل هذه القصة بقيس نفسه على هؤلاء، فهؤلاء أنعم الله عز وجل عليهم، وأعطاهم النعم وجعلهم متفرغين، ففي فراغك أنت اعبد رب العالمين سبحانه، ولا تضع وقتك في اللهو والفراغ والعبث، فإن من جرائم قوم عادٍ كما قال تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء:128 - 130]، فهذه من جرائم هؤلاء القوم، فاحذر أن يكون فيك مثل جرائم هؤلاء من اللهو، والعبث، وتضييع الوقت، والبعد عن عبادة الله سبحانه، والبطش بالخلق بغير سبب أو بأتفه الأسباب، احذر من ذلك فإن الله يؤاخذ على ذلك، ويفضح صاحبه كما صنع بهؤلاء القوم. فقوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:135] أي: بسبب ذنوبكم ومعاصيكم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، أي: إني أخاف عليكم عذاب يوم القيامة، أو عذاب يوم ترون فيه من الله عز وجل الآيات عليكم، فكان جوابهم: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء:136] لن نستمع لك، فقوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا} [الشعراء:136] يعني: يستوي عندنا أن تنصح أو أن تسكت، {أَوَعَظْتَ} [الشعراء:136] أي: ذكرتنا {أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء:136]، وفي كلا الحالتين لن نستجيب لما تقول، والإنسان قد يغتر بنفسه حين يجد نفسه في صحة في عافية، ويغتر بماله ويستكبر حتى على خالقه سبحانه وتعالى، وينسى أن الذي خلقه من تراب وخلقه من نطفة مذرة، وأخرجه ضعيفاً إلى هذه الحياة وصيره قوياً، سيرده مرة ثانية إلى الضعف وإلى التراب، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم:54]. فلا تغتر بقوتك فإن بعد القوة ضعفاً، ولا تغتر بغناك فإن بعد الغنى فقراً، ولا تغتر بأن الله مكنك فإنه سيسلب منك ما أعطاك، فقد أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه، فهؤلاء القوم ل تنفعهم النصيحة ولم تردعهم الموعظة. وقالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] أي: أن هذه الأخلاق التي أنت عليها هي نفس الأكاذيب في الزمان الماضي، فقوله تعالى: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] أي: أن الناس السابقين من قبلك قالوا كذا وماتوا كلهم، ولم يبعث أحد منهم، {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137]، فقراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وخلف: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137]، وباقي القراء يقرءونها: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الأَوَّلِينَ). ويحتمل في قوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] أنه من كلام رب العالمين سبحانه فكأنه يعقب على ما قالوه، أي: هذه عادة الأولين، فالأقوام المكذبون من قبل عادتهم أنهم يكذبون الرسل ويقولون مثل هذا الكلام، فتكون كلمة {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] بمعنى: عادة الأولين، ويكون هذا من كلام رب العالمين، أو أنه من كلامهم هم يقولون: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] أي: أن أخلاقك والكلام الذي أنت تقوله هو مثل حال الذين من قبلك، فلم يُنْتفع بكلامهم، فأنت مثلهم. فقوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:137] الخلق: من الاختلاق وهو الكذب، أي: إن هذا إلا افتراء الأولين، فأنت مثل الكذابين الذين من قبلك، فتأتي كلمة خلق بمعنى: افتراء وكذب، فيكون من كلام هؤلاء، إذ يكذبون رسولهم الكريم عليه الصلاة والسلام ويقولون: أنت كذاب مفتر كما افترى الذين من قبلك. قال تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الشعراء:138] فقد جزموا بذلك فقالوا: ليس هناك عذاب، وهذا افتراء على الله الكذب، فالكافر يكذب ولا يهتم لكذبه، فيقولون: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الشعراء:138] فالكافر بطبيعته يكذب على الله ويكذب على الخلق.
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأهلكناهم لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأهلكناهم لهو العزيز الرحيم) قال الله سبحانه: {فَكَذَّبُوهُ} [الشعراء:139]، والنتيجة: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء:139]. فقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} [الشعراء:139] أي: أهلكناهم هلاكاً عظيماً صعباً شديداً ما كانوا يتوقعون مثله أبداً، إذْ منع الله عنهم المطر سنين، فإذا بهم لا يجدون ماء وهم على كفرهم هذا، فأرسلوا وافد عاد الذي يضرب به المثل في الشؤم إلى الحرم؛ كي يدعو لهم ويستغيث لهم، فليس هناك أحدٌ يدعو في هذا المكان إلا أعطاه الله، فذهب وافد عاد إلى هذا المكان، وقبل أن يصل إلى الحرم مرّ على ملك من الملوك فدعاه فجلس عنده ووجد طعاماً وشراباً، فنسي قومه، فذكره هذا الملك عن طريق جاريتين تغنيان بما جاء من أجله، فذهب حتى وصل إلى الحرم، فدعا وقال: اللهم اسق عاداً. فكل الكفار يعرفون أن الله هو الخالق، وأنه هو الرازق، فعندما يحتاجون شيئاً فإنهم يقولون: يا رب أعطنا، وأما العبادة فلا يعبدون الله سبحانه وتعالى، فهذا دعا ربه سبحانه وتعالى وقال: اللهم اسق عاداً، فأراه الله عز وجل ثلاث سحابات في السماء: سحابة بيضاء، وسحابة سوداء، وسحابة حمراء، فاختار السحابة السوداء، فنزلت على عاد فلما رأوها قالوا: {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ} [الأحقاف:24] سموم وريح شديدة من عند رب العالمين، بل هو عذاب أليم من عند رب العالمين، يمطر عليهم من الجحيم، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى بما ظنوه، {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف:24 - 25]. فقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف:25] فقد دمرت البلد على من فيها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وكانت أجسامهم طويلة كالنخيل فجاءتهم ريح شديدة فاقتلعتهم من الأرض كأنهم أعجاز نخل، قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر:20]، فأصبح الواحد منهم كالنخلة تقتلع من الأرض وترمى فتنزل على رأسها. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء:139]، فقد جاءهم العذاب من حيث كانوا يتوقعون الرحمة، وجاءتهم النيران من حيث كانوا يتوقعون الماء، وجاءهم بطش الله سبحانه وهم كانوا يزعمون أنهم جبارون. قال تعالى: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12]. وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]. {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ} [الشعراء:139] فهما كلمتان فقط، فكأنهم ليس لهم قيمة، فقد كذبوا فجاءهم العذاب سريعاً من عند رب العالمين. قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء:139] والآية وموطن العبرة هنا ألا تغتر ولا تعجب بنفسك، ولا تطلب ما لا تقدر عليه، وتقرب إلى الله سبحانه وتعالى تنفعك طاعتك، ولا تبتعد عن الله فإنك لا تدري متى يأتي بطشه سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:139] أي: أن الأغلبية من الناس ليسوا على الإيمان {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:140]، ختم هنا بهذا الختام الجميل الذي ختم به كل قصة من هذه القصص، فيذكر الله سبحانه أنه الرب العزيز الحكيم، وأنه الرب الفعال لما يريد سبحانه وتعالى، الخالق، الرازق، الذي يرفع والذي يضع سبحانه وتعالى، الرب الذي يشرع فيأمر وينهى سبحانه وتعالى، قال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ} [الشعراء:140] وحده لا شريك له {الْعَزِيزُ} [الشعراء:140] أي: الغالب القوي القهار الذي لا يغالب سبحانه، المنيع الجانب، فهو يقدر عليكم ولا تقدرون له على شيء، {الرَّحِيمُ} [الشعراء:140] مع قوته وجبروته سبحانه وتعالى فهو العزيز الرحيم، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:140] فيخوف عباده ثم يرجيهم ويجعلهم يؤملون فضله ورحمته سبحانه. نسأل الله من فضله ورحمته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [141 - 159]
تفسير سورة الشعراء [141 - 159] لقد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم قصص أنبيائه ورسله للعبرة والعظة، وتسلية وتثبيتاً لرسوله وللمؤمنين، ولذلك نوع الله عز وجل القصة الواحدة من سورة إلى سورة في أسلوب عرضها، وفي أسلوب سياقها، حيث كان يهدف في كل موضع إلى إبراز بعض الحكم والعبر التي لم يذكرها في غيرها، وقصة نبي الله صالح عليه السلام مع قومه إحدى هذه القصص التي كرر الله عز وجل ذكرها في بعض السور، ونوّع في أسلوب عرضها وسياقها من سورة إلى أخرى؛ لإبراز ما اشتملت عليه من حكم وعبر، لتكون زاداً للمسلم في مواجهة ما يعترض طريق دعوته إلى الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين إن أجري إلا على رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين إن أجري إلا على رب العالمين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:141 - 159]. يذكر الله عز وجل هنا في سورة الشعراء قصة ثمود التي كذبت رسولها، وأعرضت عنه وعاندته، وطلبت منه آية من الآيات، فلما حقق الله عز وجل لهم ما طلبوا كفروا وجحدوا، فانقلبت النعمة عليهم نقمة، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم ختم سبحانه القصة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:158 - 159]. وثمود هم أصحاب الحجْر، وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام، وقد كان العرب يعرفون هذا المكان جيداً، وكانوا كثيراً ما يمرون عليه في تجارتهم مع أهل الشام في رحلتهم. فهنا يقول تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:141]. وقد ذكر قبلهم عاداً بقوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123]. وعاد هم قوم هود، وثمود هم قوم صالح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوم عاد كانوا في جنوب الجزيرة، وهؤلاء في شمال الجزيرة. فقال هنا: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:141]، ومن قبل ذكرنا أن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذب كل رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه؛ لأنهم جميعاً يدعون الخلق إلى التوحيد، {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:32]، فالذي يكذب هذا الرسول فقد كذب كل من دعا إلى عبادة الله الواحد سبحانه وتعالى. ولذلك استحقوا هنا أن يوصفوا بأنهم المكذبون للمرسلين جميعهم. إي: أنه لو أرسل الله عز وجل إليهم جميع الرسل لكذبوهم؛ لأنهم يكذبون بتوحيد الله سبحانه، ويعرضون عن ذكر الله. وهذه القصة هي القصة الخامسة في هذه السورة، فقد ذكر لنا سبحانه قبل ذلك قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكر إبراهيم، ونوحاً، وذكر قصة عاد مع نبيهم هود، ثم ذكر بعدهم قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام.
معنى كلمة لا إله إلا الله
معنى كلمة لا إله إلا الله وهذه الكلمة هي نفس كلمة لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات إثبات أن الله هو المستحق للألوهية؛ فهو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، ونفي لاستحقاق هذه العبادة عن كل الآلهة سوى الله، فالمستحق للعبادة هو الإله الواحد، وأما غيره فليسوا آلهة ولا يستحقون العبادة. فيقول هنا: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73]، وذلك بقول: لا إله إلا الله التي هي نفي للألوهية الحقه عن غير الله سبحانه، وإثباتها لله عز وجل وحده لا شريك له، فقول: المؤمن: لا إله، أي: لا أعترف بأي إله إلا إله واحد، هو الله الرب سبحانه وتعالى، المستحق للعبادة. وقال سبحانه في الأعراف: {وَإِلَى ثَمُودَ} [الأعراف:73] يعني: أرسلنا إلى ثمود. {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} [الأعراف:73].
بيان أن التقوى سبب فلاح الإنسان
بيان أن التقوى سبب فلاح الإنسان قال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:141 - 142]، أي: هلا اتقيتم الله سبحانه وتعالى؟ فهو يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى ربهم بأن يتقوا غضب الله سبحانه، والتعبير بقوله: {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:142]، وبقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:144] كرر في هذه السورة مراراً، والمقصود من ذلك البيان لجميع الخلق أن من لم يتق الله فسيأتيه العذاب كما جاء هؤلاء المكذبين، وأن من يتق الله فإن الله سبحانه سينجيه كما نجا المرسلين، فقد نجا سبحانه موسى وبني إسرائيل معه، ونجا سبحانه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ونجا سبحانه نوحاً ومن كان معه من المؤمنين، ونجا هوداً من قومه المكذبين، وهنا يرينا كيف نجا صالحاً من هؤلاء المجرمين. فقال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ} [الشعراء:142]، وهو أخ لهم في النسب، {أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:142] أي: الله سبحانه، {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:143] أي: جئتكم برسالة من عند رب العالمين، وأنا مؤتمن على هذه الرسالة، وأنا أمين أمامكم تعرفون صفاتي، وتعرفون أنني لم أكذب قبل ذلك، ولم أخن شيئاً، فكيف أخون الآن في هذه الرسالة، وأكذب على الله سبحانه وتعالى؟! {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:144] أي: اتقوا الله فيما تأتون من شرك وكفر ومعاصٍ لله سبحانه وتعالى.
تنزه الأنبياء عن سؤال الأجر على تبليغ الرسالة
تنزه الأنبياء عن سؤال الأجر على تبليغ الرسالة قال تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الشعراء:145] وهذا هو نفس كلام المرسلين عليهم الصلاة والسلام فكلهم يقولون ذلك، ولا يطلب أحد منهم أجراً، ولو أن رسولاً من رسل الله عز وجل طلب من الناس أجراً لكان هذا أدعى لتكذيبه؛ لأن من فعل شيئاً يتعبد الله به فلا يصح له أن يطلب أجرة من الخلق عليه، لأن من طلب الأجرة من الناس تحكم فيه الناس، فقالوا له: نقبل هذا ولا نقبل ذاك، ولذلك كرم الله عز وجل المرسلين وشرفهم وجعل أجرهم عليه وحده لا شريك له، وعلمهم الصناعة والحرفة، ليكفوا أنفسهم، فكان منهم من يصنع الحديد، ومنهم من كان نجاراً، ومنهم من كان يرعى الغنم، وما من رسول بعثه الله عز وجل إلا ورعى الغنم؛ ليصبر على الناس، كما رعاها نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فهنا يقول صالح لقومه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:144 - 145]، وقوله: {إِنْ أَجْرِيَ} [الشعراء:145] فيها قراءتان: (إن أجرِيْ)، و (إن أجريَ إلا على رب العالمين)، فأجره على الرب سبحانه، ومن صفات ربوبيته سبحانه أنه الذي يعطي، وأنه الذي يمنع سبحانه، وأنه الرازق الذي يرزق سبحانه، فهنا يقول صالح: أجري ورزقي على الرب سبحانه الذي يملك ذلك: {إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:145].
تناسب آيات وقصص القرآن مع السور المذكورة فيها
تناسب آيات وقصص القرآن مع السور المذكورة فيها وسياق هذه الآيات في هذه القصة مناسب ومتوافق مع السورة جميعها، فإن آيات السورة كلها مئتان وسبع وعشرون آية، وهي آيات قصيرة، وهذه الآيات تختم بهذه الفاصلة الياء والنون، أو الواو والنون في الغالب فيها. وقد كرر القرآن هذه القصة في مواضع، وفي كل موضع يذكر شيئاً تستفيد منه حكماً من الأحكام وعلماً من العلوم، وتجد في كل موضع المجانسة بين القصة وبين السياق القرآني واضحاً، فتجد هنا آيات قصيرة مناسبة لسياق القرآن في هذه السورة، وتجد في سورة الأعراف القصة نفسها يذكرها الله سبحانه وتعالى بآيات طويلة، وهي مناسبة لسورة الأعراف، وكذلك في سورة هود تجد نفس الشيء، فقد تكررت هذه القصة فيها بلون آخر مناسب لسياق الآيات، وفيها أشياء زائدة، وفي الإسراء أشار إليها إشارة.
بيان الغاية من دعوة الرسل
بيان الغاية من دعوة الرسل وفي هذه السورة ذكر الله عز وجل أن نبيهم قال لهم: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:143 - 144]، وفي الأعراف ذكر الله عز وجل عنه أنه قال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73]. فهذه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كل منهم يقول لقومه: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)).
تفسير قوله تعالى: (أتتركون في ما هاهنا آمنين بيوتا فارهين)
تفسير قوله تعالى: (أتتركون في ما هاهنا آمنين بيوتاً فارهين) ثم قال: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} [الشعراء:146] أي: أأعطاكم الله عز وجل هذه النعم الكثيرة العظيمة ويترككم آمنين حتى تكفروا؟! فهل أعطاكم كل هذه النعم حتى تكفروا به، وحتى تعصوه سبحانه وتعالى؟ فقال: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ} [الشعراء:146] أي: تنتظرون الأمن والأمان وقد أعطاكم نعمه فإذا بكم تجحدون هذه النعم، وقد أرسل إليكم رسوله عليه الصلاة والسلام فإذا بكم تكذبون رسالته، وتكفرون بربكم وتشركون به؟ فهل يترككم آمنين وأنتم تصنعون ذلك؟
معنى قوله (بيوتا فارهين)
معنى قوله (بيوتاً فارهين) يقال: ناقة فارهة بمعنى: عظيمة طويلة، وإنسان فره بمعنى: حاذق نشط، فكأنه يقول لهم: أنتم تنشطون في صناعة النحت في الجبال، وتنحتون البيوت العظيمة، ولا تتوجهون للعبادة، وإنما تعبثون وتلعبون، وعن عبادة ربكم تغفلون وتتلهون. فهو هنا يذكر بأنهم فارهون بذلك، أي: حاذقون لهذه المهنة في لعبهم وعبثهم، وأنهم فرهين بمعنى: بطرين أو عابثين متجبرين. وقد جاء عن ابن عباس وغيره قال: فارهين أي: حاذقين للصناعة. وقال: فرهين بمعنى: متجبرين جبارين أيضاً. ويأتي الفره بمعنى: الشديد الشره، أو: الأشِر، أو: البطِر المغرور، يعني: أنهم مغرورون، فهم حاذقون لصناعتهم، مغترون بها.
ذكر نحت ثمود للبيوت في الجبال
ذكر نحت ثمود للبيوت في الجبال قال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:149]، وهذه من نعم الله عز وجل عليكم، فالمفترض أن تعبدوا ربكم سبحانه وتعالى. فإذا بهم بدلاً من أن يعبدوا ربهم يتفرغوا للعب واللهو ولفعل ما لا يلزمهم أن يفعلوه، فكانوا يعبثون كما كانت عاد تعبث بالبنيان العظيم الذي لا يحتاجون إليه، كما قال تعالى عنهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء:128]. وكذلك هؤلاء كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين. كما قال تعالى عنهم: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:149]، فقد كانت أعمارهم طويلة، وفراغهم كثيراً، فكانوا ينحتون في الجبال بيوتاً للزينة والزخرفة، حتى تبقى ذكرى لمن بعدهم بأنهم كانوا صناعاً، وأما أن يتركوا ذكرى للآخرة فلم يكن في حسابهم شيء من هذا؛ ولذلك قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء:149]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فرهين).
معنى الهضيم الوارد في الآية
معنى الهضيم الوارد في الآية قال تعالى: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء:148] أي: ما يطلع منها كأنه وعاء. والطلع هو: الكم الذي يخرج من النخلة، ويخرج منه الطلع في جوار النخلة، ثم يخرج من هذا الطلع الشماريخ والعذوق والقنو، وهو الذي يكون البلح والتمر والرطب وغيرها معلقاً فيه. فيقول: إن هذا الطلع في النخل هضيم، وهضيم فعيل بمعنى: مفعول، أي: أنه غاية في الجمال واللطافة، حتى كأنه يهضم لوحده ولا يحتاج لمن يهضمه، أي: أنه لطيف في أكله، فطعمه جميل ولا يتعب المعدة، فهو يهضم بسهولة عند أكله. قالوا: ومن معاني الهضيم: أنه الرطب، أو أنه نوع من أنواع الرطب، أو المتهشم المتفتت. أي: أنه سهل في مضغه، وسهل في نزوله على المعدة، فهو ينزل بلطافه وبسهولة. وأيضاً من معانيه أنه: الذي ضم بركوب بعضه بعضاً، فهو كثير، أي: متراكب بعضه على بعض. أي: أن النخلة ممتلئة بالبلح وبالرطب وبنعم الله سبحانه وتعالى. وقالوا من معانيه: اليانع النظيف. وقالوا: إنه الرخص اللطيف، أو الرخو. وكل هذه المعاني التي ذكرناها عبر الله عز وجل عنها بكلمة واحدة، وهي كلمة (هضيم)، وقد فسرها العلماء بأكثر من اثني عشر تفسيراً، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، حيث إنه يعبر باللفظ الوجيز الذي يعطي المعاني الكثيرة.
نعم الله عز وجل على ثمود
نعم الله عز وجل على ثمود وهنا في هذه السورة يذكر الله سبحانه وتعالى أن صالحاً عليه الصلاة والسلام ذكر قومه بالنعم كما ذكر هود عاداً بنعم الله سبحانه عندما قال لهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:128 - 135]، فذكرهم بالنعم. وهنا أيضاً يذكر الله عز وجل ما قاله صالح لقومه من تذكيرهم بنعم الله عز وجل عليهم، وهذا التذكير لم يذكره سبحانه إلا في هذه السورة فقط، وقد ذكرت قصة ثمود في حوالي عشرة مواضع من كتاب الله سبحانه وتعالى، فذكرها الله عز وجل في الأعراف كما قدمنا، وفي سورة هود أيضاً، وفي سورة الإسراء إشارة، وذكرها ههنا في سورة الشعراء، وذكرها في سورة النمل، وفي سورة الذاريات، وفي سورة القمر، وفي سورة الشمس وضحاها، وقد ذكر سبحانه في كل سورة من هذه السور بعض الأشياء التي ليست في غيرها. وقد ذكر هنا تذكير صالح لقومه بنعم الله عز وجل، فقال: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:146 - 147]، فقد أعطاهم الله جنات وبساتين عظيمة وعيون كما أعطى لقوم هود من قبلهم. وقوله: ((فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)) فيها قراءتان: فيقرؤها ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي: (وعِيون)، وباقي القراء يقرءون ((وَعُيُونٍ)) بالضم فيها. وقوله تعالى: {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء:148] أي: أعطاكم الحقول التي فيها الزروع والحبوب، وأعطاكم النخيل، كما قال: {وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} [الشعراء:148] أي: أكثر أموالكم من هذه النخيل، فتأكلون من ثمارها، وتبيعون وتتاجرون فيها، والطلع الذي فيها ليس كمثله شيء من الطلوع التي عند الناس، فعندكم أعظم الأشياء.
تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون ولا يصلحون)
تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون ولا يصلحون) ثم قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:150]. فهو هنا يذكرهم بالله عز وجل، ويكرر عليهم قوله: اتقوا الله سبحانه وتعالى، وأطيعوني فيما جئتكم به من عند رب العالمين.
طاعة الكبراء تؤدي إلى الضلال والزيغ
طاعة الكبراء تؤدي إلى الضلال والزيغ ثم قال: {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء:151]؛ لأن العادة أن من الناس من يقبل دعوة رب العالمين سبحانه وتعالى، ولكن يغلب عليهم طاعة السادة والكبراء الذين يوجهونهم إلى ترك عبادة الله سبحانه، فهؤلاء القوم لما تأتيهم آية من عند رب العالمين المفروض عليهم أن يؤمنوا بها، وقد كادوا يؤمنون بما جاء به رسولهم عليه الصلاة والسلام، ولكن الكبراء منهم منعوهم وصدوهم، وقالوا لهم: لقد سحركم هذا الرسول، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فهنا لما قال {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} [الشعراء:151] بين أنهم: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [الشعراء:152]، فالمفسرون: يفسدون في الأرض، ولا يؤدون الصلاة، ولكن يعبثون ويلعبون ويفسدون، فلا يصلحون حالهم ولا حال غيرهم.
تفسير قوله تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين إن كنت من الصادقين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين إن كنت من الصادقين) فلما قال ذلك قالوا له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء:153] يعني: لك سحر، وسحر الإنسان هي الرئة. يعني: أنك مخلوق مثلنا، فتلبس كما نلبس، ولك معدة وتأكل وتشرب مثلنا، بل نحن أحسن منك، فلا نسمع كلامك. {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشعراء:153 - 154] يعني: إنما أنت من المسحرين، ولست إلا بشر مثلنا، {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:154]، فهنا طلبوا الآية الحسية، ولم يكفهم أنه رسول من عند رب العالمين جاء برسالة من الله يدعوهم إليه، وإنما طلبوا آية يرونها بأعينهم.
وقوف الكبراء في وجه الدعوة
وقوف الكبراء في وجه الدعوة قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف:75]، والمستكبرون هم الكبار من القوم، وأما من آمن مع صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكانوا ضعفاء، ولم يكن كل الضعفاء مؤمنين فقال المستكبرون لهؤلاء الضعفاء المؤمنين: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعراف:75] يعني: أحق هو مرسل من ربه؟! {قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف:75 - 76]، أي: إنا بالذي أرسل به هذا الرسول عليه الصلاة والسلام والذي آمنتم أنتم به كافرون.
مجادلة قوم صالح لنبيهم عليه الصلاة والسلام
مجادلة قوم صالح لنبيهم عليه الصلاة والسلام وقد ذكر الله عز وجل هذه الآيات في سورة هود، وذكر فيها نعمه سبحانه بسياق آخر مناسب لهذه السورة، فقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود:61]. فهذه دعوة هادئة جميلة من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد قال لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ} [هود:61] أي: هو خلقكم سبحانه من هذه الأرض، فقد كنتم تراباً فأنشأكم منها وفوقها، {وَاسْتَعْمَرَكُمْ} [هود:61] أي: جعلكم تعمرون هذه الديار، {فَاسْتَغْفِرُوهُ} [هود:61] أي: عاملوا ربكم بما أنعم عليكم بأن تحسنوا عبادته، وأن تستغفروه سبحانه، كما قال: {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ} [هود:61] أي: إن ربنا العظيم سبحانه قريب منا، فإذا استغفرناه غفر لنا، وهو مجيب يستجيب الدعاء، فادعوا ربكم يستجب لكم. فكان جوابهم كما قال الله عز وجل في سورة هود: {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود:62]، فكان جوابهم جواباً لائقاً بهم وبسفاهتهم. {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود:62] يعني: لقد كنا نظنك عاقلاً، فإذا بك تقول هذا الكلام، {قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود:62] أي: أنهم كانوا قبل ذلك يصدقونه، وكان عندهم صادقاً، حتى إذا جاء بالرسالة قالوا له: ((إِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)). قال: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ} [هود:63].
تمكين الله عز وجل لثمود واستخلافهم من بعد عاد
تمكين الله عز وجل لثمود واستخلافهم من بعد عاد وقد جاء في سورة الأعراف أنه لما ذكرهم بنعم الله سبحانه قال لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف:74] يعني: أن عاداً أعطاهم الله عز وجل النعم فجحدوا وكفروا، فجاءهم العذاب، وأنتم جئتم من بعدهم، فتفكروا فيهم، فإنكم إذا كفرتم كان مالهم كمالهم، وجزاءكم كجزاءهم، فلذلك قال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ} [الأعراف:74]، بوأكم يعني: جعل لكم مبوءاً، أي: منزلاً تنزلون فيه، فقد فسح لكم في دياركم، وبوأ لكم في الأرض فتنزلون في أي مكان فيها، وهذه من نعم الله سبحانه عليكم. قال تعالى: {تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} [الأعراف:74] يعني: أعطاهم الله السهل والجبل، فلهم في السهول بيوت وقصور عظيمة، وأما الجبال فكانوا ينحتون فيها البيوت العظيمة. ولذلك قال لهم نبيهم: {فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74] أي: لا تفسدوا هذا الفساد الشديد الذي تفعلونه.
تفسير قوله تعالى: (قال هذه ناقة لها شرب وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (قال هذه ناقة لها شرب وإن ربك لهو العزيز الرحيم) ثم طلبوا منه الآية، فقالوا {فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:154]، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155]. وكانوا قد تعنتوا في طلب الآية كنوع من التشديد عليه، فقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فافلق لنا هذا الجبل أمام أعيننا، واخرج لنا منه ناقة ومعها ابنها بجوارها، فإذا فعلت ذلك آمنا بك. فلما قالوا ذلك حذرهم عليه الصلاة والسلام من عقوبة رب العالمين سبحانه، وسألهم: أإذا جاءتكم هذه الآية أتؤمنون؟ فقالوا: نؤمن. فأخذ عليهم الميثاق على أن يؤمنوا، وحذرهم بأنهم لو كفروا بالله فسيأتهم من عند الله عذاب يوم عظيم. فانتظروا الآية، ففلق الله الجبل أمام أعينهم، وخرجت منه ناقة ومعها فصيلها، فكانت آية عظيمة، فكادوا يؤمنون به، ويدخلون في دينه جميعاً، فخاف الكبراء أن يؤمن الضعفاء؛ لأنهم لن يجدوا من يتبعهم ويخدمهم ويكون معهم، فمنعوهم وصدوهم عن الإيمان برب العالمين سبحانه وتعالى. قال تعالى على لسان صالح عليه الصلاة والسلام مخبراً بخروج الناقة: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155]. وقد كان عندهم بئر من الآبار يشربون منها، فقال لهم: ومن آيات الله أن يريكم آية في هذه الناقة، وهي: أنها ستشرب من هذا البئر يوماً جميع الماء ولا تقدروا أن تشربوا منه شيئاً، وتتركه لكم اليوم الثاني، فيوم لكم ويوم لها، فلها شرب، أي: لها حظ ووِرْد في البئر يوماً كاملاً، ولكم يوم آخر فلا أحد منكم يشرب معها في هذا اليوم، فكانت تشرب الماء الذي في البئر كله في يومها، وهم يأخذون من لبنها في هذا اليوم. فاستقاموا على ذلك وإن لم يؤمنوا معه، ولم يؤمن معه إلا القلة من هؤلاء، قال تعالى مخبراً عن هذه القسمة: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:155 - 156] أي: احذروا أن تؤذوا هذه الناقة؛ لأنها آية من آيات الله سبحانه، فإذا كنتم لم تؤمنوا فاحذروا من تعجيل العقوبة بسبب منكم، فلا تؤذوا هذه الناقة فيأخذكم عذاب يوم عظيم. لكنهم اعتقدوا أنه ما دامت هذه الناقة موجودة فهي دليل على أنها آية من عند رب العالمين، ودليل على صدق هذا الرسول، فبدأ يحرض بعضهم بعضاً على عقر هذه الناقة؛ بدعوى أنها تحرمهم من الماء يوماً، فاتفقوا على قتلها، قال تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [النمل:48]. وهنا هذه القصة مذكورة في سورة النمل، وقد فصل فيها سبحانه وتعالى ما الذي حدث، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:45 - 46] أي: هلا استغفرتم الله سبحانه لعله يرحمكم، {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل:47] أي: تشاءمنا منك فأنت شؤم علينا، فكانوا ينظرون إلى أهل الدين على أنهم شؤم عليهم، ويقولون كلاماً كذباً، وهم أول من يعرف أنه كذب، ولكنهم يهرفون بما لا يعرفون، فقال لهم صالح: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47] أي: كتاب أعمالكم عند الله يحصيه عليكم، وتشاؤكم هذا من عملكم، يبتليكم الله عز وجل به يوماً من الأيام، بل أنتم قوم تفتنون. وقوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل:48] أي: تسعة من الناس يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فكان عملهم الفساد في الأرض، وذكروا أن سبب فسادهم حنقهم على صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم لبعض: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49]، فهم إضافة على كفرهم بالله سبحانه وفعلهم المعاصي الشنيعة عقروا الناقة، وأرادوا قتل نبيهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاتفقوا فيما بينهم على عقر الناقة، فعقرها منهم أحيمر ثمود الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشقى القوم. قال الله عز وجل: {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} [الشمس:12]، فكان أشقى القوم هذا الرجل: أحيمر ثمود، فقال للقوم: إني عاقر هذه الناقة، فصوبوه على ما يقول، ومنوه بأن يزوجوه امرأة من جميلاتهم، ومنته أم الفتاة بأن تزوجه بنتها إذا عقر الناقة، فرماها بسهم فعقرها، فصرخت الناقة، وهرب طفلها، ثم رجع القاتل إلى قومه بعد أن عقر الناقة.
نزول العذاب على قوم صالح
نزول العذاب على قوم صالح فلما أرادوا أن يصنعوا ذلك حذر الله عز وجل نبيه، وأمره أن يحذر القوم فإن العقاب سينزل بهم، قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ} [الشعراء:157]، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام قال لهم: انتظروا ثلاثة أيام، وترقبوا عذاب الله سبحانه وتعالى في دياركم ثلاثة أيام، وهذه آية من الله عز وجل أخرى لهؤلاء القوم، قال تعالى في سورة هود: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] أي: آية من آيات الله أن يمهلكم ثلاثة أيام، وبعد اليوم الثالث يأتيكم العذاب من عند رب العالمين. وقد ذكر البعض من المفسرين أنه قال لهم: الآية فيكم أن تجدوا ألوانكم تتغير، فتصغر وجوهكم في اليوم الأول، وتحمر في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث تسود وجوهكم، ويأتيكم العذاب من عند رب العالمين، فقالوا له: إن لم يأت ذلك لنقتلنك، فأصبحوا على ما ذكر لهم من العلامة، فأصبحوا نادمين في وقت لا ينفع فيه الندم، وقد ذكر لنا الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن الندم توبة، وأن الإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل فإن الله يتوب عليه، وهؤلاء ندموا ولم ينفعهم ذلك؛ لأنهم رأوا آية من آيات الله سبحانه، وقد كانوا قبل ذلك يكذبون بها. فأصابهم الرعب عندما تغيرت وجوههم، وجلسوا ينتظرون العذاب وهم في غاية الرعب من الله عز وجل، وفي اليوم الثالث جاءتهم الرجفة والصحية، وأهلك الله عز وجل الجميع، وجعلهم آية من الآيات، قال سبحانه في سورة هود: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود:66]، فجاءت الرحمة من عند رب العالمين لصالح وللمؤمنين، كما قال تعالى: {بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود:66] أي: لم نخزهم ولكن نجيناهم، {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود:67 - 68]. فجاءتهم صيحة من السماء، ورجفت بهم الأرض، فخروا كلهم ميتين، كما قال الله سبحانه: {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:67]، وهو مأخوذ من قولهم: جثم الطائر على الأرض، أي: سقط على الأرض. قال تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هود:68] من قولهم: غنى بالمكان، أي: أقام بالمكان. فكأنهم لم يقيموا بها، فأين ذهبت أعماركم الطويلة؟ وأين ذهبت أفعالكم التي ظننتم أنها عظيمة وجليلة؟ وأين الحصون والقصور؟ وأين الجبال؟ أين ذهب ذلك كله؟ فكأنهم لم يغنوا فيها ولم يعيشوا أبداً، فقد جاءتهم الصيحة من عند رب العالمين فهلكوا كلهم، قال الله سبحانه: {أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود:68]. وهنا في سورة الشعراء يقول سبحانه: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} [الشعراء:157 - 158] أي: بعد ثلاثة أيام من الرعب، فقد عاملهم بالتخويف الشديد الذي لا ينفع معه الندم، ثم جاءت الصيحة والرجفة فأخذهم سبحانه، قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء:158] أي: آية عظيمة من آيات رب العالمين يعتبر بها كل إنسان مؤمن يخاف من الله سبحانه، ويعلم عقوبته، ويعلم كيف ينتقم ممن عصاه، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:158]. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:159] أي: إن الله هو العزيز الغالب القاهر الذي لا يمانع أبداً سبحانه، ومهما استطال الإنسان وأملى له ربه فإنه آخذه أخذ عزيز مقتدر، ومع ذلك فهو الرحيم لمن تاب وأناب قبل أن يأتي العذاب. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تآمر ثمود على قتل صالح
تآمر ثمود على قتل صالح ثم إن هؤلاء التسعة النفر تقاسموا فيما بينهم أن يقتلوا أيضاً صالحاً مثلما قتلوا الناقة، فتقاسموا بالله أن يبيتوه، أي: يقتلوه بالليل كما قال تعالى: {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49] أي: سنقتله بالليل، وإذا سئلنا عنه في الصباح قلنا: لم نره ولم نشاهده، فيصدقنا أهله.
تفسير سورة الشعراء [160 - 175]
تفسير سورة الشعراء [160 - 175] يذكر الله سبحانه في سورة الشعراء قصة قوم لوط عليه السلام، وكيف أن الله أهلكهم لارتكابهم أفحش الفواحش، والله سبحانه يبتلي الأقوام إذا استمروا على ارتكاب الذنوب والمعاصي بأمراض وأوبئة لم تكن في أسلافهم.
تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون)
تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:160 - 175]. هذه قصة أخرى من قصص سورة الشعراء يذكر الله عز وجل فيها قوماً ممن كذبوا وأعرضوا عن ربهم سبحانه، وبدلوا نعمة الله كفراً، وأتوا الفواحش، وأفسدوا في الأرض وخانوا، فابتلاهم الله سبحانه وتعالى، ثم جاءهم العذاب، وختم هذه القصة بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:174 - 175]. إنَّ قصة قوم لوط وما صنعوه عبرة من العبر، وما فعل بهم عبرة من العبر، وينبغي على كل إنسان مؤمن أن يتأمل في هذه القصص القرآنية، فإن الله عز وجل لم يسقها كنوع من التسلية يتسلى بها الإنسان مثلاً، وإنما ساقها الله عز وجل حتى يعتبر الإنسان، قال سبحانه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2] أي: قيسوا أنفسكم على هؤلاء السابقين، فإذا فعلتم مثل فعالهم فانتظروا عقوبةً كعقوبتهم، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:174 - 175]. ذكر الله عز وجل قبل ذلك قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقصة إبراهيم، وقصة هود مع قوم عاد، وقصة صالح مع ثمود، وهذه قصة لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع قومه، قال سبحانه وتعالى هنا: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:160] وهذه كبداية كل قصة، فقد كرر ذلك مرات، قال الله تعالى في قوم عاد: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:123 - 127]، وبنفس الافتتاح افتتح به هذه القصة، كما كرر ذلك في قوم عاد وقوم ثمود وأصحاب الأيكة. قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:160 - 161]. فقوم لوط كذبوا لوطاً وهو رسول واحد، ولكن من كذب رسولاً فقد كذب كل الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن دعوة الرسل دعوة واحدة، ولوط رسول رأوه أمامهم، ونشأ بينهم، فقوم عاد أخوهم هود، وقوم ثمود أخوهم صالح، وأما لوطٌ فغريب عنهم، ولكنه جاء فعاش بينهم، فعلموا صدقه، وعرفوا حاله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فالغرض: إذا كان هذا الرسول بينهم وهم يرونه ويسمعونه، ويعرفون أنه أمين لا يخون، وأنه صادق لا يكذب، وقد دعاهم إلى الله فأعرضوا، فكيف بغيره من الرسل الذين لم يروهم، فلو أن الله عز وجل أخبرهم على ألسنة هؤلاء أن صدقوا وآمنوا فإنهم لا يؤمنون، ومن كذب رسولاً واحداً فهو حري أن يكذب الباقين، ومعلومٌ أن دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73]. ولذلك قال الله سبحانه: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:160 - 161] ومن المناسب أن يقول الله عز وجل: المرسلين، ولا يذكر الرسل مثلاً، أو يقول: كذبت قوم لوط رسولهم؛ لأن الفواصل مختومة بالياء والنون أو بالواو والنون، فختم كل آية مناسب لذلك، فتكون هذه الفاصلة كالتي قبلها والتي بعدها. قال الله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} [الشعراء:161] أي: نبيهم لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يكن منهم، بل هاجر إليهم، وهو ابن أخي إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإبراهيم الخليل أخوه اسمه هاران، وابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وتارخ أبو إبراهيم ويدعى آزر، وكان إبراهيم ولوط في العراق، وهاجر لوط مع إبراهيم من العراق إلى الشام، فذهب إبراهيم إلى مكان، واستأذن لوط عمه وذهب إلى هؤلاء القوم في قرية اسمها سدوم يدعوهم إلى دين الله سبحانه وتعالى، وعاش معهم فترة؛ ولذلك قال الله سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} [الشعراء:161]. وإن كان ليس أخاً لهم في نسبهم، ولكن في الأخوة البشرية، أو يقال: فلان أخو القبيلة، يعني: من هذه القبيلة، فهو هاجر إليهم ومكث عندهم فكأنه أخ لهم.
تفسير قوله تعالى: (إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطعيون)
تفسير قوله تعالى: (إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطعيون) قال الله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:162] أي: مؤتمن، فقد ائتمنني الله عز وجل على هذه الرسالة، وأنا عندكم لست خائناً، بل تعرفون صدقي وتعرفون أمانتي. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:163] أي: احذروا من غضب الله، واحذروا من عقوبته، واجعلوا بينكم وبين نار الله عز وجل وقاية بعمل الخير، فاعملوا أعمال الخير التي تقيكم من عذاب الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:163] هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (فاتقوا الله وأطيعوني) وقفاً ووصلاً.
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) قال الله تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:164] أي: لست أسألكم أجراً، فما أجري إلا على رب العالمين، وفيها قراءتان: (إن أجريَ) و (إن أجريْ)، فقوله تعالى: ((إِنْ أَجْرِيَ)) هذه قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وقراءة باقي القراء: (إن أجريْ إلا على رب العالمين) ومنهم من يمدها: (إن أجري إلا على رب العالمين) ومنهم من يقصر: (إن أجري إلا على رب العالمين). فالأجر على الرب سبحانه، فهو الرزاق الكريم الذي يثيب، والذي يعطي الأرزاق لعباده، وهو الرب الخالق سبحانه المدبر لأمر الكون، والمربي لخلقه وهو رب العالمين، أي: العالم العلوي والعالم السفلي، فالله عز وجل رب كل شيء سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين بل أنتم قوم عادون)
تفسير قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين بل أنتم قوم عادون) قال الله تعالى: {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:164 - 165]، فهو يبكتهم على مصائبهم وعلى ذنوبهم فيقول: ما الذي تصنعونه؟ ولم يفعل هذه الفاحشة قبل قوم لوط أحد، فأول من فعلها هم هؤلاء المعلونون، وسنوها لمن بعدهم، فكانت سنتهم القبيحة لعنة الله عليهم وعلى أشباههم، قال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:165 - 166] فكانوا لا يتزوجون النساء، بل كانوا يسافحون الرجال، وينكحون الذكران من العالمين، فقوله تعالى: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ} [الشعراء:166] أي: خلق ذكوراً وخلق إناثاً، وجعل الذكر يتزوج الأنثى، فكيف قلبتم الوضع؟ وكيف بدلتم نعمة الله عز وجل عليكم بهذا الكفران المبين الذي تصنعونه؟ فهل يعقل هذا الذي تفعلونه؟ وهل أنتم قوم تعقلون؟ قال تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:166] أي: بل أنتم قوم تتعدون الحلال إلى الحرام، ومن تعدى الحلال إلى الحرام فلا ينتظر من الله عز وجل إلا العذاب الأليم، قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء:166] أي: متجاوزون للحد، واقعون فيما حرم الله، فانتظروا العقوبة من الله.
تفسير قوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)
تفسير قوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين) قال الله سبحانه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء:167] وهذا تهديد منهم، فهم كثرة وهو واحد وليس له أبناء من الذكور عليه الصلاة والسلام، فليس معه إلا امرأته وكانت كافرة، وليس معه إلا ابنتان فقط، فهنا يظهر منطق القوة، فإما أن تسكت وإلا سنخرجك من المدينة، وهذا دائماً منطق كلام أهل السفاهة، لا ينظرون إلى العقل، ولا ينظرون إلى الدين، ولا يخافون رب العالمين، إنما جوابهم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [الشعراء:167] أي: سنطردك خارج هذه البلدة.
تفسير قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين)
تفسير قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين) قال لوط عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء:168]، قلى الشيء بمعنى: كره الشيء، فقوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3] يعني: ما كرهك وما أبغضك، فهنا: إني لعملكم من المبغضين، وإني أكره أعمالكم هذه التي تصنعونها. فقوله: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء:168] لم يجاملهم فيما هم فيه، ولكن تهددهم بعقوبة رب العالمين سبحانه وتعالى، وأظهر لهم البغضاء للعمل الذي هم عليه.
تفسير قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعلمون إلا عجوزا في الغابرين)
تفسير قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعلمون إلا عجوزاً في الغابرين) ثم دعا ربه سبحانه: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ} [الشعراء:169] فذكر الله عز وجل هنا اختصاراً: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:170] ولم يذكر كيف أنجاه الله عز وجل؟ وقد فصل الله ذلك في غيرها من السور، فقد تكررت قصة لوط بتفصيل في حوالي تسع سور من كتاب رب العالمين سبحانه، فيذكر فيها لوطاً ودعوته قومه إليه سبحانه وتعالى، وأنهم كذبوه، فذكر في الأعراف شيئاً، وذكر في سورة هود أيضاً شيئاً من ذلك، وفي الشعراء، وفي العنكبوت، وغيرها من السور. فهنا لما دعا ربه سبحانه قال الله عز وجل: {فَنَجَّيْنَاهُ} الفاء: تفيد الترتيب والتعقيب، يعني: مباشرة نجيناه من ذلك، وجاءت عقوبة الله سريعة حتى وإن كانت في نظر أنها بطيئة؛ لأنها بمجرد ما نزلت وحدثت يقول الإنسان: أين هؤلاء؟ أين ذهبوا؟ فقد أخذهم الله سبحانه أخذاً سريعاً، وقد يكون هو المستبطئ للعقوبة قبل ذلك، فلوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام كأنه قد استبطأ العقوبة، فقال له الرسل عليهم السلام: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81] فقد كان لوط في غاية الحزن والضيق، وكان يريد أن يقع عليهم العذاب بسرعة فإذا بالرسل يطمئنونه ويقولون: ((إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ)) أي: اصبر حتى الصبح وسيأتي العذاب من عند رب العالمين سبحانه. وفي سورة هود يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود:77] فهنا ذكر التفصيل للإهلاك، وأما في الشعراء، فقال الله عز وجل: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ} [الشعراء:169 - 170] ولكن كيف نجاه الله عز وجل؟ اختصر ذلك في هذه السورة، والفواصل في هذه السورة قصيرة، والآيات كثيرة وعددها مائتان وسبع وعشرون آية على عد، أو مائتان وست وعشرون آية على عد آخر، فالسورة طويلة، لكن فواصلها قصيرة، فالمناسب هنا أن يختصر فيها، وخاصة مع تكرار ذكر الأنبياء على وجه الاختصار، وكيف أن الله عز وجل أهلك أممهم لما كذبوا وأعرضوا. فهنا دعا ربه سبحانه: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} [الشعراء:169 - 171]. وفي سورة هود يقول الله سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود:77]. وفي سورة الحجر يقول الله سبحانه: {فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الحجر:61 - 64]. إذاً: ذكر الله عز وجل أن هناك رسلاً قد جاءوا إلى لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم ملائكة من عند رب العالمين سبحانه، وقبل أن يذهبوا إلى لوط عليه الصلاة والسلام ذهبوا إلى إبراهيم الخليل، فقد كان إبراهيم في الشام ولوط في مكان آخر، وكان الرسل ثلاثة ملائكة في هيئة البشر حسان الوجوه، فلما رآهم إبراهيم دعاهم فهو أبو الضيفان عليه الصلاة والسلام، وسبق إلى بيته وجاء بعجل حنيذ، أي: مشوي بالحجارة، فهذا لثلاثة من الضيفان، وقدم إليهم الطعام وقال لهم: {أَلا تَأْكُلُونَ} [الذاريات:27]. قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} [هود:70] فكونك تدعو إنساناً إلى طعام وتحط الطعام أمامه وهو غريب ثم بعد ذلك لا يرضى أن يمد يده، فإنك تتوجس خوفاً منه؛ لأنه قد يكون عدواً أو ينوي شراً، وكان العرب إذا صادقوا أحداً أكلوا معه، وإذا عادوا إنساناً لا يأكلون معه؛ ليظهروا أنه ليس هناك بينهم وبينه مودة. فالرسل أبوا أن يأكلوا، فإذا بإبراهيم يتوجس في نفسه خيفة، فطمأنوه، قال تعالى: {قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود:70] أي: نحن ذاهبون إلى قوم لوط، فاستبان له الأمر أنهم رسل من عند رب العالمين في هيئة بشر. قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ} [هود:71] أي: امرأة إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام سارة قائمة، وقد جاوزت الثمانين من عمرها، وقد بشرها الرسل بإسحاق، وذلك حين علمت أن معهم البشارة من عند رب العالمين لها بأن الله سيرزقها الولد، قال تعالى: {فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71] أي: بعد إسحاق سيأتي يعقوب من إسحاق، وهذا دليل على كذب أهل الكتاب حين قالوا: إن الذبيح هو إسحاق حتى لا ينسبوا للعرب فضلاً. وذكر الله في القرآن أن الملائكة بشرت سارة قبل أن تلد وكانت عقيماً، {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71] يعني: إسحاق سيكبر، وسيتزوج وسينجب ولداً اسمه يعقوب، فكيف تأتي البشارة من الله سبحانه بذلك ثم يأمر إبراهيم بذبحه قبل أن يتحقق الوعد، وقبل أن يأتي يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟! فذلك ينفي أن يكون الذبيح هو إسحاق، فالذبيح هو إسماعيل، والغرض: أنهم بشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فقالت: مندهشة: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود:72]، فهي عجوز وزوجها شيخ كبير، فهي قد جاوزت الثمانين من عمرها، قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود:72]. قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى} [هود:74] أي: هدأ إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد خوفه من الضيوف الذين دخلوا بيته وأبوا أن يأكلوا، وبعد أن اطمأن إبراهيم جاءته البشارة من الله بأنه سيولد له مولوداً وكان قد ولد له قبل ذلك إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يتمنى أن يكون له ولدٌ من سارة، حتى تفرح سارة كما فرح إبراهيم بإسماعيل، فالله عز وجل بشر سارة، فلما ذهب عن إبراهيم الورع جاءته البشرى، ثم سأل المرسلين عن وجهتهم فقالوا: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ} [الذاريات:32 - 34]. وقد كان إبراهيم حليماً رحيماً، فهو أب لأبنائه وأب لمن أرسل إليهم ليدعوهم إلى الله عز وجل، ولذلك أخذ يجادلهم في قوم لوط، فقالوا: قوم مسرفون، قال تعالى: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود:74]. وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ} [هود:75] عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإبراهيم حليم، ولذلك كان يطلب منهم أن يصبروا عليهم قليلاً. فقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ} [هود:75] أي: رجاع إلى الله سبحانه وتعالى، إذاً: الرحمة التي في قلبه هي التي جعلته يقول لهم: اصبروا على هؤلاء القوم، فقال له ربه سبحانه: {يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [هود:76] أي: لا شأن لك بذلك، قال تعالى: {إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود:76] أي: قد جاء أمر الله عز وجل، وقضاء الله وقدره نافذ لا رجعة فيه، فقد قال إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يجادلهم: أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن؟ يعني: إذا كانت هذه القرية فيها ثلاثمائة يعبدون الله سبحانه وتعالى أتهلكونها فتهلكون هؤلاء المؤمنين معهم؟! قالوا: لا، فجادلهم أكثر وانتظر الخير من وراء ذلك، فقال: فمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: فأربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، فما زال يجادلهم حتى قال: فيها ثلاثة من المؤمنين؟ قالوا: لا، قال: فإن فيها لوطاً، فكيف تهلكونها وفيها لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32] فقد كان للوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام امرأة كافرة وبنتان مؤمنتان، فسننجيه والبنتين فقط، وأما الآخرون فسنهلكهم، وكذلك امرأته سيأتيها العذاب من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وخرجت الرسل من عند إبراهيم، وتوجهوا إلى قرية سدوم، ولما جاءوا القرية أتوا بالليل؛ فتنة وابتلاء من الله عز وجل، فقوم لوط قوم شواذ يأتون الذكران من العالمين، فيبتليهم الله بشبان حسان يأتون إلى هذه القرية في غاية من الجمال، ولما رأت بنت لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام الشبان -وهي مؤمنة- خافت عليهم، فقد أرادوا دخول هذه القرية وطلبوا الضيافة في هذه القرية؟ فقالت لهم: اصبروا مكانكم ولا تدخلوا؛ فإن القوم قوم سوء، وهرعت إلى أبيها لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وقالت: جاء إلى القرية شبان ما رأيت مثل وجوههم أدركهم لا يفضحهم قومك، فخرج لوط فلما رآهم (قال هذا يوم عصيب)، أي: يوم صعب شديد، إذ إنه لا يستطيع حمايتهم لوحده؛ ولذلك قال لوط عليه السلام: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80]، وكأنه نظر أن إبراهيم كان له من يحميه ومن ي
تفسير قوله تعالى: (ثم دمرنا الآخرين وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (ثم دمرنا الآخرين وإن ربك لهو العزيز الرحيم) قال تعالى: {ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ} [الشعراء:172] أي: جاء الدمار من عند رب العالمين، فالقرية قلبت رأساً على عقب، وأتبعهم الله عز وجل بحجارة من سجيل، وهي حجارة صلبة محماة في نار جهنم. قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [الشعراء:173] أي: نزلت الحجارة كالمطر من السماء، قال تعالى: {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [الشعراء:173] فإن أسوأ ما يكون من مطر أن ينزل على هذه الصورة لمن أنذروا، فلم يستجيبوا لمن حذروا، ولم يأخذوا حذرهم، فجاء العذاب من عند رب العالمين فساء مطر المنذرين. وفي سورة العنكبوت يذكر الله سبحانه وتعالى قصة لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكيف حذر قومه، قال الله عز وجل: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:28 - 29]. فهذه جملة من ذنوب هؤلاء الكفار، فهم قوم يكفرون برب العالمين سبحانه، فيدعوهم لوط إلى توحيد الله سبحانه، ولكنهم شواذ يأتون الذكران من العالمين، ويقطعون السبيل، فهم لصوص يقطعون الطريق على الناس، ليسلبوا أموالهم ويأخذوها. قوله تعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ} [العنكبوت:29] يعني: في المجالس التي يجلسون فيها لفعل الفاحشة، ولا ينكر بعضهم على بعض شيئاً، فهم يرفعون أصواتهم، ويتظارطون في مجالسهم، ويأتون هذه الفاحشة والعياذ بالله في مجالسهم ولا أحد ينكر على أحد شيئاً. قال الله تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت:29]، فأهل الجريمة وأهل الفساد هذا جوابهم. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ} [العنكبوت:30]، ثم ذكر الله عز وجل كيف أنجاه. وفي سورة الصافات يقول الله عز وجل: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الصافات:133 - 138] أي: تمرون على هذه القرى قرى سدوم، فقد صارت أرضهم بحراً مراً في هذا المكان، من يمر عليه يعرف أن هنا كان قوم لوط يأتون الفاحشة، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى. قال الله تعالى هنا في هذه السورة الكريمة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]، ويختم الله كل قصة بهذا الختام الجميل، فقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [الشعراء:8] أي: الذي حدث من هؤلاء وحدث لهم وحدث فيهم آية وموعظة لمن يعتبر، وعبرة لمن يتذكر. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:8] أي: الذين سمعوا هذه المواعظ لم يتعظوا بها، {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:9] عزيز منيع الجانب سبحانه وتعالى، قوي غالب قادر قاهر سبحانه، جبار قهار فعال لما يريد، وهو رحيم سبحانه، فإذا تاب إليه العبد تاب الله عز وجل عليه. روى ابن ماجة عن ابن عمر قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) فالفاحشة فعلها قوم لوط وغيرهم، فجاءت العقوبة من السماء من عند رب العالمين، وغيرهم قد يقعون فيها، والله عز وجل قد يستر أقواماً، وقد يفضح أقواماً، وقد يهلك أقواماً سبحانه وتعالى، والهلاك يقيناً يأتي لمن يجاهر بالمعصية ولمن يجاهر بالفاحشة. فقوله صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها) أي: حتى يفعلوا الفاحشة ويستهينوا ويستهزئوا ويجهروا بها، فيقعون في الزنا، ويقعون في اللواط، ويأتون الفاحشة جهاراً، فيأتي العذاب من عند الله، قال: (إلا فشا فيهم الطاعون) أي: يرسل عليهم الوباء العظيم الذي لا قبل لهم به، يرسل عليهم الطاعون ويرسل عليهم الكوليرا والزهري والسيلان والإيدز، ويرسل عليهم الكبد الوبائي، ويرسل عليهم ما لا طاقة لهم به، وكلما قالوا: تغلبنا على شيء فتح لهم غيره ولا يقدرون عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن هذه الفاحشة إذا ظهرت في القوم ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا المنكر، جاءت العقوبة من عند الله، يقول سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25] فإذا جاء الوباء انتشر وعم المفسد وغيْر المفسد، وتجد المريض يقول: الإيدز انتشر في الناس عن طريق الدم، فهذا بلاء من الله عز وجل. وكذلك الكبد الوبائي ينتقل عن طريق نقل الدم من إنسان لإنسان فيبتلى به، قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال:25]، يبتلى بها الجميع، فهذا يبتلى لكونه مفسداً، وهذا يبتلى لكونه ساكتاً عن الفساد، فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن المنكر، فتأتي العقوبة على الجميع. فالله يحذرنا من أن نقع في الفواحش، وأن نجاهر بها، وأن نستهين بعقوبة الله، وقال: {إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [176 - 191]
تفسير سورة الشعراء [176 - 191] في قصة شعيب مع قومه عبرة لمن يعتبر، فعلى المرء ألا يطمع في الدنيا، وليعلم أن الرزق الحلال وإن كان قليلاً خير من الحرام وإن كان كثيراً، وليحذر المرء من الحرام؛ فإنه يمحق الرزق كله، وتكون عاقبته الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وهذا ما حل بقوم شعيب، فقد كانوا يطففون في المكيال والميزان، وقبل ذلك كله كفروا بربهم وكذبوا رسولهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
تفسير قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين إن أجري إلا على رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين إن أجري إلا على رب العالمين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:176 - 180]. قصة شعيب مع قومه هي القصة السابعة في هذه السورة الكريمة سورة الشعراء، فيذكر الله سبحانه وتعالى فيها قصة شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع قومه، وقومه هم أهل مدين وذكر هنا أنهم أصحاب الأيكة، وقد كان أهل مدين وهم أصحاب الأيكة عرباً يسكنون قرية اسمها مدين من أطراف الشام، وكانت ذات غيضات وذات حدائق وبساتين، والأيكة هي الشجر الشجر العظيم الأغصان الملتفة بعضها على بعض من كثرة الري، وكانوا قريبين من قرى قوم لوط، وكانوا بعدهم بزمان ليس بالبعيد. ومدين من أبناء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قالوا هو: مدين مديان بن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل، إذاً: فالمدة الزمنية قريبة بين مدين وقوم لوط، ولذلك حذرهم نبيهم أنه قد يلحقهم ما أصاب الذين من قبلهم كقوم عاد وقوم ثمود وقوم لوط. يقول الله سبحانه: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:176]، قراءة الجمهور (الأيكةِ) بالكسر، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر:) كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)، وكأنها هنا ممنوعة من الصرف فجرت بالفتحة على هذه القراءة، فقيل: إنها اسم للبلد، وكأن (ليكة) اسم لهذه البلد، و (الأيكة) بمعنى الأغصان الملتفة في هذه الأشجار العظيمة التي في حدائقهم، فهم أصحاب الأيكة وأصحاب ليكة. قوله {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} أي: كذبوا رسولهم شعيباً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان شعيب يلقب بخطيب الأنبياء لفصاحته، وكان شعيب من العرب عليه الصلاة والسلام، وكان فصيحاً، ونرى فصاحته وبلاغته في الكلام الذي يسوقه الله عز وجل لنا في هذه القصة، سواءٌ في سورة الشعراء أو في سورة الأعراف أو في سورة هود أو في سورة الحجر، فقد ذكر سبحانه القصة طويلة في هذه السور الأربع. فذكر الله سبحانه وتعالى أنه قال لهم: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ} [الشعراء:177]، فأمرهم بتقوى الله سبحانه وتعالى، {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:178] أي: هو كغيره من رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فكلهم أمناء على تبليغ رسالة رب العالمين، وكلهم معهود منهم في أقوامهم الصدق والأمانة، وأنهم لم يكذبوا ولم يفسدوا أبداً قبل ذلك، فقال: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:178 - 179]، وهذه المقدمة في جميع القصص التي قبلها في عاد وثمود وقوم لوط، وكذلك أصحاب الأيكة كرر الله عز وجل هذا الذي قاله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (وأطيعون) فيها القراءتان كما تقدم في مثيلتها، قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:179 - 180].
تفسير قوله تعالى: (أوفوا الكيل ولا تعثوا في الأرض مفسدين)
تفسير قوله تعالى: (أوفوا الكيل ولا تعثوا في الأرض مفسدين) قال الله تعالى حاكياً قول شعيب لقومه: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء:181 - 183]، فهذه هي جرائم هؤلاء الأقوام، وهذا هو الذي كانوا يصنعونه، فيقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيهم عليه الصلاة والسلام: ((أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ))، فهذا يدل على أن عندهم الثمار وعندهم الزروع، فهم يبيعون هذه الزروع والثمار إما عن طريق الكيل وإما عن طريق الوزن، وكانوا يخسرون ويطففون المكيال والميزان، فكأنهم أول من صنعوا ذلك، فحذرهم نبيهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من هذا الصنيع الفظيع الذي وقعوا فيه، فقال لهم: ((أَوْفُوا الْكَيْلَ)) أي: احذروا من عدم الوفاء بالكيل، ((وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ))، فهذه جريمة يستحق الناس عليها عذاب رب العالمين سبحانه وتعالى، {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء:182] أي: زنوا بالعدل، و (القسطاس) فيه قراءتان: قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (بالقِسطاس) بكسر القاف، وقراءة باقي القراء: (وَزِنُوا بِالْقُِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي: بميزان العدل، والمعنى: وزنوا بالعدل حين تعطون وتبيعون للناس. قال: {وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الشعراء:183] أي: لا تنقصوا الناس أشياءهم، بخس الإنسان قدره ونصيبه، أعطاه الحظ غير الوافي، وأعطاه الشيء الناقص، فهو بخسه واستنقص مما يعطيه ظلماً وعدواناً، فهؤلاء كانوا يظلمون الخلق، فإذا كالوا للناس بخسوا الناس أشياءهم، ويأخذون الشيء الجيد ويعطون الشيء الرديء، ويوهمون من يعطونهم أنهم أعطوا أفضل الأشياء، فقال: ((وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)) أي: لا تظلموا الناس، والإنسان من طبيعته الطمع والشح، قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، فمن طمع الإنسان أنه إذا اكتال لنفسه أخذ من الناس الشيء الكثير وأخذ وافياً، فإذا أعطى لغيره أعطى الأقل. وقد حذرنا الله عز وجل في القرآن من ذلك فقال: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ} [المطففين:1 - 2] أي: إذا طلبوا من الناس الكيل واشتروا منهم فإنهم يستوفون حقهم ويأخذونه وافياً، لكن لو كانوا هم الذين يبيعون للناس بخسوهم حقهم، {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين:3]. فهنا قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: ((وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)) أي: لا تظلموا الناس أشياءهم، ((وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ)) قوله: (ولا تعثوا) عثا يعثوا عثواً أي: اشتد فساده، وليس فساداً عادياً، بل أشد الفساد.
تفسير قوله تعالى: (واتقوا الذي خلقكم وإن نظنك من الكاذبين)
تفسير قوله تعالى: (واتقوا الذي خلقكم وإن نظنك من الكاذبين) قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:184] أي: الخلق السابقين، فيكون المعنى: اتقوا الذي خلقكم كما خلق الجبلة الأولين السابقين قبلكم، فكان جواب هؤلاء الأقوام كجواب الذين من قبلهم: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء:185 - 186]، فهذا هو نفس الكلام الذي قالته ثمود لنبيهم صالح على نبيهم وعليه الصلاة والسلام، {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء:153] يعني: قد سحرت فأنت تتكلم كلاماً ليس جيداً، أو أنه لك سَحَراً والسحر هو الرئة، وقالوا: الصالح: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:154]. وهنا قوم شعيب لما انبسط شعيب معهم زادوه في A { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الشعراء:185 - 187]. وأما قوم ثمود فقالوا لنبيهم: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ} [الشعراء:153 - 154] يعني: أنت لك سحر، وأنت بشر مثلنا، فكأنه جواب واحد وأكد الأول بالثاني، وكأن هؤلاء يقولون: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشعراء:186] يعني: لن تكون أفصح منا، فكلما تقول لنا كلاماً كثيراً فسنرد عليك بجواب كثير، فهنا زادوه في الكلام على ما قال الذين من قبلهم، فقالوا: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} [الشعراء:186] أي: ويغلب على ظننا أنك تكذب علينا وأنك لا تصدقنا، وهو لم يكذب عليهم قبل ذلك، لكن الكاذب يرى الناس كذابين مثله، فهم أهل كفر وأهل كذب وأهل مكر وخديعة فيرمونه بدائهم هم.
قصة شعيب وقومه في سورة الأعراف
قصة شعيب وقومه في سورة الأعراف في هذه السورة ذكر الله عز وجل ما دار بينه وبينهم مختصراً، وفي سورة الأعراف قال الله سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف:85]، وهنا قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:176] وأهل مدين هم أصحاب الأيكة، وذكر بعض المفسرين أن مدين قوم وأصحاب الأيكة قوم آخرون، وقد أرسل شعيب إلى الفريقين، واستدلوا على ذلك بأنواع العذاب، فقالوا: هؤلاء أصابهم عذاب يوم الظلة، وأولئك أصابتهم الصيحة والرجفة من الله عز وجل، فيكون هؤلاء قوم وهؤلاء قوم. ونقول: هذا ليس بصواب، وإنما الصواب أن شعيباً أرسل إلى مدين الذين هم أنفسهم أصحاب الأيكة كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى. فهنا في هذه السورة قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء:176 - 177]، مع أن العادة قبل أن يذكر ثموداً ويذكر عاداً يذكر الأنبياء فيقول: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ} [الشعراء:124]، ويقول: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ} [الشعراء:142] ويقول: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ} [الشعراء:161]، وهنا لم يقل: أخوهم مع أنه أخ لهم في النسب، فهو من القبيلة نفسها، وعبر عن ذلك في قوله سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف:85]، وهذه هي التي أحدثت إشكالاً عند بعض أهل العلم، فقالوا: هؤلاء قبيلة وهؤلاء قبيلة، فهو أخ لمدين وليس أخاً لأصحاب الأيكة، والصواب: أنهم هم هم، ولكن هنا لطيفة أشار إليها الحافظ ابن كثير رحمه الله في ذلك فقال: هؤلاء -يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:176]، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء:177]، فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسباً، ومن الناس من لم يفظن لهذه النكتة فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيباً بعثه الله إلى أمتين. وقال تعالى في سورة الأعراف: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:85]، فدعاهم إلى عبادة رب العالمين، وحذرهم من الشرك وعبادة الجمادات، قال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف:85] يعني: هو جاءهم بآية من عند رب العالمين، ولم يذكر لنا ربنا سبحانه ما هي هذه الآية، كما لم يذكر لنا في قصة عاد مع نبيهم هود عليه السلام ما الآية التي جاء بها إليهم، ولكن كل نبي قد جاء لقومه بآية من الآيات. فهنا جاءهم نبيهم بآية من عند ربهم سبحانه، وقال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف:85]، وكل هذا من أجل أن تصدقوا بربكم سبحانه، ومن أجل أن تستجيبوا لما أدعوكم إليه وتتركوا المعاصي والفواحش التي تقعون فيها، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:85] أي: إن كنتم تؤمنون بالله سبحانه وتعالى فصدقوا ما أقوله لكم ولا تصنعوا هذه الأفعال القبيحة الشنيعة. فكلام شعيب عليه الصلاة والسلام مع قومه كلام فصيح، وقد ذكره الله عز وجل وساقه في سورة الأعراف، وفي سورة هود، وهنا في الشعراء، ففي سورة الأعراف يقول الله سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف:86 - 87]، فهذا كلام عظيم بليغ فصيح من نبيهم عليه الصلاة والسلام، ولذلك لقب بخطيب الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وكان ضريراً عليه الصلاة والسلام، فيذكر هنا من ضمن الأشياء أو الجرائم التي يقعون فيها أنهم لا يوفون في الكيل ولا في الميزان، وأنهم يظلمون الناس ولا يدفعون لهم حقوقهم بل يبخسونهم، وكانوا يقعدون للناس في الطريق ويأخذون منهم الضرائب والعشور من أموالهم، فقال: {وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} [الأعراف:86] أي: تتهددون الناس على كل طريق لتأخذوا منهم المال {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف:86] يعني: تؤذون المؤمنين الذي اتبعوني ودخلوا في ديني، فتقعدون لهم في الطرق وتخيفونهم، ولم يكتفوا بإخافة المؤمنين بل أخافوا نبيهم عليه الصلاة والسلام بالتهديد والوعيد، حتى استفتح ربه عليهم، وسأل الله أن يفتح بينه وبينهم بالحق. إن سياق الآيات غاية في الجمال والمناسبة التي تجدها فيها، فانظر هنا في سورة الأعراف لما ذكر الله سبحانه أن هؤلاء خوفوا نبيهم دعا ربه سبحانه، فجاءهم العذاب الذي يخيفهم من عند رب العالمين سبحانه، وستلاقي في سورة هود أنهم صاحوا بنبيهم وكأنهم ينكرون عليه ما يقول، فجاءهم العذاب بصيحة من السماء يبتليهم الله عز وجل بها ويأخذهم سبحانه، ففيها مناسبة بين تعذيبهم وبين صنيعهم، ففي كل سورة يقص شيئاً من صنيعهم يناسبه العذاب الذي حاق بهم، فالله عز وجل عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب: الأول: أرسل عليهم رجفة زلزلت بهم الأرض. الثاني: أرسل عليهم صيحة من السماء. الثالث: أرسل عليهم ظلة تكويهم وتحرقهم بنار؛ لأنهم طلبوا ذلك. فكأنه أشار في كل سورة إلى المناسبة بين ما طلبوه وما فعلوه وما حاق بهم من العذاب من عند رب العالمين سبحانه. ثم قال في سورة الأعراف: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا} [الأعراف:86] يعني: لا تنسوا أنفسكم، ولا تغتروا بعشيرتكم ولا بقوتكم ولا بأموالكم. فقال هنا نبيهم عليه الصلاة والسلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف:86] أي: أن الذي كثركم قادر على أن يقللكم ويعيدكم إلى الذل مرة ثانية، {وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:86] كقوم عاد وقوم ثمود وقوم لوط. ثم قال: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [الأعراف:87]. فما كان جواب هؤلاء الأقوام؟ يقول الله عز وجل {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88]، فهم لم ينظروا إلى الحجج التي جاء بها، ولا إلى الآية البينة التي جاء بها، وإنما نظروا إلى أنهم أقوياء وهو ضعيف، فما دام الأمر كذلك فما نقوله هو الحق، فإما أن ترجع في ديننا أنت ومن معك وإما أن نفعل بكم ونفعل، وهذا التخويف لنبيهم ولمن معه. فكان جوابه: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف:88] أي: هل تعيدوننا إلى الكفر غصباً عنا وتكرهوننا على ذلك؟ ثم قال لهم: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف:89] أي: كيف نرجع ونعود في ملتكم؟! مع أنه لم يعبد الشجرة، وما كان لنبي من أنبياء الله أن يعبد غير الله سبحانه؛ لأن الله يحفظهم قبل الرسالة التي تنزل عليهم وبعد الرسالة، ولكن كأنه يتكلم عن نفسه ومن معه، فالذين معه كانوا قبل ذلك كفاراً، ثم بعد ذلك دخلوا في دين نبيهم شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلذلك {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا} [الأعراف:88 - 89] أي: لن نرجع في دينكم أبداً، ولكن إن أراد الله تعالى أن يفتن بعضاً منا فالأمر ليس لنا؛ لأن قدر الله سبحانه غالب على كل شيء. ثم قال: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] أي: اقض وافصل بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، هذه قصة شعيب مع قومه في سورة الأعراف.
قصة شعيب وقومه في سورة هود
قصة شعيب وقومه في سورة هود كذلك في سورة هود يذكر الله عز وجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود:84]، فيذكر أن شعيباً أخوهم، وهنا في الشعراء ذكر أصحاب الأيكة، وفي سورة الحجر أيضاً ذكر أصحاب الأيكة فلم يقل: أخاهم لا في الحجر ولا في الشعراء، ولكن قال: شعيبٌ عليه الصلاة والسلام. ثم قال في سورة هود: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} [هود:84]، هذا كلام جديد لم يذكره الله عز وجل في سورة الأعراف، فكأنه تلطف معهم في الكلام في البداية، فقال لهم: ((إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ)) يعني: أنتم في نعم عظيمة، قد أعطاكم الله من الزروع والثمار، وأعطاكم من النعم الكثيرة، فاعبدوا هذا الإله العظيم الذي خلقكم ورزقكم، ((وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ))، ثم قال: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود:85 - 86] يعني: ما يبقى لكم من أموال حلال وإن كان قليلاً هذا خير لكم مما تأخذونه من أموال محرمة وإن كان كثيراً، فالمال الذي تأخذونه بالإنقاص في الكيل وفي الميزان وغير ذلك من الحرام. وهذه النصيحة لهم ولغيرهم، فينبغي للإنسان ألا يطمع، ولينظر إلى هؤلاء الذين طمعوا ولم يرضوا بالحلال -وهو كثير عندهم- وإنما أرادوا الكثرة، وطبيعة الإنسان أن فيه نهماً وفيه شرها، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى أن له ثانياً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. فهؤلاء عندهم الخير الكثير من عند الله ومع ذلك يطففون في الكيل والميزان، فقال نبيهم عليه الصلاة والسلام: {بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ} [هود:86] يعني: إذا بعتم واشتريتم فما بقي لكم من ربح حلال يكفيكم، وهذا أخير لكم وأفضل من أن تزيدوا عليه من أموال محرمة، فيمحق الله الجميع بسبب طمعكم. فكان جوابهم أن قالوا: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ} [هود:87] فكأنهم صاحوا عليه: ما الذي تقوله؟ {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود:87] أي: هل صلاتك تأمرك بذلك؟ {أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87] يعني: أنت تظن أنك حليم رشيد مع أنك لا تفهم شيئاً، وكأنهم يعرضون في الكلام، والحليم هو الإنسان الذي فيه تؤدة صبر وليس عنده اندفاع، فهم قالوا له ذلك على وجه الشتم، فكأنهم يقولون: أنت مندفع وأنت متهور وأنت لست كما تزعم وإنما تمثل علينا بهذا الشيء، {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87]، والرشيد هو إنسان راشد يجيد التدبير فيما أعطاه الله عز وجل من أموال، فكأنهم يقولون له: هل أنت الذي ستدبر لنا أموالنا وتجمع لنا أموالنا؟ وهم بقولهم: (الرشيد) يقصدون بأنه هو السفيه الذي لا يفهم شيئاً في إدارة الأموال، فكأنهم يشتمونه بذلك. قوله: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا} [هود:87]، وهذه عادة السفهاء والجهلاء لما يقولون لأهل الدين: هي الصلاة التي تقول لكم: اعملوا كذا، وهو نفس الكلام الذي قاله الكفرة من قبل: (أصلاتك تأمرك)، وهذه فيها قراءتان: (أصلاتك) و (أصلواتك) تأمرك. قال لهم: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} [هود:88]، إن طريقته وأسلوبه في المخاطبة دليل على حلمه وعلى صبره على هؤلاء، فهؤلاء يستحقون أن يدعو عليهم، ومع ذلك يجادلهم ويناظرهم ويزيد الحجة وراء الحجة، فيقول: (يا قوم) وهذا فيه تحبب وتودد، يعني: أنا منكم ولست غريباً عنكم، فأنتم قومي وأنتم أولى الناس أن أدعوكم، (يا قوم أرأيتم) أي: أخبروني عن الأمر إن كنت على بينة من ربي وآتاني الله عز وجل هذا الدين وجئتكم بهذه البينة، ((وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا)) أي: رزقاً حلالاً، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:88]، وهم يقولون له: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87] يعنون: أنك من ورائنا تعمل مثلنا، فيقول لهم: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود:88] أي: كيف أصنع شيئاً غير ما آمركم به؟ ما أريد أن أخالف فأفعل هذا الحرام الذي تفعلونه، {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود:88] أي: ما أريد إلا أن أصلح حالكم قدر المستطاع، وأصلح ما أنتم فيه، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود:88]. ثم قال: محذراً لهم: {وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89] قوله: (يا قوم لا يجرمنكم) أي: لا يستهوينكم ولا يدفعنكم في الشر شقاقي أو خصومة بيني وبينكم إلى أن تكذبوا فيصيبكم عذاب الله الذي أصاب الأقوام من قبلكم: (قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) فهؤلاء جميعهم قد عرفتم ما نزل بهم من عذاب رب العالمين سبحانه، وقد كانوا سابقين عليكم بمدد، لكن قوم لوط كانوا قريبين منكم ليسوا ببعيد عنكم. ثم قال لهم: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود:90] فلما قال لهم ذلك إذا بهم يأبون إلا أن يصرخوا ويصيحوا عليه: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود:91] أي: لسنا فاهمين منك شيئاً، وإنما أنت تخرف في الكلام، وهذه عادة هؤلاء فلا عقول لهم، ولا يفهمون إلا أن من كان ذا قوة فرأيه هو الرأي السديد، فقالوا لشعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} [هود:91]، فانظر إلى سوء الأدب مع الأنبياء فهم يعيرونه بأنه ضعيف، ثم يقولون: {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} [هود:91] يعني: كان له قوم وعشيرة، فهم لا يقصدون ضعف العشيرة لا، وإنما ضعيف لأنه كان ضريراً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالكلام هنا ليس فيه مجابهة حجة بحجة، ولا مناظرة وإنما هذه سفاهة وسوء أدب. {وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود:91] يعني: نحن نسكت عنك فقط مراعاة لأهلك، أما لو كنت وحدك لرجمناك بالحجارة وقتلناك، ولست العزيز عندنا الذي نهتم لأمرك ولشأنك. قال شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا} [هود:92] أي: هل من العقلاء من يقول ذلك؟ أرهطي هؤلاء أعز عليكم من الله؟ أفلا تتوبون إلى الله سبحانه؟! أفلا تتفكرون ما الذي تهرفون به من كلام لا تفهمون معناه؟! أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتم الله سبحانه وتعالى وراء ظهوركم. {إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ} [هود:92 - 93] وهنا جاء التهديد، فهو بعدما تلطف معهم وبعدما نصحهم ووعظهم ورأى أنه لا فائدة فيهم، قال: اعملوا الذي أنتم تريدونه، {اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} [هود:93] أي: تتهمونني بالكذب فستعلمون من هو كاذب {وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود:93]، فجاء أمر الله سبحانه وتعالى فأخذهم وأهلكهم.
تفسير قوله تعالى: (فأسقط علينا كسفا وإن ربك لهو العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (فأسقط علينا كسفاً وإن ربك لهو العزيز الرحيم) يذكر الله سبحانه أنهم قالوا له: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [الشعراء:187] أي: ظللاً من السماء، {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} [الشعراء:187] أي: ارمنا بقطع من حجارة السماء أو قطعة من السماء إذا كنت صادقاً. قوله: (كسفاً) هذه قراءة حفص عن عاصم وحده فقط بفتح السين، وأما بقية القراء فيقرءونها بالتسكين فيها: ((فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا)). قال تعالى: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الشعراء:188] أي: الله أعلم بأعمالكم، فهو يعلم ما الذي تستحقون على ذلك فانتظروا منه الجزاء، فأصروا على استكبارهم وتكذيبهم، قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:189]، ولاحظ المناسبة هنا، فقد طلبوا العذاب فقالوا: أسقط علينا كسفاً، أي: ائتنا بقطع من السماء، فأتاهم عذاب يوم الظلة، وما كانوا يحسبون أنه عذاب عليهم، فهم لما طلبوا الظلة من السماء وقالوا: أسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين، فكروا أنه عندما ينزل عليهم كسف من السماء سيهربون في الجبال ويفرون من العذاب، ولكن الله سبحانه وتعالى يملي لهم، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]، فسلط عليهم الحر الشديد سبعة أيام، فصاروا يبحثون عن شيء يستظلون به، فأرسل عليهم سحابة من السماء، فذهبوا جميعهم تحت هذه السحابة يستظلون بظلها، ويسترطبون برطوبتها، فلما اجتمعوا تحتها أرسل عليهم سبحانه صيحة ورجفة وناراً فأحرقتهم جميعهم، فجاءهم العذاب، قال في هذه السورة سبحانه وتعالى: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:189]. وأما في السور الأخرى فذكر الله عز وجل في الأعراف أنه أهلكهم برجفة، فقال سبحانه: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [الأعراف:90]، وأخافوا نبيهم وقالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88]، فلما أخافوهم جاءت الزلزلة من تحت أرجلهم تخيفهم وترعبهم، قال سبحانه: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف:91]. وفي سورة هود يذكر الله أنهم صاحوا على نبيهم وشتموه: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود:87]، وقالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [هود:91]، فلما رفعوا أصواتهم على نبيهم جاءتهم صيحة تصمهم وتعميهم من الله عز وجل؛ جزاءً وفاقاً. فذكر في كل سورة ما يناسب صنيعهم من عذاب من عند ربهم سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في سورة الأعراف: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:92]، فكأنهم قالوا لشعيب ومن آمن معه: إنكم في خسران مبين، فالله عز وجل بين أنهم هم في خسران عظيم، فقال الله عز وجل فيها: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [الأعراف:92] أي: كأنهم لم يقيموا بهذا البلد، وكأنهم لم يكن لهم عَدد ولا عُدد ولا قوة ولا أفراد كأنهم لم يكن لهم شيء من ذلك، {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:92]. فأنجى الله نبيه عليه الصلاة والسلام فتولى عنهم وتركهم وانصرف عنهم، قال: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف:93] يعني: اذهبوا أينما ذهبتم فلن أحزن عليكم، وكيف أحزن على قوم كفروا برب العالمين سبحانه وقد قدمت النصيحة لهم؟! وفي سورة هود يختم الله عز وجل القصة بقوله: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود:95] أي: سحقاً وعذاباً. وفي سورة الحجر يقول سبحانه: {وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [الحجر:78 - 79]، (وإنهما) أي: أصحاب الأيكة وأصحاب حجر ثمود، (لبإمام مبين) يعني: ترونهم في طريق واضح حين تذهبون إلى الشام. وختم هذه القصة في سورة الشعراء بقوله سبحانه الذي تكرر مراراً: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:190 - 191] أي: الغالب القاهر الذي لا يقدر أحد أن يمتنع من شيء أراده سبحانه وتعالى، فهو العزيز وهو الرحيم بالمؤمنين سبحانه وتعالى. إن هذه القصة فيها عبراً لمن يعتبر، وعلى الإنسان ألا يطمع في هذه الدنيا، وليعلم أن الرزق الحلال وإن كان قليلاً خير من أن يستكثر من الحرام فيمحق الله عز وجل الجميع، فالإنسان مهما أخذ من المال فإن الله عز وجل سيسأله عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ فليعد للسؤال جواباً، وليحذر من الحرام؛ فإن الحرام يدعو بعضه إلى بعض، فمن أخذ قليلاً من الحرام استكثر منه، فإذا كان يطفف الكيل في جرامات فسيطفف في كيلوات، ثم يطفف في أطنان، ثم يموت ويترك هذا كله ويأتيه عذاب الله كما أتى السابقين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [192 - 209]
تفسير سورة الشعراء [192 - 209] من سنن الله عز وجل في خلقه أنه إذا أرسل إليهم رسولاً يدعوهم إلى توحيده فكذبوه أن يهلكلهم، ويجعلهم عبرة لمن يأتي خلفهم، ولما كذب مشركو قريش وأهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم حاجهم الله بأن جعل من علمائهم من يعترف بحقيقة النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذكره في الكتب السابقة، فلا عذر لهم إن نزل بهم العذاب وأتاهم ما يوعدون.
سنة الله في إرسال الرسل وإهلاك من كذبهم
سنة الله في إرسال الرسل وإهلاك من كذبهم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل في سورة الشعراء: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الشعراء:192 - 204]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة قصص السابقين ممن أرسل إليهم رسله، وهداهم بدعوته سبحانه إلى الحق، فأبى أكثرهم إلا الإعراض عن رسل الله، والتكذيب بدعوتهم، فإذا به سبحانه يرينا فيهم الآيات، ويختم كل قصة من هذه القصص بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:8].
موسى وقومه مع فرعون وملئه
موسى وقومه مع فرعون وملئه لقد أرانا الله سبحانه وتعالى في هذا القرآن المنزل من عنده آياته، وعظيم صفاته وقدراته، فأنجا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ومن معه -وكانوا مستضعفين في الأرض -من فرعون وجنوده- وكانوا مستكبرين في الأرض- قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} [القصص:5 - 6]. فأرانا الله سبحانه كيف أهلك المتكبرين، وكيف مكن للمستضعفين، فهذا موسى وبنو إسرائيل يتصدى لهم فرعون وملؤه وجنوده، وإذا بالله سبحانه ينصر الحق ويحقه ويخذل الباطل ويبطله، ويرينا فيهم آياته، ويقول: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9].
إبراهيم مع قومه
إبراهيم مع قومه لقد أخبرنا الله سبحانه عن إبراهيم ومناظرته مع قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام من دون الله سبحانه وتعالى، فقد ناظرهم في هذه المعبودات الباطلة، ثم حطم أصنامهم، فأرادوا حرقه وقالوا: {ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ} [الصافات:97 - 98]، {فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ} [الأنبياء:70]. وقد ذكر الله قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام باختصار، وفصل في غير هذه السورة ما اختصره هنا، وختم هنا بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9].
نوح مع قومه
نوح مع قومه إن قوم نوح كانوا قبل إبراهيم وكذلك قبل هؤلاء الذين ذكرهم الله سبحانه في هذه السورة، وقد ذكر الله لنا أنهم استكبروا استكباراً، وتولوا وأعرضوا عن رسولهم، وأرادوا به الضر، وأوصى بعضهم بعضاً بعدم تصديقه وعدم الإيمان به، فاستمروا على ذلك وهو يدعوهم إلى الله سنين طويلة جاوزت التسعمائة: ألف إلا خمسين عاماً. فلما أصروا على ما هم فيه، واستهانوا بعذاب الله، واستهزئوا برسول الله، جاءهم العذاب من حيث لا يشعرون. فقد كانوا يسخرون من نبيهم كيف يصنع سفينة في الصحراء، ومن أين يأتيها الماء، فإذا بالله يفجر الأرض عيوناً، وينزل من السماء ماءً فيغرق جميع من على الأرض، وينجي المؤمنين مع نبيهم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويختم بالختام الجميل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9].
قوم عاد وثمود
قوم عادٍ وثمود يذكر لنا الله عز وجل قوم عاد وكيف أنه أعطاهم ومكن لهم وجعل لهم نعماً كثيرة من عنده، وقد ذكرهم بها نبيهم عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:128 - 131]. فأبوا وأصروا على ما هم فيه حتى جاءهم العذاب من عند رب العالمين. ويختم ربنا بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. ثم ذكر من بعدهم ثمود الذين جاءوا وصنعوا صنيعهم، فعذبهم الله عز وجل بعذاب كعذابهم، وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9].
إهلاك قوم لوط وقوم شعيب
إهلاك قوم لوط وقوم شعيب لقد ذكر الله عز وجل قوم لوط الذين أتوا الفواحش العظيمة، واستهانوا برسولهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا طرده ورجمه، فابتلاهم الله سبحانه بأن عذبهم وأهلكهم، قال الله تعالى: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم:53 - 55]، وختم هنا في هذه السورة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. ثم ذكر قوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم أهل مدين الذين طلبوا من نبيهم أن يرسل عليهم كسفاً من السماء، أي: قطعاً من السماء، فإذا بالله ينزل عليهم عذابه من حيث لا يحتسبون ولا يشعرون، فجاءتهم ظلة من فوقهم أظلتهم فظنوا أن فيها الرياح الطيبة والبرودة، وقد قاسوا من الحر سبعة أيام، فاستظلوا بهذا الظل جميعهم، فلما تتاموا تحته إذا بصيحة من السماء ورجفة من الأرض، وإذا بالظلة تمطر عليهم عذاباً وناراً وسموماً، فأهلكهم الله سبحانه، وختم في المرة الأخيرة بقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]. وقد كرر الله عز وجل وراء كل آية من آيات هذه السورة قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء:8 - 9]، فكان مجموع تكرارها ثمان مرات، والمعنى: أن الله عزيز غالب، وعزته وجبروته سبحانه وتعالى على الكافرين، حيث دمرهم أجمعين، ورحمته ورأفته وحنانه على المؤمنين، فجمع سبحانه بين الصفتين: عزيز وبهذه العزة أهلك الكافرين، ورحيم وبهذه الرحمة أنجى المؤمنين، وقد جمع لنا هذا كله في هذا الكتاب العزيز المنزل من عنده.
القرآن منزل من عند الله على رسوله بواسطة جبريل
القرآن منزل من عند الله على رسوله بواسطة جبريل حسن الختام لهذه السورة الكريمة العظيمة هو قول الله عز وجل لنا: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:192]، فبعد أن قص علينا هذه القصص العظيمة، وأرانا هذه الآيات، عرفنا أن هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كلام رب العالمين سبحانه. وقد عرف أهل الكتاب ذلك؛ لأن هذه القصص ما كان يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم من قبل، وقد كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويسمعون منه بعض هذه القصص فيتعجبون؛ بسبب إحاطته بتفاصيلها على الرغم من أنه لم يخرج خارج مكة صلى الله عليه وسلم ليتعلم علماً، ولم يجالس أحداً من أهل الكتاب، وقد يذكر تفصيلات دقيقة لا يعرفها الكثيرون من أهل الكتاب، فيقول الله عز وجل لهؤلاء ليسكتهم: لا تعجبوا: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:192] أي: إن هذا القرآن جاء من عند رب العالمين سبحانه، فقد نزله تنزيلاً، ولم يأت من عند أحد غيره. قال الله عز وجل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193] أي: أن هذا القرآن نزله ربنا سبحانه على نبينا صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الروح الأمين، ووصفه الله عز وجل بهذه الصفة؛ لأنه روح خلقها الله سبحانه وتعالى، وهو أمين كما أن الرسل من أهل الأرض أمناء، فكل رسول منهم يقول لقومه: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:107]، فكذلك هذا الروح الأمين رسول من رب العالمين إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهو أمين بشهادة رب العالمين سبحانه هذه. وهذا القرآن نزله الله تنزيلاً، وتنزيلاً: مصدر من نزل، فهو تنزيل من عند رب العالمين، وهذا فيه إثبات لعلو الله تعالى. وفي هذه الآية قراءات: قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم وهم يقرءونها: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193]، وباقي القراء يقرءونها بالتضعيف: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) أي: نزل الله عز وجل بهذا القرآن من السماء، أما {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193] على القراءة الأولى فهو جبريل عليه السلام. وقد أنزل الله القرآن كله إلى بيت العزة في السماء في ليلة القدر، ثم نزل من بيت العزة إلى الأرض بأمر الله سبحانه لجبريل أن ينزل بآية كذا في الوقت الفلاني، وسورة كذا في الوقت الفلاني، وبكلمة من سورة كذا في الوقت الفلاني، فينزل القرآن بحسب ما يحتاج إليه الناس، فهم يحتاجون إلى أحكام ومواعظ، فينزل الله سبحانه جبريل بما يحتاجونه. قال الله تعالى: {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء:194] أي: نزل هذا القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم وليس على أحد سواه، فوعاه قلبه صلوات الله وسلامه عليه وحفظه، فلما كان صلى الله عليه وسلم يطلب من جبريل أن يزوره أكثر مما يزوره، وينزل عليه بالقرآن أكثر مما ينزل عليه من قبل أخبره الله سبحانه وتعالى في القرآن عن ضابط نزول جبريل عليه فقال: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم:64] أي: أن ربك لم ينسك، و {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:3]، ولكن ينزل بقدر، وكل شيء عنده بمقدار، فيعلم سبحانه متى ينزل هذه السورة، ومتى ينزل هذا الحكم، ومتى ينزل هذه الآية، فكل شيء بقدر عند رب العالمين سبحانه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ مع جبريل عندما يأتيه بالقرآن؛ حتى لا ينسى، فإذا بالله يعلمه أدب السماع، وذلك بأن ينصت ولا يتكلم، قال سبحانه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة:16 - 17] أي: نحن الذين نحفِّظك، ونحن الذين ننسيك ما نريد من ذلك، قال الله عز وجل: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة:106]، فالله هو الذي يحفظ نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاج إلى معالجة الحفظ، بل يستمع لما يقوله جبريل ولا يحرك به لسانه: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة:15 - 18] أي: إذا قرأه جبريل عليه السلام عليك، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة:19] أي: نحن نبين لك هذا العلم العظيم، وما عليك إلا أن تصغي وتعطينا قلبك وأذنك، ونحن نملؤهما من علمنا. قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء:193 - 194] فهو منذر، وهو بشير أيضاً، كما قال سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [فاطر:24]، والنذارة والبشارة إخبار، ولكن البشارة إخبار بما يسر، وقد يكون فيها ما يسوء، ولكن الغالب أنها إخبار بما يسر. والنذارة: الإخبار بما يخيف، وهو التوعد والوعيد، فهنا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالاثنين: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر:24]، فأرسلناك بهذا الحق الذي نزل من السماء بشيراً لمن آمن أن له الجنة، ونذيراً لمن كفر بالله أن عليه العذاب يوم القيامة. قوله: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء:194] أي: تخوف وتتوعد هؤلاء المشركين الكفار الذين أبوا إلا العصيان تتوعدهم بالنار في الآخرة، وبالقتل في الدنيا، ولذلك لما كان أهل مكة يؤذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويسخروا منه كان يقف لهم عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه ويقول: (ألا تسمعون: والله لقد جئتكم بالذبح)، فيقومون من أماكنهم خوفاً من النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد أن استهانوا واستهزءوا به وهو يطوف بالبيت إذا بهم يلينون له، ومنه يخافون، ويقولون: (انصرف أبا القاسم فلست بالسفيه). فجاء صلى الله عليه وسلم ليبشر المؤمنين، وينذر العصاة والمشركين بهذا القرآن العظيم {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]. وقوله: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:192] أي: هذا الكتاب من عند رب العالمين: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ} [الشعراء:193] أي: جاء به جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم، فألقاه عليه فحفظه النبي صلى الله عليه وسلم، فأدخله الله قلبه عليه الصلاة والسلام.
القرآن نزل باللسان العربي
القرآن نزل باللسان العربي قال الله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195] أي: أن هذا الإنذار بلسان عربي مبين؛ لأن لسان النبي صلى الله عليه وسلم لسان عربي، فالقرآن نزل بلسان العرب، فلو أن القرآن نزل بلسان أعجمي، أو جاء الرسول أعجمي والقرآن عربي لقالوا: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44]، فسوف يتحيرون في هذا الأمر، وينكرون كون الكلام عربياً ولسان رسولنا أعجمياً، أو العكس من ذلك، فالله سبحانه وتعالى أخبر أن الرسول عربي، وأن القرآن عربي: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195] والمنطوق به هنا هو أن هذا القرآن بلسان عربي مبين، وفيه إشارة إلى أن هناك كتباً أخرى لم تكن باللسان العربي، فالكتب التي كانت قبل ذلك كانت بألسنة قومها من سريانية وغيرها، لكن القرآن نزل باللسان العربي الذي ينطق به هؤلاء، ويعجزهم الله عز وجل به.
ذكر النبي الكريم والقرآن العظيم في الكتب السابقة
ذكر النبي الكريم والقرآن العظيم في الكتب السابقة قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:196]، فالضمير في (إنه) قد يعود إلى القرآن الذي ذكر قبل ذلك، أو إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حق وذاك حق. والزبر: جمع زبور، وهي الكتب، والمزبور بمعنى المكتوب، والزبْر الكتابة والتنقيش، فزبر الأولين: هي كتب الأولين السابقة كالتوراة والإنجيل، وقد أخبر الله عز وجل فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الكتاب الذي يأتي به. وقد عرف أهل الكتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم وأنه عبد الله ورسوله، وأنه سماه المتوكل، وأنه ليس بفظ ولا غليظ، فقول الله عز وجل لرسوله في كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:45 - 46] قد ورد مثله عند أهل التوراة، كما قال ابن سلام وكعب الأحبار: نجد ذلك عندنا في التوراة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق. أرسلناك لنهدي بك قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً)، فهذا كله عند أهل التوراة، وقد أخبر بذلك من أسلم منهم بعد ذلك كـ عبد الله بن سلام وكعب الأحبار رضي الله عنهما. فهنا ربنا يخبرنا أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود عند أهل التوراة وعند أهل الإنجيل: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:196]. كما أخبر الله عز وجل أنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف:157]، فالرسول صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، ولكن أهل التوراة والإنجيل يأتون بالتوراة والإنجيل ويقولون: لا يوجد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن التوراة والإنجيل لم تكن بلسان العرب، فقد نزلت باللغة القديمة التي كانت شائعة عندهم وهي اللغة السريانية، ثم ترجموها بعد ذلك وحرفوها فألغوا منها ما أرادوا، فألغوا ذكر محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك من يطلع على الكتب القديمة بلغتها يجد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيها. وقد أخبرني أحد إخواننا الدكاترة الذين كانوا يحضرون رسالة الدكتوراة في اللغات القديمة أنه ذهب إلى الفاتيكان لإتمام دراسة الدكتوراة، وهنالك اطلع على مخطوطة للتوراة، فوجد فيها ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه بلغتهم، ولكن المترجم منها إلى الإنجليزية أو العربية أو الإسبانية أو الفرنسية ليس فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن لا يعنينا أن نجد هذا في كتبهم أو لا نجده؛ لأننا نصدق كلام رب العالمين، فربنا يقول: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ} [الأعراف:157]، فأخبرنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل، وأنه {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [الأعراف:157].
علماء بني إسرائيل يعرفون النبي الكريم
علماء بني إسرائيل يعرفون النبي الكريم يقول الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197] أي: أولم يكن الأمر آية لهؤلاء أن يعلمه علماء بني إسرائيل؟ وهنا: (أن يعلمه) مصدر مؤول، وهم اسم (يكن)، فيقول: أولم يكن علم علماء بني إسرائيل آية لهؤلاء؟ ولذلك فالجمهور على القراءة بالنصب في (آية): {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197]. وقرأ ابن عامر: (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةٌ أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي: هذه آية، وهي ما يعلمه علماء بني إسرائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن هذا القرآن العظيم، وقد عرفوا ذلك، فأرسل أهل مكة إلى اليهود في المدينة يسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقال اليهود: هذا هو زمن النبي، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته. فعرفت يهود أن زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد أظلهم، وكان اليهود مستذلين من الأوس والخزرج من أهل المدينة، وكانوا موالين للأوس أو للخزرج، وذلك حتى لا يكونوا وحدهم في المدينة، فإما أن يتولوا الأوس أو يتولوا الخزرج، بحيث إن هؤلاء يدافعون عنهم أو هؤلاء يدافعون عنهم، وكان إذا اشتد أهل الشرك بالمدينة من الأوس والخزرج أو غيرهم من كفار أهل المدينة، على اليهود فإنهم آنافهم ويذلونهم، فكان اليهود يقولون لهم: لقد أظلكم زمان يبعث فيه نبي، ونحن سنتبع هذا النبي ونقاتلكم معه، فمن كثرة ما قال ذلك اليهود في المدينة أصبح أهل المدينة ينتظرون ذلك النبي، وكلٌ منهم يريد السباق إليه صلوات الله وسلامه عليه، والعجب أن اليهود الذين كانوا يهددون الأوس والخزرج بهذا النبي لم يدخلوا في دينه صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن به إلا القليل منهم كـ عبد الله بن سلام، ثم بعد ذلك كعب الأحبار.
رهبان النصارى يدلون سلمان الفارسي على الدين الحق
رهبان النصارى يدلون سلمان الفارسي على الدين الحق وممن أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد عرف اليهود والنصارى وعاش معهم طويلاً: سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد كان أبوه من المجوس، وكان صاحب نيرانهم، وكان ذا رتبة كبيرة فيهم، وكان يحب ابنه سلمان رضي الله عنه، ومن شدة خوفه عليه كان يحبسه في البيت، فشب رضي الله عنه وهو لا يعرف شيئاً عن الدنيا، وكل ما يعرفه هي النيران التي كان أبوه يصنعها ويوقدها لقومه، والمكان الذي هو فيه، وفي مرة من المرات أرسله أبوه لشيء، فخرج فمر على ناس يتعبدون، فسأل عن هؤلاء فقالوا: نصارى، فرجع إلى أبيه وأخبره عن هؤلاء، فقال له: إنهم على باطل، وأمره أن يدعهم ولا يأتيهم مرة أخرى، فذهب إليهم من وراء أبيه، فحبسه أبوه لما علم بذلك، ثم هرب من أبيه وذهب إلى راهب من رهبان النصارى وأعجبه توحيده، فقد كان على الحق قبل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان من النصارى الموحدين، فلما أتاه مكث معه فترة، ولما جاءته الوفاة دله أن يذهب إلى فلان فيعبد الله معه، فتوجه سلمان إلى ذلك الراهب من النصارى الذين كانوا على التوحيد، وتعبد لله عز وجل معه إلى أن قربت وفاته، فقال له سلمان: إلى من أذهب؟ قال: اذهب إلى فلان فاعبد الله معه، وهكذا حتى مر على ثمانية عشر من النصارى أو نحو ذلك، فيمر عليهم واحداً واحداً، وكل واحد إذا جاءته الوفاة قال له: اذهب إلى فلان واعبد الله معه، وهكذا ظل رضي الله عنه يبحث عن الدين الحق، وهؤلاء النصارى كانوا على التوحيد قبل النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف غيرهم ممن كانوا يثلثون، وفي النهاية عندما كان آخر راهب قال له: والله لا أعرف أحداً على وجه الأرض على ما نحن عليه من التوحيد، -وقد كانت الأرض مليئة بالنصارى، ولكنه يقصد من كانوا على التوحيد-، وقد أضلك زمن يبعث فيه نبي، ففرح سلمان رضي الله عنه، وقال: أين هذا النبي؟ قال: في المدينة. فأحب سلمان الفارسي أن يتوجه إلى المدينة، فانتظر إلى أن جاءت سفينة وفيها بعض العرب، وكان العرب في جاهليتهم أشراراً ليس عندهم وفاء ولا عهد إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، فأخذوا منه أجرة من أجل يوصلوه إلى المدينة، وبعد أن ركب معهم صيروه عبداً عندهم، وهذا من نذالتهم وخيانتهم للوعود، ولذلك مقتهم الله عز وجل، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (أن الله نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فمقتهم جميعهم إلا بقايا من أهل الكتاب). أي: إن الله مقت العرب والعجم من أهل الأرض، وقعت كفار أهل الكتاب الذين ثلثوا وعبدوا غير الله سبحانه وتعالى، وزعموا أنهم يعرفون الله، قال الله سبحانه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30]. وقد كان العرب في جاهليتهم شر خلق على وجه الأرض، فكان يأكل بعضهم بعضاً، ويغتصب بعضهم بعضاً، ويخون بعضهم بعضاً، وليس فيهم أمن ولا أمان، وتغير القبيلة على القبيلة الأخرى والثانية عليها، فمقت الله أهل الأرض جميعهم قبل مجيء نبينا صلى الله عليه وسلم إلا بقايا من أهل الكتاب، فذهب سلمان معهم إلى المدينة وباعوه لليهود وأخذوا ثمنه، وهو في كل ذلك صابر ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عرف من هؤلاء الرهبان صفة النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً فـ سلمان كان من المجوس ولم يكن من النصارى، ثم تنصر بعد ذلك مع هؤلاء الذين كانوا على التوحيد، وانتظر النبي صلى الله عليه وسلم فمكث في المدينة ولم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم بدراً؛ لأنه كان ما زال عبداً رضي الله تبارك وتعالى عنه. ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إذا بـ سلمان يتشوق إليه، فسمع اليهودي مع قريبه يقول: لقد جاء محمد، فسمع ذلك وهو فوق النخلة، فكاد يسقط منها لما سمع ذكر النبي صلى الله عليه وسلم؛ من شدة فرحه، وذهب يسأل اليهودي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا باليهودي يلطمه ويقول: مالك وله، اذهب إلى عملك. فرجع إلى عمله رضي الله عنه، وذهب ذات مرة إليه عليه الصلاة والسلام وقد ادخر من طعامه شيئاً، فأعطاه إياه وقال مختبراً له: هذه صدقة، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم وأعطاها لأصحابه، فأكلها أصحابه ولم يأكل منها، فتبين لـ سلمان أنه نبي؛ لأن النبي لا يأكل الصدقة، وقد عرف من أهل الكتاب أن النبي يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، فجاءه مرة أخرى بتمر وقال: هذه هدية، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم وأكله، ثم جاء سلمان يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم للذي يريده سلمان، وأنه يريد أن يرى خاتم النبوة كالبيضة على كتف النبي صلى الله عليه وسلم، فألقى النبي صلى الله عليه وسلم ما عليه من رداء، فنظر إلى خاتم النبوة، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم وصدق وآمن رضي الله تعالى عنه. فهذا واحد ممن كان من أهل الكتاب، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم بعلامته.
إسلام عبد الله بن سلام
إسلام عبد الله بن سلام لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى أهل الكتاب وإلى مكان تلاوتهم للتوراة في مدراسهم، ويجلس معهم وهم يكرهون منه ذلك؛ لأنه لم يأت من أجل أن يجاملهم صلى الله عليه وسلم أو يصلي معهم، بل جاء من أجل أن يدعوهم إلى الله، لذلك كانوا يكرهون أن يأتي إليهم صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما جاء إلا ليأمرهم أن يدخلوا في هذا الدين العظيم، فيقول لهم: ألا تجدون صفتي عندكم في التوراة؟ فيقولون: لا نجدها، فيظل يستحلفهم صلى الله عليه وسلم حتى يخرج إليه عبد الله بن سلام رضي الله عنه ويقول: والله إنك لرسول رب العالمين، وإنهم ليعرفون ذلك، فيخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم، ويكون ممن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا رآها أحد الصحابة أو رآها هو أنه أمسك بعروة، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتمسك بالإسلام حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى. وكأنه كان مع بعض اليهود لما قال ذلك، وكأن الكثيرين لم يكونوا يعرفون أنه أسلم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: اكتم إسلامي عن هؤلاء حتى يأتوا وسلهم عني، فسألهم عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فكان جوابهم: أنه سيدنا وابن سيدنا، وأنه حبرنا وابن حبرنا، ومدحوه وأباه مدحاً عظيماً. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم لو أسلم؟ قالوا: معاذ الله)، أي: حاشا لله لا يمكن أن يسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيتم إن أسلم؟ فكرروا)، فخرج ابن سلام يأمرهم أن يتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم يعرفون أنه على الحق، فقالوا: (شرنا وابن شرنا)، ورجعوا عن كلامهم الذي قالوا.
حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه
حيل اليهود في إخفاء الحق الذي يعرفونه إن الله عز وجل يخبرنا هنا بقوله: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197] أي: دعك من هؤلاء الجهلة الذين لا يقرءون ولا يكتبون، ولذلك لما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة في مدراسهم وهم جالسون في كنيستهم سألهم عن الرجم -وقد أتوه برجل وامرأة قد زنيا-: (أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا)، فأما أهل العلم منهم فيعرفون، وأما الأغلبية منهم فجهلة لا يقرءون؛ لأن كتابهم بلغة غير لغتهم، وهم لا يقرءون لا بلغتهم ولا بلغة غيرهم، وإنما يعتمدون على من يقرأ في التوراة، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حكم الرجم مما لم يحرفوه في التوراة، فإنهم قد حرفوا أشياء لكن حكم الرجم هذا لم يحرفوه، قال تعالى: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:93] أي: هاتوا التوراة واتلوها إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يضع يده على الآية التي فيها الرجم ويقرأ ما قبلها وما بعدها؛ حتى لا يراها النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا برجل ممن معه يقول: ارفع يدك واقرأ الذي تحت يدك، فرفع يده فقرأها، فبهت القوم لما سمعوا ذلك. وهذا من إفكهم وكذبهم على الله سبحانه، فقارئهم يضع يده على آية في كتاب الله وهو من كبرائهم، فإذا كان قارئ التوراة يفعل ذلك فكيف بباقي هؤلاء أولاد القردة والخنازير لعنة الله عليهم؟! فالله عز وجل يخبرنا أن علماءهم يعرفون ذلك تماماً فيقول: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء:197] أي: أن يعلموا أن هذا القرآن كلام رب العالمين، وأن هذا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من عند الله. قال سبحانه: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ} [الشعراء:198] أي: هذا الوحي وهذا القرآن العظيم، {عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ} [الشعراء:198] كما يدعون، فقد كانوا يدعون أن غلاماً أعجمياً هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولون: إن رجلاً اسمه رحمن موجود في اليمامة هو الذي يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعرفون أنهم كذابون في ذلك، وأن ما ادعوه غير موجود، فيقول الله سبحانه -يخاطب عقولهم لو كانوا يفهمون-: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:198 - 199] أي: إذا كان بالغة العربية فلا يريدون أن يؤمنوا، أو باللغة الأعجمية فسيقولون: نحن لا نفهم ماذا يقول، فلا يؤمنون به.
طبع الله على قلوب المجرمين فلا يؤمنون حتى يروا العذاب
طبع الله على قلوب المجرمين فلا يؤمنون حتى يروا العذاب قال الله عز وجل: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الشعراء:200] أي: كأمثال هؤلاء المجرمين سلكنا في قلوبهم الكفر والتكذيب والجدل بالباطل، كما تقول: سلكت الخيط في الخرز، أي: أدخلته بداخلها، فأنت عندما تخرز السبحة والعقد فإنك تدخل الخيط في الثقوب الموجودة فيها، وكأن هذا الكفر انسلك بداخل قلوب هؤلاء، فلا يخرج من قلوبهم. قال الله تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [الشعراء:201] أي: لا يؤمنون ولا يصدقون إلا أن يروا عذاباً كعذاب الأمم السابقة، وفي هذه الحالة يندمون حين لا ينفع الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم، فلا ينفعهم شيء إذا آمنوا حين يأتيهم العذاب. قال سبحانه: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [الشعراء:202] أي: فإذا جاءهم العذاب فإنه يأتيهم فجأة فينزل عليهم وهم لا يشعرون، فإذا جاء العذاب يقولون: {هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} [الشعراء:203] أي: يطلبون النظرة، وطالما أنهم يطلبون الانتظار فلماذا لم يسلموا ويتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم؟!
استعجال الكافرين للعذاب
استعجال الكافرين للعذاب يقول الله تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الشعراء:204] أي: إنهم يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم العذاب، وليس عذاب البشر إنما هو عذاب رب العالمين سبحانه، فقد كانوا جهلة، ومن جهلهم: أنهم يقولون: {رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص:16] أي: يا الله! نريد العذاب الآن قبل يوم القيامة، وهذا دليل على جهل هؤلاء، فالعاقل لا يطلب من ربه هذا الشيء، وقد أعمى الله أبصارهم بل بصائرهم فلم يفقهوا ولم يفهموا حتى ما يقولون، فالدعاء الذين يدعونه لم يفهموه، ولعلنا سمعنا أن دعاءهم في يوم بدر هو: اللهم أهلك أقطعنا للرحم، أي: الذي يقطع الرحم، يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يقول: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:23] أي: أنا أريد أن أصل الرحم الذي بيني وبينكم، وهم يقولون: هو أقطعنا للرحم، صلوات الله وسلامه عليه. ومن دعائهم كذلك قولهم -كما حكى الله عنهم-: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32]، فيدعون بدعاء لا يقوله إلا إنسان غافل غبي لا يفهم ما يقول، فبدلاً من أن يقولوا: أرشدنا إلى الحق واهدنا إليه، يقولون: إذا كان هذا حق فأنزل علينا عذاباً من عندك. قال الله سبحانه عن هؤلاء: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} [الشعراء:204 - 206] أي: لو تركناهم يتمتعون ويأكلون ويشربون ويلبسون ويتزوجون سنين طويلة، وفي النهاية جاءهم الموت: {ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} [الشعراء:206]، فهل أغنى عنهم هذا المتاع الذي تمتعوه؟ وهل أغنى عنهم طعامهم وشرابهم وقصورهم وبيوتهم؟ فلو كانت تغني لأغنت عن السابقين، ولكن: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:207].
الهلاك يكون بعد الإنذار
الهلاك يكون بعد الإنذار {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} [الشعراء:208] أي: إننا أنذرنا السابقين فلما لم يستجيبوا جاءهم العذاب، وكذلك ننذر هؤلاء، وهذه ذكرى من الله رب العالمين: {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء:209]، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، فقد أنذرهم الله وأعطى لهم الإعذار، فأرسل إليهم رسوله صلوات الله وسلامه عليه. فإن يؤمنوا فهو خيرٌ لهم، وإن يكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [198 - 227]
تفسير سورة الشعراء [198 - 227] ذكر الله تعالى في آخر سورة الشعراء أن الكفار لا يؤمنون بهذا القرآن العظيم، ولا بما فيه من الوعد والوعيد، وذكر الله تعالى أن هذا القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين وليس من تنزيل الشياطين، فإن الله قد منعهم من استراق السمع عند نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الشياطين تتنزل على أوليائهم من الكهان والشعراء الذين هم في كل واحد يهيمون، وأمر الله تعالى في هذه الآيات نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين، وأن يخفض جناحه لأتباعه المؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون)
تفسير قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في آخر سورة الشعراء: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء:198 - 211]. في هذه الآيات من آخر هذه السورة يخبرنا ربنا سبحانه عن هذا القرآن العظيم أنه {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]، ولو أن الله سبحانه نزل هذا القرآن على رجل أعجمي لكذب العرب، ولقالوا: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44] أي: أقرآن عربي على لسان إنسان أعجمي؟!! قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت:44]، فهم معترضون على كلام رب العالمين في جعل قرآن أعجمياً ينزل على رجل عربي، فالله سبحانه جعل القرآن العظيم بلغة العرب، قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف:2]، وقال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]. وقال سبحانه هنا: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} [الشعراء:198 - 200]. يعني: كذلك التكذيب أو الكفر بالقرآن العظيم الذي وقع فيه هؤلاء المشركون سلكناه في قلوب المجرمين.
معنى قوله تعالى: (لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم)
معنى قوله تعالى: (لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم) قال تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [الشعراء:201] أي: لا يؤمنون إلا مجبرون حين يرون العذاب أمامهم، ولا ينفعهم إيمانهم في ذلك الحين. قال تعالى: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [الشعراء:202]، فإذا جاءهم العذاب من عند رب العالمين فإنه يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. قال تعالى: {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ} [الشعراء:203] أي: يطلبون الانتظار من الله قليلاً حتى يؤمنوا ويدخلوا في هذا الدين؟ وكذلك سلك الله عز وجل التكذيب في قلوب هؤلاء كما كان من قبل في قلوب سابقيهم فلم يؤمنوا، كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب الأيكة وقوم إبراهيم حتى رأوا أمامهم عذاب رب العالمين سبحانه، فإذا جاء العذاب بغتة فلا ينفعهم إيمانهم إن أرادوا أن يدخلوا في هذا الدين؛ لأن الإيمان ينفع من آمن بالغيب، وصدق به من غير أن يرى ملائكة الله وعذاب الله سبحانه. قال تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} [الشعراء:204] أي: أفبعذاب رب العالمين يستعجلون؟! وهل عرفوا مدى عذاب رب العالمين؟! وهل عرفوا قوة الله سبحانه تبارك وتعالى وبطشه وأخذه للظالمين؟! قال سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]، فلو عرفوا قدر الله سبحانه وقوته وجبروته وملكوته لاستجابوا، ولما استعجلوا العذاب، ولما قالوا: {رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص:16]. قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ} [الشعراء:205]، يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن هذا الأمر، فلو أننا متعناهم سنين، {ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ} [الشعراء:206] وفي النهاية يأتيهم أجلهم وهو موتهم، {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:207]، وهذه عبرة لهؤلاء وعبرة لكل إنسان، فالإنسان الذي يطلب المتعة في الدنيا ولا يفرق أهي من حلال أو من حرام، فربنا يقول لهذا الذي يطلب من نعيم الدنيا: لو متعناه سنين فسيأتيه موته في النهاية، فإذا لم يأت الموت هذه السنة، فسيأتي في السنة القادمة، وإذا لم يأت اليوم فسيأتي غداً، فإذا جاء الموت هل يغني عنك هذا الذي تمتعت به، وهذا الذي كسبته من حرام وأكلته؟! فالإنسان يتفكر ويعتبر بمصير هؤلاء السابقين، واحذر الحرام واحذر التسويف، فمهما سوفت ففي النهاية سيأتي الموت. وقد يأتي الموت للإنسان وهو على غير توبة، فيرجع إلى ربه فيحاسبه حساباً شديداً، فليتب الإنسان من الآن إلى الله عز وجل، وليحذر الانكباب على الدنيا، وليحذر طلب الدنيا المحرمة؛ حيث إنها تغطي عليه، وتعمي عينيه، وفي النهاية يأتي الموت كما جاء للسابقين عليه.
معنى قوله تعالى (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون)
معنى قوله تعالى (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) ومعنى قوله تعالى: {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء:207] أي: لم يغن عنهم لا القصور ولا الحصون ولا الأتباع، ولا يغني عنهم شيء أمام عذاب رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: (أفرأيت) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء. ويقرأها ورش بالمد فيقول: (أفرآيت إن متعناهم سنين). ويقرأها الكسائي: (أفريت إن متعناهم سنين) فهذه أربعة قراءات لهذه الكلمة.
تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون)
تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) يقول سبحانه: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} [الشعراء:208] يعني: ما من قرية أهلكناها إلا وقد أزلنا أعذارهم: بأن أرسلنا إليها رسلاً، وبأن أنذرناهم وحذرناهم، فأصروا على طغيانهم، وبعدهم عن ربهم، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر.
معنى القرية وأصل هذه الكلمة
معنى القرية وأصل هذه الكلمة والقرية: هي المدينة، وأصلها من القري: وهو الاجتماع؛ لأن الناس يجتمعون فيها جموعاً كثيرة، فسميت (قرية) لذلك، فالقرية تطلق على المدينة وهي البلدة العظيمة، ورسل الله دائماً يكونون من أهل القرى، ولا يكونون من الريف ولا من البدو، قال الله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف:109]، فالرسل دائماً من القرى، وليسوا من الأرياف ولا من البدو، والسبب في كونهم من القرى أن أهل القرى -يعني: المدن- أرق طباعاً، لأن كثرة الناس تؤدي إلى احتكاك إنسان بإنسان آخر فيتولد عندهم أخلاقيات وذوقيات معينة، وأما أهل البدو فقليل، وكل إنسان يكون في حاله، فالبداوة تعطيهم جفاء وغلظة. فالأنبياء لم تكن طبيعتهم الجفاء ولا الغلظة، فهم من أهل القرى الذين يختلطون بالناس ويعيشون مع الناس، فيألفون ويُألفون؛ فالله عز وجل يمرنهم ثم بعد ذلك يرسلهم إلى قومهم حتى يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: {إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} [الشعراء:208] أرسلنا فيهم رسولاً ينذرهم ويخوفهم، فربنا قد أعذر للقوم وأزال عذرهم، وليس لهم عند الله عذر ولا حجة، قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165].
تفسير قوله تعالى: (ذكرى وما كنا ظالمين)
تفسير قوله تعالى: (ذكرى وما كنا ظالمين) يقول سبحانه: {ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء:209]. يعني: إرسالنا وإخبارنا ذكرى للأقوام وتذكرة لكم، وذكرى هنا في موضع نصب، أي: ذكرناكم ذكرى. وقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء:209] كقوله تعالى: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49] أي: فيستحيل أن يظلم الله سبحانه.
تعريف الظلم
تعريف الظلم والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو: أخْذ حق الغير، وكيف يظلم الله سبحانه وكل شيء ملك له سبحانه؟ فالله الخالق وكل ما سواه مخلوق، فكل شيء عبد له سبحانه، ويملكه وما ملك. إذاً: فالإنسان مخلوق لرب العالمين، والله عز وجل يصرف الأمور بحكمته وبقدرته وبعلمه سبحانه وربحمته، فعلى ذلك كيف يظلم؟ قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46].
تفسير قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين)
تفسير قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين) قال الله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء:210]. فهؤلاء الكفار الذين يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم أن له رئياً من الجن، أي: له صاحب، مثلما كان يقال للشعراء وأن كل شاعر له جني يلقنه ما يقوله من شعر، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم له جني يأتيه، وقالوا له صلى الله عليه وسلم: إذا كنت قد جئتنا بهذا الشيء تريد أن تكون ملكاً ملكناك علينا، يعني: اترك الذي أتيت به، وكن ملكاً ويكفي. وإذا كان بك طب جمعنا لك الأطباء وجمعنا أموالنا وعالجناك، أي: إن كان ما بك رئي من الجن ذهبنا بك فطببناك. وإذا كنت تحتاج مال جمعنا أموالنا وأعطيناك، فقال عليه الصلاة والسلام: كل هذا لا أريده؛ لأنه رسول رب العالمين سبحانه. وقوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء:210] كما يزعم هؤلاء البشر أن شيطانه يأتيه بهذا القرآن.
تفسير قوله تعالى: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون)
تفسير قوله تعالى: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون) يقول سبحانه: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء:211] أي: يستحيل أن الشيطان يتكلم بهذا القرآن العظيم؛ فالقرآن يحرق الشياطين، فكيف يتكلم الشيطان بهذا القرآن؟! ولو كان لهم أن يتكلمون به فإنهم لا يقدرون أبداً أن يتكلموا به.
تفسير قوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون)
تفسير قوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون) قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء:212]، لقد عزل الله الشياطين عن استراق السمع من السماء، وكانت الشياطين يرتقي بعضهم فوق بعض إلى السماء حتى يسترقوا السمع، وهذا ابتلاء من الله عز وجل، فإذا أراد الله شيئاً سبب أسبابه وقدر مقاديره، فشاء أن ينزل الخبر من السماء إلى أهل الأرض. وكان الكهان في الجاهلية كثيرون، وهذه فتنة يفتن الله عز وجل بها خلقه، وكانوا يصادقون ويصاحبون الجان، فكل كاهن له من الجن من يأتيه بخبر من الأخبار، والجان والشياطين يرقى بعضهم بعضاً إلى السماء، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بالكفين واحدة فوق الأخرى، أي: بعضهم فوق بعض، فكل جان يركب على الآخر حتى يصعدوا إلى السماء، ثم يسترقوا السمع، والله عز وجل يشاء أن الملائكة تتكلم بخبر السماء، فملك من الملائكة يكلم ملكاً آخر بأنه سيحدث كذا، وأمرنا بكذا، فهذه الكلمة يسمعها هذا الشيطان أو الجني الذي في السماء، ويلقيها إلى من تحته، وهكذا إلى أن تصل إلى الكاهن. فإذا شاء الله ألا تنزل هذه الكلمة إلى الأرض أرسل عليهم شهاباً يحرق جميعهم، أو يحرق من سمع ذلك، فلا ينزل هذا الخبر إلى الأرض، وإذا شاء أن يفتن عباده فينزل خبر السماء إلى الأرض تركهم، فينزل الخبر، وقد يحرق هذا الشيطان الذي سمعه وغيره لا يحرقه، وينزل الخبر إلى الأرض، فيأتي الجني إلى صاحبه الكاهن فيقر في أذنه هذا الشيء كما تقر الدجاجة، أي: مثلما تقرقر الدجاجة، ويزيد مع الخبر مائة كذبة، ويأتي هذا الكاهن يخبر الناس أنه سوف يحصل كذا، فيحصل هذا الشيء الذي أخبر به الكاهن ويفتتن الناس، فإذا بالناس يصدقون الكهان ويعتقدون فيهم. ولو أن أخبار الكهان كلها كاذبة فسيقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن أخبار الكهان كاذبة، فكانوا سيقولون له: نحن نعلم هذا، ولا نصدقهم لأنهم كاذبون، ولكن لا بد وأن يكون من أخبار الكهان ما فيه صدق، وبعد ذلك يأتي التشريع بعدم تصديق الكهان لا في صدق ولا في كذب، فيبتلي الله عز وجل العباد هل يصدقون الله سبحانه ويستجيبون لما يقول، أو يكذبون ويستجيبون للكهان وللشياطين؟ فهذه فتنة أراد الله سبحانه أن يختبر عباده بها، فالشياطين يقول الله سبحانه فيهم: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء:212]، فهم يكذبون عليكم، فإنهم قد يسمعون خبراً واحداً فيزيدون فيه كذبات كثيرة. ومعنى قوله تعالى: {لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء:212] أي: عن أخبار السماء، فقد عزلهم الله ومنعهم من ذلك إلا بشيء يريد فتنة الخلق به.
تفسير قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين)
تفسير قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين) قال سبحانه: {فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء:213]، وحاشا له صلى الله عليه وسلم أن يدعو غير الله سبحانه، وهذا من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خليل رب العالمين، وأقرب الخلق إلى ربه سبحانه: إياك أن تعبد غير الله، قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر:65 - 66]، وإذا قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى، وكل إنسان يخاف على نفسه، وربنا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب وهو عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فيخاطبه ربه بأن يحذر من الشرك، فغيره أولى بهذا الخطاب فمن أشرك فهو من الخاسرين، فلذلك يتقي الإنسان ربه ويخاف من الوقوع في الشرك بهذا التحذير وأمثاله. فمن دعا مع الله إلهاً آخر، فالنتيجة أن يكون من المعذبين.
تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)
تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالإنذار، وأول من ينذر هم أهله القريبون منه، وبعد ذلك يتوسع إلى غيرهم.
إنذار النبي لقومه من عذاب الله
إنذار النبي لقومه من عذاب الله لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً على قومه يدعوهم وينذرهم، وفي الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص) وقريش هي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، فناداهم ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنذر الجميع وخصص البعض منهم، فقال: (يا بني كعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار! يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار! يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) يعني: في الدنيا، فسأصل هذه الرحم، فتكون هناك نداوة بيني وبينكم، ولا يوجد بُعد ولا جفاء بيني وبينكم، وأما في الآخرة فلا أملك لكم من الله شيئاً. فالداعية أولى من يعظهم هم الأقربون منه، فيعظ نفسه وأهله وهم: زوجه وأولاده وأبيه وأمه ثم جيرانه ثم أصدقائه، فالأقربون أولى بالمعروف، فيبدأ بهؤلاء كما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين.
تفسير قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) قال الله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:215]، حتى يستجيب الناس لمن يدعوهم إلى الله عز وجل لا بد من أن يتواضع الداعي إلى الله سبحانه، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل:125]، فالدعوة بالحكمة أن تكون مع الناس في غاية الهدوء، فادعهم إلى الله ولا تنفرهم، قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]. والموعظة نوعان: موعظة شديدة وموعظة حسنة، فادع الناس الموعظة الحسنة؛ لعلهم يستجيبون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس).
تفسير قوله تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون)
تفسير قوله تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون) قال الله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء:216]، فإذا رفضوا أن يستجيبوا لك فتبرأ من أعمالهم كالشرك بالله سبحانه، أو ترك التوحيد وعصيان الله سبحانه. ومعنى قوله تعالى: {بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء:216] أي: متبرئ من أعمالكم.
تفسير قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم) قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء:217]، هذان الاسمان تكررا في هذه السورة كثيراً وهما: العزيز الرحيم، مع أن الغالب أن الرحيم يأتي مع الغفور، والعزيز يأتي مع الحكيم، قال الله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:158]، وقال تعالى: {عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء:11]، وقال تعالى: {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران:6]، وأما في هذه السورة فقال: {الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء:217]؛ لأن في هذه الآيات يخبر الله عز وجل عن الفريقين المؤمنين والكفار، فالكفار يأخذهم ويرينا فيهم عزته وقدرته سبحانه، فأرانا كيف صنع بقوم نوح ومن بعدهم، وأما المؤمنون فيرحمهم سبحانه. أخذ بها الكفار وأدخلهم النار، ورحمته كانت في المؤمنين، فقد رحمهم وأدخلهم جنته ونصرهم في الدنيا، ويوم القيامة يجعلهم من أهل رحمته، فهو العزيز الرحيم. فكما خذل الكفار من قبل وهزمهم فكذلك هؤلاء الكفار فإنه سيخذلهم ويهزمهم سبحانه، وكما رحم المؤمنين السابقين فكذلك سيرحم هؤلاء المؤمنين اللاحقين. ويأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وخفض الجناح هو اللين، وهو نفس المعنى الذي يقوله الله عز وجل للإنسان تجاه أبيه وأمه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء:24]، والجناح هنا بمعنى الجانب، وكأن الإنسان فيه جانب شدة وجانب لين، فيقول: اخفض جانبك اللين للوالدين وللمؤمنين وتواضع لهم، فإذا عصوك فقد قال تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء:216 - 217].
القراءات في قوله تعالى (وتوكل)
القراءات في قوله تعالى (وتوكل) وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ} [الشعراء:217] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء:217]. وقراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر: (فتوكل على العزيز الرحيم).
معنى حسبي الله ونعم الوكيل
معنى حسبي الله ونعم الوكيل والتوكل أن تكل أمرك إلى الله خالقك ومدبر أمرك، ثقة به سبحانه، وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ومعنى حسبي الله أي: الله كافيني، وهو نعم الوكيل، أي: نعم من أَكِل إليه عملي. والإنسان في الدنيا قد يوكل إنساناً يقوم له بشيء لا يقدر عليه، فيقول له: يا فلان! اعمل لي كذا، فيقول: أنا لا أستطيع أن أعمله، وفلان يستطيع أن يعمل لك هذا الأمر، فهذا في الدنيا، فوكيل الإنسان ونائبه يقوم مقامه، ويكون أميناً على أعماله. فالوكالة مبناها على النيابة والأمانة، أي: أمينك ونائبك في العمل، فتوكله أن يقوم بالعمل مكانك، فهو وكيلك ونائب عنك في بعض الأمور دون بعض، وأما الله عز وجل فهو وكيلك في جميع أمورك، فتتوكل عليه سبحانه، وتثق به، وترجع الأمر كله إليه؛ ثقة أنه يدبر الأمر كله، وأنت إذا عجزت عن الشيء ولم تقدر عليه فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، أي: الله كافيني، ويدبر لي أمري كله، وينجيني وينصرني وهو معي، فالله يدبر أمرك وينصرك، ويقف معك، فهو وكيلك سبحانه، فتكل أمرك كله إلى الله، وهذا معنى قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حيلة لا تحول ولا قوة لأحد على شيء إلا بمعونة ربه سبحانه، فهو مدبر الكون كله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم)
تفسير قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم) قال الله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} [الشعراء:218]، فلا تغيب عنه، فهو يرعاك ويحرسك ويكلؤك سبحانه، ويراك في كل أحوالك: حين تقوم لله عز وجل مصلياً بالليل أو بالنهار، وحين تقوم داعياً إلى الله، قال تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19]، ولما تدعو الإنس فيكيدون لك فإن ربك سبحانه يكيد بهم لك، فلا يقدرون على شيء، فالله وكيلك وهو يحرسك، وقد قال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]، فقد عصمه سبحانه من الناس فما استطاعوا أن يفعلوا به شيئاً إلا أن يحرشوا أو يؤذوا، والله يرد كيدهم في نحورهم.
بعض المواقف التي تبين عصمة الله تعالى لنبيه
بعض المواقف التي تبين عصمة الله تعالى لنبيه عندما كان صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة كان المشركون جلوساً يستهزئون به، وكلما طاف ومر عليهم شتموه مرة بعد أخرى، وفي النهاية وقف لهم وقال: (ألا تسمعون؟! والله! لقد جئتكم بالذبح)، فلما سمعوا أرعبهم الله سبحانه وأخافهم، فقالوا: انصرف أبا القاسم! فوالله ما علمناك جهولاً. ويأتي رجل من خارج قبيلة قريش إلى قبيلة قريش يستجير بهم على أبي جهل، فإنه قد أخذ ماله ولم يعطه إياه، وينادي في الناس: من ينصرني على أبي جهل؟! فرأوها فرصة ليضحكوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه أن يذهب إلى محمد ليأتيه بماله، وذهبوا وراء الرجل لكي يضحكوا ويقضوا ليلهم بالضحك على النبي صلى الله عليه وسلم، فطرق الرجل باب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ظلمني أبو جهل وأخذ مالي، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج معه وذهب إلى دار أبي جهل وطرق الباب، فخرج أبو جهل ونظر للنبي صلى الله عليه وسلم، وما يكون منه صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول: ادفع للرجل ماله، والناس وراءه منتظرين أن يضحكوا ويقهقهوا على النبي صلى الله عليه وسلم ماذا سيحصل؟! وإذا بالأمر ينعكس، وإذا بـ أبي جهل يرعب ويصفر وجهه ويتقهقر ويقول: نعم يا أبا القاسم! فيدخل إلى البيت ويأتي بالمال ويدفعه للرجل، فينقلب الأمر ويضحك الناس على أبي جهل، وبعد ذلك سألوه عن ذلك، فقال: والله! لقد رأيت وراءه فحلاً من الإبل، ولو لم أستجب له لقضمني. وهذا مصداق لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة:67]. فالنبي صلى الله عليه وسلم يبلغ الناس ويتوكل على العزيز الرحيم، فالله هو الغالب القوي على هؤلاء الكفار، فلن يضيعك، فاعمل لله عز وجل والله معك، وهو يعصمك من الناس، فإنه يراك في كل أحوالك.
تفسير قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين)
تفسير قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين) قال الله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:219] أي: فالله يراك قائماً وراكعاً وساجداً وفي كل أحوالك.
تفسير قوله تعالى: (إنه هو السميع العليم)
تفسير قوله تعالى: (إنه هو السميع العليم) قال الله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء:220]، فالله هو العزيز الغالب سبحانه، والله هو الرحيم، فيرحمك ويرحم المؤمنين، والله سميع بما يقول هؤلاء لك، وما تقوله أنت لهم. والله عليم يعلم أحوال الجميع، ويفعل بهم ما يشاء سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين)
تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين) قال سبحانه: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ} [الشعراء:221]. والنزول يكون من الأعلى إلى الأسفل، فكأن الشياطين تقدر على المشي وعلى الطيران أيضاً، وتنزل من أعلى إلى أسفل، فهي تطير وتصل إلى المكان الذي يشاء الله عز وجل، وتنزل على صاحبها.
تفسير قوله تعالى: (تنزل على كل أفاك أثيم)
تفسير قوله تعالى: (تنزل على كل أفاك أثيم) قال الله سبحانه: {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:222]، والرسول صلى الله عليه وسلم يتنزل عليه الوحي من السماء مع ملك كريم، {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير:20 - 21]، وأما هؤلاء فتتنزل عليهم الشياطين وتوسوس لهم وتكلمهم بكلام باطل وبأكاذيب. والإفك هو الحديث الكذب، ورجل أفاك: كثير الكذب شنيعه، فهو الذي يكذب أكاذيب مفضوحة وشنيعة وكبيرة، فالشياطين تنزل على كل إنسان كذاب، و (أَثِيمٍ): هو كثير الإثم.
تفسير قوله تعالى: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون)
تفسير قوله تعالى: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) قال سبحانه: {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء:223]. قوله تعالى: {يُلْقُونَ السَّمْعَ} [الشعراء:223] صفة لهؤلاء الشياطين أنهم يسترقون السمع من السماء، فيلقونه إلى أصحابهم من الكهان من أهل الأرض. وقوله تعالى: {وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء:223] يعني: كلام الشياطين أكثره كذب، وقد يكون فيه شيء من الصدق، ولم يجعل الله كل كلامهم كذباً؛ لكي يبتلي العباد. ولو أن الله عز وجل أمر العباد بألا يسرقوا وبغض في قلوبهم السرقة، ولا يوجد في قلب الإنسان حب للمال، فالإنسان لن يسرق. ولو أنه قال: لا تزنوا، ولم يجعل عند الإنسان شهوة، فلن يزني؛ لأنه لا يوجد عنده شهوة أصلاً، ولكن يخلق بداخله الشهوة ثم يهذبها له، ثم يأمره بفعل الحلال ويحذره من الوقوع في الحرام، فهذا هو محل الاختبار: هل سيطيع الإنسان ربه أو سيعصيه سبحانه؟ وكذلك الشياطين أكثرهم كاذبون، ولكن بعض الأخبار قد تكون أخباراً صادقة على النحو الذي ذكرناه من أنهم يسمعون خبراً من الملائكة وينزلون به إلى الأرض، فيشاء الله أن يحرقهم قبل أن ينزلوا بهذا الخبر، وقد ينزل الخبر قبل إحراق هؤلاء الشياطين، فينزل الخبر الصدق، ويزيدون عليه أكاذيب كثيرة، فأكثرهم كاذبون.
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
سبب تسمية سورة الشعراء بهذا الاسم
سبب تسمية سورة الشعراء بهذا الاسم قال سبحانه وتعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224]، وسبب تسمية سورة الشعراء بهذه التسمية أن الله عز وجل ذكر فيها الشعراء.
عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بقول الشعر
عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بقول الشعر وكان المشركون يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون عنه: شاعر، وساحر، وكاهن، ومجنون، ويدعون أنه يكذب صلوات الله وسلامه عليه وحاشا له، والله عز وجل يخبر أن الشياطين تتنزل على أوليائهم الكهان وعلى الشعراء، وحاشا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شاعراً مثلهم، وما كان يعرف الشعر ولا يجيده عليه الصلاة والسلام، ولعله يسمع بيت الشعر فإذا نطقه صلى الله عليه وسلم غيره فانعكس البيت ولم ينفع فيه الوزن، وفي هذا آية من آيات الله سبحانه، ولو أن إنساناً عربياً لا يتكلم شعراً فإنهم يعدون هذا عيباً فيه، لأنه عربي ولا يفهم الشعر، ولا يتكلم به، لكن هذا في النبي صلى الله عليه وسلم معجزة فيه صلوات الله وسلامه عليه، وأهل بيته يتكلمون بالشعر كبارهم وصغارهم، وما من أحد من قبيلته إلا ويتكلم بالشعر ويفهمه، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقول الشعر، ولو كان شاعراً لادعوا أن هذا القرآن شعر، لكنهم كانوا يفهمون الشعر جيداً، ويفهمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس شاعراً، فالقرآن هذا ليس من الشعر، وليس من كلام الشعراء. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وفي غيره صلوات الله وسلامه عليه قد يعد هذا عيباً من العيوب، لكن هذا معجزة له عليه الصلاة والسلام، ولو كان يقرأ ويكتب لادعوا عليه أنه ذهب وقرأ عند أهل الكتاب، ثم ترجمها إلى العربية وقالها لنا، ولكنه لم يكن يقرأ، ولا يكتب، ولا يفهم الشعر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ينطق بالشعر عليه الصلاة والسلام. ولما أتى رجل وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع. يعني: أتعطيني أنا وفرسي خمسين جملاً وأعطيت عيينة والأقرع كل واحد منهما مائة من الإبل، فلا يستقيم هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: أنت الذي تقول: (أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة) فهذا ليس شعراً؛ لأنه لا وزن فيه، فيقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك رسول رب العالمين. فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق الشعر، قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس:69]. والله عز وجل يخبر عن الأغلب من الشعراء أن الشياطين تنزل عليهم وتوسوس لهم بالشتم والقدح والسب والمدح؛ لكي يعطوا مالاً، فأكثر أغراض الشعراء طلب الدنيا، فالشاعر يمدح الملوك لكي يعطوه مالاً، ويذم إنساناً لأنه مقهور منه، ولذلك لما جاء شاعر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد! إن مدحي زين وإن قدحي شين، قال: ذاك الله) أي: الذي مدحه زين هو الله سبحانه، والذي ذمه شين هو الله سبحانه، وأما أنت فلا شيء، ومن تكون أنت؟! فهذه صفة الله عز وجل الذي إن مدح شيئاً سبحانه فقد زانه، وإن ذم شيئاً فقد شانه. فالشياطين تنزل بالكذب على هؤلاء الشعراء بخلاف ملائكة رب العالمين، فإنهم ينزلون بالصدق على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالقرآن وحي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم أنزله عليه ولم تتنزل به الشياطين، وإنما تتنزل الشياطين على أمثال هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل. وقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224] أي: يجري ورائهم أهل الغواية، والشياطين تتبع الشعراء فتوسوس لهم أن اعملوا كذا وكذا، فيسمعون كلامهم ويفعلون هذا الشيء إلا من رحم الله، ولذلك استثنى في آخر الآيات فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء:227].
القراءات في قوله تعالى (يتبعهم)
القراءات في قوله تعالى (يتبعهم) وقوله تعالى: {يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (يَتَّبِعُهُمُ). وقراءة نافع: (يَتْبَعُهُمُ). والغاوي: هو الإنسان الذي حاد عن الحق، قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم:2] أي: لا تاه عن الحق ولا وقع في المعاصي، والغواية عكس الرشد. فإنسان راشد: أي عقله ثابت وحاضر، فهو يفهم ويعي ويعقل. وإنسان غاوي: أي: عقله ضائع، فهو يفعل المعاصي ويقع فيما يغضب الله سبحانه. فهؤلاء الغاوون من الإنس والجن يتبعون الشعراء، ويعجبهم أنَّ الشاعر يمدحهم أو يذم خصومهم.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225] أي: أن هؤلاء الشعراء يهيمون في كل واد، ولا يتركون شيئاً إلا وتكلموا فيه، فهم يتكلمون في الأرض وفي السماء، وفي المشرق وفي المغرب، وفي الرجال وفي النساء، وفي الصغار وفي الكبار، وفي كل شيء، ويصفون أي شيء، وأكثر الشعراء على ذلك، ولا يوجد شيء يمنعهم أو يردعهم فيقولون أي كلام، فيمدحون الخمر أو غيرها من المحرمات، ثم يعتذرون بعد ذلك. فهنا معنى قوله تعالى: {فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225] أي: في أي شيء: من إثم أو ذنب أو معصية أو طاعة. والذي يهيم هو الذي يمشي تائهاً ولا يشعر أين هو، ولذلك لا تسم ابنتك هيام، فهذه التسمية غلط، والناس يسمون أبناءهم بأسماء لا يفهمون معناها، فالهائم هو الذي يهيم، يقال: فلان في الظلام يهيم، أو إني أراك في الظلال تهيم، يعني: تمشي ولا تعرف هل أنت مشرِّق أم مغرب؟ وتمشي في الضلال وفي التيه وعقلك ليس حاضراً. فالهيام هو طيش العقل فترى الإنسان يمشي ولا يدري إلى أين يذهب؟ قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225]، فالشعراء أهل الغواية هم الذين يمدحون بحق أو بباطل، وكذلك يذمون بحق أو بباطل، فهم في كل واد يهيمون.
تفسير قوله تعالى: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي منقلب ينقلبون)
تفسير قوله تعالى: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون أي منقلب ينقلبون) قال سبحانه: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:226]، فالأغلب منهم يقولون الشعر فيظهرون أنفسهم أنهم الأبطال الجسورون، وأنهم فعلوا كذا وكذا، وهم لم يفعلوا شيئاً مما قالوه، ولذلك استثنى الله عز وجل فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء:227]، فالمؤمنون تربط ألسنتهم طاعة الله، والخوف من الله سبحانه، فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم شعراء مجيدين، مثل عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا يذمون الكفر وأهله، وينتصرون لدين رب العالمين سبحانه. والنبي صلى الله عليه وسلم سمع الشعر لكنه لم يقل شعراً عليه الصلاة والسلام، إلا ما يكون محفوظاً عند الناس، كشعر الصحابة وهم يحفرون الخندق مثلاً: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة فيقوله النبي صلى الله عليه وسلم داعياً ربه بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد يكون كلاماً يخرج من اللسان وهو على أوزان الشعر المعروفة لكنه غير مقصود أن يكون شعراً، فمثلاً قول الأنصار: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً فيرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة. أو فارحم الأنصار والمهاجرة.
سماع النبي صلى الله عليه وسلم للشعر الحسن
سماع النبي صلى الله عليه وسلم للشعر الحسن وفي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه أنه قال: (ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن الصلت؟ فقال: قلت: نعم، فقال: هيه) و (هيه) بمعنى: قل وأسمعني. وأمية بن الصلت كان في الجاهلية، وكان كافراً وكاد شعره أن يسلم، وقد قال أشعاراً فيها توحيد لله عز وجل، وكاد أن يسلم الرجل ولكنه كان جاهلياً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن شعر أمية بن الصلت الذي فيه ذكر الله وفيه التوحيد، فالرجل قال: نعم. (قال: هيه، فأنشده بيتاً، ثم قال: هيه، فأنشده آخر، قال: حتى أنشدته مائة بيت) فالنبي صلى الله عليه وسلم يسمع الشعر ويفهمه عليه الصلاة والسلام، وأما أنه يفهم أوزانه ويقوله فلم يعلمه الله سبحانه وتعالى ذلك. وفي هذا دليل على أنه يجوز حفظ الأشعار المفيدة التي يستفيد منها الإنسان سواء في حفظ العلم، أو حفظ اللغة العربية، أو غير ذلك كما سنبين ذلك فيما بعد. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة الشعراء [221 - 227]
تفسير سورة الشعراء [221 - 227] كان كفار قريش يتهمون النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يأتيه شيطان بالوحي، فرد الله عليهم هذا الافتراء، وبين لهم من الذي تتنزل عليه الشياطين، وأنها تنزل على الأفاكين، وذم الشعراء الذين هم في كل واد يهيمون، واستثنى من هذا الذم الشعراء المؤمنين الصالحين.
تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين وأكثرهم كاذبون)
تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين وأكثرهم كاذبون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في آخر سورة الشعراء: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:1221 - 227]. في ختام هذه السورة الكريمة سورة الشعراء يخبر ربنا سبحانه وتعالى أن الشياطين تنزل على أهلها وأصحابها وأوليائها، وكان الكفار يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم أن شيطانه يأتيه بهذا الوحي من السماء، فقال ربنا مجيباً لهؤلاء الكذابين: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ} [الشعراء:221]، و (تنزل) مدغمة وأصلها تتنزل الشياطين، أي: أن الشياطين تطير في الهواء وتنزل على أصحابها وأوليائها. {تَنَزَّلُ} [الشعراء:222] أي: تتنزل: {عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:222] أي: على الكذابين، والأفاك هو الإنسان الكثير الكذب، فهم يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق لا يكذب، وقد شهد الله عز وجل عليهم بذلك فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33] يعني: أنهم لا يدعون أنك تكذب، فهم كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين عليه الصلاة والسلام، فلا يجتمع أن يكون صادقاً وأميناً ثم تنزل عليه الشياطين، وهذا لا يكون حتى عندهم، ولكنهم يجحدون بآيات الله رب العالمين، فربنا يطمئن النبي صلى الله عليه وسلم أنك لست كذاباً، وهم لا يعتقدون أنك كذاب، بل هم يجحدون -والجحد: إخفاء الحقيقة مع اليقين والعلم بها- آيات الله، مع أنهم يعرفون أنه الحق من ربهم سبحانه، ولكن ينكرون ذلك مع أن قلوبهم متيقنة أن هذا الحق من عند رب العالمين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق، ومع ذلك يكذبون ويقولون: كذاب، ويقولون: مجنون، ويقولون: ساحر، فربنا يقول لهم: لا، الأولى أن تعرفوا من هم هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين، فليس محمد صلى الله عليه وسلم ممن تنزل عليه الشياطين، وإنما تتنزل الشياطين على شعرائكم الكذابين، فكان كل شاعر منهم يزعم أن له شيطاناً يأتيه بالسحر، فالشياطين تنزل على كهنتهم وكذابيهم. قال الله تعالى: {تَنَزَّلُ} [الشعراء:222] أي: هذه الشياطين، {عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:222] أي: على كل كذاب، بل من كان فاحش الكذب، فهؤلاء هم الذين تواليهم الشياطين، {أَثِيمٍ} [الشعراء:222] أي: كثير الإثم، يفعل الآثام والذنوب. {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء:223] يعني الشياطين تلقي السمع إلى أخبار السماء وتنزل بهذه الأخبار -إذا شاء الله- إلى الأرض، فتخبر بها الكهنة والعرافين ونحوهم، فيخبرون بما أخبروا به. وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطانين يركب بعضهم بعضاً حتى يصلوا إلى السماء فيسترقوا السمع، ويشاء الله عز وجل فتنة عباده بأن تتحدث الملائكة بخبر من خبر السماء، فتخطفه الشياطين وتنزل به إلى الأرض، فيرمى الشيطان بالشهاب، فقد يدركه قبل أن ينزل بهذا الخبر، وقد يدركه بعد أن ينزل بهذا الخبر، فيصل الخبر إلى الكاهن في الأرض، والشيطان يقرقره في أذن الكاهن، والكاهن يخبر الناس بهذا الخبر ويكذب مائة كذبة مع ما أخبره الشيطان به، وعندما يتحقق هذا الخبر الصدق يصدق الناس الكهان، ويقولون: صدق في اليوم الفلاني، فيصدقون باقي كلامه الكذب. وقد حذرنا ربنا على لسان نبينا صلى الله عليه وسلم من تصديق الكهان وقال لنا: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، فلا يجوز لأحد أن يأتي كاهناً أو عرافاً ليسمع منه، أو ليسأله عن شيء. والكاهن هو الذي يتكهن للناس، فيقول: سيحصل كذا، وفي آخر السنة هذه سيكون كذا، وفي أول السنة سيكون كذا، ويكذب على الناس بأكاذيب، كما ترى في الجرائد من يقول: العرافون يقولون: كذا وكذا، وصاحب علم النجوم يقول: هذه السنة سيحصل كوارث وكذا وكذا، فهذا من الكهانة التي حرمها ربنا سبحانه، ومن صدق ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. والعراف مثل الكاهن، ولكنه يستدل ببعض الأشياء على أشياء مغيبة، فيقول لهم: عند فلان كذا، وعند فلان كذا، فتخبره الشياطين عن ذلك، وغاية الشيطان الوقيعة بين الناس، فالشيطان يخبره أن فلاناً هو الذي سرق، فتتقاطع الأرحام بفعل ذلك الكاهن والعراف.
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)
تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) لما ذكر الله عز وجل هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين من الأفاكين والعرافين والسحرة والكهنة قال سبحانه: {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:223 - 224] (يتبعهم) يعني: يسير وراءهم، وقراءة الجمهور: {يَتَّبِعُهُمُ} [الشعراء:224] بتشديد التاء، وقرأها نافع: (يتَبْعهم) بغير تشديد، والمعنى أنه يمشي وراءهم كل غاوٍ، والغاوي هو الإنسان الذي يمشي في هواه، ولذلك قال ربنا سبحانه مقسماً بالنجم: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم:1 - 2]، فمن غوى كأنه حصل له شيء في هواه فاتبعه بعيداً عن الصواب. فهؤلاء الغاوون الذين يتبعون الشاعر فكيف يكون حال الشاعر؟! فإذا قيل: إن فلاناً يتبعه كل آثم، فكيف بالمتبوع؟! فأشد الغواة الشعراء. {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء:224]، لماذا؟ قال سبحان معجِّباً من حال أكثرهم: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225]، ألم تر أن هؤلاء الشعراء يسيرون هائمين، فالشاعر يسير ولا يدري أين يسير، يقال: فلان هائم على وجهه في الأرض، أي: يمشي مثل الأعمى، فكذلك الشعراء يهيمون في كل واد، فأي فكرة تخطر في باله فإنه يتكلم فيها بأي شيء. وهذا العموم مخصوص، ولذلك قال الله بعد هذا: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء:227]، فالله عز وجل خص من هؤلاء الغاوين أهل الإيمان، فهم ليسوا غاوين، بل هم أهل تقوى كما سيذكر صفاتهم بعد ذلك.
الشعر بمنزلة الكلام
الشعر بمنزلة الكلام روى البخاري في الأدب والدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام). فالشعر موهبة من الله عز وجل للإنسان، وهذا الشعر يكون حكمه بحسب الموضوع الذي قيل فيه هذا الشعر، فإن كان الموضوع موضوعاً جيداً ومن المواضيع النافعة فالشعر حسن فيها، وأن كان الموضوع موضوعاً تافهاً فالشعر فيه مثله، فالشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. والنبي صلى الله عليه وسلم قد استمع للشعر، قال أحد الصحابة -وهو الشريد السلمي -: ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: (هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟)، وأمية بن أبي الصلت شاعر جاهلي، وكان يقول شعراً في غاية الجودة والجمال، ويكاد شعره ينطق بالتوحيد، ومع ذلك لم يؤمن، فكفر قلبه وآمن شعره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع هذا الشعر الذي فيه التوحيد، قال: (هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قال: قلت: نعم، قال: هيه) (هيه) يعني: قل وأسمعني، قال: (فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه، حتى أنشدته مائة بيت)، فهذا الصحابي كان يحفظ الشعر، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، بل استمع هذا الشعر منه. وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) أي: كاد ولم يسلم، فشعره مليء بالتوحيد ولكنه لم يسلم. وكثير من الصحابة كانوا يحفظون الشعر، وكان كثير منهم يقول الشعر، ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، بل بعضهم قال الشعر بحضرته صلى الله عليه وسلم، وما من أحد من آل بيته صلى الله عليه وسلم إلا وقال الشعر كعمه العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وغيرهما من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، بل ومن نساء آل البيت من قالت الشعر، فالشعر ليس قبيحاً إلا أن يكون الموضوع الذي يتكلم فيه الشاعر موضوعاً قبيحاً. وقد ورد أن العباس مدح النبي صلى الله عليه وسلم بأبيات شعر، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت فيك شعراً، ويريد أن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسراً وأهله الغرق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفضض الله فاك). وهذا الشعر قاله العباس في النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه: (من قبلها) أي: من قبل ما تجيء في هذه الدنيا (طبت في الظلال) يعني: طبت في الجنة. (وفي مستودع حيث يخصف الورق) يقصد قصة آدم وحواء لما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، والمعنى أنت كنت في صلب آدم وهو في الجنة. قال: (ثم هبطت البلاد)، إلى آخر ما ذكره للنبي صلى الله عليه وسلم. وأيضاً جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال شعراً، فمن قوله رضي الله عنه لما مات النبي صلى الله عليه وسلم: فقدنا الوحي إذ ولّيت عنا وودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهيناً توارثه القراطيس الكرام فقد أورثتنا ميراث صدق عليك به التحية والسلام وكان للنبي صلوات الله وسلامه عليه شعراء مثل حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير وغيرهم ممن كانوا يقولون الشعر، ويمدحون النبي صلى الله عليه وسلم، ويمدحون دين الله سبحانه، ويدافعون عن الدين، ويهجون الكفار المجرمين. وكان حسان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لما طلب منه أن يرد عليهم حذره أن يسب الأنساب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له نسب فيهم، فإذا سب آباءهم فكأنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، فحذره فقال: لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وهذه من البراعة التي كان عليها حسان رضي الله عنه، حيث يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم ويهجو المشركين، ويسل النبي صلى الله عليه وسلم منهم من غير أن يتعرض لنسبه بشيء صلى الله عليه وسلم. وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه حسان وكعب بن مالك وابن رواحة لما سمعوا هذه الآيات المكية، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله! أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء، فقال: (اقرؤوا ما بعدها: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء:227] حتى بلغ: {وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء:227])، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: (انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً، ولا تذكروا الآباء والأمهات) يعني: انتصروا لهذا الدين واهجوا المشركين ولكن لا تسبوا الآباء والأمهات. ومن شعر حسان رضي الله عنه أنه هجا أبا سفيان قبل إسلامه عندما هجا أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له حسان: هجوت محمداً فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء فـ حسان رضي الله تبارك وتعالى عنه يهجو هؤلاء ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أفديك أنا وأبي وأمي، وكلنا نفدي النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ذم الشعراء الغاوين
ذم الشعراء الغاوين قوله سبحانه: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:224 - 225]، فالشاعر الذي يترك لنفسه الحبل على الغارب يقع في المزالق وفي الخطأ، ولذلك بعض الشعراء كانوا مؤمنين وعلى صلاح ولما تمادوا في الشعر وقعوا في أشياء خطيرة جداً، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:225 - 226]. وقد روى مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعراً)، جوف الإنسان أي صدره، لأن يمتلئ صديداً أفضل له من أن يمتلئ شعراً، والمقصود الشعر الذي فيه أكاذيب. وفي حديث آخر في الصحيح عن أبي سعيد قال: (بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه، ولعله من الشعراء الذين يمدحون الناس، فإن أعطوه مالاً مدحهم، وإن لم يعطوه مالاً هجاهم، فلذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم شيطاناً. قال العلماء: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعله كان ممن اتخذ الشعر طريقاً للتكسب، ولذلك أحد هؤلاء الشعراء قال للنبي صلى الله عليه وسلم يخوفه: يا محمد! إن مدحي زين، وإن ذمي شين، فقال له: (ذاك الله سبحانه وتعالى) يعني: الذي يمدح فيرفع والذي يقدح فيضع هو الله سبحانه ولست أنت، فعرف الرجل قدر نفسه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه)، (حتى يريه) يعني: حتى يمزق جوفه، والمقصود الشعر القبيح.
مدح الشعراء الصالحين
مدح الشعراء الصالحين قال النبي صلى الله عليه وسلم في شعر حسان: (إنه لأسرع فيهم من رشق النبل)، وجاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء أو عمرة القضية، وكان عبد الله بن رواحة يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول للكفار: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فأنكر عليه عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عمر: (خل عنه يا عمر، فلهو أشد عليهم من نضح النبل)، وكان ذلك في عمرة القضية سنة سبع من الهجرة قبل فتح مكة بعام، فكانوا داخلين مكة للعمرة، وكانوا ألفاً وخمسمائة، فـ عبد الله بن رواحة كان يقول ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم يشجعه؛ لأن هذا الشعر الذي يقوله أشد على الكفار من رمي النبال.
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:225] أي: في كل لغو يخوضون ولا يتبعون سنن الحق، وقد ذكر الإمام القرطبي أن النعمان بن عدي بن نضلة كان عاملاً لـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعني: كان والياً على بلد من بلاد الشام، فقال شعراً، وهو من المؤمنين الصالحين، ولكن حصلت له هفوة فقال هذا الشعر: من مبلغ الحسناء أن حليلها بميسان يُسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية ورقاصة تجذو على كل منسم فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا في الجوسق المتهدم فبلغ هذا الشعر عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فأرسل إليه، فلما أقبل على عمر قال له: إي والله! إني ليسوءني ذلك، لأنه قال في شعره: لعل أمير المؤمنين يسوءه تنادمنا بالجوسق المتهدم وهو يقول: (من مبلغ الحسناء) يعني: امرأته، من يبلغها؟ (أن حليلها) أي زوجها، (بميسان يسقى في زجاج وحنتم)، يعني: أنه يشرب الخمر، في بلدة ميسان، وهو لم يشرب، ولكن كما قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:224 - 225]، فلما قال له عمر ذلك استشعر من عمر أنه سيقيم عليه الحد باعترافه أنه شرب الخمر، فقال: يا أمير المؤمنين! ما فعلت شيئاً مما قلت، وإنما كان فضلة من القول، وقد قال الله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:224 - 226]. فقال عمر رضي الله عنه: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً. فالشعراء عادتهم الكذب، ويقولون: أجود الشعر أكذبه. وشعراء أهل الجاهلية كان أحدهم يبتدئ القصيدة بالغزل، ويتكلم في الفخر، ثم يهجو الخصم ويتكلم في الشجاعة، ويأتي بأشياء عجيبة، كالمعلقات التي كانت تعلق في الكعبة، وقد قالها فحول الشعراء مثل عنترة وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد وامرؤ القيس، وقد كتبت بماء الذهب، وعلقت على الكعبة، ومن أجمل هذه المعلقات معلقة عمرو بن كلثوم وهو رجل تغلبي، وكان في عهده ملك اسمه عمرو بن هند، وكانوا يلقبونه بمضرط الحجارة، أي: أن الحجارة تضرط؛ خوفاً منه، فقد كان جباراً، ومن جبروته أنه سأل الناس: هل يوجد أحد ترفض أمه أن تخدم أمي؟ فقالوا له: نعم، عمرو بن كلثوم، وكان عُمْر عمرو خمس عشرة سنة، فبعث إليه أن يأتيه مع أمه، فذهب إليه هو وأمه مع عشرين رجلاً من القبيلة، فلما وصلوا إلى الملك دخلت المرأة عند أم الملك، فأم الملك أرادت منها أن تخدمها، فصرخت أم عمرو، فلما سمع عمرو ذلك أخذ السيف وضرب رقبة الملك، وهرب ومن معه، وقال قصيدته المشهورة: وقد علم القبائل من معد إذا قبب بأبطحها بنينا بأنا المنعمون إذا قدرنا وأنا المهلكون إذا أتينا وأنا الحاكمون بما أردنا وأنا النازلون بحيث شينا وأنا التاركون لما سخطنا وأنا الآخذون لما رضينا وأنا العاصمون إذا أطعنا وأنا الغارمون إذا عصينا ونشرب إن وردنا الماء صفواً ويشرب غيرنا كدراً وطيناً ألا أبلغ بني الطماح عنا ودعميّاً فكيف وجدتمونا إذا ما الملك سام الناس خسفاً أبينا أن نقر الذل فينا ملأنا البر حتى ضاق عنا كذلك البحر نملؤه سفينا إذا بلغ الفطام لنا وليد تخر له الجبابر ساجدينا فاسمعوا إلى هذا الكذب، وكانت هذه القصيدة معلقة في الكعبة أيام الجاهلية، وهو شعر رائع جداً لكنه مليء بالكذب، فإنه قال: ملئنا البر حتى ضاق عنا! فهل قبيلة تغلب تملأ البر؟! وهل ملئوا البحر بالسفن؟! صدق الله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء:224 - 225]. ومن هؤلاء الشعراء جرول الملقب بـ الحطيئة، فقد كان شاعراً كثير الهجاء، وكان يهجو أي إنسان، حتى كاد عمر رضي الله عنه أن يقطع لسانه، حتى إنه هجا أباه فقال: لحاك الله ثم لحاك حقاً أباً ولحاك من عم وخال فنعم الشيخ أنت على المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي وقال لأمه: جزاك الله شراً من عجوز ولقّاك العقوق من البنينا تنحي فاجلسي عني بعيداً أراح الله منك العالمينا أغربالاً إذا استودعت سراً وكانوناً على المتحدثينا بل إنه هجا نفسه فقال: أبت شفتاي اليوم إلا تكلما بشر فما أدري لمن أنا قائل أرى لي وجهاً قبح الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله فصدق الله إذ يقول: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ} [الشعراء:224 - 226].
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} [الشعراء:227]، فالمؤمن يقول الشعر النافع، فيذكر ويعظ به الناس، ويحثهم على العمل الصالح، وذكْر الله سبحانه وتعالى، والانتصار لدين رب العالمين سبحانه، كـ حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة وغيرهما رضي الله عنهم؛ فهؤلاء لا يذمون على شعرهم. قال الله: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227] أي: سيعلم الظلمة والكفرة والكذابين والأفاكين {أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:227] أي: أي مرجع سيرجعون إلى الله سبحانه، فسيعرفون شؤم ما صنعوا بجزائهم السيئة يوم القيامة، فنسأل الله سبحانه حسن النهاية، وحسن المنقلب. أقول قولي هذا وأستغفر الله، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
النمل
تفسير سورة النمل [1 - 14] الحروف المقطعة في القرآن تشير إلى تحدي الله عباده بأن يأتوا بكلام مثل كلامه سبحانه، وقد ذكر سبحانه في مطلع سورة النمل هذا المعنى، ثم ذكر قصة الرسل مع أنبيائهم، وكيف كانت عاقبة المفسدين المكذبين للرسل المعرضين عن دعوتهم.
تفسير قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين)
تفسير قوله تعالى: (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ * إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ * إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:1 - 14]. هذه السورة السابعة والعشرون من كتاب الله رب العالمين المسماه بسورة النمل، وهي من السور المكية كسابقاتها، وآياتها ثلاث وتسعون آية، ونزلت بعد سورة الشعراء، وسميت بذلك لأن الله عز وجل ذكر فيها النمل، فكل سورة تسمى بما هو موجود بداخلها، مثل سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة الشعراء، فالله عز وجل يذكر في ثنايا السورة ما يدل على ذلك. ففي سورة النمل قال الله تعالى: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18]، والنمل خلق من خلق الله سبحانه وتعالى يسبح ربه، وقد جعل الله فيها أفهاماً تفهم وتعي بها، وتدبر لنفسها بأمر ربها سبحانه أمر قوتها وأمر مساكنها وحماية نفسها كما سيأتي في هذه السورة.
الخصائص المكية لسورة النمل
الخصائص المكية لسورة النمل تتميز هذه السورة المكية بخصائص السور المكية، وذكرنا قبل ذلك أن من خصائص السور المكية: الاهتمام بأمر التربية، وأمر العقيدة، وأمر التوحيد، وإقرار هذا الأمر. فتجد هذه السور المكية تعنى بأمر العقيدة، والإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، وذكر صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى، وكذلك ذكر قصص الأنبياء، وما ابتلاهم الله عز وجل به، ثم نصر الله عز وجل لهؤلاء الأنبياء. وفي هذه السورة العظيمة يبين الله سبحانه وتعالى لنا كيف أنه قد يعطي لبعض عباده الرسالة، وقد يعطي البعض الآخر الرسالة والملك، كما أعطى داود وأعطى سليمان، وسنرى في هذه السورة شأن الاثنين. وفي هذه السورة: ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام بشيء من التفصيل، وقد تقدمت هذه القصة مراراً، فقد كان موسى عليه الصلاة والسلام صاحب شريعة قبل نبينا صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك أكد الله عز وجل ذكر أمره في هذا القرآن العظيم مرات ومرات؛ حتى يأتسي النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي به. ولذلك كان هو النبي الوحيد الذي نصح النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج أن يرجع إلى ربه، وقال: إني بليت بني إسرائيل قبلك، وإن أمتك ضعيفة لا تطيق، فهو صاحب تجربة عليه الصلاة والسلام، فأشار للنبي صلى الله عليه وسلم بمحصلة هذه التجربة، فكانت النتيجة أن وضعت الصلوات من خمسين صلاة في اليوم والليلة إلى خمس صلوات في اليوم والليلة. وقد ابتدأ ربنا سبحانه سورة النمل بالحرفين المقطعين: الطاء والسين، وقد قلنا: إن هذه السورة ثلاث وتسعون آية على العد الكوفي، وأربع وتسعون آية على العد البصري، وخمس وتسعون آية على العد الحجازي، فالبعض عد هذه الآية في مكان وقف النبي صلى الله عليه وسلم، والبعض أدخل وقفين على أن هذا وقف جائز وبعده رأس الآية. إذاً: فالبعض عدهما فاصلة ورأس آية، والبعض لم يعدهما كذلك، فاختلف الترقيم. قال الله تعالى: {طس} [النمل:1]، حرفان مقطعان في أول هذه السورة، وقد تميزت السور الثلاث من سور الطواسين أو الطواسيم بهذه الحروف: الطاء والسين، وزادت الميم في سورتي الشعراء والقصص. فالسور: الشعراء، والنمل، والقصص تسمى بسور: الطواسيم أو الطواسين، هذا جمع على غير قياس، وأيضاً يقال: هي ذوات الطاسن، يعني: في أولها طاء وسين، والقراءة فيها: {طس} [النمل:1]، قراءة الجمهور، وأما قراءة أبي جعفر فبالقطع لبيان أنها حروف وليست كلمة. ولذلك كل الحروف التي في فواتح السور يقرؤها أبو جعفر يزيد بن القعقاع مفرقة، أي: يقطعها، فيقطع في قوله تعالى: {طس} [النمل:1]، حتى يبين أن هذا حرف، وهذا حرف، مثل قوله تعالى: {طه} [طه:1] فهو يبين أن ليست كلمة، ولكن هذا حرف وهذا حرف، أي: حرفان. وهنا بدأ الله عز وجل بهذين الحرفين، وقراءة الجمهور: مد الطاء حركتين، ومد السين مداً طويلاً، والطاء في قراءة شعبة عن عاصم، وقراءة حمزة، والكسائي، وخلف ممالة، يعني: أن غيرهم يقرأ الطاء مفتوحة، أما شعبة عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف فيميلونها، إذاً: القراءة إما بالفتح، وإما بالإمالة فيها، وأما السين فالكل يقرؤها ممدودة مداً طويلاً. قال الله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، وستجد دائماً في القرآن أ، الله عندما يبدأ السورة بحروف مقطعة فلا بد أن يشير إلى القرآن بعدها، كقوله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:1 - 2]، وقوله تعالى: {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران:1 - 3]، وقوله تعالى: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الشعراء:1 - 2]، وقوله تعالى: {طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، وقوله تعالى: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:1 - 2]. فالله سبحانه وتعالى عندما يذكر الحروف المقطعة فإنه يذكر بعدها مباشرة الإشارة إلى هذا القرآن، وكأنه يقول لنا: إن هذا القرآن من هذه الحروف نفسها، أي: من الحروف التي تتكلمون بها، وتصنعون منها خطبكم ونثركم وشعركم، ويتحداكم الله عز وجل أن تأتوا بمثل هذا القرآن لو استطعتم إلى ذلك سبيلاً. فالمقصود بها هنا: التحدي، والكثرة، أي: هاتوا مثل هذا القرآن الذي جاءكم من مثل هذه الحروف، والذي يعد حروف هذه السورة يجد أن أكثر الحروف التي تكررت في هذه السورة حرف الطاء وحرف السين، وكذلك كل سورة يبدؤها الله عز وجل بأحرف مقطعة، فإن المتأمل إذا عد الحروف التي في السورة يجد أكثر حروف السورة تكراراً هي هذه الحروف المقطعة في أوائل السور. إذاً: فالله يبين أن هذا القرآن من لغتكم العربية، ومن حروفكم التي تتكلمون بها، فاتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود:13]، أو فأتوا بسورة من أقصر السور مثل هذا الذي جئناكم به ولن تستطيعوا إلى ذلك سبيلاً، فقوله تعالى: {طس} [النمل:1]، حرفان في أولها، والبعض يسمي هذه السورة: بطس، فهذان الحرفان دلالة على تسميتها، مثل أن تقول: صلينا يوم الجمعة بألم السجدة، يعني: السورة التي فيها ألم وفيها السجدة، فقيل: هذه الحروف دلالة على تسمية السورة، وقيل: إن هذه الحروف من الأقسام التي يقسم الله عز وجل بها، وقيل: بل هي حروف من أسماء الله سبحانه وتعالى افتتح بها هذه السور والله أعلم. قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، واسم الإشارة القريب للمؤنث: هذه، وإذا كان للبعيد في المكان أو في الرتبة قال: تلك، ففيها إشارة للبعد في الرتبة، يعني: أنه عالٍ وعظيم، فالله يشير إلى القرآن العظيم، فلم يقل: هذه آيات القرآن، أو كان هذا القرآن قريباً منا، ولكن لما يشير بقوله: (تِلْكَ)، فإن الإشارة للبعيد معناها التعظيم؛ يعني: هذه الآيات العظيمة هي آيات كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، وقد تكرر هذا الجزء في سورة الحجر، لكن بخلاف بسيط، ففي سورة الحجر قال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [الحجر:1]، وهنا قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]. إذاً: فهذه الآيات التي تتلى علينا هي آيات الذكر الحكيم، وآيات القرآن الكريم، قال تعالى: {وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1]، أي: من عند رب العالمين سبحانه، وكأنه يقول: القرآن هو الكتاب المبين، ومبين بمعنى: واضح لا خفاء فيه، ولا إشكال فيه، بل يفهمه كل من يقرؤه، ويعي ما يقصده ربنا سبحانه وتعالى في هذا القرآن، وقراءة الجمهور: {الْقُرْآنِ} [النمل:1]، وقراءة ابن كثير المكي: (الْقُرْانِ) فيحذف الهمزة ويقرؤها ألفاً، وهي قراءة حمزة إذا وقف عليها: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْانِ} [النمل:1]، فإذا وصل قال: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:1].
تفسير قوله تعالى: (هدى وبشرى للمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (هدى وبشرى للمؤمنين) قال الله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:2]، أي: هذا القرآن هدى، وهذا القرآن بشارة للمؤمنين، وإن كان يحوي النذارة أيضاً، ولكن بين الله عز وجل هنا شيئاً من خصائص هذا القرآن، قال تعالى: {هُدًى} [النمل:2]، منصوبة على أنها حال، وآيات القرآن هداية يهدي بها الله عز وجل من يشاء من خلقه، وبشارة لمن شاء الله عز وجل أن يهديه. وكذلك يجوز أن تكون مرفوعة، فيكون التقدير: هو هدى، وهو بشرى، أو: هي هدى، وهي بشرى للمؤمنين، فقوله تعالى: {هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:2]، أي: يبشر الله عز وجل المؤمنين، والبشرى: الإعلام بالخبر السار، والبشارة قد تكون إعلاماً بخبر سار وهذا الغالب، وقد يكون إعلاماً بخبر غير سار وهذا قليل، بخلاف النذارة، فقولك: تنذر، يعني: تهدد بخبر فيه العقوبة من ورائه.
تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون)
تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون) القرآن فيه الهداية وفيه النور، وفيه البشارة للمؤمنين، والمؤمنون هم الذين آمنوا وصدقوا، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأيقنوا بالآخرة، قال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3]، وأما صفات المؤمنين في سورة البقرة فقد ذكر الله أن من أهم صفاتهم: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة:3]، يعني: يصدقون بما أخبر الله عز وجل به وهو لم ير هذا الشيء، ولم ير الله، ولم ير الجنة، ولم ير النار، ولكنه استيقن من ذلك وأيقن وصدق، فهم: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة:3]، فتلك آيات القرآن وكتاب مبين فيها الهداية وفيها البشارة للمؤمنين، قال تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ} [النمل:3]، إذاً: فهم مؤمنون، وهم يقيمون الصلاة، والفرق بين من يصلون وبين من يقيمون الصلاة: أن الذي يقيم الصلاة يعدلها ويحسنها، ويؤديها بخشوع وركوع وسجود وخضوع وتواضع لله رب العالمين وإكثار من ذكر الله، فهو يقيم صلاته، قال تعالى: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [النمل:3]، أي: يؤدون الزكاة كما أمر الله سبحانه وتعالى، ودائماً الزكاة تأتي بهذه اللفظة: (آتوا الزكاة)، فالإيتاء: إعطاء لا خصم فيه، ولذلك اتفق الفقهاء على عدم جواز الخصم في الزكاة، كأن يكون للرجل دينٌ على آخر فيعفو عنه ويخصم هذا الدين من الزكاة، أي: يعتبر ما خصمه زكاة، وهذا لا يجوز، وقد يصلح ذلك في الصدقة، أي: تتصدق على الإنسان بأنك تتنازل عن المال الذي تريده منه، أما الزكاة فلا يجوز ذلك؛ لأن الزكاة يقصد بها حصول الانتفاع للذي أعطيته، فيأخذها ويأكل بها، ويشرب بها، ويلبس بها. إذاً: تعطي شيئاً ينتفع هذا الإنسان به، أما كونك تخصم من الذي عليك فهو لم ينتفع بشيء؛ لأن هذا الدين الذي على الإنسان إما أن يكون موجوداً وجب عليه أن يرده، وإما أن يكون معدوماً مفقوداً يسقط عنه في يوم من الأيام، فإذا كانت المحصلة أنه سيسقط فأنت لم تؤتِ زكاة في يوم من الأيام، إذاً: فالزكاة: إيتاؤها دون مقاصة أو خصم، قال الله تعالى: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3]، انظر التوكيد هنا، وكان من الممكن أن يقول: وهم بالآخرة يوقنون، ولكن أكد أن من أهم صفات المؤمن أن يكون مصدقاً بالغيب، ومستيقناً بأمر هذا الغيب، وبأمر الآخرة غاية اليقين، فقوله تعالى: {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3]، أي: مستيقنون بأنهم راجعون إلى الله رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون)
تفسير قوله تعالى: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون) قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، فالمؤمنون بالآخرة: هم الذين يعملون الصالحات، فيقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، {وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [النمل:3]، والكفرة كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} [النمل:4]، هذا حالهم، وسبب عدم كونهم كهؤلاء المؤمنين يؤمنون بالآخرة، ويصدقون، ويوقنون قوله تعالى: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، وهذا من مكر الله عز وجل، ومن استدراجه لهؤلاء الكفار، قال تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]. والإنسان الذي يريد الله عز وجل به الخير دائماً يذكره بالله سبحانه، ويبتليه بشيء حتى يرجع إلى الله سبحانه، والإنسان الذي يكون في غفلة وبعد عن رب العالمين، ولا يريد الله به الخير يجعله في عمى، بل في عمه، قال تعالى: {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، والعمى والعمه متقاربان، ولكن العمى عمى البصر، وقد يكون عمى القلب، والعمه لا يكون إلا في قلب الإنسان، يعني: في بصيرة الإنسان، فقوله تعالى: {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4] يعني: في غاية العمى والضلالة، فهم بعيدون عن ربهم سبحانه، بعيدون عن طاعة الله رب العالمين سبحانه، فقوله تعالى: {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، أي: يتحيرون ويتشككون، لا يعرفون طريقاً يهتدون إليه، قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة:7] وقال الله سبحانه في سورة الكهف: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103 - 104] فهو إنسان ضال مستمر في ضلاله حتى يقع وهو يظن أنه على الطريق الصحيح. فهؤلاء زين لهم ربهم أعمالهم، قال تعالى: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل:4]. وقد خلق الله عز وجل الأشياء فإذا بهؤلاء ينظرون إلى ما أمامهم فتزينت الدنيا لهم فأحبوها، وتكالبوا عليها، ونسوا ربهم سبحانه وتعالى، والإنسان الذي يريد الله عز وجل به الخير يذكره ولا يفتنه مهما تزينت له الدنيا، فيجعل الله له بصيرة ينتبه بها، فيرجع إلى الله يوماً من الأيام، والإنسان البعيد عن ربه إذا تزينت له الدنيا ظن أن الدنيا هي الآخرة، قال تعالى حاكياً عن الكفار: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية:24]، أي: أن الدنيا هي الحياة الأبدية، قال تعالى: {نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:24]، أي: مرور الأعوام والدهور تهلكنا كما أهلكت الذين من قبلنا، فنحن نأخذ من الدنيا ما نقدر عليه، فتتزين لهم الدنيا {فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل:4]، أي: يتحيرون، ويترددون، ويتشككون، ويتكالبون على الدنيا، وينسون ربهم سبحانه وتعالى. فقوله تعالى: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل:4]، أي: أعمالهم القبيحة وكفرهم، ويظنون أنهم على الطريقة الصحيحة، فتتزين لهم الدنيا ويتزين لهم هذا العمل، فيفرحون بما هم فيه، فإذا ما عقلوا يوماً من الأيام وهداهم الله تبينت لهم الأشياء على حقيقتها، وعرفوا أنهم كانوا في ضلال، فقد كان أهل الجاهلية يعبدون غير الله، ويظنون أنهم على الصواب، ويتعجبون من النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، فقد زين لهم الشيطان هذا العمل الذي يعملونه. فالله سبحانه خلق الدنيا على جمال معين، وخلق فيها الفتن، وخلق الشيطان والشهوات، وهذه المخلوقات تفتن من فيها إلا أن يعصم الله عز وجل من يشاء من خلقه. فقوله تعالى: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل:4]، أي: خلقنا في قلوبهم ما يفرحون بهذه الأشياء التي يرونها أمامهم، فخلقنا الشيطان والكفار يفتنون هؤلاء؛ فتزينت لهم الدنيا، وخلقنا لهم أموالاً ففتنوا بهذه الأموال، فجمعوها وفرحوا بها فنسوا ربهم سبحانه وتعالى، وظنوا أنهم على الصواب. كذلك تزينت لهم هذه الدنيا فتكالبوا عليها، وقيل: رأوا أعمالهم السيئة حسنة ككفرهم بالله، واستحسنوا هذا الشيء كظلمهم لغيرهم، وقيل: إنهم قالوا أيضاً: زين الله لهم أعمالهم الحسنة فلم يعملوها، يعني: بين لهم أن هذه الأعمال حسنة، ومع ذلك لم يعملوا بهذه الأعمال الحسنة.
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون)
تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون) قال تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ} [النمل:5]، يعني: جهنم والعياذ بالله، {وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ} [النمل:5]، وهم في الآخرة أخسر الخلق، فهناك إنسان خاسر، وإنسان أخسر، فالخاسر قد يدخل النار فترة ثم ينجيه الله بعد ذلك ويدخله الجنة، فهذا خاسر، ولكن قد يعذبه الله عز وجل ثم يخرجه من النار، وهذا من عصاة الموحدين، أما الأخسرون فلا نجاة لهم أبداً، ولن يخرجوا من النار، وهؤلاء هم الكفار نسأل الله العفو والعافية.
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم)
تفسير قوله تعالى: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6] أي: وإنك يا محمد صلوات الله وسلامه عليه تلقى هذا القرآن من الله، فقد آتاك الله عز وجل به عن طريق ملك كريم، فقوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ) يعني: ينزل عليك هذا القرآن فتتلقاه وتتعلمه وتأخذه، (مِنْ لَدُنْ)، أي: من عند، (حَكِيمٍ عَلِيمٍ)). فقد جاءك القرآن من عند الله سبحانه، ووصف نفسه بهذين الوصفين وبهذين الاسمين: الحكيم العليم، والقرآن لم ينزل مرة واحدة، فهو قد جاء من عند الحكيم سبحانه، والله أعلم بالذي يصلح لك يا محمد! وما يصلح لهؤلاء، ولو جاء القرآن مرة واحدة ما أطاقوا ذلك، فلحكمة الله سبحانه جعله منجماً ومفرقاً على ثلاث وعشرين سنة، مع أنه نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نجم فنزل عليك في أيام وشهور وأعوام على حسب ما تجد من أحداث، وما ينزل الله سبحانه بخصوصها، فالله العليم الذي يعلم ما يصلح لك وما يصلح لهؤلاء، ويعلم من يصدقك ومن يكذبك.
تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا)
تفسير قوله تعالى: (إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً) وقوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل:6]، ختامٌ جميلٌ للمقدمة، وتمهيد لما يسوقه بعد ذلك فيدخل في قصة من القصص، يقول تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل:7]، وإذ: منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، أي: اذكر وقت قول موسى ذلك لأهله، فقد قتل موسى القبطي وفر إلى الشام خوفاً من فرعون، وهنالك دبر الله عز وجل له أمره، وأغناه من فقره عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمره فخرج من الشام وجاء إلى طور سينين، أي: جاء إلى مصر ثانية. قال تعالى: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ} [النمل:7]، أي: زوجته عليه الصلاة والسلام، إذاً: فموسى كان خارجاً من بلاد الشام فجاء إلى مصر، ولما وصل إلى جبل الطور وهو في المكان المبارك قال لأهله: {إِنِّي آنَسْتُ} [النمل:7]، وآنس بمعنى: أبصر وأحس بشيء أمامه، وقوله تعالى: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [النمل:7]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع، وأبي جعفر، وابن كثير، وأبي عمرو {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [النمل:7]. وقوله: {سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7]، يعني: جزم بذلك ثقة في الله سبحانه وتعالى، فإن موسى تاه في الطريق عليه الصلاة والسلام، وهو قادم من الشام إلى مصر، ولما وصل إلى طور سينين تاه، وكانت ليلة باردة شديدة البرد، مظلمة شديدة الظلام. فاحتار أين يذهب، وكان لم ينبأ بعد ولم يرسل عليه الصلاة والسلام، فأراه الله عز وجل ناراً من بعيد، فنظر وقال لأهله: (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) يعني: يطمئنهم (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ)، أي: سأذهب متوجهاً إليها وآتيكم منها بخبر يدلني على الطريق، أو إذا لم يكن هناك خبر فعلى الأقل: (آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ)، يعني: شعلة من النار، وقراءة الكوفيين عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} [النمل:7]، على التنوين في الاثنين، والشهاب: الخشبة التي في آخرها شعلة من النار، والشهاب القبس: المقتبس من هذه النار، فهي جزء من النار مقتبس، وباقي القراء يقرءونها: (بشهاب قبسٍ) على الإضافة، فقوله تعالى: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، يعني: بشعلة من النار مقتبسة من هذه النار التي أراها، ثم قال تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، الاصطلاء بمعنى: الاستدفاء أي: تستدفئون من شدة البرد.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]. أي: لما وصل موسى إلى هذه النار التي ظنها وجد شجرة أمامه خضراء غاية في النضارة، ومع ذلك مشتعلة نارها، فلا ماء الشجرة يطفئ النار، ولا النار تحرق الشجرة، فوقف متعجباً عليه الصلاة والسلام، وهو في غاية العجب ناداه الله عز وجل: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، فالله عز وجل نادى موسى بصوت من داخل النار. فالله تبارك وتعالى يتكلم بما شاء، ويسمع من شاء من خلقه سبحانه، فقد سمع موسى ربه من النار، فمنها تأتي البركة، قال تعالى: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل:8]، أي: من الملائكة، وأنت أيضاً تأتيك البركة من عند رب العالمين، والفعل بارك يتعدى بنفسه، ويتعدى بحرف الجر، وهذا من كلام العرب، يقول: باركك الله، وبارك الله فيك، وبارك الله عليك، وبارك الله لك، فهي تتعدى بذاتها وتقول: باركك الله، يعني: جعل فيك البركة. فقوله تعالى: {بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} [النمل:8]، يعني: جاءت البركة من داخل هذه النار أو النور الذي تراه، والبركة لما حولها، ولذلك فإن طور سيناء معناه: الجبل المبارك، وكذلك طور سينين، طور بمعنى: الجبل، وسيناء وسينين بمعنى: المبارك. فهو الوادي المبارك، أو الجبل المبارك، أو الأرض المباركة التي بارك الله عز وجل فيها، قال تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، تنزيه لرب العالمين سبحانه حتى لا يظن أحدٌ أن الله يحل بذاته في مكان مثلاً، أو أن الله هو هذا النور الذي أمامه أو هذه النار التي أمامه، فسبح ربك يا موسى! فليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. فالله عز وجل أسمعك الصوت من ههنا، والله فوق سمواته بائن من خلقه، قال تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، تقدس الله تبارك وتعالى وجل وعز وعلا أن يشبهه شيء سبحانه؛ لذلك عقب هنا بالتسبيح لله سبحانه والتقديس، فالله لا يشبهه شيء سبحانه. قوله تعالى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:8]، أي: الرب الخالق، الرب المربي، الرب المدبر للكون وللعالم كله، بل للعالمين كلها.
تفسير قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله إني لا يخاف لدي المرسلون)
تفسير قوله تعالى: (يا موسى إنه أنا الله إني لا يخاف لدي المرسلون) قال الله تعالى: {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل:9]. هنا ذكر الله في سورة القصص: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ} [القصص:30]، وفي طه: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه:12]، وفي هذه السورة قال: {يَا مُوسَى إِنَّهُ} [النمل:9]، والضمير ضمير الشأن يعني: إن الأمر أنا الله رب العالمين، والشأن أنني أخاطبك، وقال الله سبحانه في سورة طه: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]، حتى تنال من بركة هذا الوادي المقدس، وحتى تؤدي حق الاحترام في هذا المكان، فاخلع نعليك، وفي هذه السورة قال: {يَا مُوسَى إِنَّهُ} [النمل:9]، وكأنه يقول: {يَا مُوسَى} [النمل:9]، إن الأمر: {أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [النمل:9]، سبحانه وتعالى، أي: أنا العزيز، أنا الغالب، أنا الذي إذا أردت شيئاً فلا بد أن يكون، فالله عز وجل أمره في قوله: {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة:117]، فهو الحكيم، أي: له الحكمة العظيمة البالغة سبحانه وتعالى. {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل:10]، فحتى يخبره بأنه نبي رسول فلا بد أن يريه آيةً من قدرة الله رب العالمين، فكانت أول آية: هي النار في هذه الشجرة. والآية الثانية: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل:10]، وفي سورة القصص قال تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [القصص:31]، فخاف موسى عليه الصلاة والسلام في هذا المكان، فهو لوحده في زعمه أو في ظنه، قال سبحانه في سورة النمل: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} [النمل:10]، وفي سورة طه قال: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20]، وفي سورة الأعراف قال: {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} [الأعراف:107] فخاف موسى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى في سورة النمل: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النمل:10]، والجان والجنان يعني: الحيات، أي: {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا} [النمل:10]، حية من الحيات، قال تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل:10]، أي: خاف موسى وأخذ يجري خوفاً من الحية. {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10] أي: لم ينظر وراءه من شدة الخوف والرعب. ومقصود رب العالمين سبحانه وتعالى الامتحان بالتخويف، فإذا رأى في هذا المكان الموحش مثل هذه النار في هذه الشجرة، ورأى في هذا المكان ظلمة ثم حية، فجرى فاراً من الخوف الشديد، فإن الله سبحانه يعلمه الثبات ويمرنه على ذلك، فيرجع موسى إلى شجاعته ورباطة جأشه، حتى يعرف كيف يواجه فرعون بعد ذلك. فكأن المقصود من الله عز وجل التخويف لنبيه عليه الصلاة والسلام حتى يعتاد الشجاعة بعد ذلك، فإن موسى عليه الصلاة والسلام: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل:10]، أي: هرب، {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10]، يعني: لم ير وراءه ولم يرجع، فناداه ربه سبحانه: {يَا مُوسَى لا تَخَفْ} [النمل:10]، وفي سورة القصص قال: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ} [القصص:31]، وقال هنا في سورة النمل: {إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:10]، وفي سورة القصص قال: {إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31]، أي: ارجع يا موسى! {إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31]، وهذه بداية تفهيم لموسى أنه سيكون رسولاً، والرسل لا يخافون عند الله سبحانه، قال تعالى: {إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:10].
تفسير قوله تعالى: (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء إني غفور رحيم)
تفسير قوله تعالى: (إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء إني غفور رحيم) ثم يشير الله سبحانه إلى أنه لا يخاف إلا من عمل عملاً سيئاً، قال تعالى: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} [النمل:11]، واستثنى: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل:11]، وقد يقع النبي من الأنبياء عليه الصلاة والسلام قبل البعثة وقبل الرسالة في خطأ من الأخطاء، وموسى عليه الصلاة والسلام خرج من مصر وقد وكز قبطياً فقتله، ثم قال تائباً إلى ربه: {إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} [القصص:16]. فموسى قتل قبطياً، وهنا ذكر الله عز وجل أنه من المرسلين، فلو أنهم أخطئوا قبل الرسالة وتابوا فالله يتوب عليهم، فقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ} [النمل:11]، أي: فمن ظلم كما فعلت أنت، وقتل نفساً بغير جرم، وبغير إذن من الله سبحانه، {ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا} [النمل:11]، وتاب إلى الله من بعد هذه الإساءة، قال سبحانه: {فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النمل:11].
تفسير قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء)
تفسير قوله تعالى: (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء) ثم أعطاه آية أخرى، قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12]، فهذه آيات: النور أو النار في هذه الشجرة، ثم العصا التي انقلبت ثعباناً أو حية، ثم اليد، قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [النمل:12] وقال في سورة القصص: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص:32]. وجيب الإنسان: المكان الذي يدخل منه رأسه في القميص، أي: ضع يدك داخل جيب القميص وأخرجها مرة أخرى، {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} [النمل:12]، في هذه الظلمة مثل نور الشمس، {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12] أي: لها شعاع لا يؤذي هذه اليد ولا يحرقها، وليس فيها أذى، فليس فيها برص ولا بهق ولا مرض من الأمراض، ولكن نور من الله عز وجل في يده، قال تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل:12]، ذكر هنا قومه، وفي سورة القصص قال: وملأه، الملأ من القوم: هم الأشراف والعلية من القوم، والقوم: كل الناس الذين حول الملك، فقال هنا: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل:12]، يعني: سنؤتيك هذه الآيات من ضمن آيات أخرى سنؤتيكها بعد ذلك. فالله سبحانه وتعالى أعطاه اليد، وأعطاه العصا، فهاتان آيتان، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:130]، وقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} [الأعراف:133]، فهذه تسع آيات من رب العالمين سبحانه. فكأنه قال: هذه آيات من ضمن تسع آيات سنؤتيكها: {إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [النمل:12]، أي: خارجين عن طاعة رب العالمين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم آياتنا مبصرة) قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل:13]، وانظر إلى الاختصار لهذه القصة، فهو يذكرها في مكان آخر فيطيل فيها إطالة محببة جميلة، فنفهم منها ما يريد الله سبحانه، وهنا يختصر اختصاراً كإشارات ورموز معينة. فقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل:13]، أي: بينة عظيمة مشاهدة أمام الأعين من شدة وضوحها، والإنسان هو الذي يبصر ويصدق، ولكن من شدة وضوح الآيات كأنها هي نفسها ترى هؤلاء القوم. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً} [النمل:13]، أي: بينة واضحة، {قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [النمل:13]. وعرفنا أن السحرة: هم الذين آمنوا بالآيات، وأن فرعون أصر على ما هو فيه، وجحد فرعون أي: كذب وعاند مع معرفته بالحق، قال تعالى: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل:14]، أي: فهم في أنفسهم مصدقون أن موسى صادق عليه الصلاة والسلام، ولكن ملك فرعون يمنعه من أن يترك الدنيا، وذلك قول الله سبحانه: {زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} [النمل:4]، فالملك وما هو فيه يمنعه من أن يؤمن مع موسى؛ لأنه يعتقد أنه إذا آمن فسيضيع عليه ملكه، قال تعالى: {وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]، أي: ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، والعلو: هو التعالي والتجبر والاستكبار، قال تعالى: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل:14]، أي: فانظر ماذا فعلنا بفرعون، وكيف أغرقناه، وأهلكناه، ودمرناه ومن معه، وكأنه يقول لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وكذلك تكون عاقبة كل إنسان مفسد كعاقبة هؤلاء المفسدين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [15 - 19]
تفسير سورة النمل [15 - 19] يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه أعطى أنبياءه ملكاً عظيماً فشكروه وعبدوه، ولم يجحدوه ويكفروه كما فعل غيرهم كفرعون والنمرود.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:15 - 19]. هذه قصة ثانية في هذه السورة الكريمة سورة النمل، يذكر الله عز وجل فيها سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وما حدث له. يقول سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15] وداود وسليمان من أنبياء بني إسرائيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، آتاهما الله عز وجل علماً، وداود هو الأب وسليمان الابن، قال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15]، فبعد أن ذكر الله قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنه دعاه إلى الله عز وجل فأبى فرعون وغره ملكه الذي هو فيه، وبلغ به التطاول أن قال لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فالملك قد يدفع الإنسان إلى الجحود، وإلى الكبر، وإلى عدم قبول الحق، حتى ولو رآه أمام عينيه. ففرعون دفعه ملكه إلى الكفر بالله حتى قال لقومه: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]، ولكن أنبياء لله عليهم الصلاة والسلام أعطاهم الله عز وجل الملك والنبوة والعلم، فما زادهم ذلك إلا تواضعاً لرب العالمين سبحانه. ومن هؤلاء: داود وسليمان، ولكن ملك داود لم يكن عظيماً كبيراً كملك سليمان، فقد كان ملكه أعظم بكثير من ملك أبيه، وعبادة أبيه كانت أعظم بكثير من عبادة سليمان. فقد أعطى الله لداود العبادة فقال: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10]، وهذا ملك من الملوك، ومع ذلك كان لا يأكل إلا من صنعة يده: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ:10 - 11]. فعلمه الله عز وجل مهنة صناعة السوابغ من الدروع، وأن يقدر في السرد بتعليم الله عز وجل له، فيعمل الحلقة على حجم المسمار بحيث لا تنفصم الحلقة ولا تنشق عن زميلتها، فلا يزال يصنع هكذا شيئاً فشيئاً حتى يصنع درعاً سابغاً. وسليمان عليه الصلاة والسلام هو أحد الملوك الذين ملكوا الدنيا، وقد سخر الله عز وجل له الريح يصل بها إلى المكان الذي يريده، وجعل له من الجن والإنس والشياطين جنوداً، بل ومن الطير والدواب كما سيأتي. وقد كان داود أيضاً يسبح بين الجبال، ومن جمال تسبيحه وصوته، ومن شدة خشوعه تسبح الجبال معه وتردد تسبيحه، وتقف الطير عن الطيران حتى تستمع تأويبه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10]. والتأويب: مأخوذ من الأوبة وهي: الرجوع إلى الله، ومعناها هنا أي: رجعي الذي يقوله، وسبحي معه لله سبحانه تائبة إليه، قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} [النمل:15] أي: نحن، فالفضل من الله، وقد عبر هنا بنون العظمة لأن هذا الإيتاء عظيم جداً يليق بأن يؤتيه الله سبحانه وتعالى، ويليق بأن ينسب إليه، فنسبه إليه بنون العظمة. ومع أن الله آتاهما الملك إلا أن العلم أعظم إذا ما قورن بالملك؛ ولأن العلم عظيم فلم يحتج هنا إلى ذكر الملك. قال: {وَقَالا} [النمل:15] أي: الاثنين: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15]. فقد عرفا نعمة الله عز وجل وأنه صاحب الحق سبحانه، والمتفضل عليهم بالنعمة، فقال الأب والابن: الحمد لله، أي: نثني على الله الثناء الجميل الذي يليق به سبحانه وتعالى، فهو المحمود على النعم العظيمة، فالحمد كل الحمد لله الذي فضلنا على كثير، وهنا يبدو التواضع في الكلام: {الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] ولم يكن يوجد في عصرهما من هو أفضل منهما، فقد فضلهم الله على كل من في عصرهما، ومع ذلك قالا لتواضعهما: على كثير، ولم يقولا: على كل عباده. وموسى عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، عتب عليه ربه سبحانه وتعالى، وقال: لا، بل عبدنا خضر أعلم منك؛ وداود وسليمان كانا من قوم موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال تعالى: {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ} [النمل:15]، يعني: فضلنا الله عز وجل على الكثير من خلقه، ولعل هناك من لا نعلم فمن فضله الله عز وجل علينا، فيسن للإنسان المؤمن أن يحمد الله سبحانه وتعالى، وأن يقول مثل ذلك، وخاصة إذا رأى مبتلى، فإذا رأى إنساناً مريضاً ابتلاه الله فليقل في نفسه: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً. والإنسان إذا ذكر نعمة الله كان جزاؤه من الله أنه يمنع عنه هذا المرض إن شاء سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود)
تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود) قال الله عز وجل: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل:16]، والميراث هنا: ميراث العلم، أما ميراث الملك فقد جعل الله عز وجل لهذا ملكاً ولهذا ملكاً. وقد كان لداود أولاد غير سليمان عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد قالوا: كان له تسعة عشر ولداً، ولكن الذي ورث العلم وورث النبوة وصار ملكاً بعد أبيه هو سليمان عليه الصلاة والسلام. فقد ورثه الله عز وجل العلم والنبوة وهذا أعظم الميراث، وإلا لو كان المقصود الميراث المالي لكان الإرث في التسعة عشر، وليس لسليمان فقط، إذاً: الإرث هنا: هو إرث النبوة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة). فالأنبياء لا يورثون معهم من الأموال؛ بل يكون بعد وفاتهم صدقة، وإنما الميراث الذي يورثه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو العلم؛ ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر). أي: من أخذ العلم أخذ بحظ وافر فهو أعظم الميراث، فأعظم النعم التي أعطاها الله عز وجل لسليمان ولأبيه هي العلم، وهذا هو الذي ورثه داود لابنه، العلم والنبوة، كما أنه صار ملكاً من بعده. وقد قال الله سبحانه وتعالى لداود في سورة (ص): {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26]، مع أن داود نبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإنه يحتاج للنصيحة، فغيره من باب أولى، فهو ينصح داود ويقول: لا تتبع الهوى يا داود! وأنت ملك من الملوك، فإذا اتبعت الهوى وأنت نبي ملك أضلك عن سبيل الله، قال: {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ} [ص:26] أي: يتيهون، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26]. وذكر داود وسليمان في سورة الأنبياء فقال: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:78 - 79]. فالله عز وجل منّ على داود بأن جعله ملكاً حاكماً، فآتاه حكماً وآتاه علماً من عنده سبحانه، وعلم سليمان أيضاً، والعلم من أعظم ما يؤتاه الإنسان، فآتى الله سليمان وآتى أباه داود علماً وحكمة ونبوة وملكاً. فذكر في سورة الأنبياء أنه فهم أحدهما أكثر من الآخر، قال: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء:78] والحرث: الزرع، {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78]، قوم لهم أغنام يدعونها بجوار المزرعة، فإذا بالأغنام تدخل المزرعة، قال صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه). قال تعالى: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} [الأنبياء:78] أي: أكلت وخربت الزرع وقلعته، {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} [الأنبياء:78]، والذي يحكم هو داود وسليمان، ومع ذلك لم يقل: لحكمهما، بل قال: (لحكمهم)؛ لأنهما يحكمان في الناس، فالخصوم هم أصحاب الأرض وأصحاب الغنم، والحاكم سليمان وداود، فهم أربعة، فكنا لحكم هؤلاء الأربعة شاهدين. ثم قال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]، وسليمان آتاه الله عز وجل فهماً، وآتى أباه عبادة عظيمة جداً، ولكنه ميز سليمان بفهم عظيم، وقال: {وَكُلًّا آتَيْنَا} [الأنبياء:79]، يعني: أعطينا للأب العلم والملك والحكمة والحكم، وآتينا سليمان حكمة أعظم مما آتينا أباه، فقال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء:79]، وقد كان صغيراً عليه الصلاة والسلام، وكان داود قد حكم أن قيمة ما أفسدته أغنامهم من الزرع يساوي قيمة الغنم، إذاً: تعطى الغنم لأصحاب المزرعة. وهذا الحكم فيه صواب، لكن غيره أحسن منه، فقد حكم بالقيمة عليه السلام، لكن نظرة سليمان كانت بتفهيم الله عز وجل أعظم، فلو أنهم أخذوا الأغنام لافتقر أصحابها، ولو أخذ هؤلاء الأغنام لما اعتنوا بها؛ لأنهم أصحاب زرع وحرث وليسوا أصحاب غنم، فلذلك حكم بحكم آخر وهو: أن يأخذ أصحاب الزرع الأغنام فينتفعون بها حتى يصلح أصحاب الأغنام الزرع كما كان، ثم يعيد أصحاب الحرث الغنم لأصحابها، ويعيد أصحاب الغنم الحرث لأصحابه كما كان، ففهم الله عز وجل سليمان أعظم من داود، مع ذلك لم يخطئ الله عز وجل داود، وإنما قال: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:79]، وكثيرة هي الحوادث التي فهمها الله عز وجل سليمان عليه السلام، وغيبها عن أبيه عليه السلام، ومن ذلك: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما) فالمرأة التي أكل الذئب ولدها أخذت ابن الأخرى خوفاً من زوجها فاختصمتا في الولد، فقالت الكبرى للأخرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى للشواهد والأمارات التي أمامه، وظن أن الكبرى هي الصادقة. فأخذت الكبرى الغلام، فخرجتا من عند داود إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال: ائتوني بالسكين، حتى أشق الولد بينكما نصفين، فلما قال ذلك قالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فعلم أنها هي الصادقة وأنها أمه، فالأم لا تريد قتل ابنها، وعلم أن الأخرى كاذبة، وإنما أرادت أن تتساويا في المصيبة، فيكون ابنها أكله الذئب، ويكون قد ذبح ابنها فتتساويا في المصيبة، فعلم صدق إحداهما وكذب الأخرى، فقضى به للصغرى، وهذا مما علمه الله عز وجل سليمان عليه السلام. قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ} [النمل:16]، وهل علموا منطق الطير فقط؟ لا، ولكن هذا الشيء من الغرائب. فقد علم علم الشريعة، وعلم ألسن الناس والجن وغيرهم، لكن أعظم من ذلك مما لا يعرفه الناس علم منطق الطير، وكيف تتكلم الطيور، إذاً: الطير لها لغة تتكلم بها، وكذلك الحشرات وغيرها من مخلوقات الله، فقد جعلها الله أمماً، وكل أمة لها لسان وطريقة تتخاطب بها مع بعضها. وهذا الذي يبحثه علم الحيوان، فإنه يبحث في لغات الطيور وكيفية كلامها، وكيف أن بعضها يرشد إلى الطريق؟ وكيف تسير النحل؟ وما هي الرقصات التي ترقصها في الهواء، والتي تدل على أنها ستذهب للخلية التي وجدت عندها العسل مثلاً. فهنا الله عز وجل علم أنبياءه منطق الطير، وأثبت في القرآن أنه جعل لها لغة، قال سليمان: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ} [النمل:16]، أي: لغة الطير: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:16] وهذا من ألفاظ العموم التي يراد بها الخصوص، فالله عز وجل هو وحده الذي له كل شيء، أما غيره من خلقه فقد يؤتيه من الأشياء الكثير، فحين يقول: {وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:16]، فإنه يعني: مما ينبغي لأمثالنا، فهو مقيد بالحسن. والعموم قد يقيد بالعقل، وقد يقيد بالخصوص وغير ذلك، فهذا من العموم الذي يراد به الخصوص، أو الذي قد خصص بالحس وبالعقل، فإن الله أعطى سليمان كل شيء يليق بمثله في ملكه. وكذلك في قوله سبحانه: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} [الأحقاف:25]، فإن الحس يدل على أن هناك مساكن موجودة، فيكون قوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف:25] من العموم الذي يراد به الخصوص، فهي تدمر كل شيء أراد الله عز وجل تدميره. ثم قال: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل:16] أي: أنه فضل واسع عظيم بين من فضله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس)
تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس) قال سبحانه: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ} [النمل:17]، أي: الجيش والملك العظيم، {مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17] فبدأ بأقوى الأشياء وهي الجن، فهي أقوى من الإنس. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17]، أي: فهم يكفون، والمعنى: وعليهم قادة لهم، والقائد يوزع الجنود ويكفهم فلا أحد يتقدم على سليمان، ولا أحد يتقدم على صفه. فهم لا يتقدمون ولا يسيرون إلا بأمر سليمان عليه الصلاة والسلام، فكان جنداً عظيماً جداً لا يعلم قدره إلا سبحانه، وقد ذكر المفسرون: أن معسكر سليمان كان مائة فرسخ طولاً، والفرسخ: حوالي خمسة كيلو، يعني: خمسمائة كيلو مليئة بالجنود. وهنا لم يذكر الله عز وجل أنهم مائة أو أقل أو أكثر، ولكن من الواضح أن أعدادهم جسيمة عظيمة، إذ لو كان عددهم قليلاً لما احتاجوا إلى من يوقفهم ويكفهم، ولكن الأعداد الكثيرة هي التي تتبعثر وتحتاج إلى من يكفها ويمنعها.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل) قال سبحانه: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18]. لقد أعطاه الله عز وجل ملكاً عظيماً جداً فهو يسير إلى أي مكان يريد أن يصل إليه، يريد أن يصل للشام أو للعراق أو إلى أدنى الأماكن أو إلى أبعد الأماكن فكلها سواء، ففي مرة من المرات أتى على وادي النمل، ولم يذكر لنا الله سبحانه مكان وادي النمل؛ لأنها من العلم الذي لا يفيد، فلا يفيدنا أن نعرف مكان وادي النمل، أو حجم هذه النملة التي كلمت سليمان، بل المهم أنها نملة من النمل الذي نعرفه كبرت أم صغرت، ولو كانت شيئاً آخر لذكر الله لنا هذا الشيء، فكونه نكر وذكر أنهم أتوا على وادي النمل وتكلمت نملة، فيكون المقصود النمل المعهود المعروف. والله عز وجل جعل للنمل لغة أيضاً تتكلم بها، ومما يثبت ذلك أن النملة تكلمت، والوادي: هو المكان المنبسط الواسع الفسيح، وقد كان فيه نمل كثير: {قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18] وسميت: النملة نملة من التنميل، وهو الحركة الكثيرة، والنملة لا تقعد أبداً فهي دائماً تعمل، فسمي النمل نملاً لكثرة حركته ولقلة قراره. والنمل له مساكن يختبئ بداخلها، قال: {لا يَحْطِمَنَّكُمْ} [النمل:18]، يعني: لئلا يحطمنكم، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب {لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18]. وتحذير النملة فيه دليل على أن النمل له عقل وفهم، فقد أعطاها الله عز وجل ما تفهم به، وفيه الحب للغير، فهي ما خافت على نفسها وهربت وحدها، ولكن أمرت باقي النمل أن تدخل المساكن حتى لا يحطمهم سليمان عليه السلام، وأيضاً فهي تفهم ما تقول، قالت: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18]، فقد عرفت أنه نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام، وأن الأنبياء لا يظلمون؛ ولذلك التمست له العذر فقالت: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18]. وبينت الآية كذلك: أن النمل يفهم ويعيش في جماعات، وأن له مساكن، وأنه يحذر بعضه بعضاً من ضرر يقع عليه، وعلماء الحشرات يقولون: النمل له فهم عجيب جداً، ويقولون: إن النملة من النوع الذي يدخر طعامه من الصيف للشتاء. فهو فطن وقوي وشمام جداً، ويتخذ القرى، ويشق الحب قطعتين، لأن الحبة لو ظلت على حالها لنزل عليها الماء ونبتت، فحبة الكزبرة لو شقت نصفين ونزل عليها الماء نبتت، فتقطعها النملة أربعة قطع، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. والحشرة هذه عاقلة، وتخاف على أخواتها فتقول: {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:18] قالوا: النمل يأكل في عامه نصف ما يجمعه فقط، كأنه يدخر للزمن. إذاً: فقد حافظت على من معها، وتبسم وسليمان عليه الصلاة والسلام ضاحكاً من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكا من قولها)
تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها) قال الله عز وجل: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} [النمل:19]، وكأنه بدأ بالبسمة، ثم ضحك من عجبه. والبسمة: فتح الشفة شيئاً يسيراً، فإذا فتح فمه فقد ضحك، فإذا أخرج صوتاً فقد قهقه، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يتبسمون؛ ولذلك عائشة رضي الله عنها تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى لهواته، وإنما كان يتبسم)، عليه الصلاة والسلام. فنادراً ما كان يضحك صلى الله عليه وسلم حتى تبدو نواجذه، وكأن سليمان أيضاً في هذه المرة أعجبه هذا الذي قالته فضحك، وعادة الأنبياء التبسم عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19] ودعاء الأنبياء دعاء عظيم. وقد علم الله عز وجل المؤمنين دعاءً نحوه في سورة الأحقاف فقال: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]. فينبغي على المسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء الكريم الطيب الموجود في سورة النمل وسورة الأحقاف، فهنا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل:19]، وهي جنس النعم، وإن كانت واحدة والمعنى: نعم، فتأتي النعمة في الإفراد والتثنية والجمع. إذاً: فنعمة تطلق على الواحد، والاثنين، والجمع، وعلى المذكر، والمؤنث، فعلى ذلك هنا: {وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [النمل:19] أي: جنس نعمك العظيمة التي أنعمت علي، فنسب الفضل لصاحبه، وكرر ذلك استلذاذاً بذكر النعمة، فقال: {نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ} [النمل:19]، ولم يقل: التي أعطيتنيها مثلاً، ولكن أنت المنعم صاحب النعم العظيمة قال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي} [النمل:19]، أي: ادفعني لأن أشكر النعم، وأصل الوزع: الكف، وكأنه يقصد هنا: كفني عن أي شيء إلا أنني أشكر نعمك العظيمة التي أنعمت علي. وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة ورش وقراءة البزي عن ابن كثير: (أوزعنيَ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، فيذكر الإنسان النعمة عليه وعلى والديه أيضاً، ولولا أنه أنعم علينا بالوالدين لما كنا نحن. فهذه من نعم الله عز وجل على الولدين وعلينا، ولذلك قال: {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [النمل:19]، أي: ادفعني للعمل الصالح {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} [النمل:19]، فقيده برضا الله سبحانه؛ فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف حقيقته، فهو يريد العمل الصالح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى قال: {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]، فطلب نفع الدنيا ونفع الآخرة، الصلاح في الدنيا، وإدخاله منهم في الآخرة، قال: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ} [النمل:19] أي: بفضل رحمتك، واجعلني مع عبادك الصالحين. فطلب أن يكون من الصالحين في الدنيا وفي الآخرة. وفي آية الأحقاف: ذكر الله عز وجل فيها الإنسان المؤمن الذي يبلغ أشد العمر فقال: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} [الأحقاف:15]، وهو وقت اكتمال كل شيء عند الإنسان، وهو سن الأربعين: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف:15]، فيستحب للمؤمن أن يقول ذلك. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن قتل النمل، فعن ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب: الهدهد، والصرد، والنملة، والنحلة)، فلا تتعرض لها، طالما أنها ليست مؤذية، فإذا صارت مؤذية تقرص الإنسان وتؤذيه جاز له أن يدافع عن نفسه ولو بقتلها، وقد نهى عن قتل هذه الأشياء، لأنها أمم خلقها الله عز وجل تسبح ربها سبحانه، فلا معنى لقتلها من غير ذنب أذنبته، ولكن إذا آذت الإنسان جاز له أن يتخلص منها وأن يقتلها. وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة: (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء عليه الصلاة والسلام فأمر بقرية النمل فأحرقت)، وقد كان نزل تحت شجرة، فلما نام جاءت نملة وقرصته، فقام من تحت الشجرة وأخرج متاعه ثم أمر بحرق النمل، فأوحى الله عز وجل إليه: (أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟). وكأن الله عز وجل يعاتب هذا النبي أن قتل الأمة كلها، فهي نزلت تحت شجرة وستذهب، فلا معنى أن تقتل كل هذا النمل وتحرقه، بل اقتل النملة التي قرصتك فقط، فالغرض: أن هذه أمم خلقها الله سبحانه، فإذا لم تؤذ الإنسان لم يجز التعرض لها، فإن كانت تؤذيه بالسقوط على بيته وأكل طعامه جاز له أن يقتلها، ولكن يجتنب في ذلك الحرق؛ لأن الذي يحرق هو الله سبحانه وتعالى، فما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل النمل فهو محمول على غير المؤذي والله أعلم. وللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [20 - 31]
تفسير سورة النمل [20 - 31] لقد كان سليمان يتفقد جنوده مع كثرتهم الكاثرة، حتى إنه كان يتفقد جنوده من الحيوانات كذلك، ومنهم الطير، وكان يعاقب من يغيب بغير علمه حتى يرتدع عن ذلك هو وغيره، وفي هذا دليل على أنه ينبغي على الملك أو الأمير أن يتفقد من تحت يده.
وراثة سليمان للنبوة والملك من داود
وراثة سليمان للنبوة والملك من داود الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:20 - 31]. لقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة قصة داود وسليمان، وكيف أن الله سبحانه من عليهما، وآتهما علماً، قال سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15]، وحمدا الله سبحانه وتعالى أن فضلهما على كثير ممن خلق من عباده، قال تعالى: {وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15]. ثم قال: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النمل:16]، وداود هو الأب عليه الصلاة والسلام، فورث سليمان منه النبوة والملك دون باقي إخوته، فكان نبياً وملكاً، بل من أعظم ملوك الأرض ملكاً. فملك الأرض جميعها، فكان يتوجه حيث يريد بأمر الله سبحانه وتعالى، فقد سخر له الريح، والطير، والإنس والجن، وأعطاه ملكاً عظيماً لم يعطه أحداً من العالمين. وكان سليمان قد دعا ربه سبحانه: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص:35]، فاستجاب له ربه، وأعطاه ملكاً لم يكن لأحد من بعده. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مرة من المرات وهو يصلي تفلت عليه شيطان، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمسكه، ويخنقه حتى كاد أن يربطه في سارية من سواري المسجد ليلعب به الصبيان في الصباح، ثم تذكر دعوة سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص:35] فتركه النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً: دعوة سليمان هي أن الله عز وجل يسخر له أشياء لا تكون لأحد من بعده. قال الله عز وجل: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ} [النمل:17]، فلقد ملك سليمان الدنيا عليه الصلاة والسلام، وآتاه الله عز وجل هؤلاء الجنود، من الجن والإنس والطير: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17] يعني: لكثرتهم العظيمة جداً، يحتاجون لمن يقودهم، ومن يكفهم، ومن يرتبهم، ومن ينظمهم، ومن يسيرهم، ومن يوقفهم، فيحتاجون لمن يوزع هؤلاء، فقال سبحانه: {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:17] يعني: يوجد لهم من قوادهم من يزعونهم.
تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد)
تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد) قال سبحانه: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل:20] أي: تفقد سليمان في يوم من الأيام الطير، {فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20]، وكأنها سنة يعلمها الله عز وجل لولاة الأمور، فلابد أن يتدبروا وأن ينظروا في ملكهم، وفي أحوالهم، وفي شعبهم، ويتفقدوا الغائب من جندهم، فالهدهد من ضمن جند سليمان عليه الصلاة والسلام. وتفقد الشيء أي: طلب ما غاب منه، وأصله: من الفقدان، وفقد الشيء أي: غاب عنه الشيء فلم يجده. وتفقده: بحث عن هذا الشيء الغائب. فنظر في الطير ليعلم أن كلهم موجودون، مع أن الطير من أصغر جنود سليمان، ومع ذلك كان يتفقد الطير، ومعناه: أنه لن يترك الإنس والجن، إذاً: فهو يتفقد جميع جنوده. قال سبحانه: {فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل:20]، والأصل: أن يقول: ((ما له؟)) أين هو؟ فكأنه يعجب من نفسه، ويقول: كيف ضاع مني الهدهد؟ كيف أفلت هذا الهدهد؟ {مَا لِيَ} [النمل:20] أي: عجباً لأمري، {مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل:20]، أي: هل هرب الهدهد أم لم أتنبه له؟ فإذا كان قد هرب من حراسة سليمان فسنأخذ عقوبته. وقراءة ابن كثير وابن هشام وعاصم والكسائي: {مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل:20]، وباقي القراء يقرءونها: ((ما لِيْ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين))، على اختلاف بينهم في (أرى) عند الوقف والوصل. فـ ورش إذا وقف عليها يقول: ((أرى)) بالتقليل، وأما حمزة والكسائي وأبو عمرو فيقرءون (أرى) بالإمالة عند الوقف عليها.
تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذابا شديدا)
تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذاباً شديداً) قال الله سبحانه: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21]، هنا الحزم، فالملك لابد أن يكون حازماً، ولو أنه ترك الصغار وشأنهم لاستهانوا به، واستهان به الكبار. ولذلك سليمان عليه الصلاة والسلام لم يفوت للهدهد غيابه عن مجلسه. قال: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا} [النمل:21]، فبدأ بالعقوبة الشديدة، {أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل:21]، أو يعتذر، {لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21]، يعني: بعذر بين، وحجة تنفعه فينجو بها من العذاب والعقوبة. قال: {أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21]، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن كثير: ((ليأتينني بسلطان مبين)) أي: بحجة بينة واضحة نعذره بها.
تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به)
تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به) قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل:22]، قوله: ((فَمَكَثَ))، إما أن سليمان مكث فترة ثم بعد ذلك ظهر له الهدهد، أو أن الهدهد طالت غيبته فترة ثم ظهر بعد ذلك. وقراءة عاصم والكسائي وخلف: ((مَكَثَ)). وقراءة باقي القراء: ((فمَكُثَ غير بعيد)) قال الله تعالى: {فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]، لقد ظهر الهدهد وجاء إلى سليمان وقال مفتخراً على سليمان: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل:22]، يعني: إذا كنت تبحث عني فإني قد اطلعت على شيء لا تعلمه أنت، والعلم فخر لصاحبه، وهذا هو عذره الذي أفلت بسببه من الذبح ومن التعذيب. {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل:22]، يعني: دريت وعلمت علم إحاطة بأمر لا تعرف عنه شيئاً، مع أنك في الشام واليمن قريبة منك، وهو يحصل في اليمن، وهو أنهم يعبدون غير الله سبحانه. {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]، وسبأ: بلدة في اليمن، وهي إما أنها: اسم رجل فتكون على ذلك مصروفة، كما هي قراءة الجمهور: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]. وإما أنها: اسم بلدة فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث الذي فيها؛ ولذلك يقرأها البزي وأبو عمرو: ((وجئتك من سبأَ بنبإٍ يقين)) على المنع من الصرف، ويقرأها قنبل عن ابن كثير: ((وجئتك من سبأْ بنبإٍ يقين))، ففيها ثلاث قراءات.
تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم)
تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم) قال الله تعالى: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]، وانظر هنا! فهو لم يأته بخبر ظن، ولم يسمع من أحد، وإنما رأى بنفسه هذا الشيء، فما الذي رآه الهدهد؟ قال: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل:23] أي: أنت رجل تحكم البلد، وهم تحكمهم امرأة، وتملكهم أي: هي ملكة عليهم. قال: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23]، يعني: أن الله عز وجل أعطاها من كل شيء، وهذا من العام المخصوص بالحس، أو من العام الذي لا يراد عمومه، وإنما يراد الخصوص الذي فيه، يعني: أن الله آتى هذه المرأة من كل شيء يجوز لمثلها أن تمتلكه وأن تكون ملكة عليه، لكن ليس كل شيء أعطاها، فهو لم يعطها شيئاً من الجنة مثلاً، ولكن أعطاها من الدنيا ما يليق بمثلها، إذاً: فكل من ألفاظ العموم، يقول: {كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23]، ولكن هنا لا يراد بها العموم، وإنما يراد بها العموم المخصوص بالحس. والحس: هو أن الإنسان يرى ببصره، ويسمع بأذنه عن أشياء لم تؤتها هذه المرأة، قال: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]، وقد كانت هذه المرأة أمرت بصنع سرير لملكها، وسرير الملك يسمى بالعرش، وهو الكرسي الذي يجلس عليه الملك، ولكنها بالغت فيه مبالغة فخمة عظيمة، وقد ذكروا من الفخامة التي كان عليها هذا الكرسي: أن كثيراً منه مصنوع من الذهب والياقوت، والله عز وجل ذكر أنه: {عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]، يعني: عرش كبير وفخم وغال جداً.
تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله)
تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله) قال الله تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]، أي: مع أن الله عز وجل أعطاهم هذه النعم، وقد رأى ذلك بنفسه. قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]، فقد عبدوا الشمس من دون الله سبحانه، والذي زين لهم عبادة غير الله سبحانه: هو الشيطان، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [النمل:24]، أي: صدهم عن الهدى، وصدهم عن طريق الله سبحانه بأن زين لهم أن يعبدوا مخلوقاً خلقه الله سبحانه، فعبدوا الشمس من دون الله، {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]، يعني: لا يفهمون ولا يعقلون، ولا يهتدون إلى سبيل الحق حتى يتبعوه.
تفسير قوله تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض)
تفسير قوله تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض) قال الله تعالى: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل:25] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله سبحانه وتعالى. قوله: {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل:25]، إما تعقيب من الرب سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: هلا سجدوا للرب الذي خلقهم سبحانه؟ فيكون اعتراضاً في ثنايا الكلام من الله سبحانه وتعالى على عبادة هؤلاء، أو أن هذا جواب من سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال له الهدهد: {يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ} [النمل:24] قال: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ} [النمل:25] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله، أو أنه من كلام الهدهد نفسه، فهو يقول: فهلا سجدوا لله بدلاً من هذه الشمس؟ قال: {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل:25]، وهذه قراءة الجمهور. وقراءة أبي جعفر وقراءة الكسائي وقراءة رويس عن يعقوب: ((ألا)) بالتخفيف، فهما قراءتان: قراءة بالتشديد: {أَلَّا يَسْجُدُوا} [النمل:25]، ومعناها: هلا سجدوا، فهو أسلوب تحضيض وحث، أي: اسجدوا لله سبحانه ولا تسجدوا لهذه الشمس ولا للقمر. وعلى القراءة الأخرى التي هي قراءة أبي جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب: ((ألا يسجدوا)) فيكون معناها: هلا سجدوا لله سبحانه؟ وكأنها للنداء، فيكون: ألا يا قوم! اسجدوا لله، فكأن هناك شيء محذوف تقديره: يا قوم! ألا يا قوم! اسجدوا لله، فحذفت فصارت: ((ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء))، والله سبحانه الذي يعلم السر والعلن، ويعلم ما هو أخفى من ذلك. والله هو الذي يخرج الخبء، يعني: الشيء المخبوء المستتر في السموات وفي الأرض، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، فبدلاً من أن يسجدوا للشمس التي لا تعلم شيئاً إلا ما يأمرها به ربها سبحانه، فهلا سجدوا لله الذي يعلم كل شيء، ويخرج ما اختبأ في السموات وداخل الأرض؟ قال: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ} [النمل:25] أي: فكما أنه علم بما اختبأ في السموات وفي الأرض، فإنه يعلم ما تخفيه أنت في نفسك، ويعلم السر والجهر، ويعلم ما هو أخفى من السر. و ((تُخْفُونَ)) بالخطاب، قراءة حفص عن عاصم، وقراءة الكسائي. وباقي القراء يقرءونها: ((ويعلم ما يخفون وما يعلنون)) للغائب، يعني: ما يخفي الخلق وما يعلنون.
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) قال الله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:26]، وهذا من كلام الهدهد يخبر عن ربه سبحانه، فكأنه يقول: هذه المرأة لها عرش عظيم، ولكن أي عرش هذا؟! الله هو صاحب أعظم عرش، الله هو رب العرش العظيم سبحانه الذي ليس مثله عروش البشر. {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [النمل:26]، يعني: الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة. فلا معبود بحق سواه، لا شمس ولا قمر ولا غيرها. قال: {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل:26] أي: خالق العرش العظيم هو الرب سبحانه الذي يدبر أمر الكون. وقد وصف عرشها بأنه عرش عظيم، عظمة تليق بحقارتها هي، وحقارة الإنسان، إذاً: الإنسان قد يرى الشيء من الذهب والفضة عظيماً! أما عند الله فلا يساوي شيئاً، فكل الدنيا مهما تعاظمت عند الخلق فلا تساوي عند الله جناح بعوضة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) فهذه هي الدنيا. أما الآخرة فهي الأعظم، وعرش الله سبحانه هو الذي يستحق أن يقال عنه: إنه هو العرش العظيم، والله عز وجل خلق العرش، واستوى عليه كما قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، استواء يليق به سبحانه وتعالى، وهو مستغن عن العرش وما تحته. والسموات عظيمة عالية، وكرسي الله عز وجل فوق سمواته سبحانه، ولو جمعت السموات كلها والأرضون بجانب الكرسي لم تكن إلا كحلقة في فلاة، والكرسي العظيم لو قورن بعرش رب العالمين سبحانه كان كحلقة في فلاة، وهذه نسبة الكرسي إلى العرش، فكيف يكون هذا العرش الذي استغنى عنه ربنا سبحانه؟ والعرش يمسكه الرحمن سبحانه وتعالى أن يزول، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:41]، فمن يمسك السموات والأرض من بعد الله سبحانه وتعالى؟ لا أحد، فالكل يحتاج إلى الله عز وجل، العرش فما دونه، والله مستغن عن الجميع، وهو فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته سبحانه. إذاً: الهدهد قال لسليمان عليه الصلاة والسلام: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل:22] أي: عندي الذي ليس عندك، أنا عرفت ما لا تعرفه، أنا صغير ولكن أعرف أشياء لا تعرفها أنت، قال الله عز وجل: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]، إذاً: الإنسان لا يفتخر بعلمه، ولا يتعالى على الناس بأن علمه الله عز وجل شيئاً، فهو لا يدري لعله علم غيره ما لا يعلمه هو، ولم يقدره له. فهنا لما قال الهدهد ذلك لسليمان عرفنا أن الصغير قد يعلم أشياء لا يعلمها الكبير، وقد جاء مثل ذلك عن أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد علم البعض منهم أشياء لم يعلمها البعض الآخر. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جلالته وإمامته رضي الله تعالى عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقال فيه: (لو كان من أمتي محدث لكان عمر) إلا أن هناك أشياء لم يعرفها عمر رضي الله عنه، وعرفها غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. من ذلك: الاستئذان الذي يعلمه الكثيرون من الصحابة، كان لا يعرفه عمر رضي الله تعالى عنه، فذهب إليه أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأفاضل وهو: أبو موسى الأشعري فاستأذن على عمر الأولى والثانية والثالثة فلم يأذن له عمر رضي الله عنه، فانصرف أبو موسى فإذا بـ عمر يقول: إلي به، أحضروه، فيأتي أبو موسى فيقول: عمر ما الذي صرفك؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف) فانصرفت، فقال: إما أن تأتي ببينة على هذا أو أوجعك ضرباً؛ لأنك تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. فذهب أبو موسى مذعوراً رضي الله تعالى عنه، فجاء إلى مجلس من الأنصار فيهم: أبي بن كعب وفيهم: أبو سعيد الخدري وهو مذعور، فقالوا: ما لك؟! فأخبرهم بالخبر، فضحك الجميع من أن عمر لا يعرف هذا! وقالوا: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، أي: أن أصغر شخص فينا هو الذي سيعلم عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه. فكان أصغرهم أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، فقام لـ عمر رضي الله عنه وشهد بصدق كلام أبي موسى، ثم جاء خلفه مباشرة أبي بن كعب وهو سيد من سادات الأنصار، بل سيد القراء، كما لقبه بذلك عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له: يا عمر! لا تكن حرباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: أنه علم ما لم تعمله أنت، فقال: إنما أردت أن أتثبت، يعني: هل هذا الخبر قاله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ فهنا عمر مع جلالته لم يعرف هذا الأدب من آداب الاستئذان، وأن للإنسان أن يستأذن ثلاث مرات فقط فإن أذن له وإلا انصرف. كذلك: التيمم، فقد خفي على عمر رضي الله عنه، مع أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمار قد علم ذلك وحدث به، فأرسل إليه عمر يحذره من التحديث بأمر التيمم، فقال: إن شئت لم أحدث به، وتول ما تولاه، يعني: إذا أردت ألا أتكلم وألا أحدث به الناس فسأفعل، فقال عمر: لا، فـ عمار يذكره: أما تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت إلى مكان كذا، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في التراب، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يكفيك هكذا) وعلمه التيمم، ضربة باليدين على الأرض ثم مسح الوجه والكفين، فلم يتذكر عمر رضي الله عنه الحادثة التي حصلت له هو رضي الله تبارك وتعالى عنه، قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]. أيضاً: جاء في أمر المرأة الحائض: أنها إذا طافت طواف الإفاضة ثم حاضت قبل طواف الوداع فلتنفر طالما أنها طافت طواف الإفاضة، فهذا الحكم لم يعرفه البعض من كبار الصحابة منهم: عمر ومنهم: زيد بن ثابت رضي الله عنهما، وعرفه من صغار الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنه، والذي توفي عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعمره ثلاثة عشر عاماً رضي الله تبارك وتعالى عنه. كذلك: غسل رأس المحرم، فالإنسان إذا كان محرماً جاز له أن يغسل رأسه، عرفه ابن عباس ولم يعرفه المسور بن مخرمة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وأحكام كثيرة من هذا الباب عرفها البعض من الصحابة ولم يعرفها البعض الآخر، وليس هذا عيباً، فالله عز وجل يخبرنا أن فوق كل ذي علم عليم، والعيب: هو أن يزعم الإنسان أنه يعرف كل شيء، والله عز وجل قد أخبر عن الإنسان أنه جهول، قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]، فالإنسان فيه جهل في نفسه، فهو يجهل قدر نفسه، ويجهل حقارة نفسه، ويجهل قدر خالقه العظيم سبحانه، ولذلك يقول الله عز وجل: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر:67]، أي: لو عرفوا الله عز وجل حق المعرفة وعرفوا قدره حق المعرفة، لعبدوه العبادة التي تليق به سبحانه وتعالى. وهنا في هذه الآيات لما قال الهدهد: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل:22]، لم يجب عليه سليمان في هذا الأمر؛ لأنه تعالى عليه بالعلم، فكان الجواب من سليمان اللائق بذلك هو ما ذكره الله في الآية التي تليها.
تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)
تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين) قال الله تعالى: {سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:27 - 28]، فإما أن يكون عندك ما ليس عندنا، أو أنك تكذب، فسنفتش في حالك وننظر ونتحرى في الأمر، {أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27]. ثم قال سبحانه: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} [النمل:28]، ولاحظ أن سليمان لما قال له الهدهد: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل:23]، لم يقل شيئاً، ولما أخبره: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل:23]، لم يقل شيئاً، فلما قال له: {يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل:24]، كان لا بد أن يتكلم، ولا بد أن يدعو إلى الله سبحانه، لذلك قال: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28]، يعني: اذهب بهذا الكتاب وهو عبارة عن رسالة يدعوهم فيها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينظر {مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28]، فكتب له كتاباً وأمره أن يذهب إلى هذه المرأة وإلى قومها. وقوله: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ} [النمل:28]، فيها ثلاث قراءات: القراءة الأولى: قراءة أبي جعفر وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة حمزة أيضاً: {فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ} [النمل:28] بالسكون! ويقرؤها قالون وهشام بخلفه ويعقوب: ((فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ)) باختلاس الكسرة. وباقي القراء يقرءونها بالإشباع وكأنها ياء: ((فألقهِ إليهم)). إذاً: في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبلغيهم دعوة رب العالمين سبحانه، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كتب الكتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى غيرهم من الملوك، يدعوهم إلى الله سبحانه، فيقول: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين رب العالمين. وفي قصة سليمان مع الهدهد لما أمره أن يذهب بالكتاب تعليم للأدب في ذلك، فقد أمره أن يضع الكتاب عندهم، ثم يتولى عنهم، أي: أعطهم فرصة يقرءون فيها الكتاب، وراقبهم ماذا سيفعلون؟ وانظر ماذا يرجعون؟ أي: في ردهم فيما بينهم. والملكة كانت تسمى: بلقيساً، فقد كانت ملكة سبأ وذكر الله عنها أن لها عرشاً عظيماً، فملكت قومها وساستهم، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فلا ينبغي في دين الإسلام أن تكون المرأة حاكمة، أو تكون خليفة، أو تكون أميرة على الناس، فهذا ليس من وظيفة النساء، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وصل الأمر إلى ذلك، وأصبحت المرأة رئيسة على الناس، وأميرة عليهم فإن هؤلاء قوم لا يستحقون الفلاح، (لن يفلح قوم) أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة إذا ولوا أمرهم امرأة، وقد أخبرنا الله سبحانه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء ناقصات عقل ودين، فإذا جاء الرجال وجعلوا الناقصات فوقهم فعلى ذلك لن يفلح الجميع، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إذاً: النساء ليس لهن من أمر ولاية المسلمين أو إمارة المسلمين شيء. أما الكفار فكان عندهم ذلك، فهؤلاء ولوا عليهم هذه المرأة، وكذلك لما قتل كسرى ولوا بعده ابنته عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فدمر الله عز وجل ملكها، وتمزق ملكهم بعد ذلك. قال سليمان هنا: {ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} [النمل:28]: وفيه حسن الأدب بالتنحي مع من تعطيه كتاباً، فإذا فتح إنسان رسالة أو كتاباً من أحد فلا تنظر معه ولا تقرأ الكتاب، ولا تظل واقفاً بجواره، ولكن الأدب أن تبتعد عنه قليلاً حتى يقرأ الكتاب ثم يعطي الرد بعد ذلك، قال: {فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28]. وذهب الهدهد إلى هنالك، ولم يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى كيف رجع إلى هذه الململكة، وانظر الفرق بين القصص القرآني وبين الحكايات التي يذكرها البشر، إذ لو كانت حكاية يذكرها البشر لقالوا: الهدهد أخذ الكتاب وطار به، ووصل إلى هنالك، وجلس ينتظر فرصة من أجل أن ينزل عليهم الكتاب، وألقى عليهم الكتاب، وهذه كلها أشياء لا تفيدنا في شيء، ولذلك يعرض عنها القرآن.
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري)
تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري) قال الله تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29]، إذاً: الكتاب وصل على الصورة التي أرادها سليمان، وقرأت الكتاب وهذا هو الذي يريده سليمان، {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ} [النمل:29]، وفيها: احترام الملك للوزراء الذين عنده، والملأ: الأشراف، يعني: يا أكابر القوم! فهي تحترم من معها حتى يحترموها، ففيها كيف يتعامل الملك، وكيف يتعامل الكبير مع من حوله، فلا يتعامل معهم بالاحتقار، أو أن رأيي فوق رأي الجميع، وأنا أفهم وغيري لا يفهم شيئاً، وكلام هذه المرأة يدل على أنها كانت امرأة عاقلة. {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29] وكسرى عندما وصل إليه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه فوراً، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مزق الله ملكه)، فمزق الله سبحانه ملكه. لكن المرأة تأدبت، وهي لا تعرف كيف هي قوة سليمان؟ والذي استطاع أن يوصل إلي هذه الرسالة، ماذا يستطيع أن يفعل معي؟ لذلك احتاطت في كلامها، وكبرت القوم بقولها: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ} [النمل:29]، أي: علية القوم وأشرافهم. {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ} [النمل:29] أي: لم يأت بهذا الكتاب رسول وإنما إلقي إلي، ونزل إلي من السماء. {كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29]، فوصفت الكتاب بأنه كتاب كريم؛ لأدب سليمان عليه الصلاة والسلام، فأدبه في الخطاب الذي أرسله إليها، هو الذي دفعها إلى أن تقول بأنه: {كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29]. وقد قالوا: وصفته بذلك لما تضمن من لين القول، فإن سليمان عليه الصلاة والسلام أرسل إليها بقول لين، وليس بقول شديد، يعظها فيه، ويأمرهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، قالوا: كان فيه الموعظة في الدعاء إلى عبادة الله سبحانه، وفيه حسن الاستلطاف من غير أن يتضمن سباً ولا لعناً، ولا شيئاً يغير النفوس، فكان الكتاب كتاباً كريماً من سليمان. وهذه عادة الرسل، فإن الله سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] مع أن فرعون قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وقال: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف:51] {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف:54] وقال: {فَأوْقِد لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38]، فكان كذاباً سفيهاً، متعالياً جباراً، ومع ذلك أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام وأخاه أن يقولا له قولاً ليناً، وهكذا يجب أن يكون الخطاب مع من تدعوهم إلى الله عز وجل، خطاباً ليناً، فقالت المرأة لما وجدت الخطاب ليناً: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29].
تفسير قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)
تفسير قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، أي: هذا الكتاب مختوم من رجل اسمه سليمان، ولعلها سمعت عنه ولكنه لم يسمع عنها. قال: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، وهذه البسملة الوحيدة في القرآن كله، والتي اتفق على أنها بعض آية من هذه السورة الكريمة واختلف في غيرها، وإن كان الجمهور على أنها آية كاملة في أول الفاتحة، وهذا هو الصحيح، والبعض على أنها آية منفصلة في كل سورة. والصواب: أنها آية منفصلة في أول كل سورة، إلا الفاتحة فهي أول آية فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها). فبدأ خطابه ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن السنة: أنك عندما تبدأ الكتاب تبدأه ببسم الله الرحمن الرحيم. فقوله: {بِسْمِ اللَّهِ} [النمل:30] أي: ابتدائي مستعيناً ببسم الله سبحانه وتعالى، فأستعين بالله سبحانه، ذاكراً اسمه مبتدأً به، باسم الله المعبود {الرَّحْمَنِ} [النمل:30]، العظيم الرحمة لجميع خلقه في الدنيا وفي الآخرة. {الرَّحِيمِ} [النمل:30]، بالمؤمنين سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ألا تعلوا علي واتوني مسلمين)
تفسير قوله تعالى: (ألا تعلوا علي واتوني مسلمين) قال تعالى: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31]. أي: احذروا من الكبر، واحذروا من ترك عبادة الله سبحانه. {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31] أي: تعالوا إلي مستسلمين لله رب العالمين، عابدين الله، تاركين هذه الشمس التي تعبدونها من دون الله، فالكتاب فيه الاختصار، وفيه الحزم. فقد حذرهم فيه من الكبر، ومن عدم تأمل العواقب، وبدأ بذكر اسمه، فقال: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30] ثم بدأ بذكر الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة، وذكر اسمين من أسمائه اللطيفة الكريمة، وهي أنه رحمن ورحيم. فكأنه قال لها: إنك إذا عبدت الله فهو الذي سيرحمك سبحانه وتعالى. قالوا: وفيه من السنن: أنك عندما تكتب لإنسان فتبدأ بذكر نفسك فتقول: من فلان إلى فلان. وكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب إلى الملوك وإلى غيرهم، فيقول: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلان بن فلان، ففيه: أنك تبدأ بالإخبار عن نفسك. وبعض أهل اللغة فرقوا بين من يكتب إلى كبير من القوم، ومن يكتب إلى غيره. فقالوا: إذا كتب إلى كبير كالذي يكتب إلى والده، أو إلى إنسان كبير في الرتبة وغيرها، فليبدأ به يقول: إلى فلان من فلان. ولكن هنا في القرآن ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى: أنه بدأ باسمه هو فقال: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:30 - 31] فبدأت تتشاور مع قومها في الذي ستفعله في ذلك؟ أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [29 - 38]
تفسير سورة النمل [29 - 38] ذكر الله تعالى في هذه الآيات بعضاً من قصة بلقيس ملكة سبأ مع سليمان عليه السلام، فلما أن أرسل سليمان الهدهد بالرسالة إليها فقرأتها ثم مدحتها ووصفتها بالكرم، وأنه خطاب لا على عادة أهل التكبر والطيش، بل هو كلام محكم موزون، قليل المبنى، كثير المعنى، ابتدأ بذكر المرسل، ثم الاستعانة بالله، ثم الأمر لها بعدم العلو والتكبر على دين الله ونبيه، وأن تأتي إليه مع قومها مسلمين، وكانت عاقلة ذكية، فاستشارت قومها واستقر الرأي على إرسال هدية إلى سليمان؛ لتعرف بها حاله أهو نبي فيتبع أم ملك فيقاتل؟ وكان مآل هذه الملكة وقومها إلى الإسلام واتباع نبي الله سليمان عليه السلام.
دعوة سليمان لبلقيس وقومها إلى التوحيد
دعوة سليمان لبلقيس وقومها إلى التوحيد الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:29 - 31]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن قصة بلقيس لما جاءها الهدهد برسالة سليمان عليه الصلاة والسلام، وكيف أنه أرسل الهدهد بهذه الرسالة إليها. وقد ابتدأ هذه الرسالة بقوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]. وهذا الخطاب الذي أرسله سليمان عليه السلام لـ بلقيس كان فيه دعوتها إلى توحيد رب العالمين سبحانه، وأن تأتي مذعنة خاضعة لرسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليها: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31]، أي: مستسلمين للرب سبحانه وتعالى، وألا تعبدوا غيره من المعبودات الباطلة. وقدمنا: أن سليمان عليه الصلاة والسلام كان قد افتقد الهدهد مرة، فلما سأل عن الهدهد ولم يجده، توعده وقال: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21] قال تعالى: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [النمل:22]، يعني: وظهر الهدهد وجاء إلى سليمان عليه السلام وقال: {أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22] يعني: علمت علماً لا تعلمه أنت، وأحطت بخبر في بلاد قريبة منك وأنت لا تعلم عنها شيئاً، وكان سليمان بالشام وهؤلاء باليمن. فقال: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل:22]، أي: نبأ ليس كذباً، وليس عن طريق أحد غيري، بل أنا الذي رأيت بنفسي، وليس المخبر كالمعاين، فالذي يعاين الخبر ويراه يكون منه على يقين، أما الذي يخبر عنه فليس على مثل يقين المشاهد. والنبأ معناه: الخبر الذي غاب عن الإنسان، ومنه النبي والنبيء، يعني: الذي ينبأ بأخبار من الغيب لم يكن يعرفها، ولا يعرفها أحد من البشر سواه، فيخبره الله عز وجل بالنبوءة بأخبار الغيب. والخبر هو: أني وجدت امرأة ملكة على بلاد اليمن، وهي ملكة سبأ، وهذه المرأة لها عرش عظيم، غير أنها تعبد هي وقومها الشمس من دون الله. وهذه المرأة كانت غنية جداً؛ ولذلك الهدهد يقول لسليمان عليه السلام: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23]، يعني: مما يؤتاه البشر، فقد أوتيت أشياء كثيرة مما يؤتاه البشر، وأوتيت غنى عظيماً، ولها عرش عظيم يدل على قدرة من معها على البناء وعلى الصنع وعلى التجميل، وهذا العرش قد انبهر منه الهدهد ووصفه بأنه عرش عظيم. فلما قال ذلك لسليمان، وأنهم يعبدون غير الله سبحانه قال: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]، قال الله عز وجل: أو قال سليمان تعقيباً على كلام الهدهد: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} [النمل:25]، أو قالها الهدهد. وفي هذه قراءتان: الأولى: (ألَا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء). بتخفيف اللام في (ألا) والثانية: (ألَّا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء). بالتشديد. والمعنى: التحضيض والحسم، هلا سجدوا لله بدلاً من هذه الأشياء الباطلة التي يعبدونها من دون الله سبحانه؟ فلما سمع سليمان عليه الصلاة والسلام من الهدهد ذلك: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27] يعني: هل هو يتعلل لأنه غاب وسليمان هدده بأن يذبحه أو يعذبه عذاباً عظيماً، أم هو صادق في كلامه؟ {قَالَ سَنَنظُرُ} [النمل:27]، يعني: نتحرى، وكأن القرآن هنا يشير إلينا أن الإنسان لا يندفع، وليأتس بهؤلاء الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فسليمان عليه السلام تهدد وتوعد الهدهد وقال: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21]. فإذاً: يجب على الإنسان إذا غضب من شيء أن ينتظر حتى يهدأ وحتى ينظر في الذي عند هذا الآخر من العذر، فإذا أخبره بعذره قبل هذا العذر. ولذلك قال سليمان عليه الصلاة والسلام: {أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [النمل:21] يعني: بعذر بين أو بحجة قاطعة، فجاء الهدهد بهذا الخبر فقال سليمان: {قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [النمل:27]. ثم قال له: {اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} [النمل:28]، فأخذ الهدهد كتاب سليمان، وذهب إليهم، وألقاه إلى هذه الملكة. فلما رأت الكتاب، وقد علمت أنه لم يأتها به أحد من البشر، أدركت أن هذا الخطاب أتى من فوق، ثم فتحت الخطاب، فقالت: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، فهذا الخطاب الكريم من سليمان. ثم قال تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كريم} [النمل:29]، وكتاب معناه: مكتوب، يعني: رسالة مكتوبة، ومكتوب فيه: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، فكأنه قدم نفسه، بحيث لو كانت غبية أو متطاولة فشتمت أو سبت كان شتمها وسبها لأول من ذكر، ولا تسب الله تعالى، فلذلك بدأ باسمه هو فقال: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:30 - 31]. فذكر كلمات قليلة يسيره فيها البدء بالمرسل، ثم ذكر الله الخالق سبحانه ببعض صفاته العظيمة، وفيه التلطف مع هذه المرأة لعلها تستجيب وتدخل في هذا الدين. ولذلك لما وجدت هذه الصيغة قالت: {كِتَابٌ كَرِيمٌ} [النمل:29] يعني: لم يبدأ بالشتم والتهديد، ولكن بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم. وقوله: {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل:30]، دال على أن الله هو المعبود سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: أنا أكتب كتابي هذا مستعيناً بالله وحده سبحانه الذي هو الإله المألوه الذي يستحق العبادة وحده، كذلك هو الرحمن الذي يرحم عباده في الدنيا وفي الآخرة، وهو الرحيم سبحانه. فالرحمن صاحب الرحمة التي تعم الخلق جميعهم، والرحيم صاحب الرحمة العظيمة الخاصة بالمؤمنين. قال سليمان: {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ} [النمل:31]، وهذا هو مضمون الخطاب: لا تعلوا علي، ولا تستكبروا، ثم قال: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:31]، أي: مستسلمين لله رب العالمين، طائعين عابدين له لا تعبدون غيره سبحانه. فلما قرأت على قومها الكتاب، أو أخبرتهم بمضمونه، أظهرت هنا حكمتها، وأنها ليست مندفعة، فلم تندفع في التهديد والوعيد، مع أنه ذكر عنها أنها تملك جيشاً عظيماً جداً، ويكفي في قوتهم ما صرح الله عز وجل به هنا من كلام جنودها وقادتهم لما قالوا: {نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل:33]، فأثبت الله سبحانه وتعالى ذلك، ولم يكذب ما قالوه، فهم أصحاب قوة عظيمة في أبدانهم، وأصحاب قوة عند القتال.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) ثم قالت مستشيرة لهؤلاء الأقوام: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ} [النمل:32]. قَالَتْ: (يَا أَيُّهَا المَلَأُ)، ولم تقل: يا أيها الناس! فهي لم تخاطب الجميع، بل خاطبت القواد والوزراء، إذاً: فقد كان لها مجلس شورى مكون من أكابر القوم، وفي استشارتهم دليل على حلمها وعلمها وحكمتها. فالإنسان الذي لا يستشير إنسان أحمق، وفيه غباء واندفاع وطيش، وهذا يرى أنه وحده الذي يفهم الأمر وغيره لا يستحق أن يفكر، ولا يستحق أن يؤخذ برأيه، أما الإنسان الحكيم فهو الذي يستشير. ثم قالت: {مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا} [النمل:32]، يعني: لم أكن منفذة أمراً، ولا سأقضي في هذه القضية بشيء، ولا أفصل برأي من الآراء حتى تشهدوا مجلسي وتسمعوا مني وأسمع منكم، ثم نخرج برأي يتفق عليه الجميع. وفي قوله تعالى عنها: (حتى تشهدون) قراءتان: قراءة الجمهور: (حتى تشهدون)، فإذا وصلوا فسيكون النون مكسوراً. أما قراءة يعقوب فبالياء في آخرها: (حتى تشهدوني)، سواء وصل أم وقف.
تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد)
تفسير قوله تعالى: (قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد) قال تعالى عن قومها: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ} [النمل:33]، يعني: في أبداننا، وعدة الحرب موجودة عندنا. ونحن {وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ} [النمل:33]، أي: ومجربون في القتال، ولدينا صلابة وقوة عند القتال. ثم أظهروا أيضاً التواضع معها فقالوا: {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ} [النمل:33]، يعني: اصنعي ما ترينه مناسباً. فهي تواضعت وسألت، وهم تواضعوا وقالوا: {وَالأَمْرُ إِلَيْكِ} [النمل:33]، فردوا الأمر إليها. قالوا: {فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل:33]، يعني: نحن طوع أمرك.
تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها)
تفسير قوله تعالى: (قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) وهنا أيضاً ظهرت حكمتها وحنكتها وسياستها، وأنها كانت عاقلة، فلم تقل: أنتم عددكم كبير وألوف، فنبعث له جيشاً لتدميره، ولكن قالت لهم حتى تريهم رأيها: افرضوا أننا انهزمنا؟ فسيدخل هذا الملك بمن معه بلادنا فيدمرها ويذل سادة القوم؛ ولذلك قالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل:34]. وهذا حاصل في غير جند الإسلام، فإنهم يدخلون القرى ليعمروها، وهم ممنوعون من التخريب والإفساد، وإنما يدعونهم إلى توحيد رب العالمين سبحانه وتعالى. فجهاد المسلمين ليس لتخريب الديار، بل لإعمار البلاد، ولإعمار قلوب العباد، ولإدخال العباد في عبادة الله بدلاً من عبادة العباد من دون الله رب العالمين. فالإسلام يأمر المقاتلين أن إذا أتيتم قرية فلا تبدأوا بالقتال، ولكن ابدأوا بدعوة هؤلاء إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فإن أطاعوا لذلك فكفوا عنهم، واجعلوا حاكمهم منهم، بشرط أن يحكمهم بشرع الله سبحانه وتعالى. فهذا الدين جاء ليحكم العباد لا بشريعة العباد، أو شريعة الغاب، ولكن بشرع رب العالمين سبحانه. وفي هذا الدين: أن الناس سواسية كأسنان المشط، فخيرهم عند الله أتقاهم، وأقربهم إلى الله المؤمن التقي، إذاً: فإذا فتح الإسلام أرضاً حكمها بالعدل. وقد عرفت اليهود ذلك، فلما ذهب إليهم عبد الله بن رواحه رضي الله عنه يخرص أرض خيبر، أرادوا أن يدفعوا له رشوة من أجل أن يخرص بالظلم، فقال: والله إنكم لأبغض الخلق إلي، ولا يمنعني ذلك من أن أعدل بينكم فيما أرسلني فيه النبي صلى الله عليه وسلم. فقال اليهود: بهذا قامت السموات والأرض، يعني: بالعدل الذي أنتم عليه قامت السموات والأرض. فدين الإسلام دين العدالة، فإذا فتح البلاد عدل بين أهلها، لكن أي ملك من الملوك إذا فتح أرضاً خرب فيها، فسجن أهلها، وجعل أعزة الناس فيها أذل الناس وأحطهم. والناظر في أحوال البلاد يرى كيف يصنع الكفار مع الناس إذا أخذوا بلادهم، وكيف يذلون أهلها، وكيف يخرجون أوضع الناس فيجعلونه الرفيع فيهم، والرئيس عليهم، ويأخذون أعلى الناس فيجعلونهم تحت التراب، ولا يهمهم ما الذي يصنعونه، فيبيحون البلاد، ويغتصبون النساء، ويدمرون البلاد، ويقولون: إن الوقت وقت حرب نفعل فيه ما نشاء لأننا الغالبون، فلا حساب علينا، ولا محاكمة لنا، فالقانون قانون الغاب، القوي الغالب يفعل ما يشاء بالضعفاء، ولا يقدر أحد أن ينكر، وهذه شريعة الغاب المعروفة منذ القدم. ولذلك أرسل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم، فقال: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} [النحل:90]، أي: يأمرك أن تعدل، وأن تحسن، وأن تؤتي ذوي القربى حقهم، ثم قال: {وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل:90]، أي: وينهى عن المنكر، والظلم، وأن يبغي بعضكم على بعض. وقد سمع هذه الآية الوليد بن المغيرة، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر. قالت الملكة هنا: وهذا إما أن يكون قولاً لها، وإما أنه تعقيب من رب العزة سبحانه، وفعلاً يحدث هذا الشيء، وكذلك يفعل الملوك، إلا من رحم الله وجعله على شريعة الإسلام يحكم بين الناس بالعدل. وقد رأينا النبي صلى الله عليه وسلم كيف دخل مكة حين فتحها، ومعه جيش جرار أرعب أهل مكة، فلما فتحها ولاذ الناس ببيوتهم أرسل منادياً ينادي: (من دخل الحرم فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن)، فأمن الناس صلوات الله وسلامه عليه، ولما قال بعض من معه في جيشه: اليوم يوم الملحمة -يعني: يوم القتال- فأرسل ينفي ذلك، ويقول: (بل اليوم يوم المرحمة) أي: يوم الرحمة. ثم جمع أهل مكة وقال لهم: (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم)، وهم الذين قتلوا عمه حمزة رضي الله تبارك وتعالى عنه، ومثلوا بجثته، وقتلوا مصعباً وغيره من المسلمين، وهم الذين شجوا وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وكسروا المغفر أو البيضة على رأسه، وأرادوا قتله، ومع ذلك يقول لهم صلى الله عليه وسلم: ما تظنون أني فاعل بكم؟)، قالوا: (أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء). ولما قال بعض أصحابه: (اليوم يستباح الحرم، قال: لا، اليوم يعظم الحرم). وبدأت بلقيس بهذا القول: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} [النمل:34]؛ من أجل ألا يشهد عليها الملأ بالقتال، فاستحثت عقولهم: أن فكروا قبل أن تفعلوا شيئاً، فلو دخل الملوك عليكم وهزموكم دمروا قراكم وبلدكم. وفي هذه الآية مبدأ الشورى الذي أمرنا الله عز وجل به، حين قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]، فأمره سبحانه أن يشاور المؤمنين، ومن هذا الذي من المؤمنين رأيه أرجح من رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي من السماء. ولكن مهما كان الأمر فسنة رب العالمين في خلقه الشورى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} [آل عمران:159]. فالإنسان الذي يحكم هو واحد، ورأيه رأي واحد، ولكن إذا استمع إلى مجموعة أضاف عقولهم إلى عقله، ولذلك كان العاقل هو الذي يستشير، وقد قال الله عز وجل يمدح المؤمنين بما فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى:38]، فهو يشاور المؤمنين ويعمل بما نتج عن الشورى من رأي، وقد يخطئون، ومع ذلك يأخذ برأيهم صلوات الله وسلامه عليه. ففي يوم أحد كان رأي النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يخرج من المدينة، وقد رأى رؤيا تؤيد ما قاله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى أن المدينة حصن عظيم، ولكن أكثر المؤمنين كان رأيهم أن يخرجوا لقتال المشركين، فنزل على رأيهم صلوات الله وسلامه عليه، واستجاب لهم، ولبس لأمة القتال، فلما وجدوا أنهم فرضوا عليه شيئاً خلاف رأيه تراجعوا، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ننزل عن رأيك، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمة القتال أن ينزعها حتى يقاتل)، فلما خرجوا إلى ساحة الحرب نزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه منازلهم، وأمر الرماة ألا يفارقوا موضعهم، ولكنهم لما عصوا النبي صلى الله عليه وسلم حاقت بهم الهزيمة بعد ذلك. وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمشورة القوم في مواطن كثيرة، وكان يقول يوم بدر: (أشيروا علي أيها الناس!)، فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: (يا رسول الله! لعلك تعنينا - أي: الأنصار-؟ قال: نعم، قالوا: يا رسول الله! سر أينما شئت، ووال من شئت، وعاد من شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، فوالله لو خضت بنا برك الغماد لخضناه معك). يعني: نخوض هذا البحر حتى نصل إلى المكان الذي تريده. واستشارهم في يوم أحد، واستشارهم في غير ذلك. بل استشارهم في أمر يخصه صلى الله عليه وسلم حين تكلم الملعون عبد الله بن أبي بن سلول بحديث الإفك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشيروا علي يا قوم!) أي: في هذا الأمر، فلما استشارهم صلوات الله وسلامه عليه حدث بين الناس كلام، وكاد أن يقوم بعضهم إلى بعض، فأسكتهم النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إلى بيته. والغرض مما ذكر: أن يعلم أن مبدأ الشورى مبدأ عظيم، فلا يخيب أبداً إنسان يستشير، بل الذي يتهور ويندفع هو الأحرى بالخسران والخيبة. فالمرأة كانت عاقلة وذكية؛ ولذلك استشارت من معها؛ حتى يعرفوا منزلتهم عندها، ثم بعد ذلك ألقت بالنصيحة: أن الحرب سجال، فقد ننتصر، ولكن الهزيمة واردة، فلو حصلت الهزيمة فسيدخلون بلادنا، وهذا الذي أرسل هدهداً برسالة، معناه: أن معه جنوداً كثيرين، فاحتمال الهزيمة كبير.
تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون)
تفسير قوله تعالى: (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) ثم قالت بعد ذلك: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل:35]، أي: سنختبر هذا الذي أرسل الرسالة، هل هو نبي من الأنبياء أم أنه ملك ملك من الملوك؟ فلو كان ملكاً فسيقبل الهدية، ونتعامل معه بناءً على ذلك، أما لو كان نبياً فلن يقبل هذه الهدية، وهذا الذي حدث. ثم قالت: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35] أي: بالذي سيرجع به المرسلون الذين سنبعثهم. فإذاً: ستبعث هدية ليس مع واحد؛ لأنها تقول: (بم يرجع المرسلون)، وهنا لم تقل: الرسل، ولكن قالت: {الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]، فكأن العدد ضخم؛ ولذلك ذكرت جمع المذكر السالم هنا. فإذاً: هي اختارت هدية عظيمة جداً، وأرسلتها لسليمان عليه السلام مع مجموعة كبيرة من الناس. أما تفصيل ما في الهدية فلم يهتم القرآن بذلك، وما الذي أرسلته إليه، هل أرسلت إليه غلمان، أم أرسلت إليه وصائف، أم أرسلت إليه ذهباً وفضة؟ أياً كان ذلك فقد أغناه الله عز وجل وأعطاه فوق ذلك، ويكفي أنه نبي، فالنبي لا طمع له في الدنيا أصلاً. فعلى ذلك لا يعنينا ما هي هذه الهدية التي أرسلتها إليه، ولكن من الواضح أنها هدية عظيمة. ثم ذهبوا بهذه الهدية إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، وهي قالت: {فَنَاظِرَةٌ} [النمل:35] يعني: سأنظر ما الذي سيعمل بها، وبناء على ذلك سنتعامل معه، فإن كان طماعاً فليس برسول، فسنتعامل معه بمنطق القوة، ونرسل إليه جنودنا الأقوياء. لكن لو رد الهدية، فهذا يعني أنه رجل عظيم قوي، وأنه يحتقر هذه الهدية، فالغالب سيكون نبياً من الأنبياء، ولا طاقة لنا به.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال) قال الله عز وجل: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل:36]، أي: لما أتوا إلى سليمان بهذه الهدية، أو جاءه رسول هذه الملكة، وقال: قد جئت ومعي هدية من هؤلاء. فقال سليمان مباشرة يرد عليهم: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} [النمل:36]، يعني: تدفعون لي رشوة على أمر الله عز وجل، وما أرسلت إليكم إلا لتسلموا لله رب العالمين، فتدفعون لي مالاً حتى أترككم على كفركم وشرككم، قال: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36].
القراءات في قوله تعالى: أتمدونن بمال
القراءات في قوله تعالى: أتمدونن بمال وفي قوله تعالى: (أتمدوننِ بمال) ثلاث قراءات: قراءة الجمهور: بكسر النون (أتمدوننِ). وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو: (أتمدونني بمال)، فإذا وصلوا نطقوا بالياء، وإذا وقفوا حذفوا الياء، فالوقف: (أتمدوننِ) كالجمهور، والوصل (أتمدونني بمال). وقراءة ابن كثير بالياء في الحالين: (أتمدونني بمال)، سواء وقف أو واصل.
القراءات في قوله تعالى: (فما آتاني الله)
القراءات في قوله تعالى: (فما آتاني الله) وفي قوله تعالى: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} [النمل:36] ثلاث قراءات: قراءة يعقوب وحمزة: (أتمدو~نِّي بمال) بمد طويل فيها وإدغام. وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وحفص أيضاً ورويس (فما آتانيَ الله خير مما آتاكم)، فإذا وقفوا فسيكون الوقف بالنون فقط. ويقرأها أبو جعفر وورش في روايته عن نافع (فما آتان) في الوقف كما ذكرنا، والباقون يقرءون: (فما آتانِ الله خير مما آتاكم) وصلاً ووقفاً. ثم قال تعالى: {خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} [النمل:36]، أي: الذي أعطاني الله تعالى من النبوة ومن الملك خير من هذا المال الذي أتيتم به. قال تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]، يعني: أنتم تظنون أن هذه الهدية لها قيمة عظيمة، فمثلكم يفرح بها، أما أنا فلا أفرح بمثل هذه الهدية، فقد آتاني الله عز وجل النبوة، وآتاني الملك، والمال العظيم. والعادة في بني البشر: أن الإنسان كلما كان غنياً كلما كانت له مطامع، وازداد نهماً وحرصاً على المال، وخاصة لماذا كانت هدية عظيمة من ذهب أو فضة ونحوهما، ولكن هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قد عصمه الله من ذلك. ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال أو وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من طلب العلم، وطالب الدنيا لا يشبع من طلب المال وطلب الدنيا. فلما رد هذه الهدية علمت أنه نبي، فهي امرأة كافرة، وهو لا يقبل هدية الكفار. وجاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، أنه لم يقبل هدايا المشركين، وجاء عنه أنه قبلها. ففي الحديث الذي رواه أبو داود ورواه الترمذي عن عياض بن حمار: (أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية، أو ناقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: أسلمت؟ فقال: لا، قال: فإني نهيت عن زبد المشركين)، والزبد: العطاء والرفد والمنحة والهدية، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن ذلك. وفي حديث آخر: (أن عامر بن مالك -الذي يوصف أو يلقب بملاعب الأسنة- قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرك، فأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أقبل هدية المشركين). وفي حديث آخر: أن أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، واسمها: قتيلة بنت عبد العزى قدمت على ابنتها أسماء بهدايا، وهي عبارة عن ضباب وأقط وسمن، وكانت أسماء مسلمة وأمها كافرة، وأم أسماء التي هي قتيلة كانت كافرة وهي غير أم عائشة رضي الله عنها التي هي أم رومان فقد كانت مسلمة، فقدمت عليها في وقت الهدنة التي بين الحديبية وبين فتح مكة بذلك، فسألت أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أمي قدمت وهي راغبة)، يعني: راغبة في الصلة، فتوصلني وأصلها. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلي أمك، وأمرها أن تقبل هدية أمها). وبناء على ذلك اختلف العلماء في هدية المشرك: فبعض العلماء منعوا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إني نهيت عن زبد المشركين)، ولرده صلى الله عليه وسلم هدايا المشركين. والبعض الآخر أجازوا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء أن تقبل هدية أمها، وأيضاً قد طلب من سهيل بن عمرو أن يرسل إليه هدية من ماء زمزم. فأرسل إليه سهيل هدية من ماء زمزم، وأرسل له هدايا معها، فقبلها منه النبي صلى الله عليه وسلم. وبعض العلماء فصل فقال: إذا كانت هذه الهدايا كنوع من جعل الإنسان المسلم يوافقهم على ما هم فيه ويواطئهم، فتكون مداهنة، فلا تقبل هذه الهدية. أما إذا كان قبول الهدية فيه تأليف لصاحبها، رجاء أن يسلم بعد ذلك، فيجوز عندها قبول هدية المشرك. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تهادوا تحابوا) فالهدية تجلب المحبة؛ لذلك أمر المؤمنين أن يتهادوا فيما بينهم، ورفض هدية المشركين للعلة نفسها. إذاً: إذا أهدى المشرك هدية للمسلم ووجد نوع من أنواع المودة، بحيث تنقلب المودة إلى محبة بين المسلمين والمشركين، ثم تنقلب موالاة بعد ذلك، بحيث إذا فصل القتال بين المسلمين والمشركين لا يرضى المسلم أن يقاتله؛ لأنه أهدى له هدية قبل ذلك؛ فهذا لا يجوز بحال من الأحوال؛ وذلك ولذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم هدايا المشركين إلا أن يتألفهم بقبولها حتى يدخلوا في دين الله تبارك وتعالى. ولذلك لما جاءت الهدية لسليمان، قال: {فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]، يعني: تفرحون من أجل أن تقولوا: نحن بعثنا لسليمان هدية قوامها كذا وكذا، فتفرحون بذلك، ثم تفتخرون.
تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها)
تفسير قوله تعالى: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) قال: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا} [النمل:37] أي: من بلدهم، {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]. فإذاً: ما قالته الملكة صحيح وهو قولها: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل:34]، فهي بنظرها أن هذا إفساد، ولكن في نظر سليمان ليس إفساداً؛ لكونهم كفاراً يعبدون الشمس من دون الله، فيستحقون أن يقاتلوا حتى يسلموا أو يقتلوا. فقال: {وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]، فالجواب كان حاسماً شديداً، ولذلك المرأة فهمت ذلك، وقالت: سأذهب إليه بنفسي، خوفاً منه صلوات الله وسلامه عليه. فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها} [النمل:37]، أي: لا طاقة لهم بها، وجنود سيلمان من الجن ومن الإنس ومن الطير، فلا أحد يقدر على هؤلاء إلا رب العالمين سبحانه، فلذلك قال ببرود: {لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ} [النمل:37]، وهذا أسلوب قسم، أي: أقسم أننا سنخرجكم من هذه الديار طالما أنتم على شرككم أذلة وأنتم صاغرون. ولذلك كانت المرأة ذكية، فطالما أن سليمان عليه السلام قد حلف أنه سيخرجنا، فسنخرج نحن باختيارنا، ونذهب إليه بدلاً من أن يأتي إلينا فيدمر علينا هذه البلدة. قال سليمان عليه الصلاة والسلام: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]، أي: مهانون أذلة.
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين)
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الملا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين) ثم قال لجنوده: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:38]، فكأن سليمان عليه الصلاة والسلام جاءه من يخبره بمجيئهم، إما عن طريق الوحي أو عن طريق جنوده من الجن أو من الطير، فكأنه قال: ما داموا جاءوا إلينا فسنريهم ما نحن فيه من ملك حتى يحتقروا ملكهم الذي أطمعهم في الدنيا، ودفعهم أن يعبدوا غير الله سبحانه. وكذلك ليحتقروا هذه الهدية التي أرسلوها، ثم يرجعوا إلى صوابهم، فيعبدوا الله سبحانه وتعالى، فدبر تدبيراً عظيماً حتى يريهم ملكاً لم يروا مثله قبل ذلك أبداً، ولن يروا مثله بعد ذلك أبداً، وهو ما ذكر الله عز وجل هنا من الصرح الممرد من قوارير. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [36 - 44]
تفسير سورة النمل [36 - 44] لقد أرسل الله سبحانه وتعالى رسله وجعل معهم من الدلائل والمعجزات ما يفوق ما أعطاه الله لملوك الأرض وأهلها الذين يرسل إليهم هؤلاء الأنبياء، وقد آتى الله سيدنا سليمان ملكاً ومعجزات جعلت ملكة سبأ تعلم أن ذلك ليس من شأن الملوك، بل من شأن الأنبياء المؤيدين بالوحي، وقليل أولئك الملوك الذين يتغلبون على أهوائهم ويتبعون رسالات الله تعالى، ويؤمنون برسله.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان فإن ربي غني كريم)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاء سليمان فإن ربي غني كريم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل في سورة النمل: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ * قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل:36 - 44].
الحكمة التي اتصفت بها الملكة بلقيس
الحكمة التي اتصفت بها الملكة بلقيس يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصة سليمان عليه الصلاة والسلام مع ملكة سبأ وهي بلقيس، لما أرادت أن تختبر سليمان وتعرف هل هو نبي من الأنبياء أم هو ملك من الملوك؟ وقد أرسل إليها خطاباً يأمرها بالإسلام، وأن تأتي إليه ولا تتكبر عليه. فلما قرأت الرسالة وكانت امرأة حكيمة استشارت من معها، فلم تكن متهورة مندفعة بحيث ترد عليه جواباً على رسالته، فأبدو أنهم أقوياء: {قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل:33]. ولكنها ذكرت من حولها أن أمر القوة وأمر الحرب يحتمل أن ننتصر أو أن ننهزم، فإذا انهزمنا أمامه دخلت جنوده إلى أرضنا، ودخل هذا الملك إلى أرضنا فأفسد فيها وقالت: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [النمل:34]. ثم تروت ووجدت فكرة أخرى فقالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} [النمل:35]، يعني: إلى هؤلاء القوم وليس لسليمان وحده، ولكن لأهل هذه البلد أو لكبارها بما فيهم ملكهم، قالت: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]. وعندما يرجع إلينا هؤلاء الذين نرسلهم إليه بهذه الهدية نعرف أمره، فإذا كان ملكاً قبل هذه الهدية فنتعامل معه على أنه ملك من الملوك وأنه طماع، فإما أن نرضيه بمال، وإما أن نغزوه ونحاربه، وأما إذا كان غير ذلك فهذا نبي من الأنبياء ولا يسعنا إلا أن نأتي إليه.
موقف سيدنا سليمان من هدية بلقيس
موقف سيدنا سليمان من هدية بلقيس فلما ذهبت الهدية إلى سليمان رد عليهم رداً سريعاً ولم يستشر أحداً، بل قال: {أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النمل:36]. أي: أنتم الذين تفرحون بمثل هذه الهدايا، فأنتم تهدون إلى الإنسان لتفخروا عليه بهديتكم، ارجعوا بهذا الشيء فإننا لا نقبله منكم، ولنخرجنكم من أرضكم أذلة وأنتم صاغرون، فكأنه قال للرسول أو لكبير القوم الذي جاءه: {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]، فقوله: {وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ} [النمل:37]، فيه قسم من سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إذ قال: {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ} [النمل:37]، وهذا دليل على القسم؛ لوجود اللام في أول الفعل المضارع، والنون المثقلة في آخره، وكأنه يقول: والله لنخرجنهم منها أذلة، أو {فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً} [النمل:37]. فإننا دعوناهم في الخطاب فلم يلبوا، أما الآن فسنخرجهم من هذه الأرض: {أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} [النمل:37]. فلما بلغ الأمر إليها إذا بها تتجهز للذهاب إليه، فلم ترد أن يأتي سليمان إليهم فيطردهم من أرضهم، فقالت: نحن نذهب إليه في البداية مستسلمين فيعاملنا معاملة كريمة.
عظيم تسخير الله لسليمان
عظيم تسخير الله لسليمان فلما بلغ سليمان أنهم خارجون إليه، وعلم سليمان بذلك إما عن طريق الوحي وإما عن طريق جنوده من الجن وغيرهم أحب أن يريها آية من آيات قدرة الله سبحانه الذي أقدر سليمان عليها، فقال لمن معه: {قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل:38]، وإلا فماذا يعمل بعرشها؟ لكنه يريد أن يريها آية من الآيات، ولا مطمع له في عرشها. لكن هذا العرش هو الذي جعلها تتعالى وتستكبر على الخلق، وجعلها تعبد غير الله سبحانه، فينقل من اليمن إلى الشام وهي مسافة طويلة جداً في وقت يسير، وهي تخرج من بلدها تاركة عرشها هنالك فتأتي إلى الشام فتجد عرشها هناك، وهذا شيء عجيب جداً، فأراد سليمان أن يريها أنه رسول كريم مؤيد بالمعجزات. وهذا يدفعها إلى أن تؤمن بالله سبحانه، وكأن الهدف من إتيانه بعرشها أن يريها معجزة من المعجزات الحسية لعلها تسلم وتدخل في دين رب العالمين، فلما سأل من حوله لم يقل: يا أيها الناس؛ لأن الناس لا يقدرون على هذا الشيء، ولكن قال: يا أيها الملأ! فهم أعلى الناس الذي يدخلون عند سليمان، ويكون أكرمهم عليه أتقاهم لربه سبحانه وتعالى، فربنا فضل بعض الناس عنده كما قال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، وكذلك هو التفضيل عند أنبياء الله سبحانه وتعالى، فهم يفضلون ويقربون ويدنون منهم الأتقى من الخلق. فسأل هؤلاء الملأ الذين حوله وفيهم الإنس وفيهم الجن، فقال: {يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} [النمل:38]، وهو يعلم من قدرة الله سبحانه أنه سيأتيه بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان. فكان الإتيان بالعرش مقدور لسليمان عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله سخر الجان والشياطين والريح له، ولكن هو يريد شيئاً سريعاً قبل أن يأتوا. فهذه المرأة في الطريق وستأخذ ثلاثة أيام أو يومين، وهو يريد أن يأتي العرش الآن قبل أن تدخل هذه المرأة، فلما قال ذلك إذا بجنوده يجيبون: {قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ} [النمل:39]، والعفريت: هو المارد القوي، فالمردة من الجان مسخرون لسليمان عليه الصلاة والسلام، فقال هذا: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل:39]، أي: قبل أن تكمل هذه الجلسة الذي أنت فيها، وهذه قدرة عظيمة جداً، فلا تقدر أي طائرة ولا أي صاروخ أن يأتي له بهذا قبل أن ينفض المجلس.
فضل أهل العلم على أهل القوة
فضل أهل العلم على أهل القوة ولكن سليمان علم أن لله قدرة أكبر من ذلك، فطلب الأسرع من ذلك: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:40]، وكأن التفضيل هنا لأهل الكتاب، ولحملة دين رب العالمين سبحانه. وهذا أحد جنود سليمان عليه الصلاة والسلام، فقد تعلم الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام، وكأنه اختبار لقدرة هؤلاء الجنود الذين أعطاهم الله ما أعطاهم من قدرة، وهذا الذي عنده علم من الكتاب لو أراد الله سبحانه أن نعرفه لأخبرنا عنه سبحانه وتعالى، ولكن لم يرد ذلك فلم يخبرنا عنه، لكن المفسرون خاضوا في ذلك وذكروا أسماء فقالوا: هذا رجل اسمه آصف بن برخيا، ولكن لا يعنينا كثيراً اسم هذا الرجل، فهو أحد المؤمنين الذين مع سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فما علم الله عز وجل آصف هو جزء مما علم سليمان عليه الصلاة والسلام، فهو رجل من عباد الله سبحانه فضله الله عز وجل، وأراد أن يرينا فضل أهل العلم على أهل القوة، فالعفريت من الجن هو من أهل القوة، وقد قال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك، فسيكون في مدة ساعتين أو ثلاث ساعات، ولكن الذي عنده علم من الكتاب لن ينتقل من مكانه، ولكن سيدعو الله سبحانه وتعالى، والله على كل شيء قدير، فكأنه عرف كيف يدعو الله سبحانه وتعالى فيستجيب له ربه سبحانه وتعالى. وقد قالوا: إنه كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، واسم الله الأعظم ليس شيئاً مخفياً أو مستحيلاً أن يعرف، بل قد جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
الثقة بالله سبب لإجابة الدعاء
الثقة بالله سبب لإجابة الدعاء واسم الله الأعظم ليس كل إنسان سيدعو به يصل إلى مراده الذي يطلبه، وإنما الأمر أمر قلبي، فالإنسان إذا وصل قلبه بالله سبحانه وتعالى، وكان على ثقة بالله سبحانه حصل على ما يريد. فكلكم تعرفون كيف تدعون الله سبحانه، وكيف تلحون على الله في الدعاء، ولكن من الذي سيكون كهذا الرجل الذي يدعو فيستجيب الله سبحانه وتعالى له؟ فنحن ندعو كثيراً: يا رب! أنزل علينا المطر، فأحياناً ينزل وأحياناً لا ينزل، أو يتأخر المطر. ولكن لما قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، وسأل ربه سبحانه وتعالى أن ينزل المطر غيثاً مغيثاً عاجلاً، وذلك عندما جاء إلى النبي رجل وقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال، وهلكت العيال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا). وكان واقفاً يخطب على المنبر صلى الله عليه وسلم فقطع الخطبة وسأل الله سبحانه وتعالى، وكان لا يوجد في السماء سحاب، فإذا بسحابة تنشأ من وراء الجبل فتتوسط السماء فتمطر على الجميع أسبوعاً كاملاً بدعوة النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد قام كفار قريش قبل هجرته فقالوا له: (لن نؤمن لك حتى تفلق لنا هذا القمر فلقتين ونراه، فقال: إذا فعلت آمنتم؟ قالوا: نعم، فقام صلى الله عليه وسلم وسأل ربه وأشار بيده إلى القمر فانفلق فلقتين، فلقة وراء الجبل، والأخرى أمام الجبل فلم يؤمنوا، بل قالوا: سحرتنا). وهذه آية من الآيات الحسية التي رأوها أمامهم، والتي يؤيد الله عز وجل أنبياءه بها حتى يؤمن بهم الخلق، فهنا سليمان عليه الصلاة والسلام أيده الله عز وجل بمعجزات وبآيات، ومن ذلك هذه المعجزة: أن رجلاً من أتباعه يدعو ربه أن يأتي بالعرش إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فيستجيب الله دعاءه. وهذا الرجل ليس عنده كل علم الكتاب، بل عنده علم من الكتاب، فقد عرف ربه سبحانه وتعالى، واستيقن به، وسأله فأعطاه.
اسم الله الأعظم
اسم الله الأعظم ما هو اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب؟ لقد جاءت ثلاثة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيها الجواب، وقد علم الله رجلاً من خلقه المؤمنين أن يدعو بدعاء، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). وهذا الرجل دعا فقال: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحداً)، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). ورجل آخر أيضاً دعا ربه سبحانه، وسمعه النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويقول: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام!)، فقال رسول الله: (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب). وأيضاً يقول عليه الصلاة والسلام: (اسم الله الأعظم في هاتين السورتين، في سورة آل عمران، وفي سورة طه، وهو الحي القيوم، والرحمن الرحيم). وإذا سألت الله عز وجل أعطاك مع إخلاصك، مع معرفة الله أنك تستحق ذلك، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام!)، ومما ينبغي الدعاء به: اسم الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وتدعوا بيا ذا الجلال والإكرام، أو يا حي يا قيوم، أو يا رحمن يا رحيم، أو تدعو باسم الله الحنان المنان، بديع السماوات والأرض ذي الجلال والإكرام، فإذا سألته بهذا أعطاك واستجاب لك. وكلنا نسأل ربنا سبحانه، ولكن هل يحقق لكل منا ما يريده عاجلاً كما حقق لهذا الرجل؟ هذا يرجع إلى أمرين: الأمر الأول: راجع إلى الله سبحانه الذي قضاه، ومن قضائه أنه ينفذ ذلك الشيء ويعطي هذا الشيء لهذا الإنسان، وهذا مبني على علمه وحكمته وقدرته سبحانه. الأمر الآخر: راجع إلى قلب العبد، هل هو مخلص واثق في الله سبحانه وتعالى أم لا؟
ما عند سليمان من الأعوان هو من فضل الله
ما عند سليمان من الأعوان هو من فضل الله إن العفريت الذي قال: إنه سيأتي بالعرش قبل قيام سليمان من مجلسه قال: إنه قوي على هذا الشيء، وأنا أمين لست بخائن فآتيك بهذا الشيء ليس بغيره، وأما الآخر فقال: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل:40]، أي: علم بكتاب الله الذي أنزله على موسى عليه الصلاة والسلام، وبالصحف التي أوتيها داود قال: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل:40]، يعني: أغمض عينيك وافتحها وستجده أمامك. وهذه السرعة ليست في قدرة إنس ولا جن أن يفعلوا ذلك، وإنما هي قدرة الله سبحانه وتعالى، فهذا العبد سأل ربه فاستجاب له وأتى بهذا العرش إليه. وكان سليمان عليه الصلاة والسلام واثقاً من ذلك، فهذا عنده علم من الكتاب. قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ} [النمل:40]، أي: رأى العرش حالاً أمامه: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل:40]. أي: فليس بقوتك ولا بقوته، ولكن من فضل الله سبحانه وتعالى أن علمنا الكتاب، وسخر لنا الإنس والجن والدواب، وسخر لنا هذا من فضله سبحانه، فهذا تفضل الله علي وما عطاءه ذلك لي إلا ابتلاءً وامتحاناً منه سبحانه، وما قال بفضلي وقدرتي لأنني ملك أو نبي، بل قال: هذا اختبار من الله عز وجل هل سأشكر أم سأكفر؟ ليعلم الناس أنه مهما أعطاكم الله من نعم فاشكروا الله سبحانه وتعالى، ومهما أعطاكم الله من نعم فاعلموا أن الذي يعطي قادر على أن يسلب ويأخذ. فإذا أعطاك الله فإنما يبتليك هل تشكر أم تكفر؟ فقال سليمان عليه الصلاة والسلام: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل:40]، وهذه قراءة الجمهور، ومنهم من يمد ومنهم من يقصر، وقراءة نافع وأبي جعفر: {لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل:40]. وعاقبة الشكر منفعة، فإنما أشكر الله عز وجل لأنتفع أنا، فلن ينتفع الله عز وجل بشكري شيئاً، ولن يزداد بحمدي ولا بشكري ولا بعبادتي شيئاً، فأنا أحمد الله لنفسي لأنتفع أنا. وانتفاعي هو كما قال الله سبحانه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] أي: إن تشكر الله عز وجل يزدك من هذه النعمة ومن هذا الفضل، ولذلك سليمان عليه الصلاة والسلام يقول: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} [النمل:40]، ومن كفر وجحد نعمة الله ونسب الفضل لنفسه كما قال قارون: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]، يقول الله سبحانه: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]. وأصل الكَفر: الستر، وكفر الشيء بمعنى: ستره وغطاه، فالذي يكفر بالله كأنه يغطي النعم ويحجبها ويقول: ليست من عند الله، بل هي مني أنا، فأنا الذي أتيت بها، وأنا أستحق ذلك، وينسى ربه ويكفر، قال سبحانه: {وَمَنْ كَفَرَ} [النمل:40]، قال سليمان: {فَإِنَّ رَبِّي} [النمل:40] أي: الله الذي أعبده والذي خلقني: {غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]. أي: غني عن العباد وعن عبادتهم، كريم سبحانه يعطي من شكر ومن كفر سبحانه وتعالى، ولذلك لما دعا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [البقرة:126]، وهذا من أدبه عليه الصلاة والسلام، فلم يقل: ارزق المؤمنين الذين يعبدونك، وارزق الكفار الذي يجحدونك ويسبونك، بل كان الأدب من إبراهيم أن قال: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ} [البقرة:126]، ثم توقف عند مقام الأدب عليه الصلاة والسلام، فأجاب الله بكرمه سبحانه قال: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة:126]، فالمؤمن يتأدب في دعائه لربه سبحانه وتعالى، والله يفعل ما يشاء، قال سليمان: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]، فهو سبحانه تبارك وتعالى يكرم خلقه بما يشاء، فيكرم بالإيمان فيهدي من يشاء من خلقه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)
تفسير قوله تعالى: (قال نكروا لها عرشها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين)
مراد نبي الله سليمان من تنكير عرش بلقيس
مراد نبي الله سليمان من تنكير عرش بلقيس عندما جاء العرش إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:41]، أي: غيروا من هذا العرش لونه، وغيروا الذهب فانقلوه من مكان لمكان، والنكر: هو عكس المعروف، وهذا شيء نكر أي: منكر، فأمرهم أن يغيروه لكي يعرف هل هي ذكية فطنة حكيمة تفهم أم لا؟ فلعلها إذا فهمت ذلك عرفت قدرة الله سبحانه، فرجعت إلى ربها سبحانه. فإذا فهمت أن الله يؤيد المؤمنين بهذه المعجزة، وهي: إتيانهم بهذا العرش من هذا المكان إلى هذا المكان فستؤمن، وإذا كانت مكابرة فستنظر إلى العرش وهي تعلم أنه عرشها ثم تقول: ليس لي؛ لتنكر هذه الآية وهذه المعجزة، وإذا كان فيها خير فستصدق وستؤمن أنه نبي مؤيد بالمعجزات، وستدخل في دين رب العالمين سبحانه. فأراد أن ينظر إلى عقلها وإلى حكمة هذه المرأة وذكائها، فقال: {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ} [النمل:41] وكأنه يريد أن يقيس شيئاً على شيء، فإذا اهتدت لهذا العرش فسنأمل أن تهتدي إلى ربها، وأن تسلم، وأن تدخل في دين رب العالمين سبحانه، فاختبرها بشيء ليدله على شيء آخر وراء ذلك. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْ} [النمل:42]، عرض عليها هذا العرش وقال أحد الجنود: {أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النمل:42]، فنظرت إليه وقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل:42]، أي: كأنه عرشي جاء إلى هذا المكان، وكانت عاقلة، فإنها لو قالت: هذا عرشي فمن المؤكد أنها لم تنتبه للتغير الظاهر فيه، ولو قالت: ليس هو لكانت لم تسمع عن عرش آخر كعرشها بهذه الفخامة والزخرف الذي فيه، فلما تغير ما عليه والمنظر منظر عرشها، توسطت في الجواب بذكاء وقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل:42].
سبق الأنبياء للعلم بالوحي
سبق الأنبياء للعلم بالوحي قال تعالى: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل:42]، ويحتمل أنه من قول سليمان عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أنه من قولها هي، فالهاء في (قبلها) عائد على معجزة الإتيان بالعرش من هذا المكان إلى هذا المكان في لمح البصر وطرف العين، فكأن سليمان يقول: من قبل هذه المعجزة قد أوتينا العلم برب العالمين سبحانه وبقدرته العظيمة سبحانه، فقد آتانا الكتاب وعلمنا الصواب وأرشدنا، وسخر هذه الجنود تحت أيدينا. فالعلم بالله عز وجل سابق عندنا، وهذه المعجزة شيء من فضل الله سبحانه وتعالى، فمن قبل هذه المعجزة نحن نعلم ربنا سبحانه وتعالى، هذا إذا كان من قول سليمان. وأما إذا كان من قول المرأة، فكأنها لما رأت هذه المعجزة قالت: هذه آية فعلاً، ونحن قد أوتينا العلم من قبل ذلك بأنك نبي، فمن ساعة أن قرأنا رسالتك وأسلوبك في الكلام عرفنا أنك نبي قبل هذه الآية التي رأيناها أمامك. فعلى هذا قال لها: ما هو الذي يمنعك أن تسلمي من ساعتها، فقال سبحانه: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل:43]، يعني: إن الذي صدها قبل ذلك عن أن تؤمن مع سليمان عليه الصلاة والسلام هواها، وما كانت فيه من ملك، وما كان عليه قومها من عبادة غير الله سبحانه، والإنسان عندما يجد في قومه شيئاً معيناً يخاف أن يخالفهم فيضيع منه ملكه، فلا يعمل ذلك الملوك إلا ما كان من النجاشي رضي الله عنه.
إسلام النجاشي
إسلام النجاشي وهذا النجاشي هو أصحمة ملك الحبشة، وهو من الملوك الذي عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم حق، فأسلم هو وقومه، وأظهر إسلامه للنصارى من قومه، وإن كرهوا ذلك منه، وأخبر أن جعفراً رضي الله عنه ومن معه قالوا في المسيح عليه الصلاة والسلام القول الحق، وقد أراد كفار قريش الوقيعة بين النجاشي وبين جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين من المؤمنين في الحبشة ففشلوا. فقالوا للنجاشي: إنه يقول قولاً سيئاً في المسيح عليه الصلاة والسلام، فأرسل إليهم: ماذا تقولون في المسيح؟ فجاء جعفر بن أبي طالب ومن معه من المؤمنين إلى النجاشي وقال: نقول في المسيح عليه الصلاة والسلام -وكان هو وجمع معه من الرهبان والأحبار والكبار في مملكته، وقد اجتمعوا ليسمعوا ما يقول هؤلاء- فقالوا: المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو عبد الله ورسوله. فلما قال ذلك نخرت الرهبان، فقام النجاشي وقال: والله ما زاد المسيح على ما قلتم، وأخذ حصاة أو شعرة من الأرض وقال: ما زاد المسيح على ما قلتم، ثم قال: وإن استكبرتم وإن أنفتم يا مشركون! وإن أنفتم يا نصارى! فالمسيح كما قالوا، فلا أعبد إلا الله، ولا أحمد إلا الله الذي رد علي ملكي، وقد كان بعض النصارى خرجوا عليه بملك آخر فأخذ منه ملكه وتركه الناس، وكاد أن يضيع منه ملكه، ثم رده الله سبحانه وتعالى عليه. فقال: لا أحمد أحداً إلا الله، ولا أقول في المسيح أكثر مما قاله هؤلاء، ولو كنت أقدر أن أذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأغسل عن قدميه لفعلت ذلك، ولو كنت أقدر أن أسافر إليه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكن الأمر صعب ويكفيه ذلك رضي الله تبارك وتعالى عنه. وقد آوى هذا الحبشي المسلمين، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم وكيله في أن تزويجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت مهاجرة عنده في الحبشة، فهو الذي دفع مهر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي زوج النبي صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله تبارك وتعالى عنها. أما غيره من الملوك فلا يوجد فيهم أحد أتاه خطاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلا ورده رداً جميلاً دون أن يسلم، وبعضهم مزق الرسالة التي جاءته من النبي صلى الله عليه وسلم.
حوار هرقل لأبي سفيان
حوار هرقل لأبي سفيان من أذكى هؤلاء الملوك الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم هرقل عظيم الروم، فقد كان رجلاً ذكياً جداً، وكان منجماً ذا عقل عجيب جداً. فسأل من عنده عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان عنده أبو سفيان، فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم حوالي عشرة أسئلة يعرف بها صدق ادعائه للنبوة من عدلها، فسأل أسئلة تدل على فطنته وعلى عقله، فقال: هل كذب هذا الرجل عليكم قبل ذلك؟ قال: لا ما كذب قبل ذلك. قال: لو كان كذب قبل ذلك لقلنا يكذب، فكيف يدع الكذب على الناس ويكذب على الله سبحانه وتعالى؟ ثم قال: هل كان من آبائه ملك؟ قال: لا، ما كان في آبائه ملك، قال: لو كان من آبائه ملك لقلنا: يطلب ملك أبيه. ثم قال: هل قال هذه المقالة أحد من قبله؟ قال: لا، لم يقلها أحد من قبله، قال: لو قالها أحد من قبله لقلنا: يستن بهذا الذي من قبله. وظل يسأله حتى قال: هو رسول رب العالمين، وهذا الرجل كاد أن يسلم، فقد جمع كبار القوم بداخل القصر، وأمر أن يغلقوا عليهم أبواب القصر لكي لا يخرج أو يهرب أحد، وقال لهم: إني أدلكم على أمر رشد فهل لكم في طاعتي؟ قالوا: فبماذا تأمر؟ قال: أطيعوا هذا الرجل، إنه رسول رب العالمين. فصاحوا ونخروا وجروا إلى الأبواب، وقد كان أقفل عليهم الأبواب فناداهم وقال: تعالوا تعالوا إنما كنت أمتحنكم فقط، ولما وصل الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ظن بملكه) يعني: عرف الحق، ولكن ظن بملكه عن أن يسلم، أي: أنه إذا أسلم ضاع عليه ملكه. وهذا مع عقله ولكنه طمع في الدنيا، فالإنسان قد يدفعه ملكه وماله ومنصبه إلى البعد عن الله سبحانه وتعالى؛ خوفاً من أن يضيع منه ذلك، فكأن بلقيس كانت كذلك، فعبدت الشمس من دون الله مع قومها، وكأنها عرفت الحق، لكن صدها الذي كانت تعبده من دون الله وقومها أيضاً، فخافت وظلت على ما هي فيه، فصدها هذا عن عبادة رب العالمين. قال تعالى: {إِنَّهَا كَانَتْ} [النمل:43]، وكأن (إنها) هنا تعليلية؛ أي: لأنها كانت من قوم كافرين. فقومها كانوا كافرين، فكان الصد لها أكبر، ولعلها إن تركت هؤلاء القوم يخرجونها ويأخذون منها ملكها، فقال لها سليمان عليه الصلاة والسلام، أو قيل لها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل:44]، وهذا الصرح صنعه الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام بأمره، وكان يبدو وكأنه قصر على الماء فيه صحن واسع يدخل منه من يدخل على هذا المكان فوق الماء، والصرح الممرد يعني: المصنوع من شيء رقيق، بحيث يظهر ما بداخله، وكأنه قوارير. فهذا صرح ممرد من قوارير يعني: مصنوع من زجاج في غاية الصفاء، قال تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} [النمل:44]، ولما قيل لها ذلك نظرت وتحيرت أهل تدخل في الماء؟ فنظرت إلى الماء وكشفت عن ساقيها لتدخل، فمن شدة صفائه ظنت أنه يأمرها أن تغوص في الماء، فكشفت عن ساقيها، فقال لها: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل:44]، وسليمان عمل ذلك لترى آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى، فقد رأت كيف أتي بالعرش من مكان إلى مكان، وآية أخرى وهي أنه بنى صرحاً فوق الماء بحيث أنها ترى الماء تحته، فهي الآن أمام معجزة أكبر، فكشفت عن ساقيها ولم تصدق أن هذا شيء غير الماء. فلما قال لها ذلك قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل:44]، أي: أعلنت أنها مؤمنة واعترفت بأنها ظلمت نفسها، فعرفت الحق ووحدت الله سبحانه، وعرفت الآن أنه الرب الذي لا إله إلا هو، وأنها ستعبده مع سليمان ومع قومه المؤمنين. وعندما قالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل:44]، فكأنها اعترفت بكفرها وبظلمها لنفسها بعبادة غير الله سبحانه، ثم قالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} [النمل:44]، أي: أسلمت لله مع سليمان، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فالطاعة إنما هي لرب العالمين سبحانه، وأعلنت أنها أسلمت للإله المعبود الذي يستحق العبادة، الخالق لكل شيء. وقد ذكر المفسرون عدة أسباب لكشفها ساقيها، وقد ذكر الله سبحانه أنها رأت لجة من الماء فكشفت عن ساقيها، فنحن نقف مع نص القرآن ولا نزيد على ذلك، فلسنا بحاجة لأكثر من ذلك من خرافات يذكرها البعض، أو إسرائيليات نحن في غنىً عنها. فالذي جاء في القرآن: أنه صرح ممرد في غاية النقاء والصفاء، فكأنها لم تر أمامها إلا الماء، فلما وضعت قدمها عرفت أنه زجاج وليس من ماء، وتلك قدرة ربانية وآية من الآيات، وليس السبب من كشفها لساقيها: أن يرى هل في ساقها شيء أم لا؟ فإن هذا نبي معصوم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وعظمة ذلك الصرح تظهر في أنه خفي عليها ذلك، ولم يخف عليها العرش. فقيل لها: {إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ} [النمل:44]، فدخلت الصرح واعترفت بأن الرب الخالق سبحانه هو الذي يستحق العبادة، وأما هل تزوجها سليمان أو زوجها لأحد جنوده، أو أرجعها إلى قومها؟ ف A أن القرآن لم يهتم بهذا الشيء، وكونه لم يذكره فإنه دليل أنه لا أهمية له، فلا حاجة لنا إلى أن نتتبع ما ذكره المفسرون في ذلك، ولا نذكر إلا ما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ونكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [45 - 49]
تفسير سورة النمل [45 - 49] ما أرسل الله من نبي إلا وأمره بإرشاد قومه إلى عبادة الله وحده ونبذ ما سواه، وما قام نبي من أنبيائه جل وعلا بهذه المهمة إلا وكان الناس معه على طائفتين: طائفة آمنت وصدقت وناصرت نبيها، فنالت من ربها الخير والرضوان، وطائفة عتت وتجبرت، وكفرت وحاربت، فجوزيت بالنيران جزاء وفاقاً، وما كان ربك بظلام للعبيد.
فوائد تكرار القصة في أكثر من موضع
فوائد تكرار القصة في أكثر من موضع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ * وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:45 - 49]. هذه قصة يذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النمل بعد أن ذكر قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في أول هذه السورة، ثم قصة سليمان مع ملكة اليمن بلقيس، ثم ذكر قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وهذه القصة تكررت في القرآن في مواطن مع غيرها من القصص، وإن كانت هنا أفردت بالذكر عن غيرها مما يذكر معها عادة، كقصة لو مع قومه مثلاً، وقصة عاد مع نبيهم هود عليه السلام، فذكر هنا قصة ثمود فقط، ثم ذكر بعدها قصة قوم لوط. وقصة ثمود تكررت إما مطولة كما يذكر الله عز وجل في سورتي الأعراف وهود وغيرهما، أو أنها كهذه السورة وسط، وفيها شيء لم يذكر في غيرها من السور، أو يختصرها كما يشير إليها في سورة القمر مثلاً أو في سورة الحاقة. فهنا في هذه السورة يذكر جزءاً زائداً على ما في غيرها من قصص القرآن وهو قوله سبحانه: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [النمل:48]، حيث يريد أن يرينا سبحانه وتعالى عاقبة المفسدين، وكيف أن الإنسان المفسد يحيق به مكره، كما قال تعالى: {ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر:43]، والإنسان الذي يتعزز ويتقوى بنفسه ورهطه، وبمكره وكيده وقوته، يأتيه الله عز وجل من حيث لا يحتسب، فإذا ظن أنه قد أمن أتاه مكر الله وعذابه سبحانه، وحيث يظن أنه قوي أتاه من قوة الله ما لا طاقة له بها، فعلى الإنسان أن يحترز من أن يستضعف إنساناً مؤمناً، أو يفعل بقوته ومكره شيئاً يغضب الله سبحانه، أو أن يكله إلى نفسه سبحانه وتعالى. وقوم ثمود كانوا بين الحجاز والشام، في منطقة تسمى حجر ثمود، يمر بهم الذاهبون إلى بلاد الشام حال كونهم خارجين من الحجاز، ولقد أرسل الله إليهم نبيهم صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حيث قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]، فدعاهم إلى الله سبحانه، وتقدم في سورة الشعراء كيف أنه قال لهم: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [الشعراء:146 - 152]. فكان الجواب من هؤلاء الكفار لنبيهم أن قالوا له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} [الشعراء:153]، يعني: فإما إنك بشر مثلنا، لك صدر ورئة مثلنا، أو أنك رجل مسحور لا تدري ما تقول، فالله عز وجل ذكر هناك شيئاً، وذكر هنا شيئاً آخر، والقصة واحدة، ولكن أسلوب القرآن البديع أنه إذا كرر القصة في مواطن أتى بشيء جديد في كل موضع من المواضع؛ لأجل أن يشدك إلى سماع هذه القصة التي يسوقها ربنا سبحانه.
دعوة نبي الله صالح لقومه وشفقته عليهم
دعوة نبي الله صالح لقومه وشفقته عليهم قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} [النمل:45]، النون نون العظمة هنا، والرسول ما جاء إلا من عند الله الواحد سبحانه، لكنه عبر بنون الجمع؛ ليدل على عظمة رب العالمين سبحانه، وفيه إشارة إلى أن الرسول ليس وحده، بل معه قوة رب العالمين سبحانه، يؤيده بملائكة وجند من عنده، والناس استضعفوه عليه الصلاة والسلام، وظنوا أنه ضعيف فأرادوا أن يكيدوا له، فانظروا كيف صنع بهم ربنا. قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [النمل:45]، أي: يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، و (أن) هنا: تفسيرية للفعل أرسلناه، وكأن المعنى: أرسلناه بأن {اعْبُدُوا اللَّهَ} [النمل:45]. و (أن) أكثر من قراءة، حيث يقرؤها أبو عمرو ويعقوب وحمزة وعاصم بالكسر، وباقي القراء يقرءونها بالضم (أنُ اعبدوا الله). فالنتيجة: إذا هم فريقان يختصمون، فريق المؤمنين وهم الأقل حيث كانوا أربعة آلاف، أما الكفار فكانوا كثيرين جداً، ولذلك قال الله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ} [الأعراف:75]، فإذاً الناس فريقان: فريق المستكبرين وهم الكفار، وفريق المستضعفين وهم من الكفار ومن المؤمنين، فالذين آمنوا هم الضعفاء وليسوا الأقوياء، فهؤلاء القلة المؤمنة قال لهم الكفار: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعراف:75]، قال هؤلاء المؤمنون: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف:75 - 76]، يعني: أنتم آمنتم بهذا الرسول وآمنتم بربه، أما نحن فنكفر بما قلتموه. وهنا يقول الله سبحانه: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]، أي: فريق المؤمنين وهم الأقل، وفريق الكفار الذين يجادلون بالباطل، والذين يملكون أسباب القوة في الظاهر، وقوله: {يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]، أي: يتجادلون، فالكفار يقولون: أنتم تؤمنون بهذا؟ والمؤمنون يقولون: آمنا به إنه الحق من ربنا. قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ} [النمل:46]، والقائل هنا: هو النبي صالح عليه الصلاة والسلام، وفي قوله: ((يَا قَوْمِ)) شيء من تليين القلوب، يعني: أنا منكم وأدعوكم للخير، قال تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل:46]، ولم: للاستفهام، وليست موضع وقف، لكن إذا وقف عليها جمهور القراء يقولون: لم، وإذا وقف عليها البزي، وابن كثير ويعقوب قالوا: لمه، استفهامية بهاء، وقوله: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل:46]، كأنه يقول لهم: لم تستعجلون عذاب ربكم قبل رحمته سبحانه؟ بل آمنوا بالله سبحانه وتعالى تدرككم رحمة الله سبحانه وتعالى. فقال: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل:46]، أي: بجلب عذاب رب العالمين أي: بكفركم، دون أن تتفكروا في هذا الدين العظيم الذي جئتكم به، قال: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل:46]، أي: باستعجال ما يسوؤكم قبل أن تأتيكم رحمة رب العالمين، ولم تذنبون وتكفرون ثم تنتظرون منه الرحمة؟ وقوله تعالى: {لَوْلا} [النمل:46]، بمعنى: هلا، وهي للتحضيض والحث، والمعنى: هلا استغفرتم الله بدلاً من ذلك؟
أحوال الكفار مع أنبيائهم
أحوال الكفار مع أنبيائهم قال تعالى: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46]، أي: لعل الله يرحمكم ويغفر لكم هذا الذي أنتم فيه، فكان الجواب منهم كعادة الكفار حيث قالوا: تطيرنا بك وبمن معك، بمعنى: تشاءمنا منك، وأنت شؤم علينا، وهذه عادة الكفار؛ إذ التشاؤم ليس من طبيعة المسلم. وأصل التطير: التطيير، حيث كان الشخص منهم إذا أراد أن يعمل عملاً أخذ طائراً فأطلقه في الهواء، فإن طار شمالاً تشاءم منه، وإن طار يميناً تفاءل، واعتقد أن هذا يوم يمن وبركة، فحرم ربنا علينا ذلك، وما يصنع طير الطائر بأمر قضاه الله وقدره سبحانه؟ وما أدرى الطائر أن هذا الأمر خير أو شر؟ ومن الناس من يتشاءم بأمور أخرى، فبعضهم إذا سمع نهيق الحمار تشاءم، والبعض يتشاءم بصوت البوم، وآخرون بنقيق الضفادع، مع أن هذه الأشياء لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً عن أن تملك لغيرها، ولا تعلم غيباً عن نفسها فضلاً عن أن تعلم لغيرها غيباً، فلا يحل لإنسان مؤمن أن يتشاءم من ذلك إذا سمعه. وكثير من الناس عندهم عادة سيئة، فالشخص منهم إذا سمع صوت عصفور بالليل على بيته أو غراب يصيح تشاءم، والبعض منهم يقول: هذا خير؛ من أجل أن يمنع التشاؤم عن نفسه، فهذا غير جائز؛ إذ لا يملك هذا خيراً ولا شراً، وما يصيح هذا إلا لأمر من أمر الله عز وجل، أما أنه يملك خيراً أو شراً فلا يملك ذلك، إلا ما جاء في نهيق الحمار بالليل، أو نباح الكلاب (إنها ترى ما لا ترون)، حيث أنها ترى شيطاناً، أما أنها تملك لكم شيئاً في القدر، وأن من وراء ذلك خيراً أو شراً فلا. فهؤلاء القوم {قَالُوا اطَّيَّرْنَا} [النمل:47]، بمعنى: تشاءمنا، فهم مع جهلهم وغبائهم يستدلون على بطلان دينه عليه الصلاة والسلام بزعمهم باتباع الضعفاء له، إذ لو كان دينه حقاً لاتبعه الأقوياء، قال تعالى: {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [النمل:47]، أي: إذا كنتم تقولون بالشؤم في الدنيا فشؤمكم الحقيقي نار جهنم عند رب العالمين سبحانه وتعالى. فقد قال لهم: {طَائِرُكُمْ} [النمل:47]، أي: ينتظركم عند الله. وقوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47]، أي: قد أهلككم الله سبحانه وأصابتكم فتنة فلا تفهمون، وفتنة الإنسان قد تكون في دينه، وقد تكون في اعتقاده صواب رأيه، فهم يفتنون حيث مالوا عن الحق إلى الباطل في آرائهم، وطمست قلوبهم فهم لا يعقلون ولا يفهمون، قال لهم: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47]، وسوف يأتيكم الامتحان من رب العالمين سبحانه فيعذبكم بذنوبكم.
ذكر قصة رهط قوم ثمود مع نبيهم
ذكر قصة رهط قوم ثمود مع نبيهم قال تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [النمل:48]، وهذه هي الزيادة المذكورة في هذه السورة الكريمة، حيث كان في هذه البلدة تسعة رهط، والرهط يطلق على ما دون العشرة من الرجال، فكانوا تسعة من كبار القوم وأشرافهم، وقيل: بل أدنى، وكبار القوم أناس متعززون بآبائهم، والدين عندهم هو المال، فكانوا مفسدين كعادة أبناء أكابر القوم، فكان هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يصلحون، بل لم يكن عندهم شيء من الصلاح، بل فيهم تهور واندفاع، والناس يتبعونهم على ذلك. قال تعالى: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} [النمل:49]، يعني: كأنهم يحلفون وقد عرفوا الله سبحانه وتعالى، وعرفوا أنه الرب سبحانه وتعالى، فحلفوا به وأشركوا به سبحانه، وأهل الجاهلية كانوا يحلفون باللات محرفة عن الله، ويحلفون بالعزى محرفة عن العزيز، فعرفوا أنه سبحانه هو الذي يخلق، ولكن عبدوا معه غيره، فهؤلاء كذلك، عرفوا الله سبحانه، ولكنهم أشركوا به وعبدوا غيره سبحانه وتعالى، فلما حلفوا بالله تقاسموا فيما بينهم على صنع عمل ما، ثم ينكرون أنه من صنيعهم، قال تعالى: {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ} [النمل:49]، وهذه قراءة الجمهور. أما قراءة حمزة والكسائي وخلف فهي: (لتبيتنه وأهله ثم لتقولن لوليه ما شهدنا) والتبييت: القتل بالليل. والمعنى: أنهم اتفقوا على قتل نبي الله صالح وأهل بيته بالليل؛ حتى لا يفشو سرهم، والذي جعلهم يقولون هذا الشيء هو أن نبيهم عليه الصلاة والسلام توعدهم بالعذاب إن لم يؤمنوا بعد إخراج الناقة من الجبل، وكانوا قد طلبوا منه هذه المعجزة تعنتاً، ووعدوه بالإيمان به إن حصلت هذه المعجزة، فلما حصلت المعجزة كاد القوم أن يؤمنوا، إلا أن كبراءهم كانوا يمرون عليهم ويقولون: تتركون دينكم وتتبعون هذا الرجل! فما آمن معه إلا قليل من ضعفاء القوم، أما بقيتهم فظلوا على كفرهم، إذ منعهم طغيانهم ومنعهم هؤلاء المفسدون، فلما جاءت هذه الناقة قال لهم نبيهم: {لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الشعراء:155]، يعني: البئر الذي عندكم تشرب منه يوماً وتعطيكم لبناً يكفيكم، واليوم الثاني تشربون أنتم، فظلوا على ذلك خائفين أن يعملوا بالناقة شيئاً ينزل عليهم العذاب من السماء، فلما طال عليهم الزمن إذا بهم يرجعون عن ذلك الخوف، ثم يتشاور بعضهم على قتل الناقة، فقام أشقى القوم واسمه قدار بن سالف، وذهب إلى الناقة فرماها بسهمه فقتلها، وأراد قتل ابنها فلم يقدر على ذلك، ففرحوا بهذا الشيء فكأنهم اشتركوا جميعاً في قتلها، وقد قال لهم نبيهم: {وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:156]، فعقروا الناقة فإذا به يقول: انتظروا العذاب بعد ثلاثة أيام، فاجتمع هؤلاء النفر التسعة وقالوا: سيأتينا العذاب بعد ثلاثة أيام، فلم لا نقتله قبل هذا الوقت فنكون قد أخذنا بنصيبنا منه؟ فتقاسموا على أن يصنعوا ذلك، وذهبوا إليه في بيته ليقتلوه، فكان ما أخبر الله عز وجل عنهم في الآيات التي تليها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [48 - 53]
تفسير سورة النمل [48 - 53] يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح عليه السلام حين بعثه الله إليهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فافترقوا إلى قريقين: فريق المؤمنين وهم القلة، وفريق الكافرين وهم الأكثر، وأخبر عن طغاة ثمود ورءوسهم الذين كانوا دعاة قومهم إلى الكفر والضلال، والذين آل بهم الأمر إلى أن عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضاً، بأن يبينوه في أهله ليلاً فيقتلوه غيلة، فعاجلهم الله عز وجل بالعقوبة فأهلكهم، ثم أهلك قومهم بعدهم أجمعين.
قصة صالح عليه السلام مع قومه
قصة صالح عليه السلام مع قومه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:48 - 53]. ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها قصة صالح النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع قومه ثمود، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أرسل صالحاً إلى ثمود ليدعوهم إلى عبادة الله سبحانه، وكانوا قوماً كفاراً يفعلون المعاصي ويخربون ويفسدون، فلما أرسل الله سبحانه وتعالى صالحاً إليهم ليدعوهم لعبادة الله سبحانه وطاعته قال لهم: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]، يعني: فريق المؤمنين الذين مع صالح وكانوا الأقلية والضعفاء من القوم، وفريق الأكثرية والأغلبية وهم الكفار: (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ)، كما عبر الله عز وجل في موضع آخر: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} [الأعراف:75]، أي: الذين كفروا هم المستكبرون، والذين آمنوا هم المستضعفون، فقال الكفار الذين استكبروا للمؤمنين المستضعفين: {أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ} [الأعراف:75] أي: أتستيقنون من ذلك أم أتظنون ذلك؟ فقال المؤمنون: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف:75]، فقال الكافرون: {إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [الأعراف:76]، {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} [الأعراف:77]، وكانوا قد طلبوا من صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يأتيهم بآية يشاهدونها، وبمعجزة يستيقنون منها أنه نبي، فلما أتاهم بهذه الآية من عند الله سبحانه كادوا أن يؤمنوا بصالح النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يزل المستكبرون وكبار القوم يصدونهم عن الإيمان حتى كان الأقل هم المؤمنين، والأكثرية هم الكافرين. فيقول الله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [النمل:45]، يعني: يتجادلون في أمر صالح، الفريق الضعيف وهم المؤمنون والفريق القوي الغالب وهم الكافرون، فقال صالح لقومه يحذرهم من كفرهم وطغيانهم وعصيانهم، وقد أعطاهم الله عز وجل جنات، وأعطاهم عيوناً وزروعاً وثماراً، وأعطاهم نخيلاً طلعها هضيم، وأشياء عظيمة من الله عز وجل بها عليهم، فإذا بهم يصرون على كفرهم، فقال: {يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ} [النمل:46]، أي: لِمَ تستعجلون بفعل المعاصي نقمة الله وعذاب الله، بدلاً من أن توحدوا الله فتستعجلون بالحسنة جنته والنعم التي تنزل عليكم؟ لم تستعجلون عذاب الله سبحانه ولا تستعجلون رحمته؟ ثم قال لهم: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ} [النمل:46]، فدعاهم للتوبة والاستغفار، لعل الله أن يرحمهم، فإذا بهم يتشاءمون منه، ويعلنون له ذلك: {(قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} [النمل:47]، قال: شؤمكم عند ربكم، يعني: ما تظنونه شؤماً في الدنيا وهو توحيد الله والدعوة إلى الله عز وجل، فشؤمكم الحقيقي ما يكون بعذابكم يوم القيامة من أعمالكم السيئة؛ لأنكم تستحقون أن توصفوا بذلك فأنتم أهل شؤم وأهل فساد، فتستحقون العقوبة من الله سبحانه وتعالى، فطائركم نتيجة كلامكم ومعصيتكم وإفسادكم العذاب عند الله، هذا هو الطائر وهذا هو الشؤم الحقيقي لكم، {قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} [النمل:47]، أي: أن الله يمتحنكم بأن أعطاكم القوة والغنى، وجعل المؤمنين هم الضعفاء.
تفسير قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون)
تفسير قوله تعالى: (وكان في المدينة تسعة رهط ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون) قال الله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [النمل:48]، يذكر الله سبحانه قصص الأنبياء في مواطن من كتابه، في كل موضع يذكر ما يليق بقصة النبي في هذا الموضع، فهنا في قصة ثمود مع نبيهم صالح ذكر هذه الزيادة التي لم تذكر في هذا الموضع من مواضع القرآن، وهي: أنه كان في هؤلاء القوم تسعة رهط يمشون في الأرض بالفساد، واستكبروا غاية الاستكبار، وتبعهم الناس على ذلك فكانوا مفسدين. فقوله: ((يفسدون في الأرض)) أي: يأمرون بالفساد، (ولا يصلحون) أي: ليس عندهم إصلاح، ولكن يفعلون الفساد ويأمرون به أيضاً، فأخبر الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء أنهم عملوا خطة مع بعضهم، فقال بعضهم لبعض: اكتموا وأسروا ذلك حتى لا يعلم أحد بالذي اتفقنا عليه، واحلفوا على ذلك، واقسموا بالله ألا يقوم أحد منكم فيخبر القوم بما اتفقنا عليه، قال تعالى: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49]، يعني: لنقتله بالليل في الظلماء هو ومن معه في الدار، بحيث لا يدري أحد أننا فعلنا هذا الشيء: ((لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ)) يعني: نذهب نحن التسعة فنقتله، مثل ما قام قدار وعقر الناقة قبل ذلك، فنبيكم هذا قال: إننا سنعذب بعد ثلاثة أيام فقبل أن يأتينا العذاب نقتله هو وأهله ثم نقول: ما رأينا ولا عرفنا شيئاً، وإذا كان صادقاً وجاء العذاب فيكون قد استرحنا منه في البداية وتشفينا منه، وإذا لم يأتنا العذاب يكون قد انتهينا من أمر هذا النبي، ((ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ)) أي: لولي دمه ولأقربائه الذين سيطالبون بدمه: ((مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)). وقوله: ((لَنُبَيِّتَنَّهُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (لَتُبَيِّتُنَّهُ) يعني: قال بعضهم للبعض الآخر: (لَتُبَيِّتُنَّهُ)، كأنهم يقسمون على ذلك: والله لتفعلن ذلك: (لَتُبَيِّتُنَّهُ وأهله ثم لتقولُّن لوليه ما شهدنا مهلك أهله). وقوله: ((مَهْلِكَ)) هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، ويقرأ شعبة عن عاصم: ((ما شهدنا مَهلَكَ أهله)) وباقي القراء يقرءونها: ((ما شهدنا مُهلك أهله))، وكأن قراءة عاصم من الفعل الثلاثي من هلك، وقراءة الجمهور من الفعل الرباعي: أهلك، يأتي منها: ((مُهلك أهله)). وعلى قراءة حفص عن عاصم: ((مَهْلِكَ أَهْلِهِ)) يكون بمعنى المكان الذي هلك فيه الأهل، وعلى القراءة الأخرى: كأنه موضع، يعني: لا نظرنا مكاناً، ولا حضرنا طريقة هلاكهم. قوله: ((وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)) يعني: سيحلفون لهم أنهم صادقون في دعواهم عدم رؤية شيء، مع أنهم هم القتلة لو فعلوا.
تفسير قوله تعالى: (ومكروا مكرا أنا دمرناهم وقومهم أجمعين)
تفسير قوله تعالى: (ومكروا مكراً أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) قال الله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا} [النمل:50] أي: الذين دبروا الكيد هم تسعة وهو واحد عليه الصلاة والسلام، قالوا: نذهب إليه في بيته فنقتله هو وأهله من نساء وأولاد، {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل:50]، المكر: هو الكيد الذي دبر في الخفاء، وهذا الإنسان الذي خطط في الخفاء يأتي بمن ينفذ له هذا الشيء، فهؤلاء دبروا في الخفاء وخططوا فذهبوا إلى بيت صالح عليه الصلاة والسلام فأرادوا قتله، {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} [النمل:50]، فعبر بنون العظمة، فالله عز وجل العظيم سبحانه، فإذا كاد إنسان لأولياء الله سبحانه فالله يكيد له، والله عز وجل يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فكيف يصنع الله عز وجل بمن يؤذي الأنبياء؟! فذهب هؤلاء إلى بيت صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما وصلوا كانت الملائكة أسبق إلى بيت صالح عليه الصلاة والسلام، فقتلوا التسعة النفر، وقد ظنوا أنهم مجموعة وهو وحده، فذهبوا إليه فإذا بالملائكة تقتلهم جميعهم، قال تعالى: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} [النمل:51]، أي: انظر وتأمل وتدبر في هذه الآية العظيمة من آيات رب العالمين سبحانه، {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل:51]، فعبر بنون العظمة عن نفسه سبحانه وتعالى، أي: دمرنا هؤلاء ((وَقَوْمَهُمْ)) فجاء الدمار على هؤلاء، وبعد نهاية الثلاثة الأيام جاء الدمار على القوم جميعهم بصيحة أرسلها الله عز وجل عليهم، فقال هنا سبحانه: ((فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ))، والعاقبة: هي النتيجة، فالإنسان قد يخطط ويظن نفسه قادراً وينسى قدرة الله سبحانه وتعالى، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بذلك، فقد ورد في قصة أبي مسعود البدري رضي الله عنه: (أنه كان يضرب عبداً له، والنبي صلى الله عليه وسلم من ورائه، ويقول: اعلم أبا مسعود، وأبو مسعود لم يسمع الصوت وما زال يضرب الغلام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اعلم أبا مسعود - أي: انتبه أبا مسعود - فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم كف عن الضرب، فقال: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك عليه)، يعني: إذا كنت قادراً عليه؛ لأنه ضعيف، فالله أقدر عليك منك عليه. إذاً: فالإنسان يتذكر وهو في وقت غضبه وفي وقت تهوره، أنه إذا فعل شيئاً فإنه سيفعل به يوماً من الأيام، إن لم يكن في الدنيا فعذاب الآخرة أشد وأبقى. فقوله: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} [النمل:51]: هذه قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وكذلك يعقوب، وقراءة باقي القراء: نافع وأبي جعفر وقراءة أبي عمرو وقراءة ابن عامر وابن كثير: ((إنا دمرناهم وقومهم أجمعين)).
تفسير قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون)
تفسير قوله تعالى: (فتلك بيوتهم خاوية وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) قال الله تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} [النمل:52]، أي: فانظروا إلى بيوت هؤلاء الأقوام كيف حاق بها الدمار، ونزل بهم عذاب ربهم سبحانه، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ} [النمل:52]، وكما ذكرنا في هذه الكلمة وتكررت في مواطن كثيرة من القرآن أن فيها قراءتين: قراءة: (بُيوتُهم) وقراءة (بيِوتهم)، فقراءة (بُيُوتهم) يقرؤها ورش عن نافع ويقرؤها أبو جعفر ويقرؤها أبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم: ((فتلك بُيُوتهم)). وباقي القراء يقرءونها بكسر الباء (بِيوتِهم)، وهذا يتكرر فيها وفي غيرها من أمثالها، كبيوت، وشيوخ، وعيون، وجيوب، وأشياء من هذا القبيل ففيها الوجهان: الضم والكسر، وإن كان لفظ جيوب ليس في القرآن. يقول: ((فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا))، (خاوية) منصوبة على الحال، أي: حالها أن تلك البيوت صارت خاوية؛ بسبب ظلمهم. ثم قال: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ))، أي: كل من عنده فهم يفهم، وكل من يمر على الديار فيرى آثار ثمود، فقد كانوا موجودين بين الشام وبين الحجاز، فعلوا كذا وكذا فجاءهم العذاب وأهلك الأقوام وبقيت البيوت شاهدة على من كان فيها في زمن من الأزمان، فكل من يعلم ذلك ليس عليه أن يؤمن فقط، بل لابد أن يعقل ويتفكر، ويعلم وعنده عقل يتفكر، يعلم أن هنا كانت ديار ثمود فأهلكهم الله بكفرهم. قال الله تعالى: {وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النمل:53] أي: أهلك الله الكافرين وأنجى المؤمنين الأتقياء، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، فمهما تمكن الكفار أياماً وشهوراً ودهوراً فإنه في النهاية يمكن الله عز وجل للمؤمنين، حتى ولو كانوا مستضعفين، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]. نسأل الله عز وجل أن يمكن للإسلام والمسلمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [54 - 59]
تفسير سورة النمل [54 - 59] قص الله عز وجل في كتابه الكريم قصص الأنبياء مع أقوامهم، ودعوتهم لهم، وكيف أنهم أوذوا وطوردوا صلوات الله وسلامه عليهم، فلم يهنوا ولم يتراجعوا، بل صبروا وثبتوا حتى أتاهم نصر الله. ولقد أكثر الله عز وجل من هذه القصص ليتدبرها المؤمن، ويستلهم منها الأسوة والقدوة والنموذج الذي يحتذي به في الدعوة، وقد حث الله عز وجل على ذكر القصص لما لها من قوة في شحذ الهمم، وتوجيه الإرادة، وهنا يقص الله عز وجل قصة لوط عليه السلام، وكيف دعا قومه، وصبر على أذاهم، وكيف آذوه حتى نصره الله عز وجل عليهم، وأهلك قومه.
قصة لوط عليه السلام مع قومه
قصة لوط عليه السلام مع قومه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [النمل:54 - 58]. هذه هي القصة الرابعة في هذه السورة الكريمة سورة النمل، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها باختصار قصة لوط على نبينا الصلاة والسلام مع قومه إشارة، فقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، فلوط أرسله الله عز وجل إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى: أنه أتى قومه ودعاهم إلى عبادة الله، وذكرهم به، وذكرهم أنهم يقعون في الفاحشة التي لم يسبقوا بها قبل ذلك قط، ولم تكن تعرف هذه الفاحشة قبل هؤلاء الملاعين، لعنة الله عليهم، فقال لهم هنا: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، وذكر الله عز وجل في سورة الشعراء أنه جاءهم يدعوهم إلى الله سبحانه، وأن يعبدوا الله ويتقوه سبحانه، وقال لقومه عن هذه الفاحشة {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف:81]، أي: يأتون الرجال ويتركون النساء، فذكر أنهم قوم يجهلون، وأنهم قوم يفتنون، وأنهم يفعلون ذلك وهم يبصرون، فقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ} [النمل:54]، الهمزة للاستفهام والإنكار على هؤلاء، {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} [النمل:54]، الفعلة القبيحة والشنيعة والعظيمة {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، وكان لوط عليه الصلاة والسلام، وهو ابن أخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد هاجر من العراق إلى الشام، فسكن إبراهيم في الشام، وتوجه لوط إلى قرية من قراها وهي سدوم في فلسطين؛ ليدعو الناس إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، فوجدهم يأتون الفاحشة مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى، فقال لهم: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، يعني: طريق الحق، أي: وأنتم تعرفون الحق من الباطل، وتعرفون أن هذا ليس محل النسل وليس محل الولد، وإنما تفعلون ذلك مكابرين مجاهرين بمعصيتكم لربكم، وأنتم تعلمون ذلك يقيناً؛ لأن الإنسان الذي يعلم قد يعلم مشاهدة، وقد يعلم غيباً، وهو لما قال لهم: {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، يعني: تعلمون يقيناً كما أنكم ترون بأعينكم، فتعرفون أن هذا حرام، وتعرفون أن هذه فعلة شنيعة قبيحة لا يحل لكم أن تأتوها، قال: {وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل:54]، أنها فاحشة، وأنها من أعظم ذنوبكم.
جرائم قوم لوط عليه السلام
جرائم قوم لوط عليه السلام قال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [النمل:55]، الهمزة للاستنكار والاستفهام، يقول: أتفعلون ذلك الفعل القبيح الشنيع، فتأتون الرجال دون النساء؟! وقوله: {أَئِنَّكُمْ} [النمل:55]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر وأبو عمرو: (آئِنكم) بالمد فيها، وقرأها ورش وابن كثير ورويس عن يعقوب {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} [النمل:55]، بهمز ثم تسهيل بعدها. وقرأها هشام بالوجهين، (آئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء)، و {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} [النمل:55]، وهذه الأخيرة قراءة الجمهور. {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً} [النمل:55]، أي: تضعون شهوتكم في رجال مثلكم دون النساء اللاتي خلقهن الله عز وجل من أجلكم، {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]، فهو قد دعاهم إلى الله عز وجل وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولم تكن هذه المعصية هي معصيتهم الوحيدة، ولكنها كانت أشنعها، فذكرهم بها، ومنعهم منها، ونهاهم عنها. ولم يكونوا يكتفون بفعل هذه الفاحشة مع أهل بلدهم، ولكن كانوا ينتظرون الغرباء أن يأتوا، فيستولون عليهم ويفعلون معهم هذه الفاحشة، لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، فقال لهم: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]. أي: أهل جهل، كما يقال عن إنسان: فلان جاهل، يعني: أخلاقه سيئة، أي: فحشت أخلاقه، وكذلك هؤلاء، فعندما قال لهم: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]، فإن الجهالة بمعنى: الفحش، وبمعنى: الوقوع في السيئات من الأعمال، وإلا فهم يعرفون أنها حرام؛ ولذلك ذكر الله عز وجل أن من صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} [الفرقان:63]، فالمؤمنون عباد الرحمن إذا مروا بجاهل ابتعدوا عنه، فإذا خاطبهم الجاهلون بلسان الأذى ردوا عليهم: سلاماً، أي: مسالمة ومتاركة بيننا وبينكم، فما لكم عندنا من شيء، فيتركونهم ولا يجيبونهم بمثل فحشهم وجهلهم وصخبهم واعتدائهم، وإنما يقولون: ((سَلامًا)). إذاً: فهنا الجهل الذي هم فيه ليس هو عدم المعرفة، فهم يعرفون أنها حرام، ولكنها عدم معرفة من نوع آخر، وهو عدم معرفة الله سبحانه وتعالى، وعدم تقدير الله حق قدره كما قال الله سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]، أي: أنهم عرفوا الله ولكن لم يعبدوه سبحانه حق العبادة، ولم يخافوا منه سبحانه وتعالى الخوف الحقيقي الذي يبعدهم عن معصيته سبحانه، وهذا من الجهل، وذلك مثل بني إسرائيل عندما مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف:138]، فـ ((تَجْهَلُونَ)) هنا ليس معناها: لم تعرفوا ربكم؛ فهم عرفوا ربهم، وهم يدعونه. ولكن وصل الأمر بهم إلى أنهم لم يقدروا الله حق قدره، فأرادوا شيئاً مجسداً أمامهم حتى يعبدوه من دون الله سبحانه. إذاً: فقوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55]، من جنس هذه الجهالة، أي: أنهم لم يقدروا الله حق قدره سبحانه وتعالى، ففعلوا هذه الفاحشة، وجهلوا ما وراء ذلك من عقوبة، أو تناسوا هذه العقوبة، فكأنهم كالجاهلين {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل:55].
تآمر قوم لوط على نبيهم لوط عليه السلام
تآمر قوم لوط على نبيهم لوط عليه السلام ثم قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} [النمل:56]، أي: ما كان جواب هؤلاء الكفار الواقعين في هذه الفاحشة العظيمة إلا أن قالوا، وكأن هذا الذي قالوه هو جواب واحد فقط، وهو الجواب الذي ظل على لسانهم قالوا: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]، أي: أخرجوهم واطردوهم من البلد، فهذا هو الجواب الوحيد الذي ردوا به على لوط، وعلى من دعاهم إلى توحيد الله سبحانه، وإلى البعد عن هذه الفاحشة، وهو أن يطردوه خارج قريتهم، قال: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]، وكأنهم يظنون أنهم بطردهم للوط عليه الصلاة والسلام سيخلو لهم الجو، وسيبقى لهم الأمر يفعلون ما يشاءون ولا يعاقبون، وهنا تأتي العقوبة من حيث لا يحتسبون، ومن حيث يظنون أنهم في مأمن.
انقلاب الموازين عند قوم لوط وأشباههم
انقلاب الموازين عند قوم لوط وأشباههم قالوا: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ} [النمل:56]، وإن هنا: تعليلية، فكأن المعنى: بسبب أنهم ينهونكم عن المنكر، {إِنَّهُمْ} [النمل:56]، أي: لأنهم أناس يتطهرون، فإذاً: الجريمة التي فعلها لوط بزعمهم هي: أنه يتطهر عن هذه الفاحشة، وهنا كنظر الكثير من أهل الكفر والكثير من العصاة إلى الموحدين وإلى أهل الطاعة على أنهم على خطأ، فينظرون إلى الإنسان المتدين على أنه متزمت، ويقولون عن الإنسان الذي يعبد الله سبحانه ويتبع الكتاب والسنة: أصولي، مع أنها كلمة جيدة طيبة وليست سباً له؛ لأن كلمة أصول تعني: أنه يرجع إلى أصله من الكتاب ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن هؤلاء بغبائهم وجهلهم يزعمون أن هذا الإنسان هو صاحب الأشياء القديمة من الزمان، ويتناسون ويتغافلون أن هذه الأشياء القديمة ما هي إلا الكتاب والسنة، كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ينفروا الناس عن هؤلاء ويقولون: هذا إنسان أصولي، وهذا إنسان رجعي، ويريد أن يرجعكم إلى القرون الوسطى. والكتاب والسنة ليسا من القرون الوسطى، وإنما كان في القرون الوسطى محاكم التفتيش، التي كانت في أوروبا، والتي كانت تحاسب الناس على ما في ضمائرهم، ولو لم تبدو هذه الأشياء، فالعصاة يقلدون هؤلاء؛ لأنهم استوردوا منهم ذلك، فيقولون عن المسلمين المتمسكين بدينهم: إنهم يريدون أن يرجعوا إلى قرون الظلام، وقد أنزل الله إلينا نوراً من عنده سبحانه وتعالى.
مجيء الملائكة إلى لوط عليه السلام
مجيء الملائكة إلى لوط عليه السلام التشبه بالكفار عادة الكفار في كل زمان، فقوم لوط قالوا عن لوط ومن معه: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]، ولم يكن مع لوط إلا ابنتاه، أما امرأته فكانت كافرة، وكانت تدل هؤلاء القوم على أضياف لوط عليه السلام، قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ} [النمل:56]، يعني: بسبب {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56]، أي: يتطهرون عما نحن فيه، وصاحب المعصية لا يحب أن ينظر إليه صاحب الطاعة في وقت معصيته، وإنما يريد إبعاده، كهؤلاء يريدون أن يطردوا لوطاً، مع أن وجود لوط في قريتهم كان رحمة من رب العالمين سبحانه بهم، فلم ينزل عليهم العذاب ولوط موجود بينهم، فأرادوا طرده، وفعل الله سبحانه وتعالى لهم ما أرادوا من إخراجه، فليسوا هم من أخرجه، وإنما أخرجه ربه سبحانه وتعالى؛ حتى يكون أصحاب هذه القرية كلهم عصاة، فتنزل العقوبة على الجميع من السماء. ففتنهم الله عز وجل فتنة عجيبة، وذلك بأن أرسل ملائكة في صورة شباب حسان الوجوه؛ ليفتن بهم هؤلاء القوم، وكانوا ثلاثة فمروا على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلما علم أنهم ملائكة جادلهم قائلاً: أتهلكون قرية فيها أربعمائة مؤمن؟ قالوا: لا، فما زال ينزل معهم إلى أن قال: أتهلكون قرية فيها مؤمن واحد؟ قالوا: ل،. {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا} [العنكبوت:32]، فلما أتوا إلى لوط نظر إليهم وقال: {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود:77]، أي: ماذا سأعمل لهم وأنا وحدي، وليس معي جيش يدافع عني، وليس معي إلا بنتان؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، فكأنه نسي ذلك، أو كأنه يقصد جيشاً من البشر المؤمنين؛ ليجاهد بهم هؤلاء القوم.
مدافعة لوط لقومه دفاعا عن أضيافه
مدافعة لوط لقومه دفاعاً عن أضيافه ثم إن لوطاً لما آوى عنده الملائكة رآهم شباباً ولم يعرف أنهم ملائكة، فخرجت امرأته إلى القوم وخانت، فذهبت إليهم وقالت: إن شباناً حساناً مع لوط في البيت، فجاءه قومه يهرعون ويتدافعون ويركضون نحو بيت لوط عليه الصلاة والسلام، فلما وصلوا إلى بيته أرادوا دفع الباب حتى يدخلوا عليه، وقالوا: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر:70]، أي: أولسنا نهيناك أن تنزل عندك أحداً من غير أن تقول لنا؟ {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} [الحجر:70]، قال: {هَؤُلاءِ بَنَاتِي} [هود:78] يعني: بنات القوم؛ لأن كل نبي أب لقومه، فقال: ((هَؤُلاءِ بَنَاتِي))، يعني: النساء اللاتي عندكم. {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} [هود:78]، أي: مما تقعون فيه من هذه الفاحشة المنكرة. فلما أبوا إلا الدخول عليه قال من غضبه ومن ضعفه في هذه الحالة: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80]، فلما ضاق به الأمر أظهر له الملائكة أنفسهم بأنهم رسل الله، فلا داعي للخوف من هؤلاء، فقالوا: {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:81]، أي: هم يطرقون عليك الباب من أجل أن يدخلوا، دعهم يدخلون، فلما فتح الباب ألقوا في وجوههم شيئاً، فعميت أبصارهم، فرجعوا متقهقرين وهم يتوعدون لوطاً. ولو كان عندهم عقل، أو شيء من البصر لعلموا أن هذا مؤيد من ربه، ولآمنوا وانتهوا، ولكن أبوا إلا أن يتوعدوا لوطاً بأنهم سيرجعون له مرة ثانية، فلما خرجوا خاف لوط عليه الصلاة والسلام، فطلبت منه الملائكة أن يخرج، فكأنه تعجل الانتقام من هؤلاء، فقالوا: {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]، أي: نحن الآن بالليل، وفي الصبح سيأتي عذابهم، {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} [هود:81]. وأمروه بالخروج هو وأهله، {إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود:81]، والمعنى: أنها لا تخرج معك، أو ستخرج معك، ثم سترجع للعذاب مع قومها.
عذاب قوم لوط عليه السلام
عذاب قوم لوط عليه السلام فلما خرج لوط عليه الصلاة والسلام ومن معه قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل:57]، والله سبحانه إذا قدر شيئاً فلا بد أن يكون هذا الشيء كما قدر، والتقدير عند الإنسان أو عند الناس بمعنى: القياس الدقيق للشيء، فعندما يريد أن يفصل قماشاً فإنه يقيسه بالسنتيمتر، ويرسم على المقاس، ويقص عليه، فإذاً: التقدير هنا: من قدر، أي: قاس وأتى على الوجه الذي قدره، والله سبحانه وتعالى قدر الشيء وقضى أن يكون هكذا، فإنه يقع ما شاءه وأراده سبحانه وتعالى، فقال سبحانه عن امرأة لوط: {قَدَّرْنَاهَا} [النمل:57]، أي: جعلنا قدرها أن تكون مع الغابرين، أي: مع الباقين في عذاب رب العالمين. و ((قدَّرناها)) هذه قراءة الجمهور، وقرأها شعبة عن عاصم: ((قَدَرْنَاها من الغابرين))، فخرج لوط ومعه ابنتاه وامرأته، وخدرت الملائكة لوطاً: {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} [هود:81]، أي: أنها هي التي ستلتفت، فالتفتت فرأت العذاب ينزل من السماء، فصرخت على قومها، فأتاها عذابها من عند ربها، {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود:82 - 83]، أي: حجارة من نار نزلت على هؤلاء فأهلكهم الله سبحانه، {مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود:82] إلى قال: {وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} [هود:83]، يعني: لا أحد سينجو من عذاب الله سبحانه، فإن هؤلاء ظلموا فجاءهم العذاب، ومن يظلم بعد ذلك فليس عذاب الله سبحانه بعيداً منه، قال: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} [الأعراف:84]، أي: نزلت عليهم حجارة من نار جهنم كالمطر من السماء، وكان كل إنسان تأتيه حجارته فيهلكه الله سبحانه، كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} [الشعراء:173]، أي: بئس مطر المنذرين، فكان المطر بئيساً سيئاً على هؤلاء الذين أنذروا فلم يعتبروا، وذكروا فلم يتذكروا، فأهلكهم الله، ثم عقب ذلك بقوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل:59]، أي: احمد ربك سبحانه على أن أهلك الظالمين، ومكن للمؤمنين. نسأل الله عز وجل أن يهلك الظالمين، وأن يمكن للمؤمنين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [59 - 60]
تفسير سورة النمل [59 - 60] لقد أنعم الله عز وجل على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، تحار فيها العقول والألباب، ومن نعمه سبحانه وتعالى أن سخر لهم هذا الكون بما فيه من خلق السماوات والأرض وما فيهن من آيات بينات تدل على خالقها سبحانه، ومع ذلك فقد أبى المشركون إلا عبادة غيره سبحانه وتعالى، وهذه الآيات فيها مناقشة مفحمة وملجمة لهم، بما فيها من دلائل حياتية تقنع من له أدنى مسكة من عقل.
نعم الله على عباده
نعم الله على عباده الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة النمل: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:59 - 64]. في هذه الآيات العظيمة الكريمة الجليلة من هذه السورة سورة النمل يذكر الله سبحانه وتعالى آيات من آيات قدرته سبحانه وتعالى، ويبين لنا عظيم ما فعله بعباده سبحانه، فهو القدير، وهو العليم، وهو الرءوف الرحيم سبحانه، فيرينا هذا الذي يصنعه من هذه الأفعال العظيمة، والتي تدل على كرمه وقدرته، وإكرامه لعباده، فهل الذي يصنع ذلك هو الله الذي يستحق العبادة، أم هو إله غيره يصنع ذلك فيستحق أن يعبد مع الله سبحانه وتعالى؟! والجواب عن كل سؤال من هذه الأسئلة: أن الذي يصنع ذلك هو الله وحده لا شريك له، وليس أحد غيره يقدر على ذلك. فإذاً: لا يستحق أن يعبد إلا الإله الخالق وحده لا شريك له.
المناسبة بين قوله تعالى (قل الحمد لله) والآيات السابقة
المناسبة بين قوله تعالى (قل الحمد لله) والآيات السابقة قال تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل:59]، وهنا مناسبة عظيمة جميلة بين هذه الآية وبين ما قبلها، فقد ذكر لنا سبحانه وتعالى أربع قصص في هذه السورة، فذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنجى الله موسى، وكيف أهلك فرعون. ثم ذكر قصة ثانية، وهي قصة سليمان عليه الصلاة والسلام، وكيف أن الهدهد دله على أن هناك ملكة تعبد الشمس من دون الله سبحانه، وقد ولاها القوم، وقلدوها في عبادة غير الله سبحانه وتعالى. ومع أن سليمان النبي عليه الصلاة والسلام قد جعله الله ملكاً، فإنه مع ملكه العظيم لم يطلع على شيء، وهو قريب منهم، فقد كان في الشام وهي في اليمن، ومع ذلك لم يعرف شيئاً مع كثرة جنوده من الإنس والجن والطير، ومع ما عنده من تسخير للرياح وغيرها، إلا أنه لم يطلع على ذلك، ولم يعرف أن هؤلاء الأقوام يسجدون للشمس من دون الله. فلما عرف ذلك بعد أن عرفه الهدهد إذا به يرسل إليهم من يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، ويهددهم بما أعطاه الله عز وجل من قوة، فإما أن يأتوا إليه مسلمين، وإما أن يخرجهم من أرضهم أذلة وهم صاغرون، وإذا بالله سبحانه وتعالى ينصر سليمان عليه الصلاة والسلام، وتستجيب الملكة وتؤمن بالله في النهاية؛ فأخرجهم الله سبحانه من ظلمات ظلمهم، ومن ظلمات شركهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. ثم ذكر لنا قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه الصلاة والسلام، وكيف أنهم عتوا وتكبروا وتجبروا وأفسدوا في الأرض، فدعاهم نبيهم إلى عبادة الله وحده، فأبوا إلا التكذيب والإعراض؛ فأهلكهم الله سبحانه بما شاء من صيحة وريح أرسلها عليهم، فأهلكهم جميعهم وجعلهم خامدين، فكانت آية من آيات قدرة الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر لنا قصة أخيرة وهي قصة لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع قومه أهل سدوم الذين أشركوا بالله سبحانه، ووقعوا في الفاحشة، وهي إتيان الذكران من العالمين بدلاً من أن يتزوجوا النساء، فدعاهم نبيهم إلى توحيد الله سبحانه، وإلى ترك ما هم فيه والتوبة إلى الله، فأبوا إلا أن يطردوه ويخرجوه، فأخرجه الله سبحانه تبارك وتعالى من بين أظهرهم، وأهلكهم سبحانه بعذاب من نار جهنم، فأرسل عليهم حجارة من سجيل كالمطر؛ فأخذهم سبحانه وجعلهم آية. ففي هذه القصص الأربع التي ساقها الله سبحانه يبين لنا كيف أنه ينجي المؤمنين، وكيف ينصرهم سبحانه، وكيف يهلك الظالمين، فلا يسعك وأنت تسمع ذلك إلا أن تقول: الحمد لله. فقد ذكر الأنبياء والمرسلين وبين أنهم دعوا إلى الله سبحانه، وأنهم أهينوا، وأنهم أوذوا في الله سبحانه وتعالى، فإذا بالله ينصرهم، فلا يسعك إلا أن تقول: الحمد لله رب العالمين! فأمرك الله عز وجل بها: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل:59]، فقال هذا لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يقولها ولا شك، فمن باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة)؛ ولأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر لمن تبع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمر عباده أن يحمدوا الله إذا قرءوا كتابه العظيم، حيث أنه أرشدهم إلى أن يطلعوا على ذلك، وهداهم إلى هذا الدين العظيم، وجعلهم مسلمين، وجعلهم يتعظون بمصير هؤلاء فلا يقلدونهم، ولا يكونون من الظالمين أمثالهم، وبأنه جعلهم يتأسون بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام في صبرهم، وفي حكمتهم، وفي دعوتهم أقوامهم إلى الله سبحانه وتعالى، فيقولون: الحمد لله، ويصلون ويسلمون على أنبياء الله ورسله، بأمر الله سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى)
تفسير قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى) قوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59]، أي: احمدوا الله سبحانه، وصلوا وسلموا على أنبيائه ورسله الذين اصطفاهم واختارهم واجتباهم ورفعهم فوق غيرهم، وجعلهم يدعون إليه وحده لا شريك له. فهي آية عظيمة، وختام جميل لهذه القصص التي ذكرها الله سبحانه وتعالى. ولما ذكر لنا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد دعوا أقوامهم إلى التوحيد، فإنه يدلنا على أنه يستحق العبادة؛ لأنه وحده لا شريك له وكل إنسان مؤمن يعرف ذلك، ولكن الكافر يحتاج إلى أن يبين له حتى يرجع إلى عقله، ويعود إلى صوابه، ويبين له بما قاله الله سبحانه وتعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]، فهذا الكافر الذي يشرك بالله يعترف بأنه الخالق ثم يعبد غيره سبحانه وتعالى، أو ينكر ألوهية الله سبحانه وتعالى، فيقول له سبحانه: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]، أي: هل الله سبحانه خير أم هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله سبحانه وتعالى؟! فهناك خير وهناك شر، فإذا تبصر الإنسان علم أن الخير كله عند الله، فالله خير، وما يشركون به من دون الله لا ينفعون أنفسهم فضلاً عن غيرهم، ولا يملكون أن يدفعوا ضراً عن أنفسهم ولا عن غيرهم، فهم شر لأنفسهم ولغيرهم فكيف يعبدونهم من دون الله؟! وكل إنسان له عقل سليم يقول: الله سبحانه خير، وهؤلاء كلهم شر، لا ينفعون ولا ينتفعون. وقوله تعالى: ((أَاللَّهُ خَيْرٌ))، عند جميع القراء يجوز أن تمد مداً طويلاً: آلله خير، ويجوز أن تسهل الهمزة الثانية فتقول: ((أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ))، ولا يجوز فيها أن تقرأ بهمزة ثانية عند أي أحد من القراء، فلا يجوز أن تقول: أألله خير. وقوله تعالى: ((أَمَّا يُشْرِكُونَ))، هذه قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم، وقرأ السبعة الباقون: (أما تشركون)، بالخطاب.
حسن الافتتاح في الخطب والمواعظ
حسن الافتتاح في الخطب والمواعظ وقد علمنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حسن الافتتاح، أي: أن تفتتح كلامك بحمد الله سبحانه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح كلامه وخطبه بحمد الله سبحانه، سواء كانت خطبة للعيد أو للجمعة أو غيرها، حتى في خطبة النكاح كان يبدأ بحمد الله سبحانه وتعالى. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: فيه تعليم حسن، وتوقيف على أدب جميل، وبعث على التيمن بالذكرين والتبرك بهما، بذكر الله سبحانه، والصلاة والسلام على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. يقول هنا: وفيه الاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، يعني: أن الإنسان عندما يريد الكلام في موضوع ويدخل فيه من غير ذكر الله سبحانه وتعالى، فإن هذا يكون قبيحاً، فما ذكر الله في شيء إلا وكان فيه البركة، وما ذكر أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فصلي وسلم عليهم إلا كان فيه الخير والبركة. وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مجلس لا يذكر فيه الله ولا يصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا كان على أصحابه ترة يوم القيامة). وذكر: (ما من قوم يجلسون مجلساً فلا يذكرون الله ولا يصلون على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قاموا إلا قاموا عن مثل جيفة حمار). فمن الأدب: أنه إذا بدأ الإنسان في مجلسه أو درسه أو حديثه أو خطبته فليبدأ بذكر الله سبحانه، وبالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام القرطبي رحمه الله: وفيه الاستظهار بمكانهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، والإصغاء إلى من يتكلم، وإنزال ذلك في قلوبهم المنزلة التي يبتغيها المستمع إذا حدثهم، فبدأ بذكر الله سبحانه. قال: ولقد توارث العلماء والخطباء والوعاظ كابراً عن كابر هذا الأدب، فحمدوا الله، وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام كل علم مفاد، وقبل كل عظة، وفي مفتتح كل خطبة، وتبعهم المترسلون - يعني: الكُتَّاب - فجروا عليه في أوائل كتبهم. فهذا هو الأدب: أن يبدأ الإنسان -سواء كتب كتاباً أو كتب صحيفة- بذكر الله عز وجل في الخطبة وغيرها، فليبدأ بذكر الله كما قال هنا: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59].
عظمة الله وقربه من عباده
عظمة الله وقربه من عباده قال تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59] قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم: أما يشركون، على الغيب. وقرأ باقي القراء على الخطاب: ((أَمَّا تُشْرِكُونَ))، فكأنه يوجه الخطاب للمشركين أن يتفكروا: آلله صاحب النعم العظيمة أحق بالعبادة أم هذه الأصنام التي لا تنفع ولا تضر والتي تعبدونها؟ وهل إله مع الله يفعل ذلك؟! وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله! إلام تدعو؟ فهذا رجل كان كعادة الأعراب فيه جفاء، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان لابساً ثوباً يجره، فقال: (إلام تدعو؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدعو إلى الله وحده الذي إن مسك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته رد عليك، والذي إن أصابتك سنة فدعوته أنبت عليك). فبين له من الذي يدعو إليه، أي: أدعو إلى الله صاحب النعم العظيمة الذي أنعم عليك، والذي تدعوه متوسلاً إليه سبحانه حين تقع أو تنزل بك مصيبة من المصائب. وقوله: (إن مسك ضر فدعوته كشف عنك)، وهو سبحانه يفعل ذلك بالمسلمين والكافرين، فالذي يصاب بالضر من مسلم أو كافر ويجأر إلى الله قائلاً: يا رب! فإن الله عز وجل يعطيه ويفرج عنه بفضله وكرمه سبحانه. قال: (والذي إن ضللت بأرض قفر دعوته فرد عليك)، أي: إذا ضاع منك جملك، أو ضاعت منك ماشيتك في صحراء فدعوت ربك رد عليك ذلك، فهذا الإله العظيم هو الذي أدعو إليه. قال: (والذي إن أصابتك سنة)، والمعنى: إن أصابتك سنة شديدة فيها قحط ومجاعة وشدة، فيعبر عن شدة الزمان والوقت بالسنة. قال: (دعوته أنبت عليك)، أي: إن كان هناك جدب ولا يوجد مطر فدعوت الله أنزل عليك المطر، فأنبت لك فأكلت، فهذا الإله هو الذي أدعو إليه، فسلم الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (قلت: أوصني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبن أحداً، ولا تزهدن في المعروف ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك). فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم بألا يشتم أو يسب أحداً، ولا يزهد في معروف، مهما كان هذا المعروف قليلاً؛ لأنه ينفعه يوم القيامة، وأقل المعروف: أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، يعني: تلقى أخاك وأنت غير مكشر. قال: (ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي (. يعني: أن من أقل المعروف: أنه إذا طلب أحد منك قليل ماءٍ فأفرغ له. قال: (ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، واتزر إلى نصف الساق)؛ وذلك لما رأى أنه يجد إزار على الأرض، فقال له: ارفع إزارك إلى نصف الساق، يعني: ما بين الركبة والكعب وليس كل الناس يفعل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإن أبيت فإلى الكعبين)، أي: إن لم تحب ذلك ولم ترده فأنزله إلى العظم الذي في آخر الساق، ولا تزد على ذلك. ثم قال: (وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة)، أي: إن الإنسان المعجب بنفسه هو الذي يفعل ذلك، حتى وإن قال: إنه لا يفعله خيلاء، يقول: فعلك ذلك دليل على أنك من أهل الخيلاء. ثم قال: (وإن الله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة).
تذكير الله لعباده بخلق السماوات والأرض وما فيهما من نعم
تذكير الله لعباده بخلق السماوات والأرض وما فيهما من نعم يقول الله سبحانه وتعالى هنا: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا} [النمل:60]، يذكر الله سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بما في السماوات من نجوم وأقمار ومجرات، فهي آيات عظيمة. وأنزل من السماء ماء شربتم منه وادخرتموه، حتى وإن لم تدخروه فإن الله قد جعل له أماكن في الأرض يخزن فيها، فتنتفعون به وتشربونه. ثم أنبت لكم به الحدائق العظيمة، فقال: {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60]، والحديقة: البستان الذي يحدق به الحائط، يعني: البستان المسور؛ ولهذا يسمى بالحديقة، وأما إذا كان من غير سور ولا حائط فيسمى: بستاناً، أو يسمى: حائطاً إذا كان عليه حائط، وقد وصف الحديقة هنا بأنها: ذات بهجة، أي: تبهجك وتسرك إذا نظرت إليها، والبهجة: المنظر الحسن الذي يريح الناظر، فيتمتع ويتفكه بما فيها، فيفرح بها ويسر، ومن الذي صنع لكم ذلك وأنتم: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل:60]؟! فإن الإنسان لا يقدر أن يأخذ نواة ويضعها في الأرض وينبتها، بل إنه ينتظر فضل الله سبحانه أن ينزل الماء من السماء، وأن يأمرها أن تنبت بفضل الله وبرحمته، فكم من نواة يلقيها الإنسان ولا تنبت شيئاً! وكم من نواه يلقيها الإنسان لا يلقي لها بالاً وينبتها الله عز وجل بغير إرادة من أحد! فإن الله على كل شيء قدير، فمن الذي صنع ذلك؟ {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]؟! و A إنه لا إله غير الله يستحق أن يعبد مع الله سبحانه، فالله هو الذي صنع ذلك، وهو الذي يستحق العبادة، ولكن هؤلاء قوم يعدلون، فكأنهم جعلوا الله معادلاً، وجعلوا له شريكاً، فهم قوم يشركون بالله. نسأل الله عز وجل أن يحيينا على التوحيد، وأن يتوفانا عليه، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [59 - 61]
تفسير سورة النمل [59 - 61] بين الله سبحانه وتعالى عظمته وقدرته في خلق السماوات والأرض وما فيهما من مخلوقات وأنهار ونبات، كل ذلك ليدلل على بديع صنعه، وأنه الرب الخالق المستحق للعبادة من خلقه، ويا للعجب! كيف يعرف كثير من المشركين مخلوقات الله وينسبون صنعها إلى الله وفي نفس الوقت يعبدون غيره، ويشكرون آلهة باطلة من دونه سبحانه!
بيان عظمة الله عز وجل
بيان عظمة الله عز وجل الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فيقول الله عز وجل: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59 - 63].
اعتراف المشركين بربوبية الله في الآيات
اعتراف المشركين بربوبية الله في الآيات ذكر الله سبحانه وتعالى بعض أنبيائه في هذه السورة الكريمة في الآيات السابقة، وذكر كيف أنه نصرهم على أعدائهم من الكفار، وأنهم بلغوا رسالة رب العالمين سبحانه -والسورة سورة مكية أي: أنها نزلت في زمن كان يؤذى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه- فكأن الله سبحانه يصبرهم بذلك، ويعلمهم بأن النهاية أن يكون النصر لأولياء الله سبحانه وتعالى، فختم بقوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]. فقوله سبحانه: ((آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ))، الاستفهام في الآية لهؤلاء: أن أجيبوا عن ذلك، ومعناه التقرير بأن حقيقة الأمر: أن الله سبحانه وتعالى خير من كل شيء، فالجواب معروف منه، وكذلك كان يجيب المشركون، وقد أثبت سبحانه عليهم ذلح، حيث يقول: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:9] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، فهم يجزمون بأن الله هو الخالق، وأن الله يقدر على كل شيء، وأن غيره لا يقدر على شيء، ولذلك إذا مسهم الضر في البحر {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت:65]، فقد اعتادوا إذا نزل بهم الضر أن يجأروا إلى الله فيقولون: يا رب! يا الله! فإذا كشف الله عز وجل عنهم ذلك رجعوا مرة أخرى إلى شركهم، فمع أنهم موقنون أن الذي ينفع ويكشف عنهم ضرهم وقت الضر هو الله سبحانه، فلذلك إذا سئلوا: آلله خير أم هؤلاء الذين تشركون؟ أجابوا: بل الله خير! فإن سئلوا لماذا تعبدون هؤلاء؟ قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وهم بهذا الجواب يخدعون أنفسهم، حيث يقولون ذلك وهم يعتقدون خلافه. يقول الله مبيناً نعمه سبحانه: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} [النمل:60]، أي: هل تستطيع هذه الآلهة الباطلة من الإنس والجن ومخلوقات أخر لو اجتمعوا أن يخلقوا السموات والأرضين؟ قال سبحانه: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60]، ومن أنزل من السماء ماءً؟ جوابهم المعروف: الله الذي فعل ذلك، فكأن الله يذكرهم بالنعم التي يتقلبون فيها ليل نهار، فيقول: هذه السموات التي تظلكم، وهذه الأرضون التي تقلكم، وهذه الشمس والقمر اللذان ينيران لكم، من الذي خلق ذلك كله؟ ولما كان جوابهم: الله سبحانه وتعالى، لم يقل لهم: أرب مع الله، وهنا نلحظ الفرق بين أن يقول: أرب مع الله، وهو مقتضى الاستفهام، أو يقول: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]، لأنه إن قال: أرب مع الله، فهم لم ينكروا الرب سبحانه وتعالى، فلا يحتاجون إلى مثل هذا السؤال، فقد أقروا أن الرب الذي يخلق ويدبر ذلك الكون هو الله، ولكن Q إذا كنتم تعترفون بأن الرب هو الذي فعل ذلك فهل من إله يعبد مع هذا الرب سبحانه وتعالى؟! هل يستحق من لا يخلق أن يعبد مع من يخلقه؟! لذلك كان الاستفهام إنكاراً لأفعالهم وبعدهم عن الله سبحانه وإفكهم وافترائهم على الله الكذب، فقال: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]، أي: هل هناك إله يستحق العبادة مع هذا الإله العظيم الذي خلق وفعل هذا كله؟ وإن كان المفترض أن يكون جوابهم: لا، ولكنهم يعبدون غير الله ويشركون معه سبحانه وحالهم يفيد ذلك؛ لذلك كرر عليهم في كل آية من الآيات بعد أن يذكر النعم هذا Q هل إله غير الله يستحق أن يعبد، مع أن الله الذي فعل لكم ذلك، وغيره لم يفعلوا ذلك؟! لو أن إنساناً يقول: إن غير الله ممن لا يصنع ولا يخلق يستحق العبادة، فهذا لا يستحق أن يعيش في هذه الدنيا؛ لأنه لا عقل له ليفهم، فهو كالبهائم بل هو أضل سبيلاً.
حكمة الجمع والإفراد في الآيات
حكمة الجمع والإفراد في الآيات يقول الله سبحانه وتعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [النمل:60]، (من السماء) أي: من السحاب الذي في السماء نزل الماء على الأرض، وقوله سبحانه: {أَمَّنْ خَلَقَ} [النمل:60]، أفرد فكان المعنى: من الذي خلق؟ الله سبحانه، {وَأَنزَلَ لَكُمْ} [النمل:60]، وأفرد هنا أيضاً، فالضمير في الفعلين عائد على مفرد: {وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا} [النمل:60]، قوله: (فأنبتنا) أما هنا فعبر بنون الجمع، إذ أنه في الأشياء التي لا يدعيها الإنسان لا يحتاج إلى أن يذكر له ضمير الجمع والعظمة، فالإنسان مقر ومعترف. أما لو أن الإنسان يقول: أنا أفعل، فيقول الله سبحانه: نحن نفعل، فيعبر بنون العظمة حتى يعرف الإنسان حقارة نفسه، وأنه لا شيء، وقد يدعي الإنسان فيقول: أنا الذي آتي بالبذرة وأضعها في الأرض، وأصب عليها الماء، وأنا الذي أسمد الأرض وأرعى الحب، وأنا أراعي هذا إلى أن ينبت، فالله عز وجل يقول: {فَأَنْبَتْنَا} [النمل:60]، نحن الذين نفعل ذلك، ولست أنت الذي تقدر على ذلك. فنحن ألهمناك الصواب، وعلمناك كيف تصنع ذلك، وسواء بذرت أم لم تبذر فما شاءه الله عز وجل كان، أو فعلت أنت أو فعل غيرك، فالله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يخلق ويرزق، فعبر بنون الجمع هنا لبيان عظمته سبحانه وتعالى، وحقارة خلقه: {فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60] والحديقة: البستان المحدق بحائط، أي: الذي عليه سور، وقوله سبحانه: {ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60]، أي: ذات منظر حسن، إذ أن الإنسان حين ينظر إلى الحديقة تعجبه فيسر بمنظرها الجميل الذي جعله الله عز وجل للإنسان كما جعل فيها طعامه وشرابه، وجعله ينظر إليها فيبتهج بمنظرها، قال: {حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60].
القراءات الواردة في قوله وذات بهجة
القراءات الواردة في قوله وذات بهجة قوله سبحانه: {ذَاتَ بَهْجَةٍ} [النمل:60]، الجمهور إذا وقفوا على (ذات) ينطقون التاء، وهي مكتوبة: تاء مفتوحة، أما الكسائي فانفرد بأنه إذا وقف عليها يقول: (ذاه) بالهاء، فيقرؤها خلافاً للجمهور، أما في الوصل فينطقونها جميعهم بالتاء، إلا أن الكسائي إذا وقف على (بهجة) قرأها بالإمالة فيقول: (بَهجِه)، بالإمالة، أما الباقون فيقفون عليها. وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل:60]، هنا يؤكد الله الخالق العظيم عليهم، فقوله: {فَأَنْبَتْنَا} [النمل:60]، حين عبر بنون العظمة ونفى عنهم الإثبات، والمعنى: لستم أنتم الذين تفعلون ذلك، فأنتم تأخذون بالأسباب فقط، والله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر ويخلق ويفعل ذلك. ثم يردف قوله سبحانه: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل:60]، بسؤال فيقول: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]، أي: هل هناك إله يستحق أن يعبد مع الله سبحانه الذي فعل ذلك؟! وهل آلهتكم فعلت ذلك فتستحق العبادة؟ A لا.
القراءات الواردة في قوله (أئله مع الله)
القراءات الواردة في قوله (أئله مع الله) وفي قوله سبحانه: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60] قراءات، الأولى: قراءة الجمهور بالقطع كما هو الرسم في المصحف، ويقرؤها البعض بالمد والتسهيل، ومنهم قالون، وأبو عمرو ويعقوب، (آيله مع الله)، ويقرؤها ورش وابن كثير: (أيله مع الله) بالتسهيل بغير مد. ويقرؤها هشام بوجهين، فيقرأ: (آئله مع الله)، بالمد فيها، ويقرأ كغيره من القراء: (أئله مع الله)، فأصبح فيها أربعة أوجه: (آئله مع الله)، (أئله مع الله)، (أئله مع الله)، (آيله مع الله)، رد عليهم سبحانه وتعالى؛ لأن فعلهم يبين أنهم يعبدون غير الله، فقال: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]، ويعدلون: من عدل أي: جعل مع الله عديلاً له سبحانه، كما يضع الإنسان العدل على الجمل، في إحدى الجهتين عدل وفي الأخرى عدل، فهم يعدلون مع الله، أي: يجعلون معه آلهة أخرى سبحانه، يساوونها به سبحانه وتعالى، {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]، والمعنى: يشركون.
عظمة الله في الأرض
عظمة الله في الأرض ثم قال سبحانه: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا} [النمل:61]، أي: من الذي جعل الأرض قراراً تستقرون فوقها، مع أنها تدور حول نفسها بسرعة عظيمة جداً في هذا الكون الواسع، وجعلكم لا تشعرون بسرعة سيرها؟ معلوم أن الإنسان عندما يركب وسائل النقل من سيارات وغيرها، أو يركب شيئاً يتحرك عموماً إن لم يكن يمسك نفسه يقع منها، والأرض تتحرك بأسرع من ذلك بكثير، وهي تدور حول نفسها في الكون، ومع ذلك لا يقع الإنسان ولا يستشعر ذلك، فمن الذي جعلها قراراً لهذا الإنسان ليستقر فوقها؟! يقول سبحانه: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً} [النمل:61]، أي: شق في جوفها أنهاراً تجري فأجراها، وجعل فيها الماء العذب، وجعل في محيطاتها الماء المالح، وكل ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى، من الذي صنع ذلك؟ وجعل لهذه الأرض رواسي كما قال سبحانه: {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل:61]؛ يرى المتأمل فيها قدرة عظيمة لله الخالق سبحانه وتعالى، فالله جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها، أي: شق في جوف هذه الأرض، فجعل خلالها أي: بين خللها وشقوقها أنهاراً، {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل:61]، ترسيها وتثبتها، ومعلوم أن للأرض قشرة سطحية رقيقة، وتوجد سوائل في داخل الأرض منصهرة من المعادن المذابة، فلو تركت بلا جبال لاهتزت قشرة الأرض كالمركب أو السفينة فوق هذه السوائل، ولكن الله سبحانه جعل الجبال فيها كالوتد يثبت القشرة الأرضية في باطن الأرض فلا تهتز ولا تتحرك إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه: {وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ} [النمل:61]، ترسيها فلا تميد بالناس: {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل:61]، أي: البحر العذب والبحر المالح، فقد جعل الله بينهما حواجزاً من قدرته سبحانه وتعالى، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53]. وسبق في سورة الفرقان أن الله سبحانه وتعالى جعل الأنهار تصب في البحار، فإذا صب النهر في البحر لم يختلط ماء البحر بالنهر، ولا ماء النهر بالبحر، لجعله برزخاً بين الاثنين في مصب النهر. قال سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} [الفرقان:53]، من قدرة الله سبحانه فلا يطغى ملح البحر فيدخل في النهر فيفسده، ولا ماء النهر يدخل في البحر فيحليه، ولكن جعل بين الاثنين برزخاً بقدرته سبحانه وتعالى. قال: {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان:53]، مانعاً ممنوعاً، فهذا لا يغير هذا، وهذا لا يغير هذا، حتى الكائنات الموجودة في البحر لا تختلط بكائنات النهر، فلا تذهب التي في النهر إلى البحر لتكون كائنات ملحية، والأخرى كذلك، بل من عجيب قدرة الله سبحانه: أن البرزخ بين الاثنين له كائنات مخصوصة، فقد وجد الباحثون أسماكاً في هذا البرزخ لو خرجت منه إلى غيره لماتت، قال سبحانه: (برزخاً)، فهذا البرزخ الواقع في المكان الوسط بين الاثنين حجر محجور أي: يحرم على هذا أن يغير هذا، وعلى هذا أن يغير هذا، ويحرم كذلك على الكائنات، فلا هذه تذهب إلى هذه ولا الأخرى تفعل ذلك، فهو حاجز من صنع الله سبحانه، ثم يستفهم: من الذي صنع ذلك؟ قال: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:61]، فهل هناك إله يستحق أن يعبد مع هذا الخالق العظيم الذي فعل لكم ذلك؟! {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النمل:61]، كما قال سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91]، أي: ما عرفوا أنه الرب الخالق، ولم يستيقنوا، وفرق بين من يعرف ومن يستيقن في قلبه فيعمل من أجل ذلك، فمعرفتهم تلك معرفة كالجاهلية؛ لذلك وصفهم أنهم جاهلون، وأنهم لا يعلمون. وسترى أن كل إنسان يدعي أنه يعرف الله سبحانه وتعالى، ولكن هذه المعرفة هل تفيدك أو لا تفيدك؟ كإنسان يقول: أنا أعرف هذا المكان؛ لأنه قد سمع عن هذا المكان، ولكن لعله لو ذهب إليه لضاع فيه، وكأنه لم يعرف شيئاً. وكذا الإنسان الذي يقول: إن الله خلقني وأنا أعرفه، فيقال له: أنت حين عرفته ما الذي صنعته؟ هل عبدته أم عبدت غيره؟ هل خفت منه سبحانه؟ هل جهزت نفسك ليوم تلقاه فيه سبحانه؟ فيسألك ويحاسبك، فستجد أن A لا فهذه المعرفة لا تنفعه مطلقاً؛ فكأنه لم يعرف شيئاً، إذ لو عرف الله لقدره حق قدره، قال سبحانه: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النحل:75]، يعني: بل أكثر هؤلاء الناس لا يعلمون شيئاً عن قدرته سبحانه، فالمعرفة التي تنفع صاحبها هي المعرفة التي ينبني عليها العمل، كمن يعرف الله فيصلي له سبحانه، ويخاف منه سبحانه فيتقرب إليه، ويطيع النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر وفيما نهى، فهنا يقال: إنه عرف الله وقدر الله حق قدره. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يقدرون الله حق قدره. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل الآية [62]
تفسير سورة النمل الآية [62] من دعا الله وهو مضطر فإن الله يجيبه ولو كان كافراً، فرحمة الله في الدنيا وسعت كل شيء، وهو الذي يكشف السوء عن العباد والبلاد في أمور دينهم ودنياهم، فله الحمد والمنة.
تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إلى دعاه)
تفسير قوله تعالى: (أمن يجيب المضطر إلى دعاه)
فقر الإنسان إلى الله وشدة حاجته للدعاء
فقر الإنسان إلى الله وشدة حاجته للدعاء قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] يتذكر الإنسان قول: لا حول ولا قوة إلا بالله أي: لا تحول لأحد، ولا حيلة إلا بالله، ولا قوة لأحد إلا بأن يعينه الله سبحانه وتعالى، وقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فالله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه قائلاً: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) والمعنى: اللهم رحمتك أنت وحدك، صاحب الرحمة العظيمة، إياها أرجو، (فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين)؛ لأنه لو وكل الإنسان إلى نفسه، وظن أنه قادر على كل شيء، حينها يملي الله له ويرجيه، ثم يأخذه بسبب ما هو فيه من علو واستكبار. ولذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم معلماً لنا: (اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين) وهنا أخر الفعل وقدم المفعول للاختصاص والتنبيه على أن الله وحده ذو الرحمة التي ترجى، كقولك: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5]، فالأصل (نعبدك) حيث يقدم الفعل ويليه المفعول، ولكن عندما يقدم المفعول فمعناه: الاختصاص بالله وحده سبحانه. قال تعالى: {إِيَّاكَ} [الفاتحة:5] أي: وحدك لا شريك لك، لا أحد آخر، إذ لو قال الإنسان: أعبدك فقد يقال: يعبده ويعبد غيره، مثلما كان الكفار يعبدون الله ويشركون به سبحانه، أما عندما يقول: إياك أعبد فقد قدم المفعول للاختصاص، فأفصح أن العبادة تقتصر عليه وحده لا شريك له. وفي الحديث: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رحمتك أرجو) إذاً: لا أرجو رحمة من أحد غيرك، فلو قال الإنسان: أرجو رحمتك، فقد يرجو رحمته ورحمة غيره، ولكن عندما يقول: (اللهم رحمتك أرجو) أي: فإن الرحمة الوحيدة تكون من عندك يا رب العالمين! وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه أن يدعو بدعاء لو كان عليه دين عظيم أداه الله عز وجل وأعانه عليه، وهو أن يقرأ آيتين في آل عمران: ({قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:26 - 27]، فيا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما -رحمتك أرجو- تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك) فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب رحمة من الله يستغني بها عن رحمة أحد سوى الله، فمن توكل على الله كان الله له نعم المولى ونعم الوكيل، ومن توكل على الله كفاه سبحانه، ورزقه من حيث لا يحتسب. وكم من إنسان وقع في ضيق وفي أزمة، فلما ضاقت عليه الدنيا لجأ إلى الله وحده وناداه: يا رب! فإذا بالله يكشف ما به، فيكون كأمس الدابر، وكأنه لم يحدث شيء، والقصص في هذا المعنى كثيرة جداً.
قصص لبعض من استجاب الله دعاءهم وكشف كربهم
قصص لبعض من استجاب الله دعاءهم وكشف كربهم ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية قصصاً، وهي قصص عجيبة جداً، ولكنها ليست بغريبة على قدرة الله سبحانه وتعالى فهو {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:284]. يقول رحمة الله عليه راوياً عن الإمام الحاكم في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية: تقول: هزم الكفار يوماً المسلمين في غزاة، فوقف جواد بصاحبه، -وكان رجلاً صالحاً- أي أنه: حينما كان الكفار قادمين نحوه، إذا بالجواد يقف ولا يهرب به، فيتعجب الرجل ويكلم جواده قائلاً ألم أعدك لهذا اليوم؟! فإذا بالجواد يرد عليه ويقول: إنك لا تعلفني، بل تكل العلوفة إلى غيرك فيظلمونني، فيجيبه الرجل قائلاً: عهد علي إذا رجعنا لأعلفنك في حجري، فيطير به الجواد، ومن ثم يلتزم صاحبه العهد، وهذا أمر عجيب! والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الذين من قبلنا: أن بقرة تكلمت، وليس أولئك بأحسن من هذا، فإنه من التابعين لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، وليس عجيباً على أمر الله أن يحدث ذلك. وفي الصحيح: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ركب رجل ممن كانوا قبلنا بقرة، فاستدارت إليه وقالت: ليس لهذا خلقت -أي: لم أخلق للركوب- إنما خلقت للحرث). وتتمة القصة الأولى التي رواها ابن كثير عن الإمام الحاكم: فلما علم ملك الروم أن في المسلمين رجلاً كلمته دابة قال: لا يصلح إلا أن يكون عندنا، فالمكان الذي يكون فيه سيكون مباركاً، فأرسل إليه من يخطفه ويأتي به إليهم ممن كان من المرتدين، فذهب المرتد إليه وأظهر للرجل الصالح أنه أسلم وحسن إسلامه، فانخدع به، فكأنه خرج معه يوماً، وقد واعد المرتد غيره من الناس عند أطراف البلد ممن هم على شاكلته، فلما وصل هذا المسلم إلى هذا المكان، أخذوه وأرادوا الذهاب به إلى ملك الروم لعله يقتله، ولما يشكل وجوده في المسلمين من قوة حيث أنه مستجاب الدعوة، فإذا بالرجل يدعو ربه سبحانه وتعالى، ويقول: اللهم بك خدعوني -أي: إنما ذهبت مع هذا رجاء أن يسلم، وأن يحسن إسلامه، فقال لله عز وجل: فاكفنيهم بما شئت. قال الراوي: فخرج سبعان في المكان الذي هو فيه فخططا الرجل الكافر ومن معه، وتركا الرجل الصالح. والأسد عادة لا يفرق بين مسلم وكافر إلا أنه هنا فرق بينهما في هذا الموطن، ولا شك أن الله عز وجل هو الذي قدر ذلك. ثم ذكر رحمه الله قصة هي أغرب من هذه القصة يقول: ذكر ابن عساكر بإسناده عن رجل قال: كنت أكاري على بغل لي في دمشق إلى بلد، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق غير المسلوكة، أي: غير المأهولة، فقال: ادخل في هذا الطريق، فقلت: لا أعرفه، قال: أنا أعرفه ادخل فيه، فلما دخلوا فيه وأصبحوا بعيدين عن الناس، نزل الرجل وأحضر سكيناً ثم أراد قتل هذا الرجل، فتوسل إليه الرجل بكل شيء، وقال له: خذ الدواب التي معي، والمال واتركني، قال: لا، إنما أريد قتلك أنت، يقول الرجل: فقلت له: فاتركني أصلي ركعتين، طالما أنك ستقتلني، فقال: عجل، قال: فقمت فارتج علي القرآن فلم أستطع أن أقرأ، وقد دخلت في الصلاة، والقتل ينتظرني، ولم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفاً متحيراً، قال: فأجرى الله على لساني قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62]، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها هذا الرجل فما أخطأت فؤاده فخر صريعاً. قال: فتعلقت بهذا الفارس، وقلت: بالله من أنت؟ قال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وهذه القصة ليست بعجيبة على قدرة الله سبحانه وتعالى أن يرسل من يغيث هذا. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أن رجلاً خرج من قرية ليزور أخاً له في بلدة أخرى، فلما وصل منتصف الطريق، أرسل الله عز وجل إليه ملكاً، فقال: أين تريد؟ قال: أريد فلاناً في البلدة الفلانية، قال: لم؟ قال: أحبه في الله، قال: ألك حاجة عنده؟ قال: لا، قال: ألك نعمة تردها عليه؟ قال: لا، ولكنني أحبه في الله، قال: فأنا رسول الله إليك بأن الله يحبك كما أحببته). فليس بعيداً على الله سبحانه وتعالى في تدبير كونه أن يرينا من ذلك ما يتعجب الإنسان منه، كأن يبعث إلى هذا من يقتل خصمه، والله يفعل ما يشاء، والذي يقرأ في السير والتأريخ يجد العجائب من إكرام الله عز وجل لعباده ما هو فوق ذلك بكثير؛ لكن الغرض بيان: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62]. فكلما اشتدت بالمسلم كربة من الكرب، تذكر أن الله يجيب المضطر إذا دعاه، وكلما اضطر الإنسان، واستشعر الضيق، وعدم القدرة، ولم يجد أحداً حوله قال: يا رب! ويكفيه ذلك. فهذا لوط عليه الصلاة والسلام، لما ضاقت به الدنيا، ووقف يدافع قومه وحده، وكل قومه يدفعون عليه بابه، ويريدون أخذ أضيافه، وهو لا يعلم أن هؤلاء ملائكة الله سبحانه، إذا به يقول: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:80 - 81] فكان النصر حليفه، ومن يخاف عليهم هم الذين يدفعون عنه، وهذا عجيب من أمر رب العالمين سبحانه وتعالى، ولا غرو فهو يجيب المضطر إذا دعاه، ويستجيب دعاء من ناداه.
من يستجيب الله دعاءهم
من يستجيب الله دعاءهم يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن)، أي: ثلاث دعوات للإنسان كلما ضاق به الأمر فقال: يا رب! مضطراً، فالله عز وجل يستجيب له، يقول: (دعوة المظلوم)، فالمظلوم إذا ضاق به الأمر ولم يجد من ينصره، فدعا الله عز وجل نصره، قال: (ودعوة المسافر) والمسافر غريب في بلد غير بلده، لا يجد من يعينه، وقد تعود الناس أن يعين الإنسان من يعرفه، من جار أو قريب أو نحوه، أما الغريب فلا يجد أحداً، فقد قطن مكاناً موحشاً فأحب أن يرجع إلى بلده، فيفزع إلى الله عز وجل فيستجيب له. قال: (ودعوة الوالد على ولده) وبالرغم من أن العادة أن الوالد يدعو لولده والله يستجيب، ولكن دعوة الوالد على ولده لا تأتي إلا إذا ضاق به ذرعاً، كأن يكون عاقاً لأبيه لا يطيعه، فإن دعا عليه استجاب الله لهذه الدعوة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام- على السحاب- فيقول الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين) فنصر المظلوم آت من عند الله سبحانه، ولو تأخرت الاستجابة شيئاً ما في نظر الإنسان؛ ولكنها آتية ولو بعد حين. يقول الله سبحانه وتعالى في هذا المعنى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} [يونس:22]، أي: السفينة {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس:22]: بحيث أن الإنسان ينسى نفسه، وينسى ربه سبحانه وتعالى، قال: {وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} [يونس:22]، فيفجأهم هذا الهول، ولذلك لابد أن يكون الإنسان في ذكر لله دائماً، يذكر الله في الرخاء، فيذكره الله ويكون معه عند الضراء. ثم يقول سبحانه: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} [يونس:22]، فعندما اشتدت الأمواج والرياح ظنوا أنهم أحيط بهم، قال: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس:22]، ففي الأوقات العصيبة يذكر الإنسان ربه. ثم يقول سبحانه: {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس:23]، فبعد أن يكشف الله عنه الضر الذي هو فيه ينسى ويتناسى، ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [يونس:23]، أي: إذا بغيتم أو ظلمتم، رجع عليكم مكركم، وسوء صنيعكم. لذلك على المؤمن إذا أحب أن يستجيب الله له في وقت البلاء: أن يكثر من الدعاء في وقت الرخاء، وأن يتواضع لله ولخلقه، فالله يحب المتواضعين.
تفسير سورة النمل [62 - 63]
تفسير سورة النمل [62 - 63] من رحمة الله عز وجل أن جعل بابه مفتوحاً لكل محتاج، فمن دعاه أجابه، ومن سأله من فضله أعطاه، ومن رحمته سبحانه أن هدى الإنسان في ظلمات البر والبحر حتى لا يتيه في هذه الأرض الواسعة، وأنزل له من السماء ماءً جعل فيه رزقه، ومع ذلك فإن الإنسان قد يعبد مع ربه غيره، فتعالى الله عما يشركون.
مجيب دعوة المضطر
مجيب دعوة المضطر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:62 - 63]. في هذه الآيات -كما ذكرنا قبل- يخبر الله سبحانه وتعالى فيها عن آياته، وعما خلق سبحانه وتعالى من خلقه، مما يراه كل ذي عينين، وكل من له عقل يفهم ويعرف أن هذه الأشياء لم تخلق سدى، وإنما خلقها الله عز وجل ليتفكر الخلق فيها، ففي خلق السماوات والأرض وما يأكله الإنسان آيات من آيات الله سبحانه. فهنا يذكر الله عز وجل عباده بقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62]، أي: من الذي يجيبكم إذا اضطررتم، أو أصابكم الضر ولم تجدوا أحداً يجيركم أو يغيثكم؟ حينئذ تلجئون إلى الله، فتقولون: يا رب! وتجأرون إليه بالدعاء، فيستجيب لكم، يقول الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: المضطر: هو ذو الضرورة المجهود، أي: الإنسان الذي حاقت به مصيبة من المصائب، ووجد نفسه مضطراً يكاد يهلك ويضيع، فيجأر بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى وهو مجهود مكدود متعب لا يجد ملجأً له إلا عند الله سبحانه فيسأله حاجته، ويقول السدي: هو الذي لا حول له ولا قوة، أي: لا حيلة له ولا قدرة، بل وقف عاجزاً لا يقدر أن يدفع عن نفسه، فيقول: يا رب! ويلجأ إلى الله فيعطيه. ويقول أبو جعفر وأبو عثمان النيسابوري: هو المفلس، وكله داخل تحت هذا المعنى، فإذا صار الإنسان معدماً لا شيء معه، محتاجاً إلى طعام وشراب ونفقه، والكل يطالبونه بما عليه لهم، وهو لا يجده، فيقول: يا رب! ويطلب من الله سبحانه، ويحسن اللجوء إليه، فالله يعطيه، يقول ذو النون: هو الذي قطع العلائق عما دون الله، أي: وجد أنه لا يوجد أي رابطة بينه وبين أحد، فلا أحد ينفعه، فصار وحيداً لا وسيلة ولا علائق بينه وبين أحد، فإذا به يلجأ إلى الله، فيعطيه الله سبحانه وتعالى. ويقول سهل بن عبد الله: هو الذي إذا رفع يديه إلى الله داعياً لم تكن له وسيلة من طاعة قدمها، أي: وجد نفسه مضطراً لم يكن له قبل ذلك ما ينفعه، فقد كان عاصياً لله سبحانه، وفجأة اضطر ووجد نفسه محتاجاً إلى من يغيثه، وانقطع عنه الخلق، واستحيا من نفسه أنه لم يكن له طاعة قبل ذلك، فرفع يديه إلى الله خجلاً من نفسه، وقال: يا رب! فإذا بالله يعطي هذا المضطر الذي لجأ إليه سبحانه. جاء رجل إلى مالك بن دينار فقال: أسألك بالله -يقسم عليه- أن تدعو لي لأني مضطر، وكان مالك بن دينار أحد الصالحين رضي الله عنه -فقال له: طالما أنت مضطر فاسأل الله سبحانه- فإنه الذي يجيب المضطر إذا دعاه. فالإنسان يدعو ربه ويكثر من الدعاء، والله سبحانه يستحيي أن يرفع العبد يديه إليه سبحانه مستغيثاً به ثم يردهما صفراً بدون شيء، فإن الله أكرم من ذلك سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) وبيان حكمة الله من خلق الموت
تفسير قوله تعالى: (ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) وبيان حكمة الله من خلق الموت قوله تعالى: {يَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل:62]، السوء: هو كل ما يسوء الإنسان، كالضرر الذي ينزل به، فإذا به لا يقدر على كشفه، فيساء منه أو يسوؤه ذلك، فالذي يكشف عنه ما نزل به هو الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل:62]، معناه: أن الذي يجعلكم خلفاء هو الله، أي: يستخلفكم في الأرض، بأن يجعل بعضكم وراء الآخر خليفة له، بحيث يذهب إنسان ويخلف الله غيره، ويذهب هؤلاء ويأتي بخلفاء غيرهم، ومعنى الخليفة كما يقول الله عز وجل للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، أي: خلفاء يخلف بعضهم بعضاً، ومن نعم الله سبحانه وتعالى التي من بها على العباد: الموت، ولذا يقول الله تعالى: {((قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الجاثية:26]، فلو ترك الله عز وجل عبده حياً وعاش مائة سنة ومائتين وألف سنة، كما عمر نوح، فلن تكون له قوة ولا قدرة، ولن يعير عقله كاملاً مكتملاً يرى ويفهم ويعي ما حوله؛ فكلما تقدمت به السنون رد إلى أرذل العمر ونسي وجهل وساء خلقه وقلل من طاعة ربه وصار ضعيفاً، فبعد أن كان يصلي قائماً صلى قاعداً، وبعد أن كان يكثر من الصلاة قلت صلاته، وأصابته الأمراض فإذا به لا يقدر على شيء، قال الله عز وجل: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ} [النحل:70]، وهو العمر الرذيل الذي لا يعلم فيه الإنسان بعد علم شيئاً، فبعد أن كان عالماً يعرف، إذا به لا يعرف شيئاً، وكم رأينا ممن ردوا إلى أرذل العمر لا يجدون شيئاً ولا يقدرون حتى على الصلاة، وإذا جلس أحدهم ليصلي سرح في صلاته واحتاج إلى من يذكره: أنت في الركعة الأولى أو في الثانية وهكذا، وقد يدخل في صلاته ثم ينام وهو فيها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله عز وجل من أن يرد إلى أرذل العمر، فكان يقول: (أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، وعندما يصير الإنسان إلى أرذل العمر يكون عند الناس مكروهاً بغيضاً لا يحبونه، وقد ينفر منه الأقربون، فكيف يكون حال إنسان كانت الدنيا في يوم من الأيام تتكلم عنه، واليوم لا يطيق أحد مجالسته أو التكلم معه! الأمريكي السابق أصيب الآن بمرض أنساه كل من حوله، وأنساه نفسه بعد أن كان الحرس حوله يحرسونه في كل مكان، وبعد أن كان يتعالى على الناس ويترفع عليهم، أصبحوا الآن يحرسونه ليمنعوا عن الناس شره؛ لأنه لا يعرف من حوله، وقد كان في يوم من الأيام رئيساً لأمريكا التي تعد أقوى دولة في العالم، وكان الناس ينظرون إليه أنه شيء كبير، لكنه الآن في مصحة في قصر عظيم، داخل غرفة مغلقة، لا يختلط بأحد وعندما يعود إليه عقله يجلس وينظر قليلاً من النافذة وهكذا، فالله عز وجل جعل بني الإنسان خلفاء في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، وأراح بعضهم من بعض بالموت، بعد أن يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. والموت خير للإنسان المؤمن؛ لأنه إذا مات ابتعد عن الفتن، وصار إلى رحمة رب العالمين سبحانه {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60]، فإذا قارنا بين الدنيا والآخرة كان الأفضل للإنسان ما عند الله، ولذلك ما قبض الله نبياً إلا وخيره، فلما جاءت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم خير بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند الله سبحانه، وقال: (بل الرفيق الأعلى)، أي: أنه طلب الرفيق الأعلى ولم يطلب الدنيا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن {مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص:60]. وكما أن الموت خير للمؤمن من أن يرد إلى أرذل العمر، فهو خير للكافر أيضاً، قال الله سبحانه: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران:178]، فكلما عمر الكافر ازداد إثماً، حتى يتوفى على ذلك، ولذلك كان الموت خيراً له من أن يعيش ويزداد إثماً. وليس معنى أن الله عز وجل جعل العباد خلفاء في الأرض: أنهم ملوك، إذ ليس كل الناس ملوكاً في الأرض، إنما يكون الملك منهم واحداً، والباقون كلهم رعية، فمعنى جعل الله الناس خلفاء أي: يخلف بعضهم بعضاً، ولو أن الله عز وجل ترك للناس العمر الطويل، وترك لهم عقولهم، وترك فيهم قوتهم أعماراً طويلة، فسيصبح الملك طول عمره ملكاً، ويظل على ذلك مائة سنة ومائتين، وسوف يكرهه الناس، وهو مع ذلك والناس يكرهوه يظل ملكاً عليهم، إذاً: أليس من رحمة رب العالمين سبحانه أنه لم يطل في عمر هذا الإنسان، بل جعل عمره قصيراً، ثم أخذه برحمته؟ فمن رحمته سبحانه وتعالى أنه لا يديم للظالم ملكه، ولا يبقيه في مكانه، ولكن يأخذه سبحانه ويأتي بغيره. وهكذا فكل إنسان كان رئيساً على قومه ووالٍ عليهم، لو أن الله أطال في عمره وأبقاه في مكانه، فلن يرتقي إلى ذلك المكان الذي هو فيه أحد، وكلما ولد مولود فهو من الرعية الذين لا يملكون شيئاً ولا يقدرون على شيء، ولكن من الله عز وجل على العباد بنعمة الموت، فيقبض هؤلاء، وكل غيرهم محلهم؛ لعلهم يصلحون ويعتبرون فيكونون أحسن ممن كانوا قبلهم. إذاً: فالله سبحانه يمن على العباد في هذه الآيات ويقول: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل:62]، فهو يسألهم سؤالاً فيه إنكار على من يعبدون غير الله سبحانه، وفيه تقرير لوحدانيته سبحانه، وأنه مستحق وحده للعبادة دون غيره. والجواب على هذه الأسئلة: أن الله سبحانه هو الذي يفعل ذلك دون غيره. قال الله تعالى: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]، يستحق العبادة وقد أعطاكم هذه النعم سبحانه وتعالى فهو {يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل:62]، و A لا إله إلا الله ولا يستحق العبادة إلا الله، وحده الذي أعطانا هذه النعم العظيمة.
معنى قوله تعالى: (قليلا ما تذكرون)
معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تذكرون) قال الله عز وجل: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]، أي: أن الإنسان كثير النسيان، فهو مشتق من اسمه، فقد سمي إنساناً لكثرة نسيانه، وكثير من الناس ينسون ربهم سبحانه، وفضله، ويجحدون نعمه، قال الله تعالى: {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6]. وفي قوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]، ثلاث قراءات: (قليلاً ما تذَّكِّرون)، (قليلاً ما يَذَّكرون)، والمعنى في الجميع: أن الإنسان كثير النسيان يغفل عن عبادة الله سبحانه، ويتغافل عن النعم ولا يشكر ربه سبحانه عليها، ففي كل يوم يدعو ربه، وبعد أن يستجيب له ينسى الله سبحانه وتعالى. فبعض الناس يكون رئيسه في عمله ظالماً، فيدعو عليه بالهلاك، فلما أزاح الله عز وجل عنه الظلم، وصار في مكان رئيسه، إذا به يظلم الناس، ونسي كم دعا الله عز وجل على هذا الذي ظلمه، وإذا به يقول: هذه هي طبيعة العمل، وكما كان يقول الذي قبله يقول الذي بعده، فالإنسان فيه ظلم ونسيان. إذاً: فقوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]، هذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة حمزة، والكسائي، وخلف، ويقرؤها أبو عمرو، وهشام، وروح عن يعقوب: (قليلاً ما يذِّكرون)، ويقرؤها باقي القراء: (قليلاً ما تذَّكَّرون)، هذه ثلاث قراءات، والمعنى واحد.
الهادي في ظلمات البر والبحر
الهادي في ظلمات البر والبحر قال الله تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:63] أي: من الذي يهديكم؟ ولا يعرف هذه النعمة العظيمة إلا من تاه وضل الطريق، فقد يدخل بسيارته الصحراء، ثم يتوه ولا يعرف طريق العودة، فينظر يميناً وشمالاً، ويقول: يا رب يا رب، فيدله الله عز وجل بمطلع الشمس على المشرق، وبغروبها على المغرب، وبالنظر في النجوم يعرف الشمال من الجنوب، وهكذا يستدل بأشياء خلقها الله عز وجل فيعرف طريقه، وقد يرسل الله إليه من يدله، كأن يجد إنساناً أمامه، فيسأله فيدله على طريق النجاة، بعد أن ضل يوماً أو يومين في هذا المكان، فمن الذي هداه ودله على هذا الذي دله على الطريق؟ إنه الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل:63]، في الظلام الدامس، فقد يكون الإنسان في البحر يقود سفينة وفجأة لا يعرف أين يذهب، والله سبحانه وتعالى ينير بالقمر مكاناً؛ حتى يعرف هذا الإنسان طريقه، أو ربما تتعطل السفينة في البحر، وتتوقف أجهزتها عن العمل، والنور ينطفئ ولا يستطيع من في السفينة أن يرو شيئاً، وإذا بالله يلهمهم كيف يصلحون العيب الذي فيها، ويضيء لهم ربهم سبحانه وتعالى بعد ظلمة شديدة، وإذا بهم يتناسون ربهم الذي دعوه قبل ذلك. فقوله: يهديكم، أي: بالدلالات على المشرق والمغرب، والشمال والجنوب، {فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل:63].
بشرى الرياح بالمطر
بشرى الرياح بالمطر قال الله تعالى: {وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [النمل:63]، أي: أن الإنسان إذا كان في غاية الحر فإن الله يرسل رياحاً ترطب ما هو فيه، وإذا به في الشتاء ينتظر المطر ولا مطر، وفجأة تهب الرياح فينتظر البشارة من الله؛ لأن الرياح ما دامت شديدة فستسوق السحاب، وتنزل ماء على الناس، إذاً: فالله عز وجل يرسل الرياح بشارة للخلق بهطول المطر. و (يرسل الريح)، هذه قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، وفي القرآن كلمة: (الرياح) و (الريح)، ومن فرق بين الكلمتين فقال: إن الرياح للخير، والريح للشر فقد أخطأ فيها؛ لأنه لم يطلع على القراءات التي في كل القرآن، والتي فيها: (الرياح) و (الريح)، فقوله: إن الريح تأتي في الشر، والرياح تأتي في الخير بناء على أنه اطلع على قراءة واحدة فقط، وهي قراءة حفص عن عاصم، ولم يطلع على قراءة أبي جعفر الذي يقرأ: (الرياح) بالجمع في كل القرآن، فإذا جاءت الريح قرأها: الرياح، وهي قراءة متواترة، فالصواب: أن الريح والرياح يأتيان بالخير ويأتيان بغير ذلك. وكلمة: (بشراً) يقرؤها بالباء عاصم فقط، ويقرؤها نافع وأبو جعفر المدنيان وابن كثير المكي، والبصريان أبو عمرو ويعقوب: (نُشُرَاً بين يدي رحمته)، بضمتين، ويقرؤها ابن عامر (نُشْراً بين يدي رحمته). ويقرأها حمزة والكسائي وخلف الكوفيون: (نَشْرَاً بين يدي رحمته)، والنشر: من النشور، وكأنه هنا نشر الشيء بمعنى: أحياه، فيرسل الله سبحانه وتعالى الرياح لتنشر رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى، وتنزل الأمطار فيحيي بها الأرض بعد موتها، أي: ينبت الأرض، فنشرها بمعنى: رفعها وأحياها بعدما أماتها، وأغاث عباده بهذا الماء الذي نزل من السماء، و {بُشْرًا} [النمل:63]، من البشارة أي: أنه يفرح عباده بذلك، فالآية عندما تقرأ بقراءتين كأن لها معنيين، وكل قراءة لها حكم من الأحكام، فهنا أرسل الله عز وجل الرياح للبشارة، وأيضاً للنشور؛ لتنشر وترفع وتحيي بفضل الله عز وجل ما أمات من نبات بإنزال المطر من السماء. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [59 - 66]
تفسير سورة النمل [59 - 66] يذكر سبحانه في هذه الآيات أن من نعمه على خلقه أنه يهديهم في ظلمات البر والبحر بالنجوم والعلامات التي خلقها، وأنه ينزل لهم المطر، ثم يسألهم: من الذي بدأ الخلق ثم هو قادر على إعادته؟ ومن الذي يعلم غيب السماوات والأرض؟ و A إنه الله الذي لا إله إلا هو.
استحقاق الله للعبادة دون ما سواه
استحقاق الله للعبادة دون ما سواه الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:63 - 66]. يخبر الله سبحانه وتعالى الناس عن نعمه ويعددها عليهم في هذه السورة بهذه الصور، فيذكر في أولها قوله سبحانه: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل:59]، ثم يسأل الناس سؤالاً فيه استفهام، وفيه التقرير بالجواب، {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]، والجواب عند الجميع: الله خير وأبقى سبحانه وتعالى. ثم يعدد النعم التي أنعمها على عباده بهذه الصورة الجميلة في تقريره لنعمه سبحانه، واستفهامه استفهام إنكار على من يعبد غير الله سبحانه وتعالى: من خلق السماوات والأرض؟ قال سبحانه: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:60]، والجواب، أنه لا إله إلا الله، أي: لا يستحق أن يعبد إلا الله الذي يفعل ذلك، والذي يخلق ويرزق سبحانه وتعالى: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]، فيعقب وراء الاستفهام الذي مضمون الجواب فيه أنه: لا إله إلا الله، وهم يعرفون ذلك، فيقول سبحانه وتعالى مثبتاً عليهم كفرهم وشركهم: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:60]، يعدلون بالله غيره، ويعبدون غير الله مع الله، فهم قوم مشركون. سؤال آخر: {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:61]، والجواب أنه: لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة سوى الله وحده لا شريك له، يقول الله سبحانه معقباً: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [النمل:61]، أي: الأكثرون منهم لا يعرفون ربهم حق المعرفة، وما قدروا الله حق قدره، وإن عرفوا ربوبيته فقد جهلوا أو تجاهلوا أمر ألوهيته سبحانه وتعالى، فهم لا يعرفون الله حق معرفته سبحانه وتعالى. وقال في الآية الأخرى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103]، أي: الأكثرون لا يؤمنون، وقال: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116]، فالأكثرية من الناس على غير طريق الله سبحانه، والأكثرون يشركون بالله، ويقعون في الكفر بالله سبحانه. ثم قال: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل:62]، من يفعل ذلك؟ الجواب هو الله، الفعال لما يريد، يقول الله سبحانه: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62]. أي: أنه يقل تذكر الإنسان لربه سبحانه، فهو في غفلة وسهو ونسيان، إلى أن تنزل به مصيبة فيتذكر ويقول: يا رب يا رب، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون من دونه سبحانه، فلما نجاهم ربهم إلى البر، إذا بهم يشركون، فهم في البحر وفي الضر يوحدون الله، فإذا أنجاهم من المصائب رجعوا إلى شركهم وإلى كفرهم، وإلى دعاء غير الله سبحانه: {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل:62].
تفسير قوله تعالى: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر)
تفسير قوله تعالى: (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر) قال سبحانه: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل:63] أي: من الذي يدلكم وأنتم في ظلمة البحر، بأن يهديكم بالنجوم وبالعلامات التي ترونها، ويخرجكم من ظلمة البر والبحر، من الذي يفعل ذلك؟ ومن الذي يرسل هذه الرياح بشراً بين يدي رحمته ونشراً، فينشر لكم به الأرض بعد موتها، ويحيي به الأرض، ويخرج بهذا المطر النبات؟ ومن الذي يسير هذه السحاب إلا الله سبحانه وتعالى، فتستبشرون بالرياح، وتستبشرون برؤية السحاب؟ {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:63]، والجواب أنه: لا إله إلا الله، تعالى الله عما يشركون. قال الله: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [النمل:64]، أي: من الذي بدأ الخلق؟ الكل يقولون: الله هو الذي بدأ الخلق، ومن يعيد هذا الخلق كما بدأه؟ وهل إعادة الخلق أصعب من بدء الخلق؟ بل كله هين على الله سبحانه وتعالى، ولذلك يخبرنا أنه سيخلق الخلق مرة ثانية، قال: (وهو أهون عليه)، أي: أنه هين على الله سبحانه أن يعيد الخلق مرة ثانية، قال: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27]، فإعادة الخلق مرة ثانية أهون من بدء الخلق، فإذا كان بدء الخلق هيناً على الله سبحانه، فكيف تكون الإعادة؟! ولكنهم ينكرون، فهم يثبتون أنه سبحانه بدأ، لكنهم ينكرون المبعث، يقول الله: {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الرعد:5]، أي: سنرجع مرة ثانية. وقال: {أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49]، أي: سيرجعنا مرة ثانية، هذا صعب لن يكون، هذا مستحيل، فينكرون شيئاً أثبتوا أصله، فهم يقولون: الذي خلقهم في البداية هو الله سبحانه وتعالى، فهذا الإله العظيم الذي خلق، أليس قادراً على الإعادة مرة ثانية؟ وأنتم تفكروا في أحوالكم، إذا صنع أحدكم آلة من الآلات وبعدما صنعها فككها، أليست إعادتها على هذا الذي صنعها أهون عليه من ابتداء صنعها واختراعها؟! تفكروا في أنفسكم حتى تعرفوا قدرة ربكم سبحانه وتعالى. قال: {وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [النمل:64]، أي: من الذي تطلبون منه: يا رب ارزقنا، يا رب توكلنا عليك! من الذي يفعل بكم ذلك؟ الكل يقول: الله. ولو أنكر الكافر بلسانه فهو يعرف بقلبه، والذي يدل على ذلك: أن الله شهد عليهم أنهم مقرون بأنه الخالق، قال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [الزخرف:9]، سبحانه وتعالى. فكأن هؤلاء الكفار وإن نطقوا بألسنتهم بأشياء يكذبون بها، فإنهم في داخلهم يعرفون الله سبحانه وتعالى، حتى لو أنكروا وقالوا: الذي خلقتنا الصدفة أو الطبيعة، مثلما يقول الملحدون الدهريون، فيقال لهؤلاء: هذه الطبيعة التي أوجدتكم، أو هذه الصدفة التي تزعمون، هل هي قادرة عليمة حكيمة تعلم ماذا تعمل، وتقدر عليه؟ سيضعون صفات الله عز وجل لهذه الطبيعة، وفي النهاية يوجد خالق خلقهم، ولكن يفرون من أن يقولوا: الله، حتى لا يكلفوا، وحتى لا يعبدوا الله سبحانه وتعالى. فالكافر ينكر ربه مكابرة وجحوداً، حتى لا يقال له: اعبد الله سبحانه وتعالى، وحتى لا يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فينكرون إلهه سبحانه حتى لا يتابعوه في دينه، عليه الصلاة والسلام. فالذي يبدأ الخلق والذي يعيد الخلق وهو أهون عليه هو الله سبحانه، والذي يرزق العباد من السماء فينزل المطر، ويستجيب الدعاء، ويخرج لهم ما تنبته الأرض من نبات ومن ثمار هو الله، يقول الله: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل:64]، هل إله مع الله يستحق أن يعبد؟ فكأنه أثبت الربوبية، ثم أنكر عليهم أن يشركوا في إلوهيته غيره سبحانه، فقال: {أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64]، فكل آية يختمها بما يناسبها، فلما ذكر مجموعة من الأدلة على ما أنعم به على عباده، ختم بهذا الختام الجميل، قال: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64] أي: هاتوا الدليل على ما تقولون، من أن غير الله يستحق أن يعبد، فإذا قالوا: نعبد اللات والعزى، فما الدليل على أنها تستحق العبادة؟ هاتوا الدليل النقلي، والدليل العقلي الذي يدل على ذلك؟ والدليل النقلي: أن يكون معك كتاب من عند الله، أو آثار من علم لتقول: اعبدوا هذا من دون الله، وهيهات أن يأتوا بمثل ذلك. والدليل العقلي: لماذا تعبد هذا الحجر الذي خلقته أنت، وصنعته أنت، وهو لا ينفع نفسه فضلاً عن أن ينفعك، ولا يضر نفسه ولا يضر أحداً؟ فالعقل لا يجيز ذلك، ولا معك برهان على ما تقول، قال سبحانه: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:64]، يعني: في دعواكم هذه.
تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله)
تفسير قوله تعالى: (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) قال الله: {قُلْ} [النمل:65] أي: لهؤلاء القوم: {لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل:65]، وحده لا شريك له، فهو الذي يعلم غيب السموات وغيب الأرض، وهذه الآلهة التي تبعدونها لا تعرف شيئاً من هذه الغيوب، فالله وحده سبحانه هو علام الغيوب، ولا يطلع على غيبه إلا من شاء من رسله عليهم الصلاة والسلام، ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية. يعني كذب على الله من ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف ماذا سيكون في غد، فهو لا يعرف صلى الله عليه وسلم ولا غيره من خلق الله ماذا سيكون في غد، قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34]. أيضاً جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه حضر عرساً لأناس من الأنصار، فسمع جارية تغني وتقول في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: وفينا نبي يعلم ما في غد، فنهاها النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا وقال: لا يعلم الغيب إلا الله، قولوا ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان أن تقولوا ذلك). فلا أحد في السموات ولا في الأرض يعلم الغيب إلا الله سبحانه: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]، أيان أي: متى، والمعنى: أنه لا يدري أحد متى يموت، ومتى يبعث.
تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة)
تفسير قوله تعالى: (بل ادارك علمهم في الآخرة) يقول سبحانه: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66]. قوله: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} [النمل:66]، فيها قراءتان، قراءة الجمهور: (بل ادارك علمهم في الآخرة)، وقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: (بل أدرك علمه في الآخرة)، من الإدراك، فإما أن يكون فيه إنكار على هؤلاء على وجه الاستهزاء بهم: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ} [النمل:66]، مستهيناً ومستهزئاً بهم؛ فهم يدعون أنهم يعلمون وهم أجهل الجاهلين، لا يفهمون شيئاً، ولا يعرفون شيئاً، فيستهزئ بهم ربهم سبحانه. وإما أن يكون معنى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ} [النمل:66]، أنه في الآخرة يدارك علمهم، ويتكامل يوم القيامة، فيعرفون حقيقة ما كانوا ينكرون، وكل إنسان معه شيء من العلم في الدنيا، لكنه يوم القيامة يكون أمامه عين اليقين وحق اليقين، فيرى بعينه الجنة والنار، ويرى بعينه الآخرة، فيكتمل علم الخلق يوم القيامة، حين يجدون ما كان غائباً أمامهم مشاهداً، فسيكتمل العلم لكل الخلق من كافر ومؤمن يوم القيامة، وكذلك أدرك علمهم في الآخرة، أي: فسيكون الإدراك يوم القيامة، فيعرفون ويستيقنون حين لا ينفعهم العلم، ولا ينفعهم هذا اليقين، ويكونون في النار. فيكون المعنى: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما وعدوا به. قال سبحانه: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا} [النمل:66]، يعني: أنهم في شك منها الآن، ويوم القيامة يصلون إلى اليقين فيعرفون، لكن لا تنفعهم معرفتهم. {بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل:66]، أي في عمى عن الآخرة، ولذلك لا يعملون لها، أما المؤمن فهو يرى الآخرة كلما قرأ كتاب الله سبحانه، وكلما مرت به عظة من العظات، وكلما مر به ميت محمول إلى قبره، فهو متذكر للآخرة ليل نهار، يعلم أنه راجع إلى الله، وأنه سائله ومحاسبه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونسأله ألا يجعلنا من الغافلين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [67 - 75]
تفسير سورة النمل [67 - 75] لقد أنكر كفار قريش والعرب البعث بعد الموت، وادعوا أن هذا مما وعد به آباؤهم الأولون، وأنه من الأساطير المكذوبة، وقد أمرهم الله أن يسيروا في الأرض حتى ينظروا كيف كان عاقبة أمثالهم من المجرمين الذين كذبوا رسل الله، وخوفهم بأنه قد يكون اقترب منهم عذاب الله الذي يستعجلونه، ولكن من فضل الله على الناس أنه لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، عسى أن يتوب ويرجع إلى مولاه.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:67 - 75]. قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن تكبر الكفار وإنكارهم أن الله يعيد الخلق كما بدأه أول مرة، فقالوا مستنكرين للنبي صلى الله عليه وسلم: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67]، أي: أئنا لمبعوثون، فكانوا يستنكرون ذلك وقد أعماهم الله عز وجل عن التفكر في أن الله هو الذي خلقهم أول مرة، وقد أقروا على ذلك بأنفسهم، وشهدوا أنهم مخلوقون، وأن الله هو الذي خِلقهم، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، فالله عز وجل قد خلقهم، وأرسل رسولاً إليهم ينبئهم أنهم مبعوثون ومسئولون ومحاسبون، وأن مصيرهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فأنكروا حتى لا يكلفهم ربهم سبحانه، وحتى لا يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأفعال لا يريدون فعلها، فلذلك استنكروا وقالوا: {هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق:2 - 3]، أي: بعد أن نكون تراباً أنرجع مرة أخرى؟ هذا مستحيل. وما وجه الاستحالة فيها إذا كان الله هو الذي خلقكم من عدم، وجعلكم تراباً وأوجدكم بهذا الخلق الذي تقرون به؟ وكيف تنكرونه وتتعجبون من أن يعيدكم الله مرة أخرى، وهو على كل شيء قدير؟ هنا يقول سبحانه: ((أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ))، هل نخرج ونبعث ونحاسب مرة أخرى؟ هذا بعيد. إن السبب في إنكارهم البعث هو: الأماني، فالإنسان عندما يحب أن يعمل المعصية، يتعامى ويتغافل عن الدار الآخرة، ولا يريد أن يذكره أحد بالبعث، أو الجنة والنار. والكافر يريد أن يأكل ويشرب، ويأتي ما يشتهي من شهوات باطلة، ثم لا يسأله ولا يحاسبه أحد، فإذا ذكر بالآخرة، لا يريد أن يذكرها، فإذا قلت له: لا تفعل هذا وهو يريد أن يفعله، تغافل عن الدار الآخرة. فاستنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص:5]، {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} [ص:7]، وأي ملة هذه التي لم يسمعوا بها، وقد كان قبلهم النبي عيسى وموسى وإبراهيم ونوح وآدم عليهم السلام؟ فكلهم أخبروا العباد بأنهم ميتون، ومبعوثون إلى ربهم، وحذروهم من بطش ربهم سبحانه وتعالى. أي ملة هذه التي يقولها هؤلاء الكفار، ويتكلمون عنها؟ وما الذي بأيديهم من آثار ومن علم حتى يزعموا ذلك؟ إنهم كذابون، وكما يقال: رمتني بدائها وانسلت، ومع ذلك يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: ساحر كذاب، فيختلفون الكذب ثم يرمون به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. فقال الله تعالى هنا: {أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا} [النمل:67]، فقد نظروا إلى أنفسهم وقالوا: نحن الآن على قيد الحياة، وآباؤنا أموات، فيذهب أحدهم إلى قبر، ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم برأس محطم لإنسان ميت، من زمن بعيد ويفتته بيده، ويقول له: أتزعم أن ربك يبعث هذه مرة ثانية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يبعثها ويدخلك النار)، جزاء تكذيبك أيها الإنسان! فالله يحيي العظام بعد أن تكون رميماً. قوله تعالى: {أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} [النمل:67]، إذا جاء الاستفهام بهذه الصورة: (أَئِذَا)، و (أَئِنَّا) ففيه قراءات، فيقرأ هذه الآية نافع وأبو جعفر بالإخبار في الأولى، والاستفهام في الثانية، فتكون القراءة: (إذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)، وعلى الوجوه التي يقرءون بها بالتسهيل وبالمد فيها، فـ قالون عن نافع يقرأها: (إذا متنا وكنا تراباً آئنا لمخرجون)، فيمدها، وكذلك أبو جعفر يمد في الثانية (آئنا) ويسهل فيها (أئنا). يقرأها ورش كما يقرأها نافع وأبو جعفر، ولكن بدون مد فيقول: (إذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون). ويقرأها ابن عامر والكسائي بالعكس في ذلك، فيستفهم في الأولى ويخبر في الثانية، فيقول: (أَئِذَا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وعلى أصول ابن عامر سيقرأها ابن ذكوان: (أئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وهشام يقرأ بالمد فيها: (آئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وباقي القراء يقرءونها بالاستفهام في الاثنين: (أئذا) و (أئنا)، وهو على أصولهم، فـ أبو عمرو وابن كثير يقرؤها: (أئذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون). إذاً: باقي القراء يقرؤنها بالتحقيق في الهمزتين: (أئذا) (أئنا). فهنا استفهام استنكاري من الكفار، يستنكرون كيف يموتون ويكونون تراباً، وعظاماً، ثم يرجعون مرة ثانية، إن هذا لرجع بعيد. وقوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النمل:68]. وذكر في سورة المؤمنون أيضاً: {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ} [المؤمنون:83]، والقرآن يتفنن في السياق، فهنا يذكر بصيغة وهناك يذكر بصيغة، أخرى، فيقدم ويؤخر سبحانه وتعالى بما يتناسب مع السياق القرآني. فقدم (هذا) هنا، وقال: ((لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا)) أي أنهم قالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعدنا بأنا سنبعث مرة أخرى، فإن آباءنا من قبل قيل لهم ذلك، ولم نر أحداً منهم بعث، فكأنهم ينظرون إلى الدنيا ويقولون: أين أجدادنا؟! لم لم يبعثوا؟! فهم يريدون من الله أن يميتهم ويبعثهم أمامهم حتى يؤمنوا بذلك. قوله: (إِنْ هَذَا) أي: الوعد والكلام، ((إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ))، والأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة: الكلام الخرافي المكتوب، أي: هذه خرافات قديمة كان يقولها السابقون، فهذا كله من أساطيرهم وخرافاتهم.
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين)
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين) قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [النمل:69] أي: كما أجرمتم أنتم انظروا إلى السابقين كيف أجرموا، وماذا كانت عقوبتهم، وكيف كانت عاقبتهم، فينظرون ويسيرون شمالاً وجنوباً، ففي الشمال يسيرون إلى أرض كان فيها ثمود قبل ذلك في حجر ثمود، وهم يعرفونه تماماً، ويسيرون إلى فلسطين، فيأتون إلى قرى قوم لوط وينظرون كيف صنع بهم؟! وكيف أهلكهم الله؟! وهم كانوا يعرفون ذلك، فالله عز وجل يقول: ((قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ))، أي: انظروا الذين كذبوا من قبلكم كيف صنعنا بهم، لقد توعدتهم رسلهم بعقوبة من عند الله وجاءتهم العقوبة والعذاب، وسيروا جنوباً وانظروا أين ذهب قوم عاد، لقد أهلكهم الله وأزالهم، فما ترى لهم من باقية. يقول سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء: امشوا، وسيروا في الأرض فانظروا واعتبروا، ((كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ))، والعاقبة: هي النتيجة، وهي ما يعقب الشيء، فهؤلاء أجرموا، فسيروا وانظروا كيف أهلكهم الله سبحانه وتعالى وجعلهم آية، وكيف كانت نتيجة إجرامهم. وقوله: ((الْمُجْرِمِينَ)) أي: المكذبين لرسلهم.
تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون)
تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) يقول الله تعالى: {وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} [النمل:70]. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ))؛ لأنه كان يحزن من إجرامهم، وكفرهم، وكان يود لو أنهم أسلموا، فكان حزنه شديداً صلوات الله وسلامه عليه، فالله سبحانه يصبره ويطمأنه، ويقول له: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [الكهف:6] {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء:3]، أي: لا تهلك نفسك عليهم، إنما عليك أن تبلغ، ولكن لا تحزن حتى تميت نفسك على هؤلاء، فهم لا يستحقون ذلك. قوله: ((وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)) فيها قراءات: قراءة الجمهور ((عَلَيْهِمْ)) بكسر الهاء، ويقرأها حمزة ويعقوب: (عليهُم) بضم الهاء. وقوله تعالى: ((وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) أي: لا يكن صدرك ضيقاً بسبب مكر هؤلاء. وفيها قراءات: قراءة الجمهور: (ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، وقراءة ابن كثير: (ضِيق) بكسرها، فإذا قرأها كلها يقول: (ولا تحزن عليهمُ ولا تكن في ضِيق مما يمكرون). فالله عز وجل يصبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا تحزن ولا يضق صدرك بما يمكر هؤلاء، فمهما مكر المستهزءون فنهايتهم إلى الله عز وجل ليجازيهم، وذلك في الآخرة أو أنه في الدنيا سيعاقبهم بعذاب من عنده، فيهلكهم كما أهلكهم في يوم بدر وغيرها، فلا تكن في ضيق من مكرهم واستهزائهم.
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون)
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون) قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:71]، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما قال لهم -يخوفهم بيوم القيامة-: اتقوا الله، وخافوا يوم الحساب، يقولون: متى يوم الحساب؟ إنك تتوعدنا به وبأنه قريب، ولكنا لا نرى مما تتوعدنا به شيئاً، وكيف تقول إن الله يقول: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل:1]، ولم يأت أمر الله هذا؟ إذاً: فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنهم يقولون لك: ((مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ))، وهم ينتظرون جواباً منه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل يقول جواباً على سؤالهم: {قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} [النمل:72]، أي: لماذا تستعجلون؟ فعسى أن يكون بعض ما تستعجلونه، وربما أتاكم ما توعدون قريباً وقد كان ذلك، فـ أبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم يوم بدر كانوا كلهم صرعى، فألقاهم المسلمون في قليب بدر، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على هذا القليب ينادي على هؤلاء الكفار: أن جاءكم ما توعدون. وقوله: ((قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ))، أي: قد اقترب منكم بعض الذي تستعجلون من العذاب، و (رَدِفَ) بمعنى: تبع أو أتبع، فكما يقولون: فلان رديف لفلان، أي: آت بعده، فالمعنى: أن الموت آت بعدكم مباشرة، فلا تستعجلوه.
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون)
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون) قال الله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} [النمل:73]، أي: أن نعم الله عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم لعله ضاق صدره من هؤلاء الكفار، ومن أذاهم له، فقال له الله عز وجل: ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ))، فلا تستعجل، لعل الله عز وجل يتفضل على بعض هؤلاء، فيؤمنوا ويدخلوا في دينك، وبالفعل فقد أسلم كثير من هؤلاء الكفار، سواء قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو بعد هجرته ثم هاجروا إليه، أو بعد ما فتحت مكة، وحسن إسلامهم، كـ أبي سفيان الذي كان شيخ قريش في الجاهلية، وكان من أشد الناس أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه. فربنا يقول: ((وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ))، فمن فضل الله عز وجل على الناس أن جعل درجات عالية في الجنة، لا ينالها الإنسان بعمله فقط، ومهما عمل فلن يصل إليه، ولكن الله يرفعه إليها بالابتلاء والصبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يصبرون، -والصبر لا يكون إلا على البلاء، أو الجهاد في سبيل الله سبحانه- فيرفعهم الله بهذا الصبر درجات. إن الله خلق العباد فمنهم كافر ومنهم مؤمن، وأفعال الله عز وجل كلها خير، خلق الكافر وهو شر، ولكن وجوده خير للمؤمن، ليدعوه إلى دين الإسلام، فإما أن يستجيب فيحصل على الأجر العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) أو أنه لا يستجيب، فيحارب ويقاتل المسلم فيقتل المسلم فيكون شهيداً، أو يغلب المسلم فيكون له الأجر عند الله والغنيمة، فكل أفعال الله عز وجل خير لو تفكر الإنسان. يقول الله سبحانه: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ))، أي: يتناسون نعم الله، وقد ذكرنا بهذه النعم في الآيات السابقة. قوله تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ)) أي: أكثر الناس، ((لا يَشْكُرُونَ))، نعم الله عز وجل عليهم.
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون)
تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [النمل:74]، أي: أن الله يعلم ما تكن صدور الناس، من إيمان، أو كفر، أو نفاق، أو مكر، أو استهزاءٍ، أو استهانة، أو تدبير يدبرونه، أو حب لله، أو بغض للمؤمنين. وقوله تعالى: ((وَمَا يُعْلِنُونَ)) أي: من أقوال وأفعال، فيجهرون بها.
تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين)
تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) ثم يقول الله سبحانه: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [النمل:75]، هذا أسلوب حصر وقصر، والمعنى: لا يمكن أن يفوت الله سبحانه وتعالى شيء في السموات ولا في الأرض، فكل شيء غاب عن الخلق في السموات والأرض فإن الله عز وجل يعلمه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، أو دقيقاً أو حقيراً أو عظيماً، فكله يعلمه الله سبحانه. وقوله تعالى: ((وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ)) أي: ما من شيء يغيب في السموات ولا في الأرض، وعبر عنها بكلمة: (غائبة) وكأنها صفة لمحذوف تقديره: (خصلة)، أو أي شيء غائب، فعبر عنه بذلك، والتقدير: ما من خصلة في السموات والأرض تغيب عن الخلق إلا والله عز وجل قد علمها، وأثبتها في كتاب مبين عنده. وقوله: (مُبِينٍ)، بمعنى: بين ظاهر، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، مكتوب فيه كل شيء، ويظهر يوم القيامة كل ما فيه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [76 - 81]
تفسير سورة النمل [76 - 81] يبين القرآن لأهل الكتاب أكثر ما يختلفون فيه، ففيه الهدى والرحمة لمن آمن به، ولكنهم لم ينتهوا عما هم عليه من الضلال، بل أعرضوا عن هذا الهدى وصدوا عنه، فمن كان أعمى فمن أين يرى؟ ومن كان أصم فكيف يسمع؟ فهم صم بكم عمي لا يعقلون.
تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل)
تفسير قوله تعالى: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل:76 - 81]. في هذه الآيات من سورة النمل يخبر الله سبحانه وتعالى فيها عن هذا القرآن العظيم، كيف أنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون، فهم يزعمون أنهم أهل التوراة، وأن عندهم علم عظيم من عند الله سبحانه، فالله يخبرهم أنهم مختلفون في هذا الذي جاءهم من عنده، فقد حرفوه وبدلوه وغيروه وكتموه وأخفوا بعضه، فجاء القرآن ليبين لهم ما هم فيه مختلفون، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]. فكان الواجب عليهم -وقد علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم رسول رب العالمين، وأنه نبي حق، وسمعوا ما جاء في القرآن مما هو عندهم، ولا يطلع عليه الكثيرون منهم- أن يتبعوا هذا القرآن، لكنهم اختلفوا فيما عندهم من العلم، فإذا بالله عز وجل يذكر حقيقة الشيء الذي حرفوه، وكيف كذبوا على الله وعلى رسله عليهم الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن بعض اليهود ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: نسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، فعندما يجيبهم يقولون له: صدقت -ويقبلون يده ورجله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لا يدخلون في دينه- فيقول: ما يمنعكم أن تتبعوني؟ فيقولون: نخاف من بني إسرائيل -أي: من يهود- أن يقتلوننا، وإن داود دعا ربه أنه لا يزال من ذريته نبي، فنحن ننتظر نبياً من ذريته، فهم في حقيقة أمرهم يخاف بعضهم من بعض، ويخافون أن يقتل بعضهم بعضاً، فطمعوا في الدنيا، وتركوا الآخرة، وأعرضوا عنها، فالله عز وجل فضحهم وأخبرهم في كتابه عما كانوا فيه يختلفون، وأنهم ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات، وأن اختلافهم سببه البغي فيما بينهم. إذاً: جاءهم العلم من رب العالمين، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، وكأن العلم الذي نزل من عند الله عليهم كالمطر، إذا نزل على أرض صالحة أخرج ما فيها من نبات طيب، وإذا نزل على أرض خبيثة لم تنتفع به، وإذا نزل على نبات مر أخرج ثماراً مرة، فهؤلاء جاءهم كتاب رب العالمين وعرفوا ما فيه، ولكن قلوبهم ملئت بالبغي والغل والحسد، فاختلفوا وقتل بعضهم بعضاً بغياً بينهم، فالله أخبر بما كانوا فيه يختلفون، وقال: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76]، وقد أطلع الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما كانوا يكيدون له، وما كانوا يقولونه فيه، كما أطلعه على بعض الأشياء التي حرفوها، ففضحهم أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جاءوا إليه برجل وامرأة قد زنيا، فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تجدون عندكم في التوراة؟ -وكانوا يخفون هذا الحكم- قالوا: نجد في كتابنا أن نسخم وجوههما، ونطوف بهما منكسين على حمار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أما تجدون الرجم عندكم؟ قالوا: لا -فكذبوا ومعهم التوراة وفيها الرجم- فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:93]، فأتوا بالتوراة، وإذا بالقارئ يقرؤها ويضع يده على آية الرجم ليخفيها، فقرأ الذي أمامها والذي خلفها، ولم يقرأ ما تحت يده، ثم قال: لا أجدها، فقال له أحد اليهود: ارفع يدك واقرأ ما تحتها، فرفع يده، وما استحيا من الله عز وجل، ومن الناس، فقرأ الآية التي كان يخفيها بيده). وهكذا كانوا يتعاملون مع توراتهم التي يقولون عنها: إن فيها علماً عظيماً، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يأمر برجم اليهوديين ويقول: (اللهم اشهد أني أول من أقام دينك بعد أن بدلوه)، ففضحهم ربهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وفي كتابه العزيز بأنهم اختلفوا {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة:213]، فقص عليهم القرآن {أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [النمل:76].
تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين) قال الله عز وجل عن القرآن: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [النمل:77]، فقوله: ((وَإِنَّهُ لَهُدًى)) أي: يهدي به الله عز وجل من يشاء من خلقه، وقوله: ((وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))، أي: أن القرآن يقرؤه المؤمن ويقرؤه المنافق، والذي ينتفع به هو المؤمن، أما المنافق فلا ينتفع به، فرحمة الله قريب من المحسنين، فمن أحسن في تلاوته وفي عمله أحسن الله إليه، ومن أساء وأعرض واتخذ القرآن لعباً ولهواً، أو اتخذه حرفة يتكسب بها، ولم ينظر إلى الدار الآخرة، فالله عز وجل يعرض عنه، ولا يجعل القرآن له هداية ولا رحمة؛ لأن هذا القرآن هدى ورحمة للمؤمنين، يهديهم إلى الصراط المستقيم، وإلى سبيل رب العالمين، ويرحمهم الله عز وجل به.
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه)
تفسير قوله تعالى: (إن ربك يقضي بينهم بحكمه) قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [النمل:78]، أي: بين بني إسرائيل وبين خلقه جميعاً، يقضي بينهم بحكمه يوم القيامة فيما اختلفوا فيه، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} [النمل:78]، فالله يحكم يوم القيامة، ولا معقب لحكمه، والإنسان في الدنيا إذا اختصم مع غيره فلعله يخيفه ويأخذ حقه منه، ولعله أمام الحاكم يأتي بشهود زور يشهدون له، أما يوم القيامة فالحساب عند رب العالمين سبحانه، والحكم بينهم للملك الحق العدل المبين. ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)) أي: وهو العزيز الغالب الذي لا يمانع، القادر القاهر، سبحانه وتعالى، فإذا جاءوا يوم القيامة فلا يتكلم أحد أمام رب العالمين، ويختم الله على أفواههم كما قال سبحانه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس:65]. فالله سبحانه ذكر أنه يقضي بحكمه، وكم من إنسان في الدنيا يصلح أن يحكم بين الناس، ولكن لا يقدر على ذلك لضعفه، فقد يعرف المسألة ويعرف الحق فيها، ولكنه يخاف أن يقوله؛ لكي لا يؤذيه أحد الخصمين، وكم من إنسان يحكم بين اثنين، فيحيف وينصر أحدهما على الآخر، وكأنه قريب منه؛ لأنه أدلى بحجة صحيحة في زعمه، وليست بحجة صحيحة، وهذا إن مضى وجاز على الناس، فلا يجوز على رب العالمين سبحانه وتعالى. فالإنسان يدلي بحجته يوم القيامة، ويأتي الضعيف فيقول: يا ربي سل هذا: فيم قتلي؟ أو فيم أكل مالي؟ أو فيم لطمني؟ أو فيم ظلمني؟ والله عز وجل يسأله: لم فعلت كذا؟ فلا يقدر أن يكذب، فتنطق جوارحه بالحق ويدين نفسه في يوم الجزاء ويوم الدين، قال الله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ} [النمل:78]، أما في الدنيا فيظهر الله الحق الذي أخفاه أهل الكتاب، ويأتي بالحق في كتابه ليحكم به بين الناس، وأما يوم القيامة فيؤاخذ الظالم ويعاقبه، فإما أن يدخله النار، وإما أن يأخذ من حسناته ويعطيها المظلوم، حتى يكتفي ويشعر أنه أخذ حقه وانتصر عليه، فقوله: ((وَهُوَ الْعَزِيزُ)) أي: الغالب، و ((الْعَلِيمُ))، الذي يقضي بعلمه وحكمه، والذي يعلم كل شيء، ما ظهر وما خفي، ويعلم السر وأخفى، فيقضي بينهم يوم القيامة بحكمه ((وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)).
تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين)
تفسير قوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين) ثم يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بقوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل:79]، والفاء هنا: عاطفة على ما قبل، والتقدير: إذا كان الأمر على ذلك {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [النمل:79]، أو بسبب ذلك توكل على الله سبحانه. ومعنى (توكل على الله): اعتمد عليه وفوض أمرك إليه، وهو ناصرك ومؤيدك سبحانه. {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل:79]، وكأنه يقول له: لأنك ((عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ))، أو فإنك ((عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ))، فلذلك ينبغي عليك أن تفوض أمرك إلى الله فهو وكيلك وناصرك، ومعنى ((إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ)) أي: على شريعة من عند ربك، والمبين أي: الواضح الظاهر الذي لا خفاء فيه، والذي عرف الجميع أنه الحق من عند رب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى)
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تسمع الموتى) ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل:80]، قوله: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى}، هذا هو الأصل، فالميت انحجب عن الدنيا، فلا يسمع شيئاً من أمورها، إلا ما يشاء الله عز وجل أن يسمعه إياه، كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه دفنوا ميتاً ثم تولوا عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليسمع قرع نعالهم)، فالميت حين يوضع في قبره، وينصرف عنه الناس، فإن الله عز وجل يسمعه أصوات انصرافهم، وبعد انصرافهم يصير وحيداً في قبره، وينقطع أمره عن الدنيا، فلا يسمع شيئاً، ولا يعرف شيئاً مما يدور فيها. إذاً: الأصل أن الموتى لا يسمعون، إلا أن يجعل الله عز وجل صوته يصل إليهم، كما حدث في يوم بدر، فقد جاء في حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، -أي: من عتات قريش وكفارهم، كـ أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم من كبار الكفار- كانوا قتلوا في يوم بدر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهم فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث -أي: في بئر من الآبار التي كانت موجودة في ذلك المكان، فلم يحفروا لهم قبوراً ولا غيره، ولكن رموهم في داخل بئر من الآبار- وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، -أي: إذا غلب قوماً وانتصر عليهم أقام بمكان القتال ثلاثة أيام صلوات الله وسلامه عليه- فلما كان ببدر في اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه -وهم لا يعرفون أين سيذهب صلى الله عليه وسلم- فقالوا: ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الركي- أي: جاء على حرف البئر- وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان! ويا فلان بن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ -أي: أيسركم الآن لو كنتم أطعتم الله ورسوله- فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فتعجب عمر وقال: يا رسول الله! أتكلم أجساداً لا أرواح لها؟! -أي: جثثاً مرمية لا تسمعك- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، بمعنى: أنهم يسمعونني الآن، وإن كانت العادة أنهم لا يسمعون، ولكن الله أسمعهم الآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الله عز وجل هنا في هذه الآية: {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل:80]. إذاً: الأصل أن الموتى لا يسمعون شيئاً من كلام أهل الدنيا، ولا مما فيها، إلا ما يشاء الله عز وجل أن يسمعهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أو كما أسمعهم انصراف الناس عنهم. يقول الله عز وجل: ((وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ))، الصم: جمع أصم، وهو الذي لا يسمع، فإذا ناديته ولى مدبراً عنك، فكأن هؤلاء المشركين كما قال الله عز وجل فيهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة:18]، وقال: {فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171]. فالأصم الذي لا يسمع، والأبكم الذي لا يتكلم، والأعمى الذي لا يرى، من المستحيل أن يحس أو يشعر بمن يناديه، فإذا ذهب فلا يمكن أن يعيده هذا النداء، وقلبه بيد الله عز وجل يقلبه كيف يشاء. فلذلك أخبر عن هؤلاء الكفار أنهم {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة:18]، إذا نودوا ليرجعوا لا يرجعون، وهم لا يعقلون، وكيف يعقلون وقد انقطعت عنهم حواسهم، وغاب عنهم شعورهم، يقول الله سبحانه: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} [النمل:80]، والكافر أشد من هذا الأصم الأبكم الأعمى، وإذا جاء الأصم الأبكم الأعمى يوم القيامة قال لربه: يا رب! لم أسمع ولم أعلم، وما جاءنا من عندك من نذير، فيرحمه الله سبحانه وتعالى، أما الكافر فلا يرحمه؛ لأنه كان ينظر ويسمع ويعي ويعقل، ومع ذلك أعرض عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان كالأعمى والأصم، فالله عز وجل يقول: ((إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى))، هؤلاء، ((وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ))، أي: لا تسمعهم، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (ولا يسمع الصم الدعاء) أي: أن الإنسان الأصم لا يسمع دعاءك إذا ناديته، وهذا الكافر كهذا الأصم الذي لا يسمع، فلا تسمعه دعاءك إلا أن يشاء الله، وقوله تعالى: ((إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ))، أي: أعرضوا عنك، ولم يريدوا أن يسمعوا لك، وكانوا إذا أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم استغشوا ثيابهم؛ كي لا يرونه، فكان الواحد منهم يضع أصبعه في أذنه ويغطي عينيه حتى لا يسمع كلامه صلى الله عليه وسلم ولا يراه، وهذا الذي فعله الكفار مع نوح، فقد شكا نوح لربه سبحانه أنه كلما دعاهم إلى الله عز وجل {جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:7]، وهذا حال الكفار والمنافقين أيضاً، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر وهو راكب على حمار بـ عبد الله بن أبي بن سلول فإذا بالرجل يستغشي بثوبه على وجهه ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم -وقد جاء مسلماً يدعوهم إلى الله- يا أيها الرجل! ما أحسن ما تقول إن كان ما تقول حقاً، ارجع إلى بيتك فمن أتاك منا فأخبره، أي: لا تكلمنا، واذهب إلى بيتك، والذي يأتي إليك يريد أن يسمع فكلمه. فهذا رده على النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أصم أعمى القلب، لا يفهم ولا يعقل، وظل على هذا العمى حتى أخذه الله عز وجل وهو على ذلك، وقد أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إساءات عظيمة، فكفر في قلبه وإن خالف بعد ذلك وأظهر الإسلام بلسانه، لكن قلبه ممتلئ بالغل والحقد على الإسلام دين رب العالمين. فالمقصود أن الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تقدر أن تسمع من أصمه الله سبحانه، وأذهب عقله، فلا يفهم ولا يعي.
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم)
تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) يقول الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ} [النمل:81]، فالنبي صلى الله عليه وسلم يهدي إلى صراط مستقيم، بمعنى: يدل، أما أن يأخذ الإنسان ويحوله من دين إلى دين فلا يقدر. ومعنى قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، أي: أنت -يا محمد- تدل وتبين، و {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، أي: لا تقدر أن تحوله إلى الإسلام، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدر على ذلك لحول عمه أبا طالب الذي دافع عنه وعن الإسلام دفاعاً عظيماً، ومع ذلك أبى إلا أن يموت كافراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يحاول أن يدعوه ويدخله في الدين، والله يقول له: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، كذلك الآية هنا: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} [النمل:81]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة: (وما أنت تهدي العميَ عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون) أي: الذي يسمع فينتفع، وإلا فالكل يسمع، ولكن الذي يسمع فينتفع هو الذي يؤمن بكتاب رب العالمين، ويسلم نفسه ويوجه وجهه إليه سبحانه. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل الآية [82]
تفسير سورة النمل الآية [82] يخبر الله تعالى عن الدابة التي ستخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، وهذه الدابة عندما تخرج تكلم الناس وتخاطبهم بأن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، ثم تسم الناس على جباههم وعلى أنوفهم، فمن كان مؤمناً كتبت على جبهته أنه مؤمن، ومن كان كافراً كتبت على جبهته أنه كافر، حينها لا ينفع نفساً إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل، فكل يعرف نفسه هل هو من أهل الجنة أم من أهل النار.
تفسير قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم)
تفسير قوله تعالى: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]. يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية من سورة النمل أنه إذا جاء أمر الله سبحانه ووقع القول على الخلق، والقول هو حكم الله وقضاء الله وقدره سبحانه، وغضب الله سبحانه وتعالى، فإذا كان أكثر أهل الأرض من المجرمين الكافرين نزل عليهم غضب الله سبحانه واستحقوا العذاب واستحقوا العقوبة. وقالوا أيضاً في قوله تعالى: (إذا وقع القول عليهم) أي: حق عليهم القول من الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، ولا يأتي بعد ذلك إلا الكفار والفجار، فيستحقون غضب الله سبحانه وتعالى عليهم، كما أخبر عن قوم نوح أن نوحاً قال لربه سبحانه وتعالى مستغيثاً ومستجيراً به: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح:5 - 7]، فأخبر عن قومه أنهم كفار مجرمون مستكبرون، فأوحى إليه ربه فقال: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود:36]، فإذا كان الأمر أن الإيمان وقف على ذلك، أن هؤلاء مؤمنون والباقي كلهم كفار، ولن يأتي مؤمنون بعد ذلك، فعلى ذلك يستحق هؤلاء الكفار عقوبة رب العالمين سبحانه. ثم قال: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود:36]، أي: لا تحزن على هؤلاء، فستأتيهم المصائب وسيأتيهم العقاب من الله سبحانه.
أقوال الصحابة في معنى قوله (وإذا وقع القول عليهم)
أقوال الصحابة في معنى قوله (وإذا وقع القول عليهم) كذلك هنا قوله: (وإذا وقع القول عليهم)، يقول أبو سعيد الخدري وابن عمر رضي الله عنهما: (إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وجب السخط عليهم) أي: يستحقون سخط الله إذا كانوا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر. ويقول ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: ((وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)) قال: يكون بموت العلماء وذهاب العلم ورفع القرآن، فهذا يكون يوماً من الأيام أن الله عز وجل بعدما ينتشر الدين ويعم الأرض كلها يقبضه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك، ويقول ابن مسعود: (أكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال رضي الله عنه: يسرى عليه ليلة فيصبحون منه قفرة)، نسأل الله العفو والعافية، يعني: إذا صار من يحفظ القرآن يحفظه للدنيا ليس للدين استحقوا ذلك، وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر قراء أمتي منافقوها). فإذا كان حفاظ القرآن من المنافقين استحقوا ذلك، وإلا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبضه بقبض العلماء)، أي: الصالحون من أهل العلم الذين يعملون بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أن الله لا ينزع العلم من قلوبهم، ولكن يقبضهم هم، أما أهل الفسق وأهل النفاق، فالله يأخذ من صدورهم كتابه سبحانه وتعالى كما أخبر هنا. ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: (يسرى عليه ليلة فيصبحون منه قفرة، وينسون لا إله إلا الله)، فسيصل الأمر إلى أن الناس ينسون لا إله إلا الله، وهذا الذي جاء فيه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، يعني: يصبح الناس يتهارجون كتهارج الحمر، ويستباح الزنا في الطرقات، فالله عز وجل يقبض الصالحين وتقوم الساعة على شرار الخلق وهم على ذلك. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: (ينسون لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم؛ وذلك حين يقع القول عليهم) يعني: إذا وقع القول عليهم إذا بالله سبحانه وتعالى يأخذ منهم كتابه فيصيرون بغير كتاب فينسون. ويقول أيضاً ابن مسعود رضي الله عنه: (أكثروا من زيارة هذا البيت، من قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه) يعني: حتى الكعبة، وجاء في حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنها تهدم، يهدمها ذو السويقتين من الحبشة)، رجل من الحبشة يأتي للكعبة محارباً فيهدم الكعبة، فإذا هُدمت لا تقام مرة ثانية، فينسى الناس مكانها لتقادم الزمان بهم، ويرفع منهم القرآن، وينسون العلم. في هذا الحين يحق عليهم قول الله عز وجل، فتأتي العلامات الكبرى للساعة، ومن العلامات الكبرى: خروج الدابة التي ذكرها الله عز وجل في الآية.
معنى حديث: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب)
معنى حديث: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب) جاء في حديث رواه ابن ماجة عن ربعي بن حراش عن حذيفة رضي الله عنه، والحديث صححه الألباني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب). قوله: (يدرس) من درس الشيء بمعنى: قدم وبلي وخلق وانمحى وزال، وهنا: يدرس القرآن بمعنى: ينمحي، مثل الثوب، فالثوب يكون جديداً ويكون لونه ظاهراً جيداً، فتأتي عليه الشمس تحيله إلى شيء آخر ويصير خلقاً بالياً قديماً، ثم يتمزق فهنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: أن الإسلام سيأتي عليه زمان يكون هذا حاله، يدرس كما يدرس وشي الثوب، حينها تقوم الساعة على هؤلاء الذين يدرس عليهم الإسلام، ولا يكون ذلك إلا في نهاية الزمان، بعد أن ينزل المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ويعم العدل في الأرض ويحكم بالإسلام، ولا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا ودخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله عز وجل به الإسلام، وذلاً يذل الله عز وجل به الكفر وأهله. بعد ذلك يرجع الناس مرة ثانية إلى أخلاقهم السيئة، ثم يكونون شرار الخلق، ثم تقوم الساعة على هؤلاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها)، يعني: يصل الأمر أنهم لا يعرفون أي شيء عن الإسلام، إلا أن العجائز والشيوخ الكبار يذكرون كلمة لا إله إلا الله فقط، لا ما يعرفون شيئاً آخر غير هذه الكلمة. قال أحد الرواة واسمه صلة، قال: (ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟) -يعني: إذا كان وصل الأمر أنهم لا يعرفوا شيئاً عن الدين، فماذا تغني عنهم لا إله إلا الله؟! (فأعرض عنه حذيفة - وكأن سؤاله ليس له وجه- فكرر عليه السؤال ثانياً وثالثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار، يا صلة! تنجيهم من النار، تنجيهم من النار). فأخبر أنهم معذورون في هذا الحين، لأنه رفع منهم القرآن، وأخذ منهم العلم، ولم يبق معهم علماء، فتمسكوا بآخر شيء عندهم كلمة لا إله إلا الله، فهم لا يعرفون غيرها، فتنفعهم هذه الكلمة، وتنجيهم من النار. يقول الله سبحانه: ((وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)) يعني: استحقوا غضب الله واستحقوا عذاب الله سبحانه وتعالى، الذي قال فيه: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13]، فإذا وجب عليهم هذا القول بكونهم شراراً، إذا بالله يخرج لهم آية من الآيات الكبرى للساعة، والساعة قبلها علامات وآيات، وقد عدها النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات تكون قبل قيام الساعة، من هذه الآيات طلوع الشمس من مغربها، ومن هذه الآيات خروج المسيح الدجال، ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ليحكم بين الناس بالإسلام، وقيل: المسيح الدجال. ومن هذه الآيات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم: نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى محشرهم. ومنها أيضاً: ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب وهكذا.
ذكر خروج الدابة وحقيقتها وعملها
ذكر خروج الدابة وحقيقتها وعملها ومن الآيات: خروج الدابة وكلامها للناس، فيا ترى ما هي هذه الدابة؟ لم يوضح لنا في هذه الآية، إلا أنها دابة تخرج وتكلم الناس، فتكون آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وهي آية عظيمة، ستكلم الناس بماذا؟ {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]. فإذا كذب الناس بآيات الله سبحانه وتعالى كذبوا بالقرآن، وكذبوا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكذبوا بالأحكام الشرعية، فتخرج عليهم هذه الآية وتكلمهم كأنها تأتي لعقاب من يشاء الله سبحانه؛ بسبب أنهم كانوا لا يؤمنون بآيات الله سبحانه. هذه الدابة تأتي فتختم الناس على وجوههم، المؤمن تختم عليه بأنه مؤمن، والكافر تختم عليه بأنه كافر، ولا يستطيع إنسان أن يهرب منها ولا يقدر أن يهرب منها. هذه الدابة تخرج على الناس وتكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. وقد جاء في الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم قال: (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها)، أي: ثلاث من أكبر وأعظم الآيات، إذا خرجت هذه الآيات لا ينفع بعدها الإيمان، فهذه الآيات الثلاث يقول فيها صلى الله عليه وسلم: (لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)، وكأن الدابة من آخر ما يكون، وأما الدجال: فإنه يخرج على الناس كما جاء في حديث طويل للنبي صلى الله عليه وسلم ويزعم أنه إله، ويتبعه اليهود والمنافقون، ويتبعه من شاء الله سبحانه، وينزل المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيقتل الدجال، ويعم العدل بعد ذلك في الأرض، فإذا عم العدل بعد ذلك أخذ القرآن من الناس على ما يشاء الله سبحانه وتعالى، ثم تخرج هذه الدابة تكلم الناس، وتطبع على هذا بأنه كافر وعلى هذا بأنه مؤمن، حتى إن الناس ليصبحون يتكلمون بذلك، المؤمن يقول للكافر: يا كافر! بعني كذا وكذا، والكافر يقول للمؤمن: يا مؤمن! بعني كذا وكذا، عندها يعرف كل شخص، الكافر يعرف أنه كافر فلا ينفعه إيمانه، والآخر يعرف أنه مؤمن، والله عز وجل يحفظه بإيمانه. وفي حديث يرويه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي أمامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم)، قوله: (فتسم): من الوسم، وهو: العلامة، وخراطيم الناس هي الأنوف، بمعنى: الأنف، يعني: فتسم على الجبهة وتسم على أنف الإنسان وتضع علامة عليه، قال: (ثم يعمرون فيكم) يعني: يظلوا على هذه الحال، هذا مكتوب على جبينه أنه مؤمن، وذاك مكتوب عليه أنه كافر، ويبقون فترة، قال: (ثم يعمرون فيكم، حتى يشتري الرجل البعير، فيقال: ممن اشتريته؟ فيقول: من أحد المخطمين)، يعني: المكتوب على خطمه أنه كافر أو أنه مؤمن.
حديث الجساسة وعلاقته بالدابة
حديث الجساسة وعلاقته بالدابة جاء في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيه هذه الدابة، قال بعض العلماء: هي الجساسة التي جاءت في صحيح مسلم في حديث طويل عن فاطمة بنت قيس قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس، فخرج المنادي يقول: الصلاة جامعة، الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقيمت الصلاة فصلى بالناس صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته جلس على المنبر وهو يضحك عليه الصلاة والسلام، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أتدرون لِمَ جمعتكم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة -يعني: ما جمعتكم حتى آتي لكم بموعظة أرهبكم بها أو أرغبكم في شيء- ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن المسيح الدجال). يعني: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يحدث الصحابة عن الدجال وأخبر عن صفات الدجال وأخبرهم عما يكون من علامات قبل الساعة، فجاء تميم وحدث النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الشيء الذي حدث به أصحابه، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يسمعوا ما قاله تميم ليزدادوا يقيناً فوق يقينهم رضوان الله تعالى عنهم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حدثني: أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، - يعني: القوارب التي تكون في جوف السفينة- فركبوا هذه الأقرب ودخلوا إلى الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب) قال العلماء: هذه هي الدابة التي تخرج يوماً من الأيام على الناس، إذاً: فهي مخلوقة موجودة كما أن المسيح الدجال مخلوق وموجود الآن، ويخرج على الناس يوماً. يقول صلى الله عليه وسلم: (فلقيتهم دابة أهلب - يعني: كثيرة الشعر- لا يدرون ما قبله من دبره) يعني: لا يعرفون الوجه من الظهر لكثرة الشعر الذي عليه، ففزعوا من منظرها يقول: (قالوا: ويلك؟ ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق -يعني: اتركوني واذهبوا إلى هذا الذي ينتظركم في هذا الدير- قالوا: فلما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط، خلقاً، وأشده وثاقاً -يعني: رأوا منظر إنسان ما رأوا مثله قبل هذا، منظره عظيم جداً، وكان طويلاً عريضاً مكتفاً تكتيفاً شديداً جداً- مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني من أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة -هذه هي الدابة التي جاء ذكرها في القرآن، والله أعلم- قال: قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ -يسألهم عن مواضع في بلاد العرب والشام هل ما زالت موجودة، أو أنها انمحت؟ وكأن علامة خروج هذا الإنسان وفك قيده ما يسأل عنه في هذا الحديث- فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قال: قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك ألا يثمر، قال: أخبروني عن بحيرة طبرية؟ -بحيرة طبرية في فلسطين- قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قال: قلنا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر -بحيرة هنالك-؟ قالوا: عن أي شيء تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قال: قلنا: نعم، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأميين -صلوات الله وسلامه عليه، وهؤلاء كانوا نصارى، فيسألهم الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم- ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ قال: فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، فكان هذا سبب إسلام تميم الداري رضي الله عنه- قال الرجل: وإني مخبركم عني، قال: أنا المسيح)، وما قال: المسيح الدجال، ولكن قال: أنا المسيح، فهو المسيح الدجال ولكن ما ذكر عن نفسه أنه الكذاب الدجال؛ ولذلك لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك ضحك وأخبر أنه الدجال، قال: (وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة -يعني: مدة مكثه على الأرض أربعين ليلة) ولكن منها اليوم كيوم، واليوم كشهر، واليوم كسنة- (غير مكة وطيبة فهما محرمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة منهما استقبلني ملك بيده سيف صلت يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها). ففيه: أن المسيح الدجال لا يقدر على دخول مكة والمدينة، قال الذي روى الحديث: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طعن بمخصرته في المنبر وقال: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم أخبرتنا، فازدادوا يقيناً بما قال صلى الله عليه وسلم، قال: فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه، وعن المدينة ومكة أن المسيح الدجال لا يقدر أن يدخلها، ألا إنه في بحر الشام أو في بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو) يعني: أن المسيح الدجال سيخرج من ناحية المشرق، والنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ويخبر عن شرق المدينة الذي يخرج منه المسيح الدجال، قالت فاطمة بنت قيس: (فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم). فالغرض: أنهم ذكروا الجساسة التي رأوها مع الدجال وهي هذه الدابة التي تخرج يوماً من الأيام تكلم الناس بأن الناس كانوا بآيات الله عز وجل لا يوقنون. نسأل الله العفو والعافية والتثبيت في الدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [82 - 87]
تفسير سورة النمل [82 - 87] من علامات الساعة الكبرى: خروج دابة من الأرض تكلم الناس أنهم كانوا لا يوقنون بآيات الله الكونية والشرعية، وتختم على جباههم بوصف كل واحد منهم، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر، ولا تنفع التوبة بعد خروجها، ثم بعدها تقوم الساعة فينفخ في الصور نفخة الصعق، ثم نفخة البعث.
تابع تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم)
تابع تفسير قوله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل:82 - 86]. يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من آخر سورة النمل أنه إذا وقع القول على العباد أي: وجب عليهم غضب الله سبحانه وحق عليهم العذاب وأنهم لا يؤمنون: {أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]، يخرج الله عز وجل لعباده دابة من الأرض، قالوا: تخرج من جبل الصفا، وهذه الدابة تخرج ثلاث خرجات: خرجة يراها الناس ولا يدركونها ثم تختفي، وتخرج مرة أخرى ثم تختفي، وتخرج مرة ثالثة فتختم الناس على جباههم، هذا مؤمن وهذا كافر، وستكلم الناس هذه الدابة، وتطبع على جباههم، وقد كانوا قبل ذلك يتمكنون من العمل الصالح ومن الإيمان، وبعد خروجها يقف الأمر على ذلك، فالله عز وجل أخبر أنهم حق عليهم القول أنهم لا يؤمنون، فلا يؤمن أحد بعد هذه الآية. وقوله: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ} [النمل:82]، هذه قراءة الكوفيين ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها: (إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، فعلى هذه القراءة يكون المعنى: حقت على الناس كلمة العذاب، وحقت عليهم العقوبة، وأخرج الله عز وجل لهم هذه الآية العظيمة تكلمهم، وتطبع عليهم هذا كافر وهذا مؤمن؛ بسبب إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، وهذه قراءة الجمهور: نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر، وكأن الدابة تقول لهم: إن الناس كانوا بآيات الله عز وجل لا يستيقنون، وكانوا يكذبون ولا يوقنون.
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجا)
تفسير قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل أمة فوجاً) قال الله سبحانه: {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83]، هنا ذكر الله يوم القيامة، فبعد أن ذكر علامة من العلامات الكبرى للساعة التي لا ينفع الناس الإيمان بعد ظهورها يقول: اذكر يوم القيامة يوم الحشر، والحشر: الجمع والضم، فيخرج الناس من القبور ويساقون إلى موضع حسابهم إلى عرصات القيامة. {وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83]، أي: يضمون ويوقف أولهم حتى يلحق بهم آخرهم، ويضم بعضهم إلى بعض، ويحشرهم الله سبحانه فوجاً وراء فوج، وكأنها أفواج بعضها وراء بعض، يحشرهم الله سبحانه جماعات زمراً. {مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا} [النمل:83] يعني: الذي كذبوا بآيات الله سبحانه وبالعلامات التي جعلها لهم آيات على أن الله يستحق العبادة وحده، وكذبوا بآيات القرآن العظيم وما جاء على لسان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبالدلالات الدالة على الحق. {فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل:83]، أي: يدفعون ويساقون إلى المحشر إلى موضع الحساب، فهم يوزعون فيرد آخرهم على أولهم وأولهم على آخرهم.
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي)
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي) قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84]، أي: إذا وصلوا لمكان حسابهم، حيث يجمعون للحساب ويتركون في موقف عظيم خمسين ألف سنة، وتدنو الشمس من رءوسهم، وهم لا يدرون ما يصنعون ولا ما يصنع بهم، فيقول بعضهم لبعض: من يشفع لنا ليقضي الله عز وجل بيننا؟ فيذهبون إلى آدم فيقول: اذهبوا إلى نوح، وهكذا حتى يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها أنا لها)، فهنا يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه في هذا الموقف يقول للكافرين: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي} [النمل:84]، يعني: التي أنزلت على رسلي والآيات التي أقمتها دالة على توحيدي؟ {وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} [النمل:84]، يعني: كيف تكذبون بها ولم تحيطوا بها علماً؟! والإنسان يعلم بعض الأشياء، ولا يحيط علماً بالشيء، قال الله: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255]. فأي شيء من مخلوقات الله عز وجل قد يعرف الإنسان اسمه، وقد يعرف وصفه، وقد يعرف الفرق بينه وبين غيره، لكن لا يحيط علماً به ويقول: أنا عندي علم إحاطة بهذا الشيء، فمن المستحيل أن يصل الإنسان إلى ذلك، وكلما كثر علمه عرف جهله بأشياء كثيرة، وكلما قال: وصلت إلى شيء، وجد نفسه يجهل أشياء كثيرة في الشيء نفسه الذي وصل إليه. فالله عز وجل يقول للخلق يوم القيامة: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا} [النمل:84]، يعني: لم تعرفوها حق المعرفة ولم تدركوها على يقين حقيقتها، ولم تحيطوا بالأشياء علماً، ولم تحيطوا بالآيات علماً، فكيف كذبتم هذه الآيات التي أنزلتها على الرسول صلى الله عليه وسلم؟ {أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84] ماذا كنتم تعملون في الدنيا؟ تقريع وتوبيخ، أي: ماذا كنتم تعملون في هذه الدنيا حين لم تبحثوا عن هذه الآيات ولم تتفكروا فيها؟ وكأنه يوبخهم أن أمضوا أعمارهم في تضييع في عبث في لهو في تكذيب، ولم يحاولوا أن يفهموا ما جاء عن الله عز وجل وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله أعطاهم في كل شيء آية، فإذا بهم ينصرفون عن هذه الآيات، وبدلاً من أن يعبدوا الله سبحانه إذا بهم يكذبون ويضيعون الأعمار في التكذيب والرد على الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لذلك يقول لهم: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84]. ماذا كنتم تعملون في الدنيا؟ فقد تركنا لكم أعماراً في هذه الدنيا طويلة، فما الذي صنعتموه في أعماركم الطويلة غير التكذيب والإعراض عن الله عز وجل والهزل واللعب واللهو والعبث في الدنيا؟
تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا)
تفسير قوله تعالى: (ووقع القول عليهم بما ظلموا) قال الله: {وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنطِقُونَ} [النمل:85]، أي: حق عليهم العذاب، حق عليهم قول الله عز وجل: {لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود:119]، فوقع عليهم العذاب يوم القيامة {بِمَا ظَلَمُوا} [النمل:85] أي: بسبب ظلمهم، فهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، فوجب عليهم العذاب بشركهم. قال: {فَهُمْ لا يَنطِقُونَ} [النمل:85]، الله يسألهم ويوبخهم وهم لا يجيبون ولا يعرفون كيف يردون على ربهم سبحانه، فلا عذر لهم ولا حجة معهم، فهم لا ينطقون، ثم يختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم بما كانوا يعملون.
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه)
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه) يقول الله عز وجل مذكراً بآية من آياته سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل:86]، هذه آية من آيات الله، وقد ذكر آيات كثيرات من آياته سبحانه حين قال: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل:59]، ثم عدد نعمه وآياته على عباده سبحانه وتعالى، ثم هنا لما قال لعباده: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84]، أي: ماذا كنتم تعملون في الدنيا غير التكذيب؟ فلم تتفكروا في آيات الله عز وجل التي ترونها كل يوم وكل ليلة، قال: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} [النمل:86]، أي: جعلنا لكم الليل تنامون فيه، ولو جعلنا عليكم النهار سرمداً ما أطقتم ذلك ولتعبتم ولهلكتم، ولكن جعلنا لكم ليلاً للنوم والراحة تسكنون فيه، ونهاراً مبصراً لمعاشكم، فالله يقلب الليل والنهار، ويجعل هذا مظلماً وهذا مضيئاً، ويجعل هذا بارداً وهذا حاراً، ويقلبكم بين الليل والنهار، فلم لا تتفكرون في عمركم كله في الذي جعل لكم الليل وسخر لكم الشمس والقمر دائبين؟! لم تتفكروا في ذلك فماذا كنتم تعملون؟ كل عمرك تلعب وتلهو، وفي هذا الامتحان الأعظم بين يدي الله سبحانه وتعالى يسألك: {أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:84]، عشت خمسين أو ستين سنة، فما فعلت في هذه الدنيا غير التكذيب؟! قال سبحانه: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ} [النمل:86]، جعلناه سكناً يستقرون وينامون فيه، ويهدءون ويستريحون فيه، وجعلنا النهار مبصراً أي: يبصر الإنسان فيه، ويسعى لطلب رزقه في النهار. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النمل:86]، دلالات دالة على قدرة الله سبحانه وعلى رحمته بعباده، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا المؤمنين {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]، فالعالم المؤمن يخاف من الله، ويتقي الله سبحانه، ويعلم أنه إليه راجع، فيؤمنون بالله مصدقين بآياته.
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) ثم يذكرنا الله سبحانه وتعالى بيوم القيامة فيقول: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل:87] أي: اذكر ذلك، وفي الزمر قال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر:68]، وهما النفختان: نفخة الموت، ونفخة النشور. قال سبحانه: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [النمل:87] (ويوم) منصوبة مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر أو اذكروا يوم ينفخ في الصور. والصور: القرن أو البوق مثل الزمارة، وهو بوق عظيم جداً خلقه الله عز وجل، وخلق له ملكاً موكلاً به، وهو إسرافيل ينفخ في الصور حين يأمره الله سبحانه وتعالى. روى الإمام الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ فقال: قرن ينفخ فيه). وروى الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ؟!)، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو محسن لا يسيء، والذي عصمه الله سبحانه وتعالى فلا يقع في كبيرة ولا في صغيرة عليه الصلاة والسلام، هذا النبي الذي قال له ربه: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح:2]، ومع هذا يقول: (كيف أنعم) أي: كيف أتلذذ وأتنعم بهذه الدنيا، وأنا أعلم أن الملك قد أخذ الصور ينتظر أمر الله سبحانه وتعالى؟! فالأمر عظيم جداً، والساعة قريبة، فمنذ خلق الله عز وجل الملك إسرافيل وخلق الله عز وجل له هذا البوق لينفخ فيه؛ وهو مستعد لينفخ فيه حين يأمره الله عز وجل. وجاءت في حديث لفظه: (إنه لا يطرف)، أي: يطرف جفناه خوفاً من أنه إذا أغمض عينيه يأتي أمر الله عز وجل، فهو مستعد للنفخ في الصور بإذن الله رب العالمين، وقد ثقل ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا). فليكثر المسلم من قول ذلك، وليتذكر ذلك، وأنه وإن غفل فليس الله غافلاً عنه، وأنه إن عاش في الدنيا ما بدا له فهو إلى موت وإلى قيامة وإلى حساب بين يدي الله عز وجل. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة، فإذا أنا بموسى متعلق بالعرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور). وقد جاءت الأحاديث بأن هذه النفخة تكون يوم جمعة، وأن بين النفختين أربعين، ففي سنن أبي داود والنسائي من حديث أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة). فيوم الجمعة فضل بأن خلق الله فيه آدم، وفيه مات عليه الصلاة والسلام، وفيه الصعقة حين يموت الخلق. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بين النفختين أربعون)، ولم يحدد هل هي أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، فالرواة سألوا أبا هريرة فقالوا: أربعون يوماً؟ قال: أبيت، يعني: إني لا أتكلم إلا بما أعلم، فلم يخبرني النبي صلى الله عليه وسلم، هل هي أربعون يوماً أو غيرها، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، ثم قال: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، منه يركب الخلق). فالإنسان إذا مات يتحول كله إلى تراب إلا عجب الذنب، وهو آخر العمود الفقري، والمكان الذي يكون منه ذيل الحيوان، هذا المكان الذي في الإنسان لا يبلى، ويخفيها الله عز وجل بما يشاء، ولا تأكلها الأرض. والذين يحرقون الجثث في بعض بلاد الكفار حين يموت الميت، يتعجبون من أن الجثة كلها تحترق إلا هذه العظمة التي في آخر الإنسان فإنها لا تحترق فيدفنونها أو يلقونها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في هذا الحديث، وأن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، والمعنى: أن الإنسان يكون مثل النبات، فالنبات ينبت من حبة صغيرة حتى يكون شجرة كبيرة، وكذلك الإنسان ينبت يوم القيامة من عجب الذنب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل الآية [87]
تفسير سورة النمل الآية [87] ذكر الله تعالى في كتابه وفي سنة نبيه كيف يكون بعث الناس، فبين أنه إذا حان قيام الساعة أمر إسرافيل بالنفخ في الصور -وهو القرن- نفختين: الأولى يموت بها من كان على ظهر الأرض من شرار الخلق، ثم يكون بينها وبين النفخة الثانية أربعين، ثم يؤمر بالنفخة الثانية بعد أن ينزل مطر كالطل تنبت به أجساد الموتى، فإذا نفخت هذه النفخة رجعت الأرواح في الأجساد، وقام الناس لرب العالمين.
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل:87]. يذكرنا الله سبحانه وتعالى بيوم القيامة، وما يكون فيه من أهوال، وما يكون فيه من فزع الخلق، يوم أن ينفخ في الصور نفخة الصعق فيصعق الناس جميعاً. ثم تكون النفخة الأخرى بعد أربعين كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ندري أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة، فبين النفختين أربعون. نفخة القيام للقاء رب العالمين، وللجزاء وللحساب. فالنفخة الأولى: يصعق فيها الخلق جميعهم، فيموتون. والنفخة الثانية: يبعثون. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصور وقال عنه: (إنه قرن ينفخ فيه) أي: بوق ينفخ فيه الملك الموكل بالصور، وهو إسرافيل عليه السلام. فمنذ خلقه الله سبحانه أعطاه هذا البوق؛ لينفخ فيه حين يأمر الله سبحانه بموت الخلائق جميعهم، ثم بإحيائهم بعد ذلك. وفي حديث آخر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب القرن -يعني: إسرافيل- قد التقم القرن واستمع الإذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ). وذكر في حديث آخر: (أن بين النفختين أربعين) وراوي الحديث أبو هريرة لما سئل ما الأربعون؟ أهي أربعون يوماً؟ أم شهراً أم سنة؟ قال: أبيت، يعني: أبيت أن أتكلم فيما ليس لي به علم، وإنما هكذا سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم. فبالنفخة الأولى يصعق الخلق بعد ما يرون علامات القيامة الكبرى التي جاءت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يأمر الله عز وجل فينفخ في الصور، فيبعث الخلق مرةً ثانية. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج الدجال فيمكث في أمتي، أو فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً، فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة). ذكر هنا من علامات الساعة: خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام. وقد ذكرنا قصة تميم الداري، وكيف أنهم رأوا المسيح الدجال في جزيرة من الجزر موثقةً يداه إلى عنقه بالحديد، وكذلك من ركبتيه إلى عقبيه موثق بالحديد. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم نزول عيسى بن مريم من السماء إلى الأرض كما رفعه الله سبحانه وتعالى قبل ذلك. وشبهه برجل من أصحابه اسمه: عروة بن مسعود، فيطلب الدجال فيقتله. ثم قال: (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة). فهذه سنين العدل الذي ينتشر فيها الإسلام، ولا يقبل غير الإسلام، فتوضع الجزية؛ لأنه لا يوجد من يدفع الجزية، فكل الناس مسلمون، ويكسر الصليب الذي عبده النصارى وقدسوه، فلا تقوم لهم قائمة بعد ذلك. ويهدي الله عز وجل الخلق وينزع من قلوبهم الغل والحقد هذه الفترة. ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته). فبعد السبع السنين التي يكون فيها المسيح عليه الصلاة والسلام على الأرض، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون، ثم بعد ذلك يقبض الله عز وجل المؤمنين الذين على وجه الأرض بريح طيبة وهؤلاء قامت عليهم ساعتهم، وليست هذه القيامة الكبرى؛ لأن القيامة الكبرى لا تقوم إلا على شرار الخلق. فتأتيهم هذه الربح الطيبة من ناحية الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير، أو إيمان إلا قبضته (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه) قال عبد الله بن عمرو: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع) يعني: غاية في التفاهة، وغاية في التهور والاندفاع، لا عقل عندهم، بل فيهم خفة كخفة الطير، والطائر لا يثبت في مكان، وهؤلاء لا يثبتون على دين متقلبون متهورون، وفيهم أحلام السباع، وأحلام السباع أن تنهش وتأكل وتنام، كذلك هؤلاء في خفة الطير وأحلام السباع. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً). إذاً: فهنا رفع منهم العلم والإيمان، وبقي هؤلاء الأشرار لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً. فيتمثل لهم الشيطان في صورة أحدهم فيقول: (ألا تستجيبون؟) -يدعوهم إلى عبادته- فيقولون: (فما تأمرنا)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيأمرهم بعبادة الأوثان). إذاً: يرجعون مرةً أخرى إلى الجاهلية، وإلى الكفر بالله سبحانه، وإلى عبادة الأصنام من دون الله، وهم في ذلك كثير رزقهم، حسن عيشهم، وهذه فتنة من الله سبحانه، يعبدون غيره والله يعطيهم الرزق الوفير، ويحسن لهم معيشتهم تحسيناً عظيماً فتنةً وابتلاءً، قال تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران:178] فالله عز وجل يملي، قال: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:183]. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ينفخ في الصور) فهؤلاء قبضهم الله على شر ما يكون الخلق، في خفة الطير، وأحلام السباع، وفي غاية الرزق الحسن وفي غفلة عن الله، وفجأة يأمر الله عز وجل بالنفخ في الصور، قال صلى الله عليه وسلم: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا) يعني: أنهم سمعوا صوتاً كأنها زمارة آتية من بعيد، فكل ما سمعه إنسان أمال عنقه وحول أذنه تجاه الصوت فيسمعه كل إنسان على هذه الهيئة. قال صلى الله عليه وسلم: (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله) أي: أول واحد يسمع النفخ في الصور رجل يصلح البئر الذي يشرب منه الإبل بالطين فيصعق. ثم قال: (ويصعق الناس ثم يرسل الله عز وجل، أو قال: ينزل الله مطراً) فهذه نفخة الصور كما قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ} [الزمر:68]، إذاً: جاءتهم الصاعقة مما سمعوه، فاخترق هذا الذي سمعوه آذانهم فقضى عليهم وهم مقيمون على كفرهم، وشرهم، وفيما هم فيه، ولا يستطيع أحدهم عمل شيء حين ذاك، فلذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الرجلين يتبايعان على الثوب فيمدانه ولا يتمكنان من طيه ولا نشره) بمعنى: أن كل واحد يمد من جانبه، فتأتي عليهم هذه النفخة فيصعق الجميع فلا يتمكنون من توبة إلى الله، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم حين يحدثنا بذلك يقول: توبوا إلى الله عز وجل قبل أن ينفخ في الصور، وقبل أن تأتي الساعة وإن لم تكن الساعة الكبرى فساعة أحدنا موته، والموت أقرب لأحدنا من جبينه، وأقرب من حبل وريده. فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا بما يسوقه لنا من أحاديث من التسويف بالتوبة وطول الأمل، فهذا الرجل الذي يلوط حوض إبله يفعل ذلك من أجل أن الإبل تشرب، وفي ذهنه أنه سيعمر ويسقي الإبل ويعيش ويتكسب بإبله. والآخر يبسط في السوق متاعه من أجل أن يبيعه، والثاني يأخذ المتاع ويدفع، وكلاهما يمد يده إلى صاحبه، فجاءت الساعة فمات الاثنان. فهل كان على بال أحدهما أنه يموت قبل أن يشتري الثوب أو يبيعه، ويفرح بالمكسب؟! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم يرسل الله أو ينزل الله مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)، ينزل مطر كالطل من السماء فينبت الله عز وجل الناس ويحييهم مرة أخرى كما أماتهم، ثم يمضي وقت ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية: وهو أربعون، ولا يعلم أهي أربعون سنة أم شهراً أم يوماً؟ وهل هذه الأيام من أيام الدنيا أم من أيام الآخرة؟ فالله أعلم بذلك، ولكن يمكثون على الأرض أربعين ثم ينزل الله عز وجل على هذه الأرض مطراً، فتنبت هذه الأجسام مرةً ثانية ثم تكون نفخة الصور الثانية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ينفخ فيه أخرى) إذاً: هذه النفخة الثانية تكون لإحياء هذه الأجساد التي جمعت ونبتت بسبب المطر؛ إذ أنها كانت أجساداً لا حياة فيها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم وقفوهم إنهم مسئولون) فتأمل هذا الموقف: لما نزل المطر على الأرض اجتمعت الأجساد، ولما كانت النفخة في الصور قامت هذه الأجساد الميتة من قبورها، فلما قامت سمعت النداء: هلموا إلى لقاء ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون، فسيكونون في غاية الفزع، والخوف، والرهبة من هذا اليوم، ومن لقاء الله سبحانه وتعالى. قال: (ثم يقول الله: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ قال بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فذاك يوم يجعل الولدان شيباً). أي: هذا اليوم الذي يشيب شعر رأس الوليد من الهول والفزع والرعب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وذاك يوم يكشف عن ساق) أي: في يوم القيامة يكشف عن ساق، وهذه العلامة التي بين الله عز وجل وبين المؤمنين من خلقه. وقد جاء في أحاديث أخر ما يكون في هذا اليوم بالتفصيل، فبعد أن يقف الخلق في عرصات القيامة موقفاً طويلاً في يوم مقداره خمسون ألف سنة، ثم يشفع النبي صلى الله عليه وسلم في فصل القضاء بين العباد، يقول الله سبحانه لخلقه: (ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه فيقولون: بلى) ويفرحون بذلك، فيمثل لمن كان يعبد الشمس الشمس، فيتبعها إلى النار، و
تفسير سورة النمل [87 - 90]
تفسير سورة النمل [87 - 90] يذكرنا الله تعالى بيوم ينفخ في الصور حين يفزع من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، وذكر تعالى أن الجبال في ذلك اليوم تنسف وكل يرى عمله، فالمحسن يأمن من فزع ذلك اليوم، والكافر يكب على وجهه في نار جهنم بما كسبت يداه في هذه الدنيا.
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة النمل: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:87 - 90]. يخبر الله عز وجل في هذه الآيات عن يوم القيامة، يوم ينفخ في الصور، وذكر سبحانه وتعالى في القرآن نفختين، قال الله عز وجل: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر:68]، فالنفخة الأولى وهي نفخة الصعق التي يميت الله عز وجل بها الخلائق، والنفخة الثانية يبعثهم، وبينهما أربعون، فلعلها أربعون يوماً، ولعلها أربعون سنة أو شهراً، فلم يذكر راوي الحديث - أبو هريرة - ما الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، بل هو نفسه لم يعرف هل هي أربعون يوماً أو سنة أو شهراً؟ ففي الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بين النفختين أربعون). وليس من الضروري أن يعرف المسلم ماهية هذه الأربعين، بل المهم أن هناك موت وبعد ذلك إحياء، ولكن الله عز وجل ذكر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن بين النفختين أربعين. قوله: ((وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ))، (يوم) منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، والتقدير: اذكر هذا اليوم، وقوله: ((فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ))، هذا هو الفزع الأكبر الذي يكون يوم القيامة، وينجي الله عز وجل من هذا الفزع الأكبر من يشاء من عباده، فينجي المؤمنين الصالحين: {لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء:103]، وهم في الجنة خالدين، ولهم فيها ما تشتهي أنفسهم. وقد جاء في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله عز وجل من الفزع الأكبر، يوم يقوم الناس بين يدي رب العالمين سبحانه، فكان من دعائه عليه الصلاة والسلام، ما رواه أحمد في مسنده عنه صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أسألك النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك مما أعطيتنا وشر ما صنعت). فكان يسأل الله عز وجل النعيم يوم القيامة في الجنة، والذي لا يحول ولا يزول، أي: لا يتحول، أما النعيم في الدنيا فهو بين الإحالة وبين الزوال، والإنسان يتحول من حال إلى حال، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، وهكذا فحال الإنسان متحول ومتقلب في الدنيا. وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة) ويوم العيلة: يوم الفقر، وهو يوم القيامة، فكل إنسان في ذلك اليوم فقير لا مال له، إلا أن يكون له عمل صالح ينفعه. و (والأمن يوم الخوف)، وهو يوم القيامة: يوم الفزع الأكبر، وفيه ينجي الله عز وجل من يشاء من عباده، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الناجين. يقول الله عز وجل: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل:87]، هذه هي النفخة الثانية، وفيها يقوم الخلق فزعين خائفين بين يدي رب العالمين، إلا من شاء الله أن ينجيه ويؤمنه من هذا الفزع، ويحشره في غاية الأمن، ويظله بظله يوم لا ظل إلا ظله. قال تعالى: ((إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ))، التنوين في لفظة (كل) تنوين عوض عن كلمة: الخلق، والتقدير: كل الخلق، و (أتوه): أي: يأتون الله سبحانه، وأتوا: فعل ماض من يأتي. ((وَكُلٌّ أَتَوْهُ))، وهذه قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة وقراءة خلف. وقراءة باقي القراء وهم الجمهور: (وكل آتوه داخرين)، من اسم الفاعل: أتى فهو آت، أي: وكل إنسان آتٍ إلى الله عز وجل. وقوله: ((وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ))، أي: أتوا إلى الله سبحانه وتعالى يوم ينفخ في الصور وهم في غاية الذل والصغار، وفي غاية الخوف.
تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب)
تفسير قوله تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) ذكر الله الجبال وما يحل بها يوم القيامة فقال: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88]، كما قال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105 - 107]. فهذه الجبال الراسيات العظيمات ينسفها الله ويدمرها ويجعلها هباءً منثوراً، وذرات متناثرة، فإذا بها مسواة بالأرض، فالجبل الذي كان على الأرض راسخاً، يطير كالسحاب، ثم تذروه الرياح، أو يصيره على هيئة الرمال والتراب فوق الأرض، فإذا الأرض بلا مرتفعات ولا منخفضات. قال الله سبحانه: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً}، قال ابن عباس: أي قائمة وهي تسير سيراً حثيثاً. وقد ذكر الله في القرآن أن الجبال يوم القيامة تكون على حالات: الحالة الأولى: دك الأرض والجبال، قال الله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر:21 - 22]، فتزلزل الأرض وتندك الجبال، وتتواضع لربها سبحانه وتعالى، وهذه حالة من أحوالها. الحالة الثانية: أخبر سبحانه وتعالى عن الجبال أنها تكون كالعهن المنفوش، والعهن هو الصوف، والمنفوش: المنتفش، كانت ثقيلة يوماً من الأيام، وفي يوم القيامة صارت خفيفة كالعهن المنفوش. الحالة الثالثة: أخبر الله سبحانه وتعالى أن الجبال يوم القيامة تنسف، قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا} [طه:105 - 106]، والقاع: الأرض المنبسطة. الحالة الرابعة: قال الله تعالى: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا} [النبأ:20]، أي: كان موضعها كالسراب، والسراب ما يراه الإنسان أمامه في اليوم الشديد الحر في الأرض المنبسطة يحسبه ماءً، فإذا وصل إليه لم يجده ماء، ووجده أرضاً كغيره من الأرض، كذلك الجبال سيرت يوم القيامة، وحركت من مكانها فصار مكانها كالسراب، فالناظر إليها يظنها واقفة جامدة، والله يسيرها ويدمرها حتى تتطاير ثم تنزل على الأرض هباءً ورمالاً، فتستوي بها الأرض، قال سبحانه: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً} [النمل:88]. وقوله: ((تَحْسَبُهَا جَامِدَةً))، فيها قراءتان: الأولى: بفتح السين في (تحسبها)، وهي قراءة عاصم، وابن عامر وأبي جعفر، وباقي القراء نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب والكسائي وخلف يقرءون: (تحسِبُهَا جامدة) بكسر السين. وقوله: (صنع الله) أي: هذا الصنع البديع، المتمثل في الجبال الراسيات التي يجعلها يوم القيامة تسير، ثم يصيرها كالعهن المنفوش، ويدمرها فيجعلها قاعاً صفصفاً، هذا الصنع صنع الله وحده لا شريك له، لا يقدر عليه أحد سواه. وكأن الله يقول: انظروا إلى صنع الله سبحانه، فصنع: منصوب على الإغراء، والمقصود: الزموا التفكر في هذا الصنع العظيم، أو أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: صنعه صنعاً. قوله: ((الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ))، أي: خلق كل شيء في غاية الإتقان والدقة وعلى أفضل ما يكون، وكلمة (الإتقان) أصلها: من أتقن، وقالوا: إن أصل هذه الكلمة عربية قديمة من أيام عاد، تنسب إلى رجل اسمه: ابن تقن، كان غاية في تسديد الرماح والسهام، لا يخطئ أبداً، فإذا رمى السهم لا بد وأن يصيب الهدف، فكان يضرب به المثل في ذلك، فكانوا يضربون به المثل في الإتقان، ويقولون للرامي العظيم: أرمى من ابن تقن، أي: فلان أرمى منه. فالمحسن في عمله يسمى: متقن، نسبة إلى ابن تقن، فصارت الكلمة بعد ذلك دليلاً على الإصابة والسداد والإحسان في العمل، فمن أتقن عمله صار كهذا الذي كان يرمي فيصيب في رميه. فالإتقان: إحسان العمل، ولذلك قال الله: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}، وأمر الله عز وجل عباده أيضاً أن يحسنوا، فقال: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإتقان الأعمال كذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، فيحب الله من الإنسان أن يتقن عمله، سواء كان عملاً دينياً أو دنيوياً ينبني عليه تحصيل رزق أو غيره. وقول الله تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، فيه أنه أتقن خلق الإنسان، كما قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]. قال تعالى: {إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل:88]، الخبير من الخبرة وهي دقة العلم، أو العلم الدقيق، فهو عالم خبير لطيف بعباده سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]، أي: الذي يفعل حسنة له خير منها، وإن كان كثير من العلماء على أن هذه الحسنة المقصود بها: كلمة: لا إله إلا الله، أو أن كل المفسرين تقريباً على هذا المعنى وهو أن الحسنة بالتعريف: المقصود منها: لا إله إلا الله، فلا شيء أفضل وأخير من لا إله إلا الله، وهي أعظم ما يقولها الإنسان، فالذي يأتي بها تكون له حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، فله خير من فعله عند الله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منها} [النمل:89]، والخير: هي جنة الخلود عند رب العالمين. قال تعالى: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]، هذه الآية فيها ثلاث قراءات: فقراءة الكوفيين: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ} [النمل:89]، بتنوين العين، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين: (وهم من فزعِ يومئذ آمنون) بالكسر بلا تنوين، وقراءة باقي القراء: (وهم من فزعِ يومِئِذٍ آمنون) بإضافة (يومئذ) إلى (فزع). فمعنى قراءة الكوفيون: ((وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ))، أي: فزع عظيم، فنكره للتعظيم، وهذا الفزع يكون يوم القيامة، فالله عز وجل يؤمن المؤمنين وينجيهم منه، وينجيهم مما هو دونه كذلك، فهو الكريم الرءوف بعباده سبحانه. وقراءة المدنيين، نافع وأبي جعفر: (وهم من فزعِ يومئذ آمنون)، فإضافة يومئذ إلى ما قبلها، وكأن المضاف إليه هو: يوم: مجرور بالفتحة، فمنع من الصرف لأضافته إلى إذ، ويجوز منعه وصرفه، ولذلك قراءة باقي القراء: (من فزعِ يومِئِذٍ) على الإضافة وعلى الصرف فيها. إن الفزع يكون يوم القيامة؛ لأنه يوم يحاسب الله عز وجل به العباد، بعد أن يخرجون من قبورهم، والمؤمنون ينجيهم الله بكلمة: لا إله إلا الله، وقد جاء في الحديث أن العصاة ممن قال: لا إله إلا الله يدخلون النار، فإن قيل: لماذا لم يأمنهم الله من الفزع وهم قد قالوا: لا إله إلا الله؟ ف A أن هذا من المطلق الذي قيد بغيره، فالحسنة المذكورة في الآية وهي قول: لا إله إلا الله، إنما تنفع بشروط، وهي أن يأتي صاحبها بالأفعال التي تصلح بها هذه الكلمة، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، بلسانه، وصدق ذلك يقيناً بقلبه، وعمل بمقتضى ذلك بجوارحه كانت من أعظم الحسنات التي تجعل صاحبها ممن يؤمنهم الله سبحانه. أما إذا قالها كلمة لا يعلمها ولا يفهم معناها، ولا يعمل بمقتضاها، فقد جاء في الحديث أن هذا يعذب في قبره، ويقال له: ما كنت تقول في الدنيا؟ وماذا كنت تعبد؟ وما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ومن ربك وما دينك؟ فلا يستطيع أن يقول شيئاً، فإذا أخبر عن كلمة لا إله إلا الله، يقول: سمعت الناس يقولونها فقلت. أي: أنه قال كما قال الناس، بدون أن يفهم معناها، أو يعمل بمقتضاها، فيعذب في قبره، ويعذب كذلك في يوم القيامة، ولا يأمن من الفزع الأكبر. إذاً: كلمة: لا إله إلا الله تنفع من أتى بشروطها، وشروطها: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة، والولاء والبراء، فمن أتى بهذه الشروط نفعته لا إله إلا الله يوم القيامة، وأمنته من الفزع، ودخل بها الجنة.
تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار)
تفسير قوله تعالى: (ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار) قال الله تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90]، فالأول جاء بـ (لا إله إلا الله) بشروطها، وهذا أتى بالسيئة، وأقبح السيئات: الشرك بالله سبحانه وتعالى، والتي لا ينفع معها حسنة، فمن جاء بهذه السيئة كب وجهه في النار، قال سبحانه: {يوم يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور:13]، فيضربون في أقفائهم، فيكبون على مناخرهم ووجوههم في نار جهنم، ثم يقال لهم -وهم في النار والعياذ بالله-: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90]، أي: هذا الجزء بما اقترفت أيديكم، وبما عملتم في الدنيا، فلا تجزون إلا على ما قدمتم من عمل، ولذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يحرص على أن يراقب نفسه، ويراقب عمله، وهل هذا العمل يرضي الله أم لا يرضيه؟ فإذا عمل العمل الذي يرضي به ربه فله الجزاء الحسن، وإن أساء فلا يلومن إلا نفسه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة النمل [91 - 93]
تفسير سورة النمل [91 - 93] على الداعية في كل زمان ومكان الاهتمام بجانب الدعوة دون النظر إلى استجابة المدعو من عدمها، مستدلاً على ذلك بما يصلح الاستدلال به في مقابل عقل المخاطب وما يفهمه مازجاً بين الترغيب تارة والترهيب تارة أخرى، وهذه هي طريقة القرآن والأنبياء والدعاة المجيدين في القديم والحديث.
تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة وما ربك بغافل عما تعملون)
تفسير قوله تعالى: (إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة وما ربك بغافل عما تعملون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في آخر سورة النمل: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ * وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:91 - 93].
مناسبة الآيات لما قبلها
مناسبة الآيات لما قبلها في هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة -وبعد أن ذكر الله سبحانه من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة- أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للقوم: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل:91] فتناسبت هذه الآية في سياقها مع ما قبلها من الآيات. فقد ذكر الله سبحانه وتعالى قبل هذه الآية قوله تعالى: {ويَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ} [الأنعام:73]، والنفخ في الصور كائن يوم القيامة، فالله يقول: اذكروا هذا اليوم العظيم الذي يفزع فيه {مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل:87]، وهذا تخويف من الله سبحانه وتعالى بيوم القيامة، والسورة كما ذكرنا قبل ذلك سورة مكية، أي أنها نزلت في وقت كان يؤذى فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤذى فيه المؤمنون، ويطردون من ديارهم، ويشردون، ويقتلون، ويعذبون، فجاء القرآن ليطمئن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ويخبرهم أن هؤلاء الذين يفزعونكم الآن سيفزعون يوم القيامة، ويخيفهم الله، ويعذبهم في ذلك اليوم. والإنسان مهما كان فيه من قوة فلن يبلغ أن يضرب الأرض بقدمه فيخرقها، ولا أن يبلغ الجبال طولاً، أو يضاهيها قوة، فهي أقوى من الإنسان بكل حال، ولذا فمهما عتا فلن يكونوا أقوى من الجبال التي تصير هباء يوم القيامة، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} [طه:105]. وبما أنهم ضعفاء لا حول لهم ولا قوة فلا داعي لأن يتكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، فإنهم مهما بلغوا من القوة فلن يكونوا كهذه الجبال التي تنسف يوم القيامة، وإذا كان هذا هو صنعنا بالجبال الراسيات، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:105 - 107]، فكيف سيكون صنعنا بهم!؟ وإذا كانت الجبال لم تكذب ربها سبحانه وتعالى حين عرضت عليها الأمانة، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب:72]، وكان حالها يوم القيامة أن ينسفها الله نسفاً، فكيف بمن قبل هذه الأمانة ولم يقم بها؟ وكيف بحال هؤلاء الكفار الذين استكبروا على النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكيف سيصنع بهم يوم القيامة؟ قال سبحانه: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل:88]، ومرورها قبل يوم القيامة، وقيل في الدنيا، على أنها يوم القيامة ستنسف وتطير من مكانها كالسحاب، ثم يذرها سبحانه وتعالى قاعاً صفصفاً: {لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا} [طه:107]، أي: لا يرى فيها مرتفعات ولا منخفضات. ومن بديع صنع الله عز وجل: أن هذه الجبال العظيمة القوية التي تنظر إليها وتراها راسية في مكانها، ليست ثابتة، بل حتى الأرض التي يقوم الإنسان فوقها ليست ثابتة، وإنما تتحرك في مسار معدود محدود بقضاء الله وقدره سبحانه وتعالى. فالناظر يظن أن هذه الجبال الراسيات ثابتة، والحقيقة أنها متحركة بتحرك الأرض التي هي فوقها، ففي الدنيا تتحرك الجبال بتحرك الأرض، إذ أن الأرض تدور حول نفسها وتجري في مستقر لها حول الشمس، وبتحركها تحدث الأيام والشهور والسنون. فكل شيء في الكون يتحرك كما تتحرك السحاب، وإن كنا ننظر إليها على أنها تتحرك ببطء، لكنها في الحقيقة تسير سريعاً في هذا الفضاء، وأنت لا تدري بذلك ولا تنشغل به، وهذا من بديع صنع الله سبحانه في الدنيا أن أرسى الجبال وهي متحركة كالسحاب، ويوم القيامة ينسفها ربنا سبحانه وتعالى نسفاً. وإذا كان الله يصنع ذلك أليس قادراً على أن يعذب هؤلاء المشركين؟ وهم الذين أرادوا إخراج النبي صلى الله عليه وسلم كما أخبر الله عنهم فقال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال:30]. فمن جاء بالحسنة أي: بقول لا إله إلا الله وعمل صالحاً كان في أمان من الله عز وجل يوم القيامة، وكان له الخير والجنة، ولهم الأمن يوم الفزع الأكبر، ومن أشرك بالله وعتا وأفسد في الأرض وعلا على أمر ربه سبحانه، فكبت وجوههم في النار، ويقال لهم: {هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل:90].
تعظيم الله لمكة
تعظيم الله لمكة يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لقومه: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]، والكلام مناسب للحال الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ولسياق الآيات العظيمة في آخر هذه السورة. وفي الآية خطاب من الله لنبيه أن يقول للكفار: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل:91]، أي: أن هذه البلدة التي تريدون أن تثبتوني أو تقتلوني أو تخرجوني منها ليست ببلدكم، ولستم تملكونها، ولكن الأرض أرض الله سبحانه وتعالى. فهو الذي حرمها وجعلها حرماً آمناً تتنعمون فيها، وفي ذلك إشارة إلى ظلم هؤلاء، إذ أن مكة بلدة جعلها الله سبحانه في وسط الأرض، وحرمها سبحانه وتعالى وجعل المعصية فيها حراماً، فحرم فيها القتل والقتال، وأنعم عليكم بهذه النعمة وجعلكم في أمان ممن حولكم من العرب وغيرهم. ثم إذا منَّ الله عليكم بها وأمنكم فيها تريدون أن تطردوني منها، وتريدون أن تخرجوني، أو تقتلوني، وتعملون على أن تفزعوا المؤمنين؟! فاذكروا يوم العرض على الله عز وجل -يوم الفزع الأكبر-، واذكروا أن الله أمركم بعبادته، وأمركم أن تشكروه على نعمته عليكم سبحانه. قال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ} [النمل:91]، فالله هو رب كل شيء سبحانه، وذكر الله البلدة تعظيماً لها وتخصيصاً لها، ثم ذكر أن له كل شيء، فالله ليس رب هذه البلدة وحدها، بل هو رب كل شيء سبحانه، وهو المالك المدبر للأمر. وعبر سبحانه بقوله: {رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ} [النمل:91]، وفيه: التنويه بعظيم شأن مكة التي حرمها الله عز وجل، والله لا يحرم شيئاً إلا لتعظيمه، أو لتحقيره، فحرم هذه البلدة تعظيماً لها، وحرم الميتة والدم ولحم الخنزير تحقيراً له، وهنا البلدة التي عظمها الله سبحانه فحرمها، قال سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67]. وهذه نعمة من الله سبحانه على أهل مكة، إذ أن العرب في جاهليتهم كانوا لا يعرفون إلا السلب والنهب والخطف والقتل ويأكل بعضهم بعضاً، فيأكل القوي فيها الضعيف، ويقتل بعضهم بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، وكل ذلك يجري في القرى التي حولهم حتى إذا ما أتوا على مكة كفوا عن ذلك كله، إذ أن مكة حرمها الله سبحانه قدراً وشرعاً، فجعلها بلدة محرمة، وكلهم يدخلون إليها حجاجاً ومعتمرين، كما أنهم يعرفون فضل أهلها، حتى إن أهلها ليستكبرون على الغير ويمنعونهم من الطواف إلا في ثياب أهل مكة، ويعجب المرء حينما يرى أهل مكة وقد أنعم الله عليهم بتحريم هذه البلدة فإذا أهلها يستكبرون على غيرهم، بل وصل بهم الترفع على غيرهم أن يمنعوا غير المكي من الطواف بثيابه التي يقدم بها من بلده؛ لأنها بزعمهم ثياب عصي الله فيها، فإما أن يشتروا الثياب من مكة، وإما أن يطوفوا عرايا، وإما أن يستعيروا ثياباً للطواف من أهل مكة، ويستوي في ذلك الرجال والنساء. وبرغم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بتعظيم هذه البلدة وتعظيم دين رب العالمين وأمرهم بعبادته، إلا أنهم تطاولوا عليه صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم أنه أمر أن يعبد الرب الذي خلقه، وخلق هذه البلدة، وخلق كل شيء، وهو المالك لكل شيء.
فضل هذه الأمة ونبيها
فضل هذه الأمة ونبيها ثم قال سبحانه: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91] وفي الآية الأخرى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:162 - 163]، فكان النبي صلوات الله وسلامه عليه هو أول المسلمين في هذه الأمة، وهنا يقول: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]، ففيه: تنويه وإشارة لهذه الأمة على فضلها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم هو {أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163]، كما ذكر في سورة الأنعام فإنه أيضاً من هذه الأمة، وهذا تشريف لهذه الأمة وتكريم لها. والمسلمون في قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [النمل:91]، هم: المستسلمون لرب العالمين، فهم يسلمون وجوههم وقلوبهم وأبدانهم لله سبحانه، فهو يحكم فيهم بما يشاء فينفذون شرعه.
بيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم
بيان وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل:92]، أي: وأمرت أن أقرأ القرآن، والتلاوة هي: القراءة التي فيها التدبر، وتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا القرآن العظيم وقراءته؛ ليتعلم الناس كيف يقرءونه وكيف يتدبرونه، قال تعالى: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [النمل:92]. أي: أنني لست عليكم بحفيظ، ولست عليكم بوكيل، ولست عليكم بمسيطر، وإنما وظيفتي أن أتلو عليكم كلام رب العالمين، فمن هداه الله سبحانه فليحمد الله على نعمة الهدى، ومن اهتدى فهو الذي ينتفع بهداه، ولن ينتفع الله عز وجل به شيئاً، قال تعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [النمل:92]. وجزاء الهدى والسير فيه جنة رب العالمين، ثم قال تعالى: {وَمَنْ ضَلَّ} [النمل:92] أي: ومن كسب السيئة فإنما سيضل على نفسه، قال تعالى: {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} [النمل:92] أي: ومن ضل عن دين رب العالمين وعن الهدى: {فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} [النمل:92]، أي: لا أملك لكم من الله شيئاً، وقد أنذرتكم. وفي الآية تفصيل لما سبق والمعنى: من جاء بالحسنة، أي: بلا إله إلا الله واهتدى، فله خير منها عند رب العالمين سبحانه وهذا الخير ينتفع هو به بسبب إيمانه. {وَمَنْ ضَلَّ} [النمل:92]، أي: أتى بالسيئة، من الشرك وغيره من المعاصي والبلاء، فقل لهؤلاء: إنما أنا من المنذرين وقد أبلغتكم وأنذرتكم، وكما أن النبي منذر فهو مبشر؛ إلا أن المناسب للسياق هنا أن يذكر الإنذار فقط؛ لأن هؤلاء قد ضلوا، فناسب أن يقول: إني منذر لكم، ولذلك كان يقوم إليهم وينذرهم صلوات الله وسلامه عليه، ويحذرهم من غضب الله، فإذا اشتدوا عليه يقول: (إنما جئتكم بالذبح)، أي: إنما جئتكم بالجهاد من الله سبحانه وتعالى، فسأجاهدكم وأقتلكم يوماً من الأيام.
وعد الله بأن يرينا آياته
وعد الله بأن يرينا آياته قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل:93]، هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: أن احمد ربك سبحانه على كل حال، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءته النعمة قال: الحمد لله رب العالمين، وإذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله على كل حال، فكان يحمد ربه كما أمره الله سبحانه: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} [النمل:93]، وفي الآية وعد من الله أن يري الناس الآيات، كما قال في السورة الأخرى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت:53]، فالله يري عباده الآيات، ويريهم نتائج ما صنعوا في هذه الدنيا، فمن كفر بعد أن رأى الآيات أذاقه العذاب في الدنيا وهزمه فيها، ثم مآله ومرده إلى عذاب يوم القيامة. قوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} [النمل:93] أي: أن الله قد أراكم هذا القرآن وما فيه من الآيات العظيمة، وهذا من نعم الله عز وجل عليكم لتعرفون الآيات، وقد أراكم كيف صنع بالأقوام السابقين، وكيف سيصنع بكم يوم القيامة، وبين كيف سيكون فيه أمركم، وذلك حتى تتدبروا. ثم تهددكم وتوعدكم فجاء الوعيد على ما قاله سبحانه وتعالى؛ ولذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم على أهل بدر من الكفار وقال: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف:44]، فكان ما حدث لهم في بدر آية من الآيات التي وعدهم الله سبحانه وتعالى أن يريهم إياها، وقد حذرهم الله سبحانه وتعالى من عذاب رب العالمين، وتوعدهم أنه سيبطش بهم في الدنيا، قال سبحانه: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ} [السجدة:21]، وبذلك عرفوا أنه سيأتيهم عذاب أدنى دون العذاب الأكبر، وبرغم هذا التوعد فقد كذبوا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم فجاءهم العذاب في يوم بدر، وقام النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر يقول: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف:44]. وقد حدث أن أبا سفيان ذهب إلى هرقل عظيم الروم فسأله هرقل عن أشياء، وكان أبو سفيان حينها كافراً، وكان هرقل رجلاً نصرانياً، وكان ينظر في النجوم، وبدأ هرقل يسأل الرجل أسئلة تدل على ذكائه. فسأله عن هذا النبي وعن علاماته، وهل كان يدعي هذه النبوة قبله أحد؟ وهل كان أبوه ملكاً في يوم من الأيام؟ فسأله عشرة أسئلة أو نحوها، وبعد أن سمع بالإجابة من أبي سفيان جزم بأن هذا نبي رب العالمين سبحانه وتعالى، فصلوات الله وسلامه على رسوله الأمين. فكانت تلك آية لـ أبي سفيان جعلته يتفكر وهو كافر، ثم رجع وهو يقول: لقد أَمِر أَمْر ابن أبي كبشة، وأبو كبشة قيل: جد من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هذا اسمه، وقيل: كان أبو كبشة زوج مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم فنسب إليه، ومعنى قوله: لقد أمر أمره، يعني: زاد وانتشر وقوي، وما حدث مع أبي سفيان في مرحلة كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالقوي ولا المؤمنون أقوياء. لكنه بعد أن سأله هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما أخبره علم أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام سيحكم مكة وغيرها ويمكنه الله سبحانه وتعالى. فقال في نفسه يوماً من الأيام: لقد أمر أمره. أي: زاد أمره وقوي أمره، حتى عرفه ملك الروم، ثم قال: فلم يزل أمر الإسلام منتشراً منتصراً بعد ذلك، ومع أن أبا سفيان رأى الآية وهو كافر إلا أنه لم يزل على كفره حتى أسلم في فتح مكة، وبعد أن أسلم أبو سفيان أراه الله عز وجل الآيات على لسان هذا الرجل الكافر، فكان خيراً له لو أنه أسلم حينئذ. وإذا كان أبو سفيان لم ينتفع في هذا الحين، فقد انتفع غيره، فانتفع تميم الداري حين رأى آية من الآيات، فبينما كان هو ومجموعة معه من النصارى في البحر، ووصلوا إلى جزيرة من الجزر لعبت بهم الأمواج، فرسوا على هذه الجزيرة ونزلوا، فرأوا الجساسة، ثم دلتهم على المسيح الدجال، فحدثهم وأخبرهم عن نبي العرب صلوات الله وسلامه عليه، وأنه خير للناس أن يتبعوه، فإذا بـ تميم الداري رضي الله عنه ينتفع بالنصيحة ويذهب للنبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويحدثه بهذا الحديث الذي يعد آية من الآيات، فلما قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس وقال: (أما إني لم أجمعكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن تميماً حدثني حديثاً قد أعجبني ووافق ما حدثتكم به قبل ذلك)، ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم بما قاله تميم الداري، وصدق الله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} [فصلت:53]، فالله عز وجل يري الآيات فينتفع بها من يؤمن، ولا ينتفع بها من يصر على كفره: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:93]. والله سبحانه وتعالى ليس غافلاً عما يعمل هؤلاء، ولكن الله حليم سبحانه، يصبر ويحلم عنهم لعلهم يؤمنون، فإذا لم يؤمنوا أخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [النمل:93]، قرئت بالتاء، وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبي جعفر ويعقوب، والباقون يقرءونها بالياء: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [النمل:93].
القصص
تفسير سورة القصص [1 - 4] ذكر الله تعالى في أول سورة القصص جزءاً من طغيان فرعون وفساده في بني إسرائيل، وكيف أنه فرق الناس شيعاً وأحزاباً، واستضعف بني إسرائيل يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فكانت العاقبة لبني إسرائيل بالفرج والتمكين في الأرض جزاء صبرهم واستضعافهم.
تفسير قوله تعالى: (طسم)
تفسير قوله تعالى: (طسم) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين. أما بعد: قال تعالى: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:1 - 6]. السورة الثامنة والعشرون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة القصص، وهي من السور المكية إلا آية فيها أو آيتين منها فهما مدنيتان، وفيها خصائص السور المكية من ذكر قصص القرآن، وتحدي المشركين، وذكر الأمم السابقة كيف صنعوا وكيف صنع بهم؟ وذكر العظة والاعتبار في هذه القصص العظيمة من قصص كتاب ربنا سبحانه. ثم ذكر أمر الإيذاء الذي يكون لأولياء الله ولأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ثم تمكين الله عز وجل بعد ذلك للمؤمنين. عدد آيات السورة ثمان وثمانون، باتفاق القراء على هذا العدد، وفي غيرها من السور قد تزيد الآيات في العد وإن كانت الآيات هي نفسها، ولكن هنا كل أهل العد اتفقوا على أن عدد آي هذه السورة ثمان وثمانون. بدأها الله سبحانه وتعالى بالأحرف المقطعة الثلاثة فقال: {طسم} [القصص:1]، فهي حروف مقطعة فيها التحدي للمشركين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والعادة أنه إذا ذكرة حروف مقطعة يذكر بعدها الإشارة إلى هذا القرآن العظيم، فقال: {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:1 - 2]، وذكرنا قبل ذلك أن هذه الحروف من أسرار القرآن، يعني: مهما نذكر من حكم وموافقات بين هذه الحروف وبين السور فإننا لا نجزم بأنها جاءت من أجله، ولكن المفسرون يذكرون أشياء كلها لها وجهة من النظر، وبعضها أقوى من بعض. فهنا كون العلة من بدء بعض السور بهذه الحروف التحدي واضح المعنى، أي: فإن هذا القرآن من الكلام العربي المركب من الأحرف التي تقرءونها فأتوا بسورة من مثله. من العجيب في أمر القرآن العظيم أن الذين ينظرون في أسرار حروف السور يقولون: ما من سورة افتتحها الله عز وجل بأحرف مقطعة إلا كان أكثر الحروف عدداً هذه الأحرف المقطعة، إذاً: الطاء والسين والميم أكثر في هذه السورة من غيرها من الحروف. قوله: {طسم} [القصص:1]، فيها قراءات ثلاث: قراءة أبي جعفر بالسكت عليها؛ لبيان أنها حروف وليست كلمة، فهي مكونة من حرف الطاء، وحرف السين، وحرف الميم، ولذلك إذا قرأها يقف عليها بالسكت، حتى يعلم السامع أنها أحرف وليست كلمة واحدة، وباقي القراء منهم من سيقرأ بالفتح، ومنهم من سيقرأ بالإمالة في حرف الطاء، وهم شعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف كلهم بالإمالة، ويدغمون النون في الميم إلا حمزة فإنه يظهر النون، فيقرؤها (طسم)، بالنون مظهرة.
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين)
تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين) قوله: (تلك) إشارة واللام للبعد، فتكون الإشارة هنا للبعيد إما في رتبته وعظمته وإما في مكانه، فهنا إشارة لهذه الآيات التي بين أيدينا، وفيها تعظيم لهذه الآيات، فعندما تخبر عن إنسان أمامك تقول: هذا الرجل، فإذا أردت تعظيمه تقول: ذلك الرجل، يعني: تشير إليه كأنه بعيد في رتبته وعلوه. فهنا يشير الله عز وجل إلى هذا القرآن فيقول: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} [القصص:2]، وذكرها في موضع آخر: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} [لقمان:2]، فالقرآن كتاب عظيم وكتاب كريم، وكتاب حكيم، وكتاب مبين. (آيات) جمع آية. (الكتاب) اللام للعهد وهو القرآن (الْمُبِينِ)، من بان الشيء بمعنى: وضح وظهر وتجلى، فليس به خفاء، فالقرآن ليس به خفاء، كل من يسمعه يفهمه سواء كان عالماً أو جاهلاً، وإن كان الله عز وجل فضل بعض الناس على بعض في الفهم، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولكن عجيب أمر هذا القرآن العظيم أنه يسمعه الإنسان الأمي فيعجب ويطرب لكلام رب العالمين سبحانه، ويفهم ما يقوله ولو فهماً عاماً لما فيه، يسمعه الإنسان العالم فيفهمه آية آية وكلمة كلمة، وينظر إلى عباراته وفصاحته وبلاغته، وإلى ما فيه من فقه وأحكام، أمر عجيب في هذا القرآن كما سنرى.
تفسير قوله تعالى: (نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق)
تفسير قوله تعالى: (نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق) قوله: {نَتْلُوا} [القصص:3]، يوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، {نَتْلُوا عَلَيْكَ} [القصص:3] حتى تعتبر وتتذكر وتتصبر أنت ومن معك من المؤمنين، فهي سورة مكية يصبر الله عز وجل فيها المؤمنين على ما كانوا فيه من الأذى، أي: إذا أوذيتم فانظروا الأذى الذي أصاب من قبلكم أكثر منكم، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوذي بشيء يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فيعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي بمن قبله، كما قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، فاقتدى صلى الله عليه وسلم في الصبر بهؤلاء. قوله: (من نبأ) النبأ الخبر المغيب، ما كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً عن موسى ولا عن قومه حتى أخبره الله سبحانه تبارك وتعالى في القرآن، قال: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ} [القصص:3]، أي: من خبر غاب عنك، فنتلو عليك، أو نجعل جبريل يقرأ عليك ذلك فتستمع إلى هذه التلاوة، وتتعلم من نبأ موسى وفرعون. وهنا ثلاث سور وهن: سورة الشعراء والنمل والقصص ذكر في كل منها قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والقصة هي هي، ولكن العجب من هذا القرآن العظيم الرائع، حيث إنه في كل موضع يذكر شيئاً من القصة تستفيد منه، ويناسب السياق فسورة الشعراء آياتها قصيرة وفيها هذه القصة، ذكرها الله عز وجل على نفس الفواصل التي في السورة مناسبة معها، وفي سورة النمل تجدها مناسبة، وفي سورة النمل ذكر قصة موسى فيها بنفس الفواصل التي فيها. وهكذا في السور الأخرى كسورة الأعراف وهود، وهكذا في كل سورة يذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بشيء إما مختصراً وإما مطولاً، وهنا أطال فيها وأطنب، حيث ذكر فيها قصة موسى منذ مولده، وكيف أن الله عز وجل نجى موسى ولا حول له ولا قوة، وأمه ضعيفة مستضعفة، فهي من بني إسرائيل الذين كانوا يهانون ويستضعفون في الأرض، فلا حول لها ولا قوة ولا حيلة على أمر فرعون، فإذا بالله عز وجل يصنع ما نرى في هذه القصة العجيبة الجميلة من آياته؛ ليطمئن النبي صلى الله عليه وسلم، ويطمئن المؤمنين أنه مهما اشتد الكرب فلا بد وأن يأتي الفرج من عند الله سبحانه، ومهما صبرتم أتاكم النصر من عند الله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً). قوله: ((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) أي: نتلوه لينتفع به المؤمنون.
تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض) قوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]. يقول الله عز وجل: ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ)) أي: ملك مصر وما حولها من بلاد، وعلا علواً شديداً وعتا في الأرض، فالله عز وجل يرفع من يشاء ويضع من يشاء، فرفعه الله ملكاً فإذا به يزعم أنه الملك على البلاد وأن هذا حقه، ولكن ما أعجبه أن يقف عند هذا الحد، وإنما ادعى ما هو أكثر من ذلك، ادعى أنه إله، وفي دعواه الكذب الواضح. ثم ختم هذه الآية بقوله: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]، فبين أن فساده كان فساداً عظيماً جداً، وهذا واضح مما يذكره الله عز وجل في هذه الآية. وفرعون علا في الأرض، فالله يعلي من يشاء، ويرفع درجات من يشاء، يرفع بالعلم من يشاء سبحانه وتعالى، يكون الناس بعضهم في علو وبعضهم في سفل، بحسب ما أعطاهم الله عز وجل من فضله، هذا غني وهذا فقير، هذا قوي وهذا ضعيف، هذا عالم وهذا جاهل، هذا ذكي وهذا غبي، فيرفع الله عز وجل ويفضل الناس بما يشاء، ولكن من أعطاه الله نعمة فتعالى بها على القوم حتى زعم ما ليس له فهذا العلو والإفساد، ففرعون آتاه الله الملك فإذا به يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ويزعم لقومه أنه ابن الشمس، وليس مثل واحد منهم، كما كان يزعم الفراعنة، وقالوا: هذا كان رمسيس الثاني أو ابنه منفتاح والكثير يرجحون في زماننا أنه ابنه منفتاح بن رمسيس الثاني. المهم أن هذا الفرعون أعطاه الله ملكاً عظيماً فعلا في الأرض أول شيء بكفره بالله سبحانه، وبدعواه أنه شيء آخر أعلى من البشر، وأن هؤلاء عبيد عنده يعبدونه من دون الله سبحانه، {وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص:4]، الذي يجعل الناس شيعاً هذا لا يصلح أن يكون حاكماً عليهم، الحاكم على الناس هو الذي يجمع الناس جميعهم. النبي صلى الله عليه وسلم من منة الله عز وجل عليه أن جعله بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159]، يبقى الحاكم الرءوف الرحيم هو الذي يجمع الناس حوله، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم للحاكم الرفيق بشعبه، فقال يدعو ربه سبحانه: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)، إذاً: الحاكم الذي يتولى من أمر المسلمين شيئاً ويكون رفيقاً بالناس دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفق الله به في الدنيا والآخرة، ومن كان عنيفاً مع الناس شديداً غليظاً دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعامله الله عز وجل بهذا العنف وبهذه الشدة. فالغرض أن فرعون كان حاكماً قاسياً، يدبر أمر ملكه بالكيد والمكر، قال الله سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]، فمن إفساده أن: ((جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص:4]، فلأجل أن يحكم البلد جعل الناس فرقاً، فقالوا: قسم البلاد إلى بضع وثلاثين فرقة، الفريق الذي في البلدة الفلانية، والفريق الذي في البلدة الفلانية، وجعل بينهم عداوة وبغضاء، الكل يوالونه هو، ولكن لا يحب بعضهم بعضاً، فجعل القوم شيعاً، فأقل شيعة وأضعف شيعة هم بنو إسرائيل الذين كانوا ساكنين في مصر من قبل أن يأتي هذا الفرعون بأربعمائة عام، يعني: ما كانوا من أهل مصر أصلاً، ولكنهم هم أبناء يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكانوا في فلسطين في بلاد الشام، وبعد ذلك لما كاد إخوة يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام له ألقوه في غيابة الجب، وتمر سيارة فيأخذونه طفلاً من غيابة الجب، ويأتون به إلى مصر، وينشأ ويشب كما ذكر الله سبحانه في سورة يوسف قصته، بعد ذلك أمر إخوته لما عرفوه أن يأتوا بأهلهم إلى مصر، فجاء إلى مصر يعقوب وأبناؤه وعاشوا في هذه البلدة، فمن هذا الوقت عاشوا وتكاثروا وظلوا فترة طويلة، وكان أهل مصر يعرفون لهم حقهم. وأهل مصر كانوا يلقبون بالأقباط، وكلمة (قبط) ليس أصلها النصارى، فلم يكن يوجد في ذلك الوقت نصارى، ولكن أهل مصر الذين هم من أيام الفراعنة هم القبط، كل من سكن مصر يسمى قبطياً، والذي يحكم مصر يلقب بفرعون، والوزير يلقب هامان، فكان يميز بين القبط وبين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل جاءوا إلى مصر ودخلوا فيها، أما الأقباط فهم من أهل مصر. الغرض أن بني إسرائيل عاشوا وكانوا على التوحيد، ثم بعد ذلك رجعوا إلى الإشراك بالله، فلما فعلوا ذلك سلط الله عليهم فرعون؛ لأنهم كانوا هم أهل الديانة الصحيحة والتوحيد، ولكن لما ابتعدوا عن دين ربهم سبحانه سلط عليهم ربهم فرعون، فعاشوا في هذه البلدة مستذلين، أذلهم فرعون ذلاً شديداً، فهذا كان من فساد فرعون، قال الله سبحانه: {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} [القصص:4]، جعل أهل مصر جميعهم شيعاً؛ لأن النظام يقول: فرق تسد، فرق الناس من أجل أن يبقى هو الرئيس عليهم. ثم من فساده أنه يستضعف طائفة من بني إسرائيل، فماذا كان يعمل فيهم؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص:4]. فرعون هذا الإنسان العنيف ليس في قلبه رحمة، فكان {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أْبْنَاءَهُمْ} [القصص:4]، وسبب ذبحه للصغار أن منجماً من منجميه الذين كانوا ينظرون في النجوم قال له: إنه سيولد طفل من بني إسرائيل يكون هلاكك على يديه، فإذا به يأمر بقتل أبناء بني إسرائيل، فذهب إليه الفلاحون وقالوا: لو قتلت أبناء بني إسرائيل لم نجد من يخدمنا، فإذا به يتراجع ويقول: نقتل الأولاد سنة ونتركهم سنة، وكأنه بناءً على كلام هذا الذي نظر في النجوم فإذا به يقتل أطفال بني إسرائيل في سنة، وفي سنة أخرى يترك أطفال بني إسرائيل، فكان ممن ولد في العام الذي لا يقتل فيه هارون أخو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي العام الذي يليه ولد موسى عليه الصلاة والسلام، فأرسل فرعون من يقتله. فكانت هنا منة من الله عز وجل من ساعة ما ولد موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله يرينا كيف يحميه سبحانه، وكيف يدبر له أمره وهو صبي صغير، ففرعون يقتل الأبناء قسوة وعنفاً منه، وكفراً بالله سبحانه وتعالى، وكيداً ومكراً وتفريقاً بين الناس. وكان يستحيي نساء بني إسرائيل، أي يترك البنات تكثر، والعادة أن الإسرائيلية تتزوج من أمثالها، لكن سيقل الصبيان، فماذا ستعمل المرأة عندما تكبر وتكون فيها شهوة؟ تقع في البغاء والزنا، وهذا الذي يريده فرعون، يستحيي النساء من بني إسرائيل بحيث تبقى خادمات في البيوت، وتكون عواهر وزانيات أيضاً، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]. فالله عز وجل بدأ القصة بأن فصل لنا ما الذي يصنعه هذا الفرعون حتى تأتي إلى النهاية فتنظر كيف صنع الله به بكفره بالله سبحانه، وبإفساده في الأرض، فهذا فعل فرعون: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]، كان عظيم الفساد في الأرض. وهؤلاء المستضعفون ماذا سيعمل بهم ربنا؟ قال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]، الله عز وجل يطمئن المؤمنين، أنتم مستذلون وضعفاء، وعددكم قليل في مكة، سننصركم يوماً من الأيام، ولن نمكن لكم في مكة فقط، بل في الأرض كلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
تفسير سورة القصص [5 - 7]
تفسير سورة القصص [5 - 7] تكررت قصة موسى وفرعون في سور كثيرة في القرآن، وفي كل موضع يذكر منها ما يناسب ذلك الموضع، وقد أجملت في بعض السور، لكنها فصلت في سورة القصص، وقد بين الله فيها كيف كان طغيان فرعون وكيف كانت نهايته، وكيف منَّ على الذين استضعفوا في الأرض من بني إسرائيل وجعلهم أئمة لما صبروا وكانوا بآيات الله يوقنون
بيان ما اشتملت عليه سورة القصص
بيان ما اشتملت عليه سورة القصص الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز جل في سورة القصص: بسم الله الرحمن الرحيم {طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:1 - 6]. هذه السورة مكية وفيها خصائص السور المكية، من تقرير توحيد الله سبحانه، وأمر العقيدة العظيمة الصافية التي جاءت من عند رب العالمين سبحانه، وليست لأمر جديد، وإنما كل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام أمرهم الله عز وجل أن يدعو الخلق إلى توحيد الله وحده لا شريك له. واشتملت السورة على التنويه بشأن هذا القرآن العظيم، والتعريض بأن بلغاء المشركين لا يقدرون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، كما ذكر الله عز وجل في النصف الأخير منها قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد تكررت كثيراً في كتاب الله سبحانه، وفي كل موضع من المواضع يذكر منها ما يليق بذلك الموضع كما ذكرنا من قبل. وهذه الثلاث السور المتتالية سورة الشعراء وسورة النمل وسورة القصص كل من هذه السور فيها ذكر لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكأنه في موضع يذكر شيئاً فيجمله ثم يفصله في هذه السورة سورة القصص، وكأنه يقص علينا قصصاً عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ففيها قصته وهو صبي وما الذي حدث له، وقصته في مدين، وقصته في الطريق من مدين إلى مصر وما الذي حدث له، وقصة النار وإتيانه إليها وما الذي حدث له، وقصة محاجته لفرعون وما كان فيها. ثم ذكر في آخر هذه السورة قصة قارون وكيف أهلكه الله سبحانه وتعالى، ليرينا الله عز وجل أن الإنسان الذي غره ملكه وماله فنهايته نهاية أليمة إن لم يتب إلى ربه سبحانه وتعالى، فالذي غره الملك فرعون، والذي غره المال قارون، فأرانا الله عز وجل كيف أهلك الاثنين، ففصل في هذه السورة ما أجمل في غيرها، ففي سورة النمل قال الله عز وجل: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [النمل:7]، وفصل هنا سبحانه وتعالى كيف صار بأهله حتى وصل إلى هذه النار، وكيف صنع حينما رأى هذه النار، ولما أتى إليها ما الذي قاله له الله سبحانه وتعالى، ففصل ما أجمل هنالك. كذلك لما ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة الشعراء قصة موسى مع فرعون وأن فرعون من عليه: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:19 - 20]، فأجمل كيف رباه فرعون حيث ذكر قول فرعون: ألم نربك؟ وهنا ذكر لنا أن هذه التربية كانت في قصر فرعون، وأن امرأة فرعون هي التي قامت بذلك وهي التي أحبته وأخذته وقالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} [القصص:9]. بدأ الله هذه السورة بقوله: {طسم} [القصص:1]، وهذه حروف مقطعة ليرينا أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة:23]، أو فأتوا بكتاب مثله؛ ولذلك قال الله في هذه السورة: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:49 - 50]، فالغرض أنه تحداهم أن يأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى من هذا الكتاب، ومن الكتاب الذي جاء على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]. قال الله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ} [القصص:3 - 4] أي: استكبر في الأرض بملكه فإذا به يطغى ويقول لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ومن فساده: {َجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ} [القصص:4]، فرق أهلها -وهم بنو إسرائيل- حتى يتمكن من حكمهم بهذا المكر، {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} [القصص:4]، أي يبقي النساء على قيد الحياة، {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:4]، وكان يريد تقتيل جميع الأبناء، فلما فعل ذلك إذا بقومه يقولون: لو قتلتهم لن نجد من يخدمنا، فكان يقتلهم عاماً ويتركهم عاماً، فولد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام في العام الذي كان يتركهم فيه على قيد الحياة، وولد موسى في العام الذي يليه، وكان بين موسى وهارون سنة واحدة، وهارون أكبر سناً من موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فولد موسى في العام الذي يذبح فيه الصبيان، ليرينا الله عز وجل من آياته العظيمة كيف ينجي من يشاء من خلقه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) قال الله: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]، هذه تسلية للمؤمنين، يعدهم الله سبحانه أن يثبتهم ويمن على المستضعفين، وهذه السورة مكية، وآية منها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من مكة وهو في الجحفة، حيث أنزل الله عز وجل عليه يثبته ويطمئنه ويواسيه ويسليه: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]، أي: الذي فرض عليك القرآن فدعوت الكفار إليه فشددوا عليك وآذوك حتى أخرجوك من مكة التي هي أحب البلاد إليك، كما قال: (لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)؛ فيسليه الله عز وجل بأنه سيرجع مرة أخرى إلى هذه البلدة التي أخرجوه منها. وذكر الله عز وجل استضعاف فرعون لبني إسرائيل، وقد نصرهم الله عز وجل بعد ذلك، فليس بعزيز على الله سبحانه أن ينصركم وأن يمكنكم، ومن سنة الله عز وجل أن يجعل الناس منهم الضعفاء ومنهم الأقوياء، منهم الأقلية ومنهم الأكثرية، ثم يقلب موازين الكون بعد ذلك فيمن على المستضعفين ويمكن لهم، حتى يرى كيف يعملون، فإذا استقاموا على سنة الله عز وجل أعطاهم الخيرات وثبتهم، فإذا انقلبوا أعاد الأمر عليهم مرة ثانية، فالله يقلب هذه الدول كما يشاء سبحانه، وأمرهم يدور بين قوة وضعف، بين عزة وصغار، بين قلة واستكثار. قال سبحانه تبارك وتعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5] يعني: قادة في الخير، يقتدى بهم في الخير بعدما كانوا مستضعفين مستذلين لا يعبأ بهم، يقول الأقوياء لأنبيائهم: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [الشعراء:54]، أي: هؤلاء ضعفاء ليس عندهم رأي حتى نتبعهم. فالله عز وجل يمن عليهم ويجعلهم قادة في الخير في يوم من الأيام، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، دعاة إلى الخير، قال: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5] أي: نورثهم هذه الأرض بعد أن نهلك المستكبرين. وهل بنو إسرائيل أورثهم الله عز وجل أرض مصر بعدما أهلك فرعون؟ هم ما ملكوا مصر، والله ما قال هنا: نورثهم ملك فرعون، ولكن قال: (ونمكن لهم في الأرض) أي: في أي أرض من الأراضي؛ ولذلك أذن لهم الله سبحانه وتعالى في الخروج من مصر فخرجوا، فلما عبروا البحر وأغرق الله فرعون لم يرجعوا إلى مصر وإنما ذهبوا إلى الشام مع نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فمكن الله لهم هناك. وأرض الشام كانت أرض العمالقة الجبارين كما قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة:22] فكان فيها أناس أشداء أقوياء، مثل الحثيين والكنعانيين والآراميين، فالله عز وجل أورث بني إسرائيل من هؤلاء الأرض التي كانوا فيها، ولم يورثهم ملك فرعون، بل ملك فرعون توارثه الفراعنة بعد ذلك، وكان لهم عبرة فيما حدث لفرعون ولكنهم لم يعتبروا بما حدث فيهم. قال سبحانه تبارك وتعالى: {َنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ} [القصص:5]، وقد فعل ذلك سبحانه وتعالى، {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، وقد فعل ذلك، ثم قال: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]، فأورثهم أرضاً، وهو لم يقل: نجعلهم وارثين لأرض فرعون، ولكن قال: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} [القصص:5 - 6]، فمكن الله سبحانه تبارك وتعالى لهم في أرض الشام. قال الإمام القرطبي: أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولوا عليها، يعني: أرض الشام وأرض مصر، ولكن الظاهر من كلام المفسرين وأهل التواريخ أنهم لم يرجعوا إلى مصر، وإنما كانوا بعد ذلك في الشام، وحصل لهم التيه هنالك، ثم استولوا على الأرض التي هناك على ما ذكر الله سبحانه وذكر أهل التواريخ.
تفسير قوله تعالى: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)
تفسير قوله تعالى: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) قال الله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:6] فرعون كان يحذر من شيء، قيل: إن بعض المنجمين قالوا لفرعون: إنه سيكون هلاكك على يد واحد من بني إسرائيل، فالله عز وجل قدر ذلك، ولا بد أن يكون ما قدره الله سبحانه، ومهما أخذ الإنسان في الحيطة وفي الحذر فقدر الله لا بد أن يصيبه، قال: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ} [القصص:6] أي سنري فرعون {وَهَامَانَ} [القصص:6] وزيره، {وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ} [القصص:6]، من هؤلاء المستضعفين {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص:6] ويستعدون له ويأخذون بالأسباب، فلم تنفعهم أسبابهم. وقراءة الجمهور: {وَنُرِيَ} [القصص:6]، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (ويرِى) بالإمالة، يعني: سيرى فرعون ما كان يحذر من هؤلاء، ولابد أن يدركه هذا الشيء، فأفعال الله سبحانه وتعالى آيات وفيها عظمة رب العالمين سبحانه، فأجمعوا جموعكم، وقدروا لأنفسكم ما تشاءون، فلن يكون إلا ما قدره الله سبحانه وتعالى، فالإنسان قد يقدر ويدبر ويأخذ بالأسباب ويعمل الحيطة، ومن المأمن الذي هو فيه يأتيه عذاب الله سبحانه وتعالى! فهذا فرعون استعد لهؤلاء واستضعفهم واستصغرهم وقال: {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء:54 - 56]، وكان قوم موسى نحو خمسمائة ألف أو أقل أو أكثر، شرذمة قليلون، وفرعون ومن معه كانوا ملايين من الناس، ورأى في نفسه القوة ورأى في هؤلاء الضعف، وتيقن أنه حصرهم، فالبحر أمامهم وفرعون وراءهم؛ فيأتي من هنا نصر الله سبحانه ليري الخلق أن القوة بيد الله سبحانه وتعالى، ينصر من يشاء.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) يقول الله سبحانه تبارك وتعالى بادئاً قصة موسى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]. هذا إلهام من الله عز وجل، فهو حديث في نفسها من عند الله سبحانه وتكون مستيقنة بهذا الذي تفعله، ولا تملك أن ترده، وليس كل وحي من الله عز وجل للإنسان يكون دلالة على أنه نبي، فالله عز وجل أوحى إليها بالنفث في روعها أو أرسل إليها من يقول لها ذلك، وليس هذا دليلاً على أنها نبية. وكذلك السيدة مريم عليها السلام أوحى الله عز وجل إليها ومع ذلك ليست نبية، وكذلك أوحى ربك إلى النحل، فالنبي ينزل عليه وحي من عند الله سبحانه ينبئه بأمر الغيب، ويأمره أن يأمر الناس بعبادة الله وبالتوحيد، ويعلمه الله من أمور الغيب ما لا يعلمها غيره، والرسول هو من كان نبياًَ وأعطاه الله عز وجل شريعة ورسالة من عنده، وأمره أن يبلغ هذه الرسالة. قال الله: {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] هذه الآية العظيمة العجيبة عندما نظر إليها العرب ما ملكوا إلا أن يذعنوا لفصاحة القرآن وبلاغة القرآن، ففي آية واحدة يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى أمرين ونهيين وبشارتين، فهذا مما يجعلهم يخضعون ويقرون أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، وقد تحداهم الله وقال: {فَأْتُوا بِكِتَابٍ} [القصص:49] أي: مثله، فلا يقدرون، وقال: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} [هود:13]، فلا يقدرون، وقال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة:23]، فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً؛ ولذلك عرف الناس فضل هذا القرآن وفصاحة هذا القرآن بما ذكره الله عز وجل فيه، وهذا من إعجاز هذا الكتاب العظيم. يقول الأصمعي وهو من أئمة اللغة: سمعت جارية أعرابية من الأعراب وهي تنشد وتقول: أستغفر الله لذنبي كله قتلت إنساناً بغير حله مثل الغزال ناعماً في دله فانتصف الليل ولم أصله فقال لها: قتلك الله ما أفصحك! فقالت له: أويعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين! فهذا إمام من أئمة اللغة يقول لها: أنت فصيحة، وهي تقول: كلامي لا شيء إذا قورن بهذا القرآن العظيم، فالذي يتكلم عن الفصاحة ليس آحاد الناس، ولكن يتكلم أهل الفصاحة وأهل اللغة، لذلك بعض الناس يقولون: ما المانع أن يؤلف مثل هذا القرآن، فنقول لهم: ألفوا، وهاتوا مثل هذا القرآن، فيقوم إنسان يخرف في الإنترنت ويأتي إلى سورة من السور ويزيل منها كلمات ويضع بدلها كلمات أخرى، ثم يقول: أنا ألفت مثل هذا القرآن! وبعض المغفلين يقول: لقد ألف مثل القرآن، وهؤلاء لا يفهمون اللغة العربية أصلاً، ولا يعرفون معنى الفصاحة ولا معنى البلاغة، والذي يحكم على ذلك هم أهل اللغة وأهل الفصاحة وأهل البلاغة الذين يتذوقون الكلام فيعرفون أن هذا كلام فارغ لا يقارن مع فصاحة القرآن التي أعيت العرب، ولو كان الأمر يسيراً، لكان أبو جهل وأبو سفيان والوليد بن المغيرة يقولون مثل هذا القرآن، لكنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فالقرآن كلام رب العالمين، ووعد الله حق، فالله يتحدى الناس بهذا القرآن، ولا يقدر أحد أن يثبت أمام هذا التحدي، وإذا جرب أتى بكلام فارغ خال من فصاحة القرآن وبلاغته وإعجازه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [7 - 13]
تفسير سورة القصص [7 - 13] من أبرز ما يشد الانتباه في قصة موسى: هو كيف أن الله سهل وهيأ سبل الحفظ والرعاية والكلاءة لموسى عليه السلام، وكيف أنه عز وجل لا يخلف الميعاد، فحين وعد أم موسى أنه سيرد عليها ابنها أوفى بذلك عز وجل.
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى وجاعلوه من المرسلين)
تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى وجاعلوه من المرسلين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:7 - 10]. في آية واحدة من هذه الآيات من سورة القصص يخبرنا ربنا تبارك وتعالى بخبرين وبأمرين وبنهيين وبشارتين قالها الله تبارك وتعالى لـ أم موسى، فقال مخبراً: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]، فهذا الوحي من الله سبحانه تبارك وتعالى والإخبار منه هو: {أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]، وهذا أمره لـ أم موسى بإرضاع الغلام وهو موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ} [القصص:7]، وهذا أمر آخر منه سبحانه وتعالى. ثم قال لها: {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} [القصص:7] نهاها سبحانه أن تخاف وأن تحزن، ثم بشرها سبحانه تبارك وتعالى ببشارتين، {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، فأخبر سبحانه وأمر ونهى وبشر في آية واحدة، وهذا من بلاغة القرآن العظيم، والإيجاز في الألفاظ مع إعطاء المعاني العظيمة الكثيرة. وأوحى الله عز وجل إلى أم موسى وهي لم تكن نبية ولكن الوحي هنا هو: الإلهام، فألهمها وألقى ذلك في قلبها، بحيث تثبتت واستيقنت من ذلك، فنفذت ما قاله الله عز وجل لها. قال: {أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]، فإذاً: لما ولد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يمكث مع أمه إلا فترة قليلة قيل: مكث معها أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر ترضعه فيها وتخاف عليه من فرعون وجنوده، فأوحى الله عز وجل إليها {أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ} [القصص:7]، أي: إذا حدث شيء فألقيه في اليم، فأرضعته خلال الثلاثة الأشهر إلى أن تنبه إليه من تنبه وجاءوا إليه ليذبحوه فقال لها الله عز وجل موحياً إليها: {فإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} [القصص:7]. قالوا: إن فرعون كان يرسل القوابل لتوليد نساء بني إسرائيل في السنة التي يذبح فيها الغلمان، فإذا ولدت امرأة استقبل القوابل هذا الغلام ثم ذبحنه، ويأتي الرجال فيأخذونه ويلقونه أو يدفنونه، فكانت العادة جارية بذلك، فلما ولدت أم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فكأن القابلة التي تولده جاءت لتأخذه وتذبحه، ولكن ألقى الله عز وجل محبة موسى في قلبها، فإذا بها تحبه وتقول لأمه: أخفيه، وأنا لن أخبر به، فلما انتبهوا له عليه الصلاة والسلام جاءوا ليأخذوه فألقته في اليم. قال الله عز وجل: {فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، فكأنها صنعت له تابوتاً، وكانت كلما خافت عليه وضعته في التابوت ووضعته في النهر وربطته حتى لا يذهب، فكل ليلة كأنه كان يحدث منها ذلك حين تخاف أن يأتي من يشك في أمرها، وفي مرة من المرات خافت خوفاً شديداً فوضعته في اليم وغطته وكأنها نست أن تربط هذا التابوت في مكانه، فانطلق التابوت بموسى كالسفينة يحمله من ضفة النهر التي هي فيها إلى مكان وجود فرعون. وسبحان الله الذي يرينا آياته، فقد كان من الممكن أن الله يربي سبحانه وتعالى موسى في بيت أمه ويخفيه سنين طويلة، ولكنه يرينا قوته وقدرته وإعجازه، فينشأ موسى كما أراد الله في بيت فرعون الذي علا في الأرض، فينشأ في قصره وفرعون هو الذي يربيه، ثم يمن عليه في يوم من الأيام يقول: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18]. ذهب النهر بموسى إلى مكان فرعون، قال الله عز وجل لهذه المرأة: {وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي} [القصص:7]، فالخوف عادة ما يكون على المستقبل، إن إنساناً خائفاً لابد أن يحصل منه الحزن فقال: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، فطمأنها وثبتها سبحانه أنه لن يقدر عليه فرعون فإننا معه، (ولا تحزني) أن فارقته وأن تركته في اليم فهذه مشيئة الله وتقديره سبحانه تبارك وتعالى، فإنه في يوم من الأيام سيرجع إليك، {وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، وهذا تبشير من الله أن موسى عليه الصلاة والسلام سيكون رسولاً يوماً من الأيام. قال تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} [القصص:7]، والتعبير هنا بنون العظمة، أي: إنا فاعلون ذلك؛ لأن الأمر عظيم ولا يفعله إلا العظيم سبحانه وتعالى، ولم يقل: أنا راده وإنما قال: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]. والرد إليها يكون بتسهيل الأسباب.
تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون كانوا خاطئين)
تفسير قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون كانوا خاطئين) قال سبحانه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]. لما وضعته في اليم سار به التابوت ولم ينقلب التابوت في النهر فالله عز وجل الذي حفظه برعايته سبحانه وبحفظه سبحانه، تابوت صغير فيه طفل صغير، ما المانع أن ينقلب التابوت الذي يطفو على الماء وهو شيء صغير؟! فالعادة الذي يثبت على الماء يكون كبيراً، أما لو وضعت قطعة من الخشب على الماء فإنك تجدها فجأة مقلوبة، فما هو الذي منع هذا التابوت من ذلك؟! إنه الله سبحانه وتعالى، ليريه أنه وحده الذي حفظه وحافظ عليه. قال سبحانه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ} [القصص:8]، وليس فرعون نفسه، ولكن الجواري من آل فرعون وخادمات زوجة فرعون آسيا، فكن ينظرن إلى النهر فوجدن هذا التابوت فأخذنه، وكأن التابوت كان مغلقاً على موسى عليه الصلاة والسلام، فذهبن بالتابوت إلى زوجة فرعون. قال الله سبحانه: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8]، لاحظ أنه لن يكون قلقاً، فاللام ليست لام التعليل ولكنها لام العاقبة، أي: لتكون العاقبة في يوم من الأيام أنه يكون لفرعون ولجنوده عدواً وحزناً، وكلمة (حزناً) بمعنى الحزن، وفي الآية قراءتان: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (ليكون لهم عدواً وحُزنا) أي: لتكون العاقبة في يوم من الأيام أن يُحزن موسى فرعون ويكون فرعون نادماً أن فعل به ذلك، فتكون العاقبة لهذا الجبار المتكبر أن يحزنه الله وأن يذله في يوم من الأيام. قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ} [القصص:8]، وكأنه يقول هنا: لأن {فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]، وهناك فرق بين الخاطئ والمخطئ، فهم ما كانوا مخطئين حين أخذوه، ولكن (خاطئ) مأخوذ من الخطيئة، فهم أهل خطيئة، وأهل كبائر، فقد كفر فرعون ونصب نفسه إلهاً بل رباً بزعمه، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فكان خاطئاً، ففرق بين أن نقول: فلان خاطئ، وفلان مخطئ، فلان مخطئ أي: جانب الصواب، ويريد أن يعمل عملاً صحيحاً فلم يوفق إليه، فهذا مخطئ. ولكن فلان خاطئ أي: أتى بالخطيئة عمداً لأنه يريد أن يفعلها، ففرعون لم يكن مخطئاً وإنما كان صاحب خطيئة. {وَهَامَانَ} [القصص:8]، وهو وزير فرعون، {وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]، أي: أصحاب كبائر، وكانوا كفرة بالله سبحانه وتعالى، وكانوا يعبدون فرعون الذي كان يزعم لقومه أنه ابن الشمس وليس ابن البشر، ويزعم أنه إله فيعبدون الشمس من دون الله، ويعبدون فرعون من دون الله سبحانه، فكأن القوم قد ذهبت عقولهم، كما قال الله سبحانه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف:54]، يعني: كانت عقولهم خفيفة لا تفقه ولا تفهم فعبدوه من دون الله وأطاعوه.
تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك وهم لا يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك وهم لا يشعرون) كان موسى من رآه أحبه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما حملت امرأة فرعون التابوت نظرت إليه فأحبته حباً شديداً، ولذلك قالت: {قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} [القصص:9]، فذهبت به إلى فرعون كأنها تتوسل إليه: إياك أن تقتله، لا تقتله، فهذا قرة عين لي ولك، (قرة عين) العين القريرة كأنها من القُر أيك السكون، وإنما تسكن العين حين يستريح الإنسان إلى خبر سار فتقر عينه وتسكن. الإنسان الخائف من شيء لا تقر عينه فيظل ينظر شمالاً ويميناً. و (قرة) مأخوذة من القر وهو البرد، وعين الإنسان الفرح قارة، أو يقال: هو قرير العين، أي: من شدة فرحه تدمع عينه، ودمع السرور يكون بارداً، بخلاف دمع الحزن فإنه ينزل حاراً، فتقر عين الإنسان المستبشر الفرحان. فهنا يقول الله عز وجل: {وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ} [القصص:9]، أي: أني في غاية الفرح بهذا الطفل وأنا أريده كي تقر عيني به؛ لأنها لم يكن لها ولد. وقالت: {لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا} [القصص:9]، يوماً من الأيام {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص:9]، ولكن لا أحد يقرأ الغيب ولا أحد ينظر في المستقبل. وهذه القصة -كما يقول العلماء- فيها من الفوائد: أن يظهر الله سبحانه تبارك وتعالى علمه وقضاءه وقدره وما سيكون في يوم من الأيام والناس لا يدرون منه شيئاً، يقول سبحانه {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5] فأرانا كيف منّ عليهم في يوم من الأيام؛ فمهما يستضعف الضعيف ولكن الله عز وجل إذا شاء أن يمكن له سبَّب الأسباب ومكن له يوماً من الأيام. ويقول العلماء: في هذه الآيات إظهار أن العلو لله وحده لا شريك له، فمهما علا الإنسان واستكبر فإن الله يمكر به، فيتركه يعلو ويعلو، حتى إذا جاء انتقام الله عز وجل منه، وجد الجميع أن هذا هو الحكم العدل، وأن هذا الإنسان يستحق ذلك بكفره وبمعصيته ومثاله: فرعون. وفي هذه الآيات بيان أنه مهما علا الإنسان الكافر فإن الله يزيله يوماً من الأيام. وكذلك السورة مكية، والنبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية ذاق من الكفار ما ذاق، من تعنتهم ومن كفرهم ومن تعذيبهم لأصحابه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل عندما يقول له: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5] فهذا فيه تخفيف من معاناة الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه بشارة للمؤمنين. وفي هذه القصة إشارة إلى قوله تعالى: {َعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة:216]. فالمؤمنون يبتليهم الله سبحانه كما ابتلى موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وابتلى بني إسرائيل، فكان الابتلاء شراً في نظرهم، وإذا به ينجيهم عز وجل ويعكس الأمر، فكانوا يكرهون شيئاً والخير فيه، ولذلك كان موسى يقول لقومه: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون, ففعل الله سبحانه ومكن للمؤمنين.
تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغا لتكون من المؤمنين)
تفسير قوله تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً لتكون من المؤمنين) يقول الله تبارك وتعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:10]. فلما أخذ آل فرعون موسى وأم موسى تأكدت أن التابوت سار به وذهب به في النهر، كادت تنسى ما قاله لها ربها سبحانه وتعالى، لولا أن ثبتها الله سبحانه. {َأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} [القصص:10]، فالمصيبة عظيمة جداً، فأصبح القلب فارغاً من كل الدنيا إلا من موسى، وكذا الإنسان صاحب البلية والمصيبة ينسى كل شيء كأن قلبه لم يتفرغ إلا لهذه المصيبة فقط. قال تعالى: {إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} [القصص:10]، أي: كادت تبدي بمصيبتها وأنه ابنها لما علمت أنه عند آل فرعون، فكادت تصرخ وتقول: إنه ابني، فالإنسان في المصيبة يتكلم وهو لا يشعر بما يقوله. قال تعالى: {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا} [القصص:10]، فالإنسان لا يملك لنفسه شيئاً ويكاد أن يفضح نفسه لولا أن يثبته الله سبحانه تبارك وتعالى، قال: {لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:10] أي: بأمر الله سبحانه وبقضائه وبقدره وأنه بشرها أنه سيكون مرسلاً يوماً من الأيام.
تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه وهم لا يشعرون)
تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه وهم لا يشعرون) قوله: {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} [القصص:11] أي: أذهبي وابحثي ما الذي حصل له، يقال: قص الأثر أي: تتبع الأثر. {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [القصص:11] أي: مشت وراء التابوت وعلمت أنه وصل إلى آل فرعون {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} [القصص:11]، عن جنب أي: عن بعد من مكان بعيد، كأنها تتظاهر أنها مجانبة له وكأنها ذهبت مراراً تنظر ماذا حصل فوجدتهم يبحثون عمن يرضعه، فموسى كان يبكي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهم لا يعرفون كيف يصنعون معه، فكلما جاءت مرضعة لا يلتقم ثديها ولا يريدها، وظلوا يبحثون عن مرضعات. قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص:12]، إنه التحريم القدري وليس الشرعي، فقالت أخته بعد أن أظهرت نفسها كأنها عابرة سبيل: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12]، أي: أن من عادتهم النصح في كفالة الأطفال ويؤملون منكم أن تعطوهم مالاً مقابل هذا الشيء. {قَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12]، وما قالت هل أدلكم على امرأة، وكأن تدبير ربنا سبحانه وتعالى أن يرجع موسى للبيت الذي كان فيه، لترضعه أمه ويكون في حضانتها. قوله: {أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ} [القصص:12]، أي: يقومون بأمره فيكفلونه لأجلكم {وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص:12]، أي: ينصحون ويربون، وهم ناصحون لفرعون، فعلى ذلك تأمنون شرهم.
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه)
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) قال سبحانه: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ} [القصص:13]، لتتحول دموع الحزن إلى دموع الفرح، أي: أرجعه مرة ثانيه إلى أمه ليكون لأمه قرة عين فضلاً عن أنها تأخذ مالاً أيضاً، فترضعه وتأخذ أجرة من فرعون على أن ترضعه فيشب في حضن أمه عليه الصلاة والسلام، وتؤجر على ذلك، يعطيها فرعون وتأخذ الأجر من الله على صبرها على ذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [14 - 20]
تفسير سورة القصص [14 - 20] الأنبياء والمرسلون قدوة للناس، لا سيما في الرجوع إلى الله، والخوف منه، والتوبة إليه، والثقة به سبحانه، وفي نصرة المظلوم، فقد حفظ الله موسى من كيد فرعون وملئه قبل رسالته وبعد رسالته، وسورة القصص توضح لنا طرفاً من ذلك.
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها)
تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص:13 - 14]. في هذه الآيات من سورة القصص يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكيف أن الله سبحانه حفظه، وكيف أنه منع فرعون من قتله، وكيف أنه أنشأه سبحانه وتعالى على وعده الذي وعد أمه {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7] فنشأ في بيت فرعون على ما أراد الله عز وجل له، فكان عزيزاً نبياً من أنبياء الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رباه الله سبحانه قال: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] فالله سبحانه رباه تربية عظيمة في بيت عدو الله، ولم يكن موسى قد صار نبياً إلا في علم الله سبحانه، ولم تكن نبوته إلا بعد أن رجع من مدين إلى مصر، ثم رأى النار في الطريق، على ما ذكر الله عز وجل في سورة الشعراء وفي سورة النمل، وهنا يذكر أيضاً في سورة القصص، فالله سبحانه وتعالى يعلم المؤمنين بأنهم إذا صبروا أنجاهم الله عز وجل وإذا اتقوا ربهم سبحانه جعل لهم مخرجاً، ويضرب لنا الأمثلة في ذلك في القرآن العظيم، كيف نجى موسى وكيف نجى يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام من كيد من كادوا له ومكروا به، وكيف نجى أنبياءه ورسله وأهلك أعداءه سبحانه وتعالى، فلذلك فإن الإنسان المؤمن يقرأ كتاب الله سبحانه ويتدبر الآيات ليعي هذا الأمر، فإذا أردت الخروج من ضيق ما أنت فيه فعليك بتقوى الله سبحانه، فهذا موسى عليه الصلاة والسلام قد رده الله إلى أمه لترضعه، ولينشأ في خدرها، وما زال هو في بيت فرعون، ولكن أخذته أمه تحتضنه وترضعه.
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى)
تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) كبر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكبر في سنه وفي جسده وصار قوياً، وعبر الله عز وجل عن ذلك بقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص:14] وهي نفس العبارة التي عبر بها سبحانه عن يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، هذا كفله الله سبحانه وذاك رباه الله سبحانه وتعالى، فيوسف أيضاً لما بلغ أشده آتاه الله حكماً وعلماً، ففي سورة يوسف بلغ يوسف أشده، والأشد رشد الإنسان، أي: بلغ مبلغ الرجال ومبلغ الكمال، فهو لم يبلغ مبلغ الرشد لكنه صار رشيداً بالغاً عاقلاً فاهماً علمه الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله لم يذكر: (واستوى)، فزاد لموسى (استوى) على ما ذكر في قصة يوسف: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف:22] هنا ذكر ما يناسب السيرة. قال تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص:14] في الآيتين ذكر أنه يجزي المحسنين، أي كذلك الجزاء الذي ترونه، وعبر باسم الإشارة للبعيد لبيان عظيم الجزاء، أنه من الله يناسب فضله ويناسب كرمه سبحانه. فيوسف عليه الصلاة والسلام ذكر الله أنه بعد ما بلغ أشده آتاه سبحانه الحكم وآتاه العلم، قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف:23] وهنا ناسب السياق، ولم يذكر أشده واستوى، لكن هنا ذكر: ((وَاسْتَوَى)) والاستواء بمعنى: القوة، فالقوة هنا مناسبة لما سيذكر من وكز موسى لقبطي وقضائه عليه، فكان موسى قوياً جداً، إذاً: الاستواء: القوة البدنية. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنه: أن استوى، أي: بلغ أربعين سنة، وهذا قد يكون صحيحاً، ولكن المعنى الذي يناسب أن الاستواء هو القوة، قال تعالى: {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} [الفتح:29] فالزرع يخلقه الله سبحانه وتعالى فيكبر ويشتد ويستوي في النهاية، كأن موسى بلغ مبلغ الكمال سواء في بدنه أو في سنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فآتاه الله الحكم والحكمة، وآتاه من لدنه حكمته، وآتاه علماً سبحانه وتعالى قبل النبوة وعلماً آخر بعد النبوة، فموسى عليه الصلاة والسلام من بني إسرائيل من أولاد يعقوب النبي فهو من أحفاده عليه الصلاة والسلام، فعلى ذلك فإن موسى عنده العلم الذي ورثه من آبائه، وهو علم يعقوب وعلم إسحاق وعلم يوسف عليهم الصلاة والسلام. فالله عز وجل آتاه هذا العلم بإلهام منه سبحانه، وبالتعلم ممن معه، ثم بعد ذلك من عليه بالنبوة وآتاه علم النبوة وأنزل عليه التوراة، فكان موسى على علم من الله وعلى حكمة، فكان حكيماً عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)) أي: بما جزينا به موسى وغيره عليهم الصلاة والسلام.
تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها)
تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال سبحانه: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15] مر وقت طويل غير مذكور في القرآن أن موسى تربى في بيت فرعون تربية ملوك، حتى إنه كان يدعى ابن فرعون، فصار له عزة وصار له تمكين، وأمه لا شك أنها أخبرته أنه من بني إسرائيل وأنها أمه الحقيقية؛ لذلك كان يحن على بني إسرائيل وكان ينصرهم، فموسى منع أذى آل فرعون لبني إسرائيل، وهذا من فضل الله عز وجل ومن حكمه الذي آتاه موسى. وشب موسى عليه السلام على قوة في قصر فرعون، وهو مع بني إسرائيل رءوف رحيم بهم، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها في يوم من الأيام، وهذا يدل على أنه كان خارج المدينة، فقد يكون بينه وبين فرعون شيء قبل ذلك جعله يخرج خارج المدينة؛ لذلك عبر الله سبحانه وتعالى بأنه {دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15]. إذاً: عرف موسى عليه الصلاة والسلام أن بني إسرائيل هم شيعته، وكان بنو إسرائيل يعرفون ذلك، لذلك استنصره هذا الإسرائيلي على القبطي من أهل مصر، قال تعالى: {هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص:15] أي: استصرخه في الحال. وذكر المفسرون أن الرجل القبطي كان خبازاً لفرعون، فأراد من الإسرائيلي أن يحمل له حزمة حطب كعادتهم في تشغيل الإسرائيليين فرفض الإسرائيلي وتعزز بموسى عليه الصلاة والسلام وكان القبطي أقوى منه فضربه، فجاء موسى ووجد الأمر على ذلك والإسرائيلي يستغيث بموسى عليه الصلاة والسلام، فما كان منه إلا أن وكز القبطي بكوع اليد وكزة في صدره، فكانت الوكزة قوية فقضى عليه، ولم يقصد ذلك عليه الصلاة والسلام؛ لأنه تاب إلى الله عز وجل من ذلك، وإنما قصد المعاقبة وتخليص الاثنين، فضرب هذا العدو فكانت الضربة شديدة تدل على قوة موسى. ولما رأى الرجل مات قال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [القصص:15] أي: أنا لا أقصد أن أقتله، فهو لم يوح إليه بعد أنه رسول عليه الصلاة والسلام وكان هذا قبل الوحي إليه عليه الصلاة والسلام، فهذا من موسى كان خطأً؛ ولذلك قال فرعون: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء:18] أي: ربيناك فقتلت نفساً بغير حق قبل ذلك، {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء:19] وفرعون هو الكافر. فالمقصود هنا: أنت من الكافرين بنعمتي عليك فقد ربيتك وعلمتك، ثم بعد ذلك كفرت هذه النعمة، فقال موسى عليه الصلاة والسلام معترفاً أنه فعل ذلك: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء:20] أي: ولكني فعلتها وأنا من الضالين، ضل أي: أخطأ في الطريق الصحيح، فليس معنى كلامه: إني كنت من الضالين عن عبادة الله سبحانه، لكنه يقصد: إني أخطأت في هذا الشيء الذي فعلته؛ ولذلك قال إخوة يوسف لأبيهم: {تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف:95] فلو قصدوا أنت في كفرك وبعدك عن الله لكفروا، ولكن لم يقصدوا ذلك، وإنما قصدوا أنه ما زال في الوهم من أجل يوسف، وهذا مقصود كلامهم بالضلال القديم، يعني: في توهمك وأنت مخطئ، وكانوا كاذبين في قولهم ذلك له. فالغرض أن موسى عليه الصلاة والسلام لما وكز هذا القبطي قال: {هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} [القصص:15] فالشيطان عدو، إذا دعا دعا إلى الضلال، فهو مضل وضلاله بين واضح، ولكن عذر موسى عليه الصلاة والسلام أنه لم يقصد القتل، وإنما كان يقصد نصرة الحق.
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)
تفسير قوله تعالى: (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي) فالإنسان حين يقع في معصية يأتسي بهؤلاء الأنبياء الأفاضل عليهم الصلاة والسلام، ويتوب إلى الله عز وجل ويتذكر ذنبه ولا ينساه، فموسى عليه الصلاة والسلام معذور، وقد غفر الله سبحانه وتعالى له، ومع ذلك ظل يذكر هذا الذنب إلى يوم القيامة، فعندما يذهب الناس إليه يستشفعون به عليه الصلاة والسلام ويقولون: أنت موسى الذي كلمك الله وكتب لك التوراة بيده، يقول لهم: إني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى عيسى، فلم يزل ذاكراً لذنبه إلى يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى قد غفر له ذلك، وقد أنعم عليه سبحانه وجعله في منزلة عالية، ومع ذلك يتذكر هذا الذنب. قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ} [القصص:16] فيه تعليم كيف تتوب إلى الله عز وجل إذا وقعت في الذنب، تقول: رب إني ظلمت نفسي، فتعترف بالذنب وترجع إلى الله سبحانه وتطلب منه المغفرة. قال تعالى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص:16] الله هو الغفور الرحيم فإن لم يغفر هو فمن يغفر، قال تعالى: ((إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) لذلك غفر سبحانه لموسى وتاب عليه سبحانه وتعالى وستر ذنبه الذي وقع فيه. ومعنى: ((إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ)) أي: الذي يمحو الذنوب، والرحيم بعباده المؤمنين سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي)
تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي) قال موسى عليه الصلاة والسلام {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17] أي: رب بما أنعمت علي من نعمة القوة، وأنعمت علي من نعمة العلم ونعمة الحكمة لا أكون ظهيراً للمجرمين، ولا أكون ظهيراً لفرعون ولا لمن معه، بل أنصر المظلوم وأنصر الضعيف ولا أنصر مجرماً أبداً. ربِّ بما أنعمت علي من نعم وغفرت لي سأكون مع الحق دائماً أنصره ولا أكون ظهيراً، والمظاهر للشيء بمعنى: القوي، ومنه: ظاهر بين درعين، أي: يلبس درعاً وفوقه درع آخر حتى يتقي سيوف الأعداء، فقولك: لن أكون ظهيراً يعني: معيناً للمجرمين.
تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفا يترقب)
تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب) فأصبح موسى في اليوم الثاني خائفاً قال تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:18] إذاً: هو دخل في اليوم الأول المدينة على حين غفلة وكان في شيء من الخوف، ومع ذلك لم يمنعه هذا الخوف من نصر المظلوم فنصر المظلوم وصار في خوف أشد في اليوم الثاني. يقول سبحانه: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} [القصص:18] يعني: يصرخ عليه ويناديه. قال تعالى: ((قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)) غوى الإنسان بمعنى: ضلَّ، إنسان يغوي: يعني بعيد عن الهدى، ومنه قوله سبحانه: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم:2] فغواية الإنسان أن يتبع هواه، ويمشي حسب مزاجه، والمعنى في هذه الآية: إنك كثير الغواية والتعارك مع الآخرين وأنت ضعيف لا تستطيع أن تدافع عن نفسك، ولما قال له ذلك: {إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص:18] لم يترك موسى عليه الصلاة والسلام نصر المظلوم، فهذا مجرم من آل فرعون أراد أن يظلم الرجل، فموسى عليه الصلاة والسلام سينتصر له. قال المفسرون: ((قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)) الغوي: الإنسان الخائن الذي يتبع هواه، وفسروها: إنك تشاد إنساناً لا أطيقه، مع ذلك توجه موسى لنصرة الإسرائيلي، ولكن لما شدد على هذا الإسرائيلي إذا به يظن أن موسى يريد ضربه هو الآخر، فإذا به يقول لموسى: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فطار القبطي بهذا الخبر إلى فرعون بأن قاتل القبطي بالأمس هو موسى عليه الصلاة والسلام. يقول الله سبحانه وتعالى هنا: {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ} [القصص:19] هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: (أن يبطش بالذي هو عدو له قال يا موسى أتريد أن تقتلني). قال تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ} [القصص:19] والجبار: الذي يخرج إلى الناس فيقتل ويظلم من غير أن ينظر فيهم، فهو شديد القوة لا يتحرى المخطئ من المصيب، فقال: {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص:19] أي: أنت لا تريد أن تصلح، بل تريد أن تكون قتالاً في الأرض تقتل النفس بغير حق.
تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى)
تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) قال الله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} [القصص:20] كأن الفرعوني هرب فترة زمنية ووصل إلى فرعون، ورجع من عند فرعون بجنود لقتل موسى عليه الصلاة والسلام، إذ جاء أمر فرعون بقتل موسى، فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، وهذا الرجل هو مؤمن آل فرعون أتى موسى محذراً، قال تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص:20] يعني: يتشاورون حتى وصلوا إلى الأمر بقتلك، {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] أي: اخرج من هذا المكان ولا تمكث فيه فأنا لك ناصح. ف وقالوا: إن هذا الرجل هو مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم لفرعون وكان مؤمناً يكتم إيمانه، فنصح موسى، فخرج موسى من المدينة خائفاً يترقب كما ذكر الله سبحانه داعياً ربه: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [20 - 25]
تفسير سورة القصص [20 - 25] قصة موسى عليه السلام مليئة بالعظات يبحث فرعون عنه ليقتله، لكن الله ينجيه حتى يكون نصيراً للمستضعفين فيقتل القبطي لحكمة بالغة، ثم يخرج إلى أرض مدين ويعاني من التعب والعناء ليستخرج ربه من نفسه الفقر والحاجة واللجوء إليه، فيأتيه الفرج حالاً، فيجد المأوى والسكن.
قصة قتل موسى عليه السلام للقبطي
قصة قتل موسى عليه السلام للقبطي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. يذكر الله سبحانه وتعالى كيف أن موسى عليه الصلاة والسلام خرج من مصر هارباً إلى مدين من بلاد الشام، وكان السبب في ذلك كما ذكرنا أنه اعترض على فرعون في تأليهه نفسه، فخرج من عندهم ثم دخل المدينة في يوم من الأيام على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان، أحدهما من بني إسرائيل شيعة موسى عليه السلام، والآخر من عدوه، وكأنه يوجد عداء قبل ذلك بين موسى وفرعون، فلذلك لم يكن في المدينة في هذا الوقت بسبب ذلك، وكان هذا الفرعوني يريد أن يسخر الإسرائيلي في عمله ويكرهه على العمل بغير أجر ويضربه، وهذا الآخر يمتنع ويدافع عن نفسه، فاستغاث بموسى عليه، فما كان من موسى عليه الصلاة والسلام إلا أن ضربه بجمع يده ولكمه؛ فقضى عليه، ثم ندم بعد ذلك وقال: هذا من عمل الشيطان، لأنه لم يقصد قتله والشيطان عدو للإنسان يدعوه إلى الشر وإلى البعد عن الله سبحانه وتعالى، إنه عدو مضل وضلاله بين واضح. ثم استغفر موسى ربه سبحانه وتعالى ودعاه أن يغفر له فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص:16] ثم عاهد ربه سبحانه فقال: رب بما أنعمت علي وما أعطيتني من نعم عظيمة وقويتني ونشأتني على عبادتك، ولم تجعلني مثل هؤلاء الكفرة في عبادتهم لفرعون، فعلي عهد ألا أكون نصيراً للمجرمين وسأكون نصيراً للمؤمنين وللضعفاء. ولم يعرف بقتل هذا القبطي من البشر سوى موسى عليه الصلاة والسلام وهذا الرجل الإسرائيلي الذي استغاث به. فأصبح موسى في اليوم الثاني وهو خائف يترقب: ترى ما الذي سيحصل في هذا اليوم؟ هل سيخبر الإسرائيلي عن موسى أنه قتل القبطي أم يسكت عنه؟ فلم يذهب إلى قصر فرعون، ولكنه لبث في المدينة خائف يترقب، فإذا به يبتلى مرة ثانية عليه الصلاة والسلام فيجد الذي استنصره بالأمس يستصرخه اليوم وهو يتشاجر مع رجل من قوم فرعون. {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} [القصص:18]، أي: إنك داع إلى الهوى وداع إلى الغواية، ومعنى الغوي: كثير الشر. ولكن لما كان بين موسى عليه السلام وبين الله عهد أن ينصر المظلوم ولا يكون ظهيراً للمجرمين، وهنا ضعيف يستنصره على مجرم يقاتله فلا بد من نصر المظلوم. وكأن موسى عليه السلام اشتد على هذا الرجل الإسرائيلي في الكلام، واشتد أيضاً على الآخر الفرعوني، فإذا بهذا الإسرائيلي يصرح بقتل موسى للقبطي، وذلك إما في الشجار فقال له: يا موسى اقتله كما قتلت القبطي البارحة. فعرف القبطي ذلك فقال لموسى عليه الصلاة والسلام: {أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ} [القصص:19]، يعني: لكونك قوياً تريد أن تقتلني، {إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ} [القصص:19] والجبار الإنسان الذي يقتل بغير تفكير وبغير نظر في العاقبة وبغير تحرٍ واستفهام عن السبب. ثم قال لموسى عليه الصلاة والسلام: {وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص:19] أي: أصلح بيننا بدلاً من أن تضربني، لكنك تريد أن تكون جباراً ولا تريد أن تكون مصلحاً. وفر القبطي إلى فرعون ليخبره أن الذي قتل القبطي بالأمس هو موسى الذي ربيته في بيتك. فاجتمع الناس عند فرعون واتفقوا على قتل موسى عليه الصلاة والسلام، فأسرع رجل منهم وهو مؤمن آل فرعون، وخرج من قصر فرعون يبحث عن موسى ليحذره.
تفسير قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة)
تفسير قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة) قال تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى َ} [القصص:20] أي: يجري ويبحث عن موسى ليحذره، فلما وجده: {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص:20]. والله سبحانه وتعالى إذا أراد شيئاً قدر له أسبابه ويسرها له، فهو الذي ربى موسى في بيت فرعون، ونجاه من القتل، وهنا ينجيه من القتل مرة ثانية، فيأتيه هذا المؤمن ويحذره: إن الملأ يأتمرون بك. والملأ: هم علية القوم الكبار والوزراء، فتشاوروا مع فرعون في ذلك وائتمروا يعني: أخذ بعضهم أمر بعض لينفذوه فيه بقتلك. قال تعالى: {فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20] أي: اهرب من هذا المكان إني لك من الناصحين. فأخذ موسى هذا الخبر وخرج عليه الصلاة والسلام من مصر.
تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفا يترقب)
تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب) قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص:21]. يعني: أصبح موسى عليه الصلاة والسلام خائفاً يترقب وينتظر، وخرج من المدينة أيضاً خائفاً يترقب عليه الصلاة والسلام، والإنسان الخائف ينتظر كل دقيقة ماذا يحصل له من المصائب. فهو يترقب كأنه ينظر ويراقب هل يأتيه أحد من هذا المكان، ابتلي بخوف شديد جداً يذكره ربنا هنا ليطمئن النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام التي كان يؤذي فيها في مكة هو والمؤمنون، أي: مهما أخافكم هؤلاء فالأمر ليس كما حدث لموسى، بل كان ما حدث لموسى أصعب مما أنتم فيه، وقد نجاه الله عز وجل، فاطمئنوا فإن الله ينجيكم. ثم قال موسى داعياً ربه سبحانه: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21] فاستجاب له ربه سبحانه ونجاه ودله، وموسى لا يعرف الطريق، ولم يخرج من مصر قبل ذلك، وسيخرج الآن من مصر متوجهاً إلى الشام لا يدري أين الطريق.
تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين)
تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين) قال سبحانه: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} [القصص:22]. أي: ناحية مدين من بلاد الشام عند الأردن، فخرج موسى من مصر متوجهاً إلى بلاد الشام. فقال حين توجه إلى مدين: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22]. فهو لا يعرف أين الطريق الصحيح، لأن فرعون مسيطر على البلاد كلها، فموسى لا يعرف أن هناك بلاداً أخرى ولا يتحكم فيها فرعون، فلذلك طلب من ربه أن يهديه سبحانه، وقد طمأنه بعد ذلك الرجل الصالح هناك وقال له: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25] وهنا اطمأن موسى لما أعلمه أبو الفتاتين بأنه قد نجا من فرعون، وأن فرعون ليس له سلطان في تلك الأرض، فموسى خارج وهو لا يدري إلى أين يمتد سلطان فرعون. وفي قوله تعالى: {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي} [القصص:22] قراءتان: قراءة الجمهور {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي} [القصص:22] بالمد وبالقصر. وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22] فلا يوجد فيها مد أصلاً. والمعنى: عسى ربي أن يدلني ولا يضلني عن الطريق، ويهدني سواء الطريق الصحيحة المستقيمة التي أصل بها إلى النجاة. خرج موسى عليه السلام من مصر ولم يكن مهيئاً نفسه للسفر، وليس معه زاد ولا مركوب، بل لم يكن معه شيء وكان بمفرده؛ لأنه جاء لهذا المكان وهو خائف يترقب وليس على باله الخروج، فإذا بالرجل يأتي إليه وينصحه بالخروج، فيهرب موسى على قدميه، قالوا: مشى حوالي ثمانمائة وخمسين ميلاً يعني: أكثر من ألف كيلو متر مشاها موسى عليه الصلاة والسلام من مصر حتى وصل إلى مدين. {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22] فهو لا يعرف الطريق حتى يصل إلى هذا المكان الذي وصل إليه، فلما خرج من مصر متوجهاً بدا متردداً خشية أن يضل أو يته، ولكنه وصل بفضل الله سبحانه وتعالى إلى مدين، ولكن لم يكن معه طعام ولا شراب، قالوا: كان يشرب من المياه التي في طريقه ويأكل من ورق الأشجار. ولقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما: أنه خرج من مصر حتى وصل إلى مدين وقد حفيت قدماه وسقط نعله عليه الصلاة والسلام، وصار بطنه لاصقاً في ظهره. يعني: من طول المسافة التي قطعها حتى وصل إلى هذا المكان، إذ لا يعقل أن إنساناً سيخرج من مصر متوجهاً إلى الشام ماشياً، ومع ذلك سيمشي الليل والنهار مثلاً، ولا يأكل فيها شيئاً إذ ليس معه مال ولا طعام. وفي قصة موسى عليه الصلاة والسلام يرينا الله عز وجل حقارة الدنيا وأنها لا قيمة لها، وأنه مهما ابتلى الله عز وجل الإنسان فيها بأن سلب منه ماله أو أخذ منه صحته، أو ابتلاه بالمصائب، فعليه أن يتصبر اتعاظاً بما حدث لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. فهذا النبي عليه السلام يؤذى في مكة، وأحياناً يجوع حتى يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع، فالذي ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وينظر إلى موسى كيف خرج من مصر إلى أن وصل إلى الشام، {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]، وينظر إلى أيوب عليه السلام كيف ابتلاه الله سبحانه وتعالى ومكث في البلاء ثماني عشرة سنة حتى هجره القريب العبيد إلا زوجه وصديقين من أصدقائه عليه الصلاة والسلام، وصديقاه في النهاية قالا عنه: لا بد أنه عمل معصية أخفاها لذلك ابتلاه الله بذلك؛ فالذي ينظر إلى أحوال هؤلاء الأنبياء يتعظ ويعتبر ويكون له بهم أسوة. والمؤمن حين يبتليه الله عز وجل بشيء لا ينظر إلى الناس؛ لأنه إذا نظر إليهم تعب إذ إنهم لا بد أن يقولوا: هذا قد عمل مصيبة من المصائب حتى ابتلاه الله تعالى بهذا البلاء، كما قالوا عن أيوب عليه الصلاة والسلام حتى دعا ربه فنجاه مما كان فيه، فالنظر إلى الناس يتعب ولكن الإنسان ينظر إلى ربه، ويتذكر نعم الله عز وجل عليه.
تفسير قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس)
تفسير قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس) وصل موسى النبي عليه الصلاة والسلام إلى مدين، قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} [القصص:23] يعني: وصل إلى بلدة فيها ماء ووجد عليه جماعة كثيرة من الناس يسقون مواشيهم، {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص:23]. تبقى الصورة أنه وصل إلى بئر ماء وعليها زحام شديد من الناس كل واحد يريد أن يسقي أنعامه، وجاء موسى عليه الصلاة والسلام ونظر فإذا بامرأتين بعيدتين عن الناس معهما مواشيهما تذودانهما، أي: فكأنهما تدفعان الأغنام كيلا تزدحما مع الناس، خوفاً من أن تضيع الأغنام، فكان الناس يسقون والفتاتان تنتظران حتى ينتهوا ثم يذهبوا، وبعد ذلك تسقيان، وهذا لا شك انتظار طويل ممل. فمعنى قوله تعالى: {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص:23]، أي: تدفعان أغنامهما أو مواشيهما بعيداً عن الماء وبعيداً عن الناس. قال تعالى: {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا} [القصص:23]، والخطب بمعنى المصيبة والأمر الهام العظيم. وكأنه وجد المرأتين في حسرة وشدة وضيق، ولذلك لم يقل: ما حالكما؟ إنما قال: ما خطبكما وأي بلية نزلت بكما؟ فموسى عليه الصلاة والسلام الذي خرج ماشياً من مصر حتى وصل إلى مدين بعد مشي طويل وتعب شديد ولم يأكل إلا أوراق الأشجار، هو الذي كان قد دعا قبل ذلك فقال: {رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص:17]، أي: سيكون نصيراً للضعفاء. وهاتان المرأتان ضعيفتان، فسألهما ليساعدهما، ثم كان جوابهما: {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23] أي: لا نقدر أن نسقي الأغنام أو الأنعام حتى يذهب كل الرعاة. وفي قوله: {حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} [القصص:23]، قراءتان: وهذه قراءة الجمهور. وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو وابن عامر {حَتَّى يَصدُرَ الرِّعَاءُ} [القصص:23] بجعل الفعل ثلاثياً من صدر بمعنى: مشى، ويكون المعنى: حتى يمشي الرعاء. والقراءة الأولى من الفعل الرباعي (أصدرَ) فيكون المعنى: حتى يأخذوا الأنعام وينصرفوا بها، وهذه قراءة الجمهور. فكأن الإنسان الوارد من أقبل على الماء، والصادر من انصرف عنه. قالتا: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23] يعني: ليس عندنا رجال إلا أبانا، وأبونا شيخ كبير ضعيف لا يقدر أن يأتي بهذه الأغنام فيسقيها فاضطررنا لذلك، فسقى لهما عليه الصلاة والسلام كما سيأتي.
تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل)
تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) قال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] أعطى الله موسى قوة عظيمة حتى إنه ضرب رجلاً بيديه ضربه واحدة فقتله، ومن قوته أنه يأتي إلى بئر ماء عليها زحام من الناس، وهو المسافر المسافة الطويلة والمحتاج للنوم والراحة، ومع ذلك يزاحم الناس ويسقي. وقيل: إنه ذهب إلى بئر كانت مغلقة بحجر لا يحمله إلا عدد من الرجال فرفع غطاء البئر وحده وسقى أنعام هاتين الفتاتين، والله أعلم بالحال. لكن معناه: أن الله عز وجل أمده بقوة عظيمة من عنده حتى يصبر على هذا الذي هو فيه ويفعل هذه الأشياء العظيمة. ولما سقى لهما انصرف ولم ينتظر منهما الأجرة ولم يقل: أنا جائع أعطوني غنمة أكلها أو شربة لبن، فلم ينتظر أجراً إلا من الله. انصرفت الفتاتان وتولى من موسى إلى ظل شجرة قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24] يدعو ربه سبحانه وتعالى: رب إني محتاج لما تنزله علي من خير، أو إنك قد أنزلت إلي خيراً كثيراً وأنا محتاج إلى خير أكثر. وهذا الدعاء العظيم والطلب من الله فيه أدب الأنبياء مع الله سبحانه وتعالى، فلم يقل له: أنا فقير أو أنا هارب أو جائع، ولكن قال: يا رب أنت قد أنعمت علي بنعم عظيمة، فأعطيتني القوة ونجيتني من فرعون ومن معه، وأطعمتني وربيتني وفعلت بي خيراً عظيماً، وأنا الآن محتاج لمزيد من الخير.
تفسير قوله تعالى: (فجاءته أحداهما تمشي على استحياء)
تفسير قوله تعالى: (فجاءته أحداهما تمشي على استحياء) {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]، قوله تعالى: (فجاءته) الفاء تفيد الترتيب والتعقيب، فكأنه دعا فحصلت النتيجة حالاً من فضل الله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص:25] فيه أدب المشي للنساء، وأن المرأة تمشي في جانب الطريق لا في منتصفه ولا تمشي بحركات ملفتة للنظر كما تفعل نساء اليوم؛ لكنها تمشي على استحياء في طريقها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي تستر وجهها وهي تأتي في الطريق لتنادي موسى عليه الصلاة والسلام. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] أي: أبي يدعوك ليعطيك أجر سقيك لنا. فذهب معها موسى عليه الصلاة والسلام لا طالباً للأجر، إذ ليس الأنبياء بالذين يأخذون أجراً على عمل يسدونه إلى الناس، ولكن لجيب إنساناً يدعوه، فليذهب لينظر ما المراد من دعوته له. وذكروا أن المرأة كانت تمشي أمام موسى عليه الصلاة والسلام في الطريق لتدله عليها، فجاءت الرياح فصفقت ثوبها، فكأنه استحيا أن ينظر إليها فقال: كوني من ورائي ودليني بصوتك على الطريق. ففعلت ذلك حتى وصل موسى إلى الرجل فلما جاءه وقص عليه القصص، {قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]. وهنا لم يذكر من هو هذا الرجل، وإن كان أكثر المفسرين على أنه النبي شعيب عليه الصلاة والسلام. وقالوا: إن موسى عليه الصلاة والسلام نبي تربى في بيت فرعون فترة طويلة في عزة ومال ورفاهية، فلا بد أن يتأدب قليلاً ليتعلم كيف يصبر على شظف العيش، ويصبر على الفقر ويصبر على العمل ويربي الغنم، وما من نبي إلا عوده ربه على ذلك حتى يتعود على تربية الناس بعد ذلك. فهنا موسى عليه الصلاة والسلام انتقل إلى بيت هذا الرجل، والنبي لا يتعلم إلا من نبي، لذلك قالوا: إنه شعيب عليه الصلاة والسلام. لكن بعض المفسرين يرى أنه ليس شعيباً، فقالوا: بين موسى وشعيب فترة طويلة، واحتجوا بالآية التي في سورة هود أن شعيباً قال لقومه: {وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89]. قالوا: ولوط ابن أخ إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهلاك قوم لوط كان في حياة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبين إبراهيم وبين موسى حوالي أربعمائة سنة، ولا يمكن أن يعيش شعيب أربعمائة سنة، فقوله: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89] يعني أنهم رأوا الذي حصل لقوم لوط، أو كانوا قريبي العهد بهم، فتكون سنوات قليلة بين شعيب وقومه، وبين قوم لوط، وتكون الفترة بين شعيب وبين موسى فترة طويلة تزيد على ثلاثمائة سنة. ولكننا نقول: ما المانع أن يعمر الله سبحانه شعيباً هذه المدة كما عمر نوحاً ألف سنة. قالوا: لكن أهل الكتاب في كتبهم لم يسموه شعيباً وإنما سموه (ثيرون)، قالوا: فهذا الاسم غير اسم سيدنا شعيب عليه الصلاة والسلام. قالوا: فهذا يدل على أنه ليس شعيباً عليه السلام قبله. وأجيب بأنه قد يكون قريباً لشعيب، فيبقى البيت بيت نبوة منه رجل صالح قريب لشعيب وإن لم يكن شعيباً. قالوا: لو كان شعيباً لكان حرياً أن يذكره القرآن باسمه، ونحن نقف على ما قاله الله سبحانه إنه رجل، والله أعلم. فالرجل قال لموسى عليه الصلاة والسلام: {نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25] ثم طلب منه أن يكون أجيراً عنده على ما يأتي بعد ذلك إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [22 - 27]
تفسير سورة القصص [22 - 27] يتجلى حفظ الله لموسى عليه السلام في نجاته من فرعون وقومه، ووصوله إلى مدين في ضيافة رجل صالح، وقد رباه الله على حسن الخلق ومساعدة الناس والصبر على الشدائد، وحسن الوفاء بالمواثيق، وسورة القصص توضح لنا ذلك، وتبين أدب المرأة وحياءها لتكون مثالاً للعفاف والطهر.
العبر المستفادة من قصة فرار موسى إلى مدين
العبر المستفادة من قصة فرار موسى إلى مدين الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص:23 - 28]. يخبرنا الله تبارك وتعالى في هذه الآيات من سورة القصص، كيف أن موسى عليه الصلاة والسلام، خرج من مصر هارباً من فرعون متوجهاً إلى الشام، وهو لا يعرف طريقه، لكن خرج متوكلاً على الله سبحانه تبارك وتعالى، داعياً ربه أن يهديه سواء السبيل، وكان سبب خروجه كما ذكرنا من قبل أن رجلاً من آل فرعون أتى مسرعاً محذراً له من فرعون وقومه أنهم يأتمرون ويتشاورون فيما بينهم على قتل موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فقال: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص:20]، أي: أنا ناصح لك، فاخرج من هذه البلدة إنهم يريدون قتلك، فأخذ موسى الخبر ونفذ الأمر وخرج صلوات الله وسلامه عليه خائفاً ممن هم وراءه من فرعون وقومه، متوجساً يراقب الطريق في خروجه، ويلتفت حوله من الخوف هل يدركونه أم أنهم لا يرونه. فقال موسى داعياً ربه: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21]، وتوجه حيث وجهه الله سبحانه وتعالى، وحتى ذلك الحين لم يكن قد صار نبياً بعد إلا في علم الله سبحانه وتعالى، ولم يكن قد أعلمه الله سبحانه أنه يكون نبياً، ولم يكن قد أرسل إلى القوم بعد.
ذكر ما حدث لموسى عند وروده ماء مدين والفوائد التي نستفيدها من هذا الحدث
ذكر ما حدث لموسى عند وروده ماء مدين والفوائد التي نستفيدها من هذا الحدث قال تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ} [القصص:22]، أي: خرج ناحية الشام إلى بلدة مدين {قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص:22 - 23]، أي: وجد خلقاً غفيراً من الناس، يسقون من بئر فيها المياه، يردون بإبلهم ومواشيهم وأغنامهم، فيسقون من هذه البئر، ووجد امرأتين من دونهم متخلفتين متأخرتين عن الناس، تذودان أي: تمنعان ما معهما من الغنم عن الورود حتى لا تضيع الأغنام، وهما لا تقدران على مزاحمة الناس، فاستشعر فيهما الضعف، فسألهما عن حالهما فقال: {مَا خَطْبُكُمَا} [القصص:23]، بمعنى: أي خطب حل بكما، وما المصيبة التي أنتما فيها بحيث إنكما لا تقدران على السقي، {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} [القصص:23]. هنا أخبرتا موسى عليه الصلاة والسلام، فقالتا: لا نقدر على السقي مع هذا الزحام الشديد، وهذا يدل على حياء الفتاتين، قالتا: وأبونا شيخ كبير. إذاً: السبب في ذلك: أن الأب كان شيخاً طاعناً في السن، وكذلك كان ضعيفاً لا يقدر على ذلك، وقالوا أيضاً: إنه كان ضريراً، فهو لن يقدر على أن يسقي الغنم والإبل وهو على هذه الحالة، ولذلك خرجت الفتاتان وهما في غاية الحياء لا تقدران على مخالطة الناس مزاحمتهم، فكان منهما الانتظار حتى ينصرف الناس من هذا المكان، فتردان بما معهما من الأغنام للسقيا. قال تعالى: {فَسَقَى لَهُمَا} [القصص:24]، أي: أن موسى عليه الصلاة والسلام، أخذ ما معهما من إبل وغنم، فورد بهما وزاحم الناس وسقى لهما. وقيل: بل إنه وجد بئراً مغطاة، وكان عليها غطاء لا يرفعه إلا عشرة من الرجال أو أكثر من ذلك، فرفعه موسى عليه الصلاة والسلام وحده، وسقى من هذه البئر، فالله أعلم، ولكن قد حدث من موسى ما يدل على أنه قوي شديد القوة، حيث إن قوته كانت في أنه قطع أكثر من ألف كيلو متر ماشياً على قدميه صلوات الله وسلامه عليه، هارباً من فرعون، لا طعام معه ولا زاد إلا ما يجده في طريقه من أوراق الشجر ونحو ذلك، فهذا كان طعامه، ولذلك لما انتهى من السقي لهاتين الفتاتين دعا ربه سبحانه وتعالى أن ينزل عليه من خيره. ولما سقى لهما تولى إلى الظل، ونستفيد من ذلك أنه: لا يمتنع صاحب المعروف أو الإنسان المحسن من عمل المعروف حتى ولو كان به شيء من الضرر، فموسى كان مضروراً من خوفه من فرعون، ومن فراره وهربه، ومن مشيه هذه المسافة العظيمة البعيدة، ومن جوعه وعدم وجود ما يأكل، ومع ذلك سقى لهما وفعل بهما هذا المعروف العظيم، فذهبت الفتاتان، وموسى تولى إلى الظل عليه الصلاة والسلام: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]، أي: إني مفتقر إلى خيرك الذي تنزله علي، يعني: قد عودتني يا رب على الخير من عندك، وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي عندك. وهذا القول فيه أدب عظيم في الدعاء، وذلك أنه لم يقل: يا رب أنت حرمتني من الخير، يا رب أنت جعلتني جائعاً وأنت جعلتني عطشان، ولكن قال: أنت يا رب تنزل علي الخير دائماً، وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي تنزله علي. قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ} [القصص:25]، والفاء تفيد الترتيب والتعقيب، أي: فأجاب الله دعاءه حالاً وجاءت إحدى الفتاتين تمشي على استحياء، فمدحها الله سبحانه وتعالى أنها في غاية الحياء، أي: ليست ماشية في وسط الطريق، ولا هي تقتحم الرجال وتأتي موسى، بل إنها حين جاءت إلى موسى أتت إليه وهي في غاية الحياء، مستترة متغطية، وهي تطلب من موسى ما أمرها أبوها. قال تعالى: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} [القصص:25]، ولم تقل: تعال أريدك في كلمة، بل جاءت إليه وأخبرته أنها ليست هي التي طلبته، وإنما الذي يريده أبوها. {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]، هذا كلام فيه الجد، ولا يعتريه الهزل، وليس فيه ميوعة وليس فيه استطالة واستفاضة، إذاً: لا بد للمرأة حين تكلم الرجل أن تتكلم باستحياء، وتتكلم على قدر ما تريده فقط؛ ولذلك علم الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتكلمن مع الغرباء فقال لهن: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [الأحزاب:32]، أي: أنتن في غاية التقوى، ولكن لا يدفعكن هذا إلى الخضوع في القول: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32]. والإنسان قد يلين في القول من ناحية التواضع، ولكن إذا كان هذا التواضع سيطمع فيه من أمامه فلا داعي لهذا اللين في القول حتى لا يطمع فيه السفيه، ولذلك كانت هذه هي عادة المؤمنين التي مدحهم الله عز وجل عليها، أنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين. إذاً: المؤمن لا يكون متواضعاً مع الكافر، ولا خانعاً له، ولكنه عزيز عليه، فلو أنه خنع خضع للكافر فهذا سيجعل الكافر يستكبر عليه، ويطلب منه ما لا يجوز للمؤمن أن يعطيه إياه، فلذلك كان المؤمنون أعزة في دين الله عز وجل على الكافرين، متواضعين فيما بينهم. وأما التواضع في النساء فلا يوجد مانع من التواضع، ولكن إذا كان التواضع يدفع للخنوع واللين في القول بحيث يطمع فيها الذي أمامها، ويظن أنها تريد شيئاً، فيراودها عن نفسها، فهذا لا يجوز، قال تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [الأحزاب:32]. فهذه الفتاة جاءت لموسى عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} [القصص:25]، فقد ظهر أدبها في مشيتها، وقالت له كلاماً فصلاً. قوله تعالى: {قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} [القصص:25]، لماذا يدعوك؟ فلا بد أن توضح له، فمن الممكن أن موسى عليه الصلاة والسلام سوف يفكر لأي أمر من الأمور يريدني، ففصلت له هذا الشيء وأخبرته أنه يريد أن يعطيه أجرته على الذي عمل معهما، قال تعالى: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]. إن موسى عليه الصلاة والسلام نبي، وقد علمه الله وأدبه ورباه، وإن كان حتى هذا الحين لا يعرف عن نفسه أنه سيكون نبياً إلا ما كان من وحي لأمه وهو ما زال طفلاً، وربما حدثته بذلك، وربما لم تحدثه، فقد أخبرها سبحانه وتعالى بذلك، قال تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، ولكن موسى إلى هذه اللحظة لم يوح إليه أنه سيكون نبياً أو رسولاً عليه الصلاة والسلام. إن هذه الفتاة وضحت لموسى سبب دعوة أبيها له، فقالت: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]، ويظهر هنا أيضاً أدب موسى أنه لا كلام مع الفتاة؛ لأن الكلام مع الفتاة يفتح موضوعاً كبيراً قد يؤدي إلى الفتنة، فلم يقل: أنا لا آخذ أجرة، أنا عملت معروفاً ولا آخذ على المعروف شيئاً، فإن موسى إذا فعل ذلك سيفتح مجالاً للكلام، ولذلك لم يتكلم معها أكثر من أنه انصرف معها، وهي أمامه تدله على الطريق، فلما سارت أمامه هبت رياح كشفت جسدها؛ فقال لها: تنحي، وأمرها أن ترجع إلى الخلف، حتى يمشي هو أمامها، وهي تدله على الطريق. فجاء موسى عليه الصلاة والسلام إلى هذا الرجل، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ} [القصص:25]، وفيه دلالة على تبادل الحديث فيما بينهما. {قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]، فقد كان موسى إلى هذه اللحظة خائفاً من فرعون أن يصل إليه في هذا المكان، فأخبره الرجل أن فرعون لا سلطان له في هذه البلدة، وبهذا نجوت يا موسى، فقد هربت منه ونجاك الله عز وجل من هؤلاء القوم الظالمين.
تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره)
تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره) وقوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا} [القصص:26]، أي: لأبيها، {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} [القصص:26]، لماذا تستأجره؟ قالت: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]. ويتضح من ذلك أنها فتاة فصيحة وبليغة في كلامها، وعاقلة، فهي لما ذهبت لتدعو موسى مشت على استحياء وقالت له قولاً موجزاً: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ} [القصص:25]، ومن أجل ألا يقول لها: لماذا؟ ويفتح مجالاً للكلام معها قالت: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25]. فيذهب موسى عليه الصلاة والسلام وهو لا يأخذ أجراً من الناس على عمل المعروف، كان هذا عمل المعروف، ولا يجوز للمؤمنين أن يطلبوا أجراً على معروف أسدوه للناس، فكيف بموسى عليه الصلاة والسلام، ولكن الجدال ليس معها إنما مع أبيها، فلا بد أن يتوجه إلى أبيها، فإذا وصل إليه تكلم معه. إن الفتاة تقول لأبيها مشيرة عليه: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} [القصص:26] وبينت لأبيها السبب، فقالت: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]. كأنها تقول: موسى قوي وأمين، ولكن من حياءها وأدبها في الكلام جعلت تقول ذلك، فعممت الكلام حتى لا يظن أبوها فيها أنها تريد موسى، فقالت: استأجر هذا؛ لأنه لا بد أن تكون صفة من نريد أن نستأجرهم، القوة والأمانة، وهذا الرجل فيه القوة والأمانة. وقد عرفت هذه الفتاة أنه قوي لأنها رأت موسى وهو يزاحم الخلق بالأنعام والأغنام حتى استطاع أن يصل إلى الماء ويسقي لهما، أو أنه عليه الصلاة والسلام رفع حجراً ثقيلاً لا يقدر على رفعه إلا عشرة من الرجال، وسقى لهما الغنم والإبل. وعرفت أنه أمين، وذلك لما سارت أمامه، فإذا به يأمرها أن تسير خلفه؛ حتى لا ينظر إليها، فكانت تسير خلفه، وتدله على الطريق وهي الطالبة له، وليس هو الطالب لها، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} [القصص:26]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر وأبي جعفر: (يا أبتَ)، بفتح التاء، وكان أبو جعفر يقرأ: (يا أبتَ استاجره) مثل قراءة نافع وقراءة أبي عمرو. قال تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]. أي: إن خير أجير تستأجره من كان قوياً ومن كان أميناً. وكذلك يعلمنا الله عز وجل كيف نستأجر الأجير، فهو يعلمك حين تستأجر الأجير أن تسلم مالك لإنسان تأتمنه، ويملك قوة على إدارة عملك، فإذا قصرت واستأجرت إنساناً خائناً، فالتقصير من عندك أنت فلا تلومن إلا نفسك؛ لأن الله علمك كما في هذه الآية: أن الأجير الذي يستحق أن يعمل عندك، أو يعينك في عملك، لا بد أن يكون قوياً على هذا العمل، فإن كان عملاً بدنياً كان قوياً في بدنه، وإن كان عملاً ذهنياً كان قوياً في عقله وفي تفكيره، وإذا كان عملاً يحتاج إلى أخذ وعطاء، فالقوة في العقل والقوة في أخذه وفي عطائه وهكذا، إذاً: بحسب العمل الذي يعمل فيه يكون قوياً على هذا العمل، وأميناً لا يضيع العمل ولا يضيع المال، ولا يضيع صاحب العمل، فهو قوي أمين.
تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك)
تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك) فقال الرجل لموسى عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]. وهذا تفكير صائب من هذا الرجل الفاضل الصالح، إذ طلب من موسى أن يشتغل عنده في هذا المكان، فإنَّ موسى غريب، وهذا الرجل لا يوجد لديه أبناء، وهو ضرير، فموسى قد ينفرد مع بناته في مكان، صحيح أن موسى أمين، وأن موسى قوي، ولكن ما الذي يضمن كيف تكون الظروف عندما ينفرد مع بناته، لذلك طلب منه هذا الطلب. فهو لما وجده قوياً وأميناً وصالحاً، فأفضل شيء أن يتزوج واحدة من بناته ويمكث معها في هذا المكان، ثمان سنوات أو عشر سنوات، أي: فإذا كنت هارباً من فرعون، فإن مأواك هنا. فكان الرجل في غاية التفكير الجيد، وفي غاية التفكير الصائب حين يطلب منه تزوج إحدى ابنتيه، فقد قال هذا الشيخ لموسى عليه الصلاة والسلام: {إِنِّي أُرِيدُ} [القصص:27]، ولم يأمره بذلك، ولم يقل له: تزوج، بل قال: أنا أرغب في ذلك. قوله: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ} [القصص:27]، ولفظة النكاح هنا للتزويج، فإذا زوج إنسان إنساناً فلا بد من لفظة النكاح أو لفظة التزويج على خلاف بين العلماء في ذلك. ولكن قد نص عليها الله سبحانه، فقال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]، وليس في ذلك إيجاب للنكاح؛ لأن النكاح هنا على الإبهام، فالمعنى: اختر واحدة من الاثنتين وأنا أزوجك التي اخترتها. وقرأ الجمهور: {إِنِّي أُرِيدُ} [القصص:27]، وقرأ نافع وأبي جعفر: (إِنِّيَ أريد أن أنكحك) أي: أزوجك فعلاً وهذا ظاهر في قوله: أنكح. وقوله تعالى: {إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص:27] هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير: (إحدى ابنتي هاتيّنِّ). وقوله تعالى: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27] فيه دلالة على الإجارة، فيكون مهر الفتاة الإجارة، بأن يكون أجيراً عند أبيها {ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27] أي: ثمان سنوات، قال: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ} [القصص:27] أي: تفضلاً منك لو زدتهن إلى عشر سنوات.
عدد سنوات الإجارة التي مكثها موسى عند شعيب
عدد سنوات الإجارة التي مكثها موسى عند شعيب يا ترى كم من السنوات التي مكثها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ جاء في حديث رواه الطبري، ورواه أيضاً أبو يعلى عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكملهما وأتمهما) أي: أن ثماني سنوات هي مدة الإجارة، وزاد موسى سنتين تفضلاً منه، فقد مكث موسى عشر سنوات. قوله: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} [القصص:27] أي: أن ثماني سنوات كافية، ولا أريد أن أحرج عليك أو أشق عليك. {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص:27]، فيه أن الإنسان لا يمدح نفسه بصفة الصلاح إلا أن يذكر: إن شاء الله؛ لأنك لا تدري لعل الله يغير ذلك، فهذه آداب عظيمة في كتاب الله عز وجل، فلنتعلم منها. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [27 - 29]
تفسير سورة القصص [27 - 29] أرسل الله سبحانه وتعالى الأنبياء رحمة لهذه البشرية، وجعلهم أهلاً لحمل هذه الرسالة وتبليغها إلى جميع الناس، وكان من تربيته لهم سبحانه أن جعلهم يرعون الأغنام ليتعلموا سياسة أمور الناس، ويتعلموا الرقة والرحمة والعطف عليهم، ولنا في قصة موسى في مدين عظة وعبرة، فقد كتب الله له الزواج فيها، واصطفاه بالرسالة إلى فرعون وقومه في طريق رجوعه إلى مصر.
ذكر ما يستفاد من قصة موسى مع الرجل الصالح الذي زوجه ابنته في مدين
ذكر ما يستفاد من قصة موسى مع الرجل الصالح الذي زوجه ابنته في مدين الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:27 - 30]. يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة، كيف خرج موسى صلوات الله وسلامه عليه هارباً من مصر، متوجهاً إلى مدين في بلاد الشام، ومن الله سبحانه تبارك وتعالى عليه بالأمان، وسقى للفتاتين أغنامهما وأنعامهما، ثم جاءته إحداهما تمشي على استحياء، ودعته لأبيها فذهب، وقالت له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص:25] فذهب موسى إلى أبيها، فقص عليه قصته، مع فرعون، وكيف أنه فر هارباً منه، فقال مطمئناً له: {لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:25]. وذكرنا أن هذا الرجل على قول الكثيرين من المفسرين هو شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، واستبعد ذلك بعض المفسرين، والأرجح أنه ليس شعيباً وإنما هو رجل صالح، ولعله من أبناء شعيب، أو أبناء أخي شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وهذا الرجل الصالح قالت له ابنته: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} [القصص:26]، فوصفته بأنه قوي، ووصفته بالأمانة، فقال الرجل: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]. فأراد الرجل الصالح أن يزوج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من إحدى ابنتيه؛ حتى يمكث عنده في بيته، وفي بلده، فيكون أجيراً عنده، ثمان سنوات، ولم يذكر ما هي الأجرة التي سيأخذها موسى مقابل خدمته ثمان سنوات أو عشر سنوات؟ ولكن ذكر المفسرون أنه قال له: إنه لك من هذه الأغنام جزءاً، وفي بعض الروايات: أن له ما ولدت الأغنام في سنة من السنين على خلاف ألوان أمهاتها، فإذا كانت الأمهات سوداً فولدت بيضاء فهي لك، وإذا كانت الأمهات بلقاء فولدت حمراء فلك هذه، يعني: ما كان من أغنام على خلاف لون الأصل، قالوا ذلك، ولكن الله عز وجل لم يذكر لنا هنا ما الأجرة التي يأخذها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. لكن جاء في حديث ذكره الإمام القرطبي وإسناده فيه نظر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن موسى آجر نفسه على عفة فرجه، وعلى إشباع بطنه. لكن هذا كله لم يذكره الله عز وجل، لم يذكر إلا لفظ: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ} [القصص:27] أي: على أن تكون أجيراً عندي خلال هذه الفترة. وماذا سيكون مهر هذه الفتاة التي تزوجها موسى؟ أيضاً لم يذكر هنا إلا الإجارة، قالوا: إذاً سيكون أجيراً، والإجارة هي لنفع الرجل نفسه، فهل يأخذ من مهر ابنته ويشترط لنفسه؟ قد يكون هذا في شرعهم جائزاً، أما في شرعنا فلا يجوز، المهر في شرعنا للبنت، وليس لأبيها، فليس للأب أن يأخذ مهرها لنفسه، إلا ليزوجها به، وليحضر لها أثاثها وأمور بيتها مثلاً، أما أن يأخذ لنفسه المهر فليس له ذلك؛ لأنه ليس في شرعنا هذا الشيء، ولكن قد يكون هذا جائزاً في شرعهم. أو قد يكون المعنى أعم، أنه يكون أجيراً عنده، وأيضاً لنفع بناته من هذه الإجارة، فيخدم ويرعى الأغنام والأنعام، فيكون الناتج من ذلك جزء منه للأب وجزء للبنت، ولم يوضح لنا ربنا سبحانه ذلك، إنما ذكر {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]. وقوله تعالى: {فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا} [القصص:27] أي: إذا مكثت عشر سنين عندي فيكون هذا من عندك زيادة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى مكث الأجل الأتم والأفضل والأكمل. قال له الرجل الصالح: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ} [القصص:27] يعني: لن تجد من أخلاقي الصعوبة والعسر، ولكن ستجد مني التيسير وتجد مني الصلاح إن شاء الله، قال: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص:27]. {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ} [القصص:27] هذه قراءة الجمهور. وقرأ نافع وأبو جعفر: (ستجدنيَ إن شاء الله من الصالحين)، فهنا الإنسان لا يمدح نفسه أنه من أهل الصلاح إلا أن يستثني فيقول: إن شاء الله أكون على ذلك، فلا يدري هل يستمر على ذلك أم ينقلب عن الصلاح.
تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك)
تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك) قال تعالى: {قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ} [القصص:28] يعني: هذا العقد، أو هذا العهد بيني وبينك. قوله: {أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ} [القصص:28] يعني: أياً من الأجلين، سواء ثمان سنوات ثم أنا اكتفيت فيكون لي ذلك، أو عشر سنوات وفيها زيادة فلك ذلك. {أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص:28] يعني: لا حرج علي في ذلك، وإنك لا تلزمني بأن أمكث الأجل الأكثر بحسب ما يشاء الله سبحانه وتعالى. وقوله: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص:28] فجعل الله سبحانه وتعالى وكيلاً على ما يقولان، يعني: على ما يعقدان فيما بينهما. ومكث موسى هنالك عشر سنوات يرعى الأنعام، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (ما من نبي إلا ورعى الغنم). والحكمة في ذلك: أن الأغنام كثيرة الشرود والنفور وتحتاج إلى من يرعاها ويحوطها ومن يقوم بأمرها، وفيها الضعيفة، فيحمل الضعيف منها، وفيها المريضة، فيطعم المريضة ويراعيها وينظر في شأنها، فراعي الغنم فيه رقة، وفيه رحمة، وفيه حنان، فما من نبي إلا ورعى الأغنام. ولذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن التواضع والرقة في رعاة الأغنام، وأن الكبر والخيلاء في الفدادين الذين هم رعاة الإبل وأصحابها، فصاحب الإبل متعود على أن يركب فوق سنام الجمل، وينظر إلى الناس من عل، فيتعالى على الناس إلا من رحم الله عز وجل. فلذلك لم يجعل ربنا سبحانه الأنبياء رعاة إبل، وقد تكون الإبل عند هذا الرجل الصالح تبعاً للغنم، عنده أغنام كثيرة والإبل قليل، أو كل ما كان عنده أغنام كما ذكر البعض من المفسرين، لكن الله عز وجل يعلم الأنبياء كيف يسوسون الناس بهذا الأمر، ولا يكون ذلك إلا برعيهم الغنم، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وأنت؟ قال: (وأنا)، فقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم لأهل مكة على قراريط. فهذا من الله تأديب لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، وتعليم لهم وتخليق لهم على الحلم وعلى الصبر؛ لأن الأغنام تحتاج لصبر كثير من صاحبها في رعايتها، وأنه لو غفل عن أغنامه، جاء الذئب وأخذ منها، أو عاث فيها فساداً، والأغنام فيها شيء من الحمق، لو أن إنساناً ساق غنمة من أغنام كثيرة، فجرت الغنمة وقفزت من أعلى الجبل على الأرض لتبعها القطيع كله وقفز من فوق الجبل، ومات القطيع كله. ولذلك يحتاج راعي الغنم إلى أن يكون بصيراً برعاية الغنم، وإلى أن يعرف كيف يطعم هذه الأغنام، وكيف يكون معها، فالغنم تنفر بسرعة، ولو أن راعي الغنم أمسك عصاً وهي ذاهبة تشرب الماء؛ ليجعلها على الماء، لتركت الماء وهربت من خوفها وجبنها. فالأغنام تحتاج إلى من يسوسها، فالله عز وجل لحكمته جعل الأنبياء يعتادون على ذلك حتى يكون في أخلاقهم الحلم والصبر، وسياسة الأمر، كيف يسوسون أمر هذه الأغنام فيعتادون على سياسة أمور الناس إلى طريق رب العالمين سبحانه وتعالى. قال موسى {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [القصص:28] فجعل الله هو الشاهد على ما فعل هو والرجل الصالح. وهنا لم يذكر الله لنا من شهد هذا الزواج، وقد تزوج موسى ولم يكن حتى هذا الحين من الأنبياء، إلا في علم الله سبحانه وتعالى، ولكن الله عز وجل ذكر أنه تزوج من إحدى الفتاتين، قال: {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص:27]، يا ترى هل هذا زواج على الإبهام؟ هذا تخيير في البداية، فلما انتقى موسى إحداهما، قالوا: إنها الصغرى منهما، فصارت معينة فزوجه منها بهذا الشرط الذي اشترطه: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} [القصص:27]. ولم يذكر هنا شهوداً، واختلف العلماء في هل يشترط في النكاح الشهود أو يكتفى فيه بالإعلان؟ وقد ثبت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) إذاً: لا بد من الشهود، ولكن كما يقول الإمام مالك رحمه الله: إنه إذا انتشر الخبر بين الناس واستفاض فحضروا، كفى الإعلان عن الشهود، فإن لم يعلن فلا بد من الشهود، وإلا فلا يصح النكاح.
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله)
تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله) قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29] يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى أن موسى قضى الأجل، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام قضى أكملهما وأتمهما، والأجل الأكمل والأتم عشر حجج، أي: عشر سنين. ولما قضى موسى الأجل وانتهت الفترة سار بأهله؛ لأن الرجل أحق بأهله، ولذلك يقول العلماء: إن الرجل أحق بأهله أن يذهب بها حيث يشاء في أمر حياته ومعاشه، مع حاجته لذلك، إلا أن يكون شرطاً في النكاح عدم الذهاب بها، فجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج)، فإذا تزوج إنسان من فتاة وأبوها شيخ كبير، وأمها امرأة عجوز، ويحتاجان لخدمتها، فزوجاها من إنسان واشترطا عليه أنها لا تخرج من هذه البلدة التي فيها أبواها؛ فتزوج الرجل منها ثم أراد أن يأخذها إلى بلدة أخرى، فلها شرطها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج). إذاً: طالما كانن الشرط مع النكاح أو قبل النكاح وفيه مصلحة للمرأة، فلا بد من الوفاء بهذا الشرط. فموسى عليه الصلاة والسلام لم يشترط عليه الرجل أن البنت تمكث معه، ولكن عشر سنوات وينتهي الأمر، وانتهى الأجل، فسار موسى بأهله و {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29] إذاً: هو خارج من الشام متوجه إلى مصر فتاه في الطريق عليه الصلاة والسلام، والله يريد ذلك حتى يربي موسى، وكان موسى قوياً شجاعاً عليه الصلاة والسلام، ولكن في النهاية خاف من فرعون ومن معه لما أرادوا قتله، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلبه بالتوكل عليه سبحانه وتعالى، وعدم الخوف إلا منه وحده سبحانه وتعالى، فالله يخلق الأنبياء ويربيهم. ولذلك رأينا نبينا صلى الله عليه وسلم يوم أن فر عنه الناس يوم حنين، قام وحده صلى الله عليه وسلم يقاتل ويدافع في سبيل الله سبحانه وتعالى، وفي يوم حنين كان جيش المشركين عشرة آلاف من هوازن، وجيش النبي صلى الله عليه وسلم كان اثني عشر ألفاً، وجيش النبي صلى الله عليه وسلم حسب أمر الانتصار لصالحه، فخرجوا للقتال حسراً، أي: ليسوا لابسين دروعاً، وانتظرهم الكفار فوق الجبال، فلما وصل جيش المسلمين رشقوهم بالنبال، وفر الجيش كله، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا سبعون من اثني عشر ألفاً، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يترجل عن ناقته، ويتوجه إلى الكفار، ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه. وهذه شجاعة منقطعة النظير، إذ إن المطلوب في هذا القتال هو النبي صلى الله عليه وسلم وليس غيره، ومع ذلك يقول ذلك، وهذا مما خلقه الله عز وجل عليه، ووهبه له سبحانه من الشجاعة العظيمة والقوة العظيمة، حتى كانوا يقولون عنه صلى الله عليه وسلم: إنه أوتي قوة أربعين رجلاًَ صلوات الله وسلامه عليه، يقولون: كنا إذا احمي البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: عندما تشتد المعركة ويشتد القتال يحتمون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. فالله هو الذي يربي أنبياءه على الأخلاق العظيمة الفاضلة ويعصمهم سبحانه وتعالى، فأراد الله لموسى بهذه التربية أن يحسن التوكل على الله ولا يخاف إلا من الله سبحانه وتعالى، إذاً: لا بد أن يلاقي موقفاً من المواقف الصعبة التي يثبته الله عز وجل فيها، فمرنه ربه بهذا الليل، فهو في ليل بهيم مظلم وفي برد شديد قاس، وفي مكان تاه فيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا به لا يعرف أين يذهب هو ومن معه من أهله، فسار بأهله ولم يعرف الطريق فإذا بالله سبحانه وتعالى يريه ناراً في مكان، قال تعالى: {آنَسَ} [القصص:29] أي: بعد أن كان مستوحشاً استأنس بهذه النار التي رآها من بعيد، وذلك بعدما استوحش من الظلمة، وتاه في الأرض. قال تعالى: {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ} [القصص:29] أي: من جانب الجبل في سيناء عند جبل الطور، كأنه وجد ناراً هنالك، {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29]. {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [القصص:29] يأمر أهله أن ابقوا وامكثوا في هذا المكان، وأنا أذهب. وهنا حكمة من الله أن يذهب وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فيترك أهله في مكان ويطمئنهم، ويذهب هو وحده إلى هذه النار، حتى يأتي بخبر أو جذوة منها، فهو يريد أن يعرف أين الطريق، أو يريد شخصاً يخبره عن الطريق. فقوله تعالى: {آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ} [القصص:29] أي: طالما أن النار موجودة فلا بد أن أحداً أوقدها، إذاً: سيكون هناك شخص يدلني عن الطريق، وإذا لم أجد أحداً، أجد على الأقل جذوة من النار نستدفئ بها في هذا البرد الشديد في ليل الصحراء القاسي. وقوله تعالى: {أَوْ جَذْوَةٍ} [القصص:29] أي: قبس من النار، يعني: قطعة من النار، أو خشبة أشعلها من النار فنستدفئ بها. {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29] لعلكم تستدفئون بهذه النار. والقراءات في هذه الآية: {فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} [طه:10] قراءة الجمهور. وقراءة حمزة: (قال لأهلهُ امكثوا) بضم الهاء فيها. قوله تعالى: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [القصص:29]، قراءة الجمهور، بسكون الياء في لفظ: ((إِنِّي)). وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وابن كثير (إنِّيَ آنست ناراً). ومثلها: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا} [طه:10] هذه قراءة الجمهور. وفي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر: (لعلِّيَ آتيكم) وقوله: (بخبر أو جذوة من النار) فيها ثلاث قراءات: قراءة عاصم وحده: (جَذوة) بالفتح فيها. قراءة حمزة وقراءة خلف أيضاً: (جُذوة من النار). قراءة باقي القراء: (جِذوة من النار لعلكم تصطلون). أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [29 - 32]
تفسير سورة القصص [29 - 32] في سورة القصص يذكر الله تعالى حفظه لأنبيائه وتوفيقه لهم، فموسى اصطفاه الله بالنبوة وهو لم يكن يعرف ذلك، وقد كلمه الله وأيده بمعجزات وآيات ساطعة لمواجهة فرعون وقومه.
ذكر قصة موسى في وادي الطور
ذكر قصة موسى في وادي الطور الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:29 - 32]. يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصة مسير موسى عليه الصلاة والسلام من مدين بالشام إلى أن وصل إلى مصر، وكيف أن الله سبحانه أوحى إليه بالرسالة خلال هذه الرحلة قبل مجيئه إلى مصر، فصار نبياً رسولاً عليه الصلاة والسلام، وكذلك من الله على هارون فجعله نبياً. قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ} [القصص:29] أي: أخذ زوجه وانطلق من مدين متوجهاً إلى مصر بعدما قضى أكمل الأجلين وأتمهما عشر سنوات. وقوله تعالى: {آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} [القصص:29] حيث إنه كان يسير بليل في شدة برد وشدة ظلام، وتاه موسى عن الطريق عليه الصلاة والسلام، وقد حصل له كل هذا؛ لأن الله أراد أن يربيه ويعوده على الشجاعة وعدم الخوف من أي شيء، فهذا من تعليم الله وتأديبه وتربيته لموسى عليه الصلاة والسلام.
تربية الله لموسى
تربية الله لموسى ربى الله سبحانه موسى في بيت فرعون فتعلم موسى عليه الصلاة والسلام كيف يكون الإنسان وهو في بيت غريب عن أهله، فقد صار كأنه منهم، وصنع موسى عليه السلام بعين الله سبحانه وتعالى في هذا المكان، ولم يغتر بذلك؛ وهذا بفضل الله عز وجل من تربيته لموسى، وقد علم موسى من هم أهله من بني إسرائيل فكان يقف بجوارهم، وكان يدافع عنهم، فكانوا لا يظلمون مع وجود موسى وعليه الصلاة والسلام، وهذا من فضل الله عز وجل على موسى وعلى بني إسرائيل، وقد رباه الله في بيت هذا الفرعون المتكبر الذي يزعم أنه الإله، بل ويزعم أنه الرب، ومع ذلك لم يمل موسى إلى ما هم فيه من بذخ ومن أمور ملك، ومن باطل ما هم فيه، حتى خرج من مصر، وقد ذكر الله عز وجل لنا من حكايته في مدين، ثم رباه عز وجل في بيت الرجل الصالح الذي هو في مدين عشر سنين وهو يرعى الغنم، وهذه تربية أخرى من الله عز وجل ليعود موسى كيف يربي الناس بعد ذلك، وكيف يصبر على أذاهم، فكان صبره عظيماً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من صبره عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ابتلي وأوذي بشيء يقول: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا وصبر) فموسى صبر صبراً عظيماً عليه الصلاة والسلام، وهذا من قوله سبحانه: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39]، أي: برعايتي، وبكلاءتي، وبحفظي لك، فقد حفظه الله ورباه أحسن تربية على ما رأينا. وفي هذه الآية يبين الله عز وجل كيف أنه رباه على عدم الخوف إلا منه وحده لا شريك له، فموسى في ظلام الليل وفي شدة البرد، وفي مكان قد تاه فيه ولا يعرف الطريق، فآنس ناراً، أي: أنه استوحش فآنس هذه النار، فتوقع أن يجد بجوارها أحداً قد أوقدها، لعله يأتي منها بخبر، أين الطريق؟ وكيف يتوجه؟ أو يأتي بقبس من هذه النار، فيصطلي هو وامرأته في هذا المكان الشديد البرد. قال تعالى: {لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [القصص:29]. ووصل موسى وحده عليه الصلاة والسلام إلى مكان هذه النار، فلما أتاها وجد أمراً عجيباً، وجد شجرة خضراء متقدة ومشتعلة ناراً، ومن العجب أنه لا الماء الذي في الشجرة يطفئ هذه النار، ولا النار تتغير من خضرة هذه الشجرة، فتعجب لأمرها، فلما أتاها ناداه ربه سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص:30]، فوصل إلى الشجرة التي هي في بقعة مباركة في واد في طور سينا في الجبل المبارك، أو في الأرض المباركة. قوله تعالى: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ} [القصص:30] شاطئ المكان أي: جانب المكان. قوله تعالى: {مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} [القصص:30]، يفهم من هذا وهو متوجه إليها أن الشجرة كانت على يمين موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، من شاطئ الوادي الأيمن من هذه البقعة المباركة، من أرض تسمى سِيناء، وتسمى سَيناء، وتسمى سينين، وقد ورد ذكرهم في القرآن، (سِيناء) و (سَيناء) قراءتان في الآية، و (سينين) طور سينين، والطور بمعنى: الجبل وسِيناء وسَيناء وسنين بمعنى المباركة، فهي أرض باركها الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك أمر الله سبحانه موسى فقال: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]، أي: في مكان اسمه طوى، أو الوادي الذي قدسناه مرتين، وطهرناه مرتين. قال تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} [طه:13]، فجاءت له الرسالة في هذا المكان عليه الصلاة والسلام، فهو مكان مبارك نزلت الرسالة على موسى فيه. ويقول سبحانه: {نُودِيَ} [القصص:30] الذي ناداه هو الله عز وجل، يدل على ذلك ما ذكر في سورة طه: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه:12]. وقوله تعالى: {نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ} [القصص:30]، فيخ دلالة على أنه سمع الصوت من داخل الشجرة. وقوله تعالى: {فِي الْبُقْعَةِ} [القصص:30] أي: في الأرض. وقوله تعالى: {الْمُبَارَكَةِ} [القصص:30] أي: من الشجرة. قال تعالى: {أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]، فموسى متوجه إلى مصر، ومصر فيها الفرعون الذي قال للناس: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]، وهو نفسه الذي قال للناس: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فهنا يبين الله سبحانه وتعالى لموسى الذي يعلم أن الله هو الرب سبحانه، وأنه هو الأعلى وحده لا شريك له، فيقول له: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ} [القصص:30]. وقد ناداه سبحانه {أَنْ يَا مُوسَى} [القصص:30]، أي: اسمع يا موسى. وقوله تعالى: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30] هذه قراءة الجمهور. وأما قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو فهم يقرءون: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]، وهذه الآية نداء من الله سبحانه لموسى، وجمع الله في هذه الآية بين الربوبية له سبحانه: أنه الرب المدبر لكل شيء، وأنه الخالق لكل شيء، وبين الألوهية له سبحانه: أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فالرب الخالق هو وحده الذي يستحق أن يكون إلهاً حقاً معبوداً. وقوله تعالى: {الْعَالَمِينَ} [القصص:30] جمع عالم، أي: كل عالم، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وعالم الأرض، وعالم السماء، وعالم الملائكة، وكل العوالم العلوية والسفلية، الله خالقها ورازقها ومدبر أمورها، وهو ربها سبحانه وتعالى.
تأييد الله لموسى بالآيات
تأييد الله لموسى بالآيات قال تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31]. قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص:31] أي: ارم عصاك على الأرض. وهنا كان أول العجب لموسى أنه يرى هذه النار في هذه الشجرة، ثم النداء من داخلها، والله عز وجل يناديه، فيقول له: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص:30]، فأسمعه الله سبحانه كلامه واختص موسى وحده بذلك عليه الصلاة والسلام، حتى جاء نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكلمه الله عز وجل على الأرض، فالنبي الوحيد الذي كلم على الأرض واختص بذلك هو موسى عليه الصلاة والسلام، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فكلمه الله فوق السموات عليه الصلاة والسلام، حين رفع إلى سدرة المنتهى، ورأى نوراً، وكلمه ربه سبحانه وفرض عليه الصلاة، أما على الأرض فالذي خاطبه الله عز وجل وكلمه هو موسى؛ ولذلك وصف بأنه (كليم الله) أي: الذي كلمه الله؛ لقوله سبحانه: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف:143]، وهذا دليل على أن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص:31] هذه معجزة ثانية وآية ثانية؛ حتى يعلم أنه رسول، وأن الذي يخاطبه هو الله عز وجل حقاً، فلابد أن يريه الله معجزاته، فقد رأى هذه الشجرة التي تتقد ناراً وهي لا تحترق، وسمع النداء من جوف هذه الشجرة، ولا يرى شيئاً عليه الصلاة والسلام، سوى هذه الشجرة. وقوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [القصص:31] آية أخرى، وهي العصا التي في يد موسى عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر الله ذلك في سورة طه، فقال: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه:17]، بعدما أمره بقوله سبحانه: {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه:12]، فيستجيب موسى لأمر الله عز وجل، ويخلع نعليه لينال بركة هذا الوادي المبارك، أو ليتأدب مع ربه سبحانه وتعالى. ثم يقول الله له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:17 - 18]. ويسرد الله عز وجل ذلك: أن موسى يتكلم عن يقين، أن هذه العصا يعرفها جيداً، ويعرف ماذا يعمل بها، عندما يمشي ويتكئ عليها، وليست شيئاً آخر. وقوله تعالى: {هِيَ عَصَايَ} [طه:18] العصا لي ولم أطلبها من أحد، ولم آت بها من أي مكان، فهي معي دائماً. قوله تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه:18] أمشي عليها. وقوله تعالى: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه:18] أي: عندما أرعى الأغنام أضرب أوراق الشجر، فينزل ورق الشجر فتأكل منه هذه الأغنام. وقوله تعالى: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه:18] أي: منافع أخرى وحوائج أخرى. قال تعالى: {قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى} [طه:19]، أي: ارم هذه العصا على الأرض التي أنت متأكد أنها عصاك. فقال سبحانه: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20]، أي: فألقى العصا التي يعرفها تماماً على الأرض، فهذه معجزة وآية أخرى لموسى عليه الصلاة والسلام، وأيضاً هي نوع من التشجيع والتربية لموسى على ألا يخاف من شيء، في وسط هذا الليل البهيم المظلم والبرد القارس والمكان الموحش الذي لا أحد به إلا الله سبحانه وتعالى، فموسى عليه الصلاة والسلام، يمرن على الشجاعة وعلى ألا يخاف. قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ} [النمل:10] أي: أن العصا وقعت على الأرض، فإذا بها دبت فيها الحياة واهتزت تسعى وتتحرك. قال تعالى: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النمل:10] والجان والجنان: الحية والحيات، فقد وجدها موسى كحية عظيمة تسعى وتتحرك في الأرض، وتفتح فمها، فخاف موسى عليه الصلاة والسلام. قال سبحانه: {وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10] فالذي يولي مدبراً، أي: وجه ظهره إليه، والذي يعقب، أي: يرجع مرة أخرى وينظر، ولكنه لم يعقب، حيث جرى موسى عليه الصلاة والسلام من شدة الخوف، وقد أراد الله عز وجل أن يخيفه ثم يطمئنه حتى يتعود موسى عليه الصلاة والسلام على الشجاعة في المواقف التي ستكون أقل من ذلك. قوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل:10] أي: أعطى ظهره وجرى. وقوله تعالى: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل:10] أي: لم ينظر إلى هذا المكان، ولم يرجع إليه. وقال الله عز وجل لموسى: {يَا مُوسَى لا تَخَفْ} [النمل:10] أي: ارجع إلى مكانك مرة أخرى. وقوله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31] كأنه يقول: لأنك من الآمنين، أو نؤكد لك أنك من الآمنين، ارجع إلى مكانك. فرجع موسى إلى مكانه فأمره الله سبحانه وتعالى أن يأخذ هذه العصا مرة ثانية وهو في غاية الرعب، والحية تسعى أمامه، ولكن الله طمأنه، وقال: {خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه:21]، أي: سوف نرجعها مرة أخرى عصا كما كانت في يدك. فأمسك موسى عليه الصلاة والسلام بالثعبان فإذا به يرجع عصا مرة أخرى. فمن يمسك ثعباناً من رأسه، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام شجعه ربه سبحانه بهذه التربية العظيمة، فأمسك بهذه الحية التي تسعى، فإذا بها ترجع مرة ثانية إلى هيئتها الحقيقة. وحجم الحية ذكره الله لنا في سورة طه أنه لما حاج موسى فرعون وجاء السحرة فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إلى موسى من سحر هؤلاء أنها تسعى، فأمره الله عز وجل {أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [الأعراف:117] فلما ألقاها، قال تعالى: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف:117]، وهذا يدل على أنها حية ضخمة جداً التي كانت مع موسى عليه الصلاة والسلام. وقوله تعالى: {تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} [الأعراف:117] أي: تأكل كل العصي، وكل الأشياء التي أمامها، والتي ظن هو أنها حيات، فصارت شيئاً ضخماً، وعندما يؤمر موسى أن يأخذ هذه الحية الضخمة بيده مرة ثانية فهو شيء مرعب ومخيف، ولكن الله يطمئنه فيقول: {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى} [طه:21] فيمسكها موسى مرة ثانية، فهو أمسك حية تسعى فصارت عصا مرة ثانية. فهنا يعلم الله عز وجل موسى حتى لا يخاف عليه الصلاة والسلام إذا حدث هذا أمام فرعون، فلو أنه كان للمرة الأولى أمام فرعون وهو خائف، ويمسك العصا ويرميها فتصبح حية، فمن الممكن أن يخاف موسى ويهرب أمام فرعون ويهرب من هم موجودون، ولكن الله يربي موسى على الشجاعة، فإن هذه الحية تمرين وتدريب على ذلك، فعندما تصير حية هناك لا يخاف موسى عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: {يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص:31] فأمنه الله سبحانه وتعالى مما يحاذر الآن من أمر هذه الحية، وبعد ذلك مما هو قادم عليه مع فرعون وملئه. قال تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:32]. قوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} [القصص:32] آية ثالثة، فالشجرة التي فيها النار آية من آيات الله سبحانه، وكلام الله عز وجل لموسى آية من آياته سبحانه، والعصا التي صارت حية آية من آياته، وهذه آية أخرى وهي قوله تعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص:32] فالجيب: هو مكان دخول الرأس من القميص، فأمره الله عز وجل أن يدخل يده في جيبه، فأدخل موسى يده في جيبه. قال تعالى: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [القصص:32]، وقد كانت يده سمراء، حيث إن موسى عليه الصلاة والسلام كان أسمر، فلما أدخل يده في جيبه، خرجت يده من جيبه بيضاء شديدة البياض لها شعاع كالشمس. قوله تعالى: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [القصص:32] أي: تحولت إلى البياض، وهذا البياض ليس برصاً ولا بهاقاً، ولكن آية من آيات الله وجمالاً منه سبحانه فوق جمال موسى، أن تخرج بيضاء من غير سوء، ثم ترجع اليد مرة أخرى إلى ما كانت عليه. فهي آية من آيات الله عز وجل ليثبت موسى وليريه أن هذا حق من عند الله سبحانه. قوله تعالى: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص:32]، أي: إذا خفت ضع يدك على صدرك؛ يذهب الخوف؛ لذلك كان ابن عباس رضي الله عنه يذكر أنه ما من إنسان يخاف فيضع يده على صدره متوكلاً على الله منفذاً لذلك، إلا ويذهب الله عز وجل ذلك عنه، والله أعلم. وقوله تعالى: {مِنَ الرَّهْبِ} [القصص:32] هذه قراءة حفص عن عاصم بفتح الراء وبسكون الهاء. وأما قراءة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (مِنَ الرُّهْبِ) وهو نفس المعنى. وقراءة بقية القراء: (مِنَ الرَّهَبِ) بالتحريك فيها، والمعنى: أنه إذا خشيت وأرهبت ضع يدك على صدرك؛ يذهب عنك الرعب، ويذهب عنك الرهب، فيطمئن موسى عليه الصلاة والسلام، فيقول له ربه سبحانه: {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} [القصص:32]. فهذه جملة آيات وجميعها لموسى عليه الصلاة والسلام، ولكن منها ما هو لفرعون
تفسير سورة القصص [32 - 35]
تفسير سورة القصص [32 - 35] اصطفى الله سبحانه وتعالى موسى ليكون رسولاً إلى فرعون وقومه، وأيده بأخيه هارون وبمعجزتي العصا ويده التي تخرج بيضاء من غير سوء، وطلب موسى العون من ربه في تبليغه الرسالة دليل على افتقاره إلى ربه واتكاله عليه، وسورة القصص توضح لنا ذلك.
اصطفاء الله سبحانه لموسى عليه وسلم بالرسالة إلى فرعون وملئه
اصطفاء الله سبحانه لموسى عليه وسلم بالرسالة إلى فرعون وملئه الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص:33 - 37]. لما ذكر الله سبحانه وتعالى كيف أنه أوحى إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو بالوادي المقدس طوى، وأن الله سبحانه وتعالى أراه آيات؛ ليربيه ويمرنه على الشجاعة وعدم الخوف من فرعون، وعلى أن يتشجع في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ففي هذا الوقت الذي أوحى إليه كان موسى عليه الصلاة والسلام تائهاً في صحراء شاسعة، في ليل مظلم، وبرد شديد، ومعه زوجه ليس وحده في الطريق، فإذا به يرى نوراً أمامه أو ناراً مشتعلة، فظن أنه إذا أتاها يحصل منها على قبس أو يعرف منها خبراً عن الطريق، فلما أتاها كان الوحي من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:11 - 13]. فجاءته الرسالة من رب العالمين سبحانه، وجاءه الاصطفاء والاتباع والاختيار من الله حيث قال له ربه: أنا اخترتك فاستمع لوحينا، {فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13]، ثم قال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} [طه:14]، فبدأ بالتوحيد، فالله عز وجل هو الإله المعبود وحده لا شريك له، والإله: هو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، وإن كانوا زعموا بوجود آلهة غير الله سبحانه، وهي آلهة باطلة، ولذلك معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أقر وأستيقن من قلبي وأؤمن كأني أرى أمامي هذا الذي أقوله، فأنا أشهد بالحق كأني أعاين هذا الحق الذي أشهد به، أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة حقاً إلا الله سبحانه وتعالى، ولا معبود حق إلا الله، فالمعبودات الباطلة كثيرة، فهذا فرعون نصب نفسه إلهاً على قومه، واستخف بهم، وقال لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فأطاعوه فيما هو فيه. فزعم فرعون أنه إله، بل تعدى وزعم أنه رب، حاشا لله أن يكون له شريك سبحانه وتعالى، فلما قال لهم ذلك، فهو إله من الآلهة الباطلة، والله عز وجل يذر الآلهة، ويقول سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43]، فالآلهة الباطلة كثيرة، ولكن الإله الحق المعبود واحد لا شريك له، فعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، معناه: أنه لا يوجد إله حق إلا إله واحد سبحانه وتعالى؛ ولذلك أنت تعلم بوجود آلهة كثيرة كلها باطلة ولكن الإله الحق واحد؛ ولهذا لا يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا إله موجود إلا الله، هذا خطأ، فالآلهة الموجودة كثيرة، إنما التقدير الصحيح: لا إله حق إلا الله سبحانه وتعالى. هذا معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأما أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: هو رسول هذا الإله الحق الذي أرسله إلينا برسالة، وبشريعة من عنده سبحانه وتعالى، إذاً: نحن نعبد الإله العظيم وحده لا شريك له، عن طريق المتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله عز وجل وإلى ما يرضيه سبحانه، وإلى كيفية إقامة شرعه عن طريق معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه من كتابه وسنته.
تأييد الله لموسى صلى الله عليه وسلم بالآيات وبأخيه هارون دليل على افتقار موسى إلى ربه
تأييد الله لموسى صلى الله عليه وسلم بالآيات وبأخيه هارون دليل على افتقار موسى إلى ربه عرفنا أن الله سبحانه أوحى إلى موسى، قال تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13]، فإذا كان الله قد اختاره فلا بد أن يبين الله أن الذي يكلمه هو نفسه سبحانه، وأنه هو الذي يؤيده بمعجزات، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلقي عصاه، قال تعالى: {فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه:20]، وأمره الله أن يدخل يده في جيبه، قال تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [النمل:12]، وهذه معجزة أخرى، قال تعالى: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} [طه:23] أي: نريك الآيات العظيمة الكبيرة التي تقر بها عينك ويطمئن بها قلبك. قال الله سبحانه وتعالى: {اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص:32]، أي: فإذا خفت يا موسى فاضمم جناحك إليك، واضمم يدك إلى صدرك، يذهب الله عز وجل عنك ما تعانيه من خوف، {فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ} [القصص:32] أي: آيتان قويتان من عند الله سبحانه إلى فرعون وملئه؛ لكي يعرفوا بهما الحق الذي أنت عليه، ثم قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [القصص:32] أي: خارجين عن طاعة الله. وقال موسى متعللاً ويطلب من الله عز وجل التثبيت أكثر: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص:33 - 34]. هنا تعلل موسى بعلتين، لا ليترك الرسالة، ولكن ليعينه الله سبحانه، وليثبته، فهو يعترف بالضعف وبالعجز، وأنه محتاج إلى الرب سبحانه وتعالى ليعينه، فحري بالإنسان الذي يتوسل إلى الله ويتضرع إليه بعجزه أن يعينه الله سبحانه وتعالى، فالإنسان الذي يقول: يا رب، فإن الله معه؛ لأن الله يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفراً، فموسى دعا ربه سبحانه وهو في مدين قال تعالى: {فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص:24]، فانظروا إلى أدب سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو يتأدب في طلبه مع الله سبحانه، فمعنى قوله: يا رب، أنت أنزلت إلي خيراً كثيراً وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي أنزلت.
الأنبياء لا يطمعون في الدنيا ولكن لا غنى لهم عن بركة الله
الأنبياء لا يطمعون في الدنيا ولكن لا غنى لهم عن بركة الله اختبر الله عز وجل أيوب عليه الصلاة والسلام، وامتحنه ثماني عشرة سنة، ثم من عليه سبحانه وتعالى، بأن رد إليه صحته، ورد إليه ماله، وأعطاه الأولاد، وملأ له الخزائن التي كانت تملأ بالقمح وبالذرة أو بالشعير ذهباً، ثم إذا به يبتليه سبحانه ويمتحنه وينزل له من السماء جراداً من ذهب، فيبسط أيوب عليه الصلاة والسلام ثوبه ليأخذ هذا الذهب، فقال الله عز وجل لأيوب: ألم أكن أغنيتك عن هذا، أي: ما مقدار الجراد الذي هو من ذهب أمام الخزائن المملوءة بالذهب عندك، فإذا بالجواب العظيم من أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أن الأمر ليس في الذهب، ونحن نعلم أن هؤلاء الأنبياء الذين عصمهم الله سبحانه لا مطامع لهم بالدنيا، فلما سأله الله: لماذا تبسط ثوبك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك، فهناك أشياء تنزل من السماء قريبة العهد بنا من الله سبحانه وتعالى، فهو لا يستغني عن بركته أبداً حتى لو أعطاه ما أعطاه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حين ينزل المطر من السماء، فيحسر ثوبه عليه الصلاة والسلام لينال من بركة ما نزل من السماء، فهذا المطر طهور، حيث قال الله عز وجل: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]. فكان يحسر ثوبه لينال من بركة هذا الماء المنزل من السماء.
أسباب طلب موسى عون ربه على تبليغ رسالته
أسباب طلب موسى عون ربه على تبليغ رسالته قال موسى عليه الصلاة والسلام معترفاً بعجزه: إني ضعيف، ولن أذهب لقوم لا يسمعون لي، فأنا قد قتلت منهم نفساً، فأخاف أن يستقبلوني بالقتل، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [القصص:33]، أي: أنا هربت منهم عشر سنين وقد قتلت منهم نفساً {فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [القصص:33]، أي: أخاف أن يقتصوا مني وأن يقتلوني بهذه النفس. وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [القصص:33]، على قراءة الجمهور، وأما قراءة يعقوب: (فأخاف أن يقتلوني). السبب الثاني: وهو أن في لسانه عقدة، وهو صغير كأن فرعون أراد قتله لأمر فعله موسى، وهو أن موسى عليه الصلاة والسلام لما حمله فرعون، قيل: إنه شده من لحيته، أو أنه عبث بها، فهم فرعون بقتله، فحاولت امرأة فرعون أن تصرف فرعون عن قتله، وتقول: إنه صبي لا يميز ولا يفهم، فأراد فرعون أن يعرف هل موسى يميز أو لا يميز، فقالت امرأة فرعون لفرعون: أره جوهرة وأره ناراً، فإن أخذ الجوهرة يقتل، فقيل: إنه مس جمرة بلسانه عليه الصلاة والسلام، ولم يمس الجوهرة، فالله عز وجل أرى فرعون أن هذا الصبي لا يفهم الذي يفعله، حتى ينجيه الله عز وجل منه، فكان موسى في لسانه عقدة، إذا نطق يصعب عليه النطق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وهذا سبب قول فرعون لقومه لما ذهب موسى يناظرهم كما قال تعالى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52] فكلمة مهين أي: حقير، حيث إنه كان هارباً منا ثم رجع إلينا وهو لا يعرف أن يتكلم، ففرعون يعير موسى بأن فيه عقدة في لسانه، وأنه لا يجيد الكلام، قال تعالى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]. فموسى عليه الصلاة والسلام يعترف بعجزه لربه سبحانه، ويقول: إن لساني ضعيف، لا أستطيع أن أنطق ولا أستطيع أن أجادل هؤلاء، وإن أقصى ما يتمناه موسى أن يكون معه من يستطيع أن يتكلم عنه؛ ولذلك قال الله تعالى على لسان موسى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص:34]، وطلب موسى من ربه أن يزيل ما بلسانه من عقدة لا يقدر معها على الإبانة والإفصاح، فاستجاب الله له، فقال سبحانه في سورة طه: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه:25]، أي: أفسح صدري، ولا تجعله ضيقاً حرجاً؛ لأن الإنسان الضيق الصدر لا يستطيع أن يصبر على كلام الخصوم، فإنه إذا استمع إلى كلامهم سرعان ما يثور، وقد كان موسى عليه الصلاة والسلام فيه حدة، وفيه غضب لله، فكان سريع الغضب لله سبحانه وتعالى، ولذلك كان بنو إسرائيل يحبون هارون أكثر من موسى، وهارون كان أكبر من موسى بسنة، وكان أكثر ليناً مع بني إسرائيل من موسى، ولذلك لما مات هارون وهو مع موسى، ورجع موسى اتهموه بقتل هارون، قالوا: أنت قتلته؛ لأنه كان ألين منك وأرق منك قلباً، وهذا كذب وافتراء على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. لما دعا موسى ربه كما قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي} [طه:25] دعاه دعوة أخرى فقال: {وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي} [طه:26]، فإن توفيق الإنسان يكون بالله سبحانه وتعالى، فموسى عليه الصلاة والسلام لا يقدر على شيء بنفسه، إلا أن يقدره الله له، فطلب من الله أن يشرح له صدره، وأن ييسر له هذا الأمر الذي يتوجه إليه، ويدعو إليه ربه قال تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا} [طه:27 - 29]، فقال: وزيراً وهنا قال: {رِدْءًا} [القصص:34]، فالوزير: هو المؤازر، والمناصر والمدافع، أي: اجعل من يكون معي وزيراً يحمل معي الأوزار، والأثقال، ويحمل معي أعباء النبوة، وقوله تعالى: {رِدْءًا} [القصص:34] أي: ناصراً ومدافعاً، يدافع عني بشيء آخر. قال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} [القصص:34]، أي: يستطيع أن يتكلم ويجيد التعبير عما يقول، فهذا فصيح اللسان، وأما البليغ: فهو الإنسان الذي يتكلم بكلام موجز قليل يعبر به عن معان كثيرة، والله سبحانه جعل للأنبياء هذه الخصائص، جعلهم يجيدون التعبير عن الأشياء العظيمة بألفاظ قليلة، وأجود بلاغة بلاغة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه قال: (أوتيت جوامع الكلم)، أي: مجامع الكلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبر بالكلمات الموجزة التي تشرح في مجلدات كثيرة، فلو أخذنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، فقد بنى عليه العلماء قواعد فقهية ومسائل كثيرة جداً، وخرجوها من هاتين الكلمتين.
اختلاف القراءات في قوله تعالى (فأرسله معي ردءا يصدقني)
اختلاف القراءات في قوله تعالى (فأرسله معي ردءاً يصدقني) قوله تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي} [القصص:34]، فقراءة الجمهور: {فَأَرْسِلْهُ مَعِي} [القصص:34]، وقراءة حفص عن عاصم: (أرسله معيَ ردءاً يصدقني)، فقوله: (ردءاً)، هي قراءة البعض، وقراءة نافع: (ردا يصدقني)، وكذلك قراءة أبي جعفر، ولكنه يقرأ: (أرسله معي ردا يصدقْني)، وكأن (يصدقْ) جواب الأمر، حيث إن قوله: (أرسلهْ معي) طلب فكانت مجزومة على قراءة نافع، وكذلك قراءة أبي جعفر. وبقية القراء يقرءون: (فأرسله مَعِي ردءاً يصدِّقُني). فموسى عليه السلام طلب من الله عز وجل أن يعينه بهارون، فيكون معه وزيراًَ، ويكون معه معيناً ومدافعاً، ومقوياً له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يخاف من تكذيب هؤلاء. واستجاب له ربه سبحانه، فقال سبحانه في سورة طه: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36]، أي: كل ما سألت، فكل الذي طلبته: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} [طه:52 - 32]، كل هذا استجبنا لك فيه، قال تعالى: {قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى} [طه:36]، وليس الآن فقط، فقد مننا عليك قبل ذلك بنعم كثيرة، قال تعالى في سورة القصص: {سَنَشُدُّ} [القصص:35]، أي: سنقوي، {عَضُدَكَ} [القصص:35]، أي: أمرك، وأصل العضد: يد الإنسان، وذراع الإنسان عضده، فهو يمسك الأشياء بيده ويبطش بها ويأخذ ويعطي، ويعبر بذلك عن القوة، فقال: {سَنَشُدُّ عَضُدَكَ} [القصص:35]، أي: سنقويك في أمرك، بأخيك هارون. قال تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} [القصص:35]، والسلطان: هو الحجة والبيان من الله سبحانه وتعالى، أي: بيان قوي وحجة قاهرة باهرة، قال تعالى: {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} [القصص:35]، فالله عز وجل يعصمهما؛ لأنهما نبيان من أنبياء الله، وقد قيل: إنه كان أنفع أخ لأخيه على مر التاريخ موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فهو الوحيد الذي نفع أخاه بمثل هذه المنفعة العظيمة؛ لأن النبوة ليست كسباً يكتسبها الإنسان، فالوحيد الذي فعل به ذلك هو هارون؛ ببركة دعاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل جعل أخاه بدعائه نبياً. قال تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} [القصص:35]، وهنا طمأن الله موسى أن فرعون لن يستطيع عليه، لذلك كان موسى في غاية الشجاعة، حين يكلم فرعون ويرد عليه الحجة التي كان يقولها فرعون، فحجة فرعون ضعيفة، ويرد عليه موسى بالحجة القوية، التي يبهت بها فرعون، فلا يقدر أن يرد عليه، قال تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص:35]. هنا أخبر الله سبحانه أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هو وهارون الغالبان، وليس هما فقط، بل قومهما معهما، فقال تعالى: {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص:35]، وذلك حين نعطيكم الحجة والبرهان، قال تعالى: {وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا} [القصص:35]، فبالسلطان الذي من الله، وبقوة المناصرة من الله، لا يصلون إليكما. ثم قال تعالى: {بِآيَاتِنَا} [القصص:35]، أي: لا يصلون إليكما وأنتما معكما الآيات من عند الله، قال تعالى: {بِآيَاتِنَا} [القصص:35]، أي: بتأييدنا ستغلبون هؤلاء: {أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص:35]، فكان وعد الله حقاً، فقد نصر الله موسى وهارون وقومهما على القوم الظالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [36 - 49]
تفسير سورة القصص [36 - 49] يخبر الله تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرض ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة الدالة على صدقهما فيما أخبرا عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتيقنوا أنه من عند الله عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، فكان عاقبتهم أن أهلكهم الله جميعاً، وذلك جزاء الظالمين.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص:36]. ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية وما قبلها كيف أنه أرسل إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل عليه الوحي لما جاء موسى إلى طور سيناء، فالله سبحانه وتعالى كلمه وأسمعه سبحانه كلامه، وأوحى إليه بأنه صار رسولاً له سبحانه، قال تعالى: {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى} [طه:13]، أي: استمع لوحينا، فأوحى الله عز وجل إليه: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [طه:14]. ثم أمره سبحانه أن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون إنه طغى، وذلك بعدما سأل موسى ربه سبحانه أن يجعل هارون معه نبياً، جاءت الرسالة لموسى عليه الصلاة والسلام، وتوجه موسى إلى فرعون فذهب إليهم بآيات الله سبحانه التي علمه ربه والتي دربه عليها.
ذكر محاجة موسى لفرعون وقومه
ذكر محاجة موسى لفرعون وقومه قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ} [القصص:36] ومكث فيهم موسى فترة طويلة يدعوهم إلى الله سبحانه، وناظرهم وحاجهم، وقال له فرعون: من هذا الرب الذي تدعو إليه؟ أو لك رب غيري؟ فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون بإجابات فصيحة وبليغة، وقد شفاه الله عز وجل مما كان بلسانه من عقدة، فأجاب فرعون وحاجه، ولم يقدر فرعون على الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما تقدم في الآيات في سورة طه، قال: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى} [طه:49 - 54]. وفرعون كان يقول لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فبين موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن الذي يخلق والذي يرزق، والذي ينزل من السماء ماء وينبت به أزواجاً من نبات شتى، والذي يطعمكم ويسقيكم ويعطيكم هو الله سبحانه وتعالى. وفرعون يعلم في نفسه أنه حقير وأنه ليس إلهاً، وأنه كذاب يكذب على قومه، وفرعون لم يكن له أولاد، فكان يكذب على قومه ويخدعهم ويقول: أنا ابن الشمس؛ وذلك لأنه لم يكن له أبناء، فكان يوهمهم أنه ليس منهم وإنما هو ابن للشمس، فاتبعوه وعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وأوهمهم أنه يقدر على الخلق فقال: {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ} [الزخرف:51]، فاستخفهم فأطاعوه. فيبن موسى للجميع أن الرب الله سبحانه وتعالى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} [الشعراء:26]، قال فرعون لقومه: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27] فقال موسى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:28]، ففرعون رمى موسى بالجنون؛ لأنه لا يقدر على المواجهة بالقول وبالحجة، فإذا به يذكر قومه بما كان عليه موسى قبل ذلك، قال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ} [الزخرف:52]، أي: أنا خير من هذا الذي يزعم الخيرية، وليس عنده ما يدل على ذلك. فلم يقدر فرعون في معرض المناقشة أن يأتي بجواب مقنع أو برد مفحم على ما يقوله موسى، وإنما غاية ما هنالك أنه يعجب القوم منه ويقول: {أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25] وقال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]، فلما لا يجد بداً من أنه يواجه بالقوة يقول له: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء:29] أي: فلجأ فرعون إلى التهديد وإلى الوعيد، فموسى يقول له: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} [الشعراء:30]، أي: أولو جئتك بآية بينة من عند رب العالمين: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الشعراء:31 - 33]. هذه الآيات التي أراها الله عز وجل لموسى قبل ذلك ودربه عليها حتى لا يفزع موسى حين يراها للمرة الأولى، فلما ألقى العصا فإذا هي ثعبان مبين، فيفزع فرعون ومن معه، ولا يفزع موسى عليه الصلاة والسلام، ثم يأخذ هذه الحية من الأرض فترجع مرة ثانية عصا، ويريهم يده ويخرجها من جيبه فإذا بها كالشمس لها شعاع، فيتعجبون لذلك، ففرعون حين رأى ذلك سارع بأن يقول: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} [الشعراء:34] وقال في سورة طه: {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ} [طه:58] أي: لنأتينك بسحر أعظم من هذا السحر الذي أتيت به أو مثله، {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه:58] هذه حجة الإنسان المهزوم الذي يرى نفسه ضعيفة. ففرعون حين رأى ما فعل موسى وذلك بفضل الله سبحانه، رأى نفسه مهينة حقيرة وأنه غير قادر على مجابهة موسى فقال: أعطنا وقتاً حتى نأتي لك بسحر مثل هذا الشيء، ولذلك قال: {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى} [طه:58]، أي: نختار مكاناً وسطاً يجتمع فيه الناس كلهم. ففرعون يرى نفسه ضعيفة، فيلجأ إلى السحرة، ويبعث إليهم من أقصى الأرض ومن أدناها، من شمال مصر ومن جنوبها، فيجتمع إليه السحرة الذين يرغبون في القرب من فرعون، ويرغبون في مال فرعون. قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء:41]، أي: هل ستجعل لنا جائزة إن كنا نحن الغالبين؟ يقول لهم: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الشعراء:42] أي: سأعطيكم أجراً إن غلبتم موسى، ليس هذا فحسب، بل سأقربكم إلي وستكونون جلسائي. فلما اجتمع السحرة وألقوا حبالهم وعصيهم وهم كفار وقالوا: {بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} [الشعراء:44] فهم يقسمون بعزة فرعون إنهم هم الغالبون، فهم عندما ألقوا كان منظرها منظراً مخيفاً، حتى إن موسى عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام فزع، وإذا بالله يطمئنه ويثبته ويقول: {لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى} [طه:68] أي: أنت أعلى من هؤلاء، وأنت ستغلبهم، {وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا} [طه:69]، فألقى عصاه فإذا بها تأتي إلى كل هذه الحبال والعصي التي أخافت موسى فتلتهمها ولا تترك منها شيئاً، {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69]. فالسحرة الآن عرفوا ما هو الحق، فخروا لله سجداً {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الشعراء:47 - 48]، أما فرعون فإنه لم يؤمن؛ لأنه يظن أن ذلك يضيع منه الملك، وطمس الله على قلبه ولم يهده، ليكون إماماً إلى النار والعياذ بالله، فإذا بفرعون يستكبر على هؤلاء، ويقول: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه:71] أي: ستنظرون من الذي هو أشد عذاباً، أهذا الإله الذي يتوعدكم موسى به، أو أنا؟ فالسحرة قد استيقنوا من أمر ربهم سبحانه، وقد دخل الإيمان في قلوبهم، فإذا بإيمانهم إيمان قوي، فقالوا: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا} [طه:72] لا نفضلك على هذه الآيات، وأقسموا بالذي فطرهم وهو الله أنهم لا يؤثرون فرعون على ما جاءهم من الآيات والبينات. فإذا بفرعون يقتل هؤلاء السحرة، ويقطع يداً ورجلاً من كل إنسان، ويصلبهم على جذوع النخل، فكانوا في أول النهار كفاراً سحرة، وكانوا عن الله بعداء، وإذا بهم في آخر النهار يصيرون مؤمنين شهداء، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. فالسحرة جاءوا إلى فرعون حتى يقربهم، فإذا بهم يرون الآيات فيؤمنون بالله وحده لا شريك له ويقتلون شهداء، ويخاف قوم موسى من فرعون، فإذا بالله يؤيده بآيات وراءها آيات كما قال هنا: {فَلمَّاَ جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص:36].
ذكر الآيات التي أرسلها الله على فرعون وقومه
ذكر الآيات التي أرسلها الله على فرعون وقومه ذكر سبحانه وتعالى أن الله أيد موسى بتسع آيات بينات من عنده سبحانه، منها: اليد والعصا، فهما آيتان من عند الله سبحانه. وكذلك قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ} [الأعراف:133]، فهذه خمس آيات من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء القوم. ثم بعد ذلك قال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [الأعراف:130] آيتان أخريان، فالجملة تسع آيات من عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه أخذهم بالقحط وعدم المطر وقلة المياه وعدم الثمرات، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130]. فهرعوا إلى موسى وطلبوا منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى لعله يكشف عنهم فيؤمنوا، فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فأرسل عليهم الطوفان، فهم لما نقص الماء استجاروا، فإذا بالله يرسل عليهم الماء شديداً عليهم، فيجأرون ويلجئون إلى موسى أن يكشف عنهم، فيدعو ربه فيكشف عنهم، فيرجعون إلى الكفر ولا يؤمنون، فأرسل عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فإذا بهم يرون هذه الآيات، آية وراء آية تملأ بيوتهم وأراضيهم فيفزعون إلى موسى، أكل الجراد ثمارهم، فإذا بهم يجأرون إلى موسى ويقولون: ادع ربك يكشف عنا هذا، ونؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الجراد الذي أكل زروعهم فإذا بهم لا يؤمنون، ويرجعون إلى تكذيبهم وإلى عادتهم الأولى، فإذا بالله سبحانه وتعالى يرسل عليهم الضفادع فملأت بيوتهم، فإذا بهم يستغيثون بموسى، فكشف الله عز وجل عنهم فكذبوه، فأرسل عليهم الدم في طعامهم وفي مياههم حتى كان الشيء أمامهم يجدونه مليئاً بالدم، فإذا بهم يستغيثون بموسى فيكشف عنهم، ومع ذلك لم يعتبر هؤلاء القوم، والله عز وجل له حكمة في أن يؤخر عذابهم حتى إذا أهلكهم، رأى الناس كيف يأخذ الله عز وجل الظالم المعاند أخذ عزيز مقتدر. فهنا يخبر الله سبحانه عن قولهم في هذه الآيات لما جاءتهم: {قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى} [القصص:36] أي: مختلق، {وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [القصص:36] أي: أول مرة نسمع مثل هذا الكلام، وهذا ليس جواباً بحجة، فهؤلاء قالوا: ما سمعنا بهذا الكلام قبل ذلك، هذا ليس رداً للحجة، ولكن الحجة ترد بمثلها، فلم يكن عند فرعون ولا قومه من الحجج ما يردون بها على موسى إلا أن يقولوا: لم نسمع بهذا.
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون)
تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [القصص:37]. (ربي أعلم) هذه قراءة الجمهور. وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: ((ربيَ أعلم)). قوله: ((وَمَنْ تَكُونُ لَهُ)) هذه قراءة الجمهور. وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((ومن يكونُ له)). قوله: ((ومن يكون له عاقبة الدار)) يعني: من تكون له العاقبة الحسنة يوم القيامة. قوله: ((إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) أي: مهما ظلمتم أيها القوم فإن عملكم لا ينجح، ولن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال فرعون لقومه: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38] يقول: ((ما علمت)) وهو كذاب في نفسه ويعرف ذلك، وقال: ((يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)) يبجلهم ويعظمهم حتى يستجيبوا له، ولم يقل: (يا أيها الناس) ولكن قال: ((يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ)) أي: يا كبار القوم يا وزراء يا رؤساء، {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]. ثم قال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ} [القصص:38] أي: سأذهب لأبحث عن الإله الذي يقول عنه موسى هذا، مع أنه لا يوجد في الأرض إله غيري، بزعمه وبكذبه لعنة الله عليه، فقال لـ هامان وزيره: ((فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)) أي: اصنع لي طوباً أحمر من الآجر قوياً شديداً وابن لي صرحاً عظيماً وبرجاً عالياً هائلاً، حتى أطلع على هذا البرج وأنظر أين إله موسى هذا الذي يقول عنه، قال: {فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} [القصص:38]. وهنا قوله: ((لعلي)) فيها قراءتان: يقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (لعليَ) بفتح الياء، والباقون (لعليْ أطلع) بسكونها. ثم قال: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38] الكذاب هو الذي يعلم أنه إنسان ضعيف، وأنه يحتاج إلى برج، ولو كان إلهاً لما احتاج إلى برج ليصعد عليه، والناس لو كانوا عقلاء لفهموا ذلك، ولكن الله عز وجل وسمهم ووصفهم بأن عقولهم خفيفة وأنهم أغبياء لا يفهمون، قال: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف:54]. صعد فرعون فوق هذا الصرح العالي البناء المرتفع الهرم الذي بناه له لينظر في السماء، ثم نزل بعد ذلك وقال: ما رأيت إلهاً، فموسى يكذب عليكم فلا يوجد شيء فوق في السماء، وكأنه صعد إلى السماء أمام قومه، وقال قبل أن يصعد: ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) فهو لما صعد رجع إليهم وزعم لهم أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يكذب. قال الله تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} [القصص:39]، أي: فرحوا بما أخبرهم به فرعون لما رجع إليهم، وقال: ما رأيت إلهاً، فاستكبروا في الأرض بغير الحق وظنوا في أنفسهم أن الله لا يحاسبهم ولا يجزيهم، وظنوا أنهم لو بعثوا لكانوا أفضل حالاً مما هم عليه الآن، ولذلك كانوا يحنطون جثثهم ويجعلونها في القبور حتى يرجعوا للملك مرة ثانية. قراءة الجمهور ((لا يُرْجَعون)). وقراءة حمزة والكسائي وخلف ونافع ويعقوب: ((لا يَرْجعون)).
تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ويوم القيامة هم من المقبوحين)
تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ويوم القيامة هم من المقبوحين) قال الله تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص:40]. وبعد هذه الاستطالة خلال سنين طويلة إذا بالله عز وجل ينصر جنده، ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أنه مهما طال زمن الاضطهاد، ومهما طال زمن الأذى على المؤمنين، أنه لابد وأن يأتي يوم ينصر الله عز وجل عباده ويهزم هؤلاء الكفرة، ففعل بفرعون ما سمعنا، قال: ((فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ)). وانظر إلى التعبير: ((فنبذناهم)) والنبذ هو الإلقاء بالشيء الحقير، كأنه شيء تقدر عليه وتملكه فتأخذه بيديك وترميه بيدك؛ لحقارته وضعفه ولقوتك وقدرتك. فأخبر الله سبحانه أنه نبذ فرعون وألقاه في اليم كما تلقى المهملات، قال: ((فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)) أي: هذا الذي علا واستكبر يرمى كالزبالة بداخل اليم، فانظر وتعجب لأمر الله سبحانه. وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص:41] أي: جعلنا فرعون وملأه وجنوده أئمة يدعون إلى النار بإغوائهم، فهم كانوا يغوون الناس ويدعونهم إلى الضلالة، فكانوا أئمة الضلالة هم ومن اتبعهم في النار. قال سبحانه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ} [القصص:41] أي: لا يجدون ناصراً لهم، ففرعون وجنوده في نار جهنم لا ينصرهم أحد. وقال تعالى: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [القصص:42] أي: قفينا على آثارهم، فمن يسمع بذكر فرعون وجنوده، يقول: لعنة الله عليه وعليهم، لا أحد من المؤمنين يذكرهم بخير، إلا ما كان من أهل الاستخفاف ومن أهل الحماقة ومن أهل الجهل، الذين يقولون: آباؤنا الفراعنة فيفتخرون بهم، فهؤلاء أتباعهم وأشياعهم، ومن افتخر بهم كان سبيله النار وراء فرعون؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلين في عهد موسى افتخرا وذكرا الآباء، فأحد الاثنين افتخر بالآباء عن الآخر، فقال له: أنا فلان بن فلان بن فلان، وعد تسعة آباء له، وقال الآخر: أنا فلان بن فلان بن الإسلام، -أي: يكفيني شرف الإسلام، فافتخر بدين رب العالمين سبحانه- فأوحى الله إلى موسى: أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار، وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة). فهذا الذي افتخر بالآباء الكفار كهؤلاء الذين يقولون: أجدادنا الفراعنة، يعني: يفتخرون بالكفار، فهذا مآلهم: {وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً} [القصص:42] فكل من يقلد فرعون ويتبعه فهو ملعون في الدنيا، ففرعون وجنوده وملؤه من ذكرهم من المؤمنين، قال: لعنة الله على فرعون وعلى أشياعه وعلى أتباعه وعلى جنوده. ثم قال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص:42] أي: من أهل القبح، يقبحهم الله، ويشوه وجوههم، ويحشرهم في نار جهنم زرق العيون سود الوجوه، على أقبح ما يكون من الكلاحة قبحهم الله، فمن يسمع بذكرهم يقول: لعنة الله عليهم وقبحهم الله، {وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود:98]، {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} [هود:99]، بئس ما يردون عليه يوم القيامة وبئس ما يعطون من عطاء في نار جهنم والعياذ بالله، فاحذروا وحذروا من يفتخر بآل فرعون، فإنما هم جهلاء لا يدرون، يفتخرون بالكفار الذين يتبعونهم في الدنيا، فيتبعونهم في نار جنهم يوم القيامة، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) قال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:43]. لما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بقصة فرعون وكيف أنه سبحانه أهلكه وأتبعه في هذه الدنيا لعنة، وجعله هو وقومه يوم القيامة من المقبوحين، وجعلهم أئمة يدعون إلى النار، ذكر بعد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قد آتى موسى الكتاب، يعني: التوراة من بعد هلاك قرون سابقة، يعني: لم يكن هذا الأمر جديداً، ولم يكن بدعاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن كما فعل الله بقوم فرعون فعل بقرون سابقة بأقوام قد كفروا بالله سبحانه وكذبوا المرسلين، فأهلكهم الله سبحانه، كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط وأصحاب مدين وغير ذلك من الأمم التي أهلكها الله عز وجل، فقد جعلهم الله عز وجل عبرة، وآتى موسى الكتاب يذكره بهؤلاء كيف صنع بهم. قوله: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)) أي: أعطيناه وأنزلنا عليه التوراة، ((مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى)) القرون: جمع قرن، والقرن الأمة من الناس الذين يدركهم زمان واحد، فنقول مثلاً: القرن الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأوه فهؤلاء قرن، حتى إذا انقرض هؤلاء، فقد انقضى قرن من القرون، ثم قرن يليهم الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء قرن حتى ينقضي آخر هؤلاء ممن رأى الصحابة، فيأتي قرن آخر وهم الذين لم يروا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا الذين من بعدهم وهكذا، قرون في أزمنة متتالية، فأهلك الله عز وجل قروناً كثيرة، إما بالعذاب، وإما بالموت الذي يأتي على الجميع. قوله: {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ} أي: آتينا موسى التوراة بصائر للناس ليتبصروا وليتذكروا، وليعتبروا بهذه التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ثم قال: {وَهُدًى} [القصص:43] من الضلالة لمن عمل بها. فإذاً: التوراة تبصرة للناس وكذلك هداية من الضلالة لمن عمل بها ورحمة من الله سبحانه وتعالى، فإنزال الكتب السماوية رحمة من الله عز وجل للعباد. كان من الممكن أن يكتفي سبحانه بما جعل في قلوب العباد من فطر تعرف ربها سبحانه ويحاسبهم على ذلك، وقد أخبرنا في كتابه سبحانه وتعالى أنه جمع هؤلاء الخلق في يوم من الأيام وفي زمن الأزمنة قبل أن يوجدهم هكذا على هذه الأرض، فأخذهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، فقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف:172] هذا ميثاق من مواثيق الله عز وجل على عباده، لا يذكر العباد هذا الموقف، ولكن الله يذكرنا به: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف:172] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172]. كأن الناس وهم في الدنيا يغفلون عن ذلك، ولكن كل إنسان في قلبه ما يدل على خالقه سبحانه، فالذي يقول: لا خالق لا رب لا إله، هذا كذاب شهد الله عز وجل أن في قلبه ما يدله على الخالق سبحانه، حتى وإن نطق بلسانه بخلاف ذلك. ومن أفظع وأعظم هؤلاء الكذابين فرعون، هذا الذي قال للناس وأمرهم أن يعبدوه من دون الله، قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]، أي: ما علمت من يستحق العبادة إلا أنا، فهذا الكذاب اللعين قال ذلك، وقال لقومه: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، فلا استقر على هذا الذي قاله ولا استمر عليه حتى مات، بل لما أهلكه الله قال مستغيثاً بالله: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس:90]. هذا الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص:38]، وقال: {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص:38]، فهذا أعظم الكذابين المفترين قال في وقت هلاكه وغرقه: {آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ} [يونس:90]. صدق الله العظيم حيث أخبرنا في كتابه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، فكل إنسان مهما تعالى ومهما استكبر ومهما زعم أنه مخلوق بالصدفة، فإن في قلبه ما يدل على خالقه سبحانه وتعالى، ولكنه جاحد، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]، فهم يكذبون آيات الله مع معرفتهم أنها الحق، فربنا سبحانه وتعالى جعل في قلوب العباد فطراً تدلهم على خالقهم سبحانه وتعالى. أيضاً أخذ عليهم الميثاق الذي غفلوا عنه، فقال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف:172]، كذلك جعل في كل إنسان عقلاً يتفكر ويعرف أن كل أثر يدل على المؤثر في هذا الأثر، وكل شيء يدل على واجد هذا الشيء، فالإنسان بعقله لو فكر واستقام عقله وبعد عن الهوى وعن الشهوات وعن العصبيات لعرف أن الله هو خالقه، وأنه الحق الذي يستحق العبادة سبحانه وتعالى. كان من الممكن أن يكتفي ربنا سبحانه وتعالى بذلك، ولكن نزل الكتب رحمة منه سبحانه، كما قال هنا: {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى} [القصص:43] تبصيراً للناس، فإن كنت متغافلاً فهذه الكتب تدلك على خالقك سبحانه وتعالى، وتدلك هذه الآية على معجزة من معجزات نبيك صلوات الله وسلامه عليه، وتهديك إلى صراط مستقيم. قوله: ((وَرَحْمَةً)) أي: أن إنزال الكتب رحمة من رب العالمين، لو لم ينزل الكتب لاستحق الخلق عذاب رب العالمين. قوله: ((لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) أي: لعلهم يتذكرون الآن ما نسوه قبل ذلك، فيهتدون، ولعلهم يذكرون النعم ويعبدون خالق هذه النعم سبحانه، ويقيمون على إيمانهم، ويثقون بثواب الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر) قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ذاكراً نعمه عليه: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44] يعني: هذه القصة ساقها الله عز وجل وكرر ذكرها في القرآن، فقد ذكر موسى في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة، وذكر ما أنزله عليه وما فعله بنو إسرائيل معه، وما فعله فرعون معه قبل ذلك، كل ذلك لم يره النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقرأه، ولم يجلس مع أهل الكتاب يحدثونه عن ذلك، ولكن معجزة من معجزاته، فقد جاءهم بالتفاصيل التي حدثت بين موسى وفرعون، فهذه رحمة من رب العالمين على النبي صلى الله عليه وسلم، وآية من آياته، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم أن أطلعه الله عز وجل على شيء ما كان يعرفه هو ولا يعرفه العرب الذين جلس معهم صلى الله عليه وسلم وهو منهم. فلذلك يقول الله هنا مذكراً له ولهم بهذه النعمة: أنت لم ترَ ذلك فليتعظ هؤلاء وليتعظ أهل الكتاب، وليتذكروا أن هذا لا ينطق بكذب، قد جاءكم بما قاله موسى وما فعله مع فرعون، وما فعله الله عز وجل مع بني إسرائيل ومع فرعون، فكيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ لا شك أنه وحي من رب العالمين. فلذلك يقول: ((وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ)) أي: لم تكن بجانب الجبل الغربي، يعني: إذا جئت أنت إليه وجعلت وجهك جهة القبلة يكون هو تجاه الغرب. قوله: ((إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ)) أي: أوحينا إليه بأمر الرسالة، ((وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) أي: لم تشهد ذلك حتى تحدث به، كم بينك وبين موسى؟ آلاف السنين.
تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر)
تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر) قال الله تعالى: {وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} [القصص:45]. قوله: ((ولكنا أنشأنا قروناً)) أي: أوجدنا وخلقنا قروناً يأتيهم رسول يذكرهم، وبعد ذلك يتباعد الزمن بينهم وبين رسولهم فيتطاول عليهم العمر، فإذا بهم يرجعون إلى الكفر وإلى الضلال، فقال: ((فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ)) أي: طالت عليهم السنون فنسوا ربهم سبحانه وتعالى. قوله: ((وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)) أي: لم تكن مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، يعني: قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين، لم تكن أنت معهم حتى تعرف كيف تزوج موسى، وكيف حدثت له هذه القصة التي هي من خصوصيات موسى، عرفها أهل الكتاب وأنتم لم تعرفوها إلا من عند الله سبحانه، حين أخبركم بها. فقوله: ((وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا)) أي: مقيماً ((فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)) أي: تذكرهم بالوعد والوعيد، {وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} أي: أرسلناك إلى هؤلاء كما أرسلنا موسى إلى قومه، وكما أرسلنا شعيباً إلى قومه وهكذا.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور) قال الله تعالى: {وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:46]. أي: لم تحضر جانب الجبل في المكان الغربي منه حيث نزلت الرسالة على موسى عليه الصلاة والسلام. قوله: ((إِذْ نَادَيْنَا)) أي: كلمنا موسى وناديناه. ((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)) أي: رحمة بكم أنتم أيها المؤمنون، بأن أوحى إليكم بهذه الرسالة الخاتمة التي تعظ الناس وتعلم الناس، وهي الشريعة الأخيرة التي تنزل من السماء على الخلق، فرحمكم الله عز وجل بذلك. وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم جميعهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) أي: مقتهم الله قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا على الكفر وكانوا على الشرك بالله، حتى أهل الكتاب كانوا على الكفر والشرك، إلا بقايا من أهل الكتاب ممن عرفوا الله عز وجل وعرفوا أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وانتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، فكان تنزيل هذا القرآن رحمة من الله بالخلق، وإلا لو ماتوا على ذلك لكانوا كلهم في النار. ((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ)) يعني: هؤلاء الذين كان فيهم صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير إلا بقايا من ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأن موسى لم يرسل إليهم، لذلك لا يعرفون شيئاً عن شرع موسى، ولم يدعُ هؤلاء، والمسيح عيسى عليه الصلاة والسلام لم يدعُ هؤلاء، وإنما بعث إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهؤلاء من قرون لم يأتهم نذير، فلذلك كانوا أهل فترة، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فبلغهم الرسالة، فاستحقوا الوعد واستحقوا الوعيد بعدما جاءهم النذير من رب العالمين، ((وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)). إذاً: من نعمة الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخلق أنه أرسله رحمة للخلق جميعهم، للإنس وللجن، وهذه من خصائصه، قال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وأرسلت إلى الناس كافة).
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم)
تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم) قال الله تعالى: {وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [القصص:47]. أي: لولا نزلت عليهم بلية وعذاب من السماء، ليس بظلم من الله، ولكن بما كسبت أيديهم، فهؤلاء لو أهلكهم الله بعذاب فإنما ذلك بسبب كفرهم وشركهم، فهم كانوا يعرفون الله سبحانه، حتى ذهب رجل منهم إلى بلاد الشام، فوجدهم يعبدون أصناماً، وهذا الرجل هو عمرو بن لحي الخزاعي فأتى بصنم فوضعه في مكة، فأعجب أهل مكة هذا الصنم، فصنعوا أصناماً مثله حول الكعبة، فكفروا وأشركوا بالله سبحانه وتعالى. قوله: ((ولولا أن تصيبهم مصيبة)) أي: بسبب هذا الذي صنعوه وبكفرهم وبعدهم عن الله، ثم تشريعهم لأنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة:103] فهم يفترون ويقولون: هذه محرمة؛ لأنها وصيلة، وهذه محرمة؛ لأنها حام، وهذه محرمة؛ لأنها كذا، فيجعلون من الأنعام سوائب يسيبونها، فلا يأكلها أحد ولا ينحرونها بدعوى أنها سائبة متروكة هكذا، ويحرمون أشياء ويقولون: هذه لذكورنا خاصة دون نسائنا، فإذا كانت ميتة فهي للذكور وللإناث جميعاً، وإذا كانت مذكاة فهي للذكور خاصة، نقول: من الذي أحلها هنا وحرمها هنا؟ هم بعقولهم الفارغة يكذبون على الله ويشرعون تشريعات باطلة، فيقول الله سبحانه: ((وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ)) أي: تصيب قريشاً، وتصيب العرب، ((مصيبة)) أي: عذاب من عند الله، ((بما قدمت أيديهم)) أي: من كفر وشرك بالله، فإذا حدث شيء: {فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} [القصص:47]، هذا كلامهم وهذه حجتهم، لم نكن نعرف شيئاً، لو أرسلت إلينا رسولاً لاتبعنا آياتك: ((فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))، والإنسان في تمنيه يقول ما يشاء، ولكن المحك والاعتبار بما يحدث في الواقع، فالآن نقول لكم: هذا الرسول قد جاء إليكم فماذا أنتم فاعلون؟ هل ستتبعونه أم لا؟ وقبل إتيان الرسول يخبر الله عز وجل أنه لو تركهم من غير رسول وعذبهم فإنهم يستحقون العذاب، ويوم القيامة سيقولون: لو أرسلت إلينا رسولاً، والله أعلم من الذي سيصدق ومن الذي سيكذب؟ ها نحن أرسلنا إليكم رسولاً، ومع ذلك كذبتموه، فهؤلاء عندما يبعثون يوم القيامة سيقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ} [المؤمنون:107]، أي: أخرجنا من النار ولو رجعنا إلى الكفر والشرك فإنا ظالمون، فالله أعلم بما في قلوب عباده، وما الذي يستحقونه، لو عذبهم فهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو رحمهم فبفضله وبكرمه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا أتبعه إن كنتم صادقين)
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا أتبعه إن كنتم صادقين) قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص:48]. يعني: الخلق لا يعجبهم شيء، الله يهديهم وينزل عليهم الرسالة ويرسل إليهم الرسول ولا يعجبهم ذلك، فيطلبون من الله تعنتاًَ ويقولون: {لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص:48] يعني: هو جاء لنا بقرآن، فنحن نريد أن نرى معجزات، وذلك بأن يأتي لنا بعصا تنقلب ثعباناً، نريد أن نرى يداً تبقى بيضاء مثل الشمس، نريد أن نرى كذا ((لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى)). كذلك اليهود قالوا هذا الشيء لما أمروا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في دينه، والعجب أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يبعث صلوات الله وسلامه عليه، يعرفون صفاته بما قرءوه واطلعوا عليه في كتبهم، بل كانوا يتوعدون المشركين بأنه سيبعث رسول، وأنهم سيقاتلون مع هذا الرسول في هذا الزمان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أكثر خلق الله عداوة وبغضاً للنبي صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين، فقال الله سبحانه في هؤلاء المشركين واليهود الذين قالوا: ((لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى))، قال الله سبحانه: ((أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ)) يعني: هؤلاء لم يصدقوا موسى من قبل. فاليهود ينجيهم الله سبحانه فيكذبون موسى، ولما ذهب موسى لميقات ربه قالوا: ضل موسى عن ربه، وهذا رب موسى عندنا، وذلك لما صنع لهم السامري العجل، {فأخرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} [طه:88]، يعني: موسى نسي إلهه وذهب يبحث عنه فوجدناه أمامنا. فهؤلاء عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من دون الله، أليس هؤلاء هم الذين رأوا الآيات التي نزلت على موسى، ومع ذلك كفروا فعبدوا العجل من دون الله سبحانه؟ فاستحقوا عقاب الله، فأمرهم بأن يقتل بعضهم بعضاً بما كفروا وكذبوا على الله سبحانه، فقال الله في الجميع: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص:48]، قوله: ((قالوا سحران)) يعني: التوراة والقرآن سحران اجتمعا مع بعضهما، فلا نصدق هذا ولا ذا، هذا قول المشركين. قوله: ((قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)) هذه فيها قراءتان: قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((سحران تظاهرا)) يعني: التوراة والقرآن. وقراءة باقي القراء: ((ساحران)) وهم يقصدون محمداً صلى الله عليه وسلم وموسى عليه الصلاة والسلام، أو محمداً وعيسى عليهما الصلاة والسلام. ((قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا)) اجتمع بعضهما إلى بعض، ((وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ))، فقال مشركو العرب عن موسى وعن محمد عليهما الصلاة والسلام: سحران أو ساحران تظاهرا، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، أما اليهود فقالوا ذلك عن موسى وعن هارون: ((قالوا ساحران تظاهرا)) ثم صدقوا بهما بعد ذلك. أو أن المشركين وكذلك اليهود يقولون ذلك عن المسيح وعن محمد صلوات الله وسلامه عليهما، فيقول اليهود عن المسيح: ليس هو المسيح الذي يبعثه الله، وكذلك قالوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فجمع الله أقوال الجميع، ((قالوا سحران)) يعني: عن كتب الله سبحانه التوراة والقرآن، أو عن رسولين من رسل الله: محمد صلوات الله وسلامه عليه والمسيح، أو محمد وموسى. فإذاً: اليهود كذبوا بالمسيح وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأهل مكة الكفار كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ولم يتبعوا أحداً منهم، ((وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ)). فقال الله سبحانه للجميع: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49]، أي: أنتم تقولون: إن الرب الذي في السماء خلق كل شيء، وتعبدون الأصنام حتى تقربكم إلى الله، فأين دليلكم على ذلك، هاتوا كتاباً من الله يدلنا على أنكم صادقون فيما تقولون؟. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [48 - 53]
تفسير سورة القصص [48 - 53] لقد عرف أهل الكتاب من اليهود ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، واستقر في قلوبهم أنه الحق، ولكنهم عاندوا واستكبروا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان به، وقليل من رهبانهم وأحبارهم الذين عرفوا علامات النبي الكريم وآمنوا به واتبعوا الحق الذي أنزل عليه، فاستحقوا بذلك أن يمدحهم الله سبحانه ويثني عليهم.
ما صد به اليهود المشركين عن اتباع دعوة الحق
ما صد به اليهود المشركين عن اتباع دعوة الحق الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل في سورة القصص: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:49 - 53]. لما أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة القصص عن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين جاءهم الحق من عند الله سبحانه وتعالى: {قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص:48] أي: أن اليهود قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقنوا المشركين أن يقولوا: {لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} [القصص:48]. قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص:48] أي: هؤلاء اليهود الذين يلقنون المشركين أن يقولوا ذلك. فقد كان المشركون يذهبون إلى اليهود يسألونهم: ماذا نفعل مع هذا الرجل؟ وهل هذا الرجل على حق أم لا؟ وهل نحن أهدى سبيلاً أم هو؟ فكان اليهود كعادتهم في الكذب يقولون لكفار العرب: أنتم أهدى منه سبيلاً، مع أن المفترض أن اليهود يعرفون التوحيد، ويعرفون أن هؤلاء المشركين عباد أوثان، وأن عبادتهم باطلة، ومع ذلك يقولون: {هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء:51]، فيكذبون في أمر العقيدة الذي يعرفونه، ويلقنون المشركين أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية مثلما جاء موسى بآية، فقد جاءنا باليد، وبالعصا التي صارت حية، وجاء بتسع آيات بينات، فاطلبوا مثل هذه الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم يأتيكم بها إن كان نبياً حقاً، فطلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله عز وجل عن هؤلاء اليهود الذين طلبوا من المشركين هذا الطلب: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} [القصص:48]، أي: أن اليهود قد كانوا صدقوا بهذه الآيات ورأوها أمامهم، لكنهم كفروا وعبدوا العجل من دون الله سبحانه، قال الله عز وجل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30]، فلم تنفعهم هذه الآيات التي جاءت من عند الله سبحانه ليستمروا على التوحيد، ويستقروا على أمر عبادة رب العالمين سبحانه. قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48] أي: أن أول ما جاء موسى اعتقدت اليهود أن ما جاء به موسى سحر، أو قالوا ذلك، أو أنهم كفروا بعد ذلك بموسى، حتى أمرهم الله سبحانه تبارك وتعالى أن يقتل بعضهم بعضاً. فاليهود قالوا: {سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48]، وكذلك المشركون قالوا: سحران تظاهرا أو ساحران تظاهرا، فالمشركون يقصدون بذلك موسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليه، واليهود كأنما يقصدون ما نزل قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما جاء به المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فالمعنى أنه ساحر: {قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص:48] أو أن محمداً والمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ساحران، فقال الله سبحانه: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا} [القصص:48] أي: المشركون واليهود وأهل الكتاب، فإنهم قد كفروا بما جاء من عند الله عز وجل قبل ذلك. قال الله تعالى: {وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} [القصص:48]، أي: المشركون قالوا: إنهم كافرون بما جاء به موسى وبما جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه. قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49]، وهذا تحد من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء، المعنى: إن كنتم صادقين فهاتوا كتاباً من عند رب العالمين يخبر بصدق ما تقولون، ولن يقدروا على ذلك. قال سبحانه: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا} [القصص:49] أي: أهدى من القرآن ومن التوراة: {أَتَّبِعْهُ} [القصص:49] أي: هاتوا كتاباً من عند الله يصدق ما تقولون وأنا أتبعه: {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [القصص:49].
تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم)
تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) قال الله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]. أي: إن لم يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتوا بكتاب يدل على شركهم ويعينهم على باطلهم: {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]، كما قال الله عز وجل في سورة هود: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود:14]. فالله عز وجل يخاطب المؤمنين ويقول: اعلموا أيها المؤمنون أن هؤلاء يتبعون أهواءهم، وأن هذا الكتاب العظيم قد جاء من عند رب العالمين: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود:14] أي: مستسلمون لرب العالمين، مصدقون ربكم سبحانه وتعالى فيما جاء من عنده. فقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ} [القصص:50] خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين تبعاً له، والمعنى: فإن لم يستجيبوا ويأتوا بدليل وبرهان من عند الله: {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50] أي: استيقن من ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أنهم سيتبعون أهواءهم، فأخبره الله سبحانه وأخبر المؤمنين أن يعلموا ويستيقنوا أن هؤلاء أهل باطل، وإن جادلوكم بما يظهر منهم أنهم يبحثون عن الحق فهم كذابون؛ لأنهم يعرفون الحق الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يتبعون الهوى. {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50] أي: من أضل من هذا؟ و A لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هداية من الله، ويمشي وراء الهوى، فلن يصل هذا إلى طريق الخير وهو على هوى وعلى ضلال. قال: {إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] بما كسبت أيديهم وبظلمهم استحقوا أن يضلهم الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول)
تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول) قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:51]. أي: أتبعنا هذا القرآن ينزل بعضه وراء بعض حتى يتبين لهم ويعلموا، وهذا كقولك: وصلت لك المعلومة بكل طريقة، فوصلتها لك على هيئة الحكاية والقصة، وعلى هيئة الأمر والنهي، وعلى هيئة الموعظة. فهذا القرآن العظيم والى الله عز وجل إنزاله يتبع بعضه بعضاً وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ، وأوامر ونواهي؛ حتى يتذكروا فيفلحوا، فكأن الله عز وجل قد أقام عليهم بذلك حجته لما وصل لهم هذا القول بهذا النحو. يقول ابن عباس رضي الله عنه: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [القصص:51] أي: أتممنا لهم، والمعنى: لم نزل ننزله شيئاً فشيئاً، حتى أقمنا عليهم الحجة وأتممنا نورنا. ومن معاني قوله تعالى: {وَصَّلْنَا} [القصص:51] أي: فصلنا لهم القول. ومن معانيها كذلك: وصلنا خبر الدنيا بخبر الآخرة، وذكرناهم بأمر دنياهم، وأن يعملوا صالحاً حتى يصلوا إلى الآخرة فينجوا من النار ويدخلوا الجنة. قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص:51] فيذكرون الله سبحانه ولا ينسون شرعه، ولعلهم يتعظون بهذا الذي جاءهم فينتهون عن عبادة الأوثان.
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله)
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) قال الله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]. في هذه الآية مدح الله عز وجل المؤمنين من أهل الكتاب، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن ربه سبحانه كيف أنه نظر إلى أهل الأرض جميعهم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فمقتهم عربهم وعجمهم؛ لأنهم كانوا على الشرك وعلى الضلال والظلم، وكانوا بعيدين عن ربهم سبحانه وتعالى، وكانوا أهل خبث ومنكرات، فمقتهم الله سبحانه، إلا بقايا من أهل الكتاب. قال هنا سبحانه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} [القصص:52] أي: من قبل القرآن، ومن قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه: {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أعداد قليلة من اليهود لا يصلون إلى العشرة، كـ عبد الله بن سلام رضي الله عنه. أما النصارى فكثيرون منهم آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فمدح الله عز وجل هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب الذين انتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعضهم سبب هداية سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فقد كان أبوه من المجوس، وكان صاحب بيت النيران التي يعبدونها من دون الله سبحانه، وكان يحب ابنه سلمان حباً شديداً جداً، حتى إنه من شدة حبه له منعه من الناس، وجعله في مكان حبسه فيه لا يخرج إلى الناس. وفي يوم من الأيام خرج سلمان رضي الله تعالى عنه، فإذا به يصل إلى راهب في صومعة يعبد الله سبحانه، وكان هذا الراهب من بقايا أهل الكتاب الذين عرفوا التوحيد والحق، فلما رآه سلمان أعجبه ما هو فيه من عبادة لله سبحانه وتعالى، وأنزل الله الهدى على قلبه، واتبع هذا الراهب الذي يعبد الله سبحانه، وهرب من أبيه، فلما عرف أبوه أنه وصل إلى الراهب حبسه في البيت وقيده بالأغلال، حتى لا يخرج من البيت، وإذا بالله عز وجل يشاء لـ سلمان أن يهرب من أبيه، ودله هذا الراهب على راهب آخر في مكان بعيد؛ ليذهب ويعبد الله عز وجل معه. وانطلق سلمان يبحث عن الدين الحق، ووصل إلى هذا الراهب، وعبد الله عز وجل معه، وقد كان هذا الراهب شيخاً كبيراً في آخر حياته، وقبل وفاته سأله سلمان: من تعهد إليه بي من بعدك؟ لأنه يريد أن يعبد الله سبحانه، فدله على راهب آخر، فلما جاءت هذا الراهب الوفاة دله على آخر، ولم يزل هكذا إلى أن انتقل إلى ما يقرب من ثمانية عشر راهباً، كلما أتت الوفاة أحدهم يوصي به إلى راهب آخر، إلى أن وصل إلى آخر راهب فسأله سلمان رضي الله عنه أن يوصيه براهب آخر، فقال له: لا أعلم أحداً على هذه الأرض على ما كنا عليه -أي: من التوحيد- إلا أنه سيخرج نبي في هذا الزمان الذي نحن فيه، وأخبر سلمان عن صفات هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه. فسأله سلمان: أين هذا النبي؟ فقال له: في بلاد العرب، فظل سلمان يبحث عن طريقة توصله إلى بلاد العرب، وهو في بلاد فارس، وما كان قد خرج من بيته قبل ذلك، فإذا ببعض العرب يقدمون على المكان الذي هو فيه، فيعطيهم ما معه من مال رضي الله تعالى عنه؛ حتى يوصلوه إلى بلاد العرب وإلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه هؤلاء العرب، وكانوا كعادتهم في أخذ أموال الناس واستعبادهم، وعدم رعايتهم للعهود والمواثيق، فأخذوا سلمان وهو رجل حر، فإذا بهم يستعبدونه ويبيعونه لبعض اليهود، وسلمان ينتظر النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وإذا بـ سلمان -وهو فوق شجرة يجني لليهود شيئاً من ثمارها- يسمع يهودياً يخاطب اليهودي الآخر ويقول: إن محمداً قد جاء صلوات الله وسلامه عليه، فكاد أن يسقط من فوق الشجرة رضي الله عنه حين سمع ذلك؛ من شدة فرحه بمقدم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنزل وسأل هذا اليهودي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به يلطمه على وجهه، ويقول: اذهب إلى عملك، فذهب سلمان إلى عمله، وهو عبد رقيق رضي الله عنه، وانتظر حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وذهب لينظر إليه، هل هو فعلاً النبي الذي حدثه الراهب عنه وذكر له صفاته أم هو غيره؟ فلما أراد أن يتبين أنه رسول، ويعلم أنه لا يأكل الصدقة، أخذ شيئاً من تمر وذهب إليه، وقال: هذه صدقة، فلم يأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها لأصحابه، فعرف علامة من العلامات، وأتاه مرة أخرى بتمر، وقال: هذا هدية، فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أنه رسول عليه الصلاة والسلام. وكان يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم، ويبحث عن علامة من العلامات التي حدثه عنها الرهبان، وانتبه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فأسقط رداءه صلى الله عليه وسلم فكشف عن كتفه عليه الصلاة والسلام، فنظر سلمان إلى تلك العلامة وهي خاتم النبوة: وهي قطعة من اللحم على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم كبيضة الحمامة، علامة على أنه نبي، وهذه هي علامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإذا بـ سلمان يقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن به، ومرت الأيام وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يعينوا سلمان على أن يعتق، فأعانه المسلمون، فأعتقه الله سبحانه وتعالى وصار حراً. هذا ممن آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه من قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل أن يراه؛ وذلك بسبب أخبار هؤلاء الرهبان من أهل الكتاب الذين أخبروا سلمان أن هناك نبياً يخرج في هذا الزمان. كذلك عبد الله بن سلام رضي الله تبارك وتعالى عنه، فإنه عرف صفات النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة، فذهب وآمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك مجموعات من النصارى الذين كانوا في الحبشة، لما قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة إلى المدينة أسلموا وآمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه. وغيرهم من أهل الكتاب ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. يقول عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52] نزلت في النجاشي وأصحابه -وكأن الآية مدح للجميع: من أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم بعد ذلك- وذلك أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه هاجر إلى الحبشة، فلما عرف النجاشي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وصدق به، ووجه مجموعة من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثني عشر رجلاً، فجاءوا إليه وهو في مكة، وأقاموا عنده، وسمعوا منه، وعرفوا أنه نبي حق عليه الصلاة والسلام، وكان أبو جهل لعنه الله يراقبهم، فلما قاموا من عنده اتبعهم أبو جهل وقال لهم: خيبكم الله من ركب وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركباً أحمق ولا أجهل منكم. فهذا أبو جهل لعنه الله، يقول لهؤلاء الذين أتوا من الحبشة وصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، وهو الذي بجوار النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب عقله، فكان غاية في الغباء لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتف بأنه لم يؤمن، بل صد عن سبيل الله سبحانه من جاءوا ليؤمنوا. فقالوا لـ أبي جهل بعد أن سمعوا منه ذلك: سلام عليكم، وليس معنى (سلام عليكم) الدعاء له، بل المقصود بها المتاركة، أي: أنت في حالك ونحن في حالنا، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وقد اجتهدنا لأنفسنا في الرشد، فابحث أنت عن نفسك في جهلك وما أنت فيه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية بمثل ما قال هؤلاء، قال سبحانه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} [القصص:52] أي: من قبل القرآن، أو من قبل النبي صلى الله عليه وسلم: {هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ} [القصص:52]. قال الله تعالى: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:53]، فآمنوا بكتابهم وبالقرآن، وبالنبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أن هؤلاء: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة:83]، فقد كانوا نصارى، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا ما قاله من هذا القرآن العظيم ومن كلام رب العالمين، فإذا بهم يبكون متأثرين، ويدخلون في دين رب العالمين سبحانه. فمدح الله هؤلاء بفعالهم هذه، وقال سبحانه: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة:82]، فمن هؤلاء من صدقوا النبي صلوات الله وسلامه عليه لما سمعوا هذا القرآن، فقال الله عز وجل في وصفهم: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:82 - 83]، أي: يبكون ويقولون لربهم سبحانه: {رَبَّنَا آمَنَّا} [المائدة:83] فاجعلنا مع هؤلاء المؤمنين. فالله سبحانه مدحهم هناك في سورة المائدة، ومدحهم هنا فقال سبحانه: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:53]، أي: كنا على الإسلام من قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل أن ينزل القرآن، ف
تفسير سورة القصص [51 - 56]
تفسير سورة القصص [51 - 56] يخبر الله سبحانه أنه أوصل القرآن إلى الكفار تارة بالقصص وتارة بالمواعظ وأخرى بالأوامر والنواهي لعلهم يتذكرون ويعتبرون، ثم بين أن من أهل الكتب السابقة من آمن بمحمد وأنهم إذا سمعوا القرآن يتلى عليهم يقولون: صدقنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبل أن نسمعه مستسلمين لله رب العالمين، نطيعه ونوحده ولا نشرك به، فكان جزاؤهم عند ربهم أن جعل أجرهم مرتين بسبب صبرهم على أذى قومهم قبل أن يؤمنوا بالنبي، وبسبب صبرهم على أذى الكفار بعد أن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
توصيل القول إلى الناس لعلهم يتذكرون
توصيل القول إلى الناس لعلهم يتذكرون الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة القصص: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:51 - 56]. يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: أنه وصل القول، يعني: القرآن العظيم الذي فيه أوامر رب العالمين، وفيه المواعظ فوصل هذا القول إلى هؤلاء الكفار ليتذكروا وليعتبروا. وقد جاء بهذا القرآن على مراحل، وفيه الأوامر والنواهي، وفيه القصص، والتذكرة، وفيه غير ذلك من تفاصيل أحكام هذه الشريعة العظيمة، وفيه اعتبار وتذكير بما كان في الأمم السابقة من إعراض عن رسل الله، وما فعل الله عز وجل بهم، فأنزل القرآن ووصله إليهم. والقرآن متصل آية وراء آية وحكماً وراء حكم، فقالوا: معنى وصلنا: أي والينا وتابعنا، وأنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً، فيه الوعد وفيه الوعيد، وفيه القصص وفيه العبر، وفيه النصائح وفيه المواعظ، وفيه الأوامر وفيه النواهي، فوصل الله عز وجل بعض هذا ببعض في القرآن العظيم. ووصلنا: من وصل الحبال، وهو أن يوصل الحبل بحبل آخر ليصل إلى المكان الذي يريده، فوصل الله عز وجل القرآن إلى أفهامهم، وإلى أسماعهم وقلوبهم عن طريق إتيانهم بأمر أو بنهي أو بقصة أو بموعظة، فوصل لهم القول لعلهم يتذكرون، فيرجعون إلى ربهم سبحانه. قال سبحانه في مدح الذين آمنوا من أهل الكتاب: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ} [القصص:52] أي: التوراة والإنجيل، فعرفوا أن هذا الزمان يخرج فيه نبي يبعث إلى الناس، فانتظروا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به. قال سبحانه: {وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [القصص:53] يعني: القرآن العظيم، {قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص:53] أي: كنا متبعين لأنبيائنا على ملة الإسلام والاستسلام لرب العالمين، والطاعة والانقياد للرب سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا)
تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) قال سبحانه: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص:54]. فقد مدحهم الله سبحانه بأنهم صبروا على أوامر كتبهم، وصبروا على ما جاء في القرآن العظيم فتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وصبروا على ما ابتلاهم الله عز وجل به في الدنيا من أذى الكفار، وصبروا على الطاعة وصبروا عن المعصية، فلهم أجرهم مرتين عند الله سبحانه وتعالى. وقد عرفنا من القرآن أن الحسنة بعشر أمثالها، وهؤلاء حسناتهم مضاعفة، فلهم أجران وكل من الأجرين مضاعف إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى. فإن كان غيرهم يضاعف له إلى عشرة أمثاله فهؤلاء إلى عشرين، وإن كان غيرهم إلى سبعمائة ضعف فهؤلاء إلى ألف وأربعمائة ضعف، وإذا كان غيرهم إلى أكثر من ذلك فهؤلاء يضاعف لهم مرتين. قيل: بسبب أنهم صبروا في دينهم وتابعوا الحق، ووحدوا الله، ولم يشركوا بالله، فكانوا قد أوذوا في دينهم؛ لأن النصارى اختلفوا إلى فرق، فالفرقة التي وحدت الله سبحانه وتعالى صارت منبوذة بينهم، والذين أشركوا وقالوا المسيح ابن الله، وقالوا اتخذ الله الصاحبة والولد، هم الذي غلبوا فآذو الموحدين، فصبروا على ذلك في دينهم فلما جاء الإسلام دخلوا في دين النبي صلى الله عليه وسلم، فابتلوا وصبروا على ذلك فكان لهم الأجر المضاعف.
الأصناف الذين لهم أجران
الأصناف الذين لهم أجران ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران) هذا أحد الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين فقد آمن مرتين: آمن بنبيه ثم آمن بنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فاستحق أن يؤتى الأجر مرتين على إيمانه بنبيه وعلى اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وعبد مملوك أدى حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران) الإنسان يحب أن يكون حراً، بل يفتخر بأنه حر، ولكن أخبر هنا أن العبد المملوك يؤتى أجره مرتين، أي: أكثر من أجر الإنسان الحر، لأنه صبر في الدنيا على ذل الرق فأطاع سيده كما أمره الله عز وجل، وأطاع ربه سبحانه وتعالى فيما أمر، فكان له الأجر مرتين، ولذلك يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك). لأنه لو كان مملوكاً لم يقدر أن يجاهد فالجهاد ليس فرضاً على المملوك، وإنما فرضيته على الحر، كذلك الحج هو فريضة على الحر، وليس على العبد، قال (وبر أمي) ولو كان عبداً لانشغل بسادته الذين يملكونه فلم يقدر على الجمع بين بر الوالدين وبين حق السيد. وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (نعماً للملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعماً له) يعني: له عند الله عز وجل الأجر العظيم على ذلك. وهنا في الآية ذكر الله سبحانه وتعالى واحداً من الثلاثة، وهو رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم بنبينا صلى الله عليه وسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) الحديث في صحيح مسلم ولفظ البخاري قال: (فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها) أي: رجل كان عنده أمة يملكها، وهذا أقوى من الزواج، ومع ذلك فهذا الرجل الذي عنده هذه الأمة أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وغذاها فأحسن غذائها، حتى صارت كبيرة جميلة مرغوباً فيها لأدبها وعلمها وجمالها، ولو أنه باعها لباعها بمال كثير جداً ولكنه من عليها فأعتقها، ومن عليها مرةً أخرى فتزوجها فصارت امرأة مع زوجها وليس أمة مع سيدها، فالذي يفعل ذلك يشكر الله عز وجل له صنيعه، ويعطيه الأجر مرتين. قال الله عز وجل في هذا الذي آمن من أهل الكتاب قال: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص:54] أي: بسبب صبرهم. {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [القصص:54] وهذه من صفاتهم الجميلة أنهم يدفعون الإساءة بالإحسان، أي: يدفعون بإحسانهم سيئات غيرهم، أو: سيئات أنفسهم، فما أساءوا فيه درءوه بالإحسان بعد ذلك فيتوبون إلى الله عز وجل ويعملون الصالحات، وإذا أساء لهم غيرهم فلا يدفعون السيئة بالسيئة، ولكن يدفعون السيئة بالحسنة، أي: بالصبر وبحسن الخلق يدفعون ما ينالهم من أذى من غيرهم، والله عز وجل مدح هذه الصفات، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34]. {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} [المؤمنون:96]. فالله أمر المؤمنين أن يدفعوا بالحسنى، فإذا أساء إليك إنسان فأحسن إليه لعل الله عز وجل أن يقلب حاله ويغيره فيصير ولياً حميماً. وقوله: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [القصص:54] فيها معنيان كما ذكرنا أنهم يدرءون بإحسانهم سيئات غيرهم إذا أساءوا إليهم، وهذا من حسن الخلق. والأمر الثاني: أنهم رجاعون تائبون إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا أساء أحدهم سرعان ما يتوب ويفيء، ويستغفر ربه سبحانه. قال: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [القصص:54] أي: هم أهل كرم ينفقون ويحسنون إلى الفقراء وإلى المساكين وإلى أقربائهم، وإلى الغرباء عنهم، فينفقون مما رزقهم الله سبحانه. وفيه التنبيه على أن الإنسان مهما أحسن فأنت لا تحسن من فضلك، وإنما من فضل الله ومن كرمه، فبين أنه رزقه هو سبحانه ((َمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ)) أي: أعطيناهم، فهم أنفقوا من رزق الله سبحانه وتعالى ومدحهم على فضله وعلى كرمه سبحانه.
تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه)
تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) قال سبحانه: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ} [القصص:55]. هذه من الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المؤمن، واللغو: هو الكلام الفارغ الرديء الذي ينبغي أن يلغى ويطرح. فهم إذا سمعوه لم يجيبوا صاحبه إلا بالكلام الحسن، فإذا استمر صاحبه على ذلك أعرضوا: {وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55]. ويقولون: سلام عليكم، والسلام هنا بمعنى المتاركة يعني: أنتم على حالكم ونحن على حالنا فابعدوا عنا فليس لنا بكم شأن. {لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] أي: يقولون لهؤلاء: أنتم أهل جهالة وأهل باطل، ونحن لا نريد أن نكون مع أهل الباطل فنحشر معهم، هذا الذي ذكره الله عز وجل من الأخلاق الحسنة هي في تعاملهم مع المسلمين، وفي تعاملهم أيضاً مع الكفار، فهم يدعونهم إلى دين رب العالمين سبحانه وتعالى فإذا لم يجدوا منهم استجابة أعرضوا وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. وهذا معنى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6] أي: أنتم على الضلالة ونحن أبعد الناس عن ضلالاتكم، فدينكم يختص بكم، وأنتم تسألون عنه عند الله سبحانه، ولنا ديننا دين الإسلام. أما أن يجهل الكفار على المسلمين ثم يقولون: سلام عليكم، فهذه السورة مكية، وقد نزلت حين كان يتعرض المسلمون للأذى ولا يقدرون على دفعه، فلما هاجروا وفرض عليهم الجهاد أمرهم الله عز وجل بالرد على الكفار، فيكون (سلام عليكم) في معرض الجدل، إذا كان هناك جدل بين المسلمين وبينهم ولم يصلوا إلى شيء فنقول: لكم دينكم ولي دين. أي: انتهى الأمر. أما إذا اعتدى الكافر على المسلم بالإساءة وبالبذاءة باليد وباللسان، وبالحيل والمكر، فإن الله أمر المسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يدافعوا عن دينهم، وأن يجاهدوا هؤلاء، قال الله سبحانه: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة:5] وهذه الآية تسمى آية السيف، نسخت كل ما في القرآن من أمر بموادعة ومتاركة ومسالمة الكفار. إذاً: نسالمهم إذا كانوا يسالموننا، أما أن يبدأ الكافر بأن يؤذي المسلم أو يقاتل المسلمين ثم يقولون سلام عليكم فهذا لا يكون أبداً، فإن جميع ما جاء في المسالمة والمتاركة كان في العهد المكي، أما في العهد المدني فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالجهاد في سبيل الله سبحانه، وبذلك يقول العلماء: إن هذه الآية مع الكفار نسختها آية السيف، يعني: أن الآية ليست منسوخة كلها، ولكن إذا سمعوا اللغو والبذاءة والإساءة من الناس، هؤلاء الناس إما أن يكونوا مسلمين، وإما أن يكونوا كفاراً، فإذا كانوا مسلمين فادفع بالتي هي أحسن لعله يستحيي من نفسه فيتوب إلى الله سبحانه وتعالى، {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى:43]، {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى:41]. فللمسلم أن ينتصر ممن آذاه من المسلمين فكيف بالمشركين؟ كيف بالكفار الذين يؤذون المسلمين في دينهم وفي ديارهم؟ فقوله: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] بمعنى: متاركة بيننا وبينكم هذا إذا لم يصل الكفار للأذى في دين المسلمين ولم يقاتلوهم؛ لكن إذا كانوا يدفعون المسلم ليقع في الخطيئة وليقع في الكفر ويترك دين الله عز وجل، فعليه حينئذٍ أن يجاهدهم كما أمر الله سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت)
تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) قال الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]. هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه بإجماع المفسرين، كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الحزن عليه لأنه لم يدخل في دين الإسلام، فقد كان يود لو أنه قال كلمة لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، ولكن أبى الله عز وجل إلا أن يموت على ما هو فيه، فالرجل أبى أن يقول لا إله إلا الله، وآخر كلمة نطق بها قال هو على ملة عبد المطلب، فهنا الله سبحانه وتعالى يواسي نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]. أي: الأمر ليس بيدك أنت، ولكن الهدى هدى الله سبحانه وتعالى، فهذا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم هداه الله عز وجل، وهذا حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم هداه الله عز وجل، وهذا أبو طالب لم يهده الله عز وجل وأضله، وهذا ابنه عقيل بن أبي طالب وابنه جعفر بن أبي طالب هداهم الله عز وجل للإسلام، وعقيل بن أبي طالب استمر على الكفر وما دخل في الإسلام إلا متأخراً، فصار بعد ذلك مسلماً. فالله يهدي من يشاء، والهدى هدى الله سبحانه وتعالى، فأعمام النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم من يؤذيه، ومنهم من يدافع عنه، ومنهم من دخل في دينه، وكان أبو لهب يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس إيذاءً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يمر النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق يدعو الناس، فيسير وراءه يقول: هذا كذاب، لا تصدقوه أنا عمه أنا أعلم به، فيكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حضر النبي صلى الله عليه وسلم الموسم في الحج، ودعا الناس إلى دين الله عز وجل كان يكون وراءه يكذبه، صلوات الله وسلامه عليه. وابنه عتبة بن أبي لهب كان زوجاً لبنت النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأبيه: لأوذين محمداً صلى الله عليه وسلم فذهب وفرح أبوه بذلك وكانا ذاهبين إلى الشام أبو لهب وابنه عتبة بن أبي لهب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وكذبه وقال له عن نفسه إنه كافر بالنجم إذا هوى، وكافر بما جاء في القرآن العظيم، ثم طلق ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أفعالاً شنيعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه وقال: (سلط الله عليك كلباً من الكلاب) وخرج الرجل وذهب إلى أبيه مسروراً أنه آذى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه طلق بنت النبي صلى الله عليه وسلم. فلما وصل إلى أبيه قال له ذلك: ففرح أبوه ثم سأله: ماذا قال لك؟ قال: ((سلط الله عليك كلباً من كلابه)) فأبوه خاف من هذه الكلمة، وخرج إلى الشام ومعهم مجموعة من الناس، ولما وصلوا إلى بعض الطريق نظر إليهم راهب من صومعته، وقال: ما أتى بكم إلى هذه الأرض فإنها أرض مسبعة يعني: فيها أسود كثيرة، فخاف أبو لهب وتذكر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه فجمع من معه في الرحلة، وقال: ألست كبيركم؟ أليس لي حق في السن والكبر عليكم؟ قالوا: بلى قال: فاحموا ابني فإن محمداً دعا عليه. ولا يغني حذر من قدر، فلما قال ذلك جمعوا أمتعتهم بأمره ووضعوا بعضها فوق بعض ونام فوق الأمتعة عتبة بن أبي لهب لعنة الله عليه وعلى أبيه، فلما نام ناموا حوله يحرسونه، وجاء الأسد بالليل فجعل يشمهم واحداً واحداً حتى انتهى منهم، ثم وثب فوق المتاع فعصر رأسه بأنيابه فأخذه فقتله لعنة الله عليه. وكم تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن هذا الإنسان فلم يؤمن هو ولا امرأته ولا ابنه لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، وما آمن أبو طالب ولكنه دافع عن الإسلام، ولذلك حزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ودافع أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان موجوداً حين جاء عتبة بن أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشتم النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ابنته وعابه وعاب القرآن فلما دعا عليه صلى الله عليه وسلم قال أبو طالب: ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة. لقد قالها لأنه يعرف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن تستجاب فاستجاب الله عز وجل دعوته وقتل عتبة الكافر، وسلط عليه كلباً من كلابه أكله، لقد علم أبو طالب بذلك ومع ذلك لم يسلم. نسأل الله عز وجل أن يهدينا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [56 - 58]
تفسير سورة القصص [56 - 58] إن الهداية مطلب عظيم، ولكن لا ينالها كل الناس، بل ذلك يرجع إلى علم الله وتقديره هداية هذا وإضلال ذاك، وكل ذلك بحكمة منه تعالى، فهو يفعل ما يريد، فعلى المرء أن يطلب طرق الهداية ليسلكها، ولا يخاف من قول الحق، فإن الوقوف مع الحق آخره إما فوز في الدنيا والآخرة أو شهادة في الدنيا لنيل الآخرة كذلك، وكم أهلك الله من الظلمة والمتكبرين فكانوا عبرة لغيرهم.
الهداية والضلال بيد الله
الهداية والضلال بيد الله
يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء
يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:56 - 58]. يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات بقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، فيخبرنا أن الهدى بيد الله سبحانه تبارك وتعالى. فالله سبحانه تبارك وتعالى الحكم العدل، لا يجري شيء في الكون إلا بعلمه وبقضائه وبقدره، فإذا هدى إنساناً فهذا محض فضل منه سبحانه، وإذا أضل إنساناً فهذا محض عدل منه سبحانه تبارك وتعالى. فيهدي من يشاء، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله، والناس يتقلبون بين فضله وعدله سبحانه وتعالى، ولو حاسب الناس بعدله لأدخلهم النار؛ لأنه لا يقدرون أن يجازوا ربهم سبحانه على نعمه التي أعطاها لهم، ولا يشكرونه ولا يقدرونه حق قدره سبحانه وتعالى، ولا يقدرون على شكر نعمة واحدة من نعمه عليهم. ولذلك عندما يدخل المؤمنين الجنة إنما يدخلهم بفضله. ويؤكد لنا هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) فالعمل لا يصلح أن يكون ثمناً للجنة، فالجنة أغلى من عمل الإنسان. والإنسان يقدر ذلك بما في الدنيا، فلو أنه رأى بستاناً عظيماً، وقصراً مشيداً وأرضاً واسعة، ثم أراد أن يشتريها وليس معه شيء، فقيل له: اعمل واشتغل لنعطيك هذا البستان، فماذا سيعمل هذا الإنسان؟ وكم سيتعب في عمله من أجل أن يشتري هذا البستان؟ فإذا كان هذا في الدنيا فكيف بجنة عرضها السموات والأرض! وأقل ما يكون للإنسان فيها مثل ملك من ملوك الدنيا عشر مرات، فلو تخيلنا ملكاً من ملوك الدنيا يملك بلداً من البلاد فهل يستطيع أحد أن يشتري هذه البلاد، مهما عمل بماله ومهما كسب من شيء؟ A لا إذاً فهذا هو الفضل من الله عز وجل، يؤتي الإنسان من فضله سبحانه وتعالى. يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] ويقول: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله} [آل عمران:73]. فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يهتدي عمه أبو طالب ولم يقدر الله عز وجل ذلك فمات على الكفر، فقال الله سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] فهدى الله عز وجل من شاء من خلقه فدخل في دين رب العالمين سبحانه، كما هدى حمزة بن عبد المطلب والعباس، فهذا عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عمه، ولكنه أضل أبا طالب، وأضل أبا لهب، فهدى الله عز وجل من شاء وأضل من شاء. قال: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56]، فقد يقول الإنسان: لماذا ربنا هدى فلاناً وفلاناً أضله؟ وهذا الذي أضله الله قد يراه البعض إنساناً طيباً ومهذباً، وإنساناً رقيقاً ولكنه لا يصلي، وقد نرى إنساناً آخر قد تكون فيه شراسة ونفور ولكنه يصلي؟ فنتأمل هذا الإنسان الذي على خلق، لماذا لا يصلي؟ فالصلاة نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعلى الأقل هذا الإنسان إن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر وهو مصل فإنها تنفعه يوم القيامة، فهذا في قلبه كبر وإن أظهر للناس تواضعاً وأدباً، فإنه يستكبر على ربه سبحانه فلا يصلي ويقول: المهم القلب والمعاملة مع الناس!
الهداية والإضلال راجعان إلى علم الله
الهداية والإضلال راجعان إلى علم الله قد ترجع إلى نفسك وتقول: الله أعلم بما في القلوب، فقد يكون الإنسان في المعاصي وفي الفجور، وفجأة يأتي عليه الهدى من الله عز وجل، ألم يهد الله عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان على ما كان من أمر الجاهلية؟ وقد كان أراد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام. وقتل ابنته ووأدها يوماً من الأيام، فإذا بالله عز وجل يعلم من قلبه أنه يصلح للإيمان فهدى قلبه، فكان من أرق الناس على المؤمنين، ومن أخوف الناس لرب العالمين، وصار إيمان عمر يوزن بإيمان الأمة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه. ف A أن الهدى راجع لعلم الله سبحانه تبارك وتعالى، ولذلك قطع عليك التفكر في ذلك، ستقول لربنا: لماذا؟ يقول لك الله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء:23]، لا تتدخل في شيء ليس من حقك، ولا من إرادتك، ولذلك قال الله لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] إذاً غيره يسكت من باب أولى {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم لرقة قلبه أن يذهب ويزور قبر أمه عليه الصلاة والسلام فاستأذن ربه فأذن له، ولما وصل إلى قبر أمه حن لأمه عليه الصلاة والسلام فهي ماتت وله ست سنوات عليه الصلاة والسلام، وكانت رقيقة مشفقة عليه صلى الله عليه وسلم، ورأت رؤيا عظيمة أنه يخرج منها نور أضاء ملك كسرى وغيره، فهذه المرأة ماتت قبل الإسلام، فأحب أن يستغفر لها صلى الله عليه وسلم، فمنع من ذلك عليه الصلاة والسلام، فبكى بكاء شديداً صلى الله عليه وسلم، وبكى حوله الصحابة، وسألوه عما يبكيه عليه الصلاة والسلام، فأخبر أنه استأذن ربه أن يزور قبر أمه فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فمنع من ذلك. إذاً: هنا الأمر ليس بيد الإنسان، إنما الأمر بيد الله وحده لا شريك له، ولذلك يقول الله عز وجل عن نبيه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة:43 - 46] أي: لأخذناه أخذاً قوياً وعاقبناه عقوبة شديدة، وقطعنا نياط قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وحاشا له أن يتقول على الله رب العالمين تبارك وتعالى. فإذا قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن من الناس يكون له درجة تقرب من درجته صلى الله عليه وسلم حتى يتألى على الله وحتى يتكلم على الله بما لم يقله الله رب العالمين، وحتى يعترض على قضاء الله عز وجل وقدره؟ قال تعالى: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56] أي: وهو أعلم بمن يستحق الهدى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يؤيد الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو أبي الحكم الذي هو عمرو بن هشام أبو جهل، ولكن الله يعلم أن عمر هو الذي يستحق ذلك، فهدى عمر، وأما عمرو فمات على كفره، وقتل في يوم بدر، وألقي ملعوناً في القليب.
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا)
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص:57]. فالكفار لما رأوا الآيات وعرفوا الحق الذي جاء من عند رب العالمين، أرادوا أن يتعللوا من عدم دخولهم في هذا الدين، فتعللوا بأنهم خائفون، وقالوا: إن نتبع الهدى معك فإن العرب كلها ستأتي علينا في أرضنا وتقاتلنا، ونحن لا نقدر على قتالهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: قائل ذلك من قريش هو الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا. يعني: لاجتماع العرب على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولا طاقة لنا بهم ولا نقدر عليهم. فلما قالوا هذا الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل ما يبين لهم أين ذهبت عقولهم؟! وأي عرب ستأتي إليكم في أرضكم؟! قال الله تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص:57] أي: أنتم في الجاهلية كنتم أضعف الناس ولم يستطع أي أحد أن يأتي إليكم في مكة ويأخذ هذه الأرض، حتى أبرهة الذي جاء من اليمن بجنود لا حصر لها، وجاء بفيل يريد أن يهدم الكعبة ولم تقدروا له على شيء فخرجتم وتركتم مكة بما فيكم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وقام عبد المطلب يخاطب أبرهة عن إبل أخذها منه، وكان أبرهة كبره جداً، ونظر إليه أنه كبير مكة، وأنه جاء يفاوضه في أمر هدم الكعبة، فإذا بـ عبد المطلب يفاوضه في أمر إبله، فكأنه استقله فقال له عبد المطلب: إن الإبل أنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه. وخرج أهل مكة ينتظرون ماذا سيكون، وجاء أبرهة بجنوده، وإذا بالفيل يتردد ويتراجع، فإذا بهم ينخسونه وهو يرجع مرة أو مرتين أو ثلاث مرات، ونزل العذاب من عند رب العالمين، قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل:3 - 5] فإذا بهم يصيرون كطعام أكل وخرج من دبر الدابة، هكذا كان أمر هؤلاء الذين أرادوا أن يهدموا البيت وأن يذلوا أهل مكة. فإذا كانوا في الجاهلية وهم يعبدون غير الله ويشركون بالله، قد دفع الله عز وجل عنهم الأذى، أيتركهم في الإسلام وهم الموحدون لله رب العالمين؟ قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57] أي: أليس نحن من فعلنا بهم هذا الشيء، فأين شكر هذه النعمة؟! وكيف لا يثقون في الله سبحانه وتعالى وهو الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع. قوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57] أي: ينقل إليه ويحضر إليه ويؤتى بهذه الثمرات إلى مكة، ومكة ليست بمكان زرع، ولكن الله عز وجل منّ على أهلها أن يجبى إليها الثمرات من كل مكان: من اليمن ومن الشام وغيرها، وتجد فيها فاكهة الصيف وفاكهة الشتاء. {يُجْبَى إِلَيْهِ} [القصص:57] أي: تأتي إلى هذا الحرم من كل أرض ومن كل بلد تأتي إليه هذه الثمرات، فإذا كان الله قد منّ عليكم بالأمان في الجاهلية وبالطعام الذي يؤتى إليكم من كل مكان، أفلا تشكرونه وتثقون فيه سبحانه وتعالى. قال: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ} [القصص:57] هذه قراءة الجمهور بالياء. وقراءة نافع وأبي جعفر ورويس عن يعقوب: ((تجبى إليه ثمرات كل شيء)) بالتاء. قوله تعالى: {رِزْقًا} [القصص:57] حال أي: حال كونها رزقاً من الله عز وجل، أو أنها تمييز فهذه الثمرات رزق من الله سبحانه وتعالى. قوله: {رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57] إذا نسب الرزق إليه سبحانه فمعناه أنه رزق عظيم جداً يتحير الإنسان فيه، فعندما يذهب الذاهب إلى هناك في أي وقت من الأوقات يجد الفواكه من كل مكان، وهذا من كرم الله على أهل هذه البلدة ببركة دعوة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعاء نبينا صلوات الله وسلامه عليه. قوله: {مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57] أي: من عندنا. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57] أي: لا يعلمون نعم الله عز وجل أنه الذي يعطي هذه النعم ويسوقها إليكم، وهو الذي يمنع عنكم النقم ويدفعها عنكم، فهو القادر سبحانه على كل شيء، ولكنهم نسوا كل ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها)
تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) قال الله سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص:58]. أي: إذا كان الأمر على ذلك وأنتم تتكبرون عن دين رب العالمين، فلا تنسوا كم أهلكنا من قرى عظيمة. والقرية معناها: المدينة، وصار عندنا العرف أن القرية بمعنى الريف، أما في لغة العرب ولغة القرآن فالقرية بمعنى البلد. ولذلك فإن الله سبحانه تبارك وتعالى قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف:109] يعني: من أهل البلدان. قالوا: لأن أهل البلدان يتميزون عن أهل الريف وعن أهل البادية برقة الطباع؛ لأن البلد تجمع أناساً كثيرين، والإنسان مع احتكاكه بالكثير من الناس يكون أليفاً رقيقاً، ويعرف التخاطب مع هذا ومع هذا، وأما مع قلة العدد فيتعلم الإنسان النفور والجفاء ويتعلم الغلظة، ومع قلة العدد قد يترأس عليهم. فلذلك كان في أهل البادية الغلظة وكانوا أجلافاً، ولكن أهل المدن فيهم رقة الطباع، فجعل الله عز وجل منهم المرسلين، ومنّ على أهل القرى أن جعل الأنبياء منهم. قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص:58] والبطر هو: أن الإنسان يتكبر على نعمة الله سبحانه تبارك وتعالى، فيطغى بهذه النعمة، ويعطيه الله مالاً فيتكبر على الخلق، وينظر إلى نعمته أنه مستحقها، وأنه لا أحد مثله في هذا الشيء، فيطغى على الخلق ويستكبر عليهم. فهذه القرى {بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص:58] أي: أغناهم الله وأعطاهم الرفاهية والغنى، فكان الواجب عليهم أن يعبدوا الله وأن يشكروه، ولكن بطروا، فلما بطروا أهلكهم الله سبحانه تبارك وتعالى. قال: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} [القصص:58] أي: ديار الأقوام البائدة في كل بلد من البلدان صارت آثاراً لا يسكنها أحد، فتذهب إلى أسوان فترى آثار الفراعنة، ولا أحد يسكن في هذه الأماكن، والله عز وجل قال: {لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ} [القصص:58] أي: صارت الديار دياراً خربة، ليس فيها أحد. وكذلك قرى عاد، وقرى ثمود، وقرى الفراعنة، وغيرهم ممن أهلكهم الله سبحانه، وترك مساكنهم لتنظروا وتعتبروا. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} [الفجر:6 - 7] فالذي يذهب يجد قصوراً عالية، وأعمدة فخمة، وسقوفاً منقوشة، وأهلها كانوا في هذه الأماكن عمروها وعاشوا فيها ما شاء الله عز وجل، فلما استكبروا إذا بالعذاب يأتيهم من عند الله سبحانه، وكم من قرى قد غطتها الرمال، والآن ينقبون عنها فيخرجون قصوراً كاملة موجودة بداخلها، فضرب لنا الأمثلة بذلك حتى نعتبر. قال تعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58] أي: كنا نحن الذين ورثنا هذا كله ورجع إلينا ما أعطيناهم، وكذلك يرث الأرض ومن عليها، فليعمل الإنسان المؤمن بحق وبإخلاص؛ لعل الله عز وجل أن يجعله من أهل الجنة، وأن يمن عليه بنعمه سبحانه.
تفسير سورة القصص [57 - 61]
تفسير سورة القصص [57 - 61] أخبر الله تعالى عن عدله وأنه لا يهلك أحداً ظلماً، وإنما يهلك من يهلك بعد قيام الحجة عليهم، ثم أخبر تعالى عن حقارة الدنيا وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم المقيم، فعلى المؤمن ألا يحزن على هذه الدنيا الفانية، فلو كانت هذه الدنيا لها منزلة عند الله لأعطاها خير خلقه محمداً صلى الله عليه وسلم.
تأمين الحرم
تأمين الحرم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله عز وجل في سورة القصص: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ * وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:57 - 61]. ذكر الله سبحانه وتعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه كلام المشركين وعذرهم الكاذب في عدم دخولهم في دين النبي صلى الله عليه وسلم، فقال جل شأنه: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص:57]. يعني: لن نؤمن لك لأننا معذورون، فلو آمنا بك لعادانا كل العرب، فلا نقدر على معاداتهم، فيتخطفوننا من ديارنا، وسينقلب علينا جميع العرب ويقتلوننا. فقال الله سبحانه تبارك وتعالى مكذباً لهؤلاء: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص:57] أي: فمتى حصل لهم هذا الشيء؟! والعرب عادتهم في الجاهلية أن يغير بعضهم على بعض، ويأكل بعضهم مال بعض، ويغتصب بعضهم نساء بعض، وأهل الحرم قد عصمهم الله سبحانه وتعالى من هؤلاء وأجارهم منهم بأن جعل لهم حرماً آمناً بقضاء الله وقدره، وكذلك بشرعه سبحانه تبارك وتعالى. فلم يحدث فيهم هذا الشيء الذي يزعمونه وهم على جاهلية وشرك، فهل يحدث ذلك وهم على التوحيد، قال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57]. فهاتان نعمتان من الله سبحانه تبارك وتعالى وهما من أعظم النعم عليهم، قال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش:4] أي: أمنهم من غيرهم من العرب فلا يقدر أحد أن يغزو ديارهم، وإن أراد إنسان أن يفعل ذلك قصمه الله سبحانه تبارك وتعالى. ثم أطعمهم من جوع وأتت إلى بلادهم ثمرات الأرض من كل مكان، فهذه النعم تستحق منهم شكر الله عز وجل، لأنها من الله، قال تعالى: {رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا} [القصص:57] أي: ليس بأيديهم، فليس هم الذين زرعوا، ولا يوجد مكان للزرع في مكة، ولكن رزقهم الله بأن ساق إليهم الثمرات من الشام واليمن ومن غيرهما ليأكلوا ويشكروا نعم الله سبحانه وتعالى. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [القصص:57]. فهؤلاء الكفار ليس عندهم يقين في ذلك ولا لديهم عقول تهديهم إلى أن يتفكروا ويشكروا خالقهم سبحانه، فإذا كانوا كذلك فهم يستحقون عقوبة رب العالمين بأن يهلكهم، وليس هذا بغريب على أمر الله سبحانه، فإن من عصاه وعادى أولياءه قصمه الله سبحانه.
البطر سبب لزوال النعم
البطر سبب لزوال النعم {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [القصص:58] ولن تكون هذه أول من يهلكها الله، فقد أهلك قبلها الكثيرين ولا شيء عزيز على ربنا سبحانه وتعالى، وإنما لكل شيء قدر. لكن الله عز وجل يتركها يترك المؤمنين؛ لأنهم عرفوا نعمة الله وعرفوا لماذا خلقوا، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] فهم مخلوقون للعبادة فقط، فإذا نفذوا أمر الله سبحانه فالله يعصمهم ويمنعهم من أعدائهم ويجيرهم من عذابه سبحانه. أما من عصى الله سبحانه وكفر به فإنه يستحق الهلاك، كما أهلك من كانوا قبله، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} [القصص:58] أي: طغوا واستكبروا، فكان الله يعطيهم من النعم فإذا بهم يعلون على الخلق ويستكبرون بنعم الله سبحانه. والإنسان إذا أعطاه الله نعمة فالله يأمره بشكرها، فإذا شكر فشكره لنفسه، فهو المستفيد وليس الله سبحانه تبارك وتعالى، قال سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] فالعبد كلما شكر الله أعطاه الله مزيداً، قال سبحانه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7]. وإذا كفر المخلوق نعم الله عز وجل أهلكه الله، قال تعالى: {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7] وقال سبحانه تبارك وتعالى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} [القصص:58] والسبب في الإهلاك أنهم بطروا. والبطر: الطغيان والاستكبار على الخلق، وهو: أن الإنسان لا يعترف بالحق، فكأنه يرفض الحق ويستكبر على الخلق ويستصغر الناس، فالله عز وجل يحقر هذا الإنسان ويهلكه، قال سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} [القصص:58]. أي: صارت مساكنهم آثاراً ينظر إليها الناس ويتعجبون من أحوال هؤلاء الذين كفروا فدمرهم الله سبحانه الذي يرجع إليه الأمر، قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [البقرة:210]. وقوله تعالى: {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58] كقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم:40].
تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا)
تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً) قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا} [القصص:59]. فالله أهلك الظالمين، ولا يظلم ربك أحداً. ولا يهلك الله قرية كافرة حتى يبعث فيها رسولاً يدعوهم إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، قال تعالى: {حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص:59]. أمها أي: أم القرى وأعظم القرى وهي مكة، والقرية معناها: البلد العظيم، مأخوذة من القري بمعنى: الجمع، يعني: البلد الذي يجتمع فيه ناس كثيرون. فأم القرى وأعظم البلدان هي مكة، فهي وسط العالم كله وسرة الأرض؛ ولذلك بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه البلدة العظيمة، والأنبياء كلهم كانوا في الشام. فإبراهيم هاجر من العراق إلى الشام، وبنى الكعبة في مكة ولم يعش فيها، والذي عاش في مكة هو إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكذلك محمد صلوات الله وسلامه عليه، فهو الرسول الوحيد من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي عاش في أم القرى مكة. وكل الأنبياء حجوا إلى بيت الله الحرام، لكنهم لم يكونوا مقيمين في مكة، إنما نبينا فقط صلى الله عليه وسلم الذي بعث إلى الخلق جميعهم من أصل أم القرى ومن أعظم بلدان الدنيا وهي مكة. وقوله تعالى: ((فِي أُمِّهَا)) قرأ الجمهور بهمزة القطع، وقرأها حمزة والكسائي وصلاً. فلا يهلك الله سبحانه تبارك وتعالى بلداً من البلدان ولا يعذب أهلها إلا بسبب من أنفسهم، أي: بما كسبت واقترفت أيديهم وبسبب ظلمهم، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص:59].
تفسير قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا)
تفسير قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) قال الله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [القصص:60]. (وما) هذه للعموم، يعني: مهما أوتي الإنسان في الدنيا من مال أو بنين أو صحة أو عافية أو غير ذلك من نعم الله عز وجل، فإنها متاع قليل للدنيا، ثم في النهاية يتركها الإنسان ويصير إلى التراب، ثم يرجع إلى ربه سبحانه تبارك وتعالى. وقوله سبحانه وتعالى: {فَمَتَاعُ} [القصص:60] أي: تستمتعون به مدة قليلة، والإنسان لا يدري كم يعيش في هذه الدنيا؟ فإذا عاش وعمر فيها وظن أنه أخذ من متاع الدنيا وأنه طال عمره، أتاه الموت، فيتفكر في السابق من عمره وكأنه شريط أحلام يمر برأسه إذا نام ثم استيقظ فيه على الدار الآخرة. فسواء طالت الدنيا بالإنسان أم قصرت فلابد أن تنتهي، فهي متاع قليل. وقوله تعالى: {وَزِينَتُهَا} [القصص:60] أي: زينة لهذه الحياة الدنيا، تستمتعون بها وتزول بعد ذلك، لكن الذي عند الله هو خير وأفضل من كل ما في هذه الحياة الدنيا، قال تعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص:60]. وهنا إشارة إلى أن ما في الدنيا فإنه يزول، فالدنيا لا تبقى أبداً، أما الدار الآخرة فهي الباقية؛ ولذلك عبر الله عنها بقوله تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت:64] والحيوان بمعنى: دار الإقامة الدائمة والحياة الحقيقية، أما الدنيا فهي إلى زوال لا تدوم. ومعنى قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص:60] أي: لا يفنى ولا يزول، وقوله تعالى: {أَفَلا تَعْقِلُونَ} [القصص:60] أي: أفلا تتفكرون فيما خلقكم الله عز وجل من أجله فتعبدون الله حتى تنالوا هذا النعيم المقيم. وقوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ) هذه قراءة الجمهور. وقراءة الدوري عن أبي عمرو وقراءة السوسي: أفلا يعقلون بضمير الغائب.
تفسير قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لا قيه)
تفسير قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لا قيه) قال الله تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61]. يعني: لا تبتئس أيها المؤمن بما ضاع منك من الدنيا ولا تحزن على فواتها، فإنه لا يستوي المؤمن مع الكافر، فمهما آتاه الله في الدنيا من مال وبنين ونعم فهذا كله إلى زوال، أما المؤمن فإن له النعيم المقيم عند رب العالمين، ولو كانت الدنيا لها منزلة عند الله لأعطاها للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما نام على حصير يؤثر في جنبه صلى الله عليه وسلم، ولما ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع صلوات الله وسلامه عليه. ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئاً ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج مجاهداً بيده وبلسانه صلوات الله وسلامه عليه حتى جرح ووقع في حفرة فخرت ثناياه صلوات الله وسلامه عليه وتأثر في ساقه عليه الصلاة والسلام ولم يستطع المشي إلا أن يحمله من معه عليه الصلاة والسلام. وهكذا فإن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً؛ ولذلك مهما كان فيها من كد وهم وغم وتعب فإن هذا يزول، ومتاع الدنيا قليل، فلا يحزن المؤمن عليها. كان عمر يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل مرة فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة فارغة ليس فيها شيء إلا سرير عليه حبال، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على هذه الحبال التي على السرير فأثرت فيه صلى الله عليه وسلم؛ لعدم وجود فراش على السرير، ورأى جلد شاة مدبوغ معلقاً في هذه الغرفة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم. فلما نظر عمر في الغرفة ولم يجد شيئاً يرد البصر، تأثر رضي الله عنه وقال: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لديك شيء، وكسرى وقيصر في القصور ولديهم الذهب والفضة. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمر ليطمئنه: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم)، أي: لا تغضب على هذا الشيء، فهو على ما هو فيه صلى الله عليه وسلم راض بهذا الشيء، ومنشرح بهذا الأمر، فإنه في نعمة من الله سبحانه وتعالى وهي نعمة الإيمان. فالإنسان المؤمن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فمهما رأى غيره من أهل الكفر قد نالوا من الدنيا فلا يحزن ولا يبتئس، فإن ما له عند الله عز وجل أعظم بكثير من الدنيا. قال تعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا} [القصص:61] أي: الجنة وعدناها المؤمنين، وقوله تعالى: {فَهُوَ لاقِيهِ} [القصص:61] فالمؤمن ملاق هذا الوعد من الله يقيناً، فهل يستوي هذا مع من متعناه متاع الحياة الدنيا؟! فكلاهما يعيشان في الدنيا ويأكلان، فالكافر يأكل أحلى الأطعمة، والمؤمن يأكل دون ذلك، وفي النهاية يصير الاثنان تراباً، ثم يبعثان إلى الله، فهل يستويان في الآخرة؟! فالمؤمن له جنة النعيم، والكافر له عذاب الجحيم، فلا يستويان، يقول سبحانه وتعالى: {أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61] فكلمة متاع فيها تحقير للحياة الدنيا، ثم يؤتى به للعذاب وللسؤال ويكون من أهل النار، قال تعالى: {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص:61] وهذه أيضاً فيها قراءتان: قراءة الجمهور بضم الهاء في كلمة هو: (ثم هُو يوم القيامة من المحضرين). وقراءة قالون وأبي جعفر والكسائي بتسكين الهاء فيها.
تفسير سورة القصص [62 - 68]
تفسير سورة القصص [62 - 68] ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حال الكفار يوم القيامة حين لا تنفعهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى، وحين يتبرأ بعضهم من بعض، وذكر تعالى أنه يسأل الكافرين عن طاعتهم لرسل الله في الدنيا فلا يستطيعون أن يجيبوا ربهم عن هذا السؤال، وذكر أنه تعالى هو الذي يختار رسلاً من خلقه ويصطفيهم، فهو صاحب الخلق والأمر سبحانه وتعالى.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة القصص: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ * فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ * وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:62 - 68]. يخبرنا ربنا تبارك وتعالى في هذه الآيات عن يوم القيامة وسؤال الله عز وجل خلقه عما عملوا في هذه الدنيا، فيسأل المؤمنين فيحاسبهم حساباً يسيراً، ويسأل الكافرين المشركين ويحاسبهم حساباً عسيراً، فيسأل الله عز وجل المشركين ويناجيهم: {فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62]. كانوا في الدنيا يعبدون مع الله آلهة أخرى ويقولون: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] فإذا جاءوا يوم القيامة فسئلوا وسئلت الآلهة وتبرأ بعضهم من بعض فهنا يسألهم الله عز وجل قائلاً: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62] أي: الذين كنتم تفترون وتقولون بأفواهكم الكذب على الله سبحانه، فأين زعمكم وكلامكم عن هذه الآلهة؟ فيتكلم هؤلاء الكفار يوم القيامة فيتبرأ بعضهم من بعض، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [القصص:63] أي: حقت عليهم كلمة العذاب، وحق عليهم قول ربنا أنهم في النار، وهم رؤساء المشركين، فقالوا: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} [القصص:63] فعرفوا ربهم في يوم القيامة فقالوا له: {رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} [القصص:63] وأصلها: هؤلاء الذين أغويناهم، فيشيرون إلى أتباعهم الضعفاء، فكبار المشركين يتكلمون عن صغارهم فيقولون: ربنا هؤلاء الذين أضللناهم وأبعدناهم عن طريق الهدى، أغويناهم كما غوينا نحن وضللنا عن الطريق. وفي الدنيا الإنسان المؤمن يتذكر ذلك، ويعلم أنه مستحيل أن يكون الإنسان غاوياً ثم يهدي إنساناً آخر، فالضال لا يهدي إنساناً أبداً، كذلك الكافر لا يدل المؤمن على الخير أبداً، ولا يثق المؤمن في الكافر، وربنا يخبر باعترافات هؤلاء الكفار يوم القيامة. فالكافر لا يتمنى خيراً لغيره، والضال العاصي لا يحب لغيره هداية؛ لأنه لا يريد أن يكون أحد أفضل منه، فلذلك يدعو صاحبه إلى الضلال، والكافر يدعو الإنسان إلى كفره، {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة:120] فأهل الكفر والشرك لن يرضوا أبداً عن أهل الإيمان حتى يضلوهم ويجعلوهم يزيغون عن طريق الله سبحانه، فقالوا يوم القيامة معترفين: {هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا} [القصص:63]، أي: أضللنا {أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا} [القصص:63] أي: طلبنا لهم الغواية، والبعد عن الرشد، وطلبنا لهم الضلال وأخذناهم معنا في طريق الضلال، والآن يا ربنا تبنا وتبرأنا إليك فإنهم ما كانوا يعبدوننا، قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة:166] فيوم القيامة كبار الكفار وصغارهم يتبرأ بعضهم من بعض. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا أنتم أضللتمونا عن سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، ألم تغوونا وتبعدونا عن طريق ربنا؟! فالصغار يرمون بالتهمة على الكبار، والكبار تبرءوا وقالوا: نحن أضللناكم، لكن أما كان لكم عقول تفكرون؟ فانظر إلى حديث الكفار يوم القيامة واعتبر من الآن في الدنيا بما يفعله الناس بعضهم مع بعض يوم القيامة مهما كانت بينهم روابط في الدنيا وأسباب، فإنه يتبرأ بعضهم من بعض. يقول الله عز وجل: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ} [القصص:63] يعني: مما كان يفعل هؤلاء معنا، ما كانوا إيانا يعبدون.
تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم)
تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) قال تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ} [القصص:64]. أي: ادعوا آلهتكم وادعوا الذين كنتم تستعينون بهم في الدنيا، فدعوهم، فهل أجاب أحد أحداً؟ فيبرأ يوم القيامة بعضهم من بعض، فدعوهم يطلبون منهم أن يدافعوا عنهم، فلم يستجيبوا لهم ولم يردوا عليهم، ورأوا العذاب ماثلاً أمام أعينهم فيقولون: يا ليتنا كنا اهتدينا وعرفنا طريق الله سبحانه تبارك وتعالى فاتبعناه. وقوله تعالى: {لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [القصص:64] أي: لو اهتدوا ما وصلوا إلى هذا الذي وصلوا إليه، فيتحسرون يوم القيامة فيقولون: يا ليتنا اهتدينا وما ضللنا عن سبيل الله سبحانه، فهذا كأنه من كلامهم، أو أنه من كلام ربنا سبحانه وتعالى أن هؤلاء لو كانوا اهتدوا ما وصلوا إلى ما هم فيه الآن.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65]. يوم: منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر يوم يناديهم ربهم سبحانه. {فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:65] أي: كيف أجبتم هؤلاء المرسلين؟ هل اتبعتم الحق أم ضللتم عن سبيل الله؟ وبأي شيء أجبتموهم؟ قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص:66]. الكفار في الدنيا لديهم ألسنة يجيدون بها الكلام، ويجيدون المدافعة بالباطل والزور، أما عند الله فلا ينفع هذا الكلام كله، فلما وقفوا أمام ربهم عميت عليهم الأنباء وخفيت عليهم الحجج وضاع عنهم ما كانوا يقولونه، فلم يقدروا أن يجيبوا على كلام ربنا سبحانه وتعالى، فقالوا لله سبحانه وتعالى: تبرأنا من عبادة هؤلاء فينا. فيقول سبحانه: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ} [القصص:65 - 66] أي: خفيت عليهم الحجج، وضاع عنهم الزور الذي كانوا يقولونه في الدنيا. قال تعالى: {فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص:66] أي: لا يسأل بعضهم البعض عن شيء، قد أخرسوا في هذا الوقت فلا يقدرون على الكلام. وفي الآية الأخرى {قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23] فكأنهم لا يعرفون أن ينطقوا بحجة، أو أنها مواقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، ففي حين يُختم على أفواههم فلا يقدرون على الكلام، فإذا تكلموا حاولوا الهرب فقالوا لربهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام:23].
تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن)
تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن) قال الله سبحانه وتعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص:67]. التوبة شرطها أن يرجع الإنسان إلى ربه سبحانه، ويبدل ما كان في عمله من سيئات إلى أعمال صالحة حسنة. والتائب هو الذي تاب عن كفره، ودخل في الإيمان وعمل صالحاً، وتاب عن ظلمه وآمن وازداد يقيناً وعمل العمل الصالح، قال تعالى: {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص:67]. أي: عساه عند الله عز وجل أن يجعله من المفلحين، فمناه الله سبحانه بذلك، ووعد الله حق وكلامه صدق. فمن أتى بهذه الشروط أي: تاب وآمن وعمل صالحاً، يكون من المفلحين، ولماذا قال الله: (عسى) وما قال (يقيناً) ولاقال: (هؤلاء هم المفلحون)؟ و A كم من إنسان يظن أنه تائب إلى الله عز وجل ويقول ذلك في نفسه، وقد يخدع الإنسان نفسه، وعلى باله أنه لو عرض له هذا الذنب في يوم من الأيام فإنه سيعمله مرة ثانية، فالتوبة لا تكون صحيحة في قلب الإنسان إذا عجز عن الوقوع في المعصية ثم قال: تبت إليك يا رب، وكذلك إذا لم يقدر على مواجهة أهل الإيمان فيقول: أنا تبت وأسلمت ودخلت في الدين، لكن في قلبه الشك والنفاق ولعله يقع في الكفر بعد ذلك. فالله عز وجل يتكلم عن الجميع وفيهم المؤمنون الصادقون والمنافقون الذين يظهرون الطاعة ويبطنون المعصية، فيقول: عسى أن يكون هؤلاء من المفلحين. فأما من آمن حقاً ظاهراً وباطناً فهذا مفلح يقيناً، وأما من آمن في الظاهر أمام الناس ولم يصدق ذلك بقلبه فإنه يوم القيامة يكون مع المنافقين. إذاً: المفلحون هم الفائزون، والفلاح: الفوز الأبدي والنجاح الذي لا خسران بعده أبداً.
تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)
تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) قال سبحانه: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68]. يرد الله على هؤلاء المشركين وفيهم الكبار والصغار، فصغار المشركين ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه على أنهم ليسوا أفضل من الذين معهم، وكبار المشركين ينظرون إليه حسداً لماذا جاءت إليه هذه الرسالة، قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31] فكانوا يتمنون لو نزل هذا القرآن عليهم، وهذا منهم حسد للنبي صلى الله عليه وسلم. وعظيم مكة عند المشركين هو الوليد بن المغيرة، وكان من أعلمهم في الكلام والفصاحة واللغة العربية المتينة والشعر والخطابة، وكان من أغناهم، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى ذكر هذا الرجل فقال: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} [المدثر:11 - 16]. فقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر:11] فيها معنيان: المعنى الأول متفرداً في الناس بهذا الذي عنده من غنى مال ومن أولاد وقوة، ومن رئاسة في قومه، وكان المفترض عليه أن يعرف الحق فيتبعه، وخاصة أنه هو الذي قال عن هذا القرآن العظيم: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، والذي منعه من الإيمان بالله ورسوله هو كبره وحسده وقول بعض الكفار له: قل في هذا القرآن شيئاً لعل الناس يتبعونك، ولما أصروا عليه بدأ يفكر، قال تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ} [المدثر:18 - 19] أي: لعنة الله عليه، {كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ} [المدثر:18 - 23] وفي النهاية قال لهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} [المدثر:24] فالله عز وجل ذكر ما قاله هذا الرجل عن هذا القرآن بأنه سحر، وهو يعلم في نفسه أن هذا مستحيل أن يكون سحراً. والمعنى الثاني: ذرني وإياه وحده، فسيأتي إلينا يوم القيامة لوحده وليس معه لا مال ولا بنون ولا شيء. فالمراد بالرجل العظيم في القريتين هو عظيم قريش الوليد بن المغيرة، أو عظيم الطائف عروة بن مسعود الثقفي، فكان يقول الكفار: لماذا لم ينزل القرآن على أحدهما وأنزل على النبي صلى الله عليه وسلم؟! فالصغار نظروا إلى هؤلاء الكبار أنهم الأحق في نزول القرآن عليهم، والكبار نظروا بحسد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك يذكر عنهم الله عز وجل: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء:54] أي: يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله سبحانه وتعالى من فضله. وصغار المشركين يخاصمون كبراءهم فإذا كان يوم القيامة: {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ} [سبأ:31 - 32] أي: أنتم الذين كنتم مجرمين في الدنيا. ففي الدنيا قد كان يدافع بعضهم عن بعض ويفدي بعضهم بعضاً بنفسه وروحه. ويوم القيامة يبرأ بعضهم من بعض، فالكبار يخاصمون الصغار، والصغار يتهمون الكبار أنهم السبب في ذلك، ويرد عليهم الكبار أنهم كانوا مجرمين وكانوا في بعد عن الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} [سبأ:33] أي: نظروا العذاب أمامهم فأسروا في أنفسهم الندامة، وأظهروا الحسرة والبكاء حين لا ينفعهم بكاء ولا حسرة، فكان الشقاء الأبدي على هؤلاء. قال الله عز وجل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ويختار} [القصص:68] تفرد الله بالخلق سبحانه، وهو يأمر بما يشاء، فهو المتفرد بالأمر وبالشرع قال تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] وهو وحده الذي يخلق ويأمر. إذاً: الشرع لا يكون إلا من عنده سبحانه وتعالى وهو الذي خلق العباد، وهو الذي يعرف ما الذي ينفعهم وما الذي يضرهم، لذلك شرع لهم الشريعة العظيمة التي نزلها في كتابه وفي سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: ربك يخلق ما يشاء من خلقه، ويختار من هؤلاء الخلق من يصطفيه، فاختار محمداً على هؤلاء جميعهم، ففضله صلوات الله وسلامه عليه، والكفار كانوا يريدون أن ينزل القرآن على رجل من القريتين، ولكن الله اختار النبي صلى الله عليه وسلم، أن يكون رسولاً، وهذا وهب من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم. ولا حاجة لأن يظل الإنسان يتعبد إلى أن ينزل عليه الوحي فيكتسب ذلك بعبادة الله، فهذا اختيار من الله سبحانه تبارك وتعالى، وتوفيق من الله لمن يريده، فيقطع عن الناس التمني فلا يتمنى الإنسان أن يكون رسولاً أو نبياً، إنما هذا وهب من الله لمن يشاء، فالله يخلق ما يشاء ويختار من يريد سبحانه. وقوله تعالى: {مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ} [القصص:68] أي: ليس الاختيار للخلق، ولا لهؤلاء الذين يريدون أن ينزل القرآن على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود. فـ (ما) هنا نافية على قول جمهور المفسرين، ومعنى الآية: ليس لهم من الأمر شيء كما قال الله سبحانه تبارك وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128] وكما قال الله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36]. إنما الاختيار إلى الله عز وجل، لذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الاستخارة حين نقدم على عمل من الأعمال، فهو الذي يختار لنا الخير سبحانه وتعالى. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [68 - 73]
تفسير سورة القصص [68 - 73] الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، فهو الذي يعلم من يكون أهلاً للرسالة والنبوة، فليس الاختيار في ذلك للبشر، فإن ألوهيته تستلزم أن يكون له الحكم والأمر. ومن دلائل ألوهيته التأمل في عظمة حكمته في خلق الليل والنهار، وما ينتج عنهما من ضياء أو سكون.
يخلق الله ما يشاء ويختار
يخلق الله ما يشاء ويختار الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة القصص: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} [القصص:68 - 71]. يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات أنه هو وحده الذي يخلق سبحانه تبارك وتعالى، وأن هو الذي يختار وأنه له الخلق وله الأمر كما قال سبحانه: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54]، فهو الذي يخلق، وهو الذي يأمر، وهو الذي يشرع لعباده؛ لأنه أعلم بما في نفوسهم. قال: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: من خلقه سبحانه (ويختار) من يشاء من هؤلاء الخلق ليكونوا رسلاً وأنبياء، فأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام أولياء الله اختارهم واجتباهم واصطفاهم، وجعلهم الخيرة من خلقه، فقال: (رَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ). وكان المشركون قد اعترضوا على كون النبي صلى الله عليه وسلم رسولاً من رب العالمين، وقالوا: هلا جعل الله هذه الرسالة لرجل من القريتين عظيم، قال تعالى: {وَقَالوُا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، فقال الله عز وجل رداً عليهم: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) أي: ليس لهم الاختيار في ذلك، إنما هو من الله عز وجل يختار من يشاء، ويجتبي ويصطفي من يريد. {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص:68] أي: تنزيهاً له سبحانه عن شرك هؤلاء المشركين، وعن إراداتهم الباطلة، فهم يريدون أن يفطئوا نور الله سبحانه تبارك وتعالى، ويريدون أن يكون الدين بالتشهي والهوى، فسبحان الله وتعالى الله عما يقول هؤلاء الكافرون.
تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم)
تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم) {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص:69]، وأنه قد تكن صدورهم أشياء وقد يعلنون بها، وقد يعلنون بغيرها، فربك أعلم هل يتوافق ما تكن صدورهم مع ما يقولون بألسنتهم أم أنهم يضمرون شيئاً ويظهرون غيره؟ وكم فضح الله سبحانه وتعالى الكفار والمنافقين في كتابه بأنهم يسرون أشياء ويظهرون غيرها، ويظهر الله عز وجل أن هذه الأشياء التي يظهرونها ليست هي حقيقة الأمر، فيكرهون البنات ويظهرون أمام الناس أنهم يحبون البنات؛ لكون البنت تجلب العار على أبيها، هذا كلامهم وهذا باطلهم، والله عز وجل يفضحهم سبحانه أنهم يفضلون البنين على البنات؛ لكونهم يخافون من ضيق الرزق، والله عز وجل يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء:31]، ويقول {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151]. كانوا يئدون البنات، والسبب في ذلك خوف الفقر، وأن البنت لا تقاتل ولا تجلب الرزق في ظنهم، فكان أحدهم يقتلها ليتخلص منها، ويظهر أمام الناس أنه ليس خائفاً من الفقر، ولكنه يخاف أن تكبر البنت وتقع في الفحش وغيره، ففضحهم الله عز وجل فيما أضمروا في قلوبهم، وأظهر سبحانه وتعالى هذا الذي يضمرونه. وكذلك كانوا يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: كذاب، ويقولون: ساحر، ويقولون: مجنون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن، فإذا بالله يظهر ما يبطنون، ويقول: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام:33]، أي: في حقيقة الأمر وفي قلوبهم هم يعلمون أنك صادق ولست كاذباً: {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. والجاحد: هو الذي يعرف الشيء ثم يكذبه، ويكذب الشيء وهو في نفسه يعلم أن هذا هو الحق، فالله عز وجل يفضح ما في قلوبهم يقول له: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ} [الأنعام:33] وإن كانوا بألسنتهم يقولون ذلك، لكن الحقيقة أنهم يضمرون في قلوبهم أنك صادق، ولكن الغيرة والحسد للنبي صلى الله عليه وسلم تدفعهم إلى أن يقولوا عنه: كذاب ويقولون: مجنون، ويقولون غير ذلك، فالله عز وجل يقول: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص:69]. أيضاً كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: سل ربك أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فإن فعل ذلك آمنا به. والله يعلم أنهم لن يستجيبوا، ولم يفعل ولم يحول لهم الصفا ذهباً، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبره ربه سبحانه أنهم لن يؤمنوا {وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس:97]، فيخبر الله عز وجل أن فرعون ومن معه طلبوا الآيات ولم يؤمنوا بها، وجاءتهم الآيات مبصرة من عند رب العالمين فكذبوا بها، وهؤلاء القوم قد أظهر الله حقيقتهم وقد فضحهم وقد كذبهم فيما يقولون، فربك أعلم بما تكن صدورهم وما يعلنون. وكذلك كل إنسان كافر يقول: إنه لا يعرف إلهاً، أو إن الصدفة هي التي أوجدته مثلاً، فإن الله يكذبه ويقول: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف:87]، سواء أظهروا ذلك بألسنتهم أم أخفوا ذلك، فهم في قلوبهم يعلمون أن الخالق الواحد هو الله تبارك وتعالى، وأنه هو الذي يخلق وهو الذي يرزق، لذلك على المؤمن أن لا يهتم بقول الكافر بأنه لا يوجد إله، فالمؤمن يعرف أنه كذاب؛ لأن الله شهد عليهم أنهم يعرفون ذلك.
تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد)
تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد) يقول الله سبحانه: {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:70]. (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قد عبر الله بلفظ الرب وبلفظ الإله، فله الربوبية وله الإلهية، هو الرب الخالق، وهو الإله المعبود تبارك وتعالى، وهو الله المستحق للعبادة، فلا يستحق العبادة إلا من كان يخلق، والخالق سبحانه هو الرب، والرب هو من يختار ويريد ويشرع تبارك وتعالى، ولا يستحق العبادة إلا من كان يعلم السر وما هو أخفى من السر، وهو الله المعبود المستحق للعبادة. (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: فلا يستحق العبادة غيره تبارك وتعالى، ولا معبود بحق إلا هو. (لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ)، فإن الله يُحمد في الدنيا وفي الآخرة، أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمد الله تبارك وتعالى بمحامد عظيمة يقولها كما جاء في الحديث: (ربنا ولك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)، فالله سبحانه هو المستحق للمحامد جميعها، وقد حمد نفسه تبارك وتعالى في كتابه. والحمد معناه: الثناء بالصفات الجميلة التي له سبحانه وتعالى، فله الحمد قبل أن يخلق، وله الحمد بعدما خلق، وله الحمد قبل أن ينزل الكتاب، وله الحمد بعدما أنزله، وقبل كل شيء وبعده؛ له الحمد سبحانه لأنه يستحقه، فله الحمد أولاً وآخراً. (وَلَهُ الْحُكْمُ) بعد أن ذكر لنا في هذه الآيات ربوبيته التي مقتضاها أنه يخلق، وأنه يرزق، وأنه يصطفي ويجتبي ويختار، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وذكر لنا من صفاته أنه يعلم الغيوب سبحانه، ويعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وذكر لنا أن له الحكم وحده تبارك وتعالى، فهو يختص به كما اختص بالخلق ولا أحد يجادل في ذلك ويقول إن الخالق غير الله سبحانه وتعالى؛ فكذلك له الحكم وليس من حق أحد أن يشرع مع الله، ولا أن يلغي حكم الله سبحانه وتعالى، ولا يقول إن من حقه أن يحكم مع الله سبحانه، فإن الله تعالى له وحده الحكم وإليه المرجع والمصير. (وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فالمرجع إلى الله تبارك وتعالى، وهنا يخبرنا عن صفاته لنعرف الله سبحانه، ولم يترك المعرفة لنا في أن نفكر ونؤلف ونقول: من صفاته كذا وكذا، ولكنه أخبرنا عن نفسه، وأخبرنا عن صفاته، وأخبرنا كيف نعبده سبحانه وتعالى، ولم يترك ذلك لأهوائنا.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً) قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ} [القصص:71]. قوله: (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني عن هذا الأمر. قوله: (إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). أي: لو كان ربنا جعل عليكم الليل سرمداً دائماً على وجه الأرض، فمعنى ذلك أن الأرض لن تدور، وستظل ثابتة في مكانها، فالأرض تدور حول نفسها خلال 24 ساعة، فيأتي عليها الليل والنهار، فالوجه المقابل للشمس يكون نهاراً، والوجه الآخر يكون ليلاً، فدوران هذه الأرض يجعلها تتعرض لشروق الشمس ولغروبها، فلذلك تقوم الحياة على الأرض، وتأتي طاقة من حرارة الشمس للأرض، فيعيش الناس. فتأملوا لو جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة، ماذا سيحصل إذا لم تأت الشمس إلى هذه الأرض؟ ستكون الأرض فيها الثلوج وتنخفض الحرارة، فيموت الخلق، فالله عز وجل لطيف ورءوف ورحيم بعباده سبحانه. يقول: تفكروا لو جعلنا عليكم الليل سرمداً، وانظروا إلى الكواكب حول هذه الشمس القريبة منها والبعيدة منها، فهي لا تصلح للحياة، ولكن جعل الله هذه الأرض صالحة للحياة، فجعلها في هذا المكان، وجعلها تدور، فليتأمل الإنسان في بديع قدرة الله سبحانه وتعالى، فإن الأرض في مدار تجري حول الشمس، وتدور حول نفسها، ولو قرب المدار قليلاً حول الشمس لاحترقت الأرض ومن عليها، وبعض الكواكب التي في المدارات القريبة من الشمس قليلاً تصل الحرارة فيها إلى خمسمائة درجة مئوية، أو أربعمائة وستين درجة مئوية، فمن يطيق ذلك؟! وكذلك لو بعدت الأرض عن الشمس لأصبحت الأرض كوكباً جليدياً لا توجد عليها حياة. (سَرْمَدًا ً): دائماً إلى يوم القيامة. (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ)، أي: لو جعلها مظلمة على العباد، من إله غير الله يأتيكم بضياء، فعلى الإنسان أن يعلم أن النفس الذي يتنفسه من الأشياء الضارة، مثل ثاني أكسيد الكربون، فيجعله الله نفعاً لغيره، فيأخذه النبات بالنهار، ويخرج الأوكسجين لكي تتنفسه أنت، والذي يتسبب في ذلك هي الطاقة الشمسية وضوء الشمس مع الأوراق الخضراء التي في النبات، فلو أنه كان مظلماً، فسيتنفس النبات ما تتنفسه أنت، وكل ما على الأرض سيتنفس كما يتنفس الإنسان فتتلوث الأرض من نفس الإنسان، فمن إله غير الله يأتيكم بهذا الضياء الذي بسببه تتنفسون؟ وبسببه ينظر بعضكم إلى بعض، وتستفيدون من ضوء الشمس في كل شيء من فضل الله ومن رحمته. (أَفَلا تَسْمَعُونَ)، فلو كان الأمر دنيا مظلمة فليس معك إلا السمع، فلن ترى شيئاً، فاسمع لما نقول لك وافهم هذا الذي نقوله، فناسب ما ذكر من ظلمة ذكر السمع، ولم يقل: (أفلا تبصرون) وإنما قال: (أَفَلا تَسْمَعُونَ) أي: لهذا الذي نقوله.
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا)
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً) {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ} [القصص:72]. أي: إذا صار النهار سرمداً على الأرض جميعها، فسترتفع درجة الحرارة، وتذوب الثلوج الموجودة، فتغرق الأرض كلها. (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ). أي: من يجعل الليل سكناً تنامون فيه، ومعلوم أن الإنسان لا يستريح إلا بالنوم في الليل، فالليل جعله الله عز وجل سكناً للإنسان، ولذلك لو أنه ينام في النهار ويستيقظ بالليل تتعب أعصابه ويمرض في النهاية، ولكن جعل الله عز وجل هدوء الليل وظلمة الليل للإنسان راحة يستريح بها، فيقول الله سبحانه: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ). والسكون: عكس الحركة، فلو نام الشخص في وقت الظلمة أربع ساعات لكفت أن يستريح ويقدر على العمل بعد ذلك، ثم ينام بعد ذلك بالنهار ثلاث ساعات أو ساعتين، ولكن لو أنه نام ست ساعات في النهار لا تكفيه؛ لأنه يحتاج إلى النوم في الظلمة، ويحتاج إلى النوم في الليل، فجعل الله الليل للعباد سكناً، وجعل طبيعتهم تتوافق مع ذلك، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]. (أَفَلا تُبْصِرُونَ) أي: أفلا تبصرون في ضوء النهار ما يجعله الله عز وجل من آيات ترونها. قال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73]، أي: جعل الله لكم الليل تسكنون فيه، والنهار تبتغون من فضله وتنتشرون. (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) وكأن هنا شيئاً مضمراً أي: تشكرونه على نعمة الليل والنهار، وجعل لكم ذلك لتطلبوا رزق الله عز وجل، وتسعوا في الأرض، وتأخذوا حظوظكم ونصيبكم، وتشكروا ربكم سبحانه على ما أنعم عليكم من نعم، والمؤمن يشكر ربه سبحانه ويحمده حمداً يليق به سبحانه، وشكراً يليق بإنعامه. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [73 - 77]
تفسير سورة القصص [73 - 77] يجمع الله الناس يوم القيامة، فيسأل المشركين عن شركائهم، ثم يستشهد عليهم بأنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، فيسكت الكفار وتقوم عليهم الحجة.
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون)
تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) قال الله عز وجل: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:74 - 77]. في هذه الآيات من سورة القصص يخبرنا الله عز وجل عن رحمته بعباده كما يذكرنا بيوم القيامة، ويضرب لنا مثالاً لنعتبر ونتعظ به، فهذا إنسان قد آتاه الله عز وجل من الدنيا متعاً ومتعه، فجحد ولم يشكر نعم الله، وظن أن هذا لفضله وأنه بذكائه أوتيه وعلمه. فقال الله سبحانه: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:73]، فبعد أن ذكر بنعمه العظيمة من جعل الليل محلاً للسكون والنهار محلاً لطلب المعاش وجعلهما متعاقبين {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [الحج:66]، فينام الإنسان ويتذكر نعمة الله عز وجل عليه بالنوم، إذ لو استمرت يقظته أياماً لتعب ولم يقدر على العمل، وقد يموت من عدم النوم. لكن من رحمة رب العالمين أن جعل الإنسان ينام فيستريح، فكان النوم له سباتاً أي: راحة وانقطاعاً عن الدنيا، وهو مأخوذ من السبت، والسبت: القطع، والنوم هو الموتة الصغرى، ويري الله عز وجل الإنسان آياته بهذا النوم الذي يحتاجه المرء ويفتقر إليه، وهو الغني عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربنا سبحانه: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، بيده القسط، يرفع ويخفض) فهو الحي الذي لا يموت، والنوم أخو الموت كما جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الآية ما يفيد أن الإنسان قد يسكن بالنهار وإن كان سكونه في الليل أكثر، إذ فيه السكون وفيه الدعة والراحة والطمأنينة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بات آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)، أي: حصل على الدنيا جميعها، فمهما كان عند الإنسان من شيء يجد نفسه لا يحتاج إلى شيء طالما عنده هذه الأشياء. قوله: (بات) أي: جاء عليه الليل وهو في بيته. قوله: (آمناً في سربه) أي: لا يزعجه أحد في شيء، ولا يطلب أحد منه شيئاً، ولا يقتحم أحد عليه بابه ويخيفه ويزعجه. (معافى في بدنه) قد أعطاه الله نعمة العافية فقدر على النوم. أما المريض ففي سهاد لا يقدر على النوم يظل يتأوه، طوال ليله، متعب يشكو عدم قدرته على النوم، فإذا أعطاك الله عز وجل السكن، وأعطاك الأمن، وأعطاك العافية، ومن عليك بقوت هذا اليوم، فلا تنظر إلى الغد لعلك لا تعيش فيه الغد. فلو أن الإنسان دخل بيته في الليل فوجد الطعام عنده، وقد هيئ له السرير فنام مستريحاً فأي شيء يريده من الدنيا، فكان من رحمة الله بالعباد أن جعل لهم الليل ليسكنوا والنهار ليبتغوا من فضله، وكان من بلاغة الآية أن فيها لفاً ونشراً: فالليل لتسكنوا فيه والنهار لتبتغوا من فضل الله عز وجل، ورزقه ورحمته فتتنعموا بذلك في الدنيا، وتحمدوا الله سبحانه، ولعلكم تشكرونه على ما أولاكم وما أعطاكم. وعليكم أن تدركوا أنه إذا أعطاكم في الدنيا فإنه يسألكم يوم القيامة، {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]؛ ولذا قال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ} [القصص:62]، أي: يوم ينادي المشركين فيقول: {أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص:62]، أين هؤلاء الشركاء، الذين عبدتموهم من دون الله، واتخذتموهم أنداداً لله سبحانه، من الأصنام والأوثان والملائكة والجان.
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيدا)
تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيداً) قال سبحانه: {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} [القصص:75]. أي: جئنا من كل أمة بشهيد وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيؤتى من كل أمة بشهيد ينادي عليه تعالى: اشهد على قومك، أبلغت هؤلاء؟ فيقول الرسول: نعم. أي رب. فيسأل الأقوام المكذبين: أبلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال لهذا الرسول عليه الصلاة والسلام: من يشهد لك؟ فيقول: أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه! فتشهد أمتنا على الأمم، وعلى أن رسلهم قد بلغوا، وكانت شهادتنا عليهم بما في هذا القرآن، فقد أخبرنا الله عز وجل عن دعوة الأنبياء لقومهم وتكذيبهم لأنبيائهم ومن ذلك: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:23]، {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:65]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73]. ثم يؤتى بنبينا صلوات الله وسلامه عليه فيشهد علينا وعلى الجميع. قال سبحانه: {وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا} [القصص:75] لهؤلاء المشركين: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} [القصص:75] أي: هاتوا ما تحتجون به من أثر، أو من يشهد لكم أنكم كنتم على صواب. قال: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} [القصص:75] فلما انعدمت حجتهم استيقنوا أن ما كانوا يقولونه باطل، وإن كانوا يزعمون في الدنيا أنه حق، وينصرونه لا بقوة حجتهم ولكن بقوة أبدانهم وأسلحتهم، فيلزمون غيرهم بما يقولونه من باطل، ويستخفون بهم، قال الله سبحانه: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} [القصص:75]، ومعلوم أن يوم القيامة لا باطل فيه، وهم يوم القيامة يستيقنون أن الحق لله وحده ويصدقون به، ولكن حين لا ينفع التصديق، ويندمون حين لا ينفع الندم. قال سبحانه: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} [القصص:75]، والعلم بمعنى: اليقين، أي استيقنوا الآن أن الكلام الحق كلام رب العالمين، وقد كانوا في الدنيا يعرفون ذلك ولكن يتكلمون بالباطل ويزعمون أن معهم حججاً وبراهين. يقول الله سبحانه: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص:75]، ((وَضَلَّ))، بمعنى: تاه، وذهب عنهم، يقف الواحد منهم في الدنيا يتكلم ويتهم المؤمنين بأنهم هم المتزمتون والمتشددون وأنهم هم أهل الباطل، وأنهم رجعوا للعصور الوسطى والكتب الصفراء. وقد يجد من يقبل منه مثل هذا الكلام الباطل، رغم أنه محض كذب، ومن يستمع إليه إنما يفعل ذلك اليوم، أما يوم القيامة فلا قوة إلا لله سبحانه، ولا حيلة لأحد يوم القيامة مع الله سبحانه وتعالى، فظهر الحق جلياً، وضاع منهم وتاه عنهم ما كانوا يختلقونه ويفترونه في الدنيا، وما كانوا يكذبونه، فبهتوا يوم القيامة وندموا على ما قدموا، {وضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [القصص:75].
تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم)
تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم) يذكر لنا الله قصة عجيبة، وهي قصة قارون، ذلك الإنسان الذي كان ملكاً بما أوتي من المال. وقد أرانا الله عز وجل فرعون في ملكه، وأرانا قارون في ماله، وأرانا هامان في رئاسته ووزارته، لنرى ما يصنع الجاه والمال والملك بالإنسان، إن لم يتق الله سبحانه وتعالى. كان قارون من بني إسرائيل، {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} [القصص:76]، ولم يكن من أهل فرعون، ولكن غره أن فرعون قربه منه، فإن فرعون كان له الملك على مصر ومعه هامان الوزير المستعلي على الخلق، وتبعهم قارون مع أنه ليس من قومه، بل هو من قوم موسى. وقيل: كان ابن عم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وبالرغم من أنه كان قريباً لموسى إلا أنه لم يستفد من دعوته، بعكس هارون أخي موسى فقد انتفع بدعوة موسى عليه الصلاة والسلام وصار نبياً بعده، أما قارون فقد ملأ قلبه حسداً لموسى وأخيه عليهما الصلاة والسلام على ما آتاهما الله من الرسالة وهما من الفقراء ولم يعطها وهو الغني. فبغى على قومه، وهم بنو إسرائيل، وكذا الإنسان حين يترك نفسه لهواه يستعلي على من معه، فرعون لم يعجبه الناس فأراد أن يكون فوق الناس، فزعم أنه الإله على الناس، وأنه الرب، واختلق لهم البراهين، وأخذ يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف:51]، ومع أن حججه باطلة إلا أن الناس صدقوها فعبدوه من دون الله سبحانه، وكان فرعون لا ولد له فكان يقول: أنا ابن الشمس، والشمس إله وهو ابن لها! فيزعم الباطل، وهذا الكلام الذي راج على الناس صدقوه وإن كانوا في قلوبهم غير متيقنين، ولكن صدقوه بألسنتهم واتبعوه فيما يقول؛ خوفاً من سطوته وإعجاباً بقوته الزائلة في الدنيا ويوم القيامة قال تعالى: {َضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:24]. وممن تبعه قارون وكان من قوم موسى فبغى عليهم، إذ لما أحس بقربه من سلطة فرعون بدأ يتقرب من فرعون ويبتعد عن موسى ومن معه، ويستكبر عليهم. قال عنه الله سبحانه وتعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص:76]، فالله قد أعطاه مالاً عظيماً، وكنوزاً كثيرة من الذهب والفضة، وامتلك الخزائن العظيمة التي لا يستطاع وزنها، بل إن مفاتيح هذه الخزائن كانت تجمع، حتى لو قام عصبة من أولي القوة، أي: عشرة من الرجال الأشداء فإنها تنوء بهم؛ أي: تثقلهم وقد لا يستطيعون حملها! فقوله: {لَتَنُوءُ} [القصص:76]، من ناء بالشيء إذا أراد أن يحمله فثقل عليه، فمال به، وكاد يسقطه على الأرض من شدة ثقله، فكيف بتلك الخزائن! وقد نتساءل: هل هو محتاج لهذا المال؟! مهما عمر الإنسان فلن ينفق هذا المال الكثير. ومع أن الله قد أعطاه ذلك كله إلا أنه جحده ولم يشكره! قال الله سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76]. وقد يفهم من الآية مقت الفرح عموماً، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفرح بنصر الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم يفرحون بنعمة الله سبحانه، ويستبشرون بها، ومثل هذا الفرح مشروع، وإنما المذموم الفرح الذي يجعل الإنسان يطغى ويغرق فيستعلي على الخلق، ويرى نفسه أعلى منهم، بطراً وأشراً. وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، فقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق، وغمط الناس)، فبطر الحق أي: عدم قبوله، فقد يعلم أن معك الحق لكنه لا ينظر للحق الذي معك، بل ينظر إليك أنت، وإلى فقرك البادي على ثوبك ونعلك، وسوء هيئتك، فيلغي ذلك الحق ولا يقبله منك. قوله: (وغمط الناس)، بمعنى أنه يحتقر الناس، ويراهم دونه، فلا يستحقون أن يستمع إليهم، وكذلك كان قارون، فقال له قومه: لا تفرح، أي: لا تستكبر، وكأنهم تأدبوا معه في الموعظة، فبدلاً من أن يقولوا له: لا تستكبر، قالوا له: لا تفرح، والمعنى: لا تبالغ في فرحك بما أوتيت فقد يطغيك هذا الفرح الذي أنت فيه، وكم من إنسان يفرح فتأخذه سكرة الفرح، فيطغى على الناس، ويفعل ما لا ينبغي له أن يفعل، كمن يتزوج فيعلن فرحته بزواجه بأن يحضر الراقصات والمعازف والخمور والحشيش ويفعل ما نهى الله عز وجل عنه، غروراً واستكباراً على الحق الذي أمر الله عز وجل به، فيدخل تحت وعيد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76].
تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة)
تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77]، أي: إذا كان الله قد أعطاك هذه الكنوز العظيمة فلم لا تنفق من هذه الكنوز ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، بدلاً من الاستكبار في الدنيا؟ {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، وهنا يظهر التحلي بأدب الموعظة، إذ إنك لو وعظت غنياً فلا تأمره أن ينفق كل ماله! فالله برحمته سبحانه لم يأمر العباد أن ينفقوا جميع أموالهم، بل النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبره سعد بأنه عازم على أن يوصي بماله كله -وذلك في مرض موته- نهاه عن ذلك وقال له: (الثلث والثلث كثير). ولذا لو أن الإنسان شارف على الموت لا ينبغي أن يوصي بكل ماله، بل ثلث المال فقط، والثلث كثير، كما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن الأدلة على ذلك أيضاً ما حدث مع كعب بن مالك حين تاب إلى الله عز وجل، وهو من الثلاثة الذين خلفوا وذكر الله قصتهم في سورة براءة، قال: (يا رسول الله! إن من توبتي أن أخرج مالي كله صدقة لله)، أي: أترك المال كله فلا آخذ لنفسي منه شيئاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعضه فهو خير لك). فليس كل إنسان كـ أبي بكر الصديق، إذ إن له خصوصيات، حيث أنفق ماله كله على دين الإسلام وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يليه عمر رضي الله عنه، حيث أنفق نصف ماله، وليس كل الناس كـ عمر رضي الله عنه، فالله عز وجل لم يأمر العبد أن ينفق ماله كله، لكن تصدق من هذا المال وأد شكر النعمة. {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77]، أي: اطلب الجنة بهذا المال ولا تنس نصيبك من الدنيا، بل استمتع بمالك في الحلال الذي هو طيب لك. فالمعنى: لا تنس نصيبك من الحلال، فكل واشرب ولا تسرف، وأنفق في الحلال ما تحب من إنفاق، بعد أن تعطي لله عز وجل حقه. {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]، فلا بد على الإنسان أن يتذكر دائماً نعمة الله عز وجل عليه، وهنا أمروه أن يحسن ويتذكر إحسان الله عز وجل عليه، ويحذر من الفساد، {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]، وهنا كأنهم يعرضون به: أنت مفسد، وأنت مستكبر، ولكن صاغوها بتلك الصياغة الجميلة لعله يتعظ ويتذكر، ولكنه لم يتعظ ولم يتذكر، كما سيأتي بعد ذلك إن شاء الله.
تفسير سورة القصص [76 - 82]
تفسير سورة القصص [76 - 82] كان قارون من بني إسرائيل، وكان رجلاً غنياً فبغى على قومه واستكبر، ولم يشكر الله تعالى، فعاقبه الله وخسف به وبداره الأرض.
سبب طغيان قارون ونصح قومه له
سبب طغيان قارون ونصح قومه له الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:76 - 78]. ذكر الله عز وجل في هذه الآيات قصة من قصص القرآن وفيها عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. والمؤمن يعتبر من القصص التي في كتاب الله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يذكر لنا فيها مواطن العبر والعظات. كان الرجل من قوم موسى، وكان اسمه قارون قالوا: كان ابن عم موسى أو كان قريباً لموسى عليه الصلاة والسلام، فهو من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل كانوا مستذلين في مصر من فرعون وملئه وجنوده، وهذا الرجل منهم ثم بغى عليهم واستكبر ورأى أنه أفضل منهم وأنه أحسن منهم؛ لأن الله أعطاه مالاً كثيراً. فسبب بغيه وطغيانه أن الله عز وجل آتاه كنوزاً عظيمة قال: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص:76]، إذا كانت هذه المفاتيح فكيف بالكنوز نفسها، فقد كان العشرة من الرجال لا يقدرون على حمل مفاتيح الخزائن، فاغتر هذا الرجل بماله واغتر بما آتاه الله سبحانه وتعالى من كنوز. قال الله سبحانه: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ} [القصص:76]. أي: لا تغتر، ولا تستكبر، ولا تكن من المفسدين؛ لأن الفرح المطغي للإنسان يجعله يفسد فيكون فاسداً في نفسه بعيداً عن الصلاح، ويكون مغوياً لغيره، فهو باستكباره وهو من بني إسرائيل يدفعهم إلى أن يحسدوه وإلى أن يتمنى كل منهم الدنيا ويتناسى الدار الآخرة، وهذا الذي حصل من كثيرين منهم. وهنا يذكر الله عن بعض قومه قولهم له إن الله عز وجل لا يحب الإنسان الذي يبطر ويستكبر على الخلق ويرى نفسه أفضل منهم، فالله لا يحب من يفرح هذا الفرح الغامر الذي يجعله يتعالى على غيره، وإلا فإنه يجوز للإنسان أن يفرح بما آتاه الله من مال وعلم وحكمة، ويفرح المؤمنون بنصر الله كما قال الله: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4 - 5]. فالفرح الذي يحبه الله عز وجل لعباده هو أن يسر المؤمن برحمة الله سبحانه، وأن ينسب الخير إلى ربه سبحانه، فيفرح لأنه مؤمن؛ ولأن الله أعطاه من نعمه فيشكر الله عز وجل ويحمده عليها، أما الفرح الذي لا يحبه الله عز وجل ويبغض صاحبه فهو الذي يدفع صاحبه للغرور، وللإفساد في الأرض، وللشعور بأنه أعلى من غيره. قال الله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]. فكانت نصيحة له ذكرها الله عز وجل في القرآن لتكون نصيحة لكل منا، والإنسان حين يعطيه الله عز وجل المال الكثير يعلم أن المال مال الله عز وجل، ويعلم أن الدنيا زائلة، وأنه سيترك هذا المال يوماً من الأيام، فإذا كان الأمر كذلك فليتصرف في هذا المال بما يرضي ربه سبحانه وتعالى، وبما يجعله له ذخراً في الآخرة، فيعمل الصالحات ولا يقال للإنسان: تصدق بجميع مالك، ولكن تصدق بشيء وأبق شيئاً لأهلك فهو خير لك. فقال له قومه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77]، أي: في هذا الذي أعطاك الله عز وجل ابتغ الدار الآخرة، فخذ من مالك وأنفق في سبيل الله سبحانه، وأنفق على قومك، وأنفق على من يجب عليك أن تنفق عليه، وابتغ بهذا المال إصلاح دنياك وإصلاح أخراك. {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، الإنسان يحب أن يكون له أشياء يختص بها في الدنيا، يكون له بيت، يكون له قصر، يكون له طعام، يكون له شراب، يكون له زوجة أو زوجات، فمهما أخذت فلا حرج عليك طالما أنها مباحة لك شرعاً، ولكن قد قال الله سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31]، فلا يجوز للإنسان أن يسرف، وأن يضيع ماله فيما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة، كل بقدر معلوم، واشرب بقدر معلوم، ولا تتجاوز الحد فتتعب نفسك وتحرم غيرك. فقال له قومه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ} [القصص:77]، أي: تذكر أن هذا من عند الله عز وجل فابتغ الدار الآخرة بهذا: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، أي: خذ من هذه وهذه، فالمؤمنون يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]. والكافر يسأل الله عز وجل الدنيا، يريد المال والبنين والمنصب، ويريد كل شيء فيها وينسى الدار الآخرة، فحذره قومه من ذلك، وذكروه وقالوا: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]، {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60]، أي: أحسن الله عز وجل إليك فأعطاك، فأحسن أنت إلى غيرك، فجزاء الإحسان إحسان من الله سبحانه، إذا أحسنت وأعطيت للناس فإن الله سيعطيك: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. تذكر هذه الآية، وقس ما في هذه الآية على ما صنعه هذا الرجل، الله سبحانه وتعالى ذكره على ألسنة قومه فلم يتذكر ولم يعتبر، قالوا له: تذكر أن الله قد أحسن إليك، لا؛ لأنك تستحق ولكن لفضله سبحانه ولكرمه. {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} [القصص:77]، أي: لا تطلب الإفساد في الأرض: {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص:77]. {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76]، لما سمع ذلك ازداد كبراً، وازداد غروراً ولم ينتصح بهذه النصيحة الجميلة بل رد عليهم رداً لا يدل على عقل وإنما يدل على جهل. قال الله: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، فكانت نصيحة له وذكرها الله عز وجل في القرآن لتكون نصيحة لكل منا، والإنسان حين يعطيه الله عز وجل المال الكثير يعلم أن المال مال الله عز وجل، ويعلم أن الدنيا زائلة، وأنه سيترك هذا المال يوماً من الأيام، فإذا كان الأمر كذلك فليتصرف في هذا المال بما يرضي ربه سبحانه وتعالى، وبما يجعله له ذخراً في الآخرة فيعمل الصالحات، ولا يقال للإنسان: تصدق بجميع مالك، ولكن تصدق بشيء وأبق شيئاً لأهلك فهو خير لك، فقال له قومه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77]، أي: في هذا الذي أعطاك الله عز وجل ابتغ الدار الآخرة، فخذ من مالك وأنفق في سبيل الله سبحانه، وأنفق على قومك، وأنفق على من يجب عليك أن تنفق عليه، وابتغ بهذا المال إصلاح دنياك وإصلاح أخراك. {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، الإنسان يحب أن يكون له أشياء يختص بها في الدنيا، يكون له بيت، يكون له قصر، يكون له طعام، يكون له شراب، يكون له زوجة أو زوجات يحب أن يختص بشيء، فمهما أخذت من أشياء مباحة فلا حرج عليك طالما أنها مباحة لك شرعاً، ولكن قد قال الله سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31]، فلا يجوز للإنسان أن يسرف، وأن يضيع ماله فيما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة، كل بقدر معلوم، اشرب بقدر معلوم، لا تتجاوز الحد فتتعب نفسك وتحرم غيرك، فقال له قومه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ} [القصص:77]، أي: تذكر أن هذا من عند الله عز وجل فابتغ الدار الآخرة بهذا: {وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص:77]، أي: خذ من هذه وهذه، فالمؤمنون يقولون: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]. والكافرون يسألون الله عز وجل الدنيا يريد المال والبنين، والمنصب ويريد كل شيء فيها وينسى الدار الآخرة، فحذره قومه من ذلك، وذكروه وقالوا: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]، سبحانه: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرحمن:60]، أي: أحسن الله عز وجل إليك فأعطاك، فأحسن أنت إلى غيرك، فجزاء الإحسان إحسان من الله سبحانه، إذا أحسنت وأعطيت للناس فإن الله سيعطيك: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]، تذكر هذه الآية وقس ما في هذه الآية على ما صنعه هذا الرجل، الله سبحانه وتعالى ذكره على ألسنة قومه فلم يتذكر ولم يعتبر قالوا له: أحسن وتذكر أن الله قد أحسن إليك ليس؛ لأنك تستحق ولكن لفضله سبحانه ولكرمه، وإياك أن تفسد في الأرض، {وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ} [القصص:77]، أي: لا تطلب الإفساد في الأرض: {
تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي)
تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي) قال الله سبحانه: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]. قالوا: كان هذا الرجل يقرأ التوراة ويجيد قراءتها، فيقول: لأني أحسن منكم في القراءة أنا أستحق هذا الشيء. أو قال: على علم من عندي يعني أنا ذكي وأنا أستحق ذلك بتعبي وبكدي. وكثير من الناس يعطيه الله عز وجل من فضله فيقال له: احمد ربك على ما أعطاك فيقول: أنا ذكي وأعرف أشتغل، وأنا أجيد عملي وأعتمد على نفسي، وينسى الله سبحانه وتعالى، كم من إنسان يفعل كما فعل قارون مع الفارق بين الاثنين، قارون أوتي كنوزاً عظيمة وهذا قد يؤتى شيئاً حقيراً يسيراً، هذا يقول: أوتيته على علم مني، وذاك يقول: بذكائي وبقوتي وبتفكيري وسأخطط وسأعمل، وينسى تدبير الله سبحانه وتعالى. {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي} [القصص:78]، يعني: على علم بوجوه التجارة ووجوه الكسب، والأماكن التي يمكن أن أكسب فيها. {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص:78]. يعني: هذا الإنسان الذي أعطاه الله عز وجل مالاً، وأعطاه رجالاً، قد مر قبله قرون كثيرة كان فيهم ملوك وعظماء عندهم الأموال وعندهم الجيوش، وهذا لا يساوي شيئاً بجوار هؤلاء الملوك، وإن كان يضرب به المثل في الغنى، ولكن الله عز وجل قد أهلك قبله من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً للدنيا. {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]. فكأنه سبحانه وتعالى يحذر الإنسان إذا آتاه الله عز وجل من المال وآتاه من الكنوز أن يغتر بذلك، بل عليه أن يحذر من الغرور وأن يتذكر السابقين، فإنهم اغتروا فأهلكهم الله سبحانه وتعالى، ولو كان المال يدل على فضل صاحبه لما أهلك الله عز وجل هؤلاء بذنوبهم، فقد أعطاهم أموالاً كثيرة ثم أهلكهم بذنوبهم فليعتبر قارون وليعتبر من يقلده. لكن قارون لم يعتبر مع أن الله عز وجل قد نصحه على ألسنة قومه وعلى لسان موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكن لم يتفكر ولم يتذكر أن السابقين كان عندهم أموال كثيرة وما وصلت إليك هذه الأموال إلا حين تداولها السابقون، فلم يكن المال مالك، ولم تولد ومعك هذا المال ولكن أخذته ممن جمعه قبلك، وتذكر أن من كان معه هذا المال قبلك قد أهلكه الله سبحانه، وأنه لم يعطه المال لفضله. واعتبر بفرعون الذي هو ملك وأنت لست ملكاً وإنما أنت رجل تملك مالاً وهذا الملك أهلكه الله سبحانه وتعالى، فقد كان عدواً لموسى وأنت تعلم ذلك، وكم أهلك الله من قبله من القرون من هو أشد قوة وأكثر جمعاً للمال. {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]، أي: لا يحتاج الله سبحانه أن يسألهم سؤال استفهام، فهو قد أحصى عليهم كل شيء فعلوه، فلا يسألهم سؤال من لا يعرف، وإنما يسألهم سؤال توبيخ وتقرير وتبكيت وفرق بين سؤال وسؤال. فأن تسأل الإنسان عن الطريق الذي يوصلك إلى مكان كذا؛ لأنك لا تعرف، وحين تسأل إنساناً بقولك أنت عملت هذا الشيء وسأحاسبك عليه، فأنت تسأله لتبكته، فهم لا يسألون سؤال من يجهل حالهم، أو سؤال من يكرمهم بذلك، وإنما سؤال إهانة، وتبكيت وتقريع، وتوبيخ يوم القيامة، فالله عز وجل يذكر أنه سيسألهم قال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر:92 - 93]، ويقول هنا: {وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78]، ولا تعارض؛ فإن الله عز وجل سيسألهم سؤال العالم بهم، فهو علام الغيوب سبحانه وتعالى، ولن يسألهم سؤال من لا يعرف عنهم شيئاً، بل يسألهم سؤال القادر العالم الذي يبكت على الشيء، ثم يدخلهم النار بعد ذلك، فلا يسأل عن ذنوبهم المجرمون.
تفسير قوله تعالى: (فخرج على قومه في زينته)
تفسير قوله تعالى: (فخرج على قومه في زينته) وذكر سبحانه وتعالى أنه خرج على قومه في زينته وذكرنا قبل ذلك قصة لـ قارون مع موسى عليه الصلاة والسلام تدل على كفر هذا الرجل، وإن كان من قوم موسى عليه الصلاة والسلام، وإن كان من أحسن قراء التوراة في عصره، ولكنه أراد أن يكيد لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ومن كيده أنه ذهب إلى امرأة بغي وأعطاها مالاً، قيل: أعطاها ألفي درهم ثم سألها أن تقول أمام الناس إن موسى عليه الصلاة والسلام زنى بها. وجاء بالناس وقال لهم: موسى يفعل كذا وكذا، وذهب إلى موسى أمام الناس وقال: ما جزاء من يزني في شرعك؟ فقال له موسى عليه الصلاة والسلام إنه يرجم، قال: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، فإذا به ينادي على المرأة فتقول: إن موسى زنا بها! فلما قالت ذلك دعا موسى ربه سبحانه وتعالى، ثم قرر المرأة ما الذي تقولينه؟ فقالت: لقد أعطاني مالاً حتى أقول عليك كذا، فرجعت عن كلامها، فدعا موسى على قارون فاستجاب الله سبحانه وتعالى له استجابة عجيبة جداً، فقد جعل هذا الرجل يعلو فجأة أمام الناس حتى يأخذه وهو في علوه وغروره فيجعله عبرة للناس حوله. فإذا ب قارون يزداد عتواً وغروراً فيخرج على الناس في يوم عيد ليريهم أنه أعلاهم، وأنه أفضلهم، فتزين زينة عظيمة، وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآية أنه خرج على قومه في زينته، وترك لك أن تتخيل ما هذه الزينة، ولم يفصل لنا ما هي، ولكن واضح أنه خرج على الناس، ولن يخرج لوحده، ولكن تخيل أنه خرج في غلمانه، مع أولاده، ومع الجواري، معه مال يتزين به غير الذي تركه في دياره وفي خزائنه، لقد خرج على الناس في زينته ليريهم أنه أفضل منهم، وحتى يتحسروا على ما هم فيه من فقر، فكان الرجل فتنة لهم. فلما خرج {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا} [القصص:79]، والأمة التي مع موسى هم بنو إسرائيل فيهم المؤمن القوي، وفيهم المؤمن الضعيف الإيمان، فيهم الصالحون وفيهم الفاسدون، فقال كثير منهم وهم الذين يريدون الحياة الدنيا واغتروا بما رأوه من قارون {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص:79]. أي: يا ليت عندنا مثل ما عند هذا الإنسان، والإنسان أحياناً ينسى النعم التي أعطاه الله سبحانه وتعالى في بدنه وفي قلبه وفي عقله وفي لسانه، {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:8 - 10]. والله عز وجل نعمه عظيمة على الإنسان لكنه ينساها إذا نظر إلى ملك من الملوك يتبختر أمامه، فتراه يقول: ياليت عندي مثل ما عند فلان، كذلك هؤلاء قالوا: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص:79]، فإن الله قد فتح له باباً واسعاً جداً، فعنده المال الكثير، وعنده الحظ العظيم: {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيمٍ} [القصص:79]. وأهل الإيمان وأهل الطاعة يعرفون أن هذا كله زائل ولن يبقى منه شيء.
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير)
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير) قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [القصص:80]. والذين أوتوا العلم قريبون من فضل ربهم ومن رحمة ربهم ومن حكمة ربهم سبحانه وتعالى، قالوا لهؤلاء: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [القصص:80]. أي: هذا كله لا يساوي شيئاً بجوار ثواب الله وفضل الله، وجنة الله سبحانه وتعالى، وكلامهم فيه توجع لما في هؤلاء من طمع وطلب للدنيا، فقالوا: {وَيْلَكُمْ} [القصص:80]، أي: أفيقوا من هذا الذي أنتم فيه، فلكم الويل على ما تقولون! وليس المعنى أنهم يدعون عليهم بالويل، ولكنهم يتعجبون مما هم فيه من حال، ومن نسيانهم لربهم سبحانه وتعالى. {ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [القصص:80]، أي: كل هذه الدنيا لا تساوي شيئاً عند الله سبحانه، فما عند الله خير وأبقى للذين يعملون الصالحات. قال: {وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [القصص:80]، أي: جنة الله رب العالمين لا يلقاها إلا الصابرون، والأعمال الصالحة (لا يلقاها) أي: لا يؤتاها إلا من صلح واستحق ثواب رب العالمين سبحانه. إذاً: العمل الصالح والجنة يلقاهما الصابرون الصالحون.
تفسير قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض)
تفسير قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال الله سبحانه تبارك وتعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ} [القصص:81]. أي: لما كان الأمر على ذلك وكان المؤمنون ينظرون إليه أنه مغرور وأن ما عنده لا يساوي شيئاً مما عند الله، وكان الذين لهم طمع في الدنيا يتحسرون على حالهم وينظرون إليه نظرة حسرة وحسد، إذا بالله عز وجل يخسف به الأرض أمام الجميع. فتزلزلت الأرض من تحته، وغاص في الأرض بزينته وماله ودياره وخزائنه، وكل شيء كان يملكه لم يجعلها الله إرثاً لبني إسرائيل، فإنه لو ترك هذا المال لكان ميراثاً لبني إسرائيل ولكن الله عز وجل لم يجعله لهم وإنما خسف بـ قارون وبداره الأرض. {فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ} [القصص:81]، يعني: لم يكن معه قليل ولا كثير {يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ} [القصص:81]، وحتى لو كانت له فئة فمستحيل أن ينتصر وقد كتب الله عز وجل عليه الهزيمة. قال سبحانه: {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ} [القصص:82]، أي: حين وقعت المفاجأة بهت الجميع ثم ردت إليهم عقولهم فأصبحوا بعد ذلك يتكلمون عما حدث في هذه القصة. لقد كانت مفاجأة للجميع، ثم جاءت التذكرة بعد ذلك، وحين تنزل مصيبة بالإنسان لا يعتبر ويتفكر في وقت المصيبة، ولكن يمر عليه الليل وحين يصبح بالنهار يتفكر فيما حدث. {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} [القصص:82]. (وي) كأن أصلها: ويل، وهي كلمة تقال عند المفاجأة وعند التوجع، وعند التعجب، فكأنه يقول: عجباً كأن الأمر كذا وكذا، فقال سبحانه: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} [القصص:82]. وقيل معناها: ألم تر أن الله فعل كذا وكذا. {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} [القصص:82]. (يبسط) يعطي كثيراً، (يقدر)، يقبض ويضيق سبحانه وتعالى، فيعطي ويمنع. {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [القصص:82]. أي: كانت مصيبتنا مصيبة عظيمة لو كان الله أعطانا مثلما أعطى هذا الإنسان، {لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص:82]، يعني: نحن طمعنا وتمنينا ما مع هذا الإنسان، ولو أن الله أعطانا لخسف بنا كهذا الإنسان. {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82]، أي: الشأن والأمر أنه لا يفلح الإنسان الكافر مهما أعطاه الله عز وجل في الدنيا من مال ومن بنين. نسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة القصص [83 - 88]
تفسير سورة القصص [83 - 88] يحث الله عباده المؤمنين على المسارعة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحة، فهو سبحانه يضاعف الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجازي بالسيئة مثلها، ثم يمتن الله على نبيه بالنبوة، حيث إنه لم يخطر بباله أنه سينال النبوة ويعطى الرسالة، فهذا شيء عظيم، ومرتبة كبيرة ذات شرف، ونهاه عن أن يصدق الكافرين، أو يستسلم لصدهم عن سبيل الله، ولا يدعو مع الله إلهاً آخر ما دام أنه علم الدين الحق، وأوتي القرآن، وبعث بالنبوة.
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض)
تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وبعد: قال الله عز وجل في وسورة القصص: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ * وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:83 - 88]. هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة يخبر الله سبحانه وتعالى فيها عن الدار الآخرة، وكيف أنه يجعلها لمن لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً، وأن العاقبة الحسنة والجنة العظيمة لمن اتقى الله سبحانه وتعالى. والمناسبة من هذه الآيات أن قبلها قصة فرعون، فذكر الله عز وجل أنه علا في الأرض، واستكبر على من معه فقال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا} [القصص:4]، كذلك تشبه به قارون الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم، فعلا فرعون وهامان وقارون، فالله عز وجل يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا} [القصص:83] أي: لا يطلبون العلو ولا الاستكبار، فأرانا عاقبة الظالمين. فما الذي صنعه فرعون وهامان وجنودهما؟ قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]، كانوا أصحاب خطيئة، كفروا بالله تبارك وتعالى، وتظاهروا في كفرهم على نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأرانا الله عز وجل كيف أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فأهلكهم وأغرقهم، وجعلهم عبرة وآية للناس، فهؤلاء استكبروا بملكهم ووزاراتهم وجنودهم، وهذا قارون كان من قوم مستضعفين في الأرض، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ} [القصص:5 - 6]. ولكن قارون كان من قوم موسى فتعجل البغي والعلو، ولم ينتظر وعد الله وهو الذي كان يقرأ التوراة ويجيد تلاوتها، ولكن الكبر كان في القلب، فمهما نزل من مطر على أرض كانت غير صالحة، أو كانت الأرض صالحة والبذور التي فيها غير طيبة، فإنها تنبت نباتاً غير حسن، والأرض الطيبة يخرج نباتها بإذن ربها، {وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف:58]. فهذا الإنسان كان خبيثاً في نفسه، فيه علو وكبر في قلبه، فضحه الله وكشف ما فيه وأظهره، فابتلاه بالمال كما ابتلى فرعون بالملك، وابتلى هامان بالوزارة، ففتح عليه من نعمة المال الكثير، فإذا به لا يراعي حق الله سبحانه وتعالى في ماله، وتشبه بفرعون في علوه وفساده، وكاد للنبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا بالله عز وجل يجعله آية للناس حتى يعتبروا، قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص:81]. فالله عز وجل أخبر عن الأمم السابقة فقال: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40] إلى أن قال: {وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا} [العنكبوت:40]، فهذان الاثنان هما المذكوران في هذه السورة، ذكرهما الله عز وجل بالتفصيل. عقب الله عز وجل هذه الآيات في نهاية قصة قارون كيف أن المستضعفين الذين تمنوا مكان قارون وماله رأوا آية بأعينهم: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82]. فتعجبوا من أمر أنفسهم لتهورهم في أمانيهم، حيث تمنوا أن يكون لهم مثل قارون، فالإنسان يربع على نفسه، ولا يترك لنفسه هواها وعنانها فيتفكر فيما يشاء، ويتمنى ما يشاء، فإذا نظر إلى أهل الفساد لا يتمنى ما مع أهل الفساد؛ لأن العاقبة السيئة على هؤلاء تكون في الدنيا بالخزي، وفي الآخرة بالعذاب العظيم. {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83]، روى الإمام البخاري في صحيحه: (أن امرأة كانت تحمل رضيعها على يدها، فمر بها إنسان ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فإذا بالله ينطق الغلام ويقول: اللهم لا تجعلني مثله، فتتعجب المرأة، ثم يمر أناس بامرأة يضربونها ويقولون: سرقت، وهي تقسم أنها لم تفعل، فتقول: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فيقول: اللهم اجعلني مثلها). مر هذا الإنسان العظيم صاحب المنصب فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، وهو يمص ثديها، فتركه وقال: اللهم لا تجعلني مثله، لأن هذا الرجل العظيم من المتكبرين ونهايته إلى النار، وهذه المرأة مظلومة، يقولون لها: سرقت ولم تسرق، زنيت ولم تزن، فهي مظلومة فقيرة، فلها عند الله الجنة، فقال: اللهم اجعلني مثلها. فهذا صبي أنطقه الله عز وجل ليري العباد كيف يكون الأمر، فليس كل شيء تراه تفرح به، فإنه قد يضرك في الدنيا العاجلة، ويضرك في الآخرة أكثر، فالمؤمن يرضى ولا يصرف بصره إلى ما متع الله عز وجل به الناس، فيحسد الغير ويكمد نفسه، فهو يرى نفسه مظلوماً، فهذه آخرة الظالمين، فاعتبر هؤلاء وقالوا: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} [القصص:82]. لولا أن من الله عز وجل على هؤلاء المؤمنين لخسف بهم، وهذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة باقي القراء: (لخُسِف بنا)، أي: لفُعل بنا كما فعل بهذا الإنسان: {وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [القصص:82]، الشأن أنه لا يفلح الكافرون، أو أنهم يتندمون على ذلك ويتوجعون لأنفسهم فيما تمنوه. فيختم الله عز وجل بهذه الآية العبرة، ويجمع هذا كله في القصة كلها، والآن خذوا هذه الموعظة، {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ} [القصص:83]، هذه الدار العظيمة في الآخرة وهي الجنة نجعلها للذين لا يريدون علواً -استكباراً- في الأرض، ولا فساداً، لا يريدون أن يكونوا ملوكاً أو وزراء أو رؤساء، لا يريدون أن يكونوا أصحاب غنى فاحش، ولكن يرضون في الدنيا بالقليل كما رضي النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكنياً، واحشرني في زمرة المساكين)، صلوات الله وسلامه عليه. قال: {لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83]، ليسوا من المفسدين بترفهم، وليسوا من المفسدين بخطيئاتهم وأفعالهم القبيحة، {وَالْعَاقِبَةُ} [القصص:83] يعني: الحسنة بالجنة، {لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83].
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)
تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [القصص:84]، يقول الله عز وجل مبيناً لنا: إذا أتيت بحسنة فالله يعطيك ما هو أفضل منها، فمن جاء بالحسنة فله خير منها، وعرفنا أن الحسنة تضاعف إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وأعظم الحسنات مطلقاً قول: لا إله إلا الله. إذا قلنا: لا إله إلا الله، فلا يوجد خير منها، ويكون التفسير على ذلك: من جاء بلا إله إلا الله فيعقبه الخير بسببها، فله الخير العظيم من هذه الكلمة عند رب العالمين سبحانه، فالله ما خلق الخلق إلا لعبادته سبحانه وتعالى، فكلمة التوحيد من أعظم ما يكون. وإذا كانت الحسنات غير كلمة التوحيد فله الحسنة مضاعفة بعشر أمثالها إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى. قوله: (ومن جاء بالسيئة) وهذا محمول على عكس معنى الحسنة، فإذا كانت الحسنات هي الأعمال الصالحات، فيكون معنى السيئات: الأعمال الغير الصالحة، وإذا كانت الحسنة لا إله إلا الله فالسيئة التي هي أكبر الكبائر: الكفر بالله والشرك به سبحانه. {فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص:84]. لا يظلمهم الله عز وجل، ولكن الذي عملوه في الدنيا ينالون الجزاء عليه في الآخرة.
تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)
تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]. هذه الآية هي الخامسة والثمانون من هذه السورة، وليست الآية مكية ولا مدنية، يعني: لا نزلت في مكة ولا في المدينة، وإن كان الغالب أن يقال: إن السور المكية هي التي نزلت في العهد المكي، فتكون هذه في العهد المكي؛ لأنها نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم في أثناء هجرته إلى المدينة. وذلك أنه لما هاجر خرج إلى أماكن لا يعرفها، فاحتاج إلى دليل يدله على الطريق، فكان معه أبو بكر الصديق، ومعهما رجل من بني الديل هادياً خريتاً، فسلك بهم طرقاً لا يعرفونها، حتى وصل بهم إلى المدينة، فلما أفلتوا من الكفار مر على طريق يعرفونها بالجحفة، وكأنه صلى الله عليه وسلم تحسر على مكة؛ لأنه يحبها، فالتفت وهو يقول: (إنك لأحب البلاد إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)، صلوات الله وسلامه عليه، فأنزل الله عز وجل عليه هذه الآية يبشره ويطمئنه أنه سيرجع إليها يوماً من الأيام. {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} [القصص:85]، أنزل عليك هذا القرآن وفرض عليك تلاوته وتحصيله. {لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85]، سيرجعك مرة ثانية إلى هذه البلدة التي خرجت منها، وهذا وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد. فالله عز وجل أرجعه إليها بعد خروجه منها بثمان سنوات صلوات الله وسلامه عليه. {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [القصص:85]، قل لهؤلاء الكفار الذين ذهبوا يسألون ويتحرون، وألغوا عقولهم وصدقوا اليهود وغيرهم، فسألوهم: أنحن على الهدى أم هو على الهدى؟! فإذا باليهود وقد أضلهم الله يقولون: أنتم {أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء:51]، قالوا لهم ذلك كذباً، فالله عز وجل يقول: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [القصص:85]، من معه الهداية من الله سبحانه، ومن الذي هو في ضلال بين واضح وفي تيه، وفي بعد عن الحق.
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب)
تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب) قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص:86]. فهو ما كان يرجو ذلك، ولا خطر على باله عليه الصلاة والسلام أنه سيكون رسولاً، ولكن غيره تمنوا هذا الشيء، فعرفوا أنه سيبعث في هذا الزمان رسول -ويعرف ذلك اليهود- فإذا بهم يتمنون لقاءه وينتظرون بعثته، وبعضهم يلقب نفسه بالراهب، ويذهب ليتعبد من أجل أن تنزل عليه الرسالة، ولكن الرسالة ليست كسباً من الإنسان، وإنما هي وهب من الله سبحانه تبارك وتعالى، فقال له: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا} [القصص:86]، أنت لم تكن في يوم من الأيام يخطر على بالك أن تكون رسولاً، إنما الذي كان على باله صلى الله عليه وسلم أن يعبد الله، فكان يتوجه إلى غار حراء في الليالي ذوات العدد يتحنث، ويتعبد لله عز وجل في هذا الغار، حتى جاءه الوحي فجأة وبغتة من غير أن يكون على باله. قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص:86] كأنه يأتي من بعيد، أي: من السماء من عند رب العالمين، فتتلقاه أنت، فقال: {يُلْقَى إِلَيْكَ} [القصص:86]، ولم يقل: عليك، وإنما قال إليك، وفرق بين أن (يلقى عليك)، وأن (يلقى إليك)، فيلقى عليك فيكون صعباً عليك تلقيه، ولكن (يلقى إليك) كأنه يعطى إليك بهدوء، فتأخذه وتتلقاه مرحباً وحافظاً له، ومقيماً له، ومحباً له، ولست مع هذا الإلقاء معرضاً، أو لا يكون إلقاءً عنيفاً، وإنما يكون لطيفاً عليك. قال سبحانه: {إِلَّا رَحْمَةً} [القصص:86] فهذا يناسب قوله سبحانه: {يُلْقَى إِلَيْكَ} [القصص:86]، فلو قال: (عليك) فإنه لا يناسب الرحمة، وإنما يقول هنا: {يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً} [القصص:86] يعني: ولكن كان رحمة من ربك أن نزله عليك فألقاه إليك. {فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا} [القصص:86] أي: معيناً {لِلْكَافِرِينَ} [القصص:86]، فنهاه، وحاشا له أن يكون معيناً للكافرين، ولكن هذا خطاب له ولأمته بالتبع: لا تعاونوا الكافرين في كفرهم.
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك)
تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك) {وَلا يَصُدُّنَّكَ} [القصص:87] هؤلاء الكافرون {عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [القصص:87]، أي: وادع إلى التوحيد. قوله: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ} [القصص:87]، يحذره ربه سبحانه وتعالى، وكانوا يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله في سورة الإسراء: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} [الإسراء:73 - 74]. فإذاً: هنا المشركون جروا وراء النبي صلى الله عليه وسلم في كيدهم يريدون أن يميلوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن العصمة موجودة: {وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} [الإسراء:74] فبدأ بذكر العصمة، فإن الله ثبته على الحق فلا يزيغ أبداً، قال له سبحانه: {وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ} [القصص:87]، ادع إلى التوحيد، (ولا تكونن من المشركين) خطاب له ولأمته.
تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلها آخر)
تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر) قال تعالى: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [القصص:88]. أي: احذر أن تتخذ إلهاً غير الله، وحاشا له -وهو المعصوم- أن يعبد غير الله، ولكن إذا كان هذا الوعيد يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى أن يخاف من وعيد الله سبحانه. قال: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ} [القصص:88]، ولا بد من الوقوف هنا، فهذا يسمى وقفاً لازماً؛ لأنك لو وصلت أفسدت المعنى، إذاً: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [القصص:88]، وتقف ثم تقول: {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [القصص:88] فهذا تقرير منه أنه الإله الواحد، وفيها يجوز المد الطويل -لمن يمد مداً طويلاً- ويجوز القصر، وإن كان أصحاب القصر كـ قالون وحفص وأبي عمرو وغيرهم يجوزون في ذلك المد، ويسمونه مد التعظيم، وذلك في كلمة (لا إله إلا الله)، فيمد فيها مداً متوسطاً، حتى ولو كان يقصر في غيرها، ويسمي هذا المد: بمد التعظيم لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: {لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، وقال في سورة الرحمن: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن:26 - 27]، فعبر بالوجه، وليس معناه أن الوجه يبقى وحده، ولكن الوجه أعظم ما يكون فعبر به، فهو عبر بالبعض عن الكل. فالله سبحانه تبارك وتعالى عندما يقول: {إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] معناه التعظيم، ونؤمن بالوجه لله عز وجل، فذكره هنا تعظيماً له، ولذلك يقول الثوري: سألت أبا عبيدة عن قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88] فقال: إلا جاهه، كما تقول: لفلان وجه في الناس، أي: جاه في الناس، وهذا ليس معناه النفي لوجه الله عز وجل، بل هذا فيه إثبات لوجه الله، ولكن المعنى أنه يعبر بهذا الشيء عن العظمة. فالمعنى: وجهه العظيم وذاته باقية وأما غيره كلهم فسيفنون. قال: {لَهُ الْحُكْمُ} [القصص:88] وحده لا شريك له، يحكم بما يشاء ويفعل ما يريد: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] وهذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (وإليه تَرجعون). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وألا يجعلنا من المفسدين في الأرض، وأن يجعلنا من أهل الآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
العنكبوت
تفسير سورة العنكبوت [1 - 3] سورة العنكبوت سورة مكية، ذكر الله عز وجل فيها الابتلاء، وأنه سنة من سنن الله عز وجل، حتى يتميز الصادق من الكاذب، وقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة العظيمة عدداً من الدروس والمفاهيم العظيمة، التي كان حرياً بالمسلم أن يقف عندها متدبراً متفهماً لها، حتى يستفيد منها في سيره إلى الله عز وجل.
بين يدي سورة العنكبوت
بين يدي سورة العنكبوت الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: بسم الله الرحمن الرحيم: {الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1 - 3].
سورة العنكبوت مكية وأقوال العلماء في ذلك
سورة العنكبوت مكية وأقوال العلماء في ذلك سورة العنكبوت هي السورة التاسعة والعشرون من كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى، وهي سورة مكية أو أغلبها مكية، وقيل: مدنية، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني، هذه السورة من أواخر السور التي نزلت في مكة وبعضها نزل بالمدينة، ولذلك اعتبرها البعض مدنية أو مكية بناء على ذلك، ونزلت قبلها سورة الروم، وسورة الروم مكية، ونزلت بعدها سورة المطففين، وسورة المطففين مكية، فكأن سورة العنكبوت نزل بعضها بمكة، ثم نزلت سورة المطففين كاملة، ثم أُكملت هذه السورة بعد ذلك في مكة والمدينة، فإذا قيل: سورة المطففين آخر ما نزل بمكة، فمراده: آخر سورة كاملة نزلت في مكة، وكانت هذه السورة قد نزل بعضها قبلها وبعضها بعدها. وسورة العنكبوت آياتها تسع وستون آية على عد أكثر أهل العد من القراء، وحسب المصحف الحمصي عددها سبعون آية، والخلاف في الفاصلة، فبعضهم يعتبر (الم) آية مستقلة، وبعضهم يعدها والتي تليها آية واحدة، والآيات هي الآيات، وإنما بحسب العد، وحسب ما وقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الخلاف في العد في كل القرآن إذا اختلف أهل العد. والسورة فيها خصائص السور المكية، من ذكر التحدي بهذا القرآن، ومن ذكر الأقوام السابقين، والأنبياء الذين ابتلاهم الله سبحانه تبارك وتعالى، ومن ذكر القصص وعاقبة هؤلاء المكذبين، وما الذي صنعه الله عز وجل بهم.
معنى الحروف المقطعة في أوائل السور
معنى الحروف المقطعة في أوائل السور بدأ الله سبحانه هذه السورة بـ: {الم} [العنكبوت:1]، وهذه الحروف هي التي تسمى بفواتح السور، وهي من الإعجاز في القرآن الكريم، وكأن الله يقول للعرب: إن هذا القرآن من جنس الحروف التي تنطقونها وتتكلمون بها، وقد جئناكم بهذا القرآن بلغتكم ومن حروفكم، فائتوا بسورة من مثل هذا القرآن. وقد ذكرنا قبل ذلك فقلنا: إن بعض أهل العد الذين يعدون حروف القرآن أو حروف السور يقولون: إنه إذا ابتدأت سورة بحروف مقطعة فغالباً ما تكون هذه الحروف أكثر الحروف المكررة في هذه السور، وغالباً ما يكون ترتيبها في التكرار أو في العدد: الحرف الأول أكثر ما يكون، ثم الثاني، ثم الثالث، وهكذا، وقد توجد حروف أخرى أكثر منها، ولكن الغالب ذلك، وستجد أن أكثر ما يعد في هذه السورة: حرف الألف، سواء ألفاً بهمزة، مفتوحة أو مكسورة، أو ألفاً من غير همزة، أو بهمزة مد، أو بهمزة على نبرة تكون ياء أو واواً، فيكون عدد الألف في هذه السورة تقريباً ثمانمائة وثمانية وخمسين مرة، ثم يليه اللام، فقد تكرر في هذه السورة تقريباً خمسمائة وخمسين مرة، ثم يليه حرف الميم، فقد تكرر في هذه السورة حوالي ثلاثمائة وواحداً وأربعين مرة، وكأن الترتيب في هذه السورة ترتيب تنازلي، الألف ثم اللام ثم الميم، وكأن الإشارة إلى أن هذه الحروف من جنس ما تتكلمون بها على هذا الترتيب، فائتوا بمثل ما جئناكم به. والحروف هذه كما ذكرنا قبل ذلك أنها سر من أسرار القرآن، أي: مهما قال المفسرون فيها باجتهاداتهم فإن حقيقة علمها عند الله تبارك وتعالى، فهم يطلعون على بعض الأشياء منها، فلماذا هذه السورة بدأت بـ {الم} [العنكبوت:1]؟ ولماذا هذه بـ {كهيعص} [مريم:1]؟ ولماذا هذه بـ (حم) {عسق} [الشورى:2]؟ ولماذا هذه بـ (طسم)؟ الله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك، ولكن كل ما يقوله المفسرون في ذلك ما هو إلا شيء من عند أنفسهم، ليس توقيفاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو فهم يؤتيه الله عز وجل من يشاء، ولذلك ستجد من يقول: إن هذه الحروف فيها تعجيز للناس، وسيقول: ما ذكرت أبداً هذه الحروف إلا ويليها الإشارة إلى هذا القرآن العظيم، ومن ذلك قوله عز وجل: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة:1 - 2]. {الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} [آل عمران:1 - 3]. فهنا يذكر الحروف ويذكر بعدها الإشارة إلى القرآن، إلا في ثلاث سور من القرآن لم يذكر بعدها الكتاب مباشرة، وإنما ذكر ذلك في ثنايا السورة، منها هذه السورة التي معنا، فذكر الإشارة إلى القرآن بعد آيات من أول السورة، وليس في أول السورة عقب: ((الم)). وكذلك نفس الأمر في سورة الروم ومريم. ففي هذه السورة الكريمة ذكر العلماء أن الله سبحانه تبارك وتعالى افتتحها بـ {الم} [العنكبوت:1] تعجيزاً للكفار كما ذكرنا، وقيل: إن {الم} [العنكبوت:1] اسم للسورة أو اسم للقرآن، أو أنها حروف من أسماء الله عز وجل بدأ بها هذه السور، والله أعلم بذلك.
مواضيع سورة العنكبوت
مواضيع سورة العنكبوت في هذه السورة تثبيت للمؤمنين، وأنه مهما أصابتهم الفتن، ومهما أصابهم البلاء، فإن لهم الجنة جزاء صبرهم، لذا فإن كل سورة من سور القرآن لها أغراض يذكرها ربنا تبارك وتعالى في ثنايا هذه السور، فالإنسان الناظر نظرة عامة لهذه السورة يجد فيها أن الله عز وجل يثبت المؤمنين المستضعفين الذين يبتلون، فيقول لهم: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2] ثم يسوق لهم كيف ابتلى الأنبياء، ومنهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام حينما ألقي في النار: {قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ} [العنكبوت:24]. وفيها أيضاً: الأمر بمنافاة المشركين والبعد عنهم، والتبرؤ من هؤلاء المشركين حتى ولو كانوا أولي قربى، ولذلك وصى الله عز وجل بالوالدين إحساناً وقال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان:15]، فالإنسان يصاحب الوالدين بالمعروف، ويحسن إليهما، ويطيع الوالدين في المعروف، أما في الكفر بالله عز وجل، وفي معصية الله فلا طاعة لأحد في ذلك. وفي هذه السورة أيضاً وجوب صبر المؤمنين على أذى المشركين، وأن لهم سعة في الأرض فيذهبون ويتوجهون حيث شاءوا، قال الله عز وجل فيها: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56]، فذكر أن أرض الله عز وجل واسعة، وذكر في السورة الأخرى فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء:97]، وهنا ذكر الله عز وجل فقال: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت:56]، أي: ما الذي جعلكم تقيمون في مكة حتى هذا الحين، وقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة؟ ولماذا تقولون: نحن مستضعفون وأنتم لا زلتم في مكة؟ وإنما اخرجوا وهاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فحاول ذلك المستضعفون في مكة فخرج منهم من استطاع أن يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ورد منهم من غلب على أمره وأرجعوه إلى مكة. أيضاً في هذه السورة الأمر بترك الجدل إلا بالحسنى، قال تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46]. كذلك فيها الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على إبلاغ هذا القرآن العظيم، وشرائع هذا الإسلام العظيم، والتأسي بالأنبياء السابقين وبأحوالهم. كذلك فيها الإخبار عن أمية النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه نبي أمي عليه الصلاة والسلام، قال سبحانه: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، فذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أمياً، وذكر أيضاً الحكمة من ذلك، وهي: أنك يا محمد! إن كنت تتلو كتاباً من قبل القرآن، أو كنت تخط كتاباً بيمينك {إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت:48]، أي: لارتاب أهل الباطل في القرآن، ولقالوا: إن هذا الكلام الذي يقوله قد قرأه من كتب السابقين، وترجمه لنا بالعربية حين يزعم أنه من كلام الله عز وجل، لذلك أغلق الله عز وجل عنهم هذا الباب فقال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:48 - 49]، أي: أن القرآن محفوظ في الصدور والسطور، بخلاف الكتب السابقة، فقد كان أهل الكتاب يكتبونها فإذا مات من حفظوا ذلك يقوم الذين كتبوا فيحرفون هذا الكتاب، وما يجدون أحداً يراجع عليهم ويقولون: ما حفظنا غير هذا الذي كتبتموه، فيحرفون ولا يعرفه غيرهم. أما القرآن فالأصل أنه محفوظ في الصدور: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49]. كذلك في هذه السورة الإلزام بإثبات وحدانية الله سبحانه تبارك وتعالى، فقد ألزم المشركين بأن يعبدوا الله وحده، فهم يقرون بأنه الخالق وحده سبحانه، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت:61] أي: فكيف يصرفون عن توحيده؟ وكيف ينصرفون عن عبادته سبحانه وقد أقروا أنه الخالق سبحانه، خلق السموات والأرض بغير عمد ترونها؟ كذلك فيها إثبات جزاء الأعمال، فقد توعد الله المشركين بالعذاب الذي يأتيهم بغتة وهم منهمكون في باطلهم، وغير ذلك من أغراض هذه السورة العظيمة.
سنة الابتلاء
سنة الابتلاء سورة العنكبوت بدأها ربنا سبحانه بقوله: {الم} [العنكبوت:1] ثم قال: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]. قوله: {أَحَسِبَ} [العنكبوت:2]، أي: أفيظن الناس عندما يقولون: آمنا. أنه لا يتعرض أحدهم للبلاء؟ ليست هذه سنة الله سبحانه في خلقه، إنما سنة الله في الخلق أن يبتلي المؤمن، فكلما ازداد الإيمان واليقين كلما ازداد البلاء من الله تبارك وتعالى عليه، ولذلك كان (أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول لنا ربنا سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا} [العنكبوت:2] قال ابن عباس وغيره: أراد بـ (الناس) قوماً من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام كـ سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم، وغيرهم ممن كان يعذب في مكة، وكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكروا كيف أن الله عز وجل يمكن الكفار منهم، والإنسان في وقت الضيق يمكن أن يحصل في صدره شيء من ذلك، فيأتيه الشيطان فيوسوس في نفسه، ويقول: هل هذا جزاء إيماني؟ هل هذا جزاء أنني أصلي؟ هل هذا لأنني ملتزم بالدين؟ وهكذا، فيوسوس له الشيطان في الابتعاد عن الالتزام، وعن دين رب العالمين، لكن ربنا يطمئن المؤمنين ويثبتهم، وكأنه يقول لهم: أنتم تريدون أن تقولوا: نحن مؤمنون، وتأخذون الجنة العظيمة من غير بلاء؟ لا، لابد من الابتلاء والتمحيص. وقالوا في سبب نزولها: إنها نزلت في يوم بدر لما قتل مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عبداً عند عمر، فأعتقه عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، أو كان أبوه عبداً وأعتقه عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان له الولاء عليه، وكان الرجل أول قتيل من المسلمين في يوم بدر، رماه رجل من الكفار اسمه: عامر بن الحضرمي فقتله، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الشهداء، ولكن أبوه وامرأته جزعا عليه جزعاً شديداً، فنزلت الآية تطمئنهم وتقول: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]. كذلك ذكروا في سبب نزولها: أن ناساً من المؤمنين كانوا في مكة، وعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في السنة السادسة راسل هؤلاء المؤمنين، وأمرهم أن يخرجوا، فخرج بعضهم فإذا بالمشركين يردونهم ويقتلون بعضهم، فنزلت الآية تثبتهم وتطمئنهم، وأنه لا بد من البلاء، فيبتلي الله الإنسان المؤمن حتى يثبت إيمانه، يقول الله سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2] إذاً: سنة الله أن المؤمن مبتلى، {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت:3]، أي: لقد ابتلينا الذين من قبلهم، والفتنة بالتشديد بمعنى: الابتلاء والاختبار، وأصلها: من فتن الحديد، وفتن الذهب، وفتن الفضة، بمعنى: أدخلها النار حتى ينقيها من الشوائب، فقال الله عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت:3]، فالذين من قبلهم فتنوا وحرقوا وأوذوا في سبيل الله عز وجل، ومنهم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. روى الإمام البخاري عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد كان من قبلكم يؤخذ بالرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين) فانظروا إلى هذا البلاء الشديد الذي كان في السابقين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك للمؤمنين ليثبتهم وليطمئنهم، فيقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ وأنت ترى ما نحن فيه من النكال والعذاب من الكفار، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنكم لستم بأول من ابتلي، بل إن بلاءكم أخف ممن كان قبلكم فقد كان يؤتى بالرجل من الذين من قبلكم فينشر بالمناشير، ويمشط بأمشاط الحديد، بمعنى: يؤتى بمشط من حديد قد وضع على النار، وينزعوا به لحمه من جسده (ما دون عظمه ولحمه) يقول صلى الله عليه وسلم: (فما يصرفه ذلك عن دينه، ثم يقسم فيقول: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون)، أي: أنتم تستعجلون، ولكن إن صبرتم فإن الدين سينشر، والإيمان سيستقر، والأمان سينتشر بين الناس، حتى يخرج المسافر من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف أحداً، لا قطاع طريق ولا غيره، فلا يخاف أحداً في الطريق إلا الله سبحانه تبارك وتعالى، وإن خاف من شيء ما فسيخاف من الذئب، لأنه يأكل غنمه مثلاً، ولكن لا يخاف من البشر (ولكنكم قوم تستعجلون). أيضاً مما جاء من الأحاديث في هذا المعنى ما رواه ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك)، أي: مريض مرضاً شديداً، (قال: فوضعت يدي عليه -عليه الصلاة والسلام- فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف) يعني: أنه حط يده فوق اللحاف الذي على النبي صلى الله عليه وسلم فشعر بحرارة شديدة جداً، قال: (فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك) أي: أن هذه حرارة شديدة جداً، فهو لم ير مثلها قط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنا كذلك يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر. قال أبو سعيد: قلت: يا رسول الله! من أشد الناس بلاء؟ قال: الأنبياء). إذاً: مهما ابتلي إنسان فلن يبتلى بمثل ما ابتلي به الأنبياء، (قال: قلت: ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحوبها أو يجوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء). قوله: (إن كان أحدكم ليفرح بالبلاء) أي: أن الصالحين يبتليهم الله عز وجل فيصبرون على البلاء، بل ويفرحون بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء، وهذا حديث صحيح. حديث آخر صحيح رواه الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: (يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً) أي: قوة في الإيمان (اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة). لذلك إذا ابتلي العبد فليتذكر أن الله يكفر عنه سيئاته بهذا البلاء، ويرفع له درجاته بهذا البلاء، ويجعله كالأنبياء، فليتأس بالأنبياء والصالحين، وليصبر على ذلك وينتظر الفرج من الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة العنكبوت [2 - 7]
تفسير سورة العنكبوت [2 - 7] يكشف الله سبحانه في هذه الآيات الكريمات سنة من سننه في هذا الكون، وهي: أن من ادعى الإيمان من الناس فلا بد أن يبتلى ويفتن ليظهر صدقه من كذبه، وقد فتن الله تعالى السابقين ليظهر مكنون سرائرهم، ثم لما كان من الناس من يعمل السيئات ذكر الله أن من هذا حاله فلن يفوت ربه؛ بل إن ظن ذلك فهو حكم سيئ على مولاه القادر عليه، ثم بين أن من كان يخاف أو يطمع في لقاء ربه فاللقاء آت لا محالة، ومن عمل صالحاً فإنما يعود نفعه عليه.
سبب تسمية هذه السورة بسورة العنكبوت
سبب تسمية هذه السورة بسورة العنكبوت الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. هذه سورة العنكبوت كما ذكرنا في الحديث السابق، واشتهرت بهذا الاسم من عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكونها اشتملت على ذكر العنكبوت في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:41]. وكان المشركون كما يقول عكرمة رحمه الله إذا سمعوا تسمية سورة العنكبوت يستهزئون بالتسمية وبالقرآن ويستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر:95]، يعني: المستهزئين بهذا ومثله. وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26]. فالله عز وجل لا يستحيي أن يضرب المثل للشيء الصغير الذي هو في نظر الناس حقير. والإنسان عدو ما جهل، بل ويستهزئ بما يجهله، فإذا تبين له بعد ذلك حقيقتة رجع إلى الأمر وتاب إلى ربه سبحانه وتعالى. لكن المشركين نظروا إلى قوله سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} [العنكبوت:41]. فالله عز وجل ذكر مثلهم في اتخاذهم أولياء وناصرين ينصرونهم من دون الله، وتعززوا بالشياطين وبأصنامهم وأوثانهم، فمثلهم في استنصارهم بذلك كمثل الذي يحتمي ببيت وواهن ضعيف. فهم يحتمون بشركائهم ويستنصرون بهذه الطواغيت التي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها شيئاً، فمثلهم كإنسان هجم عليه أعداؤه، فدخل يختبئ من الأعداء ويحتمي من ضرباتهم ببيت العنكبوت الذي هو أوهن البيوت. وأي إنسان هذا الذي يحتمي ببيت العنكبوت فيحميه؟! فهذا مثل هؤلاء الكفار. لذلك لما وجدوا أن القرآن يذكرهم بذلك، وأنهم كالذي يحتمي ببيت العنكبوت، إذا بهم يستهزئون، ولم ينظروا إلى حقيقة الأمر أن أولياءهم لا تنفع ولا تشفع ولا تضر ولا تملك لنفسها ولا لغيرها شيئاً، ولكنهم تجاهلوا ذلك، وتغافلوا عنه، وزعموا أن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى الله زلفى. فلما سمعوا كلمة العنكبوت ضحكوا واستهزءوا من النبي صلى الله عليه وسلم ومما ذكر الله عز وجل، وعندما نأتي إلى قوله سبحانه وتعالى: {كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا} [العنكبوت:41] سنجد أنها آية من آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة، ومعجزة من المعجزات التي لم يفهموها، ولم يعرفوا حقيقتها إلا بعد أن تقدم العلم، فظهر لهم هذا الشيء, وإن كان هذا المثال واضحاً: إنكم تحتمون بآلهتكم، وما الذي تصنعه لكم آلهتكم؟! ولو جاء إنسان من الكفار على آخر منهم وضربه بالسيف أمام هذه الآلهة ما أغنت عنه شيئاً، فكيف تعبدونها من دون الله سبحانه، وهي لا تملك لنفسها ولا لكم شيئاً؟! وكذلك ذكر الله عز وجل البعوضة والنمل، وهذه أشياء لا يذكرها الله تعالى إلا لحكمة، وأهل الجاهلية مع كفرهم وشركهم فعقولهم في عمى وضلالة، لا يفهمون ولا يحاولون الفهم لما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى. إن هذه السورة بدأها الله عز وجل بالحروف (ألف، لام، ميم) فيتحدى هؤلاء الكفار: إن كلامكم مكون من هذه الحروف، فائتوا بمثل هذه القرآن، أو بعشر سورٍ من مثله، أو سورة واحدة من مثله. فهم سخروا من القرآن لأنه ذكر الله عز وجل فيه العنكبوت والنمل والبعوض، ولكنه لما تحداهم لم يقبلوا هذا التحدي، والأكثرون لم يفعلوا ذلك، وعادة الإنسان العربي أن فيه عصبية، وفيه عناد، فإذا تحداه أحد قبل التحدي، ولكن من إعجاز القرآن أن الغالبية العظمى من هؤلاء لم يقدروا أن يقبلوا هذا التحدي، ومن رءوس هؤلاء الكفار الوليد بن المغيرة الذي كان يعد من أفصحهم وأبلغهم، وأكثرهم مالاً وبنين، ومع ذلك كان كلامه عن هذا القرآن: إنه قرآن عجيب وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق, وما هو بقول البشر. وبعضهم حاول أن يؤلف مثل هذا القرآن، فبدأ يتكلم بكلام فيه تخاريف، فيذكر أشياء فيضحك عليه من حوله منه، كما فعل مسيلمة الكذاب، لما سمع سورة العصر من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال بعد ذلك: وأنا أنزل علي، ثم تكلم عن الضب بكلام فارغ يصفه به، فجعل أصحابه يضحكون من الكلام الذي قاله، وقال له قائلهم: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب. ومع ذلك تبعوه لكونه منهم، لا لكونه صادقاً. فالغرض من ذلك بيان أن العرب الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل عنهم: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام:33]. أي: أنهم لا يقولون عنك كذاب، بل هم يجحدون آيات الله، وفي قرارة أنفسهم يعرفون أنك على الحق تماماً، ولكنهم يظهرون خلاف ما يبطنون.
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) قال سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]. (الناس) المقصود بهم هنا المسلمون، أو بعض المسلمين، فهو من العموم الذي يراد به الخصوص، أي: أحسب المؤمنون الذين دخلوا في هذا الدين أن يتركهم الله عز وجل على ذلك من غير أن يبتليهم ومن غير أن يمتحن قوة إيمانهم، فيرفع درجاتهم بهذا الذي يبتلون به في الدنيا؟! فليس الأمر سهلاً بمجرد أن الإنسان يقول: لا إله إلا الله، أو يا الله، فينزل عليه الرزق من السماء، ويفتح له أبواب الرزق من الأرض، ويفتح له الحب من الناس، والخير الذي يراه أمامه كل يوم من غير أي بلاء ولا عناء، فيكون في جنة في الدنيا، وهذا لا يكون للمؤمن أبداً، أنه في الدنيا منعم مرفه، وفي الآخرة كذلك؛ بل لا بد أن يبتلى في الدينا حتى ينال النصيب الأوفى والحظ العظيم من النعيم يوم القيامة، لذلك لا بد في الدنيا من البلاء.
تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم)
تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) قال سبحانه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [العنكبوت:3]. أي: ابتليناهم واختبرناهم وامتحناهم بالآيات في الدنيا، وبالتعذيب فيها، حتى نجحوا ونجاهم الله عز وجل، وأدخلهم الجنة. قال تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]. في قوله: (فليعملن) (وليعلمن) اللام للتوكيد، والنون للتوكيد، فدخلت اللام على أول المضارع والنون المثقلة على آخره وهذا دليل على القسم، كأنه يقول: والله ليعلمن الله عز وجل ذلك، والله يعلم علم غيب، ويعلم علم الشهادة، و (ليعلمن) تفيد الاستقبال، فكأنه علم مخصوص، وقبل ذلك كان الله عز وجل يعلم كل شيء قبل أن يخلق البشر، فخلق الله عز وجل القلم وأمره أن يكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فكتب هذا كله. فالله عز وجل علم ما في اللوح المحفوظ؛ من أنه سيكون كذا وكذا، فلان مؤمن وفلان كافر وهكذا، لكن هنا علم آخر معناه: علم المشاهد، يعني: أن يحدث ذلك، فالله عز وجل في علمه أن فلاناً لو عاش يكون مؤمناً، أو لو عاش يكون كافراً، ولكنه قبضه قبل أن يكون كافراً، فعلم الله علم غيب، والعلم في الشهادة أن يحدث ذلك، وهذا الذي تكلم عنه سبحانه تبارك وتعالى (فليعلمن) أي: ليكونن ذلك، فقد علمه غيباً فقدره وسيعلمه حين يفعله هذا الإنسان، ويكتب كذلك بأنه فعل ذلك ليجازيه عليه. فعلم الله عز وجل علمان لا يختلفان: علم غيب، وعلم شهادة. علم غيب: قبل أن يخلق الإنسان قد علم الله ما هو كائن إلى يوم القيامة، وأن هذا مؤمن وأن هذا كافر، وأن هذا يعيش كذا فقدر أجله وعلمه، وشقي أو سعيد، ورزقه كله مقدر عند الله سبحانه، فعندما يحدث هذا الشيء يكون علم الشهادة وعلم بالحدوث لهذا الأمر. قال تعالى: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} [العنكبوت:3] أي: فليظهرن ذلك مشاهدة، {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]، أي: فليعلمن الله الذين صدقوا في قولهم: لا إله إلا الله، وصدقوا في إيمانهم وزعمهم أنهم يحبون الله سبحانه وتعالى، وليعلمن الكاذبين الذين قالوا: آمنا وهم لم يؤمنوا، والذين كذبوا وادعوا أنهم يجاهدون في سيبل الله، فلما جاء الجهاد لم يفعلوا ذلك.
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا)
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) قال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} [العنكبوت:4]. يعني: أفظن الذين يعملون السيئات ويكسبون الشرك والمعاصي، وأفظع السيئات الكفر بالله سبحانه وتعالى. فيقول لهؤلاء المشركين: هل تظنون أنكم تهربون من الله سبحانه، وتعجزون ربكم؟! وكأنه المثال الذي بين الناس: شخص يجري وراء آخر فقد يفلت من هذا الذي يجري وراءه، ولكن أتظن وأنت تتعامل مع الله عز وجل أنك سوف تهرب منه سبحانه، فتصعد إلى السماء أو تنزل إلى الأرض، أو تمشي شمالاً أو يميناً، وتفلت من الله سبحانه، فهذا لا يكون أبداً. قال تعالى: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]، أي: ساء ما يحكمون به على ربهم أن شبهوه بالخلق، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. فهم في عبادتهم يشبهون خالقهم بالمخلوق؛ لذلك صنعوا الأوثان والأصنام حتى يروها أمامهم، فيعبدوها من دون الله سبحانه وتعالى، وهذا تفكيرهم الغبي، فقال سبحانه: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]، أي: على خالقهم بأنه لا يقدر عليهم، أو بأنهم يعجزونه، ولذلك لما اجتمع ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي، فتكلموا يسرون إلى بعضهم، وأسروا حديثهم، فسأل بعضهم بعضاً: أترون الله يسمعنا؟ فقال أحد الحمقى منهم: أرى أنه يسمعنا لو جهرنا ولا يسمعنا إذا أسررنا. وقال الأخر: لو كان يسمعنا إذا جهرنا فهو يسمعنا في الحالين. فأنزل الله عز وجل يذكر في هذه الآيات أنهم كانوا يقيسون الخالق على المخلوق، إذ لو وقف أحد بعيداً عن المخلوق وأسر لآخر فإنه لن يسمعه، كذلك ربنا تعالى الله عما قالوا. فنتكلم في السر من أجل ألا يسمعنا. قال تعالى: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]، أي: يحكمون على خالقهم حكمهم على البشر، ويحكمون عليه أنه لا يقدر عليهم، وأنهم يعجزونه ويفلتون ويهربون منه.
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت)
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت) ثم قال تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]. (يرجو) أي: يؤمل، وإن كان أكثر المفسرين على أن معناها: يخاف، وهو من معاني الرجاء، قال الشاعر: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها فمعنى قوله: (لم يرج لسعها): لم يخف لسعها. فقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ} [العنكبوت:5]، أي: من كان يخاف من لقاء الله يوم القيامة، ويخاف من ذنوبه: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]، فإن الموت آت آت. ويرجو أيضاً بمعنى: يؤمل، فالإنسان المؤمن الذي يؤمل لقاء الله سبحانه وتعالى، فليعمل عملاً حسناً فإنه ملاقيه عند الله. ومن كان يخاف من لقاء الله سبحانه فليحذر من النار يوم القيامة، فإن الله سبحانه وتعالى يعذب من عصاه، قال تعالى: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]، أي: فالموت آت والبعث والنشور والقيامة آتية. فأكده الله عز وجل باللام هنا، فهو آت لا محالة، وهو السميع لما يقولون العليم بأحوالهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه)
تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) قال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6]. فكل إنسان يجاهد فإنما الجزاء لنفسه، ولن ينفع بجهاده ربه سبحانه وتعالى شيئاً، والإنسان الذي يذبح مضحياً أو يذبح هدياً يتقرب به لله سبحانه، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج:37]. أي: لن يأخذ منكم فيأكل ولا ينتفع بهذا الذي تفعلوه، ولكن أنتم الذين تنتفعون بذلك، والذي يجعل ربكم سبحانه يعطيكم الثواب هو تقواكم، فأنتم المنتفعون أولاً وآخراً. فإياك أن تمن عليه سبحانه بعملك وبعبادتك له، فإن الله لغني عنك وعن عبادتك، قال: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6]. لكن العبد يصلي ويصوم ويرجو رحمة الله، ويصبر على الأذى، ويصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى، وليتذكر قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]. ولذلك لما قتل مهجع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في يوم بدر وجزع عليه أبوه، وجزعت عليه زوجته جزعاً شديداً إذا بالله عز وجل ينزل هذه الآية: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2]. أي: لا بد أن يفتنوا بالعذاب في الدنيا بالقتل والاستشهاد فيها، ولا بد أن يفتنوا ويبتلوا بالبلاء في الدنيا حتى يرفع الله عز وجل درجاتهم يوم القيامة. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6] يعني: عن أعمال الناس. وقال لهم: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38].
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم) قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} [العنكبوت:7]. وهذا قسم من الله عز وجل للمؤمنين، فكأنه يقول: والله لنكفرن عنكم أيها المؤمنون العاملون الصالحات سيئاتكم. وقوله: ((والذين أمنوا وعلموا الصالحات)) هذا قيد، فلا يأتي إنسان ويقول: أنا أقول: لا إله إلا الله، وهذا يدخلني الجنة، فلا بد من العمل، وهذا من واجبات الإيمان، فلا بد أن تعمل عملاً صالحاً. والتكفير: المحو، أي: نمحو عنهم سيئاتهم بالمغفرة. قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]. والمعنى: نجزيهم أعمالهم بأحسن مما يتمنونه، فالإنسان يعمل العمل ويرجو الثواب من الله، هو يرى العمل قليلاً، فإذا جاء يوم القيامة وجد ثواباً عظيماً جداً لم يكن على باله. كالذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا بالناس يستجيبون ويفعلون هذا المعروف الذي أمرهم به، وهو لا يتخيل أن هذه الكلمة التي قالها توصله لهذا الثواب العظيم، فإذا به يوم القيامة يجد أعمالاً عظيمة له لم يعملها، ولكنه جوزي بعمل أصحابها. ولذلك الكلمة الطيبة صدقة للإنسان، وأن تبتسم في وجه أخيك فتصير لك عادة فتضحك لأخيك فتكتب لك حسنة عند الله سبحانه، فإذا جئت يوم القيامة وجدت حسنات كثيرة ليست على بالك: حسنة لأنك أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وحسنة لأنك تبسمت في وجه أخيك، وحسنة لأنك أعنت إنساناً على حاجته، وحسنة لأنك دفعت لإنسان دابته وأعنته فيها: وهكذا، ولهذا قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]، أي: بأحسن أعمالهم وهي الطاعة، وكذلك نكفر عنهم كل معصية. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة العنكبوت [2 - 10]
تفسير سورة العنكبوت [2 - 10] بين المولى سبحانه وتعالى أنه لا يكفي ادعاء الإيمان فقط، بل لا بد لكل مؤمن أن يبتلى بما يظهر أن إيمانه حقيقي وقوي أم ضعيف، ثم إن ذلك الابتلاء سنة الله تعالى الماضية منذ بدأ الخليقة إلى أن تقوم الساعة، وهذا الابتلاء فيه رفع لدرجات المؤمنين وتمحيص لهم وغفران لذنوبهم، أما أصحاب السيئات فليسوا بمعجزين ربهم، فلا بد أن يرجعوا إليه ليجازيهم على سوء ظنهم به تعالى. وقد أوصى الله تعالى بالوالدين، وأن يطاعا فيما يأمران به ما لم يكن معصية أو إثماً؛ لأنهما السبب في وجودك بعد الله تعالى، ولهما من سابق التعب والنصب والجهد ما يجعل طاعتهم عليك فرضاً.
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا)
تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. في هذه الآية التي ذكرها الله عز وجل من سورة العنكبوت وما قبلها يخبرنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله ودخل في هذا الدين العظيم، فإنه لا يظن أنه سيعيش سعيداً في الدنيا بغير بلاء فيها، بل لا بد وأن يصيبه شيء من بلاء الدنيا. وكلما كان الإنسان قريباً من الله عز وجل، قريباً من دين الله سبحانه وتعالى، ممتثلاً أوامر الله، منزجراً عن نواهي الله سبحانه كلما أصابه البلاء أكثر من غيره. قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ} [العنكبوت:2] أي: لا بد وأن يفتنوا وأن يبتلوا حتى يكفر الله عز وجل عنهم من سيئاتهم، ويرفع درجاتهم. وقد أخبرنا سبحانه أنه فتن الذين من قبلنا، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3]، وقد كانت الفتنة في السابقين فتنة عظيمة وكانت الأصار عليهم والأغلال شديدة، لكن من رحمته سبحانه أن وضع عنا ذلك قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]، ومن الأغلال التي كانت على بني إسرائيل: أنهم إذا أذنبوا ذنباً أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً كما حدث لهم عندما عبدوا العجل، فقام بعضهم لبعض، وظللت عليهم غمامة وأظلم النهار، فقتل في موقف واحد فوق السبعين ألفاً من اليهود؛ حتى قبل الله توبتهم، وهذا كان من الآصار. أما في ديننا من تاب تاب الله عز وجل عليه، والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تمحو الذنوب بفضل الله سبحانه وتعالى. وقد كان على الذين من قبلنا آصار في عباداتهم، فلا تصح منهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، أما نحن فأيما رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة في مكان من الأماكن فعنده مسجده وطهوره، فيتطهر إن لم يجد ماء بالتراب، وإن وجد مسجداً صلى فيه، فإن لم يجد فالأرض مسجد وطهور، وهذا من فضل الله ورحمته. ومن الأغلال التي كانت على الذين من قبلنا أنه أن إذا أصاب البول ثوب أحدهم لم يجزئه إلا أن يقصه بالمقص، أما في ديننا فيكفي أن يغسله بالماء. فهذه الآصار والأغلال التي كانت على الذين من قبلنا رفعها الله عز وجل عنا، قال تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157]. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدهم كان ينشر بالمنشار، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فلا يصده ذلك عن دينه، أما هذه الأمة فالإنسان المكره منها ولو على كلمة الكفر معذور في ذلك. أما السابقون فلم يكن لهم عذر في ذلك، فكان أحدهم إذا ابتلي ليفتن عن دينه لا بد وأن يصبر وإلا مات على ذلك، ولذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، مر رجل على قوم من الكفار لهم وثن يعبدونه من دون الله فقالوا: قرب -أي: لإلههم الذي يعبدونه- قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب شيئاً ولو ذباباً قال: ما كنت لأقرب لغير الله شيئاً، فقدموه فضربوا عنقه، فدخل الجنة بذلك، ومر بهم رجل آخر فقالوا: قرب، قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فكان من أهل النار)، أما نحن في ديننا فقد أذن الله عز وجل في التلفظ بكلمة الكفر لمن قلبه مطمئن بالإيمان حال الإكراه فقال: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل:106]. فالذين من قبلنا فتنوا فتناً شديدة، وصبروا، والله عز وجل أعطاهم الأجر على ذلك، وجعل في أمتنا التيسير والتخفيف، ولكن لا بد من البلاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:3].
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا)
تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) وقد ذكرنا في الحديث السابق معناها، وأن معنى العلم أنه يعلم علم شهادة بعدما كان علماً غيبياً. قال تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]، يعني: هل يظن الذين يشركون بالله سبحانه ويقعون في معاصي الله أن يفلتوا من عذاب الله؟ إن ظنوا ذلك فهو ظن السوء منهم، فكأن من ظن ذلك فقد شبه ربه بالمخلوق، فلما كان يقدر أن يهرب من المخلوق ظن أنه يهرب من خالقه سبحانه وتعالى، وكان بعض الحمقى والمغفلين من أهل الجاهلية يتعاظم بجسمه وبقوته فيقول لغيره من هؤلاء الكفار: إن محمداً يخيفنا بالنار، فإننا إذا جئنا يوم القيامة وقفت أنا فمنعتكم!! يظن أنه في الدنيا مثلما يقف ليصد الناس فيوم القيامة سوف يقف على باب النار ويمنع الباقين، وذلك من جهله وحماقته وغبائه. ويفرح هؤلاء بما يقول هذا المغفل ويصدقونه، وإن كان التصديق ظاهراً لكن يستحيل أن يكون الإنسان في قلبه يصدق مثل هذا الشيء. فقال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت:4]. بل كان بعضهم يقول للآخرين: إن محمداً يزعم أن على جهنم تسعة عشر، ونحن عددنا كثير، فكل رجل منا برجل منهم. كأنه يظن أن ملائكة الله كالناس المغفلين الذين يراهم أمامه من هؤلاء. ويذهب أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجمجمة إنسان ميت ويقول: تزعم أن ربك قادر أن يبعث هذه ويفتها بيده، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، يبعثها ويدخلك النا).
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله لغني عن العالمين)
تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله لغني عن العالمين) قال سبحانه: {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5] أي: من كان يخاف من عذاب الله ويؤمل رحمة الله؛ فإن الموعد سيأتيه، فكل ما هو آت قريب وإن طال في نظرنا؛ لأننا نقيس ذلك بأعمارنا وبسنين الدنيا، أما عند الله عز وجل فيوم واحد كألف سنة مما تعدون، فإذا قال: هذا قريب، فهو قريب. قال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} [العنكبوت:6]. فكل إنسان يعمل الصالحات، وكل مؤمن يجاهد في الله سبحانه فجهاده لنفسه، أي: ثواب هذا الجهاد لنفسه، ونفعه لها، فهو المنتفع في النهاية، ولن ينفع ربه شيئاً، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت:6]، أكد الله غناه عن كل العوالم، سواء كان العالم العلوي أو العالم السفلي.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]. فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات يقسم الله سبحانه وتعالى أنه سيكفر عنهم سيئاتهم، قال تعالى: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ} [العنكبوت:7]، وهذا الفعل المضارع المسبوق بلام التوكيد والمنتهي بنون التوكيد الثقيلة دليل على وجود القسم، كأنه يقول: والله لنفعلن بهم ذلك ولنكفرن ذنوبهم، ولنمحون عنهم ما وقعوا فيه من خطايا، فتابوا إلى الله عز وجل، فنفعهم إيمانهم ونفعتهم توبتهم. قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ} [العنكبوت:7] هذا الفعل أيضاً جواب القسم، والتقدير: والله لنفعلن ذلك ونجزيهم الأجر العظيم. قال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]، أي: أحسن ما كانوا يتوقعون، فقد توقعوا من الله عز وجل أن يعطيهم ثواباً فأعطاهم ثواباً مضاعفاً. توقعوا من الله عز وجل أن يدخلهم جنة على نحو معين؛ فإذا به يدخلهم جنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه)
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) قال الله سبحانه وتعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت:8]. وفي سورة الأحقاف قال: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} [الأحقاف:15]، وفي سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:14]، وفي سورة البقرة قال: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة:83]، أي: أحسنوا إليهم إحساناً. وفي سورة النساء قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء:36]. فأمر الله عز وجل بالوصية بالوالدين. وكذلك في سورة الإسراء ذكر الله عز وجل الوصية بالوالدين والإحسان إليهما فقال: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]، فالإنسان ينظر إلى الذي أنعم عليه وأوجده وخلقه وهو الله سبحانه وتعالى فيعبده، وينظر إلى السبب في وجوده في الدنيا وهما والداه، فلهما فضل عليك أن أوجدك الله عز وجل بسببهما، ولهما فضل التربية لك، والرعاية، والعناية بك، والرحمة عليك، ولذلك قال الله سبحانه: {وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:24]، أي: رحماني وأنا صغير، وربياني وحملاني. وقال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الإسراء:24]، فأمر العبد بالتواضع لوالديه وألا يؤذيهما ولو بكلمة أف التي هي أقل الكلمات التي تؤذي، فما بالك بما هو أعظم من ذلك؟! قال سبحانه هنا: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت:8]، أي: وصيناه أن يحسن إليهما بكل عمل فيه حسن، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]، أي: أطع والديك في أمر بمعروف أو في نهي عن منكر، وأطع والديك إذا أمراك بشيء مباح، أما إذا أمراك بمعصية فلا تفعل هذه المعصية ولا تطعهما، وصاحبهما بالمعروف حتى لو كانا كافرين يهوديين، أو نصرانيين، أو مشركين وثنيين، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [لقمان:15]، وهنا قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [العنكبوت:8]، كيف يكون العمل عند ذلك؟ {فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8]، قال: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ} [العنكبوت:8]. يعني: إذا اجتهدا وبذلا الجهد العظيم في دفعك عن طاعة الله سبحانه، وفي إيقاعك في الكفر بالله سبحانه فإياك أن تطيعهم في ذلك، ومع ذلك صاحبهما معروفاً، فلهما فضل عليك وهما أبواك. قال تعالى هنا: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} [العنكبوت:8] وقال سبحانه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] ففي الآيتين لم يمنع الابن المؤمن من مصاحبة الأب والأم الكافرين، ولا من برهما والإحسان إليهما، وكذلك الإنفاق عليه أن ينفق عليهما. بل قيل له: كن معهما في الخير، ولكن احذر من الطاعة في الشر، وفي المعصية والكفر. ثم قال تعالى: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت:8]، {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} [لقمان:15]. فقد يستسهل الإنسان المعصية، ولكن لما يتذكر أنه راجع إلى الله فيحاسبه، فالخوف من الحساب يمنعه من المعصية، ويدفعه إلى الطاعة، وفي سورة لقمان قال تعالى: {فَأُنَبِّئُكُمْ} [لقمان:15]، فإذا كان ينبئك بما كنت تعمل فمعناه: أنه سيحاسبك، فإن عملت الخير فلك الجزاء الحسن، وإن عملت الشر فعليك الوزر والحساب. وذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إذ قال رضي الله عنه: أنزلت في أربع آيات: فذكر قصة وفيها قال: قالت أم سعد وكانت كافرة: أليس قد أمر الله بالبر؟ قال: بلى. قالت: والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت فتعير بي أو تكفر. وفي رواية قال سعد: وكنت باراً بأمي فأسلمت، يعني: أنه كان عظيم البر بأمه رضي الله تعالى عنه، قال: وبقيت أياماً على ذلك، وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها يشجروا فاها بالخشب ويحطوا بداخله الطعام لكي لا تموت. فلما استمر الأمر على ذلك ذهب لأمه وقال رضي الله عنه: يا أماه! -يقول ذلك على وجه التعطف والتحنن عليها- لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي. فلما رأت الأمر على ذلك، وأنه متمسك بدينه أكلت. فهذه من الفتن التي قد يبتلى بها الإنسان المتمسك بدينه، وقد تجد من يصلي فيقول أبواه: لا تصل، ولا تذهب إلى المسجد، فإذا تنازل عن أمور دينه شيئاً فشيئاً ضيع كل شيء، وإذا تمسك بذلك لعل الله عز وجل يهدي هؤلاء فيتركانه على ما هو عليه من طاعة ربه سبحانه. فالإنسان عندما يبتلى بشيء من ذلك فليتذكر ما صنع سعد رضي الله تعالى عنه، وكيف أنه صبر لأمر الله سبحانه، وطاعة الله تبارك وتعالى فيها الخير والبركة. ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، أي: أنه فعلت أمه نفس هذا الشيء، وعيروه بذلك، فثبت فإذا بالله عز وجل يثبته في ذلك. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في جميع الأمة. وهذا معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات)
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:9]، هذا جزاء الذل للمؤمنين، كما قال تعالى: {لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت:7]. فالله عز وجل يجعل المؤمنين مع الصالحين، والصالحون هم من قاموا بأمر الله عز وجل على الصلاح؛ فأصلحوا أنفسهم، فأصلح الله عز وجل لهم سيرتهم، وأصلح حالهم وبالهم، وجعلهم في جنته سبحانه وتعالى. والمعنى: الذين هم في غاية الصلاح، وقد بلغوا أقصى درجات الصلاح في كل أمورهم، فسنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات معهم.
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله)
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [العنكبوت:10]. هنا ذكر فريقاً آخر من الناس الذين في إيمانهم ذبذبة: إما أنهم المنافقون، أو أن إيمانهم ضعيف بأقل فتنة يرتد ويرجع على عقبيه. وقد كان من أهل مكة من آمن ودخل في دين الله تعالى: فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مكثوا في مكة مستضعفين حتى كان عام الفتح. قال الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت:10]، فتنة الناس هنا عذاب الناس، فالمشركون كانوا يعذبون بعض المؤمنين، فإذا كان هذا المؤمن إيمانه ضعيف فيرى العذاب الذي ينزل به فيتزعزع إيمانه ويقول: ليس جهنم أكثر مما أنا فيه، فيرتد عن هذا الدين، وكأنه جعل عذاب الله عز وجل يماثل عذاب البشر. أو أنهم المنافقون الذين يظهرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وقد ذكرنا أن هذه السورة منها ما نزل بمكة، ومنها ما نزل بالمدينة، فإن كانت هذه الآية نزلت بمكة فالمقصود المؤمنون إيماناً ضعيفاً، وإن كانت نزلت بالمدينة فالمقصود المنافقون. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا. وهنا التذكير للمؤمن أن يثبت على دينه، وأن يلازم أمر الله سبحانه، فإذا نزل به البلاء انتظر الفرج من الله ولا يتذبذب ولا يرتد على عقبيه؛ فإن في ردته شماتة للكفار به، وضياعاً له في دنياه وأخراه. نسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة العنكبوت [12 - 15]
تفسير سورة العنكبوت [12 - 15] من رحمة الله عز وجل بالناس أن أرسل إليهم أنبياءً ورسلاً يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ويدلونهم على طريق السعادة في الدنيا والآخرة، ولقد كانت سنة الله عز وجل في خلقه أن يهلك من لم يتبع دعوة الرسل أو صد عن اتباع دعوتهم، وكان نوح عليه السلام مثالاً لهذه السنة، حيث أهلك الله من خالفه واستكبر عن اتباع الحق الذي جاء به.
دعوة الكافرين للمؤمنين أن يتبعوا سبيلهم
دعوة الكافرين للمؤمنين أن يتبعوا سبيلهم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ * وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت:14 - 18]. يذكر الله سبحانه وتعالى هنا إشارات لقصص بعض الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى دين الله عز وجل، فاتبعه البعض، وكفر به الكثيرون، فقال الكفار المتعنتون لمن آمن من الضعفاء المستضعفين منهم: {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ} [العنكبوت:12] أي: كونوا معنا في هذا الذي نحن فيه، ولا تتبعوا محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وإذا كان عليكم ذنب فسوف نحمله عنكم يوم القيامة. فبعد أن ذكر الله تعالى مقالتهم هذه أخبر سبحانه وتعالى عن كذبهم فقال: {وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [العنكبوت:12] أي: لن يحملوا شيئاً من خطايا هؤلاء بحيث يخففون عنهم يوم القيامة، ولكن سيحملون أثقالهم مضاعفة: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [العنكبوت:13] أي: يكذبون.
قصة نوح عليه السلام
قصة نوح عليه السلام إن هؤلاء الكفار ليسوا بالأمر الجديد، وليسوا أول من كفر بالله عز وجل، بل قد كفر قبلهم الكثير؛ ولذلك ذكر الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم أنه وإن يكذبوك فقد كذبت أمم من قبلهم، من هذه الأمم من أرسل الله عز وجل إليهم نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فبدأ به لأنه أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وثنى بإبراهيم لأنه أب بعد أب، فكان أبو الخلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام نبياً، وكان يدعو أبناءه وهم على التوحيد وليسوا كفاراً، ولكن كان فيهم بعض المعاصي.
سبب شرك قوم نوح
سبب شرك قوم نوح تقادمت السنون والدهور، وجاء بعد آدم عشرة قرون كانوا على التوحيد، حتى تحول الناس من توحيدهم لله عز وجل إلى عبادة الأصنام، وعبدوها من دون الله سبحانه، فأرسل الله إليهم نوحاً عليه السلام، وكان سبب شركهم ذلك: التصاوير والتماثيل والأصنام، فقال بعضهم لبعض: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23]، فكان سبب ضلال هؤلاء: هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله سبحانه، وسبب وجود هذه الآلهة: أن الناس كان فيهم أناس صالحون يعبدون الله سبحانه، فأحبهم الناس، فلما مات هؤلاء الصالحون أتاهم إبليس ووجدهم في حزن على الذين ماتوا، وهم: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فقال لهم: اصنعوا لهم الصور حتى تذكروهم، فصوروا لهم الصور حتى تكون تذكاراً يتذكرون بها هؤلاء الأقوام الصالحين. فلم يزالوا على ذلك حتى أتاهم الشيطان وقال لهم: اصنعوا لهم التماثيل حتى تذكروهم بها، فصنعوا التماثيل على قبورهم، وكانوا يذهبون وينظرون إليهم ليتعظوا، وليتذكروا هؤلاء الصالحين فيتأسوا بهم في صلاحهم، فلما مات من عرف ذلك من الآباء إذا بأولادهم وأحفادهم من بعدهم يقولون: كان آباؤنا يذهبون ويتبركون بهؤلاء ويعبدونهم، فبدل من أن الآباء كانوا يتعظون بهم ويتذكرون أعمالهم الصالحة ليعبدوا الله كما كانوا يعبدونه، انقلب الأمر عند الأبناء والأحفاد فعبدوهم من دون الله، وتواصى بعضهم مع بعض بعبادة هذه الآلهة. فكان ذلك أول شرك على الأرض، وأول ما حدث الكفر والشرك بالله كان بعبادة هذه التماثيل، فأرسل الله عز وجل نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى هؤلاء القوم يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف:59].
ما واجه به قوم نوح نبيهم
ما واجه به قوم نوح نبيهم لما دعا نوح قومه إلى الله عز وجل، وكانوا غلاظاً ذا شدة وقسوة في قلوبهم، رفضوا دعوة نوح عليه السلام، قال الله تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، فشكا نوح إلى ربه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:5 - 12]. ودعاهم بالترغيب وبالترهيب، ثم أنكر عليهم مستغرباً متعجباً من صدودهم وإعراضهم: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا} [نوح:13] أي: أين ذهبت عقولكم فتعبدون تماثيل لا تنفع ولا تضر، وتنسون ربكم سبحانه وتعالى ولا توقرونه؟! {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} [نوح:13 - 15]، إلى آخر ما ذكره نوح لقومه وهو يدعوهم إلى الله عز وجل، فرفضوا أن يطيعوه، وكان جوابهم: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ} [نوح:23] أي: انتبهوا أن تتركوا الآلهة وتذهبوا إلى نوح. فأوصى الآباء والأجداد الأبناء والأحفاد بذلك، وحذروهم من ترك الآلهة: {لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا} [نوح:23 - 24] أي: أنهم ضلوا وأضلوا، وعبدوا غير الله سبحانه تبارك وتعالى.
عاقبة المكذبين للرسل
عاقبة المكذبين للرسل لقد فصل الله عز وجل في القرآن قصة نوح في مواطن، من أطولها ما جاء في سورة هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فذكر كيف أنه دعاهم فلم يستجيبوا له، فأغرقهم الله وأهلكهم. وجاء كذلك تفصيل دعوة نوح لقومه في سورة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف دعاهم بالذي سبق من الآيات. وفي سورة العنكبوت ذكر الله تعالى فيها إشارات الغرض منها: بيان أن قريشاً ليسوا أول من كذب، بل إن هناك أقواماً كذبوا من قبلهم، فأشار الله عز وجل إلى هؤلاء الأقوام المكذبين وأنه أهلكهم، ثم ذكر أقواماً آخرين كذبوا فأهلكهم الله، وهكذا. كأنه يفصل شيئاً ثم يرجع في النهاية يفند هذا الشيء بعد أن يجمله. قال الله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40] فذكر في هذه الآية إشارات للأقوام المكذبين وجمعها على طريقة اللف والنشر، فذكر في النهاية كيفية إهلاكهم بقوله: منهم من أهلكناه بكذا ومنهم من أهلكناه بكذا، وفي هذا تخويف لقريش، وكأنه يقول لهم: احذروا أن يصيبكم مثلما أصاب هؤلاء الأقوام، فيرسل عليكم حاصباً، أو تأخذكم صيحة من السماء، أو يخسف بكم الأرض أو يغرقكم، أو يفعل بكم ما يشاء، والله على كل شيء قدير.
المدة التي مكثها نوح يدعو قومه
المدة التي مكثها نوح يدعو قومه قال سبحانه وتعالى هنا في أمر نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14]، ففي كل موضع يذكر فيه نبياً يذكر شيئاً يختص بهذا الموضع. والذي اختصت به هذه السورة: أنه ذكر فيها المدة التي لبثها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام في قومه، وهي مدة طويلة، جداً أشار إليها بقوله: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14] أي: تسعمائة وخمسون عاماً، ولم يعبر بتسعمائة وخمسين، بدلاً من ألف؛ لأن الألف لها وقع في السمع، فسماعك للألف غير سماعك للتسعمائة، لذلك إذا كتب في الأوكازيون: تسعمائة وتسعة وتسعون، ولم يكتب ألف، فإن الإنسان يحس أنها قليلة، فإذا ذكر ألف دخل في العقل أن الألف كثير، والمقصود أن نوحاً لبث كثيراً في قومه، فقال الله عز وجل: إنه لبث في هؤلاء القوم الذين أهلكهم الله ألف سنة إلا خمسين عاماً. ثم أغرقهم الله سبحانه وتعالى، ثم بعثه الله إلى قوم غيرهم بعد ذلك، وهم أبناؤه وأحفاده ومن كانوا معه، فجاوز الألف السنة على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكأن الفترة التي مكثها نوح عليه الصلاة والسلام في هؤلاء القوم المهلكين ألف سنة إلا خمسين عاماً.
دعوة نوح على قومه
دعوة نوح على قومه لقد عاش نوح يدعو قومه حتى جاوز الألف التي ذكرها الله عز وجل هنا في كتابه، قال تعالى: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14] فكذبوه ولم يؤمنوا به كما قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، أي: لم يؤمن معه إلا العدد القليل، فكان يوصي بعضهم بعضاً، ويحذر بعضهم بعضاً من نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ ولذلك دعا عليهم، وقال كما قال تعالى: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح:26]، فقوله: (دياراً) وديور بمعنى واحد، والمعنى: لا تجعل عليها أحداً أبداً، والعرب تقول: لا تجعل على الأرض دياراً، ولا تجعل على الأرض ديوراً، أي: لا تجعل على الأرض أحداً، بمعنى: خذهم جميعاً واستأصل شأفتهم. قال الله تعالى: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح:27] أي: لا تذر أحداً يدور فوق الأرض من هؤلاء الكفار وأهلكهم جميعاً؛ لأنك إن تركتهم يضلوا عبادك، ولا يتركوا بعدهم إلا فاجراً كفاراً. قال سبحانه هنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ} [العنكبوت:14] وهذا ترتيب وتعقيب: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} [العنكبوت:14] فكانت فترة زمنية طويلة، ولكنها عند الله عز وجل لا تساوي شيئاً: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:47]؛ لأن اليوم من أيام القيامة بالألف السنة التي عاشها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} [العنكبوت:14]، {فَأَنجَيْنَاهُ} [العنكبوت:15] وهذا يفيد الترتيب والتعقيب، كأنها أشياء متوالية بعضها وراء بعض. فبين أن يدعوهم إلى الله، ثم يدعو عليهم، ثم يأخذهم الطوفان بالنسبة لنا مدة طويلة، ثم إنه ما دعا عليهم إلا بعد أن يئس منهم، ولم ييأس منهم إلا عندما أخبره الله سبحانه بقوله: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود:36]، فلم يدع عليهم طوال هذه المدة حتى أخبره الله أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود:36] أي: لا تحزن عليهم.
هلاك قوم نوح بالطوفان
هلاك قوم نوح بالطوفان قال الله عز وجل: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} [العنكبوت:14]، الطوفان: هو الماء الذي أغرقهم، فإذا به يطوف بهم، فبعد أن كانوا فوق الماء صاروا تحته، فأغرقهم الله عز وجل بأن أمر السماء أن تفتح أبوابها، وأمر الأرض أن تفتح أبوابها، فإذا بالماء ينبع من الأرض وينزل من السماء، وينطبق الماءان عليهم، فيهلكهم الله سبحانه بالغرق العظيم. وممن أهلك الله في ذلك الطوفان: ابن نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود:42] فرفض الابن الكافر أن يركب مع أبيه النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقال: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ} [هود:43] أي: سأطلع فوق الجبل ولن يصل إلي الماء، فاغتر بذلك وصعد إلى الجبل، فصعد الماء وراءه حتى أغرقه الله فكان من المغرقين. ومعنى قوله سبحانه: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ} [العنكبوت:14] أي: أغرقهم الطوفان، وكأنه مارد جبار أمسكهم فلم يفلتهم، ولم يترك لهم مكاناً يلجئون فيه ويهربون إليه، فكأنه أمسك بهم وأغرقهم بقدرة الله عز وجل فيه، وهذا دليل على الإهلاك الشديد، وعدم الإفلات من عذاب الله سبحانه وتعالى إذا نزل؛ ولذلك يقول الله بعد ذلك: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} [العنكبوت:22] فلو نزلتم داخل الأرض أو طلعتم إلى السماء فلن تهربوا منا. قوله: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [العنكبوت:14]، أي: بسبب ظلمهم. قال عز وجل: {فَأَنجَيْنَاهُ} [العنكبوت:15] أي: أنجينا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله أمره أن يصنع السفينة، فظل يصنعها سنين، وخلال هذه السنين كان يمر به قومه ويستهزئون به، قال سبحانه: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود:38] وذلك أنهم قالوا: كيف تصنع سفينة في الصحراء، وكيف تركبها، إذاً: أنت مجنون بفعلك هذا، فرد عليهم: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود:38] انتظروا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود:39]. وجعل الله عز وجل له علامة من العلامات تأتي وقت عذابهم، وهي أن الفرن الذي يتقد ناراً سيخرج منه الماء. فلما رأى نوح تلك العلامة ركب السفينة وركب معه المؤمنون من قومه: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، ثم أغرق الله الجميع، قال تعالى: {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت:15]، وأصحاب السفينة هم الذين أمره الله عز وجل بحملهم من الإنس والدواب: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]. قال سبحانه: {وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت:15] أي: جعلنا هذه القصة آية للعالمين، وجعلنا هذه السفينة آية عجباً؛ لأنه من العجب أن يصنع رجل واحد سفينة تحمل خلقاً عظيماً من الإنس ومن الدواب وممن شاء الله عز وجل له أن يحمله، فهذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى. ثم ذكر من بعد نوح إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تفسير سورة العنكبوت [16 - 20]
تفسير سورة العنكبوت [16 - 20] مما يجب على الداعية تجاه المدعوين وبالأخص الكفار: أن يقيم لهم الدلائل العقلية والنقلية على صحة ما يعتقده، وهذا هو دأب القرآن والأنبياء في دعوة أقوامهم إلى الله تعالى، ومن هؤلاء إبراهيم عليه السلام، وقد ذكر الله جانباً من قصته في سورة العنكبوت المفسرة هاهنا.
قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه
قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [العنكبوت:16 - 21]. لما أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة أنه أرسل نوحاً إلى قومه ومكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يصدقوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال تعالى: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40]، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى بالطوفان: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ} [العنكبوت:14 - 15] أنجينا نوحاً، {وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} [العنكبوت:15] المؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، {وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت:15] جعلنا هذه السفينة أو جعلنا هذه آية للعالمين. قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [العنكبوت:16] نصب إبراهيم على أنه مفعول لقوله: {فَأَنجَيْنَاهُ} [العنكبوت:15]، والمعنى: أنجينا نوحاً وإبراهيم أيضاً أنجيناه، فكأنها معطوفة على المفعول والفعل الذي هو أنجى، أو أنه نصب بفعل مقدر هنا وتقديره: واذكر {إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} [العنكبوت:16] أي: وقت أن قال لقومه ودعاهم إلى الله عز وجل، {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت:16]، ذكر نوحاً وهو الأب بعد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه كان قد أرسل إلى بنيه وكانوا مؤمنين موحدين، وفيهم من يعصي الله سبحانه، فالله عز وجل أمره أن يدعوهم إلى طاعة الله، ويعلمهم ويرشدهم كما علمه الله سبحانه، لكن نوحاً عليه الصلاة والسلام هو أول الأنبياء الذين أرسلوا إلى قوم كفار قد أشركوا بالله عز وجل. ولذلك جاء في الحديث: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على التوحيد)، وقوم نوح هم أول قوم بدءوا الكفر والشرك بالله سبحانه وعبادة الأصنام والأوثان، فأرسل الله عز وجل إليهم نوحاً فدعاهم فكذبوه فأهلكهم الله عز وجل وأغرقهم. وفي هذه السورة الله عز وجل يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأذى الذي أوذيتم به ليس شيئاً جديداً، أو ليس شيئاً محدثاً لم يحدث للذين من قبلكم، بل هذا شيء قد حدث للسابقين من قبلكم، {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9]، فلست رسولاً بشيء جديد، بل كل الرسل أرسلوا بالتوحيد، وكل الرسل أوذوا في الله سبحانه، فهذا نوح أوذي ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وكذلك أوذي إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكل الأنبياء من بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ذريته من أبناء إسحاق، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه فهو الوحيد من أبناء إسماعيل الذي صار نبياً ورسولاً، بل أفضل الرسل عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ) يذكره بما حدث لإبراهيم وهو الذي عاش في هذا المكان فترة، وقد كان عليه السلام في العراق ثم هاجر إلى الشام، ومن ثم أمره الله عز وجل أن يبني البيت فأتى بـ هاجر إلى الجزيرة، وأمره الله سبحانه بعدما شب ابنه إسماعيل أن يبني البيت هنالك وتركه ورجع إلى الشام، وكان يزروه في هذا المكان، فالعرب يعرفون إبراهيم جيداً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولذا يقول هنا: اذكر إبراهيم {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} [العنكبوت:16]، فأمرهم بعبادة الله، وقد أوذي أذى شديداً عليه الصلاة والسلام، دعا قومه في العراق إلى عبادة الله وكانوا عباد أصنام وأوثان، ولما لم يستجيبوا له هاجر إلى الشام هو وابن أخيه لوط عليه الصلاة والسلام، فوجدهم عباداً للشمس والقمر وكانوا يعبدون الكواكب من دون الله، وكان عليه السلام ناظر أهل العراق وناظر أهل الشام، ولم يستجب له لا هؤلاء ولا هؤلاء. ولهذا قال إبراهيم لأهل العراق: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [العنكبوت:26]، فما كان منه إلا أن هجرهم وهاجر إلى الله سبحانه تبارك وتعالى وتوجه إلى الشام الأرض المقدسة، ودعا القوم هنالك، وأقام هناك بالشام عليه الصلاة والسلام، على أنه قد ابتلي في نفسه وفي أهله، فابتلي في أبيه وابتلي في ابنه عليه الصلاة والسلام بلاءً عظيماً، وقد ساق لنا الله جل وعلا القصص مختصرة في هذه السورة التي ليست من الطوال، بل من السور الوسط في كتاب الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يذكر فيها إشارات إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ابتلوا به، وكأن الغرض من ذلك ذكر العذاب الذي نزل بالأمم الذين كذبوا الأنبياء، {فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40]، فهم استحقوا ذلك بظلمهم أنفسهم {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49].
دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه
دعوة إبراهيم عليه السلام لقومه إبراهيم بالسريانية معناها: أب رحيم، وهو اسم على مسمى، فهو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وهو من أرحم الناس بخلق الله سبحانه، وقد رأينا كيف جادل الملائكة في قوم لوط لما أرادوا إهلاك قوم لوط فقال الملائكة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32]. دعا قومه وهم عباد الأصنام والأوثان فقال لهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ} [العنكبوت:16]، توجهوا إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة الخالصة ولا تشركوا بالله سبحانه، (وَاتَّقُوهُ)، أي: اتقوا غضب الله سبحانه فاجعلوا بينكم وبين عقوبته وقاية من الطاعة، فإن طاعة الله تقيكم وتنجيكم من عذاب الله وتدفع عنكم نار جهنم، فاجعلوا هذه وقاية لكم من عذابه سبحانه. {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} [العنكبوت:16]، أي: أن تلك العبادة العظيمة وهذا التوحيد العظيم يقيكم من عذاب الله، وهو خير لكم بل وهو الأفضل لكم {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت:16]، إن كنتم تعلمون ذلك عبدتم الله سبحانه وأطعتموني. ثم أخبرهم عن عبادتهم الباطلة {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا} [العنكبوت:17] إن عبادتكم هذه التي تعبدونها مقصورة على هذه الأوثان الباطلة، فهي عبادة باطلة {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ} [العنكبوت:17]، أي: كل ما تعبدون من دون الله هو باطل وكل عبادة لما هو دون الله سبحانه فهي عبادة باطلة. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا} [العنكبوت:17]، أي: أصناماً تعبدونها من دون الله سبحانه، قالوا: الأوثان هي الأصنام، وفرق البعض بين الأصنام والأوثان، فالأوثان ما يعبد من دون الله سبحانه من حجر منحوت أما الأصنام فتكون مصنوعة من ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها من معادن، وقيل: الأصنام ما كان مصوراً على هيئة والأوثان ما كان مصوراً أو غير مصور. قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت:17]، والخلق: الصنعة، أي: الذي تصنعونه بأيديكم كذباً على الله سبحانه وتعالى هو إفك وباطل وكذب تكذبونه فتدعون أنها آلهة وأنتم إنما نحتموها بأيديكم. {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ} [العنكبوت:17] أي: تصنعون {إِفْكًا} [العنكبوت:17]، كذباً {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} [العنكبوت:17]، ومن الملاحظ هنا أنه تحدث بشيء من التفصيل في قصة إبراهيم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى هؤلاء العرب الذين شابهوا قوم إبراهيم في عبادة الأصنام ففصل لذلك، والسورة منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني، فكأنه يشير لهؤلاء الكفار أنكم فعلتم فعل قوم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان الأجدر بكم أن تصنعوا كما صنع إبراهيم أبو الأنبياء وهو أبوكم عليه الصلاة والسلام.
محاجة إبراهيم لقومه
محاجة إبراهيم لقومه قال سبحانه وتعالى عن إبراهيم أنه قال: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا} [العنكبوت:17]، هذه الأصنام هل سترزقكم؟ أو هل ستأتيكم بالطعام والشراب؟ كلا! فهي لا تملك لكم شيئاً، وإبراهيم قال بقوله وفعل بفعله ما يدل على الإنكار على قومه، ولذلك لما خرج القوم -قوم إبراهيم- في يوم من الأيام إلى عيد لهم جهزوا طعامهم ووضعوه أمام أصنامهم كأنهم ينتظرون من الأصنام أن تبرك هذا الطعام فتجعل فيه البركة، آملين أن يرجعوا فيأكلوا هذا الطعام، فذهب إبراهيم إلى هذه الأصنام فإذا به يجد هذا الطعام عندهم فقال: ما لكم؟ ألا تأكلون؟ كلوا من هذا الطعام الذي أمامكم، ويستفهم متعجباً لجهل قومه وما هم فيه من باطل وذهاب عقولهم، وهل هذه الأصنام تأكل أو تشرب حتى تضعوا الطعام أمامها؟! وهل هذه الأصنام تملك لنفسها شيئاً من أجل أن تبرك لكم هذا الطعام الذي أمامها؟ فإذا به يقول للأصنام {مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ} [الصافات:92]، لماذا لا تردون {فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات:93]، فكسر جميع الأصنام الموجودة إلا كبيراً لهم تركه حتى يرجعوا فيتساءلوا: لماذا هؤلاء كسروا وهذا لم يكسر؟ وإذا كان لم يكسر فلماذا لم يدافع عن غيره؟ فلما رجعوا ووجدوا ذلك قالوا: {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]، من صنع هذا بآلهتنا؟ والعجب أن تلك الآلهة من قبل البشر، وكأن الناس لا يفهمون ما الذي يقولونه! {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:59]، من هذا الذي يقدر أن يظلم الإله؟ بل هم لا يعقلون ما يقولون! {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} [الأنبياء:60 - 61]. ائتوا بإبراهيم واسألوه: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:62 - 63]، كل ذلك من أجل أن يتساءلوا، ولكن هيهات فقد ذهبت هذه العقول، {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ} [الأنبياء:63]، والمعنى كأنه يقول: مستحيل أن يصنع أحد منهم ذلك، فلا كبيرهم ولا صغيرهم يستطيع فعل شيء من ذلك، وإنما يذكر إبراهيم هذا الشيء حتى يعقلوا ويفهموا، كأنه يقول معرضاً في الكلام: إن كان هؤلاء ينطقون فقد فعله الكبير، ولكن الحقيقة أنهم لا ينطقون فكيف يصنع هذا الكبير؟! فعرض في الكلام، وهذه إحدى كذبات إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه لم يكذب في حياته إلا ثلاث كذبات فقط، ومن منا يعيش طول عمره لا يكذب إلا ثلاث مرات فقط؟! وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كذب كذباً صريحاً وإنما كان تعريضاً. فهنا لما قال: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَ