تفسير البغوي - إحياء التراث

البغوي ، أبو محمد

كلمة دار إحياء التراث العربي

[المجلد الاول] بسم الله الرّحمن الرّحيم كلمة دار إحياء التراث العربي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) [آل عمران 3: 102] . يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) [النساء: 1] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) [الأحزاب: 70- 71] . أما بعد، فيسر دار إحياء التراث العربي أن تقدم للعالم الإسلامي تفسير الإمام البغوي المسمى «معالم التنزيل» لمؤلّفه الإمام أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ البغوي الشافعي (ت 516 هـ) بعد أن عهدت للسيد عبد الرزاق المهدي تحقيقه وتصحيح ألفاظه على نسختين خطّيتين وتخريج أحاديثه والتعليق عليه بما يفيد المطالع فيه. وقد رقّم السيد عبد الرزاق أحاديث الكتاب بشكل تسلسلي من أوله حتى آخره. وبذل من الجهود الشاقة في تخريج أحاديث الكتاب ما يشكر عليه، فخدمه بما أعانه الله بعد ما حرف همته طوال أربع سنوات لخدمة هذا التفسير الجليل بالمأثور. قال الإمام علي بن محمد الخازن (ت 725 هـ) في مقدمة تفسيره الصفحة (3) مادحا هذا التفسير: «من أجلّ المصنفات في علم التفسير وأعلاها، وأنبلها وأسناها، جامعا للصحيح من الأقاويل عاريا عن الشّبه والتصحيف والتبديل» . هذا وقد وضع السيد عبد الرزاق المهدي مقدمة تناول فيها الحديث عن فوائد تتعلّق بكتب التفسير والمفسرين مع ترجمة للإمام البغوي ودراسة لكتابه، ووصف نسخه الخطية وخطة عمله بالكتاب، ربنا تقبل منّا هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، وانفع به عبادك، وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والعاقبة للمتقين. دار إحياء التراث العربي

مقدمة المحقق

مقدمة المحقق إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر، عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذكره أنزل القرآن مؤلفا منظما، ونزّله بحسب المصالح منجما، وجعله بالتحميد مفتتحا، وبالاستعاذة مختتما. أوحاه على قسمين متشابها ومحكما، وفصّله سورا وسوره آيات، وميز بينهنّ بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع. وسمات منشئ مخترع. فسبحان من المستأثر بالأولية والقدم. ووسم كل شيء سواه بالحدوث والعدم، أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتب السماوية، معجزا باقيا على وجه كل زمان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وعن الإتيان بسورة مثله من الخطباء الفصحاء، ثم سهل على الخلق تلاوته. جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها، وأوامره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرّق فيه بين الحلال والحرام، وكرّر فيه المواعظ والقصص للأفهام، وضرب فيه الأمثال وقص فيه غيب الأخبار. ثم لم يرض منها بردّ حروفه دون حفظ حدوده، ولا بإقامة كلماته دون العمل بمحكماته ولا بتلاوته دون تدبر آياته، ولا بدراسته دون تعلم حقائقه، وتفهم دقائقه. ولا حصول لهذه المقاصد منه إلا بدراية تفسيره وأحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، وأسباب نزوله وأقسامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، في خاصه وعامّه، فإنه أرسخ العلوم أصلا، وأسبغها فرعا وفصلا، وأكرمها نتاجا، وأنورها سراجا، فلا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدال عليه. من حكم به عدل، ومن تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يمله العلماء، ولا يخلق على كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ. من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عمل بما فيه أجر، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صراط مستقيم. 1- أنواع التفاسير: وقد قيض الله تعالى له رجالا موفقين، وبالحق ناطقين، حتى صنفوا في سائر علومه المصنفات، وجمعوا في سائر فنونه المتفرقات، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَمَبْلَغِ علمه. أ- فمنهم من جعل عمدته الحديث والأثر، كالإمام عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة (211) والإمام

عبد بن حميد المتوفى سنة (249) والإمام أبي جعفر الطبري المتوفى سنة (310) والإمام أبي بكر بن المنذر المتوفى سنة 318 والإمام أبي محمد بن أبي حاتم المتوفى سنة 327 والإمام أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه المتوفى سنة 410، والإمام عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597. - والإمام الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (774) . ب- ومنهم من جعل عمدته مع الحديث والأثر وأخبار الأقدمين وقصص الإسرائيليين، وذلك كالإمام أحمد بن محمد الثعلبي المتوفى سنة 427 وتلميذه علي بن أحمد الواحدي لكن في تفسيره «البسيط» وهو لم يطبع، وأما «الوسيط» وهو مطبوع، فهو مختصر وعبارته موجزة، ومنهم الإمام الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516 وهو الذي نحن في صدده. ت- ومنهم من جعل عمدته الفقه والأحكام كالإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي المتوفى سنة 282 والإمام عماد الدين بن محمد المعروف ب الكيا الطبري الهرّاسي المتوفى سنة (504 هـ) والإمام أبي بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة (543 هـ) ، والإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص- المتوفى سنة (370 هـ) . ث- ومنهم من جمع بين الفقه والحديث وغير ذلك من علوم الشريعة، كالإمام أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد القرطبي المالكي المتوفى سنة (671 هـ) في كتابه «الجامع لأحكام القرآن» . ج- ومنهم من جعل عمدته اللغة والنحو كالإمام محمود بن عمر الزمخشري في كتابه «الكشاف» المتوفى سنة (538 هـ) . - والإمام أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة 745. في كتابه «البحر المحيط» . ح- ومنهم من جعل عمدته مناسبة الآيات والسور كالإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة 885 في كتابه «نظم الدرر» . خ- ومنهم من جعل عمدته المنطق والفلسفة وإثارة الشبه وسرد آراء أهل العلم من أهل السنة والمبتدعة وغيرهم كالإمام فخر الدين محمد بن أبي بكر الرازي المتوفى سنة 666 في كتابه «مفاتح الغيب» . د- ومنهم من جمع بين الرواية والدراية، وكالإمام محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ) كما نص على ذلك في مقدمته. - ولكلّ مزايا وفوائد وحسنات، وأشياء فيها نظر. ومن الكتب المعتبرة في علم التفسير كتاب «معالم التنزيل» للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة (516 هـ) وهو هذا الكتاب. وكتابه هذا من أجمل كتب التفسير لسهولة عبارته، واتساق ألفاظه ومعانيه مع ما ضمنه من أحاديث عامتها صحيح أو حسن. وقد قال الإمام علي بن محمد الخازن المتوفى سنة (725 هـ) في مقدمة تفسيره ص 3 عن هذا التفسير: «من أجل المصنفات في علم التفسير وأعلاها وأنبلها وأسناها جامعا للصحيح من الأقاويل، عاريا عن الشبه والتصحيف والتبديل، محلّى بالأحاديث النبوية، مطرّزا بالأحكام الشرعية، موشى بالقصص الغريبة وأخبار الماضين العجيبة، مرصعا بأحسن الإشارات، مخرجا بأوضح العبارات، مفرغا في قالب الجمال في أصح مقال، فرحم الله تعالى مصنفه وأجزل ثوابه وجعل الجنة متقلبه ومآبه» . ا. هـ.

- وسبب تصنيفه لهذا التفسير

2 - وسبب تصنيفه لهذا التفسير هو ما ذكره في المقدمة بقوله: «فَسَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي الْمُخْلِصِينَ، وَعَلَى اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ مُقْبِلِينَ كِتَابًا فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ وَتَفْسِيرِهِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ، مُمْتَثِلًا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ «إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» وَاقْتِدَاءً بِالْمَاضِينَ من السلف من تدوين العلم إبقاء على الخلق وَلَيْسَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ مَزِيدٌ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ تَجْدِيدِ مَا طَالَ به العهد وقصر المطالبين فيه الجد والجهد تنبها للمتوفقين وَتَحْرِيضًا لِلْمُتَثَبِّطِينَ فَجَمَعْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ فِيمَا سَأَلُوا كتابا متوسطا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِمَنْ أقبل على تحصيله مزيدا. ولما كان هذا الكتاب من الأهمية بمكان، وأنه يتداوله الطلبة وكبار العلماء فقد طبع مرات عديدة، وتلك الطبعات خالية عن التحقيق للنص، وضبط الألفاظ، وتخريج الأحاديث، لذا وقع فيها التصحيف والتحريف والسقط والزيادات. عدا نسخة مطبوعة في المدينة المنورة في دار طيبة، فقد اعتنى محققوها بتحقيق النص، وذكروا أنهم قابلوها على مخطوطات عديدة، ومع ذلك لا تخلو من تصحيف وأشياء غير ذلك. وقد خرجت أحاديثها، لكن الغالب في ذلك مجرد العزو من غير بيان درجة الحديث، ولا دراسة الإسناد. كما فاتهم ترقيم الأحاديث تسلسليا مع أن عامة الأحاديث في هذا التفسير مسندة، فينبغي ترقيمها تبعا لكتب الحديث والتفسير المسندة. لذا رأيت أن أقوم بهذا العمل المضني الشاقّ، وأصرف همتي إلى تحقيق الكتاب، وتخريج الأحاديث، ودراسة الأسانيد وغير ذلك، وقد وفقني الله إلى ذلك، فقابلت الكتاب على نسختين خطيتين، مع ملاحظة نسخة دار طيبة، ودار المعرفة، واستعنت أيضا بكتب المؤلف مثل كتاب «شرح السنة» و «الأنوار في شمائل النبي المختار» وكتب الحديث المعتبرة التي يروي المصنف من طريقها كصحيح البخاري وغيره، وهذا عند الاضطراب وكثرة الاختلاف، سواء في المتن أو الإسناد، وذلك لإثبات اللفظ الراجح، وكل ذلك ستجده في موضعه إن شاء الله تعالى. 3 - فوائد هامة تتعلق بكتب التفسير والمفسرين اعلم أخي المسلم أن عامة كتب التفسير قد احتوت على أحاديث ضعيفة وموضوعة، وأخبار إسرائيلية منكرة، وقصص تالفة لا طائل بذكرها، ومن ذلك الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة حيث رواه الثعلبي في تفسيره منجما عند كل سورة ما يناسبها وتبعه على ذلك تلميذه الواحدي وذلك في «الوسيط» وسار على طريقتهما الزمخشري في «الكشاف» وقد نص الأئمة الحفاظ على وضعه. جاء في «الموضوعات الكبرى» للحافظ ابن الجوزي في (1/ 239- 242) ما ملخصه: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنبأنا محمد بن المظفر بن بكران. قال: أنبأنا أحمد بن محمد العتيقي. قال: أنبأنا يوسف بن الدخيل. قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عمرو العقيلي، قال: حدثني علي بن الحسن بن

عامر قال: حدثنا محمد بن بكار. قال: حدثنا بزيع بن حسان أبو الخليل. قال: حدثنا عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وعطاء بن أبي ميمونة، كلاهما عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «يا أبي من قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر ... » ، فذكر سورة سورة، وثواب تاليها إلى آخر القرآن. ثم كرر إسناده إلى أبي بن كعب قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم عرض عليّ القرآن في السنة التي مات فيها مرتين، وقال: إن جبريل أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وهو يقرئك السلام. فقال أبي: فقلت لما قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم، كانت لي خاصة فخصني بثواب القرآن مما علمك الله وأطلعك عليه. قال: نعم يا أبيّ! أيّما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن، وأعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة، ومن قرأ آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم، ومن قرأ سورة النساء أعطي من الأجر كأنما تصدق على كل من ورثه ميراثا، ومن قرأ سورة المائدة ... ، الحديث. قال العلامة ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في «تفسيره» فذكر عند كل سورة منه ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما، لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود كيف فرقه على كتابه الذي صنفه في فضائل القرآن، وهو يعلم أنه حديث محال! ولكن شره جمهور المحدثين فإن من عادتهم تنميق حديثهم ولو بالبواطيل. وهذا حديث فضائل السور مصنوع بلا شك، وقد روى في فضائل السور أيضا ميسرة بن عبد ربه. قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لميسرة من أين جئت بهذه الأحاديث «من قرأ كذا، فله كذا» قال: وضعته حسبة أرغب الناس فيه، ثم أسند ابن الجوزي عن علي بن الحسين قال: سمعت ابن المبارك يقول في حديث أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ قرأ سورة كذا فله كذا» قال ابن المبارك: أظن الزنادقة وضعته. وأسند ابن الجوزي عن محمود بن غيلان سمعت مؤملا يقول: حدثني شيخ بفضائل السور الذي يروى عن أبي بن كعب، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بالمدائن، وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوهم إلى القرآن. اهـ باختصار كلام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله. وجاء في «مقدمة علوم الحديث» للعلامة ابن الصلاح في «باب معرفة الحديث الموضوع» ص 59. مثال: روينا عن أبي عصمة- وهو نوح بن أبي مريم- أنه قيل له من أين لك عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذه الأحاديث حسبة. وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في فضل القرآن سورة فسورة. بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأن جماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم والله أعلم. اهـ. قلت: وممن أودعه الزمخشري في «كشافه» وتبعه البيضاوي تنبيه: قول ابن الصلاح «بحث باحث» هو مؤمل كما تقدم آنفا. وجاء في ألفية العراقي، في بحث «الموضوع» بعد أن ذكر أبيات:

فوائد عامة

نحو أبي عصمة إذ رأى الورى ... زعما نأوا عن القران فافترى لهم حديثا في فضائل السور ... عن ابن عباس فبئس ما ابتكر كذا الحديث عن أبي اعتراف ... راويه بالوضع وبئس ما اقترف وكل من أودعه كتابه ... كالواحدي مخطئ صوابه وقد شرح ذلك العلامة السخاوي في «فتح المغيث» (1/ 242) وذكر في ذلك كلاما، وأنه أورده الثعلبي والواحدي وابن مردويه، والزمخشري وابن أبي داود. وعلى كل حال هو موضوع، وإن كان له طرق عن أبيّ. اهـ. باختصار. وجاء في «منهاج السنة» للحافظ ابن تيمية (4/ 4) ما ملخصه: ما ينقله الثعلبي في «تفسيره» لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة من الأحاديث الموضوعة كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة وأمثال ذلك اهـ. باختصار. فتبين بقول هؤلاء الأئمة اتفاق الحفاظ على أن حديث فضائل القرآن سورة سورة إنما هو حديث موضوع مصنوع، وقد أورده الزمخشري في كشافه تبعا للثعلبي والواحدي وغيرهما. وقد تتبعته وذكرت في المواضع التي فرقه فيها أنه حديث موضوع، والحمد لله تعالى. فوائد عامة جاء في كتاب «مقدمة في أصول التفسير» للحافظ الإمام ابن تيمية ما ملخصه: فصل: في أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم بين لأصحابه معاني القرآن قال الله تعالى: لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44] فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين لهم معانيه كما بين لهم ألفاظه. ومن التابعين من تلقى القرآن كله عن الصحابة- كما قال مجاهد: عرضت القرآن، على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها. ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ولذا اعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وأحمد وغيرهم. والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم السنة. أ- فصل في اختلاف السلف في التفسير وهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. كتفسيرهم للصراط المستقيم- بأنه القرآن- أي اتباعه. وقال آخرون: هو الإسلام. فهذان القولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن. ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، لأن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. وإذا قال الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا، وقال آخر: نزلت في كذا فذكر سببا آخر فيمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب جميعا، ومن التنازع الموجود عنهم: أن يحتمل اللفظ للأمرين. إما لكونه مشتركا في اللغة كلفظ: (قسورة) [المدثر: 51] يراد به الراقي، ويراد به الأسد، ولفظ (عسعس) [التكوير: 17] يراد به إقبال الليل، وإدباره، والأمثلة كثيرة.

ب- فصل في نوعي الاختلاف في التفسير

ب- فصل في نوعي الاختلاف في التفسير النوع الأول: ما مستنده النقل أو بغير ذلك. والنقل: إما أن يكون عن المعصوم أو غيره فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه والضعيف منه ما لا يمكن. أما ما يحتاج إليه المسلمون فإن الله نصب على الحق فيه دليلا فمثال ما لا يفيد ولا دليل على صحته، اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي مقدار سفينة نوح، وفي الغلام الذي قتله الخضر واسمه. فمثل هذا المنقول عن كعب الأحبار، ووهب وابن إسحاق وغيرهم. ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه. إلا بحجة كما ثبت في الصحيح: «إذا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَا تَصْدِّقُوهُمْ ولا تكذبوهم فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما بباطل فتصدقوه» «فتح الباري» (5/ 323 و8/ 138) «ومسند أحمد» (4/ 136) ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره يشابه المنقول في المغازي والملاحم لذا قال الإمام أحمد: ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير، والملاحم، والمغازي، ويروى عنه: ليس لها أصل. أي إسناد. لأن الغالب عليها المراسيل مثل ما يذكره عروة والشعبي والزهري وابن إسحاق والواقدي ونحوهم. أما التفسير: فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء وعكرمة وابن جبير وغيرهم. والمراسيل: إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدا كانت صحيحة اتفاقا. وللناس في التفسير مذاهب: الطرف الأول: أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله لا يميز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث مقطوع بصحتها. وطرف ثان: يدّعي اتّباع الحديث لكن كلما وجد لفظا في حديث رواه ثقة يجعله دليلا له، ولكنه إذا وجد ما يخالف مذهبه أخذ يتكلف له ويتأوله. وكما أن هناك أدلة على القطع بصحة الحديث فإن هناك أدلة تقطع بكذب ما يرويه الوضاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل. مثل حديث «من صلّى ركعتين يوم عاشوراء له أجر كذا وكذا نبيا» في التفسير من هذه الموضوعات كثير. ومثل الحديث الذي يرويه الثعلبي والواحدي والزمخشري في فضائل السور سورة سورة، فهو موضوع باتفاق أهل العلم. والثعلبي: هو في نفسه فيه خير ودين، ولكنه كحاطب ليل ينقل من كتب التفسير الصحيح والضعيف والموضوع. والواحدي صاحبه، كان أبصر منه بالعربية، لكنه أبعد منه عن اتباع السلف، والبغوي: تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة.

ت- فصل: الموضوعات في كتب التفسير كثيرة

ت- فصل: الموضوعات في كتب التفسير كثيرة منها مثلا حديث علي، وتصدقه بخاتمة في الصلاة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم. ومثل ما روي: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] إنه علي، ومثل وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ [الحاقة: 12] أذنك يا علي!! النوع الثاني: الخلاف الواقع في التفسير من جهة الاستدلال لا من جهة النقل وهذا الخلاف وقع فيه ما بعد تابع التابعين لذا فالتفاسير التي مادتها أقوال الصحابة والتابعين تخلو من هذا الخلاف كتفاسير عبد الرزاق ووكيع بن الجراح وعبد بن حميد وعبد الرحمن بن دحيم، وتفسير الإمام أحمد وإسحاق وبقي بن مخلد وابن المنذر وابن عيينة وسنيد والطبري وابن أبي حاتم وأبي سعيد الأشج وابن ماجه وابن مردويه. أما ما بعدهم فهما صنفان: أحدهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها؟! والثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان ناطقا بالعربية فصيحا بكلامه، من غير ملاحظة المتكلم بالقرآن من هو، والمنزل عليه من هو، والمخاطب به من هو. - فالأولون: راعوا المعنى الذي ذهبوا إليه، وكثيرا ما يغلطون في صحة المعنى. - والآخرون: راعوا مجرد اللفظ وهؤلاء كثيرا ما يغلطون في حمل الألفاظ. والأولون صنفان: تارة يسلبون القرآن ما دل عليه وما أريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه وفي كلا الأمرين يكون ما رأوه باطلا. وكما وقع لهؤلاء في القرآن وقع لهم مقابله في الحديث ومن هؤلاء: الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة. فالمعتزلة مثلا من أعظم الناس كلاما وجدالا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير ابن كيسان وابن علية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب الجبائي والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار الهمذاني والجامع لعلم القرآن لعلي بن عيسى الرماني والكشاف للزمخشري فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة، وأصول المعتزلة خمسة يسمونها: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات، وقالوا: إن الله لا يرى، والقرآن مخلوق، ولا يقوم بالله علم ولا حياة ولا سمع ولا بصر ... إلخ. وأما عدلهم فمضمونه: أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها وأفعال العباد لم يخلقها، لا خيرها ولا شرها، ولم يرد إلا ما أمر به شرعا، وما سوى ذلك فإنه يقع بغير مشقة. ومن أصول المعتزلة واتفاقهم مع الخوارج في إنفاذ الوعيد في الآخرة، وأن الله لا يقبل في أهل الكبائر شفاعة، ولا يخرجون من النار. وقد رد عليهم المرجئة والكرامية والكلابية فأحسنوا في ردهم تارة وأساؤوا تارة. والمقصود: أن مثل هؤلاء رأوا رأيا فحملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. ومن هؤلاء من يكون حسن العبادة فصيحا ويدس البدع في كلامه كصاحب «الكشاف» ونحوه وبسبب دخول هؤلاء في الكلام دخلت الرافضة الإمامية والفلاسفة والقرامطة.

ث- تفسير القرآن بأقوال الصحابة

وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة فإنهم فسروا القرآن بأشياء غريبة كقول الرافضة في تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] : هما أبو بكر وعمر، وإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) [التوبة: 55] : هو علي، ويذكرون في ذلك الحديث الموضوع بإجماع أهل اعلم، وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة. ومما يقارب هذه الوجوه، ما يذكره كثير من المفسرين في مثل: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) [آل عمران: 17] . الصابرين: رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. الصادقين: أبو بكر، القانتين: عمر. المنفقين: عثمان. المستغفرين: علي. وفي مثل: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أبو بكر أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً [الفتح: 29] علي!؟ وأمثال ذلك من الخرافات التي تارة تتضمن تفسير اللفظ بما لا تدل عليه بحال، والصواب أن ما تقدم هي عدة صفات لموصوف واحد عام في كل مؤمن ومن البدع جعلهم اللفظ المطلق العام مختصا في شخص واحد. مثل: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: 55] هو علي، ومثل: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: 33] ، أبو بكر، ومثل: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ [الحديد: 10] أبو بكر، ونحو ذلك. «وتفسير ابن عطية» وأمثاله، أتبع للسنة من تفسير «الكشاف» وأسلم من البدعة، وتفسير الطبري من أجل التفاسير وأعظمها قدرا. وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول: فالصوفية مثلا والوعاظ والفقهاء، فقد يفسّرون القرآن بمعان صحيحة لكن القرآن لا يدل عليها، وذلك كالذي يذكره أبو عبد الرحمن السلمي في «حقائق التفسير» . ث- تفسير القرآن بأقوال الصحابة وذلك إذا لم تجد التفسير لآية في القرآن ولا في السنة رجعت إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى لما شاهدوه، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، كالخلفاء الأربعة وابن مسعود، وابن عباس. لذا فغالب ما يرويه إسماعيل السدي الكبير في «تفسيره» إنما عن ابن مسعود وابن عباس، ولكن ينقل عنهم ما يحكونه عن أهل الكتاب أحيانا، وقد أباح ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم «حدثوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» (هو بعض حديث أخرجه البخاري وأحمد والدارمي والترمذي، ولهذا كان عبد الله بن عمرو، قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منهما أحيانا. ج- والإسرائيليات ثلاث أقسام أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فهذا صحيح. الثاني: ما علمنا كذبه لكونه خالف ما عندنا. الثالث: مسكوت عنه، فلا نكذبه ولا نصدقه، وتجوز حكايته لما تقدم وغالب ذلك لا فائدة فيه تعود على الدين. ولذا يختلف علماء أهل الكتاب فيظهر هذا أثناء النقل عنهم مثل: أسماء أصحاب الكهف، ولون

ح- فصل في التفسير بأقوال التابعين

كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى، وأسماء الطيور التي أحياها إبراهيم عليه السلام ... إلخ، مما أبهمه القرآن لأنه لا فائدة في تعيينه، ونقل الخلاف عنهم جائز كما قال تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف: 22] الآية. فقد اشتملت هذه الآية على الأدب في هذا المقام وتعليم ما ينبغي فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة أقوال ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث فدل على صحته إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما، ثم أرشد إلى أن العلم بعدهم لا طائل تحته. فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف، وذلك بأن تستوعب الأقوال، ثم ينبه على الصحيح، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف. ح- فصل في التفسير بأقوال التابعين وذلك إذا لم نجد في القرآن والسنة ولا عن الصحابة فيرجع في ذلك إلى التابعين كمجاهد بن جبر، فإنه آية في التفسير، وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ البصري، وابن المسيب، وأبي العالية وغيرهم، قال شعبة بن الحجاج: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير، وهذا إذا اختلفوا أما إذا اتفقوا فهو حجة. خ- تفسير القرآن بالرأي فأما تفسير القرآن بالرأي فحرام، وفي الحديث: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . وأخرج الترمذي عن جندب مرفوعا: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فأصابه، فقد أخطأ» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ وروى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ عن أبي بكر، وقد سئل عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) [عبس: 31] فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كتاب الله ما لم أعلم. وروى أبو عبيد عن عمر أنه تلا هذه الآية وقال: هذه الفاكهة عرفناها فما الأب، ثم رجع إلى نفسه، فقال: إن هذا لتكلف يا عمر. ولذا روى أبو عبيد عن مسلم بن يسار قال: إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله، وما بعده. وروى أبو عبيد عن ابن المسيب أنه كان إذا سئل عن الحلال والحرام كان أعلم الناس، وإذا سئل عن آية سكت كأن لم يسمع. وروى الطبري عن ابن عباس قال: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب في كلامها، ووجه يعرفه كل الناس، ووجه لا يعلمه إلا العلماء، ووجه لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى ذكره اهـ. كلام ابن تيمية من «مقدمة في أصول التفسير» . وجاء في الأسئلة العشرة والأجوبة الفاضلة للكنوي ص 101: ما ملخصه: وقال ابن تيمية في «منهاج السنة» (414) ما ينقله الثعلبي في تفسيره لقد أجمع أهل العلم بالحديث أنه يروي طائفة في الأحاديث الموضوعة وهكذا الواحدي تلميذه. وقد أجمع أهل العلم بالحديث على أنه لا يجوز الاستدلال بمجرد خبر يرويه الثعلبي والنقاش والواحدي وأمثالهم، لكثرة ما يروونه من الحديث. ويكون ضعيفا بل موضوعا.

د- المفسرون المكثرون

قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في «التعليقات الحافلة» : والثعلبي له تفسير وعرائس المجالس في قصص الأنبياء، وهو مطبوع منتشر، وفيه بلايا وزايا!! وأما الواحدي: فله كتاب أسباب النزول، وهو مطبوع وله في التفسير ثلاثة كتب البسيط والوسيط والوجيز، وهذا الأخير طبع بمصر قال شيخ شيوخنا الكتاني: في تفسير الثعلبي وقصصه أحاديث موضوعة وقصص باطلة. قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: ومن الموضوع حديث فضائل السور سورة سورة، ذكره الثعلبي والواحدي في أوائل كل سورة، وذكره الزمخشري في أواخر كل سورة، وهو كذب باتفاق المحدثين. وقال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وقد سلك الحافظ ابن كثير في تفسيره مسلكا حسنا فبين علل الأحاديث وسرد أسانيدها وتكلم على رواتها ومع ذلك فقد ندّ منه بعض الأحاديث فأورده بسنده دون أن ينبه عليه مثال ذلك: حديث ثعلبة عند قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [التوبة: 75] فذكره بسنده من رواية ابن جرير وابن أبي حاتم، دون أن ينتقد سندها كعادته، وهي قصة تالفة، في إسنادها معان بن رفاعة قال البخاري: منكر الحديث، أي لا يحل الرواية عنه. هكذا يعني البخاري بقوله. لذا قال ابن حجر: ضعيف جدا. ومع ذلك يمكن أن نقول: أحسن التفاسير المسندة التي بين أيدينا تفسير ابن كثير ثم قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وقال ابن تيمية في كتابه «الرد على البكري» ص 8: إذا كان في تفسيري الثعلبي والواحدي ونحوهما الموضوع في الفضائل والتفسير ما لم يجز الاعتماد عليه فكيف بغيرها كتفسير أبي القاسم القشيري ابن صاحب الرسالة القشيرية. وأبي الليث السمرقندي، وحقائق- التفسير للسلمي فإن فيها ما يعلم أنه من أعظم الكذب؟! مع أن هؤلاء أهل دين وصلاح اهـ. د- المفسرون المكثرون 1- ابن عباس: هو أكثر الصحابة وأشهرهم تفسيرا للقرآن الكريم كان له مدرسة تخرج منها مجاهد وعكرمة وغيرهما. روى له الأئمة الستة: هو عبد الله بن عباس الإمام البحر عالم العصر، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، وله ثلاث عشرة سنة، وقد دعا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم الله أن يفقهه في الدين، ويعلمه التأويل. روى الأعمش عن أبي وائل: استعمل علي ابن عباس على الحج فخطب يومئذ خطبة، لو سمعها الترك والروم لأسلموا، ثم قرأ عليهم سورة النور فجعل يفسرها. توفي بالطائف سنة ثمان وستين اهـ. «تذكرة الحفاظ» (1/ 40) . 2- الحسن بن أبي الحسن بن يسار البصري: الإمام شيخ الإسلام أبو سعيد يقال: مولى زيد بن ثابت نشأ بالمدينة، وحفظ القرآن في خلافة عثمان، لازم الجهاد والعلم والعمل حدث عن عثمان والمغيرة وابن عباس، وحدث عنه قتادة وأيوب وابن عون. وقد أفردت في ترجمته جزءا سميته: الزخرف القصري، توفي سنة 110 وله ثمان وثمانون سنة اهـ. «تذكرة الحفاظ» (1/ 71) . 3- سعيد بن جبير: الكوفي المقرئ الفقيه أحد الأعلام سمع ابن عباس وابن عمر وطائفة، وعنه الأعمش وأيوب قتله الحجاج سنة: 95 لكونه قاتله مع ابن الأشعث وكان ابن عباس إذا حج أهل الكوفة وسألوه يقول: أليس فيكم سعيد بن جبير؟! وكان لا يدع أحدا يغتاب عنده. 4- مجاهد بن جبر: الإمام المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسر الحافظ، سمع سعدا وعائشة وأبا

هريرة وابن عمر وابن عباس ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن. روى عنه قتادة والأعمش وخلق. قال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت. روى عنه الأئمة الستة، توفي سنة (103) وقد بلغ ثلاثا وثمانين سنة اهـ. «تذكرة الحفاظ» للذهبي (1/ 92) . 5- عكرمة أبو عبد الله البربري: ثم المدني الهاشمي مولى ابن عباس، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة، وحدث عنه أيوب والحذاء وخلق، روى له الستة، قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وكان ابن عباس يضع الكبل في رجلي على تعليم القرآن والسنن. كان الحسن إذا قدم عكرمة البصرة أمسك عن التفسير والفتيا، ما دام عكرمة بالبصرة، قاله قرة بن خالد. توفي سنة 107 بالمدينة اهـ (تذكرة الحفاظ للذهبي) (1/ 95) . 6- قتادة بن دعامة: الحافظ العلامة البصري: الكفيف الأكمه المفسر حدث عن أنس وابن المسيب وخلق وحدث عن شعبة ومعمر. وقال ابن المسيب: ما أتاني عراقي أحفظ منه. توفي سنة 118 روى له الستة اهـ. تذكرة الحفاظ (1/ 122) . 7- كعب الأحبار: هو كعب بن ماتع الحميري من كبار أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكرة، ووفد في خلافة عمر، وأخذ عنه بعض الصحابة والتابعين، توفي في خلافة عثمان، وبعض النقاد في ريب منه، إذ استمر في رواية الإسرائيليات والأباطيل. 8- وهب بن منبه: هو الحافظ الصنعاني عالم اليمن، روى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وجابر وغيرهم، وعنده علم أهل الكتاب، وحديثه في الصحيحين والسنن إلا ابن ماجه، كان ثقة واسع العلم إلا أن أكثر من رواية الإسرائيليات، توفي سنة (114) . والآن أذكر جملة من المفسرين ممن تكلم فيهم. 9- مقاتل بن سليمان: هو البلخي المفسر، روى عن مجاهد والضحاك، وعنه علي بن الجعد وآخرون. قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة. وقال الشافعي: الناس عيال في التفسير على مقاتل بن سليمان، اهـ الميزان للذهبي (4/ 173) . 10- الضحاك بن مزاحم البلخي: المفسر، قال ابن عدي: إنما عرف بالتفسير، وأما رواياته عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ففيها نظر، ووثقه أحمد وضعفه القطان وكان شعبة ينكر أن يكون لقي ابن عباس، ومع ذلك وثقه يحيى وأحمد وأبو زرعة اهـ الميزان للذهبي (2/ 325) . 11- الكلبي: هو محمد بن السائب المفسر النسابة الأخباري، روى له الترمذي اهـ (الميزان للذهبي) (3/ 556) . قال الثوري: اتقوا الكلبي. فقيل له: أنت تروي عنه. فقال: أنا أعرف صدقه من كذبه. قال البخاري: قال المديني: قال الكلبي للثوري: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب- يقصد

ذ- أئمة التفسير بالأثر

عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس. قال ابن عدي: رضوه في التفسير، وأما الحديث فعنده مناكير. وقال ابن حبان: كان سبائيا يقول بالرجعة لعلي. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد: يحل النظر في تفسير الكلبي قالا: لا. وقال ابن معين: غير ثقة. كذبه الجوزجاني. قال ابن حبان: يروى عن أبي صالح عن ان عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به اهـ (الميزان للذهبي) (2/ 556) . 12- جويبر بن سعيد: هو البلخي المفسر صاحب الضحاك روى له ابن ماجه، قال النسائي والدارقطني وغيرهما: متروك. وقال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن القوم لتولعهم في الحديث ثم قال: جويبر والضحاك والكلبي لا يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم اهـ. (الميزان للذهبي) (1/ 427) . 13- السدي الكبير: روى له مسلم، وأصحاب السنن. وروى عن أنس وجماعة، وعنه الثوري وخلق. وثقه أحمد ولينه ابن معين، وقال ابن عدي: هو عندي صدوق مر النخعي بالسدي، وهو يفسر لهم القرآن فقال: أما إنه يفسر تفسير القوم. اهـ. (الميزان للذهبي) (1/ 236) . 14- السدي الصغير: محمد بن مروان يروي عن الأعمش وغيره، تركوه وبعضهم اتهمه بالكذب، وهو صاحب الكلبي. قال البخاري: سكتوا عنه اهـ. (الميزان للذهبي) (4/ 32) . 15- النقاش: محمد بن الحسن الموصلي المقرئ المفسر، قرأ بالروايات ورحل. وتعب واحتيج إليه. قال طلحة بن محمد الشاهد: كان النقاش يكذب في الحديث والغالب عليه القصص. وقال أبو القاسم اللالكائي: تفسير النقاش المسمى (شفاء الصدور) ، هو إشقاء الصدور اهـ (الميزان للذهبي) (3/ 520) . 16- الثعلبي: هو أحمد بن محمد أبو إسحاق النيسابوري: المفسر كان حافظا واعظا، رأسا في التفسير والعربية متين الديانة توفي سنة (427) هـ (العبر للذهبي) (2/ 255) . 17- الواحدي: هو علي بن أحمد النيسابوري تلميذ الثعلبي وأحد من برع في العلم، كان رأسا في العربية توفي سنة: (468) اهـ. (العبر للذهبي) (2/ 322) . ذ- أئمة التفسير بالأثر 1- عبد الرزاق الصنعاني: هو ابن همام الحافظ الحميري صاحب التصانيف، روى عن ابن جريج والأوزاعي والثوري وخلق، وعنه أحمد وإسحاق ويحيى، قال الذهبي: قلت: وثقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، وله ما ينفرد به، نقموا عليه التشيع، وما كان يغلو فيه، توفي سنة (211) هـ. (تذكرة الحفاظ) (1/ 364) . 2- النسائي: هو الإمام الحافظ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شعيب بن علي النسائي- نسبة إلى نسا- بلدة بفارس، له كتاب السنن الكبرى، والمجتبئ والتفسير، وخصائص علي، وغير ذلك من الكتب

دراسة حول الكتاب ومؤلفه

والمصنفات، توفي سنة (303 هـ) رحمه الله تعالى. 3- محمد بن جرير الطبري: الإمام الفرد الحافظ أبو جعفر، صاحب التصانيف من أهل طبرستان سمع ابن منيع وخلق، وحدث عنه الطبراني وآخرون. قال ابن خزيمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من ابن جرير، ولكن ظلمته الحنابلة. له كتاب التاريخ والتفسير والقراءات واختلاف العلماء وتاريخ الرجال وغيرهم، توفي سنة 310 هـ «تذكرة الحفاظ» (2/ 710) . 4- ابن المنذر: الحافظ العلامة الفقيه الأوحد أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ النيسابوري شيخ الحرم صاحب الكتب، لم يؤلف مثلها ككتاب المبسوط في الفقه وغيره، كان مجتهدا لا يقلد أحدا حدث عنه ابن المقرئ وغيره، وسمع ابن الصائغ وخلقا، توفي سنة 318 هـ (تذكرة الحفاظ) (3/ 772) . 5- ابن أبي حاتم: الإمام الحافظ الناقد شيخ الإسلام عبد الرحمن بن الحافظ الكبير أبي حاتم الرازي، ارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية، روى عنه أبو الشيخ ابن حيان، وآخرون توفي سنة (327) له كتاب «الجرح والتعديل» «والتفسير» في عدة مجلدات، «والرد على الجهمية» اهـ (تذكرة الحفاظ) (3/ 829) . دراسة حول الكتاب ومؤلفه 1- البغوي الإمام المفسر: - إن الطريقة التي اتبعها المؤلف في هذا التفسير هو أنه يفسر القرآن بالقرآن وبالحديث النبوي، وبالآثار الواردة عن الصحابة والتابعين، وبأقوال العلماء. - ويسرد عند كل سورة أو آية ما ورد في فضلها أو تفسيرها أو سبب نزولها. - ويتعرض للمعنى اللغوي، لكن باختصار. ويتعرض أيضا للقراءات لكن مع الاختصار، وقد تحاشى رحمه الله ما ولع به كثير من المفسرين من مباحث الإعراب والتطويل في ذلك والاستطراد في علوم وأبحاث لا تعلق لها بعلم التفسير. وربما ذكر الإسرائيليات من غير تعقيب، وأحيانا يورد الإشكال على ظاهر النظم فيجيب عنه، كما أنه ينقل الخلاف عن السلف في التفسير ويذكر الروايات عنهم في ذلك، من غير توهين لرواية أو تصحيح لأخرى. وقد قال واصفا الطريقة التي سلكها في مقدمته: «فَجَمَعْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ توفيقه كتابا وسطا بين الطويل المحل وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مريدا» . 2- البغوي الإمام المحدث: - إن الصورة التي تركها المصنف من خلال هذا التفسير هي أنه إمام محدث عالم به رواية ودراية. - أما الرواية فقد أسند أكثر الأحاديث المرفوعة الواردة في هذا التفسير. - وأما الدراية فقد تحرى في تلك الأحاديث الصحيح ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لذا روى الكثير من طريق البخاري وسائر الكتب المعتمدة.

- وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في «مقدمة في أصول التفسير» ص 19: والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والآراء المبتدعة. - وقال في «الفتاوى» 2/ 193 وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة: الزمخشري، أم القرطبي، أم البغوي؟ أم غير هؤلاء. فقال: أما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة البغوي، لكنه مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة والبدع التي فيه، وحذف أشياء غير ذلك. - قلت: وعامة ما يرويه صحيح أو حسن. - وربما روى الضعيف فمن ذلك: الحديث برقم: 17 و43 و58 و80 و106 و120 و157 و233 و414 و446 و450 و653 و1119. وربما روى الضعيف لكن أشار إلى ذلك حيث ذكره بصيغة التمريض فمن ذلك الحديث 38 و439 و917 ... - وربما روى الضعيف جدا: فمن ذلك الحديث برقم: 308 و439 و446 و488 و593 و628 و1131 و1144،،،- وربما روى الموضوع أو الباطل وهذا نادر جدا في هذا التفسير: فمن ذلك الحديث برقم: 580 و726 و812 و857 و1094 و891. - وأكثر ما يقع هذا النوع في أسباب النزول. - وربما روى حديثا مرفوعا لكن الراجح وقفه: فمن ذلك الحديث برقم: 6 و8 و414 و415 و447 و831 و1119 و1144. - وربما روى حديثا ضعيف الإسناد لكن له شواهد: فمن ذلك الحديث: 20 و104 و111 و259 و652 و865 و950 و994 ... - وربما روى حديثا بعضه صحيح، وبعضه ضعيف أو منكر: فمن ذلك الحديث برقم: 41 و45 و629 و1022 و1182. - وربما روى خبرا وهو منتزع من حديثين. فمن ذلك الحديث 871. - تنبيه: وما ذكرته من أمثلة على الأحاديث الواهية الواردة في هذا التفسير لا يعني الطعن بهذا الكتاب أو مؤلفه، بل هو حقا أقل التفاسير ذكرا للأحاديث الواهية والمنكرة. - بل عامة ما ساقه من هذه الأحاديث قد أشار إلى ضعفه فإما جرده عن الإسناد، أو ذكره بصيغة التمريض. أو ساق ما ورد مرفوعا على أنه موقوف ونحو ذلك. وقد قال رحمه الله في مقدمته: وما ذكرته مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ عَلَى وِفَاقِ آيَةٍ أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ، فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بيانه من السنة، وعليها مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ، فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الحديث. وقد ساق المصنف عامة الآثار الموقوفة والمقطوعة في أثناء الكتاب بدون إسناد، واكتفى بأنه ساق إسناده إلى هؤلاء الأئمة في أول الكتاب، قصد بذلك الاختصار.

3- البغوي الإمام اللغوي:

- ومع ذلك فقد أورد آثارا عن ابن عباس وغيره من وجوه وطرق ليست في أول الكتاب. ومما يؤخذ على المصنف رحمه الله نقله عن الكلبي ومقاتل وجويبر وغيرهم ممن هو متروك أو متهم بالكذب، لكن الظاهر أنه تابع غيره، فعامة المفسرين ينقلون عن هؤلاء وغيرهم. - وأكثر ما نقل عن هؤلاء هو في باب أسباب النزول. 3- البغوي الإمام اللغوي: إن الصورة التي تركها الإمام البغوي من خلال هذا التفسير هي أنه إمام لغوي، يفسر الآية، ويبين معناها بلفظ موجز سهل، بحيث يفهمه الطالب المتخصص وغير المتخصص. - وهو يعتمد الاختصار في مباحث النحو والإعراب فكتابه مختصر عن كتابي الثعلبي والواحدي. - وربما ذكر أقوالا عن أئمة اللغة مع العزو لقائله، وهذا قليل فمن ذلك: عند قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: 26] . فقال فَما فَوْقَها يَعْنِي: الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ فَمَا دُونَهَا كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. - وقال في الآية وَإِذْ قالَ رَبُّكَ [البقرة: 31] قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِذَا جَاءَ إِذْ مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا كقوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ [الأنفال: 30] يريد وإذا مكر، وَإِذَا جَاءَ إِذَا مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبَلًا، كَقَوْلِهِ: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ [النازعات: 34] وإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ أي: يجيء. - وقال في قول تعالى: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ ... [البقرة: 177] «وَالصَّابِرِينَ» : وَفِي نَصْبِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُهَا عَلَى تطاول الكلام ... وَقَالَ الْخَلِيلُ: نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ. - وقال عند قوله تعالى: فَرِهانٌ [البقرة: 283] «فرهان» : جَمْعُ رَهْنٍ، مِثْلُ: بَغْلٍ وَبِغَالٍ، وَجَبَلٍ وَجِبَالٍ، وَالرُّهُنُ جَمْعُ، الرِّهَانِ: جَمْعُ الْجَمْعِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ. - وقال أبو عبيدة وَغَيْرُهُ: هُوَ جَمْعُ الرَّهْنِ أَيْضًا مثل: سقف وسقف. 4- البغوي الإمام الفقيه: إن الصورة التي تركها المصنف من خلال هذا التفسير هي أنه إمام فقيه لكنه يعتمد الاختصار في ذلك كما ذكر في مقدمته. - فمن المسائل الفقهية التي سلك فيها الاختصار مسألة السعي بين الصفا والمروة. - فقال عند قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ... [البقرة: 158] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَوُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَهُوَ قول ابن عمرو وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. - وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَيْرَيْنِ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دم. - ثم أسند حديثين دليلا لمن أوجبه. - ومن ذلك ما ذكره في بحث أكل الميتة ونحو ذلك للمضطر، وذلك عند قوله تعالى: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ... [البقرة: 58] . - ومن الأبحاث التي اختصر فيها بحث الوصية عند الآية 180 من سورة البقرة ... إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ.

- الإمام البغوي والقراءات:

- ومن ذلك الكلام على اليمين والكفارة في سورة البقرة لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [البقرة: 225] . - وربما توسط في الأبحاث الفقهية: - فمن ذلك ما ذكره عند الْآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [البقرة: 178] حيث ذكر بحث القصاص من غير تطويل ولا اختصار. - ومن ذلك كلامه على الصوم في سورة البقرة آية 183. - ومن ذلك كلامه على مسألة الخمر وتحريمه في سورة البقرة، آية 219 يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ.... - ومن ذلك مسألة الحيض عند قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: 222] . ومن ذلك بحث الجماع عند الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... [البقرة: 223] . - ومن ذلك بحث الإيلاء عند الآية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) ... [البقرة: 226] . - وربما أطال في بعض الأبحاث: - ومن ذلك كلامه على الحج في سورة البقرة، آية: 197- 203 الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ.... - ومن ذلك الكلام على الطلاق ودواعيه عند الآيات وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... [البقرة: 228- 237] . 5 - الإمام البغوي والقراءات: - إن الصورة التي تركها المؤلف من خلال هذا التفسير هي أنه إمام مقرئ، يعتمد كثيرا ذكر القراءات لكنه اقتصر على القراءات المشهورة المتواترة، وقد قال رحمه الله في مقدمته عن ذلك: - وقد ذكرت في الكتاب قراءة من اشتهر منهم بالقراءات واختياراتهم ... ثم ذكر القراء المشهورة قراءتهم والمتواترة وقال عقب ذلك: فذكرت قراءة هَؤُلَاءِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بها. - فمن الأمثلة على اهتمامه بالقراءات: قوله عند الآية اهْدِنَا الصِّراطَ ... [الفاتحة: 6] . قرئ بالسين، رواه رويس عَنْ يَعْقُوبَ، وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ الصَّادُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. - وقال عند الآية قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا ... [البقرة: 13] . - قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ ... «السُّفَهَاءُ أَلَا» بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ هَمْزَتَيْنِ وَقَعَتَا فِي كَلِمَتَيْنِ اتَّفَقَتَا أَوِ اخْتَلَفَتَا، وَالْآخَرُونَ يُحَقِّقُونَ الْأُولَى، وَيَلِينُونَ الثَّانِيَةَ فِي الْمُخْتَلِفَتَيْنِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، فَإِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ مِثْلَ: «هؤلاء- أولياء- أولئك- وجاء أمر ربك» قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ وَالْقَوَّاشُ وَيَعْقُوبُ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَ قَالُونُ بِتَلْيِينِ الْأُولَى وَتَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ مَا يُسْتَأْنَفُ أَوْلَى بِالْهَمْزَةِ مما يسكت عليه.

- الإمام البغوي وعقيدته:

- وقال عند الآية قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً [البقرة: 67] . قرأ حمزة «هزوا وكفؤا» بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتثقيل، ويترك الهمزة حفص. - قوله: بالتثقيل: أي بالضم بدل السكون على الحرف قبل الأخير. - وقال عند الآية وَأَرِنا مَناسِكَنا.... قرأ ابن كثير «أرنا» سَاكِنَةَ الرَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالِاخْتِلَاسِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْإِسْكَانِ فِي «حم السَّجْدَةِ» وَأَصْلُهُ: أَرْئِنَا- فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إلى الراء. - وقال عند الآية فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ... قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ «إِنَّ اللَّهَ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ تَقْدِيرُهُ: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ: إن الله، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ بِإِيقَاعِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، قَرَأَ حَمْزَةُ «يبشرك» وبابه التخفيف كُلَّ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ: «فَبِمَ تبشرون» فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى تَشْدِيدِهَا، وَوَافَقَهُ الكسائي هاهنا في الموضعين ... - وقال عند الآية ... يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75] قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وحمزة «يؤده-، لا يؤده» سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ وَيَعْقُوبُ بِالِاخْتِلَاسِ كَسْرًا، وَالْبَاقُونَ بالإشباع كسرا ... 6 - الإمام البغوي وعقيدته: - إن الصورة التي تركها الإمام من خلال هذا التفسير هي أنه إمام عالم من أئمة أهل السنة، لكن اضطرب قوله في بحث الصفات، فتارة سلك من مسلك السلف وهو عدم التأويل، وتارة سلك الخلف، وهو التأويل. - أما ما سلك فيه مسلك السلف فهو قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: 54] فقال رحمه الله: وأوّلت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، فأما أهل السنة يقولون: الِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِلَا كَيْفٍ، يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْإِيمَانُ بِهِ، وَيَكِلُ الْعِلْمَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَأَلَ رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5) كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ مَلِيًّا وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَظُنُّكَ إِلَّا ضَالًّا، ثم أمر فأخرج. - وروي عن الثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وابن الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَتْ في الصفات والمتشابهات: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ. - وأما ما سلك فيه مسلك الخلق، وهو التأويل، فهو قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: 42] . فقال رحمه الله: قيل: عن ساق: عن أمر فظيع شديد ... - وكذا عند قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ [الفجر: 22] فقال رحمه الله: جَاءَ أَمْرُهُ وَقَضَاؤُهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ينزل حكمه. 7- الإمام البغوي المحقق المرجح: إن الصورة التي تركها المؤلف من خلال هذا الكتاب هي أنه يذكر قولا واحدا، أو أقوالا متعددة في تفسير الآية أو بيان معناها من غير ترجيح مع اختلاف واضطراب تلك الأقوال، وربما رجح وصوب أحد الأقوال، وهو يسير.

- الإمام البغوي والإسرائيليات:

فمن ذلك: - قوله عند الآية وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا [البقرة: 34] . فقال: « ... اسْجُدُوا» : فِيهِ قَوْلَانِ الْأَصَحُّ أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَتَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجل امتثال أَمْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وتحية لا سجود عبادة ... - وقيل: لَآدَمَ: أَيْ إِلَى آدَمَ، فَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً، وَالسُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى ... - ومن ذلك قوله عند الآية وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ... [آل عمران: 7] . - فقال: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ- الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ (وَالرَّاسِخُونَ) وَاوُ الْعَطْفِ، يَعْنِي أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وهذا قول مجاهد والربيع ... وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَاوَ، وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.... - قال: وهذا القول أَقْيَسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الآية. - وقال عند الآية قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ... [المائدة: 115] واختلف العلماء: هَلْ نَزَلَتْ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مجاهد والحسن: لم تنزل، فإن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَوْعَدَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ خَافُوا أَنْ يَكْفُرَ بَعْضُهُمْ فَاسْتَعْفُوا، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ. قال: وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ... وَلَا خُلْفَ فِي خَبَرِهِ ... 8 - الإمام البغوي والإسرائيليات: - لم يكثر الإمام البغوي من ذكر الإسرائيليات، ومن الأخبار التي أوردها، وهي من أخبار الأقدمين: - ما ذكره في شأن آدم وحواء ونزولهما من الجنة، وذلك عند قوله تعالى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا [البقرة: 36] فقد ذكر أخبارا مختصرة عن أئمة التفسير، ولم يذكر قصصا مطولة كغيره من المفسرين. - في حين ذكر خبرا مطولا عند قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: 50] . ومصدره كتب الأقدمين، وفيه مبالغات ومجازفات ظاهرة. - وكذا قصة هاروت وماروت في سورة البقرة، آية: 102. - ومن ذلك ما ذكره عند قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [البقرة: 127] . - ومن ذلك ما ذكره عند الْآيَةُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ ... [البقرة: 243] حيث نقل عن الكلبي ومقاتل وغيرهما ممن يروي عن أهل الكتاب. - وكذا عند الآية أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ... [البقرة: 246] . - وذكر خبرا مطولا في شأن قتل داود لجالوت عند الآية وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ... [البقرة: 251] .

ترجمة الإمام البغوي (436- 516)

- وذكر خبرا مطولا عند الآية أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ... [البقرة: 259] . - وذكر خبرا عند قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ... [آل عمران: 52] . - وذكر خبر نزول المائدة وما فيها وما عليها عند قوله تعالى: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ... [المائدة: 115] . ترجمة الإمام البغوي (436- 516) 1- التعريف به: هو الإمام الجليل العلامة الحافظ المسند الفقيه المفسر المقرئ، صاحب المصنفات التي اشتهرت في الآفاق، أحد من قام في عصره بنشر علوم الإسلام أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفراء البغوي. 2- نسبته: اشتهرت نسبته بالبغوي، وينسب أحيانا بالفراء أو ابن الفراء، نسبة لعمل أو بيع الفراء. - أما نسبته البغوي، فهي إلى «بغ» أو «بغشور» والنسبة إلى بغشور على غير قياس. - قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان» 1/ 467: بغشور بليدة بين هراة ومرو الرّوذ، شهر بهم من آبار عذبة، وهم في برية ليس عندهم شجرة واحدة، ويقال لها بغ أيضا، رأيتها في شهور سنة 616 والخراب فيها ظاهر، وقد نسب إليها خلق كثير من الأعيان. - وقال الفيروزآبادىّ: بغشور ... وهو معرب كوشور، أي الحفرة المالحة. - وقال الزبيدي في «تاج العروس» 2/ 54: وهذا تعريف غريب فإن- بغ- بالفارسية البستان، ولا ذكر للحفرة في الأصل، إلا أن يقال: إن أرض البستان دائما تكون محفورة. 3 - ولادته ونشأته وحياته العلمية: - ولد رحمه الله سنة 433 بذلك جزم ياقوت في «معجم البلدان» 1/ 467. - نشأ في بلدته بغشور، وبها طلب العلم أولا، فما زال يجد ويجتهد في تحصيل علوم الشريعة، وبخاصة تفقهه بمذهب الشافعي حتى كان يميل فيه إلى الترجيح والتحقيق، من غير تعصب لمذهبه بل كان يطلع على أقوال باقي الأئمة، ويتعرف على أدلتهم. - ومع ذلك كان يدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة. - ولم يكتف بما حصله من علوم في بلدته بل رحل في طلب المزيد، فرحل إلى مرو الرّوذ فالتقى هناك بالإمام الفقيه القاضي الحسين بن محمد المرورّوذي الشافعي فأخذ عنه، وتفقه عليه، ولازمه زمنا، وروى عنه. - ثم رحل وطاف بلاد خراسان كطوس وسرخس وغير ذلك، وسمع خلقا كثيرا من الحفاظ الأثبات، وروى عنهم كتب الصحاح والسنن والمسانيد والأجزاء، وجالس علماء اللغة وحمل عنهم الكثير.

4- وفاته:

- وكان البغوي يلقب بمحيي السنة، وركن الدين، وشيخ الإسلام، وقدره عال في الحديث والفقه والتفسير وسائر علوم الإسلام. 4- وفاته: توفي رحمه الله بمرو الرّوذ في شوال سنة ست عشر وخمسمائة (516) وهو الذي اختاره الذهبي في «التذكرة» (4/ 1258) وياقوت في «معجم البلدان» (1/ 468) وغيرهما، وهو الراجح. - وقال ابن خلكان في «الوفيات» 2/ 137 توفي سنة 510. 5- شيوخ الإمام البغوي: منهم: 1- الإمام القاضي أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن أحمد المرورّوذي المتوفى سنة 462. 2- أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أحمد المليحي الهروي المتوفى سنة 463. وقدم أكثر عنه في هذا التفسير. 3- أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ أَحْمَدَ الصيرفي النيسابوري المتوفى سنة 466. 4- أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ المنيعي المتوفى سنة 463. 5- أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الجويني المتوفى سنة 463. 6- أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصمد الترابي المتوفى سنة 463. 7- أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عبد الملك النيسابوري المتوفى سنة 465. 8- أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الملك النيسابوري المتوفى سنة 470. 9- أبو تراب عبد الباقي بن يوسف المتوفى سنة 492. وغيرهم كثير. 6- تلامذته: منهم: محمد بن أسعد الطوسي، ومحمد بن محمد الطائي، وهما من أشهر تلامذته، ورواة كتبه، وفضل الله بن محمد النوقاني، والحسن بن مسعود البغوي، وهو أخوه، وأبو مقاتل الديلمي مناور بن فزكوه، وعمر بن الحسن البكري والد الفخر الرازي. وأسعد بن محمد بن يوسف البامنجي، ومحمد بن عمر الشاشي، وغيرهم. 7- أقوال العلماء فيه: - قال عنه الإمام الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (4/ 1257) : - الإمام الحافظ الفقيه المجتهد محيي السنة أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الشافعي ... وبورك له في تصانيفه لقصده الصالح فإنه كان من العلماء الربانيين، كان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير، وكان يأكل كسرة وحدها، فعذلوه، فصار يأكلها بزيت ... - وقال الذهبي في «العبر» (1/ 406) في وفيات (516 هـ) : والبغوي محيي السنة الحسين بن مسعود المحدث المفسر، صاحب التصانيف وعالم خراسان، ... وكان سيدا زاهدا قانعا ... - وقال عنه تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية» (7/ 75- 77) كان إماما جليلا ورعا زاهدا فقيها محدثا مفسرا جامعا بين العلم والعمل، سالكا سبيل السلف ... ، له في الفقه اليد الباسطة ... - وقال عنه ابن كثير في «البداية والنهاية» (12/ 193) :

8- مؤلفات الإمام البغوي:

الحسين بن مسعود صاحب التفسير ... اشتغل على القاضي حسين، وبرع في هذه العلوم، وكان علامة زمانه، وكان دينا ورعا زاهدا عابدا صالحا ... - وقال عنه السيوطي في «طبقات المفسرين» (12- 13) : يلقب بمحيي السنة وركن الدين أيضا، كان إماما في التفسير، إماما في الحديث، إماما في الفقه ... وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة ... - وقال عنه ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» (4/ 48- 49) : المحدث المفسر صاحب التصانيف وعالم خراسان ... وقال ابن الأهدل: ... وهو صاحب الفنون الجامعة، والمصنفات النافعة مع الزهد والورع والقناعة ... - وقال عنه ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» (5/ 223) : الإمام الحافظ المحدث أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ البغوي المعروف بابن الفراء، كان إماما حافظا، رحل إلى البلاد، وسمع الكثير، وحدّث وألّف وصنف، وكان يقال له: محيي السنة. - وقال عنه ابن خلكان في «الوفيات» (2/ 136) : أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ ... وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، وروى الحديث ودرّس، وكان لا يلقي الدرس إلا وهو على طهارة ... - وقال عنه طاش كبرى زاده في «مفتاح السعادة» (2/ 102) كان إماما في الفقه والحديث، وكان متورعا ثبتا حجة صحيح العقيدة في الدين. - وقال الإمام الخازن في مقدمة تفسيره ص (3) : ... الشيخ الجليل والحبر النبيل الإمام العالم محيي السنة، قدوة الأمة، وإمام الأئمة، مفتي الفرق، ناصر الحديث، ظهير الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مسعود البغوي. 8- مؤلفات الإمام البغوي: 1- الأربعون الصغرى- ذكره الذهبي في «سير أعلام النبيلاء» 19/ 439. 2- الأنوار في شمائل النبي المختار- ذكره صاحب «كشف الظنون» (1/ 195) . 3- ترجمة الأحكام في الفروع على مذهب الشافعي- ذكره في «كشف الظنون» (1/ 397) . 4- التهذيب في الفقه- وهو على مذهب الشافعي أيضا. ذكره في «كشف الظنون» (1/ 517) والحموي في «معجم البلدان» (1/ 467) . 5- الجمع بين الصحيحين- ذكره ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (2/ 136) . 6- شرح جامع الترمذي- ذكره بروكلمان في ترجمة الإمام البغوي، وذكر أن منه نسخة في المدينة المنورة «بروكلمان» (6/ 244) . 7- شرح السنة- انظر «كشف الظنون» (3/ 1040- 1041) و «معجم البلدان» (1/ 467) ، وهو كتاب مطبوع متداول. 8- فتاوى البغوي- ذكره السبكي في «الطبقات» (4/ 214) وتوجد منه نسخة في المكتبة السليمانية رقم (675/ 3) . 9- الكفاية في فروع الشافعية- ذكره في «كشف الظنون» (2/ 1499) . 10- الكفاية في القراءة- ذكره في «كشف الظنون» (2/ 1499) .

وصف مخطوطات الكتاب

11- المدخل إلى مصابيح السنة- انظر تاريخ الأدب العربي- الترجمة العربية (6/ 235) ، ويوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة قولة بالقاهرة (1/ 94) . 12- مصابيح السنة- وهو مطبوع متداول، انظر «سير أعلام النبلاء» (9/ 440) و «هدية العارفين» (1/ 312) . 13- مشكل القرآن- ذكره ابن الفوطي في ترجمته في «تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب» (4/ 3/ 417) . 14- معالم التنزيل- وهو هذا التفسير الذي نحن في صدده. 15- معجم الشيوخ- ذكره في «كشف الظنون» (1735) السطر 21، وذكره صاحب «هدية العارفين» 312. وصف مخطوطات الكتاب لقد اعتمدنا في تحقيقنا لكتاب «معالم التنزيل» للإمام البغوي على نسختين خطيتين. - الأولى: وهي نسخة كاملة، تتألف من جزأين، الأول من المقدمة ثم سورة الفاتحة وحتى آخر سورة الإسراء. والثاني: من أول سورة الكهف وحتى آخر الناس. مكتوب بخط واضح مقروء، وربما وقع بياض أو محو أحيانا، سطرتها تتراوح 29 و31 سطرا، في كل سطر ما بين ثلاثة عشر إلى سبعة عشر كلمة، قطعها 30 22 سم. كتب الجزء الأول سنة 1191 وكتب الثاني سنة 1192. بداية التفسير فيه هذه العبارة: وقف لله تعالى على جميع طلبة العلم الشريف في سائر الوجوه مع بقاء بيد- هكذا ظاهر هذه العبارة- من كتابة وقراءة ودراسة. الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم للشيخ الإمام البحر الهمام الفقيه المحدث المفسر، ظهير الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مسعود البغوي، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ونفعنا به وبعلومه وأنفاسه الطاهرة في الدنيا والآخرة بإذن رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. - وكتب أيضا على هامش الكلام المتقدم: وقف مولانا الشيخ عبد الحي الحنفي، لا يباع، ولا يوهب، ولا يرهن، ولا يخرج من محله إلا لمن ينتفع به، ويعيده إليه. ثم كتب مقابل العبارة المذكورة: وقف مولانا الشيخ عبد الحي الحنفي مقره ببيته. - وجعل تحت ذلك ختم، وفيه عبارة غير واضحة. - وبداية الصفحة الأولى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعِزَّةِ والبقاء والرفعة والعلا والسّنا، تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نبيه وصفيه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء ... - وعلى الهامش تصويبات واستدراكات. - وكتب في آخره: تم الجزء الأول من تفسير سيدنا ومولانا شيخ الإسلام البغوي نفعنا الله ببركاته

والمسلمين أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء المبارك صبيحة يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول سنة 1091 هـ على يد الفقير عبد الرحمن البولاقي الأزهري القلفاط الشافعي. - والجزء الثاني من هذا المخطوط مطلعه: سورة الكهف مَدَنِيَّةٌ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عبده الكتاب) أثنى عَلَى نَفْسِهِ بِإِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ، وخص رسوله بِالذِّكْرِ لِأَنَّ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ كَانَ نِعْمَةً عَلَيْهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ ... وآخره تفسير سورة الناس، وعقب ذلك: تم كتاب تفسير الإمام القدوة شيخ المحدثين وحجة المحققين الإمام البغوي المعروف بالفرّاء، رحمه الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان- على يد الفقير إلى الله تعالى أحمد بن عبد الله البدري السيوطي، غفر الله له ولوالديه والمسلمين. بتاريخ يوم الأحد المبارك ثالث شعبان الذي هو من شهور سنة اثنتين وتسعين وألف بحمد الله وعونه وحسن توفيقه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله العلي العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا آمين. المخطوطة الثانية: وهي نسخة كاملة أيضا، وتتألف من ثلاثة أجزاء. الأول: من المقدمة وحتى آخر سورة الأنعام. والثاني: من بداية سورة الأعراف وحتى آخر الفرقان. والثالث: من بداية سورة الشعراء وحتى آخر سورة الناس. كتبت بخط مقروء لكن وقع في الجزء الثاني محو وبياض في حين وقع في الجزء الثالث سواد في مواضع كثيرة. كتب هذا المخطوط بأجزائه الثلاثة سنة 1193. الجزء الأول: عدد أوراقه 400، مسطرته 25 سطرا، في كل سطر ما بين 11 إلى 17 كلمة، مقاس (29 21 سم) . كتب على الصفحة الأولى ما نصه: الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم، للشيخ الإمام البحر الهمام ظهير الدِّينِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مسعود البغوي، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ونفعنا به وبعلومه وأنفاسه الطاهرة في الدنيا والآخرة. آمين، آمين، آمين. - وقف هذا الكتاب الشريف، وتصدق به ابتغاء وجه الله تعالى والكتاب المكرم الأمير أحمد آغا جاويش تقلجيان، لا يباع ولا يوهب ولا يرهن (فمن بدله بعد ما سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يبدلونه، وإن الله لسميع عليم) سنة 1193. - وجعل مقره بخزانته بجامع المرحوم شيخون العمري أول وقفه شيخون. - وبعد ذلك تاريخ غير واضح، وبعد ذلك كلمة غير واضحة أيضا وبداية التفسير ما نصه: - بسم الله الرّحمن الرّحيم، وبه ثقتي، وهو حسبي ونعم الوكيل، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ، السَّيِّدُ محيي السنة، ناصر الحديث، مفتي الشرق والغرب أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ ... - وآخره: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ سَرِيعٌ قريب، قيل: الهلاك في الدنيا، والآخرة العقاب لأعدائه (وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) قَالَ عَطَاءٌ: سَرِيعُ الْعِقَابِ لِأَعْدَائِهِ غَفُورٌ لِأَوْلِيَائِهِ، رحيم بهم.

- تم الجزء الأول من تفسير الإمام العلامة البغوي رحمه الله، ونفعنا به. - الجزء الثاني من المخطوط: عدد أوراقه 407 مسطرته 25 سطرا، في كل سطر ما بين 11 إلى 17 كلمة المقاس (21 29 سم) في بدايته محو وبياض في مواضع كثيرة، في الورقة الأولى محو وبياض، والعبارة الظاهرة من ذلك تدل على أنها مكررة عن مطلع الجزء الأول، والواضح من العبارة: باش جاويش تقلجيان، وجعل مقره بخزانة جامع شيخون، وتحت يد إمامه، تقبل الله منه ذلك بتاريخ سنة 1193. - أوله: سورة الأعراف بسم الله الرّحمن الرّحيم: (المص كِتَابٌ) أَيْ هَذَا كِتَابٌ (أنزل إليك) وهو القرآن.... - وآخره خاتمة سورة الفرقان وهو: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) وَقِيلَ: اللِّزَامُ عذاب القبر، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. آمين آمين. - الجزء الثالث من المخطوط: عدد أوراقه 432 المقاس 21 26 مسطرته 22 إلى 25 سطرا، في كل سطر ما بين 10 إلى 17 كلمة على الصفحة الأول ما نصه: الجزء الثاني من تفسير القرآن للإمام البغوي، نفع الله به في الدنيا والآخرة آمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليما، والحمد لله رب العالمين. آمين، آمين. وقف هذا الجزء وتصدق به ابتغاء لوجه الله تعالى وطلبا لمرضاته الأمير أحمد آغا باش جاويش تقلجيان وجعل مقره في خزانة جامع شيخون وتحت يد إمامه. تقبل الله منه ذلك. بتاريخ سنة 1193. أول وقف شيخون. - مطلع هذا الجزء: سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، مَكِّيَّةٌ إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْ آخَرِ السُّورَةِ مِنْ قوله (والشعراء يتبعهم الغاوون) وهي مائتان وسبع وعشرون آية ... - وآخره حديث: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أذن لنبيّ حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به» . والله أعلم. تم بحمد الله وعونه وحسن توفيقه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

صفحة عنوان الخطوطة «أ»

الصفحة الأولى من المخطوط «أ»

الصفحة الثانية من المخطوطة «أ»

الصفحة الثالثة من المخطوطة «أ»

الصفحة الرابعة من المخطوطة «أ»

صفحة العنوان من النسخة «ب»

الصفحة الأولى من النسخة «ب»

الصفحة الثانية من النسخة «ب»

عملنا في هذا الكتاب

عملنا في هذا الكتاب لقد اتبعنا في تحقيق هذا الكتاب النفيس الخطوات التالية: 1- طابقنا بين المخطوطتين والنسختين المطبوعتين، وتقدم الحديث عن ذلك، وقد أثبتنا في النص ما هو الراجح مع استدراك لبعض الكلمات أو العبارات، مع التقديم والتأخير أحيانا، وأشرنا إلى الفروق في المخطوط والنسخ غالبا، وربما أهملنا ذلك عند عدم الفائدة لئلا تثقل الحواشي، ويكبر الكتاب بما لا طائل تحته، بل ربما يؤدي ذلك إلى الغرور، وهذا لا يجوز. - تنبيه: ليعلم أن الحاشية تتألف من قسمين الأول منهما: تخريج الأحاديث مع تصويبات واستدراكات من كتب الحديث والأثر والتراجم والنسخة المطبوعة في دار طيبة ورمزت لها ب «ط» . - والحاشية الثانية تحتوي على التصويبات والاستدراكات التي مصدرها المخطوطتين. وسبب ذلك هو أني ابتدأت العمل أولا قبل وصول المخطوطتين فكنت أجد التحريف والسقط ونحو ذلك فأرجع في ذلك إلى كتب المؤلف وسائر كتب الحديث التي يروي المؤلف من طريقها فأصوب وأستدرك، ثم لما جاء المخطوط اضطررنا إلى حاشية ثانية لأن الأولى قد كتبت وسطّرت. - ويلاحظ أني في الجزء الأول وقبل وصول المخطوط كنتب أقصد بقولي ب «الأصل» النسخة المطبوعة في دار المعرفة، ولكن بعد ذلك أصبحت أعبر عن ذلك بقولي «المطبوع» . 2- خرجنا الأحاديث المرفوعة، وما له حكم الرفع، وما فيه سبب نزول، ونحو ذلك بالعزو إلى كتب المؤلف ثم إلى الطريق التي يروي عنها ثم إلى سائر كتب الحديث والأثر المعتبرة والمشهورة. 3- قمنا بدراسة الأسانيد والتنبيه على حال بعض الرواة ممن هو متكلم فيه، أو كان في الإسناد انقطاع ونحو ذلك من العلل. وأعني بقولي: صحيح على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما كون الشيخين أو أحدهما يروي لهؤلاء الرجال، وربما قلت: على شرط الصحيح، ومرادي بذلك أن في الإسناد من هو من رجال البخاري، وآخر من رجال مسلم، وربما بينت ذلك نصّا. 4- ذكرنا للحديث طرقا وشواهد ليتم بذلك الحكم على الحديث هل هو صحيح، أو حسن، أو ضعيف لكن يصح بطرقه وشواهده، أو لا إن كانت طرقه وشواهده واهية جدا. - وربما أحلت خشية الإطالة إلى بعض الكتب التي قمت بتخريجها. 5- رقمنا الأحاديث المسندة والمعلقة تسلسليا ليكون الترقيم متكاملا. 6- نبهنا على الروايات الإسرائيلية ونحو ذلك مما فيه نكارة، أو مجازفة، أو مخالفة لشريعتنا. 7- خرجنا الآيات الشواهد، وذلك بذكر اسم السورة، ورقم الآية. 8- خرجنا الشواهد الشعرية باختصار، وهي قليلة نسبيا. 9- شرحنا بعض المفردات الغريبة سواء في الشعر أو النثر. 10- ألحقنا الكتاب بفهارس للأحاديث المرفوعة مع ذكر ثبت المصادر والمراجع.

11- وضعنا للكتاب مقدمة مع فوائد تتعلق بالتفسير والمفسرين، أضف إلى ذلك ترجمة للإمام البغوي، ودراسة حول هذا الكتاب ومنهج المؤلف. - وفي الختام وبعد شكر الله تعالى، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر، وجميل الثناء لكل من كانت له يد مشكورة في هذا العمل الجليل. - هذا ما وفقني الله تعالى إليه، وأسأله وحده أن يقويني لإتمام مراجعته، وأن يسدد قلمي، ويجنبني الوهم والخطأ، وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل موفقا، وأن ينفع به، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ توكلت وإليه أنيب، وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلّى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغير) . وكتبه عبد الرزاق المهدي سورية- دمشق في 5 شعبان/ سنة 1419 هـ الموافق 24/ 12/ 1998 م

تفسير البغوي المسمّى معالم التّنزيل للأمام أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ البغوي الشافعي المتوفى سنة 516 هـ الجزء الأول تحقيق عبد الرّزّاق المهدي دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان

المقدمة

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم [قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ [1] السَّيِّدُ محيي [2] السنة، ناصر الحديث، مفتي الشرق والغرب، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفراء البغوي [3] رضي الله عنه وعن والديه] [4] : الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعِزَّةِ وَالْبَقَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالْعَلَاءِ وَالْمَجْدِ وَالثَّنَاءِ، تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ، وَالصَّلَاةُ والسّلام على نبيّه وحبيبه وَصَفِّيِهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِمَامِ الْأَتْقِيَاءِ عَدَدَ ذَرَّاتِ الثَّرَى وَنُجُومِ السَّمَاءِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ السَّلَامِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ، شَارِعِ الْأَحْكَامِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الَّذِي أَكْرَمَنَا بِدِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَنَّ عَلَيْنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ التَّحِيَّةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِكِتَابِهِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى حَبِيبِهِ وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ، عَدَدَ سَاعَاتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وعلى آله وأصحابه، عدد نُجُومِ الظَّلَامِ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَذِيرًا لِلْمُخَالِفِينَ، أَكْمَلَ بِهِ بُنْيَانَ النُّبُوَّةِ، وَخَتَمَ بِهِ دِيوَانَ الرِّسَالَةِ، وَأَتَمَّ بِهِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَ الْأَفْعَالِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ نُورًا هَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَأَنْقَذَ بِهِ مِنَ الجهالة، حكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسران لمن أعرض عنه بعد ما سمعه، وأعجز الْخَلِيقَةَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ، وَعَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ، ثم سهل عَلَى الْخَلْقِ مَعَ إِعْجَازِهِ تِلَاوَتَهُ وَيَسَّرَ عَلَى الْأَلْسُنِ قِرَاءَتَهُ، أَمَرَ فِيهِ وَزَجَرَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ وَذَكَرَ الْمَوَاعِظَ لِيُتَذَكَّرَ، وَقَصَّ عَنْ أَحْوَالِ الْمَاضِينَ لِيُعْتَبَرَ، وَضَرَبَ فِيهِ الْأَمْثَالَ لِيُتَدَبَّرَ، وَدَلَّ عَلَى آيَاتِ التَّوْحِيدِ لِيُتَفَكَّرَ، وَلَا حُصُولَ لِهَذِهِ الْمَقَاصِدِ إِلَّا بِدِرَايَةِ تَفْسِيرِهِ وَأَعْلَامِهِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْبَابِ نُزُولِهِ وَأَحْكَامِهِ وَالْوُقُوفِ عَلَى ناسخه ومنسوخه، ومعرفة خاصّه وَعَامِّهِ، ثُمَّ هُوَ كَلَامٌ مُعْجِزٌ وَبَحْرٌ عَمِيقٌ لَا نِهَايَةَ لِأَسْرَارِ علومه، ولا إدراك لِحَقَائِقِ مَعَانِيهِ، وَقَدْ أَلَّفَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ كُتُبًا كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ وَمَبْلَغِ علمه نظرا

_ (1) الظاهر أن لفظ «الْإِمَامُ الْأَجَلُّ السَّيِّدُ، مُحْيِي السُّنَّةِ، ناصر الحديث، مفتي الشرق والغرب» من كلام الراوي لهذا التفسير عن الإمام البغوي، أو هو من زيادات النساخ، فإن علماء الإسلام، لا يذكرون مثل هذه الألفاظ في معرض ذكرهم لأنفسهم، والله أعلم. (2) في الأصل «محي» والتصويب عن باقي النسخ. (3) قال العلامة ياقوت الحموي في «معجم البلدان» (467- 468) : بغشور: بضم الشين المعجمة، وسكون الواو، وراء: بليدة بين هراة ومرو الروذ. ويقال لها «بغ» أيضا، وقد نسب إليها خلق كثير من العلماء والأعيان، ومنهم الإمام أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفرّاء البغوي الفقيه صاحب التصانيف التي منها، «التهذيب» في الفقه على مذهب الشافعي، و «شرح السنة» و «تفسير القرآن» وكان يلقّب محيي السنة، ولد سنة 433 وتوفي سنة 516 اهـ باختصار. (4) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط- أ.

للخلق، فَشَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَهُمْ وَرَحِمَ كَافَّتَهُمْ. فَسَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي الْمُخْلِصِينَ- وَعَلَى اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ مُقْبِلِينَ- كِتَابًا فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ وَتَفْسِيرِهِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ، مُمْتَثِلًا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ع «1» أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» . وَاقْتِدَاءً بِالْمَاضِينَ مِنَ السَّلَفِ فِي تَدْوِينِ الْعِلْمِ إِبْقَاءً عَلَى الْخَلَفِ وَلَيْسَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ مَزِيدٌ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ تَجْدِيدِ مَا طَالَ بِهِ الْعَهْدُ، وَقَصُرَ لِلطَّالِبِينَ فِيهِ الْجِدُّ والجهد، تنبيها للمتوقفين وتحريضا

_ 1- ضعيف بهذا اللفظ. أخرجه الترمذي (2650 و2651) وابن ماجه (247 و249 وابن عدي (5/ 79) والطبراني في «الأوسط» (7055) والخطيب في «تاريخ بغداد» (14/ 387) و «موضح أوهام الجمع والتفريق» (2/ 392) ح 5 والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» 22 من طرق عن أبي هارون العبدي قال: كنا نأتي أبا سعيد، فيقول: مرحبا بوصية رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الناس لكم تبع وإن رجالا ... » بمثل سياق المصنف، وإسناده ضعيف جدا، فيه أبو هارون اسمه عمارة بن جوين، متروك الحديث، قاله النسائي، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال يحيى: ضعيف، وكذبه حماد بن زيد، وقال الذهبي: ليّن بمرة، راجع «الميزان» (6018) . وضعف الترمذي هذا الحديث بقوله: قال علي: قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون. وقال البوصيري في «الزجاجة» عمارة بن جوين، ضعيف باتفاقهم. قلت: تقدم أنه ضعيف جدا كما قال الذهبي، وكذبه حماد بن زيد والجوزجاني والسعدي وغيرهم. - وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه ابن ماجه 248، وفيه المعلى بن هلال، وهو متروك متهم، قال البوصيري في «الزوائد» كذبه أحمد وابن معين وغيرهما، شيخه إسماعيل بن مسلم اتفقوا على ضعفه اهـ. قلت: وله علة ثالثة: الحسن لم يلق أبا هريرة، ولم يسمع منه. وهذا الحديث في ذكر دخول الحسن بيت أبي هريرة. فالحديث لا شيء، وهو شبه موضوع. - وله شاهد ثالث بمعناه، أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (24) من طريق رواد بن الجراح عن المنهال بن عمرو عن رجل عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه: «إنه سيضرب إليكم في طلب العلم، فرحبوا ويسروا وقاربوا» وهذا إسناد ضعيف جدا. رواد بن الجراح، ضعيف، فهذه علة، وفيه راو لم يسمّ، فالحديث بشواهده يرقى إلى درجة الضعيف فحسب لشدة ضعف أسانيده. - وقد ورد عن أبي سعيد ليس فيه اللفظ المرفوع، أخرجه الحاكم (1/ 88 ح 298) والرامهرمزي 21 كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: «مرحبا بوصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوصينا بكم» وهذا إسناد لا بأس به، رجاله ثقات لكن الجريري اختلط بأخرة، وصححه الحاكم على شرط مسلم! وسكت الذهبي! وعلته اختلاط الجريري قبل موته بثلاث سنين، واسمه سعيد بن إياس. وأخرجه الرامهرمزي 20 من طريق بشر بن معاذ عن أبي عبد الله شيخ ينزل وراء منزل حماد بن زيد عن الجريري به، وإسناده ضعيف، فيه الجريري، وفيه أبو عبد الله جار حماد، وهو مجهول، راجع «الميزان» (3/ 367- 368) وله طريق آخر أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» برقم 23، وفيه يحيى بن عبد الحميد الحمّاني، كذبه أحمد، وضعفه الجمهور. - وورد عن أبي الدرداء نحو الوارد عن أبي سعيد من قوله، فقد أخرج الدارمي 1/ 99 عن عامر بن إبراهيم قال: كان أبو الدرداء إذا رأى طلبة العلم قال: مرحبا بطلبة العلم، وكان يقول: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى بكم، وفيه عامر بن إبراهيم هذا لم أجد له ترجمة. لكن يشهد هذا للوارد عن أبي سعيد دون اللفظ المرفوع. الخلاصة: اللفظ المرفوع الوارد في هذا الحديث ضعيف، لا يرقى عن درجة الضعف لشدة ضعف رواته، وأما كلام أبي سعيد، فهو من نوع الحسن، ويشهد له الوارد عن أبي الدرداء، والله أعلم.

لِلْمُتَثَبِّطِينَ، فَجَمَعْتُ- بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ- فِيمَا سَأَلُوا كِتَابًا وَسَطًا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ، وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مُرِيدًا. وَمَا نَقَلْتُ فِيهِ مِنَ التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ مِثْلِ: مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ [1] وَقَتَادَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْكَلْبِيِّ وَالضَّحَّاكِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَالسُّدِّيِّ وغيرهم، فأكثرها مما أخبرنيه الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [2] الشُّرَيْحِيُّ الْخُوَارَزْمِيُّ فِيمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ [رَحِمَهُمُ اللَّهُ] [3] . أَمَّا تَفْسِيرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ- الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم: ع «2» «اللهمّ علّمه الكتاب» ، وقال: ع «3» «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» . قَالَ [4] أَبُو إِسْحَاقَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ [5] ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيِّ عَنْ عبد الله بن عباس [6] :

_ (1) زيد في المطبوع وفي النسخة المصرية، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَيْسَ فِي المخطوط ونسخة «ط» والظاهر أنها مقحمة، ولا تصح، فقد تقدم ذكر أربعة من أئمة التابعين ومشاهيرهم، فلو صح ثبوتها لكان الصواب «رضي الله عنهم» فتنبه، والله أعلم. (2) في المطبوع «محمد» . (3) زياد عن «ط» . 2- صحيح. أخرجه البخاري 75 و3756 و270 والترمذي 3824 وابن ماجه 166 وأحمد 1/ 214 وفي «الفضائل» (1835 و1923) وابن حبان 7054 والطبراني في «الكبير» (10588) من طرق عن خالد الحذاء عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: ضمني رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، وقال: «اللهم علمه الكتاب» لفظ البخاري بحرفيته. وجعل بعضهم «الحكمة» بدل «الكتاب» هكذا رواية الترمذي وابن حبان وغيرهما. والله أعلم. 3- صحيح، أخرجه البخاري 143 ومسلم 2477 وأحمد (1/ 327) وابن حبان 7053 والطبراني في «الكبير» 11204 كلهم عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يزيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الخلاء، فوضعت له وضوءا، قال: من وضع هذا، فأخبر، فقال: «اللهم فقهه في الدين» لفظ البخاري بحروفه. ورواية مسلم «اللهم فقهه» ليس فيه «في الدين» وزاد مسلم بعد «وضوءا» ، «فلما خرج» . والله تعالى أعلم. (4) وقع في الأصل وبعض النسخ «وقال» والمثبت عن «ط» وهو يوافق باقي ألفاظ المصنف الآتية، مع أن الأولى أن يقال: «فقال» لأن- أما- حرف شرط وتفصيل- ويقترن جوابها بالفاء. كما هو مقرر في كتب النحو، والآيات في ذلك كثيرة من ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى (37) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (41) [النازعات: 37- 41] وكذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [فصلت: 17] والآيات في ذلك كثيرة، والله الموفق. (5) وقع في الأصل وبعض النسخ «الطوائفي» وهو تصحيف ظاهر، والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (6) هذا الإسناد إلى ابن عباس ضعيف، وله علتان: الأولى: ضعف عبد الله بن صالح. قال عنه الذهبي في «الميزان» 4383، هو صاحب حديث، وله مناكير. قال أحمد: كان أول أمره متماسكا، ثم فسد بأخرة، وقال أبو حاتم: صدوق أمين ما علمته، أخرج أحاديث في آخر عمره أنكروها، نرى أنها مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وقال صالح جزرة: كان يحيى يوثقه، وهو عندي يكذب في الحديث وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: كان في نفسه صدوقا، إنما وقعت المناكير في حديثه من قبل جار له. سمعت ابن خزيمة يقول: كان له جار بينه وبينه عداوة، كان

وَقَالَ [1] : أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ [بْنُ مُحَمَّدِ] بْنِ حَبِيبٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرَوَيْهِ [2] الْمَازِنِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سعد [3] بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عطيه بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عطيه، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عطيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [4] . وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن إِبْرَاهِيمَ الصَّرِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْخَضِرِ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ السِّنْجِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الحسين بن واقد [عن أبيه] [5] عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عن ابن عباس [6] .

_ يضع الحديث على شيخ عبد الله بن صالح، ويكتبه بخط يشبه خط عبد الله، ويرميه في داره، فيتوهم أنه خطه فيحدث به. وقال ابن عدي: هو عندي مستقيم الحديث، إلا أنه يقع في أسانيده ومتونه نمط، ولا يتعمد اهـ. ملخصا، وانظر «المجروحين» (2/ 40- 41) فمن كانت هذه حاله لا يحتج به، وهو ضعيف. وله علة ثانية: وهي الانقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عباس، قال الذهبي في «الميزان» (5870) : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ مجاهد وأبي الودّاك وراشد بن سعد، أخذ تفسير ابن عباس عن مجاهد، فلم يذكر مجاهدا بل أرسله عن ابن عباس قال أحمد: له أشياء منكرات. وقال النسائي: لا بأس به. وقال دحيم: لم يسمع علي بن أبي طلحة التفسير عن ابن عباس. قال الذهبي: روى معاوية بن صالح عنه عن ابن عباس تفسيرا كبيرا ممتعا اهـ ملخصا. وقال الحافظ في «تهذيب التهذيب» (7/ 298) : روى عن ابن عباس، ولم يسمع منه، بينهما مجاهد. الخلاصة: فهذا الإسناد إلى ابن عباس. بهذه السلسلة ضعيف لا يحتج به. [.....] (1) أي الثعلبي، شيخ شيخ البغوي. (2) في الأصل «نضروية» والمثبت عن «ط» والمخطوط «أ» . (3) وقع في كافة نسخ المطبوع «سعيد» والتصويب عن «الأنساب» للسمعاني (4/ 258) والطبري 1036 وكتب التراجم. (4) هذا الإسناد إلى ابن عباس بهذه السلسلة، ضعيف جدا. وله ثلاث علل: فيه الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، قال الذهبي رحمه الله في «الميزان» (1991) : ضعفه يحيى بن معين وغيره، وقال ابن حبان يروي أشياء، لا يتابع عليها، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال النسائي: ضعيف، فهذه علة، وشيخه الحسن بن عطية العوفي. قال عنه الذهبي في «الميزان» (1889) : قال البخاري: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ضعيف وقال عنه الحافظ في «التقريب» (1256) : ضعيف، فهذه علة ثانية، وشيخه عطية بن سعد العوفي، قال عنه الذهبي في «الميزان» (5667) : تابعي شهير ضعيف، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ضعيف. وقال ابن معين: صالح، وقال أحمد: ضعيف. وقال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنّى بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد. قال الذهبي: يوهم أنه الخدري، وقال النسائي وجماعة: ضعيف. وقال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (7/ 200- 201- 202) ما ملخصه: قال مسلم بن الحجاج: قال أحمد وذكر عطية العوفي: ضعيف الحديث ثم قال: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، ويسأله عن التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد، وكان هشيم يضعفه. قال أحمد: وحدثنا أبو أحمد الزبيري: سمعت الكلبي يقول: كناني عطية، أبو سعيد، وقال الجوزجاني: مائل. وقال أبو حاتم: ضعيف، يكتب حديثه، وقال ابن حبان: لا يحل كتب حديثه إلا على سبيل التعجب اهـ. فمن كانت حاله حالة لا يحتج برواياته سواء عن ابن عباس أو غيره، وبهذا يتبين شدة ضعف هذه السلسلة إلى ابن عباس، والله أعلم. (5) زيادة عن كتب التراجم، علي بن الحسين ليس له رواية عن يزيد النحوي، وإنما يروي عنه بواسطة أبيه، وانظر الكلام الآتي. (6) هذا الإسناد إلى ابن عباس، بهذه السلسلة لا بأس به. سليمان بن داود السنجي- وسنج من نواحي مرو- صدوق روى له مسلم وغيره، وشيخه علي بن الحسين بن واقد، قال الذهبي في «الميزان» (5824) : قال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وقال النسائي وغيره: لا بأس به، وذكره العقيلي في «الضعفاء» وقال: مرجئ. وانظر «تهذيب الكمال»

وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ [1] الْمَكِّيِّ قَالَ: [أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، قَالَ: أَنَا] [2] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَطَّةَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ زَكَرِيَّا، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ [3] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ: قال: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ، ثَنَا أَبُو [4] عَبْدِ الرَّحْمَنِ [أَحْمَدُ] [5] بْنُ يَاسِينَ بْنِ الْجَرَّاحِ الطبري، أنا أبو محمد بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ [6] الدِّمْيَاطِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيِّ [7] ، عَنِ ابْنِ [8] جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رباح [9] .

_ (20/ 406/ 4052) ، وشيخه الحسين بن واقد، ثقة له أوهام، روى له مسلم وأصحاب السنن، راجع «تهذيب الكمال» (6/ 491/ 1346) ، وشيخه يزيد النحوي هو ابن أبي سعيد أبو الحسن القرشي ثقة روى له أصحاب السنن، راجع «التقريب» وكتب الرجال، وعكرمة هو أبو عبد الله، مولى ابن عباس، تابعي ثقة ثبت عالم التفسير، روى له الأئمة الستة، راجع «التقريب» (4673) وكتب التراجم. فهذه السلسلة أمثل من سابقتيها. الخلاصة: هذه الطريق الأخيرة لا بأس بها، وأما التي قبلها، فلا حجة فيها، وكذا التي قبلها واهية، فمن هنا تجد بعض الروايات المنكرة الواردة عن ابن عباس، فهي بسبب هذه الأسانيد، وهناك سلسلة الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي كذاب متروك، وأبو صالح اسمه باذام، أقر أنه كان يكذب على ابن عباس، وهناك سلسلة جويبر بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس، وهذه واهية ليست بشيء. جويبر متروك، والضحاك لم يلق ابن عباس، فهذه الطرق واهية جدا ليست بشيء. وهي أسوأ حالا من رواية عطية العوفي، ورواية علي بن أبي طلحة. وانظر المقدمة. والله تعالى أعلم. (1) وقع في الأصل «خبر» وهو تصحيف من النساخ. (2) زيادة عن «ط» وبها يستقيم الإسناد، وإلا فهو منقطع. ويلاحظ أن فاعل قال هو الثعلبي رحمه الله، وكذا هو في الأسانيد الآتية، فتدبّر والله الموفق. (3) الإسناد إلى مجاهد ضعيف، وعلته مسلم بن خالد الزنجي، حيث ضعفه البخاري وأبو حاتم وأبو داود وعلي المديني وغيرهم، واضطرب فيه قول يحيى بن معين، فقد وثقه في رواية، وضعفه في أخرى، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. واختار الذهبي قول من ضعفه. وهو الذي عليه الجمهور، لكن قد روى تفسير مجاهد غير واحد عن ابن أبي نجيح، وهو مطبوع متداول، وروايته أصح ما ورد عن مجاهد في التفسير، وابن أبي نجيح هو عبد الله، ثقة روى له الأئمة الستة، واسم أبيه يسار. (4) زيد في الأصل بعد- أبو- «القاسم» وهو خطأ. (5) زيادة عن «ط» . (6) وقع في نسخ المطبوع بعد «محمد» زيادة «بن» أي: أبو محمد بن بكر بن سهل. والتصويب عن «الميزان» (1/ 345) وكتب التراجم. ووقع أيضا في الأصل «مستهل» وهو تصحيف، والتصويب عن «الميزان» وكتب التراجم، ونسخة «ط» . (7) في الأصل «الصفاني» والتصويب عن «ط» و «الميزان» وكتب التراجم، وانظر ترجمته فستأتي. [.....] (8) وقع في الأصل «أبي» بدل «بن» وهو خطأ ظاهر. (9) هذا الإسناد إلى عطاء ضعيف جدا، له علل: بكر بن سهل أبو محمد الدمياطي، مقارب الحال، قال النسائي: ضعيف اهـ. «الميزان» (1/ 345) باختصار. وشيخه عبد الغني بن سعيد هو الثقفي. قال الذهبي في «الميزان» (2/ 642) : حدث عنه بكر بن سهل الدمياطي وغيره. ضعفه ابن يونس. وشيخه موسى بن عبد الرحمن الصّنعاني، قال عنه الذهبي في «الميزان» (4/ 211) : ليس بثقة، قال عنه ابن حبان: دجال، وضع على ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كتابا في التفسير، وقال ابن عدي: منكر الحديث، ويعرف بأبي محمد المفسر، ثم ساق له ابن عدي أحاديث، وقال: هذه بواطيل اهـ. فهذا الطريق إلى عطاء ليس بشيء، واه بمرة، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز، ثقة روى له الأئمة الستة.

وأما تَفْسِيرُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ [بْنُ مُحَمَّدِ بن عبد الله الْمُكْتِبِ، حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّلْتِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شَنَبُوذَ الْمُقْرِئُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا الْمُسْتَهِلُّ] [1] بْنُ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ. وَأَمَّا تَفْسِيرُ قَتَادَةَ: قال: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ بن محمد الأصبهاني، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ محمد الْهَرَوِيُّ، ثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ الْحَرْبِيُّ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ [2] الْحُسَيْنُ بْنُ محمد المرّوذي [3] ، ثَنَا شَيْبَانُ [4] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَبِيبِيُّ، أَنَا أَبُو زكريا العنبري، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ [5] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَاسْمُهُ رُفَيْعُ بْنُ مِهْرَانَ: قَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُفَسِّرُ أَنَا أَبُو عَمْرٍو [6] أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْعَمْرَكِيُّ بِسَرَخْسَ [7] ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إبراهيم بن مزيد [8] السّرخسي أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ] [بْنُ] مُوسَى الْأَزْدِيُّ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ [10] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرَظِيِّ: قَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بن حبيب [قال] [11] ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَرَوِيُّ، ثَنَا رَجَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ [12] .

_ (1) ما بين المعقوفتين في الأصل «الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بن الملكيب، حدثني أبي، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد الصلة المعروف بابن شبود الْمُقْرِئُ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثنا المنهل» . وما أثبته هو من نسخة «ط» . وهذا الإسناد إلى قتادة ضعيف لأجل عمرو بن عبيد، فإنه متروك الحديث، وهو رأس المعتزلة. (2) وقع في الأصل «محمد» والتصويب عن «التهذيب» (2/ 315) ونسخة «ط» . (3) وقع في نسخ المطبوع «المروزي» وهو تصحيف، قال الحافظ في «التقريب» (1345) : الحسين بن محمد أبو محمد المرّوذي- بتشديد الراء وبذال معجمة- وانظر: «التهذيب» (2/ 315) . (4) وقع في الأصل «شبان» وهو تصحيف ظاهر. (5) الإسناد إلى قتادة من كلا الطريقين حسن. (6) زيادة عن «ط» . (7) وقع في الأصل «بن حسن» وهو تصحيف، والتصويب عن «ط» . (8) في نسخة- ط- «يزيد» بدل «مزيد» . (9) زيد في الأصل «محمد» بعد «الحسن» والتصويب عن «ط» . (10) الإسناد إلى أبي العالية فيه لين، عبد الله بن جعفر هو الرازي قال الذهبي عنه في «الميزان» (2/ 404) : قال محمد بن حميد الرازي: سمعت منه عشرة آلاف حديث، فرميت بها، كان فاسقا. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صدوق. وقال ابن عدي: من أحاديثه ما لا يتابع عليه. وأبوه عيسى بن أبي عيسى أبو جعفر الرازي، قال عنه الذهبي في «الميزان» (3/ 319- 320) : قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي، وقال علي المديني: ثقة كان يخلط، وقال الفلاس: سيّئ الحفظ. (11) زيد في المطبوع بدل قال «عن أبي» وليس في المخطوطتين. (12) الإسناد إلى محمد بن كعب القرظي ضعيف لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي، وفيه أيضا مالك بن [.....]

وَأَمَّا تَفْسِيرُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أحمد بن كامل بن خَلَفٍ أَنَّ [1] مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ حَدَّثَهُمْ [2] ، قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ [3] ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ [4] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: فَقَدْ قَرَأْتُ بِمَرْوَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أَنَا أَبُو مَسْعُودٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْخَطِيبُ الْكُشْمِيهَنِيُّ [5] ، فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، قَالَ: أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بن محمد بن معروف الهرمز فرهي [6] ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ الْمُفَسِّرُ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ وصالح بن محمد السمرقنديان، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ [السُّدِّيُّ] [7] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الكلبي [8] أبي النضر عن أبي صالح [9] باذام [10] مَوْلَى أَمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طالب عن ابن عباس [11] .

_ سليمان الهروي، ضعفه الدارقطني (1) وقع في الأصل: «بن» والتصويب عن «ط» . (2) وقع في الأصل «حدثتهم» والتصويب عن «ط» . (3) وقع في الأصل «الصيرفي» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (4) الإسناد إلى زيد بن أسلم ضعيف، لضعف عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسلم. وبقية رجال الإسناد ثقات، رجال البخاري ومسلم خلا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ فهو من رجال مسلم. تنبيه: يلاحظ أن هذا الإسناد هو للبغوي، وليس من طريق الثعلبي، لأن المروزي هذا شيخ البغوي. (5) وقع في الأصل «الكشمهيني» والتصويب عن «ط» و «الأنساب» . (6) وقع في الأصل «الهرمروزي» والتصويب عن «ط» و «اللباب» (3/ 385) . (7) ما بين المعقوفتين زيادة من «ط» وكتب التراجم. (8) زيد في الأصل «عن» بين «الكلبي» و «أبي النضر» والتصويب عن كتب التراجم. (9) زيد في نسخ المطبوع «أنا» بين «أبي صالح» و «باذام» والتصويب عن كتب التراجم. (10) وقع في الأصل «ذاذان» والتصويب عن كتب التراجم. ويقال له أيضا «باذان» بالنون بدل الميم. انظر ترجمته الآتية. (11) هذا الإسناد إلى ابن عباس بهذه السلسلة مركب مصنوع، وهي سلسلة الكذب على ابن عباس. وله ثلاث علل: - الأولى: محمد بن مروان السدي الصغير قال عنه الذهبي في «الميزان» (4/ 32) : تركوه واتهمه بعضهم بالكذب. قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه لا يكتب حديثه البتة اهـ. وقال الحافظ في «التقريب» (6284) : متهم بالكذب. - والثانية: محمد بن السائب الكلبي متروك متهم. قال الذهبي في «الميزان» (3/ 556) ما ملخصه: قال سفيان: قال الكلبي: قال لي أبو صالح انظر كل شيء رويت عني عن ابن عباس فلا تروه. وقال البخاري: تركه يحيى وابن مهدي ثم قال البخاري: قال علي: حدثنا يحيى عن سفيان قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب. وقال يزيد بن زريع: حدثنا الكلبي- وكان سبائيا- قال أبو معاوية: قال الأعمش اتق هذه السبائية، فإني أدركت الناس، وإنما يسمونهم الكذابين. وقال ابن حبان: كان الكلبي سبائيا من أولئك الذين يقولون إن عليا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلا كما ملئت جورا، وإن رأوا سحابة قالوا أمير المؤمنين فيها. - وقال التبوذكي: سمعت هماما يقول: سمعت الكلبي يقول: أنا سبائي. - وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحل النظر في تفسير الكلبي؟ قال: لا. - وقال عباس الدوري عن ابن معين، قال: الكلبي ليست بثقة، قال الجوزجاني وغيره: كذاب وقال الدارقطني وجماعة: متروك.

وَأَمَّا تَفْسِيرُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ الهلالي: [قال الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ] [1] ، ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ السدوسي، ثنا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ العمركي بن حسن [2] ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ] سَوَّارٍ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ، ثَنَا أَبُو معاذ، عن عبيد بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ [3] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حامد الوزان، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ، ثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ الْفَرَّاءُ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بن معروف البلخي الأزدي [4] ، أَبُو مُعَاذٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ [5] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إبراهيم بن محمد المهرجاني، [قال:] أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الخالق بن الحسن بْنِ مُحَمَّدٍ السَّقْطِيُّ [6] الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي رُؤْبَةَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن ثابت بن

_ - وقال ابن حبان: مذهبه في الدين، ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه. يروي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس التفسير. وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلى الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها. - لا يحل ذكره الكتب، فكيف الاحتجاج به. - والثالثة: أبو صالح واسمه باذام ويقال «باذان» قال الذهبي «الميزان» (1/ 296) ما ملخصه: ضعفه البخاري، وقال النسائي: ليس بثقة، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يذكر عن سفيان قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: كلما حدثتك كذب. وانظر: «تهذيب التهذيب» (1/ 365) . (1) ما بين المعقوفتين في الأصل «قال: أنا أستاذ إسحاق الثعلبي» وفيه تخليط من النساخ. والعبارة في «ط» «قال: أنا الأستاذ إسحاق الثعلبي» وليست العبارة مستقيمة أيضا، والمثبت من المخطوطتين هو الصواب، فإن البغوي رجع في هذه السلسلة إلى كلام الثعلبي الذي تقدم قبل رواية الكلبي المتقدمة، ويؤيد ذلك هو أن أبا القاسم الحسن بن محمد هو شيخ الثعلبي لا البغوي. راجع الأسانيد المتقدمة، والله أعلم، ويؤيده أيضا الروايات الآتية، فإنها للثعلبي، والله الموفق. [.....] (2) وقع في الأصل «بن حسن» والمثبت عن «ط» وتقدم مثله آنفا. (3) الإسناد إلى الضحاك لا بأس به، رجاله ثقات. أبو معاذ هو الفضل بن خالد النحوي، وثقه ابن حبان وعبيد الله سليمان، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووهاه ابن معين. وأما الضحاك بن مزاحم، فإنه أكثر الرواية عن ابن عباس، وهو لم يلقه. قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» : وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة، قال أبو قتيبة عن شعبة، قلت لمشاش الضحاك سمع ابن عباس؟ قال: ما رآه قط. وقال سلمة بن قتيبة: عن شعبة حدثني عبد الملك بن ميسرة قال: الضحاك لم يلق ابن عباس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري، فأخذ عنه التفسير. وقال علي المديني قال يحيى بن سعيد: كان الضحاك عندنا ضعيفا اهـ ملخصا. قلت: فمن هذا القبيل، يرد روايات منكرة في التفسير عن ابن عباس، فهي لا تصح عنه ولا تليق به، وإنما نسبت إليه عن طريق الكلبي والضحاك ومقاتل وغيرهما. (4) زيد في نسخ المطبوع بعد لفظ «الأزدي» - ثنا- وهو خطأ من النساخ، فإن أبا معاذ، هو بكير كما سيأتي. (5) يزيد بن صالح الفراء. ذكره الذهبي في «الميزان» (4/ 429) ، وقال: قال أبو حاتم: مجهول. قال الذهبي: قلت وثقه غيره اهـ. وشيخه بكير بن معروف هو أبو معاذ قال الذهبي (1/ 351) : وثقه بعضهم، وقال ابن المبارك: ارم به، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، ليس حديثه بالمنكر جدا اهـ. وشيخه مقاتل بن حيان، قال عنه الذهبي رحمه الله في «الميزان» (4/ 171) : كان عابدا كبير القدر، صاحب سنة وصدق، وثقه يحيى وأبو داود وغيرهما، وقال النسائي: لا بأس به، وقال الأزدي: سكتوا عنه. وقال ابن خزيمة: بعضهم كان يروي عن مقاتل بن سليمان- الآتي ذكره- فيوهم أنه ابن حيان، والله أعلم. (6) وقع في الأصل «السقيطي» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم.

يَعْقُوبَ الْمَقْرِيُّ [1] أَبُو مُحَمَّدٍ قال: ثنا أَبِي [2] حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ [3] بْنُ حَبِيبٍ أَبُو صَالِحٍ الدَّنْدَانِيُّ [4] ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ [5] . وَأَمَّا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ: قال: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بن مُبَارَكٍ الشَّعِيرِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ اللَّبَّادُ [6] ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ، عَنْ أسباط عن السُّدِّيِّ] . وَمَا نَقَلْتُهُ عَنِ «الْمُبْتَدَأِ» لَوَهْبِ [8] بْنِ مُنَبِّهٍ، وَعَنِ الْمَغَازِي لمحمد بن إسحاق: فَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنِي أَبُو نعيم

_ (1) زيد في المطبوع «هكذا المقري» . (2) وقع في الأصل «أبو محمد» والمثبت عن «ط» . (3) في الأصل «حدثني أبو الهذيل» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (4) وقع في الأصل «الزيداني» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (5) تفسير مقاتل عامته بواطيل، وهو تفسير ساقط. قال الذهبي في «الميزان» (4/ 173) ما ملخصه: مقاتل بن سليمان المفسر أبو الحسن. قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره، لو كان ثقة. وقال وكيع: كان كذابا. وقال البخاري: قال ابن عيينة: سمعت مقاتلا يقول: إن لم يخرج الدجال في سنة خمسين ومائة، فاعلموا أني كذاب. وقال النسائي: كان يكذب، وقال يحيى: ليس حديثه بشيء. وقال الجوزجاني: كان دجالا جسورا. (6) وقع في الأصل «اليّاد» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (7) عمرو بن طلحة القناد، صدوق من رجال مسلم، وشيخه أسباط هو ابن نصر الهمداني، قال الذهبي في «الميزان» (1/ 175) ما ملخصه: وثقه ابن معين، وتوقف أحمد، وضعفه أبو نعيم، وقال النسائي: ليس بالقوي، وأما السدي، فهو إسماعيل بن عبد الرحمن، قال عنه الذهبي في «الميزان» (1/ 236) ما ملخصه: قال يحيى القطان: لا بأس به، وقال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: في حديثه ضعف. وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال الفلاس عن ابن مهدي: ضعيف اهـ. باختصار. (8) كتاب «المبتدأ» لوهب بن منبه، جميع ما فيه من الإسرائيليات، وهو يتكلم عن بدء خلق السموات والأرض والبشر والشجر وكل شيء. وعامة ما يرويه القصاص وأهل التفسير في بدء الخلق وقصة قابيل وهابيل وقصص نوح والأنبياء وغير ذلك، فإن مصدر ذلك كتاب «المبتدأ» لوهب بن منبه، وأخبار وكتب كعب الأحبار. مع أن وهب بن منبه ثقة في روايته لحديث النبي صلّى الله عليه وسلّم. حيث روى له الشيخان وغيرهما. قال الذهبي في «الميزان» (4/ 352) ما ملخصه: أبو عبد الله اليماني، صاحب قصص، حديثه عن أخيه همام في الصحيحين، وكان ثقة صادقا، كثير النقل من كتب الإسرائيليات، وروى حماد بن سلمة عن أبي سنان سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء في كلها: من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي اهـ. باختصار. فهذا دليل على كثرة قراءته ومطالعته لكتب الإسرائيليات والأقدمين، وهي كتب محرفة مصحفة، زيد فيها الكثير، نسأل الله السلامة. ثم هذا الكتاب رواه عنه فيما ذكر المصنف عبد المنعم بن إدريس عن أبيه. وعبد المنعم هذا، ذكره الذهبي في «الميزان» (2/ 668) : مشهور قصاص، ليس يعتمد عليه، تركه غير واحد، وأفصح أحمد بن حنبل، فقال: كان يكذب على وهب بن منبه. وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره اهـ. وقال ابن عدي في «الضعفاء» (5/ 337) : عبد المنعم بن إدريس، قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن عدي: صاحب أخبار بني إسرائيل كوهب بن منبه وغيره، لا يعرف بالأحاديث المسندة اهـ. وشيخه إدريس بن سنان، قال «الذهبي» (1/ 169) : سبط وهب بن منبه، ضعفه ابن عدي، وقال الدارقطني: متروك.

عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ محمد بن إسحاق الأزهر [1] ابن أخت أبي عوانة] [2] ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ [3] بْنِ الْبَرَاءِ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ [4] إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَأَنَا [5] أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْقِلِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، أَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ [6] . وَأَنَا أَبُو سعيد الشريحي، قال: [أنبأنا] أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ، أَنَا أَبُو شُعَيْبِ [7] عبد الله بن الحسن الْحَرَّانِيُّ، أَنَا النُّفَيْلِيُّ [8] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. فَهَذِهِ أَسَانِيدُ أَكْثَرِ مَا نَقَلْتُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَهِيَ مَسْمُوعَةٌ مِنْ طُرُقٍ سِوَاهَا، تَرَكْتُ ذِكْرَهَا حَذَرًا مِنَ الْإِطَالَةِ، وَرُبَّمَا حكيت عنهم أو عن غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ قَوْلًا سَمِعْتُهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ [أَذْكُرُ أَسَانِيدَ] بَعْضِهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى عزّ وجلّ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ كَمَا أَنَّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِاتِّبَاعِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَحِفْظِ حُدُودِهِ، فَهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِتِلَاوَتِهِ وَحِفْظِ حُرُوفِهِ عَلَى سَنَنِ خَطِّ الْمُصْحَفِ. أعني [9] . الْإِمَامِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزُوا فِيمَا يُوَافِقُ الْخَطَّ عَمَّا قَرَأَ بِهِ الْقُرَّاءُ الْمَعْرُوفُونَ الَّذِينَ خَلَفُوا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ، وَاتَّفَقَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْكِتَابِ قِرَاءَاتِ [10] مَنِ اشتهر منهم بالقراءات وَاخْتِيَارَاتِهِمْ، عَلَى مَا قَرَأْتُهُ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد بن علي المقرئ المروزي [رحمة الله عليه] [11] ، تِلَاوَةً وَرِوَايَةً، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ طَاهِرِ [12] بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ [13] ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مهران بإسناده المذكور، في

_ (1) في الأصل «راهويه» بدل «الأزهر» والمثبت عن «الأنساب» للسمعاني (1/ 124) . [.....] (2) انظر «تذكرة الحفاظ» 3/ 780 و «الأنساب» للسمعاني 1/ 124. (3) وقع في الأصل «حمد» والتصويب عن «ط» و «تاريخ بغداد» (1/ 281) . (4) تصحف في المطبوع «بني» . (5) تحول الإمام البغوي هاهنا من الإسناد إلى كتاب «المبتدأ» إلى كتاب «مغازي ابن إسحاق» . (6) هو مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ. قال الذهبي في «الميزان» في ترجمته (3/ 468- 475) ما ملخصه: وثقه غير واحد، ووهاه آخرون، وهو صالح الحديث، ما له عندي ذنب، إلا ما قد حشا في السيرة من الأشياء المنكرة، والأشعار المكذوبة اهـ. باختصار شديد. وبهذا يعلم أنه لا يحتج بما ينفرد به في المغازي والسير، ولكن إذا توبع على أصل، علمنا أنه من صالح حديثه كما قال الذهبي رحمه الله، وإلا فهو من مناكيره، والله تعالى أعلم. (7) وقع في كافة النسخ «أَبُو شُعَيْبِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» بزيادة «بن» بعد لفظ «شعيب» وهو خطأ، والتصويب عن «الميزان» (2/ 406/ 4266) ، قال الذهبي رحمه الله: عبد الله بن الحسن، أبو شعيب الحراني، معمّر، صدوق اهـ. باختصار. (8) وقع في الأصل «النقيلي» وهو خطأ ظاهر، والنفيلي: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ علي بن نفيل، ثقة روى له البخاري وغيره. راجع «التهذيب» (6/ 15) . وشيخه محمد بن سلمة هو ابن عبد الله الباهلي الحراني، ثقة روى له مسلم وغيره، راجع «تهذيب الكمال» (25/ 289) . (9) ليس في «ط» . (10) في الأصل «قراءة» ، والمثبت عن «ط» . (11) في «ط» «رحمه الله» . (12) وقع في الأصل «ظاهر» والمثبت عن «ط» والنسخة بهامش الخازن. (13) في الأصل «الصرفي» وهو تصحيف.

كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِكِتَابِ «الْغَايَةِ» [1] ، وَهُمْ: أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيَّانِ، وَأَبُو مَعْبَدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الدَّارِيُّ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الشَّامِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو زبان بن العلاء المازني العطار، وَأَبُو مُحَمَّدٍ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ الْبَصْرِيَّانِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ الْأَسَدِيُّ، وَأَبُو عُمَارَةَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ الْكُوفِيُّونَ. فَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وغيرهما، وهم قرؤوا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَأَمَّا نَافِعٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي جعفر القاري، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ [وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاحٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التابعين الذين قرؤوا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [2] وَقَالَ الْأَعْرَجُ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أبيّ بن كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى المغيرة بن أبي شِهَابٍ [3] الْمَخْزُومِيِّ، وَقَرَأَ الْمُغِيرَةُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَأَمَّا عَاصِمٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدٍ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ، قَالَ عاصم: فكنت أَرْجِعُ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَقْرَأُ عَلَى زِرِّ [4] بْنِ حُبَيْشٍ، وَكَانَ زِرٌّ قَدْ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَأَمَّا حَمْزَةُ، فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وسليمان بن مهران الْأَعْمَشِ وَحُمْرَانَ [5] بْنِ أَعْيَنَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ علي، وقرأ سليمان بن [مهران] [6] الْأَعْمَشُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَرَأَ حُمْرَانُ على أبي الأسود الدئلي، وقرأ أبو الأسود عَلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. وَأَمَّا الْكِسَائِيُّ، فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى حَمْزَةَ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْمُنْذِرِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَرَأَ سَلَّامٌ عَلَى عَاصِمٍ، فَذَكَرْتُ قراءة هَؤُلَاءِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِهَا. وَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ عَلَى وِفَاقِ آيَةٍ أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ، فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بَيَانُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ، فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذكر المناكير

_ (1) وقع في الأصل «العناية» ، وهو خطأ والتصويب عن «ط» . (2) ما بين المعقوفتين، مستدرك من «ط» . وانظر «البدور الزاهرة» (ص 6) . [.....] (3) وقع في الأصل «شعاب» والتصويب عن «الثقات لابن حبان» (5/ 409) ، و «تهذيب التهذيب» (5/ 240) ، وسقط ذكر «أبي» من نسخة «ط» أي وقع فيها «المغيرة بن شهاب المخزومي» . (4) وقع في الأصل «ذرّ» وهو تصحيف ظاهر، والتصويب عن كتب التراجم. (5) وقع في الأصل «عمران» ، وهو تصحيف من النساخ، والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. (6) زيادة عن كتب التراجم.

(فصل في فضائل القرآن وتعليمه)

وَمَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ التَّفْسِيرِ [1] ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُبَارَكًا عَلَى مَنْ أَرَادَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ) «4» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ. قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «خَيْرُكُمْ من تعلم القرآن وعلّمه» صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ] [2] عَنِ الْحَجَّاجِ بن منهال عن شعبة.

_ (1) هذا في أكثر الأحيان، لكن لا يخلو أيضا من بعض الروايات الغريبة والمنكرة، ولكن إذا ما قورن ذلك بتفسير آخر، فهي قليلة نسبيا، والله أعلم، وسيتم بعون الله تعالى التنبيه على ذلك في مواضعه، والله أعلم. (2) زيد في المطبوع. 4- صحيح. علي بن الجعد، روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب، وعثمان هو ابن عفان- رضي الله عنه-. وهو في «شرح السنة» (1167) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق علي بن الجعد، وهو في «مسنده» (1/ 385- 386) عن شعبة به، ومن طريق علي بن الجعد أخرجه الآجري في «حملة القرآن» 15 وأبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (42) . - وأخرجه البخاري (5027) وأبو داود (1452) والترمذي (2907) والنسائي في فضائل القرآن (61) وابن أبي شيبة (10/ 502) وأحمد (1/ 58) والدارمي (2/ 437) والطيالسي 73 وابن حبان 118 وابن الضريس في «فضائل القرآن» (132 و133) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 19) والفريابي في «فضائل القرآن» (11 و12) وابن الأعرابي في «المعجم» (1/ 392) وتمام الرازي في «الفوائد» (4/ 104) وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 193- 194) من طريق شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن ماجه 199 والنسائي في «فضائله» 62 وأحمد (1/ 69) والفريابي في «فضائل القرآن» 13 ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 157) والقضاعي في «مسند الشهاب» (1240) والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 302) وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 384) وأبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (43) والبيهقي في «الشعب» (5/ 164) من طرق عن يحيى القطان عن شعبة وسفيان عن علقمة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (5028) والترمذي (2908) وابن ماجه (212) وأحمد (1/ 57) وعبد الرزاق (5995) والنسائي في «فضائل القرآن» (63) ومحمد بن سحنون في «آداب المعلمين» (ص 69) وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» (2/ 551- 552) والبيهقي في «الشعب» (4/ 489) عن سفيان الثوري عن علقمة به. - وأخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 33- 34) والبيهقي في «الشعب» (4/ 490) من طريق عمرو بن قيس عن علقمة به. وأخرجه البيهقي في «الاعتقاد» (ص 101) واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (2/ 338) من طريق الجراح بن الضحاك عن علقمة به. - وفي الباب من حديث علي عند الترمذي (2911) وابن أبي شيبة (10/ 503) وابن الضريس (136) والفريابي (19) والآجري في «حملة القرآن» (16) والذهبي في «معجم الشيوخ» (1/ 439) و (2/ 196) والدارمي (2/ 437) وأبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (38) ، وإسناده ضعيف. - ومن حديث سعد عند ابن ماجه (201) والدارمي (2/ 437) والعقيلي (1/ 218) وابن الضريس (135) وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 26) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (17) وإسناده ضعيف.

«5» أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ] الشَّاشِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الكشي [2] ، ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنِ الْحَارِثِ الأعور، قال:

_ 5- إسناده ضعيف لضعف الحارث، وهو ابن عبد الله الأعور الهمذاني، ضعفه غير واحد، واتهمه الشعبي، وله علة ثانية: ابن أخي الحارث الأعور. لم يسم، قال عنه في «التقريب» مجهول، وله علة ثالثة: أبو المختار هو الطائي: قال الذهبي في «الميزان» (4/ 571) : قال ابن المديني لا يعرف، وقال أبو زرعة: لا أعرفه. قال الذهبي: حديثه في فضائل القرآن العزيز، منكر اهـ. ومراده هذا الحديث، وقد ورد من طرق أخر عن الحارث الأعور، وله شاهد من حديث أبي سعيد وابن مسعود، كما سيأتي، وكلاهما ضعيف وقد رجح ابن كثير وغيره الوقف فيه، والله أعلم. وهو في «شرح السنة» (1176) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي (2906) وابن أبي شيبة (10/ 482) والدارمي (2/ 435) والبزار في «مسنده» (3/ 71/ 72) والفريابي في «فضائل القرآن» (81) وأبو بكر الأنباري في «إيضاح الوقف والابتداء» (1/ 5- 6) ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 157) ويحيى بن الحسين الشجري في «الأمالي» (1/ 91) والبيهقي في «الشعب» (4/ 496- 497) من طرق عن حمزة الزيات بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال اهـ. - وورد من طريق سعيد بن سنان البرجمي عن عمرو بن مرة عن سعيد بن فيروز عن الحارث الأعور به. عند الدارمي (2/ 435- 436) والفريابي في «فضائل القرآن» (79) والبزار (3/ 70- 71) وأبو الفضل الرازي (35) . - وأخرجه أحمد (1/ 91) وأبو يعلى (1/ 302- 303) والبزار (3/ 70) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث به. - وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 321) من طريق أبي هاشم عمن سمع عليا ... وهذا إسناد ضعيف. وقال الحافظ ابن كثير في «فضائل القرآن» (ص 17- 18) بعد أن ذكر هذه الروايات وتكلم عليها: وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي- رضي الله عنه- وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح. اهـ. - وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 21) وابن الضريس (58) والحاكم (1/ 555) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (11) وابن حبان في «المجروحين» (1/ 100) وأبو الشيخ في «طبقات أصبهان» (4/ 252) وأبو الفضل الرازي (30) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 278) وابن الجوزي في «العلل» (1/ 101- 102) ويحيى بن الحسين الشجري في «الأمالي» (1/ 88) والبيهقي في «الشعب» (4/ 550) . وإسناده ضعيف فيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو لين الحديث والحديث صححه الحاكم وقال الذهبي: إبراهيم بن مسلم ضعيف اهـ. وقال ابن الجوزي: يشبه أن يكون من كلام ابن مسعود اهـ. وقال ابن كثير: وهذا غريب من هذا الوجه، وإبراهيم بن مسلم، وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفّاع كثير الوهم. قال ابن كثير: فيحتمل- والله أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر والله أعلم اهـ. - والموقوف على ابن مسعود أخرجه الدارمي (2/ 431) والطبراني في «الكبير» (9/ 139) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 272) وأبو الفضل الرازي (31 و32) والبيهقي في «الشعب» (4/ 549) . - وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الطبري (7570) وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف. والأشبه في هذه الأحاديث كونها موقوفة على هؤلاء الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- وقد أنكر الذهبيّ رحمه الله هذا الحديث في كونه مرفوعا، وصوب ابن كثير فيه الوقف، وهو الراجح، والله أعلم. (1) في الأصل «حزيم» والتصويب «شرح السنة» و «ط» . (2) في الأصل «الشاشي» والتصويب عن «شرح السنة» و «تهذيب التهذيب» . (6/ 402) .

مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: أو قد فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فتنة، فقلت: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لم تنته الجن- أي لم يتوقفوا في قبوله، وأنه كلام الله تعالى إِذْ سَمِعَتْهُ- حَتَّى قَالُوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن: 1. 2] مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» ، خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ. قَالَ أَبُو عيسى: هذا [حديث] لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوجه، وإسناده مجهول، والحرث فِيهِ مَقَالٌ، «6» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [السَّمْعَانِيُّ] ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ [1] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ لَهِيعَةَ يَقُولُ: ثَنَا مِشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ [2] قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لو كان القرآن

_ 6- الراجح وقفه. إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، واسمه عبد الله، وسبب وهنه، أنه احترقت كتبه ثم اختلط بعد ذلك، لكن حسن حديثه غير واحد إن كان من رواية أحد العبادلة عنه، وهذا الحديث قد رواه عنه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِي عند الطحاوي وغيره كما سيأتي، وفيه مشرح بن هاعان مقبول. - وهو في «شرح السنة» (1175) بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (4/ 151 و155) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 22- 23) وابن عدي (1/ 469) والفريابي (1) و (2) والطبراني في «الكبير» (17/ 309- 310) والطحاوي في «المشكل» (906) وأبو الشيخ في «طبقات أصبهان» (3/ 594- 595) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 323) وتمام الرازي في «الفوائد» (4/ 97) والبيهقي في «الشعب» (5/ 618) وابن الجوزي في «الحدائق» (1/ 498) من طرق عن ابن لهيعة بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (4/ 155) والدارمي (2/ 430) وأبو يعلى (1745) والطحاوي في «المشكل» (906) وأبو الفضل الرازي (125) والفريابي (3) والشجري في «الأمالي» (1/ 120) من طرق عن أبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يزيد المقرئ عن ابن لهيعة بهذا الإسناد. وأبو عبد الرحمن المقرئ سمع من ابن لهيعة قبل الاختلاط فروايته عنه صحيحة، والله أعلم. في قول الحافظ عبد الغني بن سعيد وغير واحد، وضعف روايته آخرون، سواء كان قبل الاختلاط وبعده، وهو الصواب راجع «الميزان» وغيره. - وله شاهد من حديث سهل بن سعد أخرجه ابن حبان في «المجروحين» (2/ 148) وابن عدي في «الكامل» (1/ 32 و5/ 295) وإسناد ضعيف جدا فيه عبد الوهاب بن الضحاك، وهو متروك. - ومن حديث عصمة بن مالك أخرجه الطبراني في «الكبير» (17/ 178) وابن عدي (6/ 14) والبيهقي في «شعب الإيمان» (5/ 618) وإسناده ضعيف لضعف الفضل بن المختار. قال ابن عدي: أحاديثه منكرة عامتها لا يتابع عليها اهـ. قلت: ومما يدل على وهن الحديث هو مناقضته للحسن والمشاهدة، فقد ورد عن عثمان أنه جمع الناس على الأم، وحرق ما سواه من المصاحف. ولعل الراجح كونه من كلام عبد الله بن عمرو بن العاص، وأحسن منه ما رواه مسلم (2865) في حديث طويل «وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرأه نائما ويقظان» والمراد هنا أنه محفوظ في الصدور بحفظ الله تعالى. (1) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) في الأصل «مسرح بن عاهان» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج والتراجم.

فِي إِهَابٍ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ» . قِيلَ مَعْنَاهُ: مَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَهُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. «7» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ [1] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ [2] أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ، فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ، وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَعِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ، لَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، وَلَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَاتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: الم [حَرْفٌ] ولكن الألف واللام والميم. رواه بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. «8» أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ أبي أحمد بن مقوية، أَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بن محمد بن علي الحسني الْحَرَّانِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآجُرِّيُّ [3] ، ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّنْدَلِيِّ [4] ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ. «9» أَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ [مُحَمَّدٍ] الْقَاضِي، ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ محمد بن

_ 7- موقوف، ومع ذلك فيه إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو لين الحديث، قال ابن عدي في «الكامل» (1/ 216) : وأحاديثه عامتها مستقيمة المعنى، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الله، وهو عندي ممكن يكتب حديثه اهـ. وقد تقدم تخريجه عند رقم: 5. [.....] (1) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. (2) في الأصل «عوف» والتصويب عن «ط» وعن كتب التراجم. 8- ضعيف. فيه إبراهيم بن مسلم الهجري، قال عنه الحافظ في «التقريب» : لين الحديث، رفع موقوفات اهـ. فالظاهر أنه وهم فيه حيث رفعه. رواه المصنف من طريق الآجري، وهو عنده في «أخلاق حملة القرآن» (11) عن أبي الفضل الصندلي بهذا الإسناد. وانظر ما تقدم عند رقم: 5. (3) في الأصل «الأجدي» والتصويب عن «ط» وعن كتب التراجم. (4) وقع في الأصل «الصدلي» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. 9- إسناده صحيح، إبراهيم بن سعد فمن فوقه رجال البخاري ومسلم سوى نافع بن عبد الحارث، فقد روى له مسلم وأصحاب السنن، وروى له البخاري في «التاريخ» وهو صحابي كما في «التقريب» (7076) . وهو في «شرح السنة» (1179) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (817) وابن ماجه (218) وأحمد (1/ 25) والدارمي (2/ 443) وابن حبان (772) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 40- 41) والبيهقي (3/ 89) من طريق معمر. - وأخرجه أبو يعلى (210) من طريق الحسن بن مسلم أن عمر بن الخطاب استعمل ابن عبد الحارث ... فذكره وإسناده منقطع. - وأخرجه أبو عبيد (ص 41) من طريق شعيب بن أبي حمزة عن ابن شهاب الزهري بهذا الإسناد موقوفا على عمر. وخالفه مسلم فرواه عن شعيب به مرفوعا، وكرره أبو عبيد من طريق أبي الطفيل أن نافع بن عبد الحارث كان على مكة ... فذكره ولم يرفعه. - وأخرجه أبو يعلى (211) من طريق حبيب بن أبي ثابت أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب.... فذكره موقوفا على عمر.

بَامُوَيْهِ [1] الْأَصْبِهَانِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْقَاضِي الزُّهْرِيُّ بِمَكَّةَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغُ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، ثَنَا إبراهيم بن سعيد عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ [2] أَبِي الطُّفَيْلِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قارئ القرآن عالم بالفرائض قاض بالكتاب، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إن الله يَرْفَعُ بِالْقُرْآنِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» . صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ زهير بن حرب. أنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إبراهيم بن سعد الترابي. «10» أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ، أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَنَا جَرِيرٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ» . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حديث حسن صَحِيحٌ. «11» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ [3] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ،

_ - وأخرجه الأزرقي في «تاريخ مكة» (1/ 152) وأبو الفضل الرازي (63) من طريق داود بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ معمر يحدث عن الزهري به.... فذكره موقوفا على عمر. وخالفه عبد الرزاق فرواه عن معمر به مرفوعا، ومن طريق عبد الرزاق، أخرجه ابن حبان (772) وغيره، فقد رفعه ثلاثة ثقات من أصحاب الزهري، فلا يضرهم مخالفة من خالفهم، والله أعلم. 10- إسناده ضعيف، رجاله ثقات سوى قابوس بن أبي ظبيان، فقد ضعفه غير واحد، وقال ابن حبان: ينفرد عن أبيه بما لا أصل له. راجع «الميزان» 3/ 367. وهو في «شرح السنة» (1180) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي (2913) وأحمد (2/ 426) والحاكم (1/ 554) (2037) والدارمي (2/ 429) من طرق عن جرير بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: قابوس لين. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح! (1) في الأصل «ناموية» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «وائلة بن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التراجم. (3) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «الأنساب» وعن «شرح السنة» وعن «ط» . 11- جيد بطرقه وشواهده. إسناده ضعيف لضعف عبيد الله بن أبي حميد. قال الذهبي في «الميزان» (3/ 5) : يروي عن أبي المليح الهذلي، ضعفه محمد بن المثنى، وقال البخاري منكر الحديث، وقال النسائي متروك اهـ. لكن تابعه غير واحد كما سيأتي. وأخرجه الطيالسي (1012) وأحمد (4/ 107) والطبري (126) والطبراني في «الكبير» (22/ 185 و186) والطحاوي في «المشكل» (1379) من طرق عن عمران القطان عن قتادة عن أبي المليح بهذا الإسناد. وهذا إسناد حسن في الشواهد. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 46) : رواه أحمد، وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه النسائي، وغيره، وباقي رجاله ثقات اهـ. وقد توبع. - فقد أخرجه الطبراني (22/ 187) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المليح به، وإسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير الأزدي الشامي. ضعفه الجمهور ووثقه شعبة ودحيم لكن تابعه عمران القطان عند أحمد وغيره كما تقدم.

(فصل في فضائل تلاوة القرآن)

أَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا سعدان [1] بن يحيى ثنا عبيد اللَّهِ [2] بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أبي الْمَلِيحِ [3] الْهُذَلِيِّ عَنْ وَاثِلَةَ [4] بْنِ الأسقع [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطول [5] ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمِئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ، وَأُعْطِيتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَأَعْطَانِي رَبِّي الْمُفَصَّلَ نَافِلَةً» ، غَرِيبٌ. (فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ) «12» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ [6] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى [7] عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ مَثَلُ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يقرأه وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ» ، صَحِيحٌ. وَقَالَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «الَّذِي يَقْرَأُ [القرآن] وهو ماهر به مع السّفرة

_ - وأخرجه الطبري (129) من طريق لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ أبي بردة عن أبي المليح عن واثلة. - وله شاهد من حديث أبي أمامة عند الطبراني في «الكبير» (8003) وفي إسناده ليث بن أبي سليم قال عنه الهيثمي في «المجمع» (11626) : وقد ضعفه جماعة، ويعتبر بحديثه.. - وله شاهد آخر عن أبي قلابة مرسل أخرجه الطبري (127) وابن الضريس في «فضائل القرآن» (157 و299) وإسناده صحيح، فهو مرسل قوي. - وآخر عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ مرسلا أخرجه أبو عبيد في «فضائله» (ص 120) . الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم. (1) في الأصل «سعد: أن ابن يحيى» والتصويب عن «ط» و «تهذيب الكمال» للمزي (11/ 107) . [.....] (2) في الأصل «عبد الله» والتصويب عن «تهذيب التهذيب» لابن حجر و «تهذيب الكمال» للمزي. (3) في الأصل «الحاكم» والتصويب عن كتب التخريج والتراجم. (4) في الأصل «وائلة» والتصويب عن كتب التراجم وكتب التخريج. 12- إسناده صحيح على شرط البخاري، تفرد البخاري عن علي بن الجعد دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. شعبة هو ابن الحجاج. وهو في «شرح السنة» 1168) بهذا الإسناد. وهو في مسند علي بن الجعد (1/ 505) عن شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (4937) ومسلم (798) وأبو داود (1454) والترمذي (2904) والنسائي في «فضائل القرآن» (70) وابن ماجه (3779) وعبد الرزاق (6016) وابن أبي شيبة (10/ 490) وأحمد (6/ 48 و98 و170) و (239 و266) والدارمي (2/ 444) وإسحاق بن راهويه (3/ 709) وابن الضريس (29 و30 و35) وأبو عبيد (ص 38) وابن عبد البر في «التمهيد» (14/ 134) والفريابي في «فضائل القرآن» (3 و4) وتمام الرازي في «الفوائد» (4/ 96) والخطيب في «تاريخه» (1/ 261) والشجري في «الأمالي» (1/ 72- 73) والبيهقي (2/ 395) من طرق عن قتادة به. - وأخرجه مسلم (798) وأبو داود (1454) والترمذي (2904) والطيالسي (1499) وأحمد (6/ 48 و192 و239) والدارمي (2/ 444) وابن أبي شيبة (10/ 490) وأبو الفضل الرازي (98) والبغوي (1169) من طرق عن هشام الدستوائي بهذا الإسناد. (5) في المطبوع «الطوال» . (6) زيد في الأصل «أنا» بين «أبو محمد» و «عبد الرحمن» . (7) وقع في الأصل «ذراره بن أبي أوفي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج.

الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ» [1] . «13» أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ [الْمُزَنِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ] [2] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ، ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، ثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ، ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌّ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَلَا طَعْمَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا» . صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ. «14» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [3] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ. يَعْنِي ابْنَ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ [4] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [5] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال: «يقال يعني لصاحب القرآن اقرأ وارق وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها» .

_ (1) تقدم تخريجه في الذي قبله. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» . 13- إسناده صحيح، عفان هو ابن مسلم الباهلي وقتادة هو ابن دعامة السدوسي، وأنس هو ابن مالك رضي الله عنه، وعفان فمن فوقه رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» (1170) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (5020 و5059 و5427 و7560) ومسلم (797) وأبو داود (4830) والترمذي (2865) والنسائي (8/ 124 و125) وفي «فضائل القرآن» (106 و107) وابن ماجه (214) وعبد الرزاق (20933) وابن أبي شيبة (10/ 529 و530) وأحمد (4/ 403 و404 و408) وعبد بن حميد في «المنتخب» (ص 198) وابن حبان (770 و771) وأبو الشيخ في «الأمثال» (318) وأبو الفضل الرازي في «فضائله» (92) والرامهرمزي في «الأمثال» (87) وتمام الرازي في «فوائده» (4/ 95) والذهبي في «معجم الشيوخ» (2/ 28) من طرق عن قتادة به. (3) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «شرح السنة» و «تهذيب الكمال» 7/ 394. (4) في الأصل «ذر» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (5) في الأصل «عمر» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. 14- صحيح. إسناده حسن لأجل عاصم بن بهدلة، فإنه صدوق يخطئ، أبو نعيم هو الفضل بن دكين الحافظ، وسفيان هو الثوري، وزرّ هو ابن حبيش تابعي كبير، والثلاثة من رجال البخاري ومسلم، وحميد بن زنجويه، ثقة ثبت. - وهو في «شرح السنة» 1173 بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 1464 والترمذي 2914 وابن أبي شيبة 10/ 498 وأحمد (2/ 192) وابن حبان (766) والحاكم (1/ 552- 553) والبيهقي (2/ 53) والفريابي في «فضائل القرآن» (60) وأبو عبيد في «فضائله» (ص 37) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (9 و10) وحمزة السمهي في «تاريخ جرجان» (ص 139) وأبو جعفر النحاس في «القطع الائتناف» (ص 85) ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 154) وابن الضريس (111) وأبو الفضل الرازي في «فضائله» (133) من طرق عن عاصم بن بهدلة بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. - وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه ابن ماجه (3780) وأحمد (3/ 40) وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف، لكن يصلح للاعتبار بحديثه. [.....]

قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ. «15» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أنا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ [1] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، ثَنَا النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ [أَبِي] [2] كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يقول: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي شافعا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ [3] أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا، اقرؤوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حسرة ولا تستطيعها الْبَطَلَةُ» [4] . صَحِيحٌ. «16» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أنا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ [5] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ،

_ 15- إسناده صحيح، حميد بن زنجويه ثقة، وكذا من دونه، والنضر بن شميل فمن فوقه رجال البخاري ومسلم خلا أبي سلام، فإنه من رجال مسلم، واسمه ممطور. هشام هو ابن عبد الله الدّستوائي، بفتح الدال مع التشديد. وهو في «شرح السنة» (87) بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (5/ 249 و257) من طريق هشام الدستوائي بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (804) وأحمد (5/ 249 و254- 255) والطبراني (7543) وابن حبان (116) والحاكم (1/ 564) والبيهقي (2/ 395) والدارمي (2/ 450- 451) والفريابي (26) والحاكم (1/ 564) من طرق عن أبي سلام به. - وأخرجه عبد الرزاق وأحمد (5/ 251) والطبراني في «الكبير» (8118) من طريق مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثير عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن عن أبي أمامة به. - وله شاهد من حديث عقبة بن عامر أخرجه أبو داود (1456) وأحمد (4/ 154) وآخر من حديث بريدة وهو الآتي. 1 في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» . (3) قال المصنف في «شرح السنة» (3/ 19) : قال أبو عبيد: الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة. اهـ. الفرقان والحزقان بمعناهما واحد، وهما قطيعان وجماعتان. طير صواف: هي من الطيور التي تبسط أجنحتها في الهواء. تحاجان: تدافعان. (4) البطلة: السحرة. 5 في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. 16- إسناده ليّن لأجل بشير بن المهاجر الغنوي، وهو أحد رجال مسلم الذين تكلم فيهم. قال عنه الحافظ في «التقريب» : صدوق لين الحديث. وقال الذهبي في «الميزان» (1/ 329) وثقه ابن معين وغيره، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أحمد: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال ابن عدي: فيه بعض الضعف اهـ. وبقية رجاله رجال البخاري ومسلم. أبو نعيم هو الفضل بن دكين. وهو في «شرح السنة» (1185) بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن ماجه (3781) وأحمد (5/ 348 و352 و361) والدارمي (2/ 450) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 36- 37) وابن أبي شيبة (10/ 492- 493) والبزار (3/ 86- 87) وابن الضريس في «فضائل القرآن» (99) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (24) والعقيلي في «الضعفاء» (1/ 144) والحاكم (1/ 556 و560 و567) والمروزي في «قيام الليل» (ص 148- 149) والبيهقي في «الشعب» (4/ 552) وأبو الفضل الرازي (130) وابن الجوزي في «الحدائق» (1/ 500) من طرق عن بشير بن المهاجر به مطوّلا ومختصرا. وذكره الهيثمي في «المجمع» (11633) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح اهـ. وقال البوصيري في «الزوائد» إسناده صحيح رجاله ثقات اهـ. ولصدره شاهد من حديث النواس بن سمعان عند مسلم (805) وأحمد (4/ 183) وآخر من حديث ابن عباس عند

ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا بَشِيرُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْغَنَوِيُّ [1] ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يقول: «تعلّموا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وتركها حسرة ولا تستطيعها الْبَطَلَةُ» ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ [2] وَإِنَّهُمَا تُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَّافَّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أعرفك فيقول له: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك بالهواجر وأسهرت ليلتك، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تجارته [3] ، وإني لك [4] اليوم مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ وَيُكْسَى والداه حلّتين لا يقوم لأحدهما [5] أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ في صعود ما دام يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا» ، غَرِيبٌ. «17» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أبو جعفر الرَّيَّانِيُّ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، ثنا أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ [6] ، ثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ، ومن قرأ آية من

_ الطبراني (11844) وفيه عاصم بن هلال البارقي وثقه أبو حاتم وغيره وضعفه ابن معين وغيره. ولعجزه شاهد من حديث أبي أمامة عند الطبراني في «الكبير» (8119) والشجري في «الأمالي» (1/ 82- 83) وأبو الفضل الرازي (122) وابن الضريس في «فضائل القرآن» (92) وإسناده ضعيف. وآخر من حديث سهل بن معاذ عن أبيه أخرجه أبو داود (1453) والحاكم (1/ 567) والآجري (22) وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: زبّان ليس بالقوي اهـ. وانظر الحديث الآتي برقم: [19-. - وله شاهد آخر من حديث أبي هريرة عند الترمذي 2915 والحاكم (1/ 552) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو عبيد (ص 35- 36) موقوفا على أبي هريرة. الخلاصة: حديث الباب فيه لين لأجل بشير الغنوي، لكن توبع على أكثر ألفاظ الحديث كما ترى، فأصل الحديث، والله أعلم. (1) في الأصل «العنوي» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» وكتب التراجم. (2) في المطبوع: الزهراوين. وهو تصحيف. (3) كذا وقع في الأصل، وأما في «فضائل القرآن» لأبي عبيد (ص 36- 37) قوله: «وإني اليوم من وراء كل تجارة» وجاء في «فضائل القرآن» لأبي الفضل الرازي (130) «وأنا اليوم لك من وراء كل تجارة» . (4) في المطبوع «وإنك» . (5) في المطبوع «لهما» . (6) في الأصل «عباس» والتصويب عن «ط» وكتب التراجم. [.....] 17- ضعيف. إسناده ضعيف، له علتان: إسماعيل بن عياش روايته عن غير أهل بلده ضعيفة، وشيخه كوفي، فهذه علة، والثانية: ضعف ليث بن أبي سليم، فإنه اختلط، فلم يتميز حديثه، فترك، كما في «التقريب» . وبقية رجال الإسناد ثقات، أبو أيوب هو سليمان بن أيوب الدمشقي، وورد من طريق أخرى بسند ضعيف جدا. أخرجه أحمد (2/ 341) من طريق الحسن عن أبي هريرة مرفوعا. قال الهيثمي في «المجمع» (7/ 162) (11650) : فيه عباد بن ميسرة ضعفه أحمد وغيره، ووثقه يحيى في رواية وضعفه في أخرى، ووثقه ابن حبان اهـ. وله علة ثانية وهي: الانقطاع. الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، وقد أجاد الحافظ العراقي في «الإحياء» (1/ 280) إذ قال: فيه ضعف وانقطاع اهـ. الخلاصة: هو حديث ضعيف لضعف إسناديه، والثاني ضعيف جدا، ثم إن المتن غريب.

كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . «18» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ، أَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [1] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ [2] عظام سمان؟» قلنا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَؤُهُنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ» . صَحِيحٌ. «19» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [3] ، ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ ثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ ثَنَا ابْنُ لهيعه عَنْ زَبَّانَ هُوَ ابْنُ فائد عَنْ سَهْلٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَحْكَمَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسُ وَالِدَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تاجا ضوؤه أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ؟» . «20» أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصفار

_ 18- صحيح. إبراهيم بن عبد الله ثقة، وقد توبع ومن دونه ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، وكيع هو ابن الجراح، والأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو صالح اسمه ذكوان. وهو في «شرح السنة» (1172) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (102) عن أبي طاهر بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (802) وابن ماجه (3827) وابن أبي شيبة (10/ 503) وأحمد (2/ 497) ومحمد بن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 116) والفريابي في «فضائل القرآن» (69 و70) والدارمي (2/ 310) والبيهقي في «الشعب» (5/ 191) من طرق عن وكيع بهذا الإسناد. (1) زيادة عن المخطوط. (2) الخلفة: الحامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها ثم هي عشار. (3) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» و «تهذيب الكمال» . 19- إسناده ضعيف. فهو مسلسل بالضعفاء: ابن لهيعة هو عبد الله، وزبان بن فائد وشيخه سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، ثلاثتهم ضعفاء، وقد ورد بهذه السلسلة مناكير كثيرة. لكن تقدم برقم (18) لصدره شاهد، والوهن في عجزه فحسب، والله أعلم. وهو في «شرح السنة» (1174) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود (1453) وأحمد (3/ 440) وأبو يعلى (1493) والحاكم (1/ 567) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (22) وابن عبد البر في «التمهيد» (14/ 134) وأبو الفضل الرازي في «فضائله» (68) والبيهقي في «الشعب» (4/ 506- 507) من طرق عن زبّان بن فائد به، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: زبّان ليس بالقوي اهـ. وقال الذهبي في «الميزان» (2/ 65) في زبّان بن فائد: ضعفه ابن معين وقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال أبو حاتم: صالح. وقال الذهبي في سهل بن معاذ (2/ 241) : ضعفه ابن معين، وقال ابن حبان: لا أدري أوقع التخليط منه أو من صاحبه زبان. 20- حديث قوي بمجموع طرقه وشواهده، إسناده ضعيف. له علتان: الأولى: فيه راو لم يسم، والثانية: خيثمة هو ابن أبي خيثمة، قال الذهبي في «الميزان» (1/ 669) ، روى عن الحسن، روى عنه الأعمش، قال ابن معين: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في الثقات اهـ. والقول فيه قول ابن معين، وهو غير خيثمة بن عبد الرحمن كما نبه عليه الترمذي ونقله المصنف، فذلك ثقة. وهو في «شرح السنة» (1178) بهذا الإسناد. لكن وقع عنده «خيثمة بن عبد الرحمن» ، وهو خطأ. وأخرجه الترمذي (2917) وابن أبي شيبة، (1/ 480) وأحمد (4/ 432- 433 و136 و139 و445) والآجري في

(فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم)

ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [1] ، ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ [2] عَنْ رَجُلٍ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ عَلَى قَوْمٍ، فَلَمَّا قَرَأَ، سَأَلَ، فَقَالَ عِمْرَانُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فليسأل الله به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ» . رَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حصين، قَالَ: وَقَالَ [3] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: هُوَ خَيْثَمَةُ الْبَصَرِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، وَلَيْسَ هُوَ خَيْثَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. (فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ) «21» أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ [4] الشَّاشِيُّ، ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ [5] بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا الثوري عن

_ «أخلاق حملة القرآن» (41 و42) من طرق عن الأعمش بعضهم يقول عن خيثمة أو عن رجل، وبعضهم عن خيثمة عن الحسن، ثم إن الحسن عن عمران منقطع. - وأخرجه أبو الفضل الرازي 78 من طريق موسى بن أعين عن إدريس الكوفي عن منصور عن رجل به. - وللحديث شواهد كثيرة منها: - حديث سهل بن سعد الساعدي أخرجه أبو داود (831) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (ص 106) وابن حبان (760) والطبراني (6024) من طريق وفاء بن شريح الحضرمي به وإسناده لين وفاء بن شريح، مقبول، لكن يصلح للاعتبار بحديثه. وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (813) والطبراني (6021 و6022) وأبو عبيد (ص 106) والآجري (29) من طريق موسى بن عبيدة الربذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ عن سهل مرفوعا. وفيه موسى الربذي وهو ضعيف. - وحديث جابر أخرجه أبو داود (830) والآجري (28) وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه ابن أبي شيبة (10/ 480) عن ابن المنكدر مرسلا. - وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه أحمد (18/ 28) وأبو عبيد (ص 106) والبغوي في «شرح السنة» (1177) وإسناده ضعيف. وأحاديث النهي عن أخذ الأجر على تعليم القرآن كثيرة انظر «فضائل القرآن» لأبي عبيد (ص 105- 108) . الخلاصة: هو حديث يرقى بمجموع طرقه وشواهده إلى درجة الحسن الصحيح. وهو من أعلام النبوة فإن كثيرا من القراء في أيامنا سواء على الموتى أو الأعراس في البلاد الشامية والمصرية، يتأكلون به. (1) في الأصل «البولي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتاب «الأنساب» . (2) في الأصل «حثيمة» والتصويب «ط» وعن «شرح السنة» و «سنن الترمذي» . 21- الراجح وقفه. إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، ضعفه أحمد، وتركه ابن مهدي والقطان، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، ربما رفع الحديث، وربما وقفه. وهذا الحديث من هذا القبيل حيث اضطرب في رفعه ووقفه كما سيأتي، وخولف حيث رواه غيره موقوفا. وهو في «شرح السنة» (118) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «تفسيره» (2) من طريق الثوري بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2951 والنسائي في «الكبرى» (8084 و8085) وأحمد 1/ 269 والطبري 73 والبغوي 119 من طرق الثوري به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح! وانظر ما بعده. (3) كذا في النسخ والمخطوط وإحدى نسخ «الشرح السنة» ، وفي «سنن الترمذي» و «شرح السنة» : «وقال محمود» يعني ابن غيلان. (4) وقع في الأصل «حزيم» والتصويب عن «تهذيب الكمال» و «تبصير المنتبه» (2/ 528) وغيرهما. (5) وقع في الأصل «عبيد» وهو تصحيف. [.....]

عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . «22» أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ [بْنُ مُحَمَّدِ] [1] بْنِ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ [الْحَسَنِ] الْبَصْرِيُّ، ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا أَبُو عوانه عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . «23» أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ، أَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ثَنَا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ القطعي، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» ، غَرِيبٌ. وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا [عَبَسَ: 31] ، فَقَالَ: وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟! وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً، قَالَ حَمَّادٌ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ [2] ، فَقُلْتُ: هُوَ أَنْ تَرَى لَهُ وُجُوهًا فَتَهَابَ الْإِقْدَامَ عليه، فقال: هو ذاك. قال الشيخ [3] الإمام [أبو محمد] [4] رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ وَذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ، فَأَمَّا التَّأْوِيلُ وَهُوَ صَرْفُ الْآيَةِ إِلَى مَعْنًى مُحْتَمَلٍ موافق ما قبلها

_ 22- ضعيف. والراجح وقفه، إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى كما تقدم. وقد رواه موقوفا أيضا، وهذا اضطراب منه، وتابعه على رواية الوقف ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف أيضا، لكن يرجح الوقف. - وهو في «شرح السنة» (117) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2952 وأحمد 1/ 293 و323 و327 والدارمي 1/ 76 وأبو يعلى 2338 من طرق عن أبي عوانة به، وحسنه الترمذي! وكذا البغوي! - وأخرجه الطبري (76) عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مرقوفا. لم يرفعه وكرره (77) من طريق آخر موقوفا على ابن عباس أيضا، وهو أمثل إسنادا من المرفوع. الخلاصة: هو حديث ضعيف، تفرد به عبد الأعلى، والصواب موقوف، والله أعلم. 23- ضعيف. إسناده ضعيف لضعف سهيل بن أبي حزم، ويقال: أخو حزم القطعي. جزم الحافظ في «التقريب» بقوله: ضعيف. وقال البخاري: لم يصح حديثه. أبو عمران اسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي. وهو في «شرح السنة» (120) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2952 عن عبد بن حميد بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 3652 والنسائي في «الكبرى» (8086) والطبري (80) وابن عدي في «الكامل» (3/ 450) من طريق سهيل بن أبي حزم به. وأعله به، ومع ضعفه حديثه هذا غريب جدا، وقد استغربه المصنف. (1) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» و «ط» . (2) في المخطوط- أ- «يفكر» . (3) في المطبوع وب- «شيخنا» والمثبت عن- أ. (4) سقط من المطبوع.

وَمَا بَعْدَهَا غَيْرِ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ فَقَدْ رُخِّصَ فِيهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، أَمَّا التَّفْسِيرُ وَهُوَ الْكَلَامُ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَةِ وَشَأْنِهَا وَقِصَّتِهَا، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ، وَأَصْلُ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّفْسِرَةِ، وَهِيَ الدَّلِيلُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الطَّبِيبُ فَيَكْشِفُ عَنْ عِلَّةِ الْمَرِيضِ، كَذَلِكَ الْمُفَسِّرُ يَكْشِفُ عَنْ شَأْنِ الْآيَةِ وَقِصَّتِهَا، وَاشْتِقَاقُ التَّأْوِيلِ: مِنَ الْأَوْلِ وهو الرجوع، يقال: أوّلته فأوّل، أَيْ: صَرَفَتْهُ فَانْصَرَفَ. «24» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ التُّرَابِيُّ [1] أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يحيى

_ (1) وقع في الأصل «البراني» والتصويب عن «ط» . 24- صدره صحيح، خرجه الشيخان من غير هذا الوجه، وأما لفظ «لكل آية ... » فغريب جدا، والإسناد ضعيف. مغيرة بن مقسم، مدلس وقد عنعن، وجرير بن عبد الحميد تغير حفظ بأخرة، والوهن فقط في عجره. - وأخرجه الطحاوي في «المشكل» (3095) من طريق جرير بن عبد الحميد بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو يعلى 5149 من طريق المغيرة بن مقسم بهذا الإسناد. - وأخرجه الطبري 10 من طريق جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ عمن ذكره عن أبي الأحوص به. وهذا اضطراب حيث هاهنا فيه راو لم يسمّ. - وأخرجه ابن حبان 750 من طريق محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص به. والهمداني إن كان عمرو بن عبد الله السبيعي، فهو ثقة، لكنه مدلس، وقد عنعن وإن كان الهجري، فهو ضعيف. وهو الراجح كونه الهجري، والوهم من أحد رواة ابن حبان. - وأخرجه الطبري 11 من طريق أبي إسحاق الهجري عن أبي الأحوص به وأبو إسحاق الهجري هو إبراهيم بن مسلم، وفيه لين. - وأخرجه الطبراني في «الكبير» (10090) والبزار 2312 والطحاوي في «المشكل» (3077) من طريق محمد بن عجلان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص به، ولم يذكروا أبا إسحاق إلا أن البزار قال عقب روايته: لم يروه هكذا غير الهجري، ولا روى ابن عجلان عن الهجري غيره، ولا نعلمه من طريق ابن عجلان إلا من هذا الوجه اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 152) (11579) : رواه البزار، وأبو يعلى في «الكبير» ، وفي رواية عنده «لكل حرف منها بطن وظهر» . والطبراني في «الأوسط» باختصار آخره، ورجال أبي يعلى ثقات، ورواية البزار عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق قال في آخرها: لم يرو محمد بن عجلان عن إبراهيم الهجري غير هذا الحديث. قلت: ومحمد بن عجلان إنما روى عن أبي إسحاق السبيعي، فإن كان هو أبا إسحاق السبيعي، فرجال البزار أيضا ثقات اهـ. قلت: لا يليق هذا الحديث بأبي إسحاق السّبيعي، ولو كان عنده لرواه عنه الثقات، لأنه محدث أهل الكوفة، وقد روى له الأئمة الستة، وهو مكثر. - وأخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (43) عن حجاج عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن مرسلا ومن طريق أبي عبيد أخرجه البغوي في «شرح السنة» (122) ولفظه «ما أنزل الله تعالى آية إلا لها ظهر وبطن، وكل حرف حد، وكل حد مطلع» . ورواية البغوي « ... ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع» . وهذا مرسل، ومع إرساله علي بن زيد ضعيف. - وأخرجه أبو عبيد أيضا ص 42 عن حجاج عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلا. ومرسلات الحسن واهية، لأنه يروي عن كل أحد كما هو مقرر في كتب المصطلح. الخلاصة: أما صدره، فصحيح، رواه الجماعة عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم، وكذا رواه غير واحد بدون عجزه، وأما عجزه، فغريب، بل هو منكر، ويكفي في غرابته هو أنه لم يروه أحد من الأئمة الستة، والإسناد الأول ضعيف جرير تغير حفظه، ومغيرة مدلس، وقد عنعن، ثم قد روي عن واصل عن رجل لم يسم عن أبي الأحوص كذا رواه الطبري وتقدم. وأما الطريق الثاني: فمداره على أبي إسحاق، وهو الهجري وهو ضعيف ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما. ولا يصح كونه أبي إسحاق السبيعي الهمداني، وقد أخطأ أحد رجال ابن حبان فجعله الهمداني،

أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حيان، عن ابن [أبي] [1] الهذيل عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» ، وَيُرْوَى: «لِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» [2] . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، قِيلَ: الظَّهْرُ لَفْظُ الْقُرْآنِ، وَالْبَطْنُ تَأْوِيلُهُ، وَقِيلَ: الظَّهْرُ مَا حَدَّثَ عَنْ أَقْوَامٍ أَنَّهُمْ عَصَوْا فَعُوقِبُوا، فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ خَبَرٌ وَبَاطِنُهُ عِظَةٌ وَتَحْذِيرٌ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا فعلوا فيحلّ به مثل مَا حَلَّ بِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَى الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ التِّلَاوَةُ وَالتَّفَهُّمُ، يَقُولُ: لِكُلِّ آيَةٍ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنْ تقرأها كما نزلت [3] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 4] ، وَبَاطِنٌ وَهُوَ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ [ص: 29] ، ثُمَّ التِّلَاوَةُ تَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ، [وَالْحِفْظِ بِالدَّرْسِ] [4] ، وَالتَّفَهُّمُ يَكُونُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ، وَطِيبِ الطعمه، وَقَوْلُهُ: «لِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ» أَرَادَ به: لَهُ [5] حَدٌّ فِي التِّلَاوَةِ وَالتَّفْسِيرِ لَا يُجَاوَزُ، فَفِي التِّلَاوَةِ لَا يُجَاوِزُ الْمُصْحَفَ وَفِي التَّفْسِيرِ لَا يُجَاوِزُ الْمَسْمُوعَ، وَقَوْلُهُ: «لِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ» ، أَيْ: مِصْعَدٌ يُصْعَدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ عِلْمِهِ، وَيُقَالُ: الْمَطْلَعُ الْفَهْمُ، وَقَدْ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى الْمُدَبِّرِ وَالْمُتَفَكِّرِ فِي التَّأْوِيلِ وَالْمَعَانِي ما لا يفتحه [6] عَلَى غَيْرِهِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي علم عليم، وما توفيقي إلا الله العزيز الحكيم.

_ وقد صرح البزار بأن محمد بن عجلان روى هذا الحديث الواحد عن أبي إسحاق الهجري، والقول قول البزار، فهو أحد الأئمة الأثبات في معرفة علل الحديث، وكتابه مليء بذكر فوائد في العلل وبيانها. ولا يبعد كون لفظ «لكل آية ... » مدرج من كلام الهجري أو أبي الأحوص، والله أعلم. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من كتب التراجم ومن مصادر التخريج. (2) هذه الرواية اللبغوي في «شرح السنة» (122) عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ الحسن، وهو مرسل، ومع إرساله علي بن زيد ضعيف. وهذه الزيادة منكرة، والله تعالى أعلم. (3) في المطبوع «أنزلت» . (4) زيد في المطبوع. (5) في المطبوع «من» . [.....] (6) في المطبوع «يفتح» .

1- سورة الفاتحة

1- سورة الْفَاتِحَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، سميت فاتحة الكتاب لأنه تعالى بها افتتح القرآن، و [سميت] [1] أم القرآن [2] : لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ، مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ، وَأَمُّ الشَّيْءِ أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى، لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ، دُحِيَتِ [3] الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا في الصحف وَبِقِرَاءَتِهَا [4] فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي: لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فدخرها لَهُمْ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الْحِجْرِ: 87] ، وَالْمُرَادُ مِنْهَا: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ، فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عليه بها قبل نزولها. [سورة الفاتحة (1) : آيَةً 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) قوله: بِسْمِ اللَّهِ الباء زائدة تَخْفِضُ [5] مَا بَعْدَهَا، مِثْلَ مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ [الْبَاءُ] [6] مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ أَوْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ، وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طلبا للخفة لكثرة اسْتِعْمَالِهَا، وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: ليكون افتتاح [7] كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ. كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا وَدَوِّرُوا الميم تعظيما لكتاب الله عزّ وجلّ. وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ [8] الْأَلِفُ فِي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [الْعَلَقِ: 1] رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا، وَلَا تحذف [9] الألف إذا أضيف

_ (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «الكتاب» . (3) دحا الله الأرض دحوا: بسطها. (4) في المخطوط «أ» «ويقرأ بها» . (5) في المطبوع «يخفض» . (6) سقط من المطبوع. (7) في المطبوع زيد «كلام» بعد لفظ «افتتاح» . (8) في المطبوع «كتب» . (9) في المطبوع «يحذف» .

الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ، وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى [مَرْيَمَ: 7] ، أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ [مريم: 12] ، وَقَالَ: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها [يُوسُفَ: 40] وَأَرَادَ [بالأسماء] [1] الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: 1] ، وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: 78] ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ: هو تعليم للعباد كيف يستفتحون الْقِرَاءَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ وصار معناه [لا] [2] تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هو [مشتق] [3] مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وكأنه علامة لمعناه وعلامة للمسمى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى سمي، ولو كان من السمت لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ، وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ: سَمَّيْتُ، وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهِ قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ، مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هُوَ مُشْتَقٌّ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما «ويذرك وإلا هتك [4] » أي: عبادتك معناه أنه المستحق لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ إِلَهٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ [الْمُؤْمِنُونَ: 91] ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ [5] فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، يقال: أَلَهْتُ إِلَيْهِ أَيْ: فَزِعْتُ إِلَيْهِ، وقال الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ [6] وَقِيلَ: أَصْلُ الْإِلَهِ وِلَاهٌ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ، أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ في الشدائد ويلجؤون إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ. قَوْلُهُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ، وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ تَطْمِيعًا لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فقال: للرحمن معنى العموم، وللرحيم معنى الْخُصُوصِ، فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الخلق، والرحيم بمعنى العافي [7] فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ. وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رحمته إلى الخلق على

_ (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع. (3) سقط من المطبوع. (4) قراءة حفص ورسم المصحف وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف: 127] . [.....] (5) ذكره ابن منظور في «اللسان» ولم ينسبه لأحد وفيه «إلينا» بدل «إليها» . (6) هو في «اللسان» بدون نسبة. (7) في المطبوع «المعافى» .

الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى [غير الله] [1] رحمانا، فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، والرحمة إرادة الله الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ، وَقِيلَ: هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ فِعْلٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ، وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إلى أنها [ليست] [2] مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السور، وإنما [3] كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ [4] ، لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ صِرَاطَ الَّذِينَ، وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا: «25» أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ] عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بن يعقوب الأصم، وأنا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جريج أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) [الْحِجْرِ: 87] . هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي: وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ سَعِيدٌ: قرأها عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابن عباس: فادخرها [5] لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ. وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ، احْتَجَّ بِمَا: «26» ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ محمد بن محمد الشيرزي [6] أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو

_ 25- موقوف، فيه عبد المجيد، وهو ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ، ضعفه قوم ووثقه آخرون. هو في «شرح السنة» (581) بهذا الإسناد، ومثل هذا الإسناد لا يحتج به في مثل هذه المواطن. 26- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بكر حميد بن أبي حميد. وهو في «شرح السنة» (584) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 399 ومالك 1/ 81. (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع. (3) في المطبوع «فإنما» . (4) زيد في المطبوع «في قول» . (5) في المطبوع «فذخرها» . (6) في الأصل «الشيرازي» والتصويب عن «الأنساب» و «شرح السنة» (584) .

[سورة الفاتحة (1) : الآيات 2 الى 3]

مُصْعَبٍ [عَنْ مَالِكٍ] [1] عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وعثمان بن عفان كلهم [كَانَ لَا يَقْرَأُ] [2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ. ع «27» قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يعرف ختم السورة حتى نزلت [3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَعَنِ ابن عباس [4] قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ ما بين السورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. ع «28» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ [5] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها [هود: 41] ، فكتب باسم اللَّهِ حَتَّى نَزَلَتْ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الْإِسْرَاءِ: 110] ، فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نزلت آية إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) [النَّمْلِ: 30] فَكَتَبَ مثلها. [سورة الفاتحة (1) : الآيات 2 الى 3] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ] الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ، تَقْدِيرَهُ: قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ، يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى ما أسدى إليّ من نعمة، وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، والحمد أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ: شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ، فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا، وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً [الْإِسْرَاءِ: 111] ، وَقَالَ: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ: 13] ، يعني: اعملوا الأعمال لأجل الشكر، فشكرا مفعولا له وانتصب باعملوا. قَوْلُهُ: لِلَّهِ اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ قَوْلُهُ: رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) ، فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ، وَيُقَالُ: رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ يُقَالُ: رَبَّ فلان الصنعة [7] يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا، فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ وَبَرَّ، فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا، إِنَّمَا يُقَالُ: رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ، وَالْعَالَمِينَ: جَمْعُ عالم [والعالم جَمْعٌ] [8] لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لفظه، واختلفوا في العالمين.

_ (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب التخريج. (2) ما بين المعقوفتين في الأصل «كانوا لا يقرؤون» والتصويب عن «الموطأ» و «صحيح مسلم» و «شرح السنة» . (3) في المطبوع «ينزل» . [.....] (4) في المطبوع «مسعود» . (5) في المطبوع «نزل» . (6) في المطبوع «عن» بدل «أن» . (7) في المطبوع «الضيعة» . (8) زيد في المطبوع. 27- ع أخرجه أبو داود 788 والحاكم 1/ 231 عن ابن عباس به، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وله علة فقد كرره الحاكم من وجه آخر عن ابن عباس، وصدره «كان المسلمون لا يعلمون ... » ليس فيه ذَكَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، وهو أقرب، وإسناده صحيح والله أعلم. وانظر «تفسير الشوكاني» (22) بتخريجي. 28- ع يأتي في سورة النمل: [30) إن شاء الله تعالى.

[سورة الفاتحة (1) : آية 4]

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ والإنس، لأنهم مكلفون بِالْخِطَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الْفُرْقَانِ: 1] : وَقَالَ قَتَادَةُ ومجاهد والحسن: جميع المخلوقين، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [الشعراء: 23. 24] ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ، سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ [1] : هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ للبهائم: عالم لأنها [لا تعلم و] [2] لَا تَعْقِلُ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ [3] : لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ، وَقَالَ وَهْبٌ: لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ، الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا وَمَا الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ [4] فِي صَحْرَاءَ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: ولا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا الله، قال: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: 31] . [سورة الفاتحة (1) : آية 4] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) قَوْلُهُ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ مالِكِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «مَلِكِ» قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ وَحَذِرِينَ وحاذرين، ومعناهما الربّ، [كما] [5] يُقَالُ: رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا، وَقِيلَ: المالك [6] هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: «مَالِكٌ» أَجْمَعُ وأوسع لأنه يقال: مالك العبيد [7] وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ، وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مالك لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك ملك، وليس كل ملك مَلِكًا، وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [المؤمنون: 116] والْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: 23] ومَلِكِ النَّاسِ (2) [النَّاسِ: 2] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يوم الحساب، [قال مجاهد: والدين: الْحِسَابُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم: 30] أي الحساب المستقيم] [8] ، وقال قتادة: الدين [الحساب] [9] ، وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ والشر جميعا، كما يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. قَالَ محمد بن كعب القرظي: مالك [10] يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدّين، وقال يمان بن رئاب: الدِّينُ الْقَهْرُ، يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ، أَيْ: قَهَرَتْهُ فَذَلَّ، وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ، أَيْ: يَوْمَ الطَّاعَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الْفُرْقَانِ: 26] ، وَقَالَ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غَافِرٍ: 16] ، وَقَالَ: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الِانْفِطَارِ: 19] . عمرو بن العاص، والسرادق من الأبنية.

_ (1) في المطبوع «عبيد» . (2) سقط من المطبوع. (3) أثر سعيد بن المسيب وما بعده متلقى عن أهل الكتاب لا حجة فيه. (4) الفسطاط: مجتمع أهل الكورة (أي المدينة) - وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص والسرادق من البنية. (5) سقط من المطبوع. (6) زيد في المخطوط «ومالك» . (7) في المطبوع «العبد» . [.....] (8) سقط من المطبوع. (9) في المطبوع «الجزاء» . (10) في المطبوع «ملك» .

[سورة الفاتحة (1) : آية 5]

وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: «الرَّحِيمِ مَلِكِ» بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ، وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ منونا أو منقوصا أو [تاء الخطاب أو مفتوحا] [1] قبله ساكن في [2] غير المثلين فإنه لا يدغمها وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ، وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ بَيَّتَ طائِفَةٌ [النِّسَاءِ: 81] وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (3) [الصافات: 1. 3] ووَ الذَّارِياتِ ذَرْواً (1) [الذاريات: 1] ، وأدغم التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ وافقه حمزة برواية رجاء وخلف والكسائي [فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ الساكن في المتحرك برواية جابر وخلف] [3] إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ، وَكَذَلِكَ لَا يدغم حمزة الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا في أحرف معدودة. [سورة الفاتحة (1) : آية 5] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) قوله: إِيَّاكَ، إِيَّا كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ، وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ، فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ. قَوْلُهُ: نَعْبُدُ أَيْ: نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا. فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ والاستعانة تكون قبل العبادة، [قيل] [4] هذا [5] يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الفعل، ونحن نحمد الله ونجعل التوفيق والاستطاعة [6] مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التقديم والتأخير، ويقال: الاستطاعة نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ مَا هو من تفاصيلها [7] . [سورة الفاتحة (1) : آية 6] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) ، اهْدِنَا: أرشدنا، وقال [8] أبيّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، أَيْ: دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ، بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ، لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أهل السنة. الصِّراطَ: و «السراط» [9] قرئ بالسين رواه رويس [10] عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ الصَّادُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ.

_ (1) العبارة في المطبوع «مفتوحا أو تاء الخطاب» . (2) في المطبوع «من» . (3) سقط من المطبوع. (4) سقط من المطبوع. (5) في المطبوع «فلهذا» . (6) في المطبوع «الاستعانة» . (7) في المخطوط- أ- ب «فضائلها» . (8) زيد في المطبوع «علي» . (9) في المطبوع «وصراط» . (10) وقع في كافة النسخ «أويس» وهو تصحيف، والتصويب عن «البدور الزاهرة» ص (2) .

[سورة الفاتحة (1) : آية 7]

وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وجابر: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، وقال ابن مسعود: هو القرآن. ع «29» وروي عن علي مَرْفُوعًا «الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ» . وقال سعيد بن جبير: طَرِيقُ الْجَنَّةِ، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ أَبُو العالية والحسن: رسول الله وَصَاحِبَاهُ [1] ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الواضح. [سورة الفاتحة (1) : آية 7] صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أَيْ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [النِّسَاءِ: 69] الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عليهما السلام قبل أن يغيّروا دينهم، وقال عبد الرحمن: هم النبي وَمَنْ مَعَهُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هم الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عنهما، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ [زَيْدٍ] [2] : رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَأَهْلُ بَيْتِهِ] [3] . قَرَأَ حَمْزَةُ «عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وإليهم» بضم الهاء [4] ، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ: بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [الْمُمْتَحِنَةِ: 12] ، وقرأ الآخرون بكسرها [5] ، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، ومن كسر [6] فلأجل الياء الساكنة والياء أخت الكسرة، وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كل ميم جمع [ضما]] مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ، فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فلا يشبع، ونافع يخفف [8] ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ الْقَطْعِ، وإذا لقته [9] ألف وصل وقبل الهاء كسرة أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ ضَمَّ الْهَاءَ والميم حمزة والكسائي وكسر هما أبو عمرو، كذلك يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ، والآخرون [يقرؤون] [10] بضم الميم وكسر الهاء لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ يعني: غير صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ. وَلَا الضَّالِّينَ أَيْ: وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى، وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ والغيبوبة، يقال: ضل

_ 29- ع انظر الحديث المتقدم برقم: 5، والراجح فيه الوقف. [.....] (1) زيد في المطبوع «وآله» . (2) في الأصل «زيدان» وهو تصحيف. (3) زيد في المطبوع. (4) في المطبوع «هاءاتها» . (5) في المطبوع «بكسر هما» . (6) في المطبوع «كسرها» . (7) سقط من المطبوع. (8) في المطبوع «يخير» . (9) في المطبوع «تلقته» . (10) زيد في المطبوع.

الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ، وَ «غَيْرِ» هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا، وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ، وَلِذَلِكَ جاز العطف [عليها] [1] ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ، فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى، فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عليها بلا، لا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ، وَقَرَأَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه [2] : «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ» ، وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ: هُمُ الْيَهُودُ. وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ، فَقَالَ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ [الْمَائِدَةِ: 60] ، وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ [الْمَائِدَةِ: 77] . وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بِالْبِدْعَةِ وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ من قراءة الفاتحة: «آمين» ، مفصولا عن الفاتحة بسكتة، وهو مخفف ويجوز مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا، وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ، كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ. «30» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بن الْقَاضِي، وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّ الملائكة يقولون [3] : آمِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ: آمِينَ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه» صحيح.

_ 30- صحيح. محمد بن يحيى هو الذهلي خرج له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، عبد الرزاق هو ابن همام صاحب المصنف، ومعمر هو ابن راشد والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، وابن المسيب هو سعيد، وهذا إسناد كالشمس. وهو في «شرح السنة» (590) بهذا الإسناد. رواه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «المصنف» (2644) عن معمر بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 780 و782 و6402 ومسلم 410 وأبو داود 936 والترمذي 250 والنسائي 2/ 144 وابن ماجه 852 ومالك 1/ 87 والشافعي في «المسند» (1/ 76- 77) وأحمد 2/ 233 وابن خزيمة 569 وابن حبان 1804 والبيهقي 2/ 57 من طرق كلهم من حديث أبي هريرة. (1) زيد في المطبوع. (2) في المطبوع تقديم وتأخير هاهنا مخلّ بالمعنى. (3) في المطبوع «تقول» وفي- ب- «تقولون» . [.....]

(فصل في فضائل [1] فاتحة الكتاب)

(فصل في فضائل [1] فاتحة الكتاب) «31» أَنَا أَبُو الْحَسَنِ [2] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ [3] أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ، أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو [4] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ [5] الْوَهَّابِ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ [6] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ [7] الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ به فقال: «تعال يَا أُبَيُّ» فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ، أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» [الْأَنْفَالِ: 24] ؟ قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وإن كنت مصليا، قال [8] : «تحب أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفرقان [9] مِثْلُهَا» ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا» ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَقَفَ فَقَالَ: «نَعَمْ! كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ» ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفرقان [10] مثلها وإنما هي السبع من [11] الْمَثَانِي الَّتِي آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ، هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

_ 31- صحيح، خالد بن مخلد، روى له البخاري، وفيه ضعف لكن توبع، وشيخه روى له الشيخان، والعلاء من رجال مسلم، وأبوه روى له الشيخان. وهو في «شرح السنة» (1183) بهذا الإسناد. وقال البغوي: هذا حديث صحيح. - وأخرجه الترمذي 2875 من طريق قتيبة عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ العلاء به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ووافقه البغوي. - وورد بنحوه مختصرا من طريق عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بهذا الإسناد. أخرجه الترمذي 3125 والنسائي 2/ 139 وأحمد 5/ 114 والحاكم 1/ 557 وابن خزيمة 500 وابن حبان 775 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وأخرجه مالك 1/ 83 عن العلاء عن أبي سعيد مولى عامر بن كريز مرسلا. - وفي الباب من حديث أبي سعيد بن المعلى أخرجه البخاري 4474 و4647 و4703 و5006 وأبو داود 1458 والنسائي 2/ 139 وابن ماجه 3785 والطيالسي 2/ 9 وأحمد 3/ 211 و450 وابن حبان 777 والطبراني 22/ (303) والبيهقي 2/ 368، وانظر «فتح الباري» (8/ 157) . (1) في المطبوع «فضل» . (2) في «شرح السنة» «أبو الحسين» . (3) وقع في الأصل «الكتاني» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . (4) في الأصل «عمر» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (5) في الأصل «عبد الله الوهّاب» والتصويب عن «شرح السنة» . (6) في الأصل «القطراني» والتصويب عن «شرح السنة» وكتاب «الأنساب» للسمعاني. (7) في الأصل «ابن العلاء» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (8) في المخطوط «فقال» والمثبت عن «شرح السنة» والمطبوع. (9) في المطبوع «القرآن» . (10) في المطبوع «القرآن» . (11) لفظ «من» مثبت في المطبوع و «شرح السنة» .

«32» أخبرنا أبو بكرة مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خالد أنا إسحق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ [1] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عباس قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا [2] مِنْ فَوْقِهِ: فرفع جبريل بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لن تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ» ، صحيح. «33» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ محمد الشّيرزي [3] حدثنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فهي [خداج، هي خداج] [4] خداج غير تمام» ، قال: فقلت: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَغَمَزَ [5] ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ [6] فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نصفين، فنصفها [7] لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا يَقُولُ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، يقول الْعَبْدُ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يَقُولُ اللَّهُ عزّ وجلّ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي [8] مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، يَقُولُ اللَّهُ: فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» . صَحِيحٌ. [وأخرجه مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] [9] .

_ 32- حديث صحيح، رجاله رجال مسلم، أبو الأحوص هو سلام بن سليم الكوفي. وهو في «شرح السنة» (1194) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 806 والنسائي 2/ 138 والحاكم 1/ 558- 559 وابن حبان 778 والطبراني في «الكبير» 12255 من طرق عن عمار بن رزيق بهذا الإسناد. 33- إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو مصعب هو أحد الأئمة ممن روى موطأ الإمام مالك بن أنس، وهو مطبوع. وهو في «شرح السنة» (579) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 84) عن العلاء به. - وأخرجه مسلم 395 وأبو داود 821 والترمذي 2953 والنسائي 2/ 135- 136 وابن ماجه 838 و3784 وعبد الرزاق 2767 و2768 وابن أبي شيبة 1/ 360 وأحمد 2/ 241 و457 و460 وابن خزيمة 490 وابن حبان 776 من حديث أبي هريرة رواه بعضهم. مطوّلا، وبعضهم مختصرا. [.....] (1) في الأصل «ذريق» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج والتراجم. (2) في المطبوع «نقضا» . (3) وقع في النسخ، «الشيرازي» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنوار» (373) . (4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع. (5) غمزه بيده: شبه نخسه. (6) في المطبوع «يا قارئ» . (7) في المطبوع «نصفها» . (8) في المطبوع «فلعبدي» . (9) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» .

2- سورة البقرة

2- سُورَةِ الْبَقَرَةِ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتٍ] [1] [سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الم قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ الله بِعِلْمِهِ، وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [2] : فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ وَسِرُّ الله فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ. وَقَالَ عَلِيٍّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] : أَنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي. وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: كُنْتُ أَسْأَلُ الشَّعْبِيَّ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ فَدَعْهَا، وَسَلْ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: [هِيَ] [3] مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي، فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كهيعص (1) [مريم: 1] ، الكاف من كاف، وَالْهَاءُ مِنْ هَادٍ وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ [4] وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ، وَقِيلَ فِي المص (1) [الأعراف: 1] أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَى الم أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَعْنَى المص أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأفضل، وَمَعْنَى الر: أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى المر [الرعد: 1] أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كقولهم: قلت لها قفي فقالت [5] قَافْ أَيْ: وَقَفْتُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: هِيَ أَسْمَاءُ الله تعالى مقطعة لو أحسن النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ المر وَحم وَن فَتَكُونُ الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ، وبيانه أن

_ (1) سقط من المطبوع. (2) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المخطوط وحده «حليم» . (5) زيد في المطبوع وحده «في» . [.....]

الْقَائِلَ إِذَا قَالَ قَرَأْتُ المص عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص. وَرُوِيَ عَنِ ابن عباس: أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وفضلها لأنها مباني كتبه المنزلة ومبادئ أسمائه الحسنى. ذلِكَ الْكِتابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) قوله: ذلِكَ الْكِتابُ أَيْ: هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: هَذَا فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ هَذَا ذَلِكَ الْكِتَابُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَلَمَّا أَنْزَلَ [1] الْقُرْآنَ قَالَ: هَذَا ذَلِكَ الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْزِلَهُ عَلَيْكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَعَلَى لِسَانِ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ، وَهَذَا لِلتَّقْرِيبِ وَذَلِكَ لِلتَّبْعِيدِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ سُوَرًا كَذَّبَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَقَالَ: ذَلِكَ الْكِتَابُ يَعْنِي مَا تقدم [سورة] [2] الْبَقَرَةَ مِنَ السُّوَرِ، لَا شَكَّ فِيهِ، وَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ [خَلْقٌ] [3] ، وَهَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ فُلَانٍ، [أَيْ] [4] : مضروبه، وأصل الكتاب الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَيُقَالُ لِلْجُنْدِ كَتِيبَةٌ، لِاجْتِمَاعِهَا وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جمع حرف إلى أحرف. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا رَيْبَ فِيهِ، أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ من عند الله وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ: لَا ترتابوا فيه لقوله تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [الْبَقَرَةِ: 197] ، أَيْ: لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ فِيهِ بِالْإِشْبَاعِ فِي الْوَصْلِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ هَاءِ كِنَايَةٍ [5] قَبْلَهَا سَاكِنٌ يُشْبِعُهَا وَصْلًا مَا لَمْ يَلْقَهَا [6] سَاكِنٌ، ثُمَّ إِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الهاء ياء يشبعها بالكسر ياء، وإن كان غيرها يُشْبِعُهَا بِالضَّمِّ وَاوًا، وَوَافَقَهُ حَفْصٌ فِي قَوْلِهِ: فِيهِ مُهاناً [الْفُرْقَانِ: 69] فأشبعه. قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، يُدْغِمُ الْغُنَّةَ عِنْدَ اللَّامِ وَالرَّاءِ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، زَادَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ عِنْدَ الْيَاءِ، وَزَادَ حَمْزَةُ عِنْدَ الْوَاوِ، وَالْآخَرُونَ لَا يُدْغِمُونَهَا، وَيُخْفِي أَبُو جَعْفَرٍ النُّونَ وَالتَّنْوِينَ عِنْدَ الْخَاءِ وَالْغَيْنِ، هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ: هُوَ هُدًى، أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: هَادِيًا تَقْدِيرُهُ لَا رَيْبَ [7] فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ، وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ، لِلْمُتَّقِينَ، أَيْ: للمؤمنين قال ابن عباس: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ، وأصله الحجز بين شيئين، وَمِنْهُ يُقَالُ: اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ: جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ ما يقصده. ع «34» وَفِي الْحَدِيثِ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ [8] الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم.

_ 34- صحيح. هو طرف حديث أخرجه مسلم 1776 ح 79 والبيهقي في «الدلائل» (5/ 134- 135) عن البراء به. وفيه «إذا احمرّ البأس» بدل «إذا اشتد» . - وله شاهد من حديث علي أخرجه أحمد 1/ 86 وأبو الشيخ في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ص (57) وأبو يعلى 302 و412 وإسناده صحيح. (1) زيد في المطبوع وحده «الله» والمثبت عن المخطوط وط. (2) سقط من المطبوع. (3) سقط من المطبوع. (4) زيد في المطبوع. (5) في المطبوع كتابة. (6) في المطبوع «يلها» . (7) زيد في المطبوع «فيه» . (8) في المطبوع «اشتد» .

[سورة البقرة (2) : آية 3]

ي: إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ جَعَلْنَاهُ حَاجِزًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، [فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عما بهاه حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَذَابِ] [1] ، قَالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] لكعب الأحبار: حدثنا عن اتقون، فَقَالَ: هَلْ أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ نَعَمْ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ؟ قَالَ: حَذِرْتُ وَشَمَّرْتُ [2] ، قال كعب [3] : وذلك التقوى، [وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: التَّقْوَى أَنْ لَا تَرَى نَفْسَكَ خَيْرًا مِنْ أحد. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: التَّقْوَى تَرْكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ، فَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ، وَقِيلَ: هُوَ الِاقْتِدَاءُ [4] بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. ع «35» وَفِي الْحَدِيثِ: «جِمَاعُ التَّقْوَى» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ» [النَّحْلِ: 90] الْآيَةَ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الْمُتَّقِي الَّذِي يَتْرُكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حذرا مما به بأس، وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أو لأنهم هم المنتفعون بالهدى] [5] . [سورة البقرة (2) : آية 3] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مَوْضِعُ الَّذِينَ خَفْضٌ، نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ (يُؤْمِنُونَ) يصدقون، ويترك همزه أَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ، وَالْآخَرُونَ يَهْمِزُونَهُ، وَكَذَلِكَ يَتْرُكَانِ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ [نَحْوَ] [6] يُؤْمِنُ وَمُؤْمِنٌ إِلَّا أَحْرُفًا مَعْدُودَةً، وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا [يُوسُفَ: 17] أَيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنَا. وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَسُمِّيَ الْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ إِيمَانًا لِوَجْهٍ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ، وَالْإِسْلَامُ هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ فَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْدِيقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [الْحُجُرَاتِ: 14] ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ قد يكون [مسلما] [7] فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ فِي الباطن ويكون مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ في الظاهر، وقد اختلف [في] [8] جَوَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا [9] حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مَا: «36» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ [بْنِ عَلِيِّ بْنِ] ...

_ 35- لا أصل له في المرفوع، وإنما هو من كلام بعض أهل التفسير، ويأتي في سورة النحل. 36- إسناده صحيح. عيسى بن أحمد العسقلاني ثقة، وقد توبع ومن دونه ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 8 وأبو داود 4695 و4697 والترمذي 2610 والنسائي 8/ 97 وابن ماجه 63 والطيالسي 21 وابن أبي شيبة 11/ 44- 45 وأحمد 1/ 52 و53 و107 وابن حبان 168 وابن مندة في «الإيمان» (1- 8 و185 و186) من طرق عن كهمس بهذا الإسناد. وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 50 و4777 وغيره. (1) زيد في المطبوع. (2) في المطبوع «وتشمرت» . (3) كعب هو ابن ماتع الحميري، ويعرف ب- كعب الأحبار- عامة رواياته من الإسرائيليات. [.....] (4) وقع في الأصل «اقتداء» والمثبت عن «ط» . (5) في المطبوع تقديم وتأخير في النص. (6) زيد في المطبوع. (7) في المطبوع «مستسلما» . (8) سقط من المطبوع. (9) في المخطوط «فيها» .

بَوَيْهٍ [1] الزَّرَّادُ الْبُخَارِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ، ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا كَهَمْسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ- يَعْنِي بِالْبَصْرَةِ- معبد الجهني، [قال] خرجت أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُرِيدُ مَكَّةَ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ [عما] يقول هَؤُلَاءِ، فَلَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عمر فاكتنفته أنا وصاحبي- اكتنفوا أي: أحاطوا- أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكِلُ الْكَلَامَ إليّ فقلت: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظهر قبلنا أناس يتقفّرون [2] هَذَا الْعِلْمَ وَيَطْلُبُونَهُ، يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ إِنَّمَا الْأَمْرُ أُنُفٌ [3] ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَإِنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ مَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ فَأَقْبَلَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُكْبَتُهُ تَمَسُّ رُكْبَتَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ] ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، فَتَعَجَّبْنَا مِنْ سُؤَالِهِ وَتَصْدِيقِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بالله وحده وملائكته وكتبه ورسله وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، قَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: «ما المسئول عنها بأعلم مِنَ السَّائِلِ» ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي بُنْيَانِ الْمَدَرِ» [5] ، قَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذَلِكَ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ، وَمَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ فِيهَا إِلَّا فِي صُورَتِهِ هَذِهِ» [6] . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لما بطن من الاعتقاد، [7] وذلك لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، والتصديق [8] بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ، بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِذَلِكَ قال: «ذاك جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ» ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ [الْأَعْمَالَ مِنَ] [9] الإيمان، ما:

_ (1) وقع في الأصل «محمد التوبة» والتصويب عن «شرح السنة» و «ط» و «الأنوار» رقم (80) . (2) وقع في الأصل «يتفقرون» والتصويب من «صحيح مسلم» . ومعنى «يتقفّرون العلم» : يطلبونه ويتتبعونه- وقيل: معناه يجمعونه. (3) وقع في الأصل «أفق» والتصويب من «صحيح مسلم» . و «إن الأمر أنف» أي مستأنف، لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه. (4) زيد في المطبوع الإسلام. (5) في «القاموس» : المدر: قطع الطين اليابس، والمدن، والحضر. (6) زيد في المطبوع هاهنا «قال الفراء» . (7) زيد في المطبوع «ليس» . (8) في المطبوع «وتصديق» . [.....] (9) زيد في المطبوع.

«37» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الشاه، ثنا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ عن جرير الرازي، عَنْ سُهَيْلِ [1] بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» . [وَقِيلَ] [2] الْإِيمَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمَانِ فَسُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْعِبَادَ مِنْ عَذَابِهِ. بِالْغَيْبِ، وَالْغَيْبُ: مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ، فَقِيلَ لِلْغَائِبِ: غَيْبٌ، كَمَا قِيلَ لِلْعَادِلِ: عَدْلٌ، وَلِلزَّائِرِ: زَوْرٌ، وَالْغَيْبُ مَا كَانَ مَغِيبًا عَنِ [3] الْعُيُونِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ هَاهُنَا كُلُّ مَا أُمِرْتَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِيمَا غَابَ عَنْ بَصَرِكَ من الْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ. وَقِيلَ: الْغَيْبُ هَاهُنَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ. وَقَالَ الحسن: الآخرة. وَقَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَابْنُ جريج: الوحي، نَظِيرُهُ: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ [النَّجْمِ: 35] ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْقَدَرِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم وما سبقوا بِهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ كَانَ بَيِّنًا [4] لِمَنْ رَآهُ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأَ: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ، إِلَى قوله: الْمُفْلِحُونَ [البقرة: 1- 5] ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ: يُؤْمِنُونَ، بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، وَكَذَلِكَ يترك أبو جعفر كُلِّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ إِلَّا فِي أَنْبِئْهُمْ [البقرة: 33] ، ويُنَبِّئُهُمُ [المائدة: 14] ، ونَبِّئْنا [يوسف: 36] ، وَيَتْرُكُ أَبُو عَمْرٍو كُلَّهَا إِلَّا أن يكون علامة للجزم نحو نَبِّئْهُمْ [القمر: 28] ، وأَنْبِئْهُمْ [البقرة: 33] ، وتَسُؤْهُمْ [آل عمران: 120] ، وتَسُؤْكُمْ [المائدة: 101] ، وإِنْ نَشَأْ [الشعراء: 4] ، ونُنْسِها [البقرة: 106] ، ونحوها أو يكون خروجها مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى نَحْوَ: مُؤْصَدَةٌ [البلد: 20] ، ووَ رِءْياً [مريم: 74] ، وَيَتْرُكُ وَرْشٌ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ كانت قبل فاء الفعل، إلا: تُؤْوِي [5] [الأحزاب: 51] وتُؤْوِيهِ [6] [المعارج: 13] ، وَلَا يَتْرُكُ مِنْ عَيْنِ الْفِعْلِ إلا: الرُّؤْيَا [الإسراء: 60] ، وَبَابَهُ إِلَّا مَا كَانَ عَلَى وزن فعلي [7] . قوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، أَيْ: يُدِيمُونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا بِحُدُودِهَا وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا، يُقَالُ: قَامَ بِالْأَمْرِ وَأَقَامَ الأمر إذا أتى به معطيا حقوقه، أو المراد بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، ذُكِرَ بِلَفْظِ

_ 37- صحيح. خلف ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال مسلم جرير الرازي هو ابن عبد الحميد. وهو في «شرح السنة» (17) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 35 وأبو داود 4676 والترمذي 2614 والنسائي 8/ 110 وابن ماجه 57 والبخاري في «الأدب المفرد» (598) وأحمد 2/ 379 و414 والطيالسي 2402 وابن حبان 166 و191 وابن مندة في «الإيمان» (147) و170 و171 وابن أبي شيبة 11/ 40 والبغوي 17 والآجري في «الشريعة» (110) من طرق كلهم من حديث أبي هريرة وفي رواية لمسلم وغيره «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة ... » . (1) في الأصل «سهل» والتصويب عن «شرح السنة» و «كتب التراجم» . (2) سقط من المطبوع. (3) في المطبوع «من» . (4) في المطبوع «بيننا» . (5) في المخطوط «يؤتي» . (6) في المخطوط «تؤتيه» . (7) في المطبوع «فعل» .

[سورة البقرة (2) : آية 4]

الواحد كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ [الْبَقَرَةِ: 213] ، يَعْنِي: الْكُتُبَ، وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التَّوْبَةِ: 103] ، أَيِ: ادْعُ لَهُمْ، وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقُعُودٍ وَدُعَاءٍ وَثَنَاءٍ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الْأَحْزَابِ: 56] الْآيَةَ، إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ الدُّعَاءُ. قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ، أَيْ: أَعْطَيْنَاهُمْ، وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ. يُنْفِقُونَ: يَتَصَدَّقُونَ، قَالَ قَتَادَةُ: يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ: الْإِخْرَاجُ عَنِ الْيَدِ وَالْمُلْكِ، وَمِنْهُ نِفَاقُ السوق، لأنه يخرج فِيهِ السِّلْعَةُ عَنِ الْيَدِ، ومنه نَفَقَتِ الدَّابَّةُ: إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهَا، فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مشركي العرب. [سورة البقرة (2) : آية 4] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) قوله: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ. وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: من التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَتْرُكُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَقَالُونُ [وَأَبُو عَمْرٍو] [1] وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ويعقوب كلّ مدّ يقع بين [2] كَلِمَتَيْنِ، وَالْآخَرُونَ يَمُدُّونَهَا، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [3] . قوله: وَبِالْآخِرَةِ، أي: بالدار الآخرة، سميت الدنيا دنيا: لدنوها من الآخرة، وسميت الآخرة آخرة: لتأخرها وكونها بعد [فناء] [4] الدنيا. هُمْ يُوقِنُونَ، أي: يستيقنون أنها كائنة، مِنَ الْإِيقَانِ وَهُوَ الْعِلْمُ. وَقِيلَ: الْإِيقَانُ وَالْيَقِينُ عِلْمٌ عَنِ اسْتِدْلَالٍ، وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ مُوقِنًا وَلَا عِلْمُهُ يَقِينًا إِذْ لَيْسَ عِلْمُهُ عَنِ اسْتِدْلَالٍ. [سورة البقرة (2) : الآيات 5 الى 9] أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) قَوْلُهُ: أُولئِكَ، أَيْ: أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَأُولَاءِ: كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْكِنَايَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ نَحْوُ: هُمْ، وَالْكَافُ لِلْخِطَابِ، كَمَا فِي حَرْفِ ذَلِكَ. عَلى هُدىً، أي: [على] [5] رُشْدٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ. مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: النَّاجُونَ وَالْفَائِزُونَ فَازُوا بِالْجَنَّةِ وَنَجَوْا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ الْفَلَاحُ بِمَعْنَى البقاء، أي: الباقون [6] فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَأَصْلُ الْفَلَاحِ: الْقَطْعُ وَالشَّقُّ، وَمِنْهُ سُمِّي الزَّرَّاعُ: فَلَّاحًا، لِأَنَّهُ يَشُقُّ الْأَرْضَ، وَفِي الْمَثَلِ: الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ [أَيْ: يشق] [7] ، فهم المقطوع لَهُمْ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

_ (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع «كل» . (3) في المطبوع «الكتب» . (4) سقط من المطبوع. (5) سقط من المطبوع. [.....] (6) في المطبوع «باقون» . (7) سقط من المخطوط.

قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْيَهُودَ. وَالْكُفْرُ هُوَ [1] الْجُحُودُ، وَأَصْلُهُ: من السَّتْرُ وَمِنْهُ: سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ بِظُلْمَتِهِ. وَسُمِّي الزَّرَّاعُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْحَبَّ بِالتُّرَابِ، وَالْكَافِرُ [2] يَسْتُرُ الْحَقَّ بِجُحُودِهِ، وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جَحُودٍ، وَكُفْرُ عِنَادٍ، وكفر نفاق، فكفر الإنكار هو أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا وَلَا يَعْتَرِفَ بِهِ [3] ، وَكُفْرُ الْجَحُودِ هُوَ أَنْ [4] يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ولا يعترف بلسانه ككفر إبليس [لعنه الله] [5] وَكُفْرِ الْيَهُودِ [6] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [الْبَقَرَةِ: 89] ، وَكُفْرُ الْعِنَادِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنَّ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْتَقِدَ بِالْقَلْبِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُغْفَرُ لَهُ. قَوْلُهُ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ: مُتَسَاوٍ لَدَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ: خَوَّفْتَهُمْ وَحَذَّرْتَهُمْ، وَالْإِنْذَارُ: إِعْلَامٌ مَعَ تَخْوِيفٍ وَتَحْذِيرٍ، فكل مُنْذِرٍ مُعَلِّمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُعَلِّمٍ مُنْذِرًا، وَحَقَّقَ [7] ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الْهَمْزَتَيْنِ فِي أَأَنْذَرْتَهُمْ، وَكَذَلِكَ كَلُّ هَمْزَتَيْنِ تَقَعَانِ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ، وَالْآخَرُونَ يُلَيِّنُونَ الثَّانِيَةَ، أَمْ: حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، لَمْ: حرف جزم لا يلي إِلَّا الْفِعْلَ، لِأَنَّ الْجَزْمَ يَخْتَصُّ بِالْأَفْعَالِ. تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ: وَهَذِهِ الآية [نزلت] [8] فِي أَقْوَامٍ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشَّقَاوَةِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ فقال: خَتَمَ اللَّهُ، أي: طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلَا تعني خَيْرًا وَلَا تَفْهَمُهُ، وَحَقِيقَةُ الْخَتْمِ: الِاسْتِيثَاقُ مِنَ الشَّيْءِ كَيْلَا يَدْخُلَهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجَ عَنْهُ مَا فِيهِ وَمِنْهُ الْخَتْمُ عَلَى الْبَابِ، قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَيْ: حَكَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ لما سبق من علمه الأوّل فِيهِمْ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ عَلَامَةً تَعْرِفُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا، وَعَلى سَمْعِهِمْ، أَيْ: عَلَى مَوْضِعِ سَمْعِهِمْ فَلَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَأَرَادَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ كَمَا قَالَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَإِنَّمَا وَحَّدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ: هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ، غِشَاوَةٌ أَيْ: غِطَاءٌ فَلَا يَرَوْنَ الْحَقَّ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو [وَحَمْزَةُ] [9] وَالْكِسَائِيُّ: أَبْصارِهِمْ بِالْإِمَالَةِ وَكَذَلِكَ كَلُّ أَلِفٍ بَعْدَهَا رَاءٌ مَجْرُورَةٌ فِي الْأَسْمَاءِ كَانَتْ لَامَ الْفِعْلِ يُمِيلَانِهَا [10] ، وَيُمِيلُ حَمْزَةُ مِنْهَا [مَا يَتَكَرَّرُ] [11] فِيهِ الرَّاءُ «كَالْقَرَارِ» وَنَحْوِهِ، زَادَ الْكِسَائِيُّ إِمَالَةَ (جَبَّارِينَ، وَالْجَوَارِ، [وَالْجَارِ وَبَارِئِكُمْ] [12] وَمَنْ أَنْصَارِي، وَنُسَارِعُ) وَبَابِهِ، وَكَذَلِكَ يميل هؤلاء كل ألف [هي] [13] بِمَنْزِلَةِ لَامِ الْفِعْلِ أَوْ كَانَ عَلَمًا لِلتَّأْنِيثِ إِذَا كَانَ قَبْلَهَا رَاءٌ، فَعَلَمُ التَّأْنِيثِ مِثْلُ: (الْكُبْرَى، وَالْأُخْرَى) ، وَلَامُ الْفِعْلِ مِثْلُ: (تَرَى، وفترى) ، يكسرون الراء منها [14] .

_ (1) في المطبوع «عن» . (2) في المطبوع «فالكافر» . (3) زيد في المطبوع «وكفر به» . (4) زيد في المطبوع: لا. (5) سقط من المطبوع. (6) سقط من المخطوط. (7) في المطبوع: «خقق» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط. (10) في المخطوط «يميلانه» . (11) العبارة في المطبوع «ما» . (12) ما بين المعقوفتين في المطبوع «مأواكم» . [.....] (13) سقط في المطبوع. (14) في المخطوط «فِيهَا» .

وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ الدَّائِمُ فِي الْعُقْبَى، والعذاب: كل ما يعيي [1] الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ، قَالَ الْخَلِيلُ [بن أحمد] : الْعَذَابُ مَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ مُرَادِهِ، وَمِنْهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ. قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي ابن [2] سَلُولٍ وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَجَدِّ بْنِ قَيْسٍ وَأَصْحَابِهِمْ، حَيْثُ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ لِيَسْلَمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَاعْتَقَدُوا خِلَافَهَا، وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّاسُ: جَمْعُ إِنْسَانٍ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [طه: 115] ، وَقِيلَ: لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ [آنَسْتُ] [3] ، أَيْ: أَبْصَرْتُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ، وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَيْ: بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخادِعُونَ اللَّهَ، أي: يخالفون الله، وأصل الخداع [4] فِي اللُّغَةِ الْإِخْفَاءُ، وَمِنْهُ الْمَخْدَعُ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُخْفَى فِيهِ الْمَتَاعُ، والمخادع يظهر خلاف ما يضمر، والخداع [5] مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ خادِعُهُمْ [النِّسَاءِ: 142] ، أَيْ: يُظْهِرُ لَهُمْ وَيُعَجِّلُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الدُّنْيَا خِلَافَ مَا يَغِيبُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: أَصْلُ الخداع [6] : الْفَسَادُ. [مَعْنَاهُ: يُفْسِدُونَ مَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا أَضْمَرُوا مِنَ الْكُفْرِ] [7] ، وَقَوْلُهُ: وَهُوَ خادِعُهُمْ ، أَيْ: يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ نَعِيمَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا يُصَيِّرُهُمْ إِلَيْهِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ، وَالْمُفَاعَلَةُ لِلْمُشَارَكَةِ وَقَدْ جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمُخَادَعَةِ؟ قِيلَ: قَدْ تَرِدُ الْمُفَاعَلَةُ لَا عَلَى مَعْنَى الْمُشَارِكَةِ كَقَوْلِكَ: عَافَاكَ اللَّهُ وَعَاقَبْتُ [8] فُلَانًا وَطَارَقْتُ النَّعْلَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ [الْأَحْزَابِ: 57] ، أَيْ: أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ هَاهُنَا [9] تَحْسِينٌ، وَالْقَصْدُ بِالْمُخَادَعَةِ الَّذِينَ آمَنُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الْأَنْفَالِ: 41] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ خِدَاعٌ فِي دِينِهِمْ. وَالَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ: وَيُخَادِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ إِذَا رَأَوْهُمْ آمَنَّا وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وَما يَخْدَعُونَ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو: «وَمَا يُخَادِعُونَ» [10] كَالْحَرْفِ الْأَوَّلِ وَجَعَلُوهُ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ [11] بِالْوَاحِدِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَما يَخْدَعُونَ عَلَى الْأَصْلِ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، لِأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ لأن الله يُطْلِعُ [12] نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُفْتَضَحُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَوْجِبُونَ الْعِقَابَ فِي الْعُقْبَى، وَما يَشْعُرُونَ، أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنَّ وَبَالَ خداعهم يعود عليهم [13] .

_ (1) تثبت ألف- ابن- إن وقع بين علمين، لكن أحدهما هاهنا مذكر والثاني مؤنث وسلول جدة أبي. وقد ثبتت الألف في القرآن الكريم في «عيسى ابن مريم» فتنبه، والله الموفق. (2) في المطبوع «يعني» . (3) سقط من المطبوع. 4 في المخطوط «الخدع» . 5- في المخطوط «الخدع» . 6- في المخطوط «الخدع» . (7) العبارة في المخطوط [معناه: ما يفسدون من ظهور الإيمان وإضمار الكفر] . (8) في المطبوع «وعافيت» . (9) في المخطوط «هنا» . (10) وقع في الأصل «يخدعون» والتصويب من «م» و «كتب القراءات» . (11) في المطبوع «يختص» . (12) في المخطوط «أطلع» . [.....] (13) في المخطوط «إليهم» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 10 الى 14]

[سورة البقرة (2) : الآيات 10 الى 14] فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ: شَكٌّ وَنِفَاقٌ، وأصل المرض الضعف، سمي الشَّكُّ فِي الدِّينِ [1] مَرَضًا لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الدِّينَ كَالْمَرَضِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ، فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً، لِأَنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ تَنْزِلُ تَتْرَى آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كُلَّمَا كَفَرُوا بِآيَةٍ ازْدَادُوا كُفْرًا وَنِفَاقًا، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: 125] ، قرأ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ فَزادَهُمُ، بِالْإِمَالَةِ، وَزَادَ حَمْزَةُ إِمَالَةَ (زَادَ) حَيْثُ وقع، (وزاغ، وخاب، وخاف، وحاق، وضاق، وطاب) ، وَالْآخَرُونَ لَا يُمِيلُونَهَا، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ: مُؤْلِمٌ يَخْلُصُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، بِما كانُوا يَكْذِبُونَ [مَا لِلْمَصْدَرِ، أَيْ: بِتَكْذِيبِهِمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي السِّرِّ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ] [2] يَكْذِبُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: بِكَذِبِهِمْ إِذْ قَالُوا: آمَنَّا وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وَإِذا قِيلَ لَهُمْ قرأ الكسائي (قيل، وغيض، وجيء، وحيل، وسيق، وسيئت) بروم أوائلهن الضم، ووافق أهل المدينة في (سيئ، وسيئت) وَوَافَقَ ابْنَ عَامِرٍ فِي (سِيقَ، وحيل، وسيء، وَسِيئَتْ) ، لِأَنَّ أَصْلَهَا قُوِلَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ، مِثْلَ قُتِلَ، وَكَذَلِكَ فِي أَخَوَاتِهِ، فَأُشِيرَ إِلَى الضَّمَّةِ لِتَكُونَ دَالَّةً عَلَى الْوَاوِ المنقلبة، و [قرأ] [3] الْبَاقُونَ بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ، اسْتَثْقَلُوا الْحَرَكَةَ عَلَى الْوَاوِ، فَنَقَلُوا كَسْرَتَهَا إِلَى فَاءِ الْفِعْلِ وَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لكسر مَا قَبْلَهَا. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ: يَعْنِي لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ، أَيْ: قَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، بِالْكُفْرِ وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَكْفُرُوا، وَالْكُفْرُ أَشَدُّ فَسَادًا فِي الدِّينِ، قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ: يَقُولُونَ [4] هَذَا الْقَوْلَ كَذِبًا كَقَوْلِهِمْ آمَنَّا وَهُمْ كَاذِبُونَ. أَلا: كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ يُنَبَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبُ، إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ، وَالنَّاسَ بِالتَّعْوِيقِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَلكِنْ لَا يَشْعُرُونَ، أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ، لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِبِطَانِ الْكُفْرِ صَلَاحٌ، وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: لِلْيَهُودِ، آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقِيلَ: كَمَا آمَنَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَيِ: الْجُهَّالُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ النِّفَاقُ مَعَ الْمُجَاهَرَةِ بِقَوْلِهِمْ: أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ؟ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لَا يَعْلَمُونَ، أنهم كذلك، والسفيه خَفِيفُ الْعَقْلِ رَقِيقُ الْحِلْمِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ: رَقِيقٌ، وقيل: السفيه: الكذاب الذي [يعمل] [5] بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُ. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ السُّفَهاءُ أَلا بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ كَلُّ هَمْزَتَيْنِ وَقَعَتَا في كلمتين

_ (1) في المطبوع «الدنيا» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «يقول» . (5) في المطبوع «يتعمد» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 15 الى 19]

اتَّفَقَتَا أَوِ اخْتَلَفَتَا، وَالْآخَرُونَ يُحَقِّقُونَ الْأُولَى وَيَلِينُونَ الثَّانِيَةَ فِي الْمُخْتَلِفَتَيْنِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، فَإِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ مِثْلَ: (هَؤُلَاءِ، وَأَوْلِيَاءِ، وَأُولَئِكَ، وَجَاءَ أمر ربك) ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَرَأَ أبو جعفر وورش [والنواس] [1] ويعقوب بتخفيف [2] الْأُولَى وَتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَ قَالُونُ [بتخفيف الثَّانِيَةِ] [3] لِأَنَّ مَا يُسْتَأْنَفُ أَوْلَى بِالْهَمْزَةِ مِمَّا يُسْكَتُ عَلَيْهِ. وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ إِذَا لَقُوا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، قالُوا آمَنَّا كَإِيمَانِكُمْ وَإِذا خَلَوْا رَجَعُوا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الخلوة، وإِلى، بِمَعْنَى: الْبَاءِ، أَيْ: بِشَيَاطِينِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النِّسَاءِ: 2] أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ. شَياطِينِهِمْ، أَيْ: رُؤَسَائِهِمْ وَكَهَنَتِهِمْ، قال ابن عباس: وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ: كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَبُو بُرْدَةَ فِي بَنِي أَسْلَمَ، وَعَبْدُ الدَّارِ فِي جُهَيْنَةَ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّوْدَاءِ [4] بِالشَّامِ، وَلَا يَكُونُ كَاهِنٌ إِلَّا وَمَعَهُ [شَيْطَانٌ] [5] تَابِعٌ لَهُ، وَالشَّيْطَانُ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَصْلُهُ الْبُعْدُ، يُقَالُ: بِئْرٌ شُطُونٌ، أَيْ: بَعِيدَةُ الْعُمْقِ، سُمِّيَ الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا لِامْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ وَبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ، أَيْ: عَلَى دينكم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا نُظْهِرُ مِنَ الْإِسْلَامِ. قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: (مُسْتَهْزُونَ، وَيُسْتَهْزُونَ، وقل استهزؤوا، وَلِيُطْفُوا، وَلِيُوَاطُوا، وَيَسْتَنْبُونَكَ، وَخَاطِينَ، وَخَاطُونَ، وَمُتَّكِينَ وَمُتَّكُونَ فَمَالُونَ، وَالْمُنْشُونَ) [6] بِتَرْكِ الهمزة فيهن. [سورة البقرة (2) : الآيات 15 الى 19] اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، أَيْ: يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ، سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ [فِي] [7] مُقَابَلَتِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يُفْتَحَ لَهُمْ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ سُدَّ عَنْهُمْ وَرُدُّوا إِلَى النَّارِ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُضْرَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ نور يمشون [به] [8] عَلَى الصِّرَاطِ فَإِذَا وَصَلَ الْمُنَافِقُونَ إِلَيْهِ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، كما قَالَ اللَّهُ تَعَالَى [9] : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ [الحديد: 13] الآية. وقال الحسن: معناه أن اللَّهُ يُظْهِرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ. وَيَمُدُّهُمْ: يتركهم ويمهلهم،

_ (1) في المطبوع «والقواش» . (2) في المطبوع «بتحقيق» . (3) العبارة في المطبوع «بتليين الأولى وتحقيق الثانية» . (4) في المخطوط «الأسود» . (5) زيد في المطبوع. (6) وقع في الألفاظ المتقدمة اضطراب في المطبوع حيث أثبت فوق الواو الهمزة أحيانا وحذفت أحيانا، والصواب بحذفها جميعا كما هو معلوم من قراءة أبي جعفر. والله أعلم. (7) في المطبوع «ب» بدل «في» . (8) زيادة عن المخطوط. [.....] (9) زيد في المطبوع عقب لفظ «تَعَالَى» وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ وقال الله تعالى» .

وَالْمَدُّ وَالْإِمْدَادُ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ [أَكْثَرُ] [1] مَا يَأْتِي فِي الشَّرِّ، وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدِّ: وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [مَرْيَمَ: 79] ، وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [الْإِسْرَاءِ: 6] [وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ] [2] [الطُّورِ: 22] . فِي طُغْيانِهِمْ، أَيْ: في ضلالتهم، وأصل الطغيان: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ: طَغَى الْمَاءُ. يَعْمَهُونَ، أَيْ: يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرِينَ [3] . أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى: [أي اشتروا الْكُفْرَ] [4] بِالْإِيمَانِ، فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ، أَيْ: مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ، أَضَافَ الرِّبْحَ إِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رَبِحَ بَيْعُكَ وَخَسِرَتْ صَفْقَتُكَ. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ: مِنَ الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: مُصِيبِينَ فِي تِجَارَتِهِمْ. مَثَلُهُمْ: شَبَهُهُمْ، وَقِيلَ: صِفَتُهُمْ، وَالْمَثَلُ قَوْلٌ سَائِرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ [يُعْرَفُ] [5] بِهِ مَعْنَى الشَّيْءِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ السَّبْعَةِ، كَمَثَلِ الَّذِي: يَعْنِي الَّذِينَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَنَظِيرُهُ: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) [الزُّمَرِ: 33] ، اسْتَوْقَدَ ناراً: أَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضاءَتْ النَّارُ مَا حَوْلَهُ، أَيْ: حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ، وَأَضَاءَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، يُقَالُ: أَضَاءَ الشيء نفسه وأضاء غيره، وهو هنا مُتَعَدٍّ، ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ يَقُولُ مَثَلُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي مَفَازَةٍ فَاسْتَدْفَأَ وَرَأَى مَا حوله فاتقى مما يخاف، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي في ظلمة خائفا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ أَمِنُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنَاكَحُوا الْمُؤْمِنِينَ وَوَارَثُوهُمْ وَقَاسَمُوهُمُ الْغَنَائِمَ، فَذَلِكَ نُورُهُمْ، فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ وَالْخَوْفِ. وَقِيلَ: ذَهَابُ نورهم في قبورهم [6] ، وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ بِإِظْهَارِ عَقِيدَتِهِمْ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَرَبَ النَّارَ مَثَلًا، ثُمَّ لَمْ يَقُلْ: أَطْفَأَ اللَّهُ نَارَهُمْ [7] لَكِنْ عَبَّرَ بِإِذْهَابِ النور عنه، لأن النار نُورٌ وَحَرَارَةٌ فَيَذْهَبُ نُورُهُمْ وَتَبْقَى الْحَرَارَةُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِضَاءَةُ النَّارِ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْهُدَى، وَذَهَابُ نُورِهِمْ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَالضَّلَالَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَانْتِظَارِهِمْ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ [بِهِ] [8] عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: صُمٌّ، أَيْ: هُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقْبَلُونَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقْبَلُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا، بُكْمٌ خُرْسٌ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقُولُونَهُ [9] ، أَوْ [10] أَنَّهُمْ لَمَّا أَبْطَنُوا خِلَافَ مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بِالْحَقِّ، عُمْيٌ، أَيْ: لَا بَصَائِرَ لَهُمْ، وَمَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ كَمَنْ لَا بَصَرَ لَهُ، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الضَّلَالَةِ إِلَى الْحَقِّ. أَوْ كَصَيِّبٍ، أَيْ: كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ، وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تعالى للمنافقين، معناه [11] : إن

_ (1) في المطبوع «كثيرا» . (2) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط. (3) في المخطوط «متحيرون» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) كذا في المطبوع وب- وفي- أ- «يعرفون» . (6) في المطبوع «القبر» . (7) في المخطوط «نوره» بدل «نارهم» . (8) زيادة في المطبوع. (9) في المخطوط «لا يقبلونه» . (10) في المخطوط «أي» بدل: أو. (11) في المطبوع «بمعنى» .

شِئْتَ مَثِّلْهُمْ بِالْمُسْتَوْقَدِ، وَإِنْ شِئْتَ [مثّلهم] [1] بِأَهْلِ الصَّيِّبِ، وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ يُرِيدُ، وَكَصَيِّبٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] ، بِمَعْنَى: وَيَزِيدُونَ، وَالصَّيِّبُ: الْمَطَرُ وَكُلُّ مَا نَزَلْ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الأسفل فهو صيّب [2] ، مِنْ صَابَ يَصُوبُ، أَيْ: نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، أَيْ: مِنَ السَّحَابِ. وقيل: هِيَ السَّمَاءُ بِعَيْنِهَا، وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ، وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا. فِيهِ، أَيْ: فِي الصَّيِّبِ، وَقِيلَ: في السماء، أي: في السَّحَابِ، وَلِذَلِكَ ذَكَّرَهُ، وَقِيلَ: السَّمَاءُ تذكّر وتؤنّث، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [الْمُزَّمِّلِ: 18] ، وَقَالَ: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (1) [الِانْفِطَارِ: 1] ، ظُلُماتٌ: جَمْعُ ظُلْمَةٍ وَرَعْدٌ: وهو الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحَابِ، وَبَرْقٌ: وهو النَّارُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ، قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَالْبَرْقُ لَمَعَانُ سَوْطٍ مِنْ نُورٍ، يَزْجُرُ بِهِ الْمَلَكُ السَّحَابَ، وَقِيلَ: الصَّوْتُ زَجْرُ السَّحَابِ، وَقِيلَ: تَسْبِيحُ الْمَلَكِ، وَقِيلَ: الرَّعْدُ نُطْقُ الْمَلَكِ وَالْبَرْقُ ضَحِكُهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّعْدُ اسْمُ الْمَلَكِ، وَيُقَالُ لِصَوْتِهِ أَيْضًا: رَعْدٌ، وَالْبَرْقُ: [مَصَعَ] [3] مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الرعد ملك يزجر [السَّحَابَ] فَإِذَا تَبَدَّدَتْ ضَمَّهَا فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طَارَتْ مِنْ فِيهِ النَّارُ فَهِيَ الصَّوَاعِقُ، وَقِيلَ: الرَّعْدُ صوت انخراق [4] الرِّيحِ بَيْنَ السَّحَابِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ: جَمْعُ صَاعِقَةٍ، وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي يَمُوتُ مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيُقَالُ لِكُلِّ عَذَابٍ مهلك: صاعقة، وقال: الصَّاعِقَةُ قِطْعَةُ عَذَابٍ يُنْزِلُهَا اللَّهُ على من يشاء. ع «38» رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ» . قَوْلُهُ: حَذَرَ الْمَوْتِ، أَيْ: مَخَافَةَ الْهَلَاكِ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ، أَيْ: عَالِمٌ بهم وقيل جامعهم قال مُجَاهِدٌ: يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ، وَقَيْلَ: مُهْلِكُهُمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يُوسُفَ: 66] ، أَيْ: تُهْلَكُوا جَمِيعًا. وَيُمِيلُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ «الْكَافِرِينَ» فِي مَحَلِّ النَّصْبِ [5] وَالْخَفْضِ، وَلَا يُمِيلَانِ: أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [البقرة: 41] .

_ 38- ع ضعيف. أخرجه الترمذي 3446 والنسائي في «الكبرى» (8399 و10764) والبخاري في «الأدب المفرد» (721) وأحمد 2/ 100 وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (303) وأبو يعلى 5507 والدولابي في «الكنى» (2/ 117) من حديث ابن عمر، وفي إسناده أبو مطر، وهو مجهول، والحجاج بن أرطأة ضعيف. وضعف إسناده النووي في «الأذكار» (463) وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلا من هذا الوجه: وهذا توهين منه للحديث. (1) زيادة عن المخطوط. [.....] (2) زيد في المطبوع «فعيل» . (3) في المطبوع «اسم» وفي المخطوط «مضغ» والمثبت عن كتب الحديث والأثر، انظر تفسير الطبري (1/ 87) و «الدر المنثور» (4/ 94) . (4) في نسخة من المخطوط «انخفاض» ولعل الصواب «انخراق» بالخاء. (5) في المطبوع «أو» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 20 الى 23]

[سورة البقرة (2) : الآيات 20 الى 23] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) يَكادُ الْبَرْقُ، أَيْ: يَقْرُبُ، يُقَالُ: كَادَ يَفْعَلُ إِذَا قَرُبَ وَلَمْ يَفْعَلْ، يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ: يَخْتَلِسُهَا، وَالْخَطْفُ استلاب [1] بسرعة، كُلَّما: [كلّ حَرْفٌ جُمْلَةً، ضُمَّ إِلَى مَا الْجَزَاءِ] [2] فَصَارَ أَدَاةً لِلتَّكْرَارِ، وَمَعْنَاهُمَا [3] مَتَى مَا، أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا، أَيْ: وَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَاللَّهُ تَعَالَى شَبَّهَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِقَوْمٍ كانوا في مفازة وسواد فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ ظُلُمَاتٌ، مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ السَّارِيَ [4] لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهَا، وَرَعْدٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَضُمَّ السَّامِعُونَ أَصَابِعَهُمْ إِلَى [5] آذَانِهِمْ مِنْ هَوْلِهِ، وَبَرْقٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ أَنْ يَخْطِفَ أَبْصَارَهُمْ وَيُعْمِيَهَا مِنْ شِدَّةِ تَوَقُّدِهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ، وَصَنِيعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَهُ، فَالْمَطَرُ: الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ حَيَاةُ الْجِنَانِ كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ [6] حَيَاةُ الْأَبْدَانِ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالرَّعْدُ: مَا خُوِّفُوا بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَذِكْرِ النَّارِ وَالْبَرْقُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ والوعد وذكر الجنّة، فالكافرون يَسُدُّونَ آذَانَهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ مَيْلِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ، وَالْكُفْرُ مَوْتٌ، يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ أَيِ: الْقُرْآنُ يَبْهَرُ قُلُوبَهُمْ، وَقِيلَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَالْمَطَرُ: الْإِسْلَامُ، وَالظُّلُمَاتُ: مَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ، وَالرَّعْدُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَرْقُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ. يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [البقرة: 19] ، يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْإِسْلَامِ بَلَاءً وَشِدَّةً هَرَبُوا حَذَرًا مِنَ الْهَلَاكِ [7] ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: جَامِعُهُمْ، يَعْنِي: لَا يَنْفَعُهُمْ هَرَبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ. يَكادُ الْبَرْقُ، يَعْنِي: دَلَائِلَ الْإِسْلَامِ تُزْعِجُهُمْ إِلَى النَّظَرِ لَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ. كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ آمَنُوا فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلَّمَا نَالُوا غَنِيمَةً وَرَاحَةً فِي الْإِسْلَامِ ثَبَتُوا وَقَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ، يعني: رأوا شدّة وبلاء قامُوا [أي تأخروا] ووقفوا [أو قعدوا] [8] كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [الْحَجِّ: 11] . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ، أَيْ: بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ الظَّاهِرَةِ، كَمَا ذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمُ الْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ: لَذَهَبَ بِمَا اسْتَفَادُوا مِنَ الْعِزِّ وَالْأَمَانِ الَّذِي لَهُمْ بمنزلة السمع والبصر، إِنَ

_ (1) في المخطوط «استيلاء» . (2) العبارة في المخطوط [حرف كل ضم الجزاء] . (3) في المخطوط «ومعناه» . (4) السرى: سير عامة الليل. (5) في المخطوط «في» . (6) في المطبوع «المطهر» وفي نسخة من المخطوط «كالمطر» . (7) في المخطوط «البلاء» . (8) زيادة عن المخطوط.

اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: قَادِرٌ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: «شَاءَ، وَجَاءَ» ، حَيْثُ كَانَ بِالْإِمَالَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ. قال ابن عباس يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب لأهل [1] مَكَّةَ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب لأهل الْمَدِينَةِ، وَهُوَ هَاهُنَا عَامٌّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الصِّغَارُ وَالْمَجَانِينُ. اعْبُدُوا: وَحِّدُوا. قَالَ ابن عباس: كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ من العبادة فمعناه [2] التَّوْحِيدُ. رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ: وَالْخَلْقُ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَيْ: وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: لعلكم [3] تنجون مِنَ الْعَذَابِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُونُوا عَلَى رَجَاءِ التَّقْوَى بِأَنْ تَصِيرُوا فِي سَتْرٍ وَوِقَايَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِكُمْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَمَا قَالَ: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44) [طه: 44] ، أَيِ: ادْعُوَاهُ [4] إِلَى الْحَقِّ وَكُونَا [5] عَلَى رَجَاءِ التَّذَكُّرِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَعَلَّ وَعَسَى حَرْفَا تَرَجٍّ، وَهُمَا مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، أَيْ: بِسَاطًا، وَقِيلَ: مَنَامًا، وَقِيلَ: وِطَاءً [6] ، أَيْ: ذَلَّلَهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَزْنَةً لا يمكن القرار عليها، وَالْجَعْلُ هَاهُنَا بِمَعْنَى: الْخَلْقِ، وَالسَّماءَ بِناءً، أي: سقفا مَرْفُوعًا، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ، أَيْ: [7] السحاب، ماءً، وهو الْمَطَرَ، فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ: من أَلْوَانَ الثَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ، رِزْقاً لَكُمْ: طَعَامًا لَكُمْ وَعَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، أَيْ: أمثالا تعبدونهم كعبادة الله. وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: النِّدُّ الضِّدُّ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَاللَّهُ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنَ الْمِثْلِ وَالضِّدِّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنّه واحد خلق [8] هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: [9] شك [معناه: وإن كنتم] [10] ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ شَاكُّونَ مِمَّا نَزَّلْنا، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، عَلى عَبْدِنا: مُحَمَّدٍ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] ، فَأْتُوا: أَمْرُ تَعْجِيزٍ، بِسُورَةٍ، وَالسُّورَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، مِنْ أَسْأَرْتُ [11] ، أَيْ: أَفْضَلْتُ [12] وحذفت الْهَمْزَةُ. وَقِيلَ: السُّورَةُ اسْمٌ لِلْمَنْزِلَةِ الرفيعة، ومنه سور البلد لِارْتِفَاعِهِ، سُمِّيَتْ سُورَةً لِأَنَّ الْقَارِئَ يَنَالُ بِقِرَاءَتِهَا مَنْزِلَةً رَفِيعَةً حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْمَنَازِلَ بِاسْتِكْمَالِهِ سُوَرَ الْقُرْآنِ، مِنْ مِثْلِهِ، أَيْ: مِثْلِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ: صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [النُّورِ: 30] ، وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي مَثَلِهِ رَاجِعَةٌ إلى

_ (1) في المطبوع «أهل» . (2) في المطبوع «فمعناها» . [.....] (3) في المطبوع «لكي» . (4) في المطبوع «ادعوه» . (5) في المخطوط «وكونوا» . (6) في القاموس: الوطاء: خلاف الغطاء. (7) زيد في المطبوع «من» . (8) في المطبوع «خالق» . (9) زيد في المطبوع «وإن كنتم في» . (10) سقط من المطبوع. (11) في المطبوع «أسارت» والتصويب عن «لسان العرب» (4/ 387) . (12) كذا في المطبوع و «اللسان» (4/ 387) وهو الصواب. وفي المخطوط- أ- «أفصلت» وفي- ب- «فصلت» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 24 الى 25]

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي: مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيٌّ لَا يحسن الخط والكتابة. وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا، مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَاسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: أَنَّ مُحَمَّدًا صلّى الله عليه وسلّم تقوّله مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا تَحَدَّاهُمْ عجزوا، فقال: [سورة البقرة (2) : الآيات 24 الى 25] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، فِيمَا مَضَى وَلَنْ تَفْعَلُوا، أَبَدًا فِيمَا بَقِيَ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْإِعْجَازِ، وأن القرآن كان معجزة النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ، أَيْ: فَآمِنُوا وَاتَّقُوا بِالْإِيمَانِ النَّارَ، الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: يَعْنِي حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْتِهَابًا، وَقِيلَ: جَمِيعُ [1] الْحِجَارَةِ، وهو دليل على عظم تِلْكَ النَّارِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَصْنَامَ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْنَامِهِمْ كَانَتْ مَنْحُوتَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، كَمَا قَالَ: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الْأَنْبِيَاءِ: 98] ، أُعِدَّتْ: هيّئت لِلْكافِرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ: أَخْبِرْ، وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرِ صدق يتغيّر [2] بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِي الْخَيْرِ أَغْلَبُ. وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أَيِ: الْفِعْلَاتِ الصَّالِحَاتِ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ [الَّذِينَ هُمْ] [3] مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عفان رضي الله تعالى عَنْهُ: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أَيْ: أَخْلَصُوا الْأَعْمَالَ كَمَا قَالَ: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً [الكهف: 110] ، أي: خاليا عن الرِّيَاءِ، قَالَ مُعَاذٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْعِلْمُ وَالنِّيَّةُ وَالصَّبْرُ وَالْإِخْلَاصُ. أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ: جَمْعُ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ: الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ، سُمِّيَتْ بِهَا لِاجْتِنَانِهَا وَتَسَتُّرِهَا بِالْأَشْجَارِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنَّةُ مَا فِيهِ النَّخِيلُ، وَالْفِرْدَوْسُ مَا فِيهِ الْكَرْمُ. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا، أَيْ: مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا الْأَنْهارُ، أَيِ: الْمِيَاهُ فِي الْأَنْهَارِ، لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي، وَقِيلَ: مِنْ تَحْتِهَا أَيْ: بأمرهم كقوله [4] تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزُّخْرُفِ: 51] ، أَيْ [5] : بِأَمْرِي، وَالْأَنْهَارُ جَمْعُ نَهْرٍ، سُمِّيَ بِهِ لِسِعَتِهِ وَضِيَائِهِ، وَمِنْهُ النَّهَارُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ» [6] . كُلَّما: مَتَى مَا، رُزِقُوا: أُطْعِمُوا مِنْها أَيْ: مِنَ الْجَنَّةِ، مِنْ ثَمَرَةٍ أي: ثمرة، ومن: صِلَةٌ، رِزْقاً: طَعَامًا، قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ، قبل [7] : رَفْعٌ عَلَى الْغَايَةِ، قَالَ اللَّهُ

_ (1) في المطبوع «جمع» . (2) في المطبوع «تتغير» . (3) زيادة في المطبوع. (4) في المطبوع «لقوله» . [.....] (5) سقط لفظ «أي» من المطبوع. (6) لا أصل له في المرفوع وإنما هو من قول مسروق بن الأجدع كما في «تفسير الطبري» (509) وليس بالمرفوع، فتنبه، والله الموفق (7) في المطبوع «وقبل» .

تَعَالَى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [الرُّومِ: 4] ، قِيلَ: مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الثِّمَارُ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهَةٌ فِي اللَّوْنِ مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ، فَإِذَا رُزِقُوا ثَمَرَةً بَعْدَ أُخْرَى ظَنُّوا أَنَّهَا الأولى، وَأُتُوا بِهِ [أي: الرزق] [1] . مُتَشابِهاً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: مُتَشَابِهًا فِي الْأَلْوَانِ مُخْتَلِفًا فِي الطُّعُومِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: مُتَشَابِهًا أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْجَوْدَةِ، أَيْ: كُلُّهَا خِيَارٌ لَا رَذَالَةَ فِيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّهَا أَطْيَبُ، وَقِيلَ: مُتَشَابِهًا فِي الِاسْمِ مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عنه: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الجنة [شيء] [2] إلا الأسامي. «39» أَنَا أَبُو حَامِدٍ [أَحْمَدُ] [3] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ [عَبْدِ اللَّهِ] [4] الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [5] ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ والتسبيح كما يلهمون [6] النَّفَسَ، طَعَامُهُمُ [7] الْجُشَاءُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَهُمْ فِيها: فِي الجنات [8] أَزْواجٌ: نساء وجوار، يَعْنِي: مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، مُطَهَّرَةٌ: مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ والبصاق والمخاط والمني والولد [والودي] [9] [وَكُلُّ] قَذَرٍ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فِي الْجَنَّةِ جِمَاعٌ مَا شِئْتَ وَلَا وَلَدَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُنَّ عجائزكم العمص [10] الْعُمْشُ طُهِّرْنَ مِنْ قَذَرَاتِ الدُّنْيَا، وقيل: مطهرة من [11] مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، وَهُمْ فِيها خالِدُونَ، دائمون [فيها] لا يموتون ولا يخرجون منها.

_ 39- إسناده صحيح على شرط مسلم، سفيان هو ابن سعيد، والأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع الواسطي، وهو في «شرح السنة» (4271) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2835 وأبو داود 4741 والطيالسي 1776 وأحمد 3/ 349 و384 والدارمي 2/ 335 وأبو يعلى 1906 و2052 وابن حبان 7435 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (274 و334) والبغوي في «شرح السنة» (4375) والبيهقي في «البعث» (316) من طرق كلهم من حديث جابر، ورواية أبي داود مختصرة جدا. (1) العبارة في المطبوع «رزقا» . (2) زيادة عن تفسير الطبري 535. (3) زيادة عن كتب التراجم. (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» . (5) في الأصل «البزي» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» وكتاب «الأنساب» . (6) في المطبوع «تلهمون» . (7) كذا في الأصل، ورواية مسلم «ولكن طعامهم ذاك جشاء كرشح المسك» ورواية أخرى له «قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك» - قوله: «فما بال الطعام» أي أين يذهب- ورواية ابن حبان «طعامهم له جشاء، وريحهم المسك» . ورواية لأبي نعيم «وإنه يصير طعامهم جشاء، وشرابهم رشح مسك» . والجشاء: تنفس المعدة من الامتلاء. وفي النهاية لابن الأثير «الجشّاء» بتشديد الشين: الطحال. (8) في المطبوع «جنان» . (9) زيادة عن المخطوط. (10) في المطبوع «الغمص» . [.....] (11) في المطبوع «عن» .

«40» أَنَا أَبُو عَمْرٍو [1] عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ [2] ، أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ [3] ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ [4] ، وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» . 4» أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [5] الْمَلِيحِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا فُضَيْلٌ هُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ [تَدْخُلُ] [6] الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُورَةُ وُجُوهِهِمْ مِثْلُ صورة القمر ليلة

_ (1) في الأصل «أبو عمرو وعبد الواحد» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (2) في الأصل «المليجي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (3) في الأصل «العزيزي» والتصويب عن «ط» وكتاب «الأنساب» للسمعاني. 40- إسناده صحيح على شرطهما. الفربري هو أحد رواة صحيح البخاري. جرير هو ابن عبد الحميد، وعمارة هو ابن القعقاع بن شبرمة. أبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير قيل: اسمه هرم، وقيل غير ذلك. وهو في «شرح السنة» (4269) بهذا الإسناد. في «صحيح البخاري» (3327) عن قتيبة بن سعيد بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 3245 و3246 ومسلم 2834 والترمذي 2537 وعبد الرزاق في «المصنف» (20866) وأحمد 2/ 316 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (243) من حديث أبي هريرة. (4) الألوّة: هو العود الذي يتبخر به- العود الهندي. (5) زيادة عن المخطوط. (6) العبارة في المطبوع «من يدخل» . 41- إسناده ضعيف لضعف عطية بن سعد العوفي، وتقدم ذكره في المقدمة، وباقي رجال الإسناد ثقات، علي بن الجعد من رجال البخاري، وشيخه فضيل بن مرزوق، من رجال مسلم. وقد توبع عطية على صدر الحديث، وتفرد ببعض ألفاظ عجزه دون بعض. - وهو في «شرح السنة» (4270) بهذا الإسناد. - ورواه المصنف من طريق أبي القاسم البغوي، وهو في «الجعديات» (2005) عن علي بن الجعد بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2522 و2535 وابن أبي شيبة 15864 (13/ 120) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (251) وأحمد 3/ 16 والطبراني في «الأوسط» (919) وابن عدي في «الكامل» (6/ 19) من حديث أبي سعيد الخدري، ومداره على عطية العوفي، وهو ضعيف. قال الهيثمي في «المجمع» (18716) : وفي إسناده أبي سعيد عطية، والأكثر على تضعيفه اهـ. ومع ذلك قال الترمذي: حسن صحيح! وورد عجزه بلفظ «يرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها» وهذا ورد من حديث ابن مسعود، أخرجه الترمذي 2533 وابن حبان 7396 بإسناد ضعيف فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط. وصوب الترمذي فيه الوقف. وهو الصواب، والغريب في المتن لفظ «على كل زوجة سبعون حلة» فهذا من مناكير عطية العوفي، حيث تفرد به، ولم يتابع عليه. وكذا تفرد بلفظ «دمائهما وحللهما» فهو من منكراته، وقد ورد هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعا، أخرجه البخاري 3254 ومسلم 2834 لكن عجزه عندهما «ولكل واحد منهما زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم» فهذا هو الصحيح في هذا [الحديث- والله أعلم.

الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً يُرَى مُخُّ سوقهن دون لحومهن ودمائهن وحللهن» [1] . «42» أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا [أَبُو] [2] عَبْدِ الرَّحْمَنِ [3] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطّلعت إلى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا [4] عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فيها» ، صحيح [أخرجه مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ محمد عن معاوية بن عمرو عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ] [5] . «43» أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ [مُحَمَّدُ] [6] بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ [بْنُ مُحَمَّدِ] [7] بْنِ مُسْلِمٍ [8] أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ [9] أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ الْحِمْصِيُّ، أَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنِ الضَّحَّاكِ الْمَعَافِرِيِّ [10] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ:

_ (1) في المطبوع «لحومها ودمائها وحللها» . وفي «شرح السنة» 4270 «لحومهما ودمائهما وحللهما» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، واستدرك من «شرح السنة» و «الأنساب» (4/ 97) . (3) زيد في الأصل بين «عبد الرحمن» و «عبد الله» : «بن أبي شريح أنا» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (4) النصيف: الخمار- وقد نصفت المرأة رأسها بالخمار، وانتصفت الجارية وتنصفت أي: اختمرت. (5) زيد في المطبوع، وهو في «شرح السنة» 4272. [.....] (6) زيد في المطبوع. (7) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» و «الأنساب» (2/ 113) للسمعاني. (8) زيد في الأصل بين «مسلم» و «أبو بكر» : «أنا» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (9) وقع في الأصل «الجوريدي» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» وراجع التعليق على كتاب «الأنساب» (2/ 113) . (10) في الأصل «المغافري» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» وعن كتب التراجم. 42- إسناده صحيح على شرطهما، حميد هو ابن أبي حميد أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، كما في «التقريب» . وهو في «شرح السنة» (4272) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2796 و6568 والترمذي 1651 وأحمد 3/ 141 و263 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (380) وأبو يعلى 3775 وابن حبان 7398 من طرق كلهم من حديث أنس، وصدره عند البخاري وغيره «غدوة في سبيل أو روحة، خير من الدنيا وما فيها ... » . 43- إسناده ضعيف، الضحاك المعافري، وثقه ابن حبان وحده، وقال الذهبي في «الميزان» : لا يعرف. وسليمان بن موسى، ضعفه قوم، ووثقه آخرون، وباقي رجال الإسناد ثقات. كريب هو مولى ابن عباس، وهو كريب بن أبي مسلم. وهو في «شرح السنة» (4282) بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه 4332 والبخاري في «التاريخ الكبير» (4/ 336) وابن حبان 7381 وأبو نعيم 24 والطبراني في «الكبير» (388) وأبو الشيخ في «العظمة» (601) والرامهرمزي في «الأمثال» (107) والبيهقي في «البعث» (391) والبغوي 4386 من طرق عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار بهذا الإسناد. وقال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد فيه مقال، الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال الذهبي في «طبقات التهذيب» : مجهول. سليمان بن موسى الأموي مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات اهـ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، وَهِيَ- وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ [1] ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ وَمَقَامُ أَبَدٍ فِي دَارٍ سَلِيمَةٍ [وَفَاكِهَةٌ] [2] خَضِرَةٌ وَحِبَرَةٌ، وَنِعْمَةٌ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ الله. ع «44» وَرَوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ ولا تبلى ثيابهم» . «45» وأنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ، أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ النعمان بن سعد [3] عن علي قال:

_ (1) مطّرد: أي جار عليها. من اطّرد الشيء أي تبع بعضه بعضا وجرى. (2) كذا في الأصل، وأما عند ابن ماجه وغيره، فقد ورد ذكر «الفاكهة» بعد قوله «ونهر مطّرد» . 44- ع حديث جيد قوي بمجموع طرقه وشواهده. أخرجه الترمذي 2539 والدارمي 3829 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (256) من حديث أبي هريرة، ومداره على شهر بن حوشب وهو كثير الإرسال والتدليس، وقد عنعن وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ. - وورد من طريق آخر عند أحمد 2/ 295 و415 وابن عدي 5/ 198 والطبراني في «الصغير» (808) وفي «الأوسط» (5418) والبيهقي في «البعث» (463 و465) وفي إسناده عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 399) : وإسناده حسن وفي الصحيح بعضه اهـ. - وله شاهد من أنس بن مالك أخرجه الطبراني في «الصغير» (1164) وابن أبي داود في «البعث» (65) وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 56) والبيهقي في «البعث» (462) . وفي إسناده هارون بن رئاب، وهو ثقة، لكن مختلف في سماعه من أنس كما في التهذيب. - وله شاهد آخر من حديث معاذ بن جبل أخرجه الترمذي 2545 وأحمد 5/ 232 و239 و243 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (257) وفي إسناده شهر بن حوشب. وهو حسن الحديث في المتابعات. وقال الترمذي: حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلا، ولم يسندوه اهـ. - وحديث أبي هريرة حسّنه لشواهده الأرناؤوط في «جامع الأصول» (8081) وهو حديث حسن صحيح، ولأصله شواهد. 45- إسناده ضعيف جدا، فيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي، وهو ضعيف، متروك الحديث. وشيخه النعمان بن سعد مجهول. والوهن فقط في صدره، أما عجزه فله شواهد. وهو في «شرح السنة» (4284) بهذا الإسناد. لكن جعله موقوفا. وورد مرفوعا وأخرجه الترمذي 2550 و2564 وابن أبي شيبة 13/ 100- 101 وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (1/ 156) وأبو يعلى 268 وابن عدي 4/ 305 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (418) وابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 256) وفي «العلل المتناهية» (1555) والبيهقي في «البعث» (418) من حديث علي بن أبي طالب، وقال الترمذي: هذا حديث غريب اهـ وكذا استغربه العراقي في تخريج الإحياء 4/ 525، وهذا توهين منهما للحديث. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والمتهم به عبد الرحمن بن إسحاق، أبو شيبة الواسطي. قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال يحيى: متروك اهـ. قلت: الوهن فقط في صدره، وأما عجزه، وهو غناء الحور العين إلخ، فله شواهد لكنها ضعيفة. راجع «الترغيب والترهيب» (4/ 447) فصل «غناء الحور العين» ، وكذا «المجمع» (10/ 419) . (3) وقع في الأصل «سعيد» والتصويب من كتب التراجم.

[سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27]

[قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [1] : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا لَيْسَ فِيهَا بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلَ صُورَةً دخلها [2] ، وإن فيها لمجتمع حور الْعِينِ يُنَادِينَ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخلائق بمثلها [3] : نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ أَبَدًا وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ [أَبَدًا] [4] ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا [وَكُنَّا لَهُ] [5] أَوْ نَحْنُ لَهُ» . وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ هَنَّادٍ وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ: [هَذَا] [6] حَدِيثٌ غَرِيبٌ. «46» أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ [7] بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ] عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أهلوهم [9] : وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ [بَعْدَنَا] حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازددتم [بعدنا] [10] حسنا وجمالا» . [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27] إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها. سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الْحَجِّ: 73] ، وَقَالَ: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ

_ 46- إسناده صحيح على شرط مسلم: ثابت هو ابن أسلم البناني. وهو في «شرح السنة» (4285) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (2833) عن أبي عثمان بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة 13/ 150 وأحمد 3/ 284 و285 والدارمي 2845 وأبو نعيم 417 والبغوي في «شرح السنة» (15/ 226- 227) والبيهقي في «البعث» (417) من حديث أنس. (1) زيد في المطبوع، وفي نسخة- ط- وليس هو في المخطوط وشرح السنة لكن يؤيد الأول هو أنه أخرجه الترمذي وابن أبي شيبة وغيرهما مرفوعا كما في التخريج، فالله أعلم. [.....] (2) في المطبوع «دخل فيها» . (3) في المطبوع «مثله» . (4) سقط من المطبوع. (5) سقط من المخطوط. (6) سقط من المخطوط. (7) وقع في الأصل «سعد» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» وعن «صحيح مسلم» . (8) في الأصل «مسلمة» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (9) في المطبوع «أهلهم» . (10) سقط من المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 28 الى 29]

اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت: 41] ، قالت اليهود: ماذا [1] أَرَادَ اللَّهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ؟. وَقِيلَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّا لَا نَعْبُدُ إِلَهَا يَذْكُرُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي، أَيْ: لَا يَتْرُكُ وَلَا يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [أي] [2] يَذْكُرُ شَبَهًا، مَا بَعُوضَةً، مَا: صلة، أي: مثلا بالبعوضة، وبعوضة: نَصْبُ بَدَلٍ عَنِ الْمَثَلِ، وَالْبَعُوضُ صغار البق، سمّيت بعوضة لأنها [3] بَعْضُ الْبَقِّ، فَما فَوْقَها، يَعْنِي: الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ: فَمَا دُونَهَا، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ جَاهِلٌ، فَيُقَالُ: وَفَوْقَ ذَلِكَ، أَيْ: وَأَجْهَلُ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا: بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ، يَعْنِي: الْمَثَلُ هُوَ الْحَقُّ: الصِّدْقُ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟ أَيْ: بِهَذَا الْمَثَلِ، فَلَمَّا حَذَفَ الألف واللام نصب عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، ثُمَّ أَجَابَهُمْ فقال: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً من الكفار، وذلك أنهم يكذبون فَيَزْدَادُونَ ضَلَالًا، وَيَهْدِي بِهِ، أَيْ: بهذا المثل كَثِيراً من الْمُؤْمِنِينَ فَيُصَدِّقُونَهُ، وَالْإِضْلَالُ هُوَ الصَّرْفُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ [4] ، وَقِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ: الْكَافِرِينَ، وَأَصْلُ الْفِسْقَ: الْخُرُوجُ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرطبة إذا خرجت عن قِشْرِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الْكَهْفِ: 50] ، أَيْ: خَرَجَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ: يُخَالِفُونَ وَيَتْرُكُونَ، وَأَصْلُ النَّقْضِ: الْكَسْرُ، عَهْدَ اللَّهِ: أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: 172] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ [آلِ عِمْرَانَ: 81] الْآيَةَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبَيِّنُوا نَعْتَهُ، مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ: تَوْكِيدِهِ، وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، يَعْنِي: الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150] ، وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْأَرْحَامَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ: بِالْمَعَاصِي وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ: الْمَغْبُونُونَ، ثُمَّ قَالَ لِمُشْرِكِي العرب على وجه التعجب: [سورة البقرة (2) : الآيات 28 الى 29] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ؟ بَعْدَ نَصْبِ الدَّلَائِلِ وَوُضُوحِ الْبَرَاهِينِ [5] ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ [6] فَقَالَ: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً: نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ، فَأَحْياكُمْ: فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ: لِلْبَعْثِ [7] ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَيْ: تُرَدُّونَ في الآخرة فيجزيكم

_ (1) في المطبوع «ما» . (2) زيادة عن المخطوط- أ-. (3) زيد في المطبوع «كانت» . (4) كذا في المطبوع ونسخة- ط- وفي المخطوط «بالباطل» . (5) في المطبوع «البرهان» . [.....] (6) في المخطوط «الدليل» . (7) في المخطوط «بالبعث» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 32]

بِأَعْمَالِكُمْ، قَرَأَ يَعْقُوبُ تُرْجَعُونَ [فِي] [1] كُلِّ الْقُرْآنِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [2] ، لِكَيْ تَعْتَبِرُوا وَتَسْتَدِلُّوا، وَقِيلَ: لِكَيْ تَنْتَفِعُوا، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيِ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالْفَرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: أَيْ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: قَصَدَ لِأَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السماء، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ: [أي] خَلَقَهُنَّ مُسْتَوَيَاتٍ [3] لَا فُطُورَ فِيهَا [4] ولا صدوع، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَقَالُونُ (وَهْوَ، وَهْيَ) بِسُكُونِ الْهَاءِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْهَاءِ: وَاوٌ أَوْ فَاءٌ أَوْ لَامٌ، زَادَ الْكِسَائِيُّ وَقَالُونُ [ (ثُمَّ هْوَ) وَقَالُونُ] [5] أَنْ يُمِلَّ هُوَ [البقرة: 212] . [سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 32] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لَا عِلْمَ لَنا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ، أَيْ: وَقَالَ رَبُّكَ وَإِذْ زَائِدَةٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَذَا سَبِيلُهُ، وَإِذْ وَإِذَا حَرْفَا تَوْقِيتٍ إِلَّا أَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَقَدْ يُوضَعُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِذَا جَاءَ إِذْ مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ يَمْكُرُ [الأنفال: 20] ، يريد وإذ مكر، وَإِذَا جَاءَ [إِذَا] مَعَ الْمَاضِي كانت مَعْنَاهُ مُسْتَقْبَلًا كَقَوْلِهِ: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ [النَّازِعَاتِ: 34] ، إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [النَّصْرِ: 1] ، أَيْ: يَجِيءُ. لِلْمَلائِكَةِ [والملائكة] [6] جَمْعُ مَلَكٍ، وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الْمَأْلَكَةِ وَالْأَلُوكَةِ وَالْأُلُوكِ: وَهِيَ الرِّسَالَةُ، فَقُلِبَتْ فَقِيلَ: مَلْأَكٌ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللَّامِ: فَقِيلَ: «ملك» وأراد به الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ فَأَسْكَنَ الْمَلَائِكَةَ السَّمَاءَ وَأَسْكَنَ الْجِنَّ الأرض فَعَبَدُوا دَهْرًا طَوِيلًا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ فأفسدوا [واقتتلوا] [7] ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ، وَهُمْ خزان الجنان اشتق لهم [اسم] [8] مِنَ الْجَنَّةِ رَأَسَهُمْ إِبْلِيسَ وَكَانَ رَئِيسَهُمْ وَمُرْشِدَهُمْ وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا، فَهَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ فَطَرَدُوا الْجِنَّ إِلَى شعوب الجبال وَجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَسَكَنُوا الْأَرْضَ وَخَفَّفَ الله عنهم العبادة وأعطى اللَّهُ إِبْلِيسَ [مُلْكَ] [9] الْأَرْضِ، وَمُلْكَ السماء الدنيا وخزانة الجنة فكان يَعْبُدُ اللَّهَ تَارَةً فِي الْأَرْضِ وَتَارَةً فِي السَّمَاءِ وَتَارَةً فِي الجنة فدخله العجب، وقال فِي نَفْسِهِ: مَا أَعْطَانِي اللَّهُ هَذَا الْمُلْكَ إِلَّا لِأَنِّي أَكْرَمُ الملائكة عليه، فقال الله له ولجنده:

_ (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع «للحي» . (3) في- أ- «سويات» . (4) في- أ- «فيهن» . (5) سقط من المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع وط- «قتلوا» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط.

إِنِّي جاعِلٌ [خَالِقٌ] [1] فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، أَيْ: بَدَلًا مِنْكُمْ وَرَافِعُكُمْ إِلَيَّ فَكَرِهُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْوَنَ الْمَلَائِكَةِ عِبَادَةً، وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ هَاهُنَا آدَمُ سَمَّاهُ خَلِيفَةً لِأَنَّهُ خَلَفَ الْجِنَّ، أَيْ: جَاءَ بَعْدَهُمْ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه، قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها: بِالْمَعَاصِي، وَيَسْفِكُ الدِّماءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَيْ: كَمَا فَعَلَ بَنُو الْجَانِّ فَقَاسُوا الشَّاهِدَ عَلَى الْغَائِبِ، وَإِلَّا فَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، قَالَ الْحَسَنُ: نَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَهُوَ صَلَاةُ الْخَلْقِ [وَصَلَاةُ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمَا سِوَى الْآدَمِيِّينَ] [2] وَعَلَيْهَا يُرْزَقُونَ. «47» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَبَّانُ [3] بْنُ هِلَالٍ، أَنَا وُهَيْبٌ أَنَا سَعِيدٌ الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الجسري عن ابن الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ [4] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» . وقيل: نحن نُصَلِّي بِأَمْرِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّسْبِيحِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ، وَنُقَدِّسُ لَكَ، أَيْ: نُثْنِي عَلَيْكَ بِالْقُدْسِ والطهارة [عما لا يليق بعظمتك وجلالك] [5] ، وَقِيلَ: وَنُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لِطَاعَتِكَ، وَقِيلَ: وَنُنَزِّهُكَ، وَاللَّامُ: صِلَةٌ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ وَالْعُجْبِ بِالْعَمَلِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ وَطَلَبِ [وَجْهِ] [6] الْحِكْمَةِ فِيهِ، قالَ اللَّهُ: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ: من الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُطِيعُنِي ويعبدني من الأنبياء والأولياء والصلحاء، وَقِيلَ: إِنِّي [7] أَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَعْصِينِي وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُذْنِبُونَ وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: إِنِّي أَعْلَمُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ كَلُّ يَاءِ إِضَافَةٍ اسْتَقْبَلَهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ معدودة، ويفتحون في بعض مواضع عِنْدَ الْأَلِفِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمَكْسُورَةِ، وَعِنْدَ غَيْرِ الْأَلِفِ، وَبَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي تفصيله اختلاف. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ آدَمَ اللَّوْنِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الْبَشَرِ، فَلَمَّا خَلَقَهُ الله عزّ وجلّ علّمه أسماء الأشياء [كلها] [8] . وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا وَإِنْ كَانَ غيرنا أكرم عليه فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ لِأَنَّا خُلِقْنَا قَبْلَهُ وَرَأَيْنَا مَا لَمْ يَرَهُ،

_ 47- إسناده صحيح على شرط مسلم. وهيب هو ابن خالد الباهلي، وسعيد هو ابن إياس الجريري- بضم الجيم- وأبو عبد الله هو حميري بن بشير مشهور بكنيته. أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (2731) ح 84 عن زهير بن حرب بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2731 ح 85 والترمذي 3587 وأحمد 5/ 148 و176 من طرق عن سعيد الجريري بهذا الإسناد. (1) زيادة عن المخطوط وط-. (2) زيد في المطبوع. [.....] (3) وقع في الأصل «جينان» والتصويب من كتب «تراجم الرجال» . (4) في الأصل «عن» والتصويب عن «شرح السنة» و «صحيح مسلم» . (5) سقط من المخطوط. (6) سقط من المطبوع. (7) في المطبوع «إن» . (8) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 33 الى 35]

فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانُوا رُسُلًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ [وَالْجَمَاعَةِ] [1] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقَصْعَةِ وَالْقُصَيْعَةِ، وَقِيلَ: اسْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ، وَقِيلَ: صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَ آدَمَ جَمِيعَ اللُّغَاتِ ثُمَّ تَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ بِلُغَةٍ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَاخْتَصَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، إِنَّمَا قَالَ: عَرَضَهُمْ، وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا، لِأَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ إذا جمعت [2] مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ يُكَنَّى عَنْهَا بِلَفْظِ مَنْ يَعْقِلُ، كَمَا يُكَنَّى عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِلَفْظِ الذُّكُورِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقَ الله كل شيء [من] [3] الْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الشُّخُوصَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، فَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الشُّخُوصِ [4] ، فَلِذَلِكَ قَالَ عَرَضَهُمْ، فَقالَ أَنْبِئُونِي أَخْبَرُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [أي الموجودات] [5] إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [فِي] [6] أَنِّي لا أخلق خلقا إلّا كنتم أفضل وأعلم منه، قالُوا [7] الْمَلَائِكَةُ إِقْرَارًا بِالْعَجْزِ: قالُوا سُبْحانَكَ: تَنْزِيهًا لَكَ، لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا، معناه: إنك أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بِخَلْقِكَ الْحَكِيمُ فِي أَمْرِكَ، وَالْحَكِيمُ لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي الْعَدْلُ، وَالثَّانِي الْمُحْكِمُ لِلْأَمْرِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ، وَأَصْلُ الْحِكْمَةِ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ فَهِيَ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنَ الْبَاطِلِ، وَمِنْهُ حِكْمَةُ الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهَا مِنَ الِاعْوِجَاجِ، فلما ظهر عجزهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 33 الى 35] قالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) قالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ، أَخْبِرْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَسَمَّى آدَمُ كُلَّ شَيْءٍ [بِاسْمِهِ] [8] وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يَا مَلَائِكَتِي إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [مَا كَانَ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ] [9] . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو: (إِنِّيَ) ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ يفتحون كَلُّ يَاءِ إِضَافَةٍ اسْتَقْبَلَهَا أَلِفٌ قطع مفتوحة إلا أحرفا معدودة، ويفتح نافع و [أبو] [10] عمرو عند الألف المكسورة أيضا إلا أحرفا معدودة، ويفتح نافع عند المضمومة إلا أحرفا معدودة، والآخرون لا يفتحون إلا [في] [11] أحرف معدودة، وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي قَوْلَهُمْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ: قَوْلَكُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خلقا أكرم عليه منّا.

_ (1) زيد في المطبوع. (2) في المخطوط «اجتمعت مع» . (3) زيادة في المخطوط. (4) في المطبوع «الخصوص» . (5) سقط من المطبوع. (6) زيادة عن نسخة- ط-. (7) في نسخ المطبوع «فقالت» . (8) زيادة عن المخطوط. [.....] (9) ما بين المعقوفتين سقط من أحد المخطوطين. (10) سقط من المطبوع. (11) زيد في المطبوع.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ إِبْلِيسَ مَرَّ عَلَى جَسَدِ آدَمَ وَهُوَ مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ لَا رُوحَ فِيهِ، فَقَالَ: لِأَمْرٍ مَا خُلِقَ هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ فِي فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَاسَكُ لِأَنَّهُ أَجْوَفُ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ فُضِّلَ [الله] [1] هَذَا عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَاذَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: نُطِيعُ أَمْرَ رَبِّنَا، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ وَلَئِنْ سُلِّطَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ يَعْنِي: مَا تُبْدِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الطَّاعَةِ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يَعْنِي إِبْلِيسَ من المعصية. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى جِوَارِ أَلِفِ اسْجُدُوا، وَكَذَلِكَ قَرَأَ قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الْأَنْبِيَاءِ: 112] ، بِضَمِّ الْبَاءِ، وَضَعَّفَهُ النُّحَاةُ جِدًّا وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَلَطِ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ مَعَ [أي من] [2] الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الْحِجْرِ: 30] ، وَقَوْلُهُ: اسْجُدُوا، فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَصَحُّ أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِامْتِثَالِ [3] أَمْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وَتَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، كَسُجُودِ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [يُوسُفَ: 100] ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الأرض إنما كان انحناء، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ. وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ: اسْجُدُوا لِآدَمَ أَيْ: إِلَى آدَمَ فَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً وَالسُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جُعِلَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَسَجَدُوا يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ، إِلَّا إِبْلِيسَ، وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِثُ، فَلَمَّا عَصَى [4] غُيِّرَ اسْمُهُ وَصُورَتُهُ، فقيل [له] [5] : إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ أَبْلَسَ مِنْ رَحْمَةِ الله تعالى، أي: يئس [منها] [6] . وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الْكَهْفِ: 50] ، فَهُوَ أَصْلُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَلِأَنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ خِطَابَ السُّجُودِ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُهُ: كانَ مِنَ الْجِنِّ، أَيْ: مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: مِنَ الملائكة الذين [كانوا] [7] يَصُوغُونَ حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ فِرْقَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ سُمُّوا جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْأَعْيُنِ، وَإِبْلِيسُ كَانَ مِنْهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصَّافَّاتِ: 158] ، وَهُوَ قَوْلُهُمُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَلَمَّا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُعِلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: أَبى أَيِ: امْتَنَعَ فَلَمْ يَسْجُدْ، وَاسْتَكْبَرَ، أَيْ: تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، وَكانَ أي: وصار مِنَ الْكافِرِينَ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: وَكَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ [أنه] [8] مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ وَجَبَتْ لَهُمُ الشقاوة.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) سقط من المطبوع. (3) في المخطوط تقديم وتأخير في العبارات هاهنا، وسياق المطبوع وفي نسخة- ط- هو الصواب، والله أعلم. (4) تحرف في المطبوع «عصى» إلى «أعصى» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) ليست في المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 36 الى 38]

«48» أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا [1] الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ [2] ، أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهْ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ [3] فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ لم يكن [له] [4] فِي الْجَنَّةِ مَنْ يُجَانِسُهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَخَلَقَ اللَّهُ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ من قصيراء [أي من] [5] شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَسُمِّيَتْ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ، خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يحسّ بِهِ آدَمُ وَلَا وَجَدَ لَهُ أَلَمًا، وَلَوْ وَجَدَ لَمَا عَطَفَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ قَطُّ، فَلَمَّا هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ رَآهَا جَالِسَةً عند رأسه كأحسن ما خَلْقِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: زَوْجَتُكَ خَلَقَنِي اللَّهُ لَكَ تَسْكُنُ إِلَيَّ وَأَسْكُنُ إِلَيْكَ وَكُلا مِنْها رَغَداً: وَاسِعًا كَثِيرًا، حَيْثُ شِئْتُما: كَيْفَ شِئْتُمَا [وَمَتَى شِئْتُمَا] [6] وَأَيْنَ شِئْتُمَا، وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، يعني: بالأكل، قال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَعَ النَّهْيُ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الشَّجَرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَى شَجَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي تلك الشجرة، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ السُّنْبُلَةُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ شَجَرَةُ الْعِنَبِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شَجَرَةُ التِّينِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: شَجَرَةُ الْعِلْمِ، وَفِيهَا مِنْ كل شيء، وقال علي: شَجَرَةُ الْكَافُورِ، فَتَكُونا: فَتَصِيرَا مِنَ الظَّالِمِينَ، أي: [من] [7] الضَّارِّينَ [8] بِأَنْفُسِكُمَا بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ [9] . [سورة البقرة (2) : الآيات 36 الى 38] فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

_ 48- إسناده على شرط البخاري، تفرد البخاري عن محمد بن يحيى الذهلي دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، جرير هو ابن عبد الحميد، ووكيع هو ابن الجراح، وأبو معاوية هو محمد بن خازم، الأعمش سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان. وهو في «شرح السنة» بإثر (654) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 81 وابن ماجه 1052 وأحمد 2/ 443 وابن خزيمة 549 وابن حبان 2759 والبغوي 654. والبيهقي في «الشعب» (1487) من طرق عن أبي صالح به. (1) في الأصل «ابن الحاكم» والتصويب عن «شرح السنة» . (2) في «شرح السنة» : «الخالدي» بدل «بن خالد» . [.....] (3) في المطبوع «فأطاع» . (4) سقط من المطبوع. (5) سقط من المطبوع، وفي- ط- «من» بدون «أي» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع «الضاربين» . (9) في المخطوط «محله» .

فَأَزَلَّهُمَا، [أي] [1] : اسْتَزَلَّ [الشَّيْطَانُ] [2] آدَمَ وَحَوَّاءَ، أَيْ: دَعَاهُمَا إِلَى الزَّلَّةِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ «فَأَزَالُهُمَا» ، أَيْ: نَحَّاهُمَا الشَّيْطانُ: فَيْعَالُ مِنْ شَطَنَ، أَيْ: بَعُدَ، سُمِّيَ بِهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الْخَيْرِ وَعَنِ الرَّحْمَةِ، عَنْها عَنِ الْجَنَّةِ فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ: من النَّعِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ أَرَادَ أن يدخل [الجنة] [3] لِيُوَسْوِسَ إِلَى [4] آدَمَ وَحَوَّاءَ فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ فَأَتَى الْحَيَّةَ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لِإِبْلِيسَ وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الدَّوَابِّ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَقَوَائِمِ الْبَعِيرِ وَكَانَتْ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، فَسَأَلَهَا إبليس [لعلمه بصداقتها له] [5] أن تدخله في فَمَهَا فَأَدْخَلَتْهُ وَمَرَّتْ بِهِ عَلَى الخزنة وهم لا يعلمون [به] [6] ، فَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا رَآهُمَا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، لِأَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ آدَمُ حِينَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ قَالَ: لو أن أخلد، فَاغْتَنَمَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ الْخُلْدِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ إِبْلِيسُ فَبَكَى وَنَاحَ نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَاحَ، فَقَالَا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَيْكُمَا تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا فَاغْتَمَّا، وَمَضَى إبليس [عنهما] [7] ثم أتاهما بعد ذلك فقال: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ وَقَاسَمَهُمَا بِاللَّهِ إِنَّهُ لَهُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَاغْتَرَّا، وَمَا ظَنَّا أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا فبادرت حواء إلى الأكل [من] [8] الشَّجَرَةِ ثُمَّ نَاوَلَتْ آدَمَ حَتَّى أكل [منها] [9] . وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ وَلَكِنْ حَوَّاءُ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى [إِذَا] [10] سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ [11] ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: أَوْرَثَتْنَا تِلْكَ الْأَكْلَةُ حُزْنًا طَوِيلًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ: أَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَبَحْتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كَاذِبًا، قَالَ: فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ لَا تنال العيش إلا كدّا [12] [ولا تنال من النساء إلا مشقة وتعبا] [13] . فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان منها رَغَدًا فَعُلِّمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ وَأُمِرَ بالحرث فحرث وَزَرَعَ ثُمَّ سَقَى حَتَّى إِذَا بلغ حصد، ثم درسه [14] ثُمَّ ذَرَاهُ ثُمَّ طَحَنَهُ ثُمَّ عَجَنَهُ ثُمَّ خَبَزَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ، فَلَمْ يَبْلُغْهُ [15] حَتَّى بَلَغَ [مِنْهُ] [16] ما شاء اللَّهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ: يا آدم مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: يَا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوَّاءُ، قَالَ: فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا كُرْهًا وَلَا تَضَعَ إِلَّا كُرْهًا وَدَمَيْتُهَا [17] فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، فَرَنَّتْ حَوَّاءُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: عَلَيْكِ الرَّنَّةُ وَعَلَى بناتك، فلما أكلا منها فتت [18] عَنْهُمَا ثِيَابُهُمَا وَبَدَتْ سَوْآتُهُمَا وَأُخْرِجَا مِنَ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُلْنَا اهْبِطُوا: انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، يَعْنِي: آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةَ، فَهَبَطَ آدَمُ بسر نديب مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ عَلَى جَبَلٍ يقال

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيد في المطبوع. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المخطوط «لآدم» . (5) سقط من المطبوع. (6) زيادة عن المخطوط. (7) سقط من المطبوع. [.....] (8) سقط من المطبوع، وفي المطبوع «أكل «بدل «الأكل» . (9) في المطبوع «أكلها» . (10) سقط من المطبوع. (11) زيد في المخطوط «منها» . (12) في المطبوع «نكدا» . (13) زيادة عن المخطوط. (14) في المطبوع «درس» وفي المخطوط «داسه» . (15) في المخطوط «يبتلعه» والمثبت عن كتب التخريج والمطبوع. (16) زيادة عن المخطوط. (17) في المخطوط «أدميتها» . (18) في- ط- «تهافتت» .

لَهُ نُودٌ [1] ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ، وَإِبْلِيسُ بالأبلّة، وَالْحَيَّةُ بِأَصْفَهَانَ، بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَالْحَيَّةِ، وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ [الْأَعْرَافِ: 22] . «49» أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ [بْنُ] [2] بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ [3] مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عباس قال: لَا أَعْلَمَهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ: «أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَقَالَ: مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ أَوْ مَخَافَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَزَادَ مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْحَدِيثِ: «مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حاربناهنّ» [4] . ع «50» وَرُوِيَ «أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ البيوت» . ع «51» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِنْ رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ: مَوْضِعُ قَرَارٍ وَمَتاعٌ بُلْغَةٌ وَمُسْتَمْتَعٌ إِلى حِينٍ: إلى انقضاء آجالكم. فَتَلَقَّى: تلقن [5] ، وَالتَّلَقِّي: هُوَ قَبُولٌ عَنْ فِطْنَةٍ وَفَهْمٍ، وَقِيلَ: هُوَ التَّعَلُّمُ، آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ آدَمُ بِرَفْعِ الْمِيمِ وَكَلِمَاتٍ بِخَفْضِ التاء، وقرأ ابْنُ كَثِيرٍ (آدَمَ) بِالنَّصْبِ (كَلِمَاتٌ) بِرَفْعِ التَّاءِ، يَعْنِي: جَاءَتِ الْكَلِمَاتُ آدَمَ مِنْ رَبِّهِ وَكَانَتْ سَبَبَ تَوْبَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، فقال [6] سعيد بن

_ (1) في نسخة من المخطوط «نور» . والمثبت عن نسخ المطبوع، و «الدر المنثور» (1/ 116) . (2) ما بين المعقوفتين زيادة من «ط» و «أ» و «شرح السنة» . (3) زيد في الأصل: [محمد بن الصفار حدثنا] بين «أحمد» و «منصور» والتصويب عن «شرح السنة» . [.....] (4) كذا وقع في الأصل وفي مصنف عبد الرزاق وفي رواية لأبي داود 5249 من حديث ابن مسعود «فمن خاف ثأرهن» . 4 هذه الزيادة لأبي داود. (5) في المطبوع «تلقى» . (6) في المطبوع «قال» . 49- صحيح، أحمد بن منصور الرمادي، ثقه حافظ، كما في «التقريب» وقد توبع ومن دونه ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد، وأيوب هو ابن أبي كريمة، وعكرمة هو أبو عبد الله مولى ابن عباس. وهو في «شرح السنة» (3158) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 5250 وعبد الرزاق في «المصنف» (19617) وأحمد 1/ 230 من حديث ابن عباس وإسناده صحيح. - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود 5248 والحميدي 1156 وأحمد 2/ 247 و432 و250 وابن حبان 5644، وله أيضا شواهد أخرى في الصحيحين. 50- ع صحيح. أخرجه البخاري 3297 و3312 و3313 ومسلم 2233 وأبو داود 5253 وعبد الرزاق 19616 وابن حبان 5643 من طرق من حديث ابن عمر، وفيه قصة. 51- ع صحيح. أخرجه مسلم 2236 وأبو داود 5259 والترمذي 1484 والنسائي في «الكبرى» (8871 و10805 و10808) ومالك 2/ 976- 977 وابن حبان 5637 والطحاوي في «المشكل» (4/ 94- 95) والبغوي 3264 من حديث أبي سعيد الخدري، وله قصة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 39 الى 44]

جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هِيَ قَوْلُهُ: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: 23] الْآيَةَ. وَقَالَ [مُجَاهِدٌ] [1] وَمُحَمَّدُ بْنُ كعب القرظي: هو قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أنت الغفور الرَّحِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هِيَ أَنَّ آدَمَ قَالَ: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ مَا أَتَيْتُ، أَشَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أَمْ شَيْءٌ قَدَّرْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا بَلْ شَيْءٌ قُدَّرْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ، قَالَ: يَا رب فكما قدّرته [علّي] [2] [3] فَاغْفِرْ لِي، وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْحَيَاءُ وَالدُّعَاءُ وَالْبُكَاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَكَى آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَى مَا فَاتَهُمَا مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَلَمْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَشْرَبَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَقْرُبْ آدَمُ حَوَّاءَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ خباب [4] وعلقمة بن مرثد قالا: لَوْ أَنَّ دُمُوعَ [جَمِيعِ] [5] أَهْلِ الْأَرْضِ جُمِعَتْ لَكَانَتْ دُمُوعُ دَاوُدَ أَكْثَرَ [6] حَيْثُ أَصَابَ الْخَطِيئَةَ، وَلَوْ أَنَّ دُمُوعَ دَاوُدَ وَدُمُوعَ أَهْلِ الْأَرْضِ جُمِعَتْ لَكَانَتْ دُمُوعُ آدَمَ أَكْثَرَ حَيْثُ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بلغني أن آدم لما أهبط إِلَى الْأَرْضِ مَكَثَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ لا يرفع رأسه [إلى السماء] [7] حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَوْلُهُ: فَتابَ عَلَيْهِ: فَتَجَاوَزَ عَنْهُ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ: يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ، الرَّحِيمُ: بخلقه. قوله تَعَالَى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ، وَقِيلَ: الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ [8] الدنيا، والهبوط الثاني [9] مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ، أَيْ: فَإِنْ يَأْتِكُمْ يَا ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنِّي هُدىً، أَيْ: رُشْدٌ وَبَيَانُ شَرِيعَةٍ، وَقِيلَ: كِتَابٌ وَرَسُولٌ، فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، قَرَأَ يَعْقُوبُ: فَلا خَوْفٌ بالنصب [في] [10] كل القرآن، والآخرون بالرفع [11] وَالتَّنْوِينِ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَّفُوا [12] ، وَقِيلَ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [فِي الدُّنْيَا] [13] ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ في الآخرة. [سورة البقرة (2) : الآيات 39 الى 44] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)

_ (1) سقط من المخطوط والصواب إثباته، فكلا القولين ورد عن مجاهد. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع «قبل أن تخلقني» وهي غير موجودة في المخطوط ولا في «الدر المنثور» . (4) في المطبوع «خطاب» وهو تصحيف. (5) زيادة في نسخ المطبوع. (6) زيد في المخطوط «من» . (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المخطوط «سماء» . [.....] (9) في نسخة- ط- الآخر» . (10) في المطبوع «بالفتح» . (11) في المطبوع «بالضم» . (12) في المطبوع «خلقوا» . (13) سقط من المخطوط.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا: جَحَدُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بِالْقُرْآنِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ: [يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هُمْ فِيها خالِدُونَ: لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرائِيلَ يَا أَوْلَادَ يعقوب، ومعنى إسرا [1] : عبد [2] ، وَإِيلُ: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: صَفْوَةُ اللَّهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: (إسرائيل) بغير همزة، اذْكُرُوا: احْفَظُوا، وَالذِّكْرُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشُّكْرَ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الذِّكْرِ، لِأَنَّ في الشكر ذكرا وفي الكفر [3] نِسْيَانًا، قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا، نِعْمَتِيَ، أَيْ: نِعَمِي، لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جَمْعٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوها [إِبْرَاهِيمَ: 34] ، الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، أَيْ: عَلَى أَجْدَادِكُمْ وَأَسْلَافِكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النِّعَمُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ: فلق البحر، وإنجاؤهم مِنْ فِرْعَوْنَ بِإِغْرَاقِهِ، وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ، وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنْزَالِ التَّوْرَاةِ، فِي نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ النِّعَمِ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [أَيْ] : بِامْتِثَالِ أَمْرِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: بِالْقَبُولِ وَالثَّوَابِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهَذَا الْعَهْدِ مَا ذكر في سورة المائدة [في قوله] [4] : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً [المائدة: 12] إِلَى أَنْ قَالَ: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [الْمَائِدَةِ: 12] ، فَهَذَا قَوْلُهُ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [الْبَقَرَةِ: 63] ، فَهُوَ [5] شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ مقاتل: هو قَوْلُهُ [تَعَالَى] : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [الْبَقَرَةِ: 83] . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَهِدَ اللَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لسان موسى [عليه الصّلاة والسّلام] : إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نبيا أمّيّا من تبعه وصدق بالنور الذي يأتي معه [6] غفرت له ذنوبه [7] وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلْتُ لَهُ أَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [آلَ عِمْرَانَ: 187] ، يَعْنِي: أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ: فَخَافُونِي فِي نَقْضِ الْعَهْدِ، وَأَثْبَتَ يَعْقُوبُ الْيَاءَآتِ المحذوفة في الخط مثل (فارهبون، فاتقون، واخشون) ، والآخرون يحذفونها في [8] الْخَطِّ. وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ يَعْنِي الْقُرْآنَ، مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، أَيْ: موافقا لما معكم من [9] التَّوْرَاةَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْأَخْبَارِ وَنَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ، وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ، أَيْ: بِالْقُرْآنِ، يُرِيدُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَفَرَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ بِمَكَّةَ، مَعْنَاهُ: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ فتتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤوا بآثامكم وآثامهم [لأنكم أصل إضلالهم] [10] ، وَلا تَشْتَرُوا، أَيْ: وَلَا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِي: بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثَمَناً قَلِيلًا، أي: عوضا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ وَعُلَمَاءَهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مآكل [11] يصيبونها

_ (1) زيد في المطبوع «إيل» . (2) زيد في المطبوع «الله» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) سقط من المطبوع. (5) في المخطوط «فهذه» . (6) في المطبوع «به» . (7) في المطبوع «ذنبه» . (8) في نسخ المطبوع «على» . (9) في المخطوط «يعني» بدل «من» . [.....] (10) زيادة عن المخطوط. (11) في المطبوع «مأكلة» .

من سفلتهم وجهالهم يأخذون كل عام منهم شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ زُرُوعِهِمْ وَضُرُوعِهِمْ ونقودهم، فخافوا أنهم إن بَيَّنُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابَعُوهُ أَنْ تَفُوتَهُمْ تلك المأكلة، فغيّروا نعته وكتموا اسمه [عنهم] [1] ، فَاخْتَارُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ: فاخشون. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، أَيْ: لَا تَخْلِطُوا، يُقَالُ: لَبِسَ الثَّوْبَ يَلْبَسُ لُبْسًا، وَلَبِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ يلبس لبسا، أي: خلط، يقال: لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ الَّذِي أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي تكتبونه بأيديكم من تغيير [صفته] [2] ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ لَا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية، قال [3] مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْيَهُودَ أَقَرُّوا بِبَعْضِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوا بَعْضًا [4] لِيُصَدَّقُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الَّذِي تُقِرُّونَ بِهِ [5] بِالْباطِلِ، يَعْنِي: بِمَا تَكْتُمُونَهُ، فَالْحَقُّ بَيَانُهُمْ [6] وَالْبَاطِلُ كِتْمَانُهُمْ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، أَيْ: لَا تَكْتُمُوهُ، يَعْنِي: نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا، وَآتُوا الزَّكاةَ أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمُ المفروضة، فهي مأخوذة من زكاة الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَكَثُرَ، وَقِيلَ: مِنْ تَزَكَّى، أَيْ: تَطَهَّرَ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ [7] فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّ فِيهَا تَطْهِيرًا وَتَنْمِيَةً لِلْمَالِ، وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ، أَيْ: صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الرُّكُوعِ لأن الركوع رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ركوع، وكأنه قَالَ: صَلُّوا صَلَاةً ذَاتَ رُكُوعٍ، قيل: وإعادته بَعْدَ قَوْلِهِ: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، لِهَذَا أَيْ: صَلُّوا مَعَ الَّذِينَ فِي صَلَاتِهِمْ [8] رُكُوعٌ، فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ، وَقِيلَ: هَذَا حَثٌّ على إقام الصَّلَاةِ جَمَاعَةً كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا مَعَ [الْمُصَلِّينَ] [9] الَّذِينَ سَبَقُوكُمْ بالإيمان. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، أَيْ: بِالطَّاعَةِ، نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ [10] وَحَلِيفِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [11] إِذَا سَأَلَهُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْبُتْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ حَقٌّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِأَحْبَارِهِمْ حَيْثُ أَمَرُوا أَتْبَاعَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَالَفُوا وَغَيَّرُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ: تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ فَلَا تَتَّبِعُونَهُ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ: تَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ فِيهَا نَعْتُهُ وَصَفْتُهُ، أَفَلا تَعْقِلُونَ: أَنَّهُ حَقٌّ فَتَتَّبِعُونَهُ [12] ، وَالْعَقْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِقَالِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ رُكْبَةُ الْبَعِيرِ فيمنعه عن [13] الشُّرُودِ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ من الكفر والجحود، [والمخالفة لما علمه الحق] [14] . «52» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ [15] بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، أَنَا أَبُو بكر محمد بن

_ 52- حديث قوي بطرقه، وشواهده، إسناده ضعيف لضعف عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وبقية رجال الإسناد ثقات، عفان هو ابن مسلم بن عبد الله الباهلي، ثقة ثبت روى له الشيخان، وحماد بن سلمة، روى له مسلم دون البخاري. - وهو في «شرح السنة» (4054) بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (14/ 308) وأحمد 3/ 120 و180 و231 و239 كلهم عن علي بن زيد به، وقد توبع ابن زيد، تابعه مالك بن دينار عند ابن حبان 53 وأبي نعيم في «الحلية» (8/ 43- 44) ، وعند ابن حبان المغيرة ختن مالك بن دينار، وهو لين الحديث، وقد توبع في «الحلية» ، وأخرجه البيهقي في «الشعب» (1773) من وجه آخر عن مالك بن دينار عن ثمامة بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسٍ، فجعل واسطة بينهما- ثمامة- ومالك سمع من أنس، وأخرجه أبو نعيم 8/ 172 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ ابن الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أنس، فالحديث قوي بطرقه. وفي الباب أحاديث، منها الآتي. (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم» . (3) في المطبوع «وقال» . (4) في المخطوط «بعضها» . (5) في المطبوع «تغيرون» . (6) في المخطوط «إثباتهم» . (7) في المطبوع «موجودان» . (8) في المطبوع «صلواتهم» والمثبت عن المخطوط وط-. (9) زيد في نسخ المطبوع. (10) في المخطوط «لقرينه» . (11) في المطبوع «المؤمنين» والمثبت عن المخطوط وط-. [.....] (12) في المطبوع «فتتبعون» . (13) في المخطوط «من» . (14) سقط من نسخ المطبوع. (15) في المطبوع «عمرو» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 45 الى 49]

عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ، أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ أَنَا عَفَّانُ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أسري بي رجالا تقرض شفافهم بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءٌ مِنْ أُمَّتِّكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ» . «53» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ [بْنُ] [1] عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وائل قال: قال أسامة [بن زيد] [2] : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فتندلق أقتابه [3] فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ [4] [5] ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» . وَقَالَ شُعْبَةُ عن الأعمش: «فيطحن [فيها كطحن] [6] الحمار برحاه» . [سورة البقرة (2) : الآيات 45 الى 49] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)

_ 53- إسناده صحيح على شرط البخاري، تفرد البخاري عن علي بن عبد الله وهو المديني، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة. وهو في «شرح السنة» (4053) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3267) عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 7098 ومسلم 2989 وأحمد 5/ 206 من طرق من حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما. (1) سقط من المطبوع. (2) زيادة عن المخطوط. (3) الأقتاب: الأمعاء. (4) الرحى: الطاحون. (5) كذا في المطبوع وشرح السنة، وفي المخطوط «بالرحى» . (6) في نسخ المطبوع «بها كما يطحن» والمثبت عن المخطوط، وشرح السنة.

وَاسْتَعِينُوا: عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُكُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَقِيلَ: عَلَى طَلَبِ الآخرة، بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ: [على تمحيض محو الذنوب] [1] أَرَادَ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي، وقيل: أراد بالصبر: الصَّبْرَ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ مجاهد: الصبر [هو] : الصَّوْمُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاةَ تُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى «عَلَى» أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [التوبة: 132] ، وَإِنَّها، ولم يقل وإنهما، ردّ الكناية إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَيْ: وَإِنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهُمَا، كَمَا قَالَ: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الْكَهْفِ: 33] ، أَيْ: كُلُّ [2] وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [وَإِنَّهُ لِكَبِيرٌ، وَبِالصَّلَاةِ] [3] وَإِنَّهَا لِكَبِيرَةٌ، فَحَذَفَ أحدهما اختصارا. وقال المورّج [4] : رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها [التَّوْبَةِ: 34] رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْفِضَّةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ، وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّبْرَ دَاخِلٌ فِيهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التَّوْبَةِ: 62] ، ولم يقل يرضوهما، لأن رضى الرسول داخل في رضى الله عزّ وجلّ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ، لَكَبِيرَةٌ، أَيْ: لِثَقِيلَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخَائِفِينَ، وَقِيلَ: الْمُطِيعِينَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُتَوَاضِعِينَ، وَأَصْلُ الْخُشُوعِ: السُّكُونُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ [طه: 108] ، فَالْخَاشِعُ سَاكِنٌ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. الَّذِينَ يَظُنُّونَ: يَسْتَيْقِنُونَ، وَالظَّنُّ [5] مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ شَكًّا ويقينا، كالرجاء يكون أمنا وخوفا، أَنَّهُمْ مُلاقُوا: معاينوا رَبِّهِمْ: فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ اللِّقَاءِ الصَّيْرُورَةُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ: فَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) ، أي: عالمي زمانكم، [لا مطلق العالمين] [6] وَذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَإِنْ كَانَ فِي حق الآباء ولكن يحصل به الشرف في حق الأبناء. وَاتَّقُوا يَوْماً: وَاخْشَوْا عِقَابَ [7] يَوْمٍ، لَا تَجْزِي نَفْسٌ: لَا تَقْضِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً، أَيْ: حَقًّا لَزِمَهَا، وَقِيلَ: لَا تُغْنِي، وَقِيلَ: لَا تَكْفِي شَيْئًا مِنَ الشَّدَائِدِ، وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ [8] بِالتَّاءِ، لِتَأْنِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، لِأَنَّ الشَّفْعَ وَالشَّفَاعَةَ بمعنى واحد

_ (1) زيد في المطبوع. (2) زيد في المطبوع «أكل» . (3) سقط من المخطوط. [.....] (4) هو الإمام اللغوي مؤرّج بن عمرو السدوسي، أخذ عن الخليل بن أحمد، راجع «الأعلام» للزركليّ (7/ 318) . (5) زيد في نسخة- ط- «أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، وَأَنَّهُمْ مُحَاسَبُونَ، وَأَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم إلى المحشر رجوعا إليه» . وقال محققه: ساقط من ب. قلت: ليس هو في نسخ المخطوط ولا نسخة المطبوع الأخرى، وسيفسر المصنف العبارات الآتية من الآية، مما يدل على عدم ثبوت تلك الزيادة فتأمل، والله أعلم. (6) زيد عن المخطوط- أ- ب. (7) في المخطوط «عذاب» . (8) جعل في نسختي المخطوط «وأهل البصرة» بدل «ويعقوب» والمثبت هو الصواب، حيث رجعت إلى كتب القراءات، فرأيت المثبت هو الصواب.

كَالْوَعْظِ وَالْمَوْعِظَةِ، فَالتَّذْكِيرُ عَلَى الْمَعْنَى وَالتَّأْنِيثُ عَلَى اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يُونُسَ: 57] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الْبَقَرَةِ: 275] ، أَيْ: لَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ، أَيْ: فِدَاءٌ، وسمي به لأنه مثل [المعدل] [1] الْمَفْدِيِّ [2] وَالْعَدْلُ الْمِثْلُ، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ، [يَعْنِي] : أَسْلَافَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ فَاعْتَدَّهَا مِنَّةً عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِنَجَاتِهِمْ، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: أَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَكَانَ مِنَ الْقِبْطِ الْعَمَالِيقِ وَعُمِّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، يَسُومُونَكُمْ: يُكَلِّفُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ: أَشَدَّ الْعَذَابِ وَأَسْوَأَهُ، وَقِيلَ: يَصْرِفُونَكُمْ فِي الْعَذَابِ [مرة هكذا و] [3] مرة هَكَذَا كَالْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ. وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا، وَصَنَّفَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ ويزرعون، وصنف يخدمون، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عمل وضع عليه الجزية. قال وَهْبٌ: كَانُوا أَصْنَافًا فِي أَعْمَالِ فرعون، فذو والقوة يَنْحِتُونَ السَّوَارِيَ مِنَ الْجِبَالِ حَتَّى قُرِحَتْ أَعْنَاقُهُمْ [وَأَيْدِيهِمْ] [4] وَدَبِرَتْ ظُهُورُهُمْ مِنْ قَطْعِهَا وَنَقْلِهَا، وَطَائِفَةٌ يَنْقُلُونَ الحجارة [والطين يَبْنُونَ لَهُ الْقُصُورَ] [5] ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ وَيَطْبُخُونَ الْآجُرَّ، وَطَائِفَةٌ نَجَّارُونَ وَحَدَّادُونَ، وَالضَّعَفَةُ مِنْهُمْ يَضْرِبُ عليهم الخراج، جزية [6] يُؤَدُّونَهَا كُلَّ يَوْمٍ فَمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ ضَرِيبَتَهُ غُلَّتْ يَمِينُهُ إِلَى عُنُقِهِ شَهْرًا، وَالنِّسَاءُ يَغْزِلْنَ الْكَتَّانَ وَيَنْسِجْنَ، وقيل: تفسير قوله يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ: ما [7] بعده وهو قوله تعالى: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ، فهو مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ، وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يَتْرُكُونَهُنَّ أَحْيَاءً. وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَتْ بِمِصْرَ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ قِبْطِيٍّ فِيهَا، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ [8] لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَهَالَهُ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْكَهَنَةَ عَنْ رؤياه فقالوا يولد ولد فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ غُلَامٌ يَكُونُ على يديه [9] هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ كُلِّ غُلَامٍ يُولَدُ فِي بني إسرائيل، وجمع القوابل قال لَهُنَّ: لَا يُسْقَطَنَّ عَلَى أَيْدِيكُنَّ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا قُتِلَ وَلَا جَارِيَةٌ إِلَّا تُرِكَتْ، ووكّل بالقوابل [أمناء ينظرون ما يصنع كل حامل من ذكر أو أنثى ويخبرونه] [10] ، فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ: إنه قتل فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اثني عشر ألف صبي، وَقَالَ وَهْبٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ ذَبَحَ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تسعين ألف وليد، [قال] [11] : ثم أسرع الْمَوْتُ فِي مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فدخل رؤوس الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَالُوا: إِنَّ الْمَوْتَ قَدْ وَقَعَ فِي بَنِي إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت في أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَيْنَا، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَذْبَحُوا سَنَةً وَيَتْرُكُوا سنة فولد هرون في السنة التي

_ (1) في المطبوع «المعدي» وهو ساقط من- ط- والمثبت عن المخطوطتين. (2) في المطبوع «والعدل» والمثبت عن المخطوطتين، ونسخة- ط-. (3) سقط من المطبوع. (4) سقط من المطبوع. (5) سقط من المطبوع. (6) في المطبوع «ضريبة» . (7) زيد في المخطوط «ذكره» عقب لفظ «ما» . (8) في المطبوع «يتعرض» . (9) في المطبوع «يده» . [.....] (10) سقط في نسخ المطبوع. (11) زيد عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 50]

لا يذبحون [1] فيها وولد موسى فِي السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُونَ فِيهَا، وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، قِيلَ: الْبَلَاءُ: الْمِحْنَةُ، أَيْ: فِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقِيلَ: الْبَلَاءُ: النِّعْمَةُ، أَيْ: فِي إِنْجَائِي إِيَّاكُمْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْبَلَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَبِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَخْتَبِرُ عَلَى النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، وعلى الشدة بالصبر، قال اللَّهُ تَعَالَى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35] . [سورة البقرة (2) : آية 50] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ، قِيلَ: معناه فرقنا لكم [البحر] [2] ، وَقِيلَ: فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ، وَسُمِّيَ الْبَحْرُ بَحْرًا لِاتِّسَاعِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: بَحْرٌ إِذَا اتَّسَعَ فِي جَرْيِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَنَا هَلَاكُ فِرْعَوْنَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يسير بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لَيْلًا فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يُسْرِجُوا [3] فِي بُيُوتِهِمْ إِلَى الصُّبْحِ، وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ وَلَدِ زِنًا فِي الْقِبْطِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِمْ وَكُلَّ وَلَدِ زِنًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْقِبْطِ إِلَى الْقِبْطِ، حَتَّى رَجَعَ كُلٌّ إِلَى أَبِيهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ الْمَوْتَ عَلَى الْقِبْطِ فَمَاتَ كُلُّ بِكْرٍ لَهُمْ فاشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا، حتى طلعت الشَّمْسُ وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ لَا يَعُدُّونَ ابْنَ الْعِشْرِينَ لِصِغَرِهِ وَلَا ابْنَ السِّتِّينَ لِكِبَرِهِ، وَكَانُوا يَوْمَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُوسَى سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا السَّيْرَ ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ، فَدَعَا مُوسَى مَشْيَخَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَى إِخْوَتِهِ عَهْدًا أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ مِصْرَ حَتَّى يُخْرِجُوهُ مَعَهُمْ فَلِذَلِكَ انْسَدَّ عَلَيْنَا الطَّرِيقُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ فَلَمْ يَعْلَمُوا فَقَامَ مُوسَى يُنَادِي أُنْشِدُ اللَّهَ كُلَّ مَنْ يَعْلَمُ أَيْنَ مَوْضِعُ قَبْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَا أَخْبَرَنِي بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ [بِهِ] [4] فَصُمَّتْ أذناه عن سماع قَوْلِي، وَكَانَ يَمُرُّ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُنَادِي [فَلَا] [5] يَسْمَعَانِ صَوْتَهُ، حَتَّى سَمِعَتْهُ عَجُوزٌ لَهُمْ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتُكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى قَبْرِهِ أَتُعْطِينِي كُلَّ مَا سَأَلْتُكَ؟ فَأَبَى عَلَيْهَا وَقَالَ حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي، فَأَمَرَهُ الله تعالى بإيتائها سؤالها، فَقَالَتْ: إِنِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ فَاحْمِلْنِي وَأَخْرِجْنِي مِنْ مِصْرَ، هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَنْزِلَ [غُرْفَةً مِنَ] [6] الْجَنَّةِ إِلَّا نَزَلْتُهَا مَعَكَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِنَّهُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ فِي النيل، فادع الله تعالى حَتَّى [يَحْسِرَ عَنْهُ]] الْمَاءَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَحَسِرَ عَنْهُ الْمَاءَ، ودعا الله [8] أَنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَفَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَاسْتَخْرَجَهُ فِي [9] صُنْدُوقٍ مِنْ مَرْمَرٍ وَحِمَلَهُ حَتَّى دَفَنَهُ بِالشَّامِ، فَفُتِحَ لَهُمُ الطَّرِيقُ فَسَارُوا وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى ساقتهم [10] وهرون على مقدمتهم،

_ (1) في المخطوط «يذبح» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) أي أمرهم أن يضيئوا السراج. (4) سقط في المخطوط. (5) في المطبوع «ولا» . (6) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «منزلا في» . (7) في المطبوع «ينحسر» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) في المخطوط «من» . (10) ساقة الجيش: مؤخّره.

وَنَذَرَ [1] بِهِمْ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَخْرُجُوا فِي طلب بني إسرائيل حتى [تصيح الديكة] [2] فو الله مَا صَاحَ دِيكٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ بَنِي إسرائيل، وعلى مقدمة [3] عسكره هَامَانُ فِي أَلْفِ أَلْفِ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ سِوَى سَائِرِ الشِّيَاتِ [4] . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ فِي عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ مِائَةُ أَلْفِ حِصَانٍ أَدْهَمَ سِوَى سَائِرِ الشِّيَاتِ، وَكَانَ فِرْعَوْنُ [يَكُونُ] [5] فِي الدُّهْمِ [6] وَقِيلَ: كَانَ فِرْعَوْنُ فِي سَبْعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِائَةُ أَلْفِ نَاشِبٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ أَصْحَابُ حِرَابٍ، وَمِائَةُ أَلْفٍ أَصْحَابُ الْأَعْمِدَةِ فَسَارَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى وَصَلُوا إلى البحر أو لماء في غاية الزيادة. ونظروا فَإِذَا هُمْ بِفِرْعَوْنَ حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ، فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَصْنَعُ وَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا؟ هَذَا فِرْعَوْنُ خَلْفَنَا إِنْ أَدْرَكَنَا قَتَلَنَا وَالْبَحْرُ أَمَامَنَا إِنْ دَخَلْنَاهُ غَرِقْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) [الشُّعَرَاءِ: 61. 62] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ [الشعراء: 63] ، فَضَرَبَهُ فَلَمْ يُطِعْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ كَنِّهِ، فَضَرَبَهُ وَقَالَ: انْفَلِقْ يَا أَبَا خَالِدٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: 63] ، وَظَهَرَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ، وَارْتَفَعَ الْمَاءُ بَيْنَ كُلِّ طَرِيقَيْنِ كَالْجَبَلِ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ عَلَى قَعْرِ البحر حتى صار [البحر] يَبِسَا فَخَاضَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ كُلُّ سِبْطٍ فِي طَرِيقٍ وَعَنْ جانبيهم الماء كالجبل الضخم لا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَخَافُوا وَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ إِخْوَانُنَا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبَالِ الْمَاءِ أَنْ تَشَبَّكِي فَصَارَ الْمَاءُ شَبَكَاتٍ كَالطَّبَقَاتِ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَسْمَعُ بَعْضُهُمْ كَلَامَ بَعْضٍ، حَتَّى عَبَرُوا الْبَحْرَ سَالِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالْغَرَقِ. وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَا وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ فرآه منفلقا قَالَ لِقَوْمِهِ: انْظُرُوا إِلَى الْبَحْرِ انْفَلَقَ مِنْ هَيْبَتِي حَتَّى أُدْرِكَ عبيدي الذين أبقوا مني، ادْخُلُوا الْبَحْرَ فَهَابَ قَوْمُهُ أَنْ يَدْخُلُوهُ، وَقِيلَ: قَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ رَبًّا فَادْخُلِ الْبَحْرَ كَمَا دخل موسى، وكان فرعون [راكبا] عَلَى حِصَانٍ أَدْهَمَ، وَلَمْ يَكُنْ في خيل فرعون أُنْثَى فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ [7] ، فَتَقَدَّمَهُمْ وَخَاضَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا شَمَّ أَدْهَمُ فِرْعَوْنَ رِيحَهَا اقْتَحَمَ الْبَحْرَ فِي أَثَرِهَا وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ [8] ، وَلَمْ يَمْلِكْ فِرْعَوْنُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَرَى فَرَسَ جِبْرِيلَ، وَاقْتَحَمَتِ الْخُيُولُ خَلْفَهُ فِي الْبَحْرِ وَجَاءَ مِيكَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ خَلْفَ الْقَوْمِ [يَشْحَذُهُمْ] [9] يسوقهم حَتَّى لَا يَشِذَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ [10] وَيَقُولَ لَهُمُ: الْحَقُوا بِأَصْحَابِكُمْ حَتَّى خَاضُوا كُلُّهُمُ الْبَحْرَ وَخَرَجَ [11] جِبْرِيلُ من البحر

_ (1) أي أعلم. ووقع في المطبوع «وندر» . (2) في نسخ المطبوع «يصبح الديك» . [.....] (3) في المخطوط «مقدمته» دون «عسكره» . (4) الشيات: جمع الشية: وهي كل لون يخالف معظم لون الفرس. (5) زيادة عن المخطوط وط-. (6) الدهم: العدد الكثير- وقيل: الخيل السوداء. (7) في القاموس: ودق ذات الحافر وداقا: أرادت الفحل- وأتان وفرس وديق وبها وداق وفي المثل: «ودق البعير إلى الماء» يضرب لمن خضع لشيء حرصا عليه- وذات ودقين: الداهية. (8) هذه الأخبار من الإسرائيليات لا حجة فيها. (9) سقط من المطبوع. (10) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «لا يشرد منهم رجل» . (11) في المطبوع «وخاض» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 51 الى 54]

[وخرج ميكائيل مِنَ الْبَحْرِ] [1] وَهَمَّ أَوَّلُهُمْ بِالْخُرُوجِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَحْرَ أَنْ يأخذهم فالتطم [عليهم] [2] وأغرقهم أَجْمَعِينَ، وَكَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْبَحْرِ أربعة فراسخ وهو [بحر القلزم طَرَفٌ مِنْ بَحْرِ فَارِسَ] [3] ، قَالَ قتادة: [هو] بَحْرٌ مِنْ وَرَاءِ مِصْرَ يُقَالُ: إِسَافٌ، وَذَلِكَ بِمَرْأًى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى مَصَارِعِهِمْ، وَقِيلَ: إِلَى إهلاكهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 51 الى 54] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ واعَدْنا، هذا [4] مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِمْ: عَافَاكَ اللَّهُ وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ مِنَ اللَّهِ الْأَمْرُ وَمِنْ مُوسَى الْقَبُولُ، فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ المواعدة، وقرأ أبو عمرو وأهل الْبَصْرَةِ «وَإِذْ وَعَدْنَا» مِنَ الْوَعْدِ، مُوسى: اسم عبري عرّب وهو بالعبرانية [موشي ومو الماء وشا الشجر] [5] ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ بَيْنِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الشِّينُ الْمُعْجَمَةُ سِينًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، أي: انقضاءها ثلاثون من ذي الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَقَرَنَ [التَّارِيخَ] [6] بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ لِأَنَّ شُهُورَ الْعَرَبِ وُضِعَتْ عَلَى سَيْرِ الْقَمَرِ، [وَالْهِلَالُ إِنَّمَا يُهِلُّ بِاللَّيْلِ] [7] . وَقِيلَ: لِأَنَّ الظُّلْمَةَ أَقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ، وَخَلْقُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: 37] ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا أَمِنُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ وَدَخَلُوا مِصْرَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شَرِيعَةٌ يَنْتَهُونَ إِلَيْهِمَا [8] ، فَوَعَدَ الله موسى أن ينزل عليهم التَّوْرَاةَ، فَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنِّي ذاهب لميقات ربي [9] آتِيكُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا تَأْتُونَ وَمَا تَذْرُوَنَ، وَوَاعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ وعشر مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ هَارُونَ، فَلَمَّا أَتَى الْوَعْدُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ، يُقَالُ لَهُ: فَرَسُ الْحَيَاةِ لَا يُصِيبُ شَيْئًا إِلَّا حُيِيَ لِيَذْهَبَ بِمُوسَى إِلَى رَبِّهِ، فَلَمَّا رَآهُ السَّامِرِيُّ وَكَانَ رَجُلًا صَائِغًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَى وَاسْمُهُ مِيخَا [10] ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ [11] : كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْمُهُ موسى بن ظفر. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا سامرة، ورأى موضع قدم الفرس تخضرّ من ذلك، وَكَانَ مُنَافِقًا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، فَلَمَّا رأى جبريل على ذلك الفرس، [فقال: إن لهذا لشأنا وأخذ قَبْضَةً] [12] مِنْ تُرْبَةِ حَافِرِ فَرَسِ جبريل عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ عِكْرِمَةُ: أُلْقِيَ في

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيد في المطبوع. (3) في المطبوع [على طرف بحر من بحر فارس] . (4) في المطبوع «هو» . (5) ما بين المعقوفتين في المطبوع «الماء والشجر» . [.....] (6) سقط من المطبوع. (7) سقط من المخطوط. (8) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «ينتمون إليها» . (9) في المطبوع «ربكم» . (10) في المخطوط «ميحا» وفي «الدر» (4/ 545) «ما جرما» بدل «باجرما» . (11) في المخطوط «المسيب» وهو خطأ. (12) العبارة في المطبوع «علم إِنَّ لِهَذَا شَأْنًا فَأَخَذَ قَبْضَةً» .

رَوْعِهِ أَنَّهُ إِذَا أُلْقِيَ فِي شيء غيره حيي، وكان بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدِ اسْتَعَارُوا حُلِيًّا كَثِيرَةً مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ [حِينَ أرادوا الخروج من مصر لعلّة عُرْسٍ لَهُمْ فَأَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ] [1] وَبَقِيَتْ تِلْكَ الْحُلِيُّ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا فَصَلَ مُوسَى قال هارون [2] لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ الْحُلِيَّ الَّتِي اسْتَعَرْتُمُوهَا [3] مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ غَنِيمَةٌ لَا تَحِلُّ لَكُمْ فَاحْفِرُوا حُفْرَةً وَادْفِنُوهَا فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى، فَيَرَى فِيهَا رَأْيَهُ. وَقَالَ [4] السُّدِّيُّ: إِنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ أن يلقوها في حفرة [5] ، حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى فَفَعَلُوا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحُلِيُّ صَاغَهَا السَّامِرِيُّ عِجْلًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَلْقَى فِيهَا [6] الْقَبْضَةَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ تُرَابِ [أَثَرِ] فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَخَرَجَ عِجْلًا مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعًا بِالْجَوَاهِرِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ، فخار خَوْرَةً، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي فَقَالَ السَّامِرِيُّ: هَذَا إِلَهُكُمْ وإله موسى، فنسي، أَيْ: فَتَرَكَهُ هَاهُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ أَخْلَفُوا الوعد فعدّوا اليوم مع الليلة يومين، فلما مضى عِشْرُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ، وَقِيلَ: كَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ زِيدَتِ الْعَشَرَةَ فَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُونَ وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَرَأَوُا الْعِجْلَ وسمعوا قول السامري، فعكف ثَمَانِيَةُ آلَافِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ، وَقِيلَ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ وَهَذَا أَصَحُّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ وَحْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ، أَيْ: إِلَهًا مِنْ بَعْدِهِ، أَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ الذَّالَ مِنْ (أَخَذْتُ، وَاتَّخَذْتُ) ، وَالْآخَرُونَ يُدْغِمُونَهَا، وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ: ضَارُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ بِالْمَعْصِيَةِ وَاضِعُونَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ: مَحَوْنَا ذنوبكم، مِنْ بَعْدِ ذلِكَ: من عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: لِكَيْ تَشْكُرُوا عَفْوِي عَنْكُمْ وَصَنِيعِي إِلَيْكُمْ، قِيلَ: الشُّكْرُ هُوَ الطَّاعَةُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، قَالَ الْحَسَنُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ ذِكْرُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضُّحَى: 11] . قَالَ الْفُضَيْلُ: [شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْ لَا يُعْصَى اللَّهُ بَعْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ] [7] ، وَقِيلَ: حَقِيقَةُ الشُّكْرِ الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ، حُكِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: إِلَهِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ النِّعَمَ السَّوَابِغَ وَأَمَرَتْنِي بِالشُّكْرِ، وَإِنَّمَا شُكْرِي إِيَّاكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مُوسَى تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ الذي لا يفوقه عِلْمٍ [8] ، حَسْبِي مِنْ عَبْدِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَهُوَ مِنِّي، وَقَالَ دَاوُدُ: سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِالْعَجْزِ عَنْ شُكْرِهِ شُكْرًا، كَمَا جَعَلَ اعْتِرَافَهُ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَالْفُرْقانَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التَّوْرَاةُ أَيْضًا ذَكَرَهَا بِاسْمَيْنِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الْفُرْقَانُ نَعْتُ الْكِتَابِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، يَعْنِي: الكتاب الفرقان، أي:

_ (1) زيد في المطبوع. (2) وقع في كافة نسخ المطبوع والمخطوط «السامري» وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله، والمثبت كتب الحديث والأثر. والروايات ظاهرة في أن القائل هارون عليه السلام. انظر تفسير الطبري 920 و922 و923 و924 و «الدر المنثور» (4/ 545- 547) . (3) في المخطوط «استعرتموه» . (4) في المخطوط «قال» . (5) في المطبوع «حفيرة» . (6) في المخطوط «فيه» . (7) ما بين المعقوفتين هكذا في نسخ المطبوع. وهي في المخطوط [شكر النعمة أن لا يعصي الله بعدها] . [.....] (8) زيد في المطبوع «شيء من» قبل لفظ «علم» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 57]

الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ [1] : أَرَادَ بِالْفُرْقَانِ انفراق البحر كما قال [تَعَالَى] : وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، [يعني] : بِالتَّوْرَاةِ. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ، يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ: ضَرَرْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ، بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ: إِلَهًا. قَالُوا: فَأَيُّ شَيْءٍ [2] نَصْنَعُ؟ قَالَ: فَتُوبُوا: فَارْجِعُوا إِلى بارِئِكُمْ: خَالِقِكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَتُوبُ؟ قَالَ: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، يَعْنِي: لِيَقْتُلِ الْبَرِيءُ مِنْكُمُ الْمُجْرِمَ، ذلِكُمْ، أَيِ: الْقَتْلُ، خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْقَتْلِ، قَالُوا: نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ مُحْتَبِينَ، وَقِيلَ لَهُمْ: مَنْ حلّ حَبَوْتَهُ أَوْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَى قَاتِلِهِ أَوِ اتَّقَاهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَلْعُونٌ مَرْدُودَةٌ تَوْبَتُهُ، وأصلت [3] القوم عليهم الخناجر وكان الرَّجُلُ يَرَى ابْنَهُ [4] وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ وَقَرِيبَهُ وَصَدِيقَهُ وَجَارَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُضِيُّ [5] لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا [6] : يَا مُوسَى كَيْفَ نَفْعَلُ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ [7] ضَبَابَةً وَسَحَابَةً سَوْدَاءَ لَا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَانُوا يَقْتُلُونَهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كثر القتل دعا موسى وهرون عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَبَكَيَا وَتَضَرَّعَا وَقَالَا: يَا رَبُّ هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى السَّحَابَةَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ القتل، فكشف عَنْ أُلُوفٍ مِنَ الْقَتْلَى، يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنْ أُدْخِلَ الْقَاتِلَ والمقتول [منهم] [8] الْجَنَّةَ؟ فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهِيدًا، وَمَنْ بَقِيَ مُكَفَّرًا عَنْهُ ذُنُوبُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتابَ عَلَيْكُمْ، أَيْ: فَفَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ، إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ: القابل للتوبة [منكم] [9] الرَّحِيمُ بكم [10] . [سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 57] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَاخْتَارَ [مُوسَى] سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خيارهم وقال لَهُمْ: صُومُوا وَتَطَهَّرُوا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، فَقَالُوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل فلما دنا موسى مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ وَتَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ فَدَخَلَ فِي الْغَمَامِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوَا فدنا القوم حَتَّى دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ وَخَرُّوا سُجَّدًا، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ رَبُّهُ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضُرِبَ دُونَهُمُ الْحِجَابُ وَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَأَسْمَعَهُمُ اللَّهُ: أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا

_ (1) في المطبوع «ريان» . (2) في المخطوط «فما» بدل «فأي شيء» . (3) وقع في الأصل «واصلت» والتصويب من نسخة «ف» . (4) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «أمه» . (5) زيد في المخطوط «إليه» . (6) في المخطوط «فقالوا» . (7) في المخطوط «إليهم» . (8) سقط من المطبوع. (9) سقط من المطبوع. (10) في المطبوع «بهم» وفي نسخة- ط- «بخلقه» بدل «بكم» .

إِلَهَ إِلَّا أَنَا ذُو بَكَّةَ [1] أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ فَاعْبُدُونِي وَلَا تَعْبُدُوا غَيْرِي، فَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى وَانْكَشَفَ الْغَمَامُ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً مُعَايَنَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ رُؤْيَةً، فَقَالَ: جَهْرَةً لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعِيَانُ، فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ، أَيِ: الْمَوْتُ. وَقِيلَ: نَارٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، أَيْ: يَنْظُرُ بَعْضُكُمْ [إِلَى] [2] بَعْضٍ حِينِ أَخَذَكُمُ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: تَعْلَمُونَ، وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَلَمَّا هَلَكُوا جَعَلَ مُوسَى يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ وَيَقُولُ: مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ وقد هلك خِيَارَهُمْ؟ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا [الْأَعْرَافِ: 155] ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُ رَبَّهُ حَتَّى أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تعالى رجلا [3] رجلا، بَعْدَ مَا مَاتُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً وينظر بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يُحْيَوْنَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ: أَحْيَيْنَاكُمْ، وَالْبَعْثُ: إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ مَحَلِّهِ، يُقَالُ: بَعَثْتُ الْبَعِيرَ وَبَعَثْتُ النَّائِمَ فَانْبَعَثَ، مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، قال قتادة: أحياهم [الله] [4] لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ، وَلَوْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ لَمْ يُبْعَثُوا [إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] [5] لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ، في التيه تقيكم حَرَّ الشَّمْسِ وَالْغَمَامُ مِنَ الْغَمِّ، وَأَصْلُهُ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، سُمِّيَ السَّحَابُ غَمَامًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي وَجْهَ الشَّمْسِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي التِّيهِ كُنٌّ [6] يَسْتُرُهُمْ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى غَمَامًا أَبْيَضَ رَقِيقًا أَطْيَبَ مِنْ غَمَامِ الْمَطَرِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ يُضِيءُ لَهُمُ اللَّيْلَ [7] إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَمَرٌ، وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، أَيْ: فِي التِّيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ: عَلَى أَنَّ الْمَنَّ هُوَ التَّرَنْجَبِينُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَيْءٌ كَالصَّمْغِ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ طَعْمُهُ كَالشَّهْدِ، وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ، قَالَ الزجاج: [8] الْمَنِّ مَا [9] يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ. «54» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وماؤها شفاء للعين» [10] .

_ 54- إسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم، أبو نعيم هو الفضل بن دكين، وسفيان هو الثوري. وهو في «شرح السنة» (2890) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4478) عن أبي نعيم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4478 و4639 و5708 ومسلم 2049 والترمذي 2068 وأحمد 1/ 178 و187 و188 وأبو يعلى 961 من حديث سعيد بن زيد. (1) أي: ذو قوة. (2) في المطبوع «ل» بدل «إلى» . [.....] (3) في المخطوط «رجلا بعد رجل» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) سقط من المخطوط. (6) الكن: ووقاء كل شيء وستره والكنان: البيت- والكنة: جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار، أو ظلة. (7) في المخطوط «بالليل» . (8) زيد في الأصل جملة» . (9) في المطبوع «من» . (10) وقع في الأصل «للعي» والتصويب من صحيح البخاري وغيره.

[سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 60]

قالوا: فكان هذا المنّ [يقع] كل ليلة [1] عَلَى أَشْجَارِهِمْ مِثْلَ الثَّلْجِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ صَاعٌ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى قَتَلَنَا هَذَا الْمَنُّ بِحَلَاوَتِهِ، فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يُطْعِمَنَا اللَّحْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّلْوَى وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَقِيلَ: هُوَ السُّمَانَى بِعَيْنِهِ، بَعَثَ الله سحابة فأمطرت السماني في عرض ميل [من الأرض] [2] وَطُولِ رُمْحٍ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهُ على بعض [3] ، فَكَانَ اللَّهُ يُنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلَّ صَبَاحٍ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ يَوْمَ السَّبْتِ. كُلُوا، أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا: مِنْ طَيِّباتِ: [من] [4] حَلَالَاتِ، مَا رَزَقْناكُمْ، وَلَا تَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَفَعَلُوا فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَدَوَّدَ وَفَسَدَ مَا ادَّخَرُوا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، أَيْ: وَمَا بَخَسُوا بِحَقِّنَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِاسْتِيجَابِهِمْ عَذَابِي، وَقَطْعِ مَادَّةِ الرِّزْقِ الَّذِي كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِلَا مُؤْنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا حِسَابٍ فِي الْعُقْبَى. «55» أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ وَلَمْ يَخْنَزِ [5] اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدهر» . [سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 60] وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَهْلَهَا، وَمِنْهُ الْمِقْرَاةُ لِلْحَوْضِ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: هي أريحا وَهِيَ قَرْيَةُ الْجَبَّارِينَ كَانَ فِيهَا قوم

_ 55- إسناده صحيح. أحمد بن يوسف أبو الحسن، من رجال مسلم، وقد توبع ومن دونه ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد. وهو في «شرح السنة» (2328) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1470 ح 63 من طريق أحمد بن يوسف به. - وأخرجه البخاري 3399 وأحمد 2/ 315 وابن حبان 4169 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3330 من طريق عبد الله عن معمر به، ومسلم 1470 من طريق أبي يونس مولى أبي هريرة عن أبي هريرة به. وأخرجه أحمد 2/ 304 من طريق خلاس بن عمرو الهجري عن أبي هريرة به. (1) لفظ «يقع» في المطبوع هاهنا. (2) سقط من المطبوع. (3) زيد في المطبوع هاهنا «وقال المؤرج: السلوى والعسل» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) خنز اللحم: إذا أنتن وتغير ريحه. [.....]

مِنْ بَقِيَّةِ عَادٍ يُقَالُ لَهُمُ: الْعَمَالِقَةُ، وَرَأْسُهُمْ عُوجُ بْنُ عُنُقَ، وَقِيلَ: بَلْقَاءُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرَّمْلَةُ وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِيلِيَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الشَّامُ، فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً: مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ، وَادْخُلُوا الْبابَ، يَعْنِي: بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ سُجَّداً، أَيْ: رُكَّعًا خُضَّعًا مُنْحَنِينَ. وَقَالَ وَهْبٌ: فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَقُولُوا حِطَّةٌ، قَالَ قَتَادَةُ: حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّهَا تَحُطُّ الذُّنُوبَ، وَرَفَعَهَا عَلَى تَقْدِيرِ: قُولُوا مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ: مِنَ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ [1] ، فَالْمَغْفِرَةُ: تَسْتُرُ الذُّنُوبَ، وقرأ نَافِعٌ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا [وفتح الفاء] [2] ، وفي الأعراف [3] قرأا جَمِيعًا وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فِيهِمَا: بِنَصْبِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ، وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: ثَوَابًا مِنْ فَضْلِنَا [4] . فَبَدَّلَ: فَغَيَّرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: أَنْفُسَهُمْ، وَقَالُوا: قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا قَوْلَ الْحِطَّةِ بِالْحِنْطَةِ فَقَالُوا بِلِسَانِهِمْ: حِطَانَا [5] سِمْقَاثَا، أَيْ: حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ اسْتِخْفَافًا بِأَمْرِ [6] اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ مجاهد: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فَأَبَوْا أَنْ يَدْخَلُوهَا سُجَّدًا فَدَخَلُوا يزحفون عَلَى أَسْتَاهِهِمْ مُخَالَفَةً فِي الْفِعْلِ، كَمَا بَدَّلُوا الْقَوْلَ وَقَالُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. «56» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ، فبدّلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم [7] وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ» ، فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ، قِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَاعُونًا فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ: يَعْصُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى: طَلَبَ السُّقْيَا لِقَوْمِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَطِشُوا فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَفَعَلَ، فَأَوْحَى [الله] [8] إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ طولها

_ 56- إسناده صحيح على شرط البخاري، تفرد البخاري عن إسحاق وهو ابن إبراهيم بن نصر البخاري السّعدي، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، عبد الرزاق هو ابن همام صاحب «المصنف» وشيخه معمر هو ابن راشد. هو في «صحيح البخاري» (4641) عن إسحاق بن نصر بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 3403 و4479 ومسلم 3015 والترمذي 2956 وهمام بن منبه 116 وأحمد 2/ 318 والطبري 1019 وابن حبان 6251 من حديث أبي هريرة. (1) في المخطوط «والمغفرة» . (2) زيد في نسخ المطبوع. (3) في المطبوع «قرأ» وهو خطأ. (4) في المخطوط «عندنا» . (5) في المخطوط «هطا» . (6) في المخطوط «غير ما أمر» بدل «استخفافا بأمر» . (7) الاست: الورك. (8) زيد لفظ الجلالة من المخطوط ونسخة- ط- ولفظ «إليه» ليس في المخطوط، وهو مثبت في نسخ المطبوع.

عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَهَا شُعْبَتَانِ تَتَّقِدَانِ فِي الظُّلْمَةِ نُورًا، وَاسْمُهَا عَلَّيْقٌ، حملها آدم من الجنة [فنزل بها منها] [1] فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَعْطَاهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: اسْمُ الْعَصَا بنعته [2] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَجَرَ، اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أنه عرّفه بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ، كَانَ يَضَعُهُ [موسى] [3] فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ وَضَعَهُ وَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ لِلْحَجَرِ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ لِكُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَقِيلَ: كَانَ الْحَجَرُ رخاما [4] ، وقيل: كان من الكدّان [5] ، فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ حُفْرَةً يَنْبُعُ مِنْ كُلِّ حُفْرَةٍ عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَإِذَا فَرَغُوا وَأَرَادَ مُوسَى حَمْلَهُ ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَذْهَبُ الْمَاءُ [منه] ، وَكَانَ يَسْقِي كُلَّ يَوْمٍ سِتَّمِائَةِ ألف [وكان وسعة العسكر اثني عشر ميلا] [6] . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ مُوسَى ثَوْبَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ فَفَرَّ بِثَوْبِهِ وَمَرَّ بِهِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ رَمَوْهُ بِالْأُدْرَةِ [7] ، فَلَمَّا وقف [الحجر] أتاه جبريل فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ [لك] ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ فَرَفَعَهُ وَوَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ [8] . قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ يَضْرِبُهُ مُوسَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ضَرْبَةً فَيَظْهَرُ عَلَى مَوْضِعِ كُلِّ ضَرْبَةٍ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ فَيَعْرَقُ [ثم] [9] تفجر [10] الْأَنْهَارُ ثُمَّ تَسِيلُ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: انْبَجَسَتْ وَانْفَجَرَتْ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: انبجست عرقت، وانفجرت سَالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْفَجَرَتْ، أَيْ: فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ، مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً: عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ، قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ: مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ، لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ [11] ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ، أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ الله [الذي] يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، والعثي: أَشَدُّ الْفَسَادِ، يُقَالُ: عَثَى يَعْثِي عثيا، وَعَثَا يَعْثُو عَثْوًا، وَعَاثَ يَعِيثُ عيثا.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) كذا في نسخ المطبوع. وفي المخطوط «بنعته» . (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «خاما» . (5) كذا في الأصل. وفي «القاموس» الكديون: دقاق التراب عليه درديّ الزيت تجلى به الدروع اه- وقيل: هو الحجر الرخو كأنه مدر، وربما كان نخرا. [.....] (6) سقط من المطبوع. (7) الآدر: من يصيبه فتق في إحدى خصيتيه- وقيل: الأدرة: انتفاخ الخصية. (8) في «القاموس» : الخلي: الرطب من النبات واحدته خلاة- والمخلاة: ما وضع فيه. (9) سقط من المطبوع. (10) كذا في المطبوع، وفي- ط- «يتفجر» وفي المخطوط «تنفجر» . (11) في المخطوط «مشربه» .

[سورة البقرة (2) : آية 61]

[سورة البقرة (2) : آية 61] وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنَّمَا قَالَ: عَلى طَعامٍ واحِدٍ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرَّحْمَنِ: 22] ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِحِ دُونَ الْعَذْبِ، وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَكَانَا كَطَعَامٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانُوا يَعْجِنُونَ الْمَنَّ بِالسَّلْوَى فَيَصِيرَانِ وَاحِدًا، فَادْعُ لَنا: فَاسْأَلْ [1] لِأَجْلِنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها، قال ابن عباس: الفوم الْخُبْزُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْحِنْطَةُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الثوم، وَعَدَسِها وَبَصَلِها، قالَ، لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى: أخسّ وأردأ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ: أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ؟ وَجَعَلَ الْحِنْطَةَ أَدْنَى فِي الْقِيمَةِ وإن كانت هِيَ [2] خَيْرًا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا أَسْهَلُ وُجُودًا عَلَى الْعَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ رَاجِعًا إِلَى اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُمْ وَاخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، اهْبِطُوا مِصْراً، يَعْنِي: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَانْزِلُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ [3] ، فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ: من نَبَاتُ الْأَرْضِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ: جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ، وَأُلْزِمُوا الذِّلَّةُ: الذُّلُّ وَالْهَوَانُ، قيل: الجزية [4] ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: هُوَ الْكُسْتِيجُ [5] وَالزُّنَّارُ وَزِيُّ الْيَهُودِيَّةِ، وَالْمَسْكَنَةُ: الْفَقْرُ، سُمِّيَ الْفَقِيرُ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُ وَأَقْعَدَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَرَى الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا مَيَاسِيرَ كأنهم فقراء، وقيل: الذلّة فَقْرُ الْقَلْبِ فَلَا تَرَى فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَذَلَّ وَأَحْرَصَ عَلَى المال من اليهود، وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ: رَجَعُوا، وَلَا يقال: باء إلّا بالشر، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: احْتَمَلُوا وَأَقَرُّوا به. ومنه الدعاء: ع «57» «أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي» . أَيْ: أُقِرُّ. ذلِكَ، أَيِ: الْغَضَبُ، بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ: بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ، وَيَكْفُرُونَ [6] بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ، تَفَرَّدَ نَافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: الْمُخْبِرُ، مِنْ أنبأ ينبئ [ونبأ يُنْبِئُ] ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَيْضًا مِنَ الْإِنْبَاءِ تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي: هُوَ بِمَعْنَى الرَّفِيعِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ (النَّبِيِّينَ) عَلَى الْأَصْلِ، بِغَيْرِ الْحَقِّ، أَيْ: بِلَا جُرْمٍ، فَإِنْ قيل: فلم قال

_ 57- ع صحيح. هو بعض حديث أخرجه البخاري 6306 والنسائي 8/ 289 والترمذي 3393 وأحمد 4/ 122 و124 وابن حبان 932 و933 من حديث شداد بن أوس وصدره «اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك ... » . (1) في المطبوع «فسل» . (2) في المخطوط وط- «كان هو» . (3) كذا في المطبوع والمخطوط، وفي- ط- «يعرفه» وهو خطأ. (4) في نسخ المطبوع «بالجزية» . (5) الكستيج: هو خيط غليظ يشدّه الذميّ فوق ثيابه دون الزنار. كذا في «القاموس» . (6) في المطبوع «ويكفر» والمثبت عن- ط- وهو ساقط من المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 62 الى 63]

بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَقَتْلُ النَّبِيِّينَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ؟ قِيلَ: ذَكَرَهُ وَصْفًا لِلْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ تَارَةً يوصف بالحق، وتارة يُوصَفُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء: 112] ، ذكر الحق وصف للحكم لا أنّ حكمه [تعالى] يَنْقَسِمُ إِلَى الْجَوْرِ وَالْحَقِّ، وَيُرْوَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا في أول النهار، وقامت إلى [1] سوق بقلها فِي آخِرِ النَّهَارِ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ: يَتَجَاوَزُونَ أَمْرِي ويرتكبون محارمي. [سورة البقرة (2) : الآيات 62 الى 63] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ، أَيْ: مِلْنَا إِلَيْكَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ هَادُوا، أَيْ: تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَعَنْ دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ، أَيْ: يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قراءة التوراة، ويقولون: إن السموات وَالْأَرْضَ تَحَرَّكَتْ حِينَ آتَى اللَّهُ موسى التوراة، وَالنَّصارى، سمّوا بذلك [2] لِقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا: نَاصِرَةُ، وَقِيلَ لِاعْتِزَائِهِمْ [3] إِلَى نَصِرَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَ يَنْزِلُهَا [4] عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالصَّابِئِينَ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصَّابِينَ وَالصَّابُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ، وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ الْخُرُوجُ، يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ، وَصَبَأَتِ النُّجُومُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَطَالِعِهَا، وَصَبَأَ نَابُ الْبَعِيرِ إِذَا خَرَجَ، فَهَؤُلَاءِ سُمُّوا بِهِ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ. قال عمر بن الخطاب وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أهل الكتاب، قال عمر: [تحل] [5] ذبائحهم [مثل] [6] ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مناكحتهم، قال مُجَاهِدٌ: هُمْ قَبِيلَةٌ نَحْوَ الشَّامِ بين اليهود والمجوس، قال الْكَلْبِيُّ: هُمْ قَوْمٌ [بَيْنَ] [7] الْيَهُودِ والنصارى يحلقون أوساط رؤوسهم ويجبّون [8] مذاكيرهم، وقال قتادة: هم قوم يقرون بالله ويقرؤون الزَّبُورَ وَيَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الكعبة أَخَذُوا مِنْ كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: انْقَرَضُوا. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ: اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى التَّحْقِيقِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُمْ طُلَّابُ الدِّينِ، مِثْلَ حَبِيبٍ النَّجَّارِ وَقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَالْبَرَاءِ السِّنِّيِّ [9] وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ

_ (1) زيد في المطبوع. [.....] (2) في المطبوع «به» . (3) في المخطوط «لاغترابهم» . (4) في المخطوط «نزل بها» . 5 زيد في المطبوع وحده. 6 زيد في المطبوع وحده. (7) سقط من المطبوع. (8) جبّ: قطع. (9) في المطبوع «الشني، وفي المخطوط البستي» .

وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَبَحِيرَا الرَّاهِبِ وَوَفْدِ النَّجَاشِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم وتابعه، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالَّذِينَ هادُوا الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَالنَّصارى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ. قَالُوا: وَهَذَانِ الِاسْمَانِ لَزِمَاهُمْ زَمَنَ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حَيْثُ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ كَالْإِسْلَامِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصَّابِئِينَ زَمَنَ اسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ مَنْ آمَنَ، أي: مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ حقيقة الإيمان الموافاة، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مُضْمَرًا، أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَذْكُورِينَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ، وَالصَّابِئُونَ بَعْضُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ، مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر من هَذِهِ الْأَصْنَافُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، إنما ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ مَنْ يَصْلُحُ [1] لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: فِي الدُّنْيَا [2] وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: فِي الآخرة. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ: عَهْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، وهو الْجَبَلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: مَا مِنْ لُغَةٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لُغَةٌ غَيْرُ لُغَةِ الْعَرَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف: 2] ، وإنما هذا وأشباهه وفاق وقع [3] بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حتى قام على رؤوسهم، وذلك أن اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهَا، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا لِلْآصَارِ [4] وَالْأَثْقَالِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَكَانَتْ شَرِيعَةً ثَقِيلَةً، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَلَعَ جَبَلًا عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ وَكَانَ فَرْسَخًا فِي فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مثل قَامَةِ الرَّجُلِ كَالظُّلَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْرَاةَ أَرْسَلْتُ هَذَا الْجَبَلَ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: رَفَعَ اللَّهُ فَوْقَ رؤوسهم الطُّورَ وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَلِ وجوههم وأتاهم البحر الملح مِنْ خَلْفِهِمْ، خُذُوا، أَيْ: قُلْنَا لَهُمْ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ: أَعْطَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ: بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ وَمُوَاظَبَةٍ، وَاذْكُرُوا: وادرسوا ما فِيهِ، وقيل: احفظوا وَاعْمَلُوا بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لِكَيْ تَنْجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْعُقْبَى، فَإِنَّ قَبِلْتُمْ وَإِلَّا رَضَخْتُكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ وَأَغْرَقْتُكُمْ فِي هَذَا الْبَحْرِ وَأَحْرَقْتُكُمْ بِهَذِهِ النَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مهرب لهم منها قَبِلُوا وَسَجَدُوا، وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وهم سجود فصار سنة

_ (1) في المخطوط «تصلح» . (2) سقط من المخطوط. (3) لفظ «وقع» ليس في المخطوط. (4) الآصار: جمع إصر، وهنا بمعنى: العهد والميثاق.

[سورة البقرة (2) : الآيات 64 الى 67]

في اليهود [1] لا يَسْجُدُونَ إِلَّا عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ، وَيَقُولُونَ: بِهَذَا السُّجُودِ رُفِعَ الْعَذَابُ عنّا. [سورة البقرة (2) : الآيات 64 الى 67] ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ: أَعْرَضْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ: مِنْ بَعْدِ مَا قَبِلْتُمُ التوراة، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، يَعْنِي: بِالْإِمْهَالِ وَالْإِدْرَاجِ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، لَكُنْتُمْ لَصِرْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ: مِنَ الْمَغْبُونِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَذَهَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الْحَالِ كأنه رحمهم بالإمهال. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، أَيْ: جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَصْلُ السَّبْتِ الْقَطْعُ، قِيلَ: سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ فِيهِ الْخَلْقَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَهُودَ أُمِرُوا فِيهِ بِقَطْعِ الْأَعْمَالِ. وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ السَّبْتُ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ فِي الْبَحْرِ إِلَّا اجْتَمَعَ هُنَاكَ حَتَّى يُخْرِجْنَ خَرَاطِيمَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ لِأَمْنِهَا [2] ، حتى لا يرى الماء [3] لكثرتها، فإذا مضى [4] السبت تفرّقن ولزمن قعر الْبَحْرِ فَلَا يُرَى شَيْءٌ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الْأَعْرَافِ: 163] . ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَمَدَ رِجَالٌ فَحَفَرُوا الْحِيَاضَ حَوْلَ الْبَحْرِ، وَشَرَّعُوا مِنْهُ إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، فَإِذَا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْجُمْعَةِ فَتَحُوا تِلْكَ الْأَنْهَارَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ إِلَى الْحِيَاضِ فَلَا يَقْدِرْنَ [5] عَلَى الْخُرُوجِ لِبُعْدِ عُمْقِهَا وَقِلَّةِ مَائِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَخَذُوهَا، وَقِيلَ: كَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَى الْحِيَاضِ يَوْمَ السَّبْتِ [وَلَا يَأْخُذُونَهَا] [6] ، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ: كَانُوا يَنْصِبُونَ الْحَبَائِلَ وَالشُّخُوصَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَيُخْرِجُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا وَلَمْ تنزل عليهم عقوبة، فتجرؤوا عَلَى الذَّنْبِ وَقَالُوا: مَا نَرَى [7] السَّبْتَ إِلَّا قَدْ أُحِلُّ لَنَا، فَأَخَذُوا وَأَكَلُوا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا وَكَثُرَ مَالُهُمْ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ أَمْسَكَ وَنَهَى، وَصِنْفٌ أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ، وَصِنْفٌ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَكَانَ النَّاهُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَبَى الْمُجْرِمُونَ قَبُولَ نُصْحِهِمْ [8] قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُسَاكِنُكُمْ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ [وداموا على ذلك سنين] [9] ولعنهم دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَخَرَجَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُجْرِمِينَ أَحَدٌ ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطؤوا تَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ فَإِذَا هُمْ

_ (1) كذا في المطبوع، وفي- ط- «سنة لليهود» وفي المخطوط «في اليهود سنة» . (2) في المطبوع «لا منها» والمثبت عن- ط- وسقط من المخطوط. [.....] (3) في- ط- «من» بدل «ل» . (4) في المخطوط «انقضى» . (5) في المخطوط «فلا يقدرون» . (6) زيد في نسخ المطبوع. (7) في المطبوع «ما ندري» . (8) في المخطوط «نصيحتهم» . (9) في المطبوع «غيروا بذلك سنتين» وفي نسخة- ط- «وعبروا بذلك سنتين» .

جَمِيعًا [1] قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ. قَالَ قَتَادَةُ: صَارَ الشُّبَّانُ قِرَدَةً وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا، وَلَمْ يَمْكُثْ مَسْخٌ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَتَوَالَدُوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً: أَمْرُ تَحْوِيلٍ وَتَكْوِينٍ، خاسِئِينَ: مبعدين مطرودين، قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ كُونُوا خَاسِئِينَ قِرَدَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ خَاسِئَاتٍ، وَالْخَسْأُ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، وَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، يُقَالُ: خَسَأْتُهُ خَسْأً فَخَسَأَ خُسُوءًا، مِثْلَ رَجَعْتُهُ رَجْعًا فَرَجَعَ رُجُوعًا. فَجَعَلْناها، أَيْ: جَعْلِنَا عُقُوبَتَهُمْ بِالْمَسْخِ نَكالًا، أَيْ: عُقُوبَةً وَعِبْرَةً، وَالنَّكَالُ: اسْمٌ لِكُلِّ عُقُوبَةٍ يُنَكَّلُ النَّاظِرُ مِنْ فِعْلِ مَا جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ جَزَاءً عَلَيْهِ، وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ: وَهُوَ الِامْتِنَاعُ، وَأَصْلُهُ مِنَ النِّكْلِ وَهُوَ القيد، وجمعه يكون أَنْكَالًا، لِما بَيْنَ يَدَيْها. قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، يَعْنِي: مَا سَبَقَتْ [2] مِنَ الذُّنُوبِ، أَيْ: جَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ [3] نَهْيِهِمْ عَنْ أَخْذِ الصَّيْدِ، وَما خَلْفَها: مَا حَضَرَ [4] مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُخِذُوا بِهَا، وَهِيَ الْعِصْيَانُ بِأَخْذِ الْحِيتَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: عُقُوبَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يستنّوا بسنّتهم، وما الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى: مَنْ، وَقِيلَ: جَعَلْنَاهَا أَيْ: جَعَلْنَا قَرْيَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ عِبْرَةً لِما بَيْنَ يَدَيْها، أَيِ: الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الحال، وَما خَلْفَها ما يحدث من القرى بُعْدٍ لِيَتَّعِظُوا، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَجَعَلْنَاهَا وَمَا خَلْفَهَا، أَيْ: مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ العذاب في الآخرة [نكالا] [5] وَجَزَاءً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، أَيْ: لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِاعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ، وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فعلهم. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً: الْبَقَرَةُ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَقَرِ، يُقَالُ: هِيَ مأخوذة من البقر وهي الشق، سمّيت به لأنها تبقر الأرض، أي: تشقّها لِلْحِرَاثَةِ، وَالْقِصَّةُ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ وَحَمَلَهُ إلى قرية أخرى وألقاه بفنائها [6] ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَطْلُبُ ثَأْرَهُ وَجَاءَ بِنَاسٍ إِلَى مُوسَى يَدَّعِي عَلَيْهِمُ القتل، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أَمْرُ الْقَتِيلِ عَلَى مُوسَى. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقَسَامَةِ [7] فِي التَّوْرَاةِ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ بِدُعَائِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً، أَيْ: تَسْتَهْزِئُ بِنَا نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ وَتَأْمُرُنَا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ يَدْرُوا مَا الْحِكْمَةُ فيه. قرأ حمزة «هزءا وكف ءا» بالتخفيف [8] ، وقرأ الآخرون بالتثقيل، ويترك الْهَمْزَةِ حَفْصٌ. قالَ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ: أَمْتَنِعُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، أَيْ: مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بالمؤمنين، وقيل: من

_ (1) في المطبوع وحده «جميع» . (2) في المطبوع وحده «سبق» . (3) في المخطوط «مثل» . (4) في المخطوط «حضرت» . (5) زيادة عن المخطوط وط-. (6) في المطبوع «بفنائهم» . (7) في المطبوع وحده «قسامة» . [.....] (8) أي بسكون الزاي والهمز، والتثقيل يكون بضم الزاي. جاء في «البدور الزاهرة» (ص 32) : قرأ حفص بالواو بدلا من الهمز وصلا ووقفا مع ضم الزاي. وقرأ خلف بإسكان الزاي مع الهمز وصلا ووقفا، وقرأ حمزة بإسكان الزاي مع الهمز وصلا اهـ. باختصار.

الْجَاهِلِينَ بِالْجَوَابِ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ جَهْلٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَوْصَفُوهَا [1] ، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ حِكْمَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ صَالِحٌ لَهُ ابْنٌ طِفْلٌ وَلَهُ عِجْلَةٌ أَتَى بِهَا إِلَى غَيْضَةٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ [2] هذه العجلة لا بني حتى يكبر [3] ، وَمَاتَ الرَّجُلُ فَصَارَتِ الْعِجْلَةُ فِي الْغَيْضَةِ عَوَانًا، وَكَانَتْ تَهْرُبُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَآهَا فَلَمَّا كَبُرَ الابن كان بَارًّا بِوَالِدَتِهِ، وَكَانَ يُقَسِّمُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ يُصَلِّي ثُلْثًا وَيَنَامُ ثُلْثًا وَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِ أُمِّهِ ثُلْثًا، فَإِذَا أَصْبَحَ انْطَلَقَ فَاحْتَطَبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَأْتِي بِهِ إِلَى [4] السُّوقِ، فَيَبِيعُهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِثُلْثِهِ وَيَأْكُلُ ثُلْثَهُ وَيُعْطِي وَالِدَتَهُ ثُلْثَهُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ يَوْمًا: إِنَّ أَبَاكَ وَرَّثَكَ عِجْلَةً اسْتَوْدَعَهَا اللَّهَ فِي غَيْضَةِ كذا انطلق وَادْعُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْكَ، وَعَلَامَتُهَا أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا يُخَيَّلُ [5] إِلَيْكَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جلدها، وكانت تلك البقرة تُسَمَّى الْمُذَهَّبَةَ لِحُسْنِهَا وَصُفْرَتِهَا، فَأَتَى الْفَتَى الْغَيْضَةَ فَرَآهَا تَرْعَى فَصَاحَ بها، وقال: أعزم عليك بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَبَضَ عَلَى عُنُقِهَا يَقُودُهَا، فَتَكَلَّمَتِ الْبَقَرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْفَتَى الْبَارُّ بِوَالِدَتِكَ ارْكَبْنِي، فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ عَلَيْكَ، فَقَالَ الْفَتَى: إِنَّ أُمِّي لَمْ تَأْمُرْنِي بِذَلِكَ، وَلَكِنْ قَالَتْ: خُذْ بِعُنُقِهَا، فَقَالَتِ الْبَقَرَةُ: بِإِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ رَكِبْتَنِي مَا كُنْتَ تقدر عليّ أبدا انطلق [6] ، فَإِنَّكَ لَوْ أَمَرْتَ الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِهِ وَيَنْطَلِقَ مَعَكَ لَفَعَلَ، لِبِرِّكَ بِأُمِّكَ فَسَارَ الْفَتَى بِهَا إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ لَهُ [أمه] : إِنَّكَ فَقِيرٌ لَا مَالَ لَكَ فَيَشُقُّ عَلَيْكَ الِاحْتِطَابُ بِالنَّهَارِ وَالْقِيَامُ بِاللَّيْلِ، فَانْطَلِقْ فَبِعْ [هَذِهِ] الْبَقَرَةَ، فقال: بِكَمْ أَبِيعُهَا؟ قَالَتْ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ، وَلَا تَبِعْ بِغَيْرِ مَشُورَتِي، وَكَانَ ثمن البقرة ثلاثة دنانير، فانطلق بها [الفتى]] إلى السوق. وبعث اللَّهُ مَلَكًا لِيُرِيَ خَلْقَهُ قُدْرَتَهُ، وليختبر الفتى كيف برّه بأمه وَكَانَ اللَّهُ بِهِ خَبِيرًا فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: بِكَمْ تَبِيعُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ؟ قَالَ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَأَشْتَرِطُ عليك رضا وَالِدَتِي، فَقَالَ الْمَلَكُ: لَكَ سِتَّةُ دَنَانِيرَ وَلَا تَسْتَأْمِرْ وَالِدَتَكَ، فَقَالَ الْفَتَى: لَوْ أَعْطَيْتَنِي وَزْنَهَا ذَهَبًا لم آخذه إلا برضا أمي، فردّها إلى أمه وأخبرها بِالثَّمَنِ، فَقَالَتِ: ارْجِعْ فَبِعْهَا بِسِتَّةِ [8] دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنِّي، فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى السُّوقِ، وَأَتَى الْمَلَكَ فَقَالَ: اسْتَأْمَرْتَ أُمَّكَ؟ فَقَالَ الْفَتَى: إِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ لَا أَنْقُصَهَا عن ستة [9] دنانير عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَهَا، فَقَالَ الْمَلَكُ: فَإِنِّي أُعْطِيكَ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَى أَنْ لَا تَسْتَأْمِرَهَا، فَأَبَى الْفَتَى ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك، فَقَالَتْ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَلَكٌ [10] فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ [لِيَخْتَبِرَكَ] [11] فَإِذَا أَتَاكَ فَقُلْ لَهُ: أَتَأْمُرُنَا أَنَّ نَبِيعَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ أَمْ لَا؟ فَفَعَلَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ وَقُلْ لَهَا: أَمْسِكِي هَذِهِ الْبَقَرَةَ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَشْتَرِيهَا مِنْكِ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فلا تبعها إلا بملء مسكها دنانير فأمسكها، وَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَبْحَ تِلْكَ الْبَقَرَةِ بِعَيْنِهَا فَمَا زَالُوا [يَسْتَوْصِفُونَ مُوسَى] حَتَّى وصف [12] لهم تلك البقرة [بعينها] [13]

_ (1) أي طلبوا وصفها، وفي المخطوط «استوصفوه» . (2) في المطبوع «استودعتك» . (3) في المطبوع «تكبر» . (4) زيد في نسخ المطبوع. (5) في المخطوط «خيل» . (6) في المطبوع «فانطلق» . (7) زيد في المطبوع. 8 في المخطوط «عشرة» بدل «ستة» . 9 في المخطوط «عشرة» بدل «ستة» . (10) في المطبوع «ذلك» بدل «ملك» . (11) سقط من المطبوع. (12) في المطبوع «يستوصفونها حتى وصفت» . (13) زيد في المطبوع وحده. [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 68 الى 71]

مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى بِرِّهِ بِوَالِدَتِهِ فضلا منه ورحمة [1] ، فذلك قوله تعالى: [سورة البقرة (2) : الآيات 68 الى 71] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ، أَيُ: مَا سنّها قالَ مُوسَى إِنَّهُ يَقُولُ، يَعْنِي: فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ إِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّها بَقَرَةٌ لَا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، أَيْ: لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ، وَالْفَارِضُ: الْمُسِنَّةُ الَّتِي لَا تَلِدُ، يُقَالُ: مِنْهُ فَرَضَتْ تَفْرِضُ فروضا، والبكر: الفتية الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ، وَحُذِفَتِ الْهَاءُ [2] مِنْهُمَا لِلِاخْتِصَاصِ بِالْإِنَاثِ كَالْحَائِضِ، عَوانٌ: وَسَطٌ نِصْفٌ بَيْنَ ذلِكَ، أَيْ: بَيْنِ السِّنِينَ، يُقَالُ: عَوَّنَتِ الْمَرْأَةُ تَعْوِينًا إِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِينَ، قَالَ الْأَخْفَشُ: [الْعَوَانُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ وَقِيلَ] [3] : الْعَوَانُ الَّتِي نَتَجَتْ مِرَارًا، وَجَمْعُهَا عون، فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ: من ذَبْحُ الْبَقَرَةِ وَلَا تُكْثِرُوا السُّؤَالَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: صَافٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الصَّفْرَاءُ السَّوْدَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، إِنَّمَا يُقَالُ أَصْفَرُ فَاقِعٌ، وَأَسْوَدُ حالك وأحمر قانىء وأخضر ناضر وأبيض بقق لِلْمُبَالَغَةِ، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ: إِلَيْهَا يُعْجِبُهُمْ حُسْنُهَا وَصَفَاءُ لَوْنِهَا. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا مَا هِيَ: أَسَائِمَةٌ أَمْ عَامِلَةٌ؟ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، وَلَمْ يَقُلْ تَشَابَهَتْ لِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْبَقَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [الْقَمَرِ: 20] ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ جِنْسُ الْبَقَرِ تَشَابَهَ، أَيِ: الْتَبَسَ وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَيْنَا فَلَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ، وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ: إِلَى وصفها. ع «58» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «وايم الله لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُمْ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ» . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ: مُذَلَّلَةٌ بِالْعَمَلِ، يُقَالُ: رَجُلٌ ذلول بيّن الذل ودابة ذلولة بَيِّنَةُ الذُّلِّ، تُثِيرُ الْأَرْضَ: تَقْلِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، أَيْ: ليست بسانية، مُسَلَّمَةٌ: بَرِيئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ، لَا شِيَةَ فِيها: لَا لَوْنَ لَهَا سِوَى لَوْنِ جَمِيعِ جِلْدِهَا، قَالَ عطاء: لا عيب فيها، قال مُجَاهِدٌ: لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ، قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، أَيْ: بِالْبَيَانِ التَّامِّ الشَّافِي الَّذِي لا إشكال فيه،

_ (1) هذا الخبر من الإسرائيليات لا حجة فيه. (2) في المخطوط «التاء» . (3) سقط من المطبوع وحده. 58- ع ضعيف. هو طرف حديث أخرجه الطبري 1246 عن ابن جريج مرسلا و1248 عن قتادة مرسلا وصدره «إنما أمروا بأدنى بقرة ... » وقال ابن كثير في «تفسيره» 1/ 141. هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. وانظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية بتخريجي، وكذا «تفسير الشوكاني» (182) و «تفسير الكشاف» (39) ، والثلاثة بتخريجي. وقد قال الحافظ ابن كثير: أحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 72 الى 74]

وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا [1] بِكَمَالِ وَصْفِهَا إِلَّا مَعَ الْفَتَى فَاشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مَسْكِهَا ذَهَبًا، فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَمَا كَادُوا يَجِدُونَهَا بِاجْتِمَاعِ أَوْصَافِهَا، وَقِيلَ: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِمْ واختلافهم فيها. [سورة البقرة (2) : الآيات 72 الى 74] وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً: هَذَا أَوَّلُ الْقِصَّةِ، وَإِنْ كان [2] مؤخّرا فِي التِّلَاوَةِ، وَاسْمُ الْقَتِيلِ عَامِيلُ، فَادَّارَأْتُمْ فِيها، أَصْلُهُ تَدَارَأْتُمْ، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ وَأُدْخِلَتِ الْأَلْفُ مثل قوله: اثَّاقَلْتُمْ [التوبة: 38] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَاخْتَلَفْتُمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تَدَافَعْتُمْ، أَيْ: يُحِيلُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، مِنَ الدَّرْءِ: وَهُوَ الدَّفْعُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ مُخْرِجٌ، أَيْ: مُظْهِرٌ: مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، فَإِنَّ الْقَاتِلَ كان يكتم القتل. قوله عز وجل: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ ، يَعْنِي: الْقَتِيلَ، بِبَعْضِها ، أَيْ: بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذلك البعض، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: ضَرَبُوهُ بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَهُوَ الْمَقْتَلُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِعَجْبِ الذَّنَبِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ وَآخِرُ مَا يَبْلَى، وَيُرَكَّبُ عليه الخلق [ثانيا وهو البعث] [3] ، وقال الضحاك: بلسانها، قَالَ [4] الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: [هَذَا أَدُلُّ بِهَا] [5] لِأَنَّهُ آلَةُ الْكَلَامِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: بِفَخْذِهَا الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: بِعُضْوٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَامَ الْقَتِيلُ [6] حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْدَاجُهُ- أَيْ: عُرُوقُ الْعُنُقِ- تَشْخُبُ دَمًا، وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ ثُمَّ سَقَطَ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَحُرِمَ قَاتِلُهُ الْمِيرَاثَ، وَفِي الْخَبَرِ: «مَا وَرِثَ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ» [7] ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ فضرب فحيي [8] ، كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى : كَمَّا أَحْيَا عَامِيلَ، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، قِيلَ: تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي، أَمَّا حكم هذه المسألة إذا وجد في [الإسلام] قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ وَلَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ لَوْثٌ عَلَى إِنْسَانٍ، وَاللَّوْثُ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْقَلْبِ صِدْقُ الْمُدَّعِي بِأَنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ فَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّ الْقَاتِلَ فِيهِمْ [9] ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ كُلُّهُمْ أَعْدَاءٌ لِلْقَتِيلِ [10] لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ فَيَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، يَحْلِفُ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ جَمَاعَةً تُوَزَّعُ الأيمان عليهم، ثم بعد ما حلفوا أخذوا

_ (1) في المخطوط «يجدوها» . (2) في المخطوط «كانت مؤخرة» . (3) زيد في المطبوع وحده. (4) في المخطوط «فقال» . (5) زيد في نسخ المطبوع. (6) في المخطوط «المقتول» . (7) لا أصل له في المرفوع. (8) في المطبوع «فضربت فحيي» . (9) في المخطوط «منهم» . (10) في المخطوط «القتيل» . [.....]

الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إن ادّعوا قتل خطأ [أو شبه عمد] [1] ، وَإِنِ ادَّعَوْا قَتْلَ عَمْدٍ فَمِنْ مَالِهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْثٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ هَلْ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَمْ خَمْسِينَ يَمِينًا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَمِينًا وَاحِدَةً كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى، وَالثَّانِي يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الدَّمَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا حكم للوث، ولا يبدأ [2] بِيَمِينِ الْمُدَّعِي، وَقَالَ: «إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ [3] فِي مَحَلَّةٍ يَخْتَارُ الْإِمَامُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِهَا فَيُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَرَفُوا لَهُ قَاتِلًا، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّيَةَ مِنْ سُكَّانِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ [4] بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ وجود اللوث ما: «59» أخبرنا به عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ: خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَانْطَلَقَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو الْمَقْتُولِ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله فكيف نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلَهُ مِنْ عِنْدِهِ. [وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلَهُ مِنْ عِنْدِهِ] [5] . قَالَ بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهْلٌ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ [6] مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ [7] لَنَا وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ] [8] . وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنَ الْخَبَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ ليقوى [9] جَانِبَهُمْ بِاللَّوْثِ، وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وُجِدَ قَتِيلًا فِي خَيْبَرَ، وَكَانَتِ الْعَدَاوَةُ ظَاهِرَةً بين الأنصار وأهل خيبر، فكان يغلب على

_ 59- إسناده صحيح. الشافعي هو محمد بن إدريس، ثقة إمام، قد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» (2539) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 113- 114) عن عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2702 و3173 و6142 و6143 ومسلم 1669 وأبو داود 4520 و423 والترمذي 1422 والنسائي 8/ 8- 12 وعبد الرزاق 8259 والحميدي 403 وابن أبي شيبة 9/ 383 وأحمد 4/ 2 و142 والدارقطني 3/ 108- 110 والطحاوي 3/ 198 والطبراني 5625 و5629 وابن حبان 6009 والبيهقي 8/ 118- 120 من طرق عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ به. (1) زيد عن المطبوع وحده. (2) في- ط- «ولا يزيد» . (3) في المخطوط «المقتول» . (4) في المخطوط «البداة» . (5) زيد في المطبوع. (6) الفريضة: ما فرض في السائمة من الصدقة وقيل: الناقة الهرمة. (7) المربد: هو الموضع التي تحبس فيه الإبل، وهو مثل الحظيرة للغنم. (8) زيد عن المخطوط وط-. (9) في المطبوع «لتقوى» .

الظن [1] أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَالْيَمِينُ أَبَدًا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ يَقْوَى جَانِبُهُ، وَعِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ يَقْوَى [2] جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْأَصْلَ براءة ذمّته، فكان [3] القول قوله مع يمينه. قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، أي: يبست وجفت، [و] [4] جَفَافُ الْقَلْبِ: خُرُوجُ الرَّحْمَةِ وَاللِّينُ عَنْهُ [5] ، وَقِيلَ: غَلُظَتْ، وَقِيلَ: اسْوَدَّتْ، مِنْ بَعْدِ ذلِكَ: مِنْ بَعْدِ ظُهُورِ الدَّلَالَاتِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ نَحْنُ لَمْ نَقْتُلْهُ، فَلَمْ يَكُونُوا قَطُّ أَعْمَى قَلْبًا وَلَا أَشَدَّ تَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ مِنْهُمْ عند ذلك، فَهِيَ: فِي الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ: كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، قِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى الواو كقوله: مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصَّافَّاتِ: 147] ، أَيْ: بَلْ يَزِيدُونَ [أَوْ وَيَزِيدُونَ] [6] ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ أَصْلَبُ مِنَ الْحِجَارَةِ لِأَنَّ الْحَدِيدَ قَابِلٌ لِلِّينِ، فَإِنَّهُ يَلِينُ بِالنَّارِ، وَقَدْ لَانَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحِجَارَةُ لَا تَلِينَ قَطُّ، ثُمَّ فَضَّلَ الْحِجَارَةَ عَلَى الْقَلْبِ الْقَاسِي فَقَالَ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يضرب [7] مُوسَى لِلْأَسْبَاطِ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ: أَرَادَ بِهِ عُيُونًا دُونَ [8] الْأَنْهَارِ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ: يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: وَقُلُوبُكُمْ لَا تَلِينُ وَلَا تَخْشَعُ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، فَإِنْ قِيلَ: الْحَجَرُ جَمَادٌ لَا يَفْهَمُ فَكَيْفَ يَخْشَى؟ قِيلَ: اللَّهُ يُفْهِمُهُ وَيُلْهِمُهُ فَيَخْشَى بِإِلْهَامِهِ، وَمَذْهَبُ أهل السنة والجماعة [أن الله تعالى علّم فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، سِوَى العقلاء علما لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ] [9] ، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الْإِسْرَاءِ: 44] ، وَقَالَ: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ [النُّورِ: 41] ، وَقَالَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [الْحَجِّ: 18] الْآيَةَ، فيجب على المرء الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى الله سبحانه وتعالى. ع «60» وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى ثَبِيرٍ [10] ، والكفار يطلبونه فقال [له] [11] الْجَبَلُ: انْزِلْ عَنِّي فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَيَّ فَيُعَاقِبُنِي اللَّهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ جَبَلُ حِرَاءٍ: إليّ [إِلَيَّ] [12] يَا رَسُولَ اللَّهِ. «61» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، ثَنَا السَّيِّدُ [13] أَبُو الحسين محمد بن الحسين [14]

_ 60- ع لم أره مسندا، وهو غريب جدا، وأمارة الوضع لائحة عليه. 61- إسناده على شرط مسلم، تفرد مسلم بالرواية عن سماك بن حرب، وباقي الإسناد على شرطهما. وإبراهيم بن طهمان، توبع. وهو في «شرح السنة» (3603) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2277 والترمذي 3624 والطيالسي 1907 وابن أبي شيبة 11/ 464 والدارمي 1/ 21 وابن حبان 6482 والطبراني في «الكبير» (1907 و1961 و2028) وفي «الأوسط» (2033) وفي «الصغير» (167) والبغوي 3709 والبيهقي في «الدلائل» (2/ 153) من طرق عن سماك بن حرب به. (1) في المطبوع «القلب» . (2) في المطبوع «تقوى» . [.....] (3) في المطبوع «وكان» . (4) زيد عن المخطوط. (5) في المخطوط «ضده» . (6) سقط من المطبوع. (7) في نسخ المطبوع «يضرب عليه» . (8) في المخطوط «غير» . (9) العبارة في المطبوع «أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليه غير الله» . وفي نسخة- ط-: «أن الله خلق عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْعَقْلِ، لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غيره» . (10) ثبير: اسم جبل معروف عند مكة. (11) زيادة عن المخطوط. (12) زيادة عن المخطوط. (13) وقع في الأصل «السدي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (14) وقع في الأصل «حسن» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» .

الْعَلَوِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّيْسَابُورِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، أَنَا يحيى بن أبي بكير [1] ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لِأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، وَإِنِّي لِأَعْرِفُهُ الْآنَ» ، هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يحيى بن أبي بكير [2] . وصح عن أنس: ع «62» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: طلع له أُحُدٍ، فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونحبّه» . ع «63» وَرَوِيِّ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ [3] : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ عَيِيَ فَرَكِبَهَا فَضَرَبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحِرَاثَةِ الْأَرْضِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَقَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَاسْتَنْقَذَهَا، فَقَالَ الذِّئْبَ: فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبْعِ، أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ!» فقال: «أو من بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» وما هما ثم] [4] . ع «64» وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم على حراء هو وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اهْدَأْ- أَيِ: اسْكُنْ- فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صَدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ» ، صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. «65» أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ أحمد بن علي الصائغ [5] ، أنا أبو الحسن

_ 1 وقع في الأصل «بكر» والتصويب من كتب التراجم. 2 وقع في الأصل «بكر» والتصويب من كتب التراجم. [.....] (3) كذا في نسخ المطبوع، وهو ليس في المخطوط، ولعل الصواب «قال» . (4) ما بين المعقوفتين مثبت في نسخ المطبوع، وهو ساقط من المخطوط. (5) في الأصل «الصانع» والتصويب عن «شرح السنة» (3604) و «الأنوار» (35) . 62- ع صحيح. أخرجه البخاري 1481 و4422 ومسلم 1392 وأبو داود 3079 وابن أبي شيبة 14/ 539- 540 وأحمد 5/ 424- 425 وابن خزيمة 2314 وابن حبان 4503 و6501 والبيهقي في «السنن» (4/ 122) و «دلائل النبوة» 50/ 238- 239) من حديث أبي حميد الساعدي، وله قصة وفيه «فلمّا رأى أحدا» بدل «طلع له أحد» . 63- ع صحيح. أخرجه البخاري 2324 و3471 و3663 ومسلم 2388 والترمذي 3677 و3695 والطيالسي 2354 والحميدي 1054 وأحمد 2/ 245- 246 وابن حبان 6485 من طرق من حديث أبي هريرة. 64- ع صحيح. أخرجه مسلم 2417 والترمذي 3696 وأبو داود 4651 والترمذي 3697 والنسائي في «الكبرى» - وفي الباب من حديث أنس عند البخاري 3675 و3699 وأبو داود 4651 والترمذي 3697 والنسائي في «الكبرى» (8135) وأحمد 3/ 112 وأبو يعلى 2910 وابن حبان 3865 والبغوي 3901 ولفظ البخاري وغيره «اثبت أحد، فإن عليك نبي وصدّيق وشهيدان» . 65- ضعيف جدا. الوليد هو ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وصالح جزرة وغيرهم. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نمير: كذاب. فهذه علة، وله علة ثانية: عباد بن أبي يزيد مجهول، وفيه إسماعيل بن أبي كريمة السدي الكبير، وهو صدوق عنده مناكير. لكن لا يحتمل مثل هذا.

علي بن إسحاق بن خوشنام [1] الرَّازِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ [بْنُ] أَيُّوبَ بْنِ ضُرَيْسٍ الْبَجَلِيُّ [2] الرَّازِّيُّ، أَنَا محمد بن الصباح [3] حدثنا الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ السدي عن عباد [4] بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة فمررنا [5] فِي نَوَاحِيهَا خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ بَيْنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ فَلَمْ يَمُرَّ [6] بِشَجَرَةٍ وَلَا جَبَلٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» . «66» أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ، وَحَنَتْ [7] كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَنَتْ» .

_ (1) في الأصل «هشام» والتصويب عن «الأنوار» (35) و «شرح السنة» (3604) . وهو في «شرح السنة» (3604) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 3626 والدارمي 1/ 12 والحاكم 2/ 620 وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (289) من طرق عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ بهذا الإسناد. وصححه الحاكم ... ! ووافقه الذهبي ... !؟ مع أن الذهبي ذكر الوليد في «الميزان» ونقل عن الأئمة توهينه، وذكر أيضا عباد بن أبي زيد مع هذا الحديث في «الميزان» (2/ 378/ 4148) وقال: لا يدرى من هو تفرد عنه إسماعيل السدي بحديث ... فذكره. قلت: ولو صح هذا لورد من طرق صحاح وعن جماعة من الصحابة، ولكن كل ذلك لم يكن، وهو حديث منكر جدا. وقد ضعفه الترمذي بقوله: غريب. (2) في المطبوع «وهو بجلي» . (3) في الأصل «الصاح» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنوار» وعن النسخة «ط» . (4) في الأصل «عبادة» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (5) في المطبوع «فخرجنا» وفي «شرح السنة» «فرحنا» . (6) كذا في المطبوع وشرح السنة، وفي المخطوط «فما نمر» . (7) في المطبوع «وهن» وفي المخطوط «ولها حنين» والمثبت عن- ط- وهذه الألفاظ جميعا ليست في «شرح السنة» . [.....] 66- حديث صحيح مشهور. إسناده صحيح. أبو العباس هو محمد بن يعقوب والربيع هو ابن سليمان المرادي- وهو غير الجيزي، وكلاهما من أصحاب الشافعي، وعبد المجيد من رجال مسلم، وفيه ضعف لكن توبع، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز، وأبو الزبير، هو محمد بن مسلم المكي. وهو في «شرح السنة» (3618) بهذا الإسناد. رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 142- 143) عن عبد المجيد بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 918 و3584 و3585 والنسائي 3/ 102 وابن ماجه 1417 وعبد الرزاق 5254 وابن أبي شيبة 11/ 485- 486 وأحمد 3/ 206 و293 و395 و300 وابن حبان 6508 وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (303) والبيهقي 3/ 195 وفي «الدلائل» (2/ 556 و560) من طرق من حديث جابر. - وفي الباب من حديث أنس أخرجه الترمذي 3631 وابن ماجه 1415 وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (3341) وأحمد 3/ 226 وأبو يعلى 3384 والدارمي 1/ 19 وابن خزيمة 1776 وابن حبان 6507 والبيهقي في «الدلائل» (2/ 559) . - ومن حديث ابن عمر عند البخاري 3583 والترمذي 505 والدارمي 1/ 15 والبيهقي 3/ 196، وفي الباب أحاديث تبلغ به حد الشهرة. والله أعلم.

[سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 76]

قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَنْزِلُ حَجَرٌ من أعلى [1] إلى أسفل [2] إِلَّا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) [الْحَشْرِ: 21] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ: بِسَاهٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَقِيلَ: بِتَارِكِ عُقُوبَةِ مَا تَعْمَلُونَ، بَلْ يُجَازِيكُمْ بِهِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ يعملون بالياء والآخرون بالتاء. [سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 76] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَتَطْمَعُونَ: أَفَتَرْجُونَ؟ يُرِيدُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ: يصدقكم الْيَهُودُ بِمَا تُخْبِرُونَهُمْ بِهِ؟ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ: يُغَيِّرُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ، مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ: عَلِمُوهُ [كَمَا] [3] غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآيَةِ الرَّجْمِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ: أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لما رجعوا بعد ما سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ إِلَى قَوْمِهِمْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَأَمَّا الصَّادِقُونَ مِنْهُمْ فَأَدَّوْا كَمَا سَمِعُوا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: سَمِعْنَا اللَّهَ يَقُولُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا [فَافْعَلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَفْعَلُوا] [4] ، فَهَذَا تَحْرِيفُهُمْ وهم يعلمون أنه الحق. قوله عزّ وجلّ: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي: مُنَافِقِي الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، قالُوا آمَنَّا: كَإِيمَانِكُمْ، وَإِذا خَلا: رَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ، كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَوَهْبُ بن يهودا، أو غيرهم مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، لِأَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ: بِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا حَقٌّ وَقَوْلَهُ صِدْقٌ، وَالْفَتَّاحُ: الْقَاضِي [5] . وقال الكسائي: بما بيّنه لكم من العلم بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ [6] : بِمَا أنزل الله عليكم وأعطاكم، وَنَظِيرُهُ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: 96] ، أي: أنزلنا، وقال أبو

_ (1) في المطبوع «الأعلى» . (2) في المطبوع «الأسفل» . (3) سقط من المطبوع وحده. (4) سقط من المطبوع وحده. (5) وقع في المطبوع «القاض» وفي «ط» . «القاضي» ، وفي «القاموس» : الفتح: الحكم بين خصمين، وفاتح: قاضي. والفتاح: الحاكم اه ملخصا من مادة- ف ت ح- وهذا يرجح ما في «ط» وأن المراد «القاضي» وانظر القرطبي عند هذه الآية، والله أعلم. (6) هو محمد بن عمر الواقدي صاحب المغازي، متروك الحديث لا يحتج بما ينفرد به.

[سورة البقرة (2) : الآيات 77 الى 79]

عُبَيْدَةَ [1] : بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وأعطاكم، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ: ليخاصموكم بِهِ، يَعْنِي: أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَجُّوا بِقَوْلِكُمْ عَلَيْكُمْ، فَيَقُولُوا: قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ فِي كِتَابِكُمْ، ثُمَّ لَا تَتَّبِعُونَهُ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ شَاوَرُوهُمْ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بما فتح الله عليكم [2] ، ليكون لَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ. عِنْدَ رَبِّكُمْ [فِي الدُّنْيَا] [3] وَالْآخِرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْجِنَايَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِيَرَوُا الْكَرَامَةَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ [4] : هُوَ قَوْلُ يَهُودَ قُرَيْظَةَ [قَالَ] [5] بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، فَقَالُوا: مَنْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِهَذَا؟ مَا خَرَجَ هَذَا إِلَّا مِنْكُمْ، أَفَلا تَعْقِلُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 77 الى 79] أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) قوله عزّ وجلّ: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ: يُخْفُونَ، وَما يُعْلِنُونَ: يُبْدُونَ، يَعْنِي الْيَهُودَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ، أَيْ: مِنَ الْيَهُودِ أُمِّيُّونَ لَا يُحْسِنُونَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، جَمْعُ: أُمِّيٍّ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ كَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا انْفَصَلَ مِنَ الْأُمِّ لَمْ يَتَعَلَّمْ [6] كِتَابَةً ولا قراءة. ع «67» [وروي عن الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» . أَيْ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ] [7] . لَا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: «أَمَانِيَ» ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، حَذَفَ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وقراءة العامّة بالتشديد، وهو جمع: أمنية وهي التلاوة، وقال اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الْحَجِّ: 52] ، أَيْ: فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: إلا تلاوة وقراءة عن ظهر القلب لا يقرؤونه مِنْ كِتَابٍ، وَقِيلَ: يَعْلَمُونَهُ حِفْظًا وقراءة، لا يعرفون معناه، قال ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي غَيْرَ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ [8] : إِلَّا كَذِبًا وَبَاطِلًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَمَانِيُّ [9] : الْأَحَادِيثُ الْمُفْتَعَلَةُ، قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، أَيْ: مَا كَذَبْتُ وَأَرَادَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ [10] أضافوها إلى الله مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ مِنَ التمنّي وهي أمانيهم

_ (1) هو الإمام معمر بن المثنى النحوي اللغوي صدوق أخباري توفي سنة 208. (2) زيد في المطبوع «ليحاجوكم به، يعني» . (3) زيادة عن المخطوط وط-. (4) أخرجه الطبري 1350 وهذا مرسل، فهو ضعيف. والمرفوع ورد من قول علي، وهو أصح. (5) زيد في المطبوع. (6) في المطبوع وحده «يعلم» . (7) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. [.....] (8) زيد في المطبوع. (9) في المطبوع «أماني» . (10) في المخطوط «مما» . 67- ع صحيح. أخرجه البخاري 1913 ومسلم 1080 ح 13 وأبو داود 2319 والنسائي 4/ 39- 40 وفي «الكبرى» (2450) وأحمد 2/ 43 من حديث ابن عمر بأتم منه.

الباطلة التي يتمنّونها عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَةِ: 111] ، وَقَوْلِهِمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَةِ: 80] ، وَقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [الْمَائِدَةِ: 18] ، فعلى هذا (لا) يكون بِمَعْنَى (لَكِنْ) ، أَيْ: لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أَشْيَاءَ لَا تَحْصُلُ لَهُمْ، وَإِنْ هُمْ، وَمَا هم إِلَّا يَظُنُّونَ، يعني: وَمَا [هُمْ إِلَّا] [1] يَظُنُّونَ ظَنًّا وَتَوَهُّمًا لَا يَقِينًا، قَالَهُ قَتَادَةُ والربيع، وقال مجاهد: يكذبون. قوله عزّ وجلّ: فَوَيْلٌ، قَالَ الزَّجَّاجُ: «وَيْلٌ» كَلِمَةٌ تقولها العرب: لكل وَاقِعٍ فِي هَلَكَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَانْمَاعَتْ [2] ولذابت مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ [3] . «68» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] [4] الْخَلَّالُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدِينِ [5] بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ [6] عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْوَيْلُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، وَالصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فَهُوَ كذلك» ، يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، وَذَلِكَ أَنَّ أحبار اليهود خَافُوا ذَهَابَ مَأْكَلِهِمْ وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَاحْتَالُوا فِي تَعْوِيقِ الْيَهُودِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ فَعَمَدُوا إِلَى صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ صِفَتُهُ فِيهَا: حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الشعر أكحل العينين ربعة [القامة] [7] ، فَغَيَّرُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا طِوَالٌ أَزْرَقُ

_ (1) في المطبوع «وما يظنون إلا ظنا ... » . (2) في المخطوط «لماعت» وليس فيه «ولذابت» . (3) في المطبوع «حرّها» . (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن «شرح السنة» (4305) . (5) في الأصل «راشيد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (6) في الأصل «السمع» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (7) زيد في المطبوع. 68- ضعيف. إسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد وأبي السمح في روايته عن أبي الهيثم، وأبو السمح اسمه درّاج بن سمعان وأبو الهيثم هو سليمان بن عمرو العتواري. وهو في «شرح السنة» (4305) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 3164 وأحمد 3/ 75 وأبو يعلى 1383 وابن حبان 7467 والحاكم 4/ 296 و507 والطبري 1387 والبيهقي في «البعث» (513) كلهم من طريق دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ به، وبعضهم اقتصر على ذكر واد الويل فقط، ولم يذكر جبل الصعود. والحديث صححه الحاكم! ووافقه الذهبي! مع أنه من رواية درّاج عن أبي الهيثم، وهي واهية، قال الذهبي في مواضع أخر في تلخيص المستدرك: دراج ذو مناكير. وقال في «الميزان» (2/ 24) : قال أحمد: درّاج أحاديثه مناكير. وقال عثمان بن سعيد عن ابن معين: ثقة، قال فضلك الرازي: ما هو ثقة ولا كرامة. النسائي: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال الحافظ في «التقريب» في دراج: في روايته عن أبي الهيثم ضعف. - وضعفه الترمذي بقوله: غريب. وكذا ضعفه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 121) بقوله: هذا منكر.

[سورة البقرة (2) : الآيات 80 الى 81]

سَبْطُ الشَّعْرِ، فَإِذَا سَأَلَهُمْ سَفِلَتُهُمْ عن صفته قرؤوا مَا كَتَبُوا فَيَجِدُونَهُ مُخَالِفًا لِصِفَتِهِ فَيُكَذِّبُونَهُ [وَيُنْكِرُونَهُ] [1] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ، يَعْنِي: [مَا] كَتَبُوا] بِأَنْفُسِهِمُ اخْتِرَاعًا من تغيير نعته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ: من المآكل، ويقال: من المعاصي. [سورة البقرة (2) : الآيات 80 الى 81] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَقالُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ: لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ، إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً: قَدْرًا مُقَدَّرًا ثُمَّ يَزُولُ عَنَّا الْعَذَابُ [وَيَعْقُبُهُ النَّعِيمُ] [3] ، واختلفوا في هذه الأيام، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْيَهُودُ يقولون مدة [4] الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: يَعْنُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي عَبَدَ فِيهَا آبَاؤُهُمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنْ رَبَّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا فأقسم الله لَيُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقِسْمِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَكْذِيبًا لَهُمْ، قُلْ: يَا مُحَمَّدُ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ، أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دخلت على ألف الوصل، عَهْداً مُوَثَّقًا أَنْ لَا يُعَذِّبَكُمْ إِلَّا هَذِهِ الْمُدَّةَ، فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، وعده، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: عَهْدًا بِالتَّوْحِيدِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [مَرْيَمَ: 87] ، يعني: قَوْلُ [5] لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟ ثُمَّ قَالَ: بَلى، وبلى وبل: حَرْفَا اسْتِدْرَاكٍ، وَمَعْنَاهُمَا نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْخَبَرِ الْمُسْتَقْبَلِ. مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، يَعْنِي: الشِّرْكَ وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ «خَطِيئَاتُهُ» بِالْجَمْعِ، وَالْإِحَاطَةُ: الْإِحْدَاقُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ والربيع وجماعة: هو [6] الشِّرْكُ يَمُوتُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: السَّيِّئَةُ الْكَبِيرَةُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَيَمُوتُ غَيْرَ تَائِبٍ، قَالَهُ عكرمة والربيع بن خيثم. [قال الواحدي رحمه الله في تفسيره «الوسيط» : المؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيّئة وهي الشرك، والمؤمن وإن عمل الكبائر لم يوجد منه الشرك] [7] . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الذُّنُوبُ تُحِيطُ بالقلب كلما عمل ذَنْبًا ارْتَفَعَتْ حَتَّى تَغْشَى [8] الْقَلْبَ، وهي الرين، قال الكلبي: أو بقته ذُنُوبُهُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [يُوسُفَ: 66] ، أَيْ: تَهْلِكُوا، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 82 الى 84] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)

_ (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «كتبوه» دون- ما-. [.....] (3) زيادة عن المخطوط، وط. (4) في المخطوط وط- «هذه» بدل «مدة» والمثبت عن المطبوع والطبري (1412 و1413) . (5) في المطبوع «قوله» . (6) في المطبوع «هي» . (7) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط، وط-. (8) في المخطوط «يقسى» وفي نسخة «يقسو» والمثبت عن المطبوع و «الدر المنثور» (1/ 164) .

[سورة البقرة (2) : آية 85]

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ: فِي التَّوْرَاةِ وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ الشَّدِيدُ، لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ والكسائي لا يعبدون، بالياء، والآخرون بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ [1] تَعَالَى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة: 83] ، معناه أن لا تَعْبُدُوا، فَلَمَّا حَذَفَ (أَنْ) صَارَ الْفِعْلُ مَرْفُوعًا وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كعب: «لا تعبدوا» ، على النهي، وَبِالْوالِدَيْنِ، أَيْ: وَوَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ، إِحْساناً بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا وَنُزُولًا عِنْدَ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذِي الْقُرْبى، أَيْ: وَبِذِي الْقَرَابَةِ، وَالْقُرْبَى مَصْدَرٌ كَالْحُسْنَى، وَالْيَتامى، جَمْعُ يَتِيمٍ وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ، وَالْمَساكِينِ، يَعْنِي: الْفُقَرَاءَ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً: صِدْقًا وَحَقًّا فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ سَأَلَكُمْ عَنْهُ فَاصْدُقُوهُ وَبَيِّنُوا صِفَتَهُ لا تَكْتُمُوا أَمْرَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ: هُوَ اللِّينُ فِي الْقَوْلِ وَالْمُعَاشَرَةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: «حَسَنًا» بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ، أَيْ: قَوْلًا حَسَنًا، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ، أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ آمَنُوا، وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ، كَإِعْرَاضِ آبائكم. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ، أَيْ: لَا تُرِيقُونَ، دِماءَكُمْ، أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَ غَيْرِكُمْ فيسفك دِمَاءَكُمْ فَكَأَنَّكُمْ سَفَكْتُمْ دِمَاءَ أَنْفُسِكُمْ، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ، [أَيْ] [2] : لَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ، وَقِيلَ: لَا تُسِيئُوا جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكُمْ فَتُلْجِئُوهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ بِسُوءِ جِوَارِكُمْ، ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ: بِهَذَا الْعَهْدِ أَنَّهُ حَقٌّ وَقَبِلْتُمْ، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ يا معشر اليهود وتعترفون بالقبول. [سورة البقرة (2) : آية 85] ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ، يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِلتَّنْبِيهِ، تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ، بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ، أَيْ: تَتَظَاهَرُونَ، أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الظَّاءِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ فَحَذَفُوا تَاءَ التَّفَاعُلِ وَأَبْقَوْا تَاءَ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَعاوَنُوا [المائدة: 2] ، مَعْنَاهُمَا جَمِيعًا تَتَعَاوَنُونَ، وَالظَّهِيرُ: الْعَوْنُ، بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ: بالمعصية والظلم، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى، [و] قرأ حَمْزَةُ أَسْرَى، وَهُمَا جَمْعُ: أَسِيرٍ، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، «تَفْدُوهُمْ» : بِالْمَالِ وَتُنْقِذُوهُمْ، [و] قرأ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ

_ (1) في المطبوع وحده «كقوله» . (2) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 86 الى 88]

تُفادُوهُمْ، أَيْ: تُبَادِلُوهُمْ، أَرَادَ مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَا يُخْرِجَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ مِنْ ثَمَنِهِ وَأَعْتِقُوهُ، فَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبٍ سنين، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم وبنو النضير مع حلفائهم وإذا غلبوا خرّبوا دِيَارَهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهَا، وَإِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ وَتَقُولُ [1] : كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ، فَيَقُولُونَ: فَلِمَ تقاتلوهم؟ قالوا: إنا نستحي أن نستذل [2] حلفاءنا، فعيّرهم الله تعالى، فَقَالَ: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَنَظْمُهَا: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكَ الْقِتَالِ وَتَرْكَ الْإِخْرَاجِ وَتَرْكَ الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ وَفِدَاءَ أَسْرَاهُمْ [3] ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْكُلِّ إِلَّا الْفِدَاءَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ، فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، إِلَّا خِزْيٌ: عَذَابٌ وَهَوَانٌ، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، فَكَانَ خِزْيُ قُرَيْظَةَ الْقَتْلَ وَالسَّبْيَ، وَخِزْيُ النَّضِيرِ الْجَلَاءَ وَالنَّفْيَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَذَرِعَاتٍ وأريحا مِنَ الشَّامِ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وهو عَذَابِ النَّارِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بالتاء. [سورة البقرة (2) : الآيات 86 الى 88] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا: اسْتَبْدَلُوا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ، يُهَوَّنُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، لَا يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَلَقَدْ آتَيْنا: أَعْطَيْنَا مُوسَى الْكِتابَ: التَّوْرَاةَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَقَفَّيْنا: وَأَتْبَعْنَا، مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ: رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ، وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ: الدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ، وَهِيَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْإِنْجِيلَ، وَأَيَّدْناهُ: قَوَّيْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الْقُدْسِ» بِسُكُونِ الدَّالِ، وَالْآخَرُونَ بِضَمِّهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ: الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ الرَّبِيعُ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بالروح [الروح] [4] الذي لا نفخ فيه، [و] القدس هُوَ اللَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَكْرِيمًا وَتَخْصِيصًا [5] ، نَحْوَ: بَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [التَّحْرِيمِ: 12] ، وَرُوحٌ مِنْهُ [النِّسَاءِ: 171] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقُدُسِ: الطِّهَارَةَ، يَعْنِي: الرُّوحَ الطَّاهِرَةَ، سَمَّى روحه

_ (1) في المطبوع «يقولون» . (2) في المطبوع «تذل» . (3) في المطبوع «أسرائهم» وفي المخطوط «أساراهم» والمثبت عن- ط-. (4) زيادة عن نسخة- ط- وفي المخطوط «الروع» . (5) زيد في المطبوع وحده هاهنا «أي: التي نفخ فيه» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 90]

قُدُسًا لِأَنَّهُ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ أَصْلَابُ الفحول وَلَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الطَّوَامِثِ، إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السلام، قيل: وصف جبريل [عليه السلام] بِالْقُدُسِ أَيْ بِالطَّهَارَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يقترف ذنبا، قال الْحَسَنُ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ، وَرُوحُهُ جِبْرِيلُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النَّحْلِ: 102] ، وَتَأْيِيدُ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ حَتَّى صعد به إِلَى السَّمَاءِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رُوحًا لِلَطَافَتِهِ وَلِمَكَانَتِهِ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ حَيَاةِ الْقُلُوبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَعْظَمُ الذي كان يحيي به الْمَوْتَى، وَيُرِي النَّاسَ [بِهِ] [1] الْعَجَائِبَ، وقيل: هو الإنجيل جعل [الله] [2] لَهُ رُوحًا كَمَا جَعْلَ الْقُرْآنَ رُوحًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ، وقال الله تَعَالَى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: 52] ، فلما سمعت الْيَهُودُ ذِكْرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قالوا: يَا مُحَمَّدُ لَا مِثْلَ عِيسَى كَمَا تَزْعُمُ عَمِلْتَ، وَلَا كَمَا يقصّ عَلَيْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَلْتَ، فَأْتِنَا بِمَا أَتَى بِهِ عِيسَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ: تَكَبَّرْتُمْ وَتَعَظَّمْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، فَفَرِيقاً: طَائِفَةً كَذَّبْتُمْ: مِثْلَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ، أَيْ: قَتَلْتُمْ مِثْلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَشَعْيَا، وَسَائِرِ مَنْ قتلوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقالُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ، قُلُوبُنا غُلْفٌ، جَمْعُ أغلف وهو الذي عليه غشاوة، معناه: عليها غشاوة فلا تسمع ولا تفقه ما يقول، قَالَهُ [3] مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فُصِّلَتْ: 5] ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «غُلُفٌ» بِضَمِّ اللَّامِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْرَجِ، وهي جَمْعُ غِلَافٍ، أَيْ: قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ فَلَا [تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِكَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ أَوْعِيَةٌ لِكُلِّ علم فهي لا] [4] تسمع حديثا إلا وعته إِلَّا حَدِيثَكَ لَا تَعْقِلُهُ وَلَا تَعِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَوَعَتْهُ وَفَهِمَتْهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ: طَرَدَهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ، قَالَ قتادة: معناه لا [5] يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ، أَيْ: فَقَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، وَنَصْبُ (قَلِيلًا) عَلَى الْحَالِ، وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَكْفُرُونَ بِأَكْثَرِهِ، أَيْ: فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ [وَنَصْبُ (قَلِيلًا) بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَ (مَا) صِلَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقَالَ الواقدي: معناه لا يؤمنون] [6] لا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلْآخَرِ: مَا أَقَلَّ مَا تَفْعَلُ كَذَا، أَيْ: لَا تَفْعَلُهُ أَصْلًا. [سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 90] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ مُصَدِّقٌ: مُوَافِقٌ لِما مَعَهُمْ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَكانُوا، يعني: اليهود، مِنْ قَبْلُ، [أَيْ] : مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَسْتَفْتِحُونَ: يَسْتَنْصِرُونَ، عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا: عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أنهم كانوا يقولون إذا أحزنهم أمر أو

_ 1 زيادة عن المخطوط. [.....] 2 زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «قال» . (4) سقط من المخطوط. (5) في المخطوط «لن» والمثبت عن المطبوع والطبري (1518 و1519) . (6) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 91 الى 93]

دهمهم [1] عَدُوٌّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ الَّذِي نَجِدُ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَانُوا يُنْصَرُونَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِأَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قَدْ أَظَلَّ [2] زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ مَا قُلْنَا فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَإِرَمَ. فَلَمَّا جاءَهُمْ مَا عَرَفُوا، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَرَفُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، كَفَرُوا بِهِ: بَغْيًا وَحَسَدًا، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، بِئْسَ وَنِعْمَ فِعْلَانِ مَاضِيَانِ وُضِعَا لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لَا يَتَصَرَّفَانِ تَصَرُّفَ الْأَفْعَالِ، مَعْنَاهُ: بِئْسَ الَّذِي اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ حِينَ اسْتَبْدَلُوا الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ، وَقِيلَ: الِاشْتِرَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ، وَالْمَعْنَى: بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ حَظَّ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ [حِينَ] [3] اخْتَارُوا الْكفْرَ وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّارِ، أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، بَغْياً، أَيْ: حَسَدًا، وَأَصْلُ الْبَغْيِ: الفساد، يقال: بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ، وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، وَالْبَاغِي طَالِبُ الظُّلْمِ وَالْحَاسِدُ يَظْلِمُ الْمَحْسُودَ [جَهْدَهُ طَلَبًا لِإِزَالَةِ] [4] نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ، أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، أَيِ: النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ: مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَرَأَ أهل مكة والبصرة «ينزل» وبابه [5] بالتخفيف، إلا في «سبحان» فِي مَوْضِعَيْنِ: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ [الإسراء: 82] وحَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ [الْإِسْرَاءِ: 93] فَإِنَّ [6] ابْنَ كَثِيرٍ يُشَدِّدُهُمَا، وَشَدَّدَ الْبَصْرِيُّونَ فِي الْأَنْعَامِ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً [الْأَنْعَامِ: 37] ، زَادَ يَعْقُوبُ تَشْدِيدَ بِما يُنَزِّلُ فِي النحل، وافق حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ فِي تَخْفِيفِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: 34] في سورة لقمان وحمعسق، وَالْآخَرُونَ يُشَدِّدُونَ الْكُلَّ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَشْدِيدِ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ [الحجر: 21] في الحجر، فَباؤُ: رجعوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ، أي: مع غَضَبٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَضْيِيعِهِمُ التَّوْرَاةَ وَتَبْدِيلِهِمْ [لها] [7] ، وَالثَّانِي: بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَوَّلُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَالثَّانِي بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِلْكافِرِينَ: الْجَاحِدِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ، عَذابٌ مُهِينٌ: مُخْزٍ يُهَانُونَ فيه. [سورة البقرة (2) : الآيات 91 الى 93] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قَوْلُهُ عَزَّ وجلّ: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا،

_ (1) في «القاموس» : أدهمه: ساءه. ودهمك: غشيك. (2) في المطبوع وحده «أطل» . (3) سقط من المطبوع. (4) ما بين المعقوفتين في المخطوط «لأنه طالب إزالة» . (5) في المخطوط «ويائه» وهو خطأ. (6) في المطبوع وحده «قال» . (7) سقط من المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96]

يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، يَكْفِينَا ذَلِكَ، وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ، أَيْ: بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ [الْمُؤْمِنُونَ: 7] ، أَيْ: سِوَاهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بما بعده، وَهُوَ الْحَقُّ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، مُصَدِّقاً، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، لِما مَعَهُمْ: من التوراة، قُلْ: لهم يَا مُحَمَّدُ فَلِمَ تَقْتُلُونَ، أَيْ: قَتَلْتُمْ، أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ، و (لم) أَصْلُهُ لِمَا، فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ فَرْقًا بين الخبر وَالِاسْتِفْهَامِ، كَقَوْلِهِمْ فِيمَ وَبِمَ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: بِالتَّوْرَاةِ، وَقَدْ نُهِيتُمْ فِيهَا عَنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السّلام. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ، ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ.، [أي: من بعد انطلاقه إلى الجبل] [1] ، وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا، أَيِ: اسْتَجِيبُوا وَأَطِيعُوا، سُمِّيَتِ الطَّاعَةُ وَالْإِجَابَةُ: سمعا على المجاز، لأنها [2] سَبَبٌ لِلطَّاعَةِ وَالْإِجَابَةِ، قالُوا سَمِعْنا: قولك، وَعَصَيْنا: أمرك، وقيل: سمعنا بالآذان [3] ، وَعَصَيْنَا بِالْقُلُوبِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا بِأَلْسِنَتِهِمْ ولكن لما سمعوا وتلقوه بالعصيان نسب ذَلِكَ إِلَى الْقَوْلِ اتِّسَاعًا. وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ، أَيْ: حب العجل، مَعْنَاهُ: أُدْخِلَ فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعَجَلِ وَخَالَطَهَا، كَإِشْرَابِ اللَّوْنِ لِشِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ، يُقَالُ: فُلَانٌ مُشْرَبُ [4] اللَّوْنِ إِذَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ بِالْحُمْرَةِ، وَفِي الْقِصَصِ: أَنَّ مُوسَى أُمِرَ أَنْ يُبْرَدَ الْعِجْلُ بِالْمِبْرَدِ، ثُمَّ يَذُرَّهُ فِي النَّهْرِ وَأَمَرَهُمْ بِالشُّرْبِ مِنْهُ، فَمَنْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ حُبِّ الْعِجْلِ ظَهَرَتْ سُحَالَةُ الذَّهَبِ عَلَى شَارِبِهِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ: أَنْ تَعْبُدُوا الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَيْ: بِئْسَ إِيمَانٌ يأمر بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: بِزَعْمِكُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عزّ وجلّ. [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96) قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا دَعَاوَى بَاطِلَةً مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَةِ: 80] ، لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَةِ: 111] ، وَقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [الْمَائِدَةِ: 18] ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي: الْجَنَّةَ، خالِصَةً، أَيْ: خَاصَّةً [5] مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ، أَيْ: فَأَرِيدُوهُ أو اسألوه، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ حَنَّ إِلَيْهَا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى دُخُولِهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاسْتَعْجَلُوهُ بِالتَّمَنِّي، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: فِي قَوْلِكُمْ، وَقِيلَ: فَتُمَنُّوا الْمَوْتَ، أَيِ: ادْعُوَا بِالْمَوْتِ عَلَى الْفِرْقَةِ الكاذبة.

_ (1) زيد في المطبوع وحده. (2) في المطبوع «لأنه» . [.....] (3) في المطبوع «بالأذن» . (4) في المطبوع «أشرب» . (5) في المطبوع وحده «خالصة» .

[سورة البقرة (2) : آية 97]

ع 6» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَغُصَّ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِرِيقِهِ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلا مات» . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ كَاذِبُونَ، وَأَرَادَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بما قدّموه من الأعمال، وأضاف [1] العمل إِلَى الْيَدِ [دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ] [2] لِأَنَّ أَكْثَرَ جِنَايَاتِ الْإِنْسَانِ تَكُونُ بِالْيَدِ، فَأُضِيفَ إِلَى الْيَدِ أَعْمَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَدِ فِيهَا عَمَلٌ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. وَلَتَجِدَنَّهُمْ، اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ، وَالنُّونُ تَأْكِيدٌ لِلْقِسْمِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَتَجِدَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي: الْيَهُودَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، قيل: هو متصل بالأول، أي: وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ: عَلى حَياةٍ، ثم ابتدأ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَأَرَادَ بِالَّذِينِ أَشْرَكُوا الْمَجُوسَ، قَالَهُ [3] أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ، سُمُّوا مُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ. يَوَدُّ: يُرِيدُ وَيَتَمَنَّى، أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ، يَعْنِي: تَعْمِيرَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَهِي تَحِيَّةُ الْمَجُوسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، يَقُولُونَ: عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ وَكُلُّ أَلْفٍ نَيْرُوزٌ ومهرجان، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْيَهُودُ أَحْرَصُ على الحياة من المجوس الذين يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ: بمباعده، مِنَ الْعَذابِ، [أي] : من النَّارِ أَنْ يُعَمَّرَ، أَيْ: طُولُ عمره لا ينقذه [4] من العذاب، و (زحزح) لازم ومتعدّ، يقال: زحزحته، فتزحزح، وزحزحته: فزحزح، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ، [قرأ يعقوب بالتاء والباقون بالياء] [5] . [سورة البقرة (2) : آية 97] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ. ع «70» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ حِبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بن صوريا قال

_ 69- ع الراجح وقفه. أخرجه البيهقي في «الدلائل» (6/ 274- 275) عن ابن عباس مرفوعا بأتم منه، وإسناده ضعيف جدا، بل مصنوع فيه الكلبي، وهو محمد بن السائب، وهو متروك متهم، وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس، وقد أقر الكلبي بأن كل ما رواه عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس، كذب. راجع ترجمة في «الميزان» . وقد مر الكلام عليه في المقدمة. وأخرجه الطبري 1570 عن الأعمش عن ابن عباس موقوفا، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين الأعمش وابن عباس، وكرره الطبري 1573 بنحوه عن ابن عباس موقوفا، وفيه محمد بن أبي محمد شيخ ابن إسحاق، وهو مجهول. - وورد من وجه آخر عن ابن عباس موقوفا أخرجه النسائي في «التفسير» (81) وأحمد 1/ 248 ورجال النسائي ثقات والإسناد متصل. وانظر ما قاله الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 167) و «الفتح» (8/ 724) وخلاصة القول أنه لم يصح مرفوعا، وإنما هو من كلام ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والله أعلم، وانظر «تفسير الكشاف» (44) بتخريجي، والله الموفق. 70- ع لم أجده مسندا بهذا التمام. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (41) عن ابن عباس بدون إسناد، وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 169) بعد أن زاد نسبته للثعلبي: ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس اهـ. وهذه إشارة إلى وهن الخبر فإن الكلبي متهم كما تقدم. ولبعضه شاهد عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ ابن عباس، أخرجه الطبري 1608 وإسناده لين، وكرره 1609 عن شهر بن حوشب مرسلا، وهو أرجح من الموصول. (1) في المخطوط «أضافها» بدل و «أضاف العمل» . (2) سقط من المطبوع. (3) في المطبوع «قال» . (4) في المطبوع «يبعده» . (5) زيد في المطبوع دون المخطوط وط-.

[سورة البقرة (2) : الآيات 98 الى 100]

لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيّ ملك يأتيك مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ: «جِبْرِيلُ» ، قَالَ: ذَلِكَ عَدُّونَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِكَ، إِنَّ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالْعَذَابِ وَالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ وإنه عادانا مرارا، كان أَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا: أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: بُخْتُنَصَّرُ، وَأَخْبَرَنَا بِالْحِينِ الَّذِي يُخَرَّبُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُهُ بَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَقْوِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَلَبِهِ ليقتله، فَانْطَلَقَ حَتَّى لَقِيَهُ بِبَابِلَ غُلَامًا مِسْكِينًا فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وَكَبُرَ بُخْتُنَصَّرُ وَقَوِيَ وَغَزَانَا وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَلِهَذَا نَتَّخِذُهُ عدوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ جِبْرِيلَ عدوّنا لأنه أمر أن يجعل النُّبُوَّةِ فِينَا فَجَعَلَهَا فِي غَيْرِنَا. ع «71» وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ، وَمَمَرُّهَا على مدراس الْيَهُودِ، فَكَانَ إِذَا أَتَى أَرْضَهُ يأتيهم ويسمع منهم، فَقَالُوا لَهُ: مَا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ، إِنَّهُمْ يمرّون بنا [1] فَيُؤْذُونَنَا وَأَنْتَ لَا تُؤْذِينَا وَإِنَّا لِنَطْمَعُ فِيكَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا آتِيكُمْ لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسْأَلُكُمْ لِأَنِّي شَاكٌّ فِي دِينِي وَإِنَّمَا أَدْخُلُ عَلَيْكُمْ لِأَزْدَادَ بَصِيرَةً فِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرَى آثَارَهُ فِي كِتَابِكُمْ [وَأَنْتُمْ تَكْتُمُونَهَا] [2] ، فَقَالُوا: مَنْ صَاحِبُ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قال: جبريل، فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمدا على سرّنا، وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ عَذَابٍ وَخَسْفٍ وَسَنَةٍ وَشِدَّةٍ، وَإِنَّ مِيكَائِيلَ إِذَا جاء، جاء بالخصب والسلم، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: تَعْرِفُونَ جِبْرِيلَ وَتُنْكِرُونَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخْبِرُونِي عَنْ مَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يساره، وميكائيل عدو لجبريل، قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهُوَ عَدُوٌّ لِمِيكَائِيلَ، وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لِمِيكَائِيلَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِجِبْرِيلَ، وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا كَانَ اللَّهُ عَدُوًّا لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيات، فَقَالَ: «لَقَدْ وَافَقَكَ رَبُّكَ يَا عُمَرُ» ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَعْدَ ذَلِكَ فِي دِينِ اللَّهِ أَصْلَبَ مِنَ الْحَجَرِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإِنَّهُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ، نَزَّلَهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ [3] غَيْرِ مَذْكُورٍ، عَلى قَلْبِكَ: يَا مُحَمَّدُ بِإِذْنِ اللَّهِ: بِأَمْرِ اللَّهِ مُصَدِّقاً: مُوَافِقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، قوله عزّ وجلّ: [سورة البقرة (2) : الآيات 98 الى 100] مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)

_ 71- ع أخرجه الطبري 1616 عن السدي مرسلا، وأخرجه برقم 1613 عن قتادة مرسلا بنحوه. - وأخرجه الواحدي في «الأسباب» (40) والطبري 1611 و1612 عن الشعبي عن عمر، وهذا منقطع الشعبي لم يلق عمر. وهذه المراسيل لعلها تتأيد بمجموعها، اللهم إن لم يكن أخذ بعضهم عن بعض، فعند ذلك لا تتقوى لاتحاد مخارجها. وأرجح شيء في هذا الباب ما أخرجه الطبري 1608 و1609 وهو أمثل شيء في الباب، فانظره، والله أعلم. (1) في المطبوع «بها» وفي المخطوط «علينا» والمثبت عن الطبري. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المخطوط «من» . [.....]

مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ: خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ من جملة الملائكة مع دخولها فِي قَوْلِهِ: وَمَلائِكَتِهِ، تَفْضِيلًا وَتَخْصِيصًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) [الرَّحْمَنِ: 68] ، خَصَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي ذِكْرِ الفاكهة، [للتفضيل] [1] ، وَالْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى «أَوْ» ، يَعْنِي: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ [فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكُلِّ] [2] ، لِأَنَّ الْكَافِرَ بِالْوَاحِدِ كَافِرٌ بِالْكُلِّ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: جِبْرُ وميك [3] وإسراف هنّ [4] العبد بالسريانية، قال [5] وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَعْنَاهُمَا: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «جَبْرِيلَ» بِفَتْحِ الْجِيمِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، بِوَزْنِ فَعْلِيلَ، قَالَ حَسَّانٌ: وَجَبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ [6] لَيْسَ لَهُ كَفَاءُ وقرأ حمزة والكسائي بالهمزة [7] والإشباع وزن (سَلْسَبِيلَ) ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالِاخْتِلَاسِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ غَيْرَ مهموز، وميكائيل قرأ أبو عمر وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ «مِيكَالَ» بِغَيْرِ هَمْزٍ، قَالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بمحمد ... وبجبرائيل وَكَذَّبُوا مِيكَالَا [وَقَالَ آخَرُ] [8] : وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ ... فِيهِ مع نصر جبريل وميكال وقرأ نافع وأهل المدينة: بالهمز والاختلاس، بوزن ميكاعل، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالْهَمْزِ وَالْإِشْبَاعِ بِوَزْنِ ميكاعيل [9] ، قال ابن صوريا: ما جئتنا [يا محمد] [10] بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ: وواضحات مُفَصَّلَاتٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ: الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجلّ. أَوَكُلَّما، وَاوُ الْعَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، عاهَدُوا عَهْداً، يَعْنِي: الْيَهُودَ عَاهَدُوا: لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وسلّم ليؤمنن [11] به، فلما خرج [إليهم مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [12] كَفَرُوا بِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا ذَكَّرَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [مِنَ الْمِيثَاقِ] [13] وَعُهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، قَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: وَاللَّهِ مَا عُهِدَ إلينا عهدا في محمد، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أَبِي رَجَاءٍ العطاردي «أو كلما عوهدوا» فَجَعَلَهُمْ مَفْعُولَيْنِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْيَهُودِ: أَنْ لَا يُعَاوِنُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِهِ، فَنَقَضُوهَا كَفِعْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ [الْأَنْفَالِ: 56] ، نَبَذَهُ: طَرَحَهُ ونقضه فَرِيقٌ: طوائف مِنْهُمْ، من الْيَهُودُ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.

_ (1) زيد في المطبوع وحده. (2) سقط من المخطوط. (3) في المطبوع «جبير وميت» . (4) في المطبوع «هي» . (5) في المطبوع «وآل» . (6) في المطبوع «القديس» . (7) وقع في الأصل «بالهمة» والتصويب من النسخة «م» . (8) سقط في المخطوط. (9) في المطبوع «ميكاعل» وفي- ط- «ميفاعل» . (10) زيادة عن المخطوط. (11) في المطبوع «لتؤمنن» . (12) زيد في المطبوع وحده. (13) سقط من المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 101 الى 102]

[سورة البقرة (2) : الآيات 101 الى 102] وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَقِيلَ: الْقُرْآنَ، كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ الشعبي: كانوا يقرؤون التَّوْرَاةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَدْرَجُوهَا فِي الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَحَلَّوْهَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَذَلِكَ نَبْذُهُمْ. وَاتَّبَعُوا، يعني اليهود ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ، أَيْ: مَا تَلَتْ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الْمَاضِي، وَالْمَاضِي موضع المستقبل، وقيل: ما كانت تَتْلُو، أَيْ: تَقْرَأُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَتَّبِعُ وَتَعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: تَحَدَّثُ وتتكلم بِهِ، عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، أَيْ: فِي مُلْكِهِ وَعَهْدِهِ، وَقِصَّةُ الْآيَةِ: أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَتَبُوا السِّحْرَ وَالنِّيرَنْجِيَّاتِ عَلَى لِسَانِ آصَفَ بْنِ بَرْخِيَا: هَذَا مَا عَلَّمَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا سُلَيْمَانَ الْمَلِكَ، ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْتَ مُصَلَّاهُ حَتَّى نَزَعَ اللَّهُ الْمُلْكَ عَنْهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ، فَلَمَّا مَاتَ اسْتَخْرَجُوهَا وَقَالُوا للناس: إنما ملككم [1] سليمان بها [2] فتعلّموها، فَأَمَّا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصُلَحَاؤُهُمْ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هذا من علم سليمان، وَأَمَّا السَّفِلَةُ فَقَالُوا: هَذَا عِلْمُ سُلَيْمَانَ وَأَقْبَلُوا عَلَى تَعَلُّمِهِ، وَرَفَضُوا كُتُبَ أَنْبِيَائِهِمْ وَفَشَتِ الْمَلَامَةُ [عَلَى] سُلَيْمَانَ [3] ، فَلَمْ يَزَلْ هَذَا حَالُهُمْ [وَفِعْلُهُمْ] [4] حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَرَاءَةَ سُلَيْمَانَ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تصعد إلى السماء، فيستمعون [5] كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ فِيمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتُونَ الكهنة ويخلطون بما سمعوا فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كِذْبَةً ويخبرونهم بها، فاكتتب الناس ذَلِكَ وَفَشَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أن الجنّ تعلم الْغَيْبَ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ، وَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ وَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ وَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ، إِنَّ الشياطين تعلم [6] الْغَيْبَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْرَ سُلَيْمَانَ وَدَفَنَةُ الْكُتُبِ، وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ تَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ فَأَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزٍ لَا تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان، وقام ناحية فقالوا: ادن، قال: لا ولكني [7] هاهنا، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَدْنُو مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا احترق، فحفروا وأخرجوا تلك

_ (1) في المطبوع «ملكهم» . [.....] (2) في المطبوع «بهذا» . (3) في المطبوع وحده «لسليمان» . (4) زيادة عن المخطوط، وط-. (5) في المخطوط «فيسمعون» والمثبت عن المطبوع والطبري 1649. (6) في المطبوع «الشيطان يعلم» والمثبت عن المخطوط والطبري. (7) في المطبوع «ولكن» .

الكتب، فقال الشيطان: إِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَضْبِطُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالطَّيْرَ بِهَذَا، ثُمَّ طار الشيطان وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كان ساحرا وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب، فَلِذَلِكَ أَكْثَرَ مَا يُوجَدُ السِّحْرُ فِي الْيَهُودِ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى سُلَيْمَانَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ فِي عُذْرِ سُلَيْمَانَ: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ: بِالسِّحْرِ، وَقِيلَ: لَمْ يكن سليمان كافرا يسحر وَيَعْمَلُ بِهِ، وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا، قرأ [ابن عامر] [1] والكسائي وحمزة (ولكن) ، خَفِيفَةَ النُّونِ، (وَالشَّيَاطِينُ) ، رَفْعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (وَلَكِنَّ) ، مُشَدَّدَةَ النُّونِ (وَالشَّيَاطِينَ) نَصْبٌ، وَكَذَلِكَ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: 17] ، ومعنى وَلكِنَّ نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْمُسْتَقْبَلِ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ، قِيلَ: مَعْنَى السِّحْرِ: الْعِلْمُ وَالْحِذْقُ بِالشَّيْءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزُّخْرُفِ: 49] ، أَيِ: الْعَالِمُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ السِّحْرَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَالسِّحْرُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَمِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: السِّحْرُ يُخَيِّلُ وَيُمْرِضُ وَقَدْ يَقْتُلُ، حَتَّى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِهِ، فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ يَتَلَقَّاهُ السَّاحِرُ مِنْهُ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ، فَإِذَا تَلَقَّاهُ منه بتعليمه إياه اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِ الْأَعْيَانِ فَيَجْعَلُ الْآدَمِيَّ عَلَى صُورَةِ الْحِمَارِ، وَيَجْعَلُ الْحِمَارَ عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ [2] ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيلٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى [طه: 66] ، ولكنه يُؤَثِّرُ فِي الْأَبْدَانِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ، وَلِلْكَلَامِ تَأْثِيرٌ فِي الطِّبَاعِ وَالنُّفُوسِ، وَقَدْ يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُ فَيَحْمَى وَيَغْضَبُ، وَرُبَّمَا يُحَمُّ مِنْهُ، وَقَدْ مَاتَ قَوْمٌ بِكَلَامٍ سَمِعُوهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَوَارِضِ وَالْعِلَلِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْأَبْدَانِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ، أَيْ: وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، أَيْ: إِلْهَامًا وَعِلْمًا، فَالْإِنْزَالُ: بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ وَالتَّعْلِيمِ وَقِيلَ: وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: «الْمَلِكَيْنِ» بِكَسْرِ اللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا رَجُلَانِ سَاحِرَانِ كَانَا بِبَابِلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عِلْجَانِ [3] ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ، وَبَابِلُ هِيَ بَابِلُ الْعِرَاقِ، سُمِّيَتْ بَابِلَ لِتَبَلْبُلِ الْأَلْسِنَةِ بِهَا عِنْدَ سُقُوطِ صَرْحِ نُمْرُودَ، أَيْ: تَفَرُّقِهَا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَابِلُ أَرْضِ الْكُوفَةِ، وَقِيلَ: جَبَلُ دَمَاوَنْدَ [4] ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ: عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِالْفَتْحِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ تَعْلِيمُ السِّحْرِ مِنَ الملكين [5] ؟ قِيلَ: لَهُ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا لَا يَتَعَمَّدَانِ التَّعْلِيمَ لَكِنْ يَصِفَانِ السِّحْرَ، وَيَذْكُرَانِ بُطْلَانَهُ وَيَأْمُرَانِ بِاجْتِنَابِهِ، وَالتَّعْلِيمُ: بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَالشَّقِيُّ يَتْرُكُ نَصِيحَتَهُمَا وَيَتَعَلَّمُ السِّحْرَ مِنْ صَنْعَتِهِمَا، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَمَنْ شَقِيَ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ مِنْهُمَا [وَيَأْخُذُهُ عَنْهُمَا وَيَعْمَلُ بِهِ] [6] فَيَكْفُرُ بِهِ، وَمِنْ سَعِدَ يَتْرُكُهُ، فَيَبْقَى عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَزْدَادُ الْمُعَلِّمَانِ بِالتَّعْلِيمِ عَذَابًا فَفِيهِ ابْتِلَاءٌ لِلْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، وَلِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ فَلَهُ الْأَمْرُ وَالْحُكْمُ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: هارُوتَ وَمارُوتَ: هما اسْمَانِ سُرْيَانِيَّانِ وَهُمَا فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَلَكَيْنِ إِلَّا أنهما نصبا لعجمتهما

_ (1) في نسخ المطبوع «ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» والمثبت عن المخطوط وكتب القراءات. (2) هذا قول باطل ليس بشيء. والصواب كما قال المصنف: هو تخييل. (3) العلج: الرجل من كفّار العجم- ومعنى الكافر: الزارع كما في «القاموس» . (4) في المخطوط «دبناوند» . (5) في المطبوع «الملئكة» . (6) سقط من المطبوع وحده.

وَمَعْرِفَتِهِمَا، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمَا عَلَى مَا: ع «72» ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رَأَوْا مَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ الخبيثة في

_ 72- ع لا أصل له في المرفوع. وإنما هو من الإسرائيليات. عزاه المصنف لابن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. - وورد مرفوعا من وجوه متعددة منها حديث ابن عمر أخرجه الطبري 1691 وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 86) والذهبي في «الميزان» (3567) من طريق سنيد بن داود عن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وهذا إسناد ساقط. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والفرج بن فضالة قد ضعفه يحيى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، وأما سنيد، فقد ضعفه أبو داود، وقال النسائي: ليس بثقة اهـ. وقد استغربه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 143) جدا. - وورد من وجه آخر أخرجه أحمد 2/ 134 والبزاز (2938) «كشف» وابن حبان 6186 والبيهقي 1/ 4- 5 كلهم من طريق يحيى بن أبي بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا بنحوه وأتم، وهذا إسناد ساقط، زهير بن محمد مختلف فيه، وقد ضعفه غير واحد، واتفقوا على أنه روى مناكير، والظاهر أن هذا منها، فقد خالفه موسى بن عقبة، وهو أوثق منه وأحفظ، فجعله عن ابن عمر عن كعب الأحبار. كذا أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (97) وعنه الطبري 1687 كلاهما عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، وهذا إسناد كالشمس، لا غبار عليه البتة. وكرره الطبريّ 1688 عن عبد العزيز بن مختار، عن موسى به، وقد قدح في رفع الحديث البزار والبيهقي وغيرهما. قال البزار عقب الحديث: رواه بعضهم عن نافع، عن ابن عمر موقوفا، وإنما أتى رفع هذا عندي من زهير لأن لم يكن بالحافظ. وكذا ذكر البيهقي، وهو الذي اختاره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 143) والعجب أن البيهقي أخرجه في «الشعب» (163) عن موسى بن جبير، عن موسى بن عقبة به مرفوعا، لكن فيه محمد بن يونس الكديمي، وهو متروك كذاب، والحمل عليه في هذا الحديث. ثم كرره البيهقي 164 عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، وصوّبه. - وورد حديث ابن عمر من وجه آخر. أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 143) وإسناده ساقط فيه موسى بن سرجس، وهو مجهول، وفيه هشام بن علي بن هشام، وثقه ابن حبان وحده على قاعدته في توثيق المجاهيل، وسعيد بن سلمة، وإن روى له مسلم فقد ضعفه النسائي، وجهله ابن معين. - ولحديث ابن عمر شاهد من حديث علي أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 185- 186) وقال: موضوع والمتهم به مغيث. قال الأزدي خبيث كذاب. - وبهذا الإسناد أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 143) وكرره ابن مردويه من وجه آخر، وفيه جابر الجعفي، وهو متروك، وقد كذبه أبو حنيفة رحمه الله. قال الحافظ ابن كثير: لا يصح، وهو منكر جدا. - وقد جاء موقوفا ومقطوعا، فقد أخرجه الطبري 1684 عن ابن عباس، وفيه أبو شعبة العدوي، وهو مجهول، وكرره الطبري 1685 عن ابن مسعود وابن عباس، وفيه علي بن زيد ضعيف روى مناكير. - وكرره برقم 1686 عن علي، وقد استغربه ابن كثير 1/ 143 جدا، وأعله ابن حزم في «الملل» بعمير بن سعيد واتهمه بهذا الحديث، وأنه كذب. - وكرره الطبري 1687 عن ابن عمر، عن كعب الأحبار، بإسناد كالشمس وقد تقدم. وكرره 1689 عن السدي قوله و1690 عن الربيع قوله و1692 عن مجاهد قوله، وهو الراجح. فهو باطل مرفوعا، وإنما هو عن كعب الأحبار، وعنه أخذه مجاهد وغيره، ولا أصل له في المرفوع، ولهذا لم يروه البغوي مرفوعا، وقد قدح بصحته ابن العربي في «أحكام القرآن» حيث قال: إنما سقنا هذا الخبر لأن العلماء رووه ودونوه، وتحقيق القول أنه لم يصح سنده. أورده القرطبي أيضا في «تفسيره» (2/ 52) حيث قال: هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء اهـ. باختصار. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي بتخريجي رقم (31) و «تفسير الشوكاني» (200) بتخريجي، والله الموفق. الخلاصة: هو حديث باطل لا أصل له، والظاهر أنه من أساطير الإسرائيليين وافتراءاتهم، ومصدره كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وغيرهما ممن يروي الإسرائيليات.

زَمَنِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَعَيَّرُوهُمْ وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلْتَهُمْ فِي الْأَرْضِ [خَلِيفَةً] [1] وَاخْتَرْتَهُمْ، فَهُمْ يَعْصُونَكَ [بأنواع المعاصي] [2] ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْتُكُمْ إِلَى الْأَرْضِ وَرَكَّبْتُ فِيكُمْ مَا ركبت فيهم لارتكبتم مثل ما ارتكبوا، فَقَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لنا أن نعصيك، قال اللَّهُ تَعَالَى: فَاخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ خِيَارِكُمْ أُهْبِطُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَكَانَا مِنْ أَصْلَحِ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْبَدِهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ: اخْتَارُوا ثَلَاثَةً فَاخْتَارُوا عَزَا [3] وَهُوَ هَارُوتُ وَعَزَايَا وهو ماروت، غيّرا اسْمُهُمَا لَمَّا قَارَفَا الذَّنْبَ [وَعَزَائِيلَ] [4] ، فَرَكَّبَ اللَّهُ فِيهِمُ الشَّهْوَةَ وَأَهْبَطَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَأَمَّا عَزَائِيلُ فَإِنَّهُ لِمَا وَقَعَتِ الشَّهْوَةُ فِي قَلْبِهِ استقال [5] رَبَّهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَقَالَهُ، فَسَجَدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ وَلَمْ يَزَلْ بَعْدُ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَإِنَّهُمَا ثَبَتَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَا يَقْضِيَانِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَهُمَا، فَإِذَا أَمْسَيَا ذَكَرَا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ وَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَمَا مَرَّ عَلَيْهِمَا شَهْرٌ حَتَّى افْتَتَنَا، قالوا جميعا، وذلك أنه اختصم إِلَيْهِمَا ذَاتَ يَوْمٍ الزُّهْرَةُ وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، قَالَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَكَانَتْ مَلِكَةً فِي بَلَدِهَا، فَلَمَّا رَأَيَاهَا أَخَذَتْ بِقُلُوبَهُمَا، فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ وَانْصَرَفَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَفَعَلَا مِثْلَ ذَلِكَ فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَعْبُدَا مَا أَعْبُدُ وَتُصَلِّيَا لِهَذَا الصَّنَمِ، وَتَقْتُلَا النَّفْسَ وَتَشْرَبَا الْخَمْرَ، فَقَالَا: لَا سَبِيلَ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَانَا عَنْهَا، فَانْصَرَفَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَمَعَهَا قَدَحٌ مِنْ خَمْرٍ وَفِي أَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهَا مَا فِيهَا، فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَعَرَضَتْ عَلَيْهِمَا مَا قَالَتْ بِالْأَمْسِ، فَقَالَا: الصَّلَاةُ لِغَيْرِ اللَّهِ عَظِيمٌ وَقَتْلُ النَّفْسِ عَظِيمٌ، وَأَهْوَنُ الثَّلَاثَةِ شُرْبُ الْخَمْرِ فَشَرِبَا الْخَمْرَ فَانْتَشَيَا وَوَقَعَا بِالْمَرْأَةِ، فَزَنَيَا فَلَمَّا فَرَغَا رَآهُمَا إِنْسَانٌ فَقَتْلَاهُ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ، فَمَسَخَ اللَّهُ الزُّهْرَةَ كَوْكَبًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَاءَتْهُمَا امْرَأَةٌ من أحسن الناس [وجها] [6] تخاصم زوجا لها، فَقَالَ أَحَدُهَمَا لِلْآخَرِ: هَلْ سَقَطَ فِي نَفْسِكَ مِثْلُ الَّذِي سَقَطَ فِي نَفْسِي [مِنْ حُبِّ هَذِهِ] [7] ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَهَلْ لَكَ أَنْ تَقْضِيَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا فَقَالَتْ: لا إلا أن تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها ثُمَّ سَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَقْتُلَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، فَقَتَلَاهُ ثُمَّ سَأَلَاهَا [8] نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا إلّا إِنَّ لِي [9] صَنَمًا أَعْبُدُهُ [10] إِنْ أنتما صلّيتما معي له [11]

_ (1) زيد في المطبوع. [.....] (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «عزرائيل» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «استقبل» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع «سألاهم» . (9) في المطبوع «لنا» . (10) في المطبوع «تعبده» . (11) في المطبوع «عنده» .

فَعَلْتُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مِثْلَ القول الأول، وقال صاحبه مثله، فصليا [1] معها فمسخت شهابا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا قَالَتْ لَهُمَا [حِينَ سَأَلَاهَا عن نَفْسَهَا] [2] : لَنْ تُدْرِكَانِي حَتَّى تُخْبِرَانِي بِالَّذِي تَصْعَدَانِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فقالا باسم الله الأعظم [3] ، قالت: فما أنتما بمدركي حَتَّى تُعَلِّمَانِيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: عَلِّمْهَا، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ [رَبَّ الْعَالَمِينَ] [4] ، قَالَ الْآخَرُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَعَلَّمَاهَا ذَلِكَ، فتكلّمت به وصعدت إِلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهَا اللَّهُ كَوْكَبًا، وذهب بعضهم إلى أنها هي الزُّهْرَةُ بِعَيْنِهَا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ هَذَا وَقَالُوا: إِنَّ الزُّهْرَةَ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، فَقَالَ: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) [التَّكْوِيرِ: 15- 16] ، وَالَّتِي فَتَنَتْ هَارُوتَ وماروت [إنما هي] [5] امْرَأَةٌ كَانَتْ تُسَمَّى الزُّهْرَةَ لِجَمَالِهَا، فَلَمَّا بَغَتْ مَسْخَهَا اللَّهُ تَعَالَى شِهَابًا، قَالُوا: فَلَمَّا أَمْسَى هَارُوتُ وماروت بعد ما قَارَفَا الذَّنْبَ هَمَّا بِالصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ تُطَاوِعْهُمَا أَجْنِحَتُهُمَا، فَعَلِمَا مَا حَلَّ بِهِمَا [مِنَ الْغَضَبِ] [6] فَقَصَدَا إِدْرِيسَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْبَرَاهُ بِأَمْرِهِمَا وَسَأَلَاهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَا لَهُ: إِنَّا رَأَيْنَاكَ يَصْعَدُ لك من العبادة [7] مِثْلَ مَا يَصْعَدُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الأرض فاشفع [8] لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَخَيَّرَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا إِذْ عَلِمَا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ فَهُمَا بِبَابِلَ يُعَذَّبَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَذَابِهِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هُمَا مُعَلَّقَانِ بِشُعُورِهِمَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: رؤوسهما منصوبة تَحْتَ أَجْنِحَتِهِمَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُبِّلَا مِنْ أَقْدَامِهِمَا إِلَى أُصُولِ أَفْخَاذِهِمَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جُعِلَا فِي جُبٍّ ملئ نارا. قال عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: مَنْكُوسَانِ يُضْرَبَانِ بسياط الْحَدِيدِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَصَدَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ فَوَجَدَهُمَا مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا مُزْرَقَّةً أَعْيُنُهُمَا مُسْوَدَّةً جُلُودُهُمَا، لَيْسَ بَيْنَ أَلْسِنَتِهِمَا وَبَيْنَ الْمَاءِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ، وَهُمَا يُعَذَّبَانِ بِالْعَطَشِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ هَالَهُ مَكَانُهُمَا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَمَّا سُمِعَا كَلَامَهُ قَالَا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، قَالَا: مِنْ أَيِّ أُمَّةٍ [أَنْتَ] ؟ قَالَ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، قالا: أو قد بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَا: الْحَمْدُ لله وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: وبم استبشاركما؟ قال: إِنَّهُ نَبِيُّ السَّاعَةِ وَقَدْ دَنَا انقضاء عذابنا. وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ، أَيْ: أحدا ومِنْ صلة حَتَّى: ينصحاه أولا، يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ: ابْتِلَاءٌ ومحنة، فَلا تَكْفُرْ، أي: فلا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ فَتَعْمَلَ بِهِ فَتَكْفُرَ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، إِذَا أَذَبْتُهُمَا بِالنَّارِ لِيَتَمَيَّزَ الْجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ، وَإِنَّمَا وَحَّدَ الْفِتْنَةَ وَهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يَقُولَانِ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: فَإِنْ أَبَى إِلَّا التَّعَلُّمَ قَالَا لَهُ: ائْتِ هَذَا الرماد فبل عَلَيْهِ فَيَخْرُجُ مِنْهُ نُورٌ سَاطِعٌ فِي [9] السَّمَاءِ، فَذَلِكَ نُورُ الْمَعْرِفَةِ، وَيَنْزِلُ شَيْءٌ أَسْوَدُ شِبْهُ الدُّخَانِ حَتَّى يَدْخُلَ مَسَامِعَهُ، وَذَلِكَ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا أَحَدٌ وَيَخْتَلِفُ [فِيمَا] [10] بَيْنَهُمَا شَيْطَانٌ في كل مسألة

_ (1) في المطبوع وحده «فصلبا» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «الأكبر» . (4) سقط من المطبوع. [.....] (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «العبادات» . (8) في المطبوع «فاستشفع» . (9) في المخطوط «إلى» . (10) زيد في نسخ المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 103 الى 104]

اخْتِلَافَةً وَاحِدَةً، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وهو أَنْ يُؤْخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ صاحبه ويبغض كل واحد منهما [1] صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما هُمْ، قِيلَ: أَيِ السَّحَرَةُ، وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ، بِضارِّينَ بِهِ، أَيْ: بِالسِّحْرِ مِنْ أَحَدٍ، أَيْ: أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ: بِعِلْمِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَالسَّاحِرُ يَسْحَرُ وَاللَّهُ يُكَوِّنُ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ إِلَّا بِقَضَائِهِ وقدره وَمَشِيئَتِهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ، يَعْنِي: السِّحْرَ يَضُرُّهُمْ، وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ، لَمَنِ اشْتَراهُ، أَيِ: اخْتَارَ السِّحْرَ، مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أي: في الجنة، مِنْ خَلاقٍ مِنْ نَصِيبٍ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ: بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، حَظَّ أنفسهم حيث اختاروا السحر وَالْكُفْرَ عَلَى الدِّينِ وَالْحَقِّ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ بعد ما أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا؟ قِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَلَقَدْ عَلِمُوا، يَعْنِي: الشَّيَاطِينَ، وَقَوْلُهُ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا فِي الْيَهُودِ لَكِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا علموا، فكأنهم لم يعلموا. [سورة البقرة (2) : الآيات 103 الى 104] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَاتَّقَوْا: الْيَهُودِيَّةَ وَالسِّحْرَ، لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ: لَكَانَ ثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ خَيْرًا لَهُمْ، لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا راعِنا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَ الْمُرَاعَاةِ، أَيْ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ، أَيْ: فَرِّغْ سمعك لكل منّا، يقال: أرعى إلى [2] الشيء وأرعاه، أَيْ: أَصْغَى إِلَيْهِ وَاسْتَمَعَهُ، وَكَانَتْ هذه اللفظة سبا قَبِيحًا بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: كَانَ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمُ: اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ، وقيل: هي من الرعونة، كانوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قالوا [له] : راعنا، يعني [3] : يَا أَحْمَقُ فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا فَأَعْلِنُوا بِهِ الْآنَ، فَكَانُوا يَأْتُونَهُ وَيَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا مُحَمَّدُ وَيَضْحَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَسَمِعَهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَفَطِنَ لَهَا وَكَانَ يَعْرِفُ لُغَتَهُمْ، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: لَئِنْ سمعتها من أحد منكم يقولها لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأضربنّ عنقه، فقالوا: أو لستم تَقُولُونَهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا تَقُولُوا راعِنا لكيلا يَجِدَ الْيَهُودُ بِذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى شَتْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُولُوا انْظُرْنا، أَيِ: انْظُرْ إِلَيْنَا، وَقِيلَ: انْتَظِرْنَا وَتَأَنَّ بِنَا، يُقَالُ نَظَرْتُ فُلَانًا وَانْتَظَرْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الْحَدِيدِ: 13] ، قَالَ مُجَاهِدٌ: معناها [4] فهمنا، وَاسْمَعُوا: مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَأَطِيعُوا، وَلِلْكافِرِينَ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، عَذابٌ أَلِيمٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106] مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا إِذَا قَالُوا لِحُلَفَائِهِمْ

_ (1) في المطبوع «إلى» . (2) في المطبوع وحده «الله» . (3) في المطبوع «بمعنى» . (4) في المطبوع وحده «معناه» .

مِنَ الْيَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ بِخَيْرٍ مما نحن عليه، وَلَوَدِدْنَا لَوْ كَانَ خَيْرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ مَا يَوَدُّ، [أي] [1] : ما يحب [2] وما يتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، يَعْنِي الْيَهُودَ، وَلَا الْمُشْرِكِينَ، جَرَّهُ بِالنَّسَقِ عَلَى (مِنْ) أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ: خَيْرٌ وَنُبُوَّةٌ، ومِنْ، صِلَةٌ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ: بِنُبُوَّتِهِ، مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَالْفَضْلُ ابْتِدَاءُ إِحْسَانٍ بِلَا عِلَّةٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْإِسْلَامُ وَالْهِدَايَةُ، وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِوُدِّ اليهود ومحبّتهم [3] ، وأمّا المشركون، فإنما لم يقع بِوُدِّهِمْ لِأَنَّهُ جَاءَ بِتَضْلِيلِهِمْ [4] وَعَيْبِ آلهتهم، [فنزلت الآية فيه] [5] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عنه، ويأمر بخلاف ما يقوله، [فما يَقُولُهُ] [6] [إِلَّا] مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، يَقُولُ الْيَوْمَ قَوْلًا وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ [النحل: 101] ، قالوا إنما أنت مفتر، فأنزل مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها، فبيّن وجه الحكمة في النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ شَيْئَانِ، أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّحْوِيلِ وَالنَّقْلِ، وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ يُحَوَّلَ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ الْقُرْآنِ مَنْسُوخٌ، لِأَنَّهُ نُسِخَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَالثَّانِي: يَكُونُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ، يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، أَيْ: ذَهَبَتْ بِهِ وَأَبْطَلَتْهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْقُرْآنِ نَاسِخًا وَبَعْضُهُ مَنْسُوخًا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ، وَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَثْبُتَ الْخَطُّ وَيُنْسَخَ الْحُكْمُ، مِثْلَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ، وَآيَةِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِالْحَوْلِ، وَآيَةِ التَّخْفِيفِ فِي الْقِتَالِ، وَآيَةِ الْمُمْتَحِنَةِ، وَنَحْوِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ: مَا نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا وَمِنْهَا: أَنْ يرفع تِلَاوَتُهَا وَيَبْقَى حُكْمُهَا، مِثْلَ آيَةِ الرجم، ومنها أن يرفع أَصْلًا عَنِ الْمُصْحَفِ وَعَنِ الْقُلُوبِ، كما: ع «73» رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قاموا ليلة ليقرؤوا سُورَةً فَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَغَدَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ سورة رفعت بتلاوتها وَأَحْكَامُهَا» ، وَقِيلَ: كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ مِثْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَرُفِعَ أَكْثَرُهَا تِلَاوَةً وَحُكْمًا، ثُمَّ مِنْ نَسْخِ الْحُكْمِ مَا يُرْفَعُ وَيُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا أَنَّ الْقِبْلَةَ نُسِخَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ نُسِخَتْ بِالْمِيرَاثِ، وَعِدَّةُ الوفاء نُسِخَتْ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى أَرْبَعَةِ أشهر وعشر،

_ 73- ع ضعيف. أخرجه ابن الأنباري في «المصاحف» كما في «تفسير ابن كثير» (4/ 154- 155) ، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد الله، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعقيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أمامة ابن سهل بن حنيف. وفي إسناده عبد الله بن صالح روى مناكير كثيرة بسبب جار له كان يدس في كتبه، وله علة ثانية: أبو أمامة هذا له رؤية، ولم يسمع مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم كما في «التقريب» . (1) زيد في المطبوع وحده. (2) في المطبوع «ما يجب» وهو تصحيف ظاهر. (3) زيد في المخطوط وط- هاهنا «فنزلت الآية» والصواب أنه في آخر القول. [.....] (4) في المطبوع وحده بتفضيحهم. (5) في المخطوط تقدم مكان العبارة. (6) سقط من نسخ المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 107 الى 108]

ومصابرة الواحد العشرة [1] فِي الْقِتَالِ، نُسِخَتْ بِمُصَابَرَةِ الِاثْنَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يُرْفَعُ وَلَا يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَامْتِحَانِ النِّسَاءِ، وَالنَّسْخُ إنما يعرض [2] عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دُونَ الْأَخْبَارِ، أما الْآيَةِ فَقَوْلُهُ: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ والسين، مِنَ النَّسْخِ، أَيْ: نَرْفَعُهَا [3] ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ [4] بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ، مِنَ الْإِنْسَاخِ وَلَهُ وَجْهَانِ، أحدهما: نَجْعَلَهُ كَالْمَنْسُوخِ [5] ، وَالثَّانِي: أَنْ نَجْعَلَهُ نُسْخَةً لَهُ، يُقَالُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ، أَيْ: كَتَبْتُهُ، وَأَنْسَخْتُهُ غَيْرِي: إِذَا جَعَلْتُهُ نُسْخَةً لَهُ، أَوْ نُنْسِها، أي: ننسها عن [6] قَلْبِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَتْرُكُهَا لَا نَنْسَخُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التَّوْبَةِ: 67] ، أَيْ: تَرَكُوهُ فَتَرَكَهُمْ، وَقِيلَ: نُنْسِها، أَيْ: نَأْمُرُ بِتَرْكِهَا، يُقَالُ: أَنْسَيْتُ الشَّيْءَ، إِذَا أَمَرْتُ بِتَرْكِهِ، فَيَكُونُ النَّسْخُ الْأَوَّلُ مِنْ رَفْعِ الْحُكْمِ وَإِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، والإنساء يكون نسخا مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «أو ننسأها» بفتح النون الأولى [7] وَالسِّينِ مَهْمُوزًا، أَيْ: نُؤَخِّرُهَا فَلَا نُبَدِّلُهَا، يُقَالُ: نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ وَأَنْسَأَ اللَّهُ أَجَلَهُ. وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا نَرْفَعُ تِلَاوَتَهَا وَنُؤَخِّرُ حُكْمَهَا كَمَا فَعَلَ فِي آيَةِ الرَّجْمِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّسْخُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى رَفْعِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَمَّا مَا نُسِخَ مِنْ آيَةٍ فَهُوَ مَا قَدْ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، جَعَلَاهُ: مِنَ النَّسْخَةِ أَوْ نَنْسَأَهَا أَيْ نُؤَخِّرُهَا وَنَتْرُكُهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فلا تَنْزِلُ. نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها، أَيْ: بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ وَأَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَأَكْثَرُ لِأَجْرِكُمْ، لَا أَنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَكُلُّهُ خَيْرٌ، أَوْ مِثْلِها: فِي الْمَنْفَعَةِ وَالثَّوَابِ، فَكُلُّ مَا نُسِخَ إِلَى الْأَيْسَرِ فَهُوَ أَسْهَلُ فِي الْعَمَلِ، وَمَا نُسِخَ إِلَى الْأَشَقِّ فَهُوَ فِي الثَّوَابِ أَكْثَرُ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: مِنَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ، أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ. [سورة البقرة (2) : الآيات 107 الى 108] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ: يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ، مِنْ دُونِ اللَّهِ: مِمَّا سِوَى اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ: قَرِيبٍ وَصَدِيقٍ، وَقِيلَ: [مِنْ] [8] وَالٍ، وَهُوَ الْقَيِّمُ بِالْأُمُورِ، وَلا نَصِيرٍ: نَاصِرٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. قَوْلُهُ: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِكِتَابٍ من السماء جملة [واحدة] [9] كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: أَمْ تُرِيدُونَ، يَعْنِي: أَتُرِيدُونَ، فَالْمِيمُ صِلَةٌ، وَقِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ، سَأَلَهُ قَوْمُهُ [فقالوا] [10] أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153] ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا، كَمَا أَنَّ مُوسَى سَأَلَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً، فَفِيهِ مَنْعُهُمْ عَنِ السؤالات المقترحة بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ. وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ: يَسْتَبْدِلُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ: أَخَطْأَ وَسَطَ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: قَصْدَ السبيل.

_ (1) في المخطوط «للعشر» . (2) في المطبوع «يعترض» . (3) في المطبوع «ترفعا» . (4) في المطبوع «عاصم» . (5) في المطبوع «في المنسوخ» . (6) في المخطوط «نثبتها على» . (7) في نسخ المطبوع «الأول» . (8) سقط من المطبوع وحده. (9) زيادة عن المخطوط. (10) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110]

[سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، الآية. ع «74» نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، قَالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ مَا هُزِمْتُمْ فَارْجِعَا إِلَى دِينِنَا فَنَحْنُ أَهْدَى سَبِيلًا مِنْكُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ الْعَهْدِ فِيكُمْ؟ قالوا: شديدا، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ أَنْ لَا أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عِشْتُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَبَأَ، وَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَّا أَنَا فَقَدَ رضيت بالله تعالى رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَصَبْتُمَا الْخَيْرَ وَأَفْلَحْتُمَا» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، أَيْ: تَمَنَّى وَأَرَادَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ: لَوْ يَرُدُّونَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً، نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: يَحْسُدُونَكُمْ حَسَدًا، مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِدْقٌ وَدِينُهُ حَقٌّ، فَاعْفُوا: فَاتْرُكُوا وَاصْفَحُوا، وَتَجَاوَزُوا، فَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ، وَالصَّفْحُ: الْإِعْرَاضُ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الْقِتَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، بِعَذَابِهِ الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ لِبَنِي قُرَيْظَةَ وَالْجَلَاءُ وَالنَّفْيُ لِبَنِي النَّضِيرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ فِي قَوْلِهِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إِلَى قَوْلِهِ: وَهُمْ صاغِرُونَ [التَّوْبَةِ: 29] ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِعِلْمِهِ وَحُكْمِهِ فِيهِمْ، حَكَمَ لِبَعْضِهِمْ بِالْإِسْلَامِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا: تُسْلِفُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ: طَاعَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [تجدوا ثوابه عِنْدَ اللَّهِ] [1] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَالَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً [الْبَقَرَةِ: 180] ، وَأَرَادَ: مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ حَتَّى الثَّمَرَةَ وَاللُّقْمَةَ مِثْلَ أُحُدٍ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 113] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً، أَيْ: يَهُودِيًّا، قَالَ الْفَرَّاءُ: حَذَفَ الْيَاءَ الزائدة ورجع إلى

_ 74- ع غريب جدا. قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 176) : لم أجده مسندا، وهو في «تفسير الثعلبي» كذلك بلا سند ولا راو. [.....] (1) سقط من نسخ المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 115]

الْفِعْلِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْهُودُ: جَمْعٌ هَائِدٍ، مِثْلَ عَائِدٍ وَعُودٍ وَحَائِلٍ وَحُولٍ، أَوْ نَصارى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا [1] وَلَا دِينَ إِلَّا [دِينُ] [2] الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَا دِينَ إِلَّا [دِينُ] [3] النَّصْرَانِيَّةِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نجران [و] كانوا نَصَارَى، اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْيَهُودِ، فَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ، أَيْ: شَهَوَاتُهُمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، قُلْ: يَا مُحَمَّدُ هاتُوا، أَصْلُهُ: آتُوا، بُرْهانَكُمْ: حُجَّتَكُمْ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ الْحُكْمُ لِلْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، [أَيْ: أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ لِلَّهِ] [4] ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ الِاسْتِسْلَامُ وَالْخُضُوعُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ إِذَا جَادَ بِوَجْهِهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَبْخَلْ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: فِي عَمَلِهِ، وَقِيلَ: مُؤْمِنٌ، وَقِيلَ: مُخْلِصٌ، فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. قَوْلُهُ: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ لِمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ فَتَنَاظَرُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَتْ لَهُمُ الْيَهُودُ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَتْ لَهُمُ النَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ، وَكِلَا الفريقين يقرؤون الكتاب، وقيل: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ [5] هَذَا الِاخْتِلَافُ، فَدَلَّ تِلَاوَتُهُمُ الْكِتَابَ وَمُخَالَفَتُهُمْ مَا فِيهِ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ، كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْنِي: آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا، مِثْلَ قَوْلِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي عَوَامُّ النَّصَارَى، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، كَذَلِكَ قَالُوا فِي نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: يَقْضِي بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ [6] ، فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: مِنَ الدِّينِ. [سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 115] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115) قَوْلُهُ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ، الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي طَيْطُوسَ بْنِ إِسْبِيسَبَانُوسَ الرُّومِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَزَوْا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوا مُقَاتَلِتَهُمْ وَسَبَوْا ذَرَّارِيهِمْ وَحَرَّقُوا التَّوْرَاةَ وَخَرَّبُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَذَفُوا فِيهِ الْجِيَفَ وَذَبَحُوا فِيهِ الْخَنَازِيرَ، فَكَانَ خَرَابًا إِلَى أَنْ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ بُخْتُنَصَّرُ وَأَصْحَابُهُ غَزَوُا الْيَهُودَ وَخَرَّبُوا بيت المقدس،

_ (1) في المطبوع وحده «هودا» . 2 زيادة في نسخ المطبوع. 3 زيادة في نسخ المطبوع. (4) زيد في نسخ المطبوع. (5) في المخطوط «كتابهم» . (6) زيد في المخطوط «يوم القيامة» .

وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ النَّصَارَى طَيْطُوسُ [1] الرُّومِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ، قَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَقَالَ قتادة: حملهم بغض الْيَهُودِ عَلَى مُعَاوَنَةِ بُخْتُنَصَّرَ الْبَابِلِيِّ الْمَجُوسِيِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ، أَيْ: أَكْفَرُ [وَأَعْتَى] [2] مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَمُحَارِيبَهُ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَوْضِعُ حَجِّ النَّصَارَى وَمَحَلُّ زيارتهم، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمْ يَدْخُلْهَا، يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، بَعْدَ عِمَارَتِهَا رُومِيٌّ إِلَّا خائفا لو علم به قتل، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى إلا متنكرا [3] لَوْ قُدِرَ عَلَيْهِ لَعُوقِبَ، قَالَ السُّدِّيُّ: [4] : أُخِيفُوا بِالْجِزْيَةِ. وَقِيلَ: هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: أَجْهَضُوهُمْ بِالْجِهَادِ حَتَّى لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا خَائِفًا مِنَ الْقَتْلِ أو السبي، أَيْ: مَا يَنْبَغِي، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ: عَذَابٌ وَهَوَانٌ، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْقَتْلُ لِلْحَرْبِيِّ وَالْجِزْيَةُ للذمي، قال مقاتل والكلبي: يفتح [5] مدائنهم الثلاث [6] قُسْطَنْطِينِيَّةُ وَرُومِيَّةُ وَعَمُّورِيَةُ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو النَّارُ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَأَرَادَ بِالْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ حَجِّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، [وَإِذَا منعوا من يعمره بذكره فَقَدْ سَعَوْا فِي خَرَابِهِ] [7] ، أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ، يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، يَقُولُ أَفْتَحُهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوهَا وَتَكُونُوا أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ، فَفَتَحَهَا عليهم. ع «75» وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي: «أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ» ، فَهَذَا خَوْفُهُمْ، وَثَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مُشْرِكٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ الذُّلُّ وَالْهَوَانُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ والنفي. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ع 7» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَتَحَرَّوُا الْقِبْلَةَ وَصَلَّوْا، فَلَمَّا ذَهَبَ الضَّبَابُ اسْتَبَانَ لَهُمْ

_ 75- ع أخرجه البخاري 369 ومسلم 1347 وغيرهما في أثناء حديث ويأتي في مطلع سُورَةِ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى. 76- ع أخرجه ابن مردويه من حديث الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس بنحوه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 164) . وإسناده ساقط لأجل الكلبي وورد بنحوه أخرجه الترمذي 345 وابن ماجه 1020 والطيالسي 1145 والدارقطني (1/ 272) وأبو نعيم (1/ 179) والطبري (1843) و (1845) والبيهقي (2/ 11) من حديث عامر بن ربيعة وفيه أشعث بن سعيد، وبه أعلّه الترمذي، وتوبع عند الطيالسي، وإنما علته عاصم بن عبيد الله، وهو واه. - وورد من حديث جابر أخرجه الدارقطني (1/ 72) والحاكم (1/ 206) والبيهقي (2/ 10 و12) وإسناده ضعيف لضعف أبي سهل. - وورد من طرق ضعيفة تبلغ بالحديث درجة الحسن كما قال الحافظ ابن كثير (1/ 163) وانظر مزيد الكلام عليه في تفسير ابن كثير وتفسير الشوكاني 211 وكلاهما بتخريجي، والله الموفق. (1) في المطبوع «ططوس» . (2) سقط من المطبوع. (3) في المطبوع «مستنكرا» . (4) في المطبوع وحده «سيدى» وفي المخطوط «سدي» وكلاهما خطأ. (5) في المطبوع «تفتح» . [.....] (6) في المطبوع «الثلاثة» . (7) ما بين المعقوفتين في المطبوع «وإذا مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم من أن يعمره يذكر الله فقد سعوا في خرابهم» .

[سورة البقرة (2) : آية 116]

أَنَّهُمْ لَمْ يُصِيبُوا، [وَأَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي تَحَرِّيهِمْ] [1] ، فَلَمَّا قَدِمُوا سَأَلُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. «77» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ [أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ السَّرَخْسِيُّ] [2] ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ. وقال عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: [لِمَا] [3] صُرِفَتِ القبلة إلى الكعبة وعيّرت الْيَهُودُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالُوا: لَيْسَتْ لَهُمْ قِبْلَةٌ [مَعْلُومَةٌ] [4] فَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: لِمَا نَزَلَتْ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غَافِرٍ: 60] ، قَالُوا: أَيْنَ نَدْعُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة: 115] ، مُلْكًا وَخَلْقًا فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، يَعْنِي: أَيْنَمَا تُحَوِّلُوا وجوهكم فَثَمَّ، أي: هناك وجه اللَّهِ [5] ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَثَمَّ اللَّهُ يعلم ويرى وَجْهُ صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَصِ: 88] ، أَيْ: إِلَّا هُوَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، وَالْوَجْهُ وَالْوُجْهَةُ وَالْجِهَةُ: الْقِبْلَةُ، وَقِيلَ: رِضَا اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ، أَيْ: غَنِيٌّ يُعْطِي مِنَ السِّعَةِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: [الْوَاسِعُ] [6] : الْجَوَادُ الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَاسِعُ المغفرة، عَلِيمٌ بنيّاتهم حيث ما صلوا ودعوا. [سورة البقرة (2) : آية 116] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، قرأ ابن عامر «قالوا» بلا واو، وقرأ الباقون [7] : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ قَالُوا عزيز ابْنُ اللَّهِ، وَفِي نَصَارَى نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، سُبْحانَهُ، نَزَّهَ وعظّم نفسه. ع «78» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا محمد بن إسماعيل

_ 77- إسناده صحيح على شرطهما، أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر. خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 151) عن ابن دينار بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (1096) ومسلم (700) والنسائي (1/ 244 و2/ 61) والشافعي (1/ 66- 67) وأبو عوانة (2/ 343) وأحمد (2/ 46 و66) وابن حبان (2517) والبيهقي (2/ 4) من طرق عن ابن دينار به. - وورد بنحوه من وجه آخر عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر. أخرجه مسلم (700) ح (39) وأبو داود 1224 والنسائي (1/ 243 و244) و (2/ 61) وابن خزيمة (1090) وابن الجارود (270) وابن حبان (2421) والبيهقي (2/ 491) . 78- إسناده على شرط البخاري، شعيب هو ابن أبي حمزة، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4482) عن أبي اليمان بهذا الإسناد. - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (3193 و4974) و (4975) والنسائي في «الكبرى» (766 و7667) وأحمد (2/ 393 و394 و350) وابن حبان (267) وابن أبي عاصم في «السنة» (693) و «البغوي» 41. - وله شاهد آخر من حديث أنس عند ابن خزيمة في «التوحيد» (ص 383- 384) . (1) سقط من المطبوع. (2) سقط من المخطوط. (3) سقط من المطبوع وحده. (4) سقط من المطبوع. (5) في المخطوط «رحمة» . (6) زيد في نسخ المطبوع. (7) في المطبوع «الآخرون» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 117 الى 119]

أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] [1] بْنِ أَبِي حسين [عَنْ] [2] نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا» ، قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلْ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: عَبِيدًا وَمُلْكًا [3] ، كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: مُطِيعُونَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَائِمُونَ بِالشَّهَادَةِ، وَأَصْلُ القنوت القيام. ع «79» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ» . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ خَاصٌّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، لأن لفظ كل يقتضي الْإِحَاطَةَ بِالشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ سَلَكُوا فِي الْكُفَّارِ طَرِيقَيْنِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرَّعْدِ: 15] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، دَلِيلُهُ: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه: 111] ، وَقِيلَ: قانِتُونَ: مُذَلَّلُونَ مُسَخَّرُونَ لِمَا خُلِقُوا لَهُ. [سورة البقرة (2) : الآيات 117 الى 119] بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) قوله عزّ وجلّ: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أي: مبدعهما ومنشئهما [4] مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، وَإِذا قَضى أَمْراً، أَيْ: قَدَّرَهُ، وَقِيلَ: أحكمه وَأَتْقَنَهُ، وَأَصْلُ الْقَضَاءِ: الْفَرَاغُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ مَاتَ: قُضِيَ عَلَيْهِ لِفَرَاغِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ، لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ تقديرا أو تدبيرا، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «كُنْ فَيَكُونَ» بِنَصْبِ النُّونِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إِلَّا فِي آلِ عِمْرَانَ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [آل عمران: 59. 60] ، وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ [الأنعام: 73] ، وإنما نصبها لأن

_ (1) زيادة عن كتب التراجم. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» . (3) في المخطوط «عبدا أو ملكا» . [.....] (4) في المطبوع «مبدعها ومنشئها» . 79- ع صحيح. أخرجه مسلم 756 والترمذي 387 وابن ماجه 1421 والطيالسي 1777 وأحمد (3/ 302 و314) والحميدي 1276 وابن حبان 1758 والبغوي 659 والبيهقي 3/ 8 من طرق من حديث جابر. - وله شاهد عند أبي داود 1325 و1449 والنسائي (5/ 58) وأحمد (3/ 411 و412) والدارمي (1/ 331) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حبشي.

جَوَابَ الْأَمْرِ بِالْفَاءِ يَكُونُ مَنْصُوبًا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: فَهُوَ يَكُونُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ والمعدوم لا يخاطب؟ قيل: قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ، أَيْ: لِأَجْلِ تَكْوِينِهِ، فَعَلَى هَذَا ذَهَبَ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَقِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا ولكنه قُدِّرَ وُجُودُهُ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ كَانَ كَالْمَوْجُودِ، فَصَحَّ الْخِطَابُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَقالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْيَهُودُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّصَارَى، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُشْرِكُو العرب، لَوْلا: هَلَّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ: عِيَانًا بِأَنَّكَ رَسُولُهُ، وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ لَوْلا فَهُوَ بِمَعْنَى هَلَّا إِلَّا وَاحِدًا وهو قوله: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) [الصَّافَّاتِ: 143، مَعْنَاهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ: دَلَالَةٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى صِدْقِكَ [فِي ادِّعَائِكَ النُّبُوَّةَ] [1] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَيْ: كُفَّارُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ: أَشْبَهَ بَعْضُهَا [2] بَعْضًا فِي الكفر والقسوة [والعماوة] [3] وَطَلَبِ الْمُحَالِ، قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ، أَيْ: بِالصِّدْقِ كَقَوْلِهِ: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يُونُسَ: 53] ، أَيْ: صِدْقٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِالْقُرْآنِ دَلِيلُهُ: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ [ق: 5] ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ [الْإِسْرَاءِ: 81] ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ لَمْ نُرْسِلْكَ عَبَثًا إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ، كَمَا قَالَ: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [الْحِجْرِ: 85] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَشِيراً، أَيْ: مُبَشِّرًا لِأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي بِالثَّوَابِ الْكَرِيمِ، وَنَذِيراً، أَيْ: مُنْذِرًا مُخَوِّفًا لِأَعْدَائِي وَأَهْلِ مَعْصِيَتِي بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ: «وَلَا تُسْأَلْ» : على النهي. ع «80» وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فعل بأبواي» ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقِيلَ: هُوَ على معنى قولهم: لا تَسْأَلْ عَنْ [شَرِّ] [4] فُلَانٍ فَإِنَّهُ فَوْقَ مَا تَحْسَبُ، وَلَيْسَ عَلَى النهي، وقرأ الآخرون وَلا تُسْئَلُ بِالرَّفْعِ، عَلَى النَّفْيِ بِمَعْنَى: وَلَسْتَ بمسؤول عَنْهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: 40] ، عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ، وَالْجَحِيمُ مُعْظَمُ النار.

_ 80- ع ضعيف ولم أر من نسبه لابن عباس غير المصنف. وهو بدون إسناده حيث ذكره تعليقا. - وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» 126 والطبري 1877 و1878 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ مرسلا. وهو مرسل ضعيف. - وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 209) وزاد نسبته إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر. وفي إسناده موسى بن عبيدة الربذي ضعيف كما في التقريب، وقال السيوطي في «دره» : هذا مرسل ضعيف الإسناد. - وورد عن داود بن أبي عاصم مرسلا أخرجه الطبري 1879 وذكره السيوطي في «الدر» وقال: والآخر معضل الإسناد ضعيف لا يقوم به حجة، ولا بالذي قبله حجة اه. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع وحده «بعضهم» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 120 الى 121]

[سورة البقرة (2) : الآيات 120 الى 121] وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ [كَانُوا] [1] يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم الهدنة ويطمّعونه أَنَّهُ إِنْ أَمْهَلَهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، مَعْنَاهُ أنك وإن هَادَنْتَهُمْ فَلَا يَرْضَوْنَ [2] بِهَا، وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَعَلُّلًا وَلَا يَرْضَوْنَ مِنْكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذَا فِي الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمَّا صَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ إلى الكعبة أيسوا منه أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ، إِلَّا بِالْيَهُودِيَّةِ، وَلَا النَّصَارَى إِلَّا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَالْمِلَّةُ الطَّرِيقَةُ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ، قِيلَ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ كَقَوْلِهِ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزُّمَرِ: 65] ، بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ: الْبَيَانِ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالْقِبْلَةَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ في أهل السفينة قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ مِنْهُمْ بَحِيرَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ ممّن آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ عَبْدُ اللَّهِ بن سلام وشعبة بْنُ عَمْرٍو وَتَمَّامُ بْنُ يَهُودَا وَأَسَدٌ وَأُسَيْدٌ ابْنَا كَعْبٍ وَابْنُ يَامِينَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّةً، يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَصِفُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ حَقَّ صِفَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ عَائِدَةٌ إِلَى الْكِتَابِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه: يقرؤونه كَمَا أُنْزِلَ وَلَا يُحَرِّفُونَهُ، وَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ وَيَكِلُونَ علم ما أشكل عليه إِلَى عَالَمِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ، قَوْلُهُ: أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 124] يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: «إِبْرَاهَامَ» بالألف في بعض المواضع، [وهو ثلاثة وثلاثون موضعا، جملته تسعة وتسعون موضعا] [3] ، وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَلِذَلِكَ لَا يجري عليه الصرف، وهو إبراهيم بن تارخ [هو آزر] [4] بْنِ نَاخُورَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالسُّوسِ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، وَقِيلَ: بَابِلَ، وقيل: كوثي، وقيل: كسكر، وقيل: حران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل بأرض نُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ، وَمَعْنَى الِابْتِلَاءِ: الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَالْأَمْرُ، وَابْتِلَاءُ اللَّهِ الْعِبَادَ لَيْسَ لِيَعْلَمَ أَحْوَالَهُمْ بِالِابْتِلَاءِ لأنه

_ (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع وحده «يرجون» . (3) زيد في المطبوع وحده. (4) زيد في المطبوع وحده.

[سورة البقرة (2) : آية 125]

عَالِمٌ بِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى الله بها إبراهيم، فقال عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ ثَلَاثُونَ سَمَّاهُنَّ، شرائع الإسلام لم يُبْتَلَ بِهَا أَحَدٌ فَأَقَامَهَا كُلَّهَا [إِلَّا [1]] إِبْرَاهِيمُ، فَكُتِبَ لَهُ الْبَرَاءَةُ، فقال: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) [النَّجْمِ: 37] ، عَشْرٌ في براءة: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [التوبة: 112] إِلَى آخِرِهَا، وَعَشْرٌ فِي الْأَحْزَابِ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [الأحزاب: 35] إلى آخرها، وَعَشْرٌ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) [الْمُؤْمِنُونَ: 1] الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) [المعارج: 22] ، في سأل سائل، وَقَالَ طَاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ابْتَلَاهُ اللَّهُ تعالى بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ، وَهِيَ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ في البدن: تقليم الأظفار وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ والاستنجاء بالماء. ع «81» وَفِي الْخَبَرِ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَلَّمَ الْأَظَافِرَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا ربّ ما هذا؟ قال: الْوَقَارِ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ: مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: بِالْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ فَأَحْسَنَ فِيهَا النَّظَرَ، وَعَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، وَبِالنَّارِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، وَبِالْهِجْرَةِ وَبِذَبْحِ ابْنِهِ وَبِالْخِتَانِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ إِذْ يَرْفَعَانِ الْبَيْتَ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [الْبَقَرَةِ: 127] الآية، فرفعاه بسبحان اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وقال يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: هُنَّ مُحَاجَّةُ قَوْمِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [الأنعام: 80] إلى قوله: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [الْأَنْعَامِ: 83] ، وَقِيلَ: هِيَ قَوْلُهُ: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) 78 [الشُّعَرَاءِ: 78] ، إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، فَأَتَمَّهُنَّ، قَالَ قَتَادَةُ أَدَّاهُنَّ وقال الضحاك: قام بهنّ، وقال يمان: عَمِلَ بِهِنَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً: يُقْتَدَى بِكَ، [فِي الْخَيْرِ] قالَ إِبْرَاهِيمُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي. أَيْ: وَمِنْ أولادي أيضا فاجعل أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ [فِي الْخَيْرِ] [2] ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَنالُ: لَا يُصِيبُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، أَيْ: مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا لَا يُصِيبُهُ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: عَهْدِي رَحْمَتِي، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُبُوَّتِي، وَقِيلَ: الْإِمَامَةُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ لِظَالِمٍ أَنْ يُطَاعَ فِي ظُلْمِهِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَنَالُ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ وَلَدِكَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ الْأَمَانَ مِنَ النَّارِ، وَبِالظَّالِمِ الْمُشْرِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: 82] . [سورة البقرة (2) : آية 125] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ، مَثابَةً لِلنَّاسِ: مَرْجِعًا لَهُمْ، قَالَ مجاهد

_ 81- ع أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 922) والبيهقي في «الشعب» (8642 و8640) عن سعيد بن المسيب به قوله. (1) سقط من المطبوع. (2) سقط من المطبوع وحده. [.....]

وسعيد بن جبير: يثوبون [1] إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيَحُجُّونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعَاذًا وَمَلْجَأً، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: مَجْمَعًا، وَأَمْناً، أَيْ: مَأْمَنًا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ فإنهم كانوا لا يَتَعَرَّضُونَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَيَقُولُونَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، وَيَتَعَرَّضُونَ لِمَنْ حَوْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [الْعَنْكَبُوتِ: 67] . «82» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طاوس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حرّمه الله يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يَنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إلا الإذخر» . وَاتَّخِذُوا، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ، مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، قَالَ يَمَانٍ: الْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعَ مُشَاهِدِ الْحَجِّ مِثْلَ عرفة والمزدلفة وَسَائِرِ الْمَشَاهِدِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: كَانَ أَثَرُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بَيِّنًا فِيهِ فَانْدَرَسَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسْحِ بِالْأَيْدِي، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ. «83» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عن [2] حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قلت يا

_ 82- إسناده على شرط البخاري، حيث تفرد عن علي بن عبد الله، وهو المديني. جرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر، ومجاهد هو ابن جبر، وطاوس هو ابن كيسان، يقال: اسمه ذكوان. وهو في «شرح السنة» 1996 بهذا الإسناد. رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 1587 عن علي بن عبد لله بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 1834 و2783 و3825 و3189 ومسلم 1353 وأبو داود 2018 و2480 والترمذي 1590 والنسائي (5/ 203- 204) و (7/ 146) وأحمد (1/ 315 و359) وابن الجارود 509 والطبراني في «الكبير» (10943 و10944) وابن حبان 3720 والبيهقي (5/ 195 و9/ 16) من طرق من حديث ابن عباس، بعضهم رواه مطولا، وبعضهم مختصرا. 83- إسناده على شرط البخاري، تفرد البخاري بالرواية عن مسدد وهو ابن مسرهد، يحيى هو ابن سعيد القطان، وحميد هو ابن أبي حميد الطويل. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 4483 عن مسدد بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 402 والطحاوي في «المشكل» (4/ 825) وأحمد (1/ 24 و36) وابن حبان 6896 والبغوي 3887 من حديث أنس. وورد مختصرا من حديث أنس أيضا عند البخاري 4790 و4916 والترمذي 2959 و2960 وابن ماجه 1009 والدرامي (2/ 44) . (1) وقع في الأصل «بن» والمثبت هو الصواب. (2) في المخطوط وط- «يأتون» والمثبت عن المطبوع والطبري (1971 و1976) .

رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ [التحريم: 5] الآية. ع «84» وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا عن عمرو بن عون أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. وأما بدء قصة المقام: ع «85» فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لِمَا أَتَى إِبْرَاهِيمُ بإسماعيل وهاجر وضعهما بِمَكَّةَ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ وَنَزَلَهَا الْجُرْهُمِيُّونَ وَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْهُمُ امرأة و [قد] [1] ماتت هَاجَرُ، وَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ، فَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ لِلصَّيْدِ [2] ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ فَيَصِيدُ، فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيمُ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قالت: ليس عندي شيء [3] وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فأقرئيه [مني] [4] السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ فَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هل جاءك أحد؟ فقالت: جَاءَنِي شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ، قَالَ: فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ: قَالَ أَقْرِئِي زَوْجَكِ [مني] [5] السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، قَالَ: ذَلِكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ فطلّقها، وتزوّج منهم بأخرى فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئِذٍ بِخُبْزِ بُرٍّ أَوْ شعير أو تمر لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ تَمْرًا، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ فَلَمْ يَنْزِلْ، فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ فَوَضَعَتْهُ عَنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ ثم حولته إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَغَسَلَتْ شَقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ، فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زوجك فأقرئيه [مني] [6] السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ شيخ [كبير] [7] أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، وَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ [النَّبِيُّ أَبِي] [8] ، وَأَنْتَ الْعَتَبَةُ أمرني أن أمسكك.

_ 84- ع هو عند البخاري 402 بهذا الإسناد وأتم منه في اللفظ. 85- ع ذكره المصنف موقوفا على ابن عباس، وأخرج البخاري في «صحيحه» 3364 و3365 عن ابن عباس نحوه مطولا فجعل بعضه موقوفا، وبعضه الآخر مرفوعا، راجع صحيح البخاري. 1 سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «يتصيد» . (3) في المطبوع «ضيافة» . 4 سقط من المطبوع. 5 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. 6 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. (7) زيد في نسخ المطبوع. 8 سقط من المطبوع. [.....]

ع «86» وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيضا عن ابن عباس قال: ثم لبثت عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نبلا تحت دوحة قريبة مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تُعِينُنِي عَلَيْهِ، قَالَ: أعينك عليه، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ رفع الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، فلما ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى حَجَرِ الْمَقَامِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: 127] . ع «87» وَفِي الْخَبَرِ: «الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ من يواقيت الجنة، ولولا مَسَّتْهُ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ، أَيْ: أَمَرْنَاهُمَا وَأَوْحَيْنَا [1] إِلَيْهِمَا، قِيلَ: سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يدعو الله أن يرزقه ولد، وَيَقُولَ: اسْمَعْ يَا إِيلُ، وَإِيلُ هو الله، فلما رزق الولد سمّاه بِهِ. أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ، أَضَافَهُ إِلَيْهِ تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا، أَيِ: ابْنِيَاهُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: طَهِّرَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرِّيَبِ وَقَوْلِ الزور، وقيل: بخّراه وخلّقاه، قاله يمان بن رباب. قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَفْصٌ بَيْتِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الحج [26] ، وزاد

_ 86- ع هو عند البخاري 3364 و3365 وهو بعض المتقدم. 87- ع الراجح وقفه. أخرجه البيهقي (5/ 75) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو وفيه « ... ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم» بدل «ولو لامسته أيدي المشركين» من طريق أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس عن الزهري عن مسافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مرفوعا، ورجاله ثقات، وهو أمثل إسناد في هذا الباب. - وأخرجه الترمذي 878 وأحمد (2/ 213- 214) وابن خزيمة 2732 وابن حبان 3710 والحاكم من طريق رجاء بن صبيح عن مسافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مرفوعا. وفيه: «ولولا أن طمس الله على نورهما» بدل «ولو لامسته أيدي المشركين» . وفي إسناده رجاء بن صبيح، وقد ضعفه ابن معين وغيره، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات. - وأخرجه ابن خزيمة 2731 والحاكم (1/ 456) والبيهقي (5/ 75) عن أيوب بن سويد عن يونس عن الزهري عن مسافع عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو به. قال الحاكم: هذا حديث تفرد به أيوب بن سويد عن يونس وأيوب ممن لم يحتجا به، إلا أنه من أجلة مشايخ الشام. وتعقبه الذهبي بقوله: ضعفه أحمد اهـ. وقال في «الميزان» (1/ 287) : ضعفه أحمد وغيره، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: يتكلمون فيه. وله طريق آخر أخرجه البيهقي (5/ 75) من طريق مسدد عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ عبد الله بن عمرو مرفوعا، ورجاله رجال البخاري لكن فيه عنعنة ابن جريج. - وفي الباب من حديث أنس عند الحاكم 1678 وفي إسناده داود بن الزبرقان. قال الذهبي في «التلخيص» : داود، قال أبو داود: متروك اهـ. - ومن حديث ابن عباس عند الترمذي 877 وابن خزيمة 2733 وإسناده ضعيف، فيه عطاء بن السائب، اختلط بأخرة. وتابعه سعيد بن جبير عند ابن خزيمة 2734 لكن في الطريق أبو الجنيد الحسين بن خالد، وهو ضعيف. الخلاصة: كل طرقه وشواهده لا تخلو من ضعف، وأمثلها الطريق الأولى عند البيهقي، ولكن الحديث بمجموع هذه الشواهد والطرق يرقى إلى درجة الحسن. وقد صححه الشيخ شعيب في «الإحسان» (9/ 24) لطرقه وكذا صححه الألباني في «صحيح الترمذي» (695 و696) ، ومع ذلك رفعه غريب والأشبه الوقف، وقد أخرجه عبد الرزاق 8921 عن ابن عمرو موقوفا وأخرجه 8915 عن ابن عمرو وكعب الأحبار موقوفا، وهو الراجح. والله أعلم. (1) في المطبوع «وأوصينا» .

[سورة البقرة (2) : آية 126]

حَفْصٌ فِي سُورَةِ نُوحٍ [28] ، لِلطَّائِفِينَ: الدَّائِرِينَ حَوْلَهُ، وَالْعاكِفِينَ: الْمُقِيمِينَ الْمُجَاوِرِينَ، وَالرُّكَّعِ، جَمْعُ رَاكِعٍ، السُّجُودِ: جَمْعُ [1] سَاجِدٍ، وَهُمُ الْمُصَلُّونَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ ومقاتل: (الطائفين) : هم الغرباء ووَ الْعاكِفِينَ أَهْلُ مَكَّةَ، قَالَ عَطَاءٌ ومجاهد عكرمة: الطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مكة أفضل. [سورة البقرة (2) : آية 126] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا، يَعْنِي: مَكَّةَ، وَقِيلَ: الْحَرَمَ، بَلَداً آمِناً، أَيْ: ذَا أَمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُهُ، وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، إِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَفِي الْقَصَصِ: أَنَّ الطَّائِفَ كانت من بلاد الشَّامِ بِأُرْدُنَّ، فَلَمَّا دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الدُّعَاءَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا وَأَدَارَهَا حَوْلَ الْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا الَّذِي هِيَ الْآنَ فِيهِ فَمِنْهَا أَكْثَرُ ثَمَرَاتِ مَكَّةَ، مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: دَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، قالَ اللَّهُ تعالى: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فَأُمَتِّعُهُ خَفِيفًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَالْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، قَلِيلًا، أَيْ: سَأَرْزُقُ الْكَافِرَ أَيْضًا قَلِيلًا إِلَى مُنْتَهَى أَجَلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الرِّزْقَ لِلْخَلْقِ كَافَّةً مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْقِلَّةِ لِأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، ثُمَّ أَضْطَرُّهُ، أَيْ: أُلْجِئُهُ فِي الْآخِرَةِ: إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، أَيِ: الْمَرْجِعُ يَصِيرُ إِلَيْهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وُجِدَ عِنْدَ الْمَقَامِ كِتَابٌ فِيهِ: أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ صَنَعْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَحَرَّمْتُهَا يَوْمَ خلقت السموات وَالْأَرْضَ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ [2] حُنَفَاءَ، يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ، مُبَارَكٌ لَهَا فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. [سورة البقرة (2) : آية 127] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ، قَالَ الرُّوَاةُ [3] : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَوْضِعَ الْبَيْتِ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَكَانَتْ زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، فلما أهبط الله آدم إِلَى الْأَرْضِ اسْتَوْحَشَ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ مِنْ يَاقُوتَةٍ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ لَهُ بَابَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ، فَوَضَعَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، وَقَالَ: يَا آدَمُ إِنِّي أَهْبَطْتُ لَكَ بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَمَا يُطَافُ حول عرشي وتصلّي عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي، وَأَنْزَلَ الْحَجَرَ وَكَانَ أَبْيَضَ فَاسْوَدَّ مِنْ لَمْسِ الْحُيَّضِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَوَجَّهَ آدَمُ مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ إِلَى مَكَّةَ مَاشِيًا، وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَدُلُّهُ عَلَى الْبَيْتِ، فَحَجَّ الْبَيْتَ وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالُوا [4] : بَرَّ حَجُّكَ يَا آدَمُ، لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه [5] : حَجَّ آدَمُ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مِنَ الهند إلى

_ (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «أفلاك» . 3 لا يصح من هذه الأقوال شيء عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا مصدرها كتب الأقدمين لا حجة فيها، وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (1/ 163- 165) ما ملخصه: لم يرد في خبر صحيح عن المعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ البيت كان مبنيا قبل إبراهيم الخليل عليه السلام اهـ. قلت: بل هو معارض بحديث أبي ذر في «الصحيحين، بأنه أول مسجد وضع، ثم المسجد الأقصى» ، وأن ما بينهما أربعين عاما، وسيأتي. (4) في المخطوط «وقالت» . 5 لا يصح من هذه الأقوال شيء عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا مصدرها كتب الأقدمين لا حجة فيها، وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (1/ 163- 165) ما ملخصه: لم يرد في خبر صحيح عن المعصوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ البيت كان مبنيا قبل إبراهيم الخليل عليه السلام اهـ. قلت: بل هو معارض بحديث أبي ذر في «الصحيحين، بأنه أول مسجد وضع، ثم المسجد الأقصى» ، وأن ما بينهما أربعين عاما، وسيأتي.

[سورة البقرة (2) : الآيات 128 الى 129]

مَكَّةَ عَلَى رِجْلَيْهِ، فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ الطُّوفَانِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ ملك ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وَبَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى خَبَّأَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ صِيَانَةً لَهُ مِنَ الْغَرَقِ، فَكَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ خَالِيًا إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ إِنَّ الله تعالى أمر إبراهيم بعد ما وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ بِبِنَاءِ بَيْتٍ يُذْكَرُ فِيهِ، فَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَوْضِعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ السِّكِّينَةَ لِتَدُلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ [1] لَهَا رَأْسَانِ شِبْهَ الْحَيَّةِ، فَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السِّكِّينَةُ، فَتَبِعَهَا إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أتيا مكة، فتطوّقت السكينة على موضع البيت، كتطوّق الجحفة. هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، وَقَالَ ابن عباس [2] : بعث الله سَحَابَةً عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ فَجَعَلَتْ تَسِيرُ وَإِبْرَاهِيمُ يَمْشِي فِي ظِلِّهَا إِلَى أَنْ وَافَقَ مَكَّةَ، وَوَقَفَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ، فَنُودِيَ مِنْهَا [يا] [3] إبراهيم أن ابن على [قدر] [4] ظِلِّهَا لَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ، وَقِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ لِيَدُلَّهُ على موضع البيت، فذلك قوله تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ [الحج: 26] ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ الْبَيْتَ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحَجَرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ، يَعْنِي أُسُسَهُ، وَاحِدَتُهَا: قَاعِدَةٌ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: جُدُرُ الْبَيْتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا بُنِيَ الْبَيْتُ مِنْ خمسة أجبل طور سينا وَطُورِ زَيْتَا وَلُبْنَانَ وَهُوَ جَبَلٌ بِالشَّامِ وَالْجُودِيِّ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ، وَبَنَيَا قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءَ وَهُوَ جَبَلٌ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ، الْأَسْوَدِ، قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ يَكُونُ لِلنَّاسِ عَلَمًا فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا، فَمَضَى إِسْمَاعِيلُ يَطْلُبُهُ فَصَاحَ أَبُو قُبَيْسٍ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً فَخُذْهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فوضعه مكانه [الآن] [5] ، وَقِيلَ [6] : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَنَى فِي السَّمَاءِ بَيْتًا وَهُوَ الْبَيْتُ المعمور، ويسمّى ضراح، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ فِي الْأَرْضِ بِحِيَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ وَمِثَالِهِ، وَقِيلَ [7] : أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ، وَانْدَرَسَ زَمَنَ الطُّوفَانِ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى بناه، رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا، فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: وَيَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا بِنَاءَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ، لِدُعَائِنَا الْعَلِيمُ: بنياتنا. [سورة البقرة (2) : الآيات 128 الى 129] رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ: مُوَحِّدَيْنِ مُطِيعَيْنِ مُخْلِصَيْنِ خَاضِعَيْنِ لَكَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا، أَيْ: أَوْلَادِنَا أُمَّةً: جَمَاعَةً، وَالْأُمَّةُ: أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ، مُسْلِمَةً لَكَ: خَاضِعَةً لَكَ، وَأَرِنا عَلِّمْنَا وَعَرِّفْنَا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ سَاكِنَةَ الرَّاءِ، وَأَبُو عَمْرٍو بِالِاخْتِلَاسِ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْإِسْكَانِ فِي حم السَّجْدَةِ، وَأَصْلُهُ: أَرْئِنَا، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا للخفة، ونقلت حركته إِلَى الرَّاءِ، وَمَنْ سَكَّنَهَا قَالَ: ذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ فَذَهَبَتْ حَرَكَتُهَا، مَناسِكَنا: شَرَائِعَ دِينِنَا وَأَعْلَامَ حَجِّنَا، وَقِيلَ: مَوَاضِعَ حَجِّنَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَذَابِحَنَا، وَالنُّسُكُ: الذَّبِيحَةُ، وَقِيلَ: مُتَعَبَّدَاتِنَا، وَأَصْلُ النُّسُكِ: الْعِبَادَةُ، وَالنَّاسِكُ: الْعَابِدُ، فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمَا فَبَعَثَ جِبْرِيلَ فَأَرَاهُمَا الْمَنَاسِكَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ عَرَفَاتٍ قَالَ: عَرَفْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَسَمَّى الْوَقْتَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعَ عَرَفَاتٍ. وَتُبْ عَلَيْنا، تَجَاوَزْ عَنَّا، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

_ (1) في المطبوع وحده «خجول» . 2 انظر الهامش السابق. 3 زيادة عن المخطوط. 4 زيادة عن المخطوط. 5 زيادة عن المخطوط. 6 انظر الهامش السابق. [.....] 7 انظر الهامش السابق.

رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ، أَيْ: فِي الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ ذرية إبراهيم وإسماعيل، وقيل: في أَهْلِ مَكَّةَ، رَسُولًا مِنْهُمْ، أَيْ: مُرْسَلًا مِنْهُمْ، أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «88» حَدَّثَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْمُوسَوِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاسٍ الْبَلْخِيُّ، أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ [1] بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ أَنَا عمي أنا معاوية بن [2] صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ [3] هِلَالٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي: أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ» . وَأَرَادَ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا فَإِنَّهُ دَعَا أَنْ يَبْعَثَ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ رَسُولًا مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَشَرَةً: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ صلوات الله عليهم أجمعين. يَتْلُوا: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ آياتِكَ، كِتَابَكَ يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَالْآيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ إِلَى انْقِطَاعِهِ، وَقِيلَ هِيَ جَمَاعَةُ حُرُوفٍ، يُقَالُ خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ، أَيْ: بِجَمَاعَتِهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ. [و] [4] قَالَ [ابْنُ] [5] قُتَيْبَةَ: هِيَ الْعِلْمُ والعمل [به] ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ حَكِيمًا حَتَّى يَجْمَعَهُمَا، وَقِيلَ: هِيَ السُّنَّةُ [6] ، وَقِيلَ: هي [الأحكام و] [7] القضاء، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ الْفِقْهُ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْكَ أَوْ دَعَتْكَ إِلَى مَكْرُمَةٍ أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ فَهِيَ حِكْمَةٌ، وَيُزَكِّيهِمْ، أَيْ: يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالذُّنُوبِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ [8] أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:

_ 88- حديث صحيح بشواهده، إسناده ضعيف لضعف ابن أخي ابن وهب، واسمه أحمد بن عبد الرحمن، وفيه سعيد بن سويد، وثقه ابن حبان، وترجمه البخاري وأبو حاتم من غير جرح أو تعديل، وقال البزار: لا بأس به. وشيخه عبد الأعلى، وثقه ابن حبان وحده، وهو مقبول، ولم ينفرد بهذا المتن كما سيأتي. وهو في «شرح السنة» 3520 بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (4/ 127- 128) والبخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 68) وابن حبان 6404 وابن أبي عاصم في «السنة» 409 والبيهقي في «الدلائل» (1/ 80 و2/ 30) من طرق عن سعيد بن سويد به، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 223) : رواه أحمد بأسانيد، وأحد أسانيده رجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن سويد، وقد وثقه ابن حبان. - وله شاهد من حديث أبي أمامة أخرجه الطيالسي 1140 وأحمد (5/ 262) وابن سعد (1/ 102) والطبراني 7729 والبيهقي في «الدلائل» (1/ 84) وإسناده ضعيف لضعف فرج بن فضالة، والسياق لأحمد، وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 222) : إسناد أحمد حسن. - وورد عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ نفر من الصحابة مرفوعا أخرجه الحاكم (2/ 600) والطبري 2075 والبيهقي في «الدلائل» (1/ 83) وإسناده قوي كما قال الحافظ ابن كثير في «البداية» (2/ 275) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن في أقل تقدير بل هو صحيح، والله أعلم، وانظر «الكشاف» 55 للزمخشري بتخريجي. (1) في الأصل «أحمد» والتصويب عن «شرح السنة» و «ط» و «كتب التراجم» . (2) وقع في الأصل «عن» والمثبت هو الصواب. (3) وقع في الأصل «عن» والمثبت هو الصواب. 4 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. 5 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. (6) زيد في المطبوع وحده عقب السنة «والأحكام» . (7) زيادة عن المخطوط وط. (8) العبارة في المخطوط «يأخذ زكاة أموالهم» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 131]

يَشْهَدُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَدَالَةِ إِذَا شَهِدُوا لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْبَلَاغِ مِنَ التَّزْكِيَةِ وَهِيَ التَّعْدِيلُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَزِيزُ: الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمُنْتَقِمُ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ [آلِ عِمْرَانَ: 4] ، وَقِيلَ: الْمَنِيعُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَيْدِي وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ، وَقِيلَ: الْقَوِيُّ، وَالْعِزَّةُ الْقُوَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا [يس: 14] ، أَيْ: قَوَّيْنَا، وَقِيلَ: الْغَالِبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا: وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ [ص: 23] ، أَيْ: غَلَبَنِي، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: مَنْ عَزَّ بَزَّ، أَيْ: مَنْ غَلَبَ سَلَبَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 131] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ دَعَا ابْنَيْ أَخِيهِ سَلَمَةَ وَمُهَاجِرًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُمَا: قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أَحْمَدُ فَمَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ، فَأَسْلَمَ سَلَمَةُ وَأَبَى مُهَاجِرٌ أَنْ يُسْلِمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ، أَيْ: يَتْرُكُ دِينَهُ وَشَرِيعَتَهُ، يُقَالُ: رَغِبَ فِي الشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا تَرَكَهُ، وَقَوْلُهُ وَمَنْ: لفظة استفهام ومعناه التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ، يَعْنِي: مَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ضَلَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ جَهَّلَ [1] نَفْسَهُ، وَالسَّفَاهَةُ: الْجَهْلُ وَضَعْفُ الرَّأْيِ، وَكُلُّ سَفِيهٍ جَاهِلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ جَهَّلَ نَفْسَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا، وَقَدْ جَاءَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ [2] ، وَفِي الْأَخْبَارِ [3] : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ: اعْرِفْ نَفْسَكَ وَاعْرِفْنِي، فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعْرِفُ نَفْسِي وَكَيْفَ أَعْرِفُكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: اعْرِفْ نَفْسَكَ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ وَالْفَنَاءِ، وَاعْرِفْنِي بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَقَاءِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ سَفِهَ في نفسه، ونَفْسَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَكَانَ الْأَصْلُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ، فَلَمَّا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى صاحبها خرجت النفس مفسّرة لِيَعْلَمَ مَوْضِعَ السَّفَهِ، كَمَا يُقَالُ: ضقت به ذرعا أو ضَاقَ ذَرْعِي بِهِ، وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا: اخْتَرْنَاهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، يَعْنِي: مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، أَيِ: اسْتَقِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاثْبُتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لَهُ ذلك حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَخْلِصْ دِينَكَ وَعِبَادَتَكَ لِلَّهِ، وقال عطاء: أسلم نفسك إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَوِّضْ أُمُورَكَ إِلَيْهِ، قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، أَيْ: فَوَّضْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حين ألقي في النار.

_ (1) زيد في المخطوط وحده «عمل» . (2) هو خبر إسرائيلي. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: موضوع. انظر «كشف الخفاء» (2/ 262/ 2532) . (3) في المخطوط- أ- «الخبر» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 132 الى 133]

[سورة البقرة (2) : الآيات 132 الى 133] وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: و «أوصى» بِالْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ [هُوَ] [1] فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَوَصَّى مُشَدَّدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ أَنْزَلَ وَنَزَّلَ مَعْنَاهُ: ووصى إِبْرَاهِيمُ [بَنِيهِ] [2] وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ، قال الكلبي ومقاتل: يعني كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الْكِنَايَةَ إِلَى الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا إِلَى الْوَصِيَّةِ، أَيْ: وَصَّى إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ الثَّمَانِيَةَ: إِسْمَاعِيلَ وَأُمُّهُ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ وَإِسْحَاقَ وَأُمُّهُ سارة، وستة أمهم قنطورا بِنْتُ يَقْطَنَ الْكَنْعَانِيَّةُ، تَزَوُّجَهَا إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ وَفَاةِ سَارَةَ، وَيَعْقُوبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَالْعِيصُ كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَى أثره آخذه بِعَقِبِهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: سُمِّيَ يَعْقُوبُ لِكَثْرَةِ عَقِبِهِ، يَعْنِي وَوَصَّى أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ يَا بَنِيَّ، مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى: اخْتَارَ لَكُمُ الدِّينَ، أَيْ: دِينَ الْإِسْلَامِ، فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: مُخْلِصُونَ، وَقِيلَ: مُفَوِّضُونَ، وَالنَّهْيُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُهُوا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ تَرْكِ الْإِسْلَامِ [3] ، مَعْنَاهُ: دَاوِمُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يُصَادِفَكُمُ الْمَوْتُ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّهُ قَالَ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، أَيْ: مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ. «89» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ [4] بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عزّ وجلّ» . قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ، يَعْنِي: [أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ يُرِيدُ] [5] مَا كُنْتُمْ شُهَدَاءَ حُضُورًا إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ، أَيْ: حِينَ قَرُبَ يَعْقُوبُ مِنَ الْمَوْتِ، قِيلَ [6] : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم:

_ 89- حديث صحيح. إسناده ضعيف لأجل أبي جعفر الرازي، وهو عيسى بن أبي عيسى، وقد توبع، وباقي رجال الإسناد ثقات، الأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو سفيان هو طلحة بن نافع، روى له الشيخان وهو في «شرح السنة» 1449 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2877 وأبو داود 3113 وابن ماجه 4167 والطيالسي 1779 وأحمد (3/ 293) و330 وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 87) و (8/ 221) وابن حبان (636 و638) والبيهقي (3/ 378) من طرق عن جابر به. [.....] (1) سقط من المطبوع. (2) سقط من المطبوع. (3) العبارة في المخطوط «وإنما هو في الحقيقة على ترك الإسلام» . (4) في المخطوط «قبل أن يقبض» والمثبت في نسخ المطبوع وشرح السنة. (5) زيد في نسخ المطبوع. (6) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 69 بدون إسناد، فلا حجة فيه البتة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 134 الى 135]

أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أَوْصَى بَنِيهِ بِالْيَهُودِيَّةِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِمَا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالنِّيرَانَ، فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ قالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قَالَ عَطَاءٌ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ [1] بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، فَلَمَّا خَيَّرَ يعقوب قال: يا ربّ أَنْظِرْنِي حَتَّى أَسْأَلَ وَلَدِي وَأُوصِيَهُمْ، فَفَعَلَ [اللَّهُ] [2] ذَلِكَ بِهِ، فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ حَضَرَ أَجَلِي فَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي؟ قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَمًّا لَهُمْ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا كَمَا تُسَمِّي الخالة أما. ع «90» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» . ع «91» وَقَالَ فِي عَمِّهِ الْعَبَّاسِ: «رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ» ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ. إِلهاً واحِداً نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: إِلهَكَ، وقيل: نعبد [3] إِلَهًا وَاحِدًا، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 134 الى 135] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) تِلْكَ أُمَّةٌ: جَمَاعَةٌ، قَدْ خَلَتْ: مَضَتْ، لَها مَا كَسَبَتْ: مِنَ العمل، وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ [من القول والعمل]] وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ، يَعْنِي: يُسْأَلُ كُلٌّ عَنْ عَمَلِهِ لَا عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ. وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ: كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُودَا وَأَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَفِي نصارى نَجْرَانَ السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَأَصْحَابِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَاصَمُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: نَبِيُّنَا مُوسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا التَّوْرَاةُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ، وَكَفَرَتْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَتِ النصارى نبيّنا [عيسى] [5] أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا الْإِنْجِيلُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ وَكَفَرَتْ [بموسى والتوراة و] [6] بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ كُونُوا عَلَى دِينِنَا فَلَا دِينَ إِلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: اتَّبَعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بَلْ نكون

_ 90- ع صحيح. هو بعض حديث أخرجه البخاري 1468 ومسلم 983 وأبو داود 1623 والنسائي (5/ 33) وابن حبان 3273 والدارقطني (2/ 123) والبغوي 1578 والبيهقي (6/ 164- 165) عن أبي هريرة قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم عمر على الصدقة، فقيل: ما منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ينقم ابن جميل ... » فذكره. 91- ع مرسل. أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (8/ 40/ 34) ح 4 عن عكرمة مرسلا، ورجال الإسناد ثقات، وتمامه «دعاهم إلى الله فقتلوه، أما والله لئن ركبوها لأضر منّها عليهم» فهذا مرسل، والمرسل من قسم الضعيف عند أهل الحديث. (1) في المطبوع «خيره» . (2) زيد في نسخ المطبوع. (3) في المطبوع «نعرفه» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) سقط من نسخ المطبوع. [.....]

[سورة البقرة (2) : الآيات 136 الى 137]

عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، فَحَذَفَ عَلَى فَصَارَ مَنْصُوبًا، حَنِيفاً، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ عِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، أراد به ملة إبراهيم الحنيف، فلما أسقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فَانْقَطَعَ مِنْهُ [1] ، فَنُصِبَ [قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَنِيفِيَّةُ اتِّبَاعُ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا إِمَامًا لِلنَّاسِ] [2] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ كلها إلا دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَنَفِ وَهُوَ مَيْلٌ وَعِوَجٌ يَكُونُ فِي الْقَدَمِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْحَنِيفُ هُوَ الْحَاجُّ الْمُخْتَتِنُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْحَنِيفِ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الْحَاجُّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الْمُسْلِمُ [3] ، قَالَ قَتَادَةُ: الْحَنِيفِيَّةُ الْخِتَانُ وَتَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَإِقَامَةُ الْمَنَاسِكِ، وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ عَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ طَرِيقَ الإيمان، فقال جلّ ذكره: [سورة البقرة (2) : الآيات 136 الى 137] قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا، يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ، وَهُوَ عَشْرُ صُحُفٍ، وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، يَعْنِي: أَوْلَادَ يَعْقُوبَ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سِبْطًا: وَاحِدُهُمْ: سِبْطٌ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَسِبْطُ الرَّجُلِ: حَافِدُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأَسْبَاطُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ، مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَالشُّعُوبِ مِنَ الْعَجَمِ، وَكَانَ فِي الْأَسْبَاطِ أَنْبِيَاءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ [آل عمران: 199] ، وَقِيلَ: هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ مِنْ صُلْبِهِ صَارُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ. وَما أُوتِيَ مُوسى، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَعِيسى، يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ، وَما أُوتِيَ: أُعْطِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، أَيْ: نُؤْمِنُ بِالْكُلِّ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. «92» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا محمد بن

_ 92- إسناده صحيح. على شرط البخاري. وهو في «شرح السنة» 125 بهذا الإسناد. خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 4485 عن محمد بن بشار بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4485 و7362 و7542 والنسائي في «الكبرى» 11387 والبيهقي في «الشعب» 5207 من حديث أبي هريرة. - وفي الباب من حديث أبي نملة عند أبي داود 3644 وعبد الرزاق 20059 وأحمد (4/ 136) وابن حبان 6257 والطبراني في «الكبير» (22/ 874- 879) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 380) وابن الأثير في «أسد الغابة» (6/ 315) والمزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة أبي نملة. (1) في المخطوط «عنه» . (2) زيد في نسخ المطبوع. (3) في المخطوط «المختتن» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 138 الى 140]

إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كان أهل الكتاب يقرؤون التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ» الْآيَةَ. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ، أَيْ: بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يقرؤها ابن عباس، و (المثل) صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ، أَيْ: لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ [1] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِجَمِيعِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ، أَيْ: أَتَوْا بِإِيمَانٍ كَإِيمَانِكُمْ وَتَوْحِيدٍ كَتَوْحِيدِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا مِثْلَ مَا أَمِنْتُمْ، وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ [مَرْيَمَ: 25] ، وَقَالَ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آمَنْتُمْ بِكِتَابِهِمْ: فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ، أَيْ: فِي خِلَافٍ وَمُنَازَعَةٍ، قَالَهُ [2] ابْنُ عَبَّاسٍ وعطاء، يقال: شَاقَّ مُشَاقَّةً إِذَا خَالَفَ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ آخِذٌ فِي شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي [هُودٍ: 89] ، أَيْ: خِلَافِي، وَقِيلَ: فِي عَدَاوَةٍ، دليله قوله تعالى: ِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ [الْأَنْفَالِ: 13] ، أَيْ عَادُوا اللَّهَ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَيْ يَكْفِيكَ شَرَّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَدْ كُفِيَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ السَّمِيعُ: لأقوالهم، الْعَلِيمُ بأحوالهم [3] . [سورة البقرة (2) : الآيات 138 الى 140] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) صِبْغَةَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: دِينَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِبْغَةً لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُ الدِّينِ عَلَى الْمُتَدَيِّنِ، كَمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الصَّبْغِ عَلَى الثَّوْبِ [4] ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُتَدَيِّنَ يَلْزَمُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ كَالصَّبْغِ يَلْزَمُ الثَّوْبَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِطْرَةَ اللَّهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: سُنَّةَ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخِتَانَ لِأَنَّهُ يَصْبُغُ صَاحِبَهُ بِالدَّمِ، وقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ أَنَّ النَّصَارَى إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ فَأَتَى [5] عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ غَمَسُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ أَصْفَرُ، يُقَالُ لَهُ: المعمودية، وَصَبَغُوهُ بِهِ لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ مَكَانَ الْخِتَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ قَالُوا: الْآنَ صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ لَا مَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، يَعْنِي: الْزَمُوا دِينَ اللَّهِ، قَالَ الْأَخْفَشُ: هِيَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً: دِينًا، وَقِيلَ: تَطْهِيرًا، وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ: مُطِيعُونَ. قُلْ: يَا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ، أَيْ: فِي دِينِ اللَّهِ، والمحاجة: المجادلة [6] لِإِظْهَارِ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا مِنَّا وَعَلَى ديننا، وديننا أقدم فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، فَقَالَ الله: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ، وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ، أَيْ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ رَبُّنَا

_ (1) عبارة المخطوط «ليس كهو شيء» . (2) في المطبوع «قال» :. (3) في المخطوط «لأقوالكم- بأحوالكم» . (4) في المطبوع وحده «أثر الثوب على الصبغ» . (5) في المطبوع «وفاتت» . (6) زيد في نسخ المطبوع «في الله» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 141 الى 143]

وَرَبُّكُمْ، وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءُ عَمَلِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ، وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، وَأَنْتُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْإِخْلَاصُ أَنْ يُخْلِصَ الْعَبْدُ دِينَهُ وَعَمَلَهُ فَلَا يُشْرِكَ بِهِ فِي دِينِهِ وَلَا يُرَائِيَ بِعَمَلِهِ، قَالَ الفضيل: ترك العمل من أجل [1] النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ الله منهما. قال الله تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ، يَعْنِي: أَتَقُولُونَ [صيغته] [2] صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ، وَقَالَ بَعْدَهُ: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: يَقُولُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى: إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ: يَا مُحَمَّدُ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِدِينِهِمْ أَمِ اللَّهُ؟ وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ: أَخْفَى شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ تعالى، وَهِيَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وَرَسُولٌ أَشْهَدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 141 الى 143] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) ، كَرَّرَهُ تَأْكِيدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ: الْجُهَّالُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ، أي شيء صَرَفَهُمْ وَحَوَّلَهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَالْقِبْلَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الْمُقَابَلَةِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ، طَعَنُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَكَّةَ فَقَالُوا لِمُشْرِكِي مَكَّةَ: قَدْ تَرَدَّدَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمْرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى مَوْلِدِهِ وَقَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ بَلَدِكُمْ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى دِينِكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ: ملكا وَالْخَلْقُ عَبِيدُهُ، يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، قَالُوا لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: مَا تَرَكَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَنَا إِلَّا حَسَدًا وَإِنَّ قِبْلَتَنَا قِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَقَدْ عَلِمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا عَدْلٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّا عَلَى حَقٍّ وَعَدْلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً أَيْ [3] : وَهَكَذَا، وَقِيلَ: الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي مَرْدُودَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا [البقرة: 130] ، أَيْ: كَمَا اخْتَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتَهُ واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمة، وَسَطاً، أَيْ: عَدْلًا خِيَارًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [الْقَلَمِ: 28] ، أَيْ: خَيْرُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ، وَخَيْرُ الْأَشْيَاءِ أَوْسَطُهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي أَهْلَ دِينٍ وَسَطٍ بَيْنِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ لِأَنَّهُمَا

_ (1) في المطبوع «لأجل» . (2) سقط من المطبوع. (3) العبارة في المخطوط، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً أَيْ: وَهَكَذَا. وَقِيلَ: الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ، أَيْ كَمَا اخْتَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتَهُ واصطفيناهم كذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا، مَرْدُودَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا [وسطا] أي عدلا وخيارا» .

مذمومان في الدين. «93» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَرَّاقُ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، أَنَا أَبُو الصَّلْتِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَمَا تَرَكَ شَيْئًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان [1] ، قال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوُفِّي سَبْعِينَ أُمَّةً هِيَ آخِرُهَا وَأَخْيَرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» ، قَوْلُهُ تَعَالَى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُهَدَاءُ عَلَى مَنْ يَتْرُكُ الْحَقَّ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ: مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْكُمْ شَهِيداً: مُعَدِّلًا مُزَكِّيًا لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِكُفَّارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ: ألم يأتكم نذير؟ فَيُنْكِرُونَ وَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَيَسْأَلُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: كَذَبُوا قَدْ بَلَّغْنَاهُمْ، فَيَسْأَلُهُمُ [2] الْبَيِّنَةَ- وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ إِقَامَةً لِلْحُجَّةٍ- فَيُؤْتَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْهَدُونَ لَهُمْ أنهم بَلَّغُوا فَتَقُولُ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ مِنْ أين علموا [ذلك و] [3] إنما أَتَوْا بَعْدَنَا؟ فَيَسْأَلُ هَذِهِ الْأُمَّةَ فَيَقُولُونَ: أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلْتَ عليه كتابا أخبرتنا فيه بتبليغ الرُّسُلِ وَأَنْتَ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرْتَ، ثُمَّ يُؤْتَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْأَلُ عَنْ حَالِ أُمَّتِهِ فَيُزَكِّيهِمْ وَيَشْهَدُ بِصِدْقِهِمْ. «94» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أخبرنا محمد بن إسماعيل [البخاري] ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا أبو أسامة حدثنا الْأَعْمَشُ: أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَسْأَلُ أُمَّتَهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ» ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا

_ 93- إسناده ضعيف لضعف أبي الصلت وعلي بن زيد. أبو الصلت هو عبد السلام بن صالح الهروي. أبو نضرة هو منذر بن مالك. وصدره إلى قوله: «في مقامه ذلك» محفوظ حيث أخرجه البخاري 6604 ومسلم 2891 وغيرهما من حديث حذيفة، وله شواهد أخرى راجع الإحسان (15/ 6- 7- 8) بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤط، وأما أثناؤه، فله شواهد ستأتي في موضعها إن شاء الله، وأما عجزه، فسيأتي تخريجه برقم 428 وهو هناك بالإسناد المذكور هاهنا، ولعجزه شاهد أيضا من حديث معاوية بن حيدة وهو الآتي برقم 427، والله تعالى أعلم. [.....] 94- إسناده صحيح، محمد بن إسماعيل هو البخاري إمام فن علم الحديث. أبو أسامة اسمه حماد بن أسامة، مشهور بكنيته، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان. خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 7349 عن إسحاق بن منصور بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 3339 و4487 و7349 والترمذي بإثر 2961 وابن ماجه 4284 وأحمد (3/ 58) وابن حبان 7216 والطبري 2165 و2166 مختصرا ومطوّلا كلهم من حديث أبي سعيد الخدري. (1) الحائط: البستان. (2) في المطبوع وحده «فيسأل» . (3) ما بين المعقوفتين في المطبوع «أو» .

شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، أي: تحويلها، يعني عن بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْجَعْلِ مَحْذُوفًا عَلَى تَقْدِيرِ: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا مَنْسُوخَةً، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْكَعْبَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110] ، أَيْ: أَنْتُمْ، إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَّا لِنَعْلَمَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا؟ قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ عَالِمٌ بِهِ فِي الْغَيْبِ، إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بما يوجد معناه لنعلم الْعِلْمَ [1] الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَقِيلَ: إِلَّا لِنَعْلَمَ، أَيْ: لِنَرَى وَنُمَيِّزَ مَنْ يَتَّبِعُ الرسول في القبلة [التي أردناها في أزلنا] [2] ، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، فَيَرْتَدُّ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ الْقِبْلَةَ لَمَّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلى [دين] [3] الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالُوا: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى دِينِ آبَائِهِ» [4] ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَاهُ إِلَّا لِعِلْمِنَا مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، كَأَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ قَوْمٍ وَضَلَالَةِ قَوْمٍ، وَقَدْ يَأْتِي لَفْظُ الِاسْتِقْبَالِ بِمَعْنَى الْمَاضِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 91] ، أَيْ: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ [5] ؟ وَإِنْ كانَتْ، أي: وقد كانت، أي [6] تولية القبلة، وَقِيلَ: الْكِتَابَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنْ كَانَتِ التَّحْوِيلَةُ لَكَبِيرَةً: ثَقِيلَةً شَدِيدَةً، إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، أَيْ: هَدَاهُمُ اللَّهُ، قَالَ سيبويه: وَإِنْ تأكيد شبيه باليمين، وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللَّامُ فِي جَوَابِهَا، وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. ع «95» وَذَلِكَ أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْيَهُودِ، قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أَخْبِرُونَا عَنْ صَلَاتِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِنْ كَانَتْ هُدًى، فَقَدْ تَحَوَّلْتُمْ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً فَقَدْ دِنْتُمُ اللَّهَ بِهَا؟ وَمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَيْهَا فَقَدْ مَاتَ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: إِنَّمَا الْهُدَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالضَّلَالَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، قَالُوا: فَمَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى قِبْلَتِنَا، وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ إلى الكعبة مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، مِنْ بَنِي النَّجَّارِ وَالْبَرَاءُ بْنُ معرور من بني سلمة، وكانا مِنَ النُّقَبَاءِ، وَرِجَالٌ آخَرُونَ، فَانْطَلَقَ عشائرهم إلى

_ (1) كذا في نسخ المطبوع. وفي المخطوط «العمل» . 2 سقط من نسخ المطبوع. 3 سقط من نسخ المطبوع. (4) لا أصل له بهذا اللفظ، ولم يلتحق باليهودية من المسلمين أحد، بل ولم يرتد أحد من المسلمين بسبب تحول القبلة، وقد أخرج الطبري 2210 عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ؟ فقال عطاء: يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره. قال ابن جريج: بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا: مرة هاهنا ومرة هاهنا اهـ. ومرسل ابن جريج هذا ليس بشيء، قال أحمد: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج، أحاديث موضوعة، كان لا يبالي من أين يأخذها. راجع «الميزان» (2/ 659) . (5) في المخطوط «قتلتم» دون «فلم» . (6) في المطبوع وحده «أو» . 95- ع لم أره مسندا بهذا السياق. وبنحوه أخرج أبو داود 4680 والترمذي 2964 والطيالسي 2673 وأحمد (1/ 295 و304) والدارمي (1/ 281) والطبري 2224 والحاكم (2/ 269) والطبراني 11729 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا توجه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله، فكيف الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وإسناده حسن لأجل سماك بن حرب، وقد توبع. فقد ورد من حديث البراء بن عازب وفيه: «مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ، وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» أخرجه البخاري 40 و4486 ومسلم 525 والترمذي 340 وابن ماجه 1010 وأحمد (4/ 283) وابن حبان 1716، وفي الباب أحاديث.

[سورة البقرة (2) : آية 144]

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَرَفَكَ [اللَّهُ] [1] إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَكَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ. يَعْنِي: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ. قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَابْنُ عامر وحفص «لرؤوف» مشبعا عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فَعُولٍ وَفَعِيلٍ، كَالْغَفُورِ وَالشَّكُورِ [وَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ] [2] وَغَيْرِهَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ يُلِينُ الْهَمْزَةَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالِاخْتِلَاسِ عَلَى وَزْنِ فَعُلٍ، قَالَ جَرِيرٌ: [تَرَى] [3] لِلْمُسْلِمِينَ عليك حقا ... كفعل الوالد [4] الرؤوف الرحيم والرأفة: أشد الرحمة. [سورة البقرة (2) : آية 144] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي التِّلَاوَةِ فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّهَا رَأْسُ الْقِصَّةِ، وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنْ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى المدينة أمره أَنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ إِيَّاهُ إِذَا صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ مَعَ مَا يَجِدُونَ مِنْ نَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، فَصَلَّى بَعْدَ الْهِجْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وكان يجب أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلام، ع «96» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ من أجل الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِينِنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا، فَقَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَدِدْتُ لَوْ حَوَّلَنِي اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَإِنَّهَا قِبْلَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ» ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ وَأَنْتَ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّكَ فَسَلْ أَنْتَ رَبَّكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ الله عزّ وجلّ بمكان، فعرج جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ جِبْرِيلُ بِمَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً، فَلْنُحَوِّلُنَّكَ إِلَى قِبْلَةٍ تَرْضاها، أَيْ: تُحِبُّهَا وَتَهْوَاهَا، فَوَلِّ، أَيْ: حَوِّلْ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أَيْ: نَحْوَهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْكَعْبَةَ، وَالْحَرَامُ: الْمُحَرَّمُ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ، مِنْ بَرٍّ [أَوْ بَحْرٍ] [5] شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، عند الصلاة.

_ 96- ع ضعيف. أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (1/ 186) من حديث ابن عباس، وفي إسناده الواقدي وهو ضعيف متروك، وقد ذكره الواحدي في «الوسيط» (1/ 229) و «الأسباب» بإثر 73 فقال: قال المفسرون ... فذكره. - وفي الباب من حديث البراء بن عازب عند ابن ماجه 1010. قال البوصيري في «الزوائد» : حديث البراء صحيح رجاله ثقات اهـ. وله علة وهي أن الجماعة رووه بغير هذا السياق، وليس فيه جبريل، ولا مخاطبة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم له، ولعل الوهن فيه بسبب عنعنة أبي إسحاق السبيعي، فإنه مدلس، وقد عنعن. وشيخ ابن ماجه وهو علقمة بن عمرو صدوق يغرب. (1) سقط من المطبوع وحده. (2) سقط من المخطوط. [.....] (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «الواحد» والمثبت عن «الوسيط» (1/ 228) وديوان جرير 608. (5) العبارة في المطبوع «أو نحو» .

«97» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سمعت ابن عباس قَالَ:. لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» . «98» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ على أهل مسجد وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إذا كان يصلّي قبل بيت المقدس، وأهل الْكِتَابِ، فِلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالَ الْبَرَاءُ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [البقرة: 143] . وَكَانَ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ فِي رَجَبٍ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ قَبْلَ قِتَالِ بدر بشهرين. ع «99» قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ بَنِي سلمة، وقد صلّى بأصحابه

_ 97- إسناده على شرط البخاري، تفرد البخاري بالرواية عن إسحاق بن نصر البخاري السعدي، ومن فوقه على شرطهما. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز. وهو في «شرح السنة» 449 بهذا الإسناد. خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 398 عن إسحاق بن نصر بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1330 من طريق محمد بن بكر عن ابن جريج به. - وفي الباب من حديث أسامة بن زيد عند مسلم 1330 والنسائي (5/ 220- 221) وعبد الرزاق 9056 وابن حبان 3208 والطبري 2257 و2260 والبيهقي (2/ 328) . 98- إسناده صحيح على شرط البخاري. زهير هو ابن معاوية، وأبو إسحاق هو السبيعي، اسمه عمرو بن عبد الله الهمداني. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 40 عن عمرو بن خالد بهذا الإسناد وأخرجه البخاري 399 و4486 و4492 و7252 ومسلم 525 والترمذي 340 و2962 والنسائي (2/ 60) وابن ماجه 1010 والطيالسي 719 وابن أبي شيبة (1/ 334) وأحمد 4/ 283 وأبو عوانة 1/ 393 و394 وابن حبان 1716 والدارقطني (1/ 273) والبغوي في «شرح السنة» 445 والبيهقي (2/ 2) من طرق عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ به. 99- ع ضعيف بهذا اللفظ. عزاه المصنف لمجاهد وغيره، وإسناده إلى مجاهد في مقدمة الكتاب، وفيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف، ومع ذلك هو مرسل. وذكره ابن سعد في «الطبقات» (1/ 186) بقوله: «ويقال: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم ركعتين ... » فذكره بدون إسناده. - وكذا ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 195) بقوله: وذكر غير واحد من المفسرين أن تحويل القبلة نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم.... فذكره. - وقال الحافظ في تخريج الكشاف (1/ 202) : أخرجه الواقدي في المغازي، ونقله عنه ابن سعد ثم أبو الفتح اليعمري اهـ. والواقدي متروك الحديث، وهذا المتن بهذا اللفظ منكر ضعيف. والصحيح ما بعده.

[سورة البقرة (2) : آية 145]

رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ فِي الصَّلَاةِ وَاسْتَقْبَلَ الْمِيزَابَ [1] ، وَحَوَّلَ الرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ. وَقِيلَ: كَانَ التَّحْوِيلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَهْلُ قُبَاءٍ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْخَبَرُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. «100» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ السَّامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بقباء في صلاة الصبح إذا جَاءَهُمْ آتٍ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ مَا هُوَ إِلَّا شَيْءٌ تَبْتَدِعُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ فَتَارَةً تُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَارَةً إِلَى الْكَعْبَةِ، وَلَوْ ثَبَتَّ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ، يَعْنِي: أَمْرَ الْكَعْبَةِ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، ثُمَّ هَدَّدَهُمْ فَقَالَ: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ تَطْلُبُونَ مَرْضَاتِي وَمَا أَنَا بِغَافِلٍ عَنْ ثَوَابِكُمْ [2] وَجَزَائِكُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: مَا أَنَا بِغَافِلٍ عَمَّا يَفْعَلُ الْيَهُودُ فَأُجَازِيهِمْ في الدنيا وفي الآخرة. [سورة البقرة (2) : آية 145] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، قَالُوا: ائْتِنَا بِآيَةٍ على ما تقول، قال اللَّهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ: مُعْجِزَةٍ، مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ، وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، لِأَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ الْمَغْرِبُ، وَالنَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ، وَقِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةُ. «101» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ محمد الجراحي [3] ،

_ (1) وقع في الأصل «الميزان» والمثبت هو الصواب. (2) في المخطوط «توليتكم» . (3) في المطبوع «بن الجراح» بدل «الجراحي» والمثبت عن «شرح السنة» ووقع في المخطوط «الخزاعي» . 100- إسناده صحيح. أبو مصعب أحد الأئمة الذين رووا الموطأ عن مالك وهو من فوقه رجال البخاري ومسلم، وهو إسناد كالشمس. وهو في «شرح السنة» 446 بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 195) عن ابن دينار به. وأخرجه البخاري 403 و4488 و4490 و4491 و4494 و7251 ومسلم 526 والنسائي (2/ 61) والشافعي (1/ 64) وابن أبي شيبة (1/ 335) وأحمد (2/ 16 و26 و105) والدارمي 281 وأبو عوانة (1/ 394) وابن حبان 1715 والبيهقي (2/ 2 و11) من طرق من حديث ابن عمر. 101- حديث حسن بشواهده وطرقه. إسناده لا بأس به لأجل عبد الله بن جعفر المخرمي. وباقي رجال الإسناد ثقات. وهو في «شرح السنة» 447 بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق الترمذي، وهو في «سننه» 344 عن الحسن بن بكر بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 342 و343 وابن ماجه 1011 من وجه آخر عن أبي معشر نجيح عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بلفظ: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وعلّقه النسائي (4/ 172) وقال: أبو معشر ضعيف، مع ضعفه اختلط وعنده مناكير. وقال الترمذي عقب الروآية الأولى والثانية: أبو معشر اسمه نجيح قال البخاري: لا أروي عنه شيئا. ثم قال الترمذي: قال البخاري. وحديث الأخنسي أقوى من حديث أبي معشر وأصح اهـ. - وحديث الأخنسي في الروآية الثالثة للترمذي. - وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني (1/ 270) والبيهقي (2/ 9) وصححه الحاكم (1/ 205) وقال: على شرطهما! وسكت الذهبي! مع أن فيه شعيب بن أيوب تفرد عنه أبو داود، وهو ثقة، لكنه مدلس ثم ساقه الحاكم من وجه آخر عن ابن عمر وقال: هذا حديث صحيح وقد أوفقه جماعة على ابن عمر، ووافقه الذهبي سكوتا. - وفي «نصب الرآية» (1/ 303) قال الزيلعي: هذا الحديث تكلم فيه أحمد وقوّاه البخاري. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» 528: قال أبو زرعة: هذا حديث فيه وهم. بل هو موقوف على ابن عمر اهـ. قلت: قد ورد من حديث أبي هريرة، من طريقين، أحدهما يقرب من الحسن بمفرده. - لذا صححه الألباني في الإرواء (2/ 102) لهذه الطرق، ومع ذلك لا يبلغ درجة الصحة فهو معلول. بعضهم أعله بالإرسال وبعضهم أعله بالوقف، وحسبه أن يكون حسنا، وقد ورد عن عمر قوله، أخرجه مالك (1/ 201) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 148]

أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن جعفر المخرميّ [1] ، عَنْ عُثْمَانَ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما بين المشرق والمغرب [قبلة] [2] » . وَأَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَرَادَ بِالْمُشْرِقِ: مَشْرِقَ الشِّتَاءِ في أقصر يوم من السَّنَةِ، وَبِالْمَغْرِبِ: مَغْرِبَ الصَّيْفِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، فَمَنْ جَعَلَ مَغْرِبَ الصَّيْفِ فِي هَذَا الوقت عن [3] يمينه ومشرق الشتاء عن يَسَارِهِ كَانَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ: مُرَادَهُمُ، الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، من الْحَقِّ فِي الْقِبْلَةِ، إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 148] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، يَعْرِفُونَهُ، يَعْنِي: يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ: مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فَكَيْفَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رأيته كما أعرف [4] ابْنِي، وَمَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بابني، فقال عمر: وكيف ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا، وَلَا أَدْرِي مَا تَصْنَعُ النِّسَاءُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ سَلَامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ [5] ، وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ

_ (1) وقع في الأصل «المخزومي» وكذا في تفسير ابن كثير (1/ 164) والتصويب من سنن الترمذي و «التقريب» لابن حجر. و «شرح السنة» . (2) لفظ «قبلة» في نسخ المطبوع في أول الأثر، والمثبت عن المخطوط وكتب الحديث وشرح السنة. (3) في المطبوع «على» . [.....] (4) في المطبوع «عرفت» . (5) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 271) ونسبه للثعلبي من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن ابن عباس، وإسناده ساقط، لكن ورد من وجوه أخر واهية.

[سورة البقرة (2) : الآيات 149 الى 150]

لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ، يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرَ الْكَعْبَةِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ. ثُمَّ قَالَ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أَيْ: هَذَا الْحَقُّ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وَقِيلَ: رفع بإضمار فعل، أي: جاء الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: الشَّاكِّينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ ، أَيْ: لِأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ قِبْلَةٌ، وَالْوِجْهَةُ: اسْمٌ لِلْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ، وَمُوَلِّيها ، أي: مستقبلها، ومقبل عليها، يُقَالُ: وَلَّيْتُهُ، وَوَلَّيْتُ إِلَيْهِ إِذَا أقبلت عليه، وَوَلَّيْتُ عَنْهُ إِذَا أَدْبَرْتُ عَنْهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مُوَلِّيهَا وَجْهَهُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَعْنِي [اللَّهُ تعالى] [1] : مُوَلِّي الْأُمَمِ إِلَى قِبْلَتِهِمْ، وَقَرَأَ ابن عامر: «هو مُوَلَّاهَا» ، أَيِ: الْمُسْتَقْبِلُ مَصْرُوفٌ إِلَيْهَا، اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ، أَيْ: إِلَى الْخَيِّرَاتِ، يُرِيدُ بَادَرُوا بِالطَّاعَاتِ، وَالْمُرَادُ: الْمُبَادَرَةُ إِلَى القبول، يْنَ ما تَكُونُوا : أنتم وأهل الكتاب، أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً : يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيجزيكم بأعمالكم [إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فشر] [2] ،نَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 149 الى 150] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) ، قَرَأَ أبو عمرو بالياء، و [قرأ] [3] الباقون بِالتَّاءِ. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّمَا كَرَّرَ لِتَأْكِيدِ [4] النَّسْخِ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَوَجْهِ قَوْلِهِ: إِلَّا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى غَيْرِهَا، فَيَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَكُمْ قِبْلَةٌ، إِلَّا الذين ظلموا [منهم] [5] وهم قُرَيْشٌ وَالْيَهُودُ، فَأَمَّا قُرَيْشٌ فَتَقُولُ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا الْحَقُّ وَأَنَّهَا قِبْلَةُ آبَائِهِ، فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا [وما نحن عليه] [6] ، وَأَمَّا الْيَهُودُ، فَتَقُولُ: لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ عِلْمِهِ أنه حَقٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُخَاصَمَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَا دَرَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قَبِلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ [7] إِلَى الْكَعْبَةِ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَحَيَّرَ فِي دِينِهِ وَسَيَعُودُ إِلَى مِلَّتِنَا كَمَا عَادَ إِلَى قِبْلَتِنَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَعَلَى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا، وَقَوْلُهُ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، يَعْنِي: لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ إِلَّا

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) سقط من نسخ المطبوع. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «لتأييد» . (5) سقط من المخطوط. (6) سقط من نسخ المطبوع. (7) في المطبوع «قبلتهم» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 151 الى 152]

مشركو قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ يُحَاجُّونَكُمْ فَيُجَادِلُونَكُمْ وَيُخَاصِمُونَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ يُسَمَّى: حُجَّةً كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشُّورَى: 16] ، وَمَوْضِعُ الَّذِينَ خَفْضٌ كَأَنَّهُ قَالَ: [سوى] [1] إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا، قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الفراء: نصب [على] الاستثناء، قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْهُمْ، يَعْنِي: مِنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ مَعْنَاهُ وَلَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يُجَادِلُونَكُمْ بِالْبَاطِلِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ [النِّسَاءِ: 157] ، يَعْنِي: لَكِنْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، فَهُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: مَا لَكَ عِنْدِي حَقٌّ إِلَّا أَنْ تظلمني، قَالَ أَبُو رَوْقٍ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، يَعْنِي: الْيَهُودَ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الْكَعْبَةَ [قبلة] [2] لإبراهيم، وَوَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا، فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إليها لئلا يكون لهم حجة فيقولوا: إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا وَلَمْ تُحَوَّلْ أَنْتَ، فَلَمَّا حُوِّلَ إِلَيْهَا ذَهَبَتْ حُجَّتُهُمْ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يَظْلِمُوا فَيَكْتُمُوا مَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَوْلُهُ [3] إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ، وَلَكِنْ إِلَّا فِي مَوْضِعِ وَاوِ الْعَطْفِ، يَعْنِي: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْضًا لَا يَكُونُ لَهُمْ حُجَّةٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ مَعْنَاهُ: وَالْفَرْقَدَانِ أَيْضًا يَتَفَرَّقَانِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: فَتُوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ- يَعْنِي لليهود- عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ فَيَقُولُوا: لِمَ تَرَكْتُمُ الْكَعْبَةَ وَهِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِهِ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَيَقُولُونَ لِمَ تَرَكَ مُحَمَّدٌ قِبْلَةَ جَدِّهِ وَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى قِبْلَةِ الْيَهُودِ؟ فَلا تَخْشَوْهُمْ: فِي انْصِرَافِكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَفِي تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكُمْ بِالْمُجَادَلَةِ، فَإِنِّي وَلِيُّكُمْ أُظْهِرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ، وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ، [عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ] [4] ، وَلِكَيْ أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِهِدَايَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى قِبْلَةِ إبراهيم، فتتمّ به لكم الملة الحنيفية، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَامُ النِّعْمَةِ الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ سَعِيدُ بن جبير: [و] لا يتم [نعمته] [5] على المسلم إلا أن يدخل الْجَنَّةَ، وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: لِكَيْ تَهْتَدُوا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَلَعَلَّ وَعَسَى مِنَ الله واجب. [سورة البقرة (2) : الآيات 151 الى 152] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) قَوْلُهُ تَعَالَى: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ، هذه الكاف للتشبيه، تحتاج إلى شيء ترجع إليه، فقال بعضهم: يرجع إِلَى مَا قَبِلَهَا، مَعْنَاهُ: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رسولا منكم، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَعْوَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [الْبَقَرَةِ: 128] ، وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [الْبَقَرَةِ: 129] ، فَبَعَثَ اللَّهُ الرَّسُولَ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَوَعَدَ إِجَابَةَ الدعوة الثانية أن يجعل من [6] ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، يَعْنِي: كَمَا أجبت [7] دعوته ببعث الرسول، كذلك أَجَبْتُ [8] دَعْوَتَهُ بِأَنْ أَهْدِيَكُمْ لِدِينِهِ وَأَجْعَلَكُمْ مُسْلِمِينَ، وَأُتِمَّ نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ بِبَيَانِ شَرَائِعِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالْكَلْبِيُّ: هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، معناه:

_ (1) سقط من المخطوط. (2) سقط من المطبوع. (3) في المطبوع «قبله» . (4) زيد في نسخ المطبوع. (5) في المطبوع «نعمة» . [.....] (6) في المطبوع وحده «في» . 7 في المطبوع «أجيبت» . 8 في المطبوع «أجيبت» .

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ فَاذْكُرُونِي، وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْعَرَبِ، يَعْنِي: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ رَسُولًا مِنْكُمْ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، قِيلَ: الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ، وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، من الْأَحْكَامَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي أذكركم بمعونتي، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: [اذْكُرُونِي بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وقيل] [1] : اذْكُرُونِي فِي النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ أَذْكُرْكُمْ في الشدّة والبلاء، بيانه: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) [الصَّافَّاتِ: 144] . «102» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ منه، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنَّ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعَا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» . «103» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاضِي، وَثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الدِّمَشْقِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا مُنْذِرُ بْنُ زياد عن صخر بن

_ 102- إسناده على شرط البخاري ومسلم. عمر بن حفص هو ابن غياث من رجال البخاري ومسلم، وكذا من فوقه، الأعمش هو سليمان بن مهران، وأبو صالح اسمه ذكوان مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» 1244 بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 7405 عن عمر بن حفص بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 7505 و7537 مختصرا ومسلم 2675 والترمذي 3603 وابن ماجه 3822 وأحمد (2/ 251 و413 و516 و534) وابن خزيمة في «التوحيد» (ص 7) وابن حبان 811 والبيهقي في «الشعب» 550 وفي «الأسماء والصفات» من طريق أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. 103- أصل المتن محفوظ. إسناده ضعيف جدا. فيه منذر بن زياد الطائي، وهو متروك الحديث، وكذبه الفلاس. وقد ساق هذا الحديث بسياق غريب. وورد بنحوه أخرجه عَبْدِ الرَّزَّاقِ (20575) عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة عن أنس مرفوعا ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (3/ 138) والبيهقي في «الأسماء والصفات» 625 والبغوي في «شرح السنة» 1243 وصححه. - وأخرجه البخاري (7536) والطيالسي (2012) وأحمد (3/ 124) و (127 و230) و (272) وأبو يعلى (3180) من طريق شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ به مختصرا، وكذا أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (960) ولفظ البخاري «إذا تقرب إليّ العبد شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة» هذا لفظ البخاري بحروفه. (1) ما بين المعقوفتين زيد في المطبوع وحده، ومع ذلك هو الصواب كما يدل عليه سياق الطبري 2318 والوسيط للواحدي (1/ 234) .

جُوَيْرِيَةَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنْسٍ [بن مالك] [1] قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدَ أَنَامِلِي هَذِهِ الْعَشْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرَتْنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَتْنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَأٍ خير منه [2] ، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا وَإِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ هَرْوَلْتَ إِلَيَّ سَعَيْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْنِي غَضِبْتُ عَلَيْكَ» . «104» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بن عبيد اللَّهِ أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عبيد الله [3] ، عَنْ أُمِّ [4] الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» . «105» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عبد الرحمن أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ البغوي أخبرنا علي بن

_ 104- حديث حسن صحيح. إسناده ضعيف لضعف يحيى بن عبيد الله، وهو ابن الضحاك الحراني ابن امرأة الأوزاعي، لكن لم يتفرد به حيث تابعه غير واحد. أم الدرداء هي الصغرى اسمها هجيمة، ثقة في عداد التابعين. هو في «شرح السنة» (1235) بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه (3792) وأحمد (2/ 540) والحاكم (1/ 496) من طريقين عن الأوزاعي بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 87) من طريق ابن جابر والأوزاعي قالا: حدثنا إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة عن أبي هريرة به. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 510 من طريق ابن جابر يقول: حدثني إسماعيل بن عبيد الله عن كريمة بنت الحسحاس المزنية أنها قالت: حدثنا أبو هريرة ونحن في بيت هذه- يعني أم الدرداء. - قال:.... فذكره. وأخرجه البيهقي 509 من وجه آخر عن إسماعيل بن عبيد الله بالإسناد المتقدم. الخلاصة: روي من عدة طرق عن الأوزاعي، والأوزاعي فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، فهو حديث حسن أو صحيح. والله أعلم. 105- حديث صحيح. إسناده حسن، إسماعيل بن عياش حسن الحديث في روايته عن أهل بلده، وهذا منها. فإن شيخه شامي، ولم ينفرد به بل تابعه غير واحد. وهو في «شرح السنة» 1238 بهذا الإسناد. أخرجه الترمذي 3375 وابن ماجه 3793 وأحمد (4/ 190) وابن حبان 814 والحاكم (1/ 495) من طريق معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، واستغربه الترمذي ومعاوية بن قيس، صدوق له أوهام وقد خرج له مسلم، وشيخه ثقة. وأخرجه أحمد (4/ 188) من طريق علي بن عياش عن حسان بن نوح عن عمرو بن قيس به. - وله شاهد من حديث معاذ بن جبل عن ابن السني في «اليوم والليلة» 2 وابن حبان 818 والطبراني في «الكبير» (20/ 93 و107 و108) من طرق. وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، صدوق يخطئ، وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 74) : رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذه الطريق خالد بن يزيد عبد الرحمن بن أبي مالك، ضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله ثقات. ورواه البزار من غير طريقه، وإسناده حسن اهـ. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وقد صححه الشيخ شعيب في «الإحسان» والله الموفق. (1) سقط من المطبوع. (2) في المطبوع «منهم» . (3) وقع في الأصل «عبد» والتصويب من كتب الحديث وكتب التراجم. (4) وقع في الأصل «أبي» والمثبت من «ط» ومن «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى 154]

الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ [1] ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ [2] المازني قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ، يَعْنِي: وَاشْكُرُوا لِي بِالطَّاعَةِ وَلَا تَكْفُرُونِي بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ شَكَرَهُ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ كَفَرَهُ. [سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى 154] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) : بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ، نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: مَاتَ فَلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ [أي هم أَمْوَاتٌ] [3] ، بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) [آلِ عِمْرَانَ: 169] ، قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ، كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وعشية، فيصل إليهم الوجع. [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى 156] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، أَيْ: وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّامُ: لِجَوَابِ القسم [المحذوف] [4] ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِنَبْلُوَنَّكُمْ، وَالِابْتِلَاءُ [مِنَ اللَّهِ] [5] لِإِظْهَارِ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي، لَا لِيَعْلَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عالما به، بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي خَوْفَ الْعَدُوِّ، وَالْجُوعِ، يَعْنِي: الْقَحْطَ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ: بِالْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ، وَالْأَنْفُسِ، يَعْنِي: بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ، وَقِيلَ: بِالْمَرَضِ وَالشَّيْبِ [6] ، وَالثَّمَراتِ، يَعْنِي: بالجوائح فِي الثِّمَارِ، وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْخَوْفُ خَوْفُ اللَّهِ تعالى، والجوع

_ (1) وقع في الأصل «عباس» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «بشير» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . [.....] (3) سقط من نسخ المطبوع. (4) زيد في نسخ المطبوع. 5 في المخطوط «والتشتيت» . 6 في المخطوط «والتشتيت» .

صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصٌ مِنَ الْأَمْوَالِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْأَنْفُسُ الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتُ مَوْتُ الْأَوْلَادِ، لِأَنَّ وَلَدُ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. «106» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي فَقَالَ: أَلَا أبشرك؟ حدثني الضحاك [بن عبد الرحمن بن عَرْزَبٍ] [1] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ولد العبد قال الله لِمَلَائِكَتِهِ: أَقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالُوا: اسْتَرْجَعَ وَحَمِدَكَ، قَالَ: ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ» . وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ: عَلَى الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ: عَبِيدًا وَمِلْكًا، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ: فِي الْآخِرَةِ. «107» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ [أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا مُحَاضِرُ بْنُ المورّع [2] أخبرنا [سعد بن] [3] سعيد عن

_ 106- إسناده ضعيف، أبو سنان هو عيسى بن سنان القسملي الفلسطيني، ضعفه ابن معين وأحمد وغيرهما، ولينه الذهبي، وشيخه أبو طلحة الخولاني شبه مجهول، وثقه ابن حبان وحده، وقال عنه الحافظ: مقبول. أي حيث يتابع. ولم أجد من تابعه. وهو في «شرح السنة» 1543 بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 1021 والطيالسي 508 وأحمد (4/ 415) ونعيم بن حماد في «زوائد الزهد» 108 وابن حبان 2948 من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سنان به. (1) وقع في الأصل «عن عروة» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التخريج. 107- إسناده صحيح على شرط مسلم، مولى أم سلمة هو ابن سفينة، كذا سماه مسلم وغيره. وقال الحافظ في التقريب: جزم ابن منده بأنه عمر اهـ. أي عمر بن سفينة. - وهو في «شرح السنة» 1456 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 918 وأحمد (6/ 309) والبيهقي في «الشعب» 9697 من طريق سعد بن سعيد عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أفلح عن ابن سفينة مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سلمة به. - والحديث ورد من طرق كثيرة. فقد أخرجه أبو داود 3119 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» 1072 وابن سعد في «الطبقات» (8/ 89- 90) وأحمد (6/ 313) والطبراني (13/ 506 و507) من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ البناني عن ابن عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أبيه عن أم سلمة به. وابن عمر بن أبي سلمة وثقه ابن حبان وقال الحافظ في «التقريب» : مقبول. - وأخرجه أحمد (4/ 27- 28) من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن عمر بن أبي عمرو عن المطلب عن أم سلمة عن أبي سلمة به. وهذا إسناد قوي رجاله ثقات. (2) وقع في الأصل «الموزع» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» و «التقريب» . (3) ما بين المعقوفتين مستدرك من «صحيح مسلم» ومن «ط» ومن «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : آية 157]

عُمَرَ [1] بْنِ كَثِيرِ بْنِ [2] أَفْلَحَ أَخْبَرَنَا مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ عَبْدًا فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا منها» ، قالت [3] : فلما تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، [قالت] [4] : فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ فِي الْمُصِيبَةِ مَا أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمَّةُ، يَعْنِي: الِاسْتِرْجَاعَ، وَلَوْ أُعْطِيَهَا أَحَدٌ لَأُعْطِيَهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السلام، ألا تسمع إلى قوله تَعَالَى فِي قِصَّةِ [5] يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] . [سورة البقرة (2) : آية 157] أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) أُولئِكَ: أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ: عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، صَلَوَاتٌ: أَيْ: رَحْمَةٌ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ الله رحمة [6] ، و «رحمة» ذكرها الله تأكيدا، وجمع [7] الصَّلَوَاتِ، أَيْ رَحْمَةٌ [بَعْدَ رَحْمَةٍ] [8] ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ: إِلَى الِاسْتِرْجَاعِ، وَقِيلَ: إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ، وَقِيلَ: إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ الْعَدْلَانِ وَنِعْمَتِ الْعِلَاوَةُ فَالْعَدْلَانِ: الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ، وَالْعِلَاوَةُ الْهِدَايَةُ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ وَأَجْرِ الصَّابِرِينَ، مِنْهَا مَا: «108» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ [9] سَعِيدَ [10] بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خيرا يصب منه» . «109» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا [أَحْمَدُ] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

_ 108- إسناده صحيح. مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الرحمن تفرد عنه البخاري دون مسلم. وهو في «شرح السنة» 1414 بهذا الإسناد. خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 941) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 5645 والنسائي في «الكبرى» 7478 وأحمد (2/ 237) وابن حبان 2907 والقضاعي في «الشهاب» 344. 109- إسناده صحيح على شرط البخاري. (1) وقع في الأصل «عمرو» والتصويب من كتب التخريج. (2) وقع في الأصل «أنا أفلح» والتصويب من «صحيح مسلم» وكتب التراجم. (3) في المطبوع «أم سلمة» . [.....] (4) سقط من المطبوع. (5) زيد في المطبوع وحده «فقد» . (6) في المطبوع «الرحمة والرحمة» . (7) في المطبوع وط «وجميع» والمثبت عن المخطوط والوسيط. (8) سقط من المطبوع. (9) وقع في الأصل «الحبال» والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. (10) في الأصل «سعد» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» ومصادر التخريج.

يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو [1] أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ [2] وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» . «110» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِهَا لَمَمٌ [3] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَشْفِيَنِي، قَالَ: «إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكِ وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ» ، قَالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ. «111» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ خَلَفُ بن عبد الرحمن [بن

_ - وهو في «شرح السنة» 1415 بهذا الإسناد. - وهو في «صحيح البخاري» (5641 و5642) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (2/ 303) و (3/ 18 و48) وابن حبان 2905 من طريق زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بن عمرو بن حلحلة به. وقد توبع مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، فقد أخرجه مسلم 2573 والبيهقي (3/ 373) من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار به. وأخرجه الترمذي 966 وأحمد (3/ 4) و (61 و81) من حديث أبي سعيد الخدري. فقط ليس فيه ذكر أبي هريرة، وفي الباب من حديث عائشة أخرجه البخاري 5640 ومسلم 2572. (1) وقع في الأصل «عمر» والتصويب من كتب التراجم. (2) الوصب: المرض وقيل: المرض اللازم- والنصب: التعب. (3) اللمم: طرف من الجنون يلم بالإنسان أي: يقرب منه ويعتريه. 110- إسناده حسن، رجاله ثقات معروفون، سوى محمد بن عمرو وهو حسن الحديث كما قال الذهبي رحمه الله في «الميزان» (3/ 673) خرج له البخاري ومسلم متابعة، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، قيل اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، روى له الشيخان. هو في «شرح السنة» 1418 بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (2/ 441) وابن حبان 2909 من طريق محمد بن عبيد عن محمد بن عمرو. وأخرجه البزار 772 من طريق عمرو بن خليفة عن محمد بن عمرو به. وأخرجه الحاكم (4/ 218) من طريق عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عمرو به وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «المجمع» (2/ 307) : رواه البزار وإسناده حسن اهـ. قلت: ومداره على محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، وهو صدوق له أوهام كما في «التقريب» وهو حسن الحديث كما قال الذهبي آنفا والله أعلم. 111- حديث حسن. إسناده ضعيف، لأجل يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو متهم بسرقة الحديث. ما روى له أحد من الأئمة الستة، حيث لم يذكره الذهبي في «الكاشف» ، وذكره في «الميزان» و «المغني» و «ديوان الضعفاء» ، ولم يذكر له راو من الأئمة الستة، وإنما ذكره مسلم في صحيحه (2/ 155) ، ولم يخرج له، فوقع في «التقريب» [رم-، ولم ينفرد به، حيث تابعه غير واحد. وهو في شرح السنة 1428 بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2398 وابن ماجه 4023 وأحمد (1/ 185) وابن حبان 2901 والحاكم (1/ 41) من طرق عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة به. وعاصم حسن الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. وأخرجه أحمد (1/ 172 و173 و180) والدارمي (2/ 320) والحاكم (1/ 41) والبيهقي (3/ 372) عن عاصم به ولصدره شواهد كثيرة، وكذا لعجزه شواهد، وأما أثناؤه فهو حسن إن شاء الله تعالى، والله أعلم. وانظر الحديث 114.

مُحَمَّدِ بْنِ علي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ] [1] بْنِ أَبِي نِزَارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ النَّضْرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يَبْتَلِي اللَّهُ الرَّجُلَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وما له ذَنْبٍ» . «112» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عن سعد [2] بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ عظم الجزاء [3] مع عظم البلاء، وإنّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» . «113» أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ [4] بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ [5] أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هريرة قال:

_ (1) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» 1428. [.....] (2) في الأصل «سعيد» والتصويب عن «شرح السنة» ومصادر التخريج. (3) زيد في المطبوع «عند الله» والصواب ما في المخطوط وشرح السنة. (4) وقع في الأصل «زيد» والتصويب من كتب التراجم والتخريج. (5) في الأصل «وعن» والتصويب من كتب التخريج. 112- إسناده ضعيف لأجل سعد بن سنان، ويقال: سنان بن سعد. ضعفه الدارقطني، وقال النسائي: منكر الحديث. وقال الجوزجاني أحاديثه واهية. ونقل ابن القطان أن أحمد يوثقه. - وهو في «شرح السنة» 1429 بهذا الإسناد، وأخرجه الترمذي 2396 وابن ماجه 4031 والقضاعي 1121 من طريق الليث بن سعد عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه اهـ. ولفظ «فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابتلاهم» له شواهد كثيرة منها ما أخرجه أبو يعلى 4222 من طريق مجاهد بن موسى الختّليّ عن السهمي عن سليمان الحضرمي به مختصرا، والحضرمي لا يعرف وله شواهد أخرى، وأما صدره وعجزه، فلم أجده عند غيره، والله أعلم. 113- حديث جيد. إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو، وباقي الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» 1430 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2399 وأحمد (2/ 287) و450 وابن حبان 2913 و2924 والحاكم (1/ 346) والبغوي 1436 من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. وأخرجه مالك (1/ 236) بلاغا عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعا به، وهذا وإن كان منقطعا، إلا أنه يشهد لما قبله، لاختلاف مخرجه، فالحديث يرقى إلى الجودة، والله أعلم.

[سورة البقرة (2) : آية 158]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ» . «114» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو [عَلِيٍّ] [1] إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُفِيئُهُ [2] ، وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأرز لَا تَهْتَزُّ [3] حَتَّى تُسْتَحْصَدَ» . «115» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْعِيزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عُمَرَ [4] بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «عجبا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امرأته» . [سورة البقرة (2) : آية 158] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

_ 114- إسناده صحيح. أحمد بن منصور الرمادي فمن دونه ثقات. وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. معمر هو ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم وابن المسيب هو سعيد. - وهو في «شرح السنة» 1431 بهذا الإسناد. و «مصنف عبد الرزاق» 20307 عن معمر بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2809 والترمذي 2866 وأحمد (2/ 283- 284) وابن حبان 2915 والبغوي 1437 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5644 و7466 وأحمد (2/ 523) من طريق آخر عن أبي هريرة بنحوه. - وله شاهد من حديث كعب بن مالك أخرجه البخاري 5643 ومسلم 2810 والدارمي (2/ 310) والرامهرمزي في «الأمثال» 37. (1) ما بين المعقوفتين مستدرك من «ط» ومن «شرح السنة» . (2) تفيئه: تميله. (3) في المطبوع وحده «تهتم» . (4) في الأصل «عمرو» والتصويب عن «شرح السنة» ومصادر التخريج. 115- إسناده صحيح. العيزار بن حريث، من رجال مسلم، وباقي الإسناد على شرطهما، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السّبيعي. - هو في «شرح السنة» 1534 بهذا الإسناد. - وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20310 عن معمر بهذا الإسناد. وأخرجه الطيالسي 211 وعبد الرزاق في «المصنف» 20310 وأحمد (1/ 173) و (177 و182) والطبراني في «الأوسط» 6119 والبيهقي (3/ 375) و (376) من طريق عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وقاص عن أبيه. - وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 209) : رواه أحمد بأسانيد، ورجالها رجال الصحيح- وقال في موضع آخر (10/ 95) : رواه أحمد بأسانيد والطبراني في «الأوسط» والبزار وأسانيد أحمد رجالها رجال الصحيح، وكذلك بعض أسانيد البزار اهـ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، الصَّفَا جَمْعُ: صَفَاةٍ، وَهِي الصَّخْرَةُ الصُّلْبَةُ الْمَلْسَاءُ، يقال صفاة وصفى، مِثْلَ: حَصَاةٌ وَحَصَى وَنَوَاةٌ وَنَوَى، وَالْمَرْوَةُ: الْحَجَرُ الرَّخْوُ، وَجَمْعُهَا: مَرَوَاتٌ، وَجَمْعُ الْكَثِيرِ: مَرْوٌ، مِثْلَ: تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرٌ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِمَا الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِمَكَّةَ فِي طَرَفَيِ الْمَسْعَى، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَشَعَائِرُ اللَّهِ أَعْلَامُ دِينِهِ، أَصْلُهَا مِنَ الْإِشْعَارِ، وَهُوَ الْإِعْلَامُ، وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ مَعْلَمًا لِقُرْبَانٍ [1] يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبِيحَةٍ فَهُوَ شَعِيرَةٌ، فَالْمَطَافُ وَالْمَوْقِفُ والمنحر [2] كلها شعائر لله [3] وَمِثْلُهَا الْمَشَاعِرُ، وَالْمُرَادُ بِالشَّعَائِرِ [4] هَاهُنَا: الْمَنَاسِكُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا لِطَاعَتِهِ فَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ مِنْهَا حَتَّى يُطَافَ بِهِمَا جَمِيعًا، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ، فَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَالْعُمْرَةُ: الزِّيَارَةُ، وَفِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمَشْرُوعَيْنِ: قَصْدٌ وَزِيَارَةٌ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، أَيْ: لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَحَ، أَيْ: مَالَ عَنِ الْقَصْدِ، أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، أَيْ: يَدُورَ بِهِمَا، وَأَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ أَسَافُ وَنَائِلَةُ، وَكَانَ أَسَافُ عَلَى الصَّفَا وَنَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمَيْنِ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِمَا [5] ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَيْرَيْنِ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دَمٌ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِمَا: «116» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الخلال، أخبرنا أبو

_ 116- حديث حسن. إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن المؤمّل، لكن لم ينفرد به، تابعه غير واحد كما سيأتي، وباقي رجال الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» 1914 بهذا الإسناد. - وفي «مسند الشافعي» (1/ 351- 352) عن عبد الله بن المؤمل بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (6/ 421) والدارقطني (2/ 256) والحاكم (4/ 70) والطبراني (24/ 225- 227) والبيهقي (5/ 98) من حديث حبيبة بنت أبي تجراة، وإسناده ضعيف، لضعف عبد الله بن مؤمل سكت عليه الحاكم. وقال الذهبي: لم يصح. وضعّف إسناده ابن حجر في «تخريج الكشاف» (1/ 209) وقال الزيلعي في «نصب الراية» (3/ 55) : ورواه إسحاق وابن عدي، وأعله ابن عدي بابن مؤمل، ونقل عن أحمد وابن معين والنسائي تضعيفه. وقال ابن القطان: قد اضطرب فيه ابن المؤمل اضطرابا كثيرا، وذلك دليل على سوء حفظه، وقلة ضبطه اهـ. ملخصا. - وله شاهد من حديث صفية بنت شيبة أخرجه الطبراني في «الكبير» (24/ 323) وإسناده ضعيف فيه المثنى بن الصباح ضعيف وفيه إرسال أيضا. - وورد عن صفية بنت شيبة عن امرأة أخبرتها ... أخرجه أحمد (6/ 437) ، وإسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي، وبه أعله الهيثمي في «المجمع» (3/ 248/ 5523) وجهالة الصحابي لا تضر. (1) في المطبوع «لقربات» . [.....] (2) في المطبوع «والنحر» . (3) سقط لفظ الجلالة من المخطوط. وهو في- ط- «الله» . (4) في المطبوع «بالمشاعر» . (5) في المخطوط والوسيط «يمسحونهما» .

الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المؤمل [1] الْعَائِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ [2] ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تِجْرَاةَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ. قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ، حَتَّى لَأَقُولُ: إِنِّي لِأَرَى رُكْبَتَيْهِ [3] ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» . «117» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ [4] مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ، كَانَتْ: فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ [5] ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ [6] أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ

_ - وقد توبع فقد أخرجه الطبراني (24/ 206- 207) عن صفية عن تملّك العبدرية، وإسناده ضعيف لضعف المثنى بن الصباح وقال الهيثمي 5522: وثقه يحيى في رواية، وضعفه جماعة، وله علة ثانية: وهي مهران بن أبي عمر، قال الزيلعي في «نصب الراية» (3/ 56- 57) : قال البخاري: في حديثه اضطراب، وللحديث طريق حسن، أخرجه الدارقطني (2/ 255) والبيهقي (5/ 97) كلاهما عن ابن المبارك أخبرني معروف بن مشكان. قال: أخبرني منصور بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أُمِّهِ صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم ... الحديث. قال الزيلعي (3/ 56) : قال صاحب «التنقيح» - ابن عبد الهادي: إسناده صحيح، ومعروف بن مشكان باني كعبة الرحمن صدوق لا نعلم من تكلم فيه، ومنصور هذا ثقة، مخرّج له في الصحيحين. - وللحديث شاهد آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الأوسط» 5028 وإسناده ضعيف جدا، فيه المفضل بن صدقة قال الهيثمي في «المجمع» 5527: متروك. - لكن الحديث بطرقه وشواهده يصير حسنا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا سيما وقد قال الحافظ في «الفتح» عقب حديث 1643: له طرق أخرى في صحيح ابن خزيمة، وعند الطبراني عن ابن عباس وإذا انضمت إلى الأولى قويت، والعمدة في الوجوب «خذوا عني مناسككم» اهـ. (1) وقع في الأصل «نوفل» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» وكتب التخريج والتراجم. (2) وقع في الأصل «محيص» والتصويب من كتب التراجم. (3) في المطبوع «ركبته» . (4) تحرف في المطبوع إلى «الحسين» . (5) القديد: موضع بين مكة والمدينة كما في «اللسان» . (6) في المطبوع «يتحرون» . 117- إسناده صحيح على شرطهما، عروة هو ابن الزبير. وهو في «شرح السنة» 1913 بهذا الإسناد. وفي «الموطأ» (1/ 373) عن هشام بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1970 ومسلم 1277 وأبو داود 1901 وابن ماجه 2986 وابن خزيمة 2769 وابن حبان 3839 من طريق هشام بن عروة عن عروة عن عائشة. - وأخرجه البخاري 1643 ومسلم 1277 والترمذي 2965 والنسائي (5/ 237- 238) والحميدي 219 وأحمد (6/ 144) وابن حبان 3840 من طريق الزهري عن عروة عن عائشة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 163]

الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الْآيَةَ. وقال عَاصِمٌ [1] : قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ. «118» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا يَقُولُ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» ، فَبَدَأَ بِالصَّفَا، وَقَالَ: كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [2] وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ، يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَدْعُو وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: كَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذا نصبت قدماه في بطن الوادي سعى [3] حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: حَجَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَعَلَيْهِ عباءتان قطوانيتان فطاف بالبيت، ثُمَّ صَعِدَ الصَّفَا وَدَعَا ثُمَّ هبط إلى المسعى [4] وَهُوَ يُلَبِّي فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبّيك، قال الله تعالى: لبيك عبدي، أنا معك وسامع لك وناظر إليك، فَخَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاجِدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ، [وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا [الْبَقَرَةِ: 184] ، بِمَعْنَى: يتطوع، ووافق يعقوب في الأول وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ] [5] ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ ومن [6] تطوّع بالطوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ فَمَنْ تَطَوَّعَ، أَيْ: زَادَ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ الْوَاجِبِ، وَقِيلَ: مَنْ تَطَوَّعَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ سَائِرَ الْأَعْمَالِ، يَعْنِي: فِعْلَ غَيْرِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَغَيْرِهَا [7] مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ، مُجَازٍ لِعَبْدِهِ بِعَمَلِهِ، عَلِيمٌ: بِنِيَّتِهِ، وَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَ لِعَبْدِهِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، يشكر اليسير ويعطي الكثير. [سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 163] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163)

_ 118- إسناده صحيح على شرط مسلم. محمد هو ابن علي بن الحسين- وهو- محمد الباقر- هو وابنه من رجال مسلم. - وهو في «شرح السنة» 1912 بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 372) من طريق جعفر بن محمد بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1218 وأبو داود 1905 وابن ماجه 3074 والدارمي 1793 من طريق حاتم بن إسماعيل عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبيه به مطوّلا في أثناء حديث صفة حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» 3967 من طريق الليث عن ابن الهادي عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2967 من طريق سفيان عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد مختصرا. (1) عاصم هو ابن سليمان الأحول أحد الأئمة الثقات. وزيد في المخطوط «أبو» قبل «عاصم» وهو خطأ. [.....] (2) زيد في المطبوع «يحيي ويميت» دون المخطوط وشرح السنة. (3) في المطبوع «يسعى» . (4) في المطبوع «السعي» . (5) ما بين المعقوفتين زيد في نسخ المطبوع. (6) في المطبوع «فإن» . (7) في المطبوع «وغيره» .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ اليهود [حين] [1] كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةَ الرَّجْمِ وَغَيْرَهُمَا من [سائر] [2] الْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ، أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ، وَأَصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ وَالْبُعْدُ، وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، أَيْ: يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَلْعَنَهُمْ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ اللَّاعِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَمِيعُ الْخَلَائِقِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: جَمِيعُ عباد الله، وقال ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا تَلَاعَنَ اثْنَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجَعَتِ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلَى [3] الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّاعِنُونَ: الْبَهَائِمُ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ إِذَا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ وَأَمْسَكَ الْمَطَرُ، وَقَالَتْ [4] : هَذَا مِنْ شُؤْمِ ذُنُوبِ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا: مِنَ الكفر، وَأَصْلَحُوا: أسلموا أو أصلحوا الْأَعْمَالَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، وَبَيَّنُوا: مَا كَتَمُوا، فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ: أتجاوز عنهم [جميع سيئاتهم] [5] وَأَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ، وَأَنَا التَّوَّابُ: الرَّجَّاعُ بِقُلُوبِ عِبَادِي الْمُنْصَرِفَةِ عَنِّي إِلَيَّ، الرَّحِيمُ: بِهِمْ بَعْدَ إِقْبَالِهِمْ عَلَيَّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ، أَيْ: لَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هَذَا يوم القيامة يوقف الكافر فليعنه اللَّهُ ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَالْمَلْعُونُ هُوَ [6] مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ، فَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قِيلَ: يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْقِيَامَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [الْعَنْكَبُوتِ: 25] ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَلْعَنُونَ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَمَنْ يَلْعَنُ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ. خالِدِينَ فِيها مُقِيمِينَ فِي اللَّعْنَةِ وَقِيلَ فِي النَّارِ، لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ لَا يُمْهَلُونَ وَلَا يُؤَجَّلُونَ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) [الْمُرْسَلَاتِ: 36] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) ، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ وَانْسُبْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ، وَالْوَاحِدُ: الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَرِيكَ لَهُ. «119» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أبو جعفر

_ 119- إسناده لين، عبيد الله بن أبي زياد، غير قوي قال أحمد: صالح الحديث، وقال النسائي: ليس بقوي، وقال مرة: ليس به بأس، وفي رواية ثالثة: ليس بثقة. وقال يحيى: ضعيف، وقال القطان: كان وسطا، لم يكن بذاك، وفيه شهر بن حوشب، كثير الإرسال والتدليس، لكن رواياته عن أسماء مقبولة. 1 زيادة عن المخطوط. 2 زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «عن» . (4) في المخطوط «وقال» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المخطوط «نفسه» بدل «هو» .

[سورة البقرة (2) : آية 164]

الرَّيَّانِيُّ [1] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أخبرنا مكي [2] بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عبيد [3] اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسم الله الأعظم: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) ، واللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» [البقرة: 255] . [سورة البقرة (2) : آية 164] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) قَالَ أَبُو الضُّحَى: لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: إِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، ذَكَرَ السَّمَاوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْأَرْضَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ سماء مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التُّرَابُ، فَالْآيَةُ فِي السَّمَاوَاتِ: سُمْكُهَا وَارْتِفَاعُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ وَلَا عِلَاقَةٍ، وما يرى فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَالْآيَةُ فِي الْأَرْضِ: مَدُّهَا وَبَسْطُهَا وسعتها وما يرى فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالنَّبَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، أَيْ: تَعَاقُبُهُمَا فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا جَاءَ الْآخَرُ [خَلْفَهُ] [4] ، أَيْ: بَعْدَهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً [الْفُرْقَانِ: 62] ، قَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ اخْتِلَافَهُمَا فِي النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَاللَّيْلُ جَمْعُ لَيْلَةٍ، وَاللَّيَالِي جَمْعُ الْجَمْعِ، وَالنَّهَارُ جمع نُهُرٌ، وَقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: 37] ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ، يَعْنِي: السُّفُنَ وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ يُؤَنَّثُ، وَفِي الْوَاحِدِ يُذَكَّرُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَاحِدِ وَالتَّذْكِيرِ: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) [الصَّافَّاتِ: 140] ، وَقَالَ فِي الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يُونُسَ: 22] ، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ الْآيَةُ في الفلك: تسخيرها وجريها عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، وَهِي مُوقَرَةٌ لَا تَرْسُبُ تَحْتَ الْمَاءِ، بِما يَنْفَعُ النَّاسَ، يَعْنِي: رُكُوبَهَا وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا فِي التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ وَأَنْوَاعِ الْمُطَالِبِ، وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ، يَعْنِي: الْمَطَرَ، قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمَاءِ السَّحَابَ، يَخْلُقُ اللَّهُ الْمَاءَ فِي السَّحَابِ ثُمَّ من السحاب

_ - وهو في «شرح السنة» 1254. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 2383 من طريق مكي بن إبراهيم وأبي عاصم بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 1496 والترمذي 3478 وابن ماجه 3855 وأحمد (6/ 461) والدارمي (2/ 450) من طريق عبيد اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ شهر بن حوشب به وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. وحسّن إسناده الأرناؤوط في «جامع الأصول» (4/ 172) والألباني في «صحيح أبي داود» 1327. [.....] (1) وقع في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتاب «الأنساب» للسمعاني. (2) وقع في الأصل «بكر» والتصويب عن «شرح السنة» و «شعب الإيمان» . (3) وقع في الأصل «عبد» والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. (4) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 165]

ينزل [إلى الأرض] [1] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ الْمَعْرُوفَةَ، يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَاءَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّحَابِ ثُمَّ مِنَ السَّحَابِ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَحْيا بِهِ، أَيْ: بِالْمَاءِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، أي: بعد يبسها وَجُدُوبَتِهَا، وَبَثَّ فِيها، أَيْ: فَرَّقَ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الرِّيحِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ، وَكُلُّ رِيحٍ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ وَلَا لَامٌ، اخْتَلَفُوا فِي جَمْعِهَا وَتَوْحِيدِهَا إِلَّا فِي الذَّارِيَاتِ: الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذَّارِيَاتِ: 41] ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْحِيدِهَا، وَفِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ مِنْ سُورَةِ الرُّومِ: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الرُّومِ: 46] ، اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِهَا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ سَائِرَهَا عَلَى الْجَمْعِ، والقراء مختلفون فيها، والريح تذكر وتؤنث، وَتَصْرِيفُهَا أَنَّهَا تَتَصَرَّفُ إِلَى الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَالْقَبُولِ وَالدَّبُّورِ وَالنَّكْبَاءِ، وَقِيلَ: تَصْرِيفُهَا أَنَّهَا تَارَةً تَكُونُ لَيِّنًا، وتارة تكون عاصفا، [وتارة النكباء المزاج المختلفة] [2] ، وتارة تكون حارّا، وتارة باردا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ الرِّيحُ وَالْمَاءُ، وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ رِيحًا لِأَنَّهَا تُرِيحُ النُّفُوسَ، قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي: مَا هَبَّتْ رِيحٌ إِلَّا لِشِفَاءِ سَقِيمٍ أَوْ لِسَقَمِ صَحِيحٍ، وَالْبِشَارَةُ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الرِّيَاحِ: فِي الصَّبَا وَالشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ، أَمَّا الدَّبُّورُ فَهِي الرِّيحُ الْعَقِيمُ، لَا بِشَارَةَ فِيهَا، وَقِيلَ: الرِّيَاحُ ثَمَانِيَةٌ، أَرْبَعَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وَأَرْبَعَةٌ لِلْعَذَابِ، فأما التي للرحمة: فالمبشرات وَالنَّاشِرَاتُ وَالذَّارِيَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ، وَأَمَّا الَّتِي لِلْعَذَابِ: فَالْعَقِيمُ وَالصَّرْصَرُ فِي الْبَرِّ وَالْعَاصِفُ وَالْقَاصِفُ فِي الْبَحْرِ. وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ، أَيِ: الْغَيْمِ الْمُذَلَّلِ، سُمِّيَ سَحَابًا لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ، أَيْ: يَسِيرُ فِي سُرْعَةٍ كَأَنَّهُ يَسْحَبُ أَيْ يَجُرُّ، بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا وَصَانِعًا، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثَلَاثَةٌ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ تَجِيءُ: الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ والسحاب. [سورة البقرة (2) : آية 165] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ، يعني: المشركين، مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً، أَيْ: أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا. يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، أَيْ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُحِبُّونَ الْأَصْنَامَ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوهَا مَعَ اللَّهِ، فَسَوَّوْا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَوْثَانِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، أَيْ: أَثْبَتُ وَأَدُومُ عَلَى حبّه من المشركين، لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ عَلَى اللَّهِ مَا سِوَاهُ، وَالْمُشْرِكُونَ إِذَا اتَّخَذُوا صَنَمًا ثُمَّ رَأَوْا أَحْسَنَ مِنْهُ، طَرَحُوا الْأَوَّلَ وَاخْتَارُوا الثَّانِيَ، قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُعْرِضُ عَنْ مَعْبُودِهِ فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ وَيُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ فَقَالَ: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الْعَنْكَبُوتِ: 65] ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يُعْرِضُ عَنِ اللَّهِ [كما أخبر الله عنهم] [3] فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَحْرَقَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رُؤْيَةِ الْأَصْنَامِ أَنْ يَدْخُلُوا جَهَنَّمَ مَعَ أَصْنَامِهِمْ، فَلَا يدخلون [فيها ويمتنعون منها] [4] لِعِلْمِهِمْ أَنَّ عَذَابَ جَهَنَّمَ عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيَ الْكُفَّارِ: إِنْ كُنْتُمْ أَحِبَّائِي فَادْخُلُوا جَهَنَّمَ، فَيَقْتَحِمُونَ فِيهَا فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ أَحَبُّوهُ، وَمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمَعْبُودُ بِالْمَحَبَّةِ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ أَتَمُّ، قَالَ اللَّهُ تعالى:

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 166 الى 167]

يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الْمَائِدَةِ: 54] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَلَوْ تَرَى بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وجواب وَلَوْ هَاهُنَا مَحْذُوفٌ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ [الرعد: 31] الآية، يَعْنِي: لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ مَعْنَاهُ: وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [1] فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ، لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا، قِيلَ: مَعْنَاهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: أَيُّهَا الظَّالِمُ لَوْ تَرَى الذين ظلموا، أي: أشركوا فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ [2] ، لَرَأَيْتَ أَمْرًا عظيما [3] ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ مَعْنَاهُ: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ رؤية العذاب، أي: ولو رَأَوْا شِدَّةَ عَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ، لَعَرَفُوا مَضَرَّةَ الْكُفْرِ، وَأَنَّ مَا اتَّخَذُوا مِنَ الْأَصْنَامِ لَا يَنْفَعُهُمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ يَرَوْنَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، أَيْ: بِأَنَّ القوّة لله جميعا معناه: [أن العذاب لمّا رآه المشركون، أي لما عاينوه ولم تنفعهم آلهتهم وتنقذهم منه] [4] ، رأوا وَأَيْقَنُوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ أَنَّ الْقُوَّةَ وأَنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالْكَلَامُ تَامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ، مَعَ إضمار الجواب. [سورة البقرة (2) : الآيات 166 الى 167] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ، هَذَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ حِينَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْقَادَةَ وَالْأَتْبَاعَ، فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هم الشياطين يتبرؤون مِنَ الْإِنْسِ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ، أَيْ: عنهم الْأَسْبابُ، أي: الوصلات [5] الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، من القرابات والصداقات، وصارت مخالطتهم [6] عَدَاوَةً، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْأَرْحَامُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ [الْمُؤْمِنُونَ: 101] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23) [الْفُرْقَانِ: 23] ، وَأَصْلُ السَّبَبِ مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ ذَرِيعَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ مَوَدَّةٍ وَمِنْهُ، يُقَالُ لِلْحَبْلِ: سَبَبٌ، وَلِلطَّرِيقِ: سَبَبٌ. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا، يَعْنِي: الْأَتْبَاعَ لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً، أَيْ: رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا، فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، أَيْ: مِنَ الْمَتْبُوعِينَ، كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا: الْيَوْمَ، كَذلِكَ، أَيْ: كَمَا أَرَاهُمُ الْعَذَابَ، كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ، وقيل: كتبرّئ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، يُرِيهِمُ اللَّهُ: أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ: نَدَامَاتٍ عَلَيْهِمْ، جَمْعُ حَسْرَةٍ، قِيلَ: يُرِيهِمُ [اللَّهُ] [7] مَا ارْتَكَبُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ فَيَتَحَسَّرُونَ لِمَ تحملوها [8] ، وَقِيلَ: يُرِيهِمْ مَا تَرَكُوا مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِهَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ [وعبدوا] [9] الْأَوْثَانَ رَجَاءَ أَنْ تُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا عُذِّبُوا عَلَى مَا كَانُوا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ تَحَسَّرُوا وَنَدِمُوا، قَالَ السُّدِّيُّ: تُرْفَعُ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَإِلَى بيوتهم [وقصورهم] [10] فِيهَا لَوْ أَطَاعُوا اللَّهَ فَيُقَالُ لهم: تلك مساكنكم لو

_ (1) في المخطوط «يعني أشرك» بدل «أنفسهم» . (2) في المطبوع وحده «العقاب» . (3) في المطبوع وحده «فظيعا» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «الصلات» . (6) كذا في المطبوع والمخطوط. وفي- ط- «مخالّتهم» . [.....] (7) زيادة من المخطوط وط. (8) في نسخ المطبوع «عملوا» . (9) سقط من المطبوع. (10) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 170]

أَطَعْتُمُ اللَّهَ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ حِينَ يَنْدَمُونَ وَيَتَحَسَّرُونَ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ [بكفرهم وموتهم عليه] [1] . [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 170] يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، نَزَلَتْ فِي ثَقِيفٍ وَخُزَاعَةَ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَبَنِي مُدْلِجٍ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ والحام، والحلال مَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ طَيِّبًا، قِيلَ: مَا يُسْتَطَابُ وَيُسْتَلَذُّ، وَالْمُسْلِمُ يَسْتَطِيبُ الْحَلَالَ وَيَعَافُ [2] الْحَرَامَ، وَقِيلَ: الطَّيِّبُ [الطَّاهِرُ] [3] ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الطَّاءِ، والباقون بسكونها، خُطُواتِ الشَّيْطانِ آثَارُهُ وَزَلَّاتُهُ، وَقِيلَ: هِيَ النذور فِي الْمَعَاصِي، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُحَقَّرَاتُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طُرُقُهُ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: بَيِّنُ الْعَدَاوَةِ [وَقِيلَ: مُظْهِرُ الْعَدَاوَةِ] [4] وَقَدْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ بِإِبَائِهِ السجود لآدم وغروره إيّاه، حين [5] أخرجه من الجنّة، و (أبان) [6] يَكُونُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا، ثُمَّ ذَكَرَ عَدَاوَتَهُ فَقَالَ: إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ، أَيْ: بِالْإِثْمِ، وَأَصْلُ السُّوءِ مَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَاءَ يسوء سوءا وَمَسَاءَةً، أَيْ: أَحْزَنَهُ، وَسَوَّأْتُهُ فَسَاءَ أَيْ: حَزَّنْتُهُ فَحَزِنَ، وَالْفَحْشاءِ: الْمَعَاصِي وَمَا قَبُحَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّرَّاءِ] وَالضَّرَّاءِ، رَوَى بَاذَانُ [8] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَحْشَاءُ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ، وَالسُّوءُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا حَدَّ فِيهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الزِّنَا، وَقِيلَ: هِيَ الْبُخْلُ، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، من تحريم الحرث والأنعام. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، قِيلَ: هَذِهِ قِصَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي لَهُمُ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مذكور. ع «120» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ وَمَالِكُ بن عوف: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. أَيْ: مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءنا فهم كانوا أفضل وَأَعْلَمَ مِنَّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقِيلَ: الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا وَهِيَ نَازِلَةٌ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكُفَّارِ قُرَيْشٍ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عَائِدَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [الْبَقَرَةِ: 165] ، قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنا، أَيْ: مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ

_ (1) سقط من نسخ المطبوع. (2) في المطبوع وحده «ويخاف» . (3) سقط من المطبوع. (4) سقط من المطبوع. (5) في نسخ المطبوع «حتى» . (6) في المخطوط «أبي» . (7) في المخطوط «كالبأساء» . (8) وقع في الأصل «روي بإذن» والمثبت هو الصواب. 120- ع ضعيف. أخرجه الطبري 2454 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بن أبي محمد عن عكرمة، أو عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابن عباس به، وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد.

[سورة البقرة (2) : الآيات 171 الى 172]

وَالْأَنْعَامِ وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عائدتان إِلَى النَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ بَلْ نَتَّبِعُ بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي النُّونِ، وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ لَامَ هَلْ وَبَلْ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ وَالصَّادِ وَالطَّاءِ وَالظَّاءِ، وَوَافَقَ حَمْزَةُ في الثاء [1] والسين، وما أَلْفَيْنا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ، قَالَ تَعَالَى: أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ، أَيْ: كَيْفَ يَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ، وَآبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً؟ الواو فِي أَوَلَوْ وَاوُ الْعَطْفِ، وَيُقَالُ لها أيضا: وَاوُ التَّعَجُّبِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ لِلتَّوْبِيخِ، وَالْمَعْنَى: أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا لَا يَعْقِلُونَ [شَيْئًا، لَفْظُهُ] [2] عَامٌّ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ، أَيْ: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ [3] الدِّينِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِلُونَ أمر الدنيا، وَلا يَهْتَدُونَ، [لاتباع محمد لعدم عقلهم] [4] ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ جلّ ذكره: [سورة البقرة (2) : الآيات 171 الى 172] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لَا يَسْمَعُ، وَالنَّعِيقُ وَالنَّعْقُ: صَوْتُ الرَّاعِي بِالْغَنَمِ، مَعْنَاهُ: مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الْكُفَّارِ فِي وَعْظِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ [كَمَثَلِ الرَّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ] [5] ، وَقِيلَ: مَثَلُ وَاعِظِ الكفار وداعيهم كَمَثَلِ الرَّاعِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ وَهِيَ لَا تَسْمَعُ، إِلَّا دُعاءً صَوْتًا وَنِداءً، فَأَضَافَ الْمَثَلَ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ كَمَا في قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يُوسُفَ: 82] ، مَعْنَاهُ: كَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ صَوْتَ الرَّاعِي وَلَا تَفْهَمُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِوَعْظِكَ إِنَّمَا يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وَفَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ، كَمَثَلِ الْمَنْعُوقِ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا الصَّوْتَ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِلْمَنْعُوقِ بِهِ وَالْكَلَامُ خَارِجٌ عَنِ النَّاعِقِ، وَهُوَ فَاشٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ [و] يقلبون الكلام لا تضاح [6] الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ، يَقُولُونَ: فُلَانٌ يَخَافُكَ خوف [7] الأسد، أي: كخوفه الْأَسَدِ، وَقَالَ تَعَالَى: مَا إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ [الْقَصَصِ: 76] ، وَإِنَّمَا الْعُصْبَةُ تَنُوءُ [8] بِالْمَفَاتِيحِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ وَلَا تَعْقِلُ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ، فَلَا يُنْتَفَعُ مِنْ نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ فِي غِنَاءٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُعَاءِ الْآلِهَةِ وَعِبَادَتِهَا إِلَّا الْعَنَاءُ وَالْبَلَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [فَاطِرٍ: 14] ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَوْثَانِ، كَمَثَلِ الَّذِي يَصِيحُ فِي جَوْفِ الْجِبَالِ، فَيَسْمَعُ صَوْتًا يُقَالُ لَهُ الصَّدَى [9] لَا يَفْهَمُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ مِنْهُ النَّاعِقُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً. صُمٌّ، تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ [يَسْمَعُ، وَلَا يَعْقِلُ] [10] : كَأَنَّهُ أَصَمُّ، بُكْمٌ، عَنِ الْخَيْرِ لَا يَقُولُونَهُ، عُمْيٌ، عَنِ الْهُدَى لَا يُبْصِرُونَهُ، فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ.

_ (1) زيد في- ط- «والتاء» وجعل في المخطوط «التاء» بدل «الثاء» . [.....] (2) ليس في المخطوط. (3) في المخطوط «أمر» . (4) سقط من نسخ المطبوع. (5) سقط من المخطوط. (6) في نسخ المطبوع «الإيضاح» . (7) في المطبوع «كخوف» . (8) في المطبوع «لتنوء» . (9) في المطبوع «الصداء» . (10) العبارة في المطبوع [لا يسمع ولا يعمل] .

[سورة البقرة (2) : آية 173]

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ: حَلَالَاتِ مَا رَزَقْناكُمْ. «121» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ [1] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله طيب [و] [2] لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً [الْمُؤْمِنُونَ: 51] ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ [3] السَّفَرَ [أشعث أغبر] [4] يمدّ يديه [5] إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» . وَاشْكُرُوا لِلَّهِ: عَلَى نِعَمِهِ، إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، ثم بيّن المحرّمات فقال: [سورة البقرة (2) : آية 173] إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ، قَرَأَ أبو جعفر الْمَيْتَةَ كُلِّ الْقُرْآنِ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْبَاقُونَ يُشَدِّدُونَ الْبَعْضَ، وَالْمَيْتَةُ: كُلُّ مَا لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ مِمَّا يُذْبَحُ، وَالدَّمَ، أراد به الدم الجاري، يدل عليه قوله تعالى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، وَاسْتَثْنَى الشَّرْعُ مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ، وَمِنَ الدَّمِ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ فَأَحَلَّهَا. «122» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو العباس

_ (1) زيد في الأصل [و] بين «أبو محمد» و «عبد الرحمن» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» . 2 ما بين المعقوفتين من المخطوط و «شرح السنة» عقب لفظ «يا رب» والمثبت عن المطبوع وصحيح مسلم وباقي كتب الحديث. 3 ما بين المعقوفتين من المخطوط و «شرح السنة» عقب لفظ «يا رب» والمثبت عن المطبوع وصحيح مسلم وباقي كتب الحديث. 4 ما بين المعقوفتين من المخطوط و «شرح السنة» عقب لفظ «يا رب» والمثبت عن المطبوع وصحيح مسلم وباقي كتب الحديث. (5) في المطبوع و «شرح السنة» «يده» والمثبت عن المخطوط وكتب الحديث. [.....] 121- إسناده صحيح، علي بن الجعد روى له البخاري، وفضيل بن مرزوق روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. أبو حازم اسمه سلمة بن دينار. - وهو في «شرح السنة» 2021 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1015 والترمذي 2989 وأحمد (2/ 328) و (400) من طريق فضيل بن مرزوق بهذا الإسناد. 122- اللفظ المرفوع ضعيف والصواب موقوف، لكن له حكم الرفع. إسناده ضعيف لضعف عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسلم، فإنه ليس بشيء، لكن لم ينفرد به، فقد تابعه غير واحد. وهو في «شرح السنة» 2897 بهذا الإسناد. وأخرجه الشافعي في «مسنده» (2/ 173) وعبد بن حميد في «المنتخب» (280) وأحمد (2/ 97) وابن ماجه 3314 وابن حبان في «المجروحين» (2/ 58) وابن عدي (4/ 271) والبيهقي (9/ 257) كلهم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابن عمر مرفوعا، وإسناده ضعيف، لضعف عبد الرحمن، وبه أعله ابن عدي وابن حبان وغيرهما، ولم ينفرد به، فقد تابعه أخوه عبد الله بن زيد ... - أخرجه الدارقطني (4/ 371- 372) وعبد الله أحسن حالا من أخيه وهو صدوق، وفيه لين كما في «التقريب» وقد ضعفه قوم، ووثقه آخرون، وتابعهما أسامة بن زيد عند ابن عدي (1/ 397) وأسامة ضعيف، وتابعهم سليمان بن بلال عند ابن عدي (4/ 186) وقال ابن أبي حاتم في «العلل» : (2/ 17/ 1524) : سئل أبو زرعة عن حديث رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «أحلت.....» ورواه عبد الله بن نافع الصباح عن أسامة بن زيد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ورواه القعنبي عن أسامة وعبد الله ابني زيد عن أبيهما عن ابن عمر

الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: أَحْسَبُهُ قَالَ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» . وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُهُ، وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَيْ: مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ [لأن المشركين] [1] كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم [شيئا] [2] يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِذِكْرِهَا، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ وَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِالتَّسْمِيَةِ: مُهِلٌّ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، قَالَ: مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، فَمَنِ اضْطُرَّ، بكسر النون وأخواته، عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَوَافَقَ أَبُو عَمْرٍو إِلَّا فِي اللَّامِ وَالْوَاوِ مِثْلُ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الْإِسْرَاءِ: 110] ، وَيَعْقُوبُ إِلَّا فِي الْوَاوِ، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ فِي التَّنْوِينِ، وَالْبَاقُونَ كُلُّهُمْ بِالضَّمِّ، فَمَنْ كَسَرَ قَالَ لِأَنَّ الْجَزْمَ يُحَرَّكُ إِلَى الْكَسْرِ، وَمَنْ ضَمَّ فَلِضَمَّةِ أَوَّلِ الْفِعْلِ، نَقَلَ حَرَكَتَهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَمَعْنَاهُ فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أكل الميتة، أَيْ: أُحْوِجَ وَأُلْجِئَ إِلَيْهِ، غَيْرَ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا رَأَيْتَ (غَيْرَ) يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا «لَا» [3] فَهِيَ حَالٌ، وَإِذَا صَلَحَ فِي مَوْضِعِهَا «إِلَّا» فَهِيَ اسْتِثْنَاءٌ، باغٍ وَلا عادٍ، أَصْلُ الْبَغْيِ: قَصْدُ الْفَسَادِ، يُقَالُ: بَغَى الْجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا إِذَا تَرَامَى إِلَى الْفَسَادِ، وَأَصْلُ الْعُدْوَانِ: الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، يُقَالُ: عَدَا عَلَيْهِ عَدْوًا [4] وَعُدْوَانًا إِذَا ظَلَمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرَ باغٍ، أي: غير خَارِجٍ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلا عادٍ، [أي: ولا] [5] متعد عَاصٍ بِسَفَرِهِ، بِأَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطريق أو الفساد فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أن

_ موقوفا قال أبو زرعة: الموقوف أصح اهـ. وأشار إلى ذلك ابن عدي فقال (4/ 86) عقب الرواية: وأما ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بلال عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «أحلت....» وقال: وهذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند. وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم، ثم كرره عن أولاد زيد عن زيد عن ابن عمر مرفوعا. وقال: أولاد زيد كلهم ضعفاء، جرحهم يحيى بن معين. وكان علي المديني وأحمد بن حنبل يوثقان عبد الله بن زيد. وذكر نحو هذا ابن عدي (1/ 397) لكن وقع عنده عمر بدل ابن عمر، سواء الموقوف أو المرفوع، ولعل هناك سقطا، فالصواب كونه عن ابن عمر سواء المرفوع أو الموقوف، وبكل حال قد صح موقوفا، وله حكم الرفع لأنه مثل: «أمرنا ونهينا وحرّم علينا وأحل لنا» وأشباه ذلك فله حكم الرفع عند جمهور أهل العلم، كما هو مقرر في كتب هذا الفن، فالحديث حسن إن شاء الله. - ورأيت له شاهدا من حديث أبي سعيد لكنه ضعيف أخرجه الخطيب في «تاريخه» (13/ 245) وأعله بمسور بن الصلت، ونقل عن النسائي قوله: متروك. وقال: قال الدارقطني: ضعيف. وانظر «تفسير الشوكاني» 254 و «الكشاف» 76 والقرطبي 796. ونقل الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 202) عن ابن عبد الهادي قوله: هو موقوف في حكم الرفع، وقال مثل ذلك الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» (1/ 26) . والله أعلم. (1) سقط من المطبوع. (2) سقط من المطبوع. (3) تحرف «لا» في المطبوع إلى «إلا» . (4) في المخطوط «عداوة» . (5) سقط من المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 175]

يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا، وَلَا أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ [1] حَتَّى يَتُوبَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لأن [في إِبَاحَتَهُ] [2] لَهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَغْيَ وَالْعُدْوَانَ رَاجِعَانِ إِلَى الْأَكْلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ وقتادة: غَيْرَ باغٍ [لا] [3] يأكله مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وَلا عادٍ، أَيْ: لَا يَعْدُو لِشِبَعِهِ، وَقِيلَ: غَيْرَ باغٍ، أَيْ: غَيْرَ طَالِبِهَا وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهَا، وَلا عادٍ، أَيْ: غَيْرَ مُتَعَدٍّ مَا حُدَّ له، [ولا يَأْكُلُ] [4] حَتَّى يَشْبَعَ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ منها قوتا مقدار ما يسدّ [5] به رَمَقَهُ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ غَيْرَ باغٍ، أَيْ: مُسْتَحِلٍّ لَهَا، وَلا عادٍ، أَيْ: مُتَزَوِّدٍ مِنْهَا، وَقِيلَ: غَيْرَ باغٍ، أَيْ: غَيْرَ مُجَاوِزٍ لِلْقَدْرِ الَّذِي أُحِلَّ لَهُ، وَلا عادٍ، أَيْ: لَا يُقَصِّرُ فِيمَا أُبِيحَ لَهُ فَيَدَعُهُ، قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِقْدَارُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرَ باغٍ مُفَارِقٍ لِلْجَمَاعَةِ، وَلا عادٍ مُبْتَدِعٍ مُخَالِفٍ لِلسُّنَّةِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُبْتَدِعِ فِي تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ، لِمَنْ أَكَلَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ، رَحِيمٌ، حَيْثُ رخّص للعباد في ذلك. [سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 175] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَعُلَمَائِهِمْ، كَانُوا يُصِيبُونَ مِنْ سَفَلَتِهِمُ الْهَدَايَا وَالْمَآكِلَ وَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ النبيّ المبعوث منهم، ولما بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِمْ، خَافُوا ذَهَابَ مَأْكَلِهِمْ وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَيَّرُوهَا، ثُمَّ أَخْرَجُوهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَتِ السَّفَلَةُ إِلَى النَّعْتِ الْمُغَيَّرِ وَجَدُوهُ مُخَالِفًا لِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، وَيَشْتَرُونَ بِهِ، أَيْ: بِالْمَكْتُومِ ثَمَناً قَلِيلًا، أَيْ: عِوَضًا يَسِيرًا، يَعْنِي: الْمَآكِلَ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ، أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، يَعْنِي: إِلَّا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى النَّارِ وَهُوَ الرِّشْوَةُ وَالْحَرَامُ وَثَمَنُ الدِّينِ، فَلَمَّا كَانَ يُفْضِي ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَكَأَنَّهُمْ أَكَلُوا النَّارَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا فِي بُطُونِهِمْ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَيْ: لَا يُكَلِّمُهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَبِمَا يَسُرُّهُمْ، إِنَّمَا يُكَلِّمُهُمْ بِالتَّوْبِيخِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ [6] يَكُونُ عَلَيْهِمْ غَضْبَانَ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَضْبَانَ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ: لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ [والخطايا] [7] ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ، قَالَ عطاء

_ (1) في المخطوط «المسافرين» . (2) المطبوع «إباحة الميتة» وفي- ط- «إباحته» . (3) في المطبوع «يأكله» ليس فيه «لا» . (4) في المطبوع «فيأكل» . (5) في المطبوع «يمسك» . (6) في المطبوع «أن» والمثبت عن- ط- وهو غير موجود في المخطوط. [.....] (7) سقط من المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 176 الى 177]

والسدي: هو ما الاستفهام معناه: ما الذي صبّرهم [1] ؟ وأي شيء صبّرهم عَلَى النَّارِ حَتَّى تَرَكُوا الْحَقَّ واتّبعوا الباطل؟ قال الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ صَبْرٍ، وَلَكِنْ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إلى النار؟ وقال الْكِسَائِيُّ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى [عَمَلِ] [2] أَهْلِ النَّارِ، أَيْ: مَا أَدْوَمَهُمْ عليه. [سورة البقرة (2) : الآيات 176 الى 177] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، يَعْنِي: ذَلِكَ الْعَذَابَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَأَنْكَرُوهُ وَكَفَرُوا بِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذلِكَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ، مَعْنَاهُ: فِعْلُنَا ذَلِكَ بِهِمْ، بِأَنَّ اللَّهَ، أَيْ: لِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ ذَلِكَ أَيْ فعلهم الذين يَفْعَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 6. 7] ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ: فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، أَيْ: فِي خِلَافٍ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ: لَيْسَ الْبِرَّ بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا، فَمَنْ رَفَعَهَا جَعَلَ الْبِرَّ اسْمَ لَيْسَ وخبره في قَوْلُهُ: أَنْ تُوَلُّوا، تَقْدِيرُهُ: لَيْسَ البرّ توليتكم وجوهكم، ومن نصب جعل أَنْ تُوَلُّوا في موضع الرفع على [أنه] [3] اسم ليس تقديره: توليتكم وجوهكم البرّ كله كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا [الْجَاثِيَةِ: 25] ، وَالْبِرُّ: كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ [4] : عَنَى بِهَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ منهم أن البرّ في [تلك الجهة] [5] ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْبِرَّ غَيْرُ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ، وَلَكِنَّهُ مَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَلَّى الصَّلَاةَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَتْ له الجنّة، فَلَمَّا [6] هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ، وحدّت [7] الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: لَيْسَ الْبِرَّ، أي: [كل البر] [8] أَنْ تُصَلُّوا قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا تَعْمَلُوا [عَلَى] [9] غَيْرِ ذَلِكَ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ، وَلكِنَّ الْبِرَّ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَلكِنَّ، خَفِيفَةَ النُّونِ الْبِرَّ، رُفِعَ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ الْبِرِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، جَعَلَ مَنْ وَهِيَ اسم خبر للبرّ هو فعل، ولا

_ (1) زيد في المطبوع «على النار» . (2) سقط من المطبوع وحده. (3) سقط من المطبوع. (4) في المخطوط «بعضهم» . (5) في المطبوع «ذلك» . (6) في المطبوع «ولما» . (7) في المطبوع «وحددت» . (8) في المطبوع «كله» . (9) ليس في المخطوط.

يُقَالُ: الْبِرُّ زِيدَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، قِيلَ: لَمَّا وَقَعَ مَنْ فِي مَوْضِعِ [1] الْمَصْدَرِ جَعَلَهُ خَبَرًا لِلْبِرِّ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الِاسْمَ خَبَرًا لِلْفِعْلِ، وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ: لَعَمْرُكَ مَا الْفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى ... وَلَكِنَّمَا الْفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِيِّ فجعل نبات اللحية خَبَرًا لِلْفَتَى، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تقديره [2] : وَلَكِنَّ الْبِرَّ [بِرُّ] [3] مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي كَقَوْلِهِمُ: الْجُودُ حَاتِمٌ، أَيِ: الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 163] ، أَيْ: ذوو دَرَجَاتٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه: 132] ، أَيْ: لِلْمُتَّقِي، وَالْمُرَادُ مِنَ الْبِرِّ هَاهُنَا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ: كُلِّهِمْ، وَالْكِتابِ، يَعْنِي: الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ، وَالنَّبِيِّينَ: أجمع، وَآتَى الْمالَ، أي: أَعْطَى الْمَالَ عَلى حُبِّهِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَالِ أَيْ: أَعْطَى الْمَالَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ الْمَالَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْ تُؤْتِيَهُ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ. «123» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا [مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ] [4] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، ثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ أَنَا أَبُو زُرْعَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» . وَقِيلَ: هي عائدة إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيْ: عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى، ذَوِي الْقُرْبى: أَهْلَ الْقَرَابَةِ. «124» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ محمد الجراحي،

_ 123- إسناده صحيح على شرطهما، محمد بن إسماعيل هو البخاري، وموسى بن إسماعيل هو المنقري، عبد الواحد هو ابن زياد، أبو زرعة ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، قيل اسمه: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير. وهو في «شرح السنة» 1665 بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» 1419 عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2748 ومسلم 1032 وأبو داود 2865 والنسائي (5/ 68) وابن ماجه 2706 وأحمد (2/ 25) و231 و415 و447 وابن خزيمة 2454 وابن حبان 3312 والبيهقي (4/ 189- 190) من طرق عن عمارة بن القعقاع بهذا الإسناد. 124- حديث صحيح. إسناده لين لأجل الرّباب وهي بنت صليح، حيث وثقها ابن حبان وحده، وقال الحافظ: مقبولة. أي إن توبعت، وقد تابعها ابن سيرين على المتن، وللحديث شواهد. قتيبة هو ابن سعيد، عاصم هو ابن النضر. - وهو في «شرح السنة» 1678 بهذا الإسناد. - وهو في «جامع الترمذي» 658 عن قتيبة بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (5/ 92) وابن ماجه 1844 وأحمد (4/ 17 و18 و214) والحميدي 823 والدارمي (1/ 397) وابن خزيمة 2385 وابن حبان 3344 والطبراني (6206- 6211) . والبيهقي (4/ 174) من طرق عن حفصة بنت سيرين بهذا الإسناد. (1) في المطبوع «موقع» . (2) في المطبوع «معناه» . [.....] (3) سقط من المطبوع. (4) سقط من المخطوط.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ [1] بْنِ عَامِرٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، و [هي] [2] على ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ يَمُرُّ عَلَيْكَ، وَيُقَالُ لِلْمُسَافِرِ: ابْنُ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيقَ، وَقِيلَ: هُوَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بالرجل. ع «125» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . وَالسَّائِلِينَ، يَعْنِي: الطَّالِبِينَ. «126» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زيد بن أسلم عن ابن بُجَيْدٍ [3] الْأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُجَيْدٍ، عَنْ جَدَّتِهِ وَهِيَ أم بجيد:

_ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حديث حسن. - وأخرجه الطبراني 6204 و6205 عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ سلمان عامر به. - ويشهد له حديث زينب زوجة عبد الله بن مسعود وفيه «لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» . أخرجه البخاري 1466 ومسلم 10000 ح 45. - وفي الباب من حديث أبي أمامة عند الطبراني في «الكبير» 7834 «إن الصدقة على ذي قرابة يضعف أجرها مرتين» . قال الهيثمي في «المجمع» (3/ 117) : فيه عبد الله بن زحر، وهو ضعيف اهـ. - وحديث أبي طلحة الأنصاري «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذي الرحم صدقة وصلة» . أخرجه الطبراني 4723 وقال الهيثمي (3/ 116) : وفيه من لم أعرفه. 125- ع صحيح. أخرجه البخاري (6018 و6136) ومسلم 47 وابن أبي شيبة (8/ 546) وأحمد (2/ 433 و463) وابن مندة في «الإيمان» 299 و300 وابن حبان 506 وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» 323 من طرق من حديث أبي هريرة. 126- إسناده صحيح، رجاله ثقات، عبد الرحمن بن بجيد، ثقة، له رؤية، وذكره بعضهم في الصحابة. وجدته أم بجيد، صحابية. وهو في «شرح السنة» 1667 بهذا الإسناد. - ورواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 923) عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (6/ 435) والبخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 262) والنسائي (5/ 81) وابن حبان (3374) والطبراني في «الكبير» (24/ 555) والبيهقي (4/ 177) والبغوي 1673 من طريق مالك عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 1667 والترمذي 665 والنسائي (5/ 86) والطيالسي 1659 وأحمد (3/ 382 و382) والبخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 262) وابن خزيمة 2473 وابن حبان 3373 والحاكم (1/ 417) والبيهقي (4/ 177) من طرق عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح اهـ. - وأخرجه أحمد (6/ 435) والبخاري في «تاريخه» (5/ 263) والطبراني (24/ 557 و558) من طريق زيد بن أسلم عن عمرو بن معاذ عن جدته. (1) وقع في الأصل «سليمان» والتصويب من كتب التخريج وكتب والتراجم. (2) سقط من المطبوع. (3) وقع في الأصل «أبي نجيد» والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج.

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ» [1] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي الرِّقابِ، يَعْنِي: الْمُكَاتِبِينَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: عِتْقُ النَّسَمَةِ وَفَكُّ الرَّقَبَةِ، وَقِيلَ: فِدَاءُ الْأُسَارَى، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ: وَأَعْطَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، إِذا عاهَدُوا، يَعْنِي: إِذَا وَعَدُوا أَنْجَزُوا، وَإِذَا حَلَفُوا وَنَذَرُوا أَوْفَوْا، [وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْفَوْا] [2] ، وَإِذَا قَالُوا صَدَقُوا وَإِذَا ائْتُمِنُوا أَدَّوْا، وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ قَوْلِهِ: وَالْمُوفُونَ، قِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَى خبر، ومعناه: وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ بعهدهم، وقيل: تقديره: [3] هم والموفون [بعهدهم] [4] كَأَنَّهُ عَدَّ أَصْنَافًا، ثُمَّ قَالَ: هُمْ وَالْمُوفُونَ كَذَا، وَقِيلَ: رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ، يَعْنِي: وَهُمُ الْمُوفُونَ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّابِرِينَ، وَفِي نَصْبِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُهَا عَلَى تَطَاوُلِ الْكَلَامِ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تُغَيِّرَ الْإِعْرَابِ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ وَالنَّسَقُ، وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: 162] ، وفي سورة المائدة: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى [المائدة: 69] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَعْنِي الصَّابِرِينَ، وَقِيلَ: نَصْبُهُ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ ذَوِي الْقُرْبى، أَيْ: وَآتَى الصَّابِرِينَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ، وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ الْكَلَامَ عَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِفْرَادَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ، فَلَا يُتْبِعُونَهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ وَيَنْصِبُونَهُ، فَالْمَدْحُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النِّسَاءِ: 162] ، وَالذَّمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا [الْأَحْزَابِ: 61] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فِي الْبَأْساءِ، أَيِ: الشِّدَّةِ وَالْفَقْرِ، وَالضَّرَّاءِ: الْمَرَضِ وَالزَّمَانَةِ، وَحِينَ الْبَأْسِ، أَيِ: الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ. «127» أَخْبَرَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ [5] ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إلى العدوّ منه،

_ (1) هذه الرواية لأبي داود والترمذي وغيرهما. (2) زيد في نسخ المطبوع. (3) في المطبوع وحده «تقديرهم» . (4) زيادة من المخطوط. (5) وقع في الأصل «حبان» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. 127- صحيح. إسناده ضعيف، سماع زهير من أبي إسحق بعد الاختلاط، لكن توبع. حارثة بن مضرّب ثقة، ومن دونه رجال الصحيح، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله، وزهير هو ابن معاوية بن خديج أبو خيثمة. وقد توبع. - وهو في «شرح السنة» 3591 بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (ص 57) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ عن علي بن الجعد بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو يعلى 302 من طريق هشام بن عبد الملك عن زهير بن معاوية بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (1/ 86) وأبو الشيخ (ص 57) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق بهذا الإسناد، وقد صحح الشيخان رواية إسرائيل عن جده. وله شاهد من حديث البراء «كنا والله إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وإن الشجاع منا الذي يُحَاذِي بِهِ- يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلّم» أخرجه مسلم 1776. [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 178]

يَعْنِي: إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ. أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا: فِي إِيمَانِهِمْ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ: محارم الله. [سورة البقرة (2) : آية 178] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَيَّيْنِ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا في الجاهلية قبيل الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَتْلَى وَجِرَاحَاتٍ لَمْ يَأْخُذْهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، قَالَ قتادة ومقاتل بْنُ حَيَّانَ: كَانَتْ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، قالوا جميعا [1] : وكان لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ طُولٌ فِي الْكَثْرَةِ وَالشَّرَفِ، وَكَانُوا يَنْكِحُونَ نِسَاءَهُمْ بِغَيْرِ مُهُورٍ، فَأَقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرَّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ، وَبِالرَّجُلِ مِنَّا الرجلين منهم، وبالرجلين منّا أربعة رجال مِنْهُمْ، وَجَعَلُوا جِرَاحَاتِهِمْ ضِعْفَيْ جِرَاحَاتِ أُولَئِكَ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَأَمَرَ بالمساواة [بينهم] ، فَرَضُوا وَأَسْلَمُوا، قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، فِي الْقَتْلى، وَالْقِصَاصُ: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّيَاتِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَصَّ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعَهُ، فَالْمَفْعُولُ بِهِ يَتْبَعُ مَا فُعِلَ بِهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ الْمُمَاثَلَةَ فَقَالَ: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَكَافَأَ الدَّمَانِ مِنَ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْعَبِيدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْأَحْرَارِ مِنَ الْمُعَاهِدِينَ أَوِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ، قُتِلَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمُ الذَّكَرُ إِذَا قتل بالذكر والأنثى، وَتُقْتَلُ الْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ بِالْأُنْثَى وَبِالذَّكَرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ وَلَا مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العلم من الصحابة [والتابعين] [2] وَمَنْ بَعْدَهُمْ. «128» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: «سَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عنه هل عندكم مِنَ [3] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: لا والذي فلق الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبَدًا فَهْمًا فِي القرآن، وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: [العقل] [4] فكاك الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» .

_ 128- إسناده صحيح. مطرف هو ابن عبد الله بن الشّخّير، الشعبي هو عامر بن شراحيل، أبو جحيفة هو وهب بن عبد الله. وهو في «شرح السنة» 2524 بهذا الإسناد. وهو في «مسند الشافعي» (2/ 346- 347) عن ابن عيينة بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 111 و3047 و6915 والترمذي 1412 والنسائي (8/ 23 و24) وابن ماجه 2658 وعبد الرزاق (10/ 18508) والطحاوي في «المشكل» (3/ 192) وابن الجارود 794 والبيهقي (8/ 28) من طريق الشعبي عن أبي جحيفة به. (1) في المطبوع «جمعا» . (2) زيادة من المخطوط. (3) العبارة في المطبوع «هل عندك عن» . (4) زيادة عن المخطوط.

ع «129» ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ في المساجد ولا يقاد الوالد بالولد [1] » . وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي، وَإِلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ، وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قَتَلَ سَبْعَةً أَوْ خَمْسَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً، وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا [2] ، وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ كَمَا يَجْرِي فِي النُّفُوسِ، إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الصحيح السّويّ يقتل بالمريض والزّمن، وَفِي الْأَطْرَافِ لَوْ قَطَعَ يَدًا شلاء أو ناقصة

_ 129- ع حسن بشواهده. أخرجه الترمذي 1041 وابن ماجه 2661 والدارمي 2268 والدارقطني (3/ 141) وأبو نعيم (4/ 18) والبيهقي (8/ 39) وابن الجوزي في «التحقيق» 1765 والجصاص في «أحكامه» (1/ 178- 179) والطبراني 10846 من طريق إسماعيل بن مسلم عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ طاوس عن ابن عباس مرفوعا بأتم منه. وإسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم، وبه أعله الترمذي، ونقل الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 340) عن ابن القطان، قوله: إسماعيل بن مسلم ضعيف. قال الزيلعي: تابعه قتادة وسعيد بن بشير وعبيد الله بن الحسن العنبري، فحديث قتادة أخرجه البزار في «مسنده» عنه عن عمرو بن دينار به. - قلت: ومتابعة سعيد بن بشير عند الحاكم (4/ 369) . وسكت عليه الحاكم، وكذا الذهبي، وسعيد ضعيف، ومتابعة عبيد الله بن الحسن العنبري عند الدارقطني (3/ 142) والبيهقي (8/ 39) وهو معلول، فيه أبو حفص التمار، وهو ضعيف جدا. فحديث ابن عباس بطرقه يبقى ضعيفا لشدة وهن هذه الطرق. - وله شاهد من حديث عمر أخرجه الترمذي 1400 وابن ماجه 2662 وأحمد (1/ 49) والدارقطني (3/ 140) وابن أبي عاصم في «الديات» (ص 97) وابن الجوزي في «التحقيق» 1763 وإسناده ضعيف فيه الحجاج مدلس، وقد عنعن، ولم ينفرد به فقد تابعه ابن لهيعة على عمرو عند أحمد (1/ 22) لكن في سماع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب ريب، ونفاه أبو حاتم في «المراسيل» 114 وتابعهما محمد بن عجلان، عند ابن الجارود 788 والدارقطني (3/ 140- 141) والبيهقي (8/ 38- 39) وفي «المعرفة» 4830 كلهم عن محمد بن عجلان عن عمرو بن شعيب به، وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، وقال البيهقي في «المعرفة» : هذا إسناد صحيح ووافقه الحافظ في «تلخيص الحبير» (4/ 16) . - وله طريق آخر فقد أخرجه الجصاص في «أحكام القرآن» (1/ 178) من طريق عبد الله بن سنان عن إبراهيم بن رستم عن حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عن عمر به مرفوعا، وفيه إبراهيم بن رستم وهو صدوق حسن الحديث، وفيه إرسال بين ابن المسيب وعمر. - وورد من وجه آخر أخرجه البيهقي في «السنن» (8/ 39) وعلقه في «المعرفة» (6/ 161) عن الحكم بن عتيبة عن رجل يقال له عرفجة عن عمر مرفوعا، وإسناده ضعيف لجهالة عرفجة هذا، لكن هذه الطرق تتقوى بمجموعها. - وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» 1762 من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده ضعيف لأجل ابن لهيعة، وضعفه ابن الجوزي به، وتابعه يحيى بن أبي أنيسة عند الدارقطني (3/ 141) لكن يحيى هذا متروك الحديث.. وانظر مزيد الكلام عليه في «أحكام القرآن» 71 لابن العربي بتخريجي. (1) موقوف صحيح. أخرجه مالك (2/ 871) والدارقطني (2/ 202) والبيهقي (8/ 41) عن سعيد بن المسيب «أن عمر قتل خمسة، أو سبعة ... » فذكره وسنده صحيح. وهو في موطأ محمد برقم 671. - ورواه البخاري 6896 «أن غلاما قتل غيلة فقال عمر: لو اشترك ... » الأثر. ثم علقه بقوله، وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه: «إن أربعة قتلوا صبيا فقال عمر: ... » مثله. (2) في المطبوع «بالولد الوالد» .

الإصبع [1] لَا تُقْطَعُ بِهَا الصَّحِيحَةُ الْكَامِلَةُ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ لَا يَجْرِي إِلَّا بَيْنَ حُرَّيْنِ أَوْ حُرَّتَيْنِ، وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ الطَّرَفُ فِي الْقِصَاصِ مَقِيسٌ عَلَى [2] النَّفْسِ. «130» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ [3] أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسِ [بْنِ مَالِكٍ] [4] [بْنِ النَّضْرِ] : أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الْأَرْشَ فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ، لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، أَيْ: تُرِكَ لَهُ وَصُفِحَ عَنْهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا: الْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَخِيهِ، أَيْ: مِنْ دَمِ أَخِيهِ، وَأَرَادَ بِالْأَخِ: الْمَقْتُولَ، وَالْكِنَايَتَانِ [5] فِي قَوْلِهِ: لَهُ وفي: أَخِيهِ، تَرْجِعَانِ إِلَى مِنْ وَهُوَ القاتل، و [في] [6] قوله شَيْءٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ إِذَا عَفَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ لِأَنَّ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ قَدْ بَطَلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَلَى الطَّالِبِ لِلدِّيَةِ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا يُطَالِبُ بِأَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ، وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، أَيْ: عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَدَاءُ الدِّيَةِ بِالْإِحْسَانِ مِنْ غَيْرِ مُمَاطَلَةٍ، أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِحْسَانِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ إِذَا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ، فَلَهُ أَخْذُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْقَاتِلُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا دِيَةَ له إلا برضى الْقَاتِلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ مَا: «131» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو العباس

_ 130- إسناده على البخاري، حميد هو ابن أبي حميد الطويل أبو عبيدة. - وهو في «شرح السنة» 2523 بهذا الإسناد. - وهو في «صحيح البخاري» 4500 عن عبد الله بن منير بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2703 و4499 و6894 ومسلم 1675 وأبو داود 4595 والنسائي (8/ 26 و27 و28) وابن ماجه 2649 وأحمد (3/ 128 و167) من حديث أنس بن مالك بن النضر. 131- حديث صحيح. إسناده صحيح، الشافعي هو محمد بن إدريس ومن دونه ثقات، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن. - هو في «شرح السنة» 1997 بهذا الإسناد. - وهو في «مسند الشافعي» (1/ 295) عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فديك بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 4504 و4496 والترمذي 1406 وابن ماجه 2623 والدارمي 2262 وأحمد (6/ 385) والدارقطني (1) في المطبوع «بالإصبع» . (2) في المطبوع «عن» . (3) وقع في الأصل «منيرة» والتصويب من كتب التخريج وكتب التراجم. (4) زيادة يقتضيها السياق. [.....] (5) في المخطوط «والكناية» . (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 179 الى 180]

الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ كَانَ حَتْمًا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُ الدِّيَةِ، وَكَانَ فِي شَرْعِ النَّصَارَى الدِّيَةُ وَلَمْ يكن لهم [فيها] [1] القصاص، فخيّر الله هَذِهِ الْأُمَّةَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ تَخْفِيفًا مِنْهُ وَرَحْمَةٌ، فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ، فَقَتَلَ الْجَانِيَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَقَبُولِ الدية، فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ، وهو أَنْ يُقْتَلَ قِصَاصًا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ حَتَّى لَا يَقْبَلَ [2] الْعَفْوَ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَصِيرُ كَافِرًا بِالْقَتْلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُ بَعْدَ الْقَتْلِ بِخِطَابِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، وَأَرَادَ بِهِ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ، فَلَمْ يَقْطَعِ الْأُخُوَّةَ بينهما بالقتل. [سورة البقرة (2) : الآيات 179 الى 180] وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ، أَيْ: بَقَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِلْقَتْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ يُقْتَلُ، يَمْتَنِعُ عَنِ الْقَتْلِ، فَيَكُونُ فِيهِ بَقَاؤُهُ وَبَقَاءُ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، [وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ] [3] ، وَقِيلَ مَعْنَى الْحَيَاةِ: سَلَامَتُهُ مِنْ قِصَاصِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا اقْتُصَّ مِنْهُ في الدنيا حيي فِي الْآخِرَةِ، وَإِذَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ، يَا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيْ: تَنْتَهُونَ عَنِ القتل مخافة القود. قَوْلُهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ، أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، أي: جاء أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَآثَارُهُ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ، إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أَيْ: مَالًا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272 و273] ، الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فريضة في ابتداء الإسلام

_ (3/ 95- 96) والطحاوي في «المشكل» 4903 وفي «المعاني» (3/ 327) والشافعي (2/ 99) والبيهقي (8/ 52) كلهم من حديث أبي شريح الخزاعي، وإسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه السهيلي في «الروض الأنف» نقله عنه الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 351) ووافقه. - وورد بألفاظ متقاربة، ذكرها الزيلعي، راجع «نصب الراية» إن شئت. - وله شاهد أخرجه البخاري 112 و2434 و6880 ومسلم 1355 وأبو داود 5405 والترمذي 1405 و2667 وأبو عوانة (4/ 43- 44) والنسائي في «الكبرى» 5855 والطحاوي في «المعاني (3/ 174) وفي «المشكل» (4901) و (4902) وابن حبان 3715 والدارقطني (3/ 96- 97) والبيهقي (8/ 53) من طرق كلهم من حديث أبي هريرة. وصدره «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفيل...... فمن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النظرين، إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل ... » الحديث. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيد في المطبوع «بعد» . (3) ليس في المخطوط.

لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المواريث [1] . «132» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ [2] عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كلّ ذي حقّ حقّه، فلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ وُجُوبَهَا صَارَ مَنْسُوخًا فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ، وَبَقِيَ وجوبها في حق [الأقارب] [3] الَّذِينَ [لَا] [4] يَرِثُونَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ، قَالَ طَاوُسٌ: مَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ سَمَّاهُمْ وَتَرَكَ ذَوِي قَرَابَتِهِ مُحْتَاجِينَ، انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ وَرُدَّتْ إِلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ صَارَ مَنْسُوخًا فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، وَهِيَ مستحبة فِي حَقِّ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ. «133» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ [5] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ [6] بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا [أَبُو] [7] إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: بِالْمَعْرُوفِ، يُرِيدُ: يُوصِي بالمعروف فلا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُوصِي للغني

_ 132- حديث صحيح. إسناده لا بأس به لأجل شهر بن حوشب، وحديثه حسن في المتابعات، وللحديث شواهد تبلغ حد الشهرة، قتادة هو ابن دعامة السدوسي. - وهو في «شرح السنة» 1454 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2121 والنسائي (6/ 247) وابن ماجه 2712 والطيالسي 1217 وسعيد بن منصور 428 وأحمد (4/ 4/ 186- 187 و238) والدارمي 3142 وأبو يعلى 1508 من طريق شهر بن حوشب بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. - وله شاهد من حديث أبي أمامة أخرجه أبو داود 3565 والترمذي 2120 وابن ماجه 2713 وسعيد بن منصور 427 والطيالسي 1127 وأحمد (5/ 267) والبيهقي (6/ 264) ، وله شواهد أخرى راجع «نصب الراية» (4/ 403- 404) . 133- إسناده صحيح على شرطهما. نافع هو أبو عبد الله مولى ابن عمر. - وهو في «شرح السنة» 1451 بهذا الإسناد. - وفي «الموطأ» (2/ 761) عن نافع به. وأخرجه البخاري 2738 ومسلم 1627 وأبو داود 2862 والترمذي 974 والنسائي/ 6/ 238) وابن ماجه 2699 والطيالسي 1841 وأحمد (2/ 10 و57) والدارمي (2/ 402) وابن الجارود 946 وابن حبان 6024 والدارقطني (4/ 150- 151) والجصاص في «أحكامه» (1/ 3/ 20- 21) والبغوي 1457 والبيهقي (6/ 271- 272) من طرق عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعا به. - وأخرجه مسلم 2627 وعبد الرزاق 16326 والنسائي (8/ 239) وأحمد (2/ 4) وابن حبان 6025 والبيهقي (6/ 272) من طرق عن الزهري عن سالم عن ابن عمر به. (1) في المطبوع «الميراث» . (2) في المخطوط «غنيم» وهو تصحيف. (3) زيادة عن المخطوط. (4) سقط من المطبوع. (5) في المطبوع «السرخسي» والمثبت عن «شرح السنة» . (6) في المطبوع «طاهر» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....] (7) زيادة عن «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : آية 181]

وَيَدَعُ الْفَقِيرَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْوَصِيَّةُ لِلْأَخَلِّ فَالْأَخَلِّ، أَيِ: الْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ. «134» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ [1] الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ [2] الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ [3] أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ [4] اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ سَعْدِ [5] [بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عامر بن سعد] [6] عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ [7] قَالَ: جَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ، قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَالشَّطْرِ، قَالَ: «لَا» قُلْتُ: فَالثُّلُثِ، قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عالة يتكفّفون الناس بأيديهم» . [فقوله: «يتكفّفون الناس» ، أي: يسألون الناس الصدقة بأكفّهم] [8] . وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، قَالَتْ: كَمْ مَالُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ، قَالَتْ: كَمْ عِيَالُكَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ، قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: إِنْ تَرَكَ خَيْراً، وَإِنَّ هَذَا شيء يسير فاتركه لِعِيَالِكَ. وَقَالَ عَلَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمْسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ، وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ، فَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَتْرُكْ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُوصِي بِالسُّدْسِ أَوِ الْخُمْسِ أَوِ الرُّبْعِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِنَّمَا كَانُوا يُوصُونَ بِالْخُمْسِ أَوِ الرُّبْعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: حَقًّا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْمَفْعُولِ، أَيْ: جَعَلَ الْوَصِيَّةَ حَقًّا، عَلَى الْمُتَّقِينَ: الْمُؤْمِنِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 181] فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ بَدَّلَهُ، أَيْ: غيّر الوصية عن الْأَوْصِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الشُّهُودِ، بَعْدَ ما سَمِعَهُ، أي: بعد ما سَمِعَ قَوْلَ الْمُوصِي، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْكِنَايَةَ مَعَ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ مُؤَنَّثَةً، قيل: الكناية راجعة إلى

_ 134- إسناده على شرطهما، سفيان هو ابن سعيد. - وهو في «شرح السنة» 1452 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2742 و5354 ومسلم 1628 والنسائي (6/ 242) وعبد الرزاق 16358 وأحمد (1/ 172 و173) من طريق سفيان الثوري بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6733 ومسلم 1628 والترمذي 2116 والنسائي (6/ 241- 242) وابن ماجه 2708 وأحمد (1/ 179) والحميدي 66 وأبو يعلى 747 وابن حبان 4249 والطحاوي في «المعاني» (4/ 379) وابن الجارود 947 والبيهقي (6/ 268) و269 من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن عامر بن سعد به. (1) في الأصل «الحسين الخيري» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (2) في الأصل «رحيم» والتصويب من «شرح السنة» و «سير أعلام النبلاء» (16/ 36- 37) . (3) وقع في الأصل «عروة» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (4) في الأصل «عبد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (5) وقع في الأصل «سعيد» وهو تصحيف والتصويب من كتب التراجم. (6) وقع في الأصل «سعيد» وهو تصحيف. (7) هو سعد بن أبي وقاص. (8) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 182 الى 183]

الْإِيصَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [الْبَقَرَةِ: 275] ، رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْوَعْظِ، فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، وَالْمَيِّتُ بَرِيءٌ مِنْهُ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ، لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي، عَلِيمٌ: بِتَبْدِيلِ الْمُبَدِّلِ أَوْ سَمِيعٌ لِوَصِيَّتِهِ عَلِيمٌ بنيّته. [سورة البقرة (2) : الآيات 182 الى 183] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ خافَ، أَيْ: عَلِمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 229] ، أَيْ: عَلِمْتُمْ، مِنْ مُوصٍ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشُّورَى: 13] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ [الْعَنْكَبُوتِ: 8] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ [النِّسَاءِ: 11] ، جَنَفاً، أَيْ: جَوْرًا وَعُدُولًا عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَنَفُ: الْمَيْلُ، أَوْ إِثْماً، أَيْ: ظُلْمًا، وقال السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: الْجَنَفُ: الْخَطَأُ، وَالْإِثْمُ: الْعَمْدُ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي فَرَآهُ يَمِيلُ إِمَّا بِتَقْصِيرٍ أَوْ إِسْرَافٍ أَوْ وَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْجَنَفِ، فَيَنْظُرُ [للموصى له] [1] والورثة، وقال الآخرون: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ الْمَيِّتُ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ مُتَعَمِّدًا [2] فَلَا حَرَجَ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ وَالِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصْلِحَ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَيَرُدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، أَيْ: لا حَرَجَ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَقَالَ طَاوُسٌ: جَنَفَةٌ تَوْلِيجَةٌ [3] ، وَهُوَ أَنْ يُوصِيَ لِبَنِي بَنِيهِ، يريد ابنه أو لولد [4] ابْنَتِهِ وَلِزَوْجِ ابْنَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ ابْنَتَهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ يُمْضُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ [البقرة: 181] الْآيَةَ، وَإِنِ اسْتَغْرَقَ الْمَالَ كُلَّهُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كَمَا أَمَرَ الله تعالى، وعجز الوصي أَنْ يُصْلِحَ، فَانْتَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذلك منهم، ففرض الفرائض. ع «135» رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ» ، قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إلى قوله: غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء: 11، 12] .

_ 135- ع أخرجه أبو داود 2867 والترمذي 2117 وابن ماجه 2704 وأحمد (2/ 278) والبيهقي (6/ 271) من حديث أبي هريرة، وإسناده لا بأس به. شهر بن حوشب صدوق كثير الأوهام، روى له البخاري ومسلم مقرونا، وقد أدرك أبا هريرة، وصرّح بالتحديث فحديثه هنا حسن أو يقرب من الحسن إن شاء الله، وجزم الألباني بضعفه في «ضعيف ابن ماجه» 2704؟!. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. وانظر مزيد الكلام عليه في تفسير ابن كثير بتخريجي عند سورة النساء آية 13. (1) في المخطوط، وط- «للموصي» . (2) في المطبوع «معتمدا» . (3) في المطبوع «توجيهه» . [.....] (4) في المطبوع «ولد» .

[سورة البقرة (2) : آية 184]

قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، أَيْ: فرض وأوجب [و] الصوم وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ: الْإِمْسَاكُ، يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بلغت كبد السماء كأنها وقفت وأمسكت عن السير سريعة، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [مَرْيَمَ: 26] ، أَيْ: صَمْتًا، لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ: الصَّوْمُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ. كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: من الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التشبيه، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ صَوْمُ مَنْ قَبَلْنَا مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى، كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا، فصار أربعين [يوما] [1] ، ثم إن ملكا لهم [2] اشْتَكَى فَمَهُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ وَجَعِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ أُسْبُوعًا فَبَرِئَ، فَزَادَ فِيهِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: أَتِمُّوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا [3] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَابَهُمْ مَوْتَانِ فَقَالُوا: زيدوا في صيامكم، فزادوا فيه عَشْرًا قَبْلُ وَعَشْرًا بَعْدُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَيُقَالُ مِنْ شَعْبَانَ، وَيُقَالُ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ الله عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فَصَامُوا [قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا] [4] ، ثُمَّ لم يزل الْآخَرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، يَعْنِي: بِالصَّوْمِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى، لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ [ها وترك] [5] الشهوات، وقيل: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تَحْذَرُونَ [عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ والشرب والجماع] [6] . [سورة البقرة (2) : آية 184] أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، قِيلَ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَاجِبًا، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَصَامُوا كَذَلِكَ مِنَ الرَّبِيعِ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَالصَّوْمِ، وَيُقَالُ: نَزَلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَأَيَّامٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهجرة. «136» حدثنا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهاشمي أخبرنا أبو

_ 136- إسناده صحيح على شرطهما، عروة هو ابن الزبير. - وهو في «شرح السنة» 1696 بهذا الإسناد. (1) زيادة من المخطوط. (2) في المخطوط وط «ملكتهم» . (3) انظر «التاريخ الكبير» للبخاري 2/ 1/ 254 و «مجمع الزوائد» 3/ 139 حديث دغفل بن حنظلة. (4) العبارة في المطبوع وحده «قبله يوما وبعده يوما» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) ما بين المعقوفتين في المخطوط عقب لفظ «الشهوات» .

مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قريش في الجاهلية، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يصومه فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ، وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ: شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَنَصَبَ أَيَّاماً عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ: فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَقِيلَ: عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى هُوَ خَبَرُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ، أَيْ: فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَيْ: فعليه عدّة [من أيام أخر] [1] ، وَالْعَدَدُ وَالْعِدَّةُ وَاحِدٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَيْ: غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ، وأُخَرَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ، لَكِنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ، فَلِذَلِكَ نُصِبَتْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَحُكْمِهَا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يصوموا وبين أن يفطروا ثمّ [2] يفتدوا، خَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ، ثُمَّ نَسَخَ التَّخْيِيرَ وَنَزَلَتِ العزيمة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ، رُخِّصَ لَهُ فِي أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ، ثُمَّ نُسِخَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلصَّوْمِ، خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يصوم وبين أن يفطر أو يفدي، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ لِلَّذِينِ [لَا]] يُطِيقُونَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ فِي حَالِ الشَّبَابِ فعجزوا عنه في حال الْكِبَرِ فَعَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ بَدَلَ الصَّوْمِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ: يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ، وَتَأْوِيلُهُ: عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، فَهُمْ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ وَلَا يُطِيقُونَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَيُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَعَلَ الْآيَةَ مُحْكَمَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مُضَافًا، وَكَذَلِكَ فِي المائدة: كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ [المائدة: 95] ، أَضَافَ الْفِدْيَةَ إِلَى الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 9] ، وَقَوْلِهِمْ: المسجد الْجَامِعِ، وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: فِدْيَةٌ، وكَفَّارَةٌ منوّنة، وطَعامُ، رفع، وقرأ مِسْكِينٍ بِالْجَمْعِ هُنَا، أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ جَمَعَ نَصَبَ النُّونَ، وَمَنْ وَحَّدَ خَفَضَ النُّونَ وَنَوَّنَهَا، وَالْفِدْيَةُ: الْجَزَاءُ، وَيَجِبُ أَنْ يُطْعِمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مسكينا مدّا من الطعام

_ - وهو في «الموطأ» (1/ 299) عن هشام به. وأخرجه البخاري 3831 و5404 ومسلم 1125 وأبو داود 2442 والترمذي 753 وعبد الرزاق 7844 و7845 وابن أبي شيبة (3/ 55) وأحمد (6/ 162) وابن خزيمة 3080 والدارمي (2/ 23) وابن حبان 3621 والبغوي في «شرح السنة» 1702 والبيهقي (4/ 288) من طرق عن هشام بن عروة به. - وأخرجه البخاري 1592 و1893 و2001 و4502 ومسلم 1125 ح 114- 116 وعبد الرزاق 7842 والشافعي (1/ 262- 263) وأحمد (6/ 244) والطحاوي (2/ 74) والبيهقي (4/ 288 و290) من طرق عن عروة عن عائشة. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «أو» . (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 185]

بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِصْفُ صَاعٍ مِنَ قمح أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يَوْمَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ عَشَاءَهُ وَسَحُورَهُ، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، أَيْ: زَادَ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَأَطْعَمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ، وَقِيلَ: مَنْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَأَعْطَى صَاعًا وَعَلَيْهِ مُدٌّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ، فمن ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ قَالَ مَعْنَاهُ: الصَّوْمُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْفِدْيَةِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ، إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِمُؤْمِنٍ مُكَلَّفٍ فِي إِفْطَارِ رَمَضَانَ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ، أَحَدُهُمْ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ، أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ: فَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا تُفْطِرَانِ وتقضيان، وعليهما مع القضاء الكفارة [1] وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ: فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ فَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَيَّامَ الصيام فقال: [سورة البقرة (2) : آية 185] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) شَهْرُ رَمَضانَ، رَفْعُهُ عَلَى مَعْنَى: هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ، وَأَمَّا رَمَضَانُ [فقد] [2] قال مجاهد: هو مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ: شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا يُقَالُ شَهْرُ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ سُمِّيَ بِهِ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَهِيَ الحجارة المحماة، لأنهم [3] كَانُوا يَصُومُونَهُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وكانت ترمض [4] فيه الحجارة من الْحَرَارَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، سُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ وَالْآيَ وَالْحُرُوفَ، وَجُمِعَ فِيهِ الْقَصَصُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، وَأَصْلُ الْقَرْءِ: الْجَمْعُ، وقد تحذف الهمزة فَيُقَالُ: قَرَيْتَ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «الْقُرَانَ» بِفَتْحِ الرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الشَّافِعِيُّ، وَيَقُولُ: لَيْسَ هُوَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، روي عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) [الْقَدْرِ: 1] ، وَقَوْلِهِ: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [الدُّخَانِ: 3] ، وَقَدْ نَزَلَ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ [الْإِسْرَاءِ: 106] ؟ فَقَالَ: أُنْزِلُ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْلَةِ القدر من شهر رمضان

_ (1) في المطبوع «الفدية» . (2) ليس في المخطوط. [.....] (3) في المطبوع «وهم» . (4) في «القاموس» : رمض يومنا: اشتد حرّه- وأرمضه: أحرقه وأوجعه.

إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) [الْوَاقِعَةِ: 75] ، قَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أَمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي سَائِرِ الشهور [1] ؟ قال: بلى ولكنّ جبريل كَانَ يُعَارِضُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ مَا أنزل الله إِلَيْهِ، فَيُحْكِمُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وَيُنْسِيهِ مَا يشاء. ع «137» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أنزلت [2] صحف إبراهيم فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ [شهر] [3] رَمَضَانَ» ، وَيُرْوَى «فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ» ، «وَأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى فِي سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ [شهر] [4] رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ من رمضان، وأنزل الزبور على داود في ثمان عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ بَعْدَهَا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدىً لِلنَّاسِ: مِنَ الضَّلَالَةِ، وهُدىً فِي محل النصب عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْرِفَةٌ و «هدىّ» نَكِرَةٌ، وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى، أَيْ: دَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، والحدود والأحكام، وَالْفُرْقانِ، أي: المفرق [5] بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أَيْ فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الحضر فأدركه الشهر [فليصمه] [6] ، اختلف أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: [لَا] [7] يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِهِ قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أَيِ: الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي شهر رمضان جاز له الفطر [8] ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْهُ، أَيِ: الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ لَمْ [9] يَشْهَدْ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْ مَا شَهِدَ مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: مَا: «138» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ [10] عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ [بْنِ عَبْدِ اللَّهِ] [11] بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابن عباس: أن

_ 137- ع متن ضعيف لم أقف عليه مسندا من حديث أبي ذر. وإنما أخرجه أحمد (4/ 107) والطبراني في «الكبير» (22/ 185) و «الأوسط» 3752 والطبري 2821 من حديث واثلة بن الأسقع وفيه عمران بن داور القطان مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب، والأشبه فيه الوقف والله أعلم. قال الهيثمي في «المجمع» (1/ 197) : وفيه عمران بن داور القطان ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبّان، وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وبقية رجاله ثقات اهـ. وورد عن جابر من قوله أخرجه أبو يعلى كما في «المجمع» (1/ 197) ح 960، وأعله بضعف سفيان بن وكيع. ولا يصح هذا الخبر مرفوعا، والراجح وقفه. 138- إسناده على شرطهما. ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» 1760 بهذا الإسناد. (1) في المخطوط «السنة» . (2) وقع في الأصل «أنزل» والتصويب من معجم الطبراني وغيره. 3 زيادة عن المخطوط. 4 زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «الفارق» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) سقط من المخطوط. (8) في المطبوع «أن يفطر» . (9) في عبارة المخطوط هاهنا تخليط، وعبارة المطبوع وط- المثبتة هي الصواب. (10) وقع في الأصل «منصور» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» . [.....] (11) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من كتب التخريج.

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ [1] ثُمَّ أَفْطَرَ وأفطر الناس معه، وكانوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَبَاحَ الْفِطْرَ لعذر المرض والسفر، [و] أعاد هَذَا الْكَلَامَ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِي النَّاسِخِ ثُبُوتَهُ فِي الْمَنْسُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ يُبِيحُ الْفِطْرَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ طَرِيفُ بْنُ تَمَّامٍ الْعُطَارِدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ: إِنَّهُ وُجِعَتْ [2] أُصْبُعِي هَذِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يجوز به [3] الصَّلَاةُ قَاعِدًا، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ يُخَافُ مَعَهُ مِنَ الصَّوْمِ زِيَادَةُ عِلَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ إِذَا أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَفْطَرَ، وَإِنْ لَمْ يُجْهِدْهُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، وَأَمَّا السَّفَرُ فَالْفِطْرُ فِيهِ مُبَاحٌ، وَالصَّوْمُ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ، وَمَنْ صام فعليه القضاء. ع «139» وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» . وَذَلِكَ عِنْدَ الْآخَرِينَ فِي حَقِّ مَنْ يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ، فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، والدليل مَا: «140» أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ [4] بْنِ علي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال:

_ وهو في «الموطأ» (1/ 294) عن ابن شهاب بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 1944 والشافعي (1/ 271) والدارمي (2/ 9) وابن حبان 3563 والطحاوي في «المعاني» (2/ 64) والبيهقي 4/ 240 من طريق مالك بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2954 و4275 و4276 ومسلم 1113 والنسائي (4/ 189) وعبد الرزاق 7762 والطيالسي 2716 والحميدي 514 وابن أبي شيبة (3/ 15) وأحمد (1/ 219 و334) وابن خزيمة 2035 وابن حبان 3555 و3563- 3566 والطحاوي (2/ 64) والبيهقي (4/ 240) و246 من طرق عن الزهري به. 139- ع انظر الحديث الآتي. 140- إسناده على شرط البخاري، آدم هو ابن أبي إياس العسقلاني روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج بن الورد. - هو في «شرح السنة» 1758 بهذا الإسناد. - وهو في «صحيح البخاري» 1946 عن آدم بهذا الإسناد. - وأخرجه ومسلم 1115 وأبو داود 2407 والنسائي (4/ 177) والطيالسي 1721 وأحمد (3/ 299) و (319) و (399 (1) الكديد: عين ماء جارية على اثنين وأربعين ميلا من مكة. (2) في المخطوط «توجعت» والمثبت هو الصواب كما في القرطبي (2/ 276) . (3) في المخطوط «تجوز معه» . (4) في الأصل «الحسين» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» ومصادر التخريج.

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فقال: ما هذا؟ قالوا: صَائِمٌ [1] ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» . وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ مَا: «141» حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الإسفرايني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو أمية أخبرنا عبيد [2] اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا الْجَرِيرِيُّ [3] ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَنَسٍ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرُهُمَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَمَنْ أَصْبَحَ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ [قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، أَمَّا الْمُسَافِرُ إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ] [4] بِالِاتِّفَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: «142» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ

_ وابن أبي شيبة (3/ 14) والدارمي (2/ 9) وابن خزيمة 2017 وابن حبان 3552 وابن الجارود 399 والطحاوي (2/ 62) والبيهقي (4/ 242 و243) من طرق عن شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي (4/ 176) والطحاوي (2/ 62- 63) وابن حبان 355 من طريق مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثوبان عن جابر به. - وأخرجه ابن ماجه 1665 وابن حبان 3548 والطحاوي (2/ 63) والطبراني 13387 و13403 من حديث ابن عمر وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات اهـ. 141- صحيح. أبو أمية صدوق، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، محمد بن إبراهيم، عبيد الله القواريري هو ابن عمر. الجريري هو سعيد بن إياس، أبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة. وهو في «شرح السنة» 1756 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1116 ح 96 والنسائي (4/ 188) وأحمد (3/ 12) وابن خزيمة 2030 والبيهقي (4/ 245) من طرق عن الجريري بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1116 ح 65 والترمذي 712 والنسائي (4/ 188) و (189) وأحمد (3/ 50) وابن أبي شيبة (3/ 17) وابن خزيمة 3029 والبيهقي (4/ 244) من طرق عن أبي نضرة به. - وأخرجه مسلم 1116 والطيالسي 2157 وابن أبي شيبة (3/ 17) وأحمد (3/ 45 و74) وابن حبان 3562 والطحاوي (2/ 68) من طرق عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ به. 142- إسناده صحيح، رجاله ثقات. محمد هو ابن علي بن الحسين رضي الله عنهم. (1) في المطبوع وحده «هذا صائم» . (2) وقع في الأصل «عبد» والمثبت هو الصواب. (3) وقع في الأصل «الحريري» والتصويب من كتب التخريج والتراجم. [.....] (4) سقط من المخطوط.

الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ [1] جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ [2] ، فَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فأفطر بعض الناس، وصام بعض [3] ، فبلغه أن أناسا صَامُوا فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» . وَاخْتَلَفُوا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «الْعُسْرَ وَالْيُسْرَ» وَنَحْوَهُمَا بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالسُّكُونِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا خُيِّرَ رَجُلٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّهُمَا [4] إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [الْمَائِدَةِ: 3] ، وَالْوَاوُ فِي قوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا وَاوُ النَّسَقِ وَاللَّامُ لَامُ كَيْ، تَقْدِيرُهُ: وَيُرِيدُ لِكَيْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أي: لتكملوا عدد [5] أَيَّامِ الشَّهْرِ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرْتُمْ فِي مَرَضِكُمْ وَسَفَرِكُمْ، وَقَالَ [عَطَاءٌ] [6] : وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَيْ: عَدَدَ أَيَّامِ الشَّهْرِ. «143» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عمر: أن رسول الله قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين» .

_ - هو في «شرح السنة» 1761 بهذا الإسناد. رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 268 و269- 270) عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1114 ح 91 والترمذي 710 والنسائي (4/ 177) والبيهقي (4/ 241- 246) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1114 والطيالسي 1667 والشافعي (1/ 270) والنسائي (4/ 177) والحميدي 1289 وابن خزيمة 2019 و2537 وابن حبان 2706 و3549 والطحاوي (2/ 65) والبيهقي (5/ 256) من طرق من حديث جابر. 143- صحيح. الشافعي ثقة إمام، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. وأخرجه البخاري 1907 ومالك (1/ 286) والشافعي (1/ 272) والبيهقي (4/ 205) من طريق مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دينار به. - وأخرجه البخاري 1900 و1906 ومسلم 1080 وأبو داود 2320 والنسائي (4/ 134) وابن ماجه 1654 ومالك (1/ 286) وعبد الرزاق 7307 والشافعي (1/ 274) وأحمد (2/ 13) و63 و145 وابن حبان 3593 و3597 والدارقطني (2/ 161) والبغوي في «شرح السنة» 1708 والبيهقي (4/ 204) من طرق من حديث ابن عمر. (1) وقع في الأصل «بن» والتصويب من كتب التخريج. (2) تحرف في المخطوط إلى «الغنم» . (3) في المطبوع «بعضهم» . (4) في المخطوط «أحب» . (5) في المطبوع «عدة» . (6) سقط من المطبوع.

«144» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ [1] الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أغمي [2] عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا» . وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ: وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ، عَلى مَا هَداكُمْ: أَرْشَدَكُمْ إِلَى مَا رَضِيَ [3] بِهِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَصَّكُمْ بِهِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ تَكْبِيرَاتُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَرُوِيَ الشافعي عن ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، وَشَبَّهَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ حَاجًّا فَذِكْرُهُ التَّلْبِيَةُ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: اللَّهَ على نعمه [التي خصكم بها] [4] ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَثَوَابِ الصَّائِمِينَ. «145» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن أبي سُهَيْلٍ [5] نَافِعُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أبيه عن أبي هريرة:

_ 144- حديث صحيح، إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو، فإنه صدوق يهم، روى له أصحاب السنن، والبخاري ومسلم لكن متابعة، كما في «الميزان» و «الكاشف» وغيرهما. ووقع في «التقريب» (ع) أي روى له الجماعة، وهو خطأ، ولم ينفرد به كما سيأتي، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. - وهو في «شرح السنة» 1713 بهذا الإسناد لكن فيه «عبد الرحيم بن منيب» بدل «محمد بن يحيى» . - وأخرجه الترمذي 684 والشافعي (1/ 275) وأحمد (2/ 438) و (497) والطحاوي (2/ 84) والبيهقي (4/ 207) من طريق محمد بن عمرو بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1914 ومسلم 1082 وأبو داود 2335 والترمذي 685 والنسائي (4/ 149 و154) وابن ماجه 1650 والشافعي (1/ 275) والطيالسي 2361 وعبد الرزاق 7315 وابن أبي شيبة (3/ 23) وأحمد (2/ 234) و (347) و (408) و (477) و (513) والدارمي (2/ 4) وابن حبان 3586 و3592 والطحاوي (2/ 84) وابن الجارود 378 والبيهقي (4/ 207) من طرق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عن أبي سلمة به. 145- إسناده صحيح، أبو عبيد فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» 1698. وأخرجه البخاري 1898 ومسلم 1079 والنسائي (4/ 126) و (127) وأحمد (2/ 357) والدارمي (2/ 62) وابن خزيمة 1882 والبغوي في «شرح السنة» 1703. والبيهقي (4/ 202) من طرق عن إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1899 و3277 ومسلم 1079 ح 2 وأحمد (2/ 401) وابن أبي شيبة (3/ 1- 2) وابن حبان 3434 من طرق من حديث أبي هريرة. - وانظر الحديث الآتي. (1) وقع في الأصل «الحسين» والتصويب عن «شرح السنة» و «سير أعلام النبلاء» (17/ 356) . (2) في المطبوع «غم» . (3) في المطبوع «أرضى» . [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) وقع في الأصل.. أبي سهيل عن نافع، وهو تصحيف والتصويب من كتب التخريج وكتب التراجم.

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ صُفِّدَتِ [1] الشَّيَاطِينُ وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ» . «146» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ [2] ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ [3] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ [4] أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بكر بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . «147» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَوْفَانِيُّ الْهَرَوِيُّ بِهَا، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ التُّجِيبِيُّ [5] الْمِصْرِيُّ بِهَا الْمَعْرُوفُ بأبي النَّحَّاسِ [6] قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَنَزِيُّ [7] الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن عن أبي هريرة:

_ 146- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل أبي بكر بن عياش، فإنه صالح الحديث كما قال الذهبي، وهو من رجال البخاري لكن ساء حفظه لما كبر، فانحط حديثه عن درجة الصحيح، وبقية رجاله مشاهير. وهو في «شرح السنة» 1699 بهذا الإسناد. وهو في «سنن الترمذي» 682 عن محمد بن العلاء بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن ماجه 1642 وابن خزيمة 1883 وابن حبان 3435 والحاكم (1/ 421) من طريق أبي كريب بهذا الإسناد، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. ويشهد له ما أخرجه النسائي (4/ 130) وابن أبي شيبة (3/ 1) وأحمد (4/ 311) و (312) و (5/ 411) من طريق عرفجة عن رجل من الصحابة. وإسناده حسن. فإنه من رواية الثوري وشعبة عن عطاء بن السائب، وقد سمعا منه قبل الاختلاط، وجهالة الصحابي لا تضر، فالحديث حسن، ويرقى بالأول إلى درجة الصحيح، والله أعلم. 147- إسناده صحيح، رجاله ثقات، محمد بن الصّباح الزعفراني فمن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. الزهري هو محمد بن مسلم. - وهو في «شرح السنة» 1700 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2014 وأبو داود 1372 والنسائي (4/ 156- 157) (2201) - (2203) من طرق عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2008 و2009 و2014 ومسلم 759 وأبو داود 1371 و1372 والترمذي 808 والنسائي (3/ 201- 202) و (156) وابن ماجه 1326 ومالك (1/ 113) وأحمد (2/ 281) و289 و408 و423 وعبد الرزاق 7719 والدارمي (2/ 26) وابن خزيمة 2202 وابن حبان 2546 والبيهقي (2/ 491 و492) من طرق عن أبي سلمة به. وبعضهم اقتصر على ذكر «الصيام» والبعض الآخر اقتصر على ذكر «القيام» . (1) صفّدت: شدّت وأوثقت بالأغلال- والصفد: القيد. (2) في المطبوع «بن الجراح» . (3) في المطبوع «عباس» . (4) وقع في الأصل «المحوبي» والتصويب من «شرح السنة» و «ط» . (5) وقع في الأصل «النجيبي» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» . (6) وقع في الأصل «النجاش» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» . (7) وقع في الأصل «المقبري» والتصويب من «شرح السنة» ومن «ط» .

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ [1] ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . «148» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ خَلَفُ بْنُ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نِزَارٍ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسَدٍ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْعَنَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسٍ السَّعْدِيُّ أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ زِيَادٍ [عَنْ همام بن يحيى] [2] عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فقال: «أيّها الناس إنه أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ» . [وَفِي رِوَايَةٍ: «قَدْ أَطَلَّكُمْ» ، بِالطَّاءِ: أَطَلَّ: أَشْرَفَ] [3] ، شَهَرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، شهر جعل الله صيامه [وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فيه بخصلة من الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فريضة كان كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ] [4] ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ [أَيِ الْمُسَاهَمَةِ] [5] وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ الرِّزْقُ، من فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ [6] مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله ليس كلنا يجد ما يفطّر بِهِ الصَّائِمَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ. [وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ] [7] ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لا غنى لكم عَنْهُمَا، أَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللتان لا غنى لكم عَنْهُمَا فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ» . «149» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ [مُحَمَّدُ بن] محمد بن محمش

_ 148- حديث ضعيف. إسناده ضعيف جدا. عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، ضعيف روى مناكير كثيرة، وقد تفرد في هذا المتن بألفاظ منكرة لا يتابع عليها. وأشار ابن خزيمة لضعفه بقوله: إن صح الخبر. وله علة ثانية، يوسف بن زياد ضعيف جدا، لكن توبع. وأخرجه ابن خزيمة 1887 عن علي بن حجر بهذا الإسناد، ومن طريقه: - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 3608 وكذا أخرجه البيهقي 3608 من طريق إياس بن عبد الغفار عن علي بن زيد به. وأخرجه الأصبهاني في «الترغيب» 1753 و1763 من وجه آخر بنحوه عن علي بن زيد بهذا الإسناد. 149- إسناده صحيح. إبراهيم بن عبد الله فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، وكيع هو ابن الجراح، والأعمش سليمان بن مهران، وأبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته وهو في «شرح السنة» 1704 بهذا (1) زيد في نسخ المطبوع هاهنا «وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه» . - وليست في المخطوط ولا في شرح السنة وصحيح البخاري ومسلم لذا حذفتها، فهي مقحمة. والله أعلم. [.....] (2) ما بين المعقوفتين زيادة من «شعب الإيمان» وكتب التراجم. (3) زيد في نسخ المطبوع دون المخطوط وكتب الحديث الأخرى. (4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع وحده. (5) زيد في نسخ المطبوع. (6) في المطبوع «رقبة» . (7) زيد في نسخ المطبوع، وليس هو في المخطوط ولا في «الشعب» 3608 للبيهقي.

الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ عَمَلِ ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، قال الله [سبحانه و] تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وأنا أجزي به، يدع طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، وللصائم فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيْهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المسك، الصَّوْمُ جُنَّةٌ» [1] . «150» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ» . «151» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن الحارث، أخبرنا

_ الإسناد. وأخرجه مسلم 1151 وابن ماجه 1638 وابن أبي شيبة (3/ 5) وأحمد (2/ 443 و477) والبيهقي (4/ 304) عن وكيع عن الأعمش بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1894 و1904 و5927 و7538 ومسلم 1151 والنسائي (4/ 164 و304) ومالك (1/ 310) والطيالسي 2485 وعبد الرزاق 7891 و7893 وابن أبي شيبة (3/ 5) وأحمد (2/ 281) وابن خزيمة 1897 و1900 وابن حبان 3416 و3422 و3423 و3424 والبغوي 1705 والبيهقي (4/ 304) من طرق من حديث أبي هريرة. 150- إسناده صحيح، محمد بن إسماعيل هو البخاري إمام فن علم الحديث، سعيد فمن فوقه رجال البخاري ومسلم. أبو مريم اسمه الحكم بن محمد، وأبو حازم اسمه سلمة بن دينار، ويعرف ب- الأعرج-. - وهو في «شرح السنة» 1702 بهذا الإسناد. - وهو في «صحيح البخاري» 3257 عن سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي (4/ 305) من طريق سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1896 ومسلم 1152 والترمذي 765 والنسائي (4/ 168) وابن ماجه 1640 وابن أبي شيبة (3/ 5- 6) وابن خزيمة 1902 وابن حبان 3420 و3421 والبغوي 1703 من طرق عن أبي حازم بهذا الإسناد بألفاظ متقاربة. 151- غير قوي. إسناده ضعيف له علتان: رشدين بن سعد ضعيف ليس بشيء، لكن لم ينفرد به تابعه ابن لهيعة وابن وهب كما سيأتي. والعلة الثانية: حييّ بن عبد الله المصري غير قوي. قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة. ثم ساق له أحاديثه مناكير، وقال: لا يتابع عليها. راجع «الميزان» (1/ 623) . - وأخرجه نعيم بن حماد في «زيادات الزهد لابن المبارك» (384) من طريق رشدين بن سعد بهذا الإسناد، ورشدين ضعيف، وتابعه ابن لهيعة عند أحمد (2/ 174) (6589) وتابعهما عبد الله بن وهب عند الحاكم (1/ 554) (2036) وصححه على شرط مسلم! ووافقه الذهبي! وليس كذلك، حييّ بن عبد الله ما رويا له شيئا، وهو إلى الضعف أقرب. - وقال المنذري في «ترغيبه» 1436: رواه أحمد. والطبراني في «الكبير» ورجاله محتج بهم في الصحيح! ورواه ابن أبي الدنيا في «كتاب الجوع» وغيره بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. تقدم أنه ليس على شرط مسلم! (1) زيد في المطبوع وحده «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابّه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم» . - وهذه الزيادة مقحمة ليست من هذا الحديث، وإنما هي من حديث آخر مستقل، وليست في المخطوط ولا هي في شرح السنة وصحيح مسلم وكتب الحديث.

[سورة البقرة (2) : آية 186]

مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ رشدين [1] بن سعد عن حييّ [2] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [3] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [أنه] قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فيه فيشفعان» . [سورة البقرة (2) : آية 186] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [4] قَالَ: قَالَ يَهُودُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنَا دُعَاءَنَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَإِنَّ غِلَظَ كُلِّ سَمَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ؟ فَنَزَلَتْ هذه الآية. ع «152» وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَأَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بِعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ. وَفِيهِ إِضْمَارٌ، كَأَنَّهُ قال: فقل لهم [يا محمد] [5] إِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: 16] . «153» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [6] الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا محمد بن

_ - وقال الهيثمي في «المجمع» (3/ 181) (5081) : رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال الطبراني رجال الصحيح. والحديث في «صحيح الترغيب» 973. (1) وقع في الأصل «راشد» والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. (2) وقع في الأصل «يحيى» وهو تصحيف والتصويب من كتب التخريج. (3) وقع في الأصل «عمر» بدل «عمرو» والتصويب من كتب التخريج. [.....] (4) لا أصل له من كلام ابن عباس، وإنما هو من صنع الكلبي أو شيخه أبي صالح واسمه باذام، فقد أقر الكلبي للثوري بقوله: كل ما حدثتك عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس فهو كذب، راجع «الميزان» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. 152- ع هذا مرسل، والإسناد إلى الضحاك ذكره المصنف في أول الكتاب. - وأخرج ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 224) والطبري (2912) من طريق عبدة السختياني عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بِعِيدٌ فنناديه؟ فسكت النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت» وإسناده ضعيف لجهالة الصلت بن حكيم، ذكره ابن أبي حاتم من غير جرح أو تعديل، فلعل هذا الموصول يتأيد بالمرسل المتقدم. 153- إسناده صحيح على شرطهما، عبد الواحد هو ابن زياد العبدي، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وأبو عثمان هو النّهدي اسمه عبد الرحمن بن ملّ. - وهو في «شرح السنة» 1276 بهذا الإسناد.

يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ] [1] ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ، أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غير قالون وأبي عَمْرٍو بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهِمَا فِي الوصل، والباقون يحذفونها وَصْلًا وَوَقْفًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي إِثْبَاتِ الْيَاءَاتِ الْمَحْذُوفَةِ مِنَ الخط وحذفها في التلاوة، وأثبت يَعْقُوبُ جَمِيعَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي الْخَطِّ وَصْلًا وَوَقْفًا، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، قِيلَ: الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ، أَيْ: فليجيبوا إليّ بِالطَّاعَةِ، وَالْإِجَابَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ وَإِعْطَاءُ مَا سُئِلَ، فَالْإِجَابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: الْعَطَاءُ، وَمِنَ الْعَبْدِ: الطاعة، وقيل: فليستجيبوا إليّ، أَيْ: لِيَسْتَدْعُوا مِنِّي الْإِجَابَةَ، وَحَقِيقَتُهُ فَلْيُطِيعُونِي، وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، لِكَيْ يَهْتَدُوا، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ، وقوله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، وقد ندعوا كَثِيرًا فَلَا يُجِيبُ؟ قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَتَيْنِ، قِيلَ: مَعْنَى الدُّعَاءِ هَاهُنَا: الطَّاعَةُ، وَمَعْنَى الْإِجَابَةِ؟ الثَّوَابُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَتَيْنِ خَاصٌّ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُمَا عَامًّا، تَقْدِيرُهُمَا: أجيب دعوة الداعي إِنْ شِئْتُ كَمَا قَالَ: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ [الأنعام: 41] ، وأجيب دَعْوَةَ الدَّاعِي إِنْ وَافَقَ الْقَضَاءَ، أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ خَيْرًا لَهُ، أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ لَمْ يَسْأَلْ مُحَالًا. «154» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ [مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ] السمعاني أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ [2] ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بن يزيد حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أبي هريرة:

_ - وفي «صحيح البخاري» 4205 عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2992 ومسلم 2704 وأبو داود 1528 وابن ماجه 3824 وأحمد (4/ 403) و417 و418 وابن السني في «عمل اليوم والليلة» 518 من طريق عاصم الأحول بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6384 و6409 و6610 ومسلم 2704 وأبو داود 1526 و1527 والترمذي 3371 و3457 والنسائي في «الكبرى» 10372 وابن ماجه 3824 وأحمد (4/ 399) و (402) و (418) و (419) وأبو يعلى 7252 وابن السني 521 من طرق من حديث أبي موسى الأشعري. (1) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . 154- حديث صحيح. إسناده ضعيف لأجل عبد الله بن صالح كاتب الليث، فإنه روى مناكير. لكن تابعه ابن وهب، ومعاوية من رجال مسلم ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو إدريس هو الخولاني اسمه عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وهو في «شرح السنة» 1384 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2735 والبخاري في «الأدب المفرد» 655 وابن حبان 881 و976 والبيهقي (3/ 353) من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح بهذا الإسناد. - وورد من طريق آخر عن أبي هريرة مرفوعا ومختصرا دون ذكر الإثم وقطيعة الرحم أخرجه البخاري 6340 وفي «الأدب المفرد» 654 ومسلم 2730 وأبو داود 1484 والترمذي 3378 وابن ماجه 3853 ومالك (1/ 213) وأحمد (2/ 487) و396 وابن حبان 975 والطحاوي في «المشكل» (1/ 374) . (2) وقع في الأصل «الزياتي» والتصويب من «شرح السنة» ومن «تهذيب الكمال» .

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلْ» ، قَالُوا: وَمَا الِاسْتِعْجَالُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ فَلَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ [1] عِنْدَ ذَلِكَ، فَيَدَعُ الدُّعَاءَ» . وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أُجِيبُ، أَيْ: أَسْمَعُ، وَيُقَالُ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِجَابَةِ [2] الدَّعْوَةِ، فَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمُنْيَةِ فَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِيهَا، وَقَدْ يُجِيبُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَالْوَالِدُ وَلَدَهُ ثُمَّ لَا يُعْطِيهِ سُؤْلَهُ، فَالْإِجَابَةُ كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ حُصُولِ الدَّعْوَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُخَيِّبُ [3] دُعَاءَهُ فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ مَا سَأَلَ أعطاه، وإن لم يقدّر لَهُ ادَّخَرَ لَهُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ أَوْ كَفَّ عَنْهُ بِهِ سوءا [في الدنيا] [4] ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: «155» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [5] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ وَهُوَ [6] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» . وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ فِي الْوَقْتِ، وَيُؤَخِّرُ إِعْطَاءَ [من يحبّ] [7] مُرَادِهِ لِيَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَيُعَجِّلُ إِعْطَاءَ مَنْ لَا يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ يَبْغَضُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا وَشَرَائِطَ وَهِيَ أَسْبَابُ الْإِجَابَةِ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِجَابَةِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، فلا يستحقّ الإجابة [8] .

_ 155- حديث حسن. إسناده لا بأس به. ابن ثوبان صدوق، وفيه ضعف، لكن توبع ومن دونه. - وهو في «شرح السنة» 1381 بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (5/ 329) (22279) والترمذي (3573) والبيهقي في «الشعب» 1131 من طريق الفريابي محمد بن يوسف بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه اهـ. - وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 147 من هشام بن الغاز عن مكحول بهذا الإسناد. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 147) (17201) . وفيه مسلمة بن علي، وهو ضعيف اهـ. قلت: مسلمة هو الخشني متروك ليس بشيء. - وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري. أخرجه أحمد (3/ 18) والبخاري في «الأدب المفرد» (710) وأبو يعلى 1019 والحاكم (1/ 493) والبزار (3143) و (3144) والبيهقي في «الشعب» 1129. صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في «المجمع» 10/ 148- 149: رواه أبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي، وهو ثقة اهـ. (1) حسر واستحسر: إذا أعيا وانقطع عن الشيء. (2) في المطبوع «استجابة» . (3) في المطبوع «يجيب» وفي المخطوط «لا يجيب» والمثبت عن- ط-. (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) وقع في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. (6) زيد في الأصل بعد لفظ وهو: «محمد بن» وهو خطأ من النساخ. والتصويب عن كتب التراجم وشرح السنة. (7) زيد في المطبوع وحده. وتحرف لفظ «يحب» إلى «يجيب» . والمثبت يقتضيه سياق الكلام الآتي. (8) في المخطوط «الجواب» .

[سورة البقرة (2) : آية 187]

[سورة البقرة (2) : آية 187] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) قَوْلُهُ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، قَالَ ابْنُ عباس: إن الله حيي كريم يكني، كلما ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ، فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ إِذَا أَفْطَرَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، أَوْ يَرْقُدَ قَبْلَهَا، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْ رَقَدَ قَبْلَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الطعام والشراب وَالنِّسَاءُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، ثُمَّ: ع «156» إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عنه واقع أهله بعد ما صَلَّى الْعِشَاءَ فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ يَبْكِي وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَاطِئَةِ [1] ، إِنِّي رَجَعْتُ إِلَى أهلي بعد ما صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ فَوَجَدْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَجَامَعْتُ أَهْلِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا كُنْتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ يا عمر» ، فقام رجال فاعترفوا بِمِثْلِهِ، فَنَزَلَ فِي عُمْرَ وَأَصْحَابِهِ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ. أَيْ: أُبِيحُ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ، أَيْ: سَكَنٌ لَكُمْ، وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، أَيْ: سَكَنٌ لَهُنَّ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الْأَعْرَافِ: 189] ، وَقِيلَ: لا يسكن شيء إلى شَيْءٌ كَسُكُونِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسًا لِتَجَرُّدِهِمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُنَّ فِرَاشٌ [2] لكم، وأنتم لحاف لهن، وقال أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ هِيَ لِبَاسُكَ وَفِرَاشُكَ وَإِزَارُكَ، وَقِيلَ: اللِّبَاسُ اسْمٌ لِمَا يُوَارِي الشَّيْءَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتْرًا لِصَاحِبِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: ع «157» «مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ [3] ثُلُثَيْ دينه» .

_ 156- ع أخرجه الطبري 2951 من حديث ابن عباس بأتم منه دون قوله، «فقام رجال واعترفوا بمثله» وفي إسناده عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف. وله شاهد من حديث كعب بن مالك أخرجه الطبري 2949 وفي إسناده ابن لهيعة لكن ابن المبارك سمع منه قبل الاختلاط. 157- ضعيف. أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» 1005 من طريق خالد الحذاء عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بن مالك مرفوعا بلفظ: «من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي» . قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، وإنما يذكر عنه، وفيه آفات منها يزيد الرقاشي قال أحمد: لا يكتب عنه شيء كان منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث ... اهـ. - وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (7643) و (8789) والخطيب البغدادي في «الموضح» (2/ 84) من طرق عن يزيد (1) في المطبوع «الخطيئة» . (2) زيد في نسخ المطبوع «واجتماعهما» . (3) وقع في الأصل «فقد حرز» .

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ: تَخُونُونَهَا وَتَظْلِمُونَهَا بِالْمُجَامَعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، قَالَ الْبَرَاءُ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ، كَانُوا لَا يقربون النساء [في رَمَضَانَ] [1] كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ: تَجَاوَزَ عَنْكُمْ، وَعَفا عَنْكُمْ: مَحَا ذُنُوبَكُمْ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ: جَامِعُوهُنَّ حَلَالًا، سُمِّيَتِ الْمُجَامَعَةُ: مُبَاشَرَةً، لملاصقة بشرة كل واحد منهما صاحبه، وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أَيْ: فَاطْلُبُوا مَا قَضَى اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ: مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، يَعْنِي: الْوَلَدَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتَغُوا الْوَلَدَ إِنْ لَمْ تَلِدْ هَذِهِ فَهَذِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: وَابْتَغُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ، قَوْلُهُ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ أَبُو صِرْمَةَ بْنُ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَبُو قَيْسٍ صرمة بن أنس بن صرمة. ع «158» وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَلَّ نَهَارَهُ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا أَمْسَى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِتَمْرٍ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ قَدِّمِي الطَّعَامَ، فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُطْعِمَهُ شَيْئًا سخنا [2] فَأَخَذَتْ تَعْمَلُ لَهُ سَخِينَةً، وَكَانَ في [ابتداء الأمر] [3] مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ من طعامه إذا هِيَ بِهِ قَدْ نَامَ، وَكَانَ قد أعيا وكلّ [من العمل] [4] ، فَأَيْقَظَتْهُ فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ ورسوله وأبى أَنْ يَأْكُلَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا مَجْهُودًا، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أبا قيس ما لك أصبحت [5] طليحا [6] » ، فذكر له حاله فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، يَعْنِي فِي لَيَالِي الصَّوْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. يَعْنِي: بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ: سُمِّيَا خَيْطَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْدُو فِي الِابْتِدَاءِ مُمْتَدًّا كَالْخَيْطِ. «159» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أخبرنا محمد بن يوسف

_ الرقاشي عن أنس مرفوعا. - وأخرجه الحاكم (2/ 161) (2681) من طريق زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرحمن بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الثاني» . صححه الحاكم، ووافقه الذهبي مع أن في إسناده زهير بن محمد ضعيف في رواية الشاميين عنه وهذا منها ثم إن عمرو بن أبي سلمة التنيسي ضعيف أيضا. ولفظ الحاكم ذكره ابن حجر في «التلخيص» (3/ 117) وضعّف إسناده. 158- ع خبر قيس بن صرمة، أخرجه البخاري 1915 وأبو داود 2314 والترمذي 2968 والنسائي (4/ 147- 148) وأحمد (4/ 295) والدارمي (2/ 5) وابن حبان (3460) و (3461) والطبري 2939 والبيهقي (4/ 201) من حديث البراء بغير هذا السياق. 159- إسناده صحيح. محمد بن إسماعيل هو البخاري، ومن دونه ثقات، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو حازم هو (1) زيادة عن كتب التخريج. (2) في المطبوع «سخينا» . [.....] (3) في المطبوع «الابتداء» . (4) زيادة من المخطوط. (5) في المخطوط وط «أمسيت» لكن سياق الحديث يدل على أنه كان في النهار. وقد وردت روايات تذكر أنه كان في الليل. (6) الطلح: المهزول- والراعي المعيني.

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَلَمْ يَنْزِلْ قَوْلُهُ: مِنَ الْفَجْرِ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ ويشرب حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ: مِنَ الْفَجْرِ، فَعَلِمُوا إِنَّمَا يَعْنِي بِهِمَا: اللَّيْلَ والنهار. «160» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أخبرنا حجاج بْنُ مِنْهَالٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وسادتي فجعلت أنظر إليهما في [2] اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» . «161» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ [3] ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ، قال: وكان ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أصبحت أصبحت.

_ سلمة بن دينار الأعرج. هو في «صحيح البخاري» (1917) و (4511) عن ابن أبي مريم بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1091 والنسائي في «التفسير» 42 والطبري 2998 والطبراني في «الكبير» 5791 والبيهقي (4/ 215) والواحدي في «الأسباب» 94 من طريق سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. 160- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، هشيم هو ابن بشير السلمي، والشعبي هو عامر بن شراحيل. وأخرجه البخاري 1916 من طريق حجاج بن منهال بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4509 ومسلم 1090 وأبو داود 2349 والترمذي 2970 و2971 والنسائي في «التفسير» 41 وأحمد (4/ 377) والطبري 2996 و2997 وابن خزيمة 1925 و1926 والدارمي (2/ 5- 6) والحميدي 916 وابن أبي شيبة (3/ 28) والطبراني في «الكبير» (17/ 176) والبيهقي (4/ 215) من طرق عن عامر الشعبي به. 161- إسناده صحيح على شرطهما. أبو إسحق ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. ابن شهاب هو محمد بن مسلم. وهو في «شرح السنة» 434 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 617 وابن حبان 3469 والطحاوي (1/ 137) والبيهقي (1/ 380) و426- 427 من طريق مالك بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1918 و2656 ومسلم 1092 والترمذي 203 والنسائي (2/ 10) والشافعي (2/ 275) والطيالسي 1819 وابن أبي شيبة (3/ 9) وأحمد (2/ 9) و (57) و (62) والدارمي (1/ 270) وابن خزيمة 401 و1931 وابن حبان 3470 والطحاوي (1/ 137) و (138) والبيهقي (1/ 380) و (382) و (4/ 218) من طرق من حديث ابن عمر. (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «وإلى» . (3) وقع في الأصل «الشهاب» وهو تصحيف.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَجْرَ فَجْرَانِ: كَاذِبٌ وَصَادِقٌ، فَالْكَاذِبُ: يَطْلُعُ أَوَّلًا مُسْتَطِيلًا كذنب السرحان [1] ويصعد إِلَى السَّمَاءِ، فَبِطُلُوعِهِ لَا يَخْرُجُ اللَّيْلُ وَلَا يَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، ثُمَّ يَغِيبُ فَيَطْلُعُ بَعْدَهُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ مُسْتَطِيرًا يَنْتَشِرُ [2] سَرِيعًا فِي الْأُفُقِ، فَبِطُلُوعِهِ يَدْخُلُ النَّهَارُ وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ. «162» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ وَيُوسُفُ [3] بْنُ عِيسَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ سَوَادَةَ [4] بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ [5] فِي الْأُفُقِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ، فَالصَّائِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَرَبَتْ حَصَلَ الْفِطْرُ. «163» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ أخبرنا سفيان الثوري أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، العكوف هو الإقامة على الشيء،

_ 162- حديث صحيح. إسناده لا بأس به لأجل أبي هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي، فإنه صدوق فيه لين، وقد توبع كما سيأتي، وباقي الإسناد ثقات، وكيع هو ابن الجراح. هو في «شرح السنة» 436 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 706 من طريق هناد ويوسف بن عيسى بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1094 وأبو داود 2346 وابن أبي شيبة (2/ 154) وأحمد (5/ 13- 14) وابن خزيمة 1929 والطحاوي (1/ 83) والطيالسي 897 و798 والدارقطني (2/ 166) والبيهقي (4/ 215) من طرق عن سوادة بن حنظلة القشيري عن سمرة بن جندب به. (1) السّرحان: الذئب والأسد. (2) في المخطوط «منشرا» . (3) وقع في الأصل «بن» بدل «و» وهو خطأ والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. [.....] (4) وقع في الأصل «سواد» وهو تصحيف والتصويب من «شرح السنة» و «سنن الترمذي» . (5) استطار ضوء الفجر: إذا انبسط في الأفق وانتشر. 163- إسناده صحيح على شرط البخاري الحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي. سفيان هو ابن سعيد. وهو في «شرح السنة» 1729 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1954 من طريق الحميدي بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1100 وأبو داود 2351 والترمذي 698 وابن أبي شيبة (2/ 148) وأحمد (1/ 28 و35 و48) والدارمي (2/ 7) وابن الجارود 393 والبيهقي (4/ 216) من طريق هشام بن عروة بهذا الإسناد.

وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ: هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ [تعالى] ، وَهُوَ سُنَّةٌ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. «164» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَعْتَكِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا عَرَضَتْ لِلرَّجُلِ مِنْهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى أَهْلِهِ خَرَجَ إِلَيْهَا فَجَامَعَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَنُهُوا عن ذلك ليلا أو نهارا حَتَّى يَفْرَغُوا مِنَ اعْتِكَافِهِمْ، فَالْجِمَاعُ حَرَامٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ، وَيَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، أَمَّا مَا دُونَ الْجِمَاعِ مِنَ الْمُبَاشَرَاتِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ فَمَكْرُوهٌ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحَجُّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَبْطُلُ بِهَا اعْتِكَافُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا، كَالصَّوْمِ. وَأَمَّا اللَّمْسُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّلَذُّذُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، لِمَا: «165» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: يعني: تلك الأحكام التي ذكرت [1] في الصيام والاعتكاف حدود،

_ 164- إسناده صحيح على شرط البخاري، تفرد البخاري عن عبد الله بن يوسف دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، وعقيل- بالتصغير- هو ابن خالد الأيلي، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» 1826 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2026 من طريق عبد الله بن يوسف بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1172 وأبو داود 2462 وأحمد (6/ 92) والبيهقي (4/ 315 و320) من طريق الليث عن عقيل بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1172 والترمذي 790 وعبد الرزاق 7682 وأحمد (6/ 168) و (169) و (281) والدارقطني (2/ 201) وابن خزيمة (2223) وابن حبان 3665 والبيهقي (4/ 314) من طرق من حديث عائشة. 165- إسناده على شرطهما. أبو مصعب فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا. - وهو في «شرح السنة» 1830 بهذا الإسناد. - وأخرجه مالك (1/ 312) من طريق الزهري بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه مسلم (297 ح/ 6) وأبو داود 2467 والترمذي 804 وأحمد (6/ 104) و (262) و (281) وابن خزيمة 2231 وابن حبان 3672 والبيهقي (4/ 315) . - وأخرجه البخاري 296 و (2028) و (2029) و (2046) ومسلم 297 وأبو داود 2468 و2469 والنسائي (1/ 193) وابن ماجه 633 و1778 وأحمد (6/ 32 و50) و (81 و100 و234) وابن خزيمة (2230 و2232) وابن حبان 3669 و3670 والبيهقي (4/ 316) والبغوي 317 من طرق من حديث عائشة. (1) في نسخ المطبوع «ذكرها» .

[سورة البقرة (2) : آية 188]

أَيْ: مَا مَنَعَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ السُّدِّيُّ: شُرُوطُ اللَّهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: فَرَائِضُ اللَّهِ وَأَصْلُ الْحَدِّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْبَوَّابِ: حَدَّادٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَحُدُودُ الله ما يمنع النَّاسَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا، فَلا تَقْرَبُوها، فَلَا تَأْتُوهَا كَذلِكَ، هَكَذَا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، لِكَيْ يَتَّقُوهَا فَيَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ [1] . [سورة البقرة (2) : آية 188] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) قَوْلُهُ تَعَالَى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ، قِيلَ: ع «166» نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي امْرِئِ [2] القيس بن عابس الْكِنْدِيِّ ادَّعَى عَلَيْهِ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ الْحَضْرَمِيُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ» ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « [أَمَا إِنْ حلف على مالك] [3] لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. أَيْ: لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ وَأَصْلُ الْبَاطِلِ: الشَّيْءُ الذَّاهِبُ، وَالْأَكْلُ بِالْبَاطِلِ أَنْوَاعٌ: قَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالنَّهْبِ، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللَّهْوِ كَالْقِمَارِ وَأُجْرَةِ الْمُغَنِّي وَنَحْوِهِمَا [4] ، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ، وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ،

_ 166- ع لم أره بهذا التمام، وإنما هو منتزع من حديثين: الأول: أخرجه ابن أبي حاتم كما في «أسباب النزول» للسيوطي 94 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: إن امرأ القيس بن عابس وعبدان بن أشوع الحضرمي اختصما في أرض، وأراده امرؤ القيس أن يحلف ففيه نزلت وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ. وكذا ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 95 عن مقاتل بن حيان بدون إسناد. وذكر سبب النزول ضعيف، ولا يصح، وأما المرفوع منه فصحيح، وهو الثاني: أخرجه مسلم 139 وأبو داود 3245 و3623 والترمذي 1340 والنسائي في «الكبرى» 5989 والطحاوي في «المعاني» (4/ 148) و «المشكل» (4/ 248) والبيهقي (10/ 144) و254 والبيهقي (10/ 179) من طرق عن أبي الأحوص عن سماك عن علقة بن وائل عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ من حضر موت وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي. فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هي أرضي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم للحضرمي: ألك عليه بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَكَ يَمِينُهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي على ما حلف عليه، وليس يتورّع من شيء. فقال: لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ. فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أدبر: أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ، وَهُوَ عنه معرض» . - وفي صحيح البخاري 2416 و247 وسنن أبي داود 3243 والترمذي 1269 وابن ماجه 2323 والبيهقي (10/ 179- 180) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: من حلف على يمين، وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله، وهو عليه غضبان. قال: فقال الأشعث: فيّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدّمته إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألك بينة؟ قلت: لا. قال لليهودي: احلف. قال: قلت: يا رسول الله إذا يحلف، ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا إلى آخر الآية. (1) في المخطوط «النار» . (2) في الأصل «امرؤ» والمثبت هو الصواب. (3) العبارة في المطبوع [إما أن يحلف على ماله] . (4) في المطبوع «وغيرهما» وفي المخطوط «ونحوهما» والمثبت عن- ط.

[سورة البقرة (2) : آية 189]

[أَيْ: تُلْقُوا أُمُورَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِهَا إِلَى الْحُكَّامِ] [1] ، وَأَصْلُ الْإِدْلَاءِ إِرْسَالُ الدَّلْوِ، وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْبِئْرِ، يُقَالُ: أَدْلَى دَلْوَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ، وَدَلَاهُ يَدْلُوهُ إِذَا أَخْرَجَهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَجْحَدُ الْمَالَ، وَيُخَاصِمُ فِيهِ [إِلَى] [2] الْحَاكِمِ وَهُوَ [3] يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ أَثِمَ بِمَنْعِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنْ يُقِيمَ شَهَادَةَ الزُّورِ، وَقَوْلُهُ: وَتُدْلُوا فِي مَحَلِّ الْجَزْمِ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ مَعْنَاهُ وَلَا تُدْلُوا بِهَا إلى الحكام، وقيل: معناه لا تَأْكُلُوا بِالْبَاطِلِ وَتَنْسِبُونَهُ إِلَى الْحُكَّامِ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أنك ظالم [وهو محق] [4] ، فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: إِنِّي لَأَقْضِي لَكَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ ظَالِمًا، وَلَكِنْ [لَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَقْضِيَ] [5] بِمَا يَحْضُرُنِي مِنَ الْبَيِّنَةِ، وَإِنَّ قَضَائِي لَا يُحِلُّ لَكَ حَرَامًا. «167» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً: طَائِفَةً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ: بِالظُّلْمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ يَقْطَعُ [6] بِهَا مَالَ أَخِيهِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنكم مبطلون. [سورة البقرة (2) : آية 189] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، «168» نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بن جبل وثعلبة بن غنمة [7] الْأَنْصَارِيَّيْنِ قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ما بال الهلال يبدو

_ 167- إسناده صحيح رجاله ثقات، الشافعي هو محمد بن إدريس، والربيع هو ابن سليمان. - وهو في «شرح السنة» 2500 بهذا الإسناد. - وأخرجه مالك (2/ 719) من طريق هشام بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه الشافعي (2/ 178) والبخاري 2680 و7169 والطحاوي (4/ 154) وابن حبان 5070 والبيهقي (10/ 143) و (149) . - وأخرجه البخاري 2458 و7181 و7185 ومسلم 1713 والترمذي 1339 والنسائي (8/ 233) وابن ماجه 2317 وأحمد (6/ 203) و290 و307 و308 والطحاوي (4/ 154) والدارقطني (4/ 239) وابن الجارود 999 والبيهقي (10/ 43) و (149) من طرق عن عروة به. 168- ع ضعيف جدا. أخرجه أبو نعيم وابن عساكر كما في «أسباب النزول» للسيوطي 97 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ عَنْ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابن عباس، وهذا إسناد ساقط، السدي متروك، والكلبي متهم، وعزاه الواحدي في (1) سقط من المخطوط. [.....] (2) سقط من المطبوع. (3) لفظ «وهو» سقط من المخطوط. (4) زيادة من المخطوط. (5) العبارة في المخطوط [لا يمنعني أن أقضي] . (6) في المطبوع «يقتطع» . (7) في الأصل «غنم» والمثبت عن «الإصابة» (1/ 209) و «أسباب النزول» وغيرهما.

دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَمْتَلِئَ نُورًا، ثُمَّ يَعُودُ دَقِيقًا كَمَا بَدَأَ وَلَا يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَهِيَ جَمْعُ هِلَالٍ، مِثْلُ رِدَاءٍ وَأَرْدِيَةٍ، سُمِّيَ هِلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَرَخَ حِينَ يُولَدُ، وَأَهَلَّ الْقَوْمُ بِالْحَجِّ إِذَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ، جَمْعُ مِيقَاتٍ، أَيْ: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَوْقَاتَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَآجَالَ الدُّيُونِ وَعَدَدَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا، فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها، ع «168» قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ [1] نَقَبَ نَقْبًا [2] فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ لِيَدْخُلَ مِنْهُ وَيَخْرُجَ، أَوْ يتخذ سلّما فيصعد منه [ويهبط] [3] ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ [4] خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُمْسِ، وَهُمْ قُرَيْشٌ وكنانة وخزاعة [وثقيف وخيثم وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو نضر بن معاوية، سمّوا أحمسا لِتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ والصلابة، قالوا] [5] فَدَخْلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخْلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْبَابِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِمَ دَخَلْتَ مِنَ الباب وأنت محرم» ؟ فقال: رأيتك دخلت [منه] [6] فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إني أحمسي» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنْ كُنْتَ أَحْمَسِيًّا فإني أحمسي رضيت بهداك وَسَمْتِكَ وَدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية. ع «169» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ نَاسٌ مَنَ الْأَنْصَارِ إِذَا أَهَّلُوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، فكان الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو له الحاجة بعد ما يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ، فَيَرْجِعُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أجل سقف الباب [7] أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ، فَيَفْتَحُ الْجِدَارَ مِنْ وَرَائِهِ ثُمَّ يقوم [8] فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى

_ الأسباب 98 للكلبي. 168- ع م ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 101 نقلا عن المفسرين بهذا اللفظ. - وأخرجه عبد بن حميد كما في «أسباب النزول» 101 للسيوطي عن قيس بن جبير النهشلي مختصرا. - وورد بمعناه من حديث ابن عباس أخرجه الطبري 3092 وفي إسناده عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف، ومن دونه مجاهيل. - وله شاهد من حديث جابر أخرجه الحاكم (1/ 483) وابن أبي حاتم كما في «الأسباب» 99 للسيوطي. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في «الفتح» (3/ 227) إسناده على شرط مسلم. وهو قوي. وله شاهد مرسل، وهو الآتي. 169- ع أخرجه الطبري 3089 عن الزهري مرسلا بهذا السياق، وهو مرسل يصلح شاهدا لما تقدم. (1) المدر: المدن والحضر. (2) النقب: الثقب- ونقب الخف: تخرّق. (3) زيادة عن المخطوط. (4) الوبر: صوف الإبل والأرانب- ووبّر الرجل: تشرّد. أهل الوبر هنا: الذين يعيشون في الخيم. (5) زيد في المطبوع وهو مثبت في «أسباب النزول» للواحدي 101. [.....] (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «البيت» . (8) في المطبوع «يقول» .

[سورة البقرة (2) : آية 190]

بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَةً فَدَخْلَ رَجُلٌ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟» قَالَ: لِأَنِّي رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَحْمَسُ» [1] ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَأَنَا أَحْمَسُ [2] ، يَقُولُ: وَأَنَا عَلَى دِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ والكسائي وأبو بكر «البيوت، والغيوب، وَالْجُيُوبَ، وَالْعُيُونَ، وَشُيُوخًا» بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ، لِمَكَانِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «جِيُوبِهِنَّ» بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ «الْغِيُوبَ» بكسر الغين، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى، أَيِ: الْبِرُّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها، [أي] : فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 190] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ، الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: [هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً، قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يقاتلوا بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 5] ، فَصَارَتْ] [3] هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِهَا [حكما] [4] ، وَقِيلَ: نُسِخَ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ آيَةً. وَقَوْلُهُ: وَلا تَعْتَدُوا، أي: ولا تَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الْمُقَاتِلِينَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَلا تَعْتَدُوا، أَيْ: لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالرُّهْبَانَ، وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ [5] ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ. «170» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ محمد بْنُ سَهْلٍ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي تُرَابٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرَسُوسِيُّ [6] ، أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ

_ 170- إسناده صحيح على شرط مسلم لتفرده عن سليمان، يحيى هو ابن عبد الله بن بكير، شعبة هو ابن الحجاج بن الورد. - وهو في «شرح السنة» 3663 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1731 وأبو داود 2612 و2613 والترمذي 1408 و1617 والنسائي في «الكبرى» 8586 و8680 وابن ماجه 2858 والشافعي (2/ 384) وعبد الرزاق 9428 وأحمد (5/ 352) و (358) والدارمي (2/ 136) وأبو يعلى 1413 والطبراني في «الصغير» (1/ 123) والطحاوي في «المعاني» (3/ 206) و221 وابن الجارود 1042 وابن حبان 4739 والبيهقي (9/ 49) و69 و184 من طرق عن علقمة بن مرثد بهذا الإسناد. مطولا، وليس عند مسلم وغيره «ولا شيخا كبيرا» . - أما لفظ المصنف بتمامه فهو عند البزار (2/ 674) والطبراني في «الصغير» (1/ 187) والخطيب في «تاريخه» (4/ 296- 297) من طريق أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي عن عثمان بن سعيد المري عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عن أبي بردة وعن أبي موسى مرفوعا بهذا اللفظ. وأبو إسحاق مدلس وقد عنعنه لكن للحديث شواهد يقوى بها منها حديث أنس عند أبي داود 2614 لكن فيه خالد بن الفرز، وهو لين الحديث. 1 في المطبوع «أحمسي» . 2 في المطبوع «أحمسي» . (3) زيد في نسخ المطبوع. (4) زيادة من المخطوط. (5) في المخطوط «السلم» . (6) وقع في الأصل «الطوسي» والتصويب من «شرح السنة» و «ط» و «الأنساب» (4/ 62) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 191 الى 193]

جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ [1] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا قَالَ: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا [2] ، وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا ولا شيخا كبيرا» . ع «171» قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ لِلْعُمْرَةِ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْحُدَيْبِيَةَ فَصَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ ذَلِكَ، عَلَى أَنْ يُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ عَامَ قَابِلٍ [3] ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فلما كان العام المقبل [4] تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَخَافُوا أَنْ لَا تَفِيَ قُرَيْشٌ بِمَا قَالُوا، وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَكَرِهَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَالَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْحَرَمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي مُحْرِمِينَ، الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، يَعْنِي: قُرَيْشًا وَلا تَعْتَدُوا، فتبدؤوا بالقتال في الحرم [وأنتم] [5] مُحْرِمِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 191 الى 193] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، قِيلَ: نُسِخَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثقافة: الحذق والبصر بالأمر، وَمَعْنَاهُ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ بَصُرْتُمْ [6] مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ، يَعْنِي: شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ في الحرم والإحرام، تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ» ، بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِنَّ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ مِنَ الْقِتَالِ وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [البقرة: 193] ، هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: قَوْلُهُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، أَيْ: حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الحلّ والحرم، وصارت هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي «بَرَاءَةٌ» ، فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الحرم، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ.

_ 171- ع ذكره الواحدي 102 في «أسباب النزول» بقوله: قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عن ابن عباس بهذا اللفظ، فهو معلق، ومع ذلك الكلبي اسمه محمد بن السائب متروك متهم، وأبو صالح لم يسمع ابن عباس، فالخبر واه بمرة، والوهن فقط في ذكر نزول الآيات، وأما خبر الحديبية فمشهور، وانظر الآتي. (1) وقع في الأصل «يزيد» والتصويب من كتب الحديث وكتب التراجم. (2) في المطبوع «تعتدوا» . (3) في المطبوع «العام القابل» . [.....] (4) في المطبوع «القابل» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «أبصرتم» والمخطوط «تبصرتم» .

[سورة البقرة (2) : آية 194]

فَإِنِ انْتَهَوْا، عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أَيْ: غَفُورٌ لِمَا سَلَفَ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ. وَقاتِلُوهُمْ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أَيْ: شِرْكٌ، يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أبى قتل، وَيَكُونَ الدِّينُ، أي: الطاعة والعبادة لِلَّهِ وحده، فلا يعبد شيء دونه، قَالَ نَافِعٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجلّ [في قوله] [1] : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: 9] ، فقال: يَا ابْنَ أَخِي لَأَنْ أُعَيَّرَ [2] بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ [3] بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [النِّسَاءِ: 93] ... قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ؟ قَالَ: [قَدْ] [4] فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ [5] فِتْنَةٌ، وكان الدين لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدخول عليهم فتنة، وليس [لكم غنيّ عن الْمُلْكِ] [6] ، فَإِنِ انْتَهَوْا: عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا، فَلا عُدْوانَ، فَلَا سَبِيلَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [القصص: 28] ، أي: فلا سبيل عليّ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، أَيْ: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ، إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ، [وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ] [7] مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ المجازات وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [البقرة: 194] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشُّورَى: 40] ، وَسُمِّيَ الْكَافِرُ ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ موضعها. [سورة البقرة (2) : آية 194] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ: ع «172» نزلت هذه الآية فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَصَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ المقبل فَيَقْضِيَ [8] عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَهُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّهْرُ الْحَرامُ، يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فيه مكة، وقضيتم فيه

_ 172- ع مرسل. أخرجه الطبري 3139 عن قتادة مرسلا بأتم منه، وذكره الواحدي 103 عن قتادة بدون إسناد. والوهن فقط في نزول الآية. 1 زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «أعتبر» والمثبت عن- ط-. 3 زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «تكون» . (6) العبارة في المطبوع [قتالكم كقتالهم على الملك] وهي في- ط-[وليس بقتالكم على الملك] . (7) سقط من المخطوط. (8) في المطبوع «فيقضين» .

[سورة البقرة (2) : آية 195]

عمرتكم سنة سبع [من الهجرة] [1] ، بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، يَعْنِي: ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ، وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِصَاصُ: الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ، وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ: هَذَا فِي أمر القتال، معناه: إن بدؤوكم بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، وقاتلوه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ، سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 195] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: بِأَيْدِيكُمْ زَائِدَةٌ، يُرِيدُ: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ: أَنْفُسَكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ عَبَّرَ بالأيدي عن الأنفس [2] ، كقوله تعالى: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشُّورَى: 30] ، أَيْ: بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ: الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وفيه حذف، أي: ولا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ: وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ: أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشر، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ في] ترك الْإِنْفَاقِ، يَقُولُ: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَصٌ [4] وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وَقَالَ السدي فيها: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ عِقَالًا وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وَلَا تَقُلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ الله تعالى بالإنفاق قال رجال: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [تعالى] ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مجاهد فيها: لا يمنعكم مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ: «173» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله

_ 173- حديث حسن. إسناده لين. بشار بن أبي سيف الجرمي مقبول كما في «التقريب» أي حيث يتابع، وقد توبع على أصل حديثه، وثقه ابن حبان وحده، وباقي رجال الإسناد ثقات. - وأخرجه أحمد (1/ 195 و196) وأبو يعلى 878 من طريق واصل مولى أبي عيينة بهذا الإسناد. وأخرجه الحاكم (3/ 265) من طريق بشار بن أبي سيف بهذا الإسناد وسكت عنه وكذا الذهبي. - وذكره الهيثمي في «المجمع» (2/ 300) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه بشار بن أبي سيف، ولم أر من وثقه، ولا جرحه، وبقية رجاله ثقات! وتقدم أنه ذكره ابن حبان في الثقات. - ولصدره شاهد من حديث خريم بن فاتك أخرجه الترمذي 1625 والنسائي في «الكبرى» 4395 و11027 وأحمد (4/ 322) و345 و346 والطبراني 4155 والحاكم (2/ 87) وابن حبان 4647، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. فهذا شاهد للحديث، وفي الباب أحاديث تشهد لمعناه. (1) زيادة من المخطوط. [.....] (2) العبارة في المطبوع [عبر عن الأنفس بالأيدي] . (3) في المطبوع «و» بدل «في» . (4) تحرف في المخطوط إلى «شقص» والمشقص: النصل.

الْوَاسِطِيُّ، أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ [1] عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن عن عياض بن غطيف [2] قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَبِسَبْعِمِائَةٍ، وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِهِمْ وإما أن يكونوا عِيَالًا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ، فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الجوع والعطش أو من المشي، وقيل: نزلت الآية في ترك الجهاد. ع «174» قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعَزَّ [دِينَهُ] [3] وَنَصَرَ رَسُولَهُ، قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نبيّه فلو رجعنا إلى أهلنا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. والتهلكة الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُورِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وهم يستسقون به. ع «175» وَرَوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ [4] إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ، فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: 87] ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.

_ (1) في الأصل «عتبة» والتصويب عن كتب التخريج والتراجم. (2) يقال: غضيف، و: غطيف،. ويقال: «غطيف بن عياض» . (3) سقط من المطبوع. (4) في المخطوط «إلا إلقاء» . 174- ع صحيح. أخرجه أبو داود 2512 والترمذي 2972 والطبري 3179 والطيالسي 599 والطبراني 4060 وابن حبان 4711 والحاكم (2/ 275) وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص 269- 270) والبيهقي (9/ 99) من طرق عن حيوة بن شريح قال: سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: «حدثني أسلم أبو عمران مولى لكندة قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، وخرج إليهم مثله أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، فحمل رجل من المسلمين على صفّ الروم حتى دخل فيهم، فصاح به الناس، وقالوا: سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب الأنصاري فقال:....» . وإسناده صحيح، صححه الحاكم على شرطهما! ووافقه الذهبي! مع أن مداره على أسلم بن يزيد التّجيبي، ولم يرويا له شيئا، وإنما هو من رجال كتب السنن، وهو ثقة بكل حال. والله أعلم. 175- ع صحيح. أخرجه مسلم 1910 والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 192) وأبو داود 2502 والنسائي (6/ 8) وأحمد (2/ 374) والحاكم (2/ 79) وابن الجارود 1036 والخطيب البغدادي في «الموضح» (2/ 443) وابن أبي عاصم في «الجهاد» 43 وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 160) والبيهقي (9/ 48) من طريق أبي صالح من حديث أبي هريرة.

[سورة البقرة (2) : آية 196]

[سورة البقرة (2) : آية 196] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قَرَأَ عَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: «وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» ، واختلفوا في إتمامها فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُتِمَّهُمَا بِمَنَاسِكِهِمَا وَحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وأَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ [1] ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ أَوِ التَّقْصِيرُ، وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، وَأَسْبَابُ التَّحَلُّلِ ثَلَاثَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالْحَلْقُ، فَإِذَا وُجِدَ شَيْئَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَبِالثَّلَاثِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَبَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ يَسْتَبِيحُ جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إِلَّا النِّسَاءَ، وَبَعْدَ الثَّانِي يَسْتَبِيحُ الْكُلَّ، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصفا والمروة، والحلق. قال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ: تَمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا [مُفْرَدَيْنِ مُسْتَأْنَفَيْنِ] [2] مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، [وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قَالَ: أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ] [3] ، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تمام العمرة أن تعمر فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ فَهِيَ مُتْعَةٌ [4] ، وعليه فيه الْهَدْيُ إِنْ وَجَدَهُ أَوِ الصِّيَامُ [إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ] [5] ، وَتَمَامُ الْحَجِّ أَنْ يُؤْتَى بِمَنَاسِكِهِ كُلِّهَا حتى لا يلزمه عمّا ترك دَمٌ بِسَبَبِ قِرَانٍ وَلَا مُتْعَةٍ، وقال الضحّاك: إتمامهما أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ سفيان الثوري: [إتمامهما] [6] أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ لَهُمَا، وَلَا تَخْرُجَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ أخرى، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْوَفْدُ كَثِيرٌ وَالْحَاجُّ قَلِيلٌ. وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ [عَلَى] [7] مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، [قَالَ اللَّهُ تَعَالَى] [8] : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ ومجاهد والحسن وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَبِهِ قال الشعبي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، عَلَى مَعْنَى أَتِمُّوهُمَا إذا دخلتم فيها، أَمَّا ابْتِدَاءُ الشُّرُوعِ فِيهَا فَتَطَوُّعٌ، واحتجّ من لم يوجبها بما: ع «176» رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أواجبة

_ 176- ع ضعيف. أخرجه الترمذي 931 وأحمد (3/ 316) والدارقطني (2/ 285) وأبو يعلى 1938 والبيهقي (4/ 349) وابن (1) في المخطوط «الطواف» . 2 ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط، وهو مثبت في المطبوع وكتب الحديث والأثر. 3 ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط، وهو مثبت في المطبوع وكتب الحديث والأثر. (4) في المطبوع وحده «تمتعه» . [.....] 5 ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط، وهو مثبت في المطبوع وكتب الحديث والأثر. (6) ليس في المخطوط. (7) زيد في المطبوع. (8) زيادة عن المخطوط.

هِيَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، أَيِ: ابْتَدِئُوهُمَا فَإِذَا دَخَلْتُمْ فيهما فأتّموهما فهو أمر بالإبداء وَالْإِتْمَامِ، أَيْ: أَقِيمُوهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [الْبَقَرَةِ: 187] ، أَيِ: ابْتَدِئُوهُ وَأَتِمُّوهُ. «177» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ والذهب والفضة، وليس للحجّة [2] المبرورة جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سبيلا

_ حزم في «المحلى» (7/ 36) من طرق عن حجاج بن أرطأة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جابر به. والحجاج بن أرطأة صدوق، ولكنه كثير الخطأ والتدليس، ولذا ضعفه غير واحد. - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. - قال النووي في «المجموع» (7/ 6) : ينبغي ألّا يغتر بكلام الترمذي في «تصحيحه» فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه اهـ. - وقال البيهقي: المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعا بخلاف ذلك، وكلاهما ضعيف اهـ. وقال الحافظ: والحجاج ضعيف. وانظر كلام ابن حجر في «الفتح» (3/ 597) وذكره في «التلخيص» (2/ 226) باستيفاء وذكر له شواهد ونقل عن الشافعي قوله: ليس في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع. وخلاصته كلام ابن حجر أنه حديث ضعيف، ولا يصح من وجه من الوجوه، وانظر تفسير الشوكاني 302. 177- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل عاصم وهو ابن أبي النجود، وباقي الإسناد ثقات، أبو خالد الأحمر اسمه سليمان بن حيان. ابن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد، وشقيق هو ابن سلمة أبو وائل. وعبد الله هو ابن مسعود وللحديث شواهد تقويه. - وهو في «شرح السنة» 1836 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 810 والنسائي (5/ 115- 116) وأبو يعلى 4976 وابن أبي شيبة (ج 4/ ك 12/ ح 1) وأحمد (1/ 387) وابن خزيمة 2512 وابن حبان 3693 والطبري 3956 والطبراني 10406. وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 110) من طرق عن أبي خالد الأحمر به. وللحديث شواهد. - منها ما أخرجه أحمد (1/ 25) والحميدي 17 وأبو يعلى 198 وابن ماجه 2887 والطبري 3958 والبيهقي في «الشعب» 4095 من حديث عمر. - وما أخرجه البزار 1147 من حديث جابر، قال الهيثمي في «المجمع» ورجاله رجال الصحيح خلا بشر بن المنذر، ففي حديثه وهم قاله العقيلي، ووثقه ابن حبان اهـ. - ومنها ما أخرجه النسائي (5/ 115) والطبراني (11196 و11428) من حديث ابن عباس بإسناد صحيح. - وما أخرجه عبد الرزاق 8796 وأحمد (3/ 446) و (447) من حديث عامر بن ربيعة وفي إسناده عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. الخلاصة: هذه الشواهد ترقى بحديث الباب من درجة الحسن إلى درجة الصحيح، والله أعلم. (1) في الأصل «الزياتي» والتصويب من «ط» ومن «شرح السنة» و «الأنساب» . (2) في المطبوع «للحج المبرور» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .

كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، فمن زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ وَتَطَوُّعٌ، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ [1] : الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَصُورَةُ الْإِفْرَادِ أَنْ يُفْرِدَ الْحَجَّ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ يَعْتَمِرُ، وَصُورَةُ التَّمَتُّعِ: أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، فَيَحُجُّ فِي هَذَا الْعَامِ، وَصُورَةُ الْقِرَانِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا، أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ، فَيَصِيرُ قَارِنًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعَ ثُمَّ الْقِرَانَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، لِمَا: «178» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المؤمنين أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحج [2] ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ فَحَلَّ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الحج والعمرة، فلم [3] يحلّ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. «179» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عن جابر وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، وَلَا نَعْرِفُ غَيْرَهُ ولا نعرف العمرة.

_ 178- إسناده صحيح على شرطهما. - وهو في «شرح السنة» 1867 بهذا الإسناد. - وأخرجه مالك (1/ 335) من طريق أبي الأسود بهذا الإسناد ومن طريق مالك. أخرجه البخاري 1562 ومسلم (1211/ ح 118) . وأبو داود 1779 1780 والطحاوي (2/ 140) و (196) . (1) في المخطوط «أقسام» . (2) في المطبوع «بحج» . (3) وقع في الأصل «فلن» والتصويب من «شرح السنة» وكتب الحديث. 179- ضعيف بهذا التمام. إسناده ضعيف لضعف مسلم وهو ابن خالد الزنجي، وباقي رجال الإسناد ثقات، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز، محمد هو ابن علي بن الحسين. وهو في «شرح السنة» 1869 بهذا الإسناد دون قوله «ولا نعرف العمرة» . وهو في مسند الشافعي (1/ 370) عن مسلم بن خالد الزنجي بهذا الإسناد، بأتم من هذا السياق وهو بهذا اللفظ ضعيف، بل زيادة «ولا نعرف العمرة» منكر. وقد صح الحديث. - بدون لفظ «ولا نعرف العمرة» أخرجه البخاري 2505 و2506 من طريق ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ جابر، وعن طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم صبح رابعة من ذي الحجة مهلّين بالحج لا يخلطهم شيء، فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة....» . وأخرجه مسلم 1216 من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج به بلفظ: «أهللنا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم بالحج خالصا وحده....» . وأخرجه أبو داود 1787 من طريق الأوزاعي عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «أهللنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم بالحج خالصا لا يخالطه شيء....» . الخلاصة: الوهن فقط في لفظ: «ولا نعرف العمرة» . والله أعلم.

ع «180» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاحْتَجُّوا بِمَا: «181» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُلَاسٍ النُّمَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ [1] أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ [قَالَ:] قال أنس بن مالك: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، واحتجّوا بما: «182» و «183» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله أن [2] ابن عمر قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الوداع بالعمرة إلى الحج، [وأهدى] [3] فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، [فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ] [4] ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لم يكن منكم

_ 180- ع صحيح. أخرجه مسلم 1232 والنسائي (5/ 150) وابن حبان 3933 وابن الجارود 231 والبيهقي (5/ 40) من طريق حميد عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المزني عن أنس قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم يلبي بالحج والعمرة جميعا. قال بكر: فحدّثت بذلك ابن عمر. فقال: لبى بالحج وحده. فلقيت أنسا فقال: ما تعدوننا إلا صبيانا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يقول: «لبيك عمرة وحجا» . وفي رواية: «أفرد رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم الحج» بدل «لبى بالحج وحده» . [.....] 181- إسناده صحيح، مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُلَاسٍ الدمشقي. قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (8/ 116) صدوق. ووثقه ابن حبان (9/ 123) ومن فوقه ثقات رجال البخاري ومسلم حميد هو ابن أبي حميد الطويل، مختلف في اسم أبيه. - وهو في «شرح السنة» 1875. - وأخرجه مسلم 1251 وأبو داود 1795 والترمذي 821 والنسائي (5/ 150) وابن ماجه 2969 وأحمد (3/ 111 و182 و187 و282) والحاكم (1/ 472) وابن الجارود 430 والبيهقي (5/ 9 و40) والبغوي 1874 من طرق عن أنس. - وأخرجه مسلم 1251 والنسائي (5/ 150) وابن ماجه 2968 وأحمد (3/ 282) وابن حبان 3930 والبيهقي (5/ 9) من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس به. 182، 183- إسناده صحيح على شرطهما، محمد بن إسماعيل هو البخاري. ومن دونه ثقات، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، وعقيل- بضم العين- هو ابن خالد الأموي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. وهو في «شرح السنة» 1870 بهذا الإسناد. وفي «صحيح البخاري» 1691 و1692 عن يحيى بن بكير بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1227 وأبو داود 1805 والنسائي في «الكبرى» 3712 وأحمد (2/ 140) والبيهقي (5/ 23/ 170) من طريق الليث بهذا الإسناد. (1) وقع في الأصل «الفراري» والتصويب عن «شرح السنة» و «ط» . (2) في المطبوع «عن» . (3) سقط من المطبوع. (4) سقط من المخطوط.

أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصفا والمروة ويقصّر وليحلل [1] ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ» ، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ [2] وَمَشَى أَرْبَعًا فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ [3] ثُمَّ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حُرِمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. وَعَنْ عُرْوَةَ [4] عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال [الشيخ] [5] رضي الله عنه: قد اختلف الرواة فِي إِحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، كما ذكرناه وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ «اخْتِلَافِ الحديث» [6] كَلَامًا مُوجَزًا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ، وكلّ كان يأخذ منه [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَمَرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ، فَأُضِيفَ الْكُلُّ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا، وَيَجُوزُ في لغة العرب إضافة الفعل [7] إِلَى الْآمِرِ بِهِ، كَمَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: بَنَى فُلَانٌ دَارًا وَأُرِيدَ أنه أمر ببنائها، وكما: ع «184» رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَجْمِهِ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادَ، لِرِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لِتَقَدُّمِ صحبة جابر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [8] ، وَحَسَّنَ سِيَاقَهُ لِابْتِدَاءِ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَآخِرِهَا، وَلِفَضْلِ حِفْظِ عَائِشَةَ، وَقُرْبِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَالَ الشافعي في «اختلاف الحديث» [9] إِلَى التَّمَتُّعِ، وَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ، لِأَنَّ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ ثُمَّ مَا لا أعلم فيه خلافا يدلّ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَإِفْرَادَ الْحَجِّ وَالْقِرَانَ وَاسِعٌ كله، [أي التمتع والإفراد والقران] [10] ، وَقَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى مَا [لَا] [11] يَعْرِفُ مِنْ أهل العلم الذين أدركوا دور رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مُقِيمًا عَلَى الْحَجِّ إِلَّا وَقَدِ ابْتَدَأَ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ، قَالَ الشَّيْخُ [12] : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عمر وعائشة متعارضة، وقد: ع «185» رُوِّينَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إلى الحج، فتمتع

_ 184- ع يأتي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ الله. 185- ع تقدم برقم 183. (1) في المطبوع «وليتحلل» . 2 في المطبوع «أشواط» . 3 في المطبوع «أشواط» . (4) الراوي عن عروة هو الزهري، وعروة هو ابن الزبير. أكثر الرواية عن خالته عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. (5) فِي نسخ المطبوع «شيخنا الإمام» . 6- في المطبوع «الأحاديث» . [.....] (7) في المخطوط «إضافته» . وفي نسخة ط «إضافة الشيء» . (8) في المطبوع «النبي» . 9- في المطبوع «الأحاديث» . (10) زيد في المطبوع وحده. (11) سقط من المطبوع وحده. (12) في المطبوع «شيخنا الإمام» .

النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سالم عن ابن عمر. ع «186» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هذه عمرة استمتعنا بها» . ع «187» وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ [فِي الْمُتْعَةِ] [1] : صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ. قَالَ الشَّيْخُ [2] الْإِمَامُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ [3] ، لَا يُنَافِي التَّمَتُّعَ، لِأَنَّ خُرُوجَهُمْ كَانَ لِقَصْدِ الْحَجِّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُتْعَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الإحْصَارِ الَّذِي يُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الوصول إلى البيت الحرام والمضي فِي إِحْرَامِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ ذَهَابِ نفقة أو إضلال رَاحِلَةٍ يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وقالوا: إن [4] الْإِحْصَارَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ: حَبْسُ الْعِلَّةِ أَوِ الْمَرَضِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، يُقَالُ مِنْهُ: أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسِ عَدُوٍّ أو سجن يقال: حصر فهو محصور [و] إنما جَعَلَ هَاهُنَا حَبْسَ الْعَدُوِّ إِحْصَارًا قِيَاسًا عَلَى الْمَرَضِ إِذْ كَانَ في معناه، واحتجّوا بما: ع «188» رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فقد حلّ [و] عليه الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» ، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صِدْقٌ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ إِلَّا بِحَبْسِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا: الْحَصْرُ وَالْإِحْصَارُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ حَصَرْتُ الرَّجُلَ عَنْ حَاجَتِهِ، فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ إِذَا مَنَعَهُ عَنِ السَّيْرِ فَهُوَ [5] مُحْصَرٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ الحديبية [و] كان ذَلِكَ حَبْسًا مِنْ جِهَةِ الْعَدُوِّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: فَإِذا أَمِنْتُمْ، وَالْأَمْنُ يَكُونُ مِنَ الْخَوْفِ، وَضَعَّفُوا حَدِيثَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلُّ بِالْكَسْرِ وَالْعَرَجِ إِذَا كَانَ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الإحرام، كما:

_ 186- ع صحيح. أخرجه مسلم 1241 وأبو داود 1790 والنسائي في «الكبرى» 3797 وأحمد (1/ 236 و341) والطبراني 11045 والبيهقي (5/ 18) من حديث ابن عباس. 187- ع صحيح. أخرجه مسلم 1225 والترمذي 823 والنسائي (5/ 152) ومالك (1/ 344) والشافعي (1/ 372- 373) وأبو يعلى 805 وابن حبان 3939 والبيهقي (5/ 17) من طريق الزهري به. 188- ع صحيح. أخرجه أبو داود 1862 و1863 والترمذي 940 والنسائي (5/ 99) وفي «الكبرى» 3844 وابن ماجه 3077 وأحمد (3/ 450) والحاكم (1/ 470) و (483) من حديث عِكْرِمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنصاري، صححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأشار البخاري لصحته فيما نقله عنه الترمذي. وهو كما قالوا رجاله كلهم ثقات. (1) سقط من المخطوط. (2) في المطبوع «شيخنا» . (3) تقدم برقم 179. (4) في المخطوط «لأن» . (5) في المطبوع «هو» . [.....]

ع «189» رُوِيَ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ كَانَتْ وَجِعَةً، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» . ثُمَّ الْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الهدي وحلق الرأس، والهدي بشاة وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَمَحِلُّ ذَبْحِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ الْهَدْيَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَيَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ وَيُوَاعِدُ مَنْ يَذْبَحُهُ هُنَاكَ ثُمَّ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَفِي قَوْلٍ: لَا بَدَلَ لَهُ فَيَتَحَلَّلُ وَالْهَدْيُ في ذمّته إلى أن يجده، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ بَدَلٌ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ، فَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهِ صَوْمُ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ: تُقَوَّمُ الشَّاةُ بِدَرَاهِمَ وَيَجْعَلُ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِطْعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا كَمَا فِي فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ، فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى سَتْرِ رَأْسِهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إِلَى لُبْسِ قَمِيصٍ أَوْ مَرَضٍ فَاحْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاتِهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ، فَعَلَ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَفِدْيَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُقَوِّمُ الشَّاةَ بِدَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمُ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ [من الطعام] [1] يَوْمًا، ثُمَّ الْمُحْصَرُ إِنْ كَانَ إحرامه بفرض قد استقرّ عليه فذلك الفرض فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فَهَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَيْ: فَعَلَيْهِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَمَحَلُّهُ رَفْعٌ، وَقِيلَ: مَا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، أَيْ: فاهد مَا اسْتَيْسَرَ، وَالْهَدْيُ جَمْعُ هَدِيَّةٍ وَهِيَ [2] اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْيُسْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَعْلَاهُ بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ، قوله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، اخْتَلَفُوا فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَحِلُّ الْمُحْصَرُ بِبُلُوغِ هَدْيِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هو ذبحه في الموضع [3] الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَمَعْنَى مَحِلَّهُ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ [وأكله] [4] فيه. «190» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ الحديبية، قال:

_ 189- ع صحيح. أخرجه البخاري 5928 و5089 ومسلم 1189 والترمذي 1941 والنسائي (5/ 68) و (138 و168) وابن ماجه 2936 و2937 وأحمد (1/ 130) و (164) و (202) و (419) والشافعي (1/ 296- 297) والدارمي (2/ 32 و33) والطحاوي (2/ 130) والدارقطني (2/ 234- 235) وابن حبان 3772 و3773 وابن الجارود 420 والطبراني في «الكبير» (24/ 773) و (833) والبيهقي (5/ 221) من طرق عن عائشة به. 190- إسناده صحيح. عبد الله بن محمد هو الجعفي أبو جعفر البخاري، من رجال البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. عبد الرزاق هو ابن همام صاحب المصنف، معمر هو ابن راشد والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. وأخرجه البخاري (2731) و (2732) وعبد الرزاق 9720 وأحمد (4/ 328- 331) وابن حبان 4872 والطبراني في «الكبير» (20/ 13 و14 و842) والبيهقي (5/ 215) و (7/ 171) و (10/ 109) من طريق معمر بهذا الإسناد، وقرنوا مع المسور مروان بن الحكم. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المخطوط «وهو» . (3) في المطبوع «بالموضع» . (4) سقط من المطبوع وحده.

فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثم احلقوا» ، فو الله مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ [ثَلَاثَ] [1] مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أتحب ذلك! [قال: نعم، قالت] [2] اخْرُجْ ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذلك [و] نَحَرَ بَدَنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا [أي: ازدحاما] [3] . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ: الْحَرَمُ، فَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَمَحِلُّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَمَحِلُّهُ يَوْمَ يَبْلُغُ هَدْيُهُ الْحَرَمَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، معناه: لا تحلقوا رؤوسكم فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا إِلَى حَلْقِهِ لِمَرَضٍ أَوْ لِأَذًى فِي الرَّأْسِ مِنْ هَوَامٍّ أَوْ صُدَاعٍ فَفِدْيَةٌ، فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. «191» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَلَفٍ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ» ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ. وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يُحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَأَنْزِلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ ستة مساكين، أو يهدي شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، أَيْ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَيْ: ثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ نُسُكٍ، وَاحِدَتُهَا نَسِيكَةٌ، أَيْ: ذَبِيحَةٌ أَعْلَاهَا بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهَا بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهَا شَاةٌ، أَيَّتَهَا شَاءَ ذَبْحَ، فَهَذِهِ الْفِدْيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ طَعَامٍ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ يَكُونُ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِلَّا هَدْيًا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فإنه يذبحه حيث أحصر، أما الصَّوْمُ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا أَمِنْتُمْ، أي: من خوفكم وبرأتم مِنْ مَرَضِكُمْ، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إلى أن معناه: فمن

_ 191- إسناده صحيح على شرط البخاري. ورقاء هو ابن عمر اليشكري، ابن أبي نجيح اسمه عبد الله. وأبو نجيح هو يسار هو في «صحيح البخاري» 4159 عن الحسن بن خلف بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (1817 و1818) و (4191 و5665) ومسلم 1201 والترمذي 953 والطيالسي 1065 والحميدي 710 وأحمد (4/ 242 و243) والطبري 3346 وابن خزيمة (2677 و2678) والدارقطني (2/ 298) والطبراني (19/ 224) و (225 و226 و227) والبيهقي (5/ 55) والواحدي في «أسباب النزول» 112 من طرق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نجيح بهذا الإسناد. - وأخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 417) عن حميد بن قيس عن مجاهد به، ومن طريقه. أخرجه البغوي في «شرح السنة» 1987. (1) سقط من المطبوع. (2) سقط من المطبوع. (3) زيد في المطبوع وحده.

أُحْصِرَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَمْ يتحلّل فقدم مكة خرج [1] مِنْ إِحْرَامِهِ [2] بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَاسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ ذَلِكَ، بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ إِلَى السنة المقبلة ثُمَّ حَجَّ، فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِذَلِكَ الْإِحْلَالِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَإِذَا أَمِنْتُمْ وَقَدْ حَلَلْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ بَعْدَ الْإِحْصَارِ، وَلَمْ تَقْضُوا عُمْرَةً [3] وَأَخَّرْتُمُ الْعُمْرَةَ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ فَاعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَلْتُمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِإِحْلَالِكُمْ إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمْتُمْ بِالْحَجِّ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مُعْتَمِرًا مِنْ أُفُقٍ [مِنَ] الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ مِنْهَا الْحَجَّ، فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَمَعْنَى التَّمَتُّعِ: هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْعُمْرَةِ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، وَلِوُجُوبِ دَمِ [4] التَّمَتُّعِ أَرْبَعُ شَرَائِطَ: أَحَدُهَا أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي مَكَّةَ وَلَا يعود إلى الميقات لإحرامه، والرابع أن يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَتَى [5] وُجِدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ دم شاة ويذبحها يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَوْ ذَبَحَهَا قَبْلَهُ بعد ما أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَدِمَاءِ الْجِنَايَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَدَمِ الْأُضْحِيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ: الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أَيْ: صُومُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ بعد ما أحرم بالحج جاز، وَلَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ صوم الثلاثة في أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ، أَيْ: صُومُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ وَبَلَدِكُمْ، فَلَوْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ: ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا كَانُوا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحِسَابِ فَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى فَضْلِ شَرْحٍ وَزِيَادَةِ بَيَانٍ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، يعني: فصيام عشرة أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ، فَهِيَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّوْمِ بَدَلَ الْهَدْيِ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ بِشُرُوطِهَا وَحُدُودِهَا، وَقِيلَ: لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ: فَأَكْمِلُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا، ذلِكَ، أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ، لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الحرم، وبه قال طاوس، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَهْلُ عَرَفَةَ وَالرَّجِيعِ وَضَجْنَانَ [وَنَخْلَتَانِ] [6] ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَنْ كَانَ وَطَنُهُ [7] مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَمَا دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَدَمُ الْقِرَانِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَالْمَكِّيُّ إِذَا قَرَنَ أَوْ تمتع فلا هدي عليه.

_ (1) في المطبوع «يخرج» . (2) في المطبوع «إحرام» . (3) في المطبوع «عمرتكم» . (4) في المطبوع «هدي» . [.....] (5) في المخطوط «فمن وجدت فيه» . (6) سقط من المطبوع. (7) في المطبوع «وطئه» .

[سورة البقرة (2) : آية 197]

ع «192» قَالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ» ، فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ بالصفا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ. فَجَمَعُوا بين نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ، بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَفَوَاتُهُ يَكُونُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابَلٍ، وَالْفِدْيَةُ وَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ كَفِدْيَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. «193» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يسار أن هبّار [1] بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعَدَدَ كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمْرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ بِالْبَيْتِ، وَاسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا وقصروا، ثم ارجعوا فإذا كان العام القابل فَحُجُّوا وَاهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وسبعة إذا رجع. وَاتَّقُوا اللَّهَ: فِي أَدَاءِ الْأَوَامِرِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، على ارتكاب المناهي. [سورة البقرة (2) : آية 197] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ (197) قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أَيْ: وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ غير مختلف فيه، فَمَنْ قَالَ: عَشْرٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اللَّيَالِي، وَمَنْ قَالَ تِسْعٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّ آخِرَ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَهُوَ اليوم التَّاسِعِ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَشْهُرٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهِيَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لِأَنَّهَا وَقْتٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَقْتَ تاما بقليله وكثيره، فتقول [2] : أتيتك يوم

_ 192- ع ذكره البخاري 1572 معلقا عن أبي كامل فضيل بن حسين عن أبي معشر عن عثمان بن غياث عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بأتم منه. قال الحافظ في «الفتح» (3/ 434) : وصله الإسماعيلي قال: حدثنا القاسم المطرز، حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو كامل- فذكره بطوله- لكنه قال: «عثمان بن سعد» بدل «عثمان بن غياث» وكلاهما بصري، وله رواية عن عكرمة، لكن عثمان بن غياث ثقة، وعثمان بن سعد ضعيف، وقد أشار الإسماعيلي إلى أن شيخه القاسم وهم في قوله: «عثمان بن سعد» ويؤيده أن أبا مسعود الدمشقي ذكر في الأطراف أنه وجده من رواية مسلم بن الحجاج عن أبي كامل، كما ساقه البخاري قال: فأظن البخاري أخذه عن مسلم، لأنني لم أجده إلا من رواية مسلم. - وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم 1247 وأحمد (3/ 5) و (71 و75) وابن حبان 3793 والبيهقي (5/ 31 و40) . 193- مرسل صحيح. سليمان بن يسار تابعي ثقة ثبت، لكنه لم يدرك عمر بن الخطاب، فالخبر مرسل. هو في «شرح السنة» 1995 بهذا الإسناد رواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 383) عن نافع به. (1) وقع في الأصل «هناد» والتصويب عن كتب التخريج. (2) في المطبوع «فيقول» وزيد في المخطوط عقب «فتقول» «العرب» .

الْخَمِيسِ، وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ منه، وتقول [1] : زُرْتُكَ الْعَامَ، وَإِنَّمَا زَارَهُ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ جَمَاعَةً، جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ جَمَاعَةً، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَقَالَ: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيمِ: 4] ، أَيْ: قَلَبَاكُمَا، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وذا الحجّة مكملا [2] ، لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى، فَكَانَتْ فِي حكم الحج، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أَيْ: فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وطاوس وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ [3] : يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ بفرض الْحَجِّ فِيهَا، فَلَوِ انْعَقَدَ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصَّلَوَاتِ بِالْمَوَاقِيتِ، ثُمَّ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ [4] ، [وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ] [5] ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لها وقت إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، روي عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا حُمِّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ [فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ] [6] ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّفَثِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ: هُوَ الْجِمَاعُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ، قَالَ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ: أَخَذَ ابْنُ عباس رضي الله عنهما بِذَنَبِ بَعِيرِهِ، فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَهُوَ يَحْدُو وَيَقُولُ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا فَقُلْتُ لَهُ: أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ محرم؟ قال: إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النساء [7] ، وقال طاوس: الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الفسوق فقد قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كلها، وهو قول طاوس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ والزهري والربيع القرظي، وقال ابن عمر: هو

_ (1) في المطبوع «ويقولون» . (2) في المطبوع «كمالا» وفي- ط- «كمّلا» . (3) زيد في المطبوع وحده عقب «قال» لفظ «سعيد» . (4) في المطبوع «العرض» وهو تصحيف ظاهر. وفي المخطوط «بالحج» . (5) سقط من المخطوط. (6) سقط من المخطوط. (7) هذا خبر منكر، لا يصح عن ابن عباس. أخرجه الطبري 3577 عن قتادة عن رجل عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عباس، والرجل هو حصين بن قيس الرياحي، أبهمه قتادة لجهالته، وكرره الطبري 3576 من وجه آخر عن حصين به، ومن وجه ثالث برقم 3583 أيضا عن حصين به، وحصين هذا مجهول، تفرد عنه ابنه زياد بن حصين، وسماه في روايته، وأبهمه غيره لجهالته. راجع «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (3/ 195) ، فمثل هذا الخبر لا يفرح به، وبخاصة في مثل هذه المواضع. [.....]

مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وتقليم الأظفار وأخذ الأشعار وما أشبهها [1] ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ السباب. ع «194» بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [الْحُجُرَاتِ: 11] . «195» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا آدم أخبرنا شعبة أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ أَنْ يُمَارِيَ صَاحِبَهُ وَيُخَاصِمَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ: الْحَجُّ الْيَوْمَ وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ: الْحَجُّ غَدًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ [2] : كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ: «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ» ، قالوا: كيف نجعلها [3] عُمْرَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَهَذَا جِدَالُهُمْ [4] . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً: كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أن موقفه موقف إبراهيم، فكانوا يَتَجَادَلُونَ [5] فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي القعدة وبعضهم يَحُجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَكُلٌّ يقول: ما فعلته هو [6] الصواب، فقال جلّ

_ 194- ع صحيح. أخرجه البخاري 48 و6044 و7076 ومسلم 64 والترمذي 1983 و2635 والنسائي (7/ 122) وابن ماجه 69 والطيالسي 248 و258 وأحمد (1/ 385) و411 و454 والحميدي 104 وابن حبان 5939 وابن منده 654 و655 و656 والخطيب (3/ 185) وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 34) والبيهقي (8/ 20) من طرق عن أبي وائل عن ابن مسعود به. 195- إسناده صحيح. آدم هو ابن أبي إياس العسقلاني، تفرد عنه البخاري، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. شعبة هو ابن الحجاج، وسيار بن وردان العنزي. أبو حازم هو سلمة بن دينار. وهو في «شرح السنة» 1834 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1521 و1819 و1820 ومسلم 1350 والترمذي 811 والنسائي (5/ 114) وابن ماجه 1889 وأحمد (2/ 484) والحميدي 1004 وعبد الرزاق 8800 والطيالسي 2519 والدارمي (2/ 31) وابن خزيمة 2514 وابن حبان 3694 والطبري 3721 و3722 والدارقطني (2/ 284) والبيهقي (5/ 262) وعلي بن الجعد في «مسنده» 926 والبغوي 1834 من طرق عن أبي حازم به. (1) في نسخ المطبوع «أشبههما» . (2) تحرف في المخطوط إلى «القرطبي» . (3) في المطبوع «نجعله» . (4) المرفوع منه صحيح. ورد في أثناء حديث مطول، وتقدم 182، وأما تفسير الآية فهو من كلام مقاتل وهو ذو مناكير. (5) في المطبوع «يجادلون» . (6) في المطبوع «فهو» .

[سورة البقرة (2) : آية 198]

ذِكْرُهُ: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ، أَيِ: اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْحَجِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا اخْتِلَافَ فيه من بعد. ع «196» وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خلق الله السموات وَالْأَرْضَ» . قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَأُبْطِلُ النَّسِيءُ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ظَاهِرُ الْآيَةِ نَفْيٌ، وَمَعْنَاهَا: نَهْيٌ، أَيْ: لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَلَا تُجَادِلُوا كَقَوْلِهِ تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] ، أَيْ: لَا تَرْتَابُوا، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، أَيْ: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى، نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يُطْعِمُنَا؟ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، وَرُبَّمَا يُفْضِي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ والغضب، فقال الله جلّ ذكره: وَتَزَوَّدُوا [1] ، أَيْ: مَا تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وَتَكْفُونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْكَعْكُ وَالزَّبِيبُ [2] وَالسَّوِيقُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهَا، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ: يَا ذَوِي الْعُقُولِ. [سورة البقرة (2) : آية 198] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، «197» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنه قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، قرأ ابن عباس كذا. ع «198» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا قَوْمٌ نَكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ، يعني: إلى

_ 196- ع صحيح. هو بعض حديث أخرجه البخاري (3197 و4662) و (5550) ومسلم 1679 وأبو داود 1948 وابن ماجه 233 وأحمد (5/ 37 و39 و49) وابن خزيمة 2952 وابن حبان 5974 والبيهقي (5/ 140 و165) والبغوي 1965 من طرق عن ابن سيرين عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكرة عن أبي بكرة مرفوعا. (1) صحيح. أخرجه البخاري 1523 وأبو داود 1730 والواحدي 113 من حديث ابن عباس. (2) في المخطوط «الزيت» . 197- إسناده على شرط البخاري، علي بن عبد الله هو المديني. سفيان هو ابن عيينة. - وهو في «شرح السنة» 2017 بهذا الإسناد. - وفي «صحيح البخاري» 2098 عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 1770 و2050 و4519 والواحدي 116 والطبري (3782 و3794) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابن عباس به. 198- ع أخرجه أبو داود 1733 وأحمد (2/ 155) والحاكم (1/ 449) والطبري 3768 والواحدي 115 من طرق عن أبي

مَكَّةَ، فَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا حَجَّ لَنَا؟ فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَنْتَ حَاجٌّ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ [1] بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ، أَيْ: حَرَجٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا [رِزْقًا] [2] مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي: بِالتِّجَارَةِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، فَإِذا أَفَضْتُمْ: دَفَعْتُمْ، وَالْإِفَاضَةُ: دَفْعٌ بِكَثْرَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفَاضَ الرَّجُلُ ماءه، أَيْ: صَبَّهُ، مِنْ عَرَفاتٍ، هِيَ جَمْعُ عَرَفَةَ، جَمْعٌ [3] بِمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةً وَاحِدَةً، كَقَوْلِهِمْ: ثَوْبُ أَخْلَاقٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَأَجْلِهِ سُمِّيَ الْمَوْقِفُ عَرَفَاتٍ، وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام المناسك ويقول: أعرفت؟ فَيَقُولُ: عَرَفْتُ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ، وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أهبط [من الجنة] [4] إِلَى الْأَرْضِ وَقَعَ بِالْهِنْدِ وَحَوَّاءُ بِجَدَّةَ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ، فَاجْتَمَعَا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عرفة وتعارفا، فسمّي اليوم عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ [5] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بالحج وأجابوا بِالتَّلْبِيَةِ، وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ أَمَرَهُ الله [تعالى] أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَنَعَتَهَا لَهُ، فَخَرَجَ فَلَّمَا بَلَغَ الْجَمْرَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ لِيَرُدَّهُ، فرماه بسبع حصيات فكبّر مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أنه لا يطيقه [6] ذَهَبَ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَازِ فَلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْرِفْهُ فَجَازَ، فَسُمِّيَ ذَا الْمَجَازِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَعَرَفَهَا بِالنَّعْتِ، فَسُمِّيَ الْوَقْتُ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ، حَتَّى إِذَا أمسى ازدلف، [أَيْ: قَرُبَ] [7] إِلَى جَمْعٍ، فَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةَ [8] . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى يَوْمَهُ أَجْمَعَ، أَيْ: فَكَّرَ أَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الرُّؤْيَا؟ أَمْ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ ثَانِيًا فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ [9] . وَقِيلَ: سُمِّيَ بذلك لعلوّ الناس فيه على جباله، والعرب تسمّي ما علا عرفة، ومنه سمّي عرف الديك لعلوه، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَرِفُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقِيلَ [10] : سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْعَرْفِ، وَهُوَ الطِّيبُ، وَسُمِّيَ مِنًى لِأَنَّهُ يُمَنَّى فِيهِ الدَّمُ، أَيْ: يُصَبُّ فيه فيكون فيه الفروث والدماء فلا يَكُونُ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا، وَعَرَفَاتٌ طَاهِرَةٌ عَنْهَا فَتَكُونُ طَيِّبَةً، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ: بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ، عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، وهو مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَأْزِمَيْ [11] عَرَفَةَ إِلَى الْمَحْسَرِ، وَلَيْسَ المأزمان ولا

_ أمامة التيمي به. صححه الحاكم! ووافقه الذهبي! ومداره على أبي أمامة، وهو شبه مجهول، وثقه ابن حبان وحده. [.....] (1) كذا في المطبوع، وفي المخطوط «يجب» وفي «الوسيط» (1/ 303) «فلم يدر» وكذا في الطبري 3768. (2) سقط من المطبوع وحده. (3) في المطبوع «جمعت عرفة» . (4) زيادة من المخطوط. 5 هذه الأقوال جميعا مصدرها كتب الأقدمين، لا يصح عن الصادق المصدوق في هذا الباب شيء. (6) كذا في المخطوط والطبري 3795 وفي نسخ المطبوع «يطيعه» . (7) زيد في المطبوع. 8 هذه الأقوال جميعا مصدرها كتب الأقدمين، لا يصح عن الصادق المصدوق في هذا الباب شيء. 9 هذه الأقوال جميعا مصدرها كتب الأقدمين، لا يصح عن الصادق المصدوق في هذا الباب شيء. 10 هذه الأقوال جميعا مصدرها كتب الأقدمين، لا يصح عن الصادق المصدوق في هذا الباب شيء. (11) في المطبوع «مرمى» وفي المخطوط «وما رمي» والمثبت عن- ط-.

المحسر [1] من المشعر الحرام، وَسُمِّيَ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعَارِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ مِنْ مَعَالِمَ الْحَجِّ، وَأَصْلُ الْحَرَامِ مِنَ الْمَنْعِ، فَهُوَ ممنوع [من] [2] أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صَلَاتَيِ [3] المغرب والعشاء، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، قَالَ طاوس: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، ومن المزدلفة بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ، فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ، وَقَدَّمَ هَذِهِ. «199» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ، نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ، فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بينهما شيئا. ع «200» وَقَالَ جَابِرٌ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنِ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وإقامة، ثم ركب [ناقته] [4] الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فاستقبل القبلة ودعاه وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ واقفا حتى أسفر جدا، ودفع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. «201» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا محمد بن يوسف أخبرنا

_ 199- إسناده صحيح. أبو إسحق فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. كريب هو ابن أبي مسلم. - وهو في «شرح السنة» 1930 بهذا الإسناد. - وفي «الموطأ» (1/ 400- 401) من طريق موسى بن عقبة بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 139 و1672 و1280 وأبو داود 1925 وأحمد (5/ 208) والطحاوي في «المعاني» (2/ 214) وابن حبان 1594 والبيهقي (5/ 122) . - وأخرجه البخاري 181 و1667 ومسلم 1280 وأبو داود (1921 و1924) والنسائي (5/ 259) وابن ماجه 3019 وأحمد (5/ 199/ 200 و202 و210) والدارمي (2/ 57 و58) وابن خزيمة 973 والطبراني في «الكبير» 386 والبيهقي (5/ 119 و120) من طرق من حديث أسامة بن زيد. 200- ع هو بعض حديث جابر في صفة حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وهو في «شرح السنة» 1928. وهو عند مسلم 1218 وأبي داود 1905 وابن ماجه 1022. 201- م إسناده صحيح على شرطهما، زهير بن حرب هو أبو خيثمة النسائي، جرير هو ابن حازم، يونس هو ابن يزيد والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو عند البخاري (1686 و1687) عن زهير بن حرب بهذا الإسناد وأخرجه البخاري (1543 و1544) أيضا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ عن وهب بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (1280 و1281) من طريق كريب عن أسامة بن زيد وابن عباس. وأخرجه البغوي في «شرح السنة» 1943 من طريق الشافعي عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابن عباس قال: أخبرني الفضل.... فذكره. [.....] (1) في المطبوع «المجسر» . (2) زيد من المخطوط. (3) في المطبوع «صلاة» . (4) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 199]

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابن عباس أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ ردف رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قالا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، أَيْ: وَاذْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ، كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهِدَايَةِ، فَهَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، أَيْ: وقد كنتم [قبل] [2] ، [أي] [3] : وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ [الشُّعَرَاءِ: 186] ، أَيْ: وَمَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْهُدَى، وَقِيلَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. [سورة البقرة (2) : آية 199] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) . قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ [4] بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ [سَائِرِ الْعَرَبِ] [5] بِعَرَفَاتٍ، [وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ] [6] ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ تعالى: قال مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ مِنْ جَمْعٍ، أَيْ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا: لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فاذكروا الله ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ، فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: وَأَفِيضُوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَدِ: 17] ، وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النِّسَاءِ: 54] ، وَأَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ لِسَانَ قَوْمِهِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، بالياء، وقال: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. «201» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا محمد بن يوسف أخبرنا

_ 201- إسناده صحيح، محمد بن إسماعيل هو البخاري، ومن دونه ثقات، وعبد الله بن يوسف هو التّنّسيي روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - هو في «شرح السنة» 1926 بهذا الإسناد. - وهو عند البخاري 1666 عن عبد الله بن يوسف بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (2999 و4413) ومسلم 1286 وأبو داود 1923 والنسائي (5/ 258) و (259) وابن ماجه 3017 وأحمد (5/ 205) و (202 و210) والدارمي 1821 والبغوي 1926 من طرق عن هشام بن عروة به. (1) وقع في الأصل «عبد» والتصويب من صحيح البخاري. 2 زيادة عن المخطوط. 3 زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «يقعون» . 5 زيد في المطبوع. 6 زيد في المطبوع.

[سورة البقرة (2) : آية 200]

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ [يَسِيرُ] [1] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ [2] فَوْقَ الْعَنَقِ. «202» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مولى المطلب قال: أخبرنا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ [3] الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» ، وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 200] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أَيْ: فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ: ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى، فَاذْكُرُوا اللَّهَ: بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فأمرهم الله بذكره، وقال: فَاذْكُرُونِي [البقرة: 152] ، فإني الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يلهج بذكر أبيه لا يذكر غَيْرِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ، كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ، أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ، فَقِيلَ: قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ لا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً، يعني: بل أشدّ، أي: أكثر [4] ذِكْرًا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يقوم فيقول: اللهمّ إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ، فَأَعْطِنِي مثل ما أعطيته،

_ 202- إسناده صحيح على شرط البخاري. وهو في «شرح السنة» 1927 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 1671 عن سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 1920 من طريق مقسم عن ابن عباس به. - وأخرجه النسائي (5/ 257) عن ابن عباس: أن أسامة بن زيد قال: أفاض رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم من عرفة ... فذكره. (1) لفظ «يسير» في المطبوع قبل لفظ «رسول» . (2) نص ناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير. [.....] (3) وقع في الأصل «واثلة» والتصويب من صحيح البخاري وكتب التراجم. (4) في المطبوع «أكبر» .

[سورة البقرة (2) : آية 201]

قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا عَبْدٌ [1] نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ، وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ: من حظّ ونصيب. [سورة البقرة (2) : آية 201] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حسنة الجنة والحور العين. «203» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ [2] أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ [أَبِي] أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ [3] وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا: أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ [4] يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» . وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الْجَنَّةُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حيان: «فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً» رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، «وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً» الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ. «204» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الحارث

_ (1) تحرف في المخطوط إلى «عند» . (2) وقع في الأصل «الحنفي» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» و «الأنوار» . (3) وقع في الأصل «حياة» والتصويب من كتب التخريج وكتب التراجم. (4) وقع في الأصل «الجبلي» والتصويب من «شرح السنة» و «ط» . 203- إسناده صحيح على شرط مسلم، حيوة هو ابن شريح المصري روى له الشيخان، ابن لهيعة هو عبد الله، روى له مسلم متابعة. المقري هو عبد الله بن يزيد. - وهو في «شرح السنة» 2234 بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (2/ 168) من طريق أبي عبد الرحمن المقري بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1467 والبيهقي (7/ 80) من طريق حيوة دون ذكر ابن لهيعة بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي (6/ 69) وابن حبان 4031 من طريق المقري عن حيوة وذكر آخر معه عن شرحبيل بهذا الإسناد. 204- حديث ضعيف. إسناده ضعيف جدا، عبيد الله بن زحر ضعفه غير واحد، وشيخه علي بن يزيد الألهاني متروك، والقاسم روى مناكير كثيرة. وهو في «شرح السنة» 3939 بهذا الإسناد. وهو في «الزهد» لابن المبارك 196 «زيادات نعيم بن حَمَّادٌ» عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زحر بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2347 من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (21663) (5/ 252) والبيهقي في الشعب 10352 من طريق عبيد الله بن زحر بهذا الإسناد. - قال الترمذي: وعلي بن يزيد ضعيف الحديث. - وأخرجه ابن ماجه 4117 من طريق آخر، قال البوصيري في «الزوائد» وإسناده ضعيف، لضعف أيوب بن سليمان. قال فيه أبو حاتم: مجهول. وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها. وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه اهـ. وقال العراقي في «الإحياء» (3/ 277) : أخرجه الترمذي وابن ماجه بإسنادين ضعيفين اهـ. - وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/ 252) والبيهقي في «الشعب» 10351 من طريق العلاء بن هلال بن عمر الباهلي عن أبي عن أبيه عن أبي غالب أبي أمامة به. وأعله ابن عدي بالعلاء بن هلال: وهو منكر الحديث، قال أبو حاتم: عنده

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ [1] عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي [2] عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصلاة، أحسن عبادة ربه وأطاعه فِي السِّرِّ وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذلك- ثم نفر بيده [3]- فقال: هكذا عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ [4] ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ» . وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً، وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وما لا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. «205» أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ علي الكرماني الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالك قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كنت معاقبي [5] بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ [6] لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ لا تستطيعه ولا تطيقه، هلّا قلت: اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» . «206» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إسحاق

_ عن يزيد بن هارون أحاديث موضوعة. راجع الميزان (3/ 106) وفيه أيضا أبو غالب اسمه حزور، روى مناكير عن أبي أمامة. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 10357 من طريق الحسن بن أبي جعفر عن ليث عن عبيد الله عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ به. وفيه الحسن بن أبي جعفر، ضعيف الحديث مع عبادته وفضله كما في «التقريب» والقاسم هو ابن عبد الرحمن قال أحمد بن حنبل: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، ولا أراها إلا من قبل القاسم. الخلاصة: هو حديث ضعيف، طرقه شديدة الضعف لذا لا ترقى عن درجة الضعف، والمتن غريب بل منكر، والله أعلم. (1) وقع في الأصل «زجر» وهو تصحيف والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. (2) وقع في الأصل «بن» والتصويب من «شرح السنة» و «ط» ومن مصادر التخريج. (3) في «ط» : «نفض» وفي «شرح السنة» : «نقد» وقال البغوي: نقد بيده أي ضرب. (4) وقع في الأصل «منية» والتصويب من سنن الترمذي وغيره. (5) في المطبوع «معاقبني» . [.....] (6) في المطبوع «فحوّله» . 205- إسناده صحيح على شرطهما، حميد هو ابن أبي حميد، اختلف في اسم أبيه على عشرة أقوال. وثابت هو ابن أسلم هو في «شرح السنة» 1377. وأخرجه مسلم 2688 والبخاري في «الأدب المفرد» 727 و728 والترمذي 3487 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» 1053 وابن أبي شيبة (10/ 261) وأحمد (3/ 107) وابن حبان 936 و941 من طرق عن حميد الطويل بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (2688/ ح 24) وأحمد (3/ 288) من طريق عفان عن حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ به. - وفي الباب من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (1/ 173) ورجاله رجال الصحيح. 206- إسناده صحيح. أبو داود هو سليمان بن داود الطيالسي صاحب المسند، شعبة هو ابن الحجاج، ثابت هو ابن أسلم.

[سورة البقرة (2) : الآيات 202 الى 203]

الْحَجَّاجِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ [1] ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ [2] ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. «207» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ [عَنْ] [3] عَبْدِ اللَّهِ بن السائب أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ. [سورة البقرة (2) : الآيات 202 الى 203] أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ: حَظٌّ مِمَّا كَسَبُوا: مِنَ الْخَيْرِ والدعاء بالثواب وَالْجَزَاءِ، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، يَعْنِي: إذا حاسب عبده فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ [4] ولا

_ هو في «شرح السنة» 1376 بهذا الإسناد. هو عند الطيالسي 2036 من طريق شعبة بهذا الإسناد. - ومن طريق الطيالسي أخرجه النسائي في «اليوم والليلة» 1054 وأحمد (3/ 209 و277) وابن حبان 937 والبغوي في «شرح السنة» 1382. - وأخرجه مسلم (2690/ ح 27) والبخاري في «الأدب المفرد» 677 وأحمد (3/ 208) من طريق عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به. (1) في الأصل «الداغولي» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . (2) في الأصل «مكان» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «ط» و «مسند الشافعي» . (4) في المطبوع «صدور» . 207- جيد. في إسناده عبيد مولى السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ، قال عنه الحافظ في «التقريب» مقبول، وقال في «التهذيب» : ذكره ابن حبان في الثقات. قلت: ذكره ابن قانع وابن مندة وأبو نعيم في الصحابة، وسموا أباه رحيبا اهـ. باختصار. فإن ثبتت صحبته فالحديث صحيح، لأن الصحابة كلهم عدول، وإلا فالإسناد لين، حيث قال عنه الحافظ: مقبول. وباقي الإسناد ثقات. وهو في «شرح السنة» 1908 بهذا الإسناد. وفي «مسند الشافعي» (1/ 347) وفي «الأم» (2/ 172- 173) من طريق سعيد بن سالم القداح بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 1892 والنسائي في «الكبرى» 3934 وعبد الرزاق 8963 وأحمد (3/ 411) وابن خزيمة 2721 وابن حبان 3826 والحاكم (1/ 455) والبيهقي (5/ 84) والأزرقي في «تاريخ مكة» (1/ 340) من طرق عن ابن جريج بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط مسلم! ووافقه الذهبي! مع أن مداره على عبيد مولى السائب بن أبي السائب، ولم يرو له مسلم شيئا، وأخرجه الأزرقي (1/ 340) بسند فيه من يحتاج إلى الكشف عن حاله عن ابن المسيب مرسلا، ولا يصح عن ابن المسيب، فلو صح لرواه عنه غير الأزرقي، وله شاهد موقوف عن عمر أخرجه عبد الرزاق 8966 وآخر عن ابن عمر برقم (8964 و8965) . وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن ماجه 2957 وفي سنده ضعف. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بطرقه وشواهده.

إِلَى رَوِيَّةٍ [1] وَلَا فِكْرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ [2] لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: 17] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ، يَعْنِي: التَّكْبِيرَاتِ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ، يُكَبَّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ، فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ، سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ لِقِلَّتِهِنَّ كَقَوْلِهِ: دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ [يُوسُفَ: 20] ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهُنَّ يَوْمُ النَّحْرِ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وهي أيام التشريق. ع «208» وَرُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ» . وَمِنَ الذِّكْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ التَّكْبِيرُ، واختلفوا فيه فروي عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يُكَبِّرَانِ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ خَلْفَ الصَّلَاةِ وفي المجالس [3] وَعَلَى الْفِرَاشِ وَالْفُسْطَاطِ وَفِي الطَّرِيقِ، ويكبّر الناس بتكبيرهما، ويتلوان هذه الآية، والتكبير أدبار الصلوات [4] مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَغَيْرِ الْحَاجِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فذهب قوم إلى أنه يبتدىء التكبير عقب صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ ويختم بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التشريق، يروى ذلك عن عمر وعن عليّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ رضي الله عنه [وهو المرجح عند الشَّافِعِيِّ] [5] ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يبتدىء التَّكْبِيرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يوم عرفة، ويختم بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ الله عنه، وقال قوم: يبتدئ التكبير عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النحر ويختم بعد [صلاة] [6] الصُّبْحِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ، وَذِكْرُ الْحَاجِّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ التَّلْبِيَةُ، وَيَأْخُذُونَ فِي التكبير يوم النحر من بعد صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ يَقُولَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا نَسَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: وَمَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُكَبِّرُ اثنين، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قال تَعَالَى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، أراد من نفر الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وذلك أنه على الحاج أن يبيت

_ 208- ع صحيح. أخرجه مسلم 1141 وأبو داود 2813 والنسائي (7/ 170) وأحمد (5/ 75 و76) والطحاوي (2/ 245) والبيهقي (4/ 297) من حديث نبيشة الهذلي. - وفي الباب من حديث كعب بن مالك عند مسلم 1142. - وعن بشر بن سحيم عند النسائي (8/ 104) وابن ماجه 1720 والطيالسي 1299 وابن أبي شيبة (4/ 20- 21) والدارمي (2/ 23- 24) والطحاوي (2/ 245) والطبري 3914 والبيهقي (4/ 298) . (1) في المطبوع «رؤية» . (2) في المطبوع «آت» . (3) في المطبوع «المجلس» . (4) في المطبوع «الصلاة» . [.....] (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 204]

بِمِنًى اللَّيْلَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ [1] حَصَيَاتٍ، ورخّص في ترك البيتوتة لرعاة الْإِبِلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ رَمَى [2] الْيَوْمَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَرَادَ أَنْ ينفر ويدع [3] الْبَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ، وَرَمَى يَوْمَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ حَتَّى يَرْمِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ ثم ينفر، [وقوله] وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي تَعْجِيلِهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَا إثم عليه في تأخيره، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فَقَدْ تَرَخَّصَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِالتَّرَخُّصِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [في ذلك] [4] بِتَرْكِ التَّرَخُّصِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: رَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ تعجل أو تأخر. ع م «195» كَمَا رَوَيْنَا: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ [5] كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» . وَهَذَا قَوْلُ عَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِمَنِ اتَّقى، أَيْ: لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُصِيبَ فِي حَجِّهِ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ [6] ، كَمَا قَالَ: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ» [7] ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا جُعِلَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى فِي حَجِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ: لِمَنِ اتَّقَى الصَّيْدَ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ صَيْدًا حَتَّى تَخْلُوَ [8] أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ أَبُو العالية: ذهب إثمه إِنِ اتَّقَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ، [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: تُجْمَعُونَ فِي الْآخِرَةِ يجزيكم بأعمالكم] [9] . [سورة البقرة (2) : آية 204] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، «209» قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، وَاسْمُهُ أُبَيٌّ، وسمّي الأخنس لأنه [كان] [10] خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيجالسه ويظهر الإسلام [عنده] ، ويقول [له] [11] : إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي مَجْلِسَهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أَيْ: تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ. وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا، وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ: عَجِبْتُ مِنْ كَذَا، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما

_ 195- ع م صحيح. وهو مكرر برقم: 195. 209- ضعيف. ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 427- 428) باختصار شديد عن الكلبي ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر. وهذا ليس بشيء، الكلبي متروك متهم. وأخرجه الطبري 3964 عن السدي مرسلا، وهذا واه، والخبر غير صحيح. (1) في المطبوع «بسبع» . (2) في المطبوع «يرمي» . (3) في المطبوع «فيدع» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيد في المطبوع وحده عقب لفظ «رجع» : «أي: خرج من ذنوبه» . (6) في المطبوع «عنها» . (7) هو المتقدم. (8) في المطبوع وحده «تنقضي» والمثبت عن المخطوطتين ونسخة- ط-. (9) سقط من المخطوط. 10 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. [.....] 11 ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 205 الى 207]

فِي قَلْبِهِ، يعني: قول الأخنس الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ، أَيْ: شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ: لَدَدْتَ يا هذا وأنت تلدّ لددا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [مَرْيَمَ: 97] ، قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لدّ يدي العنق وهما صفحتان، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ، فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ، وَالْخِصَامُ: مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً، قَالَهُ أبو عبيدة، وقال الزجاج: وهو جَمْعُ خَصْمٍ، يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ، مِثْلُ: بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ، قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصامِ، أَيْ: كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ، وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ. «210» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى الله تعالى الألدّ الخصم» . [سورة البقرة (2) : الآيات 205 الى 207] وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) وَإِذا تَوَلَّى، أَيْ: أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ، سَعى فِي الْأَرْضِ، أَيْ: عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى، لِيُفْسِدَ فِيها، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا [1] وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا [2] ، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُمْ: وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَإِذا تَوَلَّى، أَيْ: مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا سَعَى فِي الْأَرْضِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ قَالَ: إِذَا ولي يعمل بالعدوان والظلم، فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ [3] وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ [4] ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ، أَيْ: لا يرضى

_ 210- إسناده صحيح على شرطهما، أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز، ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله. هو في «شرح السنة» 2493 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2457 عن أبي عاصم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (4523 و7188) ومسلم 2668 والترمذي 2976 والنسائي (8/ 247- 248) وأحمد (6/ 55 و63 و205) وابن حبان 5697 والبيهقي (10/ 108) من طرق عن ابن جريج به. (1) الكدس: الحب المحصود المجموع. (2) الأتان: الحمارة. (3) تحرف في المطبوع إلى «المدر» . (4) الأثر عند الطبري 3988 قال مجاهد: إذا تولى سعى في الأرض بالعدوان والظلم، فيحبس الله بذلك القطر، فيهلك الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفساد. - هذا سياق الأثر ذكرته لأن في سياق المصنف غموض، والله الموفق.

بالفساد، وقال سعيد بن المسيب: قطع الدراهم مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، أَيْ: خِفِ اللَّهَ، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، أي: حملته العزة، حمية الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ، أَيْ: بالظلم والعزة والتكبّر وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ، قَوْلُهُ: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ، أَيْ: كَافِيهِ، وَلَبِئْسَ الْمِهادُ، أَيِ: الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ لِلْعَبْدِ: اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تعالى، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. ع «211» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا، فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بن أبي الأفلح الأنصاري. ع «212» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ومعهم تمر عجوة فأكلوا [وطرحوا النوى] [1] فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ، مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بهم، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه ذكروا [ذلك لِحَيٍّ] مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لَحْيَانَ [فَنَفَرُوا لَهُمْ] [2] بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يثرب فاتبعوا آثارهم [فلحقوهم] [3] فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجؤوا إِلَى فَدْفَدٍ [4] فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بن طارق فنثر عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قال: اللهمّ إني قد حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ [بِهِ] [5] الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ، وكانت قد نذرت [على نفسها] [6] حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لتشربن في

_ 211- ع علقه المصنف هاهنا، وإسناده إليهما في أول الكتاب. وانظر ما بعده. 212- ع لم أره بهذا السياق. وأصل الحديث محفوظ دون ذكر نزول الآيات، ودون بعض ألفاظه وقد أخرجه البخاري (3045 و3989) و (4086 و7402) وأبو داود (2660 و2661) والطيالسي 2597 وأحمد (2/ 294) و (295 و310- 311) وعبد الرزاق 9730 وابن حبان 7049 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 323- 324) من طرق من حديث أبي هريرة بنحوه دون ذكر عجزه وهو خبر الزبير والمقداد بن عمرو. وانظر هذا الخبر في «السيرة النبوية» لابن هشام (3/ 134- 146) . (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «فتبعوهم» . (3) زيادة من المخطوط. (4) الفدفد: الفلاة والمكان الصلب الغليظ، والمرتفع، والأرض المستوية. (5) في المخطوط «بهم» . (6) زيادة من المخطوط. [.....]

قَحْفِهِ الْخَمْرَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ وَهِيَ الزَّنَابِيرُ فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا: دَعُوهُ حَتَّى نمسي فتذهب عنه [الدبر] فَنَأْخُذَهُ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي [1] فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غديرا فاحتمل عاصما فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، فكان عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدّبر منعته: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ، وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بعض بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خرجوا به مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ، فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي [2] وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ [3] مُمَزَّعِ فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ [4] عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ، وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ أَبُو مَيْسَرَةَ مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثديّ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عتوا فطعنه فأنفذه [من ظهره] [5] ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، يَعْنِي: سَلَامَانَ، وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ ليقتله بأبيه، واجتمع [معه] رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نضرب عنقه، وأنت فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الذي هو فيه تصيبه شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثم قتله نسطاس، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «أَيُّكُمْ يُنْزِلُ خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ» ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ، حَتَّى أَتَيَا التَّنْعِيمَ لَيْلًا وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أربعون رجلا من المشركين نيام نَشَاوَى، فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بعد أربعين يوما

_ (1) العزالي: مصب الماء من الرواية وغيرها. (2) في المخطوط «مضجعي» . (3) الشلو: العضو، والجسد من كل شيء، وكل مسلوخ أكل منه شيء وبقيت منه بقية. (4) في المطبوع «سرعة» وفي المخطوط «مشروعة» والمثبت عن- ط-. (5) زيادة من المخطوط.

وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا، فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ، فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ، وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رابضان يدفعان عن سبيلهما [1] ، فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إن الملائكة لتباهي بهذين [الرجلين] مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، حين شريا أنفسهما بإنزال خبيب عن خشبته. ع «213» وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ، حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَذَّبُوهُمْ فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أبو بكر: ربح بيعك أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وبيعك فلا تخسر [2] ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ: أنزل الله فيك، وقرأ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ ما فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حتى أرمي بكل سهم من كنانتي [رجلا منكم] [3] ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي، ثُمَّ افْعَلُوا مَا شئتم [بي] ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي، قَالُوا: نَعَمْ، ففعل ذلك، فأنزل الله [فيه] هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فيم [4] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ، فَيَقُولُ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ، فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ. وَقِيلَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابتغاء مرضات اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ العزة بالإثم، قال: [هذا] [5] وأنا أشري نفسي فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يقول: اقتتلا وربّ الكعبة، وقال أبو الخليل: سمع عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمْرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فقتل.

_ 213- ع أخرجه الطبري 4005 عن الربيع مرسلا بهذا الخبر دون ذكر اسم صهيب. - وفي الباب من حديث أنس أخرجه الحاكم (3/ 398) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وفيه «قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم: ربح البيع أبا يحيى» . - وورد عن ابن المسيب عن صهيب أخرجه الحاكم (3/ 400) وصححه وسكت عليه الذهبي، وفيه من لم يسم، ومع ذلك ورد من وجوه أخرى يتأيد بها ويعلم أن له أصلا. وانظر «تفسير الشوكاني» 323 و «الكشاف» 114 للزمخشري بتخريجي. (1) في المطبوع «يدافعان عن شبليهما» . (2) في المطبوع «فلا تتحسر» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «فيمن» . (5) زيادة عن المخطوط والطبري (4002) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 209]

«214» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ [أَبِي] [1] شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا علي بن الجعد، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حق عند سلطان جائر» . [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 209] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمِ هَاهُنَا بِفَتْحِ السِّينِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ] [2] بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَسْرِ، حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ. نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ ويكرهون لحمات [3] الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، أَيْ: فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ كَافَّةً أَيْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَصْلُ السِّلْمِ [4] مِنَ الِاسْتِسْلَامِ [5] وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ: سِلْمٌ. قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ، فَعَدَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ

_ 214- حديث حسن صحيح. إسناده لين لأجل أبي غالب، واسمه حزور وثقه جماعة وضعفه آخرون. وباقي الأسناد ثقات، حماد بن سلمة من رجال مسلم، وعلي بن الجعد من رجال البخاري. وهو في «شرح السنة» 2467 بهذا الإسناد. وأخرجه ابن ماجه 4012 وأحمد (5/ 251- 256) والطبراني في «الكبير» (8080 و8081) وابن عدي في «الكامل» (2/ 455) والبيهقي في «الشعب» 7581 والقضاعي في «مسند الشهاب» 1288 من طرق عن حماد بن سلمة به. - وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو داود 4344 والترمذي 2265 وابن ماجه 4011 وفيه عطية العوفي ضعيف، قد حسنه الترمذي واستغربه. - وقد توبع العوفي فقد أخرجه الحميدي 752 وأحمد (3/ 19- 61) والحاكم (4/ 505- 506) من طريق عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نضرة عن أبي سعيد. وعلي هذا غير قوي، لكن يقوي ما قبله، ولذا سكت الحاكم عليه، فقال الذهبي: قلت: علي بن زيد صالح الحديث اهـ. - وله شاهد آخر من حديث جابر أخرجه الحاكم (2/ 120) وفيه: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله» وقال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: الصفار لا يدري من هو اهـ. ومع ذلك فهو يشهد لما قبله وللحديث شواهد أخرى. انظر «مجمع الزوائد» (7/ 272) . - وله شاهد آخر من مرسل طارق بن شهاب أخرجه البيهقي 7582 وقال: وهذا شاهد مرسل جيد اهـ. فالحديث بهذه الشواهد يرقى إلى درجة الحسن الصحيح. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (2) زيادة عن نسخة- ط. [.....] (3) في المطبوع وحده «لحوم» . (4) في المخطوط «الإسلام» . (5) في المطبوع وحده «الإسلام» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 210 الى 211]

وَالْعُمْرَةَ وَالْجِهَادَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، أَيْ: آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، «215» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ] أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ [2] عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَاهُ عُمْرُ فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يهود تعجبنا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . فَإِنْ زَلَلْتُمْ: ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلْتُمْ، يُقَالُ: زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وَزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ، فَتَقَدَّمَ [3] فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِيَكُونَ [لَهُ بِهِ] [4] الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ، أَيِ: الدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: فِي نِقْمَتِهِ، حَكِيمٌ: فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وَالْحَكِيمُ: ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ. [سورة البقرة (2) : الآيات 210 الى 211] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)

_ 215- متن حسن. إسناده لين إلى الضعف أقرب لأجل مجالد بن سعيد فإنه غير قوي، وباقي رجال الإسناد ثقات مشاهير. هشيم هو ابن بشير والشعبي هو عامر بن شراحيل. - وهو في «شرح السنة» 126 بهذا الإسناد غير أنه قد تحرف فيه «هشيم» إلى «هشام» . - وأخرجه أحمد (3/ 387) والدارمي (1/ 115) ج 441 وابن أبي عاصم في «السنة» 50 وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (2/ 42) والبزار 124 «كشف» من طرق عن مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ به، ومداره على مجالد بن سعيد، وهو غير قوي وهو إلى الضعف أقرب. وقال الحافظ في «الفتح» (13/ 284) : رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا اهـ. - وقد توبع على أصل الحديث. - فقد ورد بمعناه مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثابت أخرجه أحمد (4/ 265) وابن الضريس في «فضائل القرآن» 90 والطبراني كما في «المجمع» (1/ 173) ح 806 والبيهقي في «الشعب» 5201 ومداره على جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، واتهمه أبو حنيفة. - وورد من حديث عمر أخرجه أبو يعلى كما في «المجمع» (1/ 173) ح 805 والبيهقي في «الشعب» 5203 من حديث عمر وأعله الهيثمي بعبد الرحمن بن إسحاق، وأنه ضعيف، وتابعه يوسف بن خالد السمتي عند البيهقي لكنه متروك متهم، واكتفى البيهقي بقوله: غيره أوثق منه. - وورد عن الزهري مرسلا عند البيهقي 5205 ومراسيل الزهري واهية، لأنه حافظ ثبت لا يرسل إلا لعلة. - وورد عن الحسن مرسلا أخرجه ابن الضريس 89 والمرسل من قسم الضعيف- ومن مرسل أبي قلابة أخرجه البيهقي 5202 فالحديث بهذه الشواهد يرقى إلى درجة الحسن. وانظر «تفسير الشوكاني» (1891 و1892) و (1893 و1894) و «أحكام القرآن» لابن العربي 26 بتخريجي والله الموفق. (1) وقع في الأصل «هاشم» والتصويب من «الأنوار» 1235 وكتب التراجم و «ط» . (2) وقع في الأصل «مخلد» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . (3) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «وقدم» . (4) في المطبوع «لديه» وفي المخطوط «به» والمثبت عن- ط.

[سورة البقرة (2) : آية 212]

قَوْلُهُ تَعَالَى: هَلْ يَنْظُرُونَ، أَيْ: هل ينتظر [1] التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مقرونا [2] بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ، جمع ظلة، مِنَ الْغَمامِ، وهو السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمِّيَ غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ، أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تيههم، وقال مقاتل: كهيئة الضبابة أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ مِنَ الْغَمَامِ، فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ [3] أَهْلُ الْأَرْضِ، وَالْمَلائِكَةُ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ: مع العسكر، وقرأ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسمه منزّه عن سمات الحدوث [4] ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا من [العلم] [5] المكتوم الذي لا يفسر [والله أعلم بمراده منه] [6] ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، يَقُولُونَ فيه وفي أمثاله: أَمِرُّوهَا [7] كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ: قِرَاءَتُهُ وَالسُّكُوتُ عنه [8] ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ [9] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ، أَيْ: وَجَبَ الْعَذَابُ وَفُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ اللَّهِ الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وفتح الجيم. قَوْلُهُ تَعَالَى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ، أَيْ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ يَهُودَ الْمَدِينَةِ: كَمْ آتَيْناهُمْ: أَعْطَيْنَا آبَاءَهُمْ وأسلافهم، مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، [قرأ أهل الحجاز وقتيبة بتشديد الياء والباء، والباقون بتشديد الياء] [10] ، دَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِثْلَ الْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: معناه الدلالات التي آتاهم الله فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ يُبَدِّلْ، يعني: يُغَيِّرْ نِعْمَةَ اللَّهِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَهْدُ اللَّهُ، وَقِيلَ: مَنْ يُنْكِرُ الدَّلَالَةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. [سورة البقرة (2) : آية 212] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)

_ (1) في المطبوع والمخطوط «ينتظرون» والمثبت عن- ط. (2) زيد في نسخة- ط «بذكر الله أو» . (3) في نسخ المطبوع «إليهم» . (4) في المطبوع «الحدث» . 5 زيادة من المخطوط. 6 زيادة من المخطوط. [.....] (7) في المطبوع «أمرها» . (8) في المطبوع «عليه» . (9) هذا هو مذهب سلف الأمة رضي الله عنهم، وهو الحق الذي لا مرية فيه، فعليك به، وإياك والأهواء والإحداث في الدين، نسأل الله عز وجل أن يهدينا سنن خير المرسلين. (10) زيد في المطبوع وحده.

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُزَيِّنَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّزْيِينُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ: أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ الْحَسَنَةَ وَالْمَنَاظِرَ الْعَجِيبَةَ، فَنَظَرَ الْخَلْقُ [إليها] [1] بأكثر من قدرها فأعجبهم حسنها فَفُتِنُوا بِهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ، كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِمَا بَسَطَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَيُكَذِّبُونَ بِالْمَعَادِ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ: يَسْتَهْزِئُونَ بِالْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَأَمْثَالَهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَيَقُولُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ [2] يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَغْلِبُ بِهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ، سَخِرُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لِفَقْرِهِمْ، وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ، فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، لِأَنَّهُمْ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَهُمْ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. «216» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ [3] أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ [4] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، وَإِذَا أَهْلُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَقَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ» . «217» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا إبراهيم [5] بن حمزة، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شفع أن يشفع، [وإن قال يسمع

_ 216- إسناده صحيح. عبد الرزاق فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، ومن دونه توبعوا. معمر هو ابن راشد، سليمان هو ابن بلال. أبو عثمان هو عبد الرحمن بن ملّ. - وهو في «شرح السنة» 3959 بهذا الإسناد. - وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20611 عن معمر بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5196 و6547 ومسلم 2736 والنسائي في «الكبرى» 9265 وأحمد (5/ 205 و209 و210) والطبراني في (الكبير) 421 والخطيب في «تاريخه» 5/ 149 من طرق عن أبي عثمان النهدي به. 217- إسناده صحيح على شرط البخاري لتفرده عن إبراهيم، أبو حازم اسمه سلمة بن دينار. هو في «شرح السنة» 3963 بهذا الإسناد لكن سقط عنده شيخ البخاري إبراهيم بن حمزة. وأخرجه البخاري (5091 و6447) وابن ماجه 4120 والطبراني 5883 والبيهقي في «الشعب» 10481 من طرق عن ابن أبي حازم به. (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع وحده «الذي» . (3) وقع في الأصل «البزار» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» . (4) وقع في الأصل «الديري» والتصويب عن «شرح السنة» و «ط» . (5) وقع في المطبوع «إسحاق» وهو سبق قلم، والمثبت عن صحيح البخاري 5091.

[سورة البقرة (2) : آية 213]

لقوله] [1] ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ [آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [2] : «مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا» ؟ فَقَالَ: يا رسول الله هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» . وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ] [3] : يَعْنِي كَثِيرًا بِغَيْرِ مِقْدَارٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ فَهُوَ قَلِيلٌ، يُرِيدُ يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ يَرْزُقُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاسِبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: هَذَا يَرْجِعُ إِلَى الله، مَعْنَاهُ: يُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ، وَلَا يُعْطِي كُلَّ [4] أَحَدٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ بَلْ يعطي الكثير لمن [5] لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يُعْطِي الْقَلِيلَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ وَلَا يُحَاسَبُ فِيمَا يَرْزُقُ، وَلَا يُقَالُ: لِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا وَحَرَمْتَ هَذَا، وَلِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتَ ذَاكَ، [لا يسأل عما يفعل] [6] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَخَافُ نَفَادِ خَزَائِنِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّ الْحِسَابَ مِنَ المعطي إنما يكون لما [7] يخاف من نفاد خزائنه، [والله تعالى خزائنه لا تنقص بكثرة الإنفاق] [8] . [سورة البقرة (2) : آية 213] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) قَوْلُهُ تَعَالَى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً: عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ آدَمَ وَحْدَهُ كَانَ أُمَّةً وَاحِدَةً، [قَالَ] [9] : سُمِّيَ الْوَاحِدُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّسْلِ وَأَبُو الْبَشَرِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى منه حَوَّاءَ وَنَشَرَ مِنْهُمَا النَّاسَ فَانْتَشَرُوا، وَكَانُوا مُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ قَتَلَ [قَابِيلُ] [10] هَابِيلَ فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ، قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ أَمْثَالَ الْبَهَائِمِ فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي زَمَنِ نُوحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا فَكَانَ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ النَّبِيِّينَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ وَفَاةِ نُوحٍ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّةً وَاحِدَةً كُفَّارًا كُلُّهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَقِيلَ: كَانَ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ حِينَ عُرِضُوا عَلَى آدَمَ وَأُخْرِجُوا مِنْ ظَهْرِهِ، وأقرّوا بالعبودية لله تعالى أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ غَيْرَ [11] ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ آدَمَ، نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [12] [يونس: 19] ،

_ (1) زيادة عن المخطوط وصحيح البخاري 5091. (2) سقط من المطبوع. (3) زيادة عن المخطوط ونسخة- ط. [.....] (4) في المطبوع وحده «لكل» . (5) في المطبوع «من» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «بما» وفي نسخة- ط «لمن» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيد في نسخ المطبوع، ولعله ليس من كلام مجاهد. (10) زيادة من المخطوط وط. (11) في المخطوط «من» . (12) زيد في المخطوط وسائر النسخ في الآية «فبعث الله النبيّين» وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله!.

[سورة البقرة (2) : آية 214]

وَجُمْلَتُهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَالرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِ الْعَلَمِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا، مُبَشِّرِينَ: بِالثَّوَابِ مَنْ آمَنَ وَأَطَاعَ، وَمُنْذِرِينَ: مُحَذِّرِينَ بِالْعِقَابِ مَنْ كَفَرَ وَعَصَى، وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ، أَيِ: الْكُتُبَ، تَقْدِيرُهُ: [وَأَنْزَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ] [1] الْكِتَابَ بِالْحَقِّ: بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ لِيَحْكُمَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ هَاهُنَا، وَفِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي النُّورِ مَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَحْكُمُ فِي الْحَقِيقَةِ إنما يحكم بِهِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ: لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ، ذَكَرَهُ عَلَى سِعَةِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: هَذَا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الْجَاثِيَةِ: 29] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتَابِهِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ، أَيْ: فِي الْكِتَابِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ، أَيْ: أُعْطُوا الْكِتَابَ، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ، يَعْنِي: أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ الْفِرَّاءُ: وَلِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِكِتَابِ بَعْضٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النِّسَاءِ: 150] ، وَالْآخَرُ: تَحْرِيفُهُمْ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ الله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النِّسَاءِ: 46] ، وَقِيلَ: الْآيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتَابُهُ، اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ، صِفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُبِهِمْ، بَغْياً ظُلْمًا وَحَسَدًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أي: إلى ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ فِيهِمْ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهَدَانَا اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ [فمنهم من كان يصوم ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، ومنهم من يصوم يوم عاشوراء] [2] ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ، فَأَخَذَتِ الْيَهُودُ السَّبْتَ، وَالنَّصَارَى الْأَحَدَ، فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: كَانَ نَصْرَانِيًّا، فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى فَجَعَلَتْهُ الْيَهُودُ لِفِرْيَةٍ [3] ، وَجَعَلَتْهُ النصارى إلها، فهدانا اللَّهُ لِلْحَقِّ فِيهِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. [سورة البقرة (2) : آية 214] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ حِينَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْبَرْدِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الْأَحْزَابِ: 10] ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي حَرْبِ أُحُدٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ، اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الضُّرُّ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِلَا مَالٍ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَآثَرُوا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَظْهَرَتِ الْيَهُودُ الْعَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسَرَّ قَوْمٌ النِّفَاقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ أَمْ حَسِبْتُمْ، معناه: أَحَسِبْتُمْ وَالْمِيمُ صِلَةٌ قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بَلْ حَسِبْتُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تدخلوا الجنّة، وَلَمَّا يَأْتِكُمْ، أي: ولم يَأْتِكُمْ وَمَا صِلَةٌ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا، شَبَّهَ الَّذِينَ مَضَوْا، مِنْ قَبْلِكُمْ: من النَّبِيِّينَ [4] وَالْمُؤْمِنِينَ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ: الْفَقْرُ وَالشِّدَّةُ وَالْبَلَاءُ، وَالضَّرَّاءُ: الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ، وَزُلْزِلُوا، أَيْ: حُرِّكُوا بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا والرزايا

_ (1) العبارة في المخطوط [وأنزل لكل واحد الكتاب] . (2) زيادة عن المخطوط، ويدل عليها سياق الطبري 4064 و «الدر المنثور» (1/ 436) . (3) تصحف في المطبوع إلى «الفرية» . (4) زيد في نسخ المطبوع.

[سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 216]

وَخُوِّفُوا، حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، مَا زَالَ الْبَلَاءُ بِهِمْ حَتَّى استبطؤوا النصر [من عند الله] [1] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ، قَرَأَ نَافِعٌ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بِالرَّفْعِ، مَعْنَاهُ: حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ، وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي يَلِي حَتَّى فِي مَعْنَى الْمَاضِيَ، وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ، فلك فيه وجهان [2] : الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَالنَّصْبُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ لِأَنَّ حَتَّى تَنْصِبُ الْفِعْلَ المستقبل، والرفع مَعْنَاهُ الْمَاضِي، وحَتَّى لَا تَعْمَلُ في الماضي. [سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 216] يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ، ع «218» نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا مَالٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَاذَا [3] نَتَصَدَّقُ وَعَلَى مَنْ نُنْفِقُ؟ فَأَنْزَلَ الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ. وَفِي قَوْلِهِ مَاذَا وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون محله نصبا لقوله: يُنْفِقُونَ، تَقْدِيرُهُ: أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ، والآخر: أن يكون رفعا ب ما وَمَعْنَاهُ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ، أَيْ: مِنْ مَالٍ، فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، يُجَازِيكُمْ بِهِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ فَنُسِخَتْ بِالزَّكَاةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْجِهَادُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: الْجِهَادُ تَطَوُّعٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [النِّسَاءِ: 95] ، وَلَوْ كَانَ الْقَاعِدُ تاركا فرضا لم يكن بعده الْحُسْنَى، وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ: الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. «219» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ الْخُوَارَزْمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ

_ 218- ع ضعيف. ذكره السيوطي في «أسباب النزول» 131 ونسبه لابن المنذر عن مقاتل بن حيان، وهذا معضل، ومقاتل ذو مناكير. وذكره الواحدي في «أسبابه» 128 من رواية أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ معلقا، وأبو صالح لم يسمع من ابن عباس. وعنه الكلبي وهو متروك متهم، والخبر لا يصح. [.....] 219- حديث صحيح. عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ من رجال مسلم، ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هشام، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته، والحديث أورده المصنف في «شرح السنة» (5/ 523) تعليقا وأخرجه مسلم 1910 وأبو داود 2502 والنسائي (6/ 8) ، وأحمد (2/ 374) والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 2/ 192) وأبو عوانة في «صحيحه» (5/ 84) والحاكم (2/ 79) وابن أبي عاصم في «الجهاد» 43 وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 60) والخطيب البغدادي في «الموضح» (2/ 443) والبيهقي في (1) زيادة من المخطوط. (2) في نسخ المطبوع «الوجهان» . (3) في المخطوط «لماذا» وفي «الوسيط» (1/ 318) «ماذا» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 217 الى 218]

إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ أُبَيٍّ الْفُرَاتِيُّ [1] ، [أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ] [2] ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عثمان العبدي عَنْ عُمَرَ [3] بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» . وَقَالَ قَوْمٌ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْجِهَادَ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ، مِثْلُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ اللَّهُ الْجِهَادَ عَلَى النَّاسِ غَزْوًا أو قعدوا، فَمَنْ غَزَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ قَعَدَ فَهُوَ عُدَّةٌ إِنِ اسْتُعِينَ بِهِ أَعَانَ وَإِنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ، وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ، أَيْ: شَاقٌّ عَلَيْكُمْ، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: هَذَا الْكُرْهُ مِنْ حَيْثُ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُؤْنَةِ الْمَالِ وَمَشَقَّةِ النَّفْسِ وَخَطَرِ الرُّوحِ، لَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، يَعْنِي: أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ ثُمَّ أَحَبُّوهُ، فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، لِأَنَّ فِي الْغَزْوِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا الظَّفَرُ وَالْغَنِيمَةُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً، يَعْنِي: الْقُعُودَ عَنِ الْغَزْوِ، وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ: لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، [سورة البقرة (2) : الآيات 217 الى 218] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ؟ سبب نزول هذه الآية: ع «220» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْتِ أَبِيهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ وَعُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ وَعُتَبَةَ بْنَ غَزَوَانَ السُّلَمِيَّ وَأَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عتبة بن ربيعة وسهيل ابن بَيْضَاءَ وَعَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ وَوَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ، وَكَتَبَ لِأَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَقَالَ لَهُ: «سِرْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَلَا تَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ، فَإِذَا نَزَلْتَ فَافْتَحِ الْكِتَابَ، وَاقْرَأْهُ عَلَى أَصْحَابِكَ، ثُمَّ امْضِ لِمَا أَمَرْتُكَ وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ» ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ نَزَلَ وَفَتَحَ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ بمن تبعك مِنْ أَصْحَابِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بَطْنَ [نَخْلَةَ] [4] فَتَرْصُدَ بِهَا عِيرَ قُرَيْشٍ لعلك تأتينا منه بخبر» ، فَلَمَّا نَظَرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ، وَقَالَ إِنَّهُ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ فَلْيَنْطَلِقْ [5] ، وَمِنْ كَرِهَ فَلْيَرْجِعْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أحد حتى كان

_ «الشعب» 4223 وفي «السنن» (9/ 48) من طرق عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المنكدر به. (1) وقع في الأصل «القرالي» والتصويب من «ط» و «الأنساب» (4/ 353) . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من بعض النسخ. (3) وقع في الأصل «عمرو» والتصويب من «ط» ومن مصادر التخريج. (4) في المطبوع «مكة» . (5) وقع في الأصل «فلينطق» وهو تصحيف والتصويب من سيرة ابن هشام. 220- ع هو في سيرة ابن هشام (2/ 184) بدون إسناد. وكذا ذكره الواحدي في أسباب النزول 131 نقلا عن المفسرين وانظر «تفسير الطبري» 4087 و «سنن البيهقي» (9/ 11- 12) .

بِمَعْدِنٍ فَوْقَ الْفَرْعِ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ بَحْرَانُ [1] ، أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا يَعْتَقِبَانِهِ فَتَخَلَّفَا فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى بِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلُوا بَطْنَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأَدَمًا [2] وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ الطَّائِفِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّانِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَابُوهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ذُعِرُوا مِنْكُمْ فَاحْلِقُوا رَأْسَ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَلِيَتَعَرَّضْ لهم، فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف [3] عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: قَوْمَ عَمَّارٍ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ فَأَمَّنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ جُمَادَى وَهُوَ مِنْ رَجَبٍ، فَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: [لَئِنْ] [4] تَرَكْتُمُوهُمُ اللَّيْلَةَ ليدخلن الحرم فليمتنعن مِنْكُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي مُوَاقَعَةِ [5] الْقَوْمِ فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّهْمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ فِي الْهِجْرَةِ، وَأَدَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى وَرَثَتِهِ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ سَنَتَيْنِ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ وَاسْتَأْسَرَ الْحَكَمَ وَعُثْمَانَ فَكَانَا أَوَّلَ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَفْلَتَ نَوْفَلٌ فَأَعْجَزَهُمْ وَاسْتَاقَ الْمُؤْمِنُونَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فسفك فيه الدماء وأخذ [فيه] [6] الْحَرَائِبَ، وَعَيَّرَ بِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ من كان بها مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الصُّبَاةِ اسْتَحْلَلْتُمُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَقَاتَلْتُمْ فيه وبلغ [ذَلِكَ] [7] رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِابْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ» ، وَوَقَفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ السرية وظنوا أن قَدْ هَلَكُوا وَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَتَلْنَا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ ثُمَّ أَمْسَيْنَا فَنَظَرْنَا إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ فَلَا نَدْرِي أَفِي رَجَبٍ أَصَبْنَاهُ أَمْ فِي جُمَادَى، وَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيرَ فَعَزَلَ مِنْهَا الْخُمْسَ فَكَانَ أَوَّلَ خُمْسٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ أصحاب السرية فكان أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسِيرَيْهِمْ، فقال: بل نقفهما [8] حتى يقدم سعد وعتبة [9] وَإِنْ لَمْ يَقْدَمَا قَتَلْنَاهُمَا بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَا فَادَاهُمَا، فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وَأَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا، وَأَمَّا نَوْفَلٌ فَضَرَبَ بَطْنَ فَرَسِهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِيَدْخُلَ الْخَنْدَقَ فَوَقَعَ فِي الْخَنْدَقِ مَعَ فَرَسِهِ فَتَحَطَّمَا جَمِيعًا، فَقَتَلَهُ الله [تعالى] فَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ جِيفَتَهُ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوهُ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ» ، فَهَذَا سَبَبُ نُزُولِ هذه الآية.

_ (1) وقع في الأصل «نجران» وهو تصحيف. (2) الأديم: الطعام المأدوم، والجلد، أو أحمره أو مدبوغه- وأدم الخبز: خلطه بالأدم. (3) في المطبوع وحده. «أشرفوا» . [.....] (4) في المطبوع «إن» . (5) في المطبوع «موافقة» . (6) زيادة من «أسباب النزول» للواحدي 131 وهو شيخ البغوي، وعنه أخذ البغوي الكثير. (7) زيادة من المخطوط و «أسباب النزول» 131. (8) في المطبوع «نبقيهما» وفي- ط «نقفهم» والمثبت عن «أسباب النزول» 131 (ص 72) . (9) تصحف في المطبوع إلى «عقبة» .

[سورة البقرة (2) : آية 219]

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ؟ يَعْنِي: رَجَبًا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ، قوله تعالى: قِتالٍ فِيهِ، أَيْ: عَنْ قِتَالٍ فِيهِ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ: عَظِيمٌ، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ، فَقَالَ: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وصدّكم الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَكُفْرٌ بِهِ، أَيْ: كُفْرُكُمْ بِاللَّهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي: بالمسجد الْحَرَامِ، وَقِيلَ: وَصَدُّكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ، أَيْ: إِخْرَاجُ أهل المسجد مِنْهُ أَكْبَرُ: أعظم وِزْرًا عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ، أَيِ: الشِّرْكُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، أي: أعظم مِنْ قَتْلِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ إِلَى مُؤْمِنِي مَكَّةَ: إِذَا عَيَّرَكُمُ الْمُشْرِكُونَ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَيِّرُوهُمْ أَنْتُمْ بِالْكُفْرِ وَإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ وَمَنْعِهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَلا يَزالُونَ، يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا مَصْدَرَ لَهُ مِثْلُ عَسَى، يُقاتِلُونَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى يَرُدُّوكُمْ: يَصْرِفُوكُمْ، عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ، جَزْمٌ بِالنَّسَقِ، وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ: بَطَلَتْ أَعْمالُهُمْ: حَسَنَاتُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، قَالَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نُؤْجَرُ عَلَى وَجْهِنَا هَذَا وَهَلْ نَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ سَفَرُنَا هَذَا غَزْوًا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا، فَارَقُوا عَشَائِرَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَجاهَدُوا، الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، [في] [1] طاعة الله فَجَعَلَهَا جِهَادًا، أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَلَى رَجَاءِ الرحمة، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 219] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ، الآية ع «221» نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ومعاذ بن جبل وَنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَإِنَّهُمَا مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمَالِ، فَأَنْزَلَ الله هذه الآية. ع «222» وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى مَا قَالَ [2] الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ آيات نزلت

_ 221- ع ذكره الواحدي في «أسبابه» 132 بهذا السياق بدون إسناد، وانظر ما يأتي. 222- ع هو منتزع من عدة أحاديث. الأول: أخرجه الطبري 4149 عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فتركوها، ثم نزلت: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل: 67- فشربوها ثم نزلت الآيتان في المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «قاله» .

بِمَكَّةَ، وَهِيَ: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً [النَّحْلِ: 67] ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا وَهِيَ لَهُمْ حَلَالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي مَسْأَلَةِ عُمْرَ وَمُعَاذِ بْنِ جبل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ [1] فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ» ، فَتَرَكَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: إِثْمٌ كَبِيرٌ، وَشَرِبَهَا أقوام لِقَوْلِهِ: وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، إِلَى أَنْ صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا وَسَكِرُوا وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَقَدَّمُوا بَعْضَهُمْ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ هَكَذَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ بِحَذْفِ لَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النِّسَاءِ: 43] ، فَحَرَّمَ السُّكْرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَهَا قَوْمٌ وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، وَتَرَكَهَا قَوْمٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَشَرِبُوهَا فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَيُصْبِحُ وَقَدْ زَالَ عَنْهُ السُّكْرُ، وَيَشْرَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَيَصْحُو إِذَا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَاتَّخَذَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ صَنِيعًا وَدَعَا رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ قَدْ شَوَى لَهُمْ رَأْسَ بَعِيرٍ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا الْخَمْرَ حَتَّى أَخَذَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَخَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَانْتَسَبُوا وَتَنَاشَدُوا الْأَشْعَارَ، فَأَنْشَدَ سَعْدٌ قَصِيدَةً فِيهَا هِجَاءٌ لِلْأَنْصَارِ، وَفَخْرٌ لِقَوْمِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لحى بعير فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ سَعْدٍ فَشَجَّهُ موضحة فانطلق به سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَا إِلَيْهِ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لنا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِلَى قَوْلِهِ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] ، وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِأَيَّامٍ، فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: انْتَهَيْنَا يَا رَبِّ. قَالَ أَنَسٌ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِلْعَرَبِ عَيْشٌ أَعْجَبَ مِنْهَا، وَمَا حرم عليهم شيء أَشَدَّ مِنَ الْخَمْرِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لمّا نزلت الآية التي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فخرجنا بالحباب [2] إلى الطريق فمنّا من كسر حبّه، وَمِنَّا مَنْ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَقَدْ غُودِرَتْ أَزِقَّةُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذلك حينا، كلما [3] مُطِرَتِ اسْتَبَانَ فِيهَا لَوْنُ الْخَمْرِ وفاحت منها ريحها. وعن أنس رضي الله عنه: سمّيت الخمر خَمْرًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدَعُونَهَا فِي الدِّنَانِ [4] حَتَّى تَخْتَمِرَ وَتَتَغَيَّرَ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى صفا صفوها [5] ورسب كدرها. 22» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف

_ الثاني: أخرجه الطبري 4154 عن الربيع قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: إن ربكم يقدم في تحريم الخمر. قال ثم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر» . قال: ثم نزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ [المائدة: 90- فحرمت الخمر عند ذلك. وورد من وجوه أخر يأتي في سورة [النساء: 43- و [المائدة: 90-. 223- إسناده على شرطهما، ابن عليّة، هو إسماعيل بن إبراهيم، وهو في صحيح البخاري 4617 عن يعقوب بن إبراهيم بهذا الإسناد. (1) كذا في نسخ المطبوع، وفي المخطوط «يقدم» . (2) الحب: الخابية- فارسي معرب. [.....] (3) في نسخ المطبوع «فلما» . (4) في المطبوع «الدندان» . (5) في المطبوع وحده «لونها» .

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ [1] قَالَ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: مَا كَانَ لَنَا خمر غير [هذا الذي تسمونه الفضيخ] [2] ، وَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فقال: [وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال:] [3] حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فَقَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا [4] عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خبر الرجل. واختلف العلماء فِي مَاهِيَّةِ الْخَمْرِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ أَوِ الرُّطَبِ الَّذِي اشْتَدَّ وَغَلًا مِنْ غَيْرِ عَمَلِ النَّارِ فِيهِ، وَاتَّفَقَتِ الْأَئِمَّةُ على أن هذه الخمر نجس يحدّ شاربها وَيَفْسُقُ، وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا، وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَتَعَدَّى هَذَا، وَلَا يَحْرُمُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غيرها كَالْمُتَّخَذِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ والعسل والفانيذ، إِلَّا أَنْ يُسْكَرَ مِنْهُ فَيَحْرُمُ، وَقَالُوا: إِذَا طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُهُ فَهُوَ حلال، لكنه يُكْرَهُ، وَإِنْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ قَالُوا: هُوَ حَلَالٌ مُبَاحٌ شُرْبُهُ، إِلَّا أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حرام، ويحتجّون بما رُوِيَ عَنْ [5] عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [أنه] [6] كتب إلى بعض عماله [و] أَنِ ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، وَرَأَى أَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلَى الثُّلُثِ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا طُبِخَ الْعَصِيرُ أَدْنَى طَبْخٍ صَارَ حَلَالًا وَهُوَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ أسكر كثيره فهو خمر وقليله حَرَامٌ يُحَدُّ شَارِبُهُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا: «224» أخبرنا أبو الحسن السرخسي [حدثنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ] [7] أَخْبَرَنَا أَبُو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو

_ - وأخرجه مسلم (1980) ح 4 من طريق ابن علية به. - وأخرجه البخاري (5580 و5583 و5584) ومسلم (1980) وأبو داود 1673 والنسائي (8/ 287) والحميدي 1210 وأحمد (3/ 217 و227) وعبد الرزاق 16970 والطحاوي في «المعاني» (4/ 214) . وأبو يعلى (3008) والبيهقي (8/ 286) و290 من طرق من حديث أنس. (1) وقع في الأصل «سهيب» والتصويب من كتب التراجم وكتب التخريج. (2) ما بين المعقوفتين زيادة عن صحيح البخاري ومسلم. - والفضيخ: شراب يتخذ من البسر. (3) ما بين المعقوفتين زيادة عن صحيح البخاري ومسلم. (4) وقع في الأصل «سألوها» والتصويب عن صحيح البخاري. (5) في المطبوع «أن» . (6) سقط من المطبوع. (7) سقط من المطبوع. 224- إسناده صحيح رجاله رجال البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هو ابن عوف. وهو في «شرح السنة» 2902 بهذا الإسناد. وفي «الموطأ» (2/ 845) عن ابن شهاب بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 5585 ومسلم (2001) ح 67 وأبو داود 3682 والترمذي 1863 والنسائي (8/ 298) وأحمد (6/ 190) والدارمي (2/ 113) وابن حبان 5345 والدارقطني (4/ 251) والطحاوي (4/ 216) والبيهقي (8/ 291) . - وأخرجه البخاري (242 و5586) ومسلم (2001) ح 69 وأبو داود 3682 والنسائي (8/ 297) وابن ماجه 3386 والطيالسي 1478 وعبد الرزاق 17002 والشافعي (2/ 92) وأحمد (6/ 36 و96 و225) وابن أبي شيبة (8/ 100-

مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ [1] ، فَقَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» . «225» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [2] مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . «226» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ القاهر [3] الجرجاني أبا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ [4] ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ [خمر وكل خمر] [5] حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدنيا فمات وهو يدمنها [و] لم يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ» . «227» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف أنا

_ 101) . وابن الجارود 855 والدارقطني (4/ 251) والطحاوي (4/ 216) والبيهقي (1/ 8) و (8/ 291) و (293) والبغوي 3003 من طرق عن الزهري بهذا الإسناد. 225- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل داود بن أبي الفرات، ولم ينفرد به، وباقي الإسناد رجاله ثقات. وهو في «شرح السنة» 2904 بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 3681 والترمذي 1865 وابن ماجه 3393 وأحمد (3/ 343) وابن الجارود 860 والطحاوي (4/ 217) والبيهقي (8/ 296) من طرق عن داود بن بكر بهذا الإسناد وتابعه موسى بن عقبة عند ابن حبان 5382، ورجاله ثقات إلى موسى، وموسى من رجال الشيخين، وللحديث شواهد. [.....] (1) البتع: نبيذ العسل، وكان أهل اليمن يشربونه. (2) زيد في الأصل «بن» بين «عبد الله» و «محمد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (3) وقع في الأصل «عبد القادر» والتصويب عن «شرح السنة» وبعض النسخ. (4) زيد في الأصل «أبي» بين «بن» و «سفيان» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . (5) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . 226- إسناده على شرطهما، مسلم هو صاحب الصحيح، ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو الربيع هو سليمان بن داود العتكي الزّهراني. أيوب هو ابن أبي تميمة السختياني. وهو في «شرح السنة» 2907 بهذا الإسناد وصدره «كل مسكر حرام ... » وعند مسلم 2003 بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 3679 والترمذي 1861 والنسائي (8/ 296 و297) وأحمد في «الأشربة» 26 وابن حبان 5366 والطحاوي (4/ 216) والدارقطني (4/ 248) والبيهقي (8/ 288) والبغوي 3013 من طرق عن حماد بن زيد به. 227- إسناده صحيح على شرطهما، أبو رجاء اسمه عبد الله بن يونس، يحيى هو ابن سعيد بن فروخ القطان، وأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان التيمي، الشعبي هو عامر بن شراحيل. وهو في «شرح السنة» 2905 بهذا الإسناد. وهو عند البخاري 5588 عن أحمد بن أبي رجاء بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (5581 و5589 و7337) ومسلم 3032 وأبو داود 3669 والترمذي 1874 والنسائي (8/ 295) وعبد الرزاق 17049 وابن أبي شيبة (8/ 106) وأحمد في «الأشربة» 185 وابن الجارود 852 والطحاوي (4/ 213

مُحَمَّدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ أبي رجاء أنا يحيى عن أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وهي من خمسة أشياء: الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، والخمر: ما خامر العقل. ع «228» وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْبُرِّ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا» . فَثَبَتَ أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَخْتَصُّ بِمَا يُتَّخَذُ مِنَ الْعِنَبِ أَوِ الرُّطَبِ. «229» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ من فلان ريح خمر أو شَرَابٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ [1] ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ! فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ، فَجَلَدَهُ عُمْرُ الْحَدَّ تَامًّا. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ فِي الطِّلَاءِ فَهُوَ فِيمَا طُبِخَ حَتَّى خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا، سئل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَاذِقِ، فَقَالَ: سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ، فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمَيْسِرِ، يَعْنِي: الْقِمَارَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُخَاطِرُ الرَّجُلَ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَأَيُّهُمَا قَمَرَ صَاحِبَهُ ذَهَبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ [2] . وَالْمَيْسِرُ: مَفْعِلٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَسَرَ لِي الشَّيْءُ إِذَا وَجَبَ يَيْسِرُ يَسْرًا وَمَيْسِرًا، ثُمَّ قِيلَ لِلْقِمَارِ: مَيْسِرٌ، وَلِلْمُقَامِرِ: يَاسِرٌ وَيَسِرٌ، وَكَانَ أَصْلُ الْمَيْسِرِ فِي الْجَزُورِ، وَذَلِكَ

_ وابن حبان (5353 و5358 و5359 و5388) والدارقطني (4/ 248 و252) والبيهقي (8/ 288) و (289) من طرق عن نافع به. 228- ع صحيح. أخرجه أبو داود 3676 والترمذي 1872 وابن ماجه 3379 وابن أبي شيبة (8/ 113) وأحمد (4/ 267) و (273) وفي «الأشربة» 72 والطحاوي (4/ 213) والحاكم (4/ 148) والدارقطني (4/ 253) والبيهقي (8/ 289) من طرق عن عامر الشعبي به. وهو حديث صحيح لمجيئه عن الشعبي من طرق، والشعبي ثقة ثبت روى له الشيخان، واسمه عامر بن شراحيل. - وأخرجه أبو داود 3677 وابن حبان 5398 والدارقطني (4/ 252- 253) والبيهقي (8/ 289) من حديث النعمان بنحوه. (1) الطلاء: الخمر- وهو الشراب المطبوخ من عصير العنب حتى يغلظ. 229- إسناده صحيح على شرطهما، أبو إسحق فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، السائب بن يزيد صحابي صغير. وأخرجه مالك (2/ 842) من طريق ابن شهاب بهذا الإسناد. وصحح إسناده ابن حجر في «الفتح» (10/ 65) . وعلقه البخاري في «صحيحه» كتاب الأشربة (74) باب (10) فقال: «وقال عمر: وجدت من عبيد الله ريح شراب، وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته» . - وذكره المصنف في «شرح السنة» (6/ 116) عن السائب بن يزيد بدون إسناد. (2) موقوف صحيح. أخرجه البخاري 5598 عن ابن عباس به. وقال الحافظ في «الفتح» (10/ 65- 66) : قال المهلب: أي سبق محمد بتحريم الخمر تسميتهم لها الباذق، قال ابن بطال: يعني بقوله «كل مسكر حرام» والباذق شراب العسل، ويحتمل أن يكون المعنى سبق حكم محمد بتحريم الخمر تسميتهم لها بغير اسمها، وليس تغيير للاسم بمحلل له إذا كان يسكر. قال: وكأن ابن عباس فهم من السائل أنه يرى أن الباذق حلال، فحسم مادته، وقطع رجاءه وباعد منه أصله، وأخبره أن المسكر حرام ولا عبر بالتسمية. قال ابن التين: يعني أن الباذق لم يكن في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

أَنَّ أَهْلَ الثَّرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَشْتَرُونَ جَزُورًا فَيَنْحَرُونَهَا وَيُجَزِّئُونَهَا عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ يُسْهِمُونَ عَلَيْهَا بعشرة أقداح يقال لها الأزلام والأقلام السبعة، مِنْهَا أَنْصِبَاءُ وَهِيَ الْفَذُّ، وَلَهُ نَصِيبٌ وَاحِدٌ، وَالتَّوْأَمُ وَلَهُ نَصِيبَانِ، وَالرَّقِيبُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَالْحِلْسُ وَلَهُ أَرْبَعَةٌ، وَالنَّافِسُ وَلَهُ خَمْسَةٌ، وَالْمُسْبِلُ وَلَهُ سِتَّةٌ، وَالْمُعَلَّى وَلَهُ سَبْعَةٌ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا لَا أَنْصِبَاءَ لَهَا وَهِيَ: الْمَنِيحُ وَالسَّفِيحُ وَالْوَغْدُ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الْقِدَاحَ فِي خَرِيطَةٍ تسمّى الريابة [1] وَيَضَعُونَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ عَدْلٍ عندهم يسمى المحيل والمفيض، ثم يحيلها وَيُخْرِجُ قَدَحًا مِنْهَا بِاسْمِ رَجُلٍ منهم، فأيّهم خرج اسمه أَخَذَ نَصِيبَهُ عَلَى قَدْرِ مَا خرج، فَإِنْ خَرَجَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ هذه الثَّلَاثَةِ الَّتِي لَا أَنْصِبَاءَ لَهَا كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا، وَيَغْرَمُ ثَمَنَ الْجَزُورِ كُلَّهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَلَا يَغْرَمُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْقَدَحُ لَغْوًا ثُمَّ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ الْجَزُورَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانُوا يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ [2] وَيَذُمُّونَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَيُسَمُّونَهُ الْبَرَمَ، وَهُوَ أَصْلُ الْقِمَارِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أنواع القمار كلّها، قال طاوس وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ وَالْكِعَابِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ أَنَّهُمَا مِنَ الميسر، قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ: وِزْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَقَوْلِ الْفُحْشِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ إِثْمٌ كَبِيرٌ، بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ، فَالْإِثْمُ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) ؟ [الْمَائِدَةِ: 91] ، وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، فَمَنْفَعَةُ الْخَمْرِ اللَّذَّةُ عِنْدَ شُرْبِهَا وَالْفَرَحُ وَاسْتِمْرَاءُ الطَّعَامِ، وَمَا يُصِيبُونَ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَمَنْفَعَةُ الْمَيْسِرِ إِصَابَةُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا تَعَبٍ، وَارْتِفَاقُ الْفُقَرَاءِ بِهِ، وَالْإِثْمُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ مَالُهُ مِنْ [3] غَيْرِ عِوَضٍ سَاءَهُ ذَلِكَ فَعَادَى صَاحِبَهُ فَقَصَدَهُ بِالسُّوءِ، وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِثْمُهُمَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ، [وَقِيلَ: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ التحريم] [4] ، هو ما يحصل به مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالُوا: مَاذَا نُنْفِقُ؟ فَقَالَ: قُلِ الْعَفْوَ، قَرَأَ أبو عمرو [والحسن وقتادة وابن أبي إسحاق الْعَفْوَ] [5] بِالرَّفْعِ، مَعْنَاهُ: الَّذِي يُنْفِقُونَ هُوَ الْعَفْوُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى، قُلْ: أَنْفِقُوا الْعَفْوَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْعَفْوِ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَكْتَسِبُونَ الْمَالَ وَيُمْسِكُونَ قَدْرَ النَّفَقَةِ وَيَتَصَدَّقُونَ بِالْفَضْلِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ الزَّكَاةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ التَّصَدُّقُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى حَتَّى لَا يَبْقَى كَلًّا عَلَى النَّاسِ. «230» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ محمد بن محمش

_ 230- إسناده صحيح. إبراهيم الكوفي فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، وكيع هو ابن الجراح، والأعمش هو سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان. وهو في «شرح السنة» 1668 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5355 وأحمد (2/ 476 و524) والبيهقي (7/ 466 و471) من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1426 و5356 والنسائي (5/ 69) وأحمد (2/ 278 و402) وابن حبان (3363 و4242) والبيهقي (4/ 180 و470) من طرق من حديث أبي هريرة. (1) كذا في المطبوع، وفي- ط «الرّبابة» وفي المخطوط «الريانة» . [.....] (2) في المطبوع «بذاك» . (3) في المطبوع «عن» . (4) زيادة عن المخطوط، ونسخة- ط. (5) سقط من المخطوط وط.

[سورة البقرة (2) : آية 220]

الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْكُوفِيُّ أَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: 67] ، وقال طاوس: مَا يَسُرَ، وَالْعَفْوُ الْيُسْرُ [1] مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: خُذِ الْعَفْوَ [الْأَعْرَافِ: 199] ، أَيِ: الْمَيْسُورَ [2] مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. «231» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ [بْنُ] [3] أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ [4] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ» ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ» ، قَالَ: عِنْدِي آخر، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ» ، قَالَ: عِنْدِي آخر، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ» ، قَالَ: عِنْدِي آخر، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا قَالَ كَذَلِكَ عَلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ يُخَاطِبُ جَمَاعَةً، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَعْنَاهَا الْقَبِيلُ، كَأَنَّهُ قَالَ: كَذَلِكَ أَيُّهَا الْقَبِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّ خِطَابَهُ [5] يَشْتَمِلُ عَلَى خِطَابِ الْأُمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطَّلَاقِ: 1] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 220] فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدنيا والآخرة [6] ، فتحسبون مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يُصْلِحُكُمْ فِي مَعَاشِ الدُّنْيَا، وَتُنْفِقُونَ الْبَاقِيَ فِيمَا يَنْفَعُكُمْ فِي الْعُقْبَى، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مَعْنَاهَا: هَكَذَا يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا والآخرة لعلكم تتفكرون

_ 231- إسناده حسن، محمد بن عجلان، صدوق حسن الحديث، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، وشيخه روى له الشيخان، سفيان هو ابن عيينة. هو في «شرح السنة» 1679 بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 1691 والشافعي (2/ 63- 64) وابن حبان 4233 والحاكم (1/ 415) والبيهقي (7/ 466) من طرق عن سفيان بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه النسائي (5/ 62) وأحمد (2/ 251 و471) وابن حبان 3337 والطبري 4170 والبغوي 1680 من طرق عن ابن عجلان به. (1) في المخطوط «اليسير» . (2) في المخطوط «اليسر» . (3) زيادة عن «شرح السنة» ، وكتب التراجم. (4) وقع في الأصل «سعد» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (5) في المطبوع وحده «فإنه خطابه» . (6) تكرر في المطبوع هاهنا جملة ذكرت في أول تفسير «في الدنيا والآخرة» .

[سورة البقرة (2) : آية 221]

وَقِيلَ مَعْنَاهُ يُبَيَّنُ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا فَتَزْهَدُوا فِيهَا، وَفِي إِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا فَتَرْغَبُوا فِيهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْأَنْعَامِ: 152] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] الآية، تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ [1] أَمْوَالِ الْيَتَامَى تَحَرُّجًا شَدِيدًا حَتَّى عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى عَنْ أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى كَانَ يُصْنَعُ لِلْيَتِيمِ طَعَامٌ [فَيَفْضَلُ] [2] مِنْهُ شَيْءٌ فَيَتْرُكُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ حَتَّى يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَأَلُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، أَيِ: الْإِصْلَاحُ لِأَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا أَخْذِ عَوِضٍ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ أَجْرًا [لِمَا لَكُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ، وَخَيْرٌ لَهُمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَفُّرِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ] [3] ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُوَسِّعُ عليه مِنْ طَعَامِ نَفْسِهِ وَلَا يُوَسِّعُ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ. وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ، هذه إباحة المخالطة، أي: إن تُشَارِكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَخْلِطُوهَا بِأَمْوَالِكُمْ فِي [4] نَفَقَاتِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ [5] وَخَدَمِكُمْ وَدَوَابِّكُمْ، فَتُصِيبُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِوَضًا عَنْ [6] قيامكم بأمورهم أو تكافئوهم عَلَى مَا تُصِيبُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَإِخْوانُكُمْ، أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَالْإِخْوَانُ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ من مال [7] بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ [8] وَالرِّضَا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ: لِأَمْوَالِهِمْ مِنَ الْمُصْلِحِ: لَهَا، يَعْنِي: الَّذِي يَقْصِدُ بِالْمُخَالَطَةِ الْخِيَانَةَ وَإِفْسَادَ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ الَّذِي يَقْصِدُ الْإِصْلَاحَ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أَيْ: لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مَوْبِقًا لَكُمْ، وَأَصْلُ الْعَنَتِ: الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ، وَمَعْنَاهُ: كَلَّفَكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ، [أي: عزيز في سلطانه وقدرته على الإعنات، وقيل] [9] : العزيز الَّذِي يَأْمُرُ بِعِزَّةٍ، سَهَّلَ عَلَى الْعِبَادِ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، حَكِيمٌ فِيمَا صَنَعَ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَتَرْكِ الإعنات. [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: ع «232» أن أبا مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ- وقال مقاتل: هو أبو مرثد الغنوي، وقال عطاء: أبو مرثد كناز بن الحصين، وكان شجاعا- بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنْهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِرًّا، فَلَمَّا قَدِمَهَا سَمِعَتْ بِهِ امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ يُقَالُ لَهَا عِنَاقُ، وَكَانَتْ خَلِيلَتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَتَتْهُ وَقَالَتْ: يَا أَبَا مَرْثَدٍ أَلَا تَخْلُو، فقال

_ 232- ع هذا مرسل. تقدم إسناد المصنف في المقدمة إلى كلّ من مقاتل وعطاء، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 137 عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عن ابن عباس معلقا. والكلبي متروك متهم. - وأخرجه الواحدي 135 وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر» (1/ 458 عن مقاتل بن حيان مختصرا. (1) المخطوط «عن» . (2) زيادة من المخطوط وط. [.....] (3) سقط من المخطوط. (4) في المخطوط «و» بدل «في» . (5) في المخطوط «ومساكنتكم» . (6) في المخطوط وط «من» . (7) في نسخ المطبوع «أموال» . (8) في المخطوط «الصلاح» . (9) سقط من المخطوط ونسخة- ط.

لَهَا: وَيْحَكِ يَا عَنَاقُ إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذلك، فقالت: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ أَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَأْمِرُهُ، فَقَالَتْ: أَبِي تَتَبَرَّمُ؟ ثُمَّ اسْتَغَاثَتْ [1] عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ بِمَكَّةَ وَانْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ عَنَاقَ وَمَا لَقِيَ بسببها، فقال: يا رسول الله أتحل لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. وَقِيلَ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ فِي حق الكتابيات لقوله تَعَالَى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة: 5] ، [وبخبر رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وبإجماع الأمة. ع «233» روى الحسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا» ] [2] . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَطْلَقْتُمُ اسْمَ الشرك على من لم يُنْكِرُ إِلَّا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ: لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ كَلَامُ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ الْوَثَنِيَّاتِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ تَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ فُرَافِصَةَ [3] وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ تَحْتَهُ، وَتَزَوَّجَ طَلْحَةُ بن عبيد اللَّهِ نَصْرَانِيَّةً، وَتَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ يَهُودِيَّةً. [فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ؟ فَقَالَ: لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ وَلَكِنِّي أَخَافُ أن تتعاطوا المومسات [4] منهن] [5] ، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ: بِجِمَالِهَا وَمَالِهَا، نَزَلَتْ فِي خَنْسَاءَ وَلِيدَةٍ سَوْدَاءَ كَانَتْ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا خَنْسَاءُ قَدْ ذُكِرْتِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى عَلَى سَوَادِكِ وَدَمَامَتِكِ فأعتقها وتزوّجها. ع «234» [و] قال السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءَ فَغَضِبَ عَلَيْهَا وَلَطَمَهَا، ثُمَّ فَزِعَ [6] فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فأخبره بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا هِيَ يَا عبد الله» ؟ فقال: هِيَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَتُصَلِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ» ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأُعْتِقَنَّهَا ولأتزوجنّها، ففعل فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: أَتَنْكِحُ أَمَةً؟ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ حُرَّةً مُشْرِكَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، هَذَا إِجْمَاعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكِحَ الْمُشْرِكَ، وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أَيْ: إِلَى الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ للنار، وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ، أَيْ: بقضائه وقدره وَإِرَادَتِهِ، وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، أَيْ: أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيهِ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، يَتَّعِظُونَ.

_ 233- ع ضعيف. أخرجه الطبري 4227 من طريق شريك بن عبد الله القاضي عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ الحسن عن جابر مرفوعا، وإسناده ضعيف، له علتان: الحسن لم يسمع من جابر قاله أبو حاتم الرازي وغيره كما في «المراسيل» فهذه علة، والثانية ضعف أشعث بن سوار. فالخبر ضعيف وإن كان معناه صحيحا. 234- ع هذا مرسل، وإسناد المصنف إلى السدي تقدم في أول الكتاب. وأخرجه الطبري 4228 عن السدي به، وهو ضعيف لإرساله، وورد موصولا عن ابن عباس. وأخرجه الواحدي في «أسباب النزول» 136 وفيه أبو مالك، واسمه غزوان، وهو ثقة، وعنه السدي، وهو صدوق يهم، وضعّفه بعضهم. وفيه أسباط بن نصر، وهو صدوق إلا أنه كثير الخطأ. (1) في المطبوع وحده «استعانت» . (2) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط وط. (3) تحرّف في المطبوع إلى «فراقصة» . (4) تصحف في المطبوع إلى «المؤمنات» . (5) سقط من المخطوط. [.....] (6) في النسخ «خرج» وفي المخطوط «فرغ» والمثبت عن «أسباب النزول» 136 والطبري 4228.

[سورة البقرة (2) : آية 222]

[سورة البقرة (2) : آية 222] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، «235» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاشَانِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد بن عمر اللُّؤْلُؤِيُّ [1] أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، أَنَا مُوسَى بن إسماعيل أنا حماد هو ابن سَلَمَةَ أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ [2] إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمُ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ الْآيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» ، فقالت اليهود: وما يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بشير إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ فَتَمَعَّرَ [3] وَجْهُ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ [حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [4] ، فَبَعَثَ في آثارهما فسقاهما فعرفنا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. قَوْلُهُ تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، أَيْ: عَنِ الْحَيْضِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، كَالسَّيْرِ وَالْمَسِيرِ، وَأَصْلُ الْحَيْضِ الِانْفِجَارُ وَالسَّيَلَانُ، وَقَوْلُهُ: قُلْ هُوَ أَذىً، أَيْ: قَذَرٌ، وَالْأَذَى كُلُّ مَا يُكْرَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ، أراد بالاعتزال ترك الوطء [لهن] ، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ، أَيْ: لَا تُجَامِعُوهُنَّ، أما الملامسة والمضاجعة معها فجائز. «236» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف أنا

_ 235- إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو داود هو صاحب السنن، ثابت البناني هو ابن أسلم. - وهو في «شرح السنة» بإثر 315 بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود (258 و2165) عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 302 والترمذي 2977 والنسائي (1/ 152 و187) وابن ماجه 644 والطيالسي 2052 وأحمد (3/ 31 و246) والدارمي (1/ 245) وأبو عوانة في «صحيحه» (1/ 311) وابن حبان 1362 والبيهقي (1/ 313) من طرق عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد. 236- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، قبيصة هو ابن عقبة السّوائي الكوفي، وسفيان هو ابن سعيد الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس أبو عمران النخعي، والأسود هو ابن يزيد النخعي، وهذا إسناد كوفي جليل. هو في «شرح السنة» 318 بهذا الإسناد. وهو عند البخاري (299- 301) عن قبيصة بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 293 وأبو داود 268 والترمذي 132 والنسائي (1/ 189) وابن ماجه 636 وعبد الرزاق 1237 (1) وقع في الأصل «اللولوي» . (2) في المطبوع وحده «كانوا» . (3) في المطبوع «فتغير» . (4) سقط من المخطوط.

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا قَبِيصَةُ، أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كلانا جنب، وكان يأمرني فأتّزر [1] فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. «237» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، أَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أبي سلمة حدثته: أن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمِيلَةِ [2] فَانْسَلَلْتُ فخرجت منها [3] فأخذت ثياب حيضتي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَفِسْتِ» ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ الخميلة. «238» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ [4] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ [5] أَنَا أَبُو الْحَارِثِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِيُّ أنا [أبو] [6]

_ والطيالسي 1375 وابن أبي شيبة (4/ 254) وأحمد (6/ 55) و (134 و189 و209) وأبو عوانة (1/ 308) و (309) والدارمي (1/ 242) وابن حبان 1364 وابن الجارود 106 والبيهقي (1/ 310) والبغوي 317 من طرق عن منصور بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 302 ومسلم 293 والنسائي (1/ 151 و189) وابن ماجه 635 وابن أبي شيبة (4/ 254) وأحمد (6/ 170 و174 و206) والدارمي (1/ 422) والحاكم (1/ 172) والبيهقي (1/ 310) من طرق من حديث عائشة بعضهم اقتصر على ذكر المباشرة وبعضهم اقتصر على ذكر الاغتسال. 237- إسناده صحيح على شرط البخاري، شيبان هو ابن عبد الرحمن التميمي النحوي، ويحيى هو ابن أبي كثير الطائي، واسم أبيه: صالح بن المتوكل، وقيل: يسار، وقيل: نشيط، وقيل: دينار وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. هو في «شرح السنة» 3170 بهذا الإسناد. - وهو عند البخاري 322 عن سعد بن حفص بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 298 و323 و1929 ومسلم 296 والنسائي (1/ 149- 188) وأحمد (6/ 300) والدارمي (1/ 243) وأبو عوانة (1/ 310) وابن حبان 1363 والبيهقي (1/ 311) والبغوي في «شرح السنة» 316 من طرق عن أبي سلمة بهذا الإسناد. - وأخرجه عبد الرزاق 1235 وأحمد (6/ 294) والدارمي (1/ 243) وابن ماجه 637 عن أبي سلمة عن أم سلمة به. 238- إسناده صحيح، صدقة هو ابن الفضل المروزي روى له البخاري، وكيع هو ابن الجراح، ومسعر هو ابن كدام، وسفيان هو ابن سعيد الثوري، وشريح هو ابن هانئ. - هو في «شرح السنة» 322 بهذا الإسناد، وتصحف فيه «المقدام» وإلى «المقداد» . - وأخرجه مسلم 300 والنسائي (1/ 149) وأحمد (6/ 192 و210) وابن خزيمة 110 وابن حبان 1293 من طرق عن وكيع بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو عوانة (1/ 311) وابن خزيمة 110 وابن حبان 1360 من طرق عن مسعر بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 259 والنسائي (1/ 190) وابن ماجه 643 وعبد الرزاق (388 و1253) والطيالسي 1514 وأحمد (6/ 62 و214) والدارمي (1/ 246) من طرق عن المقدام به. (1) في المطبوع «أن أتزر» . (2) الخميلة: ثوب من صوف له خمل. (3) في المطبوع «منه» . (4) زيد في الأصل «بن» بين «القاسم» و «عبد الله» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . [.....] (5) وقع في الأصل «الحنفي» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . (6) ما بين المعقوفتين زيادة من «ط» و «شرح السنة» .

مُحَمَّدُ [1] الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ [2] ، أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، أَنَا صَدَقَةُ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كنت أشرب وأنا حائض وأناوله لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِي وَأَتَعَرَّقُ الْعَرَقَ [3] فَيَتَنَاوَلُهُ فَيَضَعُ فَاهُ فِي مَوْضِعِ فِي. فَوَطْءُ الْحَائِضِ حَرَامٌ وَمَنْ فَعَلَهُ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُعَزِّرُهُ [4] الْإِمَامُ إِنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، لِمَا: «239» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا

_ (1) زيد في الأصل «بن» بين «محمد» و «الحسن» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» (4/ 198) . (2) وقع في الأصل «حكيم» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» (4/ 198) . (3) العرق: العظم الذي أخذ منه معظم اللحم، وبقي منه قليل يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك. (4) وقع في الأصل «يعززه» وهو تصحيف. 239- غير قوي. إسناده ضعيف لضعف عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ، وفيه أيضا أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن أبي عيسى، وأبو عيسى اسمه ماهان. قال ابن معين: ثقة، وقال أحمد والنسائي: ليس بالقوي وقال الفلاس: سيّئ الحفظ، وكلاهما قد توبع، لكن من تابعهما لا يحتج به. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» 316 بهذا الإسناد. - وأخرجه الدارمي (1/ 255) وأبو يعلى 3432 والدارقطني (3/ 287) والبيهقي (1/ 317) من طرق عن أبي جعفر الرازي به. - وأخرجه أحمد (1/ 367) والبيهقي (1/ 316) والدارقطني (3/ 387) وابن ماجه 650 من طرق عن عبد الكريم به. - وأخرجه أبو داود (264 و2168) والنسائي (1/ 153) وابن ماجه 640 والدارمي (1/ 254) والحاكم (1/ 171- 172) وأحمد (1/ 229- 230) من طرق عن عبد الحميد عن مقسم به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه أبو داود 266 والترمذي 136 وأحمد (1/ 272) والدارمي (1/ 254) والبيهقي (1/ 316) من طرق عن مقسم به. - وأخرجه الدارمي (1/ 254 و255) والبيهقي (1/ 315) و (316) عن ابن عباس موقوفا. قال الحافظ في «التخليص» (1/ 165) بعد أن ذكر طرقه: وله طرق في السنن غير هذه، لكن شك شعبة في رفعه عن الحكم عن عبد الحميد. وأما الروايات المتقدمة كلها فمدارها على عبد الكريم بن أبي أمية، وهو مجمع على تركه، إلا أنه توبع في بعضها من جهة خصيف، ومن جهة علي بن بذيمة، وفيهما مقال، وأعلت الطرق كلها بالاضطراب وقد صححه الحاكم وابن القطان وابن دقيق العيد. وأما تضعيف ابن حزم لمقسم، فقد نوزع فيه، قال فيه أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» : سألت أبي عنه فقال: اختلف الرواة فيه فمنهم من يوقفه ومنهم من يسنده وقال الشافعي في «أحكام القرآن» لو كان هذا الحديث ثابتا لأخذنا به. انتهى. والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جدا وقد أمعن ابن القطان القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن طرف الطعن فيه بما يراجع منه. وأقرّ ابن دقيق العيد تصحيح ابن القطان. وقوّاه في «الإمام» وهو الصواب. فكم من حديث احتجوا به فيه من الاختلاف أكثر مما في هذا كحديث بئر بضاعة، وحديث القلتين ونحوهما، وفي ذلك ما يرد على النووي في دعواه في «شرح المهذب» و «التنقيح» و «الخلاصة» أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه وأن الحق أنه ضعيف باتفاقهم، وتبع النوويّ في بعض ذلك ابن الصلاح، والله أعلم اهـ. باختصار.

عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فِي رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ: «إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَنِصْفُ دِينَارٍ» ، وَيُرْوَى هَذَا موقوفا على ابْنِ عَبَّاسٍ. وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَوُجُوبَهَا، وَيَمْنَعُ جَوَازَ الصَّوْمِ وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ ولا يجب [عليها] [1] قَضَاءُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ. «240» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ [بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو] [2] مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بن معتّب الضبي أبو عبد الكريم [3] عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. وَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَلَا الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا. «241» أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ [4] ، أَنَا أَبُو داود أنا مسدد

_ الخلاصة: هو حديث مختلف فيه ما بين مصحح له ومضعف، وما بين مرجح للوقف فيه على ابن عباس، والله أعلم. 240- إسناده صحيح، إبراهيم هو ابن يزيد النخعي، والأسود هو ابن يزيد النخعي. - وهو في «شرح السنة» 324 بهذا الإسناد. - وفي «سنن الترمذي» 787 عن علي بن حجر بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (335/ ح 69) وعبد الرزاق 1277 وأبو عوانة (1/ 324) والبيهقي (1/ 308) من طريق معمر عن عاصم الأحول عن معاذة قالت: سألت عائشة.... - وأخرجه البخاري 321 ومسلم 335 وأبو داود 262 و263 والترمذي 130 والنسائي (1/ 191) وابن ماجه 631 وعبد الرزاق 1278 وابن أبي شيبة (2/ 339) و (340) والطيالسي 1570 وأحمد (6/ 94) و120 و143 وأبو عوانة 1/ 1/ 324 و325 وابن حبان 1349 والدارمي 1/ 223 و224 والبيهقي (1/ 308) من طرق عن معاذة عن عائشة به. (1) زيادة من المخطوط. (2) وقع في الأصل «سعيد عن عبيدة بن أبي محمد» والتصويب من «ط» و «ف» و «شرح السنة» . (3) وقع في الأصل «مسهر بن إسماعيل الضبي، أن معقب الضبي عن عبد الكريم» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» و «سنن الترمذي» وكتب التراجم. (4) في الأصل «اللولوي» . 241- يشبه الحسن، إسناده لين لأجل جسرة بن دجاجة، فإنها مقبولة، كما في التقريب، وأفلت بن خليفة، ويقال: فليت. بدل «أفلت» . وهو صدوق، وقد توبع هو ومن دونه. وهو في سنن أبي داود 232 عن مسدد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري في «تاريخه» (2/ 76) والبيهقي في «السنن» (2/ 442) و (443) . - وورد من حديث أم سلمة أخرجه ابن ماجه 645 وابن أبي حاتم في «العلل» 269 كلاهما عن محدوج الذهلي عن جسرة عن أم سلمة، وإسناده واه فيه محدوج الذهلي لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول كما في زوائد البوصيري. - ومداره على جسرة أيضا. قال الحافظ في «التقريب» جسرة بنت دجاجة مقبولة، ويقال: لها إدراكا. أي صحبة. - وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (1/ 140) ما ملخصه: رواه أبو داود عن جسرة عن عائشة وابن ماجه عن جسرة عن أم سلمة، وقال أبو زرعة: الصحيح عن جسرة عن عائشة. قال ابن حجر: وقد ضعف بعضهم هذا الحديث بأن [.....]

أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ أَنَا أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى يَطْهُرْنَ، قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بتشديد الطاء والهاء، يعني [1] : يَغْتَسِلْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الطَّاءِ وضم الهاء مخففا، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى يَطْهُرْنَ مِنَ الْحَيْضِ ولينقطع دَمُهُنَّ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ، يَعْنِي: اغْتَسَلْنَ، فَأْتُوهُنَّ، أَيْ: فَجَامِعُوهُنَّ، مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ مِنْهُ وَهُوَ الْفَرْجُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَئُوهُنَّ فِي الْفَرْجِ وَلَا تَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَيِ: اتَّقُوا الْأَدْبَارَ، وَقِيلَ: مِنْ حيث بمعنى فِي حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى وهو الفرج كقوله عزّ وجلّ: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الْجُمُعَةِ: 9] ، أَيْ: فِي يَوْمِ الجمعة، وقيل: فأتوهن من الْوَجْهَ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تأتوهن [فيه] وَهُوَ الطُّهْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: مِنْ قِبَلِ الْحَلَالِ دُونَ الْفُجُورِ، وَقِيلَ: لَا تَأْتُوهُنَّ صَائِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ، وَأْتُوهُنَّ وَغِشْيَانُهُنَّ لَكُمْ [2] حَلَالٌ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمَّا مَنَعَهُ الْحَيْضُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ أَوْ تَتَيَمَّمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ إِلَّا تَحْرِيمُ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا بِاللَّيْلِ وَنَوَتِ الصَّوْمَ فَوَقْعَ غُسْلُهَا بِالنَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهَا، وَالطَّلَاقُ فِي حَالِ الْحَيْضِ يَكُونُ بِدْعِيًّا وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا يَكُونُ بِدْعِيًّا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الحيض وهي عنده عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا قبل الغسل، وقال مجاهد [3] وطاوس: إذا غسلت فرجها يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ أَوْ تَتَيَمَّمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ جَوَازَ وَطْئِهَا بِشَرْطَيْنِ: بانقطاع الدم والغسل، حَتَّى يَطْهُرْنَ، يَعْنِي: مِنَ الْحَيْضِ، فَإِذا تَطَهَّرْنَ، يَعْنِي: اغْتَسَلْنَ فَأْتُوهُنَّ، وَمَنْ قَرَأَ يَطَّهَّرْنَ بِالتَّشْدِيدِ فَالْمُرَادُ مِنْ [ذَلِكَ] الْغُسْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [الْمَائِدَةِ: 6] ، أي: اغتسلوا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، قَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَالْكَلْبِيُّ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَّابِينَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ لَا يَعُودُونَ فِيهَا وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنْهَا لَمْ يُصِيبُوهَا، وَالتَّوَّابُ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً [الإسراء: 25] .

_ راويه أفلت مجهول الحال، وأما قول ابن رفعة: متروك. فهذا مردود فقد قال أحمد: أفلت ما أرى به بأسا والحديث صححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان اهـ. قلت: وكذا حسنه الزيلعي في «نصب الراية» (1/ 194) وابن القطان وذكر الزيلعي كلاما طويلا لابن القطان وحاصله أن أفلت قال أبو حاتم عنه: شيخ. وقال أحمد: ما أرى به بأسا اهـ. وانظر «فتح القدير» لابن الهمام (1/ 167) . (1) في المطبوع «حتى» . (2) في المخطوط «وغشيانكم لهن» . (3) زيد في المطبوع «وعطاء» .

[سورة البقرة (2) : آية 223]

[سورة البقرة (2) : آية 223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) قَوْلُهُ تَعَالَى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، «242» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بن الْمُنَادِي أَنَا يُونُسُ، أَنَا يَعْقُوبُ القمّي عن جعفر بن [أبي] [1] الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن ابن عباس: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ» ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شيئا، فأوحى اللَّهُ إِلَيْهِ [2] : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، يَقُولُ: «أَدْبِرْ وَأَقْبِلْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ» . «243» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ [3] بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا إِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. ع «244» وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ، وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الحي

_ 242- إسناده حسن، رجاله ثقات، يونس هو ابن محمد المؤدب، ويعقوب هو ابن عبد الله بن سعد أبو الحسن القمّي. وأخرجه أبو يعلى 2736 وابن حبان 4202 والواحدي 145 من طرق عن يونس بن محمد عن يعقوب القمي بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2980 والنسائي في «الكبرى» 8977 وأحمد (1/ 297) والطبري 4347 والطبراني 12317 والبيهقي (7/ 198) من طرق عن يعقوب القمّي به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وصححه الحافظ في «الفتح» (8/ 191) وانظر «فتح القدير» للشوكاني 335 بتخريجي. 243- حديث صحيح. عبد الرحيم بن منيب مجهول، لم يرو عنه سوى حاجب بن أحمد، ولم يوثقه أحد، وذكره السمعاني في «الأنساب» على أنه ممن روى عنه حاجب بن أحمد. وبكل حال فقد توبع هو ومن دونه، ابن عيينة هو سفيان. - وأخرجه البخاري (4528) ومسلم (1435) وأبو داود 2163 والترمذي 2982 وابن ماجه 1925 وأبو يعلى 258 والطحاوي (3/ 40) والبيهقي في السنن 1947 من طرق عن سفيان بن عيينة به. - وأخرجه مسلم 1435 والطحاوي (3/ 40) والواحدي 143 و144 والدارمي (1/ 258) و (2/ 145- 146) والبيهقي (7/ 194 و195) من طرق عن محمد بن المنكدر به. (1) زيادة عن كتب التخريج والتراجم. (2) في المخطوط «فأنزل الله إليه» . (3) وقع في الأصل «صاحب» والتصويب عن «أسباب النزول» للواحدي وكتب التراجم. 244- ع حسن. أخرجه أبو داود 4164 والحاكم (2/ 279) والطبري 4340 والواحدي 142 والبيهقي (7/ 195) من طرق ابن إسحاق عن أبان بن صالح عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وإسناده حسن، ابن إسحاق صرح بالسماع من أبان عند الحاكم والبيهقي، ولأصله شواهد تعضده، والله أعلم.

مِنْ قُرَيْشٍ يَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ، فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: إِنَّا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ شِئْتَ فَاصْنَعْ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي، حَتَّى سَرَى أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ الْآيَةَ، يَعْنِي: مَوْضِعَ الْوَلَدِ، فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ. وأَنَّى حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ يَكُونُ سُؤَالًا عَنِ الْحَالِ وَالْمَحَلِّ، مَعْنَاهُ: كَيْفَ شِئْتُمْ وَحَيْثُ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ أَنَّى شِئْتُمْ: إِنَّمَا هُوَ الْفَرْجُ، وَمِثْلُهُ [عَنِ الْحَسَنِ، وَقِيلَ: حَرْثٌ] [1] لَكُمْ، أَيْ: مَزْرَعٌ لَكُمْ وَمَنْبَتٌ لِلْوَلَدِ [2] بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَدْبَارِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ هُوَ الْقُبُلُ لَا الدُّبُرُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: هَذَا فِي الْعَزْلِ، يَعْنِي: إِنْ شِئْتُمْ، فَاعْزِلُوا وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْزِلُوا، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: حَرْثُكَ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِشْ وَإِنْ شِئْتَ فَارْوِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: تُسْتَأْمَرُ [الْحُرَّةُ فِي الْعَزْلِ وَلَا تُسْتَأْمَرُ] [3] الْجَارِيَةُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ الْعَزْلَ، وَقَالُوا [4] : هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ. وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْسِكُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ، فَقَالَ: أَتَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ إِبَاحَةُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَقِيَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عمر ما حدثت بحديث نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا بِإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ فَقَالَ: كَذَبَ الْعَبْدُ وَأَخْطَأَ إِنَّمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُؤْتَوْنَ فِي فُرُوجِهِنَّ مِنْ أَدْبَارِهِنَّ. وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَدْبَارِ مَا: «245» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَطِيبِ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أبو العباس

_ 245- عجزه صحيح لشواهده وطرقه، وأما صدره مع سال السائل، فهو ضعيف لغرابته، إسناده ضعيف، محمد بن علي، وثقه الشافعي كما في «التقريب» وشيخه وثقه الشافعي أيضا في «المسند» لكن كأن الحافظ لم يطلع على توثيق الشافعي له، فقال عنه: مستور. مع أنه روى عنه أربعة، وروى عن خمسة. وفيه أيضا عمرو بن أحيحة، وهو مقبول، أي حيث يتابع. وهو عند الشافعي (2/ 29) في «المسند» بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» 8992 والطحاوي (3/ 43) والطبراني 3744 والبيهقي (7/ 196) والخطابي في «غريب الحديث» (1/ 376) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ بهذا الإسناد. - قال الشافعي بإثره: عَمِّي- مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شافع- ثقة. وعبد الله بن علي ثقة. - وورد من طرق أخرى مختصرا بذكر عجزه فقط. فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» 8988 وابن ماجه 1924 وأحمد (5/ 213) والطبراني 3734 و3735 والبيهقي (5/ 213) و (7/ 197 و198) من طريق عمرو بن شعيب عن هرمي بن عبد الله عن خزيمة بن ثابت به. وأخرجه النسائي في «الكبرى» 8982 وأحمد (5/ 213) وابن الجارود 728 والطحاوي (3/ 43) والطبراني 3716 والبيهقي (7/ 197) من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ يزيد بن عبد الهاد عن عمارة بن خزيمة عن أبيه. وعمارة ثقة روى له أصحاب السنن وباقي رجال السند رجال الصحيح. (1) زيادة من المخطوط وط. (2) في المطبوع وحده «الولد» . (3) زيادة من المخطوط وط. [.....] (4) في المطبوع «قال» .

الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أنا عَمِّي [1] مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شافع، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ [2] ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي أَيِّ الْخُرْمَتَيْنِ، أَوْ فِي أَيِّ الْخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي الْخُصْفَتَيْنِ أَمِنَ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فنعم، أم مِنْ دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا فَلَا، فإن الله لا يستحيي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ» . «246» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ النَّهَاوَنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ أَنَا عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ عُمَرَ] [3] بْنِ أَبَانَ أَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ يَعْنِي: إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَلْيَدْعُ. «247» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ [أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف] [4] أنا

_ - وأخرجه النسائي 8984 وأحمد (5/ 215) وابن حبان 4198 والطبراني 3741 و3742 و3743 والبيهقي (7/ 197) من طرق عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ عَنْ عبيد الله بن حصين الوائلي عن هرمي بن عبد الله الواقفي عن خزيمة به. وفي الباب أحاديث كثيرة. وانظر «فتح القدير» للشوكاني 337 بتخريجي، و «الإحسان» (9/ 513- 517) . (1) وقع في الأصل «عمر» وهو تصحيف والتصويب من مسند الشافعي. (2) وقع في الأصل «الحلاج» وهو تصحيف. 246- حديث حسن بشواهده وطرقه، إسناده ضعيف لضعف مسلم بن خالد، وهو الزنجي، وبه أعله ابن عدي، لكن لم ينفرد بهذا المتن، فقد توبع، وللحديث شواهد يحسن بها إن شاء الله. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 311) من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أبان وحدثنا علي بن الحسين القاضي حدثنا عبدان الوكيل قال: حدثنا يحيى بن زكريا.... بهذا الإسناد. - وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 4751 من طريق يحيى بن زكريا به قال الحافظ في «التلخيص» (3/ 181) : ومسلم فيه ضعف اهـ. - وورد من طرق عن الحارث بن مخلّد عن أبي هريرة مرفوعا عند أبي داود 2162 والنسائي في «الكبرى» 9015 وابن ماجه 1923 وأحمد (2/ 444) والحارث مجهول كما في «التقريب» وللحديث شواهد. - منها ما أخرجه الترمذي 1165 والنسائي في «الكبرى» 9001 و9002 وأبو يعلى 2378 وابن أبي شيبة (4/ 251) و (252) وابن حبان (4418) و (4203) وابن عدي (3/ 260) عن حديث ابن عباس مرفوعا وإسناده صحيح. فائدة: قال الطحاوي في «معاني الآثار» (3/ 46) : فلما تواترت هذه الآثار عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنهي عن وطء المرأة في الدبر، ثم جاء عن أصحابه وتابعيهم ما يوافق ذلك وجب القول به، وترك ما يخالفه اهـ. وانظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية بتخريجي، والله أعلم. (3) زيادة عن الكامل وكتب التراجم. (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» . 247- إسناده صحيح على شرط الشيخين، أبو شيبة والد عثمان اسمه محمد، جرير هو ابن عبد الحميد، منصور هو ابن المعتمر، وسالم هو ابن أبي الجعد، وكريب هو ابن أبي مسلم مولى ابن عباس.

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «لو أن أحدهم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ في ذلك لم يضرّه الشيطان أَبَدًا» . وَقِيلَ: قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: طَلَبَ الْوَلَدِ. «248» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ [1] ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ [حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنِ جَعْفَرٍ] [2] عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ [3] : صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» . وَقِيلَ: هُوَ التَّزَوُّجُ بِالْعَفَافِ لِيَكُونَ الْوَلَدُ صالحا. «249» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ [أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ] [5] أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [6] حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي هريرة

_ وهو عند المصنف في «شرح السنة» 1324 بهذا الإسناد. وفي «صحيح البخاري» 6388 من طريق عثمان بن أبي شيبة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 141 و3271 و3283 و5165 و7396 ومسلم 1434 والترمذي 1092 وأبو داود 2161 والنسائي في «الكبرى» 9030 وابن ماجه 1919 وابن أبي شيبة (10/ 394) وأحمد (1/ 217) و (220) و (243) و (283) و (286) وابن حبان 983 والطبراني في «الكبير» 12195 من طرق عن منصور به. 248- إسناده صحيح على شرط مسلم. عبد الرحمن والد العلاء هو ابن يعقوب مولى الحرقة، علي بن حجر- بضم الحاء- روى له الشيخان. وهو عند المصنف في «شرح السنة» 139 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1631 والترمذي 1376 والنسائي (6/ 251) وابن حبان 3016 من طرق عن علي بن حجر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» 38 ومسلم 1631 وأحمد (2/ 372) والطحاوي في «المشكل» 246 والبيهقي (6/ 278) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به. - وأخرجه أبو داود 3880 والطحاوي 1247 والبيهقي (6/ 278) من طرق عن العلاء به. 249- إسناده صحيح، مسدد هو ابن مسرهد، روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، يحيى هو ابن سعيد القطان، وسعيد هو المقبري وأبو سعيد اسمه كيسان. وعبيد الله هو ابن عمر. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» 2233 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5090 ومسلم 466 وأبو داود 2047 والنسائي (6/ 68) وابن ماجه 1858 وأحمد (2/ 428) والدارمي (2/ 133) 134 وابن حبان 4036 والبيهقي (7/ 79- 80) من طرق عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. (1) وقع في الأصل «الكشمهيني» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) كذا في المطبوع و «شرح السنة» وفي المخطوط «ثلاث» . [.....] (4) زيادة من المخطوط. (5) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «ط» وكتب التخريج. (6) وقع في الأصل «عبد الله» وهو تصحيف.

[سورة البقرة (2) : آية 224]

عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» . وَقِيلَ: لمعنى الْآيَةِ تَقْدِيمُ الْأَفْرَاطِ. «250» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» [1] . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: الْخَيْرَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: صَائِرُونَ إِلَيْهِ فيجزيكم بأعمالكم، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 224] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَتَنِهِ [2] على أخيه بَشِيرِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلِّمَهُ وَلَا يُصْلِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ فِيهِ، قَالَ: قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ فَلَا يَحِلُّ لِي إِلَّا أَنْ [أبر في يميني] [3] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ [4] ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ حِينَ خَاضَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ [5] ، وَالْعُرْضَةُ أَصْلُهَا الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّابَّةِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ: عُرْضَةٌ لِقُوَّتِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ: هُوَ عُرْضَةٌ لَهُ، حَتَّى قَالُوا لِلْمَرْأَةِ: هِيَ عُرْضَةُ النِّكَاحِ إِذَا صَلَحَتْ لَهُ، والعرضة كل ما يعرض [6] فَيَمْنَعُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا مانعا لكم عن [7] الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، يُدْعَى أَحَدُكُمْ إِلَى صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ بِرٍّ، فَيَقُولُ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَهُ فَيَعْتَلُّ بِيَمِينِهِ فِي تَرْكِ الْبِرِّ، أَنْ تَبَرُّوا، مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَبِرُّوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النِّسَاءِ: 176] ، أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ،

_ 250- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن شهاب هو الزهري اسمه محمد بن مسلم. - وفي «الموطأ» (1/ 235) عن الزهري بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 6656 ومسلم 2632 والترمذي 1060 والنسائي (4/ 25) وابن حبان 2942 والبيهقي (4/ 67) و (7/ 78) و (10/ 64) . - وأخرجه البخاري 1251 ومسلم 2632 وابن ماجه 1603 وأحمد (2/ 239) والبغوي في «شرح السنة» 1537 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزهري به. (1) وهو قوله عز وجل في سورة مريم وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) . (2) الختن: الصهر- أو كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ اهـ. قاموس. (3) في المطبوع «تبر بيميني» . (4) باطل لا أصل له. لم ينسبه المصنف لقائل، لأن قائله متروك متهم. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 148 عن الكلبي بدون إسناد. والكلبي متهم، أقر بالكذب على ابن عباس. (5) أخرجه الطبري 4371 عن ابن جريج به، وهذا معضل، ليس بشيء. (6) في المطبوع «يعترض» . (7) في المطبوع «من» .

[سورة البقرة (2) : آية 225]

«251» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ [أَنَا] [1] أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وليفعل الذي هو خير» . [سورة البقرة (2) : آية 225] لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، اللغو كل [ساقط] [2] مُطْرَحٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ [3] فِي اللَّغْوِ [فِي] [4] الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَا يَسْبِقُ إِلَى [5] اللِّسَانِ عَلَى عَجَلَةٍ لِصِلَةِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَقَصْدٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَكَلَّا وَاللَّهِ. «252» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا مالك عن هشام عن عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ. وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ أَيْمَانُ اللَّغْوِ: مَا كَانَتْ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أن يحلف على شَيْءٍ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَمَكْحُولٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالوا: لا كفارة

_ 251- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» 2432 بهذا الإسناد. - وهو عند مالك في «الموطأ» (2/ 478) عن سهيل بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه مسلم 1650 والترمذي 1530 وأحمد (2/ 361) والنسائي في «الكبرى» 4722 وابن حبان 4349 والبيهقي (10/ 53) . 252- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عروة هو ابن الزبير بن العوّام. هو في «شرح السنة» 2428 بهذا الإسناد. هو في «الموطأ» (2/ 477) من طريق هشام بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه الشافعي (2/ 74) والبيهقي (10/ 48) . - وأخرجه البخاري 6663 والبيهقي (10/ 48) وابن الجارود 925 والطبري 4377 و4378 من طرق عن هشام به. - وورد مرفوعا من طريق إبراهيم الصائغ قال: سألت عطاء عن اللغو في اليمين، فقال: قالت عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم قال: هو كلام الرَّجُلُ: كَلَّا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. أخرجه أبو داود 3254 والطبري 4382 والبيهقي (10/ 49) وهو معلول، ولا يصح. - قال الحافظ في «التلخيص» (4/ 167) : قال أبو داود: رواه غير واحد عن عطاء عنها موقوفا، وصحح الدارقطني الوقف ورواه البخاري والشافعي ومالك عَنْ هُشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عائشة موقوفا، ورواه الشافعي من حديث عطاء أيضا موقوفا اهـ. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. [.....] (2) زيد في المطبوع وحده. (3) في المخطوط «العلماء» . (4) سقط من المطبوع. (5) في المخطوط «إليه» .

فيه ولا إثم، وقال علي: [هو اليمين في] [1] الغضب، وبه قال طاوس وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، بَلْ يَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ، وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ كفارة، أنكفّر خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي الرجل يحلف على المعصية: كفارتها [2] أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا، وَكُلُّ يَمِينٍ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِيَ بِهَا فَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ، وَلَوْ أَمَرْتُهُ بِالْكَفَّارَةِ لَأَمَرْتُهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى قَوْلِهِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نفسه، كقول الإنسان: أَعْمَى اللَّهُ بَصَرِي إِنْ [لَمْ] [3] أفعل كذا، [أَخْرَجَنِي اللَّهُ مِنْ مَالِي إِنْ لم أنك هذا] [4] ، فهذا كله لغو لا يؤاخذ الله به، ولو آخذهم لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ، وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ [يُونُسَ: 11] ، وَقَالَ: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ [الْإِسْرَاءِ: 11] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ، أَيْ: عَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَسَبَ الْقَلْبُ: العقد والنية، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، فَالْيَمِينُ بِاللَّهِ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي أَعْبُدُهُ وَالَّذِي أُصَلِّي لَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ بأسمائه كقوله: والله والرحمن [والرحيم]] ونحوه، واليمين بصفاته كقوله: [وكبرياء الله] [6] وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِ الله وقدرة الله ونحوهما، فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أمر في المستقبل، فحنث تجب [7] عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَنَّهُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ كَانَ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ حَالَةَ مَا حَلَفَ [به] [8] ، فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. ولا يجب عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ عَالِمًا فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْكَبَائِرِ، وَإِنْ كان جاهلا فهو اليمين [9] اللَّغْوِ عِنْدَهُمْ، وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله [تعالى] مثلا، مِثْلَ أَنْ قَالَ: وَالْكَعْبَةِ وَبَيْتِ اللَّهِ وَنَبِيِّ اللَّهِ، أَوْ حَلَفَ بِأَبِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ يمينا ولا تجب به الْكَفَّارَةُ إِذَا حَلَفَ [10] وَهُوَ يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. «253» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ [أنا] [11] أبو إسحاق ...

_ 253- إسناده صحيح على شرط الشيخين، أبو مصعب هو أحمد بن أبي بكر. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» 2424 بهذا الإسناد. - وعند مالك في «الموطأ» (2/ 480) من طريق نافع بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 6646 والدارمي (2/ 185) وابن حبان 4359 و4360 والبيهقي (10/ 28) . - وأخرجه البخاري 2679 و6108 ومسلم 1646 والترمذي 1534 والنسائي في «الكبرى» 4706 وأحمد (2/ 11 (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) في المطبوع «كفارته» . (3) سقط من المطبوع وحده. (4) زيادة عن المخطوط وط. والطبري 4462. تنبيه: وزيد في المخطوط وط أيضا [أو يقول هُوَ كَافِرٌ إِنْ فَعَلَ كَذَا] وهذه زيادة لم أثبتها، لأنها تناقض ما جاء في آخر الأثر حيث قال زيد بن أسلم: فهذا كله لغو لا يؤاخذ الله به. والصواب أن ذكر الكفر ليس من اللغو ويؤاخذ قائله عليه. ثم الزيادة التي لم أذكرها ليست عند الطبري. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) في نسخ المطبوع «يجب» . 8 زيادة عن المخطوط. (9) في المطبوع «يمين» . [.....] (10) في المخطوط «خالف» . 11 زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 226]

الْهَاشِمِيُّ [1] ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ ليصمت» . [سورة البقرة (2) : آية 226] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يُؤْلُونَ أَيْ: يَحْلِفُونَ، وَالْأَلْيَةُ: الْيَمِينُ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْإِيلَاءُ طَلَاقًا لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضِرَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ لَا يُحِبُّ امْرَأَتَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا [2] غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا أَبَدًا فَيَتْرُكُهَا لَا أيّما ولا ذات بعل، كانوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لَهُ أَجَلًا فِي الْإِسْلَامِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَبَدًا أَوْ سَمَّى مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَكُونُ مُولِيًا، فَلَا يتعرض [له] قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَعْدَ مُضِيِّهَا يُوقَفُ وَيُؤْمَرُ بِالْفَيْءِ أَوْ بِالطَّلَاقِ [3] بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْمَرْأَةِ، وَالْفَيْءُ: هُوَ الرُّجُوعُ عَمَّا قَالَهُ بِالْوَطْءِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يقدر فالقول، فإن لم يف وَلَمْ يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَاحِدَةً، وَذَهَبَ إِلَى الْوُقُوفِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ: عُمْرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عُمَرَ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم كلهم يقولون بِوَقْفِ [4] الْمُولِي، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَقَعُ عَلَيْهَا [5] طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ: تَقَعُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا بَلْ هُوَ حَالِفٌ، فَإِذَا وَطِئَهَا قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْوَقْفِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، [لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُدَّةِ شَرْطٌ لِلْوَقْفِ وَثُبُوتِ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ مَضَتِ الْمُدَّةُ، وَعِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوَقْفِ يَكُونُ مُولِيًا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ] [6] ، وَمُدَّةُ [7] الْإِيلَاءِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهَا ضُرِبَتْ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى الطَّبْعِ، وَهُوَ قِلَّةُ صَبْرِ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوْجِ، فيستوي فيه الحر والعبد. وَعِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَتَنَصَّفُ [8] مُدَّةُ الْعُنَّةِ بِالرِّقِّ غَيْرَ أَنَّ [9] عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَتَنَصَّفُ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ بِرِقِّ الزَّوْجِ، كَمَا قالا في الطلاق.

_ و (17 و142) والبيهقي (10/ 28) من طرق عن نافع به. - وأخرجه مسلم 1646 والترمذي 1533 والنسائي (7/ 4) وأحمد (2/ 8) والحميدي 624 وابن الجارود 922 والبيهقي (10/ 28) من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم سمع عمر.... فذكره. (1) وقع في الأصل «الشافعي» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . (2) في المطبوع «يتزوج بها» . (3) في المطبوع «بالإطلاق» . (4) في المطبوع «يوقف» . (5) في المخطوط «يقع عليها» . (6) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. (7) وقع في الأصل «دمة» . (8) في الأصل «تتصف» وهو تصحيف. (9) في المخطوط «أنه» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 227 الى 228]

قَوْلُهُ تَعَالَى: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَيِ: انْتِظَارُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالتَّرَبُّصُ: التثبّت والتوقّف، فَإِنْ فاؤُ: رَجَعُوا عَنِ الْيَمِينِ بِالْوَطْءِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِذَا وَطِئَ خَرَجَ [1] عَنِ الْإِيلَاءِ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ [كَفَّارَةُ الْيَمِينِ] [2] عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فِي إِسْقَاطِ [3] الْعُقُوبَةِ لَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ قَرَّبْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ أو ضربتك [4] فأنت طالق، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ، فَهُوَ مُولٍ لِأَنَّ الْمُولِيَ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرٌ بِالْوَطْءِ وَيُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَإِنْ فَاءَ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوِ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَإِنِ التزم في الذمة يلزمه كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمُهُ مَا الْتُزِمَ فِي ذمّته من الإعتاق أو الصلاة أو الصوم. [سورة البقرة (2) : الآيات 227 الى 228] وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أَيْ: حَقَّقُوهُ بالإيقاع، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ: لقولهم، عَلِيمٌ: بِنِيَّاتِهِمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا زَوْجُهَا، لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الْعَزْمَ، وَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي مَسْمُوعًا، وَالْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يُسْمَعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُطَلَّقاتُ، أَيِ: الْمُخَلَّيَاتُ [5] مِنْ حِبَالِ أَزْوَاجِهِنَّ، يَتَرَبَّصْنَ: يَنْتَظِرْنَ، بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، فَلَا يَتَزَوَّجْنَ، وَالْقُرُوءُ: جَمْعُ قَرْءٍ مِثْلُ فَرْعٍ، وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ: أَقْرُؤٌ، وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ: أَقْرَاءٌ، وَاخْتَلَفَ أهل العلم في القرء فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للمستحاضة: ع «254» : «دعي الصلاة أيام أقرائك» .

_ 254- ع ضعيف. أخرجه الدارقطني (1/ 312) عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش ... الحديث وهو معلول. قال الدارقطني: قال يحيى بن سعيد: الثوري أعلم الناس بهذا، زعم أن حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يسمع من عروة بن الزبير شيئا، ونقل الآبادي في «التعليق المغني» عن البيهقي في «المعرفة» قوله: حديث حبيب بن أبي ثابت ضعفه يحيى القطان وعلي المديني وابن معين، وكذا الثوري اهـ. ملخصا. ولو صح هذا اللفظ لكان فيصلا في هذه المسألة إلا أن عدم ثبوته جعل الناس مختلفين في شأن «القرء» هل المراد الطهر أو الحيض والله تعالى أعلم، وقد صح هذا الخبر موقوفا كما رجح غير واحد. - وأصل الخبر في «الصحيح» دون لفظ «أقرائك» . أخرجه البخاري 228 و306 و320 و331 ومسلم 333 وأبو داود 282 والترمذي 125 والنسائي (1/ 81) و (85 و186) ومالك (1/ 61) والشافعي (1/ 39- 40) وعبد الرزاق 1165 وابن أبي شيبة (1/ 125) والدارمي (1/ 199 (1) في المطبوع «في الفرج» بدل «خرج» . [.....] (2) في المخطوط «الكفارة» . (3) في المطبوع «سقوط» . (4) في المخطوط «ضرتك» وليس فيه «فأنت» . (5) في المخطوط «الخليات» .

وَإِنَّمَا تَدَعُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالزُّهْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ والشافعي. ع «255» وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» . فَأَخْبَرَ أَنَّ زَمَانَ الْعِدَّةِ هُوَ الطُّهْرُ. وَمِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ [1] : فَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا [2] مُوَرِّثَةٍ مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ [3] فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا وَأَرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَزْوِ وَلَمْ يَغْشَ نِسَاءَهُ فَتَضِيعُ أَقْرَاؤُهُنَّ، وَإِنَّمَا تُضَيَّعُ [4] بِالسَّفَرِ زَمَانَ الطهر، لا زمان الحيض، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ إِذَا شَرَعَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا أَطْهَارًا وَتَحْسِبُ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ قَرْءًا، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا طَعَنَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحَيْضُ يَقُولُ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ [5] مِنْ حَيْثُ أَنَّ اسْمَ الْقُرْءِ يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا، يُقَالُ: أَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ، وَأَقْرَأَتْ إِذَا طَهُرَتْ فَهِيَ مَقْرِئٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهِ، فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْوَقْتُ لِمَجِيءِ الشَّيْءِ وَذَهَابِهِ، يُقَالُ: رَجَعَ

_ وابن حبان 1350 والطحاوي في «المعاني» (1/ 102) والدارقطني (1/ 206) و (207) وأبو عوانة (1/ 319) وابن الجارود 112 والبيهقي (1/ 323) و (324) و (325) و (327) و (329) من طرق عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه عن عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنِّي امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: لا إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم ثم صلي. قال: وقال أبي: ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت. وانظر «تلخيص الحبير» (1/ 171) . 255- ع صحيح. أخرجه البخاري (4908) و (7160) ومسلم 1471 ح/ 4 والترمذي 1176 وأحمد (2/ 26) و (58) و (61) و (81) و (130) والدارمي (2/ 160) وابن الجارود 736 والطحاوي (3/ 53) والدارقطني (4/ 6) والبيهقي (7/ 324) من طرق عن سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر. - وأخرجه البخاري 5251 ومسلم (1471) ح/ 1 و2 وأبو داود 2179 والنسائي (6/ 138) وابن ماجه 2019 ومالك (2/ 576) والشافعي (2/ 32- 33) والطيالسي 1853 وأحمد (2/ 63 و102) وابن أبي شيبة (5/ 2- 3) وابن حبان 4263 والطحاوي (3/ 53) وابن الجارود 734 والدارقطني (4/ 7) والبيهقي (7/ 324) والبغوي في «شرح السنة» 2351 من طرق عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. (1) هو الأعشى. يقول لجاره: أينبغي أن تتجشم وتكلف نفسك في كل عام دخول غزوة واقتحام مكارهها، تشد وتوثق عزيمة صبرك وتورثك تلك الغزوة مالا كثيرا بغنائمها، ورفعة لك في الحي لأجل ما ضاع فيها من الأعوام- والأقراء التي تضيع على الزوج هي الأطهار، لأنها التي يوطأن فيها، لا الحيض وضياع ذلك يؤدي إلى انقطاع النسل اهـ. انظر حاشية الكشاف (1/ 271) . (2) وقع في الأصل: «عرائكا» وهو تصحيف. (3) وقع في الأصل «رضاع» والمثبت هو الصواب. (4) في المخطوط «يضيع» . (5) في المطبوع «الخلاف» .

فُلَانٌ لِقُرْئِهِ وَلِقَارِئِهِ، أَيْ: لِوَقْتِهِ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهِ، وَهَذَا قَارِئُ الرِّيَاحِ، أَيْ: وَقْتُ هُبُوبِهَا، قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُذَلِيُّ: كَرِهْتُ العقر عقر بني سليل ... إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ أَيْ: لِوَقْتِهَا، وَالْقَرْءُ يَصْلُحُ لِلْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْحَيْضَ يَأْتِي لِوَقْتٍ، وَالطُّهْرُ مِثْلُهُ، وقيل: هو من القراء، وَهُوَ الْحَبْسُ وَالْجَمْعُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا قَرَأَتِ النَّاقَةَ سَلًّا قَطُّ، أَيْ: لَمْ تَضُمَّ [1] رَحِمُهَا عَلَى وَلَدٍ، وَمِنْهُ قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْمِقْرَاةِ وَهِيَ الْحَوْضُ، أَيْ: جَمَعْتُهُ بِتَرْكِ هَمْزِهَا، فَالْقَرْءُ هَاهُنَا احْتِبَاسُ الدَّمِ وَاجْتِمَاعُهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّرْجِيحُ فِيهِ لِلطُّهْرِ، لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الدَّمَ وَيَجْمَعُهُ، وَالْحَيْضُ يُرْخِيهِ وَيُرْسِلُهُ، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِي الْعِدَدِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْمَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطَّلَاقِ: 4] ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا نَظَرَ إِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمَوْتِ الزَّوْجِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أشهر وعشرا، سَوَاءٌ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ تَحِيضُ أَوْ لَا تَحِيضُ لقول الله عزّ وجلّ: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [الْبَقَرَةِ: 234] ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بالطلاق في الحياة نظر [فإن كانت] قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عليها لقول اللَّهُ تَعَالَى: إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها [الْأَحْزَابِ: 49] ، وَإِنْ كَانَ بعد الدخول [بها] نظر إن كانت المرأة لَمْ تَحِضْ قَطُّ أَوْ بَلَغَتْ فِي الْكِبَرِ سِنَّ الْآيِسَاتِ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطَّلَاقِ: 4] ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثلاثة أقرؤ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، وَقَوْلُهُ: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَفِي الْوَفَاةِ عِدَّتُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ أيام [2] ، وَفِي الطَّلَاقِ إِنْ كَانَتْ [مِمَّنْ] تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا قَرْءَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَشَهْرٌ وَنِصْفٌ، وقيل: شهران كالقرءين فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ، قَالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ينكح العبد اثنتين ويطلق تطليقتين، وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ بِحَيْضَتَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا ونصفا، قوله عَزَّ وَجَلَّ: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي الْحَيْضَ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلَ مراجعتها، فتقول: قد حضت الثلاثة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الْحَمْلَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ كِتْمَانُ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ لِتُبْطِلَ حَقَّ الزَّوْجِ مِنَ الرَّجْعَةِ وَالْوَلَدِ. إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُؤْمِنَةُ وَالْكَافِرَةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءً كَمَا تَقُولُ: أَدِّ حَقِّي إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا، يَعْنِي: أَدَاءَ الْحُقُوقِ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبُعُولَتُهُنَّ، يعني: أزواجهنّ جمع بعل، كالفحول جَمْعُ فَحْلٍ، سُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لقيامه بأمر [3] زَوْجَتِهِ، وَأَصْلُ الْبَعْلِ السَّيِّدُ وَالْمَالِكُ، أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ: أَوْلَى بِرَجْعَتِهِنَّ إِلَيْهِمْ، فِي ذلِكَ، أي: في حال العدة، إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، أَيْ: إِنْ أَرَادُوا بِالرَّجْعَةِ الصَّلَاحَ وَحَسُنَ الْعِشْرَةِ لَا الْإِضْرَارَ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ [كَانَ] [4] الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَرُبَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا مدة ثم طَلَّقَهَا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، وَلَهُنَّ، أَيْ: لِلنِّسَاءِ عَلَى الْأَزْوَاجِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ لِلْأَزْوَاجِ بِالْمَعْرُوفِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي

_ (1) في المخطوط «يضم» . (2) في المطبوع «ليال» . (3) في المطبوع «بأمور» . [.....] (4) زيادة من المخطوط.

مَعْنَاهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِامْرَأَتِي كَمَا تُحِبُّ امْرَأَتِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. «256» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [1] بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيُّ [2] ، أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا حَمَّادٌ أَنَا أَبُو قَزَعَةَ سُوِيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ [3] الْبَاهِلِيُّ، عَنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَأَنْ تَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» . «257» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ [4] بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، حدثنا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم، فسرد [لي] قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: «فاتقوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لن تضلوا بعده [إن اعتصمتم به] [5] كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ [6] قَالُوا: نَشْهَدُ

_ 256- حديث صحيح. إسناده حسن، حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، وهو والد بهز بن حكيم، صدوق، وباقي الإسناد ثقات، وللحديث شواهد. - وهو في «شرح السنة» 2323 بهذا الإسناد، وفيه «المير بندك شائى» بدل «المروزي» . - وعند أبي داود 2142 بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» (9171) و (11104) وابن ماجه 1850 وأحمد (4/ 447) وابن حبان 4175 والطبراني (19/ 1034) و (1037) و (1038) والحاكم (2/ 187- 188) وابن أبي الدنيا في «العيال» 488 والبيهقي (7/ 295 و305) من طرق عن أبي قزعة به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه أبو داود (2143 و2144) وأحمد (5/ 5) والطبراني (19/ 999) و (1000) و (1001) و (1002) وابن أبي الدنيا 489 من طرق عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبيه عن جده. - وأخرجه أحمد (5/ 3) عن عبد الرزاق عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي قزعة وعطاء عن رجل من بني قشير عن أبيه، والرجل هو حكيم بن معاوية القشيري. 257- إسناده صحيح على شرط مسلم. أبو بكر هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبي شيبة، محمد هو الباقر ابن علي بن الحسين. - وهو في صحيح مسلم 1218 بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 1905 وابن ماجه 3074 والدارمي 1793 وابن حبان 3944 من طريق حاتم بن إسماعيل به. (1) كذا في نسخ المطبوع. وفي المخطوط «عمرة» وفي شرح السنة «محمد» . (2) وقع في الأصل «الشجري» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» . (3) وقع في الأصل «حجر» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (4) وقع في الأصل «محمد» وهو خطأ ظاهر. (5) في المطبوع «وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله» . - والمثبت عن المخطوط وصحيح مسلم. (6) في المطبوع «قائلين» .

أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ [اللَّهُمَّ اشْهَدْ] [1] ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» . «258» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا يَعْلَى بْنُ عَبَيْدٍ [2] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَالِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ: بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ: بِالشَّهَادَةِ، وَقِيلَ: بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: بِالدِّيَةِ، وَقِيلَ: بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: بِالرَّجْعَةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالْإِمَارَةِ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ [3] : وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، مَعْنَاهُ: فَضِيلَةٌ فِي الْحَقِّ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. «259» أخبرنا عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن

_ 258- حديث صحيح، إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو الليثي، فإنه صدوق، روى له الشيخان متابعة، وقال الذهبي: حسن الحديث. ووقع في «التقريب» (ع) أي روى له الجماعة، وليس كذلك. محمد بن يحيى هو الذهلي من رجال البخاري، ومن دونه توبعوا. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» (2334) و (3389) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (9/ 248) من طريق يعلى بن عبيد بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 4682 والترمذي 1162 وابن أبي شيبة (8/ 515) و (11/ 27) وفي «الإيمان» (17) و (18) وأحمد (2/ 250) و (472) وأحمد (2/ 250) و (472) وابن حبان 4176 من طرق عن محمد بن عمرو بهذا الإسناد. وصححه الحاكم (1/ 3) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي ... ؟! وقال الترمذي: حسن صحيح. - وورد من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هريرة عند ابن أبي شيبة (8/ 516) و (11/ 27) و (28) وأحمد (2/ 527) والدارمي (2/ 322) وصححه الحاكم (1/ 3) على شرط مسلم ووافقه الذهبي. - وورد عن الحسن مرسلا بإسناد صحيح أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 47) . - وله شاهد من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وألطفهم بأهله» . أخرجه الترمذي 2612 وأحمد (6/ 47) و (99) والحاكم (1/ 53) . قال الترمذي: هذا حديث صحيح، ولا نعرف لأبي قلابة سماعا من عائشة. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. 259- المرفوع منه صحيح لطرقه وشواهده. إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو ظبيان اسمه حصين بن جندب بن الحارث الجنبي- بفتح الظاء- كذا ضبطه الحافظ في «التقريب» وهو ثقة روى له الشيخان، لكن لم يسمع من معاذ، وورد من طرق أخرى واهية، والمرفوع منه صحيح لشواهده، سفيان هو الثوري، والأعمش هو سليمان بن مهران، أبو حذيفة هو موسى بن مسعود. - وهو في شرح السنة 2322 بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (5/ 227- 228) (21480) من طريق وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن معاذ بن جبل «أنه لما رجع من اليمن قال: يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعضهم، أفلا نسجد لك؟ قال: لو كنت آمرا بشرا يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» . (1) زيادة عن المخطوط. (2) وقع في الأصل «عبيدة» والتصويب من كتب التخريج وكتب التراجم. (3) تحرف في المخطوط إلى «العسفني» . [.....]

عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [1] ، أَنَا [أَبُو] [2] حُذَيْفَةَ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَرَأَى رِجَالًا يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» .

_ وإسناده منقطع أبو ظبيان لم يسمع من معاذ. - وأخرجه أيضا برقم 21481 من طريق ابن نمير عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ظبيان يحدث عن رجل من الأنصار عن معاذ بن جبل ... فذكره. - وورد من طرق أخرى عن معاذ بن جبل مرفوعا عند الحاكم (4/ 172) والبزار 1461 والطبراني في «الكبير» (20/ 52) وابن أبي الدنيا في «العيال» 538 وصححه الحاكم على شرط الشيخين! ووافقه الذهبي! مع أنه من رواية القاسم بن عوف الشيباني، وقد تفرد عنه مسلم، ولم يدرك معاذا. وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 309) (7649) : ورجال البزار رجال الصحيح، وكذلك طريق من طرق أحمد، وروى الطبراني بعضه أيضا اهـ. - وأخرجه ابن ماجه 1853 وأحمد (4/ 381) وابن حبان (4171) والبيهقي (7/ 292) من أيوب عن القاسم بن عوف الشيباني عن ابن أبي أوفي قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ... فذكره. وفي إسناده القاسم وثقه ابن حبان، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ومحله عندي الصدق. وروى له مسلم حديثا واحدا. - وأخرجه البزار (1470) والطبراني 7294 وابن أبي الدنيا في «العيال» 539 عن القاسم بن عوف عن ابن أبي ليلى عن أبيه عن صهيب أن معاذا ... فذكره. وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 310) : وفيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف اهـ. - وأخرجه البزار (1468) و (1469) والطبراني في «الكبير» (5117) وابن أبي الدنيا 543 من طريق القاسم عن زيد بن أرقم قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معاذا ... فذكره. وقال الهيثمي: وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، خلا صدقة بن عبد الله السمين، وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه البخاري وجماعة اهـ. - وللحديث شواهد أخرى منها: حديث أبي هريرة عند الترمذي 1159 وابن حبان 4162 والبيهقي (7/ 291) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به. ومحمد بن عمرو حسن الحديث. وأخرجه الحاكم (4/ 171- 172) والبزار 1466 من طريق سليمان بن داود من حديث أبي هريرة وصححه الحاكم وقال الذهبي: بل سليمان هو اليمامي ضعفوه. وكذا ضعفه الهيثمي في «المجمع» (4/ 307) . - وحديث أنس عند النسائي في «الكبرى» 9147 وأحمد (3/ 158) والبزار 2454 وابن أبي الدنيا 529. وفي إسناده خلف بن خليفة صدوق اختلط في الآخر كما في التقريب. - وحديث عائشة عند ابن ماجه 1852 وأحمد (6/ 76) وابن أبي شيبة (4/ 306) وابن أبي الدنيا 541 وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. - وحديث ابن عباس عند الطبراني 12003 والبزار 1467 وابن أبي الدنيا 542 وفيه الحكم بن طهمان، وهو ضعيف. الخلاصة: المرفوع منه صحيح بمجموع طرقه وشواهده وسيأتي برقم 587. (1) وقع في الأصل «البرني» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» و «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : آية 229]

[سورة البقرة (2) : آية 229] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) قَوْلُهُ تَعَالَى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كان الناس في [ابتداء الإسلام] [1] يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عِدَدٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ رَاجَعَهَا، يقصد [بذلك] [2] مُضَارَّتَهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يَعْنِي: الطَّلَاقَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ، فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، يَعْنِي: إِذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ الطلقة الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّ مَا يُعْرَفُ فِي الشرع من أداء [الحقوق في] [3] النِّكَاحِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، هو أَنْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَقِيلَ [4] : الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، وَصَرِيحُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ثَلَاثَةٌ [5] : الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الصَّرِيحُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ: أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا يجوز له أن يراجعها بِغَيْرِ رِضَاهَا مَا دَامَتْ فِي العدّة، فإن لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، أَوْ خَالَعَهَا، فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ بِإِذْنِهَا وَإِذْنِ وَلِيِّهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَا تحلّ له حتى تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ، [وَأَمَّا الْعَبْدُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ فَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ] [6] ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ، فَالْحُرُّ يَمْلِكُ عَلَى زوجته الأمة ثلاث تطليقات، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ، وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، يَعْنِي يُعْتَبَرُ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ في حَالُ [7] الرَّجُلِ، وَفِي قَدْرِ الْعِدَّةِ حَالُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَرْأَةِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ، فَيَمْلِكُ الْعَبْدُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ ثَلَاثَ تطليقات، وَلَا يَمْلِكُ الْحُرُّ عَلَى زَوْجَتِهِ الأمة إلا تطليقتين، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً: أعطيتموهنّ شيئا من الْمُهُورَ وَغَيْرَهَا، ثُمَّ اسْتَثْنَى الْخُلْعَ، فَقَالَ: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ: ع «260» نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ الله بن أبي [8] ، ويقال: في حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ، كَانَتْ تَحْتَ ثابت بن

_ 260- ع أخرجه الطبري 4815 عن ابن جريج مرسلا باختصار. - وأصله عند أبي داود 2227 والنسائي (6/ 169) ومالك (2/ 564) والشافعي (2/ 50- 51) وأحمد (6/ 433- 434 (1) كذا في المخطوط. وفي نسخ المطبوع «الابتداء» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «حقوق» . (4) في المخطوط «وقبل» . (5) في المخطوط «ثلاث» . (6) سقط من المخطوط. (7) في المخطوط «بالزوج» . (8) زيد في نسخ المطبوع «أوفى» وهو خطأ. انظر «فتح الباري» (9/ 398- 399) .

قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَكَانَتْ تَبْغَضُهُ وَهُوَ يُحِبُّهَا فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَأَتَتْ أَبَاهَا فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا، وَقَالَتْ [لَهُ] : إِنَّهُ يُسِيءُ إِلَيَّ ويضربني، فَقَالَ [لَهَا] : ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ فَإِنِّي أَكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَزَالَ رَافِعَةً يَدَيْهَا تَشْكُو زَوْجَهَا، قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ وَبِهَا أثر الضرب، فقال: ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ أَبَاهَا لَا يَشْكِيهَا أَتَتْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَأَرَتْهُ آثَارًا بِهَا مِنْ ضَرْبِهِ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أَنَا وَلَا هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ثابت بن قيس فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلِأَهْلِكَ» ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا غَيْرَكَ، فَقَالَ لَهَا: «مَا تَقُولِينَ» ؟ فَكَرِهَتْ [1] أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهَا، فَقَالَتْ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُهْلِكَنِي، فَأَخْرِجْنِي مِنْهُ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْكَ خلافه فهو من أكرم الناس حبا [2] لِزَوْجَتِهِ، وَلَكِنِّي أَبْغَضُهُ، فَلَا أَنَا ولا هو، قال ثابت: يَا رَسُولَ اللَّهِ [إِنِّي] [3] قَدْ أعطيتها حديقة فقل لها فَلْتَرُدَّهَا [4] عَلَيَّ وَأُخَلِّي سَبِيلَهَا، فَقَالَ لَهَا: «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ أَمْرَكِ» ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا ثَابِتُ خُذْ مِنْهَا مَا أَعْطَيْتَهَا، وَخَلِّ سَبِيلَهَا» ، فَفَعَلَ. «261» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل أنا أزهر [5] بْنُ جَمِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ بَعْدَ [6] الْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ» ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ يَخافا، أي: يعلما (أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ إِلَّا أَنْ يَخافا بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، يَعْنِي: يَعْلَمُ الْقَاضِي وَالْوَلِيُّ [7] ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ، فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ خَافَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ يَخافا بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يَعْلَمُ الزَّوْجَانِ من أنفسهما أن لا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، تَخَافُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ فِي أَمْرِ زَوْجِهَا، وَيَخَافُ الزَّوْجُ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ امْرَأَتُهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا فَنَهَى اللَّهُ الرَّجُلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَالَتْ: لَا أُطِيعُ لَكَ أَمْرًا وَلَا أَطَأُ لَكَ مَضْجَعًا ونحو ذلك، قال الله

_ وابن حبان 4280 وابن الجارود 749 والبيهقي (7/ 312- 313) من طريق مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية أنها كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بن شماس ... وهذا إسناد صحيح. وانظر الحديث الآتي. 261- إسناده صحيح على شرط البخاري. عبد الوهّاب هو ابن عبد المجيد. خالد هو ابن مهران الحذّاء البصري، وعكرمة هو أبو عبد الله مولى ابن عباس. وهو في «شرح السنة» 261 وأخرجه البخاري 5273 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5274 و5275 و5276 والنسائي (6/ 169) والبيهقي (7/ 313) من طرق عن عكرمة به. [.....] (1) في المطبوع «فكرهن» . (2) في المطبوع «محبة» . (3) زيادة من المخطوط. (4) في المطبوع «تردها» . (5) وقع في الأصل «زاهر» والتصويب من صحيح البخاري. (6) في المطبوع «في» . (7) في المطبوع «الوالي» .

تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أَيْ: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا مِنْهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِما الزَّوْجَ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَذَكَرَهُمَا جَمِيعًا لِاقْتِرَانِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَسِيا حُوتَهُما [الْكَهْفِ: 61] ، وَإِنَّمَا النَّاسِي فَتَى مُوسَى دُونَ مُوسَى، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لَا جُنَاحَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي النُّشُوزِ إِذَا خَشِيَتِ الْهَلَاكَ وَالْمَعْصِيَةَ، وَلَا فيما افتدت به وأعطت من [1] الْمَالَ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ إِتْلَافِ المال بغير حق، و [لا] [2] عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْمَالِ إِذَا أَعْطَتْهُ طَائِعَةً، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أن الخلع جائز على أَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا [3] ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا مِنَ الْمَهْرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ ما أعطاها بل يترك [لها] شيئا، ويجوز الخلع في [4] غَيْرِ حَالِ النُّشُوزِ، غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْوَصْلَةِ بِلَا سَبَبٍ. «262» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنَجْوَيْهِ [5] الدِّينَوَرِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ [أَبِي] [6] شَيْبَةَ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُسْتَمْلِي [7] أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَاكِرِ بْنِ أحمد بن جناب [8] ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ أَنَا عبيد اللَّهِ [9] بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ عمر قال:

_ 262- ضعيف. إسناده ضعيف جدا، فيه عبيد الله بن الوليد الوصّافي، وهو متروك الحديث. لكن لم ينفرد به، فقد توبع من طرق لكنها واهية، لا تقوم بها حجة. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (4/ 323) من طريق أحمد بن جناب عن عيسى بن يونس بهذا الإسناد قال ابن عدي: الوصافي ضعيف جدا، يتبين ضعفه على حديثه. - وأخرجه ابن ماجه 2018 وابن عدي (4/ 323) من طريق محمد بن خالد عن عبيد الله بن الوليد الوصافي ومعرّف بن واصل عن محارب به. - وأخرجه أبو داود 2178 وابن عدي (6/ 461) والبيهقي (7/ 322) من طريق محمد بن خالد عن معرف بن واصل عن محارب عن ابن عمر به وفيه محمد بن خالد، وهو مستور، أي عدل الظاهر خفي الباطن. وقال ابن عدي: لا أعلم رواه عن معرف إلا محمد بن خالد، وهو ممن يكتب حديثه اهـ. وقال المنذري في «مختصر السنن» (3/ 92) : والمشهور فيه المرسل. قلت: المرسل أخرجه أبو داود 2177 وابن أبي شيبة (7/ 138) عن محارب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم ... فذكره وهذا مرسل صحيح. - وأخرجه الحاكم (2/ 196) والبيهقي (7/ 322) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي بقوله: على شرط مسلم ... ! مع أن في إسناده محمد بن عثمان قال عنه الذهبي في «الميزان» : كذبه عبد الله بن أحمد، ووثقه صالح اهـ. - وفي الباب من حديث معاذ بن جبل عند الدارقطني (4/ 35) والبيهقي (7/ 361) قال الزيلعي في «نصب الراية» (3/ 235) : قال عبد الحق. فيه حمد بن مالك ضعيف، وكذا ضعفه البيهقي، وقال: مكحول لم يسمع من معاذ، وكذا أعله ابن الجوزي في التحقيق وقال ابن عبد الهادي: الحمل فيه على حميد اهـ. وانظر: «إرواء الغليل» 2040 و «المقاصد الحسنة» (10) . (1) في المطبوع «به» والمثبت عن- ط، وهو غير موجود في المخطوط أصلا. (2) سقط من المطبوع. (3) في المخطوط «من المهر» . (4) في المطبوع «على» . (5) وقع في الأصل «زنجويه» والتصويب عن «ط» و «الأنساب» (2/ 531) . (6) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من كتب التراجم. [.....] (7) تصحف في المخطوط إلى «المستلي» . (8) في الأصل «خباب» وهو تصحيف. (9) تصحف في المخطوط وط- إلى «عبد» .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ، [ولا أحب إليه من العتق] [1] » ، «263» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ فنجويه [2] ، أنا ابن أبي شيبة [3] مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة، أنا أبي أنا [أبو] [4] أُسَامَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ [5] ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ [مَا] بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» . وَقَالَ طَاوُسٌ: الْخُلْعُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ خَوْفِ النُّشُوزِ لِظَاهِرِ الآية، والآية خرجت على وفق العادة في أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالِ خَوْفِ النُّشُوزِ غَالِبًا، وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ فَقَبِلَتْ وَقَعَتِ الْبَيْنُونَةُ، وَانْتُقِصَ بِهِ الْعَدَدُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْخُلْعِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ ينتقص [6] بها عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ لَا يُنْتَقَصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْخُلْعَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230] ، وَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ الطلاق أربعا، ومن قال بالقول الأول جَعَلَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أَيْ: هَذِهِ أَوَامِرُ اللَّهِ ونواهيه، وحدود الله ما

_ 263- حديث جيد. إسناده غير قوي لأجل مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة، حيث ضعفه قوم ووثقه آخرون، ولم ينفرد به فقد تابعه غير واحد، أبو شيبة اسمه محمد، وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، أيوب هو ابن أبي تميمة، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد، أبو أسماء هو عمرو بن مرثد الرحبي. وأخرجه ابن أبي شيبة (4/ 182) عن أبي أسامة عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عن أبي أسماء عن ثوبان عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. وإسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه أبو داود 2226 والطبري 40148 من طريق حمّاد بن زيد به. - وأخرجه ابن ماجه 2055 وأحمد (5/ 283) والدارمي (2/ 162) والطبري 484 وابن حبان 4184 وابن الجارود 748 والحاكم (2/ 200) والبيهقي (7/ 316) من طرق عن أيوب به، وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي! مع أن أبا أسماء لم يرو له البخاري، وإنما روى له مسلم فقط، فهو على شرط مسلم. - وأخرجه الترمذي 1187 وأحمد (5/ 277) والطبري 4847 من طريق أبي قلابة عمن حدثه عن ثوبان وقال الترمذي: حديث حسن اهـ. - وأخرجه الطبري 4844 من طريق ليث عن أبي إدريس عن ثوبان به وإسناده منقطع وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف. - وأخرجه ابن أبي شيبة (4/ 182) عن أبي قلابة مرسلا. - وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه 2054 وإسناده ضعيف. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم. (1) زيد في المطبوع وحده دون- ط والمخطوط وكتب الحديث. (2) وقع في الأصل «زنجويه» والتصويب من «ط» و «الأنساب» (2/ 531) . (3) زيد بعد لفظ «شيبة» - أنا- وهو إقحام من النساخ، والمثبت هو الصواب. (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (5) في الأصل «عن أبي أيوب» والمثبت هو الصواب. (6) في المطبوع «ينقص» .

[سورة البقرة (2) : آية 230]

مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ، فَلا تَعْتَدُوها، فَلَا تُجَاوِزُوهَا، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 230] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَها، يَعْنِي: الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أَيْ: غَيْرَ الْمُطَلِّقِ فَيُجَامِعُهَا، وَالنِّكَاحُ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا، نَزَلَتْ فِي تَمِيمَةَ، وَقِيلَ: فِي عَائِشَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ، كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا رِفَاعَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا. «264» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي وَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا، حَتَّى يَذُوقَ عسيلتك وتذوقي عسيلته» . ع «265» وَرُوِيَ أَنَّهَا لَبِثَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي قَدْ مَسَّنِي، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَذَبْتِ بِقَوْلِكِ الْأَوَّلِ فَلَنْ نُصَدِّقَكِ فِي الْآخَرِ» ، فَلَبِثَتْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجِعُ إِلَى زَوْجِي الْأَوَّلِ فَإِنَّ زَوْجِي الْآخَرَ قَدْ مَسَّنِي وَطَلَّقَنِي، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: قَدْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَيْتِهِ وَقَالَ لَكِ مَا قَالَ، فَلَا تَرْجِعِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَتْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا ترجعي إليه لَئِنْ رَجَعْتِ إِلَيْهِ لَأَرْجُمَنَّكِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا، يَعْنِي: فَإِنْ طلّقها الزوج الثاني بعد ما جَامَعَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا، يَعْنِي: عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَرَاجَعَا، يَعْنِي: بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، إِنْ ظَنَّا،

_ 264- إسناده صحيح رجاله ثقات، سفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمد بن مسلم، وعروة هو ابن الزبير. هو عند المصنف في «شرح السنة» 2354 بهذا الإسناد. - وأخرجه الشافعي (2/ 35) عن سفيان بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (2639) و (5260) و (5792) و (6084) ومسلم 1433 والترمذي 1118 والنسائي (6/ 93) و146 و147 و148 وابن ماجه 1932 وأحمد (6/ 34) و (37) و (193) و (226) و (229) والطيالسي 1437 و1473 وأبو يعلى 4423 والحميدي 226 وعبد الرزاق 11131 وابن الجارود 683 والطبري (4890) و (4891) و (4892) و (4893) والبيهقي (7/ 373) و (474) من طرق عن الزهري به. وأخرجه البخاري 5265 و5317 ومسلم 1433 ح 114 والدارمي 2/ 162 والطبري 4889 والبيهقي 7/ 374 من طرق عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه. 265- ع ضعيف. أخرجه ابن المنذر كما في «الدر المنثور» (1/ 505) عن مقاتل بن حيان بهذا اللفظ، وهذا ضعيف، فهو معضل، ومقاتل ذو مناكير. - وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» 11133 عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ الخراساني عن ابن عباس به، وإسناده ضعيف جدا. عطاء الخراساني هو ابن عبد الله، لم يسمع ابن عباس، فهذه علة، ثم هو ضعيف عند الجمهور، روى مناكير كثيرة.

أَيْ: عَلِمَا، وَقِيلَ: رَجَوَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أَيْ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاحُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ عَلِمَا أن نكاحهما على غير دلسة، وَأَرَادَ بِالدُّلْسَةِ: التَّحْلِيلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا زَوْجًا آخَرَ لِيُحَلِّلَهَا [1] لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَذَهَبَ جماعة إلى أنه إذا لم يشترط فِي النِّكَاحِ مَعَ الثَّانِي أَنَّهُ يُفَارِقُهَا، فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ، [وَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا] [2] غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِي عَزْمِهَا ذَلِكَ. «266» أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، أَنَا [الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بن خالد الحراني] [3] ، أنا عُبِيْدُ اللَّهِ [4] عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ [5] ، عَنْ أَبِي وَاصِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ» . وَقَالَ نَافِعٌ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَانْطَلَقَ أَخٌ له من غير مؤامرة،

_ 266- صحيح بطرقه وشواهده. إسناده ضعيف، أبو واصل اسمه سليمان بن فروخ، ويقال سلمان. قال الذهبي في «الميزان» (2/ 187) : لا يعرف اهـ. لكن لم ينفرد به، عبيد الله هو ابن عمرو الرّقّي، وعبد الكريم هو ابن مالك. وهو في «شرح السنة» 2286 بهذا الإسناد لكن صدره عنده، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم «أنه لعن ... » . وأخرجه أحمد (1/ 450- 451) وإسحاق في «مسنده» كما في «التلخيص» (3/ 170) من طريق زكريا بن عدي عن عبيد الله بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 1120 والنسائي (6/ 149) (3416) والدارمي (2/ 158) وأحمد (1/ 448 و462) وابن أبي شيبة (7/ 44- 45) وابن الجوزي في «التحقيق» 1658 والبيهقي (7/ 208) من طريق أبي قيس عن هزيل عن ابن مسعود. وهذا إسناد صحيح. ولفظه عند الترمذي «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم المحلل والمحلل له» . وهو عجز حديث عند النسائي وصدره «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم الواشمة والموتشمة ... » . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» (3/ 170) : وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري. وللحديث شواهد كثيرة منها. - حديث ابن عباس عند ابن ماجه 1934 وابن عدي (3/ 340) وفي إسناده زمعة وسلمة وهما ضعيفان. - وحديث علي بن أبي طالب عند أبي داود 2076 والترمذي 1119 وابن ماجه 1935 وأحمد (1/ 83 و87 و88 و93 و107 و121 و133 و150 و158) وإسناده ضعيف لضعف الحارث الأعور. - وحديث عقبة بن عامر عند ابن ماجه 1936 والحاكم (2/ 198) والبيهقي (7/ 208) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد مختلف فيه من أجل أبي مصعب اهـ. - وحديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة (7/ 45) وابن الجارود 684 والبيهقي (7/ 208) وأحمد (2/ 323) . وحسنه البخاري كما في «التلخيص» (3/ 170) ، فالحديث صحيح بشواهده وطرقه. (1) في المطبوع وحده «ليحلها» . [.....] (2) سقط من المخطوط. (3) سقط من المخطوط. (4) وقع في الأصل «بن» والتصويب عن «شرح السنة» و «ط» وكتب التراجم. (5) وقع في الأصل «الجوزي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم.

[سورة البقرة (2) : آية 231]

فَتَزَوَّجَهَا لِيَحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَقَالَ: لَا إِلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [1] ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، يَعْنِي: يَعْلَمُونَ مَا أَمَرَهُمُ الله تعالى به. [سورة البقرة (2) : آية 231] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ثَابِتَ بْنَ يَسَارٍ طلق امرأته حتى [إذا قارب] [2] انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُضَارَّتَهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أَيْ: أَشْرَفْنَ عَلَى أن تبين بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ [3] إِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ إِمْسَاكُهَا، فَالْبُلُوغُ هَاهُنَا بُلُوغُ مُقَارَبَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة: 232] ، حقيقة لانقضاء العدة، والبلوغ لا يَتَنَاوَلُ الْمَعْنَيَيْنِ، يُقَالُ: بَلَغَ الْمَدِينَةَ إذا قرب منها [و] إذا دَخَلَهَا، فَأَمْسِكُوهُنَّ، أَيْ: رَاجَعُوهُنَّ، بِمَعْرُوفٍ، قِيلَ: الْمُرَاجَعَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَأَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ لَا بِالْوَطْءِ، أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أَيِ: اتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ فيكن أملك لأنفسهن، وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا، أَيْ: لا تقصدوا بالرجعة المضارة [لهن] [4] بِتَطْوِيلِ الْحَبْسِ. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، أَيْ: أَضَرَّ بِنَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [البقرة: 229] ، وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ فَهُوَ مُتَّخِذٌ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقُولُ كُنْتُ لَاعِبًا، وَيُعْتِقُ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَنْكِحُ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ. «267» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ [5] أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن عمر

_ 267- حديث حسن بشواهده، إسناده لين لأجل عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو في «شرح السنة» 2349 بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 2194 والترمذي 1184 وابن ماجه 2039 والدارقطني (3/ 256- 257) و (4/ 18- 19) وابن الجارود 712 والطحاوي (2/ 58) والحاكم (2/ 198) وابن الجوزي في «التحقيق» 1711 من طريق عبد الرحمن بن حبيب بهذا الإسناد. وصححه الحاكم وقال: وعبد الرحمن بن حبيب من ثقات المدنيين، وتعقبه الذهبي بقوله: فيه لين وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحافظ في «التلخيص» (3/ 210) : وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك، وهو مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره، فهو على هذا حسن اهـ. - وله شواهد منها: - حديث عبادة بن الصامت عند ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 289) وأحمد بن منيع كما في «المطالب (1) زيد في النسخ قبل لفظ «لعن» [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم] وهي زيادة من النساخ، وليست بشيء، فالخبر عن ابن عمر غير مرفوع. (2) ما بين المعقوفتين في المطبوع «قاربت» . (3) في المخطوط «العبرة» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) وقع في الأصل «الحرقي» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : آية 232]

الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ [1] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ ابن [2] حبيب بن أردك [3] [هو عبد الرحمن بن حبيب وابن ماهك هو يوسف بن ماهك] [4] ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ [5] مَاهَكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ والنكاح والرجعة» . وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ: بِالْإِيمَانِ، وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةِ، يَعْنِي: السُّنَّةَ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ، يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 232] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ أُخْتِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ كَانَتْ تَحْتَ أبي البداح بن عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَجْلَانَ، فَطَلَّقَهَا. «268» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو [6] : حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ [7] عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بن يسار قال:

_ العالية» 1659 وسكت عليه الحافظ وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن مسلم المكي. قال أحمد وغيره: منكر الحديث. - وحديث علي عند الدارقطني (4/ 20) وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن أبي أمية. - ومرسل الحسن عند الطبري 4926 وابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 288) ومراسيل الحسن واهية. - وحديث أبي ذر عند عبد الرزاق في «المصنف» 10249 وفي إسناده إبراهيم بن محمد وهو متروك كما في «التقريب» وأعله الحافظ في «التلخيص» (3/ 209) بالانقطاع، وانظر تفسير الشوكاني 372 وتفسير ابن كثير عند هذه الآية، وكلاهما بتخريجي. وورد موقوفا عن عمر بن الخطاب عند عبد الرزاق 10248 وعن علي 10247 وعن أبي الدرداء (10245) و (10246) . (1) في الأصل «الكشمهيني» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «أبي» وهو تصحيف والتصويب من «مصادر التخريج» . (3) ما بين المعقوفتين في المخطوط بإثر المتن. [.....] (4) ما بين المعقوفتين ليس في «ط» . (5) وقع في الأصل «أبي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (6) وقع في «شرح السنة» و «صحيح البخاري» ، وكلاهما طبع «الكتب العلمية» «عمر» بدل عمرو وهو تصحيف. (7) وقع في الأصل «أبو هاشم» والتصويب من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» و «أسباب النزول» للواحدي. 268- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو عمرو هو حفص بن عبد الله بن راشد، إبراهيم هو ابن طهمان، يونس هو عبيد، والحسن هو ابن أبي الحسن البصري. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» 2256 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5130 من طريق أحمد بن أبي عمر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4529 وأبو داود 2078 والترمذي 1981 والنسائي في «التفسير» (61) و (62) والطيالسي (930) والدارقطني (3/ 222) والطبري (4930) و (4931) و (4932) و (4934) والواحدي (153) و (154) والبيهقي (7/ 138) من طرق عن الحسن به.

[سورة البقرة (2) : آية 233]

زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا! ثُمَّ جِئْتَ تخطبها؟ ألا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ [1] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ، فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قال: فزوّجها إِيَّاهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أَيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ، أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ عَنِ النِّكَاحِ، وَالْعَضْلُ: الْمَنْعُ، وَأَصْلُهُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، يُقَالُ: عَضَلَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَضَاقَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، وَالدَّاءُ العضال الذي لا يطاق علاجه، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ، إِذْ لَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَضْلٌ، وَلَا لِنَهْيِ الْوَلِيِّ عَنِ الْعَضْلِ مَعْنًى، وَقِيلَ: الْآيَةُ خِطَابٌ مَعَ الْأَزْوَاجِ لِمَنْعِهِمْ مِنَ الْإِضْرَارِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خِطَابٌ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، بِعَقْدٍ حَلَالٍ وَمَهْرٍ جَائِزٍ، ذلِكَ، أَيْ: [ذَلِكَ] [2] الَّذِي ذَكَرَ مِنَ النَّهْيِ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُوَحَّدًا وَالْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُخَاطَبَةِ الْجَمْعِ ذَلِكُمْ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ الْكَافَ مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ وَلَيْسَ بِكَافِ خِطَابٍ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَإِذَا قَالُوا هَذَا كَانَتِ الْكَافُ موحدة مستوية فِي الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُذَكَّرِ، قِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، أَيْ: خَيْرٌ لَكُمْ، وَأَطْهَرُ: لِقُلُوبِكُمْ مِنَ الريبة وذلك أنه كَانَ فِي نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ منهما علاقة حيث لَمْ يؤمن أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَلَمْ يؤمن مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْهُمَا مَا لَعَلَّهُمَا أَنْ يَكُونَا بَرِيئَيْنِ مِنْ ذَلِكَ فَيَأْثَمُونَ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، أَيْ: يَعْلَمُ مِنْ حُبِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ. [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لَا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) قَوْلُهُ تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ، أي: والمطلقات اللَّاتِي لَهُنَّ أَوْلَادٌ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ يُرْضِعْنَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ إِيجَابٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْإِرْضَاعُ إذا كان يوجد من يرضع الْوَلَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطَّلَاقِ: 6] ، فَإِنْ رَغِبَتِ الْأُمُّ فِي الْإِرْضَاعِ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا، حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، أَيْ: سَنَتَيْنِ، وَذَكَرَ الْكَمَالَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [الْبَقَرَةِ: 196] ، وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ كَامِلَيْنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُسَمِّي بَعْضَ الْحَوَلِ حَوْلًا وَبَعْضَ الشَّهْرِ شَهْرًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [البقرة: 197] ، وإنّما هي شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ، وَقَالَ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [الْبَقَرَةِ: 203] ، وَإِنَّمَا يُتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ وَيُقَالُ: أَقَامَ فُلَانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا حَوْلَيْنِ، وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهِ حَوْلًا وَبَعْضَ آخَرَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا حَوْلَانِ كَامِلَانِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ حَدٌّ لبعض

_ (1) زيد في المخطوط دون نسخ المطبوع و «شرح السنة» «وليس لي إرادة في رجعتها له» . (2) زيادة عن المخطوط وط.

الْمَوْلُودِينَ، فَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا ترضعه حولين كاملين، وإن وضعت [1] لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا، وَإِنْ وَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ شَهْرًا [وَإِنْ وَضَعَتْ لِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ عِشْرِينَ شَهْرًا] [2] ، كُلُّ ذَلِكَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ شَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الْأَحْقَافِ: 15] ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ [حَدٌّ] [3] لِكُلِّ مَوْلُودٍ بِأَيِّ وَقْتٍ وُلِدَ لَا يَنْقُصُ رَضَاعُهُ عَنْ حَوْلَيْنِ إِلَّا بِاتِّفَاقِ الْأَبَوَيْنِ، فَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْفِطَامَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالثَّوْرِيِّ، وَرِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّضَاعَ الذي يثبت [بِهِ] [4] الْحُرْمَةُ مَا يَكُونُ فِي الْحَوْلَيْنِ فَلَا يَحْرُمُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، ثُمَّ أَنْزَلَ التَّخْفِيفَ فَقَالَ: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ، أي: هذا منتهى الرضاع [5] ، وليس فيما [6] دون ذلك حدّ محدود [لهما] ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مِقْدَارِ صَلَاحِ الصَّبِيِّ وَمَا يَعِيشُ بِهِ. وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ، يَعْنِي: الْأَبَ، رِزْقُهُنَّ: طَعَامُهُنَّ، وَكِسْوَتُهُنَّ: لِبَاسُهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ، لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها، أَيْ: طَاقَتَهَا، لَا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بِرَفْعِ الرَّاءِ، نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: لَا تُكَلَّفُ وَأَصْلُهُ تُضَارِرْ، فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ تُضَارَّ، بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَقَالُوا: لَمَّا أُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ حُرِّكَتْ إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ وَهُوَ النَّصْبُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا فَيُنْزَعُ الْوَلَدُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ رَضِيَتْ بِإِرْضَاعِهِ، وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، أَيْ: لَا تلقيه المرأة إلى أبيه بعد ما أَلِفَهَا تُضَارُّهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ فَتُكْرَهُ عَلَى إرضاعه إذا كرهت [هي] [7] إِرْضَاعَهُ، وَقَبِلَ الصَّبِيُّ مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ، فَيُحْتَمَلُ أن يعطي الْأُمُّ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَهَا إذا لم يرضع [8] الولد مِنْ غَيْرِهَا، فَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَصْلُ الْكَلِمَةِ: لَا تُضَارِرْ، بِفَتْحِ الرَّاءِ الْأُولَى عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَالْوَالِدَةُ وَالْمَوْلُودُ [لَهُ] [9] مَفْعُولَانِ، وَيُحْتَمَلُ أن يكون الفعل لهما يكون [10] تُضَارَّ بِمَعْنَى: تُضَارِرْ بِكَسْرِ [الرَّاءِ] الْأُولَى عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، وَالْمَعْنَى: لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ فَتَأْبَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا لِيَشُقَّ عَلَى أَبِيهِ، وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ، أَيْ: لَا يُضَارَّ الْأَبُ أُمَّ الصَّبِيِّ فَيَنْزِعُهُ مِنْهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ إِرْضَاعِهِ، وَعَلَى هذه الأقوال يرجع الضرار إِلَى الْوَالِدَيْنِ، يُضَارُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضِّرَارُ رَاجِعًا إِلَى الصَّبِيِّ، أَيْ: لَا يُضَارَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّبِيَّ، فَلَا تُرْضِعُهُ الْأُمُّ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ لَا يُنْفِقُ الْأَبُ، أَوْ يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْأُمِّ حَتَّى يُضَرَّ بِالصَّبِيِّ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً، وَمَعْنَاهُ: لا تضار والدة ولدها، ولا أب ولده، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ، اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْوَارِثِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ وَارِثُ الصَّبِيِّ، مَعْنَاهُ: وَعَلَى وَارِثِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَهُ مَالٌ وَرِثَهُ [11] مِثْلُ الَّذِي كَانَ عَلَى أَبِيهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ وَارِثٍ هُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَصَبَةُ الصَّبِيِّ مِنَ الرِّجَالِ، مِثْلُ الْجَدِّ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ والحسن ومجاهد

_ 1 زيد في المطبوع وحده دون المخطوط وط- و «الدر المنثور» . 2 زيد في المطبوع وحده دون المخطوط وط- و «الدر المنثور» . 3 ما بين المعقوفتين زيادة من المخطوط. 4 ما بين المعقوفتين زيادة من المخطوط. (5) في المطبوع «الرضاعة» . (6) في المطبوع «فيها» . (7) زيادة عن المخطوط. [.....] (8) زيادة من المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط وط. (10) في المطبوع «وتكون» . (11) في المطبوع «وزنه» .

[سورة البقرة (2) : آية 234]

وَعَطَاءٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ، قَالُوا: إذا لم يكن للصبي مال يُنْفَقُ عَلَيْهِ أُجْبِرَتْ عَصَبَتُهُ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَرْضِعُوهُ، وَقِيلَ: هُوَ وَارِثُ الصَّبِيِّ مَنْ كَانَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَقَالُوا: يُجْبَرُ عَلَى نفقته كل وارث قَدْرِ مِيرَاثِهِ، عَصَبَةً [1] كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلُودِ، فَمَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى، فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَارِثِ هُوَ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ الَّذِي هُوَ وَارِثُ أَبِيهِ الْمُتَوَفَّى، تَكُونُ أُجْرَةُ رَضَاعِهِ وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأُمِّ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصَّبِيِّ إِلَّا الْوَالِدَانِ، وَهُوُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَاقِي مِنْ وَالِدَيِ الْمَوْلُودِ، بَعْدَ وفاة الآخر عليه، مثل الذي [2] كَانَ عَلَى الْأَبِ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّفَقَةَ بَلْ مَعْنَاهُ وَعَلَى الْوَارِثِ تَرْكُ الْمُضَارَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، فَإِنْ أَرادا، يعني: الوالدين، فِصالًا، [أي] : فِطَامًا، قَبْلَ [3] الْحَوْلَيْنِ عَنْ تَراضٍ مِنْهُما، أي: اتفاق [من] الْوَالِدَيْنِ، وَتَشاوُرٍ، أَيْ: يُشَاوِرُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى يُخْبِرُوا أَنَّ الْفِطَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ، وَالْمُشَاوَرَةُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، أَيْ: لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِي الْفِطَامِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ، أَيْ: لِأَوْلَادِكُمْ مَرَاضِعَ غَيْرَ أمّهاتهم إذا أبت أمهاتهم إرضاعهم، أو تعذّر لعلة بهنّ أو انْقِطَاعُ لَبَنٍ أَوْ أَرَدْنَ النِّكَاحَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ، إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ، مَا آتَيْتُمْ، مَا سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ [أو] بِقَدْرِ مَا أَرْضَعْنَ، وَقِيلَ: إِذَا سَلَّمْتُمْ أُجُورَ الْمَرَاضِعِ إِلَيْهِنَّ، بِالْمَعْرُوفِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ مَا آتَيْتُمْ [وَفِي الرُّومِ: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الرُّومِ: 39] بِقَصْرِ الْأَلْفِ، وَمَعْنَاهُ: [مَا فَعَلْتُمْ، يُقَالُ: أَتَيْتُ جَمِيلًا إِذَا فَعَلْتُهُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَكُونُ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى] [4] الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لَا بِمَعْنَى تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ، يَعْنِي: إِذَا سَلَّمْتُمْ لِأَمْرِهِ وَانْقَدْتُمْ لِحُكْمِهِ، وَقِيلَ: إِذَا سَلَّمْتُمْ لِلِاسْتِرْضَاعِ [5] عَنْ تراض وإنفاق دُونَ الضِّرَارِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. [سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ، أَيْ: يَمُوتُونَ وَتُتَوَفَّى [6] آجَالُهُمْ، وَتَوَفَّى وَاسْتَوْفَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمَعْنَى التَّوَفِّي: أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا، وَيَذَرُونَ أَزْواجاً: يتركون أزواجا، يَتَرَبَّصْنَ: ينتظرون، بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، أَيْ: يعتدون بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالنُّقْلَةِ [7] عَلَى فِرَاقِ أَزْوَاجِهِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ، إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ فَعِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الِابْتِدَاءِ حَوْلًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [الْبَقَرَةِ: 240] ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَاجِبَةً عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، فَجَعَلَ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وإن شاءت خرجت وهو [معنى] [8] قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ

_ (1) في المطبوع «عصبته» . (2) في المطبوع «ما» بدل «الذي» . (3) في المطبوع «قيل» . (4) زيد في نسخ المطبوع. (5) في المخطوط «الاسترضاع» . (6) في المطبوع «ويتوفى» . (7) في المخطوط «التفكه» والمثبت هو الصواب كما في الطبري 5092 والمراد بالنّقلة: الانتقال من البيت إلى آخر. (8) زيادة من المخطوط.

خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ [البقرة: 240] ، فالعدّة ما [1] هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عند أهلها، [فتعتد حيث شاءت، وقال عطاء: إن شاءت اعتدّت عند أهلها] [2] وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وهي أن تمنع مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا [تَدْهِينَ رَأْسِهَا بِأَيِّ دُهْنٍ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ طِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَهَا تَدْهِينُ جَسَدِهَا بِدُهْنٍ لَا طِيبَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا] [3] أَنْ تَكْتَحِلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ أَوْ فِيهِ زِينَةٌ كَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ، وَلَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ الْفَارِسِيِّ الَّذِي لَا زِينَةَ فِيهِ، فَإِنِ اضْطُرَّتْ إِلَى كُحْلٍ فيه زينة فقد رخّص فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ومنهم سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكْتَحِلُ بِهِ ليلا وتمسحه بالنهار. ع «269» قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وقد جعلت على وجهي صَبْرًا فَقَالَ: «إِنَّهُ يَشِبُّ [4] الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ» . وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخِضَابُ وَلَا لُبْسُ الْوَشْيِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحُلِيِّ، وَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْبِيضِ مِنَ الثِّيَابِ وَلُبْسُ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ، وَلَا تَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ لِلزِّينَةِ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَخْضَرِ النَّاضِرِ وَالْأَصْفَرِ، وَيَجُوزُ مَا صُبِغَ لِغَيْرِ زِينَةٍ كَالسَّوَادِ وَالْكُحْلِيِّ، وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ بِحَالٍ. «270» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ [5] ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أبو إسحق الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ

_ 269- ع ضعيف. ذكره مالك في «الموطأ» (2/ 600) بلاغا وكذا رواه الشافعي من طريقه كما في «التلخيص» (3/ 239) . - ووصله أبو داود 2305 والنسائي (6/ 204) (3539) من طريق المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها توفي ... فذكره بأتم منه. وقال الحافظ في «التلخيص» (3/ 239) : وأعله عبد الحق، والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه. وأعل بما في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة سمعت أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: لا، مرتين أو ثلاثا اهـ. 270- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - هو عند المصنف في «شرح السنة» 2382 بهذا الإسناد. - وفي «الموطأ» (2/ 596- 598) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري (5334) و (5335) و (5336) ومسلم (1486) و (1487) و (1489) وأبو داود (2299) والترمذي (1195) و (1196) و (1197) والنسائي (6/ 201- 202) والشافعي (2/ 61- 62) وعبد الرزاق (12130) وابن حبان (4304) والبيهقي (7/ 437) . - وورد من طرق عن حميد بن نافع به أخرجه البخاري (1280) و (5338) و (5339) و (5706) ومسلم (1486) ح/ 59 و61 و62 والنسائي (6/ 188) وابن ماجه 2084 وأحمد (6/ 291) و (292) و (311) والطبراني (23/ 422) و (423- 427) و (813- 817) وابن الجارود (765) و (768) والبيهقي (7/ 437) و (439) رووه مطولا ومختصرا. [.....] (1) في المطبوع «كالعدة كما» . (2) سقط من المطبوع وحده. (3) سقط من المخطوط. (4) يشب الوجه: يلوّنه ويحسنه. (5) في «شرح السنة» 2382: «الشيرزي» بدل «السرخسي» .

مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ [بْنِ] [1] مُحَمَّدِ بْنِ عمر [و] [2] بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ، قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِهِ بَطْنَهَا ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ [تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ] [3] أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . وَقَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ على زينب بنت جحش [زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم] [4] حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يحل لامرأة تؤمن بالله أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» . قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعَتْ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عينها أفنكحلها؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا» ، ثُمَّ قَالَ: «إنما هي أربعة أشهر وعشرا، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ» ، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا [5] وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طيبا ولا شيئا حتى يمرّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حمارا أو شاة أو طيرا فتفتض به، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. [وَقَالَ مَالِكٌ: تَفْتَضُّ، أَيْ: تنسلخ جِلْدَهَا] [6] ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّ فِيهَا يُنْفَخُ الرُّوحُ فِي الْوَلَدِ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْوَلَدَ يَرْتَكِضُ، أَيْ: يَتَحَرَّكُ فِي الْبَطْنِ لِنِصْفِ مُدَّةِ الحمل أربعة أشهر وعشرا قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ عَشْراً بِلَفْظِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّيَالِيَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَبْهَمَتِ الْعَدَدَ بَيْنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ غَلَّبَتْ عَلَيْهَا اللَّيَالِيَ، فَيَقُولُونَ: صُمْنَا عَشْرًا، وَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّهَارِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّمَا أَنَّثَ الْعَشْرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُدَدَ [7] ، أَيْ: عَشْرَ مُدَدٍ، كُلُّ مُدَّةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوَّجُهَا حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ من الصحابة فمن بعدهم، روي عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّهَا تَنْتَظِرُ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بعد الطّولى، [و] أَرَادَ بِالْقُصْرَى سُورَةُ الطَّلَاقِ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطَّلَاقِ: 4] ، نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً، [وبالطولى] [8] في سورة البقرة فحمل عَلَى النَّسْخِ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ خَصُّوا الْآيَةَ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ وَهُوَ مَا:

_ (1) زيادة عن كتب التخريج والتراجم. (2) زيادة عن كتب التخريج. (3) زيادة عن المخطوط وشرح السنة. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في الأصل «خفشا» وهو تصحيف، والخفش: البيت الرديء. (6) سقط من المخطوط. (7) في المطبوع «المدة» . (8) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 235]

«271» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ نَفَسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أَيِ: انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ، فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ، أَيْ: مِنَ اخْتِيَارِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الْعَقْدِ [فَإِنَّ الْعَقْدَ] [1] إِلَى الْوَلِيِّ، وَقِيلَ: فِيمَا فَعَلْنَ مِنَ التَّزَيُّنِ لِلرِّجَالِ زِينَةً لَا يُنْكِرُهَا [2] الشَّرْعُ، بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عن الطلاق ففيها نظر، فإن كانت رجعية لا إِحْدَادَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّ لها أن [تصنع] مَا يُشَوِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ إِلَيْهَا لِيُرَاجِعَهَا، وَفِي الْبَائِنَةِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلْقَاتِ الثلاث قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: [عَلَيْهَا] [3] الْإِحْدَادُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي: لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مالك. [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لَا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ، أَيِ: النِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ، وَأَصْلُ التَّعْرِيضِ: هُوَ التَّلْوِيحُ بالشيء، والتعريض في الكلام بما يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ مُبَاحٌ فِي الْعِدَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، مَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ، إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وَإِنَّكِ لَصَالِحَةٌ، وَإِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ مِنْ غَرَضِي أَنْ أتزوج بك، وَإِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ بِالْحَلَالِ أَعْجَبَنِي [4] ، وَلَئِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ أَنْكِحِينِي، وَالْمَرْأَةُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ رَغِبَتْ فِيهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أن يهدي إليها وَيَقُومَ بِشَغْلِهَا فِي الْعِدَّةِ إِذَا كانت [من شأنه] [5] . ع «272» رُوِيَ أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ حَنْظَلَةَ بَانَتْ [6] مِنْ زَوْجِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الباقر في

_ 271- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وهو عند المصنف في «شرح السنة» 238 بهذا الإسناد. - وعند مالك (2/ 590) عن هشام به. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 5320 والنسائي (6/ 190) والشافعي (2/ 52- 53) وأحمد (4/ 327) والبيهقي (7/ 428) . - وأخرجه النسائي (6/ 190) وابن ماجه 2029 وعبد الرزاق (11734) وابن حبان 4298 والطبراني (20/ 5 و6 و7 و8 و11) من طرق عن هشام به. [.....] 272- ع ضعيف. أخرجه الدارقطني (3/ 224) عن محمد بن مخلد عن عباس بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصلت عن عبد (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «يشكرها» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «أعجبتني» . (5) في المطبوع «غير شابة» . (6) في المخطوط «تأيمت» .

عِدَّتِهَا وَقَالَ: يَا بِنْتَ حَنْظَلَةَ أَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتِ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقَّ جَدِّي عَلَيَّ وَقِدَمِي فِي الْإِسْلَامِ! فَقَالَتْ سُكَيْنَةُ: أَتَخْطُبُنِي وَأَنَا فِي الْعِدَّةِ وَأَنْتَ [ممن] [1] يؤخذ عَنْكَ! فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْبَرْتُكِ بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ فِي عِدَّةِ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ، حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ عَلَى يَدِهِ، وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الحياة ينظر إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لِمَنْ بَانَتْ [مِنْهُ] [2] نِكَاحُهَا، كَالْمُطَلَّقَةِ ثلاثا، والمبانة باللّعان والرضاع، فإنه يَجُوزُ خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا، [وَإِنْ كَانَتْ ممن يحل لِلزَّوْجِ نِكَاحُهَا كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا، يَجُوزُ لِزَوْجِهَا خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا] [3] ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُعَاوَدَةَ ثابتة لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ كَالرَّجْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ للغير تعريضا بالخطبة، [و] قوله تَعَالَى: مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ، [الْخِطْبَةُ] [4] الْتِمَاسُ النِّكَاحِ وَهِيَ مَصْدَرُ خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ يَخْطُبُ خِطْبَةً، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخِطْبَةُ الذِّكْرُ وَالْخِطْبَةُ التَّشَهُّدُ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مَنْ ذِكْرِ النِّسَاءَ عِنْدَهُنَّ أَوْ أَكْنَنْتُمْ: أضمرتم، فِي أَنْفُسِكُمْ، من نِكَاحَهُنَّ، يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ وَكَنَنْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ [أَيْ: أَخْفَيْتُهُ فِي نَفْسِي] [5] ، وَكَنَنْتُهُ سترته، قال السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ فَيُسَلِّمَ وَيُهْدِيَ إِنْ شَاءَ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ: بِقُلُوبِكُمْ، وَلكِنْ لَا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا، اخْتَلَفُوا فِي السِّرِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فقال قوم: هو الزنا وكان الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ أجل الزنية [6] وهو يعرض بِالنِّكَاحِ، وَيَقُولُ لَهَا: دَعِينِي فَإِذَا وفيت عِدَّتَكِ أَظْهَرْتُ نِكَاحَكِ، هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ، وَرِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، [و] قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ لَا يَنْكِحُهَا سِرًّا فَيُمْسِكُهَا فَإِذَا حَلَّتْ أَظْهَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ فَإِنِّي نَاكِحُكِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: لَا يَأْخُذُ مِيثَاقَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَنْكِحُهَا وَلَا يَخْطُبُهَا فِي الْعِدَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: السِّرُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ لَا تَصِفُوا أَنْفُسَكُمْ لَهُنَّ بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ، فَيَقُولُ: آتِيكِ الْأَرْبَعَةَ وَالْخَمْسَةَ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَيُذْكَرُ السِّرُّ وَيُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: أَلَّا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي ... كَبِرْتُ وألّا يحسن السرّ أمثالي وإنما قيل للزنا والجماع: سرا لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي خَفَاءٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً، هو مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ، أَيْ: لَا تُحَقِّقُوا الْعَزْمَ عَلَى عقد النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، أَيْ: حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَسَمَّاهَا اللَّهُ: كِتَابًا، لِأَنَّهَا فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ، أَيْ: فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ، أَيْ: فَخَافُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ،

_ الرحمن بن سليمان- وهو ابن العسيل- نحوه بتمامه. وهذا معضل، وعبد الرحمن بن سليمان فيه ضعف، ومثله محمد بن الصلت. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 282) : هكذا هو في كتاب «النكاح» لابن المبارك.... اهـ. (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «من» . (3) سقط من المخطوط. (4) سقط من المطبوع. (5) زيد في نسخ المطبوع. (6) تحرف في المطبوع إلى «الزينة» . [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 236]

لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ [عَلَى مَنْ خالف أمره ونهيه] [1] . [سورة البقرة (2) : آية 236] لَا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وقوله تَعَالَى: لَا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أَيْ: ولم تمسوهن ولم تفرضوا. ع «273» نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ» . قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «مَا لَمْ تَمَاسُّوهُنَّ» ، بِالْأَلْفِ هَاهُنَا وَفِي الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُفَاعَلَةِ، لِأَنَّ بَدَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُلَاقِي بَدَنَ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا [الْمُجَادَلَةِ: 4] ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ تَمَسُّوهُنَّ بِلَا أَلِفٍ، لِأَنَّ الْغِشْيَانَ يَكُونُ من فعل الرجال، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران: 47] ، أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، أَيْ: تُوجِبُوا لَهُنَّ صَدَاقًا، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْوَجْهُ فِي نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنِ الْمُطَلِّقِ؟ قِيلَ: الطَّلَاقُ قَطْعُ سبب الوصلة. «274» م وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» . فَنَفَى الْجُنَاحَ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ أَرْوَحَ مِنَ الْإِمْسَاكِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا سَبِيلَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ الْمَسِيسِ، وَالْفَرْضِ بِصَدَاقٍ وَلَا نَفَقَةٍ، وَقِيلَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَطْلِيقِهِنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ حَائِضًا كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ طَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَطْلِيقُهَا فِي حَالِ الْحَيْضِ، وَمَتِّعُوهُنَّ، أَيْ: أَعْطُوهُنَّ مِنْ مَالِكُمْ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ، وَالْمُتْعَةُ وَالْمَتَاعُ: مَا يُتَبَلَّغُ بِهِ مِنَ الزَّادِ، عَلَى الْمُوسِعِ، أَيْ: عَلَى الْغَنِيِّ، قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ، أَيِ: الْفَقِيرِ، قَدَرُهُ، أَيْ: إِمْكَانُهُ وَطَاقَتُهُ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ قَدَرُهُ بِفَتْحِ الدَّالِّ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهِمَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَقِيلَ: الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ: الْمَصْدَرُ، وَبِالْفَتْحِ: الِاسْمُ، مَتاعاً نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: مَتِّعُوهُنَّ، مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ: بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ [2] ، حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَبَيَانُ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا مَهْرًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قبل المسيس يجب عليه الْمُتْعَةُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا، عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَذَهَبَ [3] جماعة إلى أنها لَا مُتْعَةَ لَهَا، لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمُتْعَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ

_ 273- ع لم أره مسندا. قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (10/ 285) : لم أجده اهـ. قلت: وذكره القرطبي في تفسيره (3/ 202) وعزاه للثعلبي وهو غير حجة، والظاهر أنه ساقه بدون إسناد وهو يروي الموضوعات، لا يحتج بما ينفرد به. حتى إن الواحدي لم يذكره في «أسباب النزول» وكذا السيوطي وابن كثير. 274- م تقدم برقم 263. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المخطوط «خلل» . (3) في المطبوع «فذهبت» .

[الْبَقَرَةِ: 241] ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا الْمَهْرَ بِمُقَابَلَةِ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهَا مِنْ منفعة البضع، ولها [1] الْمُتْعَةُ عَلَى وَحْشَةِ الْفِرَاقِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا مُتْعَةَ إِلَّا لِوَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا لِوَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا، فَحَسْبُهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: مُتْعَتَانِ يَقْضِي بِإِحْدَاهُمَا السُّلْطَانُ وَلَا يقضي بالأخرى، بل يلزمه فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الَّتِي يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، وَالَّتِي تَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وبين الله تعالى فلا يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ، فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الْمَسِيسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ أَوْ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [الْبَقَرَةِ: 241] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [الْأَحْزَابِ: 49] ، وَقَالَا: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، [أَيْ: أَوْ لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً] [2] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُتْعَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالْأَمْرُ بِهَا أَمْرُ ندب واستحباب. روي أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى شُرَيْحٍ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْمُتْعَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعْلَاهَا خَادِمٌ، وَأَوْسَطُهَا ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ: دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَإِزَارٌ، وَدُونَ ذَلِكَ وِقَايَةٌ، أَوْ شَيْءٌ مِنَ الْوَرِقِ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قال: أَعْلَاهَا عَلَى الْمُوسِعِ: خَادِمٌ، وَأَوْسَطُهَا: ثَوْبٌ، وَأَقَلُّهَا: [أَقَلُّ] [3] مَا لَهُ ثَمَنٌ وَحَسُنَ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَطَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ وتممها [4] بجارية سَوْدَاءَ، أَيْ: مَتَّعَهَا، وَمَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَةً لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَتْ: مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَبْلَغُهَا إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ قَدْرُ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا لَا يُجَاوَزُ. وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَمِنْ حُكْمِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَالِغَةً بِرِضَاهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَلِلْمَرْأَةِ مُطَالَبَتُهُ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا صَدَاقًا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قبل الفرض والدخول، فاختلف أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّهَا هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ [وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ] [5] وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ لَهَا الْمَهْرَ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالدُّخُولِ في تقرير المسمى، فكذلك فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مُسَمًّى، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ واحتجّوا بما: ع «274» رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صداقا ولم

_ 274- ع صحيح. أخرجه أبو داود 2115 والترمذي 1145 والنسائي (6/ 121) والدارمي 2164 وابن ماجه 1891 وأحمد (4/ 279) من طرق عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ به، وإسناده صحيح، وصححه البيهقي (7/ 245) ، وقال الترمذي: حسن صحيح. وكرره أبو داود 2114 والنسائي (6/ 122) وابن ماجه (1891) والحاكم (2/ 180) ، وصححه، (1) في المطبوع «فلها» . (2) زيد في المطبوع. (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «وجمعها» والمثبت عن المخطوطتين. (5) زيد في المطبوع.

[سورة البقرة (2) : آية 237]

يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا وَلَا وَكْسَ [1] وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ فِي حَدِيثِ بَرْوَعَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَعْرَابِيٍّ مِنْ أَشْجَعَ عَلَى [كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [2] . [سُورَةَ البقرة (2) : آية 237] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، فَلَهَا نِصْفُ الْمَفْرُوضِ وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا لَوْ خَلَا الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ [3] إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ نِصْفَ الْمَهْرِ [4] وَلَمْ يُوجِبِ الْعِدَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ، وَمِثْلُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ عُمَرَ عَلَى وُجُوبِ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَيْهَا إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا، لَا عَلَى تَقْدِيرِ [5] الصَّدَاقِ. وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي في الْأَحْزَابِ: فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ [الْأَحْزَابِ: 49] ، فَقَدْ كَانَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ مَتَاعٌ فَنُسِخَتْ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَوْجَبَ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضَ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ، وَلَا مَتَاعَ لَهَا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً، أَيْ: سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مَهْرًا فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أَيْ: لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، يَعْنِي: النِّسَاءَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَتْرُكَ الْمَرْأَةُ نَصِيبَهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ: إِلَى أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعْنَاهُ: إِلَّا أَنْ [6] تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ نَصِيبِهَا إِلَى الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ أَوْ يَعْفُو وَلِيُّهَا، فَيَتْرُكُ نَصِيبَهَا إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا، أَوْ غَيْرَ جَائِزَةِ العفو فَيَجُوزُ عَفْوُ وَلِيِّهَا، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ عَفْوُ الْوَلِيِّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ وَلِيِّهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ

_ ووافقه الذهبي. (1) الوكس: النقص والتنقيص- واشتط في سلعته سقطا: جاوز القدر المحدود وأبعد عن الحق. (2) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (3) في المطبوع «قوم» . (4) في المطبوع «الصداق» . (5) في المخطوط «تقرير» . (6) في المطبوع «أن لا» .

[سورة البقرة (2) : آية 238]

وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ [1] وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لوليّها ترك شيء [2] من صداقها [3] بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الطلاق بالاتفاق، كما لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا، وَقَالُوا: مَعْنَى الْآيَةِ [إِلَّا أَنْ] [4] تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ نَصِيبِهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ، أَوْ يَعْفُو الزَّوْجُ بِتَرْكِ نَصِيبِهِ فَيَكُونُ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهُ الْآيَةِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ نِكَاحِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، [مَوْضِعُهُ رَفْعٌ بالابتداء، أي: والعفو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [5] ، أَيْ إِلَى التَّقْوَى، وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ إِذَا اجْتَمَعَا، كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّرِ، مَعْنَاهُ: وَعَفْوُ بَعْضِكُمْ عَنْ بَعْضٍ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ، أَيْ: إِفْضَالَ بعضهم عَلَى بَعْضٍ بِإِعْطَاءِ الرَّجُلِ تَمَامَ الصَّدَاقِ أَوْ تَرْكِ الْمَرْأَةِ نَصِيبَهَا، حثّهما جميعا على الإحسان، [لأنه من شيم الأخلاق] [6] ، إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. [سورة البقرة (2) : آية 238] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) قَوْلُهُ تَعَالَى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، أَيْ: وَاظِبُوا وَدَاوِمُوا على الصلوات المكتوبات لمواقيتها [7] وحدودها، وإتمام [شروطها و] [8] أركانها، ثم خصّ [الله تعالى] [9] مِنْ بَيْنِهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى بِالْمُحَافَظَةِ عليها دلالة على فضلها، وسطى تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ، وَوَسَطُ الشَّيْءِ: خَيْرُهُ وَأَعْدَلُهُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ ذهب [10] مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، وَالْقُنُوتُ: طُولُ الْقِيَامِ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ مَخْصُوصَةٌ بطول القيام وبالقنوت، ولأن اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهَا فِي آيَةٍ أُخْرَى مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَاتِ [11] ، فَقَالَ الله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء: 78] ، يعني: يشهدها مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي دِيوَانِ اللَّيْلِ وَدِيوَانِ النَّهَارِ، وَلِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَمْعٍ، وَهِيَ لَا تُقْصَرُ وَلَا تُجْمَعُ إِلَى غَيْرِهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ النَّهَارِ وَهِيَ أَوْسَطُ صلوات [12] النَّهَارِ فِي الطُّولِ. «275» أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو علي اللؤلؤي [13] أنا أبو

_ 275- إسناده صحيح، أبو داود هو سليمان بن الأشعث صاحب السنن، ومن دونه ثقات وقد توبعوا، ومن فوقه ثقات، شعبة هو ابن الحجاج، الزّبرقان هو ابن عمرو بن أمية الضمري. وهو عند المصنف في «شرح السنة» 390 بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 411 وأحمد (2/ 183) والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 434) والطبري 5462 والبيهقي (1/ 458) من طرق عن شعبة بهذا الإسناد. (1) تحرف في المطبوع إلى «الشريحي» . (2) في المطبوع «الشيء» . (3) في المطبوع «الصداق» . (4) في المطبوع «أن لا» . (5) زيادة في المطبوع. (6) زيادة من المخطوط. (7) في المطبوع «بمواقيتها» . 8 زيادة عن المخطوط. 9 زيادة عن المخطوط. [.....] (10) في المطبوع «مال» . (11) في المطبوع «الصلاة» . (12) في المطبوع «صلاة» . (13) في الأصل «اللولوي» .

دَاوُدَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ [1] يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زيد بن ثابت قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ. «276» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ [2] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي [3] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى. صَلَاةِ الْعَصْرِ. وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَعَنْ حَفْصَةَ مِثْلُ ذَلِكَ: «277» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سمعان، أنا أبو جعفر

_ (1) وقع في الأصل «الزبير» وهو تصحيف والتصويب من «شرح السنة» وكتب التخريج. 276- إسناده صحيح، أبو إسحق فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال الصحيح. أبو يونس مولى عائشة مشهور بكنيته، وهو والقعقاع من رجال مسلم. - هو عند المصنف في «شرح السنة» 387 بهذا الإسناد. - وعند مالك (1/ 138) من طريق زيد به. ومن طريق مالك أخرجه مسلم 629 وأبو داود 410 والترمذي 2982 والنسائي في «التفسير» 66. - وأخرجه مالك (1/ 138- 139) وأحمد (6/ 73 و178) والطحاوي في «المعاني» (1/ 172) وابن أبي داود في «المصاحف» (ص 84) والبيهقي (1/ 462) من طريق زيد بن أسلم به. - وأخرجه الطبري (5470) من طريق زيد بن أسلم أنه بلغه عن أبي يونس عن عائشة به. - وورد من حديث حفصة. أخرجه مالك (1/ 139) والطحاوي (1/ 172) وابن أبي داود (ص 96- 97) وابن حبان 6323 والمزي في «تهذيب الكمال» والبيهقي (1/ 463) والطبري (5465) و (5466) . (2) في «شرح السنة» «الشيرزي» بدل «السرخسي» . (3) في الأصل «فأذنّي» وهو تصحيف. 277- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل عاصم بن أبي النّجود، واسم أبي النجود، بهدلة، ولم ينفرد به بل توبع، وباقي الإسناد ثقات، أبو نعيم هو الفضل بن دكين، وسفيان هو ابن سعيد الثوري، وعبيدة- بفتح العين مكبر- هو ابن عمرو السلماني. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» 308 بهذا الإسناد. - وأخرجه الطبري 5426 والبيهقي (1/ 460) من طريق سفيان به. - وأخرجه ابن ماجه 684 وعبد الرزاق 2192 والطيالسي 164 وأحمد (1/ 150) والطبري 5431 والطحاوي في «المعاني» (1/ 173) و (174) من طرق عن عاصم بن أبي النجود به.

الرَّيَانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ [1] بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْنَا لِعُبَيْدَةَ: سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصلاة الوسطى، فسأله، قال: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وقبورهم نارا» . ولأنها بين صَلَاتَيْ نَهَارٍ وَصَلَاتَيْ لَيْلٍ، وَقَدْ خَصَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّغْلِيظِ [2] : 27» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا هِشَامٌ [أَنَا] [3] يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ [فَقَدْ] [4] حَبِطَ عَمَلُهُ» . وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وَسَطٌ لَيْسَ بأقلها ولا بأكثرها، [وقال بعضهم: إنها صلاة العشاء] [5] ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ [أَحَدٍ مِنَ] [6] السلف فيها شيء، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا بِعَيْنِهَا أَبْهَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تحريضا للعباد

_ - وأخرجه البخاري (2931) و (4111) و (4533) و (6396) ومسلم (627) وأبو داود (409) وأحمد (1/ 122) والدارمي (1/ 280) من طريق هشام بن حسان عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عبيدة السلماني عن علي به. - وأخرجه مسلم (627) ح/ 203 والترمذي 2984 والنسائي (1/ 236) وأحمد (1/ 135) و (37) و (153) و (154) والطبري (5425) و (5432) من طرق عن أبي حسان عن عبيدة به. - وأخرجه مسلم (627) ح/ 205 وعبد الرزاق (2194) وأحمد (1/ 81 و82 و113 و126 و146) والطبري (5427) و (5429) والبيهقي (1/ 460) و (2/ 220) من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى مسلم بن صبيح عن شتير بن شكل عن علي به. - وورد من حديث ابن مسعود. أخرجه مسلم 628 والترمذي (181) و (2985) والطيالسي (366) وأحمد (1/ 392) و (403) و (404) و (456) والطبري (5433) والطحاوي (1/ 174) والبيهقي (1/ 461) من طريق محمد بن طلحة عن زبيد بن الحارث، عن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود. 278- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، هشام هو ابن سنبر الدّستوائي، أبو قلابة هو عبد الله بن مرثد، أبو المليح هو ابن أسامة بن عمير. قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد، وقيل: زياد. هو عند المصنف في «شرح السنة» 370 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 553 من طريق مسلم بن إبراهيم به. - وأخرجه البخاري 594 وابن ماجه 694 والنسائي (1/ 155) وأحمد (5/ 349) و (350) و (361) وابن حبان (1463) و (1470) وابن أبي شيبة في «المصنف» (1/ 342 و343) وفي «الإيمان» 49 وابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (902- 905) والبيهقي (1/ 444) من طرق عن يحيى بن أبي كثير به. (1) في الأصل «ذر» وهو تصحيف. (2) زيد في المخطوط «بالإيمان في وقتها» . (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. [.....] (4) زيد في نسخ المطبوع وهو في «صحيح البخاري» ، وليس هو في المخطوط و «شرح السنة» . (5) زيد في نسخ المطبوع. (6) زيادة عن المخطوط.

عَلَى [1] الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِهَا، كَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَسَاعَةَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ في يوم الجمعة، وأخفى اسمه [2] الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ [3] لِيُحَافِظُوا عَلَى جَمِيعِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، أَيْ: مُطِيعِينَ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وقتادة وطاوس: وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [النَّحْلِ: 120] ، أَيْ: مُطِيعًا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: لِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صَلَاةٌ يَقُومُونَ فِيهَا عَاصِينَ، فَقُومُوا أَنْتُمْ لِلَّهِ فِي صَلَاتِكُمْ مُطِيعِينَ، وَقِيلَ: الْقُنُوتُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ. «279» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ [4] عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَاشِعِينَ، وَقَالَ: مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ الرُّكُوعِ، وَغَضُّ البصر، والركود وخفض الجناح وكان العلماء إذا كان أَحَدُهُمْ يُصَلِّي يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى أَوْ يَعْبَثَ بِشَيْءٍ أَوْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا نَاسِيًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ الْقِيَامِ. «280» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أبو عيسى الترمذي،

_ 279- إسناده على شرط البخاري ومسلم، أبو عيسى الترمذي هو صاحب السنن محمد بن عيسى، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، هشيم هو ابن بشير، أبو عمرو الشيباني هو سعد بن إياس. - هو في «شرح السنة» 723 بهذا الإسناد. - وعند الترمذي 405 عن أحمد بن منيع به. - وأخرجه البخاري 4534 ومسلم 539 وأبو داود 949 والترمذي 2986 و5524 والنسائي (3/ 18) وابن خزيمة 856 وابن حبان 2245 و2246 و2250 والطبري 5527 والطبراني 5063 و5064 والبيهقي (2/ 248) من طرق عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ به. 280- إسناده صحيح على شرط مسلم، ابن أبي عمر هو محمد بن يحيى، أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس- بفتح التاء-. - وهو في «شرح السنة» 660 بهذا الإسناد. - وعند الترمذي 387 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 756 وابن ماجه 1421 والطيالسي 1777 والحميدي 1276 وأحمد (3/ 302) و (314) و (391) وابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (309- 311) وابن حبان 1758 والبيهقي (3/ 8) والبغوي في «شرح السنة» 661 من طرق من حديث جابر. وله شاهد من حديث عمرو بن عبسة أخرجه أحمد (4/ 385) وابن نصر (308) وفي إسناده محمد بن ذكوان، وهو ضعيف كما في «التقريب» . - ومن حديث عبد الله بن حبشي أخرجه أبو داود (1325) و (1449) والنسائي (5/ 58) وابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» 307 وأحمد (2/ 411) و (412) والدارمي (1/ 331) والبيهقي (3/ 9) . (1) في المخطوط «في» . (2) في المطبوع «الاسم» . (3) زيد في المخطوط «والرجل الصالح في الخلق» وهذه الزيادة لا تتناسب والعبارة الآتية. (4) في الأصل «سقيل» وهو تصحيف.

[سورة البقرة (2) : آية 239]

أَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي [1] الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ» . وَقِيلَ: قَانِتِينَ، أَيْ: دَاعِينَ، دليله ما: ع «281» رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ من بني سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ. وقيل: معناه مصلّين كقوله [2] تَعَالَى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ [الزمر: 9] ، أي: مصلّ. [سورة البقرة (2) : آية 239] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً، فَرِجَالًا أَيْ: رَجَّالَةً، يُقَالُ: رَاجِلٌ وَرِجَالٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصِحَابٍ، وَقَائِمٍ وَقِيَامٍ، وَنَائِمٍ وَنِيَامٍ، أَوْ رُكْبَانًا عَلَى دَوَابِّهِمْ، وَهُوَ جَمْعُ رَاكِبٍ، مَعْنَاهُ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ أَنْ تُصَلُّوا قَانِتِينَ مُوَفِّينَ لِلصَّلَاةِ حَقَّهَا لِخَوْفٍ، فَصَلُّوا مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِكُمْ أَوْ رُكْبَانًا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ، وَهَذَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُسَايَفَةِ [3] يُصَلِّي حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبَلِهَا، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَصَدَهُ سَبُعٌ أَوْ غَشِيَهُ سَيْلٌ [4] يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَدَا [5] أَمَامَهُ مُصَلِّيًا بِالْإِيمَاءِ يَجُوزُ، وَالصَّلَاةُ فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَى أَقْسَامٍ، [فَهَذِهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ] [6] ، وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُنْتَقَصُ [7] عَدَدُ الرَّكَعَاتِ بِالْخَوْفِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. ع «282» وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي

_ 281- ع صحيح. أخرجه أبو داود 1443 وأحمد (1/ 301- 302) وابن الجارود في «المنتقى» 198 وابن نصر في «قيام الليل» 137 والحاكم (1/ 225) والبيهقي (2/ 200) من طريق ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابن عباس به. وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي مع أن هلال بن خباب لم يخرج له البخاري. وقد اختلف فيه. - لكن له شاهد من حديث أنس أخرجه البخاري 1003 و4094 ومسلم 677 والنسائي (2/ 200) وأحمد (3/ 116) وأبو عوانة (2/ 186) وابن حبان 1973 والبيهقي (2/ 244) من طرق عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مجلز عنه. - وأخرجه البخاري (2814) و (4091) و (4095) وأحمد (3/ 215) و (289) وأبو عوانة (2/ 286) والدارمي (1/ 374) والطحاوي (1/ 244) من طرق عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ به. 282- ع صحيح. هو عند المصنف في «شرح السنة» 1017 مسندا. - وأخرجه مسلم 687 وأبو داود 1247 والنسائي (3/ 118- 119) و (168- 169) وابن أبي شيبة (2/ 464) وأحمد (1/ 237 و243 و254) وابن خزيمة 1346 والطحاوي (1/ 309) وابن حبان 2868 والطبراني (11/ 11041 و11042) والطبري (10338) و (10339) والبيهقي (3/ 135) من طرق عن بكير بن الأخنس عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به وانظر (1) وقع في الأصل «ابن» وهو تصحيف. (2) في المطبوع «لقوله» . (3) في المطبوع «المسايفة» . [.....] (4) في المخطوط «شيء» . (5) في المخطوط «قعد» . (6) العبارة في المطبوع [فهذه أحد أقسام شدة صلاة الخوف] . (7) في المخطوط «تنقص» .

[سورة البقرة (2) : آية 240]

الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. وَهُوَ قَوْلُ عطاء وطاوس وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ يُصَلِّي فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ رَكْعَةً، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْقِتَالِ وَضَرَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَاذْكُرِ اللَّهَ، [فإذا ذكرت اللَّهَ] [1] فَتِلْكَ صَلَاتُكَ. فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ، أَيْ: فَصَلَّوُا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَامَّةً بِحُقُوقِهَا، كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 240] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ: يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ، وَيَذَرُونَ، أَيْ: يَتْرُكُونَ أَزْواجاً، أَيْ: زَوْجَاتٍ، وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَصِيَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْوَصِيَّةَ، مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، مَتَاعًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا، وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا، وَالْمَتَاعُ: نَفَقَةُ سَنَةٍ لِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَسَكَنِهَا وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، غَيْرَ إِخْراجٍ، نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: بِنَزْعِ حَرْفٍ عَلَى الصِّفَةِ، أَيْ: مِنْ غير إخراج. ع «283» نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ: حَكِيمُ بْنُ الْحَارِثِ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَمَعَهُ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ، فَمَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِدَيْهِ وَأَوْلَادَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يُعْطِ [2] امْرَأَتَهُ شَيْئًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا حَوْلًا كَامِلًا وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَوْلًا كَامِلًا وَكَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْوَارِثِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْبَيْتِ قَبْلَ تمام الحول، وكانت نفقتها وسكنها وَاجِبَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا تِلْكَ السَّنَةَ مَا لَمْ تَخْرُجْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاثُ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى نَفَقَةَ الْحَوْلِ بِالرُّبْعِ وَالثُّمْنِ، وَنَسَخَ عدّة الحول بأربعة أشهر وعشرا. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ خَرَجْنَ، يَعْنِي: مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ [مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجِ الْوَرَثَةِ] [3] ، فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يَا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ، فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، يَعْنِي: التَّزَيُّنَ لِلنِّكَاحِ، وَلِرَفْعِ الْجُنَاحِ عَنِ الرِّجَالِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي قطع النفقة عنهن إِذَا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، وَالْآخَرُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِهِنَّ مِنَ الْخُرُوجِ، لِأَنَّ مُقَامَهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا، خَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ حَوْلًا وَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى [4] ، وَبَيْنَ أَنْ تَخْرُجَ [فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى] [5] ، إلى أن نسخه [الله تعالى] بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 241 الى 243] وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243)

_ الحديث الآتي برقم: 683. 283- ع ضعيف. أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» 157 عن إسحاق بن راهويه في تفسيره كما في «أسباب النزول» للسيوطي 170 عن مقاتل بن حيان، وهذا معضل، لا يحتج به. مقاتل يروي مناكير. (1) زيد في المطبوع. (2) في المطبوع «يؤت» . (3) زيد في المطبوع. (4) في المخطوط «الكسوة» . (5) زيد في المطبوع.

وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) ، إِنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ الْمُتْعَةِ هَاهُنَا لِزِيَادَةِ مَعْنًى وَذَلِكَ أَنَّ فِي غَيْرِهَا بَيَانَ حُكْمِ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي الْمُتْعَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ إِلَى قَوْلِهِ: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ أَحْسَنْتُ فَعَلْتُ وَإِنْ لَمْ أُرِدْ [1] ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ، جَعَلَ الْمُتْعَةَ لهن بلام التمليك، وقال: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ المتّقين الشرك. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانُ قِبَلَ وَاسِطَ، وقع بها الطَّاعُونُ فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهَا وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ فَهَلَكَ أَكْثَرُ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ، وَسَلِمَ الَّذِينَ خَرَجُوا [منها] ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ، فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا: أَصْحَابُنَا كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا لَبَقِينَا وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ إِلَى أَرْضٍ لَا وباء بها، فوقع [2] الطاعون [عليهم] [3] مِنْ قَابَلٍ فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا وَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَلَمَّا نَزَلُوا الْمَكَانَ الَّذِي يَبْتَغُونَ فِيهِ النَّجَاةَ نَادَاهُمْ مَلِكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ: أَنْ مُوتُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا. 28» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الهاشمي، أنا أبو مصعب حدثنا مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ [4] بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» ، فَرَجَعَ عُمْرُ مِنْ سَرْغَ [5] . قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّمَا فَرُّوا مِنَ الْجِهَادِ وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ فَعَسْكَرُوا ثُمَّ جَبَنُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ فَاعْتَلَوْا وَقَالُوا لِمَلِكِهِمْ: إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي نأتيها بِهَا الْوَبَاءُ فَلَا نَأْتِيهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ مِنْهَا الْوَبَاءُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عليهم الموت [في مكانهم] [6] ، فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ يَعْقُوبَ وَإِلَهَ موسى وهرون قد ترى

_ 284- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. خرجه المصنف من طريق مالك وهو في «الموطأ» (2/ 896- 897) بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري (5730) و (6973) ومسلم 2219 وأحمد (1/ 194) والبيهقي (3/ 376) . - وأخرجه أحمد (1/ 193) وابن حبان 2912 من طريق ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ به. - وورد من حديث ابن عباس أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ.... فذكره أخرجه البخاري 5729 ومسلم 2219 وأبو داود 3103 ومالك (2/ 894- 896) وأحمد (1/ 194) وابن حبان (2953) والبيهقي (7/ 217- 218) . (1) في المطبوع «أر» . (2) في المخطوط «فرجع» . [.....] (3) زيادة من المخطوط. 4 السرغ: موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك. 5 السرغ: موضع قرب الشام بين المغيثة وتبوك. (6) زيادة عن المخطوط.

مَعْصِيَةَ عِبَادِكَ فَأَرِهِمْ آيَةً فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْفِرَارَ مِنْكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا [ليتقوا الهلاك] [1] قَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: مُوتُوا عقوبة لهم فماتوا وَمَاتَتْ دَوَابُّهُمْ كَمَوْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فما أتى [2] عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَتَّى انْتَفَخُوا وَأَرْوَحَتْ [3] أَجْسَادُهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ فَعَجَزُوا عَنْ دَفْنِهِمْ، فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حظيرة دون السباع وتركوهم، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ عَدَدِهِمْ، قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَقَالَ وَهْبٌ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَقَالَ أبو رواق: عَشَرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: سَبْعُونَ أَلْفًا، وَأَوْلَى الْأَقَاوِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانُوا زِيَادَةً عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: وَهُمْ أُلُوفٌ وَالْأُلُوفُ جَمْعُ الْكَثِيرِ، وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ آلَافٌ، وَلَا يُقَالُ لِمَا دُونَ عَشَرَةِ آلَافٍ أُلُوفٌ، قَالُوا: فَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ وَقَدْ بَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ وَعَرِيَتْ عِظَامُهُمْ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ: حِزْقِيلُ بْنُ بودا، ثَالِثُ خُلَفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَيِّمَ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كان بعد موسى عليه السلام يُوشَعَ بْنَ نُونٍ ثُمَّ كَالِبَ بن يوقنا ثم حزقيل، كان يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَجُوزِ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا فَسَأَلَتِ اللَّهَ [تعالى] الْوَلَدَ بَعْدَ مَا كَبِرَتْ وَعَقِمَتْ فَوَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ ذُو الْكِفْلِ، وَسُمِّيَ حِزْقِيلُ ذَا الْكِفْلِ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِسَبْعِينَ نَبِيًّا وَأَنْجَاهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا مَرَّ حِزْقِيلُ عَلَى أُولَئِكَ الْمَوْتَى، وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيهِمْ مُتَعَجِّبًا، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ [تعالى] ، وَقِيلَ: دَعَا حِزْقِيلُ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ كَانُوا قَوْمُ حِزْقِيلَ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ خَرَجَ حِزْقِيلُ فِي طَلَبِهِمْ، فَوَجَدَهُمْ مَوْتَى فَبَكَى وَقَالَ: يَا رَبِّ كُنْتُ فِي قَوْمٍ يَحْمَدُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ وَيُقَدِّسُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ فَبَقِيتُ وَحِيدًا لَا قَوْمَ لِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي جَعَلْتُ حَيَاتَهُمْ إِلَيْكَ، قَالَ حِزْقِيلُ: احْيَوْا بِإِذْنِ اللَّهِ، فقاموا [4] ، قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُمْ قَالُوا حِينَ أُحْيَوْا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَعَاشُوا دَهْرًا طَوِيلًا وَسَحْنَةُ [5] الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَا يلبسون ثوبا إلا عاد دنسا [6] مِثْلَ الْكَفَنِ حَتَّى مَاتُوا لِآجَالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَإِنَّهَا لَتُوجَدُ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ الْيَهُودِ تِلْكَ الرِّيحُ، قَالَ قَتَادَةُ: مَقَتَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ مِنَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، ثمّ بعثوا ليستوفوا بقية [7] آجالهم، ولو ماتوا [8] بآجالهم [9] مَا بُعِثُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ، أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمْ بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ، وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ القلب، وقال أَهْلُ الْمَعَانِي: هُوَ تَعْجِيبٌ، يَقُولُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَهُمْ كَمَا تَقُولُ أَلَمْ تَرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ فُلَانٌ، وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ ألم تر ولم يعانيه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهذا وجهه، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَهُمْ أُلُوفٌ، جَمْعُ أَلْفٍ، وَقِيلَ: مُؤْتَلِفَةٌ قُلُوبُهُمْ جَمْعُ آلِفٍ، مِثْلُ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعَدَدُ، حَذَرَ الْمَوْتِ، أَيْ: خَوْفَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا، أَمْرُ تَحْوِيلٍ كقوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [الْبَقَرَةِ: 65] ، ثُمَّ أَحْياهُمْ، بَعْدَ مَوْتِهِمْ، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ، قِيلَ: هو على العموم في

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «فأتى» . (3) في القاموس: أراح الماء واللحم: أنتنا- وأراح فلان: مات وأراح الشيء: وجد ريحه. (4) في المطبوع «فعاشوا» . (5) في المخطوط «شجية» . (6) في المخطوط «رسما» وفي «الدر المنثور» ، «دسما» . (7) في النسخ «مدة» والمثبت عن الطبري 5616. (8) في المطبوع «جاءت» . (9) في المطبوع «آجالهم» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 244 الى 245]

حَقِّ الْكَافَّةِ [فِي الدُّنْيَا] [1] ، وَقِيلَ: عَلَى الْخُصُوصِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ، أمّا الكفار فلا يشكرون [2] ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَبْلُغُوا غَايَةَ الشكر. [سورة البقرة (2) : الآيات 244 الى 245] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: فِي طَاعَةِ [اللَّهِ] [3] أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: هَذَا خِطَابٌ لِلَّذِينِ أُحْيَوْا، أُمِرُوا بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا، وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، الْقَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ، فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَمَلَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ على رجاء ما عدّ لهم مِنَ الثَّوَابِ قَرْضًا، لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ لِطَلَبِ ثَوَابِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَرْضُ مَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ، وَأَصْلُ الْقَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، سُمِّيَ بِهِ الْقَرْضُ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ [4] مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ فِي الْآيَةِ اخْتِصَارٌ مَجَازُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ عِبَادَ اللَّهِ وَالْمُحْتَاجِينَ مِنْ خَلْقِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، [الْأَحْزَابِ: 57] ، أَيْ: يُؤْذُونَ عِبَادَ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ع «285» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يا ابن آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عندي» ؟. وقوله عزّ وجلّ: يُقْرِضُ اللَّهَ، أَيْ: يُنْفِقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ قَرْضًا حَسَنًا، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاقِدِيُّ يَعْنِي: محتسبا طيّبة به نفسه، [و] قال ابْنُ الْمُبَارَكِ: مِنْ مَالٍ حَلَالٍ، وقال: لَا يَمُنُّ بِهِ وَلَا يُؤْذِي فَيُضاعِفَهُ لَهُ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ «فَيُضَعِّفَهُ» وَبَابُهُ [5] بِالتَّشْدِيدِ، وَوَافَقَ أَبُو عَمْرٍو فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فَيُضاعِفَهُ بِالْأَلْفِ مُخَفَّفًا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَدَلِيلُ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ: أَضْعافاً كَثِيرَةً، لِأَنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الْفَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ أَنْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الْفَاءِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ يُقْرِضُ أَضْعافاً كَثِيرَةً، قال السدي: وهذا التَّضْعِيفُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقِيلَ: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ يَبْسُطُ هنا، وفي الأعراف: بَصْطَةً [الأعراف: 69] ، بِالسِّينِ كَنَظَائِرِهِمَا، وَقَرَأَهُمَا الْآخَرُونَ بِالصَّادِّ، وقيل: يَقْبِضُ بِإِمْسَاكِ الرِّزْقِ وَالنَّفْسِ وَالتَّقْتِيرِ، وَيَبْسُطُ بِالتَّوْسِيعِ، وَقِيلَ: يَقْبِضُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَيَبْسُطُ بِالْخَلَفِ وَالثَّوَابِ، وقيل: هو الإحياء والإماتة

_ 285- ع صحيح. أخرجه مسلم 2569 والبخاري في «الأدب المفرد» 517 وابن حبان 269 من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هريرة به، وأخرجه أحمد (2/ 404) ح/ 8989 من طريق ابن لهيعة عن أبي هريرة مرفوعا، وابن لهيعة ضعيف. [.....] (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «فلم يشكروا» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المطبوع «به» . (5) في المخطوط «وياؤه» .

[سورة البقرة (2) : آية 246]

فَمَنْ أَمَاتَهُ فَقَدْ قَبَضَهُ وَمَنْ مَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ فَقَدْ بَسَطَ لَهُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الْقُلُوبِ لَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، قَالَ: يَقْبِضُ بعض القلوب فلا ينشط بالخير وَيَبْسُطُ بَعْضَهَا فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا. ع «286» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا اللَّهُ كَيْفَ يَشَاءُ» الْحَدِيثَ. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَيْ إِلَى اللَّهِ تَعُودُونَ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى التُّرَابِ، كِنَايَةً عَنْ [1] غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَيْ [2] : مِنَ التراب خلقهم وإليه يعودون. [سورة البقرة (2) : آية 246] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، وَالْمَلَأُ مِنَ الْقَوْمِ: وُجُوهُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَأَصْلُ الْمَلَأِ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْجَيْشِ، وَجَمْعُهُ أَمْلَاءٌ، مِنْ بَعْدِ مُوسى، أَيْ: مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مُوسَى، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ النَّبِيِّ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ افْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمْعُونَ لِأَنَّ أُمَّهُ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا فولدت غلاما فسمّته شمعون، تَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَائِي، وَالسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَهُوَ شمعون بن صفية بنت عَلْقَمَةَ مِنْ وَلَدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ إِشْمَوِيلُ وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَالَ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ إِشْمَوِيلُ، وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إسماعيل بن هلقايا، وَقَالَ وَهْبٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ: كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذلك أنه لَمَّا مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلَفَ بَعْدَهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ خَلَفَ فيهم كالب بن يوقنا كَذَلِكَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ خَلَفَ حِزْقِيلُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي

_ 286- ع صحيح. أخرجه مسلم 2654 وأحمد (2/ 168 و173) والآجري في «الشريعة» (741) وابن أبي عاصم في «السنة» 222 وابن حبان 902 والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص 147) من طريق أبي هانئ الخولاني أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم يقول: إن قلوب بني آدم كلها بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كقلب واحد، يصرفه حيث شاء. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم: «اللهم مصرف القلوب! صرف قلوبنا على طاعتك» هذا لفظ مسلم. - وفي الباب من حديث أنس أخرجه ابن ماجه 3834 من طريق يزيد الرقاشي ويزيد هذا ضعيف. وأخرجه ابن أبي عاصم 225 والآجري (ص 317) من طريق الأعمش عن سفيان عن أنس به وإسناده صحيح. - ومن حديث أم سلمة عند الترمذي 3522 وأحمد (6/ 302 و315) والآجري في «الشريعة» (744) بترقيمي، وابن أبي عاصم في «السنة» 223 وقال الترمذي: حديث حسن. - ومن حديث عائشة عند الآجري (747) وأحمد (6/ 91) وابن أبي عاصم (224 و233) . وانظر الحديث الآتي برقم: 363. (1) في المطبوع «من» . (2) لفظ «أي» وما قبله من كلام البغوي لا من كلام قتادة، وكلام قتادة أوله «من ... » .

بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَسُوا عَهْدَ اللَّهِ حَتَّى عَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ نَبِيًّا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى يُبْعَثُونَ إِلَيْهِمْ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِ إِلْيَاسَ الْيَسَعَ، فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَبَضَهُ الله، ثم خلف فيهم الخلوف وعظمت [فيهم] [1] الْخَطَايَا فَظَهَرَ لَهُمْ عَدُوٌّ يُقَالُ له البشاثا [2] ، وَهُمْ قَوْمُ جَالُوتَ كَانُوا يَسْكُنُونَ بساحل بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وَفِلَسْطِينَ، وَهُمُ الْعَمَالِقَةُ فَظَهَرُوا عَلَى بَنِي إسرائيل [بقوتهم] [3] وَغَلَبُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَرْضِهِمْ وَسَبَوْا كَثِيرًا مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَأَسَرُوا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذُوا تَوْرَاتَهُمْ وَلَقِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهُمْ بَلَاءً وَشِدَّةً، ولم يكن لهم نبي [4] يدبّر أَمْرَهُمْ، وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا امْرَأَةً حُبْلَى فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ رَهْبَةً أَنْ تَلِدَ جَارِيَةً فَتُبَدِّلَهَا بِغُلَامٍ لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَلَدِهَا وَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ إِشْمَوِيلَ، تَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَائِي، فَكَبِرَ الْغُلَامُ فَأَسْلَمَتْهُ لِيَتَعَلَّمَ [5] التَّوْرَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَفَلَهُ شَيْخٌ من علمائهم وتبناه [ذلك الشيخ] [6] ، فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلَامُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَائِمٌ إِلَى جَنْبِ الشَّيْخِ، وَكَانَ لَا يَأْتَمِنُ [7] عَلَيْهِ أَحَدًا فَدَعَاهُ جِبْرِيلُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ: يَا إِشْمَوِيلُ، فَقَامَ الْغُلَامُ فَزِعًا إِلَى الشَّيْخِ، فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ دَعَوْتَنِي، فَكَرِهَ الشَّيْخُ أَنْ يَقُولَ [لَا فيفزع الغلام] [8] ، وقال: يَا بُنَيَّ ارْجِعْ فَنَمْ فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَنَامَ، ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: [يَا أَبَتِ] [9] دَعَوْتَنِي، فَقَالَ: ارْجِعْ فَنَمَّ فَإِنْ دَعْوَتُكَ الثالثة فلا تجبني، [وانظر ما يفعل الله في أمرك] [10] ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّكَ فَإِنَّ الله قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ تَنَلْكَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ آيَةً مِنْ نُبُوَّتِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ قِوَامُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَطَاعَةِ الْمُلُوكِ لِأَنْبِيَائِهِمْ، فَكَانَ الْمَلِكُ هُوَ الَّذِي يَسِيرُ بِالْجُمُوعِ والنبيّ يقوّم [11] لَهُ أَمْرَهُ وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِرُشْدِهِ، وَيَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِشْمَوِيلَ نَبِيًّا فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً بِأَحْسَنِ حَالٍ ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ جَالُوتَ وَالْعَمَالِقَةِ مَا كَانَ، فَقَالُوا لِإِشْمَوِيلَ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ، فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ: قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ، استفهام شك، يقول: لعلّكم، قَرَأَ نَافِعٌ عَسَيْتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: عَسى رَبُّكُمْ [الأعراف: 129] ، إِنْ كُتِبَ: فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ، مَعَ ذَلِكَ الْمَلِكِ، أَلَّا تُقاتِلُوا، أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلوا مَعَهُ، قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ دُخُولِ أَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ مَا لَكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: مَا لَكَ لَا تَفْعَلُ؟ قِيلَ: دُخُولُ أَنْ وَحَذْفُهَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ، فَالْإِثْبَاتُ كَقَوْلِهِ تعالى: مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [الْحِجْرِ: 32] ، وَالْحَذْفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الْحَدِيدِ: 8] ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا لَنَا فِي أَنْ لَا نُقَاتِلَ، فحذف

_ (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «البلثاثا» . (3) زيادة من المخطوط. (4) في المطبوع «من» . (5) في المطبوع «ليعلم» وفي المخطوط «لتعليم» والمثبت عن- ط. (6) زيادة من المخطوط. [.....] (7) في المخطوط «يأمن» . (8) في المطبوع «لئلا يفزع الغلام» . والمثبت عن الطبري وط. (9) زيد في المطبوع. (10) زيادة من المخطوط. (11) في المطبوع «يقيم» والمثبت عن المخطوط والطبري 5635.

[سورة البقرة (2) : آية 247]

فِي، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ: وَمَا يَمْنَعُنَا أَنْ [لَا] [1] نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الْأَعْرَافِ: 12] ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَنْ هَاهُنَا زَائِدَةٌ مَعْنَاهُ: وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، أَيْ أُخْرِجَ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ظَاهِرُ الْكَلَامِ الْعُمُومُ، وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصُ، لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّمَا كُنَّا نَزْهَدُ فِي الْجِهَادِ إِذْ كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادِنَا لَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا عَدُوُّنَا، فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنَّا فَنُطِيعُ رَبَّنَا فِي الْجِهَادِ، وَنَمْنَعُ نِسَاءَنَا وَأَوْلَادَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا: أَعْرَضُوا عَنِ الْجِهَادِ وَضَيَّعُوا أَمْرَ اللَّهِ، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهْرَ مَعَ طَالُوتَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْغُرْفَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 247] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، وَذَلِكَ أَنَّ إِشْمَوِيلَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا فَأَتَى بِعَصَا وَقَرْنٍ فِيهِ دُهْنُ الْقُدْسِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَكُونُ طَوُلُهُ طُولُ هَذِهِ الْعَصَا، وَانْظُرْ هَذَا الْقَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ فَهُوَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَادَّهِنْ بِهِ رَأْسَهُ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ طَالُوتُ اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ شَاوِلُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ أَوْلَادِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، سُمِّيَ طَالُوتَ لِطُولِهِ، وَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِرَأْسِهِ وَمَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ رَجُلًا دَبَّاغًا يَعْمَلُ الْأَدِيمَ، قَالَهُ وَهْبٌ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ رَجُلًا سَقَّاءً يَسْقِي عَلَى حِمَارٍ لَهُ مِنَ النِّيلِ، فَضَلَّ حِمَارُهُ فخرج في طلبه، وَقَالَ وَهْبٌ: بَلْ ضَلَّتْ حُمُرٌ لِأَبِي طَالُوتَ فَأَرْسَلَهُ وَغُلَامًا لَهُ في طلبها فمرّا ببيت أشمويل عليه السلام، فَقَالَ الْغُلَامُ لِطَالُوتَ: لَوْ دَخَلْنَا عَلَى هَذَا النَّبِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِ الْحُمُرِ لِيُرْشِدَنَا وَيَدْعُوَ لَنَا [لكان حسنا] [2] ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ يذكران له [شأن دابتهما] [3] ، إِذْ نَشَّ الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ، فَقَامَ إِشْمَوِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَاسَ طَالُوتَ بِالْعَصَا فَكَانَتْ طُولَهُ، فَقَالَ لِطَالُوتَ: قَرِّبْ رَأْسَكَ فَقَرَّبَهُ فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أملكك [4] عليهم، فقال طالوت [له] : أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ سِبْطِي أَدْنَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَبَيْتِي أَدْنَى بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَبِأَيِّ آيَةٍ؟ قَالَ: بِآيَةِ أَنَّكَ تَرْجِعُ وَقَدْ وَجَدَ أَبُوكَ حُمُرَهُ، فَكَانَ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، أَيْ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا؟ وَنَحْنُ أَحَقُّ: أَوْلَى بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟ وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سبطان، سبط النبوّة وسبط المملكة، فَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ سِبْطَ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَمِنْهُ كَانَ مُوسَى وهارون [عليهما السلام] ، وَسِبْطُ الْمَمْلَكَةِ سِبْطُ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ، وَمِنْهُ كَانَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ [عليهما السلام] ، وَلَمْ يَكُنْ طَالُوتُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وإنما كَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَكَانُوا عَمِلُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، كانوا ينكحون النساء على

_ (1) زيد في المطبوع. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «حاجتهما» وفي المخطوط «بيان الحمر» والمثبت عن- ط والطبري 5639. (4) في المطبوع «أملكه» .

[سورة البقرة (2) : آية 248]

ظَهْرِ الطَّرِيقِ نَهَارًا، فَغَضِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَنَزَعَ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ عنهم، وكانوا يسمّون سِبْطَ الْإِثْمِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ذَلِكَ، أَنْكَرُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ [عندهم] ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: هُوَ فَقِيرٌ، وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ: اخْتَارَهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً: فَضِيلَةً وَسَعَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَقْتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَتَاهُ الْوَحْيُ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: وَزادَهُ بَسْطَةً فَضِيلَةً وَسَعَةً فِي الْعِلْمِ بِالْحَرْبِ، وَفِيِ الْجِسْمِ بِالطُّولِ، وَقِيلَ: الْجِسْمُ بِالْجَمَالِ، وَكَانَ طَالُوتُ أَجْمَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ [في وقته] [1] وَأَعْلَمَهُمْ، وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، قِيلَ: الْوَاسِعُ ذُو السَّعَةِ وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي عَنْ غِنًى، وَالْعَلِيمُ الْعَالِمُ، وَقِيلَ: الْعَالِمُ بِمَا كَانَ، وَالْعَلِيمُ بِمَا يَكُونُ، فَقَالُوا لَهُ: فَمَا آيَةُ مُلْكِهِ فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التابوت. [سورة البقرة (2) : آية 248] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ، وَكَانَتْ قِصَّةُ التَّابُوتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ تَابُوتًا عَلَى آدَمَ فِيهِ صُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَكَانَ مِنْ عُودِ الشِّمْشَاذِ [2] نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ، فَكَانَ عِنْدَ آدَمَ إِلَى أَنْ مَاتَ، ثُمَّ [بَعْدَ ذلك] [3] عند شيث، ثم توارثه أَوْلَادُ آدَمَ إِلَى أَنْ بَلَغَ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ كَانَ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، ثُمَّ عِنْدَ يَعْقُوبَ ثُمَّ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مُوسَى، فَكَانَ مُوسَى يَضَعُ فِيهِ التَّوْرَاةَ، وَمَتَاعًا مِنْ مَتَاعِهِ، فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ موسى عليه السلام، ثم تداوله [4] أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى وَقْتِ إشمويل، وكان فيه ما ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، اخْتَلَفُوا فِي السَّكِينَةِ مَا هِيَ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِيحٌ خَجُوجٌ هَفَّافَةٌ لَهَا رَأْسَانِ، وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ [5] ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: شَيْءٌ يُشْبِهُ الْهِرَّةَ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَذَنَبٌ كَذَنَبِ الْهِرَّةِ وَلَهُ جَنَاحَانِ، وَقِيلَ: لَهُ عَيْنَانِ لَهُمَا شُعَاعٌ وَجَنَاحَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ وَزَبَرْجَدٍ فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا صَوْتَهُ تيقّنوا بالنصرة [6] ، وَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا وَضَعُوا التَّابُوتَ قُدَّامَهُمْ، فَإِذَا سَارَ سَارُوا، وَإِذَا وَقَفَ وَقَفُوا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: هِيَ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ، كَانَ يَغْسِلُ فِيهِ قُلُوبَ الْأَنْبِيَاءِ [عليهم السلام] ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هي روح من الله تتكلم إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تُخْبِرُهُمْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هِيَ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فَيَسْكُنُونَ إِلَيْهَا، وقال قتادة والكلبي: السكينة فعلية مِنَ السُّكُونِ أَيْ: طُمَأْنِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَفِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ التَّابُوتُ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ وَسَكَنُوا، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُونَ أَنْفُسَهُمَا، كَانَ فِيهِ لَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَرُضَاضِ الْأَلْوَاحِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ، وَكَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى وَنَعْلَاهُ، وَعِمَامَةُ هَارُونَ وَعَصَاهُ، وَقَفِيزٌ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ التَّابُوتُ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ، فَلَمَّا عصوا

_ (1) ما بين المعقوفتين زيادة من المخطوط. وكذا ما قبله. (2) في المطبوع «الشمشاد» والمثبت عن- ط، وفي المخطوط «الشمشاز» . (3) زيد في المطبوع. (4) في المطبوع «تداولته» . (5) لا يصح عن علي، وكل ما ورد في ذلك من الإسرائيليات. [.....] (6) في نسخة- ط- «بالنصر» وفي المخطوط «بالشر» .

وأفسدوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَمَالِقَةَ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى التَّابُوتِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لِعَيْلَى الْعَالِمِ الَّذِي رَبَّى إِشْمَوِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَانِ شَابَّانِ وَكَانَ عَيْلَى حَبْرَهُمْ وَصَاحِبَ قُرْبَانِهِمْ، فَأَحْدَثَ ابْنَاهُ فِي الْقُرْبَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لِعَيْلَى مَنُوطُ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانُوا يَنُوطُونَهُ بِهِ كُلَّابَيْنِ، فَمَا أَخْرَجَا كَانَ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَنُوطُهُ فَجَعَلَ ابْنَاهُ كَلَالِيبَ، وَكَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَتَشَبَّثَانِ بِهِنَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِشْمَوِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْطَلِقْ إِلَى عَيْلَى فَقُلْ لَهُ: مَنَعَكَ حُبُّ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ تَزْجُرَ ابْنَيْكَ عَنْ أَنْ يُحْدِثَا في قرباني وقدسي شيئا، وَأَنْ يَعْصِيَانِي فَلَأَنْزِعَنَّ الْكَهَانَةَ مِنْكَ ومن ولدك ولأهلكنّك وإياهما [1] ، فَأَخْبَرَ إِشْمَوِيلُ عَيْلَى بِذَلِكَ فَفَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِمَّنْ حَوْلَهُمْ فَأَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَا بِالنَّاسِ فَيُقَاتِلَا ذَلِكَ الْعَدُوَّ، فَخَرَجَا وَأَخْرَجَا مَعَهُمَا التَّابُوتَ فَلَمَّا تهيّؤوا لِلْقِتَالِ جَعَلَ عَيْلَى يَتَوَقَّعُ الْخَبَرَ مَاذَا صَنَعُوا، فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَهُوَ جالس على كرسيه فقال: أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا وَأَنَّ ابْنَيْكَ قَدْ قُتِلَا، قَالَ: فَمَا فَعَلَ التَّابُوتُ؟ قَالَ: ذَهَبَ بِهِ الْعَدُوُّ فَشَهِقَ وَوَقَعَ عَلَى قَفَاهُ من [2] كرسيه ومات، فخرج أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَفَرَّقُوا إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا، فسألوا الْبَيِّنَةَ فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ، وَكَانَتْ قِصَّةُ التَّابُوتِ أَنَّ الَّذِينَ سَبَوُا التَّابُوتَ أَتَوْا بِهِ قَرْيَةً مِنْ قُرَى فِلَسْطِينَ يُقَالُ لَهَا ازْدَوَدُ، وَجَعَلُوهُ فِي بَيْتِ صَنَمٍ لَهُمْ وَوَضَعُوهُ تَحْتَ الصَّنَمِ الْأَعْظَمِ فَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ وَالصَّنَمُ تَحْتَهُ فَأَخَذُوهُ وَوَضَعُوهُ فَوْقَهُ وَسَمَّرُوا [3] قَدَمِيِ الصَّنَمِ عَلَى التَّابُوتِ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ الصَّنَمِ وَرِجْلَاهُ، وَأَصْبَحَ مُلْقًى تَحْتَ التَّابُوتِ، وَأَصْبَحَتْ أَصْنَامُهُمْ مُنَكَّسَةً فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْتِ الصَّنَمِ وَوَضَعُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ مَدِينَتِهِمْ، فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَجَعٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ فَأَخْرِجُوهُ إِلَى قَرْيَةِ كَذَا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ [فَأْرًا فَكَانَتِ الْفَأْرَةُ تَبِيتُ مَعَ الرَّجُلِ [منهم] فيصبح ميتا وقد أَكَلَتْ مَا فِي جَوْفِهِ] [4] ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَدَفَنُوهُ فِي مَخْرَأَةٍ لَهُمْ [5] ، فَكَانَ كُلُّ مَنْ تَبَرَّزَ [بها] أخذه الباسور والقولنج فتحيّروا [في أمرهم وفي الأماكن لهم التابوت] [6] ، فَقَالَتْ لَهُمُ امْرَأَةٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ: لَا تَزَالُونَ تَرَوْنَ مَا تَكْرَهُونَ مَا دَامَ هَذَا التَّابُوتُ فِيكُمْ فَأَخْرِجُوهُ عَنْكُمْ، فَأَتَوْا بِعَجَلَةٍ [7] ، بِإِشَارَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، وَحَمَلُوا عَلَيْهَا التَّابُوتَ، ثُمَّ عَلَّقُوهَا عَلَى ثَوْرَيْنِ وَضَرَبُوا جَنُوبَهُمَا، فَأَقْبَلَ الثَّوْرَانِ يَسِيرَانِ، وَوَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا أَرْبَعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا [8] ، فَأَقْبَلَا حَتَّى وَقَفَا عَلَى أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَسَرَا نَيْرَيْهِمَا [9] وَقَطَعَا حِبَالَهُمَا وَوَضَعَا التَّابُوتَ فِي أَرْضٍ فِيهَا حصاد لبني إِسْرَائِيلَ وَرَجَعَا إِلَى أَرْضِهِمَا، فَلَمْ يُرَعْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا بِالتَّابُوتِ، فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، أَيْ: تَسُوقُهُ [10] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ التَّابُوتُ مَعَ الملائكة

_ (1) في المطبوع «وإياهم» . (2) زيد في المخطوط «على» . (3) في المطبوع «وشمّروا» وفي المخطوط «سحروا» . (4) العبارة في المخطوط [فأرا تنيب الفأرة مع الرجل منهم فيصبح ميتا وقد أكلت ما في بطنه] . (5) الخرء: العذرة والموضع. (6) زيادة من المخطوط. (7) في المطبوع «بعجلة» . (8) في المطبوع «يسوقونها» . (9) النير: الخشبة التي على عنق الثور بأدتها- والقصب- والخيوط إذا اجتمعت. (10) الأثر بطوله من الإسرائيليات.

[سورة البقرة (2) : آية 249]

فِي السَّمَاءِ فَلَمَّا وَلِيَ طَالُوتُ الملك حملته الملائكة وضعته بَيْنَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بَلْ كَانَ التَّابُوتُ فِي التِّيهِ خَلَّفَهُ مُوسَى عبد يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَبَقِيَ هُنَاكَ، فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ فَأَقَرُّوا بِمُلْكِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: لَعِبْرَةً، لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طبرية، وإنهما يخرجان [منها] [1] قبل يوم القيامة. [سورة البقرة (2) : آية 249] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، أَيْ: خَرَجَ بِهِمْ، وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْقَطْعُ، يَعْنِي: قَطَعَ مُسْتَقَرَّهُ شَاخِصًا إِلَى غَيْرِهِ، فَخَرَجَ طَالُوتُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْجُنُودِ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ أَلْفًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إِلَّا كَبِيرٌ لِهَرَمِهِ أَوْ مَرِيضٌ لِمَرَضِهِ، أَوْ مَعْذُورٌ لِعُذْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا التَّابُوتَ لَمْ يَشُكُّوا فِي النَّصْرِ فَتَسَارَعُوا إِلَى الْجِهَادِ، فَقَالَ طَالُوتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِي كل ما أرى [من القوم] [2] ، لا يخرج معي رجل يبني بِنَاءً لَمْ يَفْرَغْ مِنْهُ، وَلَا صَاحِبُ تِجَارَةٍ يَشْتَغِلُ بِهَا، وَلَا رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَبْنِ بِهَا، ولا يتبعني إلا الشاب النَّشِيطَ الْفَارِغَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ ثَمَانُونَ ألفا من شَرَطَهُ، وَكَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ فَشَكَوْا قِلَّةَ الْمَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمِيَاهَ قَلِيلَةٌ لَا تَحْمِلُنَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَ لَنَا نَهْرًا، قالَ طَالُوتُ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ: مُخْتَبِرُكُمْ لِيَرَى طَاعَتَكُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ، بِنَهَرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: نَهْرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ عَذْبٌ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أي: مِنْ أَهْلِ دِينِي وَطَاعَتِي، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ: لم يَشْرَبْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو غُرْفَةً بِفَتْحِ الغين، وقرأ الآخرون بالضم وَهُمَا لُغَتَانِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْغُرْفَةُ بِالضَّمِّ الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ إِذَا غُرِفَ، وَالْغَرْفَةُ بِالْفَتْحِ: الِاغْتِرَافُ، فَالضَّمُّ اسْمٌ وَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَلِيلِ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا [من النهر] [3] ، فَقَالَ السِّدِّيُّ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ وهو الصحيح، لِمَا: «287» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الذين جاوزوا معه

_ 287- إسناده صحيح، عبد الله بن رجاء بن عمر من رجال البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، إسرائيل هو ابن يونس السّبيعي، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم 3958 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3959 والطبري 5726 من طريق أبي إسحاق به. 1 زيادة عن المخطوط. 2 زيادة عن المخطوط. [.....] 3 زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 250]

النَّهْرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مؤمن وهم بضعة عشر وثلاثمائة. وروي: ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى النَّهْرِ وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ، فَشَرِبَ مِنْهُ الْكُلُّ إِلَّا هَذَا الْعَدَدَ الْقَلِيلَ فَمَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً كَمَا أَمَرَ اللَّهُ قَوِيَ قَلْبُهُ وَصَحَّ إِيمَانُهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ سَالِمًا وَكَفَتْهُ تِلْكَ الْغُرْفَةُ الْوَاحِدَةُ لِشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ وَدَوَابَّهُ، وَالَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ اسْوَدَّتْ شِفَاهُهُمْ وَغَلَبَهُمُ الْعَطَشُ، فَلَمْ يَرْوُوا وَبَقُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ وَجَبَنُوا عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَلَمْ يُجَاوِزُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا الْفَتْحَ، وَقِيلَ: كُلُّهُمْ جَاوَزُوا وَلَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ إِلَّا [القليل] [1] الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا، فَلَمَّا جاوَزَهُ، يَعْنِي: النَّهْرَ هُوَ، يَعْنِي: طَالُوتَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، يَعْنِي: الْقَلِيلَ، قالُوا، يَعْنِي: الَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَكَانُوا أَهْلَ شَكٍّ وَنِفَاقٍ، لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالسُّدِّيُّ: فَانْحَرَفُوا وَلَمْ يُجَاوِزُوا، قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ: يستيقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ طَالُوتَ، كَمْ مِنْ فِئَةٍ: جماعة، وهو [2] جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لفظه، وجمعه [3] فئات وفؤون فِي الرَّفْعِ، وَفِئِينَ فِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبِ، قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ: بقضائه وقدره وَإِرَادَتِهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: بِالنَّصْرِ والمعونة. [سورة البقرة (2) : آية 250] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) وَلَمَّا بَرَزُوا، يَعْنِي: طَالُوتَ وَجُنُودَهُ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ الْمُشْرِكِينَ، وَمَعْنَى بَرَزُوا: صَارُوا بِالْبِرَازِ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ وَاسْتَوَى منها، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا: أَنْزَلَ واصبب صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا: قوّ قُلُوبَنَا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 251] فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، [أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى] [4] ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ، وَصِفَةُ قَتْلِهِ: قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ [5] : عَبَرَ النَّهْرَ مَعَ طَالُوتَ فِيمَنْ عَبَرَ إِيشَا أَبُو دَاوُدَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا لَهُ وَكَانَ دَاوُدُ أَصْغَرَهُمْ وَكَانَ يَرْمِي بِالْقَذَّافَةِ، فَقَالَ لِأَبِيهِ يَوْمًا: يَا أَبَتَاهُ مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إِلَّا صرعته، فقال له: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ اللَّهَ [عزّ وجلّ] جَعَلَ رِزْقَكَ فِي قَذَّافَتِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ لَقَدْ دَخَلْتُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَوَجَدْتُ أَسَدًا رَابِضًا فَرَكِبْتُهُ فَأَخَذْتُ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ يَهْجُنِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ يُرِيدُهُ اللَّهُ بِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ إِنِّي لَأَمْشِي بَيْنَ الْجِبَالِ فَأُسَبِّحُ فَمَا يَبْقَى جَبَلٌ إِلَّا سَبَّحَ مَعِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ جَالُوتُ إِلَى طَالُوتَ أن ابرز لي أَوْ أَبْرِزْ إِلَيَّ مَنْ يُقَاتِلُنِي، فَإِنْ قَتَلَنِي فَلَكُمْ مُلْكِي وَإِنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى طَالُوتَ فَنَادَى فِي عَسْكَرِهِ مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي وَنَاصَفْتُهُ مُلْكِي فَهَابَ النَّاسُ جَالُوتَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَسَأَلَ طَالُوتُ نَبِيَّهُمْ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى فدعا الله

_ (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «وهي» . (3) في المطبوع «جمعها» . (4) زيد في نسخ المطبوع. (5) هذا الخبر بطوله من الإسرائيليات.

فِي ذَلِكَ، فَأَتَى بِقَرْنٍ فِيهِ دُهْنُ الْقُدْسِ وَتَنُّورٍ فِي حَدِيدٍ فَقِيلَ: إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَقْتُلُ جَالُوتَ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ هَذَا الْقَرْنُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَغْلِي الدُّهْنُ حَتَّى يَدْهُنَ مِنْهُ رَأْسَهُ وَلَا يسيل على وجهه بل يكون عَلَى رَأْسِهِ كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيلِ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّنُّورِ فَيَمْلَؤُهُ وَلَا يَتَقَلْقَلُ فِيهِ، فَدَعَا طَالُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَرَّبَهُمْ فَلَمْ يُوَافِقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ أَنَّ فِي وَلَدِ إِيشَا مَنْ يَقْتُلُ اللَّهُ بِهِ جَالُوتَ فَدَعَا طَالُوتُ إِيشَا، فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ بنيك، فأخرج اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَمْثَالَ السَّوَارِي، فَجَعَلَ يَعْرِضُهُمْ عَلَى الْقَرْنِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، فَقَالَ لِإِيشَا: هَلْ بَقِيَ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُمْ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ [1] النَّبِيُّ: يَا رَبِّ إِنَّهُ زَعَمَ أَنْ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ: كَذَبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: إِنَّ رَبِّي كَذَّبَكَ، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ لِي ابْنًا صَغِيرًا يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ، اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ لِقِصَرِ قَامَتِهِ وَحَقَارَتِهِ فَخَلَّفْتُهُ فِي الْغَنَمِ يَرْعَاهَا وَهُوَ فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ دَاوُدُ رَجُلًا قَصِيرًا مِسْقَامًا مِصْفَارًا أَزْرَقَ أَمْعَرَ، فَدَعَاهُ طَالُوتُ، وَيُقَالُ: بَلْ خَرَجَ طَالُوتُ إِلَيْهِ فَوَجَدَ الْوَادِيَ قَدْ سَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرِيبَةِ الَّتِي كَانَ يُرِيحُ إِلَيْهَا فَوَجَدَهُ يَحْمِلُ [شَاتَيْنِ] [2] يُجِيزُ بِهِمَا السَّيْلَ وَلَا يَخُوضُ بِهِمَا الْمَاءَ فَلَمَّا رآه [طالوت يفعل ذلك] [3] قَالَ: هَذَا هُوَ لَا شَكَّ فِيهِ هَذَا يَرْحَمُ الْبَهَائِمَ فَهُوَ بِالنَّاسِ أَرْحَمُ، فَدَعَاهُ وَوَضَعَ الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَاضَ، فَقَالَ طَالُوتُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ جَالُوتَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُجْرِي خَاتَمَكَ فِي مُلْكِي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَهَلْ آنَسْتَ مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قَتْلِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أنا أرعى الغنم فَيَجِيءُ الْأَسَدُ أَوِ النَّمِرُ أَوِ الذِّئْبُ فَيَأْخُذُ شَاةً فَأَقُومُ إِلَيْهِ فأفتح لحييه عنها وأخرجها من قفاه، فأخذ [4] طالوت داود وردّه إِلَى عَسْكَرِهِ، فَمَرَّ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي طَرِيقِهِ بِحَجَرٍ فَنَادَاهُ الْحَجَرُ: يَا دَاوُدُ احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُ هَارُونَ الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا وَكَذَا فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَالَ: احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا وَكَذَا فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ ثُمَّ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَالَ: احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُكَ الَّذِي تَقْتُلُ بِي جالوت فوضعه [5] فِي مِخْلَاتِهِ، فَلَمَّا تَصَافُّوا لِلْقِتَالِ وَبَرَزَ جَالُوتُ وَسَأَلَ الْمُبَارَزَةَ، انْتُدِبَ لَهُ دَاوُدُ فَأَعْطَاهُ طَالُوتُ فَرَسًا ودرعا وسلاحا فلبس الدرع [6] وركب الفرس فسار قريبا [من جالوت] [7] ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ مَنْ حَوْلَهُ: جَبَنَ الْغُلَامُ فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا شأنك؟ فقال له داود: إِنَّ اللَّهَ إِنْ لَمْ يَنْصُرْنِي لَمْ يُغْنِ عَنِّي هَذَا السِّلَاحُ شيئا فدعني أقاتل جالوت كَمَا أُرِيدُ، قَالَ: فَافْعَلْ مَا شِئْتَ، قَالَ: نَعَمْ فَأَخَذَ دَاوُدُ مِخْلَاتَهُ فَتَقَلَّدَهَا وَأَخَذَ الْمِقْلَاعَ وَمَضَى نَحْوَ جَالُوتَ، وَكَانَ جَالُوتُ مِنْ أَشَدِّ الرِّجَالِ وَأَقْوَاهُمْ وَكَانَ يَهْزِمُ الْجُيُوشَ وَحْدَهُ، وَكَانَ لَهُ بَيْضَةٌ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَطْلِ حَدِيدٍ، فَلَمَّا نظر إلى داود ألقى الله فِي قَلْبِهِ الرُّعْبُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَبْرُزُ إِلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكَانَ جَالُوتُ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ وعليه السلاح التام، فقال له: أتيتني بِالْمِقْلَاعِ وَالْحَجَرِ كَمَا يُؤْتَى الْكَلْبُ؟ قال داود عليه السلام: نَعَمْ أَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْكَلْبِ، قال جالوت: لَا جَرَمَ لَأَقْسِمَنَّ لَحْمَكَ بَيْنَ سباع الأرض وطير السماء، فقال دَاوُدُ: أَوْ يُقَسِّمُ اللَّهُ لَحْمَكَ، فَقَالَ دَاوُدُ: بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وأخرج حجرا [وَوَضَعَهُ فِي مِقْلَاعِهِ] ثُمَّ أَخْرَجَ الْآخَرَ، وَقَالَ: بِاسْمِ إِلَهِ إِسْحَاقَ وَوَضَعَهُ فِي مِقْلَاعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّالِثَ وَقَالَ: بِاسْمِ إِلَهِ يَعْقُوبَ وَوَضَعَهُ فِي مِقْلَاعِهِ فَصَارَتْ كُلُّهَا حجرا واحدا [بأمر الله] [8] ، ودوّر داود عليه السلام الْمِقْلَاعَ وَرَمَى بِهِ فَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّيحَ حَتَّى أَصَابَ الْحَجَرَ أنف البيضة

_ (1) أي نبي تلك الأمة. (2) زيادة عن المخطوط والطبري. (3) زيادة عن المخطوط. (4) العبارة في المخطوط «فأخذه فرده ... » . (5) في المطبوع «فوضعها» . (6) في المطبوع «السلاح» . 7 زيادة من المخطوط. 8 زيادة من المخطوط. [.....]

فَخَالَطَ دِمَاغَهُ وَخَرَجَ مِنْ قَفَاهُ، وَقَتَلَ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَهَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَيْشَ وَخَرَّ جالوت قتيلا فأخذ يَجُرُّهُ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْ طَالُوتَ فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، والناس يذكرون داود [بخير] [1] ، فَجَاءَ دَاوُدُ طَالُوتَ وَقَالَ: انْجُزْ لي ما وعدتني، فقال: تريد ابْنَةَ الْمَلِكِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَقَالَ دَاوُدُ: مَا شَرَطْتَ عَلَيَّ صَدَاقًا وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، فَقَالَ: لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا مَا تُطِيقُ أَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ وَفِي حِيَالِنَا أَعْدَاءٌ لَنَا غُلْفٌ فَإِذَا قَتَلْتَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ رَجُلٍ وَجِئْتَنِي بِغُلْفِهِمْ زَوَّجْتُكَ ابنتي، فأتاهم [داود] [2] فَجَعَلَ كُلَّمَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ نَظَمَ غُلْفَتَهُ فِي خَيْطٍ حَتَّى نظم مائتي غلفة فجاء بها إلى طالوت وألقاها إِلَيْهِ، وَقَالَ: ادْفَعْ إِلَيَّ امْرَأَتِي فزوّجه إياها [3] وَأَجْرَى خَاتَمَهُ فِي مُلْكِهِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَى دَاوُدَ وَأَحَبُّوهُ، وَأَكْثَرُوا ذِكْرَهُ فَحَسَدَهُ طَالُوتُ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فأخبر بذلك ابْنَةَ طَالُوتَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذو العينين، فقالت ابنة طالوت لِدَاوُدَ: إِنَّكَ مَقْتُولٌ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: وَمَنْ يَقْتُلُنِي؟ قَالَتْ: أبي، قال: فهل أجرمت جرما [أستحق به القتل] [4] ؟ قَالَتْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا يَكْذِبُ وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَغِيبَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَتَّى تَنْظُرَ مِصْدَاقَ ذَلِكَ، قال: لئن كان الله أراد ذلك ما أَسْتَطِيعُ خُرُوجًا وَلَكِنِ ائْتِينِي بِزِقِّ خَمْرٍ فَأَتَتْ بِهِ فَوَضَعَهُ فِي مَضْجَعِهِ عَلَى السَّرِيرِ وَسَجَاهُ وَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَدَخَلَ طَالُوتُ نِصْفَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ بَعْلُكِ؟ قالت: هُوَ نَائِمٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً فَسَالَ الْخَمْرُ، فَلَمَّا وجد ريح الخمر، قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ مَا كَانَ أَكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ وَخَرَجَ [من عندها] [5] ، فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا طَلَبْتُ مِنْهُ مَا طَلَبْتُ لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَدَعَنِي حَتَّى يُدْرِكَ مِنِّي ثَأْرَهُ، فَاشْتَدَّ حُجَّابُهُ وَحُرَّاسُهُ وَأَغْلَقَ دُونَهُ أَبْوَابَهُ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَتَاهُ لَيْلَةً وَقَدْ هَدَأَتِ الْعُيُونُ فَأَعْمَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَبَةَ وَفَتَحَ لَهُ الْأَبْوَابَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَوَضَعَ سَهْمًا عِنْدَ رَأْسِهِ وَسَهْمًا عِنْدَ رِجْلَيْهِ [وَسَهْمًا عَنْ يَمِينِهِ] [6] وَسَهْمًا عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهَامِ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى دَاوُدَ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ظَفِرْتُ بِهِ فَقَصَدْتُ قَتْلَهُ وَظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي وَلَوْ شَاءَ لَوَضَعَ هَذَا السَّهْمَ فِي حَلْقِي وَمَا أَنَا بالذي آمنه، فلما كانت [الليلة] [7] القابلة أتاه ثانية وأعمى الله الحجبة فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَأَخَذَ إِبْرِيقَ طَالُوتَ الَّذِي كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَكُوزَهُ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ وَقَطَعَ شَعَرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ وشيا مِنْ هُدْبِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَهَرَبَ وَتَوَارَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَالُوتُ وَرَأَى ذَلِكَ سَلَّطَ عَلَى دَاوُدَ الْعُيُونَ وَطَلَبَهُ أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ طَالُوتَ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَ دَاوُدَ يَمْشِي فِي الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَقْتُلُهُ فَرَكَضَ عَلَى أَثَرِهِ فَاشْتَدَّ دَاوُدُ وَكَانَ إِذَا فَزِعَ لَمْ يُدْرَكْ، فَدَخَلَ غَارًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلى العنكبوت فنسجت عَلَيْهِ بَيْتًا فَلَمَّا انْتَهَى طَالُوتُ إِلَى الْغَارِ وَنَظَرَ إِلَى بِنَاءِ العنكبوت، فقال: لَوْ كَانَ دَخَلَ هَاهُنَا لَخَرَقَ بناء العنكبوت فتركه ومضى، وانطلق دَاوُدُ وَأَتَى الْجَبَلَ مَعَ الْمُتَعَبِّدِينَ فَتَعَبَّدَ فِيهِ فَطَعَنَ الْعُلَمَاءُ وَالْعِبَادُ عَلَى طَالُوتَ فِي شَأْنِ دَاوُدَ فَجَعَلَ طَالُوتُ لَا يَنْهَاهُ أَحَدٌ عَنْ قَتْلِ دَاوُدَ إِلَّا قَتَلَهُ وأغرى على قتل الْعُلَمَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى عَالِمٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُطِيقُ قَتْلَهُ إِلَّا قَتَلَهُ حَتَّى أُتِيَ بِامْرَأَةٍ تَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فَأَمَرَ خَبَّازَهُ [8] بِقَتْلِهَا، فَرَحِمَهَا الْخَبَّازُ وَقَالَ: لَعَلَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى عَالِمٍ فَتَرَكَهَا فَوَقَعَ فِي قَلْبِ طَالُوتَ التَّوْبَةُ وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ حَتَّى رَحِمَهُ النَّاسُ، وَكَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يَخْرُجُ إِلَى الْقُبُورِ فَيَبْكِي وَيُنَادِي: أَنْشُدُ اللَّهَ عَبْدًا يَعْلَمُ أَنَّ لِي تَوْبَةً إِلَّا أَخْبَرَنِي بِهَا فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِمْ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ الْقُبُورِ: يَا طَالُوتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ قَتَلْتَنَا حَتَّى تُؤْذِيَنَا أَمْوَاتًا، فَازْدَادَ بُكَاءً وَحُزْنًا، فَرَحِمَهُ الْخَبَّازُ فقال: ما لك أيها

_ 1 زيادة من المخطوط. 2 زيادة من المخطوط. (3) في المطبوع «ابنته» . (4) زيادة من المخطوط. 5 زيادة من المخطوط. 6 زيادة من المخطوط. 7 زيادة من المخطوط. (8) تكرر لفظ «خبازه» في كافة المواضع هكذا في المطبوع ونسخة- ط- ووقع في المخطوط «جبارة» .

الْمَلِكُ؟ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ لِي فِي الْأَرْضِ عَالِمًا أَسْأَلُهُ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ الْخَبَّازُ: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ مَلِكٍ نَزَلَ قَرْيَةً عِشَاءً فَصَاحَ الدِّيكُ فَتَطَيَّرَ مِنْهُ، فَقَالَ: لَا تَتْرُكُوا فِي الْقَرْيَةِ دِيكًا إِلَّا ذَبَحْتُمُوهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إذا صاح الديك فأيقظوني [1] حَتَّى نُدْلِجَ، فَقَالُوا لَهُ: وَهَلْ تركت ديكا يسمع صَوْتَهُ؟ وَلَكِنْ هَلْ تَرَكْتَ عَالِمًا فِي الْأَرْضِ؟ فَازْدَادَ حُزْنًا وَبُكَاءً فَلَمَّا رَأَى الْخَبَّازُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتُكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى عَالِمٍ لَعَلَّكَ أَنْ تَقْتُلَهُ، قَالَ: لا، فتوثق عليه الخباز [بالأيمان] [2] فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْعَالِمَةَ عِنْدَهُ، قال: انطلق بي إليها [حتى] [3] أَسْأَلْهَا هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ، وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَإِذَا فَنِيَتْ رِجَالُهُمْ عَلِمَتْ نِسَاؤُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ طَالُوتُ الْبَابَ، قَالَ الْخَبَّازُ: إِنَّهَا إِذَا رأتك فزعت، ولكن ائت خلفي، ثم دخل عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: أَلَسْتُ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنَّةً عَلَيْكِ أَنْجَيْتُكِ مِنَ الْقَتْلِ وَآوَيْتُكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ لِي إِلَيْكِ حَاجَةً، هَذَا طالوت يسأل هل له مِنْ تَوْبَةٍ، فَغُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الفرق، فقال لها [حين أفاقت] [4] : إِنَّهُ لَا يُرِيدُ قَتْلَكِ، وَلَكِنْ يَسْأَلُكَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ لطالوت توبة، [ولكن هل تعلم مكان قبر نبي؟ فقال: نعم، فانطلق] [5] إِلَى قَبْرِ إِشْمَوِيلَ فَصَلَّتْ وَدَعَتْ ثُمَّ نَادَتْ: يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ، فَخَرَجَ إِشْمَوِيلُ مِنَ الْقَبْرِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ التُّرَابِ، فَلَمَّا نَظَرَ إليهم ثَلَاثَتِهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ؟ أَقَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ طَالُوتُ يَسْأَلُكَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، قَالَ إِشْمَوِيلُ: يَا طَالُوتُ مَا فَعَلْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: لَمْ أَدَعْ من الشر شيئا إلا أتيته وجئت لأطلب التوبة، قال له [6] : كَمْ لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ: عَشَرَةُ رِجَالٍ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ لَكَ مِنْ تَوْبَةٍ إِلَّا أَنْ تتخلىّ عن ملكك وتخرج أنت وولدك تقاتل فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تُقَدِّمَ وَلَدَكَ حَتَّى يُقْتَلُوا بَيْنَ يَدَيْكَ، ثُمَّ تُقَاتِلَ أَنْتَ حَتَّى تُقْتَلَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ إِشْمَوِيلُ إِلَى القبر وسقط وخرّ مَيِّتًا، وَرَجَعَ طَالُوتُ أَحْزَنَ مَا كَانَ رَهْبَةً أَنْ لَا يُتَابِعَهُ وَلَدُهُ، وَقَدْ بَكَى حَتَّى سَقَطَتْ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ وَنَحُلَ جِسْمُهُ، فَدَخَلَ على [7] أَوْلَادُهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ دُفِعْتُ إِلَى النَّارِ هَلْ كُنْتُمْ تفدونني؟ قالوا: بلى نَفْدِيكَ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: فإنها النار [آخذة لي] [8] إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا مَا أَقُولُ لكم، قالوا: فاعرض علينا [ما ينجيك منها] [9] ، فَذَكَرَ لَهُمُ الْقِصَّةَ، قَالُوا: وَإِنَّكَ لِمَقْتُولٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَلَا خَيْرَ لَنَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَكَ قَدْ طَابَتْ أَنْفُسُنَا بِالَّذِي سَأَلْتَ، فَتَجَهَّزَ بِمَالِهِ وَوَلَدِهِ فَتَقَدَّمَ وَلَدُهُ وَكَانُوا عَشَرَةً فَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى قُتِلُوا ثُمَّ شَدَّ هُوَ بعدهم للقتال [10] حَتَّى قُتِلَ، فَجَاءَ قَاتِلُهُ إِلَى دَاوُدَ لِيُبَشِّرَهُ، وَقَالَ: قَتَلْتُ عَدُوَّكَ، فقال داود: وما أَنْتَ بِالَّذِي تَحْيَا بَعْدَهُ فَضَرَبَ عنقه، فكان مُلْكُ طَالُوتَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَتَى بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى دَاوُدَ وَأَعْطَوْهُ خَزَائِنَ طَالُوتَ وَمَلَّكُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: مَلَكَ دَاوُدُ بَعْدَ قَتْلِ طَالُوتَ [11] سَبْعَ سِنِينَ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مَلِكٍ وَاحِدٍ إِلَّا عَلَى دَاوُدَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ، يعني: النبوّة، وجمع اللَّهُ لِدَاوُدَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ [12] مِنْ قَبْلُ [بَلْ] 1] كَانَ الْمُلْكُ فِي سِبْطٍ وَالنُّبُوَّةُ

_ (1) في المطبوع «فأيقظونا» . 2 زيادة من المخطوط. 3 زيادة من المخطوط. 4 زيادة من المخطوط. (5) العبارة في نسخة- ط «وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ مَكَانَ قَبْرِ نبي؟ فانطلق بهما» . وفي المطبوع [ولكن أعلم مكان قبر نبي فانطلقت بهما] . (6) زيد في المطبوع عقب «له» [كم لك عيال، يعني] ، وهي زيادة مقحمة. [.....] (7) في المطبوع «عليه» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط. (10) في المخطوط «في الجهاد» بدل «للقتال» ولفظ «للقتال» سقط من- ط-. (11) في المخطوط «جالوت» . (12) زيد في المطبوع وحده «كذلك» . (13) زيادة عن المخطوط.

فِي سِبْطٍ، وَقِيلَ: الْمُلْكُ وَالْحِكْمَةُ هو: العلم مع العمل، [و] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ: يَعْنِي صَنْعَةَ الدروع، فكان يَصْنَعُهَا وَيَبِيعُهَا، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَقِيلَ: منطق الطير وكلام الجبل [1] والنمل. [والذر، والخنفساء، وحمار قبّان، وما أشبههما مما لا صوت لها] [2] ، وقيل: هو الزبور، وقيل: الصَّوْتُ الطَّيِّبُ وَالْأَلْحَانُ، فَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ تدنو الوحوش حتى يؤخذ بِأَعْنَاقِهَا، وَتُظِلَّهُ الطَّيْرُ مُصِيخَةً لَهُ وَيَرْكُدَ الْمَاءُ الْجَارِي، وَيَسْكُنَ الرِّيحُ، وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ سِلْسِلَةً مَوْصُولَةً بِالْمَجَرَّةِ وَرَأَسُهَا عِنْدَ صَوْمَعَتِهِ قُوَّتُهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ وَلَوْنُهَا لَوْنُ النَّارِ وَحِلَقُهَا مُسْتَدِيرَةٌ مُفَصَّلَةً [3] بِالْجَوَاهِرِ مُدَسَّرَةً بِقُضْبَانِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فَلَا يَحْدُثُ فِي الْهَوَاءِ حَدَثٌ إِلَّا صَلْصَلَتِ السلسلة فيعلم [4] دَاوُدُ ذَلِكَ الْحَدَثَ، وَلَا يَمَسُّهَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ وَكَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنْ رُفِعَتْ، فَمَنْ تَعَدَّى عَلَى صَاحِبِهِ وَأَنْكَرَ لَهُ حَقًّا أَتَى السِّلْسِلَةَ فَمَنْ كَانَ صَادِقًا مَدَّ يَدَهُ إِلَى السِّلْسِلَةِ فَتَنَاوَلَهَا، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَنَلْهَا، فَكَانَتْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ ظهر فيهم المكر والخديعة [فرفعت، وقيل: رفعت السلسلة في زمن داود حين أوحى الله إليه ما كان من مكرهم] [5] ، فَبَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِهَا أَوْدَعَ رَجُلًا جَوْهَرَةً ثَمِينَةً فَلَمَّا اسْتَرَدَّهَا أنكرها فَتَحَاكَمَا إِلَى السِّلْسِلَةِ فَعَمَدَ الَّذِي عنده الجوهرة إلى عكاز فَنَقَرَهَا وَضَمَّنَهَا الْجَوْهَرَةَ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا حتى حضر [عند] السِّلْسِلَةَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: رُدَّ عَلَيَّ الْوَدِيعَةَ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: مَا أَعْرِفُ لَكَ عِنْدِي مِنْ وَدِيعَةٍ، قال: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَتَنَاوَلِ السِّلْسِلَةَ فَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ، فَقِيلَ لِلْمُنْكِرِ: قُمْ أَنْتَ فَتُنَاوَلْهَا، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ: خذ عكازتي هَذِهِ فَاحْفَظْهَا حَتَّى أَتَنَاوَلَ السِّلْسِلَةَ فأخذها المالك عِنْدَهُ، ثُمَّ قَامَ الْمُنْكِرُ نَحْوَ السِّلْسِلَةِ فَأَخَذَهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي يَدَّعِيهَا عَلَيَّ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَقَرِّبْ مِنِّي السِّلْسِلَةَ، فَمَدَّ يَدَهُ فَتَنَاوَلَهَا فَتَعَجَّبَ الْقَوْمُ وشكّوا فيها [فأخبر داود بذلك فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِ الجوهرة كانت في عكاز المنكر وقد دفعه إلى المحق، وفيه الجوهرة حتى تناول السلسلة] [6] ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ السِّلْسِلَةَ [من بين أظهرهم] [7] . قوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ «دِفَاعُ اللَّهِ» بِالْأَلِفِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُغَالِبُهُ أَحَدٌ، وَهُوَ الدَّافِعُ وَحْدَهُ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْأَلِفِ قَالَ: قَدْ يَكُونُ الدِّفَاعُ مِنْ وَاحِدٍ مِثْلُ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَنْكَ الدِّفَاعَ، قال [ابن عباس و] مجاهد [8] : لولا دفع الله الناس بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ لَغَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَرْضِ فَقَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ وَخَرَّبُوا الْمَسَاجِدَ وَالْبِلَادَ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ عَنِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لَهَلَكَتِ الْأَرْضُ بِمَنْ فِيهَا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ عَنِ الْكَافِرِ، وَبِالصَّالِحِ عَنِ الْفَاجِرِ. «288» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أبو عبد الله بن زنجويه أنا

_ 288- ضعيف جدا. إسناده ضعيف جدا، يحيى بن سعيد العطار، متروك الحديث، وشيخه حفص بن سليمان ضعيف بسبب سوء حفظه، والحمل في هذا الحديث على العطار، فإنه روى مناكير، وهذا منها. - وأخرجه الطبري 5755 من طريق أبي حميد بهذا الإسناد. (1) في المطبوع «الجعل» وفي- ط «الحكل» وهو ما لا يسمع له صوت، والجميع محتمل والمثبت أقرب. (2) زيد في المطبوع وحده. - قوله: حمار قبان: هو دويّبة. كما في القاموس. (3) في المخطوط «مفصصة» . (4) في المطبوع «فعلم» . (5) زيادة من المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. [.....] (7) زيادة عن المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط و «الوسيط» (1/ 361) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 252 الى 253]

أَبُو بَكْرِ بْنُ خَرْجَةَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ أَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ [1] عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحَ عَنْ مِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ البلاء» ، ثم قرأ ابْنِ عُمَرَ [2] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 252 الى 253] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، أَيْ: كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، يَعْنِي: مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: ما أوتي نبي آية إلا أُوتِيَ نَبِيُّنَا مِثْلَ تِلْكَ الْآيَةِ، وَفُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ بِآيَاتٍ مِثْلُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ بِإِشَارَتِهِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ، وَكَلَامِ الْبَهَائِمِ وَالشَّهَادَةِ بِرِسَالَتِهِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَأَظْهَرَهَا الْقُرْآنُ الذي عجز أهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله [أو بأقصر سورة منه] [3] . «289» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُخْلِدِيُّ [4] ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يوم القيامة» .

_ - وأخرجه الطبري 5756 وابن عدي 382 والطبراني في الكبير والأوسط كما في «المجمع» 13533 من طريق يحيى بن سعيد به. وأعله ابن كثير في «تفسيره» (1/ 310) بيحيى بن سعيد وقال: ضعيف جدا. وضعفه السيوطي في «الدر» (1/ 567) وأما ابن عدي فأعله بحفص بن سليمان الأسدي ونقل عن البخاري قوله: تركوه، وضعفه يحيى، وفي رواية: كان حفص كذابا، ولو أعله ابن عدي رحمه الله بالعطار لكان أولى، فإن حفصا سبب ضعفه سوء حفظه، راجع الميزان. 289- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» 3509 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 152 من طريق قتيبة بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (4981) و (7274) من طريق الليث به. (1) في الأصل «عن» وهو تصحيف. (2) تحرف في المخطوط إلى «أبو عمرو» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في الأصل «أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ المخلدي» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني (5/ 227) .

«290» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَنَا سَيَّارٌ [1] ، أَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ أَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يعطهنّ أحد قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ولم تحلّ لأحد من قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» ، «291» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ [2] ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا الْعَلَاءُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ، أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، ونصرت بالرّغب، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا [وَطَهُورًا] [3] ، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ، ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، بِخُذْلَانِهِ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا، أَعَادَهُ تَأْكِيدًا، وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ فَضْلًا وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ عَدْلًا، سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عن القدر، فقال: هو طريق مظلم فلا تَسْلُكْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ، فَقَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلُجْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ، فَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تُفَتِّشْهُ.

_ 290- إسناده صحيح، محمد بن يوسف فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومحمد بن إسماعيل هو البخاري، وشيخه محمد بن سنان هو الباهلي، روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، هشيم هو ابن بشير ويزيد هو ابن صهيب، سيار هو ابن وردان. - وهو في «شرح السنة» 3510 بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيح البخاري» 438 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (335) و (3122) ومسلم 521 والنسائي (1/ 209- 211) وابن أبي شيبة (11/ 432) وأحمد (3/ 304) والدارمي (1/ 322- 323) وابن حبان 6398 واللالكائي في «الاعتقاد» 1439 والبيهقي (1/ 212) و (2/ 329) و (6/ 291) من طرق عن هشيم به. 291- إسناده صحيح على شرط مسلم، عبد الرحمن والد العلاء هو ابن يعقوب مولى الحرقة. - هو في «شرح السنة» 3511 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم (523) ح/ 5 والترمذي بإثر 1553 وابن حبان (2313 و6401) والبيهقي (2/ 433 و9/ 5) من طرق عن إسماعيل بن جعفر به. - وأخرجه ابن ماجه من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وإسماعيل بن جعفر عن العلاء به بلفظ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . - وأخرجه أحمد (2/ 411- 412) عن عبد الرحمن بن إبراهيم عن العلاء به. (1) في الأصل «سيا» وهو تصحيف. (2) وقع في الأصل «الكشمهيني» وهو تصحيف. (3) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة البقرة (2) : الآيات 254 الى 255]

[سورة البقرة (2) : الآيات 254 الى 255] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرَادَ بِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالنَّفَقَةَ فِي الْخَيْرِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ، أَيْ: لَا فِدَاءَ فِيهِ، سَمَّاهُ [1] بَيْعًا لِأَنَّ الْفِدَاءَ شِرَاءُ نَفْسِهِ، وَلا خُلَّةٌ، ولا صَدَاقَةَ وَلا شَفاعَةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ الله، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كُلَّهَا بِالنَّصْبِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ إبراهيم: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم: 31] ، وفي سورة الطور: لَا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الطور: 23] ، وقرأ الباقون كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ، لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا الْعِبَادَةَ فِي غير موضعها. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، «292» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] [2] سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا

_ 292- صدره صحيح، وأما عجزه، وهو «والذي نفس محمد ... » فضعيف شاذ. إسناده على شرط مسلم، لكن الجريري، اختلط بأخرة، وقد اضطرب الرواة، فرواه بعضهم بهذا اللفظ عنه، ورواه آخرون بدون عجزه، وهو الذي اختاره الإمام مسلم، ابن أبي شيبة هو أبو بكر عبد لله بن محمد، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى السّامي، الجريري هو سعيد بن إياس، أبو السّليل هو ضريب بن نقير. - وهو في شرح السنة 1189 بهذا الإسناد. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 2387 من طريق ابن أبي شيبة بهذا الإسناد بلفظ المصنف. - وأخرجه مسلم 810 من طريق ابن أبي شيبة بهذا الإسناد بدون عجز الحديث «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ لهذه الآية لسانا ... » . وهذا هو الصحيح. - وأخرجه أبو داود 1460 من طريق عبد الأعلى به دون عجزه. - وأخرجه الحاكم (3/ 304) من طريق يزيد بن هارون عن سعيد بن إياس به دون عجزه، وصححه وقال: ولم يخرجاه! ووافقه الذهبي!؟ - وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» 6001 عن الثوري عن سعيد الجريري به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (5/ 141- 142) (20771) وابن الضريس في «فضائل القرآن» 186 والبيهقي في «الشعب» 2386 بلفظ المصنف. وقال عبد الله بن أحمد: وهذا لفظ حديث أبي عن عبد الرزاق اهـ. - وأخرجه أبو داود 4003 من حديث واثلة بن الأسقع بدون هذه الزيادة في عجزه، لكن إسناده ضعيف لجهالة مولى بن الأسقع. والظاهر أن هذه الزيادة «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ لهذه الآية لسانا ... » لا تصح بل هي منكرة، ولعل الوهم فيه من الجريري، فهو وإن كان ثقة روى له الجماعة، لكنه اختلط بأخرة، وقد رواه مسلم من طريقه بدون تلك الزيادة. وبهذا يتبين أن الذي رواه بدون تلك الزيادة إنما سمعه منه قبل الاختلاط، ومن رواه بتلك الزيادة، فقد سمعه منه بعد الاختلاط، وهي زيادة غريبة، لا يتابع عليها، والله تعالى أعلم بالصواب. وانظر «تفسير ابن كثير» عند هذه الآية بتخريجي، والله الموافق. [.....] (1) في المطبوع وحده «سمي» . (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ [1] ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ [2] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «يا أَبَا الْمُنْذِرِ أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ» ؟ قُلْتُ: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي ثم قال: «ليهنك العلم [أبا المنذر] [3] » ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ» . «293» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ [أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو، ناعوف، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ] [4] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ [5] عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قالت: فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: دعني فإني محتاج ولي عِيَالٌ وَلَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله شكا حاجة وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم

_ (1) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. (2) في الأصل «السبيل» والتصويب عن كتب التخريج والتراجم. (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» 1190. 293- حديث صحيح، فيه انقطاع، فإن البخاري أخرجه تعليقا بقوله: وقال عثمان بن الهيثم، ومن طريقه أخرجه البغوي هاهنا وفي شرح السنة، لكن وصله البخاري في باقي الروايات، عوف هو ابن أبي جميلة. - هو في «شرح السنة» 1190. - وأخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم 2311. - وأخرجه البخاري (3275) و (5010) والنسائي في «الكبرى» 10795 والبيهقي في «الدلائل» (7/ 107- 108) من طرق عن محمد بن سيرين به. - وفي الباب من حديث أبي أيوب الأنصاري أخرجه الترمذي 2880 وأبو نعيم في «الدلائل» (2/ 766) وإسناده ضعيف لضعف مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ليلى، وباقي رجال الإسناد ثقات. - ومن حديث أبي بن كعب عند النسائي في «اليوم والليلة» (960) و (961) والطبراني في «الكبير» (514) والحاكم (1/ 562) وابن حبان 784 وأبو نعيم (2/ 765) والبيهقي في «دلائل النبوة» (7/ 108) و (109) والبغوي في «شرح السنة» 1197 من طرق عنه. - ومن حديث معاذ بن جبيل عند الطبراني (20/ 51 و101) وأبي نعيم (2/ 767) . - ومن حديث أبي أسيد الساعدي عند الطبراني (19/ 263- 264) . - ومن حديث بريدة بن الحصيب عند البيهقي (7/ 111) . لكن هذه الثلاثة الأخيرة، واهية، وأصحها حديث أبي هريرة ثم حديث أبي بن كعب. وهذا يدل على تكرر الحادثة، فإنها حصلت لغير واحد من الصحابة. (3) زيد في المطبوع، وهو في صحيح مسلم. (5) في المطبوع «لي» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» .

وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بها، قلت: ما هن؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، [فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بها فخلّيت سبيله، قال: «وما هي» ؟ [قال:] قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَقَالَ: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الْخَيْرِ] [1] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إنه صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تخاطب منذ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» . «294» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [3] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ الْمَلِيكِيُّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حِينَ يُصْبِحُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) [غَافِرٍ: 1- 2] ، حُفِظَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ! وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ فِي لَيْلَتِهِ تلك حتى يصبح» . قوله عزّ وجلّ: اللَّهُ، رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ، الْبَاقِي الدَّائِمُ عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ صِفَةُ الله تعالى الْقَيُّومُ. وقرأ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ «الْقَيَّامُ» ، وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ «الْقَيِّمُ» ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقَيُّومُ الْقَائِمُ على كل شيء، قال الْكَلْبِيُّ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ [بِمَا كَسَبَتْ] [4] ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَائِمُ بِالْأُمُورِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي لَا يَزُولُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ، السِّنَةُ النُّعَاسُ، وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ، وَالْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ، يُقَالُ مِنْهُ: وَسِنَ يسن وسنا وسنة، والنوم هو: الثقل المزيل للقوة والعقل، وقال الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ، وَالنَّوْمُ: فِي الْقَلْبِ، فَالسِّنَةُ أَوَّلُ النَّوْمِ وَهُوَ النُّعَاسُ، وَقِيلَ: السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ، والنوم في القلب،

_ 294- ذكر آية الكرسي صحيح، وذكر الآيتين من سورة غافر، ضعيف. إسناده ضعيف لضعف عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بن عبد الله، وباقي رجال الإسناد ثقات مشاهير، رجال البخاري ومسلم، أبو معاوية هو محمد بن خازم. - وهو في «شرح السنة» 1192 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2879 والدارمي (2/ 449) والبيهقي في «الشعب» 2473 من طريق عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ المليكي به. وضعفه الترمذي بقوله: غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بكر المليكي اهـ. والضعف فقط في ذكر سورة غافر، وأما آية الكرسي، فقد صح من حديث أبي هريرة، وغيره في قصة حفظه صدقة رمضان، وهو المتقدم، وفي الباب أحاديث كثيرة في ذكر آية الكرسي. ولم يتنبه الألباني إلى ذلك فلذا أورده في ضعيف الترمذي 540 بتمامه، وحكم بضعفه! فتنبه، والله الموفق. (1) سقط من المخطوط. (2) زيادة من المخطوط. (3) في الأصل «الزياتي» والتصويب من «شرح السنة» و «تهذيب الكمال» (7/ 394) للمزي. (4) زيادة من المخطوط.

فَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ لِأَنَّهُ آفَةٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْآفَاتِ، وَلِأَنَّهُ تُغَيُّرٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. «295» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ولكنّه يخفض القسط و [يرفعه] [1] يرفع إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» . وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، وَقَالَ: «حِجَابُهُ النَّارُ» [2] ، لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، مُلْكًا وَخَلْقًا، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، بِأَمْرِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْرِ الدنيا وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَعْنِي: الْآخِرَةَ لِأَنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهَا، وَمَا خَلْفَهُمُ الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ يُخَلِّفُونَهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: مَا مَضَى أَمَامَهُمْ، وَمَا خَلْفَهُمْ: مَا يَكُونُ بعدهم، وقال مقاتل [بن سليمان] [3] : مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا كَانَ قَبْلَ [خَلْقِ] [4] الْمَلَائِكَةِ وَمَا خَلْفَهُمْ، أَيْ: مَا كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَيْ: ما قدّموه من خير وشر، وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ، أَيْ: مِنْ عِلْمِ اللَّهِ، إِلَّا بِما شاءَ، أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ، يَعْنِي: لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ إِلَّا بِمَا شَاءَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرُّسُلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الْجِنِّ: 26. 27] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، أَيْ: مَلَأَ وَأَحَاطَ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُرْسِيِّ، فَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْعَرْشُ نَفْسُهُ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْكُرْسِيُّ: مَوْضُوعٌ [5] أَمَامَ الْعَرْشِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، أي: سعته مثل سعة السموات والأرض.

_ 295- صحيح، علي بن حرب هو ابن محمد الطائي، ثقة روى له النسائي، ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، والأعمش هو سليمان بن مهران، أبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، قيل: لا اسم له، وقيل: اسمه عامر. - وهو في «شرح السنة» 90 بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 179 وابن ماجه 195 وأحمد (4/ 405) وابن خزيمة في «التوحيد» (ص 19) وابن مندة في «الإيمان» 776 وابن أبي عاصم في «السنة» 614. من طرق عن أبي معاوية به، وقال مسلم: وفي رواية أبي بكر «النار» . - وأخرجه ابن خزيمة (ص 19) وابن حبان 266 وابن مندة 778 من طريق الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَمْرِو بن مرة به. ورواية ابن خزيمة وابن مندة «حجابه النار» أما رواية ابن حبان «حجابه النور» . - وأخرجه مسلم (179) ح/ 295 وابن مندة 779 وأحمد (4/ 395) من طريق شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ به مختصرا. [.....] (1) زيادة عن المخطوط وشرح السنة. (2) أخرجه ابن ماجه 196 والطيالسي 491 وأحمد (4/ 401) وابن خزيمة (ص 20) من طريق الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ به وزاد «ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. والمسعودي قد اختلط بأخرة، وزيادة هذه الآية لم يتابعه عليها أحد. (3) زيادة من المخطوط. (4) زيادة من المخطوط. (5) في المخطوط «موضوع» .

«296» وفي الأخبار: «إن السموات وَالْأَرْضَ فِي جَنْبِ الْكُرْسِيِّ، كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، وَالْكُرْسِيُّ فِي جَنْبِ العرش، كحلقة [ملقاة] [1] فِي فَلَاةٍ» . وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ السموات السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ، وَقَالَ عَلَيٌّ وَمُقَاتِلٌ [2] : كُلُّ قَائِمَةٍ من [قوائم] [3] الكرسي طولها مثل السموات السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَهُوَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَيَحْمِلُ الْكُرْسِيَّ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، وَأَقْدَامُهُمْ فِي الصَّخْرَةِ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. مَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الْبَشَرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ يسأل للآدمين الرِّزْقَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الْأَنْعَامِ وَهُوَ الثَّوْرُ، وَهُوَ يَسْأَلُ لِلْأَنْعَامِ الرِّزْقَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، وَعَلَى وَجْهِهِ غَضَاضَةٌ [4] مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ، وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ السباع، وهو الأسد يسأل [الله الرزق] للسباع مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ. وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الطَّيْرِ، وَهُوَ النسر يسأل [الله] الرِّزْقَ لِلطَّيْرِ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ. وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: أَنَّ مَا بَيْنَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَحَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ ظُلْمَةٍ وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ولولا ذلك لاحترقت حَمَلَةُ الْكُرْسِيِّ مِنْ نُورِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عن ابن عباس

_ 296- يشبه الحسن. ورد مرفوعا من وجوه فقد أخرجه الطبري 5795 وأبو الشيخ في «العظمة» 222 كلاهما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بن أسلم عن أبيه مرسلا، ومع إرساله، فإن ابن زيد واه. قاله الذهبي في «العلو» (ص 91) اهـ. - وقد أخرجه ابن حبان 361 وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 166) وأبو الشيخ في «العظمة» 261 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 862 من طريق إبراهيم بن هشام الغساني بسنده عن أبي ذر، والغساني هذا ضعيف جدا، وقال الذهبي: متروك. وكذبه أبو حاتم وأبو زرعة. - لكن تابعه يحيى بن سعيد القرشي السعدي عند ابن عدي (7/ 2699) وأبي الشيخ في «العظمة» 208 وأبي نعيم (1/ 168) والطبراني 5795 والبيهقي (9/ 4) وفي «الأسماء والصفات» 861 من حديث أبي ذر، ويحيى القرشي هذا ضعيف، جرحه ابن حبان وقال ابن عدي: هذا حديث منكر من هذا الطريق. - وأخرجه أبو الشيخ في «العظمة» 254 من إسماعيل بن عياش بسنده عن أبي ذر به، وإسماعيل ضعيف في روايته عن غير الشاميين، وشيخه هاهنا حجازي، وفي الإسناد انقطاع. - وأخرجه ابن أبي شيبة في «العرش» 58 من وجه آخر من حديث أبي ذر، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم هو المكي، وهو ضعيف. وتابعه عليه القاسم بن محمد المصري عند ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 317) والقاسم ضعيف. وانظر مزيد الكلام عليه في «تفسير ابن كثير» بتخريجي. - وصححه الألباني في «الصحيحة» 109 لطرقه والصواب أنه لا يرقى إلى درجة الحسن، فعامة طرقه شديدة الضعف. تنبيه: وقع عند الألباني في «الصحيحة» (1/ 175) أن «ابن زيد» في رواية الطبري هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فوهم بذلك فإن ابن جرير يروي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو المراد عند الإطلاق في تفسيره. (1) زيادة عن المخطوط. (2) لا أصل له عن علي، وحسبه أن يكون عن مقاتل، وهو يروي عن الإسرائيليات وهذا منها. (3) زيادة عن المخطوط. (4) الغضاضة: الذلة والمنقصة.

[سورة البقرة (2) : آية 256]

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ [1] : أَرَادَ بِالْكُرْسِيِّ عِلْمَهُ [2] ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِصَحِيفَةِ الْعِلْمِ: كُرَّاسَةٌ، وَقِيلَ: كُرْسِيُّهُ مُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُلْكَ الْقَدِيمَ: كُرْسِيًّا. وَلا يَؤُدُهُ، أَيْ: لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، يُقَالُ: آدَنِي الشَّيْءُ أَيْ أثقلني، حِفْظُهُما، أي: حفظ السموات وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَلِيُّ: الرَّفِيعُ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَالْمُتَعَالِي عَنِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَقِيلَ: الْعَلِيُّ بِالْمُلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ، الْعَظِيمُ: الْكَبِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ منه. [سورة البقرة (2) : آية 256] لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. ع «297» قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَكُونُ مقلاة- والمقلاة من النساء التي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، وَكَانَتْ تَنْذُرُ لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لتهوّدنّه إن [3] عَاشَ وَلَدُهَا جَعَلَتْهُ فِي الْيَهُودِ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِيهِمْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ عَدَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ فَأَرَادَتِ الْأَنْصَارُ اسْتِرْدَادَهُمْ، وَقَالُوا: هُمْ أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قد خيّر أَصْحَابَكُمْ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ وإن اختاروهم [فهم منهم، قال:] [4] فأجلوهم معهم» . ع «298» وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ نَاسٌ مُسْتَرْضَعِينَ فِي الْيَهُودِ مِنَ الْأَوْسِ فَلَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِيهِمْ: لَنَذْهَبَنَّ مَعَهُمْ وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ، فَنَزَلَتْ لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. ع «299» وَقَالَ مَسْرُوقٌ: كَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عوف ابنان متنصّران قبل مبعث

_ 297- ع ضعيف بهذا اللفظ، وقد صح عن ابن عباس، دون اللفظ المرفوع. وهو بهذا اللفظ ورد مرسلا. أخرجه الطبري 5819 والبيهقي (9/ 186) من طريق أبي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سعيد بن جبير مرسلا. - ووصله أبو داود 2682 والنسائي في «الكبرى» 11048 وابن حبان 140 والطبري 5813 والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص 82) والواحدي في «أسباب النزول» 158 و159. والبيهقي (9/ 186) من طرق عن شعبة عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به دون عجزه «قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم ... » وإسناده صحيح. وله شاهد مرسل عن عامر الشعبي، أخرجه الطبري 5815. 298- ع أخرجه الطبري (5821) و (5822) عن مجاهد مرسلا، فهذا ضعيف لإرساله. لكن يشهد لما قبله. وله شاهد مرسل الشعبي، أخرجه الطبري (5816) و (5817) ، وآخر برقم 5827 من مرسل الحسن. 299- ع ضعيف. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 162 عن مسروق بدون إسناد، فلا حجة فيه البتة، وله شاهد من مرسل السدي، أخرجه الطبري 5820، ومع إرساله السدي يروي مناكير. (1) لا يصح مثل هذا التأويل عن ابن عباس، بل هو من بدع التأويل، وكيف يصح هذا التأويل، وكذا ما بعده، مع وجود حديث حسن مرفوع؟! [.....] (2) في المطبوع «عمله» . (3) كذا في المخطوط والطبري. وفي المطبوع «فإذا» . (4) زيادة عن الطبري (9/ 58) .

[سورة البقرة (2) : الآيات 257 الى 258]

النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى يَحْمِلُونَ الطَّعَامَ، فَلَزِمَهُمَا أَبُوهُمَا وَقَالَ: لَا أَدَعُكُمَا حتى تسلما، فاختصموا [1] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَدْخُلُ بِعْضِي النَّارَ وَأَنَا أَنْظُرُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، فَأَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ، فَمَنْ أَعْطَى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ، فَصَارَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ، أَيِ: الْإِيمَانُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ، يعني: بالشيطان، وَقِيلَ: كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ طَاغُوتٌ، وقيل: مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ، فَاعُولٌ، مِنَ الطُّغْيَانِ زِيدَتِ التَّاءُ فِيهِ بَدَلًا مِنْ لَامِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِمْ: حَانُوتٌ وتابوت، فالتاء فيهما مُبْدَلَةٌ [2] مِنْ هَاءِ التَّأْنِيثِ، وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، أَيْ: تَمَسَّكَ وَاعْتَصَمَ بِالْعَقْدِ الْوَثِيقِ الْمُحْكَمِ فِي الدِّينِ، وَالْوُثْقَى: تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ، وَقِيلَ: الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى السَّبَبُ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، لَا انْفِصامَ لَها: لَا انْقِطَاعَ لَهَا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ: [قِيلَ: سميع] [3] لِدُعَائِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلِيمٌ: بحرصك على إيمانهم. [سورة البقرة (2) : الآيات 257 الى 258] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا: نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ، وَقِيلَ: مُحِبُّهُمْ، وَقِيلَ: مُتَوَلِّي أُمُورَهُمْ لَا يَكِلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِيُّ هِدَايَتِهِمْ، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، أَيْ: مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ غَيْرُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: 1] ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، سُمِّيَ الْكُفْرُ: ظُلْمَةً لِالْتِبَاسِ طَرِيقِهِ، وَسُمِّيَ الْإِسْلَامُ نُورًا لِوُضُوحِ طَرِيقِهِ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي: كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَحُيَيَّ بن أخطب وسائر رؤوس الضَّلَالَةِ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، يَدْعُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وَالطَّاغُوتُ يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا وواحدا وجمعا، فقال تَعَالَى فِي الْمُذَكَّرِ وَالْوَاحِدِ: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النِّسَاءِ: 60] ، وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّثِ: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [الزُّمَرِ: 17] ، وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ

_ في الباب من حديث ابن عباس عند الطبري 5818 لكن إسناده ضعيف فيه محمد بن أبي محمد، وهو مجهول، والراجح في هذا هو المتقدم أوّلا عن ابن عباس وغيره، والله أعلم. (1) في المطبوع «فتخاصما» . (2) في المطبوع «فيها مبدل» . (3) زيادة عن المخطوط.

، فإن قيل: كيف يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَكُونُوا فِي نُورٍ قَطُّ؟ قِيلَ: هُمُ الْيَهُودُ وكانوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لِمَا يجدون في كتبهم من نعمته، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ جميع الكفار، وقالوا: مَنْعُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ: إِخْرَاجٌ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِأَبِيهِ: أَخْرَجْتَنِي [1] مِنْ مَالِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [يُوسُفَ: 37] ، وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي مِلَّتِهِمْ، أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، مَعْنَاهُ: هَلِ انْتَهَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ خَاصَمَ وَجَادَلَ، وَهُوَ نُمْرُودُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ وَتَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ؟ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، أَيْ: لِأَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَطَغَى، أَيْ: كَانَتْ تِلْكَ الْمُحَاجَّةُ مِنْ بَطَرِ الْمَلِكِ وَطُغْيَانِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ: مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ: فَسُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَمَّا الْكَافِرَانِ: فَنُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا كَسَّرَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ سَجَنَهُ نُمْرُودُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ نُمْرُودَ، وَكَانَ النَّاسُ يَمْتَارُونَ مِنْ عِنْدِهِ الطَّعَامَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الطَّعَامِ سَأَلَهُ مِنْ رَبُّكَ فَإِنْ قَالَ أَنْتَ بَاعَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَاشْتَغَلَ بِالْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ فَمَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ رَمْلٍ أَعْفَرَ فَأَخَذَ مِنْهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَهْلِهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَتَى أَهْلَهُ وَوَضَعَ مَتَاعَهُ نَامَ فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَتَاعِهِ فَفَتَحَتْهُ فَإِذَا هُوَ أَجْوَدُ طعام رأته [فأخذته سارة] [2] فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْهُ فَقَرَّبَتْهُ [إِلَيْهِ] [3] ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ: قَالَ لَهُ مَنْ ربك؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَرَأَ حَمْزَةُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ [الأعراف: 33] ، وعَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ [الأعراف: 146] ، وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ [إبراهيم: 31] ، وآتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30] ، ومَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء: 83] ، وعِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، وعِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: 13] ، ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ [ص: 41] ، وإِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ [الزمر: 38] ، وإِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ [الْمُلْكِ: 28] ، أَسْكَنَ الْيَاءَ فِيهِنَّ حَمْزَةُ، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ فِي لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم: 31] ، وابن عامر [في] آياتِيَ الَّذِينَ [الأعراف: 146] ، وفتحها الآخرون، قالَ نمرود [لإبراهيم] أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَنَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَالْمَدِّ فِي الْوَصْلِ إِذَا تَلَتْهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ أَوْ مَضْمُومَةٌ، وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَوَقَفُوا جَمِيعًا بِالْأَلِفِ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: دَعَا نُمْرُودُ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَاسْتَحْيَا الْآخَرَ فَجَعَلَ [القتل إماتة] [4] ، وترك القتل إحياء، فَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى ليعجزه، فَإِنَّ حُجَّتَهُ كَانَتْ لَازِمَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ فَكَانَ له أن يقول فأحيي مَنْ أَمَتَّ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فانتقل إلى حجّة أخرى

_ (1) في المخطوط «أخرجني» . (2) زيادة عن المخطوط. 3 زيد في المطبوع وحده. 4 زيد في المطبوع وحده.

[سورة البقرة (2) : آية 259]

أَوْضَحَ مِنَ الْأُولَى قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، أَيْ: تَحَيَّرَ وَدَهِشَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ بُهِتَ وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَارِضَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ لَهُ: سَلْ أَنْتَ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ، قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْهُ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ لَوْ سأله ذَلِكَ، دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ فَكَانَ زِيَادَةً فِي فَضِيحَتِهِ وَانْقِطَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَهُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ إِظْهَارًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ أَوْ مُعْجِزَةً لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. [سورة البقرة (2) : آية 259] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، وَهَذِهِ الآية مسوقة عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى، تَقْدِيرُهُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ في ربه، [وَإِلَى الَّذِي] [1] مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ؟ وقيل: تقديره: هل رأيت كالذي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ؟ وَهَلْ رأيت كالذي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْمَارِّ. فَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيَا، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ وَهُوَ الْخَضِرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ كَافِرٌ شَكَّ فِي الْبَعْثِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَقَالَ وَهْبٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ دَيْرُ سَابِرَ أَبَادَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مسلم أباد، وَقِيلَ: دَيْرُ هِرَقْلَ، وَقِيلَ: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِيهَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ، وَقِيلَ: هِيَ قَرْيَةُ الْعِنَبِ [2] وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهِيَ خاوِيَةٌ: سَاقِطَةٌ، يُقَالُ: خَوِيَ الْبَيْتُ بِكَسْرِ الْوَاوِ يَخْوِي، خَوًى مَقْصُورًا إِذَا سَقَطَ، وَخَوَى الْبَيْتُ بِالْفَتْحِ خَوَاءً مَمْدُودًا إِذَا خَلَا، عَلى عُرُوشِها: سُقُوفِهَا، وَاحِدُهَا عرش، وقيل: وكل بِنَاءٍ عَرْشٌ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْحِيطَانُ عَلَيْهَا، قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟ وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِرْمِيَاءَ إِلَى نَاشِيَةَ بْنِ أَمُوصَ ملك بني إسرائيل ليسدّده في ملكه، ويأتيه بالخير مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَكِبُوا الْمَعَاصِيَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِرْمِيَاءَ أَنْ ذَكِّرْ قَوْمَكَ نِعَمِي وعرّفهم أحداثهم [وركوبهم معصيتي] [3] وَادْعُهُمْ إِلَيَّ، فَقَالَ إِرْمِيَاءُ: إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي، عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي، مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجلّ: أنا ألهمك [ما تقول] [4] ، فَقَامَ إِرْمِيَاءُ فِيهِمْ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ فِي الْوَقْتِ خُطْبَةً بَلِيغَةً طَوِيلَةً بَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا ثَوَابَ الطَّاعَةِ وَعِقَابَ الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنِّي أَحْلِفُ بِعِزَّتِي لَأُقَيِّضَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَتَحَيَّرُ فِيهَا الحليم [5] وَلَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا فَارِسِيًّا أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ وَأَنْزِعُ مِنْ صَدْرِهِ الرَّحْمَةَ

_ (1) العبارة في المطبوع «وهل رأيت كالذي» والمثبت هو الصواب. (2) في المخطوط «الغيث» . (3) زيادة عن المخطوط. [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «الحكيم» .

يَتْبَعُهُ عَدَدٌ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَاءَ: إِنِّي مَهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [بِيَافِثَ] [1] ، وَيَافِثُ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَاءُ ذَلِكَ صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَهُ وَبُكَاءَهُ نَادَاهُ يَا أَرْمِيَاءُ أَشَقَّ عَلَيْكَ ما أوحيت إليك [من إهلاكهم] [2] ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ، أَهْلِكْنِي قَبْلَ أَنْ أَرَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا لَا أُسَرُّ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي لَا أُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ، فَفَرِحَ إِرْمِيَاءُ بِذَلِكَ وَطَابَتْ نَفْسُهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى بِالْحَقِّ لَا أَرْضَى بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ، فَقَالَ: إِنْ يُعَذِّبْنَا رَبُّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِرَحْمَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْدَ الْوَحْيِ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ، وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلَاكُهُمْ فَقَلَّ الْوَحْيُ، وَدَعَاهُمُ الْمَلِكُ إِلَى التَّوْبَةِ [فتمادوا في غيّهم] [3] ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَخَرَجَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ يُرِيدُ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى الْمَلِكَ الْخَبَرُ فَقَالَ لِإِرْمِيَاءَ: أَيْنَ مَا زَعَمْتَ أَنَّ الله أوحى إليك [أن لا يهلك بني إسرائيل إلا بأمرك] [4] ، فَقَالَ إِرْمِيَاءُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ، فَلَمَّا قَرُبَ الْأَجَلُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَاءَ مَلَكًا قَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَيْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَهْلِ رَحِمِي، وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ وَلَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلَّا حُسْنًا وَلَا يَزِيدُهُمْ إِكْرَامِي إِيَّاهُمْ إِلَّا إِسْخَاطًا لِي، فأفتني فيهم، فقال: أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ وَصِلْهُمْ وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ، فَانْصَرَفَ الْمَلَكُ فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَعَدَ بين يديه، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: مَنْ أَنْتَ؟ قال: أنا الرجل الذي أتيتك أستفتيك فِي شَأْنِ أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: أَمَا طَهُرَتْ أَخْلَاقُهُمْ لَكَ بعد؟ فقال: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أحد من الناس إلى [5] رَحْمَةً إِلَّا قَدَّمْتُهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَلَ [من ذلك] [6] ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ إِرْمِيَاءُ عَلَيْهِ السلام: ارجع فأحسن إليهم واسأل اللَّهَ الَّذِي يُصْلِحُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ أن يصلحهم [لك] [7] ، فانصرف الْمَلِكُ، فَمَكَثَ أَيَّامًا وَقَدْ نَزَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَكْثَرِ مِنَ الْجَرَادِ فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ مَلِكُهُمْ لِإِرْمِيَاءَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَيْنَ مَا وَعَدَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْمَلِكُ إِلَى إِرْمِيَاءَ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ بِنَصْرِ ربّه الَّذِي وَعَدَهُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يُفِيقُوا مِنَ الَّذِي هُمْ فِيهِ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُصِيبُنِي مِنْهُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَالْيَوْمَ رَأَيْتُهُمْ فِي عَمَلٍ لَا يُرْضِي اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: عَلَى أَيِّ عَمَلٍ رَأَيْتَهُمْ؟ قَالَ: عَلَى عَمَلٍ عظيم من سخط الله، فغضبت لله وَأَتَيْتُكَ لِأُخْبِرَكَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا إِلَّا مَا دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهُمْ، فقال أرمياء: يا مالك السموات وَالْأَرْضِ إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوَابٍ فَأَبْقِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ، فَلَمَّا خرجت الكلمة من في إِرْمِيَاءَ أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَالْتَهَبَ مكان القربان [نارا] [8] وَخُسِفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَاءُ صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رأسه، وقال: يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني به، فَنُودِيَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاكَ وَدُعَائِكَ، فَاسْتَيْقَنَ [أرمياء] [9] عليه

_ (1) زيادة من المخطوط. (2) زيادة من المخطوط. (3) العبارة في المطبوع «فلم يفعلوا» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) وقع في المطبوع «إلا» . (6) زيادة من المخطوط. 7 زيادة من المخطوط. 8 زيادة من المخطوط. (9) في المطبوع «النبي» بدل «أرمياء» .

السَّلَامُ أَنَّهَا فُتْيَاهُ وَأَنَّ ذَلِكَ السائل كان رسول ربّه، فَطَارَ إِرْمِيَاءُ حَتَّى خَالَطَ الْوُحُوشَ، وَدَخَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَوَطِئَ الشَّامَ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَمَرَ جُنُودَهُ أَنْ يَمْلَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسَهُ تُرَابًا فَيَقْذِفَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَفَعَلُوا حتى ملؤوه، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بُلْدَانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فاجتمع عنده [1] صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفَ صَبِيٍّ فَقَسَمَهُمْ بَيْنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ غِلْمَةٍ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ [2] دَانْيَالُ وَحَنَانْيَا، وَفَرَّقَ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَ فِرَقٍ فَثُلُثًا قَتَلَهُمْ وَثُلُثًا سَبَاهُمْ وَثُلُثًا أَقَرَّهُمْ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْأُولَى الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ ببني إِسْرَائِيلَ بِظُلْمِهِمْ فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُمْ بُخْتَنَصَّرُ رَاجِعًا إِلَى بَابِلَ وَمَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَقْبَلَ إِرْمِيَاءُ على حمار له ومعه عَصِيرُ عِنَبٍ فِي رَكْوَةٍ وَسَلَّةُ تِينٍ حَتَّى غَشَى إِيلِيَاءَ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا وَرَأَى خَرَابَهَا قَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، وَقَالَ الَّذِي قَالَ: إِنَّ الْمَارَّ كَانَ عُزَيْرًا وَإِنَّ بُخْتَنَصَّرَ لَمَّا خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَدِمَ بسبي بني إسرائيل بابل كَانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ وَدَانْيَالُ وَسَبْعَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ دَاوُدَ، فَلَمَّا نَجَا عُزَيْرٌ مِنْ بَابِلَ ارْتَحَلَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ هِرَقْلَ عَلَى شَطِّ دِجْلَةَ، فَطَافَ فِي الْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا وَعَامَّةُ شَجَرِهَا حَامِلٌ، فَأَكَلَ مِنَ الْفَاكِهَةِ وَاعْتَصَرَ مِنَ الْعِنَبِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَجَعَلَ فَضْلَ الْفَاكِهَةِ فِي سَلَّةٍ وَفَضْلَ الْعَصِيرِ فِي زِقٍّ، فَلَمَّا رَأَى خَرَابَ الْقَرْيَةِ وَهَلَاكَ أَهْلِهَا قَالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها، قَالَهَا تَعَجُّبًا لَا شَكًّا فِي الْبَعْثِ. رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ وَهْبٍ. قَالَ: ثُمَّ رَبَطَ إِرْمِيَاءُ حِمَارَهُ بِحَبْلٍ جَدِيدٍ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ النَّوْمَ فَلَمَّا نَامَ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الرُّوحَ مِائَةَ عَامٍ، وَأَمَاتَ حِمَارَهُ، وَعَصِيرُهُ وَتِينُهُ عِنْدَهُ فَأَعْمَى اللَّهُ عَنْهُ الْعُيُونَ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَذَلِكَ ضُحًى وَمَنَعَ اللَّهُ السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ لَحْمَهُ فَلَمَّا مَضَى مِنْ مَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً أَرْسَلَ اللَّهُ مَلِكًا إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ له: نوشك، فقال [له] : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ فَتُعَمِّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِيلِيَاءَ حَتَّى يَعُودَ أَعْمَرَ مَا كَانَ، فانتدب الملك ألف قَهْرَمَانٍ مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ عَامِلٍ وَجَعَلُوا يُعَمِّرُونَهُ [3] ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ دِمَاغَهُ، وَنَجَّى اللَّهُ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَمُتْ بِبَابِلَ [منهم] [4] أحد، وَرَدَّهُمْ جَمِيعًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَوَاحِيهِ وَعَمَّرُوهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَثُرُوا حَتَّى عَادُوا عَلَى أَحْسَنِ مَا كانوا عليه [قبل] [5] ، فَلَمَّا مَضَتِ الْمِائَةُ أَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ عَيْنَيْهِ وَسَائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ ثُمَّ أَحْيَا جَسَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ فَإِذَا عِظَامُهُ مُتَفَرِّقَةٌ بِيضٌ تَلُوحُ، فَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي فَاجْتَمَعَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَاتَّصَلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، ثُمَّ نُودِيَ: أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي لَحْمًا وَجِلْدًا فَكَانَتْ كَذَلِكَ، ثُمَّ نُودِيَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَحْيَا فَقَامَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَنَهَقَ، وَعَمَّرَ اللَّهُ إِرْمِيَاءَ فَهُوَ الَّذِي يَرَى فِي الْفَلَوَاتِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، أَيْ: أَحْيَاهُ، قالَ كَمْ لَبِثْتَ، أَيْ: كَمْ مَكَثْتَ؟ يُقَالُ: لَمَّا أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلِكًا فَسَأَلَهُ: كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُ ضُحًى فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَحْيَاهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ قبل غيبوبة الشمس، فقال: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ] [6] : لَبِثْتُ يَوْمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ، فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، بَلْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له الْمَلِكُ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ، يَعْنِي: التِّينَ، وَشَرابِكَ، يَعْنِي: الْعَصِيرَ، لَمْ يَتَسَنَّهْ

_ (1) في المطبوع «عندهم» . (2) في المخطوط «الغلمة» . (3) في المخطوط «يعمرونها» . [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيد في المطبوع وحده.

، أَيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَكَانَ التِّينُ كأنه قطف من ساعته، [والعصير كأنه عصر من سَاعَتِهِ] [1] ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: كَأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (لَمْ يَتَسَنَّ) بِحَذْفِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ، وَكَذَلِكَ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الْأَنْعَامِ: 90] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْهَاءِ فِيهِمَا وَصْلًا وَوَقْفًا، فَمَنْ أَسْقَطَ الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ جَعَلَ الْهَاءَ صِلَةً زَائِدَةً، وَقَالَ: أَصْلُهُ يَتَسَنَّى، فحذف الياء في الجزم وَأَبْدَلَ مِنْهُ هَاءً فِي الْوَقْفِ، وقال أبو عمرو: وهو مِنَ التَّسَنُّنِ، بِنُونَيْنِ، وَهُوَ التَّغَيُّرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: 26 و28 و33] ، أي: متغيّر، فعوّضت من أحد النُّونَيْنِ [2] يَاءً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) [الْقِيَامَةِ: 33] ، أي: يتمطّط، وقوله: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) [الشَّمْسِ: 10] ، وأصله: دسسها، وَمَنْ أَثْبَتَ الْهَاءَ فِي الْحَالَيْنِ جَعَلَ الْهَاءَ أَصْلِيَّةً لَامَ الْفِعْلِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَصْلَ السَّنَةِ السَّنْهَةَ، وَتَصْغِيرُهَا سُنَيْهَةٌ، والفعل من المسانهة، وَإِنَّمَا قَالَ: لَمْ يَتَسَنَّهْ وَلَمْ يثنه مع [غيره مَعَ] [3] أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شَيْئَيْنِ ردا للمتغيّر إلى أقرب اللفظين به، وَهُوَ الشَّرَابُ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْآخَرِ، وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ، فنظر [إليه] فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ بِيضٌ، فَرَكَّبَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِظَامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَكَسَاهُ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ وَأَحْيَاهُ وهو ينظر، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، قِيلَ: الْوَاوُ زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهَا مَعْنَاهُ: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً [أَيْ] عِبْرَةً وَدَلَالَةً عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ عَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ شَابًّا وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ شُيُوخٌ وَعَجَائِزُ، وَهُوَ أَسْوَدُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: نَنْشُرُهَا بِالرَّاءِ، مَعْنَاهُ: نُحْيِيهَا، يُقَالُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الميت إنشارا وأنشره نشورا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) [عَبَسَ: 22] ، وَقَالَ فِي اللازم: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك: 15] ، وقال الْآخَرُونَ بِالزَّايِ، أَيْ نَرْفَعُهَا مِنَ الأرض [ونردها إلى أماكنها مِنَ الْجَسَدِ] [4] ، وَنُرَكِّبُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْشَازُ الشَّيْءِ: رَفْعُهُ وَإِزْعَاجُهُ، قال: أَنْشَزْتُهُ فَنَشَزَ، أَيْ: رَفَعْتُهُ فَارْتَفَعَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ الأكثرون: إنه أَرَادَ بِهِ عِظَامَ حِمَارِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا عُزَيْرًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ قَدْ هَلَكَ وَبَلِيَتْ عِظَامُهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا فَجَاءَتْ بِعِظَامِ الْحِمَارِ مِنْ كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ، وَقَدْ ذَهَبَتْ بِهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، فَاجْتَمَعَتْ فَرُكِّبَ بَعْضُهَا فِي [5] بَعْضٍ وَهُوَ يَنْظُرُ [فَصَارَ حمارا من عظام ليس فيه لَحْمٌ وَلَا دَمٌ، ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً، ثم كسى العظام لحما] [6] فَصَارَ حِمَارًا لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَلَكٌ يَمْشِي حَتَّى أَخَذَ بِمَنْخَرِ الْحِمَارَ فَنَفَخَ فِيهِ، فَقَامَ الْحِمَارُ وَنَهَقَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَرَادَ بِهِ عِظَامَ هذا الرجل، ذلك أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُمِتْ حِمَارَهُ بَلْ أَمَاتَهُ هُوَ، فَأَحْيَا اللَّهُ عَيْنَيْهِ، وَرَأْسَهُ وَسَائِرَ جَسَدُهُ ميت، ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَنَظَرَ فَرَأَى حِمَارَهُ قَائِمًا واقفا كهيئة يَوْمَ رَبَطَهُ حَيًّا لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ، وَنَظَرَ إلى الزمة [7] فِي عُنُقِهِ جَدِيدَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ، وتقرير [8] الْآيَةِ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَانْظُرْ إلى عظامك كيف ننشزها، [هذا قول قتادة والضحّاك وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ] [9] ، وَقَالَ [10] قَتَادَةُ عَنْ كَعْبٍ وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، والسدي

_ (1) زيد في المطبوع وط. (2) في المطبوع «النون» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) زيادة عن المخطوط وط. (6) سقط من المخطوط. (7) كذا في المطبوع وط. والرمة: قطعة من حبل. وفي المخطوط: الزمة. ما يشد به البعير. (8) في المطبوع «وتقدير» . (9) زيادة عن المخطوط وط. (10) في المطبوع «وهذا قول» .

[سورة البقرة (2) : آية 260]

عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى عُزَيْرًا بَعْدَ مَا أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ رَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى أَتَى مَحَلَّتَهُ فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ [وأنكر هو الناس] [1] وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً كَانَتْ عَرَفَتْهُ وَعَقَلَتْهُ، فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: يَا هَذِهِ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ وَبَكَتْ، وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ يَذْكُرُ عزيرا، فقال لها: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ، قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْنَاهُ منذ [2] مِائَةِ سَنَةٍ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ، قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ إن الله تعالى أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي، قَالَتْ: فَإِنَّ عُزَيْرًا كَانَ رَجُلًا مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ وَيَدْعُو لِلْمَرِيضِ وَلِصَاحِبِ العاهة فيبرأ [3] ، فادع الله أن يردّ عليّ بَصَرِي حَتَّى أَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ، فَدَعَا رَبَّهُ وَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى عَيْنَيْهَا فَصَحَّتَا وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ: قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَطْلَقَ اللَّهُ رِجْلَيْهَا فَقَامَتْ صَحِيحَةً فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَنَادَتْ هَذَا عُزَيْرٌ قَدْ جَاءَكُمْ فَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةٌ مَوْلَاتُكُمْ، دَعَا لِي رَبَّهُ فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَأَطْلَقَ رَجْلِي، وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثم بعثه، [قال] فَنَهَضَ النَّاسُ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ وَلَدُهُ: كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ مِثْلُ الْهِلَالِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ [والشامة بين كتفيه] [4] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: لَمَّا رَجَعَ عزير إلى قريته، وَقَدْ أَحْرَقَ بُخْتَنَصَّرُ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَ الْخَلْقِ فَبَكَى عُزَيْرٌ عَلَى التَّوْرَاةِ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَسَقَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَمَثُلَتِ [5] التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ فَرَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ، وَبَعَثَهُ نَبِيًّا فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، فَقَالَ: إِنِّي عُزَيْرٌ قَدْ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ لِأُجَدِّدَ لَكُمْ تَوْرَاتَكُمْ، قَالُوا: أَمْلِهَا عَلَيْنَا فَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَقَالُوا: مَا جَعَلَ اللَّهُ التوراة في صدر رجل بعد ما ذَهَبَتْ إِلَّا أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَسَتَأْتِي الْقِصَّةُ [بتمامها] [6] فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ عِيَانًا، قالَ أَعْلَمُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مَجْزُومًا مَوْصُولًا عَلَى الْأَمْرِ عَلَى مَعْنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: اعْلَمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ أَعْلَمُ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ عُزَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ: أَعْلَمُ، أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قال الحسن وقادة وعطاء الخراساني والضحاك وَابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى دَابَّةٍ مَيِّتَةٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ جِيفَةَ حِمَارٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، قَالَ عَطَاءٌ [7] : بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ، قَالُوا: فَرَآهَا وَقَدْ تَوَزَّعَتْهَا دَوَابُّ الْبَحْرِ وَالْبَرِّ، فَكَانَ إِذَا مَدَّ الْبَحْرُ جَاءَتِ الْحِيتَانُ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَمَا وَقَعَ مِنْهَا يَصِيرُ فِي الْبَحْرِ،

_ (1) زيادة من المخطوط. [.....] (2) في المطبوع «من» . (3) في المطبوع «البلاء بالعافية» بدل «العاهة فيبرأ» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المخطوط «فمكثت» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيد في المطبوع «في» .

فإذا جزر البحر [1] جاءت السباع فَأَكَلَتْ [2] مِنْهَا فَمَا سَقَطَ مِنْهَا يَصِيرُ تُرَابًا، فَإِذَا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ جَاءَتِ الطَّيْرُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا فَمَا سقط منها قطعته الرِّيحُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَجَّبَ مِنْهَا وَقَالَ: يَا رَبِّ قَدْ علمت أنك لَتَجْمَعَنَّهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَأَجْوَافِ دَوَابِّ الْبَحْرِ، فَأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِيهَا لِأُعَايِنَ فَأَزْدَادَ يَقِينًا فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى: يَا رَبِّ عَلِمْتُ وَآمَنْتُ، وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أَيْ: لِيَسْكُنَ قَلْبِي إِلَى الْمُعَايَنَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ عَيْنَ الْيَقِينِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ، وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى نُمْرُودَ فقال [له] : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، قَالَ نُمْرُودُ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَقَتَلَ أحد الرجلين وأطلق الآخر، [وزعم أن هذا إحياء وإماتة] [3] ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْصِدُ إِلَى جَسَدٍ مَيِّتٍ فَيُحْيِيهِ، فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: أَنْتَ عَايَنَتْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ، فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى [وقال: إن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فأت بها من المغرب] [4] ، ثُمَّ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِقُوَّةِ حُجَّتِي، فَإِذَا قِيلَ أَنْتَ عَايَنْتَهُ فَأَقُولُ نَعَمْ قَدْ عَايَنْتُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، سَأَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَبَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَيُبَشِّرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَأَتَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ فَدَخَلَ دَارَهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَغْيَرَ النَّاسِ، إِذَا خَرَجَ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَلَمَّا جَاءَ وَجَدَ فِي دَارِهِ رَجُلًا فَثَارَ عَلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَذِنَ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ دَارِي؟ فَقَالَ: أَذِنَ لِي رَبُّ هَذِهِ الدَّارِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: صَدَقْتَ، وَعَرَفَ أَنَّهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ، جِئْتُ أُبَشِّرُكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَكَ خَلِيلًا، فَحَمِدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يُجِيبَ الله دعاءك ويحيي الْمَوْتَى بِسُؤَالِكَ، فَحِينَئِذٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا وَتُجِيبُنِي [5] إِذَا دَعَوْتُكَ. «300» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله تعالى عنه:

_ 300- إسناده صحيح، أحمد بن صالح ثقة روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ومن دونه ثقات وقد توبعوا، ابن وهب هو عبد الله، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» 62 بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم (3372) و (4537) . - وأخرجه مسلم (151) ح/ 238 وابن ماجه 4026 وابن حبان 6208 والطبري (5974) و (19400) والطحاوي في «المشكل» 326 من طرق عن ابن وهب بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4694 والطبري (5973) و (19399) والطحاوي في «المشكل» 327 وابن مندة في «الإيمان» 369 من طريق عمرو بن الحارث عن يونس بن يزيد به. وأخرجه أحمد (2/ 326) عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن يونس بن يزيد به. - وأخرجه مسلم 151 والطحاوي 328 وابن مندة 370 من طريق مالك بن أنس عن الزهري به. (1) زيد في المطبوع «ورجع» . (2) في المطبوع «فأكلن» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المخطوط «وتحيي الموتى» بدل «وتجيبني» .

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أو لم تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ وَهْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إبراهيم وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» [1] . حَكَى [2] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: لَمْ يَشُكَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إِبْرَاهِيمُ فِي أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى، وَإِنَّمَا شَكَّا فِي أَنَّهُ هَلْ يُجِيبُهُمَا إِلَى مَا سَأَلَا، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ في قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» [3] اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ لَكِنْ فِيهِ نَفْيُ الشك عنهما بقول: إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ، وَقَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ مِنَ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ» [4] ، وَفِيهِ الْإِعْلَامُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ إبراهيم عليه لَمْ تَعْرِضْ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، لكن مِنْ قِبَلِ [5] زِيَادَةِ الْعِلْمِ بِالْعَيَانِ، فَإِنَّ الْعَيَانَ يُفِيدُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ والطمأنينة ما لا يفيد الِاسْتِدْلَالُ، وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ قَوْمٌ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلَ تَوَاضُعًا مِنْهُ وَتَقْدِيمًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ، قَوْلُهُ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ مَعْنَاهُ: قَدْ آمَنْتَ فَلِمَ تسأل [إحيائي الموتى] [6] ؟ شَهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وأندى العالمين بطول رَاحِ يَعْنِي: أَنْتُمْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِزِيَادَةِ الْيَقِينِ. قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ [7] : أَخَذَ طاوسا وَدِيكًا وَحَمَامَةً وَغُرَابًا، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَنَسْرًا بَدَلَ الْحَمَامَةِ، وَقَالَ عَطَاءٌ الخراساني: أوحى [الله إلى إبراهيم] [8] أَنْ خُذْ بَطَّةً خَضْرَاءَ وَغُرَابًا أَسْوَدَ وَحَمَامَةً بَيْضَاءَ وَدِيكًا أَحْمَرَ، فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بِكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ: قَطِّعْهُنَّ وَمَزِّقْهُنَّ، يُقَالُ: صَارَ يَصِيرُ صَيْرًا، إِذَا قَطَعَ، وَانْصَارَ الشَّيْءُ انْصِيَارًا إِذَا انْقَطَعَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ صَرَيْتُ أَصْرِي صَرْيًا، إِذَا قَطَعْتُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فَصُرْهُنَّ بِضَمِّ الصَّادِ، وَمَعْنَاهُ: أَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ وَوَجِّهْهُنَّ يُقَالُ: صِرْتُ الشَّيْءَ أُصَوِّرُهُ، إِذَا أَمَلْتُهُ، وَرَجُلٌ أَصْوَرُ إِذَا كَانَ مَائِلَ الْعُنُقِ، وَقَالَ عَطَاءٌ مَعْنَاهُ: اجْمَعْهُنَّ وَاضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ، يُقَالُ: صَارَ يُصَوِّرُ صَوْرًا إِذَا اجْتَمَعَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِجَمَاعَةِ النحل: صور، [و] من فَسَّرَهُ بِالْإِمَالَةِ وَالضَّمِّ قَالَ: فِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ، فَحَذَفَهُ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَصُرْهُنَّ مَعْنَاهُ قَطِّعْهُنَّ أَيْضًا، وَالصَّوْرُ: الْقَطْعُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً، قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أبي بكر جزا مثقلا مهموزا،

_ (1) انظر ما قبله. (2) زيد في- ط «عن» . [.....] (3) انظر ما تقدم. (4) انظر ما تقدم. (5) في المخطوط «قبيل» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) لا طائل بتعيين تلك الطير، ومصدره الإسرائيليات، ولو تعلق به فائدة لبينه الله عز وجل لنا، والله أعلم. (8) العبارة في المطبوع «إليه» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 262]

وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَالْهَمْزِ، وَقَرَأَ أَبُو جعفر مشدّدا الزاي بلا همز، وأراد بعض الجبال، قال المفسّرون: أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ تِلْكَ الطُّيُورَ، وَيَنْتِفَ رِيشَهَا وَيَقْطَعَهَا وَيَخْلِطَ رِيشَهَا وَدِمَاءَهَا وَلُحُومَهَا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، فَفَعَلَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَجْزَاءَهَا عَلَى الْجِبَالِ وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْأَجْزَاءِ وَالْجِبَالِ، فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ: أُمِرَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ طَائِرٍ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ، وَيَجْعَلَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْبُلٍ، عَلَى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِنْ كُلِّ طَائِرٍ، وَقِيلَ: جَبَلٌ عَلَى جَانِبِ الشَّرْقِ وَجَبَلٌ عَلَى جَانِبِ الْغَرْبِ وَجَبَلٌ عَلَى الشمال وجبل على الْجَنُوبِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ: جَزَّأَهَا سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ وَوَضَعَهَا عَلَى سبعة أجبل وأمسك رؤوسهن، ثم دعاهنّ فقال: تعالين بإذن الله، فَجَعَلَتْ كُلُّ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِ طَائِرٍ تَطِيرُ إِلَى الْقَطْرَةِ الْأُخْرَى وَكُلُّ رِيشَةٍ تَطِيرُ إِلَى الرِّيشَةِ الْأُخْرَى وَكُلُّ عَظْمٍ يَصِيرُ إِلَى العظم الآخر وكل بضعة [لحم] [1] تَصِيرُ إِلَى الْأُخْرَى، وَإِبْرَاهِيمُ يَنْظُرُ حَتَّى لَقِيَتْ كُلُّ جُثَّةٍ بَعْضَهَا بعضا في السماء [2] بِغَيْرِ رَأْسٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَ إِلَى رؤوسهن سَعْيًا فَكُلَّمَا جَاءَ طَائِرٌ مَالَ بِرَأْسِهِ، فَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ دَنَا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَأَخَّرَ حَتَّى الْتَقَى كُلُّ طَائِرٍ بِرَأْسِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ الْإِسْرَاعُ وَالْعَدْوُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ المشي دون الطير كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الْجُمُعَةِ: 9] ، أَيْ: فَامْضُوا، وَالْحِكْمَةُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الطيران كونه أبعد عن الشُّبْهَةِ لِأَنَّهَا لَوْ طَارَتْ لِتَوِّهِمْ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهَا غَيْرُ تِلْكَ الطَّيْرِ، وأن أرجلها غير سليمة [لم تحلّها الحياة] [3] وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقِيلَ: السَّعْيُ بِمَعْنَى: الطَّيَرَانِ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. [سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 262] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلُهُ تَعَالَى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: مَثَلُ صَدَقَاتِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ، كَمَثَلِ، زَارِعِ حَبَّةٍ، وَأَرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ: الْجِهَادَ، وَقِيلَ: جَمِيعُ أَبْوَابِ الْخَيْرِ، أَنْبَتَتْ: أَخْرَجَتْ، سَبْعَ سَنابِلَ، جَمْعُ: سُنْبُلَةٍ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا رَأَيْنَا سُنْبُلَةً فِيهَا مِائَةُ حَبَّةٍ فَكَيْفَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِ؟ قِيلَ: ذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ وَمَا لَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا جَازَ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعْنَاهُ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، إن جعل الله فيها [ذلك] [4] ، وقيل: هو موجود في [سنبلة] [5] الدخن، وقيل: معناه أنها إن بذرت أنبتت مِائَةُ حَبَّةٍ، فَمَا حَدَثَ مِنَ الْبَذْرِ الَّذِي كَانَ فِيهَا كَانَ مضافا [6] إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الضَّحَّاكُ فَقَالَ: كُلُّ سُنْبُلَةٍ أَنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ. وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ عَلَى هَذَا وَيَزِيدُ لِمَنْ يَشَاءُ، مَا بَيْنَ سَبْعٍ إِلَى سَبْعِينَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْأَضْعَافِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ واسِعٌ، غَنِيٌّ يُعْطِي عَنْ سَعَةٍ، عَلِيمٌ بِنِيَّةِ من ينفق ماله. قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ:

_ (1) زيادة من المخطوط. (2) في المطبوع «الهواء» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «مضاعفا» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 263 الى 264]

ع «301» قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كان عِنْدِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ فَأَمْسَكْتُ مِنْهَا لِنَفْسِي وَعِيَالِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ أَقْرَضْتُهَا رَبِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيمَا أَمْسَكْتَ لَكَ، وَفِيمَا أَعْطَيْتَ» ، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَجَهَّزَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا وَأَحْلَاسِهَا فَنَزَلَتْ فِيهِمَا هَذِهِ الْآيَةُ. ع «302» وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: جَاءَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْخِلُ فِيهَا يَدَهُ وَيُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ: «مَا ضَرَّ ابْنَ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فِي طَاعَةِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا، وَهُوَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِعَطَائِهِ [1] ، فَيَقُولَ: أَعْطَيْتُكَ كَذَا، وَيَعُدُّ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فَيُكَدِّرُهَا [2] وَلا أَذىً، [الأذى] [3] : هو أَنْ يُعَيِّرَهُ، فَيَقُولَ: إِلَى كَمْ تسأل وكم تؤذيني [بسؤالك لي] [4] ؟ وقيل: من الأذى [5] : أَنْ يَذْكُرَ إِنْفَاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ سُفْيَانُ: مَنًّا وَلا أَذىً، هو: أَنْ يَقُولَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَ [وَأَعْطَيْتُ] [6] فَمَا شَكَرْتَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِذَا أَعْطَيْتَ رَجُلًا شَيْئًا وَرَأَيْتَ أَنَّ سَلَامَكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فَكُفَّ سَلَامَكَ عَنْهُ، فَحَظَرَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمَنَّ بِالصَّنِيعَةِ، وَاخْتَصَّ بِهِ صِفَةً لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْعِبَادِ تَعْيِيرٌ وَتَكْدِيرٌ، وَمِنَ اللَّهِ إِفْضَالٌ وَتَذْكِيرٌ، لَهُمْ أَجْرُهُمْ، أَيْ: ثَوَابُهُمْ، عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. [سورة البقرة (2) : الآيات 263 الى 264] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لَا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أَيْ: كَلَامٌ حَسَنٌ وَرَدٌّ عَلَى السَّائِلِ جَمِيلٌ، وَقِيلَ: عِدَةٌ حَسَنَةٌ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دُعَاءٌ صالح يدعو لأخيه [به] [7] بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَمَغْفِرَةٌ، أَيْ: تَسْتُرُ عَلَيْهِ خَلَّتَهُ وَلَا تَهْتِكُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ والضحّاك: يتجاوز عَنْ ظَالِمِهِ، وَقِيلَ: يَتَجَاوَزُ عَنِ الْفَقِيرِ إِذَا اسْتَطَالَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَدِّهِ، خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، يَتْبَعُها أَذىً، أَيْ: مَنٌّ وتعبير لِلسَّائِلِ أَوْ قَوْلٌ يُؤْذِيهِ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ، أَيْ: مُسْتَغْنٍ عَنْ صَدَقَةِ الْعِبَادِ، حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ على

_ 301- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 170 عن الكلبي بدون إسناد، والكلبي ضعيف متروك، وقد صح خبر عثمان في تجهيزه لجيش المسلمين في غزوة تبوك. انظر «سنن الترمذي» 3699 و «تاريخ المدينة» (4/ 1195) لعمر بن شيبة، والوهن فقط في ذكر نزول الآية. 302- ع غريب كونه سبب نزول الآية، ولم أقف عليه، وهو بدون ذكر نزول الآية، أخرجه الحاكم (3/ 102) ح/ 4553 من حديث عبد الرحمن بن سمرة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ورجاله كلهم ثقات، وله شواهد. [.....] (1) في المخطوط «من يعطي» بدل «بعطائه» . (2) زيد في المطبوع «عليه» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيد في المطبوع وط «وهو» . (6) زيادة عن المخطوط وط. (7) زيادة عن المخطوط.

مَنْ يَمُنُّ وَيُؤْذِي بِالصَّدَقَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ، أَيْ: أُجُورَ صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ، عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِالْمَنِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَذى، لِصَاحِبِهَا ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ، أَيْ: كَإِبْطَالِ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئاءَ النَّاسِ، أي: مرآة وَسُمْعَةً لِيَرَوْا نَفَقَتَهُ وَيَقُولُوا: إِنَّهُ كَرِيمٌ سَخِيٌّ، وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يُرِيدُ أَنَّ الرِّيَاءَ يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ، وَلَا تَكُونُ النَّفَقَةُ مَعَ الرِّيَاءِ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا لِلْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ الْكَافِرَ مُعْلِنٌ بكفره غير مرائي، فَمَثَلُهُ، أَيْ: مَثَلُ هَذَا الْمُرَائِي، كَمَثَلِ صَفْوانٍ، وهو الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ، وَهُوَ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ، فَمَنْ جَعَلَهُ جَمْعًا فَوَاحِدُهُ صَفْوَانَةٌ، ومن جعله واحدا فجمعه [صفا و] [1] صُفِيٌّ، عَلَيْهِ، أَيْ: عَلَى الصَّفْوَانِ، تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ، وهو الْمَطَرُ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ الْقَطْرِ، فَتَرَكَهُ صَلْداً، أَيْ: أَمْلَسَ، وَالصَّلْدُ: الْحَجَرُ الصُّلْبُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفَقَةِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي وَالْمُؤْمِنَ الَّذِي يَمُنُّ بِصَدَقَتِهِ وَيُؤْذِي، وَيُرِي النَّاسَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ أَعْمَالًا كَمَا يُرَى التُّرَابُ عَلَى هَذَا الصَّفْوَانِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَطَلَ كُلُّهُ وَاضْمَحَلَّ لِأَنَّهُ لم يكن لله [تعالى] ، كَمَا أَذْهَبَ الْوَابِلُ مَا عَلَى الصَّفْوَانِ مِنَ التُّرَابِ فَتَرَكَهُ صَلْدًا [لا شيء عليه] [2] ، لَا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا، أي: على الثواب من [3] شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَعَمِلُوا فِي الدُّنْيَا، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. «303» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله بن

_ 303- حديث قوي بشواهده، رجال الإسناد رجال الصحيح، أحمد بن علي فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم غير صحابيه، فإنه روى له مسلم دون البخاري، وهو صحابي صغير، جل روايته عن الصحابة، وقال الحافظ في «التهذيب» (10/ 59) : رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم أحاديث، ولم تصح له رؤية، ولا سماع اهـ. والظاهر أنه سمعه بواسطة كما سيأتي. - وهو في «شرح السنة» 4030 بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (5/ 428) (23120) والبيهقي في «الشعب» 6831 من طريق عمرو بن أبي عمرو به. - وذكره المنذري في «الترغيب» (1/ 69) وقال: رواه أحمد بإسناد جيد اهـ. وكذا ذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 102) (375) وقال: أحمد، ورجاله رجال الصحيح اهـ. قلت: لكن علته أنه لم يسمع مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم كما قال الحافظ ابن حجر، ويؤيد ذلك الرواية الآتية، فقد أخرجه الطبراني في «الكبير» 4301 من طريق آخر عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج مرفوعا وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 222) (17657) : ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن شبيب بن خالد، وهو ثقة اهـ. - وله شاهد من حديث معاذ أخرجه الحاكم (3/ 270) والبيهقي في «الزهد» 195 وصححه الحاكم، ورده الذهبي بقوله: أبو قحذم- النضر بن معبد- قال أبو حاتم: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة اهـ. وأخرجه الحاكم من طريق آخر عن معاذ مرفوعا وفيه: «اليسير شرك الرياء من ... » الحديث. قال الحاكم: صحيح. وهذا الإسناد مصري لا يحفظ له علة، ووافقه الذهبي. - وله شاهد آخر من حديث شداد بن أوس أخرجه ابن ماجه 4205 والحاكم (4/ 330) وأبو نعيم (1/ 268) والبيهقي في (1) زيادة عن المخطوط. فائدة: قال في القاموس: الصّفاة: الحجر الصلد الضخم، جمعه: صفوات وصفا، وجمع الجمع: أصفاء، وصفيّ، وصفيّ. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «ثواب» بدل «الثواب من» .

عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً» . «304» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَائِنِيُّ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حدّثه أن شفيّ [1] الْأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بَرْجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا، قلت له: أنشدك بحقّ وبحقّ [2] لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٍ، فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ [3] رَجُلٌ جَمَعَ القرآن، ورجل يقتل فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ فَقَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، [قَالَ] [4] : فَمَاذَا عَمِلْتَ [فِيمَا عَلِمْتَ] [5] ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ

_ «الشعب» 6827 من طرق عن عبادة بن نسي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ مَرْفُوعًا وفيه «إني أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية ... » . وفي إسناد ابن ماجه عامر بن عبد الله، وهو مجهول كما في «التقريب» ولم يتفرد به. - فقد ورد من وجه آخر عند الحاكم والبيهقي، لكن فيه عبد الواحد بن زيد، وهو متروك، قاله الذهبي. - وورد أيضا من وجه آخر عند أبي نعيم عن عطاء بن عجلان عن خالد بن مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بن نسي قال: مرّ بي شداد بن أوس.... فذكره. - وله شاهد آخر من حديث عباد بن تميم عن عمه أخرجه البيهقي في «الشعب» (6824) و (682) وإسناده واه. - وورد عن الزهري قوله أخرجه البيهقي (6826) . الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده. 304- إسناده ليّن لأجل الوليد بن أبي الوليد فإنه لين الحديث كما في «التقريب» مع أنه من رجال مسلم، وقد تفرد ببعض الألفاظ في هذا الحديث. - هو في «شرح السنة» 4038 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2382 وابن حبان 408 من طريق عبد الله بن المبارك به. - وأخرجه مسلم 1905 والنسائي (6/ 23) والبيهقي (9/ 168) من طريق ابن جريج عن يونس بن يوسف عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أبي هريرة. مرفوعا مع اختلاف يسير عن حديث المصنف. (1) وقع في الأصل (أبا سفيان) والتصويب من (شرح السنة) وكتب التخريج والتراجم ونسخة «ط» . [.....] (2) العبارة في المطبوع «أنشدك الله بحقي» . (3) في المطبوع «يدعونه» . (4) زيادة عن المخطوط وشرح السنة. (5) زيادة عن كتب الحديث وشرح السنة.

[سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266]

وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ الله فيقول الله له: فيما ذا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يوم القيامة» . [سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: احْتِسَابًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ: تَصْدِيقًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُهُمْ عَلَى يقين بالثواب [من الله] [1] ، وَتَصْدِيقٍ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أَخْرَجُوا خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا تَرَكُوا، وَقِيلَ: عَلَى يَقِينٍ بِإِخْلَافِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: يتثبتون أين [2] يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ أَمْضَى، وَإِنْ خالطه شَكٌّ أَمْسَكَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ التَّثْبِيتُ بِمَعْنَى التَّثَبُّتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 8] ، أَيْ: تَبَتُّلًا، كَمَثَلِ جَنَّةٍ، أَيْ: بُسْتَانٍ، قَالَ الْمُبَرِّدُ وَالْفَرَّاءُ: إِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ نَخْلٌ فَهُوَ جَنَّةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَرْمٌ فَهُوَ فِرْدَوْسٌ، بِرَبْوَةٍ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرَبْوَةٍ وإِلى رَبْوَةٍ [المؤمنون: 50] فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْأَخَرُونَ بِضَمِّهَا، وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ الْمُسْتَوِي الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْأَنْهَارُ فَلَا يَعْلُوهُ الْمَاءُ [وَلَا يَعْلُو عَنِ الْمَاءِ] [3] ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بِرَبْوَةٍ لِأَنَّ النَّبَاتَ عَلَيْهَا أَحْسَنُ وَأَزْكَى، أَصابَها وابِلٌ مَطَرٌ شَدِيدٌ كَثِيرٌ، فَآتَتْ أُكُلَها: ثَمَرَهَا، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وَزَادَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ تَخْفِيفَ «أُكُلِهِ» و «الأكل» وَخَفَّفَ أَبُو عَمْرٍو «رُسُلَنَا، وَرُسُلَكُمْ، وَرُسُلَهُمْ، وَسُبُلَنَا» ضِعْفَيْنِ، أَيْ: أَضْعَفَتْ فِي الْحَمْلِ، قَالَ عَطَاءٌ: حَمَلَتْ في سنة مِنَ الرِّيعِ مَا يَحْمِلُ غَيْرُهَا فِي سَنَتَيْنِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَمَلَتْ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، أَيْ: فَطَشٌّ وَهُوَ الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الْخَفِيفُ، وَيَكُونُ دَائِمًا، قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ النَّدَى. هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَمَلِ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ، فَيَقُولُ: كَمَا أَنَّ هذه الجنّة تربع فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا تَخَلَّفُ سَوَاءٌ قَلَّ الْمَطَرُ أَوْ كَثُرَ، كَذَلِكَ يُضْعِفُ اللَّهُ صَدَقَةَ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ الَّذِي لَا يَمُنُّ وَلَا يؤذي [بها] [4] سَوَاءٌ قَلَّتْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلَّ إِذَا كَانَ يَدُومُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْوَابِلِ الشَّدِيدِ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، [هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى، قَوْلُهُ أَيَوَدُّ يَعْنِي: أَيُحِبُّ أحدكم

_ (1) زيادة من المخطوط. (2) العبارة في كافة النسخ «يثبتون، أي» وهو تصحيف والمثبت من الطبري (6067 و6068) و (6069 و6070) . (3) زيد في نسخ المطبوع. (4) زيادة من المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 267]

أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ، أَيْ: بُسْتَانٌ، مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ] [1] ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، أَوْلَادٌ صِغَارٌ ضعاف عجزة، فَأَصابَها إِعْصارٌ، وهو الرِّيحُ الْعَاصِفُ الَّتِي تَرْتَفِعُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا عَمُودٌ وَجَمْعُهُ أَعَاصِيرُ، فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي، يَقُولُ: عَمَلُهُ فِي حُسْنِهِ كَحُسْنِ الجنة وينتفع بِهِ كَمَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْجَنَّةِ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا كَبِرَ أَوْ ضَعُفَ وصار له أولاد ضعاف [2] أصاب جَنَّتَهُ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ، فَصَارَ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا وَضَعُفَ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِكِبَرِهِ وَضَعْفِ أَوْلَادِهِ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِصِغَرِهِمْ، وَلَمْ يَجِدْ هُوَ مَا يَعُودُ بِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَا أَوْلَادُهُ مَا يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْهِ، فَبَقُوا جَمِيعًا مُتَحَيِّرِينَ عَجَزَةً لَا حِيلَةَ بِأَيْدِيهِمْ، كَذَلِكَ يُبْطِلُ اللَّهُ عَمَلَ هَذَا الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي حِينَ لَا مُغِيثَ لَهُمَا وَلَا تَوْبَةَ وَلَا إِقَالَةَ. ع «305» قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَنْ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ؟ قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عنه: [يا] ابْنُ أَخِي قُلْ وَلَا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ضَرَبْتَ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيّ عمل؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: لعمل [منافق ومراء] [3] ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [4] : لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ [5] أَعْمَالَهُ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 267] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ: من خِيَارِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ: مِنْ حَلَالَاتِ مَا كَسَبْتُمْ، بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْكَسْبِ، وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طِيِّبٍ وَخَبِيثٍ. «306» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ [محمد بن] [6] سمعان، أخبرنا

_ 305- ع صحيح. أخرجه البخاري 4538 وعبد الله بن المبارك في «الزهد» 1568 والطبري 6095 من طريق ابن أبي مليكة عن عبيد بن عمير به. 306- حديث صحيح. إسناده صحيح، حميد بن زنجويه ومن دونه ثقات، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران، إبراهيم هو ابن يزيد، والأسود هو ابن يزيد النخعي. - وهو في «شرح السنة» 2391 بهذا الإسناد. (1) ما بين المعقوفتين ساقط من المخطوط. (2) زيد في المطبوع «و» . (3) لفظ «منافق» زيد في المطبوع والمخطوط ولفظ «مراء» زيد في المخطوط وسائر النسخ، وكلا اللفظين ليس في «صحيح البخاري» و «تفسير الطبري» ، فالله أعلم. (4) زيد في المطبوع وحده «لأي» رجل؟ قال «فصار اللفظ من كلام ابن عباس» وليس كذلك. [.....] (5) في المطبوع وحده «أحرق» وهو أقرب إلى لفظ الاية، لكن المثبت عن المخطوط وط، و «صحيح البخاري» و «تفسير الطبري» و «الدر المنثور» . (6) زيادة من المخطوط و «شرح السنة» .

أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن أطيب ما أكل الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» . «307» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [2] ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أخبرنا مُعَاوِيَةَ [3] بْنُ صَالِحٍ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ [4] ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يده» . «308» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا جناح بن نذير

_ - وأخرجه أحمد (6/ 42 و222) وابن ماجه 2137 والنسائي (7/ 241) وابن حبان (4260) و (4261) والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» 232 والبيهقي (7/ 480) من طرق عن الأعمش به. - وأخرجه أبو داود 3528 والنسائي (7/ 240- 241) والحاكم (2/ 46) وأحمد (6/ 31) و (127) و (193) والدارمي (2/ 247) والبخاري في «التاريخ» (1/ 407) وابن حبان 4259 والبيهقي (7/ 479- 480) من طرق عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبراهيم عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عائشة به. - وأخرجه الترمذي 1358 وابن ماجه 2290 والطيالسي 1580 وأحمد (6/ 162) و (173) عن الأعمش عن عمارة عن عائشة به. (1) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف والتصويب من «تهذيب الكمال» (7/ 394) و «الأنساب» للسمعاني و «شرح السنة» . (2) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. 307- حديث صحيح. إسناده ضعيف لأجل عبد الله بن صالح، فقد ضعفه غير واحد بسبب جار له كان يدس في كتبه، وهو في نفسه صدوق، لكن لم ينفرد به، فقد توبع، وباقي رجال الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» برقم 2019. - وأخرجه أحمد (4/ 132) وابن ماجه 2138 من طريق إسماعيل بن عياش عن بحير به دون عجزه «وكان داود ... » . - وأخرجه أحمد (4/ 131) (16729) من طريق بقية عن بحير به دون عجزه أيضا. - وبمثل لفظ البغوي، أخرجه البخاري 2072 من طريق يونس عن ثور عن خالد بن معدان به. - ولعجزه شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري 2073. (3) في الأصل «أبو معاوية» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (4) في الأصل «سعيد» والتصويب من كتب التراجم. 308- ضعيف جدا، والصواب موقوف. مداره على الصبّاح بن محمد البجلي، قال الذهبي في «الميزان» (2/ 306) : رفع حديثين هما من قول ابن مسعود، قال ابن حبان: يروي الموضوعات، وذكره ابن أبي حاتم من غير جرح أو تعديل. اهـ. وقال في «الميزان» : (1/ 5) : أبان بن إسحاق، قال ابن معين وغيره: لا بأس به، وقال الأزدي: متروك، اهـ. مرة هو ابن شراحيل. - وهو في «شرح السنة» 2023 بأتم منه. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 5524 عن جناح بن نذير بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد (1/ 387) ح/ 3663 والبيهقي 5524 من طريقين عن أبان بن إسحاق به. - وذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 153) ح/ 161 وقال: رجال إسناده بعضهم مستور، وأكثرهم ثقات. ثم كرره (10/ 227 ح/ 17697) فقال: رجاله وثقوا، وفي بعضهم خلاف اهـ. قلت: ومداره على الصباح بن محمد بن أبي حازم قال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات اهـ.

القاضي [1] بِالْكُوفَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ أَخْبَرَنَا يعلى [2] بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدِ عَنْ [3] مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَكْتَسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتَصَدَّقُ منه فيقبل مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادُهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الخبيث» . [فصل] [4] : وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ التِّجَارَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَبَعْدَ الحول يقوّم العرض [5] فَيُخْرِجُ مِنْ قِيمَتِهَا رُبْعَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَ قِيمَتُهَا عِشْرِينَ دِينَارًا أو مائتي درهم. ع «309» قَالَ [6] سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ من الذي نعده للبيع.

_ وقال الحافظ في «التقريب» ضعيف أفرط ابن حبان فيه اهـ. وقد جزم الحافظ الذهبي بأن هذا الخبر إنما هو من كلام ابن مسعود، وتقدم ذكر ذلك، والله أعلم. (1) في الأصل «نجاح بن يزيد المحاربي» والتصويب من «شعب الإيمان» و «شرح السنة» . (2) في الأصل «يحيى» وهو تصحيف. (3) في الأصل «بن» وهو تصحيف. (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) في المطبوع «العروض» . (6) في الأصل «قاله» وهو تصحيف. 309- حسن. ذكره المصنف بدون إسناد وكذا في «شرح السنة» (3/ 350) . وقد ورد مسندا عند أبي داود 1562 والبيهقي (4/ 46- 147) من طريق أبي داود كلاهما من حديث سمرة وهو حديث حسن لشواهده كما سيأتي. - طالما سمعنا عن بعض أهل العلم في زماننا عن عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، ومنهم الألباني، فأقول وبالله التوفيق: هناك أدلة كثيرة على وجوب الزكاة في عروض التجارة طالما هي أعدت للبيع، فمن ذلك حديث سمرة المتقدم، وإن كان إسناده غير قوي إلا أن له شواهد. - فمن ذلك حديث أبي ذر أخرجه الحاكم (1/ 388) والبيهقي (4/ 147) وإسناده حسن فقد صححه الحاكم، وأقره الذهبي، وقال ابن حجر في «الدراية» (1/ 260) : إسناده حسن. وقال في «التلخيص» (2/ 179) هذا إسناد لا بأس به ولفظ حديث أبي ذر هو «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته» قالها بالزاي اهـ. هكذا قيده الدارقطني بالزاي وكذا البيهقي، أما الحاكم فقيد بالراء أي: البر. والراجح: الزاي. نعم في إسناد الدارقطني والبيهقي موسى بن عبيدة، وهو غير قوي إلا أنه توبع. فقد أخرجه الدارقطني (2/ 101) والبيهقي (4/ 147) من حديث أبي ذر وهذا الإسناد هو نفسه إسناد الحاكم، وقد جاء في رواية البيهقي والدارقطني: وفي البزّ صدقته. قال الدارقطني عقبه: كتبته من الأصل العتيق «وفي البز» مقيد، ونقله البيهقي. قلت: وهذه الرواية أرجح من رواية الحاكم. مع أن كلا من الدارقطني والحاكم رواه عن دعلج بن أحمد إلا أن الدارقطني قال: حدثنا دعلج من أصل كتابه، وأما الحاكم فلم يقل: من أصل كتابه. ثم إن الدارقطني قيده كتابة دون الحاكم حيث قال: وفي البزّ على أن الدارقطني هو شيخ الحاكم، وهو أثبت منه وهذا لا نزاع فيه، بل إن الدارقطني إمام فن علل الحديث، وهو من أول من انتقد أحاديث ورجالا في صحيحي البخاري ومسلم، وقد وقع في رواية الدارقطني: «قالها بالزاي» أضف إلى ذلك أن رواية الحاكم ليست مقيدة فهي قابلة للتحريف والتصحيف. أضف إلى ذلك أن الدارقطني ذكر في أول حديثه قصة، وهي ليست عند الحاكم فهذا كله يرجح رواية البيهقي والدارقطني.

وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعلى عنقي أدمة

_ فما ذكره الدارقطني- نقله عنه البيهقي ووافقه، وقد قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» : وفي البز صدقته هو بالباء والزاي قال: ومن الناس من حرفه- أو صحفه- بضم الباء والراء المهملة، وهو غلط اهـ. وإذا ثبت هذا، فإن حديث أبي ذر حديث حسن ورد من أربعة طرق كما في «التلخيص» (2/ 179) وقال ابن حجر: هذا إسناد لا بأس به اهـ. ذكر ذلك عقب إحدى روايات حديث أبي ذر، ومع ذلك فهو يتقوى بحديث سمرة بن جندب. ويقويهما ما أخرجه مالك في «الموطأ» (1/ 255) ح/ 20 بسنده عن زريق أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مرّ بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون من التجارات من كل أربعين دينارا دينارا ... وفيه: «ومن أهل الذمة مما يديرون من التجارات ... » . - وأخرج الشافعي (1/ 633) بسنده عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس فقلت: يا أمير المؤمنين ما لك غير هذه وأهبة في القرط فقال: ذاك مال، فضع قال: فوضعتها بين يديه فحسبها فوجدت قد وجب فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة» . ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (4/ 147) والبغوي في «شرح السنة» 1578. - وأخرج الشافعي (1/ 632) عن ابن عمر قال: «ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة» وأخرجه البيهقي (4/ 147) بسند صحيح عن نافع عن ابن عمر قوله. - وفي الباب أخبار وآثار موقوفة ومقطوعة. الخلاصة: حديث أبي ذر مع حديث سمرة بن جندب مع الموقوفات وغيرها يقوي بعضها بعضا ويوجب العمل به، بل وأقوى من ذلك عموم الآيات: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ووَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا. وعموم الأحاديث منها حديث: أبي سفيان لهرقل وفيه: قال: «يأمرنا بالصلاة والزكاة» . أخرجه البخاري في مقدمة صحيحه. وحديث معاذ: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» . أخرجه البخاري (1395) و (1458) وغيره فالأدلة كثيرة. - القرآن والسنة والإجماع والقياس. أولا: القرآن الكريم وذلك في عموم الآيات كما ذكرت. ثانيا: عموم الأحاديث الصحيحة، أضف إلى ذلك الأحاديث الحسنة بخصوصها. ثالثا: القياس وذلك بقياس كل مال متقوم على النقدين لأنه يسمى مالا. رابعا: الإجماع: قال ابن المنذر في كتابه «الإجماع» (ص 37 و114) وأجمعوا على أن في العروض التي تدار للتجارة الزكاة إذا حال عليها الحول اهـ. وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «يد الله مع الجماعة» ، ويؤكد الإجماع قول مالك في «الموطأ» (1/ 255) : باب زكاة العروض ثم ذكر أحكامه. وكذا البخاري قال: باب العرض في الزكاة، ثم ذكر أحاديث استنبط منها زكاة العرض، وهو إمام هذه الصنعة وحاشا لله أن يكون مبتدعا. وبوب أبو داود بقوله: باب العروض إذا كانت للتجارة. قال النووي في «شرح مسلم» (7/ 48) : الجمهور على وجوب الزكاة في العروض وداود يمنعها اهـ. فائدة: قال العلامة عبد الله هاشم اليماني في حاشيته على «تلخيص الحبير» (2/ 179) ما ملخصه: قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة في قيمتها إذا بلغت نصابا لا في عينها، وحال عليها الحول. وقال الطحاوي: ثبت عن عمر وابنه زكاة عروض التجارة ولا مخالف لهما من الصحابة اهـ. ومن العجب من يقول بعدم وجوب الزكاة في التجارة. هل من المعقول إذا كان نقدا لا يثمر تخرج زكاته، وإن كان تجارة يثمر فلا تخرج زكاته ... ؟! إن القول بعدم وجوب زكاة التجارة فيه خطورة على المجتمع الإسلامي ما لا يعلم مداه إلا

أَحْمِلُهَا، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ: مَا لِي غَيْرُ هَذَا، وَأَهَبُ فِي الْقَرَظِ، فَقَالَ: ذَاكَ مَالٌ فَضَعْ فَوَضَعْتُهَا فَحَسَبَهَا فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ [1] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، قيل: هذا أمر بِإِخْرَاجِ الْعُشُورِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِيجَابِ الْعُشْرِ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ [2] ، وَفِيمَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ إِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِسَاقِيَةٍ أَوْ بِنَضْحٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. «310» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عثريا [3] : العشر، وفيما ...

_ الله، فهو معول هدام يفتح ثغرات أمام المذاهب الهدامة لتنفث سمومها في المجتمع الإسلامي، وتهزه هزا عنيفا، وتدكه دكا، وبالتالي يفقد المجتمع الإسلامي توازنه كل ذلك يجعل المنصف لا يرتاب في وجوب زكاة التجارة، ولو نفّذ المسلمون فريضة الزكاة تماما لما بقي فقير اهـ. كلام اليماني. أخيرا: أريد أن أقول لهؤلاء يا من أنكرتم وجوب الزكاة في عروض التجارة: إن ما ذهبتم إليه يجعل من فريضة الزكاة فريضة مهلهلة ضعيفة لا تفي بحاجة الفقير بتاتا. وأختم ذلك بقولي: إذا كان وجوب الزكاة في الإبل فإن الشام وغيرها شبه خالية من الإبل بل خالية لأن شرطها السوم. وإن كانت في البقر فإن نصاب البقر ثلاثون وقلما توجد بل لا توجد بقر سائمة في بلاد الشام، وإنما هي علوفة. وإن كانت في القمح فقلما توجد فبلاد الإسلام أصبحت تستورد القمح وإن كانت في الزبيب فهو شبه عدم اليوم. وإن كانت في الشعير فالشعير نادر جدا وعزيز. وإن كانت في التمر فأرض الشام من أقصاها إلى أدناها لا تنتج التمر، وإن كانت في الذهب، فأكثر الذهب في أيدي غير المسلمين من يهود وغيرهم. وإن كانت من الفضة فالفضة اليوم فقدت دورها من كونها نقدا يجاري الذهب. على هذا فأين هؤلاء من فقراء المسلمين؟ وماذا يقول هؤلاء لله رب العالمين؟ وهل تمسكوا بالحديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء من بعدي. بل على قاعدة هؤلاء تصبح المئات من آيات الزكاة تقرأ لمجرد التلاوة بل كما يقولون: تقرأ للتبرك؟!! وهذا عجيب غريب! نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، إنه سميع مجيب، وهو الهادي إلى سواء الصراط. 310- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. أبو مريم اسمه الحكم بن محمد بن سالم الجمحي، يونس بن يزيد هو الأيلي، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» 1574 بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم 1483. - وأخرجه أبو داود 1596 والترمذي 640 والنسائي (5/ 41) وابن ماجه 1817 وابن حبان 3285 والطحاوي (2/ 36) والبيهقي (1/ 130) من طرق عن ابن وهب بهذا الإسناد. (1) موقوف. أسنده المصنف في «شرح السنة» 1578 وأخرجه الشافعي (1/ 633) ومن طريقه البيهقي (4/ 147) . وتقدم مع ما قبله. (2) في المخطوط «الكرم» . (3) قال المصنف في «شرح السنة» : العثري: العذي، وهو ما سقته السماء ويروى: «ما سقي منه بعلا ففيه العشر» والبعل: ما شرب بعروقه من غير سقي سماء ولا غيرها، فإذا سقته السماء فهو عذي وقوله: ما سقي «بالنضح» يريد ما سقي

سُقِيَ [1] بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» . «311» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ [2] بْنِ أُسَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ: «يُخْرَصُ [3] كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا يؤدى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا» . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكُرُومِ، وَفِيمَا سِوَى مَا يُقْتَاتُ بِهِ مِنَ الْحُبُوبِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال الزهري والأوزاعي

_ بالسواني، وهي النواضح واحدتها ناضحة اهـ. (1) في الأصل «سبق» . والتصويب من «شرح السنة» . 311- حديث قوي بطرقه وشواهده. رجاله ثقات معروفون، لكن فيه إرسال بين ابن المسيب وعتاب، فإن ابن المسيب لم يسمع من عتاب، لكن لهذا المتن شواهد ستأتي. عبد الله بن نافع هو الصائغ، ابن شهاب هو محمد بن مسلم. - وهو في «شرح السنة» 1573 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (1/ 243) ومن طريق الشافعي أخرجه ابن خزيمة 2316 والدارقطني (2/ 133) والبيهقي (4/ 121) . - وأخرجه أبو داود 1604 وابن ماجه 1819 وابن حبان 3279 والطحاوي (2/ 39) والبيهقي (4/ 121) و (122) من طرق عن ابن نافع به. - وأخرجه أبو داود 1603 والترمذي 644 وابن أبي شيبة (3/ 195) وابن خزيمة (2317) و (2318) وابن الجارود 351 والحاكم (3/ 595) والدارقطني (2/ 133) والبيهقي (4/ 121) من طرق عن الزهري به. قال أبو داود: وسعيد لم يسمع من عتاب شيئا اهـ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ... وروي من حديث عائشة وسألت البخاري عن حديث عائشة فقال: غير محفوظ، وحديث ابن المسيب عن عتاب أثبت وأصح اهـ. - وأخرجه النسائي (4/ 109) (2616) والبيهقي (4/ 122) عن ابن المسيب مرسلا بإسناد صحيح، وهو الصواب. وحديث عائشة أخرجه أبو داود 1606 وأحمد (6/ 163) وأبو عبيد في «الأموال» (ص 582- 583) والبيهقي (4/ 123) وإسناد رجاله ثقات لكن فيه انقطاع. وله شاهد من حديث ابن عمر عند أحمد (2/ 24) والطحاوي (2/ 38) بإسناد حسن. - ومن حديث جابر أخرجه ابن أبي شيبة (3/ 194) وأحمد (3/ 296) و (376) والطحاوي (2/ 38) والبيهقي (4/ 123) وإسناده صحيح. - وأخرج البيهقي عن الزهري سمعت أمامة بن سهل يحدثنا في مجلس ابن المسيب قال: مضت السنة أن لا تؤخذ الزكاة من نخل ولا عنب حتى يبلغ خرصها خمسة أوسق. قال الزهري: ولا نعلم يخرص من الثمر إلا التمر والعنب اهـ. فهذا شاهد لحديث ابن المسيب. - وذكره ابن حجر في «تلخيص الحبير» (2/ 171) وأفاض في تخريجه ونقل عن أبي حاتم قوله: الصحيح عن ابن المسيب أن النبي أمر عتابا، وقال ابن حجر: فائدة: قال النووي، وإن كان مرسلا لكنه اعتضد بعمل الفقهاء الأئمة اهـ. قلت ومرسلات ابن المسيب صحيحة. (2) في الأصل «عثمان» وهو تصحيف والتصويب من كتب التخريج والتراجم. (3) الخرص: الحزر، وكلّ قول بالظن- وخرص النخلة: إذا حزر ما عليها من الرطب تمرا. [.....]

وَمَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: يَجِبُ فِي [الزَّيْتُونِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ] [1] [رضي الله عنه يجب في] [2] جميع البقول والخضروات والثمار [3] إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبِ، وَكُلُّ ثَمَرَةٍ أَوْجَبْنَا فِيهَا الزَّكَاةَ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الِاجْتِنَاءِ وَالْجَفَافِ، وَكُلُّ حَبٍّ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْعُشْرَ، فَوَقْتُ وُجُوبِهِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الدِّيَاسَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَلَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ [4] عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ النِّصَابَ بِمَا: «312» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وليس فيما دون خمس أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ [5] مِنَ الإبل صدقة» . ع «313» وروى يحيى بن عمارة [6] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ الله عنه:

_ 312- إسناده صحيح على شرط البخاري، حيث تفرد البخاري بالرواية عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن أبيه دون مسلم. وهو في «شرح السنة» 1563 بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق مالك وهو في «الموطأ» (1/ 244- 2445) ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1459 والنسائي (5/ 36) والشافعي (1/ 232 و232) وعبد الرزاق (7258) وأحمد (3/ 60) وحميد بن زنجويه في «كتاب الأموال» (1609 و1914) وابن خزيمة 2303 والطحاوي (2/ 35) والبيهقي (4/ 134) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عبد الرحمن به. - وأخرجه النسائي (5/ 36 و37) وابن ماجه 1793 وأحمد (3/ 86) والبيهقي (4/ 134) من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به. - وأخرجه البخاري 1447 وأبو داود 1558 ومالك (1/ 244) والشافعي (1/ 231) وابن خزيمة (2263) و (2298) وابن حبان (3275) والطحاوي (2/ 35) من طرق عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري به. - وأخرجه مسلم 979 والنسائي (5/ 17) والشافعي (1/ 231 و232) وعبد الرزاق 7253 وأحمد (3/ 6) والحميدي 735 وأبو يعلى 979 وابن خزيمة (2263 و2298) والطحاوي (2/ 34 و35) والبيهقي (4/ 133) من طريق سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه أبي سعيد الخدري به. - وأخرجه مسلم (979) ح/ 2) والنسائي (5/ 36) والطيالسي (2197) وابن أبي شيبة (3/ 124) وأحمد (3/ 6 و45 و74 و79) وحميد بن زنجويه 1608 وأبو عبيد في «الأموال» (ص 518 و519) وابن خزيمة (2294 و2295) وابن الجارود 340 والطحاوي (2/ 34 و35) والبيهقي (4/ 120) من طرق عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري به. 313- ع صحيح. أخرجه مسلم (979) ح/ 4 و5) والنسائي (5/ 37) وعبد الرزاق (7254) وأحمد (3/ 86) وابن حبان 3277 والطحاوي (2/ 35) من طرق عن محمد بن يحيى بن حبان عن يحيى بن عمارة به. وانظر الحديث المتقدم. (1) زيد في المطبوع وط. (2) زيد من نسخة- ط. (3) في المطبوع وط «كالثمار» . (4) قال في «شرح السنة» (3/ 320) الوسق ستون صاعا، والصاع: خمسة أرطال وثلث، فكل وسق مائة وستون منّا، وجملة الأوسق الخمسة ثمانمائة منّ. (5) الذود ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. (6) في الأصل «عبادة» وهو تصحيف.

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ» . وَقَالَ قَوْمٌ: الْآيَةَ فِي صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ: «314» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى [بْنُ يَحْيَى] [2] أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مسلم [3] يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ [بِهِ] [4] صَدَقَةٌ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَيَمَّمُوا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ [5] بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ فِي الْوَصْلِ فيها وفي أخواتها، وهي إحدى وَثَلَاثُونَ مَوْضِعًا فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ تَاءَانِ أُسْقِطَتْ إِحْدَاهُمَا، فَرَدَّ هُوَ السَّاقِطَةَ وَأَدْغَمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَقْصِدُوا، الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. ع «315» رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ تُخْرِجُ. إِذَا كَانَ جُذَاذُ النَّخْلِ. أَقْنَاءً مِنَ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ [6] فَيُعَلِّقُونَهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَعْمِدُ [7] فَيُدْخِلُ قِنْوَ [8] الْحَشَفِ [9] وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ في كثرة ما

_ 314- إسناده على شرط البخاري ومسلم، أبو عوانة اسمه وضّاح مشهور بكنيته، لم يذكر الحافظ اسم أبيه، قتادة هو ابن دعامة السدوسي. وهو في «شرح السنة» 1643 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري (2320 و6012) ومسلم 1553 والترمذي 1382 وأحمد (3/ 147) و (228- 229 و243) وأبو يعلى 2851 والبيهقي (6/ 137) من طرق عن أبي عوانة به. - وأخرجه البخاري 2320 ومسلم (1553) ح/ 13 وأحمد (3/ 192) والبيهقي (6/ 137) من طريق أبان بن يزيد العطار عن قتادة به. وفي الباب من حديث جابر. أخرجه مسلم 1552 والطيالسي 1272 والحميدي 1274 وأحمد (3/ 391 و420) وأبو يعلى 2213 وابن حبان (3368 و3369) والبيهقي (6/ 137) من طرق عنه. 315- ع حسن. أخرجه ابن ماجه 1822 والواحدي 172 والحاكم (2/ 285) والطبري (6138 و6139) من طريق أسباط عن السدي عن عدي بن ثابت به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، لكن في أسباط بن نصر ضعف ينحط حديثه عن درجة الصحيح، ومثله السدي. - وأخرجه الترمذي 2987 والبيهقي (4/ 136) من طريق السدي عن أبي مالك عن البراء به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. (1) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف والتصويب من «الأنساب» للسمعاني و «تهذيب الكمال» (7/ 394) للمزي و «شرح السنة» 1643. (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) كذا في المخطوط و «شرح السنة» وفي المطبوع «مؤمن» . (4) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....] (5) في المطبوع «عامر» . (6) البسر: التمر قبل نضجه- وابتداء الشيء. (7) في المطبوع «يعلم» . (8) القنو: العذق أي عرجون البلح. (9) الحشف: أردأ التمر.

[سورة البقرة (2) : الآيات 268 الى 269]

يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ، فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أَيِ: الْحَشَفَ وَالرَّدِيءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشَرَارِ ثمارهم ورزالة أَمْوَالِهِمْ وَيَعْزِلُونَ [1] الْجَيِّدَ نَاحِيَةً لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ الرَّدِيءَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ، وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ، يَعْنِي: الْخَبِيثَ، إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، الْإِغْمَاضُ: غَضُّ الْبَصَرِ، وأراد هاهنا: التجويز وَالْمُسَاهَلَةَ، مَعْنَاهُ: لَوْ كَانَ لِأَحَدِكُمْ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَجَاءَهُ بِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَغْمَضَ لَهُ عَنْ حقّه وتركه، قال الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَوْ وَجَدْتُمُوهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ مَا أَخَذْتُمُوهُ بِسِعْرِ الْجَيِّدِ. وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَوْ أُهْدِيَ ذَلِكَ لَكُمْ مَا أَخَذْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صاحبه وغيظ، فكيف ترضون لي مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ، هَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ جَيِّدًا فَلَيْسَ لَهُ إِعْطَاءُ الرَّدِيءِ، لِأَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ شُرَكَاؤُهُ فِيمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ رَدِيئًا فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّدِيءِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ، حَمِيدٌ، محمود في أفعاله. [سورة البقرة (2) : الآيات 268 الى 269] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، أَيْ: يخوّفكم بالفقر، ويقال: وَعَدْتُهُ خَيْرًا وَوَعَدْتُهُ شَرًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخَيْرِ: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً [الْفَتْحِ: 20] ، وَقَالَ فِي الشَّرِّ: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الْحَجِّ: 72] ، فَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ قُلْتَ فِي الْخَيْرِ: وَعَدْتُهُ وَفِي الشَّرِّ أَوْعَدْتُهُ، وَالْفَقْرُ سُوءُ الْحَالِ وَقِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ، وَأَصْلُهُ مِنْ كَسْرِ الْفَقَارِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُكُمْ بِالْفَقْرِ، وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَإِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِهِ افْتَقَرْتَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، أَيْ: بِالْبُخْلِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلُّ الْفَحْشَاءِ [2] فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الزِّنَا إِلَّا هَذَا، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ، أي: لذنوبكم [وَفَضْلًا ورزقا وخلفا] [3] ، وَاللَّهُ واسِعٌ غَنِيٌّ عَلِيمٌ. «316» أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ [4] ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ [5] عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

_ (1) في المطبوع «يعملون» . (2) في المخطوط «فحشاء» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في الأصل «المنبعي» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. (5) زيد في الأصل بين معمر وهمام «عن هشام» وهو خطأ واضح. 316- إسناده صحيح، أحمد بن يوسف هو الأزدي السلمي، روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، عبد الرزاق هو ابن همام صاحب المصنف، ومعمر هو ابن راشد. هو في «شرح السنة» 1650 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 7419 ومسلم (993) ح/ 37 وأحمد (2/ 313) وابن خزيمة في «التوحيد» (ص 68) وابن حبان 725 والبيهقي في «الأسماء والصفات» (ص 395- 396) من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري (4684 و7411) ومسلم (993) ح/ 36) والترمذي 3045 وابن ماجه 197 وأحمد (2/ 242 و500) وأبو يعلى 6260 من طرق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عن أبي هريرة به. - وأخرجه ابن أبي عاصم في «السنة» 780 من طريق ابن أخي الزهري عن عمه عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يقول: ابن آدم أُنْفِقْ عَلَيْكَ» ، وَقَالَ [1] : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا [2] نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ ما أنفق منذ خلق السموات وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ [3] مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الماء وبيده الأخرى القبض [4] ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ» . «317» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ [5] بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: «أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي، فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ، قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ النُّبُوَّةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ: عِلْمُ الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَمَنْسُوخُهُ وَمُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْقُرْآنُ وَالْفَهْمُ فِيهِ، وَقَالَ: فِي الْقُرْآنِ مِائَةٌ وَتِسْعُ آيَاتٍ نَاسِخَةٌ وَمَنْسُوخَةٌ، وَأَلْفُ آيَةِ حَلَالٍ وَحَرَامٍ لَا يَسَعُ الْمُؤْمِنِينَ تركهنّ حتى يتعلّموهن، ولا يكونوا كَأَهْلِ نَهْرَوَانَ تَأَوَّلُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، جَهِلُوا عِلْمَهَا فَسَفَكُوا بِهَا الدِّمَاءَ وَانْتَهَبُوا الأموال، وشهدوا علينا بالضلال [6] ، فَعَلَيْكُمْ بِعِلْمِ [7] الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مَنْ علم فيم أنزل لَمْ يَخْتَلِفْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ [8] الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَفَهْمُهَا، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ، مَنْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، والْحِكْمَةَ خَبَرُهُ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: يُؤْتِ الْحِكْمَةَ بِكَسْرِ التاء، أي: من يؤتيه الله الحكمة، دليله قراءة

_ 317- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» 1649 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم: 2591. - وأخرجه البخاري 1433 ومسلم 1029 والنسائي (5/ 73- 74) وابن حبان 3209 والطبراني (24/ 337) و (338 و339) والبيهقي (4/ 186) و (187) من طرق عن هشام بن عروة به. - وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (20056) من طريق ابن أبي مليكة «أن أسماء بنت أبي بكر ... » فذكره. - وورد من وجه آخر عن أسماء. أخرجه البخاري 1434 ومسلم (1029) ح/ 89 والنسائي (5/ 74) وأحمد (6/ 354) وابن حبان 3357 والبغوي في «شرح السنة» 1648 والبيهقي (4/ 187) من طرق عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير عنها. - وأخرجه عبد الرزاق 16614 وأحمد (6/ 353 و354) عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أسماء به. - وأخرجه أحمد (6/ 353- 354) عن وكيع عن أسامة بن زيد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ أسماء به. (1) كذا في نسخ المطبوع. وفي المخطوط، وفي «شرح السنة» . «قال: وقال» . (2) قال المصنف في «شرح السنة» (3/ 413) : «لا يفيضها» لا ينقصها «سحاء» : أي: دائمة الصب. [.....] (3) في المطبوع «يفض» . (4) في المطبوع «القسط» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) في الأصل «عبد الله» والتصويب من «صحيح البخاري» و «شرح السنة» . (6) في نسخ المطبوع «بالضلالة» . (7) في المخطوط «بحكم» . (8) في المخطوط «هو» .

[سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271]

الْأَعْمَشِ «وَمَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ» حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ قَالَ: الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً، [قال الحسن [1] : من أعطي القرآن فكأنّما أدرجت النبوة بين جنبيه إلّا أنه لم يوح إليه] [2] ، وَما يَذَّكَّرُ: يتّعظ، إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: ذوو العقول. [سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ: فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ، أَيْ: مَا أَوْجَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَوَفَّيْتُمْ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ويحفظه حَتَّى [3] يُجَازِيَكُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ يَعْلَمُهُ وَلَمْ يَقُلْ يَعْلَمُهَا، لِأَنَّهُ ردّه إلى الآخر منها كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً [النِّسَاءِ: 112] ، وَإِنْ شِئْتَ حَمَلْتَهُ عَلَى [4] مَا كَقَوْلِهِ: وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [الْبَقَرَةِ: 231] ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِمَا، وَما لِلظَّالِمِينَ، الْوَاضِعِينَ الصَّدَقَةَ فِي غير موضعها بالرياء ويتصدّقون من الحرام، مِنْ أَنْصارٍ، من أَعْوَانٍ يَدْفَعُونَ عَذَابَ اللَّهِ عَنْهُمْ، وَهِيَ جَمْعُ نَصِيرٍ، مِثْلُ شَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ، أَيْ: تُظْهِرُوهَا، فَنِعِمَّا هِيَ، أَيْ: نِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ، وَ «مَا» فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، وَهِيَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا، فَإِذَا عُرِّفَتْ رُفِعَتْ فَقُلْتَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وَأَصْلُهُ نِعْمَ مَا فَوُصِلَتْ [5] ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غَيْرَ وَرْشٍ وَأَبُو عمر وَأَبُو بَكْرٍ فَنِعِمَّا بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ بِكَسْرِهِمَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي سورة النساء. ووَ إِنْ تُخْفُوها، تُسِرُّوهَا، وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ، [أَيْ: تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ] [6] فِي السِّرِّ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَفْضَلُ وَكُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً، وَلَكِنْ صدقة السرّ أفضل. ع «318» وَفِي الْحَدِيثِ: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غضب الربّ» .

_ 318- ع حسن بشواهده. أخرجه الطبراني في «الكبير» (19/ 1018) وفي «الأوسط» 947 والقضاعي في «مسند الشهاب» 102 من رواية بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده معاوية بن حيدة. قال الهيثمي في «المجمع» 4636: وفيه صدقة بن عبد الله، وثقة دحيم، وضعفه جماعة اهـ. وصدقة هذا ضعفه ابن حجر كما في «التقريب» وشيخه أصبغ مجهول وقال الهيثمي (8/ 194) : فيه أصبغ غير معروف وبقية رجاله وثقوا وفيهم خلاف اهـ. - وأخرجه الطبراني في «الكبير» 8014 من حديث أبي أمامة وصدره «صنائع المعروف ... » وحسّن إسناده الهيثمي في «المجمع» 4637 وكذا المنذري في «الترغيب» (2/ 169) مع أن في إسناده حفص بن سليمان الأسدي ضعيف الحديث. - وأخرجه الطبراني في «الصغير» 1034 والقضاعي 99 مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جعفر وقال الهيثمي 4638: وفيه (1) ورد مرفوعا من حديث عمرو بن العاص عند الحاكم (1/ 552) . (2) زيد في المطبوع وحده. (3) في المخطوط «يعني» . (4) في المخطوط «عليهما» . (5) في المطبوع «وصلت» . (6) ليس في المخطوط.

«319» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ خُبَيْبِ [1] بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ [أَوْ] [2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا [3] عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دعته امرأة ذات حسب [4] وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» . وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَمَّا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فَالْإِظْهَارُ فِيهَا أَفْضَلُ حَتَّى يَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَالنَّافِلَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ كان

_ أصرم بن حوشب، وهو ضعيف اهـ. وله شاهد أخرجه الطبراني في «الأوسط» 6222 من حديث أم سلمة بأتم منه، وقال الهيثمي 4639: وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف. - وأخرجه القضاعي 100 من حديث ابن مسعود وصدره «صلة الرحم تزيد في العمر ... » وفي إسناده نصر بن حماد قال عنه الحافظ في «التقريب» : ضعيف أفرط الأزدي فزعم أنه يضع اهـ. - وأخرجه ابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» (6) من حديث ابن عباس وفي إسناده جويبر متروك، وعمرو بن هاشم لين الحديث، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (6/ 17/ 2) في «ترجمة داود بن عيسى» من وجه آخر عن ابن عباس. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» 3442 من حديث أبي سعيد وإسناده ضعيف. - وورد من حديث أنس دون لفظ «السر» . أخرجه الترمذي 664 وابن حبان 3309 والبيهقي في «الشعب» 3351 والبغوي في «شرح السنة» 1634 وفي إسناده عبد الله بن عيسى الخزار وهو ضعيف كما في «التقريب» . وأخرجه القضاعي 697 من وجه آخر فيه ثلاثة ضعفاء، يزيد الرقاشي، والرعيني وهو المقدام بن داود، وعبد الله بن محمد المخزومي. الخلاصة: هو حديث حسن بمجموع شواهده وطرقه، والله أعلم. [.....] 319- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، خبيب- بضم الخاء مصغرا- هو ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف. وهو في «شرح السنة» 471 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف في طريق مالك وهو في «الموطأ» (2/ 952) ومن طريق مالك أخرجه مسلم 1031 والترمذي 2391 وابن حبان 7338. - وأخرجه البخاري 6806 والنسائي (8/ 222- 223) وابن حبان 4486 والبيهقي (3/ 665) من طريق ابن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة به. وهو في «الزهد» لابن المبارك برقم 1342. - وأخرجه البخاري 660 و (1423 و6479) ومسلم (1031) ح/ 91 والترمذي بإثر (2391) وابن خزيمة 358 والبيهقي (4/ 190 و8/ 162) من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن خبيب عن حفص عن أبي هريرة به. (1) في الأصل «حبيب» وهو تصحيف. (2) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» . (3) لفظ «عليه» زيد في المطبوع، وهو في «الموطأ» ، وليس في المخطوط، و «شرح السنة» . (4) في المطبوع «منصب» وفي المخطوط «حسن» والمثبت من «الموطأ» و «شرح السنة» .

[سورة البقرة (2) : آية 272]

الْإِخْفَاءُ فِيهَا خَيْرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْإِظْهَارُ أَفْضَلُ حَتَّى لَا يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ وَرَفْعِ الرَّاءِ، أَيْ: «وَنَحْنُ نُكَفِّرُ» ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الرَّاءِ، أَيْ: «وَيُكَفِّرُ اللَّهُ» ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالنُّونِ وَالْجَزْمِ نَسَقًا عَلَى الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن موضعها جزم الجزاء، وقوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ، قِيلَ: مِنْ صِلَةٌ، تَقْدِيرُهُ: نُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ للتحقيق والتبعيض، يعني: نكفّر [عنكم] الصَّغَائِرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. [سورة البقرة (2) : آية 272] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ لَهُمْ قَرَابَةٌ وَأَصْهَارٌ فِي الْيَهُودِ، وَكَانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، فَلَمَّا أَسْلَمُوا كَرِهُوا أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ، وَأَرَادُوهُمْ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ [1] ، فَلَمَّا كَثُرَ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ نَهَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَيْ تَحْمِلَهُمُ الْحَاجَةُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، فَتَمْنَعُهُمُ الصَّدَقَةَ لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ حَاجَةً مِنْهُمْ إِلَيْهَا، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَأَرَادَ بِهِ هِدَايَةَ التَّوْفِيقِ، أَمَّا هدي البيان والدعوة كان عَلَى [2] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطُوهُمْ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ، أَيْ: مَالٍ، فَلِأَنْفُسِكُمْ، أَيْ: تَعْمَلُونَهُ [3] لِأَنْفُسِكُمْ، وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ، [و «ما» ] [4] لَفْظُهُ نَفْيٌ [5] وَمَعْنَاهُ نَهْيٌ، أَيْ: لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ، شَرْطٌ كَالْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ حَذَفَ النُّونَ مِنْهُمَا، يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أَيْ: يُوَفَّرُ لَكُمْ جَزَاؤُهُ، وَمَعْنَاهُ: يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ، ولذلك أدخل فيه «إلى» [6] ، وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ، لَا تُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا، وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُوضَعَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَلَا يَجُوزُ وَضْعُهَا إِلَّا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَهْلُ السُّهْمَانِ المذكورون في سورة التوبة. [سورة البقرة (2) : آية 273] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، اخْتَلَفُوا فِي موضع هذه اللام، قيل: هو مردود [7] عَلَى مَوْضِعِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ: فَلِأَنْفُسِكُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا تُنْفِقُوا من خير فللفقراء، وإنما

_ (1) زيد في المخطوط «مسلما كان أو مشركا» وجعل بدل «الذمة» «المدينة» ولكن المثبت أقرب كما في «الدر المنثور» (1/ 633) . و «تفسير القرطبي» 3/ 337) . (2) زيد في المطبوع «عهد» وهو سهو من النساخ. (3) في المطبوع وحده «تنفقونه» . (4) زيادة عن نسخة- ط. (5) في المطبوع «جحد» وكلاهما بمعنى. (6) في النسخة- ط «إلا» والمثبت هو الصواب. (7) في المطبوع وط «هي مردودة» .

تُنْفِقُونَ لِأَنْفُسِكُمْ.، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا [1] الصَّدَقَاتُ التي سبق ذكرها، [وقيل: خبر مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ] [2] : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ كَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ، وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، كَانُوا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِنُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا عَشَائِرُ، وَكَانُوا فِي الْمَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَرْضَخُونَ النَّوَى بِالنَّهَارِ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ سَرِيَّةٍ يَبْعَثُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ [3] ، فَحَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّاسَ فَكَانَ مَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ أَتَاهُمْ بِهِ إِذَا أَمْسَى، الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِيهِ أقاويل، قال قتادة: هم هؤلاء حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ، لَا يَتَفَرَّغُونَ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ، وَهُمْ أَهْلُ الصُّفَةِ التي ذَكَرْنَاهُمْ، وَقِيلَ: حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى طاعة الله، وقيل [4] : حَبَسَهُمُ الْفَقْرُ وَالْعُدْمُ عَنِ الْجِهَادِ في سبيل الله، وقيل: هؤلاء قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَصَارُوا زَمْنَى أَحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ للجهاد، وقيل: مَعْنَاهُ: مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُوا صَارَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ من كثرة أعدائهم، يَحْسَبُهُمُ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وعاصم وحمزة يَحْسَبُهُمُ وبابه بفتح السين، وقرأ الآخرون بالكسر، الْجاهِلُ بحالهم، أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، أَيْ: مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤَالِ وَقَنَاعَتِهِمْ يَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمْ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ وَالتَّعَفُّفُ التَّفَعُّلُ مِنَ الْعِفَّةِ وَهِيَ التَّرْكُ، [يُقَالُ: عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا كَفَّ عَنْهُ وَتَعَفَّفَ إِذَا تَكَلَّفَ فِي الْإِمْسَاكِ] [5] ، تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ، والسيماء وَالسِّيمِيَاءُ وَالسِّمَةُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الشَّيْءُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا هَاهُنَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ [6] التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَثَرُ الْجُهْدِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: صُفْرَةُ أَلْوَانِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالضُّرِّ، وقيل: رثاثة ثيابهم، لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، قَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ غَدَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ عَشَاءً وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ عَشَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ غَدَاءً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: لا يسألون الناس [7] أَصْلًا لِأَنَّهُ قَالَ: مِنَ التَّعَفُّفِ، وَالتَّعَفُّفِ: تَرْكُ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ لَمَا كَانَتْ إِلَى معرفتهم بالعلامة حَاجَةٍ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: لَيْسَ لَهُمْ سُؤَالٌ فَيَقَعُ فِيهِ إِلْحَافٌ، وَالْإِلْحَافُ: الْإِلْحَاحُ وَاللَّجَاجُ. «320» أَخْبَرَنَا [8] أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبراهيم

_ 320- صحيح، ابن عبد الحكم ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» برقم 1610. - وأخرجه البخاري 2075 وابن ماجه 1836 وأحمد (1/ 167) وأبو يعلى 675 والبيهقي في «الشعب» 1223 من طريق وكيع عن هشام بن عروة بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده به. - وأخرجه البخاري 1471 من طريق موسى عن وهيب عن هشام به وأحمد (1/ 164) من طريق حفص بن غياث عن هشام به. - وورد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري (1480 و2074) ومسلم 1042 والترمذي 680 وابن أبي شيبة (3/ 209 (1) في المخطوط «يعني» . [.....] (2) زيد في المطبوع وط. (3) زيد في المخطوط «الذين ذكرناهم» وهذه العبارة ستأتي بعد سطرين هاهنا، وهو أقرب للصواب. (4) زيد في المطبوع «معناه» . (5) سقط من المخطوط. (6) في المخطوط «هو» لكن المثبت أقرب لعبارة البغوي في سياق كلامه. (7) زيد في المطبوع وط «إلحافا» وهو خطأ. (8) زيد في المطبوع «الأستاذ الإمام» .

الْإِسْمَاعِيلِيِّ [1] ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ [2] الْحَكَمِ، أَخْبَرَنَا أَنَسُ [3] بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ [بن العوام رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [4] قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظهره فيكفّ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» . «321» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ» ، قَالُوا: فَمَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى فَيُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فيسأل الناس» . ع «322» وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عذلها فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا» . «323» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ [5] ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ [6] عبد الصمد بن

_ وأحمد (2/ 243) و (257 و395 و475 و96 و513) والحميدي 1056 و157 وابن حبان 3388 والبيهقي (4/ 195) . 321- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. - وهو في «شرح السنة» 1596 بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق مالك وهو في «الموطأ» (2/ 923) . ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1479 والنسائي (5/ 85) وابن حبان 3352 والبيهقي (7/ 11) . - وأخرجه مسلم 1039 من طريق المغيرة الحزامي عن أبي الزناد به. - وأخرجه البخاري (1476 و4539) ومسلم 1039 وأبو داود (1631 و1632) والنسائي (5/ 84- 6) وأحمد (2/ 260) و (395) و (469) و (493) وابن خزيمة 2363 وابن حبان (3298 و3351) والدارمي (1/ 379) والبيهقي (4/ 195) و (7/ 11) من طرق حديث أبي هريرة. 322- ع جيد. أخرجه أبو داود 1628 والنسائي (5/ 98) وأحمد (3/ 7 و9) وابن خزيمة 2447 وابن حبان 3390 من طرق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرجال عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الخدري عن أبيه به «من سأل الناس وله أوقية فهو ملحف» وإسناده جيد. - وفي الباب عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أخرجه أبو داود 1627 والنسائي (5/ 98) ومالك (2/ 999) وأحمد (4/ 36) وله قصة، ورجاله ثقات وجهالة الصحابي لا تضر. 323- إسناده صحيح على شرط مسلم، معمر هو ابن راشد، كنانة العدوي هو ابن نعيم- بضم النون-. - وهو في «شرح السنة» 1619 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» برقم: 2008 ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن حبان 3291 والطبري (18/ 946) . - وأخرجه مسلم 1044 وأبو داود 1640 والنسائي (5/ 89) و (5/ 96- 97) والحميدي 819 وأحمد (3/ 477) و (5/ (1) في المطبوع «بن إسماعيل» بدل «الإسماعيلي» . (2) في الأصل «بن الحكم» والتصويب من «شرح السنة» و «التقريب» . (3) تصحف في المطبوع إلى «يونس» . [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) في الأصل «الظاهري» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» (4/ 33) للسمعاني. (6) في الأصل «سهل بن عبد الصمد» والتصويب من «شرح السنة» وكتاب «الأنساب» للسمعاني (4/ 33) .

عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ [1] ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنُ عُذَافِرَ [2] ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ الدَّبَرِيُّ [3] ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا معمر عن هارون بن رئاب [4] ، عَنْ كِنَانَةَ الْعَدَوِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ، قَالَ: إِنِّي تَحَمَّلْتُ بِحِمَالَةٍ فِي قَوْمِي فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ فِي قَوْمِي وَأَتَيْتُكَ لِتُعِينَنِي فِيهَا، قَالَ: «بَلْ نَتَحَمَّلُهَا عَنْكَ يَا قَبِيصَةُ وَنُؤَدِّيهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ [5] فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشِهِ ثُمَّ يُمْسِكُ، و [في] رجل أصابته فاقة [6] حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ من ذوي الحجى من قومه [7] أنّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ حَلَّتْ لَهُ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ الْقِوَامَ مِنَ الْعَيْشِ ثم يمسك، و [في] رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحِمَالَةٍ فَيَسْأَلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَمْسَكَ، وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سُحْتٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا» . «324» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:

_ 60) والدارمي (1/ 396) وابن خزيمة (2359) و (2360) و (237) وابن الجارود 367 والدارقطني (2/ 119) و (120) والطحاوي (2/ 17- 18 والطبراني (18/ 947) (955) والبيهقي (6/ 73) من طرق عن هارون بن رئاب به. (1) في الأصل «البزار» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» . (2) في الأصل «غدافر» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» . (3) في الأصل «الديري» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» و «التقريب» . (4) في الأصل «زيان» والتصويب من كتب التخريج وكتب التراجم. (5) في الأصل «حاجة» والتصويب من «شرح السنة» وكتب الحديث. (6) في الأصل «حاجة» والتصويب من «شرح السنة» وكتب الحديث. (7) زيد في المطبوع «لقد أصابت فلانا فاقة» . 324- إسناده ضعيف لضعف حكيم بن جبير. قال الذهبي عنه في «الميزان» (1/ 583) ما ملخصه: قال أحمد: ضعيف منكر الحديث، وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: متروك، وقال معاذ: قلت لشعبة: حدثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار إن أحدث به. وقال يحيى بن سعيد: تركه شعبة من أجل حديث الصدقة، وروى عباس عن يحيى في حديث حكيم عن ابن مسعود في الصدقة، فقال: يرويه سفيان عن زبيد، ولا أعلم أحدا يرويه غير يحيى بن آدم، وهذا وهم، لو كان كذا لحدث به الناس عن سفيان، ولكنه حديث منكر. قال الذهبي: «يعني إنما المعروف بروايته حكيم» وقال ابن مهدي: روى أحاديث يسيرة فيها منكرات، وكذبه الجوزجاني. وهو في «شرح السنة» 1594 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الترمذي وهو في «سننه» برقم 650. - وأخرجه الطيالسي 841 والدارمي (1/ 386) من طريق شريك به. - وأخرجه أبو داود 1626 والترمذي 651 وابن ماجه 1840 والنسائي (5/ 97) وأحمد (1/ 388) وأبو يعلى (5217) والحاكم (1/ 407) والطحاوي في «المعاني» (2/ 20) من طريق حكيم بن جبير به. وصححه الحاكم! وسكت الذهبي! وقال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن! مع أن مداره عندهم على حكيم بن جبير، وهو ضعيف ليس بشيء.

[سورة البقرة (2) : آية 274]

«مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ» ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: «خَمْسُونَ درهما أو قيمتها ذهبا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ، من مَالٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ وعليه مجازي. [سورة البقرة (2) : آية 274] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً، رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا وَبِدِرْهَمٍ نَهَارًا وَبِدِرْهَمٍ سِرًّا وَبِدِرْهَمٍ عَلَانِيَةً [1] . وَعَنِ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [2] قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِدَنَانِيرَ كَثِيرَةٍ إِلَى أَصْحَابِ الصفة [نهارا] [3] ، وَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بِوَسَقٍ مَنْ تَمْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الْآيَةَ [4] ، عَنَى بِالنَّهَارِ: عَلَانِيَةً صَدَقَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، وبالليل: سرّ صَدَقَةَ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَمَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ يرتبطون [5] الخيل للجهاد فإنها تعتلف لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَعَلَانِيَةً. «325» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ [6] أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سعيد قال: سمعت سعيد الْمَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بوعده فإن شبعه وريّه وو روثه وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

_ (1) ضعيف جدا، انظر ما بعده. (2) في المطبوع وط «عنهم» وسقط من المخطوط. [.....] (3) زيادة عن المخطوط. (4) لم أره بهذا السياق وإنما ورد عن ابن عباس بذكر علي بن أبي طالب فقط دون ذكر عبد الرحمن بن عوف. أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 344 والواحدي 180 والطبراني 11164 عن عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُجَاهِدٍ عَنْ أبيه عن ابن عباس، وإسناده ضعيف ابن مجاهد متروك، ولم يسمع من أبيه. وانظر «فتح القدير» (1/ 337) للشوكاني، و «تفسير ابن كثير» (1/ 333) بتخريجي عند هذه الآية. (5) في المخطوط «يربطون» . (6) الأصل «جعفر» والتصويب من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» وغيرهما. 325- إسناده صحيح على شرط البخاري، ابن المبارك هو عبد الله، سعيد المقبري هو ابن أبي سعيد، سعيد وأبوه كلاهما يروي عن أبي هريرة. - وهو في «شرح السنة» 2642 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم: 2853 وأخرجه أحمد (2/ 374) من طريق علي بن حفص به. ابن حبان 4673 من طريق حبان بن موسى عن ابن المبارك به. - وأخرجه النسائي (6/ 225) والحاكم (2/ 92) والبيهقي (10/ 16) من طريق ابن وهب عن طلحة بن أبي سعيد به.

[سورة البقرة (2) : آية 275]

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قَالَ الْأَخْفَشُ: جَعَلَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ الَّذِينَ بِمَعْنَى «مَنْ» ، [وجواب من بالفاء في الجزاء ومعنى] [1] الْآيَةِ: مَنْ أَنْفَقَ كَذَا فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. [سورة البقرة (2) : آية 275] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، أي: الذين يُعَامِلُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَالِ لَا يَقُومُونَ، يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ، أَيْ: يَصْرَعُهُ الشَّيْطانُ، أَصْلُ الْخَبْطِ: الضَّرْبُ وَالْوَطْءُ وَهُوَ ضَرْبٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ، يُقَالُ: نَاقَةٌ خَبُوطٌ لِلَّتِي تَطَأُ [2] النَّاسَ وَتَضْرِبُ الْأَرْضَ بِقَوَائِمِهَا، مِنَ الْمَسِّ، أَيِ: الْجُنُونِ، يُقَالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهُوَ مَمْسُوسٌ إِذَا كَانَ مَجْنُونًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ آكِلَ الرِّبَا يُبْعَثُ يوم القيامة كَمِثْلِ الْمَصْرُوعِ. «326» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، قَالَ: «فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رِجَالٍ كَثِيرٍ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ مُنَضَّدِينَ [3] عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، قال: فيقبلون مثل الإبل المنهوكة [4] يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ، فَإِذَا أَحَسَّ بِهِمْ أَصْحَابُ تِلْكَ الْبُطُونِ قَامُوا، فَتَمِيلُ بِهِمْ بُطُونُهُمْ فَيُصْرَعُونَ، ثُمَّ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَيَمِيلُ بِهِ بَطْنُهُ فَيُصْرَعُ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَبْرَحُوا حَتَّى يغشاهم آل فرعون فيطؤونهم [5] مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ فَذَلِكَ عَذَابُهُمْ فِي الْبَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ: وَآلُ فِرْعَوْنَ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ لَا تقم الساعة أبدا، قال: [و] يوم الْقِيَامَةِ يُقَالُ [6] : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشدّ العذاب، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا، أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لِقَوْلِهِمْ هَذَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا حَلَّ مَالُهُ عَلَى غَرِيمِهِ فَطَالَبَهُ [به] [7] ، فيقول

_ 326- إسناده ضعيف جدا لضعف أبي هارون العبدي وهو عمارة بن جوين، ويأتي في سورة «الإسراء» . (1) ما بين المعقوفتين في المطبوع [وجوابها بالفاء في الخبر أو معنى] . (2) في المخطوط «تخبط» . (3) في المخطوط «متصدين» . (4) في المطبوع وط «المنهومة» وفي القرطبي «المهيومة» . (5) وقع في المطبوع «فيردّوهم» وفي المخطوط «فيرتد دونهم» والمثبت عن الطبري 22023 والقرطبي (3/ 355) . (6) في المخطوط «يقول» . (7) زيادة عن المخطوط وط.

الْغَرِيمُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ: زِدْنِي فِي الْأَجَلِ حَتَّى أَزِيدَكَ فِي الْمَالِ، فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ [1] : سَوَاءٌ عَلَيْنَا الزِّيَادَةُ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ بِالرِّبْحِ أَوْ عِنْدَ الْمَحَلِّ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ، فكذّبهم الله تعالى فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ [الروم: 39] ، أَيْ: لِيَكْثُرَ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ الله، وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ غَيْرُ حَرَامٍ فِي الْجُمْلَةِ، إِنَّمَا الْمُحَرَّمُ زِيَادَةٌ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا: «327» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ [بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ] [2] ، يدا بيد كيف شئتم» ،-[و] نقص أَحَدُهُمَا الْمِلْحَ أَوِ التَّمْرَ وَزَادَ أحدهما- «فمن زاد أو استزاد فَقَدْ أَرْبَى» . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ [من] طرق [3] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عُبَادَةَ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ، وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا يَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ [الستة لأوصاف] [4] فِيهَا فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَالٍ تُوجَدُ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْأَوْصَافِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ [5] وَهُوَ النَّفْعُ، وَأَثْبَتُوا الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الرِّبَا يَثْبُتُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِوَصْفٍ، وَفِي الْأَشْيَاءِ الْمَطْعُومَةِ بِوَصْفٍ آخَرَ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ، فَقَالَ قَوْمٌ: ثَبَتَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِوَصْفِ النَّقْدِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وقال قوم:

_ 327- حديث صحيح. إسناده ضعيف، مسلم بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عبادة بن الصامت، والرجل الذي قرن به لم يسمّ، فالإسناد ضعيف، لكن ورد موصولا كما سيأتي من وجوه، عبد الوهّاب هو ابن عبد المجيد. - وهو في «شرح السنة» 2049 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (2/ 157- 158) . - وأخرجه البيهقي (5/ 276) من طريق الشافعي ثم كرره من طريق سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين أن مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عتيك ... فذكره. وقال: وهذا الحديث لم يسمعه مسلم بن يسار من عبادة بن الصامت إنما سمعه من أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة اهـ. قلت: ورواية الأشعث التي أشار إليها البيهقي هي عند أبي داود 3349 والنسائي (7/ 277) والطحاوي (4/ 4) و (66) والبيهقي (5/ 277) بإسناد صحيح. - وحديث عبادة ورد من وجه آخر عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الأشعث عنه أخرجه مسلم 1587 وأبو داود 3350 والترمذي 1240 وابن أبي شيبة (7/ 103- 104) وعبد الرزاق (14193) وابن الجارود 650 وأحمد (5/ 320) وابن حبان (5015) و (5018) والدارقطني (3/ 24) والبيهقي (5/ 277) و (282 و284) . [.....] (1) في المخطوط «فيقولان» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب الحديث. (3) تصحف لفظ «طرق» في المطبوع إلى «مطرف» . (4) زيد لفظ «الستة» في المطبوع وط. ولفظ «الأوصاف» في المطبوع «بالأوصاف» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) في المخطوط «وجد» .

ثَبَتَ بِعِلَّةِ [1] الْوَزْنِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَثْبَتُوا الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْمَوْزُونَاتِ مِثْلِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ [المطعومة] [2] فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرِّبَا ثَبَتَ فِيهَا بِعِلَّةِ الْكَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَثْبَتُوا الرِّبَا في جميع المكيل [3] مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ كالجصّ والنّورة ونحوهما، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا الطَّعْمُ مَعَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، فَكُلُّ مَطْعُومٍ وَهُوَ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ يَثْبُتُ فِيهِ الرِّبَا، وَلَا يَثْبُتُ فِيمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَثْبُتُ فِيهَا الرِّبَا بِوَصْفِ الطَّعْمِ، وَأَثْبَتَ الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمَطْعُومَةِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ وَالْأَدْوِيَةِ مَكِيلَةً كَانَتْ أَوْ مَوْزُونَةً، لما: ع «328» رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . فَجُمْلَةُ مَالِ الرِّبَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا كَانَ ثَمَنًا [4] أَوْ مَطْعُومًا، وَالرِّبَا نَوْعَانِ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ، فَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِأَنْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ، أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِجِنْسِهِ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا يَثْبُتُ فِيهِ كِلَا نَوْعَيِ الرِّبَا، حَتَّى لَا يَجُوزَ إِلَّا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ موزونا كالدراهم والدنانير يشترط الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِيعَ بِجِنْسِهِ، فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ نُظِرَ إِنْ بَاعَ بِمَا لَا يُوَافِقُهُ فِي وَصْفِ الرِّبَا مِثْلَ: أَنْ بَاعَ مَطْعُومًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَلَا رِبَا فِيهِ، كَمَا لَوْ باع بغير مال الرّبا، وإن باعه بما يوافقه في الْوَصْفِ مِثْلَ: أَنْ بَاعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِمَطْعُومٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ حَتَّى يَجُوزَ متفاضلا أو جزافا وثبت فيه ربا النسأ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ» ، إِلَى أَنْ قَالَ: «إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» فِيهِ إِيجَابُ الْمُمَاثَلَةِ وَتَحْرِيمُ الْفَضْلِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ: «عينا بعين» فيه تحريم النسأ، وَقَوْلُهُ: «يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ» ، فِيهِ إِطْلَاقُ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ إِيجَابِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، هَذَا فِي رِبَا الْمُبَايَعَةِ ومن أقرض شيئا شرط أن يردّ عليه أفضل [منه] [5] ، فهو قرض مَنْفَعَةً، وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ: تَذْكِيرٌ وَتَخْوِيفٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَ رَدًّا إِلَى الْوَعْظِ، فَانْتَهى، عَنْ أَكْلِ الرِّبَا، فَلَهُ مَا سَلَفَ، أَيْ: مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ، قَبْلَ النَّهْيِ مَغْفُورٌ لَهُ [6] ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، بَعْدَ النَّهْيِ إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ حَيْثُ يَثْبُتُ عَلَى الِانْتِهَاءِ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ حَتَّى يَعُودَ، وقيل: أمره إِلَى اللَّهِ فِيمَا يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُحِلُّ لَهُ وَيُحَرُّمُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ شَيْءٌ، وَمَنْ عادَ، بَعْدَ التَّحْرِيمِ إِلَى أَكْلِ الرِّبَا مُسْتَحِلًّا لَهُ، فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

_ 328- ع صحيح. أخرجه مسلم 1592 وأحمد (6/ 401) وابن حبان 5011 والطبراني (20/ 1095) والبيهقي (5/ 283) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عمرو بن الحارث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ به. ومطرّف هو ابن عبد الله بن الشّخّير. (1) في المخطوط «يثبت لعلة» والمثبت عن نسخ المطبوع و «شرح السنة» . (2) زيادة عن «شرح السنة» 4/ 241- 242. (3) في المطبوع وط «المكيلات» . (4) في المطبوع وحده «ثمارا» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المخطوط «بعفو ربه» .

«329» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ [1] بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ البغي، ولعن آكل الربا ومؤكله، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْمُصَوِّرَ. «330» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَخْبَرَنَا [عَبْدُ] [2] الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ [3] بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» . «331» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ أَنَا أَبُو حَامِدِ بن

_ 329- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، غندر هو محمد بن جعفر، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» 2032 بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» برقم: (5962) . - وأخرجه البخاري 2086 و2238 و5347 و5945 وأبو داود 3483 وأحمد 4/ 308 و309 والطبراني 22/ (296) والطيالسي 1043 و1045 وابن حبان 5852 وأبو يعلى 890 والطحاوي 4/ 53 والبيهقي 6/ 6 من طرق، عن شعبة به. (1) في الأصل «عوف» وهو تصحيف. [.....] (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (3) في الأصل «زاهر» وهو تصحيف. 330- إسناده على شرط مسلم، هشيم هو ابن بشير، أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس. - وهو في «شرح السنة» برقم (2047) . - رواه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (1598) . وأخرجه أحمد 3/ 304 وأبو يعلى 1848 والبيهقي 5/ 275 من طرق، عن هشيم به. - وفي الباب من حديث ابن مسعود عند أبي داود 1333 والترمذي 1206 وابن ماجه 2277 والطيالسي 343 وأحمد 1/ 394 وابن حبان 5025 والبيهقي 5/ 275 من طرق، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وأخرجه مسلم 1597 وأحمد 1/ 448 و462 والدارمي 2/ 246 والبيهقي 5/ 285 من طريق آخر، عن ابن مسعود وليس فيه «وكاتبه وشاهديه» . 331- باطل مرفوع. إسناده ضعيف لضعف عكرمة بن عمار في روايته، عن يحيى بن أبي كثير خاصة. بل ضعفه غير واحد مطلقا. جاء في «الميزان» (3/ 91) ما ملخصه: قال يحيى القطان وأحمد بن حنبل: أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير ضعيفة، وذكر الذهبي، عن غير واحد توثيقه لعكرمة لكن في روايته، عن غير يحيى. وللحديث شواهد واهية لا تقوم بها حجة، فإن المتن منكر باطل، فإن الزنا أشد من الربا. وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» (647) من طريق النضر بن محمد به. - وأخرجه ابن عدي 5/ 275 والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 1/ 95) وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 244- 245) والعقيلي 2/ 257- 258 والبيهقي 5521 من طرق، عن عبد الله بن زياد، عن عكرمة بن عمار به. وأعله العقيلي وغيره بعبد الله بن زياد، وهو كذاب، وبه أعله ابن الجوزي لكن تابعه اثنان لذا أعله ابن عدي بعكرمة بن عمار اليمامي، فإن مداره عليه، وهو وإن وثقه غير واحد فإن روايته، عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب ووهن. قال يحيى بن سعيد: أحاديثه، عن ابن أبي كثير ضعيفة. وقال البيهقي: هذا يعرف بابن زياد، وهو منكر الحديث.

الشَّرْقِيِّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ أخبرنا يحيى هو ابن

_ - وورد من حديث البراء أخرجه الطبراني «الأوسط» (7147) وقال الهيثمي في «المجمع» (4/ 6575) : فيه عمر بن راشد ضعفه الجمهور ووثقه العجلي اهـ. وقال عنه أحمد: روى عن يحيى بن أبي كثير مناكير اهـ. وهذا من طريقه، وأعله أبو حاتم بالإرسال «العلل» (1136) مع وهن عمر بن راشد كما تقدم. - وورد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 82) وابن حبان في «المجروحين» (1/ 328) وأعله ابن حبان بسعيد بن رحمة وقال: لا يجوز الاحتجاج به، وقال عنه الهيثمي في «المجمع» : ضعيف. - وورد من طريق آخر أخرجه البيهقي في «الشعب» (5518) والطبراني 11216 و11539 وابن حبان في «المجروحين» (1/ 243) وابن الجوزي 2/ 245 ومداره على حنش وهو حسين بن قيس الرحبي، وهو متروك، وقد كذبه أحمد وغيره، وعده الذهبي في «الميزان» من مناكيره. وتابعه خصيف بن عبد الرحمن عند الخطيب 6/ 76 وخصيف غير قوي، وعنه إبراهيم بن زياد، وهو مجهول لا يعرف. وقال أبو زرعة: هذا حديث منكر. ذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (1170) . - وورد من حديث أنس أخرجه البيهقي 5523 وابن عدي 4/ 1548 وابن الجوزي 2/ 245 وقال البيهقي: فيه عبد الله بن كيسان منكر الحديث. وكذا ذكر ابن الجوزي. وأخرجه ابن الجوزي 2/ 246 وكذا الدارقطني كما في «اللآلئ» (2/ 150) وأعله ابن الجوزي بطلحة بن زيد ونقل عن البخاري قوله: منكر الحديث وساق له الذهبي هذا الحديث 2/ 424 وقال: تالف. - وورد من حديث عبد الله بن سلام أخرجه الطبراني كما في «المجمع» (6574) وقال الهيثمي: عطاء الخراساني لم يسمع من عبد الله بن سلام. - وورد من حديث عائشة أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (5/ 74) وابن الجوزي 2/ 247 وأعله بسوار بن مصعب، وأنه متروك الحديث نقل ذلك عن أحمد ويحيى والنسائي. - وأسنده ابن الجوزي من وجه آخر وأعله بعمران بن أنس وهو كما قال فإنه منكر الحديث راجع «الميزان» . - وورد من حديث ابن عمر أخرجه ابن عدي 6/ 391 وأعله ابن عدي بمسعدة الفزاري وذكره الذهبي بخبر آخر مع هذا وقال: بخبرين منكرين، عن ابن أبي ذئب. - وورد من حديث عبد الله بن حنظلة الغسيل أخرجه أحمد 5/ 225 والدارقطني 3/ 16 وقال الهيثمي في «المجمع» (6573) : رجال أحمد رجال الصحيح ... !؟. وأعله ابن الجوزي بحسين بن محمد ونقل عن أبي حاتم الرازي أنه وهم فيه. وكرره من وجه آخر وأعله بليث وأنه ضعيف، وقد قال الدارقطني بعد أن أسنده، عن عبد الله بن حنظلة، عن كعب الأحبار من- قوله-: وهذا أصح من المرفوع. وذكره مثل ذلك العقيلي 2/ 258 حيث صوّب كونه من كلام كعب الأحبار، ومثلهما البيهقي 5516 وابن الجوزي 2/ 247- 248 وقد جاء موقوفا على عبد الله بن سلام أيضا أسنده العقيلي 2/ 258 والبيهقي 5514 وإسناده عنه جيد. وكرر البيهقي 5515 بإسناد صحيح، عن ابن سلام. - وقال ابن الجوزي: ليس في هذه الأحاديث شيء صحيح. ثم فصّل القول في ذلك فانتقد رجالها وأبان عللها. - وختمه بقوله: اعلم أن مما يرد صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها، والزنا يفسد الأنساب ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه، ويؤثر في القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي فلا وجه لصحة هذا اهـ. وهو كما قال ابن الجوزي رحمة الله عليه. فشتان بين من يزني بأمه بل بأجنبية وبين درهم ربا أو الوقوع في باب من تلك الأبواب، ولو كانت كذلك لبينها

[سورة البقرة (2) : آية 276]

[أَبِي] [1] كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الرِّبَا سَبْعُونَ بَابًا أَهْوَنُهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَالَّذِي يَنْكِحُ أمّه» . [سورة البقرة (2) : آية 276] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا، أَيْ: يَنْقُصُهُ وَيُهْلِكُهُ وَيَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا، يَعْنِي: لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صدقة ولا جهادا ولا حجّا وَلَا صِلَةً، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، أَيْ: يُثَمِّرُهَا وَيُبَارِكُ فِيهَا فِي الدُّنْيَا وَيُضَاعِفُ بِهَا الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ فِي الْعُقْبَى، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ، بِتَحْرِيمِ الرِّبَا، أَثِيمٍ، فَاجِرٍ بأكله. [سورة البقرة (2) : الآيات 277 الى 278] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا، ع «332» قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَكَانَا قَدْ أَسْلَفَا فِي التَّمْرِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْجُذَاذُ قَالَ لَهُمَا صَاحِبُ التَّمْرِ: إِنْ أَنْتُمَا أَخَذْتُمَا حَقَّكُمَا لَا يَبْقَى لِي مَا يَكْفِي عِيَالِي، فَهَلْ لَكُمَا أَنْ تَأْخُذَا النِّصْفَ وَتُؤَخِّرَا النِّصْفَ وَأُضْعِفُ لَكُمَا فَفَعَلَا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبَا الزِّيَادَةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما. ع «333» قال السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الجاهلية يسلفان في الرّبا

_ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم لنا، فالحديث إنما هو من قول كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وربما أخذه عنهما بعض التابعين، فجاء من بعدهم فركّبوا له أسانيد وجعلوه من كلام رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، ويكفي في رد هذا الحديث وبيان بطلانه اختلاف الأئمة الأربعة وفقهاء الإسلام وكذا الصحابة في غير الأصناف المذكورة في الحديث، فبعضهم جعل علة الربا في الكيل مطلقا وآخرون جعلوا علة الربا الوزن وآخرون جعلوا العلة في ما يقتات إلخ، هذا وقد وهم الألباني حيث اغتر بكثرة طرقه فذكره في «الصحيحة» (1871) وقد أجاد الشيخ أبو إسحاق الأثري حيث ذكر طرقه كلها وشواهده وانتقدها واحدا واحدا وحكم ببطلانه موافقا ابن الجوزي راجع «منتقى ابن الجارود» (647) . الخلاصة: ذهب أبو حاتم الرازي وأبو زرعة والعقيلي وابن عدي وابن حبان وابن الجوزي، وكذا الناقد الذهبي إلى وهن هذا الحديث، وعدم صحته، ورجّح العقيلي والبيهقي والدارقطني وابن الجوزي كونه من كلام كعب الأحبار، كما تقدم والله تعالى أعلم، وهو غير صحيح من جهة المعنى، فالزنا مطلقا أشد من الربا بمرات، كما تقدم عن ابن الجوزي وغيره، فهذا هو الحق إن شاء الله تعالى. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. 332- ع ضعيف. عزاه المصنف لعكرمة وعطاء، وإسناده إليهما في أول الكتاب وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (184) عن عكرمة وعطاء بدون إسناد، وليس بصحيح. فلو صح لرواه المفسرون مسندا موصولا. 333- ع ضعيف. أخرجه الطبري 6256 وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر» (1/ 646) عن السدي مرسلا وفيه «رجل من بني المغيرة» بدل «خالد بن الوليد» وهذا ضعيف لإرساله، والسدي ذو مناكير. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (185) بدون إسناد بهذا اللفظ والمرفوع منه أصله في الصحيح، وسيأتي.

[سورة البقرة (2) : الآيات 279 الى 280]

إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، نَاسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَلَهُمَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فِي الرِّبَا، فأنزل تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل [1] ، وربا الجاهلية موضوعة كُلِّهَا، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهَا موضوعة كلّها» . ع «334» وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعَةِ إخوة من ثقيف [وهم] [2] : مسعود وعبدياليل وَحَبِيبٍ وَرَبِيعَةَ، وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بن عميرة بْنِ عَوْفٍ الثَّقَفِيِّ، كَانُوا يُدَايِنُونَ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانُوا يرابون فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةُ فَطَلَبُوا رِبَاهُمْ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ بَنُو الْمُغِيرَةِ: وَاللَّهِ مَا نُعْطِي الرِّبَا فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَكَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَكَّةَ، فَكَتَبَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّةِ الْفَرِيقَيْنِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَالًا عَظِيمًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) . [سورة البقرة (2) : الآيات 279 الى 280] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، أَيْ: إِذَا لَمْ تَذَرُوَا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا، فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أبي بكر «فآذنوا» فالمدّ، عَلَى وَزْنِ آمِنُوا، أَيْ: فَأَعْلِمُوا غَيْرَكُمْ أَنَّكُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وأصله من الأذن، [أي: وقعوا فِي الْآذَانِ] [3] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فَأْذَنُوا مَقْصُورًا بِفَتْحِ الذَّالِ، أَيْ: فَاعْلَمُوا أَنْتُمْ وَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورسوله، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُقَالُ لِآكِلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: حَرْبُ اللَّهِ النَّارُ، وَحَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ السَّيْفُ، وَإِنْ تُبْتُمْ، أَيْ: تَرَكْتُمُ اسْتِحْلَالَ الرِّبَا وَرَجَعْتُمْ عنه، فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ، بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ وَلا تُظْلَمُونَ، بِالنُّقْصَانِ عَنْ رَأْسِ المال، فَلَمَّا نَزَلَتْ [هَذِهِ] [4] الْآيَةُ قَالَ بَنُو عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ وَمَنْ كَانَ يُعَامِلُ بِالرِّبَا مِنْ غَيْرِهِمْ] [5] : بَلْ نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَانِ لَنَا بِحَرْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَرَضُوا بِرَأْسِ الْمَالِ فَشَكَا بَنُو الْمُغِيرَةِ الْعُسْرَةَ، وَقَالُوا: أَخِّرُونَا إِلَى أَنْ تُدْرَكَ الْغَلَّاتُ فَأَبَوْا أَنْ يؤخروا، فأنزل الله تعالى:

_ 334- ع عزاه المصنف لمقاتل، والإسناد إليه تقدم في أول الكتاب، وهذا مرسل، وأخرجه أبو يعلى 2668 ومن طريقه الواحدي في «أسباب النزول» (183) عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس به. وإسناده ضعيف جدا، الكلبي متروك، وأبو صالح لم يلق ابن عباس، وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 119- 120) وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب الكلبي، وهو كذاب اهـ. وذكره ابن حجر في «المطالب العالية» (3537) ونقل الشيخ الأعظمي، عن البوصيري تضعيفه للكلبي! مع أنه متروك متهم. - وأخرجه الطبري 6257 عن ابن جريج بنحوه وأتم وورد عن عكرمة مع أثر ابن جريج عند الطبري، فلعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها والله تعالى أعلم، وانظر «فتح الباري» (4/ 313- 314) . (1) في المطبوع «فقتله هزيل» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع وط. لكن لفظ ط «أي أوقعوا في الآذان» . (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) ما بين المعقوفتين في المخطوط [والمربون] .

وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ، يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا، رَفَعَ الْكَلَامَ بِاسْمِ كَانَ وَلَمْ يَأْتِ لَهَا بِخَبَرٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي النَّكِرَةِ تَقُولُ: إِنْ كان رجلا صالحا فَأَكْرِمْهُ، وَقِيلَ: «كَانَ» بِمَعْنَى وَقَعَ، وحينئذ لا تحتاج إِلَى خَبَرٍ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «عُسْرَةٍ» بِضَمِّ السِّينِ، فَنَظِرَةٌ أَمْرٌ فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ نَظِرَةٌ، إِلى مَيْسَرَةٍ، قَرَأَ نَافِعٌ «مَيْسَرَةٍ» بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ «مَيْسُرَةٍ» بِضَمِّ السِّينِ مُضَافًا، وَمَعْنَاهَا: الْيَسَارُ وَالسَّعَةُ، وَأَنْ تَصَدَّقُوا، أي: تتركوا رؤوس أَمْوَالِكُمْ إِلَى الْمُعْسِرِ، خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، قَرَأَ عَاصِمٌ «تصدقوا» بتخفيف الصاد، [وقرأ] [1] الآخرون بِتَشْدِيدِهَا. «335» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو الطِّيبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِيكَالِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدَانَ [2] الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وهب عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أيوب عَنْ يَحْيَى بْنِ [أَبِي] [3] كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ رَجُلًا بِحَقٍّ فَاخْتَبَأَ مِنْهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: الْعُسْرَةُ، فَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلَفَ فَدَعَا بِصَكِّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أنظر معسرا أو وضع له [4] أَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . «336» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ محمد السمعاني [5] ، أخبرنا أبو جعفر

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) في الأصل «عيدان» وهو تصحيف. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (4) في المطبوع «ووضع عنه» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) وقع في النسخ «بن سمعان» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. 335- إسناده صحيح على شرط مسلم، ابن وهب هو عبد الله، أيوب هو ابن أبي تميمة. وهو في «شرح السنة» (2131) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1563 من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم أيضا 1563 ح 32 من طريق حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ به بنحوه. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (4589) مقتصرا على اللفظ المرفوع من طريق إسماعيل بن عيّاش، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي قتادة وجابر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «من سره أن ينجيه اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وأن يظله تحت عرشه فلينظر معسرا» . - وله شاهد من حديث أبي اليسر كعب بن عمرو بن عباد أخرجه مسلم 3006 وابن حبان 5044 والطبراني 19/ 379 والحاكم 2/ 28 والبيهقي 5/ 357 من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد، عن عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ ... فذكره. - وللمرفوع منه شواهد كثيرة: منها حديث أبي هريرة أخرجه مسلم 2699 وأبو داود 4946 والترمذي 1930 وابن ماجه 225 و2417 وابن أبي شيبة 9/ 85- 86 وأحمد 2/ 252 وابن حبان 5045 والقضاعي 458. - ومن حديث بريدة عند ابن ماجه 2418 وأحمد 5/ 351 والحاكم 2/ 29 والبيهقي في «الشعب» 11261. 336- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. إسرائيل هو ابن يونس السّبيعي، منصور هو ابن المعتمر، وربعي هو ابن حراش وأبو مسعود هو البدري اسمه عقبة بن عمرو مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (2133) بهذا الإسناد.

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي [1] مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الملائكة لتلقّت [2] بروح رجل كان قبلكم فقالوا له: هَلْ عَمِلْتَ [3] خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذْكُرُ؟ [4] قَالَ: لَا إِلَّا أَنِّي رَجُلٌ كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَكُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُوسِرَ [5] وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تَجَاوَزُوا عَنْهُ» . «337» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ [6] عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلّا ظلّه» .

_ وأخرجه البخاري 3450- 3451 من طريق عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ربعي قال: قال عقبة بن عمرو- أبو مسعود-: ألا تحدثنا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:.... فذكره بنحوه. وكذا أخرجه مسلم 1560 من طريق ربعي بن حراش. قال: اجتمع حذيفة أبو مسعود فقال حذيفة: ... فذكر الحديث بنحوه وفي آخره قال أبو مسعود: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم يقول. - وأخرجه مسلم 1561 والترمذي 1307 وأحمد 4/ 120 وابن حبان 5047 والطبراني 17/ 537 والبيهقي 5/ 356 من طرق، عن أبي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وائل، عن أبي مسعود بنحوه. - وأخرجه مسلم 1560 ح 26 والبيهقي في «الشعب» (11247) من طريق منصور، عن ربعي أن حذيفة حدثهم ... فذكره بهذا اللفظ. - وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 3480 ومسلم 1562 والطيالسي 2514 وأحمد 2/ 239 من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع أبا هريرة.... فذكره. وأخرجه النسائي 7/ 318 وابن حبان 5043 وأحمد 2/ 361 والحاكم 2/ 28 من طريق الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. (1) وقع في النسخ «ابن» والتصويب من «شرح السنة» وكتب الحديث. (2) في الأصل وسائر النسخ «لتعلقت» وهو تصحيف. (3) تصحف في المطبوع «علمت» . (4) زيد في المخطوط «الله» ، وليس في نسخ المطبوع و «شرح السنة» و «صحيح مسلم» . (5) في المطبوع «المعسر» . [.....] (6) كذا في النسخ و «شرح السنة» . وفي المخطوط «وسع» . 337- إسناده صحيح، حميد بن زنجويه ثقة، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري، أحمد بن عبد الله هو ابن يونس التميمي، زائدة هو ابن قدامة، ربعي هو ابن حراش. - وهو في «شرح السنة» (2135) بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 3/ 427 والطبراني في «الكبير» (19/ (372) والقضاعي في «الشهاب» (460) من طريق زائدة بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن ماجه 2419 وأحمد 3/ 427 والطبراني 19/ (373) و (374) و (375) و (376) والقضاعي 461 من طرق عن أبي اليسر. - وأخرجه مسلم 3006 والطبراني 19/ 379) في أثناء حديث مطول، وانظر التعليق على الحديث المتقدم برقم: 335.

فصل «في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره»

فصل «في الدّين وحسن قضائه وتشديد أمره» «338» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كَهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِمِنًى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ» ، قَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: «اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فإن خيركم [1] أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» . «339» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . «340» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أخبرنا أبو العباس

_ 338- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الوليد هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك، شعبة هو ابن الحجاج، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. - وهو في «شرح السنة» (2130) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» برقم (2390) بهذا الإسناد. - وأخرجه القضاعي 984 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إسماعيل البخاري، عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن شعبة به. - وأخرجه البخاري 2305 و2306 و2392 و2393 و2401 و2606 ومسلم 1601 والترمذي 1331 وأحمد 2/ 416 و456 من طرق من حديث أبي هريرة. 339- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. - وهو في «شرح السنة» (2145) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 674) بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2287 ومسلم 2287 ومسلم 1564 وأبو داود 3345 والنسائي 7/ 317 وأحمد 2/ 379- 380 و465 وابن حبان 5053 و5090 والطحاوي في «المشكل» (4/ 8) والبيهقي 6/ 70. - وأخرجه الترمذي 1308 وابن ماجه 2403 وعبد الرزاق في «المصنف» (15356) وأحمد 2/ 463 والطحاوي 1/ 414 وابن الجارود 560 والبيهقي 6/ 70 من طرق عن أبي الزناد به. - وأخرجه ابن أبي شيبة 7/ 79 والبخاري 2288 من طريق عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج به. - وأخرجه البخاري 2400 ومسلم 1564 وعبد الرزاق 15355 وأحمد 2/ 260 والقضاعي 43 والبيهقي 6/ 70 من طرق عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة به. 340- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل عمر بن أبي سلمة، وقد توبع، وباقي رجال الإسناد رجال البخاري ومسلم، والشافعي فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عون، مشهور بكنيته. (1) في المطبوع «خياركم» .

[سورة البقرة (2) : آية 281]

الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أخبرنا إبراهيم بن سَعْدِ [1] بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» . «341» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ [2] أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ [قَالَ] [3] : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ» ، فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ، فَنُودِيَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ» ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ إِلَّا الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ جبريل» . [سورة البقرة (2) : آية 281] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِفَتْحِ التَّاءِ، أَيْ: تَصِيرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: تُرَدُّونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.

_ - وهو في «شرح السنة» (2140) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (2/ 190) وسقط منه قوله «حتى يقضى» . ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي 6/ 49 بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 1079 وابن ماجه 2413 والطيالسي 2390 وأحمد 2/ 440 و475 والدارمي 2/ 262 والبيهقي 6/ 76 من طرق عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عمر بن أبي سلمة به. وحسّن إسناده المصنف في «شرح السنة» وقال الترمذي: هذا حديث حسن اهـ. - وأخرجه الترمذي 1078 والحاكم 2/ 26 و27 والبيهقي 6/ 76 من طرق عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أبي سلمة به وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي. - وأخرجه ابن حبان 3061 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزهري، عن أبي سلمة به، وإسناده صحيح. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه، وفي الباب أحاديث. 341- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2137) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 461) ومن طريق مالك أخرجه النسائي 6/ 34 وابن حبان 4654. - وأخرجه مسلم 1885 والترمذي 1712 والنسائي 6/ 34- 35 من طريق قتيبة عن اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سعيد المقبري به. - وأخرجه مسلم 1885 وابن أبي شيبة 5/ 310 من طريق يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد به. - وأخرجه مسلم 1885 والنسائي 6/ 35 وسعيد بن منصور في «سننه» 2553 عن محمد بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن أبي قتادة به. (1) في الأصل «سعيد» وهو تصحيف والتصويب من «شرح السنة» وكتب الحديث. (2) في المطبوع «السرخسي» والمثبت عن «شرح السنة» . (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 282]

ع «342» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ [1] جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ضَعْهَا عَلَى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَعَاشَ بَعْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا [2] وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تِسْعَ لَيَالٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعَ لَيَالٍ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ. ع «343» قَالَ الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا. [سورة البقرة (2) : آية 282] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا أَبَاحَ السَّلَمَ، وَقَالَ: أَشْهَدُ أن السّلم [3] الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وأذن فيه، ثم قرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَاكْتُبُوهُ، قَوْلُهُ: إِذا تَدايَنْتُمْ، أَيْ: تَعَامَلْتُمْ بِالدَّيْنِ، يُقَالُ: دَايَنَتْهُ إِذَا عَامَلَتْهُ بِالدَّيْنِ، وَإِنَّمَا قَالَ بِدَيْنٍ بعد قوله: إِذا تَدايَنْتُمْ لِأَنَّ الْمُدَايَنَةَ قَدْ تَكُونُ مجازاة، و [قد] [4] تَكُونُ مُعَاطَاةً فَقَيَّدَهُ بِالدَّيْنِ لِيَعْرِفَ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ، وَقِيلَ ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا [كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ] [5] [الْأَنْعَامِ: 38] ، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى، الْأَجَلُ: مُدَّةٌ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، وَالْأَجَلُ يَلْزَمُ فِي الثَّمَنِ والبيع [6] [و] [7] في السَّلَمِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الطَّلَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَفِي الْقَرْضِ لَا يَلْزَمُ الْأَجَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَاكْتُبُوهُ، أَيِ: اكْتُبُوا الَّذِي تَدَايَنْتُمْ بِهِ بَيْعًا كَانَ أَوْ سَلَمًا أَوْ قَرْضًا، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ فَقَالَ بعضهم: هي واجبة،

_ 342- ع لم أقف على إسناده. ذكره المصنف بدون إسناد، وكذا الواحدي في «الوسيط» (1/ 400) وتفردهما به دليل وهنه أو بطلانه. 343- ع صحيح. أخرجه البخاري 4544، عن عاصم، عن الشعبي به وأخرجه النسائي في «التفسير» (77) ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ به. (1) لفظ «له» زيد في نسخ المطبوع. [.....] (2) في المخطوط «أحد» . (3) كذا في المطبوع وتفسير الواحدي، وفي المخطوط وط «السلف» وكلاهما بمعنى واحد. (4) في المخطوط وط «قال» والمثبت أقرب للسياق. (5) زيادة عن المخطوط وط. (6) في المطبوع «المبيع» . (7) زيادة عن المخطوط وط.

وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، فَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الْجُمُعَةِ: 10] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ كِتَابَةُ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَ الْكُلُّ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [البقرة: 283] ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ، أَيْ: لِيَكْتُبْ كِتَابَ الدَّيْنِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ، أَيْ: بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا تَقْدِيمِ أَجْلٍ وَلَا تأخيره، وَلا يَأْبَ، أَيْ: لَا يَمْتَنِعُ، كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْكَاتِبِ وَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ [1] ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا إِذَا طُولِبَ، وَهُوَ قول مجاهد، وقال الحسن: يجب إِذَا لَمْ يَكُنْ كَاتِبٌ غَيْرُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَتْ عَزِيمَةً [2] وَاجِبَةً عَلَى الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ، فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ، كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ، أَيْ: كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ، فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، يَعْنِي: الْمَطْلُوبُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِلِسَانِهِ لِيَعْلَمَ مَا عَلَيْهِ، وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، فَالْإِمْلَالُ هَاهُنَا [3] ، وَالْإِمْلَاءُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الْفُرْقَانِ: 5] ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، يعني: المملي، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً، أَيْ: لا يَنْقُصْ مِنْهُ أَيْ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا، فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً، أَيْ: جَاهِلًا بِالْإِمْلَاءِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: طِفْلًا صَغِيرًا، وَقَالَ الشافعي: السفيه المبذر المفسد لما له أَوْ فِي دِينِهِ، قَوْلُهُ: أَوْ ضَعِيفاً، أَيْ: شَيْخًا كَبِيرًا، وَقِيلَ: هُوَ ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِعَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ، أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ، لِخَرَسٍ أَوْ عَيٍّ [4] أَوْ عُجْمَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غيبة لا يمكنه حضور الكتابة [5] أَوْ جَهْلٌ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ، أَيْ: قَيِّمُهُ، بِالْعَدْلِ، أَيْ: بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُقَاتِلٌ: أَرَادَ بِالْوَلِيِّ صَاحِبَ الْحَقِّ، يَعْنِي: إِنْ عَجَزَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ من الإملال فيملل وَلِيُّ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِّهِ [6] ، وَاسْتَشْهِدُوا، أَيْ: وَأَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ، أَيْ: شَاهِدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ، يَعْنِي: الْأَحْرَارَ الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ [وَالْكُفَّارِ] [7] ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ، أَيْ: لَمْ يَكُنِ الشَّاهِدَانِ رَجُلَيْنِ، فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أَيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ حتى يثبت بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يجوز شهادتين مَعَ الرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْعُقُوبَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَذَهَبُ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ غَالِبًا كَالْوِلَادَةِ وَالرَّضَاعِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْبَكَارَةِ وَنَحْوِهَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رجل وامرأتين، وشهادة أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي العقوبات. قوله

_ (1) في المطبوع «الشهادة» . (2) تصحف في المطبوع إلى «غريمة» . (3) في المطبوع «هنا» . (4) في المطبوع «عمى» وهو تصحيف. والمثبت عن المخطوط وط وتفسير الواحدي (1/ 403) . (5) في المطبوع «حصول الكتابة» . (6) في المطبوع «بالحق» . (7) زيادة عن المخطوط وط.

تَعَالَى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، يَعْنِي: مَنْ كَانَ مَرْضِيًّا فِي دِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ. وَشَرَائِطُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ سَبْعَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَدَالَةُ، وَالْمُرُوءَةُ، وَانْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ مَرْدُودَةٌ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ على [1] النَّاسِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ، فَالَّذِي يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ، وَأَجَازَهَا شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا قَوْلَ لِلْمَجْنُونِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ شهادة، ولا يجوز شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ، سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه عن ذلك فقال: لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ، وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَالْمُرُوءَةُ شَرْطٌ، وَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِآدَابِ النَّفْسِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ تَارِكَهُ قَلِيلُ الْحَيَاءِ، وَهِيَ حُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالسِّيرَةِ وَالْعِشْرَةِ وَالصِّنَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَظْهَرُ من نفسه شيئا مما يَسْتَحِي أَمْثَالُهُ مِنْ إِظْهَارِهِ فِي الْأَغْلَبِ يُعْلَمُ بِهِ قِلَّةُ مُرُوءَتِهِ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَانْتِفَاءُ التُّهْمَةِ شَرْطٌ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى الْعَدُوِّ [2] ، وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ عَدُوِّهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، وَلَا تقبل شهادة من يجرّ إلى نفسه بشهادته نَفْعًا، كَالْوَارِثِ يَشْهَدُ [3] عَلَى رَجُلٍ بقتل مُوَرِّثَهُ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ ضَرَرًا كَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَشْهَدُ بجرح من شهد عَلَيْهِ لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِ. «344» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بن الحسين الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن محمد بن سراج

_ 344- صدره حسن. إسناده ضعيف لضعف يزيد بن زياد، لكن لم ينفرد بهذا الأصل، فقد توبع، ولصدره إلى قوله «أخيه» شواهد فيها لين. عروة هو ابن الزبير، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السّنة» (2504) بهذا اللفظ وقال: هذا حديث غريب، ويزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث، وزاد بعضهم «ولا مجلود حدا» . - وأخرجه الترمذي 2298 عن قتيبة، عن مروان الفزاري به. وأخرجه الدارقطني 4/ 244 والبيهقي 10/ 155 من طريق يزيد بن زياد به قال الترمذي: فيه يزيد بن زياد الدمشقي يضعف اهـ. وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن عائشة قال: في إسناده يحيى بن سعيد الفارسي متروك اهـ. وأورده ابن أبي حاتم في «العلل» (1428) وقال: فسمعت أبا زرعة يقول: هذا حديث منكر ولم يقرأ علينا اهـ. - قلت: ويشهد لبعضه حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده بلفظ «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خائنة، ولا زان ولا زانية، وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» . - أخرجه أبو داود 3600 و3601 وأحمد 2/ 204 و225 و226 والدارقطني 4/ 243 و244 والبيهقي 10/ 200 والبغوي في «شرح السنة» (2505) وفيه سليمان بن موسى، وهو صدوق، وقد توبع على عمرو فقد أخرجه ابن ماجه 2366 وأحمد 2/ 208 والبيهقي 10/ 200. - وجاء في «تلخيص الحبير» (4/ 198 و199) ما ملخصه: حديث عمرو بن شعيب سنده قوي وحديث عائشة فيه يزيد بن زياد الشامي ضعيف، وقال الترمذي: لا يصح عندنا إسناده. وقال أبو زرعة في «العلل» منكر وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي، ورواه الدارقطني والبيهقي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو، وفيه عبد الأعلى، وهو ضعيف، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي ضعيف. قال البيهقي: لا يصح [.....] (1) في المطبوع «عند» . (2) في المخطوط «عدوه» . (3) كذا في المطبوع وط. وفي المخطوط «إذا شهد» بدل «يشهد» .

الطَّحَّانُ [1] ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ [2] أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ، عَنْ شيخ من أهل الجزيرة [3] يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَرْفَعُهُ: «لا يجوز شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غَمْرٍ [4] عَلَى أَخِيهِ وَلَا ظَنِينٍ [5] فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما، قَرَأَ حَمْزَةُ أَنْ تَضِلَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَتُذَكِّرَ بِرَفْعِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ الْجَزَاءُ وَالِابْتِدَاءُ، وَمَوْضِعُ تَضِلَّ جَزْمٌ بالجزاء، إلّا أنه لا نسق بالتضعيف فَتُذَكِّرَ رُفِعَ، لِأَنَّ مَا بَعْدَ فَاءِ الْجَزَاءِ مُبْتَدَأٌ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الاتّصال بالكلام الأوّل، وتَضِلَّ مَحَلُّهُ نَصْبٌ بِأَنْ فَتُذَكِّرَ مَنْسُوقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى، وَمَعْنَى «تضل» تَنْسَى، يُرِيدُ إِذَا نَسِيَتْ إِحْدَاهُمَا شَهَادَتَهَا تُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى، فَتَقُولُ: أَلَسْنَا حَضَرْنَا مَجْلِسَ كَذَا وَسَمِعْنَا كَذَا؟ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ فَتُذَكِّرَ مُخَفَّفًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا «وذكر» و «اذكر» بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا مُتَعَدِّيَانِ، مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الذِّكْرِ أَيْ: تَجْعَلُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذِكْرًا، أَيْ: تَصِيرُ شَهَادَتُهُمَا كَشَهَادَةِ ذِكْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى النِّسْيَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا مَا دُعُوا، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ إِذَا مَا دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةَ، سَمَّاهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ، وَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِذَا لَمْ يكن غيرهم، فإن وجد غيرهم فهم مخيّرون [6] ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الشَّاهِدُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَشْهَدْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي التَّحَمُّلِ والإقامة إذا كان فازعا وَلا تَسْئَمُوا، أَيْ: وَلَا تَمَلُّوا أَنْ تَكْتُبُوهُ، الهاء رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَقِّ، صَغِيراً، كَانَ الْحَقُّ، أَوْ كَبِيراً، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، إِلى أَجَلِهِ، إِلَى مَحَلِّ الْحَقِّ، ذلِكُمْ، أَيِ: الْكِتَابُ، أَقْسَطُ: أَعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَعْدَلُ مِنْ تَرْكِهِ، وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُذَكِّرُ الشُّهُودَ، وَأَدْنى: وَأَحْرَى وَأَقْرَبُ إِلَى [7] ، أَلَّا تَرْتابُوا: تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَةِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً، قرأها عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرِ كَانَ وأضمر الاسم مجازا [8] إِلَّا أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ تِجَارَةً أَوِ الْمُبَايَعَةُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ [9] الْبَاقُونَ بالرفع، وله

_ من هذا شيء عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم اهـ. - وورد موقوفا على عمر في كتابه إلى أبي موسى وفيه: « ... المسلمون عدول، بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قربة ... » . أخرجه البيهقي 10/ 155 وقال: وهذا إنما أراد به قبل أن يتوب، فقد روينا عنه أنه قال لأبي بكرة رحمه الله: تب تقبل شهادتك، وهذا المراد بما عسى يصح فيه من الأخبار. (1) وقع في الأصل «القطان» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. (2) في الأصل «الملكي» والتصويب من كتب التراجم. (3) في المطبوع «الحيرة» . (4) الغمر: الحقد. (5) الظنين: المتهم. (6) في المخطوط هذه اللفظة وما قبلها بصيغة الإفراد. (7) لفظ «إلى» ليس في المخطوط. (8) في نسخة- ط «مجازه» . (9) في المطبوع «قرأهما» .

[سورة البقرة (2) : آية 283]

وجهان، أحدهما: أن يجعل الْكَوْنَ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ، مَعْنَاهُ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ، وَالثَّانِي: أَنْ يجعل الِاسْمَ فِي التِّجَارَةِ وَالْخَبَرَ فِي الْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً دَائِرَةً بَيْنَكُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً يَدًا بِيَدٍ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ لَيْسَ فِيهَا أَجْلٌ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها، يَعْنِي: التِّجَارَةَ، وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِشْهَادُ وَاجِبٌ فِي صَغِيرِ الْحَقِّ وَكَبِيرِهِ ونقده ونسئه، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى الأمانة كقوله تَعَالَى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً [البقرة: 283] الْآيَةَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ. هَذَا نَهْيٌ لِلْغَائِبِ [2] ، وَأَصْلُهُ: يُضَارِرْ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى الرّاءين فِي الْأُخْرَى وَنُصِبَتْ لِحَقِّ التَّضْعِيفِ لِاجْتِمَاعِ [3] السَّاكِنَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَصْلُهُ يُضَارِرْ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَجَعْلِ الْفِعْلِ لِلْكَاتِبِ والشهيد، معناه: [و] لا يضارر الْكَاتِبُ فَيَأْبَى أَنْ يَكْتُبَ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَأْبَى أَنْ يَشْهَدَ، وَلَا يُضَارَّ الْكَاتِبُ فَيَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ أَوْ يُحَرِّفُ مَا أُمْلِيَ [4] عَلَيْهِ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَشْهَدُ بِمَا لَمْ يستشهد عليه، وهذا قول طاوس وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَصْلُهُ يُضَارَرْ [5] بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَجَعَلُوا الْكَاتِبَ وَالشَّهِيدَ مَفْعُولَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ الْكَاتِبَ أَوِ الشَّاهِدَ وَهُمَا عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ فَيَقُولَانِ: نَحْنُ عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ فَاطْلُبْ غَيْرَنَا، فَيَقُولُ الدَّاعِي: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا وَيَلِحَّ عَلَيْهِمَا فَيَشْغَلُهُمَا عَنْ حَاجَتِهِمَا فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِطَلَبِ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ تَفْعَلُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عنه من الضّرار، فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، أَيْ: مَعْصِيَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْأَمْرِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 283] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ. وَأَبُو عَمْرٍو «فَرُهُنٌ» بِضَمِّ الْهَاءِ وَالرَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فَرِهانٌ وَهُوَ جَمْعُ: رَهْنٍ، مِثْلُ: بَغْلٍ وَبِغَالٍ وَجَبَلٍ وَجِبَالٍ [6] ، وَالرُّهُنُ: جَمْعُ الرِّهَانِ [7] : جَمْعُ الْجَمْعِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَ أبو عبيدة وَغَيْرُهُ: هُوَ جَمْعُ الرَّهْنِ أَيْضًا مِثْلُ: سَقْفٍ وَسُقُفٍ، وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَإِنَّمَا قَرَأْنَا «فَرُهُنٌ» لِيَكُونَ فرقا بينها [8] وَبَيْنَ رِهَانِ الْخَيْلِ، وَقَرَأَ [9] عِكْرِمَةُ: «رهن» بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَالتَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ فِي الرُّهْنِ لُغَتَانِ، مِثْلُ: كُتْبٍ وَكُتُبٍ وَرُسْلٍ وَرُسُلٍ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ولم تجدوا [آلات الكتابة] [10] فَارْتَهِنُوا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ رُهُونًا لِتَكُونَ وثيقة بِأَمْوَالِكُمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَقَوْلُهُ: فرهن مَقْبُوضَةٌ، أَيِ: ارْتَهِنُوا وَاقْبِضُوا حَتَّى

_ (2) في المخطوط «الغائب» . [.....] (3) في المطبوع وحده «لالتقاء» . (4) في المخطوط «يتلى» . (5) في المطبوع «يضار» . (6) في المخطوط «حبل وحبال» . (7) كذا في المطبوع ونسخة- ط. وفي المخطوط «رهان» وفي العبارة بعض الغموض وعبارة «البحر المحيط» وقرأ الجمهور «فرهان» جمع رهن، نحو: كعب وكعاب، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «فرهن» بضم الراء والهاء، وروي عنهما تسكين الهاء، وقرأ بكل واحدة منهما جماعة غيرهما فقيل: هو جمع رهان، ورهان جمع رهن قاله الكسائي والفراء. (8) في المطبوع «بينهما» . (9) في المطبوع «وقال» . (10) العبارة في المطبوع «كاتبا الآن» .

[سورة البقرة (2) : آية 284]

لَوْ رَهَنَ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَلَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَإِذَا سَلَّمَ لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ، حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ بَاقِيًا، وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ الرَّهْنُ مَعَ وُجُودِ الْكَاتِبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَاتِبِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ: خَرَجَ الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ. ع «345» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَلَا عِنْدَ عَدَمِ كَاتِبٍ. فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، وَفِي [حَرْفِ أُبَيٍّ] [1] «فَإِنِ ائْتَمَنَ» ، يَعْنِي: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَمِينًا عِنْدَ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ شَيْئًا لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ، أَيْ: فَلْيَقْضِهِ [2] عَلَى الْأَمَانَةِ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ فِي أَدَاءِ الْحَقِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خِطَابِ الشُّهُودِ فقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ، إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى إِقَامَتِهَا نَهَى عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، أَيْ: فاجر قلبه، قيل: ما وعد عَلَى شَيْءٍ كَإِيعَادِهِ عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَأَرَادَ بِهِ مَسْخَ الْقَلْبِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من بيان الشهادة وكتمانها، عَلِيمٌ. [سورة البقرة (2) : آية 284] لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، مُلْكًا وَأَهْلُهَا [3] [لَهُ عَبِيدٌ وَهُوَ مَالِكُهُمْ] [4] ، وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَاصَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ خُصُوصِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْآيَةِ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي كِتْمَانِ الشهادة، معناه: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أيها الشهود من كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ أَوْ تُخْفُوا الْكِتْمَانَ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فيمن يتولّى الكافرين من [5] دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: وَإِنْ تُعْلِنُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ وِلَايَةِ الكفار أو تسرّوه يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ، كَمَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: 28] إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [آلِ عِمْرَانَ: 29] ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي بعدها، والدليل عليه ما:

_ 345- مرسل. أخرجه الشافعي 2/ 163 و164 ومن طريقه البيهقي 6/ 37 عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبيه مرسلا بهذا اللفظ، وهو صحيح دون ذكر أبي الشحم: فقد ورد من حديث أنس دون ذكر «أبي الشحم» أخرجه البخاري 2069 و2508 والترمذي 1215 والنسائي 7/ 288 وابن ماجه 2437 وأحمد 3/ 133 وأبو يعلى 3061 وابن حبان 5937 والبيهقي 6/ 36 و37. - وكذا ورد من حديث عائشة أخرجه البخاري 2200 و2251 و2513 و2916 و4467 ومسلم 1603 والنسائي 7/ 288 وابن ماجه 2436 وعبد الرزاق 14094 وابن أبي شيبة 6/ 16 وأحمد 6/ 42 وابن حبان 5936 وابن الجارود 664 والبيهقي 6/ 36 والبغوي في «شرح السنة» (2122 و2123) . (1) سقط من المخطوط، والمراد بقوله: حرف. أي قراءة. (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «فليقبضه» . (3) في المخطوط «خلقا» . (4) زيد في المطبوع وط. (5) كذا في المطبوع، ولفظ «دون» ليس في المخطوط. ولفظ «من» ليس في- ط. [.....]

«346» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ [1] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسِطَامٍ الْعَيْشِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا [2] : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الْآيَةَ، قال: اشتدّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا:- أي: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم- كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ» ، فَلَمَّا قَرَأَهَا [3] الْقَوْمُ وَذَلَّتْ [4] بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَثَرِهَا آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فأنزل اللَّهُ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قَالَ: «نَعَمْ» ، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، قَالَ: «نَعَمْ» ، رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ، قَالَ: «نَعَمْ» ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، قال: «نعم» . ع «347» وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ: «قَدْ فَعَلْتُ» بَدَلَ قَوْلِهِ «نَعَمْ» ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ] [5] ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ. «348» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يوسف الأصفهاني،

_ 346- إسناده صحيح على شرط مسلم، العلاء هو ابن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة. - أخرجه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (125) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو عوانة 1/ 76 وابن حبان 139 من طريق محمد بن المنهال بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو عوانة 1/ 76 و77 وأحمد 2/ 412 الطبري 6453 من طرق عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به. 347- ع صحيح. أخرجه مسلم 126 والترمذي 2992 والنسائي في «الكبرى» (11059) وأحمد 1/ 233 والطبري 6454 والواحدي في «أسباب النزول» (188) وابن حبان 5069 والحاكم 2/ 286 والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (210- 211) من طرق عن وكيع، عن سفيان، عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير به. 348- حديث صحيح، القاسم بن الحكم العرني، صدوق فيه لين، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، قتادة هو ابن دعامة. - وهو في «شرح السنة» (57) بهذا الإسناد. (1) في الأصل «الحاج» وهو تصحيف. (2) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط و «صحيح مسلم» . (3) كذا في المطبوع والمخطوط، وفي «صحيح مسلم» «اقترأها» . (4) تصحف في المخطوط إلى «زلت» . (5) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط، وهو في المطبوع عقب ذكر ابن عباس وهو بالتثنية «رضي الله عنهما» والمثبت عن- ط.

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعُرَنِيُّ [1] أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ [2] بْنُ كِدَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ [3] أَوْ تَعْمَلْ [4] بِهِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْآيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَرِدُ عَلَى الْإِخْبَارِ، إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَقَوْلُهُ: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خَبَرٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَلْبِ كَسْبًا فَقَالَ: بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [الْبَقَرَةِ: 225] ، فَلَيْسَ لِلَّهِ عَبْدٌ أَسَرَّ عَمَلًا أو أعلنه من حركة في [5] جوارحه أو همّة [6] في قلبه إلا يجزه [7] اللَّهُ بِهِ وَيُحَاسِبُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يغفر بما يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ بِمَا يَشَاءُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [الْإِسْرَاءِ: 36] ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُ خَلْقَهُ بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ أَخْفَوْهُ وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ مُعَاقَبَتَهُ عَلَى مَا أخفوه مما لم يعملوه [8] بِمَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّوَائِبِ وَالْمَصَائِبِ، وَالْأُمُورِ الَّتِي يحزنون عليها. ع «349» وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ حَتَّى الشوكة [يشاكها] [9] وَالْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي كُمِّهِ فَيَفْقِدُهَا فيفزع [10] لها [فيجدها في جيبه] [11] ، حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ من الكير» .

_ - وأخرجه البخاري 2528 و6664 ومسلم 127 والنسائي 6/ 156 والحميدي 11173 وأحمد 2/ 481 وأبو عوانة 1/ 78 وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 259 و7/ 261) والخطيب في «تاريخ بغداد» (9/ 435) من طريق مسعر بن كدام بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5269 ومسلم 127 وأبو داود 2209 والترمذي 1183 والنسائي 6/ 156 و157 وابن ماجه 2040 والطيالسي 2459 وأحمد 2/ 255 و393 و425 و474 و481 و491 وابن حبان 4334 و4335 والبيهقي 7/ 298 من طرق عن قتادة به. 349- ع ضعيف. أخرجه الترمذي 2991 والطيالسي 1584 وأحمد 6/ 218 والطبري 6492 والبيهقي 9809 من طرق عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ علي بن زيد، عن أمية بنت عبد الله، عن عائشة به. قال الترمذي: حسن غريب اهـ. - قلت: وإسناده ضعيف لضعف عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ روى مناكير كثيرة وقد ضعفه الحافظ ابن كثير في «تفسيره» (1/ 348) لأجله، وذكر أنه يغرب، وقال الحافظ في التقريب في ترجمة ابن زيد: ضعيف. (1) في الأصل «أبو القاسم بن الحكم المغربي» والتصويب من «شرح السنة» و «التقريب» . (2) في الأصل «مسعد» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (3) في المطبوع «يتكلموا» . (4) في المطبوع وحده «يعملوا» . [.....] (5) في المطبوع وط «من» . (6) في- ط- «همسة» . (7) في المطبوع وط «يخبره» . (8) في المخطوط وط «يعلموه» . (9) زيادة عن المخطوط وحده. (10) كذا في المطبوع والمخطوط، والمثبت عن كتب الحديث. (11) زيادة عن «سنن الترمذي» و «تفسير الطبري» .

«350» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عن سعد [2] بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، يَعْنِي: مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِمَّا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَلَا تُبْدُوهُ وَأَنْتُمْ عَازِمُونَ عَلَيْهِ يُحَاسِبُكُمْ بِهِ اللَّهُ، فَأَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُكُمْ مِمَّا لَمْ تَعْزِمُوا [عَلَيْهِ] [3] فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: 225] ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قلت لسفيان: أيؤاخذ الله الْعَبْدُ بِالْهِمَّةِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ عَزْمًا أُخِذَ بِهَا، وَقِيلَ مَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ: الْإِخْبَارُ وَالتَّعْرِيفُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَتَعْمَلُوا بِهِ أَوْ تُخْفُوهُ مِمَّا أَضْمَرْتُمْ وَنَوَيْتُمْ، يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ويخبركم بِهِ وَيُعَرِّفْكُمْ إِيَّاهُ [4] ، ثُمَّ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارًا لِفَضْلِهِ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ إِظْهَارًا لِعَدْلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ: يُؤَاخِذْكُمْ بِهِ، وَالْمُحَاسِبَةُ غَيْرُ الْمُؤَاخَذَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما:

_ 350- حديث قوي بشواهده، إسناده غير قوي لأجل عبد الله بن صالح، فقد ضعفه قوم ووثقه آخرون، ولم ينفرد به فقد توبع، وفي سعد بن سنان ضعف أيضا، لكن لم ينفرد به، فللحديث شواهد تقويه. - وهو في «شرح السنة» (1429) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2398 وابن ماجه 4031 وأبو يعلى 4254 من طرق عن الليث بن سعد به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه اهـ. - وله شاهد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المغفّل أخرجه ابن حبان 2911 والحاكم 1/ 349 و4/ 376- 377 والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (153- 154) من طرق عن عفان، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ يونس بن عبيد، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن المغفّل. ورجاله رجال مسلم لكن فيه عنعنة الحسن، لكن يصلح للاعتبار به. وأخرجه أحمد 4/ 87 وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (200/ 74) من طرق عن الحسن به. وذكر الهيثمي في «المجمع» (10/ 191) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح، وكذا أحد إسنادي الطبراني اهـ. - ومن حديث عمار بن ياسر أخرجه الطبراني كما في «المجمع» (10/ 192) وقال الهيثمي: وإسناده جيد اهـ. - ومن ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» (11842) وقال الهيثمي: وفيه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عبيد الله العرزمي، وهو ضعيف اهـ. - ومن حديث أبي تميمة الهجيمي أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5311) وفي إسناده هشام بن لاحق، وهو ضعيف، لكن يصلح للاعتبار بحديثه. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع شواهده، والله أعلم. (1) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف والتصويب من «الأنساب» و «تهذيب الكمال» و «شرح السنة» . (2) في الأصل «سعيد» وهو تصحيف والتصويب من «التقريب» و «شرح السنة» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المخطوط «به» .

[سورة البقرة (2) : آية 285]

«351» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّرَّادُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ أَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النّجوى؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْنِي الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُ: أَيْ عَبْدِي! أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ، ثُمَّ يقول: أَيْ عَبْدِي أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي [1] نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قَالَ: فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكفار وَالْمُنَافِقُونَ [2] فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ الله على الظالمين» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، رَفَعَ الرَّاءَ والباء أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ، وَجَزَمَهُمَا الْآخَرُونَ فَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْجَزْمُ عَلَى النَّسَقِ، رَوَى طاوس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وَاللَّهُ عَلَى كل شيء قدير. [سورة البقرة (2) : آية 285] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) قَوْلُهُ تَعَالَى: آمَنَ الرَّسُولُ، أَيْ: صَدَّقَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ، يَعْنِي: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْفِعْلَ، وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، قرأ حمزة والكسائي «وكتابه» عَلَى الْوَاحِدِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: [الْجَمْعُ وَإِنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ] [3] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ [الْبَقَرَةِ: 213] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: وَكُتُبِهِ بِالْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فيه إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ [4] لَا نُفَرِّقُ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: «لَا يُفَرِّقُ» بِالْيَاءِ، فَيَكُونُ خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ، أَوْ معناه: لا يفرّق [بين] [5] الْكُلُّ، وَإِنَّمَا قَالَ بَيْنَ أَحَدٍ وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحَادٍ، لِأَنَّ الأحد

_ 351- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، قتادة هو ابن دعامة السدوسي. - وهو في «شرح السنة» (4215) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2441 وفي «خلق أفعال العباد» ص (62) وابن حبان 7356 وابن أبي عاصم في «السنة» (604) من طرق عن همام به. - وأخرجه البخاري 2441 و4685 و6070 و7514 ومسلم 2768 وابن ماجه 183 وأحمد 2/ 74 و105 وابن حبان 7355 وابن أبي عاصم 604 و605 وابن مندة في «الإيمان» (790 و1077 و1078 و1079) والطبري 6497 و18089 و18090 والآجري في «الشريعة» ص (268) والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (219- 220) من طرق عن قتادة به. (1) لفظ «في» ليس في «شرح السنة» . [.....] (2) في المطبوع «الكافر والمنافق» . (3) العبارة في المخطوط «الإفراد وإن ذكر بلفظ الجمع» . (4) في المخطوط «وقالوا» . (5) زيادة عن المخطوط.

[سورة البقرة (2) : آية 286]

يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47) [الْحَاقَّةِ: 47] ، وَقالُوا سَمِعْنا، قولك وَأَطَعْنا أمرك. ع «352» روي عن حكيم بن [1] جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهُ، فَسَأَلَ بِتَلْقِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: غُفْرانَكَ. وَهُوَ نَصْبٌ [2] عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيِ: اغْفِرْ غُفْرَانَكَ، [أو على المفعول به] [3] ، أي: نَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ، رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. [سورة البقرة (2) : آية 286] لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، ظَاهِرُ الْآيَةِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ [4] ، وَفِيهَا إِضْمَارُ السُّؤَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَالُوا لَا تُكَلِّفُنَا إِلَّا وُسْعَنَا، فأجاب [5] : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، أَيْ: طَاقَتَهَا، وَالْوُسْعُ: اسْمٌ لِمَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ، وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَذَهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَطَاءٌ وَأَكْثَرُ [6] الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَدِيثَ النَّفْسِ الَّذِي ذكر في قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ خَاصَّةً وَسَّعَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ فِيهِ إِلَّا مَا يَسْتَطِيعُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [الْبَقَرَةِ: 185] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الْحَجِّ: 78] ، وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، قَالَ: إِلَّا يُسْرَهَا وَلَمْ يُكَلِّفْهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأَنَّ الْوُسْعَ مَا دُونُ الطَّاقَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَها مَا كَسَبَتْ، أَيْ: لِلنَّفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ لَهَا أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ وَعَلَيْهَا وِزْرُهُ رَبَّنا لَا تُؤاخِذْنا، أَيْ: لَا تُعَاقِبْنَا إِنْ نَسِينا، جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ السَّهْوُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا نَسُوا شَيْئًا مِمَّا أُمِرُوا به أو أخطؤوا عُجِّلَتْ لَهُمُ الْعُقُوبَةُ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٍ مِنْ مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْأَلُوهُ تَرْكَ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التَّوْبَةِ: 67] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ أَخْطَأْنا، قِيلَ: مَعْنَاهُ الْقَصْدُ وَالْعَمْدُ، يُقَالُ: أَخْطَأَ فُلَانٌ إِذَا تَعَمَّدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الْإِسْرَاءِ: 3] ، قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا يَعْنِي: إِنْ جَهِلْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا، وَجَعَلَهُ الْأَكْثَرُونَ: مِنَ الْخَطَإِ الَّذِي هُوَ الْجَهْلُ وَالسَّهْوُ، لِأَنَّ مَا كَانَ عَمْدًا مِنَ الذَّنْبِ فَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، والخطأ معفوّ عنه.

_ 352- ع مرسل. أخرجه الطبري 6498 عن حكيم بن جابر مرسلا والمرسل من قسم الضعيف عند أهل الحديث. (1) وقع في الأصل «عن» والتصويب عن «تفسير الطبري» و «الدر المنثور» و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (3/ 201) . (2) في المخطوط «منصوب» . (3) سقط من المخطوط. (4) في المطبوع وحده «لحاجته» . (5) في المطبوع وط «وأجاب» . وزيد فيهما عقبه «أي» . (6) في المخطوط «وكثير من» .

ع «253» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ والنسيان وما استكرهوا عليه» .

_ 253- ع ضعيف، أخرجه ابن ماجه 2045 والبيهقي 7/ 356- 357 من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعا. قال البوصيري في «الزوائد» : إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع والظاهر أنه منقطع بدليل زيادة عبيد بن عمير في الطريق الثاني اهـ ومراده الرواية الآتية. - فقد أخرجه الطحاوي في «المعاني» (3/ 95) وابن حبان 7219 والدارقطني 4/ 170- 171 والطبراني في «الصغير» (765) والحاكم 2/ 198 ح 2801 والبيهقي 7/ 356 من طريق بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مرفوعا به صححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وفيه نظر فإن بشر بن بكر من رجال البخاري فقط، وتابعه أيوب بن سويد عند الحاكم، وهو متروك، وهذا الإسناد ظاهره الصحة لكن قدح فيه أبو حاتم في «العلل» (1296) وقد سأله ابنه محمد، عن حديث رواه الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه الوليد، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وعن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر. فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث، من عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يسمّه أتوهم أنه عبد الله بن عامر أو إسماعيل بن مسلم، ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده اهـ. وقد أبطله الإمام أحمد كما سيأتي. - وله شواهد واهية فقد أخرجه ابن ماجه 4043 من حديث أبي ذر وأعله البوصيري بأبي بكر الهذلي وقال: متفق على تضعيفه. قلت: وله علة ثانية: وهي ضعف أيوب بن سويد، وعلة ثالثة: وهي شهر بن حوشب مدلس، وقد عنعن والظاهر أنه منقطع بينه وبين أبي ذر، فإن أبا ذر قديم الوفاة. - وورد من حديث عقبة بن عامر أخرجه الطبراني 18/ 216 والبيهقي في «السنن» (7/ 357) وقال الهيثمي في «المجمع» (10502) : فيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف!. قلت: بل هو ضعيف، وعنعنه الوليد بن مسلم، وهو يدلس التسوية، وقد أنكر حديثه هذا أبو حاتم كما تقدم آنفا. - وورد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الأوسط» كما في «المجمع» (6/ 250 ح 10506) وأبو نعيم في «الحلية» (6/ 352) والعقيلي 4/ 145/ 1710 وقال الهيثمي: فيه محمد بن المصفّى، وثقه أبو حاتم وغيره، وفيه كلام لا يضر اهـ. والظاهر أنه إسناد مركب، فإن الوليد قال فيه: حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وهذا إسناد كالشمس لو صح عن مالك، وقد أنكره أبو حاتم كما تقدم آنفا وقال البيهقي: ليس بمحفوظ وقال الخطيب الخبر منكر عن مالك اهـ. - وورد من حديث أبي الدرداء أخرجه ابن عدي 3/ 325 والطبراني كما في «نصب الراية» (2/ 65) وفيه أبو بكر الهذلي متروك الحديث وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين وهذا عن غير الشاميين. - وورد من حديث أبي بكرة أخرجه ابن عدي 2/ 50 وأعله بجعفر بن جسر بن فرقد ثم قال: ولعل ما أنكرت عليه من الأسانيد والمتون، لعل ذلك من قبل أبيه، وقد ضعّف أباه بعض المتقدمين اهـ. - وجاء في «تلخيص الحبير» (1/ 281) ما ملخصه: حسنه النووي، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذه الأحاديث، فقال: هذه أحاديث منكرة، كأنها موضوعة. وقال عبد الله بن أحمد في «العلل» سألت أبي عنه فأنكره جدا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن مرسلا. ونقل الخلال عن أحمد قوله: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله عز وجل والسنة، فقد أوجب الله في قتل الخطأ الكفارة. وقال محمد بن نصر المروزي في «كتاب الاختلاف» يروى هذا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا أنه ليس له إسناد جيد يحتج بمثله اهـ. وانظر «تفسير ابن كثير» بتخريجي عند هذه الآية. وخلاصة: القول أنه ضعيف، والمتن مضطرب ولو ثبت هذا الحديث لما خلا من الكتب الأصول، حيث لم يرد في شيء من

قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً أَيْ عَهْدًا ثَقِيلًا وَمِيثَاقًا لَا نَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ فَتُعَذِّبُنَا بِنَقْضِهِ وَتَرْكِهِ، كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا، يَعْنِي: الْيَهُودَ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَعَذَّبْتَهُمْ هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آلِ عِمْرَانَ: 81] ، أَيْ: عَهْدِي، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا تُشَدِّدْ وَلَا تُغْلِظِ الْأَمْرَ عَلَيْنَا كَمَا شَدَدْتَ عَلَى مَنْ قَبِلْنَا مِنَ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ: أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً وَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ رُبْعِ أَمْوَالِهِمْ فِي [1] الزَّكَاةِ وَمَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ قَطَعَهَا، وَمَنْ أَصَابَ ذنبا أصبح ذنبه مكتوبا عَلَى بَابِهِ، وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَثْقَالِ وَالْأَغْلَالِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَعَطَاءٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الْأَعْرَافِ: 157] ، وَقِيلَ: الْإِصْرُ ذَنْبٌ لَا تَوْبَةَ لَهُ، مَعْنَاهُ: اعْصِمْنَا مِنْ مِثْلِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْعَقْلُ [2] وَالْإِحْكَامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ، أَيْ: لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُهُ، وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ، حُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْغُلْمَةُ، [قِيلَ: الْغُلْمَةُ شِدَّةُ الشَّهْوَةِ] [3] ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: هُوَ الْحُبُّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبد الوهّاب قال: [هو] الْعِشْقُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، وَقِيلَ: هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاعْفُ عَنَّا، أَيْ: تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا، وَاغْفِرْ لَنا: اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا وَلَا تَفْضَحْنَا وَارْحَمْنا فَإِنَّنَا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ إِلَّا بِطَاعَتِكَ وَلَا نَتْرُكُ مَعْصِيَتَكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ، أَنْتَ مَوْلانا نَاصِرُنَا وَحَافَظُنَا وَوَلِيُّنَا، فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. ع «354» رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: غُفْرانَكَ رَبَّنا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا، قال: «لا أؤاخذكم» ، رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً قَالَ: «لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ إِصْرًا» ، وَلا تُحَمِّلْنا مَا لَا طاقَةَ لَنا بِهِ قَالَ: «لَا أُحَمِّلُكُمْ» ، وَاعْفُ عَنَّا إلى آخرها، قال: «عَفَوْتُ عَنْكُمْ وَغَفَرْتُ لَكُمْ وَرَحِمْتُكُمْ وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» . وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ إِذَا خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، قَالَ: آمِينَ. «355» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا محمد بن عيسى الجلودي

_ الكتب الستة سوى عند ابن ماجه، ولم يروه مالك في «الموطأ» ولا أحمد في «المسند» ، ولا الشافعي في «السنن» و «الأم» مع احتياج الفقهاء له لو صح، والله أعلم. 354- حسن. أخرجه الطبري 6531 عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا انْتَهَى إلى قوله (غفرانك ربنا) قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «قَدْ غفرت لكم ... » فذكره وفي إسناده عطاء بن السائب، صدوق لكن اختلط، وقد توبع، فقد أخرجه الطبري 6534 من وجه آخر عن ابن عباس، وله شاهد من مرسل السدي، أخرجه برقم 6533، ولأصله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه برقم 6535 وانظر «تفسير ابن كثير» (1/ 346- 347- 348) . [.....] 355- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو أسامة هو حماد بن أسامة، مرّة هو ابن شراحيل الهمداني، عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ. - وهو في «شرح السنة» (3650) بهذا الإسناد. (1) في المطبوع «من» . (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «العقد» . (3) زيد في المطبوع وط.

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ [1] عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عدي عن طلحة [2] بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ [بِهِ مِنْ] [3] فَوْقَهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشى (16) ، قَالَ: فراش من ذهب، قال: فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ [شَيْئًا مِنَ] [4] الْمُقْحِمَاتِ [كَبَائِرِ الذنوب] [5] . «356» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الِاسْفَرَايِينِيُّ [6] أَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بن إسحاق الحافظ أنا يونس وأحمد بن شيبان [7] قالا: ثنا سفيان بن عيينة عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبي [8] مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأهما في ليلة كفتاه» ، [أي عن قيام الليل] [9] .

_ - أخرجه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (1/ 157) (173) وأخرجه أحمد 1/ 387 من طريق مالك بن مغول به. - وفي الباب من حديث ابن عباس أخرجه مسلم 806 والنسائي 2/ 138. (1) في الأصل «مسعود» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (2) زيد في الأصل بعد لفظ- طلحة «بن علي» وهو إقحام من النساخ لذا حذفتها. (3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) زيد في المطبوع وط، ولفظ «شيئا» مثبت في «شرح السنة» أيضا. (5) زيادة عن- ط- ونحوه في «شرح السنة» وأتم منه. (6) في الأصل «عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (7) في الأصل «ثنان» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (8) في الأصل «ابن» وهو تصحيف. (9) زيد في المطبوع وحده. [.....] 356- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، منصور هو ابن المعتمر، إبراهيم هو ابن يزيد النخعي، أبو مسعود هو عقبة بن عمرو. - وهو في «شرح السنة» (1193) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5009 والنسائي في «اليوم والليلة» (718) وأحمد 4/ 122 وابن حبان 781 من طرق عن سفيان بن عيينة به. - وأخرجه مسلم 807 ح 255 وأبو داود 1397 والترمذي 3881 والنسائي 719 وابن ماجه 1369 والطيالسي 2/ 10 وأحمد 4/ 121 والدارمي 1/ 349 من طرق عن منصور به. - وأخرجه البخاري 5008 ومسلم 88 من طريق الأعمش بن إبراهيم به. - وأخرجه البخاري 5040 ومسلم 808 والنسائي 721 والطيالسي 2/ 10 من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن، عن أبي مسعود به. - وأخرجه مسلم 808 ح 256 والنسائي 720 وابن ماجه 1368 وأحمد 4/ 221 من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن أبي مسعود به.

سورة آل عمران [مدنية]

«357» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زنجويه أنا العلاء بن عبد الجبار أنا حماد بن سلمة أخبرنا الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الأشعث الصنعاني عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الله تعالى كتب كتابا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، فلا تقرءان في [دار] [2] ثلاث ليال فيقربها شيطان» . سورة آل عمران [مدنية] [3] [سورة آل عمران (3) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) قَوْلُهُ تَعَالَى: الم (1) اللَّهُ. «358» قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ [4] فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم وفيه أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَفِي الْأَرْبَعَةِ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَؤُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمُ، الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمُ الَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ ثِمَالُهُمْ [5] وَصَاحِبُ رحلهم ومجتمعهم وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ علقمة وهو أسقفهم وحبرهم، دخلوا

_ 357- حديث حسن. إسناده حسن، رجاله رجال مسلم غير أشعث بن عبد الرحمن، وهو صدوق، أبو قلابة- بكسر القاف- هو عبد الله بن زيد الجرمي، أبو الأشعث هو شراحيل بن آدة. - وهو في «شرح السنة» (1195) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2882 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (973) وفي «الكبرى» (10803) . وأحمد 4/ 74 وابن حبان 782 والدارمي 2/ 449 والحاكم 1/ 562 و2/ 260 من طرق عن حماد بن سلمة به. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، واستغربه المصنف في «شرح السنة» وأخرجه النسائي 972 وفي «الكبرى» (10802) من طريق ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب السختياني، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي صالح الحارثي، عن النعمان به وإسناده لين، أبو صالح الحارثي مقبول كما في «التقريب» لكن يصلح للاعتبار بحديثه. - وله شاهد من حديث شداد بن أوس أخرجه الطبراني 7146 لكن فيه أشعث بن عبد الرحمن، وهو في إسناده حديث النعمان المتقدم، وعلى هذا قد توبع من طريق فيه جهالة، وصدره فيه غرابة، ولعجزه شواهد كثيرة. 358- أخرجه الطبري 6540 وابن هشام في «السيرة» (2/ 164) من طريق ابن إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بن الزبير به. وكذا ذكره ابن كثير في «التفسير» (1/ 376) من طريق ابن إسحاق، وعزاه المصنف للكلبي والربيع بن أنس وغيرهما، وإسناده إليهما أول الكتاب، وتقدم، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (190) نقلا عن المفسرين. وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (5/ 382- 384) وهذه المراسيل تتأيد بمجموعها. (1) في الأصل «الزيات» وهو تصحيف. 2 سقط من المطبوع. 3 سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «الآية» . (5) ثمال القوم: أصلهم الذين يرجعون إليه، ويقوم بأمورهم وشؤونهم والثمال أيضا: الملجأ والغياث، والمطعم في الشدة.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 3 الى 6]

مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ في جمال رجال بني [1] الحارث بن كعب يقول [بعض من رآهم مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم] [2] : مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، [فأراد الناس منعهم] [3] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُمْ» فَصَلَّوْا إِلَى المشرق، فتكلم السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أسلما» ، قالا: قد أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، قَالَ: «كَذَبْتُمَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ادِّعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا وعبادتكما للصليب وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ» ، قَالَا: إِنْ لَمْ يكن ولدا لله فمن أَبُوهُ؟ وَخَاصَمُوهُ جَمِيعًا فِي عِيسَى، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ» ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «ألستم تعلمون أن ربنا حيّ لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء» ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ» ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا» ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ» ؟ قَالُوا: بَلَى، قال: «فهل يعلم عيسى من ذلك إِلَّا مَا عُلِّمَ» ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ [4] ، وَرَبُّنَا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ» ، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيُّ، ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ وَيُحْدِثُ» ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ» ؟ [5] فَسَكَتُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: الم (1) اللَّهُ. مَفْتُوحُ الْمِيمِ مَوْصُولٌ [6] عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا فَتْحُ الْمِيمِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، حُرِّكَ إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ، وَقَرَأَ أَبُو يوسف ويعقوب بن خليفة الأعمش عَنْ أَبِي بَكْرٍ الم (1) اللَّهُ مقطوعا مسكن الْمِيمَ عَلَى نِيَّةِ الْوَقْفِ، ثُمَّ قَطَعَ الْهَمْزَةَ لِلِابْتِدَاءِ وَأَجْرَاهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقْطَعُ أَلِفَ الْوَصْلِ، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ ابْتِدَاءٌ وَمَا بعده خبره، والْحَيُّ الْقَيُّومُ نعت له. [سورة آل عمران (3) : الآيات 3 الى 6] نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ، أَيِ: الْقُرْآنَ، بِالْحَقِّ: بِالصِّدْقِ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ في التوحيد والنبوّة وَالْأَخْبَارِ وَبَعْضِ الشَّرَائِعِ، وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أُنْزِلَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ: نَزَّلَ لِأَنَّهُ نَزَلَ مُفَصَّلًا، وَالتَّنْزِيلُ: لِلتَّكْثِيرِ، وَالتَّوْرَاةُ، قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: أَصْلُهَا وَوْرَيَةٌ عَلَى وَزْنِ:

_ (1) في الأصل «وإذا» والتصويب من «أسباب النزول» للواحدي و «سيرة ابن هشام» و «تفسير ابن كثير» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من المصادر السابقة. (3) زيادة عن المخطوط وحده، ليست في كتب التفسير والسير، وقد أثبتها لأن فيها فائدة وضوح السياق. (4) زيد في- ط «وربنا ليس بصورة، وليس له مثل» وليست في المخطوط والمطبوع ولا في «أسباب النزول» . (5) زيد في المخطوط «أن يكون ابن الله» وليست في شيء من كتب التخريج. (6) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «موصولة» . [.....]

فَوْعَلَةٍ مِثْلَ دَوْحَلَةٍ [1] وَحَوْقَلَةٍ فَحُوِّلَتِ الْوَاوُ الْأُولَى تَاءً وَجُعِلَتِ الْيَاءُ الْمَفْتُوحَةُ أَلِفًا فَصَارَتْ تَوْرَاةً، ثُمَّ كتبت ياء [2] عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُهَا تَفْعِلَةٌ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ وَتَوْفِيَةٍ، فَقُلِبَتِ [الْيَاءُ] [3] أَلِفًا عَلَى لُغَةِ طَيِّئٍ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْجَارِيَةِ جَارَاةً [4] ، وللناصية ناصاة، وَأَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَرَى الزَّنْدُ إِذَا خَرَجَتْ نَارُهُ وَأَوْرَيْتُهُ أَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) [الْوَاقِعَةِ: 71] ، فَسُمِّيَ التَّوْرَاةَ لِأَنَّهَا نُورٌ وَضِيَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 48] ، وقيل: [هي] [5] من التورية وَهِيَ كِتْمَانُ السِّرِّ وَالتَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، وَكَانَ [6] أَكْثَرُ [7] التَّوْرَاةِ مَعَارِيضَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، وَالْإِنْجِيلُ: إِفْعِيلٌ [8] مِنَ النَّجْلِ وَهُوَ الْخُرُوجُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْوَلَدُ نَجْلًا لِخُرُوجِهِ، فَسُمِّيَ الْإِنْجِيلُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ بِهِ دَارِسًا مِنَ الْحَقِّ عَافِيًا [قيل] [9] : هُوَ مِنَ النَّجَلِ وَهُوَ سَعَةُ الْعَيْنِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ توسعة [10] لَهُمْ وَنُورًا، وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ توروتور [11] ، [و] مَعْنَاهُ: الشَّرِيعَةُ، وَالْإِنْجِيلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: أنقليون [12] ، ومعناه: الإكليل. قَوْلُهُ تَعَالَى: هُدىً لِلنَّاسِ، هَادِيًا لِمَنْ تَبِعَهُ، وَلَمْ يُثَنِّهِ لِأَنَّهُ مصدر، وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ، [ليفرّق] [13] بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهَا: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ هُدًى لِلنَّاسِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ، [من الصور المختلفة] [14] ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وهذا ردّ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، وكأنه يقول: كيف يكون ولدا وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّحِمِ؟ «359» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ [15] بْنُ أَحْمَدَ بْنِ محمد

_ 359- إسناده على شرط البخاري، الأعمش هو سليمان بن مهران. - وهو في «شرح السنة» (70) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق أبي القاسم البغوي في «الجعديات» (2688) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3208 و3332 ومسلم 2643 وأبو داود 4708 والترمذي 2137 والنسائي في «الكبرى» (11246) وابن ماجه 76 والحميدي 126 وأحمد 1/ 382 و430 وابن أبي عاصم في «السنة» (175 و176) وأبو يعلى 5157 واللالكاني في «أصول الاعتقاد» (1040 و1041 و1042) والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (387) وفي «الاعتقاد» ص (137- 138) من طرق عن الأعمش به. - وأخرجه البخاري 6594 و7454 ومسلم 2643 وأبو داود 4708 والطيالسي 298 والدارمي في «الرد على الجهمية» (1) في المطبوع وحده «دوخلة» . (2) في المطبوع وط «بالياء» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) زيد في المخطوط وط «وللتوصية توصاة» وهو مقحم، راجع البحر (2/ 387) . (5) في المخطوط «هو» . (6) عند القرطبي «فكأن» (4/ 5) . (7) في المطبوع «في» بدل «أكثر» . (8) في المخطوط «تفعيل» والمثبت عن المطبوع وط- والقرطبي (4/ 5) . (9) في المطبوع وط «ويقال» . (10) في المطبوع وط «سعة» . (11) في المخطوط «تورية» وهو خطأ. (12) كذا في المطبوع والمخطوط، وعند القرطبي (4/ 6) «إنكليون» . (13) في المطبوع وط «المفرق» . [.....] (14) زيد في المطبوع. (15) في الأصل «عبد الرحيم» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني.

[سورة آل عمران (3) : آية 7]

الْأَنْصَارِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ [1] بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ [خَلْقَ] [2] أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ أَوْ قَالَ: يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، قَالَ: وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ [فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ] [3] فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» . «360» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النطفة بعد ما تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ [وَأَثَرُهُ] [4] وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُطْوَى الصحف، فلا يزاد فيها [و] لا ينقص» . [سورة آل عمران (3) : آية 7] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ، مُبَيِّنَاتٌ مُفَصَّلَاتٌ سُمِّيَتْ مُحْكَمَاتٍ من الإحكام، [لإحكامها] [5] فَمَنَعَ الْخَلْقَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِظُهُورِهَا وَوُضُوحِ مَعْنَاهَا، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ،

_ ص (81) وابن حبان 4174 من طرق عن شعبة عن الأعمش به. 360- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الطفيل اسمه عامر بن واثلة، صحابي صغير أكثر رواياته عن الصحابة، توفي سنة 110، وهو آخر من مات من الصحابة قاله مسلم وغيره. - أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (2644) بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 4/ 6- 7 والآجري في «الشريعة» ص (182- 183) وابن أبي عاصم في «السنة» 80 من طريق سفيان بن عيينة به. - وورد من وجه آخر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة به. أخرجه مسلم 2645 والحميدي 826 وابن حبان 6177 واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (1045 و1047) والآجري ص 183- 184 والطبراني 3036 و3043 و3045. (1) في الأصل «زين» والتصويب من «كتب التراجم» . (2) زيادة عن المخطوط وط- و «شرح السنة» . (3) سقط من المخطوط. (4) سقط من المطبوع وط. (5) في المطبوع وط «كأنه أحكمها» .

أي: أصله الذي يعول [1] عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا قَالَ: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ، وَلَمْ يَقُلْ: أُمَّهَاتِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي تَكَامُلِهَا وَاجْتِمَاعِهَا كَالْآيَةِ الْوَاحِدَةِ، وكلام الله تعالى وَاحِدٌ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كُلُّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [الْمُؤْمِنُونَ: 50] ، أَيْ: كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، وَأُخَرُ، جَمْعُ أُخْرَى، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الْآخَرِ مِثْلَ: عُمَرَ وَزُفَرَ، مُتَشابِهاتٌ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ فَرَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ المحكم والمتشابه وقد جعل الله كُلَّ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، فَقَالَ: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ [هود: 1] ، وجعل كُلَّهُ مُتَشَابِهًا [فِي مَوْضِعٍ آخَرَ] [2] فَقَالَ: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً [الزُّمَرِ: 23] ؟ قِيلَ: حَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُحْكَمًا أَرَادَ أَنَّ الْكُلَّ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ عَبَثٌ وَلَا هَزْلٌ، وَحَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُتَشَابِهًا أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بعضا في الحق والصدق [3] والحسن، وجعل بعضه هاهنا مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُحْكَمَاتُ هُنَّ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 151] ، وَنَظِيرُهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الْإِسْرَاءِ: 23] الْآيَاتِ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُتَشَابِهَاتُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [الْبَقَرَةِ: 26] ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [يُونُسَ: 100] ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهُ الْمَنْسُوخُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مُحْكَمَاتُ الْقُرْآنِ: نَاسِخُهُ، وَحَلَالُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ، وَيُعْمَلُ بِهِ وَالْمُتَشَابِهَاتُ: مَنْسُوخُهُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وقيل: المحكم [4] مَا أَوْقَفَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنَاهُ. وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تعالى بعلمه، ولا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، نَحْوَ الخبر عن أشراط الساعة، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وقيام الساعة، وفناء الدنيا. قال أحمد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا. وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا يعرف معناه وتكون حجّته واضحة، ودلائله لائحة لا يشتبه، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَعْرِفُ الْعَوَامُّ تَفْصِيلَ الْحَقِّ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُحْكَمُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى غيره. ع «361» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ بَاذَانَ: الْمُتَشَابِهُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بن الأشرف ونظراؤهما أتوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ حُيَيٌّ: بَلَغَنَا أنه أنزل عليك الم (1) ننشدك الله أأنزلت عَلَيْكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ: فَإِنْ كان

_ 361- ع باطل. أخرجه الطبري 246 عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس، عن جابر مطوّلا والكلبي متهم بالكذب، وقد أقرّ للثوري بالكذب، فقال: كل ما حدثتك عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عباس فهو كذب. راجع «الميزان» 3/ 557 للذهبي، أبو صالح اسمه باذام، ويقال: باذان، رواياته عن ابن عباس باطلة. (1) في المخطوط وط «يعمل» والمثبت يناسب لفظ «عليه» . (2) زيادة عن- ط-. (3) زيد في المطبوع «في» . (4) في المطبوع «المحكمات» . [.....]

ذَلِكَ حَقًّا فَإِنِّي أَعْلَمُ مُدَّةَ مُلْكِ أُمَّتِكَ هِيَ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، فَهَلْ أُنْزِلَ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «نعم: المص (1) [الأعراف: 1] » ، قَالَ: فَهَذِهِ أَكْثَرُ، هِيَ إِحْدَى وسبعون وَمِائَةُ سَنَةٍ، قَالَ: فَهَلْ غَيْرُهَا؟ قال: «نعم، الر [هود: 1] » ، قَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وإحدى وسبعون سَنَةٍ، [قَالَ] [1] : فَهَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «نعم المر [الرعد: 1] » ، قَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وإحدى وسبعون سنة، ولقد غلظت عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي أَبِكَثِيرِهِ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلِهِ، وَنَحْنُ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، أَيْ: مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَقِيلَ: شَكٌّ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ الرَّبِيعُ: هم وفد نجران الذين [2] خَاصَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: بلى، قالوا: حسبنا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمُ الْيَهُودُ طَلَبُوا علم أجل هذه الأمة واستخراجه [3] بِحِسَابِ الْجُمَّلِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْخَوَارِجُ. وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا الْحَرُورِيَّةَ وَالسَّبَئِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟ وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ. «362» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: طَلَبَ الشِّرْكِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتِغَاءَ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ لِيُضِلُّوا بِهَا جُهَّالَهُمْ، وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: تَفْسِيرِهِ وَعِلْمِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً [الكهف: 78] ، وقيل: ابتغاء [4] عاقبته، وطلب أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حِسَابِ الجمل،

_ 362- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عبد الله بن مسلمة هو القعنبي، أثبت الناس في «الموطأ» ، ابن أبي مليكة، هو عبد الله بن عبيد الله، محمد والد القاسم هو ابن أبي بكر الصديق. - وهو في «شرح السنة» (106) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (4547) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2665 وأبو داود 4598 والترمذي 2993 و2994 وأحمد 6/ 256 وابن حبان 73 والدارمي 1/ 55 والطحاوي في «المشكل» (3/ 208) والبيهقي في «الدلائل» (6/ 545) من طريق يزيد بن إبراهيم بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2993 وابن ماجه 47 وأحمد 6/ 48 وابن حبان 76 والطحاوي في «المشكل» (3/ 207 و208) من طرق عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائشة. قال الترمذي: هكذا روى غير واحد هذا الحديث عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائشة، ولم يذكروا فيه القاسم بن محمد.... اهـ. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في الأصل «إن» والتصويب عن «تفسير الطبري» (6599) . (3) في المخطوط «استخرجها» . (4) لفظ «ابتغاء» ليس في المخطوط.

دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] ، أَيْ: عَاقِبَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَاوُ الْعَطْفِ، يَعْنِي: أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: يَقُولُونَ حَالًا مَعْنَاهُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [1] قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ، هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى [الْحَشْرِ: 7] ، ثُمَّ قَالَ: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الْحَشْرِ: 8] ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الْحَشْرِ: 9] ثُمَّ قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الْحَشْرِ: 10] ، وَهَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، ثُمَّ قَالَ: يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [الْحَشْرِ: 10] ، يعني: هم مع استحقاقهم للفيء يَقُولُونَ: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا، أَيْ: قَائِلِينَ عَلَى الْحَالِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العلم، وقال مُجَاهِدٍ: أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وَرِوَايَةُ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ، وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ، وَقَالُوا: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ [2] تَأْوِيلٌ اسْتَأْثَرَ الله بعلمه ولم يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، كَمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَحْوِهَا. وَالْخَلْقُ مُتَعَبِّدُونَ فِي الْمُتَشَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَفِي الْمُحْكَمِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ، وَمِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ «إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ، وَالرَّاسِخُونَ في العلم يقولون آمنّا» ، وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ: «وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ» ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالُوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ من عند ربنا. وهذا القول أَقْيَسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، [أَيِ: الدَّاخِلُونَ فِي الْعِلْمِ] [3] هُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْرِفَتِهِمْ شَكٌّ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُسُوخِ الشَّيْءِ [فِي الشَّيْءِ] [4] وَهُوَ ثُبُوتُهُ، يُقَالُ: رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ، يَرْسُخُ رُسْخَا وَرُسُوخًا، وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي العلم مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ، مَثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [النساء: 162] ، يعني: الدارسون [5] علم التوراة والإنجيل، وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، قَالَ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِمَا عَلِمَ الْمُتَّبِعُ لَهُ [6] . وَقِيلَ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ مَنْ وُجِدَ فِي عِلْمِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: التَّقْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالزُّهْدُ [7] بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِهِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَاسِخِينَ [8] فِي الْعِلْمِ، فَرُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ قَوْلُهُمْ آمَنَّا بِهِ، أَيْ: بِالْمُتَشَابِهِ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَمَا عَلِمْنَا وَمَا لم نعلم، وَما يَذَّكَّرُ: [و] ما يَتَّعِظُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: ذوو العقول.

_ (1) زيد في المطبوع وحده «مع علمهم» . (2) في المطبوع «في القرآن» بدل «للقرآن» . (3) زيد في المطبوع وط. (4) زيد في المطبوع وط. (5) في المخطوط «المدارسين» . (6) في المطبوع «لما علم» بدل «له» والمثبت عن- ط. (7) في المخطوط «وزهده» . (8) في المخطوط «راسخون» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 11]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 8 الى 11] رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا، أَيْ: ويقول الراسخون [في العلم] [1] : رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا، أَيْ: لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى كَمَا أَزَغْتَ قُلُوبَ الَّذِينَ فِي قلوبهم زيغ [فضلّوا وأضلوا] [2] ، بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا، وَفَّقْتَنَا لِدِينِكَ وَالْإِيمَانِ بِالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ، وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ: أَعْطِنَا مِنْ عِنْدِكَ، رَحْمَةً، تَوْفِيقًا [3] وَتَثْبِيتًا لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَجَاوُزًا وَمَغْفِرَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. «363» أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو بكر [4] عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ، يُعْرَفُ بِابْنِ الرَّوَّاسِ الْكَبِيرِ بِدِمَشْقَ، أَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ أَنَا صَدَقَةُ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [5] [بْنُ يَزِيدَ] [بْنِ] جابر حدّثني بسر [6] بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أصابع الرحمن، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ [7] ، وإن شاء أن يقيمه أقامه» ، [قال:] [8] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [9] يَقُولُ: «اللَّهُمَّ يَا مقلّب القلوب

_ 363- حديث صحيح. إسناده صحيح على شرط البخاري، عبد الأعلى فمن فوقه رجال البخاري ومسلم غير صدقة، فإنه من رجال البخاري، ومن دون عبد الأعلى توبعوا، صدقة هو ابن خالد الأموي الدمشقي، أبو إدريس هو عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. - وهو في «شرح السنة» بإثر رقم: (88) بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن ماجه 199 وابن أبي عاصم في «السنة» (219) من طريق صدقة بن خالد بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن مندة في «التوحيد» (511) والبغوي في «شرح السنة» (88) من طريق الوليد بن مسلم قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يزيد.... فذكره بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» (7738) وأحمد 4/ 182 والآجري في «الشريعة» ص (317) وابن حبان 943 والحاكم 2/ 289 وابن مندة 511 من طريق عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جابر به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح اهـ. - ومن وجه آخر، أخرجه ابن مندة في «التوحيد» (512) من حديث النواس وقال: هذا إسناد متصل صحيح اهـ. وله شواهد انظر الحديث المتقدم برقم: 286. [.....] (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «توثيقا» . (4) في الأصل «أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التراجم» . (5) في الأصل «ابن عبد الرحمن» والتصويب من «كتب التخريج» وكتب «التراجم» . (6) في الأصل «بشر» وهو تصحيف. (7) في العبارة تقديم وتأخير في المطبوع والمثبت عن المخطوط وط و «شرح السنة» . (8) زيادة عن «شرح السنة» . (9) زيد في المخطوط وحده «كثيرا ما» .

ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . «364» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ [أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ] إِيَاسٍ [1] الْجُرَيْرِيُّ [2] عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تقلّبها الرياح ظهرا لبطن» . قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ، أَيْ: لِقَضَاءِ [3] يَوْمٍ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى: فِي [أَيْ فِي] [4] يَوْمٍ، لَا رَيْبَ فِيهِ، أَيْ: لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ، وهو مِفْعَالٌ، مِنَ الْوَعْدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ: لَنْ تَنْفَعَ وَلَنْ تَدْفَعَ، عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مِنْ بِمَعْنَى عِنْدَ، أَيْ: عِنْدَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ: كفعل آل فرعون وصنيعهم [مع نبيّهم] [5] في الكفر والتكذيب [به وبما جاء] [6] ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَأَمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ وَشَأْنِهِمْ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، يُرِيدُ عَادَةَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ [7] وَجُحُودِ الْحَقِّ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ: كَفَّارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ، كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ، فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ، بِذُنُوبِهِمْ، وقيل:

_ 364- حديث صحيح. عبد الرحيم بن منيب لم أجد من ترجمه إلا أنه ذكر بأنه ممن روى عنهم حاجب بن أحمد الطوسي كما تقدم، وبكل حال، فقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم غير غنيم، فإنه من رجال مسلم. - وهو في «شرح السنة» (86) بهذا الإسناد. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» (753) عن حاجب بن أحمد بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 4/ 419 وابن أبي عاصم في «السنة» (227) من طريق آخر عن يزيد بن هارون به، وهذا إسناده صحيح على شرط مسلم. - وأخرجه ابن ماجه 88 وابن أبي عاصم 228 من طريق يزيد الرقاشي عن غنيم بن قيس به. - وأخرجه أحمد 19163 والبيهقي 752 من طريق عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ عاصم الأحول، عن أبي كبشة، عن أبي موسى به. وصدره عند أحمد «مثل الجليس الصالح ... » وعند البيهقي «إنما سمي القلب من تقلبه ... » وحسّن إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (3/ 46) . - وله شاهد من حديث أنس أخرجه البزار (44) والقضاعي في «مسند الشهاب» (1369) والبيهقي 751 من طريق أبي بكر بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أبي سفيان عنه. وإسناده ضعيف. لكن يصلح شاهدا لما قبله، وفي الباب أحاديث. (1) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. (2) في الأصل «الحميري» وهو تصحيف والتصويب من كتب «التخريج» و «التراجم» . (3) في المطبوع «لانقضاء» . (4) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «الرسل» وفي المخطوط «بالرسول» والمثبت عن- ط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13]

نَظْمُ الْآيَةِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ [1] عِنْدَ حُلُولِ النِّقْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ [بهم] [2] ، مِثْلَ آلِ فِرْعَوْنَ وَكُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، أَخَذْنَاهُمْ فَلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم ولا أولادهم، [من عذاب الله شيئا] [3] ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 12 الى 13] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) . قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، أَيْ: أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَابِ، أَيْ: قُلْ لهم [يا محمد] [4] إنّكم ستغلبون وتحشرون [إلى جهنم] [5] . ع «365» وقال مُقَاتِلٌ: أَرَادَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، مَعْنَاهُ: قُلْ لِكُفَّارِ مَكَّةَ سَتُغْلَبُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ: «إِنَّ اللَّهَ غَالِبُكُمْ وَحَاشِرُكُمْ إِلَى جَهَنَّمَ» . وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْيَهُودُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَنْ أَبِي [6] صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ يَهُودَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا لَمَّا هَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذَا وَاللَّهِ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ [مُوسَى] [7] ، لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَأَرَادُوا اتِّبَاعَهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَى وقعة [له] [8] أُخْرَى، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَنُكِبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، شَكُّوا، فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءُ، فَلَمْ يُسْلِمُوا، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ الْعَهْدَ، وَانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي ستين راكبا إلى مكة يستفزهم [9] ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الآية [10] . ع «366» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رِجَالِهِ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَيْضًا: أَنَّهُ [11] لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سوق بني قينقاع، وقال:

_ 365- ع عزاه المصنف لمقاتل، ولم ينسبه، فإن كان ابن سليمان، فهو كذاب، وإن كان ابن حيان، فهو غير قوي، والخبر معضل غير صحيح بكل حال، وإسناد المصنف إلى مقاتل في أول الكتاب. 366- ع أخرجه أبو داود 3001 وابن جرير 6663، من حديث ابن عباس وفيه محمد بن أبي محمد وهو مجهول، وإن وثقه ابن حبان فقد نص على جهالته الذهبي وابن حجر. لكن يتقوى بما أخرجه ابن جرير 6664 عن قتادة مرسلا بنحوه و6667 من وجه آخر عن عكرمة، وذكره الواحدي 192 عن ابن إسحاق بهذا السياق. (1) زيد في المخطوط هاهنا العبارة الآتية بين معقوفتين. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع هاهنا، وليست هذه العبارة في- ط- أصلا. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في الأصل «ابن صالح» وهو تصحيف. (7) في المطبوع «وسمى» بدل «موسى» . (8) زيادة عن المخطوط و «أسباب النزول» . (9) في المخطوط «يستنفرهم» . [.....] (10) هذا إسناد ساقط، الكلبي متروك متهم، وأبو صالح لم يلق ابن عباس. (11) زيادة عن المخطوط.

«يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ مَا نَزَلَ بِهِمْ، فَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ» ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أَغْمَارًا لَا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم [1] فُرْصَةً، وَإِنَّا وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْنَاكَ لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، يعني اليهود. سَتُغْلَبُونَ: تهزمون في الدنيا في قتالكم محمّدا وَتُحْشَرُونَ فِي الْآخِرَةِ إِلى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ الْمِهادُ: الْفِرَاشُ [2] ، أَيْ: بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ، يَعْنِي: النَّارَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ [قَدْ] كَانَتْ، وَالْآيَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى الْبَيَانِ، أَيْ: قَدْ كَانَ [لَكُمْ] [3] بَيَانٌ، فَذَهَبَ إِلَى الْمَعْنَى، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا ذُكِّرَ لِأَنَّهُ حَالَتِ [4] الصِّفَةُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ فَذُكِّرَ الْفِعْلُ، وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَذَا وَجْهُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ، أَيْ: عِبْرَةً وَدَلَالَةً عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُ إِنَّكُمْ [5] سَتَغْلِبُونَ، فِي فِئَتَيْنِ: فِرْقَتَيْنِ، وَأَصْلُهَا فَيْءُ [6] الْحَرْبِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَفِيءُ إِلَى بَعْضٍ، الْتَقَتا، يَوْمَ بَدْرٍ، فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، طَاعَةِ اللَّهِ، وَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَمِائَتَانِ وستة وثلاثون رجلا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَصَاحِبُ رَايَةِ الْمُهَاجِرِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَاحِبُ رَايَةِ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا وَفَرَسَانِ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، وَفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ، وَأَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ وَكَانَ مَعَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ سِتَّةُ أَدْرُعٍ وَثَمَانِيَةُ سُيُوفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُخْرى كافِرَةٌ، أَيْ: فِرْقَةٌ أُخْرَى كَافِرَةٌ، هم مُشْرِكُو مَكَّةَ وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، رَأْسُهُمْ [7] عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَفِيهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ، وَكَانَتْ حَرْبُ بَدْرٍ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ، يَعْنِي: تَرَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَهْلَ مَكَّةَ مِثْلَيِ [8] عدد الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا حَضَرُوا قِتَالَ بَدْرٍ لِيَنْظُرُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَرَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ ورأوا النصر مَعَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً وَآيَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الرُّؤْيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَرَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ كَمَا هُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ مِثْلَيْهِمْ وَهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ [9] ؟ قِيلَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَعِنْدَهُ دِرْهَمٌ: أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْ [10] هَذَا الدِّرْهَمِ، يَعْنِي: إِلَى مِثْلَيْهِ سِوَاهُ [11] ، فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ دراهم. والتأويل الثاني هو الْأَصَحُّ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي حَالَةٍ أُخْرَى، حَتَّى رَأَوْهُمْ مِثْلَ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْنَاهُمْ [يُضْعَفُونَ عَلَيْنَا، ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ] [12] ، يَزِيدُونَ [عَلَيْنَا] [13] رَجُلًا وَاحِدًا، ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رأوهم

_ (1) في المطبوع «منهم» . (2) زيد في المطبوع «أي» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في المخطوط «جالت القصة» . (5) في المخطوط وط «أنكم» . (6) في المطبوع «أفيء» وفي المخطوط «في» والمثبت عن- ط. (7) في المخطوط وط «رأسهم» . (8) في المطبوع «مثل» . (9) في المطبوع «أمثال» . (10) في المخطوط «مثل» . (11) في المطبوع «سواء» . (12) سقط من المخطوط. [.....] (13) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : آية 14]

عَدَدًا يَسِيرًا أَقَلَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي: تَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ قَالَ أَرَاهُمْ مائة [1] . وقال بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، يَعْنِي: يَرَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ، قَلَّلَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْتَرِئَ [2] الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ، ولا ينصرفوا [عنهم] [3] ، فَلَمَّا أَخَذُوا فِي الْقِتَالِ كَثَّرَهُمُ [اللَّهُ] [4] فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ، لِيَجْبُنُوا، وَقَلَّلَهُمْ فِي أَعْيُنِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَجْتَرِئُوا [عليهم] [5] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الْأَنْفَالِ: 44] . قَوْلُهُ تَعَالَى: رَأْيَ الْعَيْنِ، أَيْ: فِي رَأْيِ الْعَيْنِ، نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصفة، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ، [أي: في] [6] الَّذِي ذَكَرْتُ، لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ، لِذَوِي الْعُقُولِ، وَقِيلَ: لِمَنْ أَبْصَرَ الجمعين. [سورة آل عمران (3) : آية 14] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قَوْلُهُ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ، جَمْعُ شَهْوَةٍ، وَهِيَ مَا تَدْعُو النَّفْسُ إِلَيْهِ، مِنَ النِّساءِ، بَدَأَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ، جَمْعُ قِنْطَارٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ [7] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالضَّحَّاكُ: أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ، وَعَنْهُمَا رِوَايَةٌ أُخْرَى: اثْنَا عشر ألف درهم أو ألف دِينَارٍ، دِيَةُ أَحَدِكُمْ. وَعَنِ الْحَسَنِ قال: الْقِنْطَارُ دِيَةُ أَحَدِكُمْ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَمِائَةُ مَنٍّ [8] وَمِائَةُ رَطْلٍ وَمِائَةُ مِثْقَالٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَقَدْ جاء الإسلام وَبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةُ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَبْعُونَ أَلْفًا. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَقَالَ الْحَكَمُ: الْقِنْطَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ [9] : مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. وَسُمِّيَ قِنْطَارًا مِنَ الْإِحْكَامِ، يُقَالُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: الْمُقَنْطَرَةِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُحَصَّنَةُ الْمُحْكَمَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْكَثِيرَةُ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا فوق بعض. وَقَالَ يَمَانُ [بْنُ رَبَابٍ] [10] : هِيَ المدفونة. وقال السدي: [هي] [11] الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمُضَعَّفَةُ. فَالْقَنَاطِيرُ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، قيل: سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ ولا يبقى، والفضة فضة لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ، أَيْ: تَتَفَرَّقُ، وَالْخَيْلِ: الْخَيْلُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَاحِدُهَا فَرَسٌ، كَالْقَوْمِ وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِمَا، الْمُسَوَّمَةِ قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَسْوِيمُهَا حُسْنُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ: أَسَامَ الخيل

_ (1) ستأتي هذه الروايات في سورة الأنفال إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (2) فِي المخطوط «فيجترئوا» . وليس فيه «المشركون» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيد في المطبوع «لكل أوقية أربعين درهما» وهذه الزيادة ليست في المخطوط وط- ولا في «الدر المنثور» و «تفسير الطبري» . (8) في المخطوط «مد» . (9) في المطبوع «نصرة» . (10) زيادة عن المخطوط. (11) زيد في المطبوع.

[سورة آل عمران (3) : آية 15]

وسوّمها، وقال الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُعَلَّمَةُ من السيماء [وهي] [1] الْعَلَامَةُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: سِيمَاهَا الشَّبَهُ وَاللَّوْنُ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقِيلَ: الْكَيُّ، وَالْأَنْعامِ، جَمْعُ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْحَرْثِ، يَعْنِي: الزَّرْعَ، ذلِكَ، الذي ذكرت، مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مَتَاعٌ يَفْنَى، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ، أَيِ: الْمَرْجِعِ، فِيهِ [إشارة إلى] [2] التزهيد [3] في الدنيا والترغيب في الآخرة. [سورة آل عمران (3) : آية 15] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) قوله تعالى: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ، أي: أخبركم بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ، قرأ الْعَامَّةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْعُدْوَانِ وَالْعِدْوَانِ. «367» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ [4] بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لأهل الجنّة: فيقولون: لبّيك يا ربّنا وسعديك والخير فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فيقولون: يا رب [و] [5] ما لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا [6] وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أحلّ لكم [7] رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 16 الى 18] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

_ 367- إسناده صحيح على شرط البخاري، يحيى بن سليمان هو الجعفي روى له البخاري دون مسلم، ومن فوقه رجال الشيخين، ابن وهب اسمه عبد الله. - وهو عند المصنف في «شرح السنة» (4290) من وجه آخر عن ابن وهب بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (7518) عن يحيى بن سليمان بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2829 وابن مندة في «الإيمان» (820) وابن حبان 7440 وأبو نعيم في «الحلية» 6/ 342 وفي «صفة الجنة» (282) والبيهقي في «البعث» (445) من طرق عن ابن وهب به. - وأخرجه البخاري 6549 ومسلم 2829 والترمذي 2555 والنسائي في «الكبرى» (7749) وأحمد 3/ 88 وابن مندة 820 والبيهقي في «البعث» (445) من طريق ابن المبارك عن مالك به. وهو في «زهد ابن المبارك» برقم: (430) . (1) زيادة عن المخطوط. [.....] (2) زيد في المطبوع. (3) في المخطوط «تزهيد» . (4) في الأصل «زين» وهو تصحيف. (5) زيد في المطبوع وط- وصحيح البخاري، وليس في المخطوط و «شرح السنة» . (6) في المطبوع «يا رب» . (7) في المطبوع «عليكم» .

الَّذِينَ يَقُولُونَ، إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مَحَلَّ الَّذِينَ خَفْضًا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا تَقْدِيرُهُ: أَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا، صدقنا، فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، [أي] [1] : اسْتُرْهَا عَلَيْنَا وَتَجَاوَزْ عَنَّا، وَقِنا عَذابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ، إِنْ شِئْتَ نَصَبْتَهَا عَلَى الْمَدْحِ، وَإِنْ شِئْتَ خَفَضْتَهَا عَلَى النَّعْتِ، يَعْنِي: الصابرين في أداء الأوامر، وَعَنِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَعَلَى [2] الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ وَالصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقانِتِينَ: الْمُطِيعِينَ الْمُصَلِّينَ، وَالْمُنْفِقِينَ أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ [3] ، وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْمُصَلِّينَ بِالْأَسْحَارِ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصبح في الجماعة، وقيد [4] بِالسَّحَرِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا، وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُحْيِي اللَّيْلَ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُولُ: لَا، فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ، [قَعَدَ وأخذ] [5] يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ. «368» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ [6] الْحَسَنُ بْنِ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، أنا قتيبة أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [7] عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى الثلث الأخير، فيقول: أَنَا الْمَلِكُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ، مَنْ ذَا الذي يستغفرني فأغفر له» .

_ 368- إسناده صحيح، أبو العباس السراج فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، سوى سهيل تفرد عنه مسلم، قتيبة هو ابن سعيد، أبو صالح والد سهيل اسمه ذكوان مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (941) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 758 من طريق قتيبة بن سعيد به. - وأخرجه الترمذي 446 وأحمد 2/ 282 و419 وابن خزيمة في «التوحيد» ص (130) من طريق سهيل بن أبي صالح به. - أخرجه البخاري 1145 و6321 ومسلم 758 وأبو داود 1315 وابن خزيمة في «التوحيد» ص (127) وابن أبي عاصم 492 وابن حبان 920 والبيهقي 3/ 2 من طريق مالك عن الزهري، عن الأغر وأبي سلمة، عن أبي هريرة به وهو في «الموطأ» (1/ 214) . وأخرجه مسلم 758 والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (477 و478 و483) وأحمد 2/ 258 و504 والدارمي 1/ 346 وابن أبي عاصم 495 وابن خزيمة ص 129 وابن حبان 919 من طرق من حديث أبي هريرة. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «عن» . (3) زيد في المخطوط وحده «ورسوله» . (4) في المطبوع وط «قيل» . (5) زيد في المطبوع وط- ولفظ «وأخذ» سقط من- ط أيضا. (6) في الأصل «أبو محمد بن الحسن» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. (7) في الأصل «عبد الله» والتصويب من «شرح السنة» و «صحيح مسلم» . و «كتب التراجم» . [.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 19]

وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تَكُنْ أَعْجَزَ مِنْ هَذَا الدِّيكِ يصوّت بالأسحار، وأنت نائم على فراشك. قَوْلُهُ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَصَارَى نجران. ع 36» قال الْكَلْبِيُّ: قَدِمَ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَا الْمَدِينَةَ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فلما دخلا عليه [ورأياه] [1] عرفاه بالصفة [التي رأياها له في كتبهم] [2] ، فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَا لَهُ: وَأَنْتَ أَحْمَدُ؟ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ» ، قَالَا لَهُ: فَإِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهِ آمَنَّا بِكَ وصدقناك، فقال: اسألا [3] ، قالا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَعْظَمِ شَهَادَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَسْلَمَ الرَّجُلَانِ. قَوْلُهُ: شَهِدَ اللَّهُ، أَيْ: بيّن الله، لأن الشهادة تبيين، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ اللَّهُ، وَقِيلَ: عَلِمَ اللَّهُ، [وَقِيلَ: أَعْلَمَ اللَّهُ] [4] أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَخَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، فَشَهِدَ بِنَفْسِهِ [لِنَفْسِهِ] [5] قَبْلَ أن يخلق الخلق حين كان ولم يكن سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا بَرٌّ وَلَا بَحْرٌ، فَقَالَ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وَقَوْلُهُ: وَالْمَلائِكَةُ، أَيْ: وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ [6] ، قِيلَ: مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ: الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ: الإقرار، وَأُولُوا الْعِلْمِ، يَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سلام وأصحابه. وقال السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: [يَعْنِي] [7] جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. قائِماً بِالْقِسْطِ، أَيْ: بِالْعَدْلِ، ونظم الْآيَةِ: شَهِدَ اللَّهُ قَائِمًا [بِالْقِسْطِ] [8] ، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: قائِماً بِالْقِسْطِ، أَيْ: قَائِمًا بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ، أَيْ: مُدَبِّرٌ لَهُ وَمُتَعَهِّدٌ لشأنه [9] ، وفلان قائم بِحَقِّ فُلَانٍ أَيْ: مُجَازٍ لَهُ، فالله تعالى مدبر ورازق ومجاز بِالْأَعْمَالِ، لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. [سورة آل عمران (3) : آية 19] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، يعني: الدين المرضي [لله] [10] الصحيح، كما قال: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [الْمَائِدَةِ: 3] ، وَقَالَ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آلِ عِمْرَانَ: 85] ، وَفَتَحَ الْكِسَائِيُّ الْأَلِفَ مِنْ إِنَّ الدِّينَ رَدًّا عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى، تَقْدِيرُهُ: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَشَهِدَ أن الدين

_ 369- ع ضعيف جدا. عزاه المصنف للكلبي، وإسناده إليه أول الكتاب، وذكره الواحدي 193 عن الكلبي وهذا معضل مع ضعف الكلبي، بل هو متهم، فالأثر واه بمرة. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «نعم» والمثبت عن المخطوط وط. وفي «أسباب النزول» «سلاني» . (4) زيادة عن نسخة- ط-. (5) زيادة عن المخطوط وط. (6) زيد في المخطوط «و» . (7) ليس في المخطوط. (8) ليس في المخطوط. (9) في المطبوع «لأسبابه» . (10) زيادة عن المخطوط.

عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَوْ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَكَسَرَ الْبَاقُونَ الْأَلِفَ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، يُقَالُ: أَسْلَمَ، أَيْ: دَخَلَ فِي السِّلْمِ، وَاسْتَسْلَمَ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَدَلَّ عليه أولياءه، فلا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ: «370» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أبو عمر الفزاري أَنَا أَبُو مُوسَى عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ [1] بْنِ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ، قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْمَشِ، وكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة أردت أن أتحدّر إِلَى الْبَصْرَةِ، فَإِذَا الْأَعْمَشُ قَائِمٌ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) ، ثُمَّ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، قَالَهَا مِرَارًا. قُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ الصبح معه وودعته، ثم قال: قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ آيَةً تُرَدِّدُهَا، فَمَا بَلَغَكَ فِيهَا؟ [قَالَ لي: أو ما بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي] [2] ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا إلى سنة، فمكثت [3] عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَأَقَمْتُ سَنَةً فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ [قَدْ] [4] مَضَتِ السنة، فقال: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [5] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عِنْدِي عَهْدًا وأنا أحقّ

_ 370- ضعيف جدا شبه موضوع. إسناده ضعيف جدا لأجل عمر بن المختار، قال الذهبي في «الميزان» (3/ 331) في ترجمة غالب بعد أن ذكر هذا الحديث: فالآفة من عمر- بن المختار، فإنه متهم بالوضع اهـ وقد أعله الأئمة به كما سيأتي، غالب هو ابن خطّاف، والأعمش هو سليمان بن مهران، أبو وائل هو شقيق بن سلمة، وعبد الله هو ابن مسعود. - وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/ 35- 36) من طريق الحسن بن سفيان، عن عبدان وحمدان بن حفص، عن عمار بن عمر به. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» (2414) من طريق الحسن بن سفيان وأحمد بن داود، عن عمار بن عمر به. - وأخرجه الطبراني في «الكبير» (10453) وابن الجوزي في «العلل» (146 و147 و148) والخطيب في «تاريخ بغداد» (7/ 193) والواحدي 1/ 421 «الوسيط» من طريق عمار بن عمر المختار به، ووقع في الرواية الأولى لابن الجوزي وكذا عند الخطيب «عمار بن عمران» بدل «بن عمر» وهو خطأ. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم تفرد به عمر بن المختار وعمر يحدث بالأباطيل، وفي الطريق الأول عمران، وهو غلط إنما هو «عمار بن عمر» قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به اهـ. وكذا أعله ابن عدي بعمر بن المختار وقال: يحدث بالبواطيل عن يونس بن عبيد وغيره اهـ. وضعفه البيهقي كما في «الدر المنثور» (2/ 21) . والصواب أنه ضعيف جدا شبه موضوع. (1) في الأصل «عمرو» وهو تصحيف. (2) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. [.....] (3) تصحف في المطبوع إلى «فكتبت» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) وقع في الأصل «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما» وهذا ليس في باقي النسخ، والظاهر أنها زيادة من النساخ، والتصويب عن «ط» وكتب التخريج المتقدمة، ثم إن رجال الإسناد كوفيون، فالصواب كونه ابن مسعود فإنه إمام أهل الكوفة.

[سورة آل عمران (3) : آية 20]

مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ، أَدْخِلُوا عَبْدِيَ الْجَنَّةَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نزلت [هذه الآية] [1] فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ، أَيْ: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي: بَيَانَ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وقال الربيع بن أنس: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاسْتَوْدَعَهُمُ التَّوْرَاةَ وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ، حَتَّى أَهْرَقُوا بَيْنَهُمُ الدِّمَاءَ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالِاخْتِلَافُ وَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي بَيَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ، بَغْياً بَيْنَهُمْ، أَيْ: طَلَبًا لِلْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزبير: نَزَلَتْ [هَذِهِ الْآيَةُ] [2] فِي نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَعْنَاهَا [3] : وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيهِ، إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، أَيْ: لِلْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. [سورة آل عمران (3) : آية 20] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ حَاجُّوكَ، أَيْ: خَاصَمُوكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قالوا: ألسنا [عَلَى] [4] مَا سَمَّيْتَنَا بِهِ يَا محمد وإنما الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ نَسَبٌ، وَالدِّينُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَنَحْنُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، أَيِ: انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَلْبِي وَلِسَانِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي، وَإِنَّمَا خُصَّ الوجه لأنه أكرم الجوارح للإنسان، وَفِيهِ بَهَاؤُهُ فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ للشيء فقد خَضَعَ لَهُ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ، وَمَنِ اتَّبَعَنِ، أَيْ: وَمَنِ اتَّبَعَنِي فأسلم كَمَا أَسْلَمْتُ، وَأَثْبَتَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو الْيَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «اتَّبَعَنِي» عَلَى الْأَصْلِ وَحَذَفَهَا الْآخَرُونَ عَلَى الْخَطِّ لِأَنَّهَا [5] فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَقَوْلُهُ: وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ، يَعْنِي: الْعَرَبَ أَأَسْلَمْتُمْ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أي: وأسلموا، كَمَا قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [الْمَائِدَةِ: 91] ، أَيِ: انْتَهُوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، فَقَرَأَ [6] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: أَسْلَمْنَا، فقال لليهود: أتشهدون أن عزيزا عبده ورسوله؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ [أَنْ يَكُونَ عزيز عليه السلام عبدا] [7] ، وَقَالَ لِلنَّصَارَى: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى عَبْدًا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، أَيْ: تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ الْهِدَايَةُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ، عَالِمٌ بِمَنْ يُؤْمِنُ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد لفظ «معناها» في المطبوع وط. (4) سقط من المطبوع. (5) في المطبوع «الخطأ لأنها» . (6) لم أره مسندا. (7) سقط من المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 23]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 23] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، قَرَأَ حَمْزَةُ «وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ» بألف، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ الْوَحْيُ يَأْتِي عَلَى أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتَابٌ [1] فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ [2] ، فَيَقُومُ رِجَالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ أَيْضًا فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ. «371» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ] فَنْجُوَيْهِ الدَّيْنَوَرِيُّ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ النُّهَاوَنْدِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْجَارُودِ [3] أَنَا مُحَمَّدُ بن عمرو بن حنان [4] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قلت لِرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ رَجُلًا أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ» ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَنْ عُبَّادِ بَنِي إسرائيل، فأمروا من قتلوهم [5] بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا فِي آخِرِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَنْزَلَ الْآيَةَ فيهم» . فَبَشِّرْهُمْ: أَخْبِرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ، وَجِيعٍ، وَإِنَّمَا أدخل الفاء على الباء في خبر إِنَّ لتضمن الذين معنى الشرط والجزاء، وَتَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَكْفُرُونَ وَيَقْتُلُونَ فَبَشِّرْهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: إِنَّ زَيْدًا فقائم.

_ 371- إسناده ضعيف لجهالة أبي الحسن مولى بني أسد، وعنه محمد بن حمير، وهو لين الحديث، وله شاهد لكنه ضعيف. وأخرجه الطبري 6777 من طريق محمد بن حفص، عن محمد بن حمير به. وإسناده ضعيف لضعف محمد بن حفص الحمصي، ضعفه ابن مندة كما في «الميزان» . وأخرجه ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 363) والبزار 3314 «كشف» ومداره على أبي الحسن مولى بني أسد، وهو مجهول كما قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 348) . وقال الهيثمي في «المجمع» (12166) : فيه ممن لم أعرفه اثنان اهـ. - وفي الباب من حديث ابن عباس بلفظ «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القيامة من قتل نبيا أو قتله نبي....» أخرجه البيهقي في «الشعب» (7888) وإسناده واه، فيه محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف متروك. (1) زيد في المطبوع «الله» . (2) زيد في المطبوع «أنبيائهم» . (3) في المخطوط «الجاربودي» . [.....] (4) وقع في الأصل «حيان» وهو تصحيف. (5) في المخطوط وط «قتلهم» .

أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ [1] [بَطَلَتْ] أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) ، وَبُطْلَانُ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يُقْبَلَ [2] ، وَفِي الآخرة أن لا يُجَازَى عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ، اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ دُعُوا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقُرْآنَ حُكْمًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَكَمَ الْقُرْآنُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْهُدَى، فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَالَ آخرون: هو [3] التوراة. ع «372» وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: «على ملّة إبراهيم» ، فقالا: إن إبراهيم كان يهوديا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» ، فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. ع «373» وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا، وَكَانَ فِي كِتَابِهِمُ الرَّجْمُ فَكَرِهُوا رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا فِيهِمْ، فَرَفَعُوا أَمْرَهُمَا [4] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ [5] ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو: جُرْتَ عَلَيْهِمَا يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا الرَّجْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بيني وبينكم التوراة» ، فقالوا: قَدْ أَنْصَفَتْنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَعْلَمُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ» ؟ قَالُوا: رَجُلٌ أَعْوَرُ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَّا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَكَانَ جِبْرِيلُ قَدْ وَصَفَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ ابْنُ صُورِيَّا» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ الْيَهُودِ» ؟ قَالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ [فيها الرجم] [6] ، فَقَالَ لَهُ: «اقْرَأْ» ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ كَفَّهُ عَلَيْهَا، وَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَاوَزَهَا، فَقَامَ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْيَهُودِ بِأَنَّ الْمُحْصَنَ وَالْمُحْصَنَةَ إِذَا زَنَيَا وَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَهُودِيَّيْنِ فَرُجِمَا فَغَضِبَ الْيَهُودُ لِذَلِكَ وَانْصَرَفُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ التوراة

_ 372- ع ضعيف، أخرجه الطبري 6778 و6779 من حديث ابن عباس وفيه محمد بن أبي محمد شيخ ابن إسحاق، وهو مجهول لا يعرف. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (195) معلقا بدون إسناد. 373- ع هذا إسناد ساقط، الكلبي متروك متهم، وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس، وأصل الخبر صحيح يأتي في سورة المائدة آية: 41، وليس فيه ذكر نزول الآية، بل فيه قصة الرجم وبعض هذه القصة. (1) زيادة عن- ط-. (2) زيد في المخطوط «الله منه شيء في الدنيا» . (3) في المخطوط «هي» . (4) في المطبوع «أمرهم» . (5) زيد في المخطوط «في الرجم» . (6) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 24 الى 26]

حظا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 24 الى 26] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَالْغُرُورُ: هُوَ الْإِطْمَاعُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ، مَا كانُوا يَفْتَرُونَ، وَالِافْتِرَاءُ: اخْتِلَاقُ الْكَذِبِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ، أَيْ: فَكَيْفَ حَالُهُمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ، لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَوُفِّيَتْ، وُفِّرَتْ [1] كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، أَيْ: جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، أَيْ: لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ على سيئاتهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ: ع «374» قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ فَأَنْزَلَ الله تعالى هذه الآية. ع «375» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ الله عنه: لما فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ. [قَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مِنْ أَيْنَ لمحمد مُلْكُ فَارِسَ وَالرُّومِ؟] [2] وَهُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حَتَّى طَمِعَ فِي مُلْكِ فَارِسَ وَالرُّومِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: قُلِ اللَّهُمَّ. قِيلَ: مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ زِيدَ الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: للميم فيه معنى، ومعناه: يَا أَللَّهُ [3] أُمَّنَا بِخَيْرٍ، أَيِ: اقْصِدْنَا، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: هَلُمَّ إِلَيْنَا، كَانَ أَصْلُهُ هَلْ أُمَّ إِلَيْنَا، ثُمَّ كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ اسْتِخْفَافًا وربما خففوا أيضا فقالوا لا همّ، قَوْلُهُ: مالِكَ الْمُلْكِ، [يَعْنِي: يَا مَالِكَ الْمُلْكِ] [4] ، أَيْ: مَالِكَ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا، وَقِيلَ: يَا مَالِكَ [5] السموات وَالْأَرْضِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: [أَنَا اللَّهُ مَلِكُ الملوك] [6] ، ومالك الملوك [7] قلوب الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي، فَإِنِ الْعِبَادُ أَطَاعُونِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً وَإِنْ عَصَوْنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً، فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ، وَلَكِنْ تُوبُوا إِلَيَّ أَعْطِفْهُمْ عَلَيْكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي ملك النبوة، وقال

_ 374- ع ضعيف. أخرجه الطبري 6787 والواحدي 198 عن قتادة مرسلا. فهو ضعيف لإرساله. 375- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (197) عن ابن عباس وأنس بدون إسناد، وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 350) : ولم أجد له إسنادا اهـ فالخبر ليس بحجة، بل هو لا شيء لخلوه عن الإسناد. (1) لفظ «وفرت» ليس في المخطوط وهو في المطبوع وط. (2) سقط من المخطوط. [.....] (3) في المطبوع «اللهم» . (4) سقط من المخطوط. (5) في المطبوع «يا ملك» . (6) زيد في المطبوع وط. (7) في المخطوط «الملك» .

[سورة آل عمران (3) : آية 27]

الْكَلْبِيُّ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ أَبِي جَهْلٍ وَصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ: الْعَرَبَ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، آتَى اللَّهُ الأنبياء عليهم السلام الملك وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِمْ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، نَزَعَهُ مِنَ الْجَبَّارِينَ، وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِخِلَافِهِمْ، وَقِيلَ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: آدَمَ وَوَلَدَهُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، قَالَ عَطَاءٌ: وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ مُحَمَّدًا صَلَّى الله عليه وسلّم وأصحابه، حين [1] دَخَلُوا مَكَّةَ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ ظاهرين عليها [قهرا على أهلها] [2] ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ أَبَا جَهْلٍ وأصحابه، حتى جزت رؤوسهم وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بالإيمان والهداية [ودخول الجنة] [3] . وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ [ودخول النار] [4] ، [وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالطَّاعَةِ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْمَعْصِيَةِ] [5] ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالنَّصْرِ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْغِنَى، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْفَقْرِ، وَقِيلَ: تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَى، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْحِرْصِ وَالطَّمَعِ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أَيْ: بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا. قَالَ تَعَالَى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النَّحْلِ: 81] ، أَيِ: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا. إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سُورَةُ آل عمران (3) : آية 27] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) قَوْلُهُ تَعَالَى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، أَيْ: تُدْخِلُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ، حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَاللَّيْلُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، حَتَّى يَكُونَ اللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً، وَالنَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، فَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا زَادَ فِي الْآخَرِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ الْمَيِّتِ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي الْأَنْعَامِ وَيُونُسَ وَالرُّومِ [6] ، وفي الأعراف: لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف: 57] ، وَفِي فَاطِرٍ: إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ [فاطر: 9] ، زَادَ نَافِعٌ: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: 122] ، ولَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: 12] والْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها [يس: 33] فيشددها والآخرون يخففونها وشدّد يعقوب وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ولَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً [الحجرات: 12] ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ: يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَيُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ، [وهو حيّ] [7] ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، أَيِ: الْفَرْخَ مِنَ الْبَيْضَةِ وَيُخْرِجُ الْبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَيُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، فَالْمُؤْمِنُ حَيُّ الْفُؤَادِ وَالْكَافِرُ مَيِّتُ الْفُؤَادِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الْأَنْعَامِ: 122] ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الْحَبِّ الْيَابِسِ، وَيُخْرِجُ الحب اليابس من النبات الطري [8] النامي.

_ (1) في المطبوع «حتى» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. (6) الأنعام: 95 ويونس: 31 والروم: 19. (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع «الْحَيِّ» .

[سورة آل عمران (3) : آية 28]

وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ وَلَا تَقْتِيرٍ. «376» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بن محمد الحيري [1] أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ أَنَا محمد بن [زنبور بْنُ أَبِي] [2] الْأَزْهَرِ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَنَا جَعْفَرُ بْنُ محمد بن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْآيَتَيْنِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ شَهِدَ اللَّهُ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ إِلَى قَوْلِهِ: بِغَيْرِ حِسابٍ مشفّعات [3] معلقات بالعرش [4] مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِجَابٌ، قُلْنَ: يَا رَبُّ تُهْبِطُنَا إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بِي حَلَفْتُ لَا يَقْرَؤُكُنَّ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ عَلَى ما كان منه وأسكنته حظيرة القدس، ونظرت إِلَيْهِ بِعَيْنِيَ الْمَكْنُونَةِ، [كُلَّ يَوْمٍ سبعين مرة] [5] وقضيت لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أدناها المغفرة، وأعذته مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ، وَنَصَرْتُهُ منهم» . [رواه الحارث بن عمير وهو ضعيف] [6] . [سورة آل عمران (3) : آية 28] لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ الحجاج بن عمرو وابن أَبِي الْحُقَيْقِ وَقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ [يبطنون بِنَفَرٍ] [7] مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اجْتَنِبُوا هؤلاء اليهود لا يفتنوكم عن دينكم [ويخرجوكم عن طاعة الله ورسوله] [8] ، فَأَبَى أُولَئِكَ النَّفَرُ إِلَّا مُبَاطَنَتَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ: عَبْدِ اللَّهِ بن أبي

_ 376- موضوع. إسناده ساقط، وعلته الحارث بن عمير، فقد قال الحاكم كما في «الميزان» (1/ 440) : روى عن جعفر الصادق أحاديث موضوعة، ثم ذكر الذهبي هذا الحديث، ونقل عن ابن حبان قوله: موضوع لا أصل له، ووافقه، ونص على وضع هذا الحديث الأئمة: ابن حبان وابن خزيمة وابن الجوزي، والذهبي لكنه موافقة. - وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (125) وابن حبان في «المجروحين» (1/ 223) وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 244- 245) من طريق محمد بن زنبور بن أبي الأزهر، عن الحارث بن عمير به. قال ابن حبان: موضوع لا أصل له، والحارث بن عمير كان يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات. ووافقه ابن الجوزي وزاد: وقال ابن خزيمة: الحارث كذاب، ولا أصل لهذا الحديث اهـ. وضعفه المصنف بالحارث بن عمير! وانظر «تفسير الشوكاني» (479) بتخريجي، وهو حديث باطل لا أصل له، وألفاظه تدل على وضعه، والله أعلم. [.....] (1) في المطبوع «الحنقي» . (2) ما بين المعقوفتين زيادة من «التقريب» و «تهذيب الكمال» للمزي. (3) «مشفعات» سقط من المخطوط. (4) لفظ «بالعرش» سقط من المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط وط. (6) زيد في المطبوع وط. (7) كذا في المطبوع، وفي- ط «يظنون بنفر» وهو في «أسباب النزول» «يباطنون نفرا» وتصحف في المخطوط إلى ناظر والنفر» . (8) زيادة عن المخطوط، وليست في النسخ وكتب الحديث والأثر.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 29 الى 30]

وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ وَيَأْتُونَهُمْ بِالْأَخْبَارِ، وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ الله هَذِهِ الْآيَةَ وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِمْ [1] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ، أَيْ: مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ عَلَى عَوْرَةِ [2] الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، أَيْ: لَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً، يَعْنِي: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ مَخَافَةً، قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَيَعْقُوبُ: «تَقِيَّةً» عَلَى وَزْنِ بَقِيَّةٍ لِأَنَّهُمْ كَتَبُوهَا بِالْيَاءِ، وَلَمْ يَكْتُبُوهَا بِالْأَلِفِ: مِثْلَ حَصَاةٍ وَنَوَاةٍ، وهي مصدر يقال: تقيت تُقَاةً وَتَقَى تَقِيَّةً وَتَقْوًى، فَإِذَا قُلْتَ: اتَّقَيْتَ كَانَ الْمَصْدَرُ [3] الِاتِّقَاءَ، وَإِنَّمَا قَالَ تَتَّقُوا مِنَ الِاتِّقَاءِ، ثُمَّ قَالَ: تُقَاةً وَلَمْ يَقُلِ: اتِّقَاءً لِأَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا يَجُوزُ إِخْرَاجُ مَصْدَرِ أَحَدِهِمَا عَلَى لَفْظِ [4] الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [الْمُزَّمِّلِ: 8] ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَمُدَاهَنَتِهِمْ وَمُبَاطَنَتِهِمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الكفار غالبين ظاهرين [على المؤمنين] [5] ، أَوْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِي قَوْمٍ كفار يخافهم فيداريهم [ويداهنهم] [6] بِاللِّسَانِ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دَفْعًا عن نفسه [مضارتهم ما أمكن] [7] ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ دَمًا حَرَامًا أَوْ مَالًا حَرَامًا أَوْ يُظْهِرَ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّقِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ وَسَلَامَةِ النِّيَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النَّحْلِ: 106] ثُمَّ هَذَا رُخْصَةٌ، فَلَوْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ، وَأَنْكَرَ قَوْمٌ التَّقِيَّةَ الْيَوْمَ، قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ [8] في جدّة الْإِسْلَامِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدِّينِ وَقُوَّةِ المسلمين، [فأما الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ] [9] ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَقَالَ يَحْيَى الْبَكَّاءُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي أَيَّامِ الْحَجَّاجِ إِنَّ الْحَسَنَ كان يقول لكم: تقية بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ تَقِيَّةٌ، وإنما التَّقِيَّةُ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، أي: [و] يُخَوِّفُكُمُ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ عَلَى مُوَالَاةِ الكفار وارتكاب المنهي [10] ومخالفة الأمور [11] ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 29 الى 30] قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) . قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ [12] ، ما في قلوبكم من مودّة الكفارة، أَوْ تُبْدُوهُ من مُوَالَاتُهُمْ، قَوْلًا وَفِعْلًا، يَعْلَمْهُ اللَّهُ، قال الْكَلْبِيُّ: إِنْ تُسِرُّوا مَا فِي قُلُوبِكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ، أَوْ تُظْهِرُوهُ بِحَرْبِهِ وَقِتَالِهِ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويحفظه عليكم حتى يجازيكم [في الدنيا بالأسر والقتل بنصره عليكم وفي الآخرة بالعذاب الشديد] [13] ، ثم قال: وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي: [إِذَا كَانَ] [14]

_ (1) في المخطوط «قولهم» . (2) في المخطوط «عورات» . (3) في المخطوط «مصدره» . (4) في المخطوط «عن اللفظ» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. [.....] (7) زيادة عن المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط وط. (9) سقط من المخطوط. (10) في المخطوط «النهي» . (11) في المخطوط «الأمر» . (12) زيادة عن المخطوط، وفي ط «أي» بدل «ما في» . (13) ما بين المعقوفتين زيادة عن المخطوط. (14) ما بين المعقوفتين في المخطوط «إذ» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 31 الى 32]

لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي السموات ولا في الأرض؟ فكيف يخفى عَلَيْهِ مُوَالَاتُكُمُ الْكُفَّارَ وَمَيْلُكُمْ إِلَيْهِمْ بِالْقَلْبِ؟ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ نصب يَوْمَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: فِي يَوْمِ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيِ اذْكُرُوا وَاتَّقُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ، مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً لَمْ يُبْخَسْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً [الْكَهْفِ: 49] ، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ خَبَرًا [1] فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، أَيْ تَجِدُ مُحْضَرًا مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَتُسَرُّ بِمَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ خَبَرًا [2] مُسْتَأْنَفًا، دَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا» ، قَوْلُهُ تَعَالَى: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها، أَيْ: بَيْنَ النَّفْسِ وَبَيْنَهُ، يَعْنِي: وَبَيْنَ السُّوءِ أَمَداً بَعِيداً، قَالَ السُّدِّيُّ: مَكَانًا بَعِيدًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَالْأَمَدُ الْأَجَلُ، وَالْغَايَةُ الَّتِي ينتهى إليها، قال الْحَسَنُ: يَسُرُّ أَحَدَهُمْ أَنْ لَا يَلْقَى عَمَلَهُ أَبَدًا، وَقِيلَ: يَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 31 الى 32] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا: نَحْنُ أبناء الله وأحبّاؤه. ع «377» وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ وَجَعَلُوا فِي آذَانِهَا الشُّنُوفَ [3] وَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ: «والله [4] يا معشر قريش لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ» ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: إِنَّمَا نَعْبُدُهَا حُبًّا لِلَّهِ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وَتَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ ليقرّبوكم إليه [زلفى] [5] ، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فَأَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وَحُجَّتُهُ عَلَيْكُمْ، [أَيِ:] [6] اتَّبِعُوا شَرِيعَتِي وَسُنَّتِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فَحُبُّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ اتِّبَاعُهُمْ أَمْرَهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ، وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ وَحُبُّ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ وَثَوَابُهُ لَهُمْ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [و] [7] قيل: لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ الله

_ 377- ع لا أصل له عن ابن عباس، الضحاك لم يلق ابن عباس، وهو بدون إسناد، فلا حجة فيه، وهو منكر، وذكره الواحدي في «الوسيط» (1/ 429) و «أسباب النزول» (203) من طريق جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عباس بدون إسناد. وعامة روايات الضحاك، عن ابن عباس إنما هي من طريق جويبر بن سعيد، وهو متروك ليس بشيء، ولعل المصنف بسبب وهن الإسناد جعله معلقا. 1 في المطبوع «خيرا» . 2 في المطبوع «خيرا» . (3) الشنف: القرط الأعلى. (4) زيد في المطبوع «والله» وليس في- ط والمخطوط وكتب الأثر. (5) زيادة من المخطوط. [.....] (6) زيادة من المخطوط. (7) زيادة من المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 35]

وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا، [أَيْ] : أَعْرَضُوا عَنِ طَاعَتِهِمَا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ، [أي] : لَا يَرْضَى فِعْلَهُمْ وَلَا يَغْفِرُ لهم [زللهم] [1] : «378» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ أَنَا فُلَيْحٌ أَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ [2] أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» ، قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمِنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» . «379» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ أَنَا يزيد أنا سُلَيْمُ [3] بْنُ حَيَّانَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، [فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا]] ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا [لَهُ] [5] يَفْقَهْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: فَالدَّارُ [6] : الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ الناس. [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 35] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) قوله تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَعْنِي: إن الله اصطفى

_ 378- إسناده صحيح على شرط البخاري، فليح هو ابن سليمان. أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (7280) عن محمد بن سنان بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 2/ 361 والحاكم 1/ 55 من طريق فليح بن سليمان به. - وفي الباب من أبي سعيد الخدري أخرجه ابن حبان 17 والطبراني في «الأوسط» (812) وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 70) : ورجاله رجال الصحيح اهـ. - ومن حديث أبي أمامة الباهلي أخرجه أحمد 5/ 258 والحاكم 1/ 55 و4/ 247 والطبراني في «الأوسط» (3173) . قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن خالد، وهو ثقة اهـ. 379- إسناده صحيح على شرط البخاري، يزيد هو ابن هارون وهو في «شرح السنة» (93) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (7281) عن محمد بن عبادة بهذا الإسناد. (1) سقط من المخطوط. (2) زيد في المطبوع «من» وليس بشيء. (3) في الأصل «سليمان» والتصويب من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . (4) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «أما الدار» والمثبت عن «شرح السنة» و «صحيح البخاري» .

هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ. اصْطَفى: اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، آدَمَ أَبُو [1] الْبَشَرِ، وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ، قِيلَ: أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِمْرَانَ أَنْفُسَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ [الْبَقَرَةِ: 248] ، يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَالَ آخَرُونَ: آلَ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا آلَ عمران فقد قال مُقَاتِلٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ فَاهَتْ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالِدُ [2] مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَوَهْبٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ بْنِ أَمُونَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عليهما السلام، وآله [3] : مَرْيَمَ وَعِيسَى، وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ مِنْ نسلهم، عَلَى الْعالَمِينَ [أَيْ عَالَمِي زَمَانِهِمْ] [4] . ذُرِّيَّةً، اشْتِقَاقُهَا مِنْ ذَرَأَ بِمَعْنَى خَلَقَ، وَقِيلَ: مِنَ الذَّرِّ لِأَنَّهُ استخرجهم مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَالذَّرِّ، وَيُسَمَّى الْأَوْلَادُ [5] وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، فَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ، لِأَنَّهُ ذَرَأَهُمْ، وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَ الْأَبْنَاءَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس: 41] ، أَيْ: آبَاءَهُمْ، ذُرِّيَّةً نصب على معنى: اصطفى ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، أَيْ: بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ، وَقِيلَ: بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ، وَقِيلَ: بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بَعْضٍ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ، وهي حنة بنت فاقوذا [6] أم مريم، وعمران: هو [7] ابن ماثان، وليس [هو] [8] بِعِمْرَانَ أَبِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لأن [9] بينهما ألفا وثمانمائة سنة، [وقيل: كان بين إبراهيم وموسى عليهما السلام أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى عليهما السلام ألفا سنة] [10] ، وكان بنو [11] ماثان [12] رؤوس بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ، وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، أَيْ: جَعَلْتُ الَّذِي فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا نَذْرًا مني لك [13] ، وَالنَّذْرُ: مَا يُوجِبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ مُحَرَّراً، أَيْ: عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ مُفْرَغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَلِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ، لَا أَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا أُخْلِصَ فَهُوَ مُحَرَّرٌ، يُقَالُ: حَرَّرْتُ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقْتُهُ وَخَلَّصْتُهُ مِنَ الرِّقِّ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ الْمُحَرَّرُ إِذَا حُرِّرَ جُعِلَ في الكنيسة يقوم عليها يكنسها ويخدمها ولا يبرح [مقيما عليها] [14] حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ إن أحب أقام فيها وَإِنْ أَحَبَّ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ التَّخْيِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ والعلماء إلا من نسله محرّر لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّرًا إِلَّا الْغِلْمَانُ وَلَا تَصْلُحُ لَهُ الْجَارِيَةُ، لِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى، فَحَرَّرَتْ أَمُّ مَرْيَمَ مَا فِي بَطْنِهَا وَكَانَتِ الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا وَعِمْرَانَ تَزَوَّجَا أختين، وكانت إيشاع بنت فاقوذا أم يحيى عند زكريا،

_ (1) في المطبوع «أبا» . (2) في المطبوع «وآله» . (3) في المخطوط «والد» . (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) في المطبوع «فالأولاد» . (6) كذا في المطبوع والمخطوط، وفي- ط «قاقوذا» وهو تصحيف. وعند ابن كثير «فاقوذ» وكذا عند الطبري. (7) زيد في المطبوع وط «عمران» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) في المخطوط وط «و» بدل «لأن» . (10) زيد في المطبوع وحده. (11) في المخطوط «أبو» والتصويب عن- ط و «الدر المنثور» . (12) زيد في المخطوط «من» . (13) زيد في المطبوع وط فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. (14) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : آية 36]

وكانت حنة بنت فاقوذا أُمُّ مَرْيَمَ عِنْدَ عِمْرَانَ، وَكَانَ قَدْ أُمْسِكَ عَنْ حَنَّةَ الْوَلَدُ حتى أيست [1] وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ بَصُرَتْ بِطَائِرٍ يُطْعِمُ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ بِذَلِكَ نَفْسُهَا لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا، وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ رَزَقْتَنِي وَلَدًا أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِنْ سدنته وخدمه، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ فَحَرَّرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ مَا هُوَ، فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا: وَيْحَكِ مَا صَنَعْتِ؟ أَرَأَيْتِ إِنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِكِ أُنْثَى [لَا] [2] تَصْلُحُ لِذَلِكَ؟ فَوَقَعَا جَمِيعًا فِي هَمٍّ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلَكَ عِمْرَانُ وَحَنَّةُ حامل بمريم. [سورة آل عمران (3) : آية 36] فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36) فَلَمَّا وَضَعَتْها، أَيْ: وَلَدَتْهَا، إِذَا هِيَ جَارِيَةٌ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: وَضَعَتْها راجعة إلى النذيرة لا إلى [ما في بطنها] [3] ، ولذلك أُنِّثَ، قالَتْ حَنَّةُ وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ غُلَامًا، رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، اعْتِذَارًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، بِجَزْمِ التَّاءِ إِخْبَارًا عَنِ الله تعالى عَزَّ وَجَلَّ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ وَضَعَتْ بِرَفْعِ التَّاءِ جَعَلُوهَا مِنْ كَلَامِ أَمِّ مَرْيَمَ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ والعبّاد الذين فيها للينها وَضَعْفِهَا وَمَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْحَيْضِ والنفاس، وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وهي بِلُغَتِهِمُ الْعَابِدَةُ وَالْخَادِمَةُ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ من أَجْمَلَ النِّسَاءِ فِي وَقْتِهَا وَأَفْضَلَهُنَّ، وَإِنِّي أُعِيذُها أَمْنَعُهَا وَأُجِيرُهَا، بِكَ وَذُرِّيَّتَها أَوْلَادَهَا مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، والشيطان الطَّرِيدُ اللَّعِينُ وَالرَّجِيمُ الْمَرْمِيُّ بِالشُّهُبِ. «380» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا من بني آدم من مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ صَارِخًا مِنَ [مسّ] [4] الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا» ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. «381» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ

_ 380- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو اليمان هو الحكم بن نافع البهراني، وشعيب هو ابن دينار، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السنة» (4104) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3431) عن أبو اليمان بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2366 والطبري 6887 من طريق الزهري به. - وأخرجه البخاري 4548 ومسلم 2366 وأحمد 2/ 233 و274- 275 والطبري 6891 وابن حبان 6235. والواحدي 1/ 431. 381- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن دينار، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. (1) في المطبوع وط «أسنت» . (2) سقط من المطبوع. [.....] (3) في المطبوع «ما» بدل «ما في بطنها» وفي- ط «ما ولد» . (4) سقط من المطبوع.

[سورة آل عمران (3) : آية 37]

إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ بِأُصْبُعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يطعن فطعن في الحجاب» . [سورة آل عمران (3) : آية 37] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) قَوْلُهُ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، أَيْ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مَرْيَمَ مِنْ حَنَّةَ، مَكَانَ الْمُحَرَّرِ، وَتَقَبَّلَ بِمَعْنَى: قَبِلَ وَرَضِيَ، وَالْقَبُولُ: مَصْدَرُ قَبِلَ يقبل قبولا، مثل الولوع [1] ، وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى التَّقَبُّلِ: التَّكَفُّلُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهَا، وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً، مَعْنَاهُ: وَأَنْبَتَهَا فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا، وَقِيلَ: هَذَا مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ [2] ، [3] وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَمَثَلُهُ شَائِعٌ [4] كقوله: تَكَلَّمْتُ كَلَامًا [5] ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ [6] عَنِ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، أَيْ: سَلَكَ بِهَا طَرِيقَ السُّعَدَاءِ، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا، يَعْنِي: سَوَّى خَلْقَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، فَكَانَتْ تَنْبُتُ فِي الْيَوْمِ مَا يَنْبُتُ الْمَوْلُودُ فِي الْعَامِ، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا، قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: أَخَذَتْ حَنَّةُ مَرْيَمَ حِينَ وَلَدَتْهَا، فَلَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمْلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَلُونَ مِنْ [7] بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنَافَسَ فِيهَا الأحبار [أيهم يأخذها] [8] ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا، عِنْدِي خَالَتُهَا، فَقَالَتْ له الأحبار: لا تفعل ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ لِأَحَقِّ الناس بها لَتُرِكَتْ لِأُمِّهَا الَّتِي وَلَدَتْهَا، لَكِنَّا نَقْتَرِعُ عَلَيْهَا فَتَكُونُ عِنْدَ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، فَانْطَلَقُوا وَكَانُوا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى نَهْرٍ جَارٍ، قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فِي الْمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ ثَبَتَ قَلَمُهُ فِي الماء وصعد فَهُوَ أَوْلَى بِهَا، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى كُلِّ قَلَمٍ اسْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ التَّوْرَاةَ فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمُ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ في الماء فارتدّ قَلَمُ زَكَرِيَّا، فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ وَانْحَدَرَتْ أَقْلَامُهُمْ وَرَسَبَتْ فِي النَّهْرِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ، وَقِيلَ: جَرَى قَلَمُ زَكَرِيَّا مُصْعِدًا إِلَى أَعْلَى الْمَاءِ وَجَرَتْ أَقْلَامُهُمْ بجري الماء، قال السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: بَلْ ثَبَتَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَقَامَ فَوْقَ الْمَاءِ كَأَنَّهُ فِي طِينٍ، وَجَرَتْ أَقْلَامُهُمْ مَعَ جَرْيَةِ الْمَاءِ [فَذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ] [9] ، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان رَأْسَ الْأَحْبَارِ وَنَبِيَّهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا، قَرَأَ حَمْزَةُ

_ - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3286) بهذا الإسناد. وأخرجه الحميدي 1042 من طريق أبي الزناد به. وأخرجه مسلم 2366 ح 147 والطبري 6889 وابن حبان 6234 من طريق ابن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة. وأخرجه الطبري 6879 و6880 من طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ أبي هريرة مرفوعا. وانظر ما تقدم. (1) في المطبوع «الولوغ والوزوع» . (2) في المطبوع «الصدر» وفي المخطوط «مصدر» والمثبت عن- ط وتفسير الطبري (3/ 240) . (3) زيد في المطبوع «أي المصدر» . (4) في المطبوع «سائغ» . (5) لو كان مصدرا على اللفظ لكان الكلام «تكلمت تكلما» . ومثل: «أنبتها إنباتا» ، فتنبه، والله الموفق. (6) تصحف في المطبوع إلى «جرير» . (7) لفظ من ليس في المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط وط.

وعاصم والكسائي «كفّلها» بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ، فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ أَيْ: ضَمَنَهَا اللَّهُ [زَكَرِيَّا] [1] وَضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ، أَيْ: ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَى نَفْسِهِ وَقَامَ بِأَمْرِهَا، وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ آذَنَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ صَدُوقَ مِنْ أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ بن داود عليهما السلام، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عاصم زَكَرِيَّا مقصورا، والآخرون ممدودا [2] ، فَلَمَّا ضَمَّ زَكَرِيَّا مَرْيَمَ إِلَى نَفْسِهِ بَنَى لَهَا بَيْتًا وَاسْتَرْضَعَ لها [مرضعة] [3] ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أَمِّ يَحْيَى حَتَّى إِذَا شَبَّتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، بَنَى لَهَا مِحْرَابًا فِي الْمَسْجِدِ وَجُعِلَ بَابُهُ فِي وَسَطِهَا لَا يُرْقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِالسُّلَّمِ مِثْلَ باب الكعبة [و] [4] لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ، وَكَانَ يَأْتِيهَا بِطَعَامِهَا وَشَرَابِهَا وَدُهْنِهَا كُلَّ يَوْمٍ، كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ، [وأراد بالمحراب] [5] الغرفة [التي بناها] [6] ، وَالْمِحْرَابُ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ وَمُقَدَّمُهَا، وَكَذَلِكَ [7] هُوَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيُقَالُ لِلْمَسْجِدِ أيضا: محراب، وقال الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ الْمِحْرَابُ إِلَّا أن يرتقى [عليه بدرج] [8] ، قال الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ زَكَرِيَّا إِذَا خَرَجَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ [9] ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا غُرْفَتَهَا [10] ، وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، أَيْ: فَاكِهَةً في غير حينها [فيرى] [11] فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، قالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْنَاهُ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذَا لِأَنَّ أَنَّى لِلسُّؤَالِ عن الجهة و «أين» لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَكَانِ، قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ قطف الجنّة، وقال الحسن: إن مريم من حين ولدت لم تلقم ثديا [12] قط بل كَانَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ لَهَا زَكَرِيَّا أَنَّى لَكِ هذا؟ فتقول: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَكَلَّمَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا، فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ كَبُرَتْ سِنِّي وَضَعُفْتُ عَنْ حَمْلِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، فَأَيُّكُمْ يَكْفُلُهَا بَعْدِي؟ فقالوا: وَاللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنَ السَّنَةِ مَا تَرَى فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا فَتَقَارَعُوا عَلَيْهَا بِالْأَقْلَامِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى رَجُلٍ نَجَّارٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ، فَحَمَلَهَا فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا يُوسُفُ أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا، فَجَعَلَ يُوسُفُ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا مِنْهُ فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا فِي الْكَنِيسَةِ أَنْمَاهُ اللَّهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ لَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ يُوسُفُ، فَيَقُولُ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا قَالَ: إِنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَرْيَمَ بِالْفَاكِهَةِ فِي غَيْرِ حِينِهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتِي وَيَهَبَ لِي ولدا في غير حينه على الْكِبَرِ، فَطَمِعَ فِي الْوَلَدِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا قَدِ انْقَرَضُوا، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ شَاخَ وأيس من الولد.

_ (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) في المطبوع وط «يمدونه» . [.....] (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط و «الوسيط» (1/ 432) . (5) زيد في المطبوع وط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) كذا في المطبوع وط- وتفسير الطبري (3/ 246) وفي المخطوط «ولذلك» . (8) في المطبوع «إليه بدرجة» وكذا في- ط-. (9) هذا من الإسرائيليات المنكرة. (10) في المطبوع «فتحها» . (11) زيادة عن المخطوط. (12) في المطبوع «ثديها» .

[سورة آل عمران (3) : آية 38]

[سورة آل عمران (3) : آية 38] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُنالِكَ، أَيْ: عِنْدَ ذَلِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، فدخل المحراب وغلّق الأبواب وَنَاجَى رَبَّهُ، قالَ رَبِّ، أَيْ: يَا رَبِّ، هَبْ لِي أَعْطِنِي مِنْ لَدُنْكَ، أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، أَيْ: وَلَدًا مُبَارَكًا تَقِيًّا صَالِحًا رَضِيًّا، وَالذُّرِّيَّةُ تَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَهُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا [مَرْيَمَ: 5] ، وَإِنَّمَا قَالَ: طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ، أَيْ: سَامِعُهُ، وَقِيلَ: مُجِيبُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) [يس: 25] ، أي: فأجيبوني. [سورة آل عمران (3) : آية 39] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ فناداه بالألف، وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ [فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فالتأنيث] [1] لتأنيث لَفْظِ الْمَلَائِكَةِ، وَلِلْجَمْعِ مَعَ أَنَّ الذُّكُورَ إِذَا تَقَدَّمَ فِعْلُهُمْ وَهُمْ جماعة كان التأنيث فيهم أَحْسَنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَتِ الْأَعْرابُ [الْحُجُرَاتِ: 14] ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عنه [2] : يُذَكِّرُ الْمَلَائِكَةَ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا نَرَى عَبْدَ اللَّهِ اخْتَارَ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمُ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي التَّاءِ وَالْيَاءِ فَاجْعَلُوهَا يَاءً، وَذَكِّرُوا الْقُرْآنَ، وَأَرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ هَاهُنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النحل: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ [النحل: 2] ، يعني: جبريل بالروح والوحي، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ هَذَا الْخَبَرَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ وَاحِدٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [آلِ عِمْرَانَ: 173] ، يَعْنِي: نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، إِنَّ النَّاسَ، يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إِذَا كَانَ الْقَائِلُ رَئِيسًا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْجَمْعِ، لِاجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَئِيسَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَلَّ مَا يُبْعَثُ إِلَّا وَمَعَهُ جَمْعٌ، فَجَرَى عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ، أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ الْحَبْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي يُقَرِّبُ الْقُرْبَانَ فَيَفْتَحُ بَابَ الْمَذْبَحِ، فَلَا يَدْخُلُونَ حَتَّى يَأْذَنَ لهم بالدخول، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، يَعْنِي: فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمَذْبَحِ يُصَلِّي وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ شَابٍّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بيض تلمع فَفَزِعَ مِنْهُ، فَنَادَاهُ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا زَكَرِيَّا أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، [قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ أَنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، تَقْدِيرُهُ: فَنَادَتْهُ الملائكة فقالت: إنّ الله، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ بِإِيقَاعِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ] [3] ، قَرَأَ حَمْزَةُ يُبَشِّرُكَ وَبَابُهُ بِالتَّخْفِيفِ كُلَّ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [الْحِجْرِ: 54] ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى تَشْدِيدِهَا، وَوَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي «سبحان» و «الكهف» و «حمعسق» ، وَوَافَقَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو في «حمعسق» ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ مِنْ بَشَّرَ يُبَشِّرُ تَبْشِيرًا، وَهُوَ أَعْرَبُ اللُّغَاتِ وَأَفْصَحُهَا، دَلِيلُ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَشِّرْ عِبادِ [الزمر: 17] ، ووَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ [الصافات: 112] ،

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) وقع في المطبوع «عنهما» . (3) زيد في المطبوع وط.

قَالُوا: بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ [الْحِجْرِ: 55] ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مِنْ بَشَرَ يَبْشُرُ وَهِيَ لُغَةُ تهامة، وقراءة ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، بِيَحْيى هُوَ اسْمٌ [1] لَا يُجَرُّ لِمَعْرِفَتِهِ، وَلِلزَّائِدِ فِي أَوَّلِهِ، مِثْلَ: يَزِيدَ وَيَعَمُرَ، وَجَمْعُهُ يَحْيَوْنَ مِثْلَ مُوسَوْنَ وَعِيسَوْنَ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لم سمي يحيى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ عقر أمّه، [و] [2] قَالَ قَتَادَةُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أحيا قلبه بالإيمان، [وقيل: سمّي يحيى لأنه استشهد، والشهداء أحياء، وقيل: معناه يموت] [3] ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ، مُصَدِّقاً نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ عِيسَى كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَكَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَلِمَةِ [لِأَنَّهُ بِهَا كَانَ] [4] ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةً لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَمَا يُهْتَدَى بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ بِشَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى لمريم بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَلَامِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءَ بِكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ نَبِيًّا بِلَا أَبٍ، فَسَمَّاهُ كَلِمَةً لِحُصُولِهِ بِذَلِكَ الْوَعْدِ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَكَانَا ابْنَيِ خالة، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ أَنْ يرفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ [إِلَى السَّمَاءِ] [5] ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ، أَيْ: بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْشِدْنِي كَلِمَةَ فُلَانٍ، أَيْ: قَصِيدَتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَيِّداً هو فعيل مِنْ سَادَ يَسُودُ، وَهُوَ الرَّئِيسُ الَّذِي يُتْبَعُ وَيُنْتَهَى [6] إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ الْمُفَضَّلُ: أَرَادَ سَيِّدًا فِي الدِّينِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: السَّيِّدُ: الْحَسَنُ الْخُلُقَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّيِّدُ الَّذِي يُطِيعُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: السَّيِّدُ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: سَيِّدٌ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ، وَقِيلَ: الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَرِيمُ عَلَى الله تعالى، وقيل: السيد التقي [قاله الضحاك] [7] ، [و] [8] قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الَّذِي لَا يحسد، وقيل: الذي يفوق [أقرانه و] [9] قَوْمَهُ فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَانِعُ بِمَا قَسَمَ الله له، وقيل: هو السخي. ع «382» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بُنِيَ سَلَمَةَ؟» قَالُوا: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ، قَالَ: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ، لَكِنَّ سَيِّدَكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ» .

_ 382- ع جيد بشواهده. ورد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (296) وأبو الشيخ في «الأمثال» (91- 93) والخطيب في «تاريخه» (4/ 217) والقضاعي في «مسند الشهاب» (286 و287) وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 317) وإسناد البخاري حسن، رجال ثقات مشاهير، وأبو الزبير صرح عنده بالتحديث، وورد من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني 12116 وإسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن عثمان، وبه أعله الهيثمي 15742، وورد من حديث كعب بن مالك، أخرجه الطبراني في «الصغير» (317) ، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني، وورد من حديث أبي هريرة عند الطبراني في «الأوسط» ، وأعله الهيثمي بإبراهيم بن يزيد المكي، وهو متروك. فهذا الشاهد لا يفرح به، لكن الروايات المتقدمة تتأيد بمجموعها، وورد مثله لكن في بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنُ مَعْرُورٍ بدل عمرو بن الجموح، راجع «المجمع» (9/ 315) . [.....] (1) في المطبوع «الاسم» . (2) زيادة يقتضيها السياق. (3) زيد في المطبوع وحده. (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المخطوط «ينتمي» . (7) زيد في المطبوع وحده، ويدل عليه سياق الطبري (6968 و6969) . (8) زيادة يقتضيها السياق. (9) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : آية 40]

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، والحصور: أَصْلُهُ مِنَ الْحَصْرِ وَهُوَ الْحَبْسُ، وَالْحَصُورُ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقتادة [1] ، وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَقْرَبُهُنَّ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، يَعْنِي: أَنَّهُ يَحْصُرُ نَفْسَهُ عَنِ الشهوات، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: هُوَ [العنين الذي لا ماء لَهُ] [2] ، فَيَكُونُ الْحَصُورُ بِمَعْنَى الْمَحْصُورِ، يَعْنِي: الْمَمْنُوعَ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِبَصَرِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّ الْحَصُورَ [هُوَ] [3] الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ لِوَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى اسْتِحْقَاقِ الثَّنَاءِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ إِلْحَاقِ الْآفَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ. [سورة آل عمران (3) : آية 40] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (40) قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ رَبِّ، أَيْ: يَا سَيِّدِي، قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ: وَقِيلَ: قَالَهُ لِلَّهِ عزّ وجلّ أَنَّى يَكُونُ، يعني: أَيْنَ يَكُونُ، لِي غُلامٌ، أَيِ: ابْنٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ، أَيْ: وَقَدْ بَلَغْتُ الكبر وشخت، كما تقول: بَلَغَنِي الْجَهْدُ، أَيْ: [أَنَا فِي] [4] الْجَهْدِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَقَدْ نَالَنِيَ الْكِبَرُ وَأَدْرَكَنِي وَأَضْعَفَنِي، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بِالْوَلَدِ ابن اثنتين وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَامْرَأَتِي عاقِرٌ، أَيْ: عَقِيمٌ لَا تَلِدُ، يُقَالُ: رَجُلٌ عَاقِرٌ وَامْرَأَةٌ عَاقِرٌ، وَقَدْ عَقُرَ بِضَمِّ الْقَافِ يَعْقِرُ عُقْرًا وَعُقَارَةً، قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ، فَإِنْ قِيلَ: لم قال زكريا بعد ما وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، أَكَانَ شَاكًّا فِي وَعْدِ اللَّهِ وَفِي قُدْرَتِهِ، قِيلَ: إِنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا سَمِعَ [نِدَاءَ] [5] الْمَلَائِكَةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي [سَمِعْتَ] [6] ليس مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ لَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ [7] ، فَقَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، قَالَهُ [8] عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي وَعْدِ اللَّهِ إِنَّمَا شَكَّ فِي كَيْفِيَّتِهِ، أَيْ: كَيْفَ ذلك [أتجعلني وامرأتي شابّين، أم ترزقنا ولدا على الكبر منّا أم ترزقني من امرأة أخرى؟ قاله مستفهما لا شاكّا، هذا قول الحسن] [9] . [سورة آل عمران (3) : الآيات 41 الى 42] قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أَيْ [10] : عَلَامَةً أَعْلَمُ بِهَا وَقْتَ حَمْلِ امْرَأَتِي فَأَزِيدُ فِي الْعِبَادَةِ شُكْرًا لَكَ، قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ، أي: تَكُفَّ عَنِ الْكَلَامِ، ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَتُقْبِلَ بِكُلِّيَّتِكَ عَلَى عِبَادَتِي لَا أنه يحبس لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَهُوَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ كما قال في سورة

_ (1) زيد في المطبوع هاهنا «رضي الله عنهم» وغير مناسب أن تجعل هذه العبارة هاهنا معترضة رجالا من التابعين الأئمة. (2) ما بين المعقوفتين في المخطوط «المعسر الذي لا مال له» وهو تصحيف، ليس بشيء. (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في المخطوط «نالني» والمثبت هو الذي يدل عليه كلام المصنف. (5) في المطبوع وحده «النداء من» . [.....] (6) في المطبوع «كنت تسمعه» . (7) في المطبوع «الأحوال» . (8) في المطبوع «قال» . (9) ما بين المعقوفتين سقط من- ط-. (10) زيد في المخطوط «قال بعضهم» .

مريم: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا [مريم: 10] ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ، فَأَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَنَهَاهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَقَلَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ مع الناس ثلاثة أيام، قال قَتَادَةُ: أَمْسَكَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ عُقُوبَةً [لَهُ] [1] لِسُؤَالِهِ الْآيَةَ، بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَوْلُهُ: إِلَّا رَمْزاً، أَيْ: إِشَارَةً وَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ بِاللِّسَانِ وَبِالْعَيْنِ وَبِالْيَدِ، وكانت إشارته بالأصبع المسبّحة، قال الْفَرَّاءُ: قَدْ يَكُونُ الرَّمْزُ بِاللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ، وَهُوَ الصوت الخفي شبه [2] الْهَمْسَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِهِ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَامُوا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا رَمْزًا، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ، قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلَاةُ وَالْعَشِيُّ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشمس إلى [غروبها] [3] ، ومنه سمّيت صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى الضُّحَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ، يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ: اخْتَارَكِ، وَطَهَّرَكِ، قِيلَ: مِنْ مَسِيسِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ مَرْيَمُ لَا تَحِيضُ، وَقِيلَ: مِنَ الذُّنُوبِ، وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ، قيل: على [نساء] [4] عَالَمِي زَمَانِهَا، وَقِيلَ: عَلَى جَمِيعِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي أَنَّهَا وَلَدَتْ بِلَا أَبٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: بِالتَّحْرِيرِ في المسجد ولم [يحرر فيه أحد من النساء إلّا هي] [5] . «383» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن [أبي] رَجَاءٍ [6] ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ أخبرني أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عمران، وخير نسائها خديجة» . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. «384» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [7] الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف] [8]

_ 383- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو رجاء اسمه عبد الله بن أيوب، النضر هو ابن شميل المازني، هشام هو ابن عروة بن الزبير، وقد توبع أحمد بن أبي رجاء عند مسلم وغيره، ومن فوقه على شرطهما. - وهو في «شرح السنة» (3847) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3432) عن أحمد بن أبي رجاء بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3815 ومسلم 2431 والترمذي 3887 وأحمد 1/ 84 و132 و143 وأبو يعلى 522 من طرق عن هشام بن عروة به. 384- إسناده صحيح على شرط البخاري، آدم هو ابن أبي إياس عبد الرحمن العسقلاني، روى له البخاري دون مسلم، ومن فوقه رجال الشيخين، شعبة هو ابن الحجاج، عمرو هو ابن مرة بن عبد الله الجملي، ومرة هو ابن شراحيل الهمداني. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) في المخطوط «يشبه» . (3) في المطبوع وط «غروب الشمس» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) العبارة في المطبوع وط «تحرر أنثى» . (6) في الأصل «بن رجاء» والتصويب من «صحيح البخاري» و «شرح السنة» . (7) زيادة عن المخطوط. [.....] (8) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 43 الى 45]

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو [1] بن مرة [عن مُرَّةَ] [2] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» . «385» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ [3] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَخْبَرَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ [4] ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ [5] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 43 الى 45] يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ، قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ شَفَاهًا، أي: أطيعي ربك، قال مُجَاهِدٌ: أَطِيلِي الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لِرَبِّكِ، وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: الْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمَّا قالت

_ - وهو في «شرح السنة» (3857) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (3433) عن آدم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5418 ومسلم 2431 وابن ماجه 3280 وابن حبان 7114 من طريق محمد بن بشار، عن غندر مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ به. - وأخرجه البخاري 3411 و3769 والنسائي 7/ 68 وابن أبي شيبة 12/ 128 وأحمد 4/ 394 و409 والطبراني 23/ (106) من طرق عن شعبة به. (1) وقع في الأصل «عروة» والتصويب عن «صحيح البخاري» و «شرح السنة» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «صحيح البخاري» و «شرح السنة» . (3) وقع في الأصل «أبو بكر سعيد بن عبد الله» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. (4) وقع في الأصل «عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ البزار» والتصويب من «الأنساب» للسمعاني (4/ 33) و «شرح السنة» . (5) في الأصل «الديري» وهو تصحيف. 385- إسناده صحيح رجاله رجال البخاري ومسلم، سوى إسحق، وهو ثقة، معمر هو ابن راشد، قتادة هو ابن دعامة السدوسي. وهو في «شرح السنة» (3848) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» (20919) عن معمر بهذا الإسناد. - ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الترمذي 3878 وأحمد 3/ 135 وابن حبان 7003 والطحاوي في «المشكل» (147) والطبراني في «الكبير» (22/ (1003) والحاكم 3/ 157. قال الترمذي: هذا حديث صحيح اهـ. - وأخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (1332 و1338) ومن طريقه الحاكم 3/ 157- 158 عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عن الزهري، عن أنس به وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي. - وله شاهد من حديث ابن عباس بلفظ «أفضل نساء أهل الجنة خديجة ... » . أخرجه أحمد 1/ 293 والطحاوي في «المشكل» (148) وأبو يعلى 2722 وابن حبان 7010 والطبراني 11928 و22/ (1019) والحاكم 2/ 594 و3/ 160 و185 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 46 الى 48]

لَهَا الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ قَامَتْ فِي الصلاة حتى [تورمت] [1] قَدَمَاهَا وَسَالَتْ دَمًا وَقَيْحًا وَاسْجُدِي وَارْكَعِي، قِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا، وَلَيْسَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ بَلْ للجمع، يجوز أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَإِنْ كَانَ قَدْ رَأَى عَمْرًا قَبْلَ زَيْدٍ، مَعَ الرَّاكِعِينَ، وَلَمْ يَقُلْ مَعَ الرَّاكِعَاتِ لِيَكُونَ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَعَ المصلّين في الجماعة. قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا ويحيى ومريم وعيسى، [على نبيّنا وعليهم السلام، مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ، أَيْ] [2] : مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ، وَما كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ، لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ، سِهَامَهُمْ فِي الْمَاءِ لِلِاقْتِرَاعِ، أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ يَحْضُنُهَا وَيُرَبِّيهَا، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، فِي كَفَالَتِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، إنما قال اسمه، وردّ الْكِنَايَةَ إِلَى عِيسَى، وَاخْتَلَفُوا فِي أنه لم سمّي مسيحا، فمنهم مَنْ قَالَ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ يَعْنِي: أَنَّهُ مُسِحَ مِنَ الْأَقْذَارِ وَطُهِّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمَصَ لَهُ، وَسُمِّيَ الدجال مسيحا [لأنه مَمْسُوحَ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ] [3] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، مِثْلُ عليم وعالم، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: سمّي [عيسى عليه السلام] [4] مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِأَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَكَانٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةً، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ، وَيَكُونُ الْمَسِيحُ بِمَعْنَى: الْكَذَّابِ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ. وَالْحَرْفُ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَجِيهاً، أَيْ: شَرِيفًا رَفِيعًا ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ، فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ، عِنْدَ الله. [سورة آل عمران (3) : الآيات 46 الى 48] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَغِيرًا قَبْلَ أَوَانِ الْكَلَامِ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: 30] الآية، حكي عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إِذَا خَلَوْتُ أَنَا وَعِيسَى حَدَّثَنِي وَحَدَّثْتُهُ، فَإِذَا شَغَلَنِي عَنْهُ إِنْسَانٌ سَبَّحَ فِي بَطْنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قَوْلَهُ، وَكَهْلًا، قَالَ مُقَاتِلٌ: يعني إذا [اجتمعت قوته] [5] قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: وَكَهْلًا: بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَقِيلَ: أخبرها [الله] [6] أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَكْتَهِلَ وَكَلَامُهُ بَعْدَ الْكُهُولَةِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُعْجِزَةِ، وَقِيلَ: وَكَهْلًا: نَبِيًّا بَشَّرَهَا بِنُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ مُعْجِزَةٌ وَفِي الْكُهُولَةِ دعوة، وقال مجاهد:

_ (1) في المطبوع وط «ورمت» . (2) زيد في المطبوع. (3) العبارة في المخطوط «لأنه ممسوح العين» . (4) زيد في المطبوع وحده. (5) ما بين المعقوفتين في المخطوط وط «اجتمع» . (6) زيادة عن المخطوط. [.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 49]

وَكَهْلًا أَيْ: حَلِيمًا، وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ الْكُهُولَةَ، لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الْوُسْطَى فِي احْتِنَاكِ السِّنِّ وَاسْتِحْكَامِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَمِنَ الصَّالِحِينَ، أَيْ: هُوَ مِنَ الْعِبَادِ الصَّالِحِينَ. قالَتْ رَبِّ يَا سَيِّدِي، تَقُولُهُ لِجِبْرِيلَ، وَقِيلَ: تَقُولُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يُصِبْنِي رَجُلٌ، قَالَتْ ذَلِكَ تَعَجُّبًا إِذْ لَمْ تَكُنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يُولَدَ وَلَدٌ لَا أَبَ لَهُ، قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً، أراد كَوْنَ الشَّيْءِ، فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كَمَا يُرِيدُ، قَوْلُهُ تعالى: وَيُعَلِّمُهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ، وَقِيلَ: رَدَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ. وَيُعَلِّمُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ، كَقَوْلِهِ [1] تَعَالَى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 44] ، قَوْلُهُ: الْكِتابَ، أَيِ: الْكِتَابَةَ وَالْخَطَّ، وَالْحِكْمَةَ: الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ، وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ علّمه الله التوراة والإنجيل. [سورة آل عمران (3) : آية 49] وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَرَسُولًا، أَيْ: وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، قِيلَ: كَانَ رَسُولًا فِي حَالِ الصِّبَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَانَ أَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوسُفَ وَآخِرُهُمْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَلَمَّا بُعِثَ قَالَ: أَنِّي، قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنَّمَا فَتَحَ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الرِّسَالَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ، عَلَامَةٍ، مِنْ رَبِّكُمْ، تُصَدِّقُ قَوْلِي، وَإِنَّمَا قَالَ بِآيَةٍ وَقَدْ أَتَى بِآيَاتٍ لِأَنَّ الْكُلَّ [من ذلك الآيات] [2] دَلَّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ صِدْقُهُ فِي الرِّسَالَةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أَنِّي، قَرَأَ نَافِعٌ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى بِإِنِّي أَخْلُقُ، أَيْ: أُصَوِّرُ وَأُقَدِّرُ، لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ» ، هَاهُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَالْهَيْئَةُ الصُّورَةُ الْمُهَيَّأَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَدَّرْتُهُ وَأَصْلَحْتُهُ، فَأَنْفُخُ فِيهِ، أَيْ: فِي الطَّيْرِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ، قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِينَ بِالْجَمْعِ، [لِأَنَّهُ خَلَقَ طَيْرًا كَثِيرًا] [3] ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ «فَيَكُونُ طَائِرًا» عَلَى الْوَاحِدِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، ذَهَبُوا إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّيْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الْخُفَّاشِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْخُفَّاشَ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ الطَّيْرِ خلقا لأن له ثَدْيًا وَأَسْنَانًا، وَهِيَ تَحِيضُ، قَالَ وَهْبٌ: كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ الْخَلْقِ مِنْ فِعْلِ الْخَالِقِ [تعالى] ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ عَزَّ وجلّ، قوله تعالى: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، أَيْ: أَشْفِيهِمَا وَأُصَحِّحُهُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْمَهِ قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَعْمَى، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْأَعْمَشُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ ولا يبصر بالليل، وَالْأَبْرَصَ هو الَّذِي بِهِ وَضَحٌ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ لِأَنَّهُمَا دَاءَانِ عَيَاءَانِ وَكَانَ الغالب في

_ (1) في المخطوط «لقوله» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) العبارة في المخطوط «على أنه طيور كثيرة» .

زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الطِّبَّ، [فأراهم الله الْمُعْجِزَةَ] [1] مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ، قَالَ وهب [2] : ربما اجتمع على عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَرْضَى فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ خَمْسُونَ أَلْفًا مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ مَشَى إليه عيسى، وَكَانَ يُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى شَرْطِ الإيمان، قوله تعالى: وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عباس [3] : قَدْ أَحْيَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ عَازِرَ وَابْنَ الْعَجُوزِ وَابْنَةَ الْعَاشِرِ وَسَامَ بْنَ نُوحٍ، فَأَمَّا عَازِرُ فَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فَأَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أَخَاكَ عَازِرَ يَمُوتُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَتَاهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: انْطَلِقِي بِنَا إِلَى قَبْرِهِ، فَانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ إِلَى قَبْرِهِ [فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فقام عازر وودكه بقطر فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ] [4] وَبَقِيَ وَوُلِدَ له، وأما ابن العجوز فإنه مُرَّ بِهِ مَيِّتًا عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى سَرِيرٍ يُحْمَلُ، فدعا الله عيسى فجلس عن سَرِيرِهِ وَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَحَمَلَ السَّرِيرَ عَلَى عُنُقِهِ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَ وَوُلِدَ لَهُ، وَأَمَّا ابْنَةُ الْعَاشِرِ فكان والدها رَجُلًا يَأْخُذُ الْعُشُورَ، مَاتَتْ لَهُ بِنْتٌ بِالْأَمْسِ فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وجلّ فأحياها، وبقيت ولدت [5] ، وَأَمَّا سَامُ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى قَبْرِهِ فَدَعَا بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ، وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا من قيام الساعة، [وقيل: خوفا من خروج روحه ثانيا فيحصل له ما حصل أولا من سكرات الموت] [6] ، وَلَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ فِي ذَلِكَ الزمان، فقال [سام] [7] : قد قامت القيامة؟ قال [عيسى] [8] : لَا وَلَكِنَّ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مُتْ، قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، فَدَعَا اللَّهَ ففعل [9] . قوله تعالى: وَأُنَبِّئُكُمْ أخبركم، بِما تَأْكُلُونَ، مِمَّا لَمَّ أُعَايِنْهُ، وَما تَدَّخِرُونَ، تَرْفَعُونَهُ، فِي بُيُوتِكُمْ، حَتَّى تَأْكُلُوهُ، وَقِيلَ: كَانَ يُخْبِرُ الرَّجُلَ بِمَا أَكَلَ الْبَارِحَةَ وَبِمَا يَأْكُلُ الْيَوْمَ وَبِمَا ادَّخَرَهُ لِلْعَشَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْكُتَّابِ يُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ، وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ: انْطَلِقْ فَقَدْ أَكَلَ أَهْلُكَ كَذَا وَكَذَا وَرَفَعُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا، فَيَنْطَلِقُ الصَّبِيُّ إِلَى أَهْلِهِ وَيَبْكِي عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، فَيَقُولُونَ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ فَيَقُولُ: عيسى عليه السلام، فَحَبَسُوا صِبْيَانَهُمْ عَنْهُ، وَقَالُوا: لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِرِ فَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْتٍ، فَجَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُهُمْ فَقَالُوا: لَيْسُوا هَاهُنَا، فَقَالَ: فَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالُوا: خَنَازِيرُ، قَالَ عِيسَى: كَذَلِكَ يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، ففشا ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا خَافَتْ عليه أمه حملته على حمار لها وخرجت هاربة إلى مصر، وقال قتادة: إنما كان هذا في المائدة، وكانت خِوَانًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا كَانُوا كَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يخونوا ولا يخبئوا للغد فخانوا وخبؤوا، فَجَعَلَ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ بِمَا أَكَلُوا مِنَ الْمَائِدَةِ وَبِمَا ادَّخَرُوا مِنْهَا، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذلِكَ، الَّذِي ذَكَرْتُ، لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

_ (1) العبارة في المخطوط «فأتاهم بالمعجزة» . (2) هذا من إسرائيليات وهب بن منبه. (3) لا يصح عن ابن عباس، وهو من الإسرائيليات. (4) زيد في المطبوع وط. (5) في المخطوط وط «وولد لها» . (6) زيادة عن المخطوط، ولعلها ليست من كلام ابن عباس لأن فيه لفظ «قيل» وإنما هي تفسيرية معترضة، والله أعلم. (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع «عليهم» . (9) هذا من الإسرائيليات لا حجة فيه.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 50 الى 51]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 50 الى 51] وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) وَمُصَدِّقاً عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَرَسُولًا، لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، مِنَ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْكُلَّ، يَعْنِي: كُلَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وقد ذكر الْبَعْضُ وَيُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أرضها ... أو يرتبط بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا يَعْنِي: كُلَّ النُّفُوسِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي: مَا ذَكَرَ [1] مِنَ الْآيَاتِ، وَإِنَّمَا وَحَّدَهَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. [سورة آل عمران (3) : آية 52] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى، أي: وجد، قال الْفَرَّاءُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: رَأَى، مِنْهُمُ الْكُفْرَ وأرادوا قتله استنصر عليهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بعثه الله تعالى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَةِ نَفَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَخْرَجُوهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَأُمُّهُ يَسِيحَانِ [2] فِي الْأَرْضِ، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى رَجُلٍ فَأَضَافَهُمَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا وَكَانَ لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ جَبَّارٌ مُتَعَدٍّ فَجَاءَ ذَلِكَ الرجل يوما مغتما [3] حَزِينًا فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَمَرْيَمُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَمُ: مَا شَأْنُ زَوْجِكِ أَرَاهُ كَئِيبًا، قَالَتْ: لَا تَسْأَلِينِي، قَالَتْ: أَخْبِرِينِي لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ كُرْبَتَهُ، قَالَتْ: إِنَّ لَنَا مَلِكًا يَجْعَلُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا أَنْ يُطْعِمَهُ وَجُنُودَهُ وَيَسْقِيَهُمُ الْخَمْرَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَالْيَوْمَ نَوْبَتُنَا وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا سَعَةٌ، قَالَتْ: فَقُولِي له لا تهتم فَإِنِّي آمُرُ ابْنِي فَيَدْعُو لَهُ فَيُكْفَى ذَلِكَ، فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عِيسَى: إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ وَقَعَ شرّ، قالت: فلا تبالي فَإِنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَأَكْرَمَنَا، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَقُولِي لَهُ إِذَا اقْتَرَبَ ذَلِكَ فَامْلَأْ قُدُورَكَ وَخَوَابِيكَ مَاءً، ثُمَّ أَعْلِمْنِي، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَحَوَّلَ مَاءُ الْقُدُورِ [4] مَرَقًا وَلَحْمًا وَمَاءُ الْخَوَابِي خَمْرًا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ أَكَلَ فَلَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ قَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الْخَمْرُ؟ قَالَ: مَنْ أَرْضِ كَذَا، قَالَ الْمَلِكُ: فَإِنَّ خَمْرِي مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ، قَالَ: هِيَ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى، فَلَمَّا خَلَطَ عَلَى الْمَلِكِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنَا أُخْبِرُكَ عِنْدِي غُلَامٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَإِنَّهُ دَعَا اللَّهُ فَجَعَلَ الْمَاءَ خَمْرًا [5] ، وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا دَعَا اللَّهَ حتى جعل الماء خمرا ليجاء به إليّ حَتَّى يُحْيِيَ ابْنِي، فَدَعَا عِيسَى فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عِيسَى: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ إِنْ عَاشَ وقع شر، قال الْمَلِكُ: لَا أُبَالِي أَلَيْسَ أَرَاهُ حيا؟ فقال عِيسَى: إِنْ أَحْيَيْتُهُ تَتْرُكُونِي وَأُمِّي نذهب حيث

_ (1) في المخطوط «ذكرنا» . (2) في المطبوع «يسبحان» . [.....] (3) في المطبوع وط «مهتما» . (4) في المطبوع «القدر» . (5) زيد في المطبوع وحده «ومرقا ولحما» .

نَشَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَدَعَا اللَّهَ فَعَاشَ الْغُلَامُ فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ مملكته قد عاش تبادروا إلى السلاح، وَقَالُوا: أَكَلَنَا هَذَا حَتَّى إِذَا دَنَا مَوْتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْنَا ابْنَهُ، فَيَأْكُلُنَا كَمَا أَكَلَ أبوه، فاقتتلوا وذهب عِيسَى وَأُمُّهُ فَمَرَّ بِالْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قالوا: نَصْطَادُ السَّمَكَ، قَالَ: أَفَلَا تَمْشُونَ حَتَّى نَصْطَادَ النَّاسَ، قَالُوا: وَمَنْ أنت؟ قال: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، فَآمَنُوا بِهِ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ [1] . قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ، قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، تَقُولُ الْعَرَبُ: الذَّوْدُ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ، أَيْ: مَعَ الذود كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النِّسَاءِ: 2] ، أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: إِلى، بِمَعْنَى فِي، أَيْ: مَنْ أَعْوَانِي فِي اللَّهِ، أَيْ: فِي ذَاتِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ، وقيل: إِلى على مَوْضِعِهِ [2] مَعْنَاهُ: مَنْ يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَةِ اللَّهِ لِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَوَارِيِّينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانُوا صَيَّادِينَ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَقِيلَ: كَانُوا مَلَّاحِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا قَصَّارِينَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ، أَيْ: يُبَيِّضُونَهَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: أسلمت [3] مَرْيَمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَعْمَالٍ شَتَّى، فَكَانَ آخِرُ مَا دَفَعَتْهُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ وَكَانُوا قَصَّارِينَ وَصَبَّاغِينَ، فَدَفَعَتْهُ إِلَى رَئِيسِهِمْ لِيَتَعَلَّمَ منه فاجتمع عنده ثياب [كثيرة، لتصبغ على ألوان شتى] [4] ، وَعَرَضَ لَهُ سَفَرٌ فَقَالَ لِعِيسَى: إِنَّكَ قَدْ تَعَلَّمْتَ هَذِهِ الْحِرْفَةَ وَأَنَا خَارِجٌ فِي سَفَرٍ لَا أَرْجِعُ إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَهَذِهِ ثياب مختلفة الألوان وقد علّمت كل واحد بِخَيْطٍ عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي يُصْبَغُ به، فأحب [5] أَنْ تَكُونَ فَارِغًا مِنْهَا وَقْتَ قدومي، وخرج فطبخ عيسى حبّا [6] وَاحِدًا عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ وَأَدْخَلَ جميع الثياب [فيه] [7] ، وَقَالَ: كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى مَا أُرِيدَ مِنْكِ، فَقَدِمَ الْحَوَارِيُّ والثياب كلها في الحب، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: فَرَغْتُ [مِنْهَا] [8] ، قَالَ: أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: في الحب، قَالَ: كُلُّهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لقد أفسدت تلك الثياب، قال: قُمْ فَانْظُرْ، فَأَخْرَجَ عِيسَى ثَوْبًا أَحْمَرَ وَثَوْبًا أَصْفَرَ وَثَوْبًا أَخْضَرَ إِلَى أَنْ أَخْرَجَهَا عَلَى الْأَلْوَانِ التي أرادها [ذلك الحواري] [9] ، فجعل الحواري يتعجّب ويعلم أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ [تَعَالَى] ، فَقَالَ لِلنَّاسِ [10] : تَعَالَوْا فَانْظُرُوا، فَآمَنَ بِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِصَفَاءِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: سُمُّوا بِهِ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا، وَأَصْلُ الْحَوَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ، [يُقَالُ: رَجُلٌ أَحْوَرُ وَامْرَأَةٌ حَوْرَاءُ، أَيْ: شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ] [11] ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْأَصْفِيَاءُ، وَهُمْ كَانُوا أَصْفِيَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، قَالَ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ الحواريين، قال: هم الذين تصلح لهم الخلافة، وعنه أيضا أَنَّهُ قَالَ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْوُزَرَاءُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَوَارِيُّونَ الْأَنْصَارُ، وَالْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ، وَالْحَوَارِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خَاصَّةً: الرَّجُلُ الَّذِي يَسْتَعِينُ بِهِ فيما ينويه.

_ (1) هذا الخبر من الإسرائيليات، لا حجة فيه البتة، والسدي روى الكثير عن أهل الكتاب. (2) في المطبوع «في موضعها» وفي- ط «في موضعه» . (3) في المطبوع وط «سلمت» والمثبت عن المخطوط والقرطبي (4/ 96) . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في- ط «فيجب» . (6) تصحف في المخطوط إلى «جنسا» وفي ط «جبا» والمثبت هو الصواب، والحب وعاء كبير كان يستخدم قديما. (7) زيادة عن المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط. (10) في المطبوع «الناس» . (11) زيد في المطبوع وط. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 53 الى 54]

«386» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» . قَالَ سُفْيَانُ: الْحَوَارِيُّ: النَّاصِرُ [1] . قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَجَعْفَرٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ، أَعْوَانُ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ، يَا عيسى، بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 53 الى 54] رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ، مِنْ كِتَابِكَ [2] ، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ، عِيسَى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، الَّذِينَ شَهِدُوا لِأَنْبِيَائِكَ بِالصِّدْقِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَعَ النَّبِيِّينَ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدُ أُمَّتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ للرسل بالبلاغ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَكَرُوا، يَعْنِي: كُفَّارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَحَسَّ عِيسَى منهم الكفر، دبروا فِي قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، [وذلك أن عيسى] [3] بَعْدَ إِخْرَاجِ قَوْمِهِ [إِيَّاهُ] وَأُمَّهُ [من بينهم] [4] عَادَ إِلَيْهِمْ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ، وَصَاحَ فيهم بالدعوة فهمّوا بقتله وتواطؤوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ فَذَلِكَ مَكْرُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، فَالْمَكْرُ مِنَ المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة و [5] ، من الله: استدراج

_ 386- إسناده صحيح على شرط البخاري، الحميدي هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي أبو بكر، سفيان هو ابن عيينة، أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2997) عن الحميدي بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2847 و7261 ومسلم 2415 والنسائي في «الكبرى» (8860) وأحمد 3/ 307 وأبو عوانة 4/ 301 من طريق سفيان بن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2846 و4113 ومسلم 2415 والترمذي 3745 والنسائي في «الكبرى» (8211 و11159) وابن ماجه 122 وأحمد 3/ 365 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 431) والبغوي في «شرح السنة» (3811) من طرق عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر به. - وأخرجه البخاري 3719 وأحمد 3/ 338 من طريق عبد العزيز عن ابن المنكدر به. - وأخرجه ابن أبي شيبة 12/ 92 ومسلم 2415 وأحمد 3/ 314 وابن حبان 6985 عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ ابن المنكدر به. (1) إلى هنا لفظ البخاري. (2) في المخطوط «آياتك» والمثبت عن المطبوع وط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع وط «والمكر» بدل «و» .

الْعَبْدِ وَأَخْذُهُ بَغْتَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ، كَمَا قَالَ: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الْأَعْرَافِ: 182] ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ عَزَّ وجلّ مجازاته [1] عَلَى مَكْرِهِمْ، فَسَمَّى الْجَزَاءَ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ [2] لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 15] ، وَهُوَ خادِعُهُمْ [النِّسَاءِ: 142] ، وَمَكْرُ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً بِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ إِلْقَاؤُهُ الشَّبَهَ عَلَى صَاحِبِهِمُ الَّذِي أَرَادَ قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى قُتِلَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [3] : أَنَّ عِيسَى اسْتَقْبَلَ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ ابْنُ السَّاحِرَةِ وَالْفَاعِلُ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، وَقَذَفُوهُ وَأَمَّهُ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ منهم دَعَا عَلَيْهِمْ، وَلَعَنَهُمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يَهُوذَا رَأْسُ الْيَهُودِ وَأَمِيرُهُمْ، فَزِعَ لِذَلِكَ وَخَافَ دَعْوَتَهُ، فَاجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ الْيَهُودِ عَلَى قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، [فثاروا إليه] [4] ليقتلوه فبعث الله جِبْرِيلَ فَأَدْخَلَهُ فِي خَوْخَةٍ فِي سقفها روزنة فرفعه إِلَى السَّمَاءِ مِنْ تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، فَأَمَرَ يَهُوذَا رَأْسُ الْيَهُودِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ: طَطْيَانُوسُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَوْخَةَ وَيَقْتُلَهُ، فَلَمَّا دخل غرفته لَمْ يَرَ عِيسَى فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ يُقَاتِلُهُ فِيهَا فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسَى عَلَيْهِ السلام، فلما خرج [عليهم] [5] ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، قَالَ وَهْبٌ: طَرَقُوا عِيسَى فِي بَعْضِ اللَّيْلِ وَنَصَبُوا [له] [6] خشبة ليصلبوه [عليها] [7] ، فَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَجَمَعَ عِيسَى الْحَوَارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْصَاهُمْ ثُمَّ قَالَ: لَيَكْفُرَنَّ بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ وَيَبِيعُنِي بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ [8] الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسَى، فَرُفِعَ عِيسَى، وَأُخِذَ الَّذِي دَلَّهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِهِ، وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ عِيسَى، فَلَمَّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسَى جاءت مريم وَامْرَأَةٌ كَانَ عِيسَى دَعَا لَهَا فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ تَبْكِيَانِ عِنْدَ الْمَصْلُوبِ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُمَا: عَلَامَ تَبْكِيَانِ إن الله قَدْ رَفَعَنِي وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، فَلَّمَا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أيام [من فعلهم] [9] ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: اهْبِطْ عَلَى مَرْيَمَ الْمَجْدَلَانِيَّةِ. اسْمُ مَوْضِعٍ فِي جَبَلِهَا. فَإِنَّهُ لَمْ يَبْكِ [عَلَيْكَ] أَحَدٌ بكاءها، ولم يحزن عليك أحد حُزْنَهَا، ثُمَّ لِيَجْتَمِعَ لَكَ الْحَوَارِيُّونَ فَبُثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ دُعَاةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَهْبَطَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا فَاشْتَعَلَ الْجَبَلُ حِينَ هَبَطَ نورا فجمعت له الْحَوَارِيُّونَ فَبُثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ دُعَاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ هِيَ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيهَا النَّصَارَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْحَوَارِيُّونَ حَدَّثَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِلُغَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ عِيسَى إِلَيْهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ الْيَهُودَ حَبَسُوا عِيسَى فِي بَيْتٍ وَعَشْرَةً مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، فدخل عليهم رجل منهم ليقتله فألقى الله عليه شبهه [فقتل وصلب] [10] ، وَقَالَ قَتَادَةُ: [11] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُقْذَفُ عَلَيْهِ شبهي فإنه مقتول، فقال

_ (1) في المطبوع وط «مجازاتهم» . (2) في المخطوط «الاعتداء» والمثبت عن المطبوع وط و «تفسير القرطبي» . (3) لا أصل له عن ابن عباس، الكلبي متروك متهم. (4) في المطبوع «وساروا» بدل المثبت. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع «وكلفت» . [.....] (9) زيادة عن المخطوط. (10) زيادة عن المخطوط. (11) هذا من الإسرائيليات.

[سورة آل عمران (3) : آية 55]

رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَمَنَعَ اللَّهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ورفعه إليه وكساه الرِّيشَ وَأَلْبَسَهُ النُّورَ وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَطَارَ مَعَ الملائكة [الكرام] [1] ، فهو معهم حول العرش، وصار [2] إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَمَائِيًّا أَرْضِيًّا، قَالَ أَهْلُ التَّوَارِيخِ [3] : حَمَلَتْ مَرْيَمُ بِعِيسَى وَلَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَتْ عِيسَى بِبَيْتِ لَحْمٍ مِنْ أَرْضِ أُورِي شَلِمَ لِمُضِيِّ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أرض بابل، وأوحى اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ سنة، ورفعه إليه [4] مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثلاث سنين، وعاشت أمّه بعد رفعه ست سنين، [فتوفيت مريم عليها السلام وهي بنت اثنتين وخمسين سنة] [5] . [سورة آل عمران (3) : آية 55] إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) . إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ، اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى [6] التَّوَفِّي هَاهُنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: إني قابضك ورافعك من الدُّنْيَا إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي [الْمَائِدَةِ: 117] ، أَيْ: قَبَضْتَنِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا حَيٌّ، لِأَنَّ قَوْمَهُ إنما تنصّروا بعد رفعه لَا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا لِلتَّوَفِّي تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا: إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَافِيًا لَمْ يَنَالُوا مِنْكَ شَيْئًا، مِنْ قَوْلِهِمْ: تَوَفَّيْتُ كَذَا وَاسْتَوْفَيْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ تَامًّا، وَالْآخَرُ: إني متسلمك [7] ، مِنْ قَوْلِهِمْ تَوَفَّيْتُ مِنْهُ كَذَا، أَيْ: تَسَلَّمْتُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنس: المراد بالتوفي النوم، وَكَانَ عِيسَى قَدْ نَامَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ نَائِمًا إِلَى السَّمَاءِ، مَعْنَاهُ إني منيمك وَرَافِعُكَ إِلَيَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام: 60] ، أي: ينيمكم بالليل، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي الْمَوْتُ، وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ [أَبِي] [8] طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنِّي مُمِيتُكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السَّجْدَةِ: 11] ، فَعَلَى هَذَا لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا مَا قاله وهب [بن منبه] [9] : تَوَفَّى اللَّهُ عِيسَى ثَلَاثَ سَاعَاتٍ من النهار ثم أحياه ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ أحياه ورفعه إليه، وَالْآخَرُ: مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا مَعْنَاهُ: أَنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إِنْزَالِكَ مِنَ السَّمَاءِ. «387» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شريح أخبرنا أبو القاسم

_ 387- إسناده صحيح على شرط البخاري، حيث تفرد عن علي بن الجعد دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» (4170) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق أبي القاسم البغوي وهو في «الجعديات» (2973) بهذا الإسناد. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المخطوط وط «وكان» والمثبت أقرب سياقا. (3) في المطبوع «التاريخ» . (4) في المطبوع «الله» . (5) زيد في المطبوع وحده. (6) في المطبوع «بعض» وهو تصحيف. (7) في المخطوط «مستلمك» . (8) زيادة عن كتب التراجم. (9) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 56 الى 59]

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أَنَّهُ] [1] قال: «والذي نفسي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، فيفيض الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ [2] » . ع «388» وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُزُولِ عيسى عليه السلام قال: «يهلك [الله] [3] فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَهْلَكُ الدَّجَّالُ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» . وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ: هَلْ تَجِدُ نُزُولَ عِيسَى فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قوله: وَكَهْلًا وهو لم يَكْتَهِلْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ «وَكَهْلًا» بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ: مُخْرِجُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَمُنْجِيكَ مِنْهُمْ، وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَالشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا دِينَهُ [فِي التَّوْحِيدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلّم] [4] ، فهم [5] فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظَاهِرِينَ قَاهِرِينَ بِالْعِزَّةِ وَالْمَنْعَةِ وَالْحُجَّةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْحَوَارِيِّينَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وقيل هم الرُّومِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ النَّصَارَى، أي: فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَدْ ذَهَبَ مُلْكُهُمْ، وَمُلْكُ النَّصَارَى دَائِمٌ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَعَلَى هذا يكون الاتباع [في الآية] [6] بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَالْمَحَبَّةِ، لَا اتِّبَاعَ الدِّينِ، ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، فِي الْآخِرَةِ، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، من الدين وأمر عيسى. [سورة آل عمران (3) : الآيات 56 الى 59] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) . فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا، بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ والجزية والذّلّة، وَالْآخِرَةِ، أي: في الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.

_ - وأخرجه البخاري 2476 و3448 ومسلم 155 ح 242 وابن ماجه 4078 وعبد الرزاق 20840 والحميدي 1097 وابن أبي شيبة 15/ 144 وأحمد 2/ 240 والطحاوي في «المشكل» (103 و104) والآجري في «الشريعة» ص (380- 381) وابن مندة في «الإيمان» (408 و409 و410 و411) من طرق عن الزهري به. - وأخرجه البخاري 2222 ومسلم 155 والترمذي 2233 وأحمد 2/ 537 وابن حبان 6818 وابن مندة 407 من طرق عن الليث بن سعد، عن الزهري به. [.....] 388- ع جيد. أخرجه أبو داود 4324 وأحمد 2/ 406 و437 وابن حبان 6821 والحاكم 2/ 595 والطبري 7141 من طريق قتادة عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم قال: «ليس بيني وبينه نبي- يعني عيسى عليه السلام- وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه ... » وإسناده جيد رجاله رجال الشيخين غير عبد الرحمن بن آدم فإنه من رجال مسلم، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «وما أقول» بدل «أحد» . (3) زيادة عن المخطوط و «سنن أبي داود» . (4) زيد في المطبوع وط. (5) في المطبوع «فهو» . (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 60 الى 61]

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ، قَرَأَ] الْحَسَنُ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ [2] ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ، أَيْ: نُوَفِّي [3] أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، أَيْ: لَا يَرْحَمُ الْكَافِرِينَ ولا يثني عليهم بالجميل. ذلِكَ، أي: هذا الذي ذكرت [4] مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى وَمَرْيَمَ والحواريين نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، يعني: نُخْبِرُكَ بِهِ بِتِلَاوَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ، مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، يَعْنِي: القرآن [و] [5] الذكر ذِي الْحِكْمَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، أَيِ: الْمُحْكَمُ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَقِيلَ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ: هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، وَقِيلَ: مِنَ الآيات، أي: من الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا قَارِئُ كتاب [الله] [6] أَوْ مَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَأَنْتَ أمّي لا تقرأ. إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ الآية: ع «389» نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا، قَالَ: «وَمَا أَقُولُ؟» قَالُوا: تَقُولُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ» ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: هَلْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا قَطُّ مِنْ غَيْرِ أب؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ، فِي كَوْنِهِ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَمَثَلِ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ، يَعْنِي: لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، كُنْ فَيَكُونُ، يَعْنِي: فَكَانَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَلَا تَكْوِينَ بَعْدَ الْخَلْقِ، قيل: معناه خَلَقَهُ ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنِّي قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِي الْخَلْقِ كَمَا يَكُونُ فِي الْوِلَادَةِ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ دِرْهَمًا ثُمَّ أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا، أَيْ: ثُمَّ أُخْبِرُكَ [7] أَنِّي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا، وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ التَّمْثِيلِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ: هُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِنَوْعِ شَبَهٍ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ عِيسَى إِلَى آدَمَ عليهم السلام بنوع شبه. [سورة آل عمران (3) : الآيات 60 الى 61] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) . قَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، [أَيْ: هُوَ الْحَقُّ] [8] ، وَقِيلَ: جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، أي: الشاكّين، الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، والمراد أمّته. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: جادلك في أمر عِيسَى أَوْ فِي الْحَقِّ، مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ

_ 389- ع أخرجه الطبري 7156 من حديث ابن عباس وإسناده ضعيف، فيه عطية العوفي وهو ضعيف. لكن ورد مرسلا من وجوه فقد أخرجه الطبري 7158 عن قتادة مرسلا و7159 عن السدي 71560 عن عكرمة. وانظر ما بعده. (1) زيد في المطبوع «ورش» . (2) قرأ حفص «فيوفيهم» وقرأ رويس «فيوفيهم» . وقرأ روح «فنوفيهم» والباقون «فنوفيهم» . (3) في المطبوع «يوفيهم» . (4) في المطبوع «ذكرته لك» . (5) كذا في المطبوع وط وفي المخطوط «أي» بدل «و» . (6) زيد في المطبوع وهو مثبت في «الوسيط» (1/ 442) . [.....] (7) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «أخبرتك» . (8) سقط من المخطوط.

مِنَ الْعِلْمِ، بِأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَقُلْ تَعالَوْا، وَأَصْلُهُ تَعَالَيُوا تَفَاعَلُوا مِنَ الْعُلُوِّ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ، قَالَ الفراء: بمعنى تعالى كأنه يقول [1] : ارتفع، نَدْعُ، جزم [على] [2] جواب الْأَمْرِ، وَعَلَامَةُ الْجَزْمِ سُقُوطُ الْوَاوِ، أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، قِيلَ: أَبْنَاءَنَا [أَرَادَ] [3] الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَنِسَاءَنَا فَاطِمَةَ وَأَنْفُسَنَا عَنَى نَفْسَهُ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ عَمِّ الرَّجُلِ نَفْسَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الْحُجُرَاتِ: 11] ، يُرِيدُ إِخْوَانَكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ لجماعة أَهْلُ الدِّينِ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ نَتَضَرَّعُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَجْتَهِدُ وَنُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَلْتَعِنُ [4] وَالِابْتِهَالُ الِالْتِعَانُ، يُقَالُ عَلَيْهِ بَهْلَةُ الله، أي: لعنته، فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ، مِنَّا وَمِنْكُمْ في أمر عيسى. ع «390» فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، قَالُوا: حَتَّى نَرْجِعَ وَنَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِيكَ غَدًا فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا لِلْعَاقِبِ وكان إذا رَأْيِهِمْ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ مَا تَرَى؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَاللَّهِ مَا لَاعَنَ قوم نبيّا قط فبقي [5] كبيرهم ونبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لتهلكنّ [عن آخركم] [6] ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ فَوَادِعُوا الرَّجُلَ وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَضِنًا لِلْحُسَيْنِ آخِذًا بِيَدِ الْحَسَنِ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وَعَلِيٌّ خَلْفَهَا، وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِذَا أَنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا» ، فَقَالَ أُسْقُفُّ نَجْرَانَ: يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى إِنِّي لِأَرَى وُجُوهًا لَوْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِنْ مَكَانِهِ لِأَزَالَهُ، فَلَا تَبْتَهِلُوا فَتَهْلَكُوا وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَصْرَانِيٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لَا نُلَاعِنَكَ وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَثْبُتَ عَلَى دِينِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنْ أَبَيْتُمُ الْمُبَاهَلَةَ فَأَسْلِمُوا، يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ» ، فَأَبَوْا فَقَالَ: «فإني أنابذكم [بالحرب] [7] » ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بِحَرْبِ الْعَرَبِ طَاقَةٌ، وَلَكِنَّا نُصَالِحُكَ عَلَى أَنْ لا تغزونا ولا

_ 390- ع أخرجه أبو نعيم في «الدلائل» (245) عن ابن عباس بأتم منه، وفيه محمد بن مروان، وهو متهم بالكذب كما قال الحافظ في «تخريج الكشاف» 1/ 369 وفيه الكلبي متروك متهم. - وورد نحوه عن الشعبي مرسلا أخرجه الطبري 7176 وهو مرسل حسن رجاله ثقات. ووصله الحاكم 2/ 594 لكن دون عجزه وكرره 7177 عن ابن إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بن الزبير مرسلا وذكره الواحدي في «الوسيط» (1/ 444- 445) بنحوه بدون إسناد. - وورد بعضه عن ابن عباس بلفظ «صالح رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم أهل نجران على ألفي حلة النصف في صفر والبقية في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا» الحديث. أخرجه أبو داود 3041 وإسناده ضعيف لأنه من رواية إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن ابن عباس وعبد الرحمن لين الحديث، وفي سماعه من ابن عباس نظر، وبهذا يتبين أن لبعض ألفاظ الحديث شواهد وبعضها غريب، والله أعلم. تنبيه: لفظ «ولو تلاعنوا ... » منكر ليس من كلام النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تفرد به الكلبي وعنه السدي الصغير، وهما متهمان. (1) في المخطوط «قال» . (2) في المطبوع «ل» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في المطبوع «نبتهل» وفي المخطوط «نلتفت» والمثبت عن- ط- وكتب الأثر. (5) في المطبوع وط «فعاش» وفي المخطوط «فنجى» والمثبت عن كتب التخريج والأثر. (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 64]

تُخِيفَنَا [1] ، وَلَا تَرُدَّنَا عَنْ دِينِنَا [عَلَى] [2] أَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كُلَّ عَامٍ أَلْفَيْ حُلَّةٍ أَلْفًا فِي صَفَرَ وَأَلْفًا فِي رَجَبٍ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْعَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ تَلَاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَلَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوَادِي نَارًا وَلَاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرَانَ وَأَهْلَهُ حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ، وَلَمَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النصارى حتى هلكوا» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 64] إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ: النَّبَأُ الْحَقُّ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، [ومِنْ صِلَةٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَا إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ] [3] ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا، أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ الآية: ع «391» قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ الْمَدِينَةَ فَالْتَقَوْا مَعَ الْيَهُودِ فَاخْتَصَمُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَهُمْ عَلَى دِينِهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وزعمت [4] اليهود: أنه [5] كَانَ يَهُودِيًّا وَهُمْ عَلَى دِينِهِ وأولى الناس به، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، بَلْ كَانَ [إِبْرَاهِيمُ] [6] حَنِيفًا مُسْلِمًا وَأَنَا عَلَى دِينِهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فاتبعوا دينه الْإِسْلَامِ» ، [فَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَكَ رِبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى رَبًّا؟] [7] وَقَالَتِ النَّصَارَى: يَا مُحَمَّدُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقُولَ فِيكَ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ. وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قِصَّةٍ لَهَا شَرْحٌ كَلِمَةٍ وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَصِيدَةُ كَلِمَةً سَوَاءٍ عَدْلٍ بَيْنَنَا وبينكم

_ 391- ع لم أره بهذا السياق، وأخرجه الطبري 7198 و7294 و7295 والبيهقي في «الدلائل» (5/ 186) من حديث ابن عباس قال: «اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله فيه يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ إلى قوله وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ فقال أبو رافع القرظي: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران: أذلك تريد يا محمد؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره. ما بذلك بعثني ولا أمرني. فأنزل الله في ذلك من قولهما: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 79- ثم ذكر ما أخذ عليهم، وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم فقال: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ إلى قوله: مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: 81- اهـ. وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد، وهو مجهول. (1) في المطبوع «تخفينا» والمثبت عن- ط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) سقط من المخطوط. [.....] (4) في المطبوع وط «وقالت» . (5) في المطبوع «بل» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) سقط من المخطوط.

مُسْتَوِيَةٍ أَيْ أَمْرٍ مُسْتَوٍ، يُقَالُ دَعَا فَلَانَ إِلَى السَّوَاءِ، أَيْ إِلَى النَّصَفَةِ، وَسَوَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات: 55] ، [أي في وسطه] [1] وَإِنَّمَا قِيلَ: لِلنِّصْفِ سَوَاءٌ لِأَنَّ أَعْدَلَ الْأُمُورِ وَأَفْضَلَهَا أَوْسَطُهَا، وَسَوَاءٌ نَعْتٌ لِكَلِمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ [2] لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ وَلَا تُؤَنَّثُ، فَإِذَا فَتَحْتَ السِّينَ مدت [3] ، وإذ كسرت أو ضمّت قَصَرْتَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَكاناً سُوىً [طه: 58] ، ثُمَّ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ فَقَالَ: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَمَحَلُّ أَنْ رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ هِيَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: محلّه نصب بنزع حرف الصلة [4] ، مَعْنَاهُ بِأَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ بَدَلًا مِنَ الْكَلِمَةِ أَيْ: تَعَالَوْا إِلَى [5] أَنْ لَا نَعْبُدَ [إِلَّا] اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [التَّوْبَةِ: 31] ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أَيْ لَا نسجد [6] لِغَيْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نُطِيعُ أَحَدًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا، أي: فقولوا أنتم [يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم] [7] لَهُمُ: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ مُخْلِصُونَ بِالتَّوْحِيدِ. «392» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا [مُحَمَّدُ بْنُ] [8] يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزهري أخبرنا مُحَمَّدِ بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم مادّ [9] فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكَفَّارَ قُرَيْشٍ فأتوه وهو بإيليا فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الروم ثم دعا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دحية [10] إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هرقل فقرأه فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإسلام أسلم تسلم يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تولّيت فإنّما عليك

_ 392- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، شعيب هو ابن أبي حمزة، وأبو حمزة اسمه دينار. وهو في «شرح السنة» (3209) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (7) عن أبي اليمان بهذا الإسناد. مطوّلا. - وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (97240) عن معمر عن الزهري به، ومن طريق عبد الرزاق. أخرجه البخاري 4553 ومسلم 1773 وأحمد 1/ 263 وابن حبان 6555 واللالكائي في «أصول الاعتقاد» (1457) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 380- 381) . - وأخرجه البخاري 2941 و5980 ومسلم 1773 والترمذي 2717 وابن مندة في «الإيمان» (143) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 381- 383) من طرق عن الزهري به. (1) سقط من المخطوط وط. (2) في المطبوع «المصدر» . (3) في المطبوع وط «مددت» . (4) كذا في المطبوع، وفي المخطوط وط «الصفة» . (5) زيد في المطبوع عقب إلى «كلمة» وقد سقط لفظ: «إلى كلمة» من المخطوط. (6) في المخطوط وط «تسجدوا» . (7) زيد في المطبوع وحده. (8) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» . (9) كذا في المطبوع و «شرح السنة» و «صحيح البخاري» وفي المخطوط وط «عاهد» . [.....] (10) زيد في المطبوع عقب لفظ: دحية «بن خليفة الكلبي وأمره أن يدفعه» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 65 الى 66]

إثم الأريسيين ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) . [سورة آل عمران (3) : الآيات 65 الى 66] يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ تَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِكُمْ، وَإِنَّمَا دِينُكُمُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ وَقَدْ حَدَثَتِ الْيَهُودِيَّةُ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ، أي: [وإنما أنزلت التوراة والإنجيل] [1] بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى أَلْفُ سَنَةٍ وَبَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى أَلْفَا سَنَةٍ أَفَلا تَعْقِلُونَ بُطْلَانَ قَوْلِكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: هَا أَنْتُمْ بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ، حَيْثُ كَانَ مَدَنِيٌّ، وَأَبُو عَمْرٍو والباقون بالهمزة وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أصله أنتم، وهاء تَنْبِيهٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَصْلُهُ أَأَنْتُمْ، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى هَاءً كَقَوْلِهِمْ: هَرَقْتَ الْمَاءَ وَأَرَقْتَ، هؤُلاءِ أَصْلُهُ أُولَاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَاءُ التَّنْبِيهِ، وهو مَوْضِعِ النِّدَاءِ يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ أَنْتُمْ، حاجَجْتُمْ [جَادَلْتُمْ] فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، يَعْنِي: فِي أَمْرِ مُوسَى وَعِيسَى، وَادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى دِينِهِمَا، وَقَدْ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عَلَيْكُمْ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، [وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَقِيلَ: حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ] [2] ، يَعْنِي: فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كِتَابِهِمْ، فَجَادَلُوا فِيهِ بِالْبَاطِلِ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ وَلَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، ثُمَّ برّأ الله تعالى إبراهيم عمّا قالوا، فقال: [سورة آل عمران (3) : الآيات 67 الى 68] مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) ، وَالْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ [كُلِّهَا] [3] إِلَى الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقِيلَ: الْحَنِيفُ الَّذِي يُوَحِّدُ وَيَحُجُّ وَيُضَحِّي ويختنن وَيَسْتَقْبِلُ [4] الْكَعْبَةَ وَهُوَ أَسْهَلُ الْأَدْيَانِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، أَيْ: مَنِ اتّبعه في زمانه وملّته بعده، وَهذَا النَّبِيُّ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا، يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. ع «393» رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بإسناد [5]

_ 393- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (211) فقال: وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس، وروى أيضا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، وذكره مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وقد دَخْلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ.... ثم ذكره الواحدي بهذا السياق. - وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (2/ 301- 306) من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن (1) زيادة عن المخطوط. (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) كذا في المطبوع وط. وفي المخطوط «ويصلي إلى» . (5) في المطبوع وط «بِإِسْنَادِهِ» .

حَدِيثَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ: لَمَّا هَاجَرَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَاسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدَّارُ وَهَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ بَدْرٍ مَا كَانَ، اجتمعت قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَقَالُوا: إن لنا في الذين هم عِنْدَ النَّجَاشِيِّ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَأْرًا مِمَّنْ قُتِلَ مِنْكُمْ بِبَدْرٍ، فَاجْمَعُوا مَالًا وَأَهْدُوهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ لَعَلَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْكُمْ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قومكم، ولينتدب ذلك رَجُلَانِ مِنْ ذَوِي رَأْيِكُمْ، فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ [1] بْنَ أبي معيط مَعَ الْهَدَايَا الْأُدُمَ وَغَيْرِهِ، فَرَكِبَا الْبَحْرَ وَأَتَيَا الْحَبَشَةَ، فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ وَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَقَالَا لَهُ: إِنَّ قَوْمَنَا لك ناصحون شاكرون ولأصحابك مُحِبُّونَ، وَإِنَّهُمْ بَعَثُونَا إِلَيْكَ لِنُحَذِّرَكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ لِأَنَّهُمْ قَوْمُ رَجُلٍ كَذَّابٍ خَرَجَ فِينَا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا السُّفَهَاءُ وَإِنَّا كُنَّا قَدْ ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ وَأَلْجَأْنَاهُمْ إِلَى شِعْبٍ بِأَرْضِنَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ [قَدْ قَتَلَهُمُ] [2] الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ بَعَثَ إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّهِ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَمُلْكَكَ وَرَعِيَّتَكَ، فَاحْذَرْهُمْ وَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا لِنَكْفِيَكَهُمْ، وَقَالَا [3] : وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ لَا يَسْجُدُونَ لَكَ وَلَا يُحَيُّونَكَ بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّيكَ بِهَا النَّاسُ رَغْبَةً عَنْ دِينِكَ وَسُنَّتِكَ، قَالَ: فَدَعَاهُمُ النَّجَاشِيُّ، فَلَمَّا حَضَرُوا صَاحَ جَعْفَرٌ بِالْبَابِ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مُرُوا هَذَا الصَّائِحَ فَلْيُعِدْ كَلَامَهُ، فَفَعَلَ جَعْفَرٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: نَعَمْ فَلْيَدْخُلُوا بِأَمَانِ اللَّهِ وَذِمَّتِهِ، فَنَظَرَ عَمْرُو بن العاص إلى صاحبه وقال: أَلَا تَسْمَعُ كَيْفَ يَرْطُنُونَ [4] بِحِزْبِ اللَّهِ، وَمَا أَجَابَهُمْ بِهِ النَّجَاشِيُّ، فَسَاءَهُمَا ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَلَّا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ يَسْجُدُوا لَكَ، فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تسجدوا إليّ وَتُحَيُّونِي بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّينِي بِهَا مَنْ أَتَانِي مِنَ الْآفَاقِ؟ قَالُوا: نَسْجُدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَمُلْكَكَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ التَّحِيَّةُ لَنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ فينا نبيا صادقا وأمرنا بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي رَضِيَهَا اللَّهُ وَهِيَ السَّلَامُ، تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَعَرَفَ النَّجَاشِيُّ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ، وَأَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ: أَيُّكُمُ الْهَاتِفُ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا، قَالَ: فَتَكَلَّمْ، قَالَ: إِنَّكَ مَلِكٌ مَنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يَصْلُحُ عِنْدَكَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَلَا الظُّلْمُ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُجِيبَ عَنْ أَصْحَابِي، فَمُرْ هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَلْيَتَكَلَّمْ أَحَدُهُمَا وَلْيُنْصِتِ الْآخَرُ، فَتَسْمَعُ مُحَاوَرَتَنَا، فَقَالَ عَمْرٌو لِجَعْفَرٍ: تَكَلَّمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ لِلنَّجَاشِيِّ: سَلْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَعَبِيدٌ نَحْنُ أَمْ أَحْرَارٌ، فَإِنْ كُنَّا عَبِيدًا أَبَقْنَا مِنْ أَرْبَابِنَا فَارْدُدْنَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَعَبِيدٌ هُمْ أَمْ أَحْرَارٌ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: نَجَوْا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: سَلْهُمَا هَلْ أَهْرَقْنَا دَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَيُقْتَصُّ منّا؟ فقال عمرو: لا ولا قطرة، فقال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها؟ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنْ كَانَ قِنْطَارًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا وَلَا قِيرَاطًا، قَالَ النَّجَاشِيُّ: فَمَا تَطْلُبُونَ مِنْهُمْ؟ قَالَ عَمْرٌو: كُنَّا وَهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمْرٍ وَاحِدٍ، عَلَى دِينِ آبَائِنَا فَتَرَكُوا ذلك

_ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هشام، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قالت: ... الحديث. - وأخرجه عبد بن حميد كما في «الدر» (2/ 73- 74) من طريق شهر بن حوشب قال: حدثني ابن غنم أنه لما أن خرج أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص ... فذكره. - وحديث الهجرة أخرجه أيضا الحاكم 2/ 309- 310 والبيهقي 2/ 299- 300 من حديث أبي موسى وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (1) زيد في المطبوع «بن الوليد أو عمارة» والمثبت عن المخطوط و «أسباب النزول» . (2) في المطبوع «فقتلهم» . (3) في المخطوط و «أسباب النزول» «وقالوا» . (4) الرطانة: الكلام بالأعجمية.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 69 الى 72]

واتّبعوا غَيْرَهُ، فَبَعَثَنَا إِلَيْكَ قَوْمُهُمْ لِتَدْفَعَهُمْ إِلَيْنَا، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدين الذي كنتم عليه [وتركتموه] [1] وَالدِّينُ الَّذِي اتَّبَعْتُمُوهُ اصْدُقْنِي؟ قَالَ جَعْفَرٌ: أَمَّا الدِّينُ الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ فَتَرَكْنَاهُ فَهُوَ دِينُ الشَّيْطَانِ كُنَّا نَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَعْبُدُ الْحِجَارَةَ، وَأَمَّا [الدِّينُ] [2] الَّذِي تَحَوَّلْنَا إِلَيْهِ فَدِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ جَاءَنَا بِهِ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ وَكِتَابٌ مِثْلَ كِتَابِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، مُوَافِقًا لَهُ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: يَا جَعْفَرُ لقد تَكَلَّمْتَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ فَعَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ النَّجَاشِيُّ فَضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ [3] كُلُّ قِسِّيسٍ وَرَاهِبٍ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، قَالَ النَّجَاشِيُّ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى هَلْ تَجِدُونَ بَيْنَ عيسى وبين القيامة نبيّ مرسل، فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ قَدْ بَشَّرَنَا بِهِ عِيسَى، وَقَالَ: مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِي وَمَنْ كَفَرَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِي، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَاذَا يَقُولُ لَكُمْ هَذَا الرَّجُلُ؟ وَمَا يَأْمُرُكُمْ به؟ وما ينهاكم عنه؟ قال: يَقْرَأُ عَلَيْنَا كِتَابَ اللَّهِ، وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَأْمُرُ بِحُسْنِ الْجِوَارِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَبِرِّ الْيَتِيمِ، وَيَأْمُرُنَا بِأَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: اقرأ عليّ [شيئا] [4] مِمَّا يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ، فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الدَّمْعِ، وَقَالُوا: زِدْنَا يَا جَعْفَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الطَّيِّبِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الْكَهْفِ، فَأَرَادَ عَمْرٌو أَنْ يُغْضِبَ النَّجَاشِيَّ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَشْتُمُونَ عِيسَى وَأُمَّهُ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا تَقُولُونَ في عيسى وأمه؟ فقرأ جعفر عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ مَرْيَمَ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَفَعَ النَّجَاشِيُّ نُفْثَةً [5] مِنْ سواكه قدر ما يقذي الْعَيْنُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زَادَ المسيح على ما تقولون مثل هَذَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي- يَقُولُ: آمِنُونَ- مَنْ سَبَّكُمْ أَوْ آذَاكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا وَلَا تَخَافُوا فَلَا دَهْوَرَةَ الْيَوْمَ عَلَى حِزْبِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عَمْرٌو: [يَا نَجَاشِيُّ] [6] وَمَنْ حِزْبُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ وَصَاحِبُهُمُ الذي جاؤوا مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَادَّعَوْا [فِي] [7] دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ رَدَّ النَّجَاشِيُّ عَلَى عَمْرٍو وَصَاحِبِهِ الْمَالَ الَّذِي حَمَلُوهُ، وقال: إنما هديتكم إليّ رَشْوَةٌ فَاقْبِضُوهَا، فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَنِي وَلَمْ يَأْخُذْ مِنِّي رِشْوَةً، قَالَ جَعْفَرٌ: فَانْصَرَفْنَا فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ وَأَكْرَمِ جَوَارٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى في ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُصُومَتِهِمْ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) . [سورة آل عمران (3) : الآيات 69 الى 72] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ، نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ دَعَاهُمُ الْيَهُودُ إِلَى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ وَدَّتْ طائِفَةٌ، أي: تَمَنَّتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يعني اليهود، لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [يستزيلونكم] [8] عَنْ دِينِكُمْ وَيَرُدُّونَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. [.....] (3) في المطبوع «عليه» . (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) تصحف في المخطوط هذا اللفظ إلى «نفسه من سواله» . (6) سقط من المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط و «أسباب النزول» . (8) زيد في المطبوع وحده، ويدل عليه عبارة «الوسيط» (1/ 448) .

[سورة آل عمران (3) : آية 73]

يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ وَبَيَانَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، أَنَّ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَذْكُورٌ. يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ تَخْلِطُونَ الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقِيلَ: لِمَ تَخْلِطُونَ الْإِيمَانَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الْحَقُّ، بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الباطل. وقيل: لم تخلطون التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بِالْبَاطِلِ الَّذِي حَرَّفْتُمُوهُ وَكَتَبْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ، وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودينه حق. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا الآية، قال الحسن وقتادة وَالسُّدِّيُّ [1] : تَوَاطَأَ اثْنَا عَشَرَ حَبْرًا من يهود خيبر وقرى عربية [2] ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا فِي دِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم أَوَّلَ النَّهَارِ بِاللِّسَانِ دُونَ الِاعْتِقَادِ ثُمَّ اكْفُرُوا آخِرَ النَّهَارِ، وَقُولُوا: إِنَّا نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا وَشَاوَرْنَا علماءنا فوجدنا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس هو بذاك المنعوت وَظَهَرَ لَنَا كَذِبُهُ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أَصْحَابُهُ فِي دِينِهِمْ واتّهموه، وقالوا إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منّا، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَذَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ لَمَّا صُرِفَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ لِأَصْحَابِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ أَمْرِ الْكَعْبَةِ وَصَلُّوا إِلَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ اكْفُرُوا وَارْجِعُوا إِلَى قِبْلَتِكُمْ آخِرَ النَّهَارِ لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمْ أَعْلَمُ [منا] [3] ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى قِبْلَتِنَا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى سِرِّهِمْ، وَأَنْزَلَ: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا، بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ، أَوَّلَهُ سُمِّيَ وَجْهًا لِأَنَّهُ أَحْسَنُهُ وَأَوَّلُ مَا يُوَاجِهُ النَّاظِرَ فَيَرَاهُ، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ، [عند غروب الشمس] [4] ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، فَيَشُكُّونَ وَيَرْجِعُونَ عَنْ دينهم. [سورة آل عمران (3) : آية 73] وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَلَا تؤمنوا، أي: ولا تُصَدِّقُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، أي: وَافَقَ مِلَّتَكُمْ، وَاللَّامُ فِي لِمَنْ صِلَةٌ، أَيْ: لَا تُصَدِّقُوا إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينَكُمُ الْيَهُودِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ [النمل: 72] ، أَيْ: رِدْفَكُمْ. قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ، هَذَا خَبَرٌ مِنَ الله تعالى أَنَّ الْبَيَانَ بَيَانُهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فيه فمنهم من قال: هذا كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ إِخْبَارٌ عَنْ قَوْلِ الْيَهُودِ [بَعْضُهُمْ] [5] لِبَعْضٍ، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالْآيَاتِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لِأَنَّكُمْ أَصَحُّ دِينًا مِنْهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِسَفَلَتِهِمْ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ، أَيْ: لِئَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ، وَ «لَا» فِيهِ مُضْمَرَةٌ كَقَوْلِهِ تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ

_ (1) هذه مراسيل، وإسناد المصنف إلى هؤلاء الأئمة في أول الكتاب. (2) في المطبوع وط «عرينة» والمثبت عن المخطوط و «الدر المنثور» (2/ 75) والطبري 7229. (3) زيادة عن المخطوط و «أسباب النزول» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 74 الى 75]

لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النِّسَاءِ: 176] ، أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، يَقُولُ [1] : لَا تُصَدِّقُوهُمْ لِئَلَّا يَعْلَمُوا مِثْلَ مَا عَلِمْتُمْ فَيَكُونُ لَكُمُ الْفَضْلُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ [2] ، وَلِئَلَّا يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَقُولُوا: عَرَفْتُمْ أَنَّ دِينَنَا حَقٌّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ «إِنْ يُؤْتَى» بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْيَهُودِ تَامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ «أَنْ يُؤْتَى» أَنْ بِمَعْنَى: الْجَحْدِ، أَيْ: مَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يُجَادِلَكُمُ الْيَهُودُ بِالْبَاطِلِ فَيَقُولُوا: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: عِنْدَ رَبِّكُمْ، أَيْ: عند فعل رَبِّكُمْ بِكُمْ [ذَلِكَ] ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى كَمَا يُقَالُ: تَعَلَّقْ بِهِ أَوْ يُعْطِيَكَ حَقَّكَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ وَالْحُجَّةِ حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ! وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «آنْ يُؤْتَى» بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ تَحْسُدُونَهُ وَلَا تُؤْمِنُونَ بِهِ، هَذَا قول قتادة والربيع، قالا: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ بِأَنْ أَنْزَلَ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِكُمْ وَبَعَثَ نَبِيًّا حَسَدْتُمُوهُ وَكَفَرْتُمْ بِهِ، قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، قَوْلُهُ: أَوْ يُحاجُّوكُمْ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ رُجُوعٌ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى «أَنَّ» ، لِأَنَّهُمَا حَرْفَا شَرْطٍ وَجَزَاءٍ يُوضَعُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، أَيْ: وَإِنْ يُحَاجُّوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ وَنَحْنُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ نَظْمُ الْآيَةِ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ حَسَدُوكُمْ، فَقُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وَإِنْ حَاجُّوكُمْ، فقل: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنِ الْيَهُودِ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُؤْمِنُوا من كَلَامُ اللَّهِ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَشُكُّوا عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ وَتَزْوِيرِهِمْ فِي دِينِهِمْ، يَقُولُ: لَا تُصَدِّقُوا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَنْ تَبِعْ [3] دِينَكُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ ما أوتيتم من العلم والدين وَالْفَضْلِ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ فِي دِينِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَوْ [4] يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْهُدَى هدى اللَّهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، فَتَكُونُ الْآيَةُ كُلُّهَا خِطَابَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ لئلّا يرتابوا. [سورة آل عمران (3) : الآيات 74 الى 75] يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) قَوْلُهُ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، أَيْ: بِنُبُوَّتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ أَمَانَةً وَخِيَانَةً، وَالْقِنْطَارُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَالدِّينَارُ عِبَارَةٌ عَنِ المال القليل، يقول منهم

_ (1) في المطبوع «يقولون» . (2) في المخطوط «القبلة» . (3) في المطبوع «لمن اتبع» . [.....] (4) في المطبوع «أي» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 76 الى 77]

مَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَدِّيهَا وَإِنْ قَلَّتْ، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، هم مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي: كُفَّارَ الْيَهُودِ، كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، أَوْدَعَهُ رَجُلٌ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ فَأَدَّاهَا إِلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، يَعْنِي: فِنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ من قريش دينارا فخانه [ولم يؤده إليه] [1] ، قَوْلُهُ: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ يُؤَدِّهِ، ولا يُؤَدِّهِ ووَ نُصْلِهِ [النساء: 115] ، ونُؤْتِهِ [آل عمران: 145] ، ونُوَلِّهِ [النساء: 115] سَاكِنَةَ الْهَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ وَيَعْقُوبُ بِالِاخْتِلَاسِ كَسْرًا، وَالْبَاقُونَ بِالْإِشْبَاعِ كَسْرًا، فَمَنْ سَكَّنَ الْهَاءَ قَالَ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَزْمِ وَهُوَ الْيَاءُ الذَّاهِبَةُ، وَمَنِ اخْتَلَسَ فَاكْتَفَى بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَمَنْ أَشْبَعَ فَعَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَاءِ الْإِشْبَاعُ، إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُلِحًّا، يُرِيدُ يَقُومُ عَلَيْهِ يُطَالِبُهُ بِالْإِلْحَاحِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُوَاظِبًا أَيْ تُوَاظِبُ عَلَيْهِ بِالِاقْتِضَاءِ، وقيل: أراد [إن] [2] أَوْدَعْتَهُ ثُمَّ اسْتَرْجَعْتَهُ وَأَنْتَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ تُفَارِقْهُ رَدَّهُ إِلَيْكَ، فَإِنْ فَارَقْتَهُ وَأَخَّرْتَهُ أَنْكَرَهُ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، ذلِكَ، أَيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلَالُ وَالْخِيَانَةُ، بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، أَيْ: فِي مَالِ الْعَرَبِ إِثْمٌ وَحَرَجٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91] ، وذلك بأن الْيَهُودَ قَالُوا: أَمْوَالُ الْعَرَبِ حَلَالٌ لَنَا، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينِنَا وَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ فِي كِتَابِنَا، وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا كَانَتْ لَنَا فَمَا [3] فِي يَدِ الْعَرَبِ مِنْهَا فَهُوَ لَنَا، وَإِنَّمَا ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْنَا فِي أَخْذِنَا إِيَّاهُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٌ: بَايَعَ الْيَهُودُ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضُوهُمْ بَقِيَّةَ أَمْوَالِهِمْ فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقٌّ، وَلَا عِنْدَنَا قَضَاءٌ لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ وَانْقَطَعَ الْعَهْدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ [4] ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، ثم قال ردّا عليهم: [سورة آل عمران (3) : الآيات 76 الى 77] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) بَلى، أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مَنْ أَوْفى [أَيْ: وَلَكِنَّ مَنْ أَوْفَى] [5] ، بِعَهْدِهِ، أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي عَهْدِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُوفِي وَاتَّقى الْكَفْرَ وَالْخِيَانَةَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. «394» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف أنا

_ 394- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، سفيان هو ابن سعيد الثوري، والأعمش اسمه سليمان بن مهران، مسروق (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) تصحف في المطبوع إلى «فيما» . (4) في المخطوط «كتابهم» . (5) زيد في المطبوع وط.

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ الله بن عمرو [1] : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصم فجر» . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا، قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي رُؤُوسِ الْيَهُودِ كَتَمُوا مَا عَهِدَ اللَّهَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمُ الْمَآكِلُ وَالرِّشَا الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ. «395» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مسلم لقي الله [2] وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحدثته، فقال: «بَيِّنَتَكَ أَوْ يَمِينَهُ» ، قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» . «396» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بن عيسى الجلودي، أنا

_ هو ابن الأجدع. هو في «شرح السنة» (37) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (34) عن قبيصة بن عقبة به. - وأخرجه البخاري 2459 ومسلم 58 وأبو داود 4688 والترمذي 2632 والنسائي 8/ 116 وابن أبي شيبة 8/ 593 و594 وأبو عوانة 1/ 20 وأحمد 2/ 189 و198 وابن مندة في «الإيمان» (522 و523 و524 و526) وابن حبان 254 ووكيع في «الزهد» (473) والبيهقي 9/ 230 و10/ 74 من طرق عن الأعمش به. 395- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو عوانة اسمه وضاح، مشهور بكنيته، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو وائل اسمه شقيق بن سلمة. هو في «شرح السنة» (2494) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (2673) عن موسى بن إسماعيل به. - وأخرجه البخاري 2356 و2676 و4549 و6659 و6676 و7183 ومسلم 138 وابن ماجه 2323 والطيالسي 1050 وأحمد 1/ 44 و5/ 211 و212 وابن حبان 5084 والطبري 7279 والبيهقي 10/ 44 و178 و353 من طرق عن سليمان الأعمش به. - وأخرجه البخاري 2515 و2516 و2669 و2670 و6659 ومسلم 138 والشافعي 2/ 51 والطيالسي 262 و1051 والطبري 8282 والطحاوي في «المشكل» (442) والواحدي 216 والبيهقي 10/ 178 و253 و261 من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة به. 396- إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنيفي، سماك بن حرب فيه كلام بسبب تغيره (1) في الأصل «عمر» وهو تصحيف. (2) زيد في المطبوع «يوم القيامة» وليست في المخطوط وط وكتب الحديث.

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضٌ فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ» ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِينُهُ» ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي على ما حلف عَلَيْهِ، قَالَ: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلا ذلك» ، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ [1] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [لَمَّا أدبر] [2] : «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ هُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ، وروى [أنه] [3] لَمَّا هَمَّ أَنْ يَحْلِفَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَامْتَنَعَ امْرُؤُ الْقَيْسِ أَنْ يَحْلِفَ. وَأَقَرَّ لِخَصْمِهِ بِحَقِّهِ وَدَفْعَهُ إِلَيْهِ [4] . «397» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ [أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ] [5] ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بن عبد الرحمن عن معبد [6] بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عن أبي أمامة:

_ بأخرة. لكن توبع كما سيأتي. - أخرجه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (139) عن قتيبة بن سعيد بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 1340 والنسائي في «الكبرى» (5989) وابن حبان 5074 والبيهقي 10/ 179 من طريق قتيبة بن سعيد به. وأخرجه مسلم 139 وأبو داود 3245 و3623 والطحاوي في «المعاني» (4/ 148) وفي «المشكل» (4/ 248) والبيهقي 10/ 144 و154 من طرق عن أبي الأحوص به. - وأخرجه مسلم 139 ح 224 وأحمد 4/ 317 والطحاوي 4/ 147 وفي «المشكل» (4/ 248) والبيهقي 10/ 137 و261 من طرق عن أبي عوانة عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عن علقمة به. 397- إسناده صحيح على شرط مسلم. - وهو في «شرح السنة» (2501) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق مالك وهو في «الموطأ» (2/ 27) عن العلاء به. - وأخرجه مسلم 137 والنسائي 8/ 246 وأحمد 5/ 260 والدارمي 2/ 266 والطبراني 796 و797 والبيهقي 10/ 179 من طرق عن العلاء به. - وأخرجه ابن حبان 5088 والطبراني 798 من طريق معيد بن كعب به. - وأخرجه مسلم 137 ح 219 وابن ماجه 2324 والدارمي 2/ 266 والطحاوي في «المشكل» (1/ 186) والطبراني 799 من طريق محمد بن كعب، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ به. - وأخرجه الطبراني 801 والحاكم 2/ 294 من وجه آخر عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة به. [.....] (1) زيد في المطبوع «له، فلما أدبر» والصواب في هذه العبارة ما يأتي. (2) هذه العبارة في المطبوع قبل كلمات. (3) زيادة عن المخطوط. (4) هذه الرواية لابن جرير 7278 عن ابن جريج. (5) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» . (6) في الأصل «سعيد» وهو تصحيف.

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ» ، قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مَنْ أَرَاكٍ» ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. «398» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا هُشَيْمُ بْنُ بشير [1] أَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ، أَيْ: يستبدلون بِعَهْدِ اللَّهِ أداء [2] الْأَمَانَةَ، وَأَيْمانِهِمْ الْكَاذِبَةِ ثَمَناً قَلِيلًا، أَيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، أُولئِكَ لَا خَلاقَ لَهُمْ، لَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَنَعِيمِهَا، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ غَضِبَ عَلَيْهِ، وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَيْ: لَا يَرْحَمُهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرًا، وَلا يُزَكِّيهِمْ، أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. «399» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ أَنَا سُفْيَانُ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا [أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار قالوا: حدّثنا] [3] مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» ، قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» ، في رواية: «المسبل إزاره» .

_ 398- إسناده صحيح على شرط البخاري. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2088) عن عمرو بن محمد بهذا الإسناد. و2675 و4551 هن هشيم به. وذكره السيوطي في «الدر» (2/ 78) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. 399- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو زرعة هو ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي. شعبة هو ابن الحجاج. أخرجه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (106) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شيبة ومحمد بن المثنى، وابن بشار قالوا: حدثنا محمد بن جعفر بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 4087 والترمذي 1211 والنسائي 7/ 245- 246 وابن أبي شيبة 9/ 92- 93 والطيالسي 467 وأحمد 5/ 148 و162 و168 والدارمي 2/ 267 وفي «الرد على الجهمية» ص (93) وابن حبان 4907 والبيهقي 5/ 265 من طرق عن شعبة به. (1) في الأصل «محمد» والتصويب من «كتب التراجم» . (2) في المطبوع «وأراد» . (3) زيادة عن «صحيح مسلم» و «كتب التخريج» و «التراجم» ، ومسلم لم يدرك محمد بن جعفر.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 78 الى 79]

«400» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا السَّيِّدُ [1] أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بن حمدويه الْمَرْوَزِيُّ [حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ آدَمَ الْمَرْوَزِيُّ] [2] أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَنَّهُ أُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ منع فضل مائه [3] ، فإن الله [سبحانه و] تعالى يقول: اليوم أمنعك فضلي [كما منعت فَضْلَ] [4] مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 78 الى 79] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْهُمْ، يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَفَرِيقاً، أَيْ: طَائِفَةً، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَبُو يَاسِرٍ وَشُعْبَةُ بن عمرو الشَّاعِرُ، يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ، أَيْ: يَعْطِفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ، وَهُوَ مَا غَيَّرُوا مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: لَوَى لسانه عن كذا، إذا غَيَّرَهُ، لِتَحْسَبُوهُ، أَيْ: لِتَظُنُّوا مَا حرّفوا مِنَ الْكِتابِ، [أي] : الذي أنزله الله تعالى [على أنبيائه] [5] ، وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، عَمْدًا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أنهم كاذبون [وأنهم هم المغيرون له من عند أنفسهم] [6] ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَلْحَقُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ الْآيَةَ، قَالَ مُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنْ نَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا فَقَالَ تَعَالَى: مَا كانَ لِبَشَرٍ، يَعْنِي: عِيسَى أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ، أي: الإنجيل، وقال ابن عباس

_ 400- إسناده صحيح، محمد بن حمدويه ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (476) من طريق محمد بن الحسين العلوي به. - وأخرجه البخاري 2369 و7446 ومسلم 108 وابن مندة في «الإيمان» (626) وابن حبان 4908 والبيهقي 6/ 152 والبغوي في «شرح السنة» (2510) من طرق عن سفيان بن عيينة به. - وأخرجه مسلم 108 والنسائي 7/ 246- 247 وأبو عوانة 1/ 41 وابن مندة 623 و624 والبيهقي 10/ 77 من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ به. (1) في الأصل «أسيد» وهو تصحيف. (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....] (3) تصحف في المطبوع وط إلى «ماله» . (4) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 80 الى 81]

وَعَطَاءٌ: مَا كانَ لِبَشَرٍ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ، أَيِ: القرآن. م (391) وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرَّئِيسَ مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَالَا: يَا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ رَبًّا، فقال: معاذ الله أن آمر بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، مَا بِذَلِكَ أمرني الله، وما بذلك بعثني، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: مَا كانَ لِبَشَرٍ، أَيْ: مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا [النور: 16] ، أَيْ: مَا يَنْبَغِي لَنَا، وَالْبَشَرُ: جَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالْجَيْشِ [1] ، يوضع مَوْضِعَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ، الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ، وَقِيلَ: إِمْضَاءَ الْحُكْمِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالنُّبُوَّةَ، الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ بالإنباء، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا، أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا، رَبَّانِيِّينَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: كُونُوا فُقَهَاءَ علماء، وقال قتادة: حكماء علماء، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْعَالِمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فُقَهَاءَ مُعَلِّمِينَ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كباره، وقال عطاء: حكماء علماء نُصَحَاءَ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَجُلًا عَالِمًا يَقُولُ: الرَّبَّانِيُّ الْعَالِمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ والأمر والنهي العارف بِأَنْبَاءِ الْأُمَّةِ [2] مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ فَوْقَ الْأَحْبَارِ، والأحبار فوق الْعُلَمَاءُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ الْعِلْمِ الْبَصَارَةَ [3] بِسِيَاسَةِ النَّاسِ، قَالَ الْمُؤَرِّجُ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ تَدِينُونَ لِرَبِّكُمْ. مِنَ [4] الرُّبُوبِيَّةِ، كَانَ فِي الْأَصْلِ رَبِّيٌّ، فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ أُدْخِلَتِ النُّونُ لِسُكُونِ الْأَلِفِ، كَمَا قِيلَ: صَنْعَانِيٌّ وَبَهْرَانِيٌّ [5] ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ، وَيَقُومُونَ بِهِ وَيُرَبُّونَ الْمُتَعَلِّمِينَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِإِصْلَاحِ الشيء وَإِتْمَامِهِ فَقَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ، وَاحِدُهَا: رَبَّانُ كَمَا قَالُوا: رَيَّانُ وَعَطْشَانُ وشبعان وغرثان، ثُمَّ ضُمَّتْ إِلَيْهِ يَاءُ النِّسْبَةِ، كما يقال: الحياني وَرَقَبَانِيٌّ، وَحُكِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الذي يربي عِلْمَهُ بِعَمَلِهِ [6] ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحنفية يوم مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، بِما كُنْتُمْ، أَيْ: بِمَا أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: 29] ، أَيْ: مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ، تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ [وَحَمْزَةُ] [7] وَالْكِسَائِيُّ تُعَلِّمُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ تَعْلَمُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ: وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، أي: تقرءون. [سورة آل عمران (3) : الآيات 80 الى 81] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) قَوْلُهُ: وَلا يَأْمُرَكُمْ، قَرَأَ ابن عامر وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا على قوله: ثم يقول،

_ (1) تصحف في المخطوط إلى «الجنس» . (2) في المخطوط «الإمامة» . (3) في المطبوع «البصائر» وفي المخطوط «بالبصارة» والمثبت عن- ط. (4) في المخطوط «بمعنى» بدل «من» والمثبت عن المطبوع وط. (5) في المخطوط «نهراني» . (6) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط على التقديم والتأخير. (7) زيادة عن المخطوط وط.

فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى الْبَشَرِ، أَيْ: وَلَا يَأْمُرُ ذَلِكَ الْبَشَرُ، [وَقِيلَ: عَلَى إِضْمَارِ «أَنْ» ، أَيْ: وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ ذَلِكَ الْبَشَرُ] [1] ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، مَعْنَاهُ: وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ، أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً، كَفِعْلِ قُرَيْشٍ وَالصَّابِئِينَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ مَا قَالُوا، أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، قَالَهُ [2] عَلَى طريق التعجّب والإنكار، يعني: ولا يَقُولُ [3] هَذَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، قَرَأَ حَمْزَةُ لَما بِكَسْرِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، فَمَنْ كَسَرَ اللَّامَ فَهِيَ لَامُ الْإِضَافَةِ دَخَلَتْ على ما الموصولة، ومعناه: إن الَّذِي يُرِيدُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، أَيْ: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِأَجْلِ الَّذِي آتاهم من الكتاب والحكمة وأنهم أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَمَنْ فَتَحَ اللَّامَ معناه: لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ، بِمَعْنَى الْخَبَرِ، وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْجَزَاءِ، أَيْ: لَئِنْ آتَيْتُكُمْ وَمَهْمَا آتَيْتُكُمْ، وَجَوَابُ الْجَزَاءِ، قَوْلُهُ: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، قَوْلُهُ: لَما آتَيْتُكُمْ قَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ «آتَيْنَاكُمْ» عَلَى التَّعْظِيمِ كَمَا قَالَ: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً [النساء: 163] ، ووَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مَرْيَمَ: 12] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْخَطِّ، وَلِقَوْلِهِ: وَأَنَا مَعَكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً أن يبلّغوا كتاب الله ورسالته إِلَى عِبَادِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بعضا وأخذ العهود عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَنْصُرَهُ إِنْ أَدْرَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِنُصْرَتِهِ إِنْ أَدْرَكُوهُ [4] ، فَأَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى، وَمِنْ عِيسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنما [5] أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ فِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، فعلى هذا اختلفوا فمنهم مَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلَ مِنْهُمُ النَّبِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «وَإِذْ أخذ الله ميثق الّذين أوتوا الكتب» ، وإنّما الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، فَأَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ أَنْ يَأْخُذُوا الميثاق إلى أُمَمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، إِنْ أَدْرَكُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَأُمَمِهِمْ جَمِيعًا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاكْتَفَى بذكر الأنبياء [ذكر أممهم] [6] لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعَ [7] الْمَتْبُوعِ عَهْدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه الميثاق والعهد فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَئِنْ بعث وهم أحياء لنصرنّه [8] ، قَوْلِهِ: ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ حِينَ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْأَنْبِيَاءُ فِيهِمْ كَالْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي

_ (1) زيد في المطبوع وط. (2) في المطبوع «قالوا له» . (3) في المطبوع «لا يقوله» . [.....] (4) في المطبوع «أدركه» . (5) في المطبوع وط «بما» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «على» . (8) في الآية الكريمة المتقدمة، وهذه الأقوال رد وإبطال لما يزعمه بعضهم من كون إلياس عليه السلام وكذا الخضر في عداد الأحياء، وأنهما ما ماتا!!؟.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 82 الى 83]

، أَيْ: قَبِلْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ عَهْدِي، وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ الثَّقِيلُ، قالُوا أَقْرَرْنا قالَ، اللَّهُ تَعَالَى: فَاشْهَدُوا أَيْ: فَاشْهَدُوا أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى أَتْبَاعِكُمْ، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ، عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْهَدُوا، أَيْ: فَاعْلَمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِمْ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مذكور. [سورة آل عمران (3) : الآيات 82 الى 83] فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ، الْإِقْرَارِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، الْعَاصُونَ الْخَارِجُونَ عن الإيمان. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى [1] النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [بينهم أن] [2] «كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إبراهيم عليه السلام» ، [وأن دينه الإسلام] [3] ، فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ، قرأ أهل الْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ يَبْغُونَ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَما آتَيْتُكُمْ، وَلَهُ أَسْلَمَ: خَضَعَ وَانْقَادَ، مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً، فَالطَّوْعُ: الِانْقِيَادُ وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ، وَالْكُرْهُ: مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ مِنَ النَّفْسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: طَوْعاً وَكَرْهاً، قَالَ الحسن: أسلم أهل السموات طَوْعًا وَأَسْلَمَ مَنْ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ كَرْهًا خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالسَّبْيِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَوْعًا الْمُؤْمِنُ، وَكَرْهَا ذَلِكَ الْكَافِرُ، بِدَلِيلِ: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15) [الرَّعْدِ: 15] ، وَقِيلَ: هَذَا يَوْمُ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الْأَعْرَافِ: 172] ، قال بَعْضُهُمْ: طَوْعًا، وَبَعْضُهُمْ: كَرْهًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُؤْمِنُ أَسْلَمَ طَوْعًا فَنَفَعَهُ الإسلام [4] ، وَالْكَافِرُ أَسْلَمَ كَرْهًا فِي وَقْتِ اليأس فلم ينفعه الإسلام، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غَافِرِ: 85] ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَارِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الْعَنْكَبُوتِ: 65] ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا الَّذِي وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يُسْبَى مِنْهُمْ فَيُجَاءُ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ، قَرَأَ بِالْيَاءِ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ كَمَا قَرَأَ يَبْغُونَ بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بالتاء فيهما إلا أبو عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ يَبْغُونَ بِالْيَاءِ وترجعون بالتاء، قال: لِأَنَّ الْأَوَّلَ [5] خَاصٌّ وَالثَّانِي عَامٌّ، لِأَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى الله عزّ وجلّ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 86] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)

_ (1) في المطبوع «فقال» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المخطوط «الإسلام» وفي المطبوع «الإيمان» وليس في- ط والطبري 7351 و «الوسيط» (1/ 459) و «الدر المنثور» (2/ 86) . (5) في المطبوع «الأولى» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 87 الى 90]

قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) ، ذَكَرَ الْمِلَلَ وَالْأَدْيَانَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: آمَنَّا بِاللَّهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، نَزَلَتْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا مَكَّةَ كُفَّارًا، مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) . كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَهْدِي اللَّهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَيْفَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ إلى الجنّة [ويعطيهم] [1] الثواب [فيها] [2] ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 87 الى 90] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ لَمَّا لَحِقَ بِالْكُفَّارِ نَدِمَ فَأَرْسَلَ إِلَى قومه [بالمدينة] [3] ، أَنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) ، لَمَّا كَانَ مِنْهُ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قومه فقرأها عَلَيْهِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا [4] عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَصْدَقُ مِنْكَ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ إلى المدينة فأسلم وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَوْهُ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، يَعْنِي: ذُنُوبًا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ أَشْرَكُوا بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، أي: أقاموا على أمرهم [5] [وما هم عليه من الكفر والطغيان] [6] حَتَّى هَلَكُوا عَلَيْهِ، قَالَ الْحَسَنُ: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِهَا، فَازْدَادُوا كُفْرًا، وَقِيلَ: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بِقَوْلِهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في أحد عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، لَمَّا رَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَقَامُوا هُمْ عَلَى الْكُفْرِ بمكة وقالوا:

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «فيما» والمثبت عن المخطوط وط و «أسباب النزول» 225. [.....] (5) في المطبوع وط «كفرهم» . (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 91 الى 93]

نُقِيمُ عَلَى الْكُفْرِ مَا بَدَا لنا فمتى أردنا الرجعة نزل فِينَا مَا نَزَلَ فِي الْحَارِثِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَنَزَلَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ كَافِرًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ [البقرة: 161] الْآيَةَ [1] . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَعَدَ اللَّهُ قَبُولَ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ، قِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا [رَجَعُوا فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ] [2] ، كَمَا قَالَ: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: 18] ، وَقِيلَ: هَذَا فِي أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَيْثُ أَمْسَكُوا [3] عَنِ [دين] [4] الإسلام، وقالوا: نتربص بمحمد [ريب المنون] [5] ، فَإِنْ سَاعَدَهُ الزَّمَانُ نَرْجِعُ إِلَى دينه، [لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، لن يقبل ذَلِكَ] [6] لِأَنَّهُمْ مُتَرَبِّصُونَ غَيْرُ مُحَقِّقِينَ، [وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ] [7] . [سورة آل عمران (3) : الآيات 91 الى 93] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ، أَيْ: قَدْرُ مَا يَمْلَأُ الأرض من مشرقها إلى مغربها [8] ، ذَهَباً، نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَلَوِ افْتَدى بِهِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ لَوِ افْتَدَى بِهِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ، أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. «401» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ [حدثنا غُنْدَرٌ] أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [9] : لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ [10] مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تفتدي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ منك أهون من هذا وَأَنْتَ فِي [11] صُلْبِ آدَمَ أَنْ لا

_ 401- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج، وأبو عمران هو الجوني عبد الملك بن حبيب. - وهو في «شرح السنة» (4299) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6557) عن محمد بن بشار به. - وأخرجه البخاري 3334 ومسلم 2805 وأحمد 3/ 127 و129 وأبو يعلى 4186 وابن أبي عاصم في «السنة» (99) وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 315) من طرق، عن شعبة به. - وورد من وجه آخر بنحوه أخرجه البخاري 6538 ومسلم 2805 وأبو يعلى 2926 و2976 و3021 وابن حبان 7351 من طرق عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أبيه، عن قتادة، عن أنس به. (1) لا يصح فهو معلّق، ومع تعليقه. الكلبي هو محمد بن السائب متروك كذاب فالخبر لا شيء. (2) العبارة في المخطوط «رجعوا في الحشرجة» . (3) في المطبوع وط «أعرضوا» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيد في المخطوط فقط. (6) العبارة في المخطوط وط. [لن يقبل منهم توبة لذلك وذلك] . (7) سقط من المخطوط. (8) في المطبوع «شرقها إلى غربها» . (9) زيد في المطبوع وحده «أرأيت» وليس في المخطوط وط. وكتب الحديث. (10) زيد في المطبوع «جميعا» وهو كسابقه. (11) «في» سقطت من الأصل واستدركت من كتب «التخريج» والنسخة «خ» . [.....]

تُشْرِكُ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أن تشرك بي» . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، يَعْنِي: الْجَنَّةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: التَّقْوَى، وَقِيلَ: الطَّاعَةَ، وقيل: الخير، وقال الحسن: لن تكونوا أبرارا. «402» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ [1] أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن حماد الأبيوردي [2] قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرَّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، و [إن] [3] الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، أَيْ: مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِكُمْ إِلَيْكُمْ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْهَا آيَةُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ إِنْفَاقٍ يَبْتَغِي بِهِ المسلم وجه الله حتى التمرة يَنَالُ بِهِ هَذَا الْبِرَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ، أَيْ: شَرَفَ الدِّينِ وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُوا وَأَنْتُمْ أَصِحَّاءُ أَشِحَّاءُ. «403» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أنس بن مالك يقول:

_ (1) في الأصل «النعيمي» والتصويب من «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «الصالحي» وهو تصحيف من النساخ. (3) زيادة عن المخطوط. 402- إسناده صحيح، محمد بن حماد هو الأبيوردي أبو عبد الله الزاهد ثقة، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، الأعمش هو سليمان بن مهران، شقيق هو ابن سلمة أبو وائل، عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وهذا إسناد كوفي جليل. - وهو في «شرح السنة» (3468) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2607 وأبو داود 4989 والترمذي 1972 والبخاري في «الأدب المفرد» (386) وابن أبي شيبة 8/ 590 و591 وأحمد 1/ 384 و432 ووكيع في «الزهد» (397) من طرق عن الأعمش به. - وأخرجه البخاري 6094 ومسلم 2607 ح 103 وابن حبان 273 و274 والبيهقي 10/ 243 من طرق عن جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وائل به. 403- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (1677) بهذا الإسناد. خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 595- 596) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ به، ومن طريق مالك. أخرجه البخاري 1461 و2318 و2752 و2769 و4554 و5611 ومسلم 998 وأحمد 3/ 141 والدارمي 2/ 390 وابن حبان 3340 والبيهقي 6/ 164- 165 و275. - وأخرجه الترمذي 2997 من وجه آخر عن أنس بنحوه. - وأخرجه البخاري 2758 وأحمد 3/ 256 وابن خزيمة من طريق إسحاق بن عبد الله به.

«كَانَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ [1] إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً المسجد، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ [2] فِي كِتَابِهِ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مال رابح [3] ، [ذَلِكَ مَالُ رَابِحٍ] [4] ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ جَلُولَاءَ يَوْمَ فُتِحَتْ فَدَعَا بِهَا فَأَعْجَبَتْهُ، فقال عمر: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، فَأَعْتَقَهَا عُمَرُ. وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ الْآيَةُ لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [5] ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا كَانَ شَيْءٌ أعجب إليّ من فلانة، [وكانت جارية له] [6] هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، ولولا أَنَّنِي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُهَا. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ، أَيْ: يَعْلَمُهُ وَيُجَازِي بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ. ع «404» سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم: إنك تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الإبل وَأَنْتَ تَأْكُلُهَا، فَلَسْتَ عَلَى مِلَّتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ» ، فَقَالُوا: كُلُّ مَا نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ. يُرِيدُ: سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا قَطُّ، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ وَهُوَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ، يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ حُرْمَةِ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، بَلْ كَانَ الْكُلُّ حَلَالًا لَهُ وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، يَعْنِي: لَيْسَتْ فِي التَّوْرَاةِ حُرْمَتُهَا.

_ 404- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (229) عن أبي روق والكلبي بدون إسناد، فلا حجة فيه، وهو غير صحيح. (1) في المطبوع «ماله» . (2) في المخطوط «قال» والمثبت عن المطبوع و «شرح السنة» . (3) زيد في المطبوع وط «أو قال» وليس في المخطوط و «شرح السنة» وكتب الحديث. (4) سقط من المخطوط. (5) سقط من المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط.

وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّعَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي سَبَبِهِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ لُحْمَانَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا [1] . وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سُقْمُهُ فَنَذَرَ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانَ [2] الْإِبِلِ وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، فَحَرَّمَهُمَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هِيَ الْعُرُوقُ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا وَكَانَ أَصْلُ وَجَعِهِ [3] ، فِيمَا رَوَى جُوَيْبِرٌ [وَمُقَاتِلٌ] [4] عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ يَعْقُوبَ [عليه السلام] [5] كَانَ نَذَرَ إِنْ وَهَبَهُ اللَّهُ اثَّنَى عَشَرَ وَلَدًا وَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ صَحِيحًا أَنْ يَذْبَحَ آخِرَهُمْ، فَتَلَقَّاهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فهل لك في الصراع، فصارعه فَلَمْ يَصْرَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَغَمَزَهُ الْمَلَكُ غَمْزَةً فَعَرَضَ لَهُ عِرْقُ النَّسَا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قال له الملك: أَمَا إِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أَصْرَعَكَ لَفَعَلْتُ وَلَكِنْ غَمَزْتُكَ هَذِهِ الْغَمْزَةَ لِأَنَّكَ كُنْتَ نَذَرْتَ إِنْ أَتَيْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ صَحِيحًا ذَبَحْتَ آخِرَ وَلَدِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَكَ بِهَذِهِ الْغَمْزَةِ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا، فَلَمَّا قَدِمَهَا يَعْقُوبُ أَرَادَ ذَبْحَ ولده ونسي ما قال له الْمَلَكِ، فَأَتَاهُ الْمَلَكُ وَقَالَ: إِنَّمَا غَمَزْتُكَ لِلْمَخْرَجِ وَقَدْ وُفِّيَ نَذْرُكَ فَلَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى وَلَدِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَقْبَلَ يَعْقُوبُ مِنْ حَرَّانَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حِينَ هَرَبَ مِنْ أَخِيهِ عِيصُو، وَكَانَ رَجُلًا بطشا قَوِيًّا فَلَقِيَهُ مَلَكٌ فَظَنَّ يَعْقُوبُ أَنَّهُ لِصٌّ فَعَالَجَهُ أَنْ يَصْرَعَهُ [فلم يَصْرَعَهُ] [6] ، فَغَمَزَ الْمَلَكُ فَخِذَ يَعْقُوبَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَهَاجَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا وَلَقِيَ مِنْ ذلك بلاء وشدة، فكان لا ينام الليل مِنَ الْوَجَعِ، وَيَبِيتُ وَلَهُ زُقَاءٌ، أَيْ: صِيَاحٌ، فَحَلَفَ يَعْقُوبُ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِرْقًا وَلَا طَعَامًا فِيهِ عِرْقٌ، فحرمه على نفسه [حين شفاه الله] [7] ، فَكَانَ بَنُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّبِعُونَ العروق ويخرجونها مِنَ اللَّحْمِ. وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قَالَ] [8] : لَمَّا أَصَابَ يَعْقُوبَ عِرْقُ النَّسَا وَصَفَ لَهُ الْأَطِبَّاءُ أَنْ يَجْتَنِبَ لُحْمَانَ الْإِبِلِ فَحَرَّمَهَا يَعْقُوبُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لَحْمَ الْجَزُورِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يجيز له ذلك فحرّمها اللَّهُ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَذَا الطَّعَامِ الْمُحَرَّمِ عَلَى بَنِي إسرائيل بعد نزول التوراة، فقال السُّدِّيُّ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِنَّمَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُ [كان] [9] قد قال: إن عافاني الله [تعالى] لا آكله ولا يأكله ولد لي وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْرَاةِ بِظُلْمِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: 160] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الأنعام: 146] ، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ

_ (1) هذا الأثر وكذا ما بعده من الآثار مصدرها كتب الأقدمين. (2) في المطبوع «لحم» . [.....] (3) هذه الآثار من الإسرائيليات المنكرة وأشدها نكارة مصارعة الملك!!؟. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 94 الى 96]

طَعَامًا طَيِّبًا أَوْ صَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا وَهُوَ الْمَوْتُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ وَلَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمُ اتِّبَاعًا لِأَبِيهِمْ [1] ، ثُمَّ أَضَافُوا تحريمه إلى الله [تعالى] ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها، حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا قُلْتُمْ [2] ، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَلَمْ يَأْتُوا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: [سورة آل عمران (3) : الآيات 94 الى 96] فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) . قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) ، وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ اتِّبَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [في جميع ما جاء به] [3] . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ قِبْلَتُنَا وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ وَأَقْدَمُ وَهُوَ مُهَاجَرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ [4] الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) . [سورة آل عمران (3) : آية 97] فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ، قال بَعْضُهُمْ [5] : هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ عِنْدَ خَلْقِ السماء والأرض، خلقه [الله تعالى] قبل الأرض بألفي عام، وكان زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ بُنِيَ فِي الْأَرْضِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ [6] : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ تَحْتَ الْعَرْشِ بَيْتًا وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ أَنْ يَبْنُوا فِي الْأَرْضِ بَيْتًا عَلَى مِثَالِهِ وَقَدْرِهِ، فبنوه وَاسْمُهُ الضِّرَاحُ، وَأَمَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَرُوِيَ [7] : أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَوْهُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانُوا يَحُجُّونَهُ، فَلَمَّا حَجَّهُ آدَمُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: بَرَّ حَجُّكَ يَا آدَمُ، حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ بَنَاهُ آدَمُ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ مبارك وضع هُدًى لِلنَّاسِ [يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ علي. وقال الضحاك: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ] [8] يعبد الله فيه ويحجّ إليه، وقيل: هو أول

_ (1) في المخطوط «لآبائهم» . (2) في المطبوع «قلت» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «في» . 5 هذه الآثار جميعا مردودة بالحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الآتي. 6 هذه الآثار جميعا مردودة بالحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الآتي. 7 هذه الآثار جميعا مردودة بالحديث الصحيح عن الصادق المصدوق صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الآتي. [.....] (8) ما بين المعقوفتين جعل في المطبوع عقب كلام الحسن والضحاك.

بَيْتٍ جُعِلَ قِبْلَةً لِلنَّاسِ، وَقَالَ الحسن والكلبي: أَوَّلُ مَسْجِدٍ وَمُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور: 36] ، يَعْنِي: الْمَسَاجِدَ. «405» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ [أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ] [1] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ] [2] أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ أَنَا الْأَعْمَشُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» ، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سنة» ، ثم قال: «أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَلَّذِي بِبَكَّةَ قَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَكَّةُ نَفْسُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ، وَالْعَرَبُ تُعَاقِبُ بَيْنَ الْبَاءِ وَالْمِيمِ، فَتَقُولُ: سَبَّدَ رَأْسَهُ وَسَمَّدَهُ، وَضَرْبَةُ [3] لَازِبٍ وَلَازِمٍ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَكَّةُ موضع البيت، ومكة: اسم للبلد كُلِّهِ، وَقِيلَ: بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَطَافِ، سُمِّيَتْ بَكَّةَ: لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [وَيُصَلِّي بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ] [4] ، وَيَمُرُّ بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، أَيْ تَدُقُّهَا فَلَمْ يَقْصِدْهَا جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا قصمه الله، وأما مكة [فإنها] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مَائِهَا، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: مَكَّ الْفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ وَامْتَكَّهُ إِذَا امْتَصَّ كُلَّ مَا فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ، وَتُدْعَى أُمَّ رَحِمٍ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ بِهَا، مُبارَكاً نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: ذَا بَرَكَةٍ وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، لأنه قبلة للمؤمنين فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ قَرَأَ ابْنُ عباس «آية بينة» على الواحد، وَأَرَادَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ آياتٌ بَيِّناتٌ بِالْجَمْعِ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ فِيهِ فَانْدَرَسَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسْحِ بِالْأَيْدِي، وَمِنْ تِلْكَ الآيات في البيت الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْحَطِيمُ وَزَمْزَمُ وَالْمَشَاعِرُ كُلُّهَا، وَقِيلَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَمِنَ الْآيَاتِ فِي الْبَيْتِ أن الطير تطير [حوله] فَلَا تَعْلُو فَوْقَهُ، وَأَنَّ الْجَارِحَةَ إِذَا قَصَدَتْ صَيْدًا فَإِذَا دَخَلَ الصيد الحرم كفت عنه [ولم تجرحه فيه] [5] ، وَإِنَّهُ بَلَدٌ صَدَرَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَبْرَارُ، وَإِنَّ الطَّاعَةَ وَالصَّدَقَةَ فِيهَا تُضَاعَفُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. «406» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ [6] بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو العباس

_ 405- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عبد الواحد هو ابن زياد العبدي، الأعمش هو سليمان بن مهران، يزيد التيمي هو والد إبراهيم هو ابن شريك. - خرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (3366) عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3425 ومسلم 520 والنسائي 2/ 32 وابن ماجه 753 وعبد الرزاق 1578 وابن أبي شيبة 2/ 402 والحميدي 134 وأحمد 5/ 150 و156 و157 و160 وأبو عوانة 1/ 391 و392 وابن حبان 6228 والطحاوي في «المشكل» (1/ 32) والبيهقي 2/ 433 وفي «الدلائل» (2/ 43) من طرق عن الأعمش به. - وأخرجه الطيالسي 462 وأحمد 5/ 160 و166 و167 وأبو عوانة 1/ 392 وابن حبان 1598 من طريق شعبة عن الأعمش به. 406- إسناده صحيح على شرط الشيخين، أبو عبد الله الأغر اسمه سلمان، مشهور بكنيته. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «صحيح البخاري» (3366) . (3) كذا في النسخ والوسيط وفي القرطبي «طين» بدل «ضربة» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في الأصل «أبو محمد بن الحسن» والتصويب من «شرح السنة» .

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ أَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ [زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ] [1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً من أن يهاج فِيهِ، وَذَلِكَ بِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَمِنَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْغَارَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67] ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آمِنًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [الْفَتْحِ: 27] وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ [الْبَقَرَةِ: 197] ، أَيْ: لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا فَالْتَجَأَ إِلَى الحرام فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُطْعَمُ وَلَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، فَيُقْتَلُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْوَاجِبَ بِالشَّرْعِ يُسْتَوْفَى فِيهِ، أَمَّا إِذَا ارْتَكَبَ الْجَرِيمَةَ في الحرم فيستوفى فِيهِ عُقُوبَتَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: من دَخَلَهُ مُعَظِّمًا لَهُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، أَيْ: وَلِلَّهِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ «حِجُّ الْبَيْتَ» ، بِكَسْرِ الْحَاءِ فِي هَذَا الْحَرْفِ خَاصَّةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، وَالْحَجُّ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ. «407» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف أخبرنا

_ هو في «شرح السنة» بإثر (450) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 196) عن زيد بن رباح بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1190 والترمذي 325 وأحمد 2/ 446 وابن ماجه 1404 وابن حبان 1625 والبيهقي 5/ 246. - وأخرجه مسلم 1394 وأحمد 2/ 251 و473 والطحاوي في «المشكل» (1/ 247) من طريق إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قارظ عن أبي هريرة مرفوعا. - وأخرجه النسائي 5/ 214 وابن أبي شيبة 2/ 371 وأحمد 2/ 386 و468 عن شعبة، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سلمان الأغر، عن أبي هريرة مرفوعا. (1) ما بين المعقوفتين، وقع فيه تخليط وتصحيف من قبل النساخ، والمثبت عن «شرح السنة» و «الموطأ» و «كتب التخريج» . 407- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو سفيان والد حنظلة هو ابن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحي، لم يذكر الحافظ ابن حجر اسمه. والله أعلم. - وهو في «شرح السنة» (2) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 16 ح 22 والنسائي 8/ 107 وأحمد 2/ 143 وأبو عبيد في «الإيمان» (4) وابن حبان 158 وأبو

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبِيدُ اللَّهِ [1] بْنُ مُوسَى أَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: وَلِوُجُوبِ الْحَجِّ خَمْسُ شَرَائِطَ الْإِسْلَامُ والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة، ولا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ، وَلَوْ حَجَّا بِأَنْفُسِهِمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا حُكْمَ لِفِعْلِ الْمَجْنُونِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى الْعَبْدِ، وَلَوْ حَجَّ صَبِيٌّ يَعْقِلُ، أَوْ عَبْدٌ يَصِحُّ حجّهما تطوّعا ولكن لَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمَا فَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أعتق العبد بعد ما حَجَّ وَاجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ شَرَائِطُ وجوب الحجّ، عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ثَانِيًا وَلَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ فَحَجَّ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرَضُ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ نوعان، أحدهما: أن يكون قادرا مُسْتَطِيعًا بِنَفْسِهِ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِنَفْسِهِ، فأن يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ عَلَى الذِّهَابِ [بنفسه] [2] وَوَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ. «408» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الخلال ثنا أبو العباس

_ نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 146) وابن مندة في «الإيمان» (40 و148) والبيهقي 1/ 358 من طرق عن حنظلة به. - أخرجه مسلم 16 والترمذي 2609 والحميدي 703 وابن مندة 41 و42 و43 و150 وأحمد 4/ 26 و93 و120 وابن خزيمة 309 والطبراني في «الكبير» (13203 و13518) وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 62) والبيهقي 3/ 367 من طرق من حديث ابن عمر. 408- حديث يشبه الحسن بمجموع طرقه وشواهده. إسناده واه لأجل إبراهيم بن يزيد الخوزي، لكن لم ينفرد به حيث توبع، وله شواهد واهية. - وهو في «شرح السنة» (1840) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 284) عن سعيد بن سالم بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 813 و2998 وابن ماجه 2896 والدارقطني 2/ 217 والطبري 4782 و4783 والبيهقي 4/ 330 من طريق إبراهيم بن الخوزي به. وأشار الترمذي لضعفه حيث قال: إبراهيم هو ابن يزيد الخوزي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه اهـ. وكذا ضعف إسناده الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 390) . لكن تابعه محمد بن عبد الله الليثي عند ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 394) لكن الليثي هذا واه. - ولقوله «العج والثج» شاهد من حديث أبي بكر أخرجه الترمذي 827 وابن ماجه 2924 والدارمي 2/ 31 والبيهقي 5/ 42 وأبو يعلى 117 وصححه الحاكم 1/ 451 ووافقه الذهبي. قال الترمذي: حديث أبي بكر حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان، ومحمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع ... اهـ. - ومن حديث ابن مسعود أخرجه أبو يعلى 5086 وذكره الهيثمي في «المجمع» (3/ 224) وقال: وفيه رجل ضعيف اهـ. [.....] (1) في الأصل «عبد الله» وهو تصحيف. (2) زيادة عن المخطوط.

الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ [بْنِ] [1] عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ الله بن عُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: «الشَّعِثُ التَّفِلُ» ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الْعَجُّ وَالثَّجُّ» ، فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: «زَادٌ وَرَاحِلَةٌ» . وَتَفْصِيلُهُ: أَنْ يَجِدَ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ، وَوَجَدَ الزَّادَ للذهاب والرجوع، فاضلا عن [نفقته و] [2] نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَكُسْوَتُهُمْ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ، وَعَنْ دَيْنٍ يَكُونُ عَلَيْهِ، وَوَجَدَ رُفْقَةً يَخْرُجُونَ فِي وَقْتٍ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ خَرَجُوا قَبْلَهُ أَوْ أَخَّرُوا الْخُرُوجَ إِلَى وَقْتٍ لَا يَصِلُونَ إِلَّا أَنْ يَقْطَعُوا كُلَّ يَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ لَا يَلْزَمُهُمُ الْخُرُوجُ [فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ] [3] ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ رَصْدِيٍّ يَطْلُبُ شَيْئًا لَا يَلْزَمُهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَنَازِلُ [الْمَأْهُولَةُ] [4] مَعْمُورَةً يجد الزَّادَ وَالْمَاءَ، فَإِنْ كَانَ زَمَانُ جُدُوبَةٍ تَفَرَّقَ أَهْلُهَا أَوْ غَارَتْ مياهها، فلا يلزمه الحج، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الرَّاحِلَةَ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ أَوْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَيُسْتَحَبُّ لَوْ فَعَلَ، وَعِنْدَ مالك يلزمه، [و] أمّا الاستطاعة بالغير فهي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، لَكِنْ لَهُ مَالٌ يُمَكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ [به مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ] [5] ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَكِنْ بَذَلَ لَهُ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الطَّاعَةَ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، يَلْزَمُهُ أَنْ

_ وهو في «مسند أبي حنيفة» برقم (223) . - ولقوله «الزاد والراحلة» شاهد. - من حديث أنس أخرجه الدارقطني 2/ 216 والحاكم 1/ 442 وصححه الحاكم على شرطهما، وقال: وقد توبع سعيد بن أبي عروبة تابعه حماد بن سلمة على قتادة ثم أسنده هو والدارقطني من طريق حماد، وقال: صحيح على شرط مسلم! وسكت الذهبي!. وليس كذلك بل فيه عبد الله بن واحد الحراني، وهو متروك وأما الجواب عن الطريق الأول فقد أعله البيهقي 4/ 230 فقال: لا أراه إلا وهما. ثم أسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عن قتادة، عن الحسن مرسلا، وقال: هذا هو المحفوظ اهـ. - ومن حديث عائشة أخرجه الدارقطني 2/ 217 والعقيلي 323 والبيهقي 4/ 330 وأعله العقيلي بعتاب بن أعين وقال: وهم فيه والصواب عن الحسن مرسلا. ومع ذلك يشهد للموصول المتقدم. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 390) : حديث ابن عمر ضعيف وحديث أنس معلول، وصوّب البيهقي كونه من مرسل الحسن. ثم ذكر شواهده وقال: أخرجها الدارقطني بأسانيد ضعيفة اهـ باختصار. - وجاء في «تلخيص الحبير» (2/ 221) ما ملخصه: وطرقه كلها ضعيفة، وكذا قال عبد الحق. وقال ابن المنذر: لا يثبت مسندا، والصواب من الروايات رواية الحسن المرسلة اهـ. ولمزيد الكلام عليه راجع «نصب الراية» (3/ 8- 10) فقد ذكر طرقه وكشف عن عللها وانظر أيضا «تفسير ابن كثير» بتخريجي عند هذه الآية وكذا «فتح القدير» للشوكاني، والله أعلم. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) سقط من المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) سقط من المخطوط.

يَأْمُرَهُ إِذَا كَانَ يَعْتَمِدُ صِدْقَهُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ: فُلَانٌ مُسْتَطِيعٌ لِبِنَاءِ دَارٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ بِمَالِهِ وأعوانه [1] ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِبَذْلِ الطَّاعَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لا يجب على المغصوب فِي الْمَالِ، وَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَهُ مَا: «409» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ، أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: جَحَدَ فَرْضَ الْحَجِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: الْحَجُّ إِلَى مَكَّةَ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ مَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ كُفْرٌ بِهِ. «410» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الكلماتي [2]

_ 409- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. هو في «شرح السنة» (1847) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 359) عن الزهري بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1513 و1855 ومسلم 1334 وأبو داود 1809 والنسائي 5/ 118- 119 و8/ 228 والشافعي 1/ (993) وأحمد 1/ 346 و359 وابن خزيمة 3031 و3033 و3036 وابن حبان 3989 والطبراني 18/ (722) والبيهقي 4/ 328. - وأخرجه البخاري 4399 و6228 والنسائي 5/ 119 و8/ 228 و229 وأحمد 1/ 219 و251 و329 وابن خزيمة 3031 و3032 و3033 والدارمي 2/ 40 والطبراني 18/ (723) و (725) والبيهقي 4/ 328 و329 و5/ 179 من طرق عن الزهري به. 410- متن منكر بأسانيد واهية. إسناده ضعيف جدا، وله علتان: ليث بن أبي سليم ضعيف، وعبد الرحمن بن سابط، لم يسمع من أبي أمامة، وشريك أيضا سيئ الحفظ، وقد خالفه الثوري فأرسله. - وأخرجه البيهقي في «الشعب» (3979) من طريق محمد بن عمرو بهذا الإسناد. - وأخرجه الدارمي 2/ 28- 29 ح 1733 والبيهقي 4/ 334 وابن الجوزي في «الموضوعات» (2/ 209- 210) من طريقين عن شريك بهذا الإسناد، وحكم بوضعه، وأعله بليث بن أبي سليم. وبأن عبد الرحمن بن سابط، لم يسمع من أبي أمامة. وقال البيهقي في «الشعب» : وهذا إن صح فإنما أراد والله أعلم إذا لم يحج، وهو لا يرى تركه إثما ولا فعله برّا اهـ. وقال في «السنن» : وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه اهـ. ثم أخرج البيهقي قول عمر من طريق عبد الرحمن بن غنم وصحح ابن كثير في «تفسيره» (1/ 395) إسناد الموقوف. - وله شاهد من حديث علي أخرجه الترمذي 812 وابن عدي 7/ 120. - وقال الترمذي: غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث الأعور يضعف في الحديث اهـ. (1) كذا في المخطوط والمطبوع، وفي- ط «أو» بدل «و» . (2) في الأصل «الكلماني» والتصويب من «الأنساب» (5/ 89) للسمعاني.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 100]

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ [1] أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا شريك عن ليث عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ تَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 100] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ (98) . قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: لِمَ تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها تَطْلُبُونَهَا، عِوَجاً زَيْغًا وَمَيْلًا، يَعْنِي: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بَاغِينَ لَهَا عِوَجًا؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعِوَجُ- بِالْكَسْرِ- فِي الدِّينِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَالْعَوَجُ. بِالْفَتْحِ. فِي الْجِدَارِ، وَكُلِّ شَخْصٍ قَائِمٍ وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، [أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ هُوَ الْإِسْلَامُ] [2] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، ع «411» قال زيد بن أسلم: مرّ [3] شَاسَ بْنَ قَيْسٍ الْيَهُودِيَّ. وَكَانَ شيخا عظيم الكفر شديد الضغن [4] على

_ وهذا توهين لهذا الحديث من الترمذي وقال ابن عدي: ليس بمحفوظ، وهلال منكر الحديث كما قال البخاري. وقال ابن الجوزي: قال الترمذي: هلال مجهول وأما الحارث فقد كذبه الشعبي اهـ. وقال الزيلعي في «نصب الراية» (4/ 411) : قال ابن القطان: علة هذا الحديث ضعف الحارث والجهل بحال هلال. - وورد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن عدي 2/ 312 ومن طريقه ابن الجوزي وأعله ابن الجوزي بيزيد بن سفيان ونقل عن يحيى قوله: ليس حديثه بشيء وقال النسائي: متروك. وفيه عبد الرحمن القطامي كذبه الغلاس. - وجاء في «تلخيص الحبير» (2/ 222- 223) : ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» وقال العقيلي والدارقطني: لا يصح فيه شيء. قلت: وله طرق من حديث أبي أمامة فيه ليث وهو ضعيف، وشريك سيّئ الحفظ وخالفه الثوري فأرسله، عن ابن سابط رواه أحمد في «كتاب الإيمان» وكذا رواه ابن أبي شيبة عن ليث مرسلا، وفي الطريق الثاني عمار بن مطر وهو ضعيف، وحديث الترمذي، عن علي سئل الحربي عنه فقال: من هلال؟؟ وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث وليس بمحفوظ وقال العقيلي: لا يتابع عليه. قال ابن حجر: وورد عن عمر موقوفا، وإذا انضمّ هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا ومحمله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع اهـ. قلت: المرسل لا يقوى بالموقوف، لأن المرسل مداره عند الجميع على ليث، وهو ضعيف سيئ الحفظ، والصواب فيه الوقف فحسب، والله أعلم. 411- ع أخرجه الطبري 7522 من طريق ابن إسحاق قال حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، وهذا مرسل ومع إرساله فيه راو لم يسمّ. [.....] (1) وقع في الأصل «سهيل بن عمارة» والتصويب من «شعب الإيمان» وكتب «التراجم» . (2) ما بين المعقوفتين جعل في المخطوط عقب لفظ «شهداء» والمثبت عن- ط والمطبوع، وكلاهما محتمل. (3) في الأصل «إن مرشاس» والتصويب من «تفسير الطبري» و «أسباب النزول» للواحدي و «الدر المنثور» . (4) في المطبوع وحده «الطغى» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 101 الى 102]

المسلمين [1]- عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسِ جَمْعِهِمْ يَتَحَدَّثُونَ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ من العداوة، وقال: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، لَا وَاللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَرَ شَابًّا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَعَهُ فَقَالَ: اعْمَدْ إِلَيْهِمْ وَاجْلِسْ مَعَهُمْ ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ، وَكَانَ بُعَاثٌ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ مَعَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأَوْسِ على الخزرج، ففعل فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنَ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرَّكْبِ، أَوْسُ بْنُ قيظي أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ [مِنَ الْأَوْسِ] [2] وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ شِئْتُمْ وَاللَّهِ رَدَدْتُهَا الْآنَ جَذَعَةً، وَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا وَقَالَا: قَدْ فَعَلْنَا السِّلَاحَ السِّلَاحَ مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ،. وَهِيَ الحرة. فخرجوا جميعا إِلَيْهَا وَانْضَمَّتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بَعْضُهَا [3] إِلَى بَعْضٍ عَلَى دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟ تَرْجِعُونَ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفَّارًا، اللَّهَ اللَّهَ!!» فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ [مِنْ أَيْدِيهِمْ] [4] وَبَكَوْا وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مطيعين، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يعني: شاسا [5] وأصحابه، يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ، قَالَ جَابِرٌ: فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ يَوْمًا أقبح، [أولا و] [6] أحسن آخِرًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التعجب: [سورة آل عمران (3) : الآيات 101 الى 102] وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ، يَعْنِي: وَلِمَ تَكْفُرُونَ؟ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ، [أي] [7] : الْقُرْآنُ، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ قَتَادَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَمَانِ بَيِّنَانِ: كِتَابُ اللَّهِ وَنَبِيُّ اللَّهِ، أَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مَضَى، وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَأَبْقَاهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً. «412» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [8] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله

_ - وذكره الواحدي 232 بدون إسناد. وأسنده عن عكرمة 231 بنحوه و233 عن ابن عباس بمعناه، فلعل هذه الروايات تعتضد بمجموعها والله أعلم. 412- إسناده صحيح، جعفر بن عون فمن فوقه رجال البخاري ومسلم غير يزيد بن حيان، فإنه من رجال مسلم، ومن دون جعفر توبعوا، وهم ثقات. (1) زيد في الأصل «فمر» . (2) سقط من المخطوط. (3) في المطبوع وحده «بعضهم» . (4) زيادة عن المخطوط وكتب الأثر. (5) في الأصل «مرشاسا» . (6) في المطبوع «أو لا» . (7) زيادة عن المخطوط. (8) في الأصل «أبو عبيد الله» والتصويب من «شرح السنة» . [.....]

الْحَافِظُ أَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْعَدْلُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الوهّاب العبدي أنا جعفر بن عون [1] أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سعيد بن حيان [2] عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُهُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فتمسكوا بكتاب الله تعالى وَخُذُوا بِهِ» ، فَحَثَّ [عَلَيْهِ] [3] وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ، أَيْ: يَمْتَنِعْ بِاللَّهِ وَيَسْتَمْسِكْ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ، فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، طَرِيقٍ وَاضِحٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أَيْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ: الْمَنْعُ، فَكُلُّ مَانِعٍ شَيْئًا فَهُوَ عَاصِمٌ له. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. ع «413» قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالٌ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَافْتَخَرَ بَعْدَهُ مِنْهُمْ رَجُلَانِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمٍ مِنَ الْأَوْسِ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ الْأَوْسِيُّ: مِنَّا خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَمِنَّا حَنْظَلَةُ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أبي الأقلح [4] حَمِيُّ الدَّبْرِ، وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ معاذ الذي اهتزّ عرش الرحمن له وَرَضِيَ اللَّهُ بِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ أَحْكَمُوا الْقُرْآنَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ وَرَئِيسُهُمْ، فَجَرَى الْحَدِيثُ بَيْنَهُمَا فَغَضِبَا وَأَنْشَدَا الْأَشْعَارَ وَتَفَاخَرَا، فَجَاءَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَمَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يطاع فلا يعصى، وقال مجاهد: أن تجاهدوا

_ - وهو في «شرح السنة» (3806) بهذا الإسناد. - وأخرجه الدارمي 2/ 431- 432 والبيهقي 10/ 1113- 114 من طريق جعفر بن عون بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2408 ح 36 والنسائي في «الكبرى» (8175) وأحمد 4/ 366- 367 والطحاوي في «المشكل» (3464) والطبراني 5028 والبيهقي 10/ 114 من طرق عن أبي حيان التيمي به. - وأخرجه مسلم 2408 والطبراني 5026 من طريق يزيد بن حيان به. - وأخرجه الترمذي 3788 من طريق الأعمش عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عن زيد بن أرقم به ... وقال: هذا حديث حسن غريب اهـ. وأخرجه مسلم 2408 وابن أبي عاصم 1550 والطبراني 5028 والطحاوي في «المشكل» (3464) من طريق محمد بن فضيل، عن أبي حيان التيمي به. 413- ع هذا معضل، فهو واه، وإسناد المصنف إلى مقاتل أول الكتاب، ولم أره عند غير المصنف، ثم بعض الموافقات المذكورة إنما كانت بعد نزول هذه الآيات. (1) في الأصل «أبو جعفر بن عوف» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التراجم» . (2) في الأصل «أبو حبان» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التراجم» . (3) العبارة في المطبوع «على كتاب الله» والمثبت عن المخطوط وط و «شرح السنة» . (4) في الأصل «بن أفلح» والتصويب من «دلائل النبوة» للبيهقي و «الإصابة» .

[سورة آل عمران (3) : آية 103]

في [1] اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَلَا تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَتَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَآبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ. وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَخْزِنَ لِسَانَهُ، قال أهل التفسير: لما نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَقْوَى عَلَى هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التَّغَابُنِ: 16] ، فَنُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَيْسَ فِي آلِ عمران من المنسوخ إلّا هذه الآية وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، أَيْ: مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: مُخْلِصُونَ مُفَوِّضُونَ أُمُورَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ [2] : مُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِاللَّهِ [تعالى] . «414» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَبْدُوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ [3] بْنُ حمدون بن خالد بن بريدة [4] أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ [5] أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ عَلَى الْأَرْضِ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ وَلَيْسَ لَهُ طعام غيره» ؟. [سورة آل عمران (3) : آية 103] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً، الْحَبْلُ: السَّبَبُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ، وَسُمِّيَ الْإِيمَانُ حَبْلًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى زَوَالِ الْخَوْفِ [من النار] [6] ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ هَاهُنَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حبل الله الذي أمر بِهِ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هو القرآن.

_ 414- المرفوع ضعيف، والراجح وقفه. رجال الإسناد ثقات مشاهير، لكن فيه عنعنة الأعمش، وهو مدلس، فالإسناد ضعيف، والراجح وقفه. شعبة هو ابن الحجاج، والأعمش هو سليمان بن مهران، ومجاهد هو ابن جبر. - وهو في «شرح السنة» (4304) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2585 والطيالسي 2643 وأحمد 1/ 300- 301 و338 وابن حبان 7470 والحاكم 2/ 294 و451 والطبراني 11068 والبيهقي في «البعث» (596) من طرق عن شعبة به. وصححه الحاكم عن شرطهما! ووافقه الذهبي! وقال الترمذي: حسن صحيح!؟ والصواب أنه ضعيف فيه عنعنة الأعمش وهو مدلس وقد سقط من الإسناد رجل بدليل ما أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 161 وأحمد 1/ 338 والبيهقي في «البعث» (597) من وجه آخر عن الأعمش، عن أبي يحيى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفا عليه، وأبو يحيى فيه لين، لكن حديثه أصح من المرفوع. (1) زيد في المطبوع «سبيل» . (2) وقع في المخطوط «الفضل» . (3) في الأصل «أبو بكر بن محمد» والتصويب من «شرح السنة» . (4) في الأصل «يزيد» والتصويب من «شرح السنة» . (5) في الأصل «يوسف» والتصويب من «شرح السنة» و «كتب التراجم» . (6) زيادة من المخطوط.

ع «415» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حبل الله المتين، وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَعِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ» . وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بِحَبْلِ اللَّهِ أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، وَلا تَفَرَّقُوا، كَمَا افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. «416» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا [وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا] [1] ، يرضى لكم أن

_ 415- ع الراجح وقفه. أخرجه الحاكم 1/ 555 ح 2040 وابن الضريس في «فضائل القرآن» (58) وأبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (21) والآجري في «أخلاق حملة القرآن» (11) وابن حبان في «المجروحين» (1/ 100) وأبو الفضل الرازي في «فضائل القرآن» (30 و32) وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (4/ 252) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 278) والبيهقي في «الشعب» (4/ 550) وابن الجوزي في «العلل» (1/ 101- 102) كلهم من طريق إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عن ابن مسعود به. صححه الحاكم، وقال الذهبي: إبراهيم بن مسلم ضعيف اهـ. وقال ابن الجوزي: يشبه أن يكون كلام ابن مسعود اهـ. - وورد موقوفا على ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق 3/ 375 وابن المبارك في «الزهد» (808) والدارمي 2/ 431 والطبراني في «الكبير» (9/ 139) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 272) وأبو الفضل الرازي 31 والبيهقي في «الشعب» (4/ 549) من طرق عن الهجري، عن أبي الأحوص عنه. قلت: رواه عبد الرزاق بإسناده، عن ابن عيينة، عن الهجري به وقد ورد عن ابن عيينة أنه قال: أتيت إبراهيم الهجري فدفع إلى عامة كتبه فرحمت الشيخ وأصلحت له كتابه، قلت: هذا عن عبد الله وهذا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا عن عمر. وقال الحافظ في «التهذيب» (1/ 166) : هذه القصة تقتضي أن حديثه عنه صحيح لأنه إنما عيب عليه رفعه أحاديث موقوفة وابن عيينة ذكر أنه ميّز حديث عبد الله من حديث النبي صلّى الله عليه وسلّم اهـ. - وله شاهد من حديث علي أخرجه الترمذي 2906 وابن أبي شيبة 10/ 482 وأحمد 1/ 91 وأبو يعلى 367 والخطيب 8/ 321 والدارمي 2/ 435- 436 وجعفر الفريابي في «فضائل القرآن» (79) والبزار 3/ 70- 71 وأبو الفضل الرازي 35 والبيهقي في «الشعب» (4/ 496- 497) والبغوي في «شرح السنة» (1176) . وفي إسناده الحارث بن عبد الله الأعور، وهو ضعيف. - وقال ابن كثير في «فضائل القرآن» ص (17- 18) ذكر هذا الحديث وتكلم على إسناده: وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح اهـ. الخلاصة: هذا الحديث الراجح فيه الوقف، مع أنه من جهة الإسناد لا بأس به بشواهده، لكن اختار ابن كثير رحمه الله وغيره الوقف في هذا المتن، والله أعلم. [.....] 416- إسناده على شرط البخاري ومسلم، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (101) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 990) عن سهيل بن أبي صالح بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (442) وابن حبان 3388. وأخرجه مسلم 1715 وأحمد 2/ 327 و360 و367 من طريق سهيل بن أبي صالح به. - ولعجزه شاهد من حديث المغيرة أخرجه البخاري 1477 ومسلم 3/ 1341 (13) وأحمد 4/ 249 وابن حبان 5719 والطبراني 10/ (900) . (1) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمْرَكُمْ، [وَيَسْخَطُ لَكُمْ] [1] قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» . قَوْلُهُ تعالى وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ. «417» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ: كَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَوَقَعَتْ بينهما عداوة بسبب قتيل قتل بينهم، فَتَطَاوَلَتْ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ وَالْحَرْبُ بَيْنَهُمْ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ إِلَى أَنْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ، وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ سَبَبُ أُلْفَتِهِمْ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ الصَّامِتِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ شَرِيفًا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ الْكَامِلَ لِجَلَدِهِ وَنَسَبِهِ قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بُعِثَ وَأُمِرَ بِالدَّعْوَةِ، فَتَصَدَّى لَهُ [رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم] [2] حِينَ سَمِعَ بِهِ وَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا الَّذِي مَعَكَ» ؟ فقال: مَجَلَّةُ [3] لُقْمَانَ، يَعْنِي: حِكْمَتَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْرِضْهَا عَلَيَّ» ، فَعَرَضَهَا، فقال: «إن هذا الكلام [4] حسن، ومعي أفضل من هذا، قرآن أنزل اللَّهُ عَلَيَّ نُورًا وَهُدًى» ، فَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فلم يبعد منه ولم ينفر وسرّ بذلك، وقال: إن هذا القول حَسَنٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فلم يلبث أن قتله الْخَزْرَجُ قِبَلَ يَوْمِ بُعَاثٍ، فَإِنَّ قومه ليقولون: إنه قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ [5] أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، وَمَعَهُ فِئَةٌ مِنْ بَنِي الْأَشْهَلِ فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، وقال: هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جئتم له؟ قالوا: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شيئا، وأنزل الله عَلَيَّ الْكِتَابَ» ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ هَذَا وَاللَّهِ خير ممّا جئتم له [يا بني الأشهل] [6] ، فَأَخَذَ أَبُو الْحَيْسَرِ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسٍ وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا، فَصَمَتَ إِيَاسٌ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ خَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فيه النفر من الأنصار ويعرض نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَلَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا، وَهُمْ سِتَّةُ نَفَرٍ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ بن العجلان، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ [7] ،

_ 417- أورده ابن هشام في «السيرة» (2/ 51- 70) منجما مطولا، وورد بنحوه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يسار قال: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إظهار دينه ... فذكره أخرجه البيهقي في «الدلائل» (2/ 433- 434) . - وأخرجه الطبري 7584 من طريق ابن إسحاق عن الحصين بن عبد الرحمن، عن محمود بن لبيد مرسلا بنحوه. - وأخرج صدره الطبري 7583 من طريق ابن إسحاق أيضا عن عاصم بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت ... فذكره. (1) زيد في المطبوع «ثلاثا» . (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) تصحف في المطبوع إلى «مجلد» والمجلة: الصحيفة، وفيها حكم لقمان. (4) في المطبوع «كلام» والمثبت عن- ط. (5) تصحف في المطبوع إلى «الجيسر» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) تصحف في المطبوع «خريدة» .

وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِيٍّ [1] ، وجابر بن عبد الله [بن رئاب] [2] ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَنْتُمْ» ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ؟ قَالَ: «أَمِنَ مَوَالِي يَهُودَ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «أَفَلَا تَجْلِسُونَ حَتَّى أُكَلِّمَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالُوا: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ بِبِلَادِهِمْ [وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ وَهُمْ] [3] كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ وَشِرْكٍ، وَكَانُوا إِذَا كان بينهم [4] شَيْءٌ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا الْآنَ مَبْعُوثٌ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتْبَعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ النَّفَرِ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدُكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَأَسْلَمُوا، وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِكَ، وَسَنَقْدُمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إلى أمرك، فإن جمعهم اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزَّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وصدّقوه] [5] ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى فَشَا فِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كان العام المقبل، أتى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ [بْنِ الْعَجْلَانِ] [6] ، وَذَكْوَانُ بن عبد قيس [7] ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَؤُلَاءِ خَزْرَجِيُّونَ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التيهان وعويم بْنُ سَاعِدَةَ مِنَ الْأَوْسِ، فَلَقُوهُ بِالْعَقَبَةِ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، «فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنَّ سُتِرَ عَلَيْكُمْ فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ» ، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبَ، قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ الْقَوْمُ بَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَكَانَ مُصْعَبٌ يُسَمَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، ثُمَّ إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبٍ فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظُفَرَ، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ فاجتمع إِلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا فَازْجُرْهُمَا، فَإِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زرارة ابن خالتي [معهم] [8] ، ولولا ذلك لَكَفَيْتُكَهُ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَيِّدَيْ قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَى مُصْعَبٍ وَأَسْعَدَ وَهُمَا جَالِسَانِ فِي الْحَائِطِ، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قال لمصعب: هذا والله سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ، قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا متشتّما، فقال: ما جاء بكما إِلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا فِي أَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، [فَقَالَا] [9] : وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قبل أن يتكلّم في إشراقة [10] وجهه وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا

_ (1) في المطبوع «بابي» وفي المخطوط «بادي» والمثبت عن «السيرة النبوية» (2/ 55) ونسخة- ط. (2) زيادة تزيل الالتباس، فإنه غير جابر بن عبد الله بن حرام. (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «منهم» . [.....] (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «العجلاني» . (7) في المطبوع «القيس» . (8) زيادة عن المخطوط. (9) زيادة عن المخطوط و «السيرة» . (10) في المطبوع «إشراق» .

أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثوبك ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثوبه، وتشهّد [1] شَهَادَةَ الْحَقِّ ثُمَّ قَامَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، [و] سأرسله إِلَيْكُمَا الْآنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا قَالَ: أَحْلِفَ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ [بِهِ] [2] مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قال: قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قال: كلّمت الرجلين فو الله مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: فَافْعَلْ [3] مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابن خالتك ليخفروك فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا لِلَّذِي ذكره لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا فَلَمَّا رَآهُمَا مُطْمَئِنِّينَ عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدًا إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي تَغْشَانَا فِي دَارِنَا بما نكره، قَالَ أَسْعَدُ لِمُصْعَبٍ: جَاءَكَ وَاللَّهِ سيد قومه، وإن اتّبعك لَمْ يُخَالِفْكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ [لَهُ] [4] مُصْعَبٌ: أَوَ تَقْعُدُ فَتَسْمَعُ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ، ثم ركّز الحربة فجلس، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ لإشراقه وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تغتسل وتطهر ثوبك، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثوبيه [5] وتشهّد شَهَادَةَ الْحَقِّ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَأَقْبَلَ عَامِدًا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ سَعْدٌ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَمَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مسلم ومسلمة، وَرَجَعَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ [وَمُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ] [6] ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رجال ونساء مسلمون إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَخَطْمَةَ ووائلا وَوَاقِفٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الشَّاعِرُ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وأحد والخندق، قال: ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رجع إلى مكة وخرج [و] [7] مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهِيَ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةُ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ ذَلِكَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ، وَكَانَتِ تلك الليلة التي واعدنا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ أَخْبَرْنَاهُ وَكُنَّا نَكْتُمُ عَمَّنْ مَعَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِنَا أَمَرَنَا فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، وَدَعَوْنَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا، فَبِتْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ

_ (1) في المطبوع «وشهد» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المخطوط «لا تفعل» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «ثوبه ثم» . (6) سقط من المخطوط. (7) زيادة عن المخطوط.

مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ الْقَطَا، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ [1] عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ أُمُّ مَنِيعٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ. فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، وكانت العرب إنما يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا: إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مَنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأَيْنَا وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا شِئْتَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا الْقُرْآنَ ودعا إلى الله تعالى وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ» ، قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بيده [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [2] ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي بَعْثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لنمنعنك مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا يَعْنِي الْعُهُودَ [3] ، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْنَا [نَحْنُ] [4] ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ [5] : «الدَّمُ الدَّمُ وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ، أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ» ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ، كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» ، فَأَخْرَجُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ. قال عاصم بن عمر بْنِ قَتَادَةَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ هَلْ تَدْرُونَ على ما تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نَهَكَتْ أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الْآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ على نهك الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، [فَخُذُوهُ فَهُوَ والله خير في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، قالوا] [6] : فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ قَالَ: «الْجَنَّةُ» ، قَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ على يده [صلّى الله عليه وسلّم] الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ، فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَخَ الشيطان من رأس العقبة [فأنفذ] [7] صوتا مَا سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الجباجب، أهل لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ هَذَا أَزَبُّ العقبة،

_ (1) في المطبوع «بن» . [.....] (2) زيادة عن المخطوط. (3) كذا في سائر النسخ والسيرة وفي نسخة من المخطوط «اليهود» . (4) زيادة عن المخطوط والسيرة. (5) زيد في المطبوع وحده «لا بل الأبد الأبد» وليس في باقي النسخ والمخطوط وكتب السيرة. (6) سقط من المخطوط. (7) سقط من المطبوع.

[سورة آل عمران (3) : آية 104]

اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ» ، ثُمَّ قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «ارفضّوا إِلَى رِحَالِكُمْ» ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ [1] غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ وَلَكِنِ ارْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ» ، قَالَ: فَرَجَعْنَا إِلَى مَضَاجِعِنَا فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جلّة قريش حتى جاؤونا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ جِئْتُمْ صَاحِبَنَا هذا تستخر جونه مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ ينشب الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ، قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَمَا علمناه، وصدقوا لم يَعْلَمُوا وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْقَوْمُ وَفِيهِمُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ جَدِيدَانِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْرِكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا: يَا أبا جَابِرُ أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ وأنت سيد من سادتنا مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إلي فقال: والله لتنعلنهما، قَالَ: يَقُولُ أَبُو جَابِرٍ رَضِيَ الله عنه: مه والله لقد أحفظت [2] الفتى فاردد إليه نعله، قَالَ: لَا أَرُدُّهُمَا، [فَأْلٌ وَاللَّهِ صَالِحٌ] [3] وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لَأَسْلُبَنَّهُ، قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَنْصَارُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ شَدَّدُوا الْعَقْدَ، فَلَمَّا قَدِمُوهَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَآذَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخوانا ودارا تأمنون فيها» ، وأمرهم بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، ثُمَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ثُمَّ تَتَابَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَالًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا بِالْإِسْلَامِ وَأَصْلَحَ ذَاتَ بَيْنِهِمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بِالْإِسْلَامِ، فَأَصْبَحْتُمْ، أَيْ: فَصِرْتُمْ، بِنِعْمَتِهِ بِرَحْمَتِهِ وَبِدِينِهِ الْإِسْلَامِ، إِخْواناً فِي الدِّينِ وَالْوِلَايَةِ بَيْنَكُمْ، وَكُنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ، أي: على طرف مثل شفا البئر [أي: طرفها] [4] ، معناه: وكنتم عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْوُقُوعِ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَمُوتُوا عَلَى كُفْرِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمْ اللَّهُ مِنْها بِالْإِيمَانِ، كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. [سورة آل عمران (3) : آية 104] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ، أَيْ: كُونُوا [5] أُمَّةً، مِنْ صِلَةٌ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الْحَجِّ: 30] ، لَمْ يُرِدِ اجْتِنَابَ بَعْضِ الأوثان بل أراد اجتنبوا [جميع] [6] الْأَوْثَانَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: وَلْتَكُنْ لَامُ الْأَمْرِ، يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. «418» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عيسى

_ 418- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وكيع هو ابن الجراح، سفيان هو ابن سعيد الثوري. (1) في المطبوع «ليملن» . (2) أحفظه: أغضبه. (3) في المطبوع [قال والله يا أبا صالح] وهو تصحيف، وفي المخطوط «صلح» بدل «صالح» وهو تصحيف أيضا. (4) زيادة عن المخطوط. (5) كذا في المخطوط وط، وفي المطبوع «ولتكونوا» . (6) زيادة عن المخطوط.

الْجُلُودِيُّ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الحجاج حدثنا أَبُو بَكْرٍ [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ] [1] مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» . «419» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ [2] الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرحمن الأشهليّ عن حذيفة:

_ - أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (49) من طريق ابن أبي شيبة به. وأخرجه أحمد 3/ 54 وابن حبان 306 من طريق وكيع بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2172 والنسائي 8/ 111 وأحمد 3/ 49 من طريق سفيان الثوري به. - وأخرجه مسلم 49 والطيالسي 2196 وأحمد 3/ 20 والنسائي 8/ 112 من طريق شعبة عن قيس به. - وأخرجه مسلم 49 ح 79 وأبو داود 1140 و4340 وابن ماجه 1275 و4013 وابن حبان 307 من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وعن قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بن شهاب، عن أبي سعيد. - وذكره المصنف في «شرح السنة» بإثر (4052) معلّقا بدون إسناد. [.....] 419- حسن صحيح بشواهده. علي بن حجر فمن فوقه رجال البخاري ومسلم غير عبد الله بن عبد الرحمن، وهو مقبول كما في «التقريب» فحديثه لين، ويحسن عند المتابعة، وقد توبع على معنى حديثه. أبو عمرو هو ميسرة مولى المطلب. - وهو في «شرح السنة» (4049) بهذا الإسناد. - أخرجه الترمذي 2169 وأحمد 5/ 391 والبيهقي في «الشعب» (7558) من طريق عمرو بن أبي عمرو بهذا الإسناد. وحسنه الترمذي، وأقرّه العراقي في «تخريج الإحياء» (2/ 308) وكذا المنذري في «الترغيب» (3/ 227) . - وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه أبو داود 4336 و4337 والترمذي 3050 و3051 وابن ماجه 4006 وأحمد 1/ 391 وأبو يعلى 5035 والطحاوي في «المشكل» (1164) والطبري 12307 و12310 والطبراني 10264 و10265 و10266 والدارقطني في «العلل» (5/ 288) ، وإسناده منقطع، وقال الترمذي: حسن غريب! - ومن حديث أبي موسى أخرجه الطحاوي في «المشكل» (1163) والطبراني كما في «المجمع» (7/ 269) ورجاله ثقات إلا أن إسناده منقطع. - ومن حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في «الأوسط» (1401) وقال الهيثمي 7/ 266: فيه حبان بن منقذ متروك، ووثقه يحيى في رواية اهـ. وضعّفه العراقي في «تخريج الإحياء» (2/ 308) . - ومن حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الأوسط» (1389) وقال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم. - ومن حديث عائشة أخرجه ابن ماجه 4004 وأحمد 6/ 159 وابن حبان 290 والبزار 3304 و3305 وقال الهيثمي: وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده. (1) زيادة عن كتب التخريج والتراجم. (2) في المطبوع «عمرو» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 105 الى 106]

أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ [1] عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» . «420» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا عَلِيُّ بن الحسين الدارابجردي [2] أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ [3] أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة: 105] ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تعالى بعقابه» . «421» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ [4] بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَخْبَرَنَا أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الْمُدَاهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بعضهم في أعلاها، فكان الذي في أسفلها يمرّ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: ما لك؟ قال: تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا [5] أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 105 الى 106] وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106)

_ (1) في المخطوط «ولتهنّ» . (2) في الأصل «الدراوردي» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» (2/ 436) للسمعاني. (3) في الأصل «المقسميلي» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» . (4) في الأصل «عمرو» والتصويب من «صحيح البخاري» . (5) في المطبوع «وأنجو» . 420- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو النعمان هو محمد بن الفضل- عارم- وقد توبع هو ومن دونه وكذا شيخه القسملي. - وهو في «شرح السنة» (4048) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 4338 والترمذي 2168 و2057 وابن ماجه 4005 والحميدي 3 وأحمد 1/ 2 و5 والطحاوي في «المشكل» (1165- 1170) وابن حبان 304 والبيهقي 10/ 91 وفي «الشعب» (7550) من طرق عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ به. وإسناده صحيح. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ نحو هذا الحديث مرفوعا وروى بعضهم عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر قوله ولم يرفعوه اهـ. قلت: رواه غير واحد من الأئمة الثقات: شعبة والقسملمي وغيرهما عن إسماعيل به مرفوعا. فلا يضره وقف من وقفه، والله أعلم. 421- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران، والشعبي هو عامر بن شراحيل. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2686) عن عمر بن حفص بهذا الإسناد. - وهو في «شرح السنة» (4046) من وجه آخر عن يعلى، عن الأعمش به. - وأخرجه البخاري 2493 والترمذي 2173 وابن حبان 297 و298 وأبو الشيخ في «الأمثال» (317 و348) والرامهرمزي في «الأمثال» (61 و62 و63) والبيهقي 10/ 91 و288 من طرق عن الشعبي به.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُبْتَدِعَةُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُمُ الْحَرُورِيَّةُ بِالشَّامِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَقَفَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى رَأْسِ الْحَرُورِيَّةِ بِالشَّامِ، فَقَالَ: هُمْ كِلَابُ النَّارِ، كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ. «422» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ [1] بْنُ بِشْرَانَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من سرّه أن يسكن بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ، وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، يَوْمَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ: فِي يَوْمِ، وَانْتِصَابُ الظَّرْفِ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمَفْعُولِ، يُرِيدُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْكَافِرِينَ، وَقِيلَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُخْلِصِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْمُنَافِقِينَ، [وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ] [2] ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُفِعَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، فَيَسْعَى كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [3] ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

_ 422- إسناده صحيح رجاله رجال البخاري ومسلم، سوى الرمادي وهو ثقة عبد الرزاق هو ابن همام، معمر هو ابن راشد. - وهو في «شرح السنة» (5/ 257) بدون إسناد. - أخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفة» (2710) عن معمر بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي في «عشرة النساء» (340 و341) وعبد بن حميد في «المنتخب» (23) وأبو يعلى 141 و142 و143 من طريق عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد. رووه مطولا ومختصرا. - وأخرجه الترمذي 2165 والنسائي في «عشرة النساء» (343) وابن أبي عاصم في «السنة» (88 و897) والحاكم 1/ 114 من طريق محمد بن سوقة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابن عمر، عن عمر به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وروي هذا الحديث من غير وجه عن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم اهـ. - وأخرجه أحمد 1/ 18 والطحاوي في «المعاني» (4/ 150- 151) وابن حبان 7254 والحاكم 1/ 114 والبيهقي 7/ 91 وإسناده صحيح، صححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي. - وأخرجه النسائي 227 وابن ماجه 2363 وأحمد 1/ 26 وأبو يعلى 143 وابن مندة 1087 من طريق جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جابر بن سمرة قال: خطبنا عمر.... فذكره. وإسناده صحيح. (1) في المطبوع «الحسن» . (2) سقط من المخطوط. (3) في المطبوع «يعبدونه» . [.....]

نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [النِّسَاءِ: 115] ، فَإِذَا انتهوا إليه حزنوا وتسودّ وجوههم من الحزن، ويبقى أَهْلُ الْقِبْلَةِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَمْ يَعْرِفُوا شَيْئًا مِمَّا رُفِعَ لَهُمْ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَسْجُدُ لَهُ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا مُطِيعًا مُؤْمِنًا وَيَبْقَى أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لهم فيرفعون رؤوسهم وَوُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلُ الثَّلْجِ بَيَاضًا وَالْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا نَظَرُوا إِلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ حَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا فَاسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا ما لنا مسودة وجوهنا، فو الله مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ للملائكة: انظروا كيف كذبوا على أنفسهم، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ابْيِضَاضُ [1] الْوُجُوهِ إِشْرَاقُهَا وَاسْتِبْشَارُهَا وَسُرُورُهَا بِعَمَلِهَا وَبِثَوَابِ الله [تعالى] [2] ، وَاسْوِدَادُهَا حُزْنُهَا وَكَآبَتُهَا وَكُسُوفُهَا بِعَمَلِهَا وَبِعَذَابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [يُونُسَ: 26] ، وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ [يُونُسَ: 27] ، وَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) [الْقِيَامَةِ: 22. 24] وَقَالَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) [عَبَسَ: 38. 40] ، فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ، مَعْنَاهُ: يُقَالُ لَهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، [فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ] [3] ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ، وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ: حُكِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنه قال: أَرَادَ بِهِ الْإِيمَانَ يَوْمِ الْمِيثَاقِ، حين قال لهم ربهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، يَقُولُ: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ تَكَلَّمُوا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم، وقال عِكْرِمَةَ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ آمَنُوا بِأَنْبِيَائِهِمْ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: هُمُ الْخَوَارِجُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ. «423» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إني عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَنِّي ومن أمّتي، فقال: هلّ شعرت ما عملوا بعدك؟ فو الله مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» . وَقَالَ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ أَهْلِهِ فَمَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ مَنْ أَهْلِهِ فما يؤوب إِلَيْهِمْ حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ النَّارَ، ثُمَّ قَرَأَ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الْآيَةَ، ثم نادى: هم الذي كَفَرُوا بَعْدَ الْإِيمَانِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ.

_ 423- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو مريم والد سعيد اسمه الحكم بن محمد بن سالم المصري. ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله. أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (6593) عن سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2293 وابن مندة في «الإيمان» (1076) من طريق نافع بن عمر به. - وورد من حديث عائشة أخرجه مسلم 2294 وأحمد 6/ 121 وأبو يعلى 4455 وابن أبي عاصم في «السنة» (770) من طريق عثمان بن خيثم، عن ابن أبي مليكة عنها. (1) في المطبوع «بياض» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع وط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 107 الى 108]

«424» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دينه بعرض من الدنيا» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 107 الى 108] وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ الطَّاعَةِ، فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ، [ففي جَنَّةِ اللَّهِ] [1] ، هُمْ فِيها خالِدُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 109 الى 110] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ وَوَهْبَ بْنَ يَهُودَا الْيَهُودِيَّيْنِ قَالَا لَهُمْ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَدِينُنَا خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ هم الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: هُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم خاصة [يعني: وكانوا] [2] ، الرواة الدعاة الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِطَاعَتِهِمْ. وَرُوِيَ [عَنْ] [3] عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَكُونُ لِأَوَّلِنَا وَلَا تَكُونُ لِآخِرِنَا. «425» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ [4] أنا أبو القاسم البغوي

_ 424- إسناده صحيح على شرط مسلم، عبد الرحمن والد العلاء هو ابن يعقوب بن محمد مولى الحرقة وهو في «شرح السنة» (4118) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 118 من طريق علي بن حجر بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 2195 وأحمد 2/ 304 و372 و523 وابن حبان 6704 وابن أبي عاصم في «الزهد» (218) والفريابي في «صفة النفاق» (101 و102 و103) من طرق عن العلاء به. - وورد بنحوه من وجه آخر عن ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عن أبي هريرة أخرجه أحمد 2/ 390 و391 والفريابي 100. 425- إسناده على شرط الصحيح، تفرد البخاري عن علي بن الجعد، وقد توبع، وأبو حمزة هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الله (1) زيد في المطبوع وط. (2) زيادة عن الطبري 7611 يتضح بها السياق. (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في الأصل «عبد الرحمن بن شريح» والتصويب من «شرح السنة» .

أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شعبة عن أبي حمزة قال: سمعت زهدم بن المضرّب عن [1] عمران بن الحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» . قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، [وَقَالَ: «إِنَّ بَعْدَكُمْ] [2] قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ» . «426» وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نصيفه» . وقال الآخرون: جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَوْلُهُ كُنْتُمْ أَيْ: أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا [الْأَعْرَافِ: 86] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [الْأَنْفَالِ: 26] ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وقال قوم: قوله لِلنَّاسِ صِلَةُ قَوْلِهِ خَيْرَ أُمَّةٍ، أَيْ: أنتم خير أمة للناس.

_ الحجازي، تفرد عنه مسلم. وهو في «شرح السنة» (3750) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2651 و3650 و6428 و6695 ومسلم 2535 والنسائي 7/ 17- 18 والطبراني 18/ 580 و581 و582 والبيهقي 10/ 123 وفي «الدلائل» (6/ 552) من طريق عن زهدم بن المضرّب به. - وأخرجه مسلم 2535 وأبو داود 4657 والترمذي 2222 والطيالسي 852 وأحمد 4/ 426 و440 وابن حبان 6729 والطحاوي في «المشكل» (3/ 176) والطبراني 18/ (526) و (528) و (529) والبيهقي 10/ 160 من طريق قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عن عمران بن حصين به. 426- إسناده صحيح، علي بن الجعد من رجال البخاري، ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج، أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير. - وهو في «شرح السنة» (3752) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق علي بن الجعد، وهو في «الجعديات» (760 و2553) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3673 ومسلم 2541 والترمذي 3861 والطيالسي 2183 وأحمد 3/ 54 و55 وابن حبان 7255 وابن أبي عاصم في «السنة» (989) من طرق عن شعبة به. - وأخرجه أبو داود 4658 والترمذي 3861 وأبو يعلى 1198 وابن أبي عاصم 990 و991 من طرق عن أبي معاوية به. - وأخرجه مسلم 2540 وابن ماجه 161 من طريق أبي معاوية به إلا أنهما قالا عن أبي هريرة، وهو خطأ، كما أشار إلى ذلك المزي في «تحفة الأشراف» (3/ 343- 344) وانظر أيضا «فتح الباري» (7/ 35) . - وأخرجه ابن أبي عاصم 988 وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 122) والخطيب في «تاريخ بغداد» (7/ 144) من طرق عن الأعمش به. (1) في الأصل «بن» والتصويب عن كتب التخريج. (2) العبارة في المطبوع [ثم إن بعدهم] . [.....]

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ: كُنْتُمْ خير النّاس للنّاس، تَجِيئُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فَتُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ [1] بِالْقِتَالِ، فَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ، فَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ لِلنَّاسِ، وَقِيلَ: «لِلنَّاسِ» صِلَةُ قَوْلِهِ أخرجت أي: مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِلنَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «427» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ حُبَيْشٍ الْمَقْرِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قَالَ: «إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ [2] سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . «428» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا [أَبُو] [3] مَعْشَرٍ [4] إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِيرَكِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّلْتِ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوُفِّي سَبْعِينَ أُمَّةً هِيَ أَخْيَرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» . «429» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحسين بن محمد أنا

_ 427- حديث صحيح بشواهده. إسناده حسن للاختلاف المعروف في بهز عن آبائه، وهي سلسلة الحسن، وللحديث شواهد، جد بهز هو معاوية بن حيدة رضي الله عنه. خرجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «تفسيره» (446) عن معمر بهذا الإسناد ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري 7620. - وأخرجه الترمذي 3001 وابن ماجه 4287 وأحمد 4/ 447 والحاكم 4/ 84 والطبري 7619 والطبراني في «الكبير» (19/ (1023 و1030) من حديث بهز بن حكيم به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث حسن، وذكره الهيثمي في «المجمع» (18645) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. - وأخرج الطبري 7621 عن قتادة قال: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذات يوم، وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة، نحن آخرها وخيرها» اهـ. وللحديث شواهد يتقوى بها إن شاء الله تعالى، وانظر ما بعده. 428- إسناده ضعيف، له علتان: الأولى: ضعف أبي الصلت الهروي واسمه عبد السلام بن صالح، والثانية: ضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان. وأخرجه أحمد 3/ 61 (11193) من طريق معمر، عن علي بن زيد بهذا الإسناد، وهو عجز حديث عنده وعلته علي بن زيد لكن يصلح شاهدا لما قبله. وانظر «أحكام القرآن» (353) بتخريجي. 429- حديث حسن صحيح بشواهده. إسناده لا بأس به، عبد الرحمن بن المبارك، ثقة روى له البخاري، ومن دونه توبعوا، وشيخه حماد بن يحيى الأبح، صدوق يخطئ. - وأخرجه الترمذي 2873 من طريق حماد بن يحيى به، وحسّنه وأخرجه أحمد 3/ 130 و143 وأبو يعلى 3475 والطيالسي 2023 وأبو الشيخ في «الأمثال» (330 و331) . (1) تصحف في المطبوع «بعده» . (2) في الأصل «تنمون» والتصويب من «كتب الحديث» . (3) زيادة عن- ط. (4) زيد في المطبوع «بن» .

الْفَضْلُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا [أَبُو] [1] خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى الْأَبَحُّ [2] أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ» . «430» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بن عدي أخبرنا أحمد [3] بن عيسى التنيسي أخبرنا عمر بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ [4] مُحَمَّدٍ عَنْ [5] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهِمْ حتى تدخلها أمتي» .

_ - والقضاعي في «الشهاب» (1351 و1352) والرامهرمزي من طريق ثابت البناني به، وأخرجه ابن عدي 3/ 48 من طريق خليد بن دعلج عن قتادة، عن أنس مرفوعا به، وأعله بضعف خليد، وأخرجه 4/ 331 من وجه آخر وأعله بعبيد الله بن تمام، وأنه ضعيف. - وله شواهد منها: - حديث ابن عمر أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (2/ 231) والقضاعي 1349 و1350 وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 68) وقال: رواه الطبراني وفيه عيسى بن ميمون، وهو متروك اهـ. لكن لا يفرح بهذا الشاهد، وحكمه أن يطرح، لكن ذكرته لأبين حاله. - وحديث عمار بن ياسر، أخرجه الطيالسي 747 وأحمد 4/ 319 والبزار 2843 وابن حبان 7226. وقال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سلمان الأغر، وهما ثقتان، وفي عبيد خلاف لا يضرّ اهـ. - وحديث عمران بن حصين أخرجه البزار 2844 وقال الهيثمي: وإسناد البزار حسن. الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده. (1) زيادة عن كتب التراجم. (2) في الأصل «الأشج» وهو تصحيف. (3) في المطبوع وحده «محمد» . (4) في الأصل «زهير محمد» والتصويب من «كتب التراجم» . (5) في الأصل «بن» والتصويب من «كتب التخريج» . 430- ضعيف. إسناده ضعيف لضعف صدقة بن عبد الله، وزهير بن محمد ضعفه غير واحد في رواية أهل الشام عنه وهذا منها، وابن المسيب عن عمر فيه إرسال. - وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (4/ 129) والطبراني في «الأوسط» (946) من طريق صدقة بن عبد الله به. ونسبه ابن كثير في «تفسيره» (1/ 404) للثعلبي. وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 68 (16717)) : وفيه صدقة بن عبد الله السمين، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، فإسناده حسن اهـ. كذا قال رحمه الله، وقد جزم الحافظ في ترجمته في «التقريب» بقوله: ضعيف. - وفي الباب من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» (4791) وفي «الأوسط» (4165) وفيه خارجة بن مصعب، وهو متروك كما قال الهيثمي. فهذا الشاهد لا يفرح به لشدة ضعفه، والله أعلم. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 111 الى 112]

«431» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاتِمٍ التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا جَدِّي لأبي [1] عَبْدِ اللَّهِ [2] بْنِ مَرْزُوقٍ أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ أَخْبَرَنَا أَبُو سِنَانٍ يَعْنِي ضِرَارَ بْنَ مُرَّةَ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ، أَيِ: الْكَافِرُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 111 الى 112] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ رُؤُوسَ الْيَهُودِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ آمَنُ منهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فآذوهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، [يعني] [3] : لا يضركم أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ إِلَّا أَذًى بِاللِّسَانِ وَعِيدًا وَطَعْنًا [4] ، وَقِيلَ: كَلِمَةُ كُفْرٍ تَتَأَذَّوْنَ بِهَا وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ

_ 431- إسناده صحيح على شرط مسلم، عبد العزيز بن مسلم، هو القسملي، روى له الشيخان، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال الشيخين غير ضرار بن مرة، فإنه من رجال مسلم، وهو ثقة ثبت كما في «التقريب» ، عبد الله بن بريدة وسليمان بن بريدة يروي عنهما ضرار، ووقع عند الترمذي وغيره- سليمان-. - وأخرجه الترمذي 2546 وابن أبي شيبة في «المصنف» (11/ 470- 471) وأحمد 5/ 347 والطحاوي في «المشكل» (336) وابن حبان 7459 من طرق عن ضرار بن مرّة به. - وحسّنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (4/ 100) من طريق عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ضرار بن عمرو، عن محارب بن دثار به. وقال: ضرار منكر الحديث، وتعقبه الحافظ في «اللسان» (3/ 202) بأن هذا الحديث ليس من منكراته، فقد رواه ضرار بن مرة الثقة الثبت عن محارب بن دثار. - وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه أحمد 1/ 453 وأبو يعلى 5358 والبزار 3534 والطبراني في «الكبير» (13050 و10398) والطحاوي في «المشكل» (365) وأبو نعيم في «صفة الجنة» (239) . وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 403) : رجاله رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة، وقد وثق اهـ. قلت: وله علة: وهي أن الجمهور على عدم سماع عبد الرحمن من أبيه وقيل: سمع من أبيه يسيرا. - ومن حديث معاوية بن حيدة أخرجه الطبراني 19/ (1012) وابن عدي 6/ 286. وقال الهيثمي: وحماد بن عيسى الجهني ضعيف اهـ. - ومن حديث ابن عباس أخرجه الطبراني 10682 وابن عدي 3/ 13 وقال الهيثمي: وفيه خالد بن يزيد الدمشقي، وهو ضعيف، وقد وثق اهـ. وله شاهد من مرسل الشعبي أخرجه الواحدي 1/ 478 وهو مرسل حسن. الخلاصة: هو حديث قوي بمجموع شواهده وطرقه، والله أعلم. (1) في- ط «لأمي» . (2) زيد في المطبوع «محمد بن» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «طغيانا» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 114]

مُنْهَزِمِينَ، ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ، بَلْ يَكُونُ لَكُمُ النَّصْرُ [عَلَيْهِمْ] [1] . ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا، حَيْثُ مَا وُجِدُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: أَيْنَمَا وُجِدُوا استضعفوا وقتلوا أو سبوا فلا يأمنون إلا بحبل: عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يسلموا، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ من الْمُؤْمِنِينَ بِبَذْلِ جِزْيَةٍ أَوْ أَمَانٍ، يعني: إلا أن يعصموا بحبل الله فيأمنوا [على أنفسهم وأموالهم] [2] ، قوله تعالى: وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، رَجَعُوا بِهِ، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 114] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) . قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا أَسْلَمَ [3] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ، قَالَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا شِرَارُنَا ولولا ذلك ما [4] تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ وَأُخْرَى غَيْرُ قَائِمَةٍ، فَتَرَكَ الْأُخْرَى اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: [لَيْسُوا سَواءً وَهُوَ وَقْفٌ، لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى ذِكْرُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:] [5] : مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسُوا سَواءً، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ وَالْفَاسِقِينَ، ثُمَّ وَصَفَ الْفَاسِقِينَ، فَقَالَ: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: أُمَّةٌ قائِمَةٌ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ابتداء كلام آخَرَ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ جَرَى، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ سَوَاءٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ ابْنُ مسعود رضي الله عنه: لَا يَسْتَوِي الْيَهُودُ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِمَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ الثَّابِتَةُ عَلَى الْحَقِّ الْمُسْتَقِيمَةُ، [وَقَوْلُهُ تَعَالَى] [6] : أُمَّةٌ قائِمَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مُهْتَدِيَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّعُوهُ وَلَمْ يَتْرُكُوهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَادِلَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُطِيعَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ [7] . وَقِيلَ: قَائِمَةٌ فِي الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: الْأُمَّةُ الطريقة. ومعنى الآية: أي ذوو [8] أمة، أي: ذوو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ. يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ، يقرؤون كِتَابَ اللَّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَ آناءَ اللَّيْلِ: سَاعَاتِهِ، وَاحِدُهَا: إِنًى وآناء، مِثْلَ نِحًى وَأَنْحَاءَ، وَإِنًى وَآنَاءُ مِثْلَ: مِعًى وَأَمْعَاءٍ، وَإِنًى مِثْلَ مِنًا وَأَمْنَاءٍ، وَهُمْ يَسْجُدُونَ، أَيْ: يُصَلُّونَ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي السُّجُودِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا، فقال بعضهم: هي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: [هي في] [9] صَلَاةُ الْعَتَمَةِ يُصَلُّونَهَا وَلَا يُصَلِّيهَا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ الْآيَةَ، يُرِيدُ: أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ الْعَرَبِ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةً مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى وَصَدَّقُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكان من الأنصار منهم عِدَّةٌ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم،

_ (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «آمن» . (4) في المطبوع «لما» . (5) زيد في المطبوع وط. (6) زيد في المطبوع وط. (7) تصحف في المطبوع «وحده» . (8) كذا في المخطوط وط والقرطبي (4/ 175) وفي المطبوع «ذووا» . (9) زيادة عن المخطوط. [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 115 الى 118]

مِنْهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ [وَمَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ] [1] وَأَبُو قَيْسٍ [2] صِرْمَةُ بْنُ أَنَسٍ، كَانُوا مُوَحِّدِينَ يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَيَقُومُونَ بِمَا عَرَفُوا مِنْ شَرَائِعِ الْحَنِيفِيَّةِ حَتَّى جَاءَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَنَصَرُوهُ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 115 الى 118] وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) . وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ فِيهِمَا إِخْبَارٌ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَائِمَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وَأَبُو عَمْرٍو يَرَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا، وَمَعْنَى هذه الْآيَةِ: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُعْدَمُوا ثَوَابَهُ بَلْ يُشْكَرُ لَكُمْ وَتُجَازُونَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ، بِالْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أَيْ: لا تدفع أموالهم بالفدية وأولادهم بالنصرة مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أَيْ: مَنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تَارَةً بِفِدَاءِ الْمَالِ وَتَارَةً بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَوْلَادِ. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُفَارِقُونَهَا، كَصَاحِبِ الرَّجُلِ لَا يفارقه. َلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا ، قِيلَ: أَرَادَ نَفَقَاتِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ بِبَدْرٍ وَأُحُدٍ عَلَى عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، وقال مقاتل: أراد نَفَقَةُ الْيَهُودِ عَلَى عُلَمَائِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي جَمِيعَ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ [فِي الدُّنْيَا] [3] وَصَدَقَاتِهِمْ، وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْفَاقَ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَبْتَغِي به وجه الله تعالى، مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ ، حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا السَّمُومُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَقْتُلُ، وَقِيلَ: فِيهَا صِرٌّ أَيْ: صَوْتٌ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: فِيهَا بَرْدٌ شديد، صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ [زرع قوم] [4] ،لَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَنْعِ حَقِّ الله تعالى، أَهْلَكَتْهُ ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: مَثَلُ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ وذهابها وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَمَثَلِ زَرْعٍ أَصَابَتْهُ رِيحٌ بَارِدَةٌ فَأَهْلَكَتْهُ أَوْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ أَصْحَابُهُ منه بشيء، ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ، [بذلك] [5] ، لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ، بِالْكَفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ الْيَهُودَ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصَّدَاقَةِ وَالْحِلْفِ وَالْجِوَارِ وَالرَّضَاعِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ في قوم من

_ (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) في المطبوع زيادة «ابن» . (3) سقط من المخطوط، وهو مثبت في المطبوع والوسيط. (4) سقط من المخطوط. (5) سقط من المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 119 الى 120]

الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُصَافُونَ [1] الْمُنَافِقِينَ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ، أَيْ: أولياء أصفياء مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ: خَاصَّتُهُ، تَشْبِيهًا بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ الَّتِي تَلِي بَطْنَهُ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَبْطِنُونَ أَمْرَهُ وَيَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: لَا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، أَيْ: لَا يُقَصِّرُونَ وَلَا يَتْرُكُونَ جُهْدَهُمْ فِيمَا يُورِثُكُمُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، [وَالْخَبَالُ: الشَّرُّ وَالْفَسَادُ] [2] ، وَنُصِبَ خَبالًا عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي، لِأَنَّ «يَأْلُو» يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَقِيلَ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِالْخَبَالِ، كَمَا يُقَالُ: أَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا، وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ، أَيْ: يَوَدُّونَ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَالْهَلَاكِ، وَالْعَنَتُ: الْمَشَقَّةُ، قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ، أَيِ: الْبُغْضُ، مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْعَدَاوَةِ، مِنْ أَفْواهِهِمْ، بِالشَّتِيمَةِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: بِإِطْلَاعِ المشركين على أسرار المسلمين، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ، مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْظِ، أَكْبَرُ أَعْظَمُ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 119 الى 120] هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) . هَا أَنْتُمْ هَا تَنْبِيهٌ وَأَنْتُمْ كِنَايَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ مِنَ الذُّكُورِ، أُولاءِ اسم للمشار إليه، يُرِيدُ: أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، تُحِبُّونَهُمْ، أَيْ: تُحِبُّونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ، وَلا يُحِبُّونَكُمْ لِمَا بَيْنَكُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الدِّينِ، وقال مُقَاتِلٌ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ يُحِبُّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ، يَعْنِي: بِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ، يَعْنِي: أَطْرَافَ الْأَصَابِعِ وَاحِدَتُهَا أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، مِنَ الْغَيْظِ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، [وَعَضُّ الْأَنَامِلِ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ وَهَذَا مِنْ مَجَازِ الْأَمْثَالِ] [3] ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَضٌّ، قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، أَيِ: ابْقَوْا إِلَى الْمَمَاتِ بِغَيْظِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، أَيْ: بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خير وشر. وقوله تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ، أي: تصبكم أيها المؤمنون حَسَنَةٌ بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَغَنِيمَةٍ تَنَالُونَهَا مِنْهُمْ، وَتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِي دِينِكُمْ، وَخِصْبٍ فِي مَعَايِشِكُمْ تَسُؤْهُمْ، تُحْزِنْهُمْ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ، مَسَاءَةٌ بِإِخْفَاقِ سَرِيَّةٍ لَكُمْ أَوْ إصابة عدوّ منكم، واختلاف يَكُونُ بَيْنَكُمْ أَوْ جَدْبٍ أَوْ نكبة، يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى أذاهم وَتَتَّقُوا تخافوا رَبَّكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ، أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ، كَيْدُهُمْ شَيْئاً، قَرَأَ [4] ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: لَا يَضُرُّكُمْ بِكَسْرِ الضَّادِ خَفِيفَةٍ [5] ، يُقَالُ: ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ ضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا، مِثْلَ رَدَّ يَرُدُّ رَدًّا وَفِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْجَزْمَ، وَأَصْلُهُ يضرركم أدغمت

_ (1) في المخطوط «يصادقون» والمثبت عن المطبوع وط والطبري 7677 فما بعد. (2) سقط عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع وط. (4) زيد في المطبوع وحده «ابن عامر» . (5) أي بسكون الراء.

[سورة آل عمران (3) : آية 121]

الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الراء الأولى الضَّادِ وَضُمَّتِ الثَّانِيَةُ اتِّبَاعًا، وَالثَّانِي: أن تكون لَا بِمَعْنَى لَيْسَ وَيُضْمَرُ فِيهِ الْفَاءُ، تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ، أي: عالم. [سورة آل عمران (3) : آية 121] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وقال مقاتل: [هو] يَوْمُ الْأَحْزَابِ، [وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ يَوْمُ أُحُدٍ] [1] ، [لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ آخِرِ السورة في حرب أحد] [2] ، وقال مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ: غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها يمشي عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى أُحُدٍ فَجَعَلَ يَصُفُّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ كَمَا يُقَوَّمُ القدح. ع «432» قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالسُّدِّيُّ عَنْ رِجَالِهِمَا: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُزُولِهِمُ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ وَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَهَا فَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَكْثَرُ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إليهم فو الله مَا خَرَجْنَا [مِنْهَا] [3] إِلَى عَدُوٍّ قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَجْلِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمُ [4] الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ والصبيان بالحجارة من فوق، وإن رَجَعُوا خَائِبِينَ فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّأْيُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُبِ، لَا يَرَوْنَ أَنَا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي بَقَرًا مذبوحة فَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلَمًا فَأَوَّلْتُهَا هَزِيمَةً، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ» ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أن يدخلوا عليهم بِالْمَدِينَةِ فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّةِ، فَقَالَ رِجَالٌ [5] مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ فَاتَهُمْ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ: اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا فَلَمْ يَزَالُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حبهم

_ 432- ع أخرجه الطبري 7717 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ومحمد بن يحيى وعاصم بن عمرو.. بنحوه مرسلا. وأخرجه الطبري أيضا 7716 عن السدي مرسلا بنحوه. وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 206- 210) من طريق موسى بن عقبة، عن الزهري مرسلا وللمرفوع منه شواهد. فقد أخرجه البخاري 3622 و4081 و3041 و7035 ومسلم 2272 وابن ماجه 3921 والدارمي 2/ 129 وابن حبان 6275 و6276 عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا، والله خير فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر» . - ولقوله «ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ ... » شاهد من حديث ابن عباس عند البيهقي في «الدلائل» (3/ 204- 205) . وفي الباب أحاديث كثيرة. (1) سقط من المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) زيادة عن المخطوط والطبري 7717. [.....] (4) تصحف في المطبوع إلى «قابلهم» . (5) تصحف في المطبوع «رجل» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 122 الى 125]

لِلِقَاءِ الْقَوْمِ حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ لَبِسَ السِّلَاحَ نَدِمُوا، وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا نُشِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَحْيُ يَأْتِيهِ، فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» ، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ الْمُشْرِكُونَ بِأُحُدٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ، فَرَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم [إليهم] [1] يوم الجمعة بعد ما صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فكان من [أمر] [2] حَرْبِ أُحُدٍ مَا كَانَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ تُنْزِلُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ، أَيْ: مَوَاطِنَ، وَمَوَاضِعَ لِلْقِتَالِ، يُقَالُ: بَوَّأْتُ القوم إذا وطنتهم، وتبوّؤوا هم إذا تواطؤوا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يُونُسَ: 93] ، وقال: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً [يُونُسَ: 87] ، وَقِيلَ: تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 122 الى 125] إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) . إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا، أَيْ: تَجْبُنَا وَتَضْعُفَا وَتَتَخَلَّفَا، وَالطَّائِفَتَانِ بَنُو سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ وبنو حارثة من الأوس، وكانا جَنَاحَيِ الْعَسْكَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رجلا، فلما بلغوا الشوط اتخذ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ الناس ورجع في ثلاث مائة، وَقَالَ: عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا؟ فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ: أنشدكم الله فِي نَبِيِّكُمْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةُ وَبَنُو حَارِثَةَ بِالِانْصِرَافِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَنْصَرِفُوا فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما، نَاصِرُهُمَا وَحَافِظُهُمَا [عن الانصراف من القتال] [3] ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. «433» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ [عَمْرٍو] [5] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما بَنُو سَلَمَةُ وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما.

_ 433- إسناده صحيح على شرط البخاري، محمد بن يوسف هو البخاري البيكندي، روى له البخاري دون مسلم، ومن فوقه على شرطهما، سفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. - خرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (4051) عن محمد بن يوسف بهذا الإسناد. - وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (454) ومن طريقه الطبري 7727 عن ابن عيينة به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في الأصل «عمر» والتصويب من «صحيح البخاري» وعمرو هو ابن دينار.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ، وَبَدْرٌ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمدينة وهو اسم موضع [1] ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِبِئْرٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ: كَانَتْ بَدْرٌ بِئْرًا لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ عَلَيْهِ، يَذْكُرُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ [2] ، وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، جَمْعُ: ذَلِيلٍ، وَأَرَادَ بِهِ قِلَّةَ الْعَدَدِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَنَصَرَهُمُ الله مع قلة عددهم وعددهم، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ، اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ [هَذَا] [3] يَوْمَ بَدْرٍ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ: فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [الْأَنْفَالِ: 9] ، ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ كَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا، بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، فَصَبَرُوا يوم بدر واتقوا فأمدّهم الله بخمسة آلاف [من الملائكة] [4] كَمَا وَعَدَ، قَالَ الْحَسَنُ: وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ آلَافٍ رِدْءُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي المعركة إلا يوم بدر، [و] فيما سِوَى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ الْقِتَالَ وَلَا يقاتلون، وإنما يكونون عددا ومددا. ع «434» قال عمير [5] بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْجَلَى الْقَوْمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ يَرْمِي، وَفَتًى شَابٌّ يَتَنَبَّلُ لَهُ كُلَّمَا فَنِيَ النَّبْلُ أَتَاهُ بِهِ فَنَثَرَهُ، فَقَالَ: ارْمِ أَبَا إِسْحَاقَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا انْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ سُئِلَ عَنْ ذلك الرجل فلم يعرفه أحد. «435» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قبل ولا بعد.

_ 434- ع ضعيف. أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 256- 257) عن عمير بن إسحاق مرسلا. فهو ضعيف، والصحيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم أنبل سعدا، وقال ما أخرجه البخاري 4059 و2905 ومسلم 2411 والترمذي 2828 والنسائي في «اليوم والليلة» (190 و194) وأحمد 1/ 144 وابن أبي شيبة 12/ 86- 87 وابن حبان 6988 من حديث علي قَالَ «مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلّم جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد ارم فداك أبي وأمي» . 435- إسناده صحيح، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ روى له البخاري، وقد توبع، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - هو في «شرح السنة» (2982 و3680) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4054) عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5826 ومسلم 2306 وابن أبي شيبة 12/ 89 وأحمد 1/ 171 و177 وابن حبان 6987 وابن أبي عاصم في «السنة» (1410) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 254 و255) من طرق عن سعد بن إبراهيم به. (1) في المخطوط «إلى موضع» . (2) في المخطوط «يومئذ» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المطبوع وحده. [.....] (5) في المطبوع وط «محمد» والمثبت عن المخطوط و «الدلائل» .

ع «436» رواه مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بعد، يعني: جبريل وميكائيل. ع «437» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَالْمُسْلِمِينَ] [1] يَوْمَ بَدْرٍ: أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ يُرِيدُ أَنْ يَمُدَّ الْمُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: مُسَوِّمِينَ، فَبَلَغَ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ فَرَجَعَ فَلَمْ يَأْتِهِمْ وَلَمْ يَمُدَّهُمْ، فَلَمْ يَمُدَّهُمُ اللَّهُ أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قدموا بِأَلْفٍ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ إِنْ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَاتَّقَوْا مَحَارِمَهُ أَنْ يَمُدَّهُمْ أَيْضًا فِي حُرُوبِهِمْ كُلِّهَا، فَلَمْ يَصْبِرُوا إِلَّا يوم الأحزاب، فأمدّهم حين حاصروا قريظة والنضير. ع «438» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَوْفَى: كُنَّا مُحَاصِرِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا فَرَجَعْنَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُسْلٍ فَهُوَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: وَضَعْتُمْ أَسْلِحَتَكُمْ وَلَمْ تَضَعِ الْمَلَائِكَةُ أَوْزَارَهَا؟ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِرْقَةٍ فَلَفَّ بِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ، ثُمَّ نَادَى فِينَا فَقُمْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، فَيَوْمَئِذٍ أَمَدَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَفَتَحَ لَنَا فَتْحًا يَسِيرًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ وَعَدَهُمُ اللَّهُ الْمَدَدَ إِنْ صَبَرُوا فلم يصبروا فلم يمدّوا. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ، الإمداد: إِعَانَةُ الْجَيْشِ [بِالْجَيْشِ] [2] ، وَقِيلَ: مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالْإِعَانَةِ، يُقَالُ فِيهِ: أُمِدُّهُ إِمْدَادًا، وَمَا كان على جهة الزيادة، ويقال فيه: مدّه مددا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ [لُقْمَانَ: 27] ، وَقِيلَ: الْمَدُّ فِي الشَّرِّ، وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ [الْبَقَرَةِ: 15] ، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا [مَرْيَمَ: 79] ، وَقَالَ فِي الْخَيْرِ: [أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ] [3] [الأنفال: 9] ، وَقَالَ: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ [الْإِسْرَاءِ: 6] ، قَوْلُهُ تَعَالَى: بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى التَّكْثِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ [الْأَنْعَامِ: 111] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ دَلِيلُهُ قوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [الْفَرْقَانِ: 21] ، وَقَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها [التَّوْبَةِ: 26] ، ثم قال: بَلى يمدّكم وإِنْ تَصْبِرُوا لعدوكم وَتَتَّقُوا مُخَالَفَةَ نَبِيِّكُمْ وَيَأْتُوكُمْ [يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ] [4] مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مِنْ وَجْهِهِمْ هَذَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَجَعُوا لِلْحَرْبِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ غَضَبِهِمْ لِيَوْمِ بَدْرٍ، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ، لَمْ يُرِدْ خَمْسَةَ آلَافٍ سِوَى مَا ذَكَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ، بَلْ أَرَادَ مَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ: مُسَوِّمِينَ، أَيْ: مُعَلِّمِينَ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بفتحها، فمن كسر الواو أراد أنهم

_ 436- ع تقدم مع ما قبله. 437- ع ضعيف. أخرجه الطبري 7743 و7745 عن عامر الشعبي مرسلا. 438- ع ضعيف جدا. أخرجه الطبري 7757 مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي أوفى، وإسناده ضعيف جدا، فيه سليمان بن زيد أبو إدام، وهو متروك الحديث ليس بثقة. والمتن منكر كونه نزول ثلاثة آلاف من الملائكة كان يوم قريظة والنضير، والحمل فيه على سليمان هذا. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) زيد في المطبوع وط. (4) زيد في المطبوع وط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 126 الى 128]

سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ، وَمَنْ فَتَحَهَا أَرَادَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَالتَّسْوِيمُ: الْإِعْلَامُ مِنَ السَّوْمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْعَلَامَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزبير: كانت الملائكة عل خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: [كَانَتْ عَلَيْهِمْ] [1] عَمَائِمُ بِيضٌ قَدْ أَرْسَلُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْكَلْبِيُّ: عليهم عَمَائِمُ صُفْرٌ مُرَخَّاةٌ عَلَى أَكْتَافِهِمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: كَانُوا قَدْ أَعْلَمُوا بِالْعِهْنِ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا، وَرُوِيَ: «439» أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: «تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي قلانسهم ومغافرهم» . [سورة آل عمران (3) : الآيات 126 الى 128] وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) قَوْلُهُ تَعَالِي: وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يَعْنِي هَذَا الْوَعْدَ [2] وَالْمَدَدَ، إِلَّا بُشْرى لَكُمْ، أَيْ: بِشَارَةً لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ وَلِتَطْمَئِنَّ وَلِتَسْكُنَ قُلُوبُكُمْ بِهِ فَلَا تَجْزَعُوا مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّكُمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، يَعْنِي: لَا تُحِيلُوا بِالنَّصْرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْجُنْدِ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَعِينُوا بِهِ وَتَوَكَّلُوا عليه، فإن الْعِزَّ وَالْحُكْمَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يَقُولُ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ [بِبَدْرٍ] [3] لِيَقْطَعَ طَرَفًا، أَيْ: لِكَيْ يُهْلِكَ طَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ لِيَهْدِمَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الشِّرْكِ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، فَقُتِلَ مِنْ قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ، وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَرْبِ أُحُدٍ، فَقَدْ [4] قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ وكان النصر لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى [5] خَالَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْقَلَبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَكْبِتَهُمْ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَهْزِمَهُمْ، وَقَالَ يَمَانٌ: يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَلْعَنُهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُهْلِكُهُمْ، وَقِيلَ: يُحْزِنُهُمْ، وَالْمَكْبُوتُ: الْحَزِينُ، وَقِيلَ: [أَصْلُهُ] [6] يَكْبِدَهُمْ، أَيْ: يُصِيبُ الْحُزْنُ وَالْغَيْظُ أَكْبَادَهُمْ، وَالتَّاءُ وَالدَّالُ يَتَعَاقَبَانِ كَمَا يُقَالُ: سَبَتَ رَأْسَهُ وَسَبَدَهُ إِذَا حَلَقَهُ، وَقِيلَ: يكبتهم بالخيبة، فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ، لم ينالوا شيئا ممّا كانوا يرجونه [7] مِنَ الظَّفَرِ بِكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ، اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هذه الآية.

_ 439- ضعيف جدا. أخرجه الطبري 7775 عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف يومئذ- يعني يوم بدر- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ» . وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 258 عن عمير بن إسحاق مرسلا لكن جعل عجزه «فهو أول يوم يوضع فيه الصوف» . وهو عند ابن سعد في «الطبقات» كما في «تخريج الكشاف» (1/ 412) . بمثل سياق البغوي. في أثناء قصة، وهو ضعيف جدا فهو مرسل، وعمير مجهول. (1) زيادة عن المخطوط. (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «العدد» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) زيد في المخطوط «قال» . (5) تصحف في المطبوع «حين» . [.....] (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع «يرجون» .

ع «440» فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْقُرَّاءِ بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أهل بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ أَمِيرُهُمُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَتَلَهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، وَقَنَتَ شَهْرًا فِي الصَّلَوَاتِ [1] كُلِّهَا يَدْعُو عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ بِاللَّعْنِ وَالسِّنِينَ، فَنَزَلَتْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. «441» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال: حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ من الفجر يقول: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) . وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. «442» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أخبرنا

_ 440- ع لم أره بهذا السياق. وأخرجه البخاري 4560 و6200 ومسلم 675 والنسائي 2/ 201 والشافعي 1/ 86 و87 وأحمد 2/ 255 وابن أبي شيبة 2/ 316 و317 والطحاوي في «المعاني» (1/ 241) وأبو عوانة 2/ 280 و283 وابن حبان 1972 وابن خزيمة 619 والدارمي 1/ 374 والواحدي 246 والبيهقي 2/ 197 و244 من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا ولك الحمد. ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدُ وَطْأَتَكَ على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف اللهم العن لحيان ورعلا، وذكوان وعصيّة عصت الله ورسوله. ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) . وفي الباب من حديث أنس قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم سريّة يقال لهم: القرّاء فأصيبوا، فَمًا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم وجد على شيء ما وجد عليهم فقنت شهرا في صلاة الفجر، ويقول: إن عصيّة عصوا الله ورسوله» . أخرجه البخاري 6394 ومسلم 677. 441- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، سالم هو ابن عبد الله بن عمر. - خرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (4559) عن حبان بن موسى بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4069 و7346 والنسائي في «الكبرى» (11076) والبيهقي 2/ 198 و207 من طريق ابن المبارك به. - وأخرجه النسائي 2/ 203 وفي «الكبرى» (665 و11075) وأحمد 2/ 147 وابن حبان 1987 وابن خزيمة 622 والطحاوي في «المعاني» (1/ 242) من طريق عبد الرزاق عن معمر به. 442- إسناده صحيح على شرط مسلم، ثابت هو ابن أسلم البناني. - خرجه المصنف من طريق مسلم وهو في «صحيحه» (1791) عن عبد الله بن مسلم بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 3/ 253 و288 وابن حبان 6575 والواحدي في «أسباب النزول» (244) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 262) من طرق عن حماد بن سلمة به. - وأخرجه الترمذي 3002 و3003 وابن ماجه 4027 وأحمد 3/ 99 وابن حبان 6574 والواحدي 242 والبغوي 3642 والطبري 7805 و7806 و7807 من طريق حميد الطويل عن أنس به. (1) في المخطوط «الصلاة» .

إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ [1] بْنِ قَعْنَبٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلِتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. ع «443» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ» ، فَنَزَلَتْ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ. ع «444» وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون يوم أحد ما أصابهم من جذع الْآذَانِ وَالْأُنُوفِ وَقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ، قَالُوا: لَئِنْ [أَدَالَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ] [2] لَنَفْعَلَنَّ [بِهِمْ] [3] مِثْلَ مَا فَعَلُوا، وَلَنُمَثِّلَنَّ [بِهِمْ] [4] مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، [وَقِيلَ: أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْصَالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ] [5] ، وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ فِيهِمْ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسْلِمُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، أَيْ: لَيْسَ إِلَيْكَ، اللام بِمَعْنَى إِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آلِ عِمْرَانَ: 193] ، أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ، وقوله تَعَالَى: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، أو: إلا [6] أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ نَسَقٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِيَقْطَعَ طَرَفاً، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [اعتراض بين الكلامين، وَنَظْمِ الْآيَةِ: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ أَمْرِي فِي

_ 443- ع حسن، أخرجه الترمذي 3004 وأحمد 2/ 93 والطبري 7818 من طريق عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ سَالِمِ، عن ابن عمر به. وإسناده ضعيف لضعف عمر بن حمزة، لكن لم ينفرد به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمِ، عن أبيه، وقد رواه الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ لم يعرفه البخاري من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري اهـ. - وأخرجه البخاري 4070 عن حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سالم بن عبد الله يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم يدعو.... فذكره مرسلا. وقال الحافظ في «الفتح» (7/ 366) : قوله «عن حنظلة» معطوف على معمر، والراوي هو ابن المبارك، ووهم من زعم أن معلّق ... وقوله سمعت سالم بن عبد الله يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم يدعو إلخ» هو مرسل اهـ. 444- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (573) نقلا عن المفسرين، وأن الآية التي نزلت هي وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) . وبنحوه أيضا ورد من حديث ابن عباس أخرجه الواحدي 572 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 288) وإسناده ضعيف. لضعف ابن أبي ليلى واسمه محمد ومن حديث أبي هريرة أخرجه الواحدي 571 والبيهقي 3/ 288. وإسناده ضعيف لضعف صالح بن بشير المرّي. (1) تصحف في المطبوع «مسلم» . (2) ما بين المعقوفتين في المخطوط «مكنا منهم» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) سقط من المخطوط. (6) في المخطوط وط «إلى» . [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 129 الى 130]

ذلك كله] [1] . [سورة آل عمران (3) : الآيات 129 الى 130] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) . ثُمَّ قَالَ: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً، أَرَادَ بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ حُلُولِ [2] أَجَلِ الدّين من زيادة المال [على الدين] [3] وَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 131 الى 134] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فَقَالَ: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) لِكَيْ تُرْحَمُوا. وَسارِعُوا قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ سارعوا بلا واو [وقرأ الباقون بالواو] [4] إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [أَيْ] [5] بَادِرُوا وَسَابِقُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: إِلَى التَّوْبَةِ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إِلَى الْهِجْرَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَى الأعمال الصالحة. وروي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهَا التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى، وَجَنَّةٍ أَيْ وَإِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، أَيْ: عَرَضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيدِ: 21] أَيْ: سَعَتُهَا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَرْضُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ طُولَ كل شيء في الأغلب أكبر [6] مِنْ عَرْضِهِ، يَقُولُ: هَذِهِ صِفَةُ عَرْضِهَا فَكَيْفَ طُولُهَا؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وإنما وَصَفَ عَرْضَهَا فَأَمَّا طُولُهَا فَلَا يعلمه إلا الله [تعالى] وَهَذَا عَلَى التَّمْثِيلِ لَا أَنَّهَا كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا غَيْرَ، مَعْنَاهُ: كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ عِنْدَ ظَنِّكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: خالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [هُودٍ: 107] يَعْنِي: عِنْدَ ظَنِّكُمْ وَإِلَّا فُهُمَا زَائِلَتَانِ، وَرُوِيَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قالوا: أَرَأَيْتُمْ قَوْلَهُ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ: عُمَرُ: أفرأيتم إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النهار، وإذا جاء النهار فأين يَكُونُ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ [7] لَمِثْلُهَا فِي التَّوْرَاةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22) [الذَّارِيَاتِ: 22] وَأَرَادَ بِالَّذِي وَعَدَنَا: الْجَنَّةَ فَإِذَا كَانَتِ الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ فكيف يكون

_ (1) ما بين المعقوفتين جعل في المخطوط بدلا عنه «من ذلك كله» . (2) في المطبوع «طول» ولفظ «أجل» ليس في المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «أكثر» . (7) في المطبوع «إنها» .

عرضها السماوات والأرض [كما أخبر] [1] [قيل] إِنَّ بَابَ الْجَنَّةِ فِي السَّمَاءِ وَعَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، كَمَا أَخْبَرَ، وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْجَنَّةِ: أَفِي السماء [هي] [2] أم في الأرض؟ فقال: [و] أي أرض وسماء تسع الجنة؟ فقيل: فَأَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السبع تحت العرش [و] قال قَتَادَةُ: كَانُوا يَرَوْنَ [أَنَّ] [3] الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ [تَحْتَ الْعَرْشِ] [4] ، وَأَنَّ جَهَنَّمَ تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ. أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، أَيْ: فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ، فَأَوَّلُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَخْلَاقِهِمُ الْمُوجِبَةِ لِلْجَنَّةِ ذِكْرُ السَّخَاوَةِ [وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ] [5] : «445» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إسحاق الثعلبي أخبرنا أبو عمر الْفُرَاتِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ الْبَغَوِيُّ بِمَكَّةَ أَخْبَرَنَا [أَبُو] [6] صَالِحِ بْنُ أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النّار، ولجاهل [7] سخي أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ» . وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أَيِ: الْجَارِعِينَ الْغَيْظَ عِنْدَ امْتِلَاءِ نُفُوسِهِمْ مِنْهُ، وَالْكَظْمُ: حَبْسُ الشَّيْءِ [8] عِنْدَ امْتِلَائِهِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ أَنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا فَيَرُدُّهُ فِي جَوْفِهِ وَلَا يُظْهِرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [غَافِرٍ: 18] . «446» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْفُرَاتِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو محمد

_ 445- إسناده ضعيف لضعف سعيد بن محمد الوراق، ضعفه ابن معين وابن سعد، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: متروك. وقد توبع من وجه آخر واه. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (3/ 403) والبيهقي في «الشعب» (10852) من طريق سعيد بن محمد الوراق به. وأعله ابن عدي بسعيد بن محمد الوراق، وقال البيهقي: تفرد به سعيد بن محمد، وهو ضعيف اهـ. - وأخرجه البيهقي 10851 من طريق الوراق بهذا الإسناد لكن بين يحيى والأعرج ذكر «أبي الزناد» . - وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (2384) والبيهقي 10853 من طريق سعيد الورّاق عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ محمد بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عائشة به. وسعيد الورّاق ضعيف، وكذا قال الهيثمي في «المجمع» (4707) . - وورد من وجه آخر عن عائشة أخرجه البيهقي 10847 وقال: فيه تليد وسعيد الوراق ضعيفان، وقد قيل عن سعيد بن مسلمة اهـ. - وورد من حديث جابر أخرجه البيهقي 10848 و10849 وفي إسناده سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف كما في «التقريب» . 446- ضعيف. إسناده ضعيف جدا، فيه محمد بن زكريا الغلابي، وهو متروك، لكن توبع، فقد ورد من طرق عن سهل بن (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المطبوع وحده. (5) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (6) زيد في المطبوع وط. (7) تصحف في المطبوع «والجاهل» . (8) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «النفس» .

[سورة آل عمران (3) : آية 135]

الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الِاسْفَرَايِينِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زكريا الغلابي [1] أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» . وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنِ الْمَمْلُوكِينَ سُوءَ الْأَدَبِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلٌ: عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَأَسَاءَ إِلَيْهِمْ. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، [عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء، فإنّ الإحسان إلى المحسن تجارة] [2] . [سورة آل عمران (3) : آية 135] وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً.

_ معاذ كما سيأتي، وهو ضعيف روى مناكير كثيرة، وقد تفرد بهذا اللفظ، ولم يتابع عليه، وفي الإسناد أيضا عبد الرحيم بن ميمون أبو مرحوم، وهو ضعيف، لكن قد توبع هو ومن دونه، وعلة الحديث ضعف سهل بن معاذ فقط. - وأخرجه الترمذي 2022 و2495 وأحمد 3/ 440 وأبو يعلى 1497، وأحمد 3/ 440 من طريق أبي عبد الرحمن المقري بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ. - وأخرجه أبو داود 4777 وابن ماجه 4186 والبيهقي في «الشعب» (8303) من طريق ابن وهب عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيْوبَ به. - وورد من وجه آخر عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ زبان بن فائد، عن سهل به. أخرجه البيهقي 6149 وفيه زبان، وهو ضعيف مع صلاحه وعبادته كما في «التقريب» . وكذا أخرجه أحمد 3/ 438 من طريق ابن لهيعة عن زبان، عن سهل به. وهذا مسند ضعيف. وقد توبع زبان بن فائد ومن دونه عند الطبراني، فقد ورد من وجه آخر عند الطبراني في «الأوسط» (9252) و «الصغير» (1112) وقال الهيثمي في «المجمع» (7452) : وفيه بقية، وهو مدلس اهـ. قلت: قد عنعن في «الصغير» وصرّح بالتحديث في «الأوسط» فانتفت شبهة التدليس، وفيه، محمد بن عجلان، وهو صدوق وفروة بن مجاهد مختلف في صحبته، وكان عابدا كما في «التقريب» . وورد بغير هذا اللفظ من طريق محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، عن أبيه أخرجه أبو داود 4778 والبيهقي 8304 وهو بلفظ « ... ملأ الله قلبه إيمانا وأمنا» بدل «دعاه ... » ، وهذا ضعيف، فيه راو لم يسمّ. ولعله سهل عن أبيه لكن له شواهد. - ففي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (458) والطبري 7841 وفيه راو لم يسمّ، وعبد الجليل مجهول، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الكبير» (13646) و «الصغير» (861) و «الأوسط» (6032) وفيه سكين بن سرّاج، وهو ضعيف قاله الهيثمي في ( «المجمع» (8/ 191 (13708)) . - الخلاصة: الحديث الذي الذي أسنده المصنف ضعيف لتفرد سهل بن معاذ به، وأما اللفظ الآخر، فله شواهد تقويه وإن كانت ضعيفة، والله أعلم. (1) في الأصل «أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني» والتصويب من كتب «التراجم» . (2) سقط من المخطوط.

ع «447» قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا، كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَذْنَبَ [أَصْبَحَتْ] [1] كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بابه، اجدع أنفك أو أذنك، افعل كذا وكذا [2] ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية. ع «448» وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي نَبْهَانَ [3] التَّمَّارِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مَعْبَدٍ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ، تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا التَّمْرَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَفِي الْبَيْتِ أَجْوَدُ مِنْهُ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى بَيْتِهِ فَضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ وَقَبَّلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ ذَلِكَ له، فنزلت هذه الآية. ع «449» وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْآخَرُ مِنْ ثَقِيفٍ فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي غَزَاةٍ وَاسْتَخْلَفَ الْأَنْصَارِيَّ عَلَى أَهْلِهِ فَاشْتَرَى لَهُمُ اللَّحْمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهَا وَقَبَّلَ يَدَهَا، ثُمَّ نَدِمَ وَانْصَرَفَ وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ الثَّقَفِيُّ [من الغزاة] [4] لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْ حَالِهِ، فَقَالَتْ: لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي الْإِخْوَانِ مِثْلَهُ وَوَصَفَتْ لَهُ الْحَالَ، وَالْأَنْصَارِيُّ يَسِيحُ فِي الْجِبَالِ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا، فَطَلَبَهُ الثَّقَفِيُّ حَتَّى وَجَدَهُ فَأَتَى بِهِ أَبَا بَكْرٍ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ عِنْدَهُ راحة رفرجا فقال الأنصاري: هلكت، وذكر الْقِصَّةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ لِلْغَازِي مَا لَا يَغَارُ لِلْمُقِيمِ، ثُمَّ أَتَيَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً. يَعْنِي: قَبِيحَةً خَارِجَةً عَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تعالى فِيهِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ الْقُبْحُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ، قَالَ جَابِرٌ: الْفَاحِشَةُ الزِّنَا، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، [مَا دُونَ الزِّنَا مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: الْفَاحِشَةُ مَا دُونَ الزِّنَا مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ فِيمَا لَا يَحِلُّ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةَ الْكَبَائِرِ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالصَّغَائِرِ. وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةً فِعْلًا] [5] أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَوْلًا، ذَكَرُوا اللَّهَ أي: ذكروا وعيد الله، و [أن] [6] اللَّهَ سَائِلُهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ذَكَرُوا اللَّهَ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الذُّنُوبِ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أَيْ: وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا أَيْ: لَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، وَأَصْلُ الإصرار: الثبات على الشيء، قال الْحَسَنُ: إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا عَمْدًا إِصْرَارٌ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار.

_ 447- ع ضعيف. أخرجه الطبري 7848 والواحدي 249 عن عطاء مرسلا بهذا السياق. وورد عن ابن مسعود موقوفا، أخرجه الطبري 7849، وليس فيه لفظ «يا رسول الله» وإنما هو من كلام ابن مسعود، وليس فيه أيضا ذكر نزول الآية. ومع وقفه في عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وهو ضعيف، ولم يدرك ابن مسعود. 448- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (247) عن ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ بدون إسناد، ولا يصح سبب النزول هذا، وقد ورد خبر نبهان التمار في سورة هود آية: 114 عند قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ. 449- ع ذكره الواحدي 248 عن ابن عباس من طريق الكلبي وهو باطل، الكلبي متروك كذاب، وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس. ومقاتل هو ابن سليمان وهو كذاب. (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع وحده «وكذا» . (3) وقع في الأصل «تيهان» والمثبت هو الصواب. (4) زيادة عن المخطوط. (5) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. [.....] (6) زيادة عن المخطوط وط-.

[سورة آل عمران (3) : آية 136]

ع «450» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ] أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ الْعُمَرِيِّ عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ [2] قَالَ: لَقِيتُ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وَهُمْ يَعْلَمُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِصْرَارَ ضَارٌّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ [تعالى] يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسن بن الفضل: أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ [أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ] [3] أَنَّهُمْ إِنِ اسْتَغْفَرُوا غُفِرَ لَهُمْ. [سورة آل عمران (3) : آية 136] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) ، ثواب المطيعين.

_ (1) في الأصل «الزياتي» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) في الأصل «أبي نصرة» والتصويب من كتب التخريج و «شرح السنة» . (3) زيد في المطبوع وط. 450- ضعيف. إسناده ضعيف، فيه عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحماني، وقد ضعفه غير واحد، لكن توبع، وفيه أبو نصيرة، واسمه مسلم بن عبيد، وفيه ضعف، وعلة الحديث جهالة مولى أبي بكر، فإنه لم يسمّ عند أحد. - وهو في «شرح السنة» (1290) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو يعلى 137 من طريق عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحماني بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 1514 والترمذي 3554 وأبو يعلى 138 و139 والطبري 7862 والقضاعي 788 من طرق عثمان بن واقد به. قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة، وليس إسناده بالقوي اهـ. وفي إسناده عثمان بن واقد صدوق يهم كذا قال الحافظ في «التقريب» . وفي «الميزان» (5576) : وثقه يحيى وضعفه أبو داود لأجل حديث «من أتى الجمعة فليغتسل من الرجال والنساء» اهـ. تفرد بذكر «النساء» ومع ذلك هو ثقة فالثقة ربما أخطأ، ولكن فيه مولى أبي بكر، وهو مجهول لم يسمّ فالخبر واه لأجله، ومع ذلك فقد حسنه ابن كثير رحمه الله في «التفسير» (1/ 416) مع أنه نقل عن علي المديني أنه غير قوي، فالصواب أنه حديث ضعيف، وأن الصواب في هذا وأمثاله الوقف، ولم يحتجّ أهل الحديث في إسناد فيه من لم يسمّ، والله أعلم، وقال البزار كما في «التهذيب» (12/ 281) : أبو نصيرة عن مولى أبي بكر مجهولان.

«451» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ [1] أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو عُوَانَةَ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ، وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى [2] عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَزَادَ: ثُمَّ قَرَأَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران: 135] الْآيَةَ. «452» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ [3] أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ [4] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي طلحة قال: كان قاصّ [5] بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ: فَقَالَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، فَقَالَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» . «453» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ [6] أَنَا حميد بن زنجويه

_ 451- حسن. إسناده حسن لأجل أسماء بن الحكم، وباقي الإسناد على شرط البخاري، أبو عوانة هو وضاح اليشكري. وهو في «شرح السنة» (1010) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 1521 والترمذي 406 و3006 والطيالسي 2 وأحمد 1/ 10 وابن حبان 623 والمروزي في «مسند أبي بكر» (11) من طريق أبي عوانة به. - وأخرجه ابن ماجه 1395 والطيالسي 1 والحميدي 4 وأحمد 1/ 2 و8 و9 والمروزي 10 والطبري 7853 و7854 من طرق عن عثمان بن المغيرة به. وحسنه الترمذي، وجوّد إسناده الحافظ في «التهذيب» في ترجمة أسماء بن الحكم، وقال الترمذي: ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثا غير هذا اهـ. وورد من وجه آخر ساقط أخرجه الطبري 7854 من طريق سعد بن سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عن أخيه، عن جده، عن علي مرفوعا، وأخو سعد هو عبد الله، وهو ضعيف متروك كما في «الميزان» في ترجمة سعد. (1) في الأصل «الزيات» ، وهو تصحيف. (2) هذه الرواية عند الترمذي برقم: 3006. (3) في الأصل «الزياتي» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (4) تصحف في المطبوع «عن» . (5) في الأصل «قاض» والتصويب من «تهذيب التهذيب» و «شرح السنة» . (6) في الأصل «الزياتي» وهو تصحيف. 452- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، همام هو ابن يحيى بن دينار. - وهو في «شرح السنة» (1283) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 7507 ومسلم 2758 ح 30 وأحمد 2/ 242 و296 وابن حبان 622 والحاكم 4/ 242 والبيهقي 10/ 188 من طرق عن همام به. - وأخرجه مسلم 2758 وأحمد 2/ 492 وابن حبان 625 عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ إسحاق بن عبد الله به. 453- حديث صحيح بشواهده. رجاله ثقات غير شهر بن حوشب، ففيه ضعف، وهو مدلس، ومعدي كرب هذا لم أجد من ذكر أنه يروي عن أبي ذر، وأنه روى عنه شهر بن حوشب على أنه اضطرب في اسمه كما سيأتي. - وهو في «شرح السنة» (1285) بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 5/ 172 من طريق غيلان بن جرير، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن معدي كرب به. وهو عند الدارمي بالإسناد المتقدم لكن فيه «عمرو بن معديكرب» ، وكرره أحمد 5/ 172/ 20994 من وجه آخر عن شهر، عن [.....]

أخبرنا [أبو] [1] النُّعْمَانُ السَّدُوسِيُّ أَخْبَرَنَا الْمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ أَخْبَرَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ معدي كرب، وعن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم فيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى [قال] [2] : «قال [الله] [3] : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كان منك، ابن آدم إنّك إن لقيتني بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إن تذنب حتى [يبلغ ذنبك] [4] عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرُ لك» . «454» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [5] الْمُلَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بن الحسين الحسيني [6] أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ [7] بن الحسن الشرقي أَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ [غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي] [8] مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا» .

_ معديكرب به، وقد توبع معديكرب. فقد أخرجه أحمد 5/ 154 من طريق عبد الحميد بن بهرام، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ أبي ذر به، فالإسناد لا بأس به من أجل شهر بن حوشب ولم ينفرد به. - فله شاهد من حديث أنس أخرجه الترمذي 3535 وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. قلت: إسناده لين لأجل كثير بن فائد، فإنه مقبول، ويحسن حديثه بالمتابعة، وقد توبع. - ومن حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» (12346) و «الصغير» (820) و «الأوسط» (5479) . وقال الهيثمي في «المجمع» (17628) : وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني وقيس بن الربيع، وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. - وورد من وجه آخر من حديث أبي ذر مختصرا أخرجه الحاكم 4/ 241 وأحمد 5/ 108 وفي إسناده عاصم بن بهدلة، وهو صدوق. والحديث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - وله شاهد من حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني كما في «المجمع» (17629 و17630) من طريقين في الطريق الأول قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم، وفي الثاني العلا بن زيد، وهو متروك. الخلاصة: حديث الباب حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده. 454- ضعيف. إسناده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان، وتابعه جعفر بن عمر العدني- كما سيأتي- وهو ساقط. - وهو في «شرح السنة» (4086) بهذا الإسناد. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (11615) من طريق إبراهيم بن الحكم به. قال يحيى: إبراهيم بن الحكم، ليس بشيء وقال النسائي: متروك وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 127) : هو ضعيف اهـ. وتابعه جعفر بن عمر العدني عند الحاكم 4/ 262 ح 7676 وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: العدني واه اهـ. فالخبر ضعيف وكذا ضعفه السيوطي في «الجامع الصغير» ووافقه المناوي في «الفيض» (6054) . (1) زيادة عن «شرح السنة» . 2 زيادة عن المخطوط. 3 زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «تبلغ ذنوبك» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) زيادة عن «شرح السنة» والمخطوط. (6) في «شرح السنة» «الحسني» بدل «الحسيني» . (7) وقع في الأصل «عبد الله بن محمود بن محمود» والتصويب من «الأنساب» (3/ 417) للسمعاني، ومن «شرح السنة» . (8) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «المعجم الكبير» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 138]

قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ بَكَى حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً إلى آخرها. [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 138] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) قَوْلُهُ تَعَالَى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ، قَالَ عَطَاءٌ: شَرَائِعُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَضَتْ لِكُلِّ أُمَّةٍ سُنَّةٌ وَمِنْهَاجٌ إِذَا اتَّبَعُوهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بِالْهَلَاكِ فِيمَنْ كَذَّبَ قَبْلَكُمْ، وَقِيلَ: سُنَنٌ أَيْ: أُمَمٌ، وَالسُّنَّةُ: الْأُمَّةُ، قَالَ الشَّاعِرُ: مَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ ... وَلَا رَأَوْا مِثْلَكُمْ فِي سَالِفِ [1] السُّنَنِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَهْلُ السُّنَنِ، وَالسُّنَّةُ: [هِيَ] [2] الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: سَنَّ فُلَانٌ سُنَّةً حَسَنَةً، وَسُنَّةً سَيِّئَةً إِذَا عَمِلَ عَمَلًا اقْتُدِيَ بِهِ فيه مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: قَدْ مَضَتْ وَسَلَفَتْ مِنِّي سُنَنٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْكَافِرَةِ، بِإِمْهَالِي وَاسْتِدْرَاجِي إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِمْ أَجَلِي الَّذِي أَجَّلْتُهُ لِإِهْلَاكِهِمْ، وَإِدَالَةِ أَنْبِيَائِي عَلَيْهِمْ. فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، أَيْ: آخرنا من الْمُكَذِّبِينَ، وَهَذَا فِي حَرْبِ أُحُدٍ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَنَا أُمْهِلُهُمْ وَأَسْتَدْرِجُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَجَلِي الذي أجلته فِي نُصْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلِيَائِهِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ. هَذَا أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ، بَيانٌ لِلنَّاسِ، عَامَّةً، وَهُدىً، مِنَ الضَّلَالَةِ، وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، خاصة. [سورة آل عمران (3) : الآيات 139 الى 140] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا، هَذَا حَثٌّ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم على الجهاد والصبر عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَهِنُوا أَيْ: لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَجْبُنُوا عَنْ جِهَادِ أَعْدَائِكُمْ بِمَا نَالَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سَبْعُونَ رجلا، وَلا تَحْزَنُوا أي: على ما فاتكم، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ بأن يكون لكم العاقبة بالنصر والظفر على أعدائكم، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يَعْنِي: إِذْ كنتم [على سنتي]] أي: لأنكم مؤمنون. ع «455» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: انْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ فأقبل خالد بن

_ 455- ع لا يصح عن ابن عباس، وقد ساق المصنف أول الكتاب أسانيد عن ابن عباس وأكثرها واه، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (250) عن ابن عباس بهذا اللفظ وبدون إسناد، وليس بصحيح، فإن المشهور في الأحاديث الصحيحة أن خالدا ومن معه قد علوا الجبل وكروا على المسلمين. وكان ما كان، وأخرجه الطبري 7891 عن ابن عباس مختصرا وفيه عطية العوفي وهو ضعيف، وعنه مجاهيل. وهذا خبر منكر، وسيأتي في الصحيح ما يرده. - وله شاهد أخرجه الطبري 7889 عن ابن جريج مرسلا. ومراسيل ابن جريج واهية جدا. (1) في المخطوط «سائر» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. [.....]

الْوَلِيدِ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ أَنْ يعلوا عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لَا يُعْلُونَ عَلَيْنَا [1] اللَّهُمَّ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِكَ» ، وَثَابَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُمَاةٌ فَصَعِدُوا الْجَبَلَ وَرَمَوْا خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى هَزَمُوهُمْ [2] ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه بطلب القوم بعد مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ [3] ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ [النِّسَاءِ: 104] . إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ قزح بِضَمِّ الْقَافِ حَيْثُ جَاءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ كَالْجُهْدِ وَالْجَهْدِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: [القرح] [4] بالفتح اسم للجراحة، وبالضم اسم لألم الْجِرَاحَةِ، هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ انْصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ مَعَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، يَوْمَ بَدْرٍ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، فَيَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ عليهم، أديل المسلمون من الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، وَأُدِيلَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى جَرَحُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَقَتَلُوا خَمْسًا وَسَبْعِينِ. «456» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو [5] بْنُ خَالِدٍ أَنَا زُهَيْرٌ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عازب يحدث قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ» ، فَهَزَمُوهُمْ، قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ، أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ. فذلك قوله وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ [آل عمران: 153] ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوم بدر أربعين ومائة، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أصحابه،

_ 456- إسناده صحيح على شرط البخاري، عمرو بن خالد هو التميمي روى له البخاري، وقد توبع، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، زهير هو ابن معاوية، أبو إسحاق هو السّبيعي اسمه عمرو بن عبد الله. - وهو في «شرح السنة» (2699) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري وهو في «صحيحه» (3039) عن عمرو بن خالد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4043 وأبو داود 2662 والنسائي في «الكبرى» (11079) والطيالسي 725 وأحمد 4/ 293 وابن سعد في «الطبقات» (2/ 47) وابن حبان 4738 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 229- 230) من طرق عن زهير بن معاوية به. (1) في المطبوع «يعلوه» وفي المخطوط «يعلن» والمثبت عن- ط و «أسباب النزول» . (2) في المطبوع «هزموها» . (3) في المطبوع وحده «الحرج» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) تصحف في المخطوط «عمير» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 141 الى 143]

فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا، فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَّدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ، فقال: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تُجِيبُوهُ» ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ» ، قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا تُجِيبُوهُ» ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم» . ع «457» وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ وَإِنَّ الْأَيَّامَ دُوَلٌ وَالْحَرْبَ سِجَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا سَوَاءً، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الدَّوْلَةُ تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الكفار، لقوله تعالى: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173) [الصافات: 173] ، وَكَانَتْ يَوْمَ أُحُدٍ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَعْنِي: إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَاوَلَةُ لِيَعْلَمَ أَيْ: لِيَرَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فَيُمَيَّزُ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُنَافِقِ، وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، يُكْرِمُ أَقْوَامًا بِالشَّهَادَةِ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 141 الى 143] وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أَيْ: يطهركم مِنَ الذُّنُوبِ، وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ، يُفْنِيهِمْ وَيُهْلِكُهُمْ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ إِنْ قَتَلُوكُمْ فَهُوَ تَطْهِيرٌ لَكُمْ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ فَهُوَ مَحْقُهُمْ وَاسْتِئْصَالُهُمْ. أَمْ حَسِبْتُمْ أي: أَحَسِبْتُمْ؟ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ [أَيْ: وَلَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ] [1] ، الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَمَنَّوْا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ لِيُقَاتِلُوا وَيُسْتَشْهَدُوا فَأَرَاهُمُ [2] اللَّهُ يَوْمَ [3] أُحُدٍ، وَقَوْلُهُ: تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أَيْ: سَبَبَ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجِهَادُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْنِي: أَسْبَابَهُ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ؟ قِيلَ: ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا، وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَقَالَ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ لِيَعْلَمَ أَنَّ المراد بالرؤية النظر، وقيل: معناه: وأنتم تنظرون إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم. [سورة آل عمران (3) : آية 144] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، قَالَ أَصْحَابُ الْمُغَازِي:

_ 457- ع أخرجه الحاكم 2/ 296- 297 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 296- 271) عن ابن عباس مطولا. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي ورجاله ثقات، وله شواهد كثيرة منها المتقدم، ومنها ما يأتي. (1) زيد في المطبوع. (2) في المخطوط «فأتاهم» . (3) في المخطوط «بيوم» .

ع «458» خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ [وَهُوَ أَخُو خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ] [1] عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وَقَالَ: «أَقِيمُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ وَانْضَحُوا عنّا النبل لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وإنّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ» فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَمَعَهُمُ النِّسَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيَقُلْنَ الْأَشْعَارَ فَقَاتَلُوا حَتَّى حَمِيَتِ الْحَرْبُ فَأَخَذَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفًا فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ وَيَضْرِبُ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يُثْخِنَ» ، فَأَخَذَهُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أَخْذَهُ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا في هذا الموطن [2] » ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه على المشركين فهزموهم. ع «459» وَرُوِّينَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فلما أتوهم صرفت وجوههم. ع «460» قال الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: فَرَأَيْتُ هِنْدًا وَصَوَاحِبَاتِهَا [3] هَارِبَاتٍ مُصَعِّدَاتٍ فِي الْجَبَلِ، بَادِيَاتٌ خُدَّامُهُنَّ [4] مَا دُونَ أَخْذِهِنَّ شَيْءٌ، فَلَمَّا نَظَرَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْقَوْمِ قَدِ انْكَشَفُوا وَرَأَوْا أَصْحَابَهُمْ يَنْتَهِبُونَ الْغَنِيمَةَ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ، فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قِلَّةَ الرُّمَاةِ وَاشْتِغَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنِيمَةِ، وَرَأَى ظُهُورَهُمْ خَالِيَةً صَاحَ فِي خَيْلِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْفِهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قميئة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرٍ فَكَسَرَ أَنْفَهُ، وَرَبَاعِيَتَهُ وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَلَهُ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صخرة ليعلوها، وَكَانَ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، فلم يستطع [أن ينهض إليها] [5] فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ [فَنَهَضَ] [6] حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ» وَوَقَعَتْ هِنْدٌ وَالنِّسْوَةُ مَعَهَا

_ 458- ع لم أره بهذا السياق وإنما ورد مقطّعا في أحاديث أما صدره فقد تقدم من حديث البراء وابن عباس. - وأما وسطه فقد أخرجه مسلم 2470 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 232) من حديث أنس. - وأما عجزه وهو قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى إلا في هذا الموضع» . أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 233- 234) عن معاوية بن معبد بن كعب بن مالك مرسلا. وانظر «السيرة النبوية» (3/ 54) . 459- ع تقدم برقم: 457. 460- ع لم أره بهذا السياق، وهو منتزع من أحاديث أما صدره إلى قوله « ... يريدون النهب» فقد أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 228) عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبيه، عن جده أن الزبير بن العوام قال. - أما وسطه فقد ورد مقطعا أخرجه البيهقي 3/ 237 عن الزهري مرسلا بنحوه و3/ 238 عن الزبير و3/ 239 عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وآخر عن ابن المسيب مرسلا و239- 240 من حديث أنس. - وخبر مقتل أبي بن خلف أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 211- 212) عن الزهري مرسلا. و258- 259 عن عروة بن الزبير مرسلا أيضا. (1) زيد في المطبوع. [.....] (2) في المطبوع «الموضع» . (3) في الأصل «صواحبا» والتصويب من «دلائل النبوة» . (4) الخدمة: الخلخال. (5) زيادة عن «دلائل النبوة» (3/ 238) . (6) زيادة عن المخطوط.

يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْدَعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُوفَ حَتَّى اتَّخَذَتْ هِنْدٌ مِنْ ذَلِكَ قَلَائِدَ، وَأَعْطَتْهَا وحشيا وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا، وأقبل عبد الله بن قميئة يُرِيدُ قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فذبّ عنه مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ- وَهُوَ صَاحِبُ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ ابن قميئة، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مُحَمَّدًا وَصَاحَ صَارِخٌ أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الصَّارِخَ [كَانَ] [1] إِبْلِيسَ لعنة الله عليه، فَانْكَفَأَ النَّاسُ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ» ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَحَمَوْهُ حَتَّى كَشَفُوا عَنْهُ الْمُشْرِكِينَ، وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَةُ قَوْسِهِ، وَنَثَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ لَهُ: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ [معه] [2] بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ إِذَا رَمَى استشرف النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ، وَأُصِيبَتْ يَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَيَبِسَتْ حِينَ وَقَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُصِيبَتْ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ يومئذ حتى [3] وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهَا، فَعَادَتْ كَأَحْسَنِ مَا كَانَتْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ، فَقَالَ القوم: يا رسول الله لا يَعْطِفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ» حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ، وَكَانَ أُبَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول [له] : عِنْدِي رَمْكَةٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرْقَ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَدَشَهُ خَدْشَةً فَتَدَهْدَأَ عَنْ فَرَسِهِ وَهُوَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، وَيَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْكَ بأس، فقال: بَلَى لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّعْنَةُ بِرَبِيعَةَ وَمُضَرَ لَقَتَلَتْهُمْ، أَلَيْسَ قَالَ لِي: أَقْتُلُكَ؟ فَلَوْ بَزَقَ عَلَيَّ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ لَقَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمًا حَتَّى مَاتَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ سَرِفَ. «461» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [4] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ] [5] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ أَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم. ع «462» قَالُوا: وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا [قَدْ] [6] قُتِلَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى

_ 461- إسناده صحيح على شرط البخاري، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز. وأخرجه البخاري 4076 عن عمرو بن علي بهذا الإسناد. و4074 عن ابن جريج به. وله شاهد عن أبي هريرة مرفوع أخرجه البخاري 4073 وغيره. 462- ع هو منتزع حديثين أما خبر أنس بن النضر فقد أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 245) عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن رافع مرسلا بنحوه. وقول ابن النضر «اللهم إني أعتذر إليك....» . أخرجه البخاري 2805 والبيهقي 3/ 244 من حديث أنس بن مالك وذكر خبر مقتل ابن النضر. - وأما قوله: «فَأَوَّلُ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... » إِلَى قوله: «فَانْحَازَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ» أخرجه البيهقي 3/ 237 (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) تصحف في المطبوع «حين» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 145 الى 146]

عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذُ لَنَا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا ما بأيديهم من الأسلحة وَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ: إن كان محمد [قَدْ]] قُتِلَ فَالْحَقُوا بِدِينِكُمُ الْأَوَّلِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: يَا قَوْمُ إن كان [محمد] قد قتل فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ وَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقَ إِلَى الصَّخْرَةِ وَهُوَ يَدْعُو النَّاسَ، فَأَوَّلُ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبُ بْنُ مالك، فقال: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَحْتَ الْمِغْفَرِ تُزْهِرَانِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اسْكُتْ، فَانْحَازَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَامَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِرَارِ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، أَتَانَا الْخَبَرُ بِأَنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ، فَرُعِبَتْ قُلُوبُنَا فَوَلَّيْنَا مُدْبِرِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَا يَسْتَوْجِبُهُ إِلَّا الْكَامِلُ، وَالتَّحْمِيدُ فَوْقَ الْحَمْدِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأَمْرِ فِي الْكَمَالِ، وَأَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ بِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ مِنَ اسْمِهِ جَلَّ جَلَالُهُ (مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ) ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ ... بِبُرْهَانِهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَمْجَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي: رَجَعْتُمْ إِلَى دِينِكُمُ الْأَوَّلِ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ، فَيَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً، بارتداده وإنّما ضرّ نفسه، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 145 الى 146] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ، قَالَ الْأَخْفَشُ: اللَّامُ فِي لِنَفْسٍ منقولة [من تموت] [2] تَقْدِيرُهُ: وَمَا كَانَتْ [3] نَفْسٌ لِتَمُوتَ، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، بقضائه وَقَدَرِهِ، [وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ] [4] ، وَقِيلَ: بِأَمْرِهِ، كِتاباً مُؤَجَّلًا أَيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ على تقديمه [5] وتأخيره، ونصب كِتاباً عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ كِتَابًا، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يَعْنِي: مَنْ يُرِدْ بِطَاعَتِهِ الدُّنْيَا وَيَعْمَلْ لَهَا نُؤْتِهِ مِنْهَا

_ عن الزهري مرسلا بأتم منه. - وأما قوله «فَلَامَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم على الفرار ... » أخرجه البيهقي 3/ 311 عن مقاتل بن حيان ولم يذكر فيه الآية. - وسبب نزول الآية أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 248- 249) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أبيه: أن رجلا من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ... الآية. [.....] 1 زيد في المطبوع وط. 2 زيد في المطبوع وط. (3) في المطبوع «كان» . (4) زيد في المطبوع وط. (5) في المطبوع وط «تغييره» .

مَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَمَلِهِ، يُرِيدُ نُؤْتِهِ منها ما يشاء مما قَدَّرْنَاهُ لَهُ، كَمَا قَالَ: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها مَا نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الْإِسْرَاءِ: 18] ، نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، أَيْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ الْآخِرَةَ، قِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ أَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا، وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ، أَيِ: الْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ. «463» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عبد الرحمن بن محمد الدّاؤدي [1] أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ [بْنُ مُحَمَّدِ] [2] بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يزيد بن عبد الرحمن الْمُقْرِئِ أَنَا أَبِي أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الْآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ الله لَهُ» . «464» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بن علي بن [أبي تَوْبَةَ الزَّرَّادُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ مُحَمَّدٍ

_ (1) في الأصل «الداوردي» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) زيادة عن المخطوط. 463- إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبان الرقاشي، لكن توبع، وللحديث شواهد. - وهو في «شرح السنة» (4037) بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (353) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2465 من طريق الربيع بن صبيح به وسكت عنه مع أن في إسناده يزيد الرقاشي، وهو ضعيف كما تقدم. - وورد من وجه آخر عن حديث أنس أخرجه ابن أبي الدنيا 354 وابن عدي 3/ 100 والطبراني في «الأوسط» (5987) . وفي إسناده داود بن المحبر، متروك كما في «التقريب» . - وأخرجه أيضا البيهقي في «الشعب» (10341) من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن، عن أنس بنحوه، وابن عدي في «الكامل» (1/ 285) عن الحسن وقتادة عنه وأعلّه بإسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف كما في «التقريب» . ومن طريق إسماعيل المكي أخرجه أيضا البزار كما في «المجمع» (17813) . - ومن طريق آخر عن أنس أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8877) في إسناده أيوب بن خوط، ضعيف جدا كذا قال الهيثمي في «المجمع» (17814) وقال عنه الحافظ في «التقريب» : متروك اهـ. - وله شاهد من حديث زيد بن ثابت أخرجه ابن ماجه 4105 وابن حبان 680 والطبراني في «الأوسط» (7267) والبيهقي 10338 و10736. وصدره عند ابن حبان «نضر الله امرأ سمع منا حديثا....» وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات كلهم. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات وقد صححه الألباني في «الصحيحة» 949 و950 وكذا الشيخ شعيب في «الإحسان» . - وله شاهد آخر من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» (11690) والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» (9) وفي إسناده أبو حمزة الثمالي، وهو ضعيف قاله الهيثمي في «المجمع» (17817) . - ومن حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5157) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 227) وقال الهيثمي 17816: وفيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب، وهو كذاب اهـ. لكن العمدة في حديث زيد بن ثابت. كما تقدم. 464- إسناده صحيح، حبان بن موسى فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، وابن أسماء لم أجد من ترجمه وبكل حال قد توبع، وهو حديث آحاد الأصل، ثم اشتهر عن يحيى بن سعيد الأنصاري.

الجرجرائي [1] وَأَبُو أَحْمَدَ] [2] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ الْهَرَوِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ سفيان النسوي أخبرنا حبّان [3] بْنُ مُوسَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْمَاءَ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بْنِ أسماء قالا [4] : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إليه» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ «وَكَائِنٌ» بِالْمَدِّ وَالْهَمْزَةِ على وزن فاعل [5] ، وبتليين الْهَمْزَةِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ وَكَأَيِّنْ بالهمزة وَالتَّشْدِيدِ عَلَى وَزْنٍ كَعَيِّنْ، وَمَعْنَاهُ: وَكَمْ، وَهِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ ضُمَّتْ إِلَى أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ التنوين صُورَةٌ فِي الْخَطِّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَرْفِ خَاصَّةً، وَيَقِفُ بَعْضُ القراء على وَكَأَيِّنْ بلا نون، والأكثرون على الوقف بِالنُّونِ، قَوْلُهُ: قاتَلَ قَرَأَ ابْنُ كثير ونافع وأهل البصرة [قتل] [6] بِضَمِّ الْقَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قاتَلَ فَمَنْ قَرَأَ قاتَلَ فَلِقَوْلِهِ: فَما وَهَنُوا وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يهنوا بعد ما قُتِلُوا، لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ نَبِيًّا قُتِلَ فِي الْقِتَالِ، وَلِأَنَّ قاتَلَ أَعَمُّ، قال أبو عبيدة: إن الله تعالى إذا مدح [7] مَنْ قَاتَلَ كَانَ مَنْ قُتِلَ داخلا فيه، وإذا مدح مَنْ قَتَلَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ قاتَلَ أَعَمُّ، وَمَنْ قَرَأَ «قُتِلَ» فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ رَاجِعًا إِلَى النَّبِيِّ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ تَمَامُ الكلام عند قوله: قاتَلَ، وَيَكُونُ فِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، كَمَا يُقَالُ: قُتِلَ فَلَانٌ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيرٌ، أَيْ: وَمَعَهُ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ نَالَ النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ: بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ، وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ فَما وَهَنُوا رَاجِعًا إِلَى الْبَاقِينَ، وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ لِلرِّبِّيِّينَ لَا غَيْرَ، وَقَوْلُهُ: رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِّبِّيُّونَ الْأُلُوفُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: عَشْرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: أَلْفٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ وَقِيلَ: هُمُ الْأَتْبَاعُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ الْوُلَاةُ وَالرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إلى الرب

_ وهو في «شرح السنة» (206) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1907 والنسائي 1/ 58 من طريق ابن المبارك به. - وأخرجه البخاري 54 و5070 ومسلم 1907 والنسائي 1/ 58 و6/ 158 والبيهقي 4/ 235 و6/ 331 والبغوي في «شرح السنة» (1) من طريق مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ به. - وأخرجه البخاري (1) و2529 ومسلم 1907 وأبو داود 2201 والحميدي 28 وأحمد 1/ 25 وابن الجارود في «المنتقى» (64) والبيهقي في «السنن» (1/ 41 و7/ 341) من طريق سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. - وأخرجه البخاري 3898 و6953 ومسلم 1907 وابن ماجه 4227 وأحمد 1/ 43 والدارقطني 1/ 50 والخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 244) والبيهقي 1/ 41 وفي «معرفة السنن» ص (190) من طرق عن يحيى بن سعيد به. (1) في الأصل «الجرجاني» والتصويب من «الأنساب» (2/ 42) و «شرح السنة» . (2) ما بين الحاصرتين سقط من المخطوط. (3) في الأصل «حسان» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (4) في المطبوع «قال» . [.....] (5) في المطبوع «كاعن» . (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع وط «حمد» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 147 الى 149]

وَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، فَما وَهَنُوا أَيْ: فَمَا جَبُنُوا، لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا، عَنِ الْجِهَادِ بِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ، وَقَتْلِ الْأَصْحَابِ. وَمَا اسْتَكانُوا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَا اسْتَسْلَمُوا وَمَا خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَقَالَ السدي: وما ذلوا، وقال عَطَاءٌ وَمَا تَضَرَّعُوا، وَقَالَ أَبُو العالية: وما جبنوا ولكن صَبَرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِمْ وَجِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 147 الى 149] وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ، نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، وَالِاسْمُ فِي أَنْ قَالُوا، وَمَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أَيِ: الصَّغَائِرَ، وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا، أَيِ: الْكَبَائِرَ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، كَيْ لَا تَزُولَ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ، يَقُولُ فَهَلَّا فَعَلْتُمْ وَقُلْتُمْ مِثْلَ ذَلِكَ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا، النُّصْرَةَ [1] والغنيمة، وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ، أي: الْأَجْرَ وَالْجَنَّةَ، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ وَادْخُلُوا فِي دِينِهِمْ، يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، يُرْجِعُوكُمْ إلى أول أمركم [من] [2] الشِّرْكِ بِاللَّهِ، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ، مَغْبُونِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 150 الى 152] بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) ثُمَّ قَالَ: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ، ناصركم وحافظكم على دينكم [الإسلام] [3] ، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ، نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، حَتَّى رَجَعُوا عَمَّا همّوا به [فذلك قوله تعالى] [4] سَنُلْقِي أَيْ: سَنَقْذِفُ فِي قُلُوبِ الذين كفروا الرعب،

_ (1) في المخطوط «الأجر» وما يأتي يغني عنه هاهنا. (2) زيد في المطبوع. (3) زيد في المطبوع. (4) زيد في المطبوع.

الخوف قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ الرُّعْبَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ، مَقَامُ الْكَافِرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إلى المدينة من أحد [و] قد أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا؟ وَقَدْ وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَذَلِكَ أن [النصر و] [1] الظفر كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ. ع «465» وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ عَيْنَيْنَ [2] وَهُوَ جَبَلٌ عَنْ يَسَارِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الرُّمَاةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَقَالَ لَهُمُ: «احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَّلُ فَلَا تَنْصُرُونَا» . وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَأَخَذُوا فِي الْقِتَالِ فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى وَلَّوْا هَارِبِينَ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ أَيْ: تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِقَضَاءِ اللَّهِ، قَالَ أَبُو عبيدة: الحسّ: الِاسْتِئْصَالُ بِالْقَتْلِ، حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أَيْ: إِنْ جَبُنْتُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَمَّا فَشِلْتُمْ، وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ، الواو زَائِدَةٌ فِي وَتَنازَعْتُمْ يَعْنِي: [حَتَّى] [3] إِذَا فَشِلْتُمْ تَنَازَعْتُمْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ. وَمَعْنَى التَّنَازُعِ الِاخْتِلَافُ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ الرُّمَاةَ اخْتَلَفُوا حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْهَزَمَ الْقَوْمُ فَمَا مُقَامُنَا؟ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجَاوِزُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشْرَةِ، فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَالَتِ [4] الرِّيحُ فَصَارَتْ دَبُوَرًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صبا، وانتفضت [5] صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَطُوا فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا يَشْعُرُونَ مِنَ الدَّهَشِ، ونادى إبليس [لعنه الله] [6] إن محمدا قد قتل، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمين. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعَصَيْتُمْ يَعْنِي: الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفْتُمُ أَمْرَهُ، مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ اللَّهُ مَا تُحِبُّونَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يَعْنِي: الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلُوا عَلَى النَّهْبِ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، يَعْنِي: الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا، قَالَ عبد الله بن مسعود: وما شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ، أَيْ: رَدَّكُمْ عَنْهُمْ بِالْهَزِيمَةِ، لِيَبْتَلِيَكُمْ، لِيَمْتَحِنَكُمْ، وَقِيلَ: لُيُنْزِلَ عليكم البلاء وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ، فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة [منكم لأمر

_ 465- ع تقدم برقم: 457. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «عين» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع وحده «جاءت» . (5) في المطبوع «وانقضت» . (6) زيادة عن المخطوط. [.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 153]

نبيكم] [1] وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. [سورة آل عمران (3) : آية 153] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) إِذْ تُصْعِدُونَ يَعْنِي: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ هَارِبِينَ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ «تَصْعَدُونَ» بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَالْإِصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ، وَالصُّعُودُ: الِارْتِفَاعُ عَلَى الْجِبَالِ وَالسُّطُوحِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُقَالُ أَصْعَدْتَ إِذَا مَضَيْتَ حِيَالَ وَجْهِكَ، وَصَعِدْتَ إِذَا ارْتَقَيْتَ فِي جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْعَدَ إِذَا أَبْعَدَ فِي الذَّهَابِ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ صَوَابٌ فَقَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ مُصْعِدٌ وَصَاعِدٌ، وَقَالَ المفضل: صعد وأصعد بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أَيْ: لَا تَعْرُجُونَ وَلَا تقيمون على أحد، لا يَلْتَفِتُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أَيْ: فِي آخِرِكُمْ وَمِنْ وَرَائِكُمْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ فَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الْجَنَّةُ، فَأَثابَكُمْ، فَجَازَاكُمْ، جَعَلَ الْإِثَابَةَ بِمَعْنَى الْعِقَابِ، وَأَصْلُهَا فِي الْحَسَنَاتِ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا مَوْضِعَ الثَّوَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: 21] جَعَلَ الْبِشَارَةَ فِي الْعَذَابِ، وَمَعْنَاهُ: جَعَلَ مَكَانَ الثَّوَابِ الَّذِي كُنْتُمْ تَرْجُونَ غَمًّا بِغَمٍّ، وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ، وَقِيلَ: غَمَّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ، فَالْغَمُّ الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: مَا نَالَهُمْ [2] مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: [مَا سَمِعُوا] [3] أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ فَأَنْسَاهُمُ الْغَمَّ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: إِشْرَافُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: حِينَ أشرف عليهم أبو سفيان. ع «466» وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ الصَّخْرَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَضَعَ رَجُلٌ سَهْمًا فِي قَوْسِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَهُ، فَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» ، فَفَرِحُوا حِينَ وَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [4] وَفَرِحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى [أَنَّ فِي أصحابه] [5] من يمتنع به، فَأَقْبَلُوا يَذْكُرُونَ الْفَتْحَ وَمَا فَاتَهُمْ مِنْهُ، وَيَذْكُرُونَ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الشِّعْبِ، فَلَمَّا نَظَرَ المسلمون إليهم هّمهم ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ فَأَنْسَاهُمْ هَذَا مَا نَالَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا اللَّهُمَّ إِنْ تَقْتُلْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ» ، ثُمَّ نَدَبَ أَصْحَابَهُ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَنْزَلُوهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَمُّوا الرَّسُولَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْغَمَّ غَمَّ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ، وَلا مَا أَصابَكُمْ أَيْ: وَلَا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.

_ 466- أخرجه الطبري 8063 عن السدي مرسلا، فهو ضعيف. وانظر الحديث المتقدم برقم: 455. (1) زيد في المطبوع وحده. (2) في المطبوع «نالوا» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) زيد في المطبوع وط.

[سورة آل عمران (3) : آية 154]

[سورة آل عمران (3) : آية 154] ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً يعني: أمنا، والأمن الأمنة بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: الْأَمْنُ يَكُونُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِ الْخَوْفِ، وَالْأَمَنَةُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الْخَوْفِ، وَكَانَ سبب الخوف هاهنا قَائِمًا، نُعاساً، بَدَلٌ مِنَ الْأَمَنَةِ يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «تَغْشَى» بِالتَّاءِ رَدًّا إِلَى [1] الْأَمَنَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا إلى النُّعَاسِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَّنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ بِنُعَاسٍ يَغْشَاهُمْ، وَإِنَّمَا يَنْعَسُ مَنْ يَأْمَنُ، وَالْخَائِفُ لَا يَنَامُ. «467» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [2] أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَا حُسَيْنُ [3] بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ أَخْبَرَنَا أَنَسٌ. أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي فآخذه [ويسقط فآخذه] [4] . ع «468» وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ جُحْفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ. ع «469» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ [قال] [5] لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشتدّ علينا الخوف [6] ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا النَّوْمَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَالنُّعَاسُ يَغْشَانِي مَا أَسْمَعُهُ

_ 467- إسناده صحيح على شرط البخاري، حسين بن محمد هو ابن بهرام، شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي، قتادة هو ابن دعامة. وهو في «شرح السنة» (3679) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4562) عن إسحاق بن إبراهيم بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 4/ 29 وابن حبان 7180 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 273- 274) من طريق شيبان عن قتادة به. - وأخرجه البخاري 4068 والترمذي 3008 والطبراني 4700 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 272) عن قتادة به. 468- ع صحيح. أخرجه الترمذي 3007 والنسائي في «الكبرى» (11198) وابن سعد 3/ 505 وابن أبي شيبة 14/ 406- 407 والطبري 8075 والحاكم 2/ 297 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 272) وأبو نعيم في «الدلائل» (421) من طرق عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابت به. وإسناده على شرط مسلم. 469- ع أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 273) عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أبيه، عن جده، عن الزبير به. وفي الإسناد أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، وهو ضعيف، ومن فوقه ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، فانحصرت العلة في أحمد هذا. (1) في المخطوط «على» . (2) زيد في الأصل «أخبرنا إسماعيل» بين «محمد بن إسماعيل» و «إسحاق بن إبراهيم» والتصويب من «صحيح البخاري» و «شرح السنة» . (3) في الأصل «حسن» والتصويب من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . (4) سقط من المطبوع. (5) زيادة عن المخطوط. [.....] (6) في المطبوع وط «الحرب» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 155 الى 156]

إِلَّا كَالْحُلْمِ، يَقُولُ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يَعْنِي: المنافقين: قيل: أراد تَمْيِيزَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَوْقَعَ النُّعَاسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَمِنُوا، وَلَمْ يُوقِعْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، فَبَقُوا في الخوف قد أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، أَيْ: حَمَلَتْهُمْ عَلَى الْهَمِّ يُقَالُ: أَمْرٌ مُهِمٌّ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أَيْ: لَا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا، وَقِيلَ: ظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أَيْ: كَظَنِّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالشِّرْكِ، يَقُولُونَ هَلْ لَنا، مَا لَنَا لَفْظُهُ استفهام ومعناه: الجحد، مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يَعْنِي: النَّصْرَ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي لِلَّهِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ، وَقِيلَ: عَلَى النَّعْتِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ كَانَ لَنَا عُقُولٌ لَمْ نَخْرُجْ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يُقْتَلْ رُؤَسَاؤُنَا، وَقِيلَ: لَوْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ، يَعْنِي: التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ، قُضِيَ، عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ، مَصَارِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ، وَلِيَمْتَحِنَ اللَّهُ، مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ، يُخْرِجَ وَيُظْهِرَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 155 الى 156] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) . إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا انْهَزَمُوا، مِنْكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ وَجَمْعُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ قَدِ انْهَزَمَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعْلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أَيْ: طَلَبَ زَلَّتَهُمْ، كَمَا يُقَالُ: اسْتَعْجَلْتُ فُلَانًا إِذَا طَلَبْتُ عجلته، وقيل: حملهم الزَّلَةِ وَهِيَ الْخَطِيئَةُ، وَقِيلَ: أَزَلَّ وَاسْتَزَلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا، أَيْ: بِشُؤْمِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِتَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَسَبُوا هُوَ قَبُولُهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ، وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ، فِي النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ، وَقِيلَ: فِي النَّسَبِ، إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَيْ: سَافَرُوا فِيهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ كانُوا غُزًّى أَيْ: غُزَاةً جَمْعُ غَازٍ فَقُتِلُوا، لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ يعني: قولهم وظنهم، حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «يَعْمَلُونَ» بِالْيَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 157 الى 159] وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) .

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ، قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مُتُّمْ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ، فَمَنْ ضَمَّهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ، كَقَوْلِكَ: مِنْ قَالَ يَقُولُ قُلْتُ، بِضَمِّ الْقَافِ، وَمَنْ كَسَرَهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمَاتُ، كَقَوْلِكَ مِنْ خَافَ يَخَافُ خِفْتُ، لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ، فِي الْعَاقِبَةِ، وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ، مِنَ الْغَنَائِمِ، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ «تَجْمَعُونَ» بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ يَجْمَعُونَ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ النَّاسُ. وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) ، فِي الْعَاقِبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي: فبرحمة من الله، وما صلة، كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ [المائدة: 13] ، لِنْتَ لَهُمْ أَيْ: سَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ، وَكَثْرَةُ احْتِمَالِكَ، وَلَمْ تُسْرِعْ إليهم بالغضب فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا يَعْنِي: جَافِيًا سَيِّئَ الْخُلُقِ قَلِيلَ الِاحْتِمَالِ، غَلِيظَ الْقَلْبِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ غَلِيظَ الْقَلْبِ فِي الْفِعْلِ، لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، أَيْ: لَنَفَرُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، يُقَالُ: فَضَضْتُهُمُ فَانْفَضُّوا، أَيْ: فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا فَاعْفُ عَنْهُمْ، تَجَاوَزْ عَنْهُمْ مَا أَتَوْا يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ حَتَّى أُشَفِّعَكَ فِيهِمْ، وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أَيِ: اسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: شُرْتُ الدَّابَّةَ، وَشَوَّرْتُهَا، إِذَا اسْتَخْرَجْتُ جَرْيَهَا [1] ، وَشُرْتُ الْعَسَلَ وَأَشَرْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَاسْتَخْرَجْتُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الذي لأجله أمر اللَّهُ [تَعَالَى] [2] نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَجَزَالَةِ رَأْيِهِ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ فيما أحبّوا أو كرهوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَاصٌّ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: وَشَاوِرْهُمْ فِيمَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عهد، وقال الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي نَاظِرْهُمْ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمَكَايِدِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْغَزْوِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْطَفُ [لَهُمْ عَلَيْهِ] [3] وَأَذْهَبُ لِأَضْغَانِهِمْ، فَإِنَّ سَادَاتِ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الْأَمْرِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ مَا بِهِ إِلَى مُشَاوَرَتِهِمْ حَاجَةٌ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ. «470» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [بْنِ عَلِيٍّ] [4] الصَّالِحَانِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ [بْنِ حَيَّانَ] [5] أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ المقانعي أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] [6] مَاهَانَ أَخْبَرَنِي أَبِي أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ [7] بْنُ زَيْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله

_ 470- إسناده ضعيف جدا لأجل طلحة بن زيد، فإنه متروك، واتهمه أحمد والمديني وأبو داود بالوضع، وله شاهد منقطع وهو الآتي، عقيل- مصغرا- هو ابن خالد، والزهري هو محمد بن مسلم، وعروة هو ابن الزبير. - وهو في «شرح السنة» (3505) و «الأنوار في شمائل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (207) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو الشيخ في «أخلاق النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (259) . - وله شاهد أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (9720) وابن حبان 4872 عن معمر، عن الزهري قال: وكان أبو هريرة يقول.... فذكره في أثناء حديث المسور ومروان بن الحكم في صلح الحديبية. وهو منقطع بين الزهري وأبي هريرة، لكن معناه صحيح، فقد استشار النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مناسبات عديدة يوم بدر وأحد والخندق وفي الأسرى وغير ذلك، فوهن الحديث لا يعني نفي ذلك والله أعلم. (1) كذا في المطبوع وط. وفي المخطوط «خبرها» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع وط. (4) زيد في المطبوع وط. (5) زيادة عن المخطوط وط و «شرح السنة» . (6) زيادة عن «شرح السنة» . (7) في الأصل «طاهر» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنوار» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 160 الى 161]

عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَكْثَرَ اسْتِشَارَةً لِلرِّجَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لَا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ، أَيْ: قُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَثِقْ بِهِ وَاسْتَعِنْهُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 160 الى 161] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، يعينكم اللَّهُ وَيَمْنَعْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَلا غالِبَ لَكُمْ، مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يَتْرُكْكُمْ فَلَمْ يَنْصُرْكُمْ كَمَا كَانَ بِأُحُدٍ، وَالْخِذْلَانُ: الْقُعُودُ عَنِ النُّصْرَةِ، وَالْإِسْلَامُ لِلْهَلَكَةِ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ خِذْلَانِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، قِيلَ: التَّوَكُّلُ أَنْ لَا تَعْصِيَ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ رِزْقِكَ، وَقِيلَ: أَنْ لَا تَطْلُبَ لِنَفْسِكَ نَاصِرًا غَيْرَ اللَّهِ وَلَا لِرِزْقِكَ خَازِنًا غَيْرَهُ وَلَا لِعَمَلِكَ شَاهِدًا غَيْرَهُ. «471» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحسين بن شجاع البزاز [1] بِبَغْدَادَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ [2] الْهَيْثَمُ الْأَنْبَارِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدْخُلُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ [3] وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» ، فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادع الله لي أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أن

_ (1) في الأصل «البزار» والتصويب من «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) في الأصل «محمد الهيثم» والتصويب من كتب التراجم و «شرح السنة» . (3) تصحف في المطبوع «يكثرون» . 471- حديث صحيح. إسناده ضعيف، قال بهز بن حكيم وعلي المديني وأبو حاتم الرازي، وروي عن أحمد ويحيى وغيرهم: لم يسمع الحسن من عمران بن حصين. راجع «المراسيل» (ص 40) لكن تابعه ابن سيرين كما سيأتي، وللحديث شواهد تبلغ به حد الشهرة. وهو في «شرح السنة» (4002) بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 4/ 436 وأبو عوانة 1/ 87 والطبراني في «الكبير» (18/ (380)) من طريق هشام بن حسان به. - وأخرجه مسلم 218 من طريق المعتمر عن هشام بن حسان، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عمران به. - وورد مختصرا عند أحمد 4/ 443 وأبو عوانة 1/ 88 والطبراني 18/ (425) - (427) و (494) من طرق عن عمران بن حصين به. - وأخرجه الطبراني 18/ (605) وابن مندة في «الإيمان» (979) مطوّلا من طريق عبيد الله بن عمرو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عمران بن الحصين به. - وأخرجه ابن حبان 6089 من وجه آخر عن عمران مطوّلا. - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري 5811 و6542 ومسلم 216 وأحمد 2/ 400- 401 وابن مندة 970 و971 والبيهقي 10/ 139 والبغوي في «شرح السنة» (4218) من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عنه. - ومن حديث ابن عباس أخرجه البخاري 5705 ومسلم 220 والترمذي 2446 وأحمد 1/ 271. الخلاصة: هو حديث مشهور.

يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عَكَاشَةُ» . «472» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي توبة قال أخبر مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [1] الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ [2] بْنِ شُرَيْحٍ حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بطانا» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ الآية. ع «473» رَوَى [3] عِكْرِمَةُ وَمِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم. ع «474» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي غَنَائِمِ أُحُدٍ حِينَ تَرَكَ الرُّمَاةُ الْمَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ، وَقَالُوا: نَخْشَى أَنْ

_ (1) في الأصل «إبراهيم بن محمد» والتصويب من «تهذيب التهذيب» و «شرح السنة» . [.....] (2) في الأصل «حياة» والتصويب من كتب التخريج. (3) في المطبوع «قال» . 472- إسناده صحيح، ابن المبارك ثقة روى له الشيخان، ومن دونه توبعوا، ومن فوقه ثقات رجال مسلم، أبو تميم الجيشاني هو عبد الله بن مالك. هو في «شرح السنة» (4003) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» (559) عن حيوة بن شريح بهذا الإسناد. ومن طريق ابن المبارك أخرجه الترمذي 2344 وأبو نعيم في «الحلية» (10/ 69) والقضاعي في «الشهاب» (1444) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. - وأخرجه أحمد 1/ 30 والحاكم 4/ 318 وأبو يعلى 247 وأبو نعيم في «الحلية» (10/ 69) من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ عن حيوة به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وإسناده جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. - وأخرجه ابن ماجه 4164 وأحمد 1/ 52 من طريق ابن وهب عن ابن لهيعة، عن بكر بن عمرو بهذا الإسناد. وابن وهب روى عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه. - وفي الباب عن ابن عمر أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (2/ 297) وإسناده ضعيف. 473- ع غير قوي. أخرجه أبو داود 3971 والترمذي 3009 وأبو يعلى 2438 والطبري 8138 والواحدي 255 من طريق خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس به. وفي إسناده ضعف من أجل خصيف بن عبد الرحمن الجزري، فإنه صدوق لكنه سيئ الحفظ، وقد رواه بعضهم مرسلا. - وأخرجه الطبري 8137 عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس به. - قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف، عن مقسم، ولم يذكر فيه. عن ابن عباس اهـ، وورد من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني 11/ 101 والواحدي في «أسباب النزول» (256) ، وإسناده ضعيف لضعف محمد بن أحمد النرسي شيخ الطبراني، ومع ذلك صححه الألباني في «صحيح أبي داود» 3360، وفيه نظر. 474- ع ضعيف جدا. عزاه المصنف للكلبي ومقاتل، وإسناده إليهما أول الكتاب وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (258 م) عن الكلبي ومقاتل بدون إسناد.

يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَأَنْ لَا يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ كَمَا لَمْ يَقْسِمْ [1] يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَنْ لَا تَتْرُكُوا الْمَرْكَزَ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمْرِي» ؟ قَالُوا: تَرَكْنَا بَقِيَّةَ إِخْوَانِنَا وُقُوفًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنَّا نغلّ ولا نقسم» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ غَلَّتْ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْأَقْوِيَاءَ أَلَحُّوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ فَيُعْطِي قَوْمًا وَيَمْنَعُ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ [بْنِ يَسَارٍ] [2] : هَذَا فِي الْوَحْيِ، يَقُولُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ رَغْبَةً أَوْ رَهْبَةً أَوْ مُدَاهَنَةً، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ يَغُلَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ، مَعْنَاهُ: أَنْ يَخُونَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأُمَّةَ، وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ مَنْقُولَةٌ، مَعْنَاهُ: مَا كَانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ [3] بِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، وَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغُلُولِ أَيْضًا، أَيْ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَانَ، يَعْنِي: أَنْ تَخُونَهُ أُمَّتُهُ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِغْلَالِ، مَعْنَاهُ: مَا كان لنبي أن يخون، أو [4] يُنْسَبَ إِلَى الْخِيَانَةِ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَمْثُلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي النَّارِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَهُ وقع إلى النَّارِ، ثُمَّ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْزِلَ إليه، فيخرجه فيفعل ذَلِكَ بِهِ. «475» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ. عَنْ أَبِي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [أَنَّهُ] [5] قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، قَالَ فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ وَادِي الْقُرَى، وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وَهَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ، قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يحطّ رحلا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ [6]

_ وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 434) : ذكره الثعلبي والواحدي في أسبابه عن الكلبي ومقاتل.... اهـ. وهو معضل، مقاتل إن كان ابن سليمان فهو متروك متهم، وإن كان ابن حيان فهو لين الحديث أيضا، وأما الكلبي فمتروك متهم ولم أر من أسنده، ولا روي عن غيرهما فالخبر واه. 475- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الغيث اسمه سالم، وهو مدني. وهو في «شرح السنة» (2722) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 459) ومن طريق مالك أخرجه البخاري 4234 و6707 ومسلم 115 وأبو داود 2711 والنسائي 7/ 24 وابن حبان 4851 والبيهقي 9/ 100. - وورد من وجه آخر عن محمد بن إسحاق حدثنا يزيد بن خصيفة، عن سالم به. أخرجه الحاكم 3/ 40 وابن أبي شيبة في «المصنف» (12/ 495) وابن حبان 4852. (1) في المطبوع «يقسمها» وفي المخطوط «تقسم» والمثبت عن- ط و «أسباب النزول» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «يأتي» . (4) في المطبوع «أي» . (5) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (6) قال المصنف في «شرح السنة» : يعني لا يدري من رماه، وهو الجائر عن قصده ومنه عار الفرس: إذا ذهب على وجهه كأنه منفلت.

فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المغانم لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ تَشْتَعِلُ [عَلَيْهِ] [1] نَارًا» ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» . «476» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو [2] إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى بن حبّان عَنْ أَبِي عَمْرَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ [أَنَّهُ] [3] قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [4] قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: فَفَتَحْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ مِنْ خرز اليهود ما تساوي در همين. «477» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ الْمَرْوَزِيُّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو العباس

_ 476- رجال الإسناد ثقات مشاهير غير أبي عمرة، وقد اختلف الأئمة في ذلك، فرواه الترمذي وأبو داود والنسائي وغيرهم فقالوا، أبو عمرة، وعلى هذا هو مجهول العين، وقال عنه الحافظ «مقبول» ووقع عند ابن ماجه 2848 والطبراني 5177 ابن أبي عمرة، فإن كان هذا الأخير فهو ثقة روى له الستة، لكن رجح المزي وابن حجر وغيرهما أن راوي حديث الغلول هو أبو عمرة، قلت: ويؤيد هذا القول إرسال مالك للحديث كما سيأتي لأن مالكا لا يروي عن مجاهيل، ولو كان هو الثقة لما أرسله وقد اختار الألباني في «الإرواء» (3/ 726) وتبعه الجويني الأول، في حين اختار الشيخ شعيب الثاني. فلذا ضعفه الألباني والجويني، وصححه الأرناؤوط. وهو في «شرح السنة» (2723) بهذا الإسناد. - والحديث أخرجه أبو داود 2710 والنسائي 4/ 64 وعبد الرزاق 9501 و9502 وابن أبي شيبة 12/ 491- 492 والحميدي 815 وأحمد 5/ 192 وابن حبان 4853 والطبراني في «الكبير» (5174 و5175 و5176 و5180 و5181) والحاكم 2/ 127 والبيهقي 9/ 101 وفي «الدلائل» (4/ 255) من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري به. - وأخرجه مالك 2/ 458 عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى أن زيد بن خالد ... وهذا مرسل. قال الزرقاني في «شرح الموطأ» (3/ 30) : قال ابن عبد البر: كذا ليحيى، وهو غلط سقط عنه شيخ محمد، وهو في رواية غيره غيره. إلا أنهم اختلفوا فقال القعنبي وابن القاسم، وأبو مصعب ومعن بن عيسى، سعيد بن عفير: عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة. وقال ابن وهب، ومصعب الزبيري: عن ابن أبي عمرة، واسمه عبد الرحمن الأنصاري البخاري، يقال: ولد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال ابن أبي حاتم ليست له صحبة اهـ. - وأخرجه ابن ماجه 2848 وأحمد 4/ 114 والطبراني 5177 و5178 و5179 من طرق عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى حبان، عن ابن أبي عمرة بن زيد بن خالد الجهني به. وانظر مزيد الكلام عليه في «أحكام القرآن» (368) بتخريجي، والله أعلم بالصواب. [.....] 477- إسناده صحيح، الشافعي ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، سفيان هو ابن عيينة، الزهري هو محمد بن مسلم. - وهو في «شرح السنة» (1562) بهذا الإسناد. 1 زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (2) سقط «أبو» من المطبوع. 3 زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» و «الموطأ» وسقط من- ط.

الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أَهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أَهْدِيَ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أيهدى إليه أم لا، والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شاة تيعر» [1] ، ثم رفع يده حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَةَ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ قال: «اللهمّ هل بلغت [اللهم هل بلغت] [2] » . ع «478» وَرَوَى قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا [بِغَيْرِ إِذْنِي] [3] فَإِنَّهُ غُلُولٌ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يوم القيامة» . ع «479» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فاحرقوا متاعه واضربوه» . ع «480» وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بكر وعمر

_ - أخرجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» 1/ 246- 247 ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي 7/ 16 و10/ 138. وأخرجه البخاري 925 و2597 و6636 و7174 ومسلم 1832 وأبو داود 2946 والحميدي 840 وأحمد 5/ 423- 424 من طرق عن الزهري به. وأخرجه البخاري 6979 و7197 ومسلم 1832 ح 27 و28 والحميدي 840 والشافعي 1/ 247 من طرق عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عروة به. 478- ع ضعيف. أخرجه الترمذي 1335 من حديث قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ معاذ بن جبل قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم ... قال الترمذي: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودي اهـ. قلت: مداره على داود بن يزيد الأودي، وداود ضعيف الحديث، وقد تفرد به بهذا السياق، وحديث معاذ وبعثه إلى اليمن في الصحيحين وليس فيه هذا السياق، لكن ورد النهي عن الغلول في أحاديث كثيرة تقدم بعضها. 479- ع ضعيف. أخرجه أبو داود 2713 والترمذي 1461 وأحمد 1/ 22 وابن عدي 4/ 58- 59 من حديث عمر، ومداره على صالح بن محمد بن زائدة، وهو واه. وضعّف الترمذي هذا الحديث بقوله: غريب، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد الليثي، وهو منكر الحديث قال البخاري: وقد روى في غير حديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الغال فلم يأمر فيه بحرق متاعه اهـ. - وكرره أبو داود 2714 عن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم وعمر بن عبد العزيز فغلّ رجل متاعا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه. قال أبو داود: هذا أصح الحديثين اهـ. فالخبر ضعيف، وانظر «أحكام القرآن» (370) بتخريجي يعني أنه غير مرفوع، وصوّب الدارقطني فيه الوقف على سالم، وله شاهد مرفوع هو الآتي. 480- ع منكر. أخرجه أبو داود 2715 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفيه زهير بن محمد روى عنه أهل الشام مناكير كثيرة كما قال البخاري وأحمد، راجع «الميزان» . وذكر الترمذي: أنه مذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق. لكن الجمهور على خلافه، ومنهم البخاري وعلي المديني، (1) في الأصل «شاة لها تيعر» والتصويب عن بعض النسخ وعن «شرح السنة» وكتب الحديث. (2) ما بين المعقوفتين في المطبوع «ثلاثا» وسقطا جميعا من- ط. (3) العبارة في المطبوع «إلا بإذني» والمثبت عن المخطوط وط و «سنن الترمذي» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 162 الى 165]

حَرَقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 162 الى 165] أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ، فترك الْغُلُولَ، كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فغل [1] وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ يعني: ذو دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ وَمَنْ باء بسخط من الله مختلفوا الْمَنَازِلِ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ، وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَرَبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ العرب إلا وله فيهم من نسب إلا بني تغلب، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: 2] وقال آخرون [2] : أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ: بالإيمان والشفقة لا بالنسب، دليله قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: 128] ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا، وَقَدْ كَانُوا، مِنْ قَبْلُ أي: من قبل مبعثه [3] لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أَوَلَمَّا [أَيْ: حِينَ] [4] أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ، بِأُحُدٍ، قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها، ببدر، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المسلمين سبعين يوم أحد وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا، مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. ع «481» رَوَى عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ مِنَ الْأَسَارَى، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا، لَا بَلْ تأخذ منهم فداءهم، فنقوى به عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ عَدَدُ أَسَارَى أَهِلِ بَدْرٍ.

_ والخبر واه بكل حال، بل هو منكر لمعارضته الأحاديث الصحيحة مع وهنه، وقد أشار إلى ذلك الإمام البخاري كما تقدم آنفا مع الحديث 479 وانظر «أحكام القرآن لابن العربي» (370) بتخريجي، والله الموفق. 481- ع ضعيف. أخرجه الترمذي 1567 والنسائي في «الكبرى» (8662) من حديث علي، وهو حديث ضعيف، ويأتي في سورة الأنفال باستيفاء. [.....] (1) في المطبوع وط «فعل» . (2) في المطبوع «الآخرون» . (3) في المطبوع «بعثه» . (4) سقط من المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 169]

فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، أَيْ: بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ وَاخْتِيَارِكُمُ الْقَتْلَ، إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 166 الى 169] وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ، بِأُحُدٍ من القتل والجراح [1] والهزيمة، فَبِإِذْنِ اللَّهِ، أي: بقضاء الله وَقَدَرِهِ، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: لِيُمَيِّزَ، وَقِيلَ: لِيَرَى. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، أَوِ ادْفَعُوا، عَنْ أَهْلِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ [2] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ: كثّروا سواد المسلمين واربطوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا يَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ [3] وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ [أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ] [4] مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ، يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ، يَعْنِي: كَلِمَةَ الْإِيمَانِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ. الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ، فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ وَهُمْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ وَقَعَدُوا يَعْنِي: [و] [5] قَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ عَنِ الْجِهَادِ لَوْ أَطاعُونا، وَانْصَرَفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ مَا قُتِلُوا قُلْ، لهم يا محمد، فَادْرَؤُا، فَادْفَعُوا، عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [أن الحذر يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ] [6] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الْآيَةَ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَقَالَ آخرون [7] : نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَرْبَعَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. «482» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عبد الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بن أحمد الطوسي

_ 482- صحيح، محمد بن حماد هو أبو عبد الله الأبيوردي- كذا ضبطه في «التقريب» وهو ثقة، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو معاوية هو محمد بن خازم، الأعمش هو سليمان بن مهران. مسروق هو ابن الأجدع. - وهو في «شرح السنة» (2623) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1887 والطيالسي 1143 والبيهقي 9/ 163 والطبري 8208 و8218 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ به. ومثله لا يقال بالرأي، فهو مرفوع إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (1) فِي المطبوع وط «الجرح» . (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «حزبكم» . (3) تصحف في المطبوع «سلام» . (4) زيد في المطبوع وط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) العبارة في المخطوط «إن كان الحذر يغني عن القدر» وزيد في- ط عقب الحذر «لا» ففسد المعنى، والمثبت هو الصواب. (7) في المطبوع «الآخرون» .

أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [1] عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ الْآيَةَ، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا [2] عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ» وَيُرْوَى «- فِي جوف طير خضر- تسرح فِي أَيِّهَا شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ، فَقَالُوا: يَا رَبُّ كَيْفَ نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يسألوا شيئا، قالوا: نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك، قال: فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تُرِكُوا» [3] . «483» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن شاذان أنا جسعويه أَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال لأصحابه: «إنّه لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهار الجنة تأكل مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا لهيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم وَرَأَوْا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، قَالُوا: يَا لَيْتَ قَوْمَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ من النّعيم وما يصنع اللَّهُ بِنَا كَيْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَتَّكِلُوا عَنْهُ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ وَمُبَلِّغٌ إِخْوَانَكُمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً إِلَى قَوْلِهِ: لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» . «484» وسمعت عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ القتيبي قال: سمعت

_ - وله شاهد من حديث ابن عباس هو الآتي. 483- حديث حسن. تفرد المصنف بهذا الإسناد. سليمان بن عمرو، لم ينسبه المصنف، وأخشى أن يكون النخعي وهو أبو داود، فإنه وحده من هذه الطبقة وهو متروك كذاب، وقد توبع ومن دونه، والإسناد غريب بكل حال لأن فيه ذكر عطاء، وقد رواه الأئمة عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أبي الزبير، عن سعيد بن جبير. وأخرجه أبو داود 2520 والحاكم 2/ 88 وأبو يعلى 2331 وأحمد 1/ 266 والبيهقي 9/ 163 والواحدي في «أسباب النزول» (261) ، عن عبد الله بن إدريس، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس به. وصرّح ابن إسحاق بالتحديث في رواية أحمد، وحديثه حسن. - وأخرجه أحمد 1/ 265- 266 والطبري 8205 عن أبي الزبير، عن ابن عباس وإسناده منقطع أبو الزبير لم يسمع من ابن عباس كما في مراسيل ابن أبي حاتم ص 193، لكن الحجة في الرواية المتقدمة، ويشهد له حديث ابن مسعود المتقدم، والله أعلم. [.....] 484- حديث حسن. إسناده حسن، رجاله ثقات، موسى بن إبراهيم هو ابن كثير، صدوق وشيخه أيضا صدوق، ويحيى بن (1) تصحف في المطبوع وط «عنهما» ومسعود لم يدرك الإسلام فهو سهو من النساخ. (2) وقع في المطبوع «سألنا عن ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم» وهو خطأ والتصويب عن بعض النسخ وعن «شرح السنة» و «صحيح مسلم» ، وله حكم الرفع فإن مثله لا يدرى بالرأي. (3) حصل اضطراب في ألفاظ هذا الحديث في المطبوع والمخطوط لذا أثبت هذا السياق عن المخطوط وط و «شرح السنة» وأما لفظ المطبوع و «صحيح مسلم» فمختلف عنه، وفيه تقديم وتأخير وحذف وزيادة.

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَكْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ [1] قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهَ بِهِ أَبَاكَ» ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، قَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ أَحْيِنِي فَأُقْتَلُ فِيكَ الثَّانِيَةَ، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مَنِّي أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً» . «485» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ [الْفَضْلِ] [2] الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» . وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ. ع «486» وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ المغيرة بن

_ حبيب ثقة روى له مسلم، وقد توبع هو ومن دونه. وكذا توبع طلحة بن خراش، تابعه عبد الله بن عقيل كما سيأتي. وأخرجه الترمذي 3010 وابن حبان 7022 عن يحيى بن حبيب بهذا الإسناد. وأخرجه الحاكم 3/ 203- 204 عن يحيى بن حبيب وعبدة بن عبد الله، عن موسى بهذا الإسناد. وصححه، ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه اهـ. - وأخرجه ابن ماجه 2800 وابن أبي عاصم في «السنة» (602) والواحدي في «أسبابه» (263) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 298- 299) من طرق عن موسى بن إبراهيم به. - وأخرجه الحميدي 1265 وأحمد 3/ 361 وأبو يعلى 2002 والطبري 8214 من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عقيل، عن جابر مختصرا. وعلقه الترمذي بإثر 3010 وابن عقيل فيه لين، لكن يصلح للمتابعة. - وله شاهد من حديث عائشة أخرجه البزار 2706 والحاكم 3/ 203 والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 298) وصححه الحاكم! وتعقبه الذهبي بقوله: فيض- بن وثيق- كذاب اهـ. كذا قال رحمه الله! مع أنه ذكره في «الميزان» (3/ 366) بقوله: قال ابن معين: كذاب خبيث. قلت: روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وهو مقارب الحال إن شاء الله اهـ. وله علة أخرى: فيه عيسى بن عبد الرحمن الزرقي واه. (1) في الأصل «عرين» والتصويب من كتب التراجم وعن بعض النسخ. (2) ما بين المعقوفتين زيادة عن بعض النسخ. 485- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، حميد هو ابن أبي حميد الطويل. اختلف في اسم أبيه على عشرة أقوال. - وهو في «شرح السنة» (2622) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2795 ومسلم 1877 ح 108 والترمذي 1643 من طرق عن حميد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2817 ومسلم 1877 وأحمد 3/ 103 و173 و276 وابن حبان 4662 من طرق عن شعبة، عن قتادة، عن أنس. - وأخرجه النسائي 6/ 36 وأحمد 3/ 207- 208 من طريق حماد، عن ثابت، عن أنس. 486- ع أخرج بعضه الطبري 8224 من حديث أنس وانظر «السيرة» لابن هشام (2/ 174- 176) و «الدر المنثور» (2/ 169

عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ- مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ- وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: «لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، فَأَسْلِمْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أَقْبَلَ هَدِيَّتَكَ؟» ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ فِيهِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ فَلَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم [1] إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ» ، فَقَالَ أَبُو براء: أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوَا النَّاسَ إِلَى أَمْرِكَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ وَعَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ فَلَمَّا نَزَلُوهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: أَنَا. فَخَرَجَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ لَمْ يَنْظُرْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ [2] الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَنِي عَامِرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ [3] أَبَا بَرَاءٍ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ [4] وعصية وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ فَأَجَابُوهُ فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا السُّيُوفَ فقاتلوهم حتى قتلوا [عن] [5] آخِرِهِمْ إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتَثَّ [6] بَيْنِ الْقَتْلَى، [فَضَّلُوهُ فِيهِمْ] [7] فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ يُنَبِّهْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْمُعَسْكَرِ! فَقَالَا: وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذَا الطَّيْرِ لَشَأْنًا فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أمية: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخْبِرُهُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: اللَّهُ أَكْبَرُ لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذُوا عمرو بن أمية أَسِيرًا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا» ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إِيَّاهُ، وَمَا أَصَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أصيب

_ و «دلائل النبوة» للبيهقي 3/ 338- 341. وأصله في «صحيح البخاري» (2801) من حديث أنس. (1) كذا في المطبوع والسيرة، وفي المخطوط «فيدعوهم» . (2) كسر البيت: جانبه. (3) لن نخفر: لن ننقض العهد. (4) تصحف في المطبوع «سلمة» . [.....] (5) العبارة في المطبوع وط «من عند» . (6) ارتث: رفع من به جراح. وتقول: ارتث الرجل من المعركة إذا أخذ منها ولا تزال فيه بقية حياة. (7) ليس في المخطوط.

عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ [1] ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ عَلَى فَرَسِهِ فَقَتَلَهُ. «487» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم على عدوهم فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ الْعَرَبِ: عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَتْ فرفع بعد ما قَرَأْنَاهُ [2] زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءَ كَانُوا [إِذَا] [3] أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ تَحَسَّرُوا عَلَى الشُّهَدَاءِ، وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ: وَلا تَحْسَبَنَّ [أي] وَلَا تَظُنَّنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «قُتِّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ أَمْواتاً [أي] كَأَمْوَاتِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، قِيلَ أَحْيَاءٌ فِي الدِّينِ، وَقِيلَ: فِي الذِّكْرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَالْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ، وَلَا تَأْكُلُهُ الأرض. ع «488» وَقَالَ عُبَيْدُ [4] بْنُ عُمَيْرٍ: مَرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ

_ (1) انظر «دلائل النبوة» للبيهقي (3/ 353 و354) . (2) كذا في المطبوع وط. وفي المخطوط «قرأناها» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في الأصل «عبيدة» والتصويب عن بعض النسخ وعن «المستدرك» للحاكم. 487- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، سعيد هو ابن أبي عروبة، واسم أبي عروبة مهران، عروبة- بفتح العين، قتادة هو ابن دعامة. - وهو في «شرح السنة» (3684) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4090) عن عبد الأعلى بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 3064 ومسلم 677 والنسائي 2/ 203 وأحمد 3/ 216 و278 وأبو عوانة 2/ 281 والطحاوي 1/ 244 وابن خزيمة 620 وأبو يعلى 2921 و3159 والبيهقي 2/ 199 وفي «الدلائل» (3/ 348) من طرق عن قتادة به. وقد تقدم خبر دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم في قنوته على رعل وذكوان. 488- ع ضعيف جدا. أخرجه الحاكم 2/ 248 من طريق عبيد بن عمير، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين انصرف من أحد مرّ على مصعب ... فذكره وصححه على شرطهما وتعقبه الذهبي بقوله: أنا أحسبه موضوعا، وقطن لم يرو له البخاري، وعبد الأعلى لم يخرجا له اهـ. قلت: عبد الأعلى متروك. وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الأوسط» (3712) وفي إسناده عبد الأعلى بن أبي فروة، وهو متروك كما قال الهيثمي في «المجمع» (10120) . ومدار الإسنادين عليه، فالخبر واه. شبه موضوع كما قال الذهبي

[سورة آل عمران (3) : آية 170]

مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ ثُمَّ قَرَأَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القيامة [1] ، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم، فو الذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ» . يُرْزَقُونَ، مِنْ ثِمَارِ الجنة وتحفها. [سورة آل عمران (3) : آية 170] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، رِزْقِهِ وَثَوَابِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ، وَيَفْرَحُونَ، بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَاهِجِ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتُشْهِدُوا وَلَحِقُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنَ الْكَرَامَةِ ما نالوا [هم بذلك يستبشرون] [2] ، أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 171 الى 172] يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ أَيْ: وَبِأَنَّ اللَّهَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. «489» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أنا زاهر بْنُ أَحْمَدَ [الْخَلَّالُ أَنْبَأَنَا] [3] أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مَنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أو يرجعه الجنة إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أو غنيمة» . ع «490» وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سبيله إلا جاء

_ رحمه الله. 489- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. - وهو في «الموطأ» (2/ 443- 444) عن أبي الزناد بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 3123 و7457 و7463 والنسائي 6/ 16 وابن حبان 4610. وأخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (2311 و2312) عن أبي الزناد به وأخرجه مسلم 1876 والبيهقي 9/ 157 عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحزامي، عن أبي الزناد به. - وأخرجه البخاري 2787 من طريق الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أبي هريرة. - وأخرجه النسائي 8/ 119 من طريق عطاء بن ميناء بن أبي هريرة. - وأخرجه أحمد 2/ 399 و424 والبيهقي 9/ 39 من طريق سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبيه، عن أبي هريرة. 490- ع صحيح. أخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 461) ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2803 والبيهقي 4/ 11 عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عن أبي هريرة مرفوعا. (1) زيد في المطبوع «ألا» وليس في المخطوط أو «المستدرك» . (2) العبارة في المطبوع وط «فهم لذلك مستبشرون» . [.....] (3) زيادة عن المخطوط.

يوم القيامة وجرحه يثغب دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» . «491» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ [1] بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابَجِرْدِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يزيد المقري أَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ الْقَرْصَةِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الْآيَةَ. ع «492» وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ فَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ نَدِمُوا عَلَى انْصِرَافِهِمْ وَتَلَاوَمُوا وَقَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، قَتَلْتُمُوهُمْ حَتَّى إِذَا لم يبق إلا الشريد تركتموه؟ ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ أَنْ يُرْهِبَ الْعَدُوَّ، وَيُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ قُوَّةً فَنَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْخُرُوجِ فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ، فَانْتَدَبَ عِصَابَةً مِنْهُمْ مَعَ ما بهم من الجراح [2] وَالْقَرْحِ الَّذِي أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا لَا يَخْرُجَنَّ مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ» ، فَكَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ قَدْ خَلَفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ، وَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ عَلَى نَفْسِي فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مَعَهُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ، وَلِيُبْلِغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ في طلبهم فيظنوا أن بهم قُوَّةً وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ فَيَنْصَرِفُوا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ، وَهِيَ من

_ وأخرجه مسلم 1876 والنسائي 6/ 28- 29 وأحمد 2/ 242 والبيهقي 9/ 164 من طرق عن سفيان عن أبي الزناد به. وأخرجه مسلم 1876 والبيهقي 9/ 165 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هريرة. وأخرجه أحمد 2/ 231 عن محمد بن فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زرعة، عن أبي هريرة. - وأخرجه الترمذي 1656 من طريق سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبيه، عن أبي هريرة. 491- حسن غريب. إسناده حسن لأجل محمد بن عجلان، فإنه صدوق في حفظه شيء من الضعف، وباقي الإسناد ثقات، سعيد هو ابن أبي أيوب واسمه مقلاص، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (2624) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 1668 وابن ماجه 2802 وأحمد 2/ 297 والدارمي 2/ 205 وابن حبان 4655 من طرق عن صفوان بن عيسى، عن محمد بن عجلان بهذا الإسناد، واستغربه المصنف في «شرح السنة» وكذا الترمذي فقال: حسن صحيح غريب اهـ. وأخرجه النسائي 6/ 36 وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 264) من طريقين عن ابن عجلان به. وحسن إسناده الشيخ شعيب في «الإحسان» وذكره الألباني في «الصحيحة» (960) ، وهو من جهة الإسناد حسن، لكن المتن فيه غرابة، إذ هناك من الشهداء من يجد ألم الجراحة، والله أعلم، فالمتن غريب. 492- ع أخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 313- 314) عن ابن لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأُسُودِ، عَنْ عروة مرسلا بنحوه، لكن لأصله شواهد تعضده. منها ما أخرجه الطبري 7238 لكن بسند ضعيف لضعف عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وله شاهد من مرسل عكرمة أخرجه الطبري 8233. (1) في الأصل «الحسن» والتصويب عن نسخة «ط» وعن «شرح السنة» . (2) في المطبوع «الجرح» .

المدينة على ثمانية أميال. ع «493» [و] رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْنَ أُخْتِي أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ وَجَدَّكَ تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَالزُّبَيْرَ لَمِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، فَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ عَيْبَةَ نُصْحِ [1] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِهَامَةَ، صَفْقَتُهُمْ مَعَهُ [2] لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا، وكان معبد يومئذ مشركا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ- تَعَالَى- كان [قد] [3] أعفاك فيهم [4] ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ قَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، وقالوا: قد أصبنا جلة أَصْحَابِهِ وَقَادَتِهِمْ لَنَكِرَّنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَلْنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سفيان معبدا قال له: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: محمد قد خرج مع أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ وَنَدِمُوا عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَفِيهِمْ مِنَ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: وَيْلَكَ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ ترتحل [5] حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ، قَالَ: فو الله لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي وَاللَّهِ أَنْهَاكَ عن ذلك، فو الله لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِ أَبْيَاتًا: كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إِذْ سَالَتِ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ [6] فَذَكَرَ أبياتا فثنى [7] ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا نُرِيدُ الْمِيرَةَ، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مبلّغون محمدا عني رِسَالَةً وَأُحَمِّلُ لَكُمْ إِبِلَكُمْ هَذِهِ زَبِيبًا بِعُكَاظَ غَدًا إِذَا وَافَيْتُمُونَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جِئْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، وَانْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ بِحَمْرَاءِ الأسد فأخبروه بالذي قاله أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ [8] . هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. ع «494» وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أحد

_ 493- ع أخرج صدره البخاري 4077 ومسلم 2418 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 312) من طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة. وأما عجزه «فَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم معبد الخزاعي....» فقد أخرجه الطبري 8243. والبيهقي في «الدلائل» (3/ 315- 316) من طريق ابن إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو بن حزم أن معبدا الخزاعي مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم.... 494- ع عزاه المصنف لمجاهد وعكرمة، وإسناده إليهما مذكور أول الكتاب، وتقدم الكلام عليه هناك، ولم أره مسندا، وأخرج الطبري 8238 بعضه عن مجاهد وكرره برقم 8249 عن مجاهد، وعن ابن جريج، وأخرجه 8250، عن (1) أي موضع سرّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. (2) في المخطوط «معهم» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «منهم» والمثبت عن المخطوط و «الدلائل» . (5) في المطبوع «ترحل» . (6) الجرد: الخيل العتاق- الأبابيل: الجماعات. [.....] (7) في المطبوع «فرد» وفي المخطوط «فغير» والمثبت عن «السيرة النبوية» و «الدلائل» . (8) في المخطوط «الثالث» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 173 الى 174]

حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ: يا محمد بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى لِقَابِلٍ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» فَلَّمَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِنْ نَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قَلْبِهِ فَبَدَا لَهُ الرُّجُوعُ فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ وَقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: يَا نعيم إني [قد] [1] وَاعَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَنَّ نَلْتَقِيَ بموسم بدر الصغرى، وإنّ هذا عَامُ جَدْبٍ وَلَا يُصْلِحُنَا إِلَّا عَامٌ نَرْعَى فِيهِ الشَّجَرَ وَنَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَخْرُجَ إِلَيْهَا، وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَخْرُجُ أَنَا فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ جُرْأَةً وَلَأَنْ يَكُونَ الْخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِي، فَالْحَقْ بِالْمَدِينَةِ فَثَبِّطْهُمْ وَأَعْلِمْهُمْ أَنِّي فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِنَا، وَلَكَ عِنْدِي عَشْرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَضَعُهَا لَكَ عَلَى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَيَضْمَنُهَا، قَالَ: فَجَاءَ سُهَيْلٌ فَقَالَ لَهُ نَعِيمٌ: يَا أَبَا يَزِيدَ، أتضمن لي هذه القلائص من أبي سفيان وَأَنْطَلِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأُثَبِّطُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ نَعِيمٌ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَوَجْدَ النَّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فقالوا: واعدنا أبا سفيان أَنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرَى [أَنْ نَقْتَتِلَ بِهَا] [2] ، فَقَالَ: بِئْسَ [الذي رَأَيْتُمْ] [3] أَتَوْكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَقَرَارِكُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْكُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، أفتريدون أَنْ تَخْرُجُوا وَقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ عِنْدَ الْمَوْسِمِ، وَاللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَكَرِهَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي [4] بِيَدِهِ لَأَخْرُجَنَّ وَلَوْ وَحْدِي» ، فَأَمَّا الْجَبَانُ فَإِنَّهُ رَجَعَ، وَأَمَّا الشُّجَاعُ فَإِنَّهُ تَأَهَّبَ لِلْقِتَالِ، وَقَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى وَافَوْا بَدْرًا الصُّغْرَى، فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُرْعِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حَتَّى بَلَغُوا بَدْرًا وَكَانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهَا فِي كُلِّ عَامٍ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ وَقَدِ انْصَرَفَ أبو سفيان [وأصحابه] [5] مِنْ مَجَنَّةَ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَوَافَقُوا السُّوقَ وَكَانَتْ مَعَهُمْ تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا [الدرهم دِرْهَمَيْنِ] [6] وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ أَيْ أَجَابُوا، وَمَحَلُّ الَّذِينَ خَفْضٌ عَلَى صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، مِنْ بَعْدِ مَا أَصابَهُمُ الْقَرْحُ، أَيْ: [نَالَتْهُمُ الْجِرَاحُ] [7] ، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجَابَتِهِ إِلَى الْغَزْوِ، وَاتَّقَوْا، مَعْصِيَتَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 173 الى 174] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)

_ عكرمة مختصرا أيضا، وليس فيه ذكر نعيم بن مسعود، وانظر «سيرة ابن هشام» 3/ 95 و3/ 166 و «الدلائل» للبيهقي (3/ 384- 386) . (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) في المطبوع «الرأي رأيكم» وفي- ط «الرأي رأيتم» . (4) في المطبوع «نقس محمد» والمثبت عن المخطوط وط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المخطوط «الدرهم والدرهمين» . (7) في المطبوع والمخطوط «نالهم الجرح» والمثبت عن- ط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 175 الى 178]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ وَمَحَلُّ الَّذِينَ خَفْضٌ أَيْضًا مَرْدُودٌ عَلَى [قوله] [1] الَّذِينَ الْأَوَّلِ وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء: 54] يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ: أَرَادَ بِالنَّاسِ الرَّكْبَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، فَاخْشَوْهُمْ، فَخَافُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً تصديقا [وقوة] [2] ويقينا وقوله: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أَيْ: كَافِينَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، أَيِ: الْمَوْكُولُ [3] إِلَيْهِ الْأُمُورُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. «495» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [4] بْنُ يُونُسَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم حين قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا، فَانْصَرَفُوا، بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ بِعَافِيَةٍ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا وَفَضْلٍ تِجَارَةٍ وَرِبْحٍ وَهُوَ مَا أَصَابُوا فِي السُّوقِ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لم يُصِبْهُمْ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذَا غَزْوًا؟ فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الْغَزْوِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 175 الى 178] إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يعني [5] : الَّذِي قَالَ لَكُمْ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ أَلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ لترهبوهم وتجبنوا عَنْهُمْ، يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ، أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي: يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَافِرِينَ، قَالَ السُّدِّيُّ: يُعَظِّمُ أَوْلِيَاءَهُ فِي صُدُورِهِمْ لِيَخَافُوهُمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ» ، فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ، فِي تَرْكِ أَمْرِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، مصدقين بوعدي لأني متكفّل لكم بالنصر وَالظَّفَرِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلا يَحْزُنْكَ، قَرَأَ نَافِعٌ (يُحْزِنُكَ) بِضَمِّ الياء وكسر الزاي، وكذلك في جميع

_ 495- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو بكر هو ابن عياش بن سالم الأسدي، وأبو بكر اختلف في اسمه، قيل: محمد، وقيل: عبد الله ... وهو مشهور بكنيته، أبو حصين هو عثمان بن عاصم بن حصين، أبو الضحى، هو مسلم بن صبيح. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4563) عن أحمد بن يونس بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4564 والنسائي في «التفسير» (101) والحاكم 2/ 298 من طرق، عن أبي الضحى به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) في المطبوع «الموكل» . [.....] (4) تصحف في المطبوع «محمد» . (5) زيد في المطبوع «ذلك» .

الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: 103] ، ضِدَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزِنَ يَحْزُنُ وَأَحْزَنَ يُحْزِنُ، إِلَّا أَنَّ اللُّغَةَ الْغَالِبَةَ حَزِنَ يَحْزُنُ، الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: [هُمُ] [1] الْمُنَافِقُونَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ بِمُظَاهَرَةِ الْكُفَّارِ. إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ، نَصِيبًا فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ حَتَّى سَارَعُوا فِي الْكُفْرِ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا، اسْتَبْدَلُوا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً، [بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ] [2] وَإِنَّمَا يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، قَرَأَ حَمْزَةُ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، فمن قرأ بالياء ف الَّذِينَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِ تقديره: [و] لا يَحْسَبَنَّ الْكَفَّارُ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْرًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ يَعْنِي: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَإِنَّمَا نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ، وَالْإِمْلَاءُ الْإِمْهَالُ وَالتَّأْخِيرُ، يُقَالُ: عشت طويلا وَتَمَلَّيْتُ حِينًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مَرْيَمَ: 46] أَيْ: حِينًا طَوِيلًا، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ، نُمْهِلُهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ، قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. «496» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَفَّالُ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بن الفضل البرنجردي [3] أنا أبو أحمد

_ 496- حسن بهذا اللفظ، وصدره صحيح لشواهده. إسناده ضعيف لضعف عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، لكن توبع، وباقي الإسناد ثقات، أبو داود هو سليمان بن داود، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» (3990) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق الطيالسي، وهو في «مسنده» (864) عن شعبة وحماد بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زيد بهذا الإسناد. - أخرجه الترمذي 2330 من طريق علي بن زيد بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح!! - وأخرجه أحمد 5/ 49 (19987) من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي بكرة وحميد ويونس، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ به. - وأخرجه الحاكم 1/ 339 (1256) وأحمد 19988 و19989 من طريق حماد بن سلمة، عن حميد ويونس وثابت، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، ورجال الإسناد ثقات على شرط مسلم، لكن فيه عنعنة الحسن، وهو مدلس، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه البغوي في «شرح السنة» (3989) من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ البناني ويونس بن عبيد، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وورد صدره دون عجزه من وجوه أخر. - فله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 254 و255 وأحمد 2/ 235 و403 والبزار 1971 وابن حبان 484 وفي إسناده ابن إسحاق، وهو مدلس، وقد عنعن. - ومن حديث جابر أخرجه الحاكم 1/ 339 والبزار 3585 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقال الهيثمي في «المجمع» (17549) : رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وقد وثق اهـ. - ومن حديث أنس عند أبي يعلى 3496 وفي إسناده سهيل بن أبي حزم، وهو ضعيف، وقد حسّن إسناده الهيثمي في (1) زيادة عن المخطوط. (2) سقط من المخطوط. (3) في الأصل «البروجردي» والتصويب عن «شرح السنة» وعن نسخة «ط» .

[سورة آل عمران (3) : آية 179]

بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ [1] عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ» ، قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ» . [سورة آل عمران (3) : آية 179] مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) . قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَكَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى دِينِكَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ، فَأَخْبِرْنَا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِكَ، فَأَنْزَلَ الله تعالى هذه الآية [2] . ع «497» وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فِي صُوَرِهَا [3] فِي الطين كما عرضت

_ «المجمع» (17547) . - ومن حديث عبد الله بن بسر أخرجه الترمذي 2329 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه اهـ. - ومن حديث عبادة بن الصامت أخرجه الطبراني كما في «المجمع» (17550) وقال الهيثمي: وفيه أبو أمية بن يعلى، وهو ضعيف اهـ. الخلاصة: حديث الباب لا بأس به، وهو حسن، وصدره يرقى إلى درجة الصحيح لكثرة شواهده، والله أعلم. 497- ع ضعيف جدا بذكر نزول هذه الآية، عزاه المصنف للسدي، وإسناده إليه مذكور أول الكتاب، وهذا معضل، وهو منكر بذكر هذه الآية، ولبعضه شاهد في الصحيح. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (271) عن السدي بدون إسناد إلى قوله «.... ونحن معه، وما يعرفنا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ» . وخبر عبد الله بن حذافة بغير هذا السياق. أخرجه البخاري 7294 ومسلم 2359 وعبد الرزاق 20796 وأحمد 3/ 162 وابن حبان 106 والبغوي في «شرح السنة» (3614) من حديث أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم خرج حين زاغت الشمس فصلى لهم صلاة الظهر، فلما سلّم قام على المنبر فذكر الساعة، وذكر أن قلبها أمورا عظاما، ثم قال: من أحب أن يسألني عن شيء فليسألني عنه، فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» . قال أنس بن مالك: فأكثر الناس البكاء حين سمعوا ذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأكثر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يقول: «سلوني، فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله. قال: أبوك حذافة فلما أكثر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أن يقول: سلوني. برك عمر فقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. قال فسكت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أولى والذي نفس محمد بيده لقد عرضت عليّ الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشّر» . وفي رواية «بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أصحابه شيء فخطب فقال:....» . وليس فيه ذكر للآية، وسيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. (1) في الأصل «أبي بكر» والتصويب عن نسخة «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التخريج. (2) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (272) عن الكلبي بدون سند والكلبي متهم وانظر ما بعده. (3) كذا في المطبوع و «أسباب النزول» وط وفي المخطوط «صورتها» .

[سورة آل عمران (3) : آية 180]

عَلَى آدَمَ، وَأُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بِي وَمَنْ يَكْفُرُ بِي» ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالُوا اسْتِهْزَاءً: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرُ مِمَّنْ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَنَحْنُ مَعَهُ وَمَا يَعْرِفُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ طَعَنُوا فِي عِلْمِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّاعَةِ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ» ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «حُذَافَةُ» ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِكَ نَبِيًّا فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» ؟ ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ [هذه] [1] الْآيَةِ وَنَظْمِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وَقَالَ قَوْمٌ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ، معناه: وما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ بِالْمُنَافِقِ، فَرَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الياء وتشديدها وَكَذَلِكَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ، وَقَرَأَ الباقون بالتخفيف، يُقَالُ: مَازَ الشَّيْءَ يَمِيزُهُ مَيْزًا وميّزه تمييزا إذا فرّقه وامتاز، وانماز هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ: إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، قُلْتَ: مِزْتُ مَيْزًا فَإِذَا كَانَتْ أَشْيَاءَ، قُلْتَ: مَيَّزْتُهَا تَمْيِيزًا، وَكَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ قُلْتَ: فَرَقْتُ بِالتَّخْفِيفِ، وَمِنْهُ فَرْقُ [2] الشَّعْرِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ أَشْيَاءَ، قُلْتَ: فَرَّقْتُهُ تَفْرِيقًا، وَمَعْنَى الْآيَةِ: حَتَّى يُمَيِّزَ الْمُنَافِقَ مِنَ الْمُخْلِصِ، فَمَيَّزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حيث أظهروا النفاق فتخلّفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَتَّى يَمِيزَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ يَا مَعْشَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ من في أصلابكم وأرحام نساءكم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ وَهُوَ الْمُذْنِبُ مِنَ الطَّيِّبِ وهو المؤمن، يعني: حتى تحط الْأَوْزَارَ عَنِ الْمُؤْمِنِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ نَكْبَةٍ وَمِحْنَةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ أَحَدٌ غير الله، وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ عِلْمِ الْغَيْبِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26- 27] ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ. [سورة آل عمران (3) : آية 180] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، أَيْ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الْبَاخِلُونَ الْبُخْلَ خَيْرًا لَهُمْ، بَلْ هُوَ، يَعْنِي: الْبُخْلَ، شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ، أَيْ: سَوْفَ يُطَوَّقُونَ، مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يَعْنِي: يَجْعَلُ مَا مَنَعَهُ مِنَ الزَّكَاةِ حَيَّةً تُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ يَوْمَ القيامة تنهشه من قرنه [3] إِلَى قَدَمِهِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي وَائِلٍ والشعبي والسدي.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «فرقت» والمثبت عن المخطوط وط. (3) في المطبوع «فوقه» . [.....]

«498» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ أَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ دِينَارٍ [عَنْ أَبِيهِ] [1] عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مثل له يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الْآيَةَ» . «499» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ [2] بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَنَا أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلّم فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ أَوْ كَمَا حَلَفَ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُوْلَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» . قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ يَجْعَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَعْنَاقِهِمْ طَوْقًا [3] مِنَ النَّارِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ، وَأَرَادَ بِالْبُخْلِ كِتْمَانَ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النِّسَاءِ: 37] وَمَعْنَى قَوْلِهِ: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَيْ: يَحْمِلُونَ وِزْرَهُ وَإِثْمَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ [الْأَنْعَامِ: 31] . وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَعْنِي: أَنَّهُ الْبَاقِي الدَّائِمُ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَزَوَالِ أَمْلَاكِهِمْ فَيَمُوتُونَ وَيَرِثُهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [مَرْيَمَ: 40] ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَمَكَّةَ [يَعْمَلُونَ] [4] بِالْيَاءِ، وقرأ الآخرون بالتاء.

_ 498- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو صالح السمان اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (1554) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (1403) عن علي بن عبد الله بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي 5/ 39 وأحمد 2/ 355 والبيهقي 4/ 81 من طرق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ به. وأخرجه أحمد 2/ 279 من طريق عاصم عن أبي صالح به. وأخرجه البخاري 4565 ومالك 1/ 256 وأبو يعلى 6319 وابن حبان 3258 من وجوه عن أبي هريرة مرفوعا به. 499- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران. - وهو في «شرح السنة» (1553) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (1460) عن عمر بن حفص بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 990 والترمذي 617 والنسائي 5/ 29 وابن ماجه 1785 وأحمد 5/ 157- 158 والدارمي 1/ 381 وابن حبان 3256 والبيهقي 1460 من طرق عن الأعمش به. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من نسخة «ط» ومن «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . (2) وقع في الأصل «عمرو» والمثبت هو الصواب. (3) كذا في المطبوع والطبري، وفي المخطوط «أطواق» . (4) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 182]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 182] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ مَا قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة: 245] قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يستقرض مِنَّا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّ قَائِلَ [هَذِهِ الْمَقَالَةِ] [1] حُيَيُّ بن أخطب. ع «500» وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] [2] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَاتَ يَوْمٍ بيت مدراسهم فَوَجَدَ نَاسًا كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَمَعَهُ حَبْرٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: أَشْيَعُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِفِنْحَاصَ: اتَّقِ اللَّهَ وأسلم فو الله إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ، فَآمِنْ وَصَدِّقْ وَأَقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ، وَيُضَاعِفْ لَكَ الثَّوَابَ، فَقَالَ فِنْحَاصُ: يَا أَبَا بَكْرٍ تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ أَمْوَالَنَا وَمَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا الْفَقِيرُ مِنَ الْغَنِيِّ؟ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّ الله إذا الفقير وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَإِنَّهُ يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَا، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عُدُوَّ اللَّهِ، فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ انْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ» ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فقير وهم أَغْنِيَاءُ، فَغَضِبْتُ لِلَّهِ فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى [تكذيبا و] [3] رَدًّا عَلَى فِنْحَاصَ وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، سَنَكْتُبُ مَا قالُوا، مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ فَنُجَازِيهِمْ بِهِ، وقال مقاتل: سيحفظ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بِالْكِتَابَةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ [الأنبياء: 94] ، وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، قَرَأَ حَمْزَةُ سَيُكْتَبُ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَتْلُهُمْ بِرَفْعِ اللام ويقول بالياء، وذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أَيِ: النَّارِ، وَهُوَ بمعنى المحرق، كما يقال: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أَيْ: مُؤْلِمٌ. ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) ، فَيُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذنب. [سورة آل عمران (3) : الآيات 183 الى 185] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)

_ 500- ع إسناده إليهم مذكور أول الكتاب، وتقدم الكلام عليه، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (275) عن عكرمة والسدي ومقاتل وابن إسحاق بدون إسناد. وأخرجه الطبري 8300 من حديث ابن عباس وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول. وأخرجه الطبري 8302 عن السدي مرسلا باختصار، و8316 عن عكرمة مرسلا، فهذه الروايات تتأيد بمجموعها، ويعلم أن له أصلا، والله أعلم. (1) في المطبوع «هذا الكلام» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيد في المطبوع وحده.

قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا، الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ [1] : نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا وَزَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَكَ إلينا رسولا وأنزل عليك كتابا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ، يزعم أنه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، فَإِنْ جِئْتَنَا به صدقناك فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالُوا أَيْ: سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا، وَمَحَلُّ الَّذِينَ خَفْضٌ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ الْأَوَّلِ، إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَيْ: أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا فِي كُتُبِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنُ لرسول، أَيْ: لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَالْقُرْبَانُ: كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسِيكَةٍ وصدقة وعمل صالح، وهو فُعْلَانٌ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالْغَنَائِمُ لَا تَحِلُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانُوا إِذَا قَرَّبُوا قُرْبَانًا أَوْ غَنِمُوا غَنِيمَةً جَاءَتْ نَارٌ بَيْضَاءُ مِنَ السَّمَاءِ لَا دُخَانَ لَهَا، وَلَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ، فَتَأْكُلُهُ وَتُحْرِقُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ وَتِلْكَ الْغَنِيمَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ، وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ جَاءَكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِغَيْرِ قُرْبَانٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، قُلْ، يَا مُحَمَّدُ، قَدْ جاءَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ، من الْقُرْبَانِ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ؟ يَعْنِي: زَكَرِيَّا ويحيى [عليهم السلام] [2] وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، معناه تكذيبهم [3] إياك مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، كَقَتْلِ آبَائِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْبَانِ وَالْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «وَبِالزُّبُرِ» أَيْ: بِالْكُتُبِ الْمَزْبُورَةِ، يَعْنِي: الْمَكْتُوبَةَ، وَاحِدُهَا [زَبُورٌ] [4] مِثْلَ: رَسُولٍ وَرُسُلٍ، وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ، الْوَاضِحِ الْمُضِيءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ نَفْسٍ [منفوسة] [5] ذائِقَةُ الْمَوْتِ: ع «501» وَفِي الْحَدِيثِ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ اشْتَكَتِ الْأَرْضُ إِلَى رَبِّهَا لِمَا أُخِذَ مِنْهَا، فَوَعَدَهَا أن يردّ

_ 501- ع لم أره بهذا اللفظ، وهو غريب، ولعله من الإسرائيليات، ولعجزه، وهو «ما من أحد إلا ويدفن ... » شواهد واهية جدا منها حديث أبي هريرة، أخرجه ابن الديلمي في «زهر الفردوس» (4/ 17) وفيه محمد بن إسحاق الأهوازي، متهم بالوضع وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه ابن الجوزي في «الواهيات» (310) ، وحكم بوهنه، وذكر السيوطي (1) عزاه المصنف للكلبي، وإسناده إليه مذكور أول الكتاب، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (277) عن الكلبي بدون إسناد والكلبي متروك متهم. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «تعذيبهم» . [.....] (4) سقط من المطبوع. (5) سقط من المخطوط.

[سورة آل عمران (3) : آية 186]

فِيهَا مَا أُخِذَ مِنْهَا، فَمَا من أحد إلا ويدفن فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا» . وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ، تُوَفَّوْنَ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَمَنْ زُحْزِحَ، نحّي وَأُزِيلَ، عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [بالنجاة] [1] وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ، يَعْنِي مَنْفَعَةٌ وَمُتْعَةٌ كَالْفَأْسِ والقدر والقصعة، ثم يزول ولا يبقى، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَخُضْرَةِ النَّبَاتِ وَلَعِبِ الْبَنَاتِ لَا حَاصِلَ لَهُ، قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَتَاعٌ مَتْرُوكَةٌ يُوشِكُ أَنْ تَضْمَحِلَّ بِأَهْلِهَا، فَخُذُوا مِنْ هَذَا الْمَتَاعِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَالْغُرُورُ الْبَاطِلُ. «502» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ [2] الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [3] يَحْيَى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ على قلب بشر، اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17] ، وإنّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يقطعها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) [الْوَاقِعَةِ: 30] وَلَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ من الدنيا وما عليها، واقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» . [سورة آل عمران (3) : آية 186] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ الآية.

_ في «اللآلئ» (1/ 311- 312) شواهد واهية، لا تقوم بها حجة. 502- حديث صحيح. إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو، فإنه صدوق، وباقي رجال الإسناد ثقات، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. - وهو في «شرح السنة» (4268) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 3292 وأحمد 2/ 313 والدارمي 2/ 335 من طرق عن محمد بن عمرو بهذا الإسناد. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. وورد من وجوه متعددة، وله شواهد. - وأخرجه البخاري 3244 و4779 ومسلم 2824 والترمذي 3197 والحميدي 1133 وابن حبان 369 من طريق سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الأعرج، عن أبي هريرة مختصرا. وأخرجه البخاري 4780 ومسلم 2824 ح 4 وابن ماجه 4328 وابن أبي شيبة 13/ 109 وأحمد 2/ 466 و495 والبغوي في «شرح السنة» (4267) من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن أبي هريرة مختصرا. - وأخرجه البخاري 7498 وعبد الرزاق 20874 وأحمد 2/ 313 والبغوي 4266 من طرق عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ منبه، عن أبي هريرة مختصرا. - وفي الباب من حديث سهل بن سعد عند مسلم 2825 ومن حديث أبي سعيد الخدري عند أبي نعيم في «الحلية» (2/ 262) . (1) زيادة عن المخطوط. (2) في الأصل «الحسين» والتصويب عن نسخة «ط» وعن «شرح السنة» . (3) في الأصل «محمد بن إسماعيل بن يحيى» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» .

ع «503» قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى فِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ سَيِّدِ بَنِي قَيْنُقَاعَ لِيَسْتَمِدَّهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ» ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ بِالسَّيْفِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: قَدِ احْتَاجَ رَبُّكَ إِلَى أَنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ» ، فكف فنزلت هذه الآية. ع «504» وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ كَانَ يَهْجُو رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسُبُّ الْمُسْلِمِينَ، وَيُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وأصحابه، في شعره ويسبّ نساء الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ، قَالَ: «فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ» ، فَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إِلَّا ما تعلق به نَفْسَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ، وَقَالَ لَهُ: «لِمَ تَرَكْتَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ» ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُ قَوْلًا وَلَا أَدْرِي هَلْ أَفِي بِهِ أَمْ لَا، فَقَالَ: «إِنَّمَا عَلَيْكَ الْجُهْدُ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَا بُدَّ لنا من أن نقول فيك، قَالَ: «قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ» ، فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مسلمة وسلكان بن سلامة [1] أبو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَالْحَارِثُ بن أوس وأبو عبس [2] بن جبر [3] ، فَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ، وَقَالَ: «انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ» ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا [4] إِلَى حِصْنِهِ فَقَدَّمُوا أَبَا نَائِلَةَ فَجَاءَهُ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً وَتَنَاشَدَا الشِّعْرَ، وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ يَقُولُ الشِّعْرَ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ فَاكْتُمْ عَلَيَّ، قَالَ: أَفْعَلُ، قَالَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ بِلَادَنَا بَلَاءً، عَادَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَوْنَا عَنْ قَوْسٍ واحدة، فانقطعت عَنَّا السُّبُلُ حَتَّى ضَاعَتِ الْعِيَالُ وَجَهَدَتِ الْأَنْفُسُ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنَا ابْنُ الْأَشْرَفِ أَمَا وَاللَّهُ لَقَدْ كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ يَا ابْنَ سَلَامَةَ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى هَذَا، فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ: إِنَّ مَعِي أَصْحَابًا أَرَدْنَا أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامَكَ وَنَرْهَنُكَ وَنُوَثِّقُ لَكَ وَتُحْسِنُ فِي ذلك، قال: ترهنوني أَبْنَاءَكُمْ، قَالَ: إِنَّا نَسْتَحِي إِنْ يُعَيَّرَ أَبْنَاؤُنَا فَيُقَالُ هَذَا رَهِينَةُ وَسْقٍ [5] ، وَهَذَا رَهِينَةُ وَسْقَيْنِ، قَالَ: تَرْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ، قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ وَلَا نَأْمَنُكَ، وَأَيَّةُ امْرَأَةٍ تَمْتَنِعُ مِنْكَ لِجَمَالِكَ، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ الْحَلْقَةَ، يَعْنِي: السِّلَاحَ، وَقَدْ عَلِمْتَ حَاجَتَنَا إِلَى السِّلَاحِ، قَالَ: نَعَمْ، وَأَرَادَ أَبُو نَائِلَةَ أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إذا رآه فواعده أَنْ يَأْتِيَهُ فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ إلى أصحابه

_ 503- ع أخرجه الطبري 8316 عن عكرمة مرسلا. وذكره السيوطي في «الدر» (2/ 186) وزاد نسبته لابن المنذر، وتقدم مع الحديث (500) . 504- ع أخرجه الواقدي في المغازي 1/ 184- 193 بأسانيد عن الزهري وعن جابر مطولا، وإسناده ضعيف لضعف الواقدي بل هو متروك. وأخرجه الطبري 8317 عن الزهري مرسلا، وليس فيه ذكر محيصة وحويصة وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 196- 198) عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بن مالك مرسلا. وأخرجه عجزه البيهقي في «الدلائل» (3/ 200) من حديث محيصة، وفي إسناده مولى زيد بن ثابت وهو مجهول وأصل الخبر عند البخاري 2510 و3031 و3032 و4037 ومسلم 1801 وأبي داود 2768 من حديث جابر. (1) تصحف في المطبوع «سلام» . (2) تصحف في المطبوع وط «عيسى» . (3) تصحف في المطبوع «جبير» وفي المخطوط «جرير» والمثبت عن كتب السيرة. (4) تصحف في المطبوع «أنهوا» وفي المخطوط «انتهى» . (5) في المطبوع «وسوق» . [.....]

[سورة آل عمران (3) : الآيات 187 الى 188]

فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِ لَيْلًا، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ فَوَثَبَ مِنْ مِلْحَفَتِهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَسْمَعُ صَوْتًا يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، وَإِنَّكَ رَجُلٌ مُحَارِبٌ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْبِ [1] لَا يَنْزِلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَكَلِّمْهُمْ مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي، وَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بليل أجاب، فنزل إليهم فتحدثوا معه سَاعَةً ثُمَّ قَالُوا: يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ نَتَمَاشَى إِلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ [2] نَتَحَدَّثُ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ؟ فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ، وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي نائل شَعْرَهُ فَأَشُمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ من رأسه فدونكم [عدو الله] [3] فَاضْرِبُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ شَامَ يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ ثُمَّ شَمَّ يَدَهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبَ عَرُوسٍ قَطُّ، قَالَ: إِنَّهُ طِيبُ أُمِّ فُلَانٍ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ لِمِثْلِهَا ثُمَّ أَخَذَ بِفَوْدَيْ رَأْسِهِ حَتَّى اسْتَمْكَنَ ثُمَّ قَالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا] فِي سَيْفِي فَأَخَذْتُهُ، وَقَدْ صَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، قَالَ فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنْدُوَتِهِ ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بلغ [5] عَانَتَهُ، وَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ بِجُرْحٍ فِي رَأْسِهِ أَصَابَهُ بَعْضُ أَسْيَافِنَا، قال: فَخَرَجْنَا وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا الحارث بن أوس ونزفه الدم، ثم وقفنا لَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَتَانَا يَتْبَعُ آثَارَنَا فَاحْتَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ كَعْبٍ وَجِئْنَا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا، فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ وَقْعَتَنَا بِعَدُوِّ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ» ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بن مسعود على سفينة رَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الْيَهُودِ كَانَ يُلَابِسُهُمْ وَيُبَايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيِّصَةَ فَلَمَّا قَتَلَهُ، جَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُهُ وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْتَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ، قَالَ مُحَيِّصَةُ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ مَنْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، قَالَ: لَوْ أَمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟ قال: نعم، وَاللَّهِ إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا لَعَجَبٌ؟! فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ كَعْبٍ: لَتُبْلَوُنَّ لتختبرنّ، واللام لِلتَّأْكِيدِ، وَفِيهِ مَعْنَى الْقَسَمِ، وَالنُّونُ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ فِي أَمْوالِكُمْ بِالْجَوَائِحِ وَالْعَاهَاتِ وَالْخُسْرَانِ وَأَنْفُسِكُمْ بِالْأَمْرَاضِ، وَقِيلَ: بِمَصَائِبِ الْأَقَارِبِ وَالْعَشَائِرِ، قَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَرِبَاعَهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ ما فرض عليهم من أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالزَّكَاةِ، وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ، أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا عَلَى أَذَاهُمْ وَتَتَّقُوا، اللَّهَ، فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، [أي] [6] مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ وَخَيْرِهَا، وَقَالَ عطاء: من حقيقة الإيمان. [سورة آل عمران (3) : الآيات 187 الى 188] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)

_ (1) في المطبوع «المحرب» . (2) تصحف في المطبوع «العجود» والعجوز: موضع قرب المدينة. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المخطوط «معولا» وهو خطأ. والمغول: حديدة دقيقة لها حد ماض. (5) في المطبوع «بلغت» . (6) زيادة عن المخطوط.

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ، أَيْ: طَرَحُوهُ وَضَيَّعُوهُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ، وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، يَعْنِي: الْمَآكِلَ وَالرُّشَا، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ، قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ: لَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. «505» حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ [1] الشَّاهُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ سَهْلِ بْنِ [2] إِسْمَاعِيلَ الدَّيْنَوَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [3] أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ [4] أُلِجْمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ الْحَدِيثَ فَأَلْفَيْتُهُ عَلَى بَابِهِ، فَقُلْتُ: [إِنْ] [5] أو رَأَيْتَ أَنْ تُحَدِّثَنِي؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُ الْحَدِيثَ؟ فَقُلْتُ: إِمَّا أَنْ تُحَدِّثَنِي وَإِمَّا أن أحدثك،

_ (1) وقع في «شرح السنة» . «أبو معاذة» . (2) في الأصل «و» بدل «بن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (3) في الأصل «البرثي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» و «الأنساب» . (4) في المطبوع وحده «علمه وكتمه» . (5) زيادة عن المخطوط وط. 505- حديث صحيح، إسناده حسن لأجل سماك بن حرب وموسى بن مسعود، أما موسى فقد روى له البخاري، لكن وصفه الحافظ بقوله: صدوق سيئ الحفظ، وسماك بن حرب فيه ضعف، مع أنه من رجال مسلم، لكن كلاهما قد توبع. - وهو في «شرح السنة» (140) بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن أبي شيبة 9/ 55 وأحمد 2/ 499 و508 والحاكم 1/ 101 والطبراني في «الصغير» (160 و315 و452) من طرق عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه أبو داود 3658 والترمذي 2649 وابن ماجه 261 والطيالسي 2534 وابن أبي شيبة 9/ 55 وأحمد 2/ 263 و305 و334 و353 وأبو يعلى 6383 وابن حبان 95 من طرق عن علي بن الحكم البناني، عن عطاء به. وهذا إسناد صحيح علي بن الحكم ثقة روى له البخاري، وشيخه عطاء روى له الشيخان. - وله شاهد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو أخرجه الحاكم 1/ 102 والخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 38 و39) وابن حبان 96 والطبراني في «الأوسط» (5023) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وفي إسناده عبد الله بن عياش، قال أبو حاتم: صدوق ليس بالمتين اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» (1/ 163) : رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ورجاله موثقون اه. - وله شاهد من حديث جابر أخرجه الخطيب في «تاريخه» (7/ 198 و9/ 92 و12/ 369) . - ومن حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى 2585 وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف. لكن يصلح للاعتبار بحديثه. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم.

فَقَالَ: حَدِّثْنِي، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بن عيينة عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ [1] قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أن يتعلّموا حتى يأخذ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا، قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا. لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الْآيَةَ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ لَا تَحْسَبَنَّ بِالتَّاءِ، أَيْ: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الْفَارِحِينَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ «لَا يَحْسَبَنَّ» الْفَارِحُونَ فَرَحَهُمْ مُنْجِيًا لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ، «فَلَا يَحْسَبَنَّهُمْ» وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ خَبَرًا عَنِ الْفَارِحِينَ، أَيْ فَلَا يَحْسَبُنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَأَعَادَ قَوْلَهُ: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ تَأْكِيدًا، وَفِي حَرْفِ عَبْدِ الله بن مسعود «ولا يحسبنّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ» مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. «506» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بما لم يفعلوا، فنزل لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية. «507» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قال: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رافع إلى ابن عباس فَقُلْ لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ فَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتُحْمِدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إلى قَوْلِهِ: يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا.

_ 506- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو مريم والد سعيد اسمه الحكم، وهو ابن محمد المصري، محمد بن جعفر هو ابن أبي كثير الأنصاري. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4567) عن سعيد بن أبي مريم بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2777 ح 7 ص 2142 والطبري 8335 والواحدي 280 من طريق أخرى عن سعيد بن أبي مريم به. 507- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، هشام هو ابن سنبر الدّستوائي، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز. ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4568) عن إبراهيم بن موسى بهذا الإسناد. وأخرجه الطبري 8348 من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج به. - وأخرجه البخاري بإثر 4568 ومسلم 2778 ح 8 والترمذي 3014 والنسائي في «التفسير» (106) والطبري 8349 والحاكم 2/ 299 والواحدي 281 من طريق ابن جريج أخبرني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أن حميد بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أخبره أن مروان بن الحكم قال لبوابه ... فذكره. [.....] (1) في المطبوع وحده «الخراز» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 189 الى 190]

قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ وَأَشْيَعَ [1] وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْبَارِ يَفْرَحُونَ بإضلالهم الناس بنسبة النَّاسِ إِيَّاهُمْ إِلَى الْعِلْمِ وَلَيْسُوا بأهل علم، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِإِعْجَابِ النَّاسِ بِتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ وَحَمْدِهِمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّهُ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَهُمْ برآء من ذلك. ع «508» وقال قتادة ومقاتل: أنت يَهُودُ خَيْبَرَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: نَحْنُ نعرفك ونصدقك وإنا على رأيك ونحن لك رِدْءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: عَرَفْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: أَحْسَنْتُمْ هَكَذَا فَافْعَلُوا، فَحَمِدُوهُمْ وَدَعَوْا لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ: يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا قَالَ الْفَرَّاءُ بِمَا فَعَلُوا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [مَرْيَمَ: 27] ، أَيْ: فَعَلْتِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ [أي] [2] : بِمَنْجَاةٍ، مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 189 الى 190] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يَصْرِفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) . «509» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الملك بن الحسن الأسفراييني [3]

_ 508- ع عزاه المصنف لقتادة ومقاتل، وإسناده إليهما مذكور أول الكتاب. وأخرجه الطبري 8350 عن قتادة مرسلا، بنحوه، و8351 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قتادة مرسلا باختصار. وأخرجه ابن أبي حاتم كما في «الدر» (1/ 192) عن الحسن مرسلا مختصرا. 509- إسناده صحيح على شرط مسلم، ابن فضيل هو محمد. - وهو في «شرح السنة» (901) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 763 ح 191 من طريق محمد بن فضيل بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو يعلى 2545 من طريق عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عباس بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6316 ومسلم 763 وأبو داود 5043 والترمذي في «الشمائل» (255) والنسائي 2/ 218 وابن ماجه 508 وعبد الرزاق 3862 و4707 وابن حبان 2636 من طرق عن سلمة بن كهيل، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مطوّلا ومختصرا. - وأخرجه مالك 1/ 121- 122 من طريق مخرمة بن سليمان، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 183 و1198 و4570 و4571 و4572 ومسلم 763 ح 182 وعبد الرزاق 4708 وأبو عوانة 2/ 315 والطحاوي 1/ 228 وابن حبان 2579 والبيهقي 3/ 7. - وأخرجه البخاري 117 و697 وأحمد 1/ 341 و354 والدارمي 1/ 286 والطحاوي في «المعاني» (1/ 287) من طرق عن الحكم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس. (1) في المطبوع «وأسيبع» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في الأصل «الحسين الإسفرايني» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» .

[سورة آل عمران (3) : الآيات 191 الى 192]

أَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ أَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ [عَنْ أَبِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] [1] : أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ اسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نورا واجعل من خلفي نورا ومن أمامي نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» . وَرَوَاهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَزَادَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا» [2] قَوْلُهُ تَعَالَى: لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ذَوِي الْعُقُولِ ثُمَّ وصفهم، فقال: [سورة آل عمران (3) : الآيات 191 الى 192] الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا مَا خَلَقْتَ هَذَا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عباس وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: هَذَا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. «510» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا هَنَّادٌ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ [3] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْمَرِيضِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تستطع فعلى جنب» .

_ (1) سقط من المخطوط. (2) هو إحدى روايات الحديث المتقدم. (3) في الأصل «زيدة» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التخريج. 510- إسناده صحيح على شرط الصحيح، هنّاد هو ابن السّري، وكيع هو ابن الجراح، حسين المعلم هو ابن ذكوان، تفرد مسلم عن هناد، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (978) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق الترمذي، وهو في «سننه» (372) عن هناد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1117 وأبو داود 952 وابن ماجه 1223 وابن خزيمة 1250 من طرق عن إبراهيم بن طهمان بهذا الإسناد. - وورد من وجه آخر، أخرجه البخاري 1115 و1116 وأبو داود 951 الترمذي 371 والنسائي 3/ 223- 224 وابن ماجه 1231 وأحمد 4/ 433 و435 و442 و443 وابن أبي شيبة 2/ 52 وابن خزيمة 1249 وابن حبان 2513 والطبراني في «الكبير» (18/ 589) و (590) كلهم من طريق حسين المعلم بنحوه.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 193 الى 195]

وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ أَرَادَ بِهِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الذِّكْرِ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ، نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [النِّسَاءِ: 103] ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا أَبْدَعَ فِيهِمَا لِيَدُلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَيَعْرِفُوا أَنَّ لَهَا صَانِعًا قَادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ [1] : الْفِكْرَةُ تُذْهِبُ الْغَفْلَةَ وَتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ الْخَشْيَةَ كَمَا يحدث الماء للزرع النماء وَمَا جُلِيَتِ الْقُلُوبُ بِمِثْلِ الْأَحْزَانِ، وَلَا اسْتَنَارَتْ بِمِثْلِ الْفِكْرَةِ، رَبَّنا أَيْ: وَيَقُولُونَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا رَدَّهُ إِلَى الْخَلْقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ، باطِلًا، أَيْ: عَبَثًا وَهَزْلَا بَلْ خَلَقْتَهُ لِأَمْرٍ عظيم، وانتصب باطِلًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: بِالْبَاطِلِ، سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ. رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، أَيْ: أَهَنْتَهُ، وَقِيلَ: أَهْلَكْتَهُ، وَقِيلَ: فَضَحْتَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي [هُودٍ: 78] فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [التَّحْرِيمِ: 8] ، وَمِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَقَدْ قَالَ: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، فكيف الجمع؟ قِيلَ: قَالَ أَنَسٌ وَقَتَادَةُ مَعْنَاهُ: إِنَّكَ مَنْ تُخَلِّدْ [2] فِي النَّارِ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: هَذِهِ خَاصَّةٌ لِمَنْ لَا يخرج منها. ع «511» فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ [تَعَالَى] [3] يُدْخِلُ قَوْمًا النَّارَ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا» . وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 193 الى 195] رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)

_ 511- ع لم أره بهذا السياق، وأخرجه البخاري 6559 و7450 وعبد الرزاق 20859 وأحمد 3/ 133 و134 و147 و208 وأبو يعلى 2886 من طريق قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يخرج قوم من النار بعد ما مسّهم منها سفع، فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين» . - وأخرجه أحمد 1/ 454 وأبو يعلى 4979 وأبو نعيم في «صفة الجنة» (448) والبيهقي في «البعث والنشور» (435) عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَمْرِو بن ميمون، عن ابن مسعود أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم قال: «يكون قوم في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يرحمهم الله فيخرجهم الله عز وجل منها، فيكونوا في أدنى أهل الجنة في نهر يقال له: الحيوان، لو استضافهم أهل الدنيا لأطعموهم وسقوهم ولحفوهم» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 383) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالها رجال الصحيح، غير عطاء بن السائب، وهو ثقة، ولكنه اختلط اهـ. - وفي الباب من حديث جابر أخرجه مسلم 191 والطيالسي 1804 والحميدي 1245 وأحمد 3/ 381 وابن أبي عاصم 839 و840 وأبو يعلى 1831 و1973. (1) في الأصل «عوان» وهو تصحيف. (2) في المطبوع «تخلده» . (3) زيادة عن المخطوط. [.....]

رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ [1] ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ، فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ [2] يَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُنادِي لِلْإِيمانِ [أَيْ] [3] : إِلَى الْإِيمَانِ، أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ، أَيْ: فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ. رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، وَلا تُخْزِنا، وَلَا تُعَذِّبْنَا ولا تفضحنا ولا تهلكنا، وَلَا تُهِنَّا، يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعادَ، فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ: رَبَّنا وَآتِنا مَا وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ؟ قِيلَ: لَفْظُهُ دُعَاءٌ وَمَعْنَاهُ الخبر [4] ، أَيْ: لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، تَقْدِيرُهُ: فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ، لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَكَ وَتُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا اسْتِحْقَاقَهُمْ لِتِلْكَ الْكَرَامَةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُسْتَحِقِّينَ لَهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَأَلُوهُ تَعْجِيلَ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تُخْلِفُ وعدك من النصر، وَلَكِنْ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى حِلْمِكَ فَعَجِّلْ خِزْيَهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي أَيْ: بِأَنِّي، لَا أُضِيعُ، لا أحبط، مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى. ع «512» قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ [5] الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي الدِّينِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ [وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ] [6] فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التَّوْبَةِ: 71] ، فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي، أَيْ: فِي طَاعَتِي وَدِينِي، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَكَّةَ، وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كثير «قتلوا» بالتشديد، قال الْحَسَنُ: يَعْنِي أَنَّهُمْ قُطِّعُوا فِي المعركة، والآخرون

_ (1) في المطبوع «الناس» . (2) في المطبوع «واحد» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «خبر» . (5) زيد في الأصل بين «يذكر» و «الرجال» : «كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَهُوَ خطأ واضح من النساخ والتصويب عن «ط» . (6) زيد في المطبوع وط. 512- ع حسن. أخرجه الطبري 8367 من طريق مجاهد عن أم سلمة ورجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، فهو صحيح إن كان مجاهد سمعه من أم سلمة، وفيه نظر إذ قال فيه: قالت أم سلمة، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (498) والترمذي 3023 عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ رجل من ولد أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وأخرجه الحاكم 2/ 300 والواحدي 285 عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ سلمة بن عمر بن أبي سلمة رجل من ولد أم سلمة قال: قالت أم سلمة، صححه الحاكم على شرط البخاري! وسكت الذهبي! مع أن في الإسناد سلمة بن أبي سلمة، وهو مقبول كما في «التقريب» أي حديثه حسن في الشواهد، وقد توبع في ما تقدم. فهو حسن إن شاء الله تعالى.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 198]

بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ: وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ ثُمَّ [أَنَّهُمْ] [1] قُتِلُوا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسائي قاتَلُوا وَقُتِلُوا وَلَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ وَقَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَقُتِلُوا أَيْ: قُتِلَ بَعْضُهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ وَقُتِلُوا وَقَدْ قَاتَلُوا، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَصْدَرٌ، أَيْ: لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا، وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ. [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 198] لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) ، نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي رَخَاءٍ وَلِينٍ مِنَ الْعَيْشِ [يَتَّجِرُونَ] [2] وَيَتَنَعَّمُونَ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ فِي الْجَهْدِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) ، ضربهم فِي الْأَرْضِ وَتَصَرُّفُهُمْ [3] فِي الْبِلَادِ للتجارات وأنواع المكاسب، الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ. مَتاعٌ قَلِيلٌ، أَيْ: هُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، بلغة فَانِيَةٌ وَمُتْعَةٌ زَائِلَةٌ، ثُمَّ مَأْواهُمْ، مَصِيرُهُمْ، جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ، الْفِرَاشُ. لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا، جَزَاءً وَثَوَابًا، مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نُزُلًا، وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ، مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا. «513» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ [4] أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جِئْتُ فإذا رسول الله فِي مَشْرُبَةٍ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا [5] مَصْبُورًا [6] وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ [7] مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ،

_ 513- إسناده صحيح على شرط البخاري، عبد العزيز روى له البخاري ومن فوقه على شرطهما، يحيى بن سعيد هو الأنصاري. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4913) عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1479 ح 31 من طريق سليمان بن بلال به مطوّلا. وأخرجه البخاري 89 و2468 و5191 ومسلم 1479 ح 34 والترمذي 3315 والنسائي 4/ 137 وأحمد 1/ 33 وأبو يعلى 164 من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثور، عن ابن عباس. (1) زيد في المطبوع وط. (2) في المخطوط وحده «يتبخترون» . (3) في المخطوط «نصرتهم» . (4) في الأصل «جبير» والتصويب من «كتب التراجم» و «كتب التخريج» . (5) تصحف في المخطوط «قرطا» . (6) القرظ: ورق السلم يدبغ به- مصبورا: مجموعا. [.....] (7) الإهاب: الجلد قبل الدباغ- وقيل: الجلد مطلقا.

[سورة آل عمران (3) : الآيات 199 الى 200]

فَبَكَيْتُ فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكَ» ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخرة» ؟. [سورة آل عمران (3) : الآيات 199 الى 200] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الآية. ع «514» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمُ، النَّجَاشِيِّ» [فَخَرَجَ إِلَى الْبَقِيعِ وَكُشِفَ لَهُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَبْصَرَ سَرِيرَ النَّجَاشِيِّ] [1] وَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، وَلَيْسَ عَلَى دِينِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةُ مِنَ الرُّومِ، كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ، وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، خاشِعِينَ لِلَّهِ خَاضِعِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ، لَا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا، يَعْنِي: لَا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ وَلَا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ، كَفِعْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا، قَالَ الْحَسَنُ: اصْبِرُوا على دينكم فلا تدعوه لشدّة ولارخاء، وَقَالَ قَتَادَةُ [2] : اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَقَالَ

_ 514- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (287) بدون إسناد عن جابر وابن عباس وأنس وقتادة، وعزاه الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 459) رقم: 246 للثعلبي عن ابن عباس وقتادة. - وورد بنحوه من حديث أنس أخرجه النسائي في «التفسير» (108 و109) والبزار «كشف الأستار» (382) والطبراني في «الأوسط» (2688) والواحدي 288 ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في «المجمع» (3/ 38) لكن ليس فيه «ونظر إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَأَبْصَرَ سَرِيرَ النجاشي» فهذه زيادة غريبة جاءت بدون إسناد. وصلاة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم على النجاشي ثابتة في الصحيحين. فقد أخرج البخاري 1245 و1333 ومسلم 951 وأبو داود 3204 ومالك 1/ 226 وابن حبان 3068 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعى النجاشي فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خرج إلى المصلى، فصفّ بهم وكبّر أربعا» هذا لفظ البخاري الأولى. - وورد من حديث جابر أخرجه البخاري 1317 و1320 و3887 ومسلم 952 وعبد الرزاق 6406 وابن حبان 3097 و3099 وله شواهد تبلغ به حدّ الشهرة، لكن ليس في شيء منها- ذكر نزول الآية، ولا أنه عليه الصلاة والسلام رأى أرض الحبشة، وإن كان ذلك غير مستبعد، وليس فيه كلام المنافقين في ذلك والله أعلم. (1) سقط من المخطوط. (2) تصحف في المخطوط «عطاء» .

مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَلَى الْبَلَاءِ، وَصَابِرُوا يَعْنِي: على قتال الْكُفَّارَ، وَرَابِطُوا يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ دَاوِمُوا [1] وَاثْبُتُوا، وَالرَّبْطُ الشَّدُّ، وَأَصْلُ الرِّبَاطِ أَنْ يَرْبِطَ [هَؤُلَاءِ] [2] خُيُولَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ، ثم قيل: ذلك لكم مُقِيمٍ فِي ثَغْرٍ يَدْفَعُ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكَبٌ. «515» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ منير [3] أنه سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما عليها، ولروحة يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [أو لغدوة] [4] خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا» . «516» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ [أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ] [5] أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ] [6] بْنِ الْحَارِثِ، أنا أبو عبيدة بن عقبة أنا شر حبيل بن السمط أنا سَلْمَانَ الْخَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَابَطَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ صِيَامِ شَهْرٍ مُقِيمٍ، وَمَنْ مَاتَ

_ 515- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو النضر هو هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي، أبو حازم هو سلمة بن دينار. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2892) عن عبد الله بن منير بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 1664 من طريق أبي النضر به. - وأخرجه البخاري 2794 و3250 و6415 ومسلم 1881 والترمذي 1648 والنسائي 6/ 115 وابن ماجه 2756 والدارمي 2/ 202 والحميدي 930 وأحمد 3/ 433 و5/ 330 و337 و338 والبيهقي 9/ 158 من طرق عن أبي حازم به مختصرا. - وأخرجه البغوي في «شرح السنة» (2609) وأحمد 3/ 433 من طريق محمد بن مطرف، عن أبي حازم به. 516- إسناده صحيح على شرط مسلم، ابن وهب هو عبد الله، أبو عبيدة بن عقبة، قال سعيد بن يونس: اسمه مرّة، له عند مسلم هذا الحديث فقط، لكن توبع في رواية أخرى لمسلم كما سيأتي. - وهو في «شرح السنة» (2611) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1913 والطحاوي في «المشكل» (3/ 101- 102) والحاكم 2/ 80 من طريق ابن وهب بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1913 والنسائي 6/ 39 والطحاوي في «المشكل» (3/ 102) وابن حبان 4623 والحاكم 2/ 80 والبيهقي 9/ 38 من طرق عن الليث بن سعد، عَنْ أَيْوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مكحول، عن شرحبيل بن السمط به. مختصرا. - وأخرجه الترمذي 1665 وأحمد 5/ 440 والطبراني في «الكبير» (6077 و6177 و6178 و6180) من طرق، عن شرحبيل بن السمط به. (1) في المطبوع وحده «دافعوا» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في الأصل «بشير» والتصويب عن «ط» وعن «صحيح البخاري» . (4) زيادة عن المخطوط و «صحيح البخاري» . (5) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن «شرح السنة» . (6) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن «صحيح مسلم» ومن «شرح السنة» .

تفسير سورة النساء

مُرَابِطًا جَرَى لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الأجر، وأجري عليه الرِّزْقِ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ» ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لم يكن فِي زَمَنِ [1] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، ولكنه انتظار الصلاة بعد [2] الصَّلَاةِ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا: «517» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أنا أبو مصعب أنا مالك أَخْبَرَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ [بِهِ] [3] الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ وَاتَّقُوا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ. تفسير سورة النساء [سورة النساء (4) : آيَةً 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها، يَعْنِي: حَوَّاءَ، وَبَثَّ مِنْهُما، نَشَرَ وَأَظْهَرَ، رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ، أي: تتساءلون به، قرأ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَعاوَنُوا [المائدة: 2] ، وَالْأَرْحامَ، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالنَّصْبِ، أَيْ: وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْخَفْضِ، أَيْ: بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ كَمَا يُقَالُ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَفْصَحُ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تُنَسِّقُ بِظَاهِرٍ عَلَى مكنّى إلا بعد أَنْ تُعِيدَ الْخَافِضَ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ وَبِزَيْدٍ، إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ

_ 517- إسناده صحيح على شرط مسلم، عبد الرحمن والد العلاء هو ابن يعقوب مولى الحرقة. - وهو في «شرح السنة» (149) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق مالك 1/ 161 عن العلاء بهذا الإسناد. ومن طريق ما لك أخرجه مسلم 251 والنسائي 1/ 89 وابن خزيمة 5 وابن حبان 1038 والبيهقي 1/ 82. - وأخرجه مسلم 251 والترمذي 51 و52 وأحمد 2/ 235 و301 و438 من طرق عن العلاء به. - وورد من حديث جابر عند ابن حبان 1039 والبزار 449 وفي إسناده شرحبيل بن سعيد، وهو صدوق قد اختلط بأخرة كما في «التقريب» . - ومن حديث أبي سعيد الخدري دون قوله «فذلكم الرباط» عند ابن خزيمة 177 و357 وابن حبان 402 والحاكم 1/ 191 و192 وابن أبي شيبة 1/ 7 وأحمد 3/ 3 وابن ماجه 427 والدارمي 1/ 178. (1) في المطبوع وط «زمان» . [.....] (2) في المخطوط وحده «خلف» . (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 4]

عَلَيْكُمْ رَقِيباً، أي: حافظا. [سورة النساء (4) : الآيات 2 الى 4] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ. ع «518» قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطَفَانَ كَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أَخٍ [لَهُ] يَتِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيمُ طَلَبَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ فَتَرَافَعَا إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا [1] الْعَمُّ قَالَ: أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحُوبِ الْكَبِيرِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيُطِعْ رَبَّهُ هَكَذَا فَإِنَّهُ يَحُلُّ دَارَهُ» . يَعْنِي: جَنَّتَهُ، فَلَمَّا قَبَضَ الْفَتَى ماله أنفقه فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَبَتَ الْأَجْرُ وَبَقِيَ الْوِزْرُ» [فَقَالُوا: كَيْفَ بَقِيَ الْوِزْرُ؟ فَقَالَ: «ثَبَتَ الْأَجْرُ لِلْغُلَامِ وَبَقِيَ الْوِزْرُ] [2] عَلَى وَالِدِهِ» . وَقَوْلُهُ: وَآتُوا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ، وَالْيَتَامَى: جَمْعُ يَتِيمٍ، وَالْيَتِيمُ: اسْمٌ لِصَغِيرٍ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَسَمَّاهُمْ يَتَامَى هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَامَى، وَلا تَتَبَدَّلُوا، [أَيْ] [3] : لَا تَسْتَبْدِلُوا، الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، أَيْ: مَالُهُمُ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ بِالْحَلَالِ مِنْ أموالكم، واختلفوا في هذا التبديل، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ أَوْلِيَاءُ الْيَتَامَى يَأْخُذُونَ الْجَيِّدَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ويجعلونه مكانه الرديء، فربّما كان أحدهم [4] يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَجْعَلُ مَكَانَهَا الْمَهْزُولَةَ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ الزَّيْفَ، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَيَأْخُذُ الْأَكْبَرُ الْمِيرَاثَ، فَنَصِيبُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ طيّب، وهذا الذي يأخذه من نصيب غيره خَبِيثٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَتَعَجَّلِ الرِّزْقَ الْحَرَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الْحَلَالُ. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ، أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 52] أَيْ: مَعَ اللَّهِ، إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً، [أَيْ] : إِثْمًا عَظِيمًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ، اختلفوا في تأويلها [5] ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِنْ خِفْتُمْ يَا أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ إِذَا نَكَحْتُمُوهُنَّ فَانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ مِنَ الْغَرَائِبِ مَثْنَى وَثُلَاثَ ورباع.

_ 518- ع ضعيف جدا، عزاه المصنف لمقاتل والكلبي، وإسناده إليهما مذكور أول الكتاب. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (291) بدون إسناد عن مقاتل والكلبي، وعزاه ابن حجر في «تخريج الكشاف» (1999) للثعلبي، وقال: وسنده إليهما مذكور أول الكتاب- أي كتاب الثعلبي- وسكت الحافظ عليه، وهو معضل، والكلبي متروك متهم، وكذا مقاتل. (1) في المطبوع وحده «سمع» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «أحد» . (5) في المطبوع «تأويلهم» .

«519» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا [عَنِ قوله] [1] : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ [النساء: 127] . فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ أَوْ مَالٍ، رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا [2] بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالْتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الْأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرجل من أهل الجاهلية [3] يَكُونُ عِنْدَهُ الْأَيْتَامُ وَفِيهِنَّ مَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا لِأَجْلِ مَالِهَا وَهِيَ لَا تُعْجِبُهُ كَرَاهِيَةَ أن يدخل غَرِيبٌ فَيُشَارِكُهُ فِي مَالِهَا، ثُمَّ يسيء صحبتها ويتربص أَنْ تَمُوتَ وَيَرِثَهَا، فَعَابَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَزَوَّجُ الْعَشْرَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَكْثَرَ فَإِذَا صَارَ مُعْدَمًا مِنْ مُؤَنِ نِسَائِهِ مَالَ إِلَى مَالِ [يَتِيمِهِ الَّذِي] [4] فِي حِجْرِهِ فَأَنْفَقَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَزِيدُوا عَلَى أَرْبَعٍ حَتَّى لَا يُحْوِجَكُمْ إِلَى أَخْذِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَهَذِهِ رواية طاوس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيَتَرَخَّصُونَ فِي النساء، فيتزوجون ما شاؤوا وَرُبَّمَا عَدَلُوا وَرُبَّمَا لَمْ يَعْدِلُوا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى، يَقُولُ كَمَا خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ خَافُوا فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ فَلَا تَتَزَوَّجُوا أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُكُمُ الْقِيَامَ بِحَقِّهِنَّ [5] ، لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الضَّعْفِ كَالْيَتَامَى، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي نِكَاحِ أَرْبَعٍ فَقَالَ: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ تَحَرَّجْتُمْ مِنْ وِلَايَةِ الْيَتَامَى وَأَمْوَالِهِمْ إِيمَانًا فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا فَانْكِحُوا النِّسَاءَ الْحَلَالَ نِكَاحًا طَيِّبًا ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عَدَدًا، وَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ ما شاؤوا من غير عدد، فنزل قَوْلُهُ تَعَالَى: فَانْكِحُوا مَا طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ أَيْ: مَنْ طَابَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) [الشمس: 5] ،

_ 519- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن دينار. - أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2763) عن أبي اليمان بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2494 و4573 و4574 و4600 و5064 و5092 و5098 و5128 و5131 و5140 و6965 ومسلم 3018 والنسائي في «التفسير» (110) والطبري 8459 والواحدي في «أسباب النزول» (292) من طرق عن هشام بن عروة به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) تصحف في المخطوط «بنسبها» . (3) في المخطوط «المدينة» . (4) في المطبوع «يتيمته التي» والمثبت عن المخطوط والطبري. (5) في المطبوع وحده «بحقوقهن» . [.....]

وقوله تَعَالَى: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) [الشُّعَرَاءِ: 23] وَالْعَرَبُ تَضَعُ «مَنْ» وَ «مَا» كَلَّ وَاحِدَةٍ مَوْضِعَ الْأُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ [النُّورِ: 45] ، وَطَابَ أَيْ: حَلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، مَعْدُولاتٍ عَنِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ، وَلِذَلِكَ لَا يصرفن، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، لِلتَّخْيِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى [سبأ: 46] وقوله تعالى: أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [فاطر: 1] وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأُمَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُشَارَكَةَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ فِيهَا. ع «520» وَرُوِيَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثَ كَانَ تَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلِّقْ أَرْبَعًا وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا» فجعل يقول للمرأة التي لم تلد [منه] [1] يا فلانة أدبري وللتي قَدْ وَلَدَتْ يَا فُلَانَةُ أَقْبِلِي. ع «521» وَرُوِيَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» . وَإِذَا جَمَعَ الْحُرُّ بَيْنَ أربع نسوة حرائر فإنه يَجُوزُ، فَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتَيْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا: «522» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ [2] الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ [بْنِ] [3] أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْكِحُ العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين [4] وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ بِحَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَبِشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرٍ وَنِصْفٍ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ كَالْحُرِّ.

_ 520- ع أخرجه أبو داود 2241 و2242 وابن ماجه 1952 والبيهقي 7/ 183 من حديث الحارث بن قيس. وفيه مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي ليلى، وهو صدوق لكنه سيئ الحفظ إلا أن للحديث شواهد يحسن بها إن شاء الله. وحسنه ابن كثير في «التفسير» (1/ 461) . وانظر تفسير الشوكاني 596 بتخريجي. 521- ع جيد. أخرجه الترمذي 1128 وابن ماجه 1953 والدارقطني 3/ 269 والشافعي 2/ 16 وابن أبي شيبة 4/ 317 وأحمد 2/ 14 و44 و83 والحاكم 2/ 192- 193 والبيهقي 7/ 149 و181 والبغوي 2281 من طرق عن مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة.... وهذا إسناد على شرطهما، لكن أعله البخاري كما نقل الترمذي، ومع ذلك هو حديث قوي بشواهده. وجاء في «تلخيص الحبير» (3/ 168) ما ملخصه: صوّب البخاري ومسلم فيه الإرسال، وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة. قال ابن حجر: لكن رواه النسائي والدارقطني من طريق غير طريق الزهري، ورجاله ثقات، وقد استدل القطان بهذه الطريق على صحة الحديث اهـ. وله شاهد قد تقدم- وأما المرسل فقد أخرجه مالك 2/ 582 وعبد الرزاق 12621، وانظر «تفسير الشوكاني» (595) . 522- موقوف صحيح. إسناده صحيح، الشافعي فمن دونه ثقات، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم خلا محمد بن عبد الرحمن، فإنه من رجال مسلم، سفيان هو ابن عيينة، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مسعود الهذلي. ابن أخي عبد الله بن مسعود. وهو صحابي صغير، وهذا الوارد عن عمر، عليه جمهور الفقهاء. (1) زيادة عن المخطوط. (2) تصحف في المطبوع «أحمد» . (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع «طلقتين» .

فَإِنْ خِفْتُمْ، خَشِيتُمْ، وَقِيلَ: عَلِمْتُمْ، أَلَّا تَعْدِلُوا، بَيْنَ الْأَزْوَاجِ الْأَرْبَعِ، فَواحِدَةً أَيْ: فَانْكِحُوا وَاحِدَةً. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ فَواحِدَةً بِالرَّفْعِ، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، يَعْنِي: السَّرَارِيَّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَلْزَمُ فِي الْحَرَائِرِ، وَلَا قَسْمَ لَهُنَّ وَلَا وَقْفَ فِي عَدَدِهِنَّ، وَذِكْرُ الْأَيْمَانِ بَيَانٌ تَقْدِيرُهُ: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، أَيْ: مَا يَنْفُذُ فِيهِ إِقْسَامُكُمْ، جَعَلَهُ مِنْ يَمِينِ الْحَلِفِ، لَا يَمِينَ الْجَارِحَةِ، ذلِكَ أَدْنى، أقرب، أَلَّا تَعْدِلُوا أَيْ: لَا تَجُورَوا وَلَا تَمِيلُوا، يُقَالُ: مِيزَانٌ عَائِلٌ، أَيْ: جَائِرٌ مَائِلٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْ لَا تُجَاوِزُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَأَصْلُ الْعَوْلِ: الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ عَوْلُ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْ لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَمَا قَالَهُ أَحَدٌ، إِنَّمَا يُقَالُ: [مِنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ] [1] أَعَالَ يُعِيلُ إِعَالَةً إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أعلم بلسان العرب منّا [فله بلغة، وَيُقَالُ: هِيَ] [2] لُغَةُ حِمْيَرَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ أَنْ لَا تُعِيلُوا وَهِيَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ [3] : هَذَا الْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ كَانَ إِذَا زَوَّجَهَا فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُمْ فِي الْعَشِيرَةِ لَمْ يُعْطِهَا مِنْ مَهْرِهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا غَرِيبًا حَمَلُوهَا إِلَيْهِ عَلَى بَعِيرٍ وَلَمْ يُعْطُوهَا مِنْ مَهْرِهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فنهاهم عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الحق إلى أهله [و] قال الحضرمي: وكان أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ يُعْطِي هَذَا أُخْتَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ أُخْتَهُ، وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ. «523» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ [4] نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يزوجه الْآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. وقال آخرون [5] : الْخِطَابُ لِلْأَزْوَاجِ أُمِرُوا بِإِيتَاءِ نِسَائِهِمُ الصَّدَاقَ، وَهَذَا أَصَحُّ، لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيمَا قَبْلُ [6] مَعَ النَّاكِحِينَ، وَالصَّدُقَاتُ: الْمُهُورُ، وَاحِدُهَا صَدُقَةٌ، نِحْلَةً قَالَ قتادة: فريضة، وقال ابن

_ 523- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، نافع هو مولى ابن عمر. - وهو في «شرح السنة» (2284) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 535) ومن طريق مالك أخرجه البخاري 5112 ومسلم 1415 ح 57 والترمذي 1124 وأبو داود 2074 والنسائي 6/ 112 وابن حبان 4152 والدارمي 2/ 136 والبيهقي 7/ 199. - أخرجه البخاري 6960 ومسلم 1415 ح 58 وأبو داود 2074 والنسائي 6/ 110 والبيهقي 7/ 199- 200 من طرق عن عبيد الله، عن نافع به. - أخرجه مسلم 1415 ح 59 و60 من طريق نافع به. - وورد من حديث أبي هريرة عند مسلم 1416 والنسائي 6/ 112 ومن حديث جابر عند مسلم 1417. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) ما بين المعقوفتين في المخطوط «لعله» وفي- ط «ولعله لغة، ويقال هي» . (3) في المخطوط وحده «وجماعة» . (4) في الأصل «بن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وعن «كتب التخريج» . (5) في المطبوع وط «الآخرون» . (6) تصحف في المخطوط «قيل» . [.....]

[سورة النساء (4) : آية 5]

جُرَيْجٍ: فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ، قَالَ أَبُو عبيد: وَلَا تَكُونُ النِّحْلَةُ إِلَّا مُسَمَّاةً مَعْلُومَةً، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَطِيَّةً وَهِبَةً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تَدَيُّنًا. «524» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً يَعْنِي: فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُنَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَوَهَبْنَ مِنْكُمْ، فَنَقَلَ الْفِعْلَ مِنَ النُّفُوسِ إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرة، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ النَّفْسَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً [العنكبوت: 33] وقرئ: (عينا) وَقِيلَ: لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جَمْعٌ، فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً، سَائِغًا طَيِّبًا، يقال: [هنأ في] [1] الطعام يهنئ بِفَتْحِ النُّونِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا في الحاضر [2] ، وقيل: الهنيء: الطَّيِّبُ الْمُسَاغُ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ، وَالْمَرِيءُ: الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ التَّامُّ الْهَضْمِ الَّذِي لَا يَضُرُّ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «هَنِيًّا مَرِيًّا» بِتَشْدِيدِ الياء فيهما من غير همزة، وَكَذَلِكَ «بَرِيٌّ» «وَبَرِيُّونَ» «وَبَرِيًّا» «وَكَهَيَّةِ» والآخرون يهمزونها. [سورة النساء (4) : آية 5] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً، اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ النِّسَاءُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النِّسَاءُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يُؤْتُوا النِّسَاءَ أَمْوَالَهُمْ وَهُنَّ سفهاء سواء كُنَّ أَزْوَاجًا أَوْ بَنَاتٍ أَوْ أُمَّهَاتٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْأَوْلَادُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: يَقُولُ لَا تُعْطِ وَلَدَكَ السَّفِيهَ مَالَكَ الَّذِي هُوَ قِيَامُكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُفْسِدُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ امْرَأَتُكَ السَّفِيهَةُ وَابْنُكَ السَّفِيهُ [3] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَعْمَدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي خَوَّلَكَ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين ينفقون [4] عَلَيْكَ، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالَكَ وَأَصْلِحْهُ وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فِي رِزْقِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ امْرَأَتَهُ سَفِيهَةٌ مُفْسِدَةٌ وَأَنَّ وَلَدَهُ سفيه مفسد فلا ينبغي له أَنْ يُسَلِّطَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى مَالِهِ فَيُفْسِدَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَكَ، يَقُولُ لَا تُؤْتِهِ إيّاه وأنفقه عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ: أَمْوالَكُمُ لِأَنَّهُمْ قِوَامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا، وَالسَّفِيهُ الَّذِي لَا

_ 524- إسناده صحيح على شرط البخاري، تفرد البخاري عن عبد الله بن يوسف، وهو التّنّيسي الكلاعي، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، أبو الخير هو مرثد بن عبد الله. - وهو في «صحيح البخاري» (2721) عن عبد الله بن يوسف بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5151 وأبو داود 2139 والنسائي 6/ 92- 93 وعبد الرزاق 10613 وأحمد 4/ 150 وابن حبان 4092 والطبراني في «الكبير» (17/ (752)) من طرق عن الليث به. - وأخرجه مسلم 1418 والترمذي 1127 والنسائي 6/ 93 وابن ماجه 1954 وعبد الرزاق 10613 وأحمد 4/ 144 و152 والدارمي 2/ 143 وأبو يعلى 1754 والطبراني 17/ 753 و756 و758 والبيهقي 7/ 248 والبغوي 2270 من طرق عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ به. (1) في المطبوع والمخطوط «هنأني» والمثبت عن- ط. (2) في المطبوع «الغابر» وفي- ط «الباقي» . (3) في المطبوع وحده «وابنتك السفيهة» . (4) في المطبوع وط «يقومون» .

[سورة النساء (4) : آية 6]

يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَالَهُ هو المستحق الحجر عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَذِّرًا فِي مَالِهِ أَوْ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ، أَيْ: الْجُهَّالَ بِمَوْضِعِ [1] الْحَقِّ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عامر «قيّما» بِلَا أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قِياماً وَأَصْلُهُ: قِوَامًا، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ مَلَاكُ الْأَمْرِ وَمَا يَقُومُ بِهِ الْأَمْرُ. وَأَرَادَ هَاهُنَا قِوَامَ عَيْشِكُمُ الَّذِي تَعِيشُونَ بِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: بِهِ يُقَامُ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ وَبِهِ فَكَاكُ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ. وَارْزُقُوهُمْ فِيها أَيْ: أَطْعِمُوهُمْ، وَاكْسُوهُمْ، لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُ وَمُؤْنَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِيها وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَرَادَ [اجْعَلُوا] [2] لَهُمْ فيها رزقا فالرزق مِنَ اللَّهِ الْعَطِيَّةُ مِنْ غَيْرِ حدّ، ومن العباد أجر مؤقت مَحْدُودٌ. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً عدة جميلة، وقال عطاء: [يقول] [3] إِذَا رَبِحْتُ أَعْطَيْتُكَ وَإِنْ غَنِمْتُ فلك فيه حظ، وَقِيلَ: هُوَ الدُّعَاءُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يجب عليك نفقته، فقل له: عافانا الله وإيّاك بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَقِيلَ: قَوْلًا [لينا] [4] تطيب به نفوسهم [5] . [سورة النساء (4) : آية 6] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَابْتَلُوا الْيَتامى، الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ رِفَاعَةَ وَفِي عَمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رِفَاعَةَ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَهُ ثَابِتًا وَهُوَ صَغِيرٌ، فَجَاءَ عَمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي يَتِيمٌ فِي حِجْرِي، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ مَالِهِ وَمَتَى أَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية [6] وَابْتَلُوا الْيَتامى أي: اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَحِفْظِهِمْ أَمْوَالَهُمْ، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ، أَيْ: مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِنْ آنَسْتُمْ، أبصرتم، مِنْهُمْ رُشْداً، قال الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي: عَقْلًا وَصَلَاحًا فِي الدِّينِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ وَعِلْمًا بِمَا يصلحه. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا حَتَّى يُؤْنِسَ مِنْهُ رُشْدَهُ، وَالِابْتِلَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَدْفَعُ الْوَلِيُّ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ وَيَنْظُرُ فِي تَصَرُّفِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لا يتصرف في السوق فيختبره فِي نَفَقَةِ دَارِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى عَبِيدِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَتُخْتَبَرُ الْمَرْأَةُ فِي أَمْرِ بَيْتِهَا وَحِفْظِ مَتَاعِهَا وَغَزْلِهَا وَاسْتِغْزَالِهَا، فَإِذَا رَأَى حُسْنَ تَدْبِيرِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي الْأُمُورِ مِرَارًا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ رُشْدُهُ، دَفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ زَوَالَ الْحَجْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَجَوَازَ دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: بالبلوغ والرّشد، والبلوغ يَكُونُ بِأَحَدِ أَشْيَاءَ أَرْبَعَةٍ: اثْنَانِ يَشْتَرِكُ فِيهِمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَاثْنَانِ مختصان [7] بِالنِّسَاءِ [فَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ والنساء أمران] [8] أَحَدُهُمَا السِّنُّ، وَالثَّانِي الِاحْتِلَامُ، أَمَّا السِّنُّ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حُكِمَ بِبُلُوغِهِ غُلَامًا كان أو جارية، لما:

_ (1) في المخطوط «الموضع» . (2) العبارة في المطبوع «أنهم جعلوا» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «أنفسهم» . (6) أخرجه الطبري 8640 عن قتادة مرسلا وذكره الواحدي في «أسبابه» (294) بدون إسناد. (7) كذا في المطبوع، وفي المخطوط «تختص» وفي- ط «تختصان» . (8) زيادة عن المخطوط وط.

«525» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ [1] الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [2] بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي، قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: هذا فرق ما بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَكَتَبَ أَنْ يُفْرَضَ لِابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [فِي] [3] الْمُقَاتَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فِي الذُّرِّيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بُلُوغُ الْجَارِيَةِ باستكمال سبع عشرة [سنة] [4] ، وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِاسْتِكْمَالِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَنَعْنِي [5] بِهِ نُزُولَ الْمَنِيِّ سَوَاءً كَانَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْجِمَاعِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا وجد ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ حُكْمٌ بِبُلُوغِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا [النور: 59] . ع «526» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ فِي الْجِزْيَةِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» وَأَمَّا الْإِنْبَاتُ، وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرَجِ، فَهُوَ بُلُوغٌ فِي أَوْلَادِ المشركين، لما: ع «527» رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أُنْبِتَ الشَّعْرَ قُتِلَ،

_ (1) في «شرح السنة» «محمد» وهو خطأ. [.....] (2) في الأصل «عبد الله» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المخطوط «فيعين» . 525- إسناده صحيح، الشافعي فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2394) عن عبد الوهّاب بن محمد، عن عبد العزيز بن محمد الخلال بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 128) عن ابن عيينة بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2664 و4097 ومسلم 1868 وأبو داود 4406 و4407 والترمذي 1711 والنسائي 6/ 155- 156 وابن ماجه 2543 وأحمد 2/ 17 وابن سعد في «الطبقات» (4/ 143) وابن حبان 4728 والبيهقي 3/ 83 و6/ 54- 55 وفي «الدلائل» (3/ 395) من طرق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ به. 526- ع حسن. هو قطعة من حديث، أخرجه أبو داود 1578 والترمذي 623 والنسائي 5/ 25 و26 وابن ماجه 1803 وعبد الرزاق 6841 والطيالسي 567 وأحمد 5/ 230 والدارمي 1/ 382 وابن حبان 4886 والحاكم 1/ 398 والبيهقي 4/ 98 و9/ 193 من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ معافر» . وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد رواه بعضهم عن مسروق مرسلا، وهو أصح اهـ. قلت: مسروق بن الأجدع تابعي مخضرم رواه عنه الجماعة، وهو ثقة، ولقاؤه لمعاذ محتمل والمعاصرة واقعة لا محالة، والحديث حسن، وانظر «صحيح أبي داود» 1459. والله أعلم. 527- ع حسن. أخرجه أبو داود 4404 والترمذي 1584 والنسائي 6/ 155 وابن ماجه 2541 و2542 وعبد الرزاق 18743 وابن أبي شيبة 12/ 539- 540 والحميدي 888 وابن سعد 2/ 76- 77 والطبراني في «الكبير» (17/ (428) و (432) والحاكم 4/ 390 وابن حبان 4782 والبيهقي 6/ 58 و9/ 63 من طرق عن سفيان سمع عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي به. واللفظ لأبي داود وغيره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهو كما قال، رجاله رجال البخاري ومسلم، وفي عبد الملك كلام لا يضر، وعطية القرظي روى عنه أصحاب السنن، وهو صحابي صغير.

وَمَنْ لَمْ يُنْبَتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبَتْ. وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ [1] بُلُوغًا فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بُلُوغًا كَمَا فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ بُلُوغًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى مَوَالِيدِ الْمُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى آبَائِهِمْ، وَفِي الْكُفَّارِ لَا يُوقَفُ عَلَى مَوَالِيدِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ آبَائِهِمْ فِيهِ لِكُفْرِهِمْ، فَجُعِلَ الْإِنْبَاتُ الَّذِي هُوَ أَمَارَةُ البلوغ بلوغا في حقهم، [و] أما مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ فَالْحَيْضُ وَالْحَبَلُ، فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا وَلَدَتْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْوَضْعِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَأَمَّا الرُّشْدُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا فِي دِينِهِ وماله، والصلاح فِي الدِّينِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَالصَّلَاحُ فِي الْمَالِ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُبَذِّرًا، وَالتَّبْذِيرُ: هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ مَحْمَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا مَثُوبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهَا، فَيَغِبْنُ فِي الْبُيُوعِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْسِدٌ فِي دِينِهِ وَغَيْرُ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ، دَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ [2] وَلَا يُنْفَذُ تَصَرُّفُهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ، وَإِذَا كَانَ مُفْسِدًا لِمَالِهِ قَالَ: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْمَالُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، غَيْرَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَكُونُ نَافِذًا قَبْلَهُ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لِمَنِ اسْتَدَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ، أَمْرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، وَالْفَاسِقُ لَا يَكُونُ رَشِيدًا وَبَعْدَ بُلُوغِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ مُفْسِدٌ لِمَالِهِ بِالِاتِّفَاقِ [3] غَيْرُ رَشِيدٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ كَمَا قَبْلَ بُلُوغِ هَذَا السَّنِّ، وَإِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْمَالُ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَعِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ دُفِعَ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ لَا يَنَفُذُ تَصَرُّفُهَا إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، مَا لَمْ تَكْبُرْ وَتُجَرِّبُ، وإذا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا وَزَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ سَفِيهًا نُظِرَ فَإِنَ عَادَ مُبَذِّرًا لِمَالِهِ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ كَمَا يُسْتَدَامُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالثَّانِي: لَا يُعَادُ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّوَامِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا حَجْرَ عَلَى الْحَرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ بِحَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَجْرِ مِنِ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مَا رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ أَرْضًا سَبْخَةٍ بِسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ فَلَأَحْجُرُنَّ عَلَيْكَ فَأَتَى ابْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ [فَقَالَ الزبير: أنا شريكك في بيعك فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ وَقَالَ احْجُرْ عَلَى هَذَا] [4] فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَيْعٍ شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْرُ، فَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْحَجْرِ حَتَّى [5] احْتَالَ الزُّبَيْرُ فِي دَفْعِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوها، يَا مَعْشَرَ الْأَوْلِيَاءِ إِسْرافاً، بِغَيْرِ حَقٍّ، وَبِداراً أي: مبادرة، أَنْ يَكْبَرُوا وأَنْ في محل نصب، يَعْنِي: لَا تُبَادِرُوا كِبَرَهُمْ وَرُشْدَهُمْ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَلْزَمَكُمْ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يحل لهم ومن مَالِهِمْ فَقَالَ: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ، أَيْ: لِيَمْتَنِعْ مِنْ مَالِ اليتيم فلا يرزؤه قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَالْعِفَّةُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَحِلُّ، وَمَنْ كانَ فَقِيراً مُحْتَاجًا إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يَحْفَظُهُ وَيَتَعَهَّدُهُ، فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.

_ (1) تصحف في المطبوع «لذلك» . (2) في المطبوع «المال» . (3) في المخطوط وحده «بالإنفاق» . (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «حين» .

«528» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ [1] أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السِّجْزِيُّ [2] أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ [3] دَاسَّةَ التَّمَّارُ أَخْبَرَنَا أَبُو داود السِّجِسْتَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عن جده رضي الله عنهم: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِيَ يَتِيمٌ، فَقَالَ: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مبذّر وَلَا مُتَأَثِّلٍ» ] . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هل يلزمه القضاء، فذهب قوم [5] إلى أن يَقْضِي إِذَا أَيْسَرَ وَهُوَ الْمُرَادُ من قوله: فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، والمعروف الْقَرْضُ، أَيْ: يَسْتَقْرِضُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ عُمَرُ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ الله تعالى بمنزلة وليّ [6] الْيَتِيمِ: إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفَتُ وَإِنِ افْتَقَرَتُ أَكَلَتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قضيت. وقال الشافعي: لا يأكله إلا أن

_ (1) في «شرح السنة» : «الميربند كشائي» . (2) في الأصل «السنجري» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . [.....] (3) في الأصل «أبو بكر داسة» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (4) قال المصنف في «شرح السنة» : قوله «غير متأثل» أي: غير متخذ منه أصل مال، وأثلة الشيء: أصله اهـ. وقال ابن الأثير في «النهاية» : غير متأثل مالا: أي غير جامع. (5) في المطبوع وط «بعضهم» والمثبت هو الصواب. (6) تصحف في المطبوع «مال» . 528- حديث جيد بشواهده وطرقه. إسناده حسن للاختلاف المعروف في عمرو بن شعيب، عن آبائه، واستقر أهل الحديث على أنها سلسلة الحسن، الحسين المعلم هو ابن ذكوان. - وهو في «شرح السنة» (2198) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق أبي داود 2872 عن حميد بن مسعدة بهذا الإسناد. - وأخرجه النسائي 6/ 256 وابن ماجه 2718 وابن الجارود 952 وأحمد 2/ 186 و215 والبيهقي 6/ 284 من طرق عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبيه، عن جده. قال الحافظ في «فتح الباري» (8/ 241) : إسناده قوي اهـ. - وله شاهد من حديث جابر أخرجه ابن حبان 4244 والطبراني في «الصغير» (244) . وفيه معلى بن مهدي وثقه ابن حبان، وأورده ابن أبي حاتم في «العلل» (8/ 335) وقال: سألت أبي عنه فقال: شيخ موصلي أدركته، ولم أسمع منه، يحدث أحيانا بالحديث المنكر اهـ. وذكره الهيثمي في «المجمع» (800/ 163) (13528) وقال: وفيه معلى بن مهدي، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات اهـ. - ورواه أبو نعيم في «الحلية» (3/ 351) وابن عدي في «الكامل» (4/ 72) من طريق صالح بن رستم أبو عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر مرفوعا. وفي إسناده صالح بن رستم قال عنه ابن عدي: هو عندي لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرا جدا اهـ. وقال أبو نعيم: تفرد به الخزاز، وهو من ثقات البصريين اهـ. وله شاهد آخر. أخرجه الثعلبي كما في «تخريج الكشاف» (1/ 475) من طريق الحسن العرني، عن ابن عباس. - وورد عن الحسن العرني مرسلا أخرجه الطبري 8650 وابن المبارك في «البر والصلة» (211) وعبد الرزاق في «تفسيره» (519) والبيهقي 6/ 285، وله شاهد آخر من مرسل قتادة أخرجه الطبري 8640، فالحديث حسن صحيح بشواهده وطرقه، وانظر «أحكام القرآن» (391) بتخريجي، ولله الحمد والمنة.

[سورة النساء (4) : آية 7]

يُضْطَرَّ إِلَيْهِ كَمَا يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا الْأَكْلِ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: يَأْكُلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَلَا يسرف ولا يكتسي منه، [وقال النخعي] [1] : لا يَلْبَسُ الْكَتَّانَ وَلَا الْحُلَلَ، وَلَكِنْ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: يَأْكُلُ مِنْ تمر نَخِيلِهِ وَلَبَنِ مَوَاشِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَلَا فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ فعليه رَدَّهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْرُوفُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا. «529» أخبرنا أبو إسحاق السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ لِي يَتِيمًا وَإِنَّ لَهُ إِبِلًا أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلِيطُ [2] حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يوم ورودها فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يَأْخُذَ [مِنْ جَمِيعِ] [3] مَالِهِ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَأُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ، هذا أمر وإرشاد، وليس بِوَاجِبٍ، أَمَرَ الْوَلِيَّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دفع المال إلى اليتيم بعد ما بَلَغَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ وَتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ، وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً مُحَاسِبًا ومجازيا وشاهدا. [سورة النساء (4) : آية 7] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية. ع «530» نَزَلَتْ فِي أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُجَّةَ وَثَلَاثَ بَنَاتٍ له منها،

_ 529- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، يحيى بن سعيد هو الأنصاري. - وهو في «شرح السنة» (2199) بهذا الإسناد، وأخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 34) عن يحيى بهذا الإسناد. وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (510 و511) من طريقين عن القاسم بن محمد. 530- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (295) بدون إسناده، وأخرجه الطبري 8658 عن عكرمة مرسلا لكن باختصار. ونسبه السيوطي في «الدر» (2/ 217) لأبي الشيخ عن ابن عباس وكذا ذكره الواحدي في «الوسيط» (2/ 14) عن ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ باختصار، وبدون إسناد. - وورد مختصرا من حديث جابر أخرجه أبو نعيم وأبو موسى كما في «الإصابة» (4/ 487) قال أبو موسى: كذا قال: ليس لهما شيء وأراد ليس يعطيان شيئا من ميراث أبيهما، قال ابن حجر: قلت: روايه عن سفيان هو إبراهيم بن هراسة ضعيف، وقد خالفه بشر بن المفضل، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ، عن جابر أخرجه أبو داود من طريقه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم.... اهـ. وانظر «الإصابة في تمييز الصحابة» (4/ 487- 488) ترجمة أم كجة، وهو عند أبي داود 2891 و2892 والترمذي 2092 وابن ماجه 2720 وأحمد 3/ 352 والحاكم 4/ 334 والواحدي 298 والبيهقي 6/ 229 من حديث جابر بنحو سياق المصنف، وليس فيه تسمية المرأة، بل فيه: أن امرأة سعد بن الربيع، والحديث حسن الإسناد. (1) سقط من المخطوط وط وهو مثبت في المطبوع والطبري (8628 و8629 و8630 و8631 و8632) . (2) قال المصنف في «شرح السنة» (4/ 433) : «تهنأ جرباها» أي: تطليها بالقطرن- والهناء: القطران- وقوله: «وتليط حوضها» الصواب: وتلوط حوضها. أي: تطينه وتصلحه- واللط: المنع. يقال: لط الغريم وألط: إذا منع الحق. (3) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة النساء (4) : آية 8]

فَقَامَ رَجُلَانِ هُمَا ابْنَا عَمِّ الْمَيِّتِ وَوَصِيَّاهُ، سُوَيْدٌ وَعَرْفَجَةُ، فَأَخْذَا مَالَهُ وَلَمْ يُعْطِيَا امْرَأَتَهُ وَلَا بَنَاتِهِ شَيْئًا، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لا يورّثون النساء ولا الصغير، وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ ذَكَرًا، وَإِنَّمَا كَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ، وَيَقُولُونَ: لَا نُعْطِي إِلَّا مَنْ قَاتَلَ وَحَازَ الْغَنِيمَةَ، فَجَاءَتْ أُمُّ كُجَّةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَوْسَ بْنَ ثَابِتٍ مَاتَ وَتَرَكَ عَلَيَّ ثلاث بَنَاتٍ وَأَنَا امْرَأَتُهُ، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَرَكَ أَبُوهُنَّ مَالًا حَسَنًا، وَهُوَ عِنْدَ سُوَيْدٍ وَعَرْفَجَةَ، وَلَمْ يُعْطِيَانِي وَلَا بناته [1] شَيْئًا وَهُنَّ فِي حِجْرِي، لَا يُطْعَمْنَ وَلَا يُسْقَيْنَ [2] ، فَدَعَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَدَهَا لَا يَرَكَبُ فَرَسًا وَلَا يَحْمِلُ [كلّا ولا ينكي] [3] عَدُوًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلرِّجالِ. يَعْنِي: لِلذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَيِّتِ وَأَقْرِبَائِهِ نَصِيبٌ حَظٌّ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَلِلنِّساءِ، وللإناث مِنْهُمْ، نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ، أَيْ: مِنَ الْمَالِ، أَوْ كَثُرَ مِنْهُ نَصِيباً مَفْرُوضاً، نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نَصِيبًا فَأَثْبَتَ لَهُنَّ الْمِيرَاثَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوَيْدٍ وَعَرْفَجَةَ: لَا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعْلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيبًا مِمَّا تَرَكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: 11] . فِلْمَا نَزَلَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إِلَى أُمِّ كُجَّةَ الثُّمُنَ [مِمَّا تَرَكَ] [4] وَإِلَى بَنَاتِهِ الثُّلُثَيْنِ، وَلَكُمَا باقي المال» . [سورة النساء (4) : آية 8] وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ، يَعْنِي: قسمة المواريث، أُولُوا الْقُرْبى، الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ، أَيْ: فَارْضَخُوا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً. اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فقال قوم: هي منسوخة [5] ، قال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ [6] وَالضَّحَّاكُ: كَانَتْ هَذِهِ قَبْلَ آيَةِ الْمِيرَاثِ [فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ] [7] جَعَلَتِ الْمَوَارِيثَ لِأَهْلِهَا، وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ آخرون: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعْطُونَ التَّابُوتَ وَالْأَوَانِيَ وَرَثَّ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعَ وَالشَّيْءَ الَّذِي يُسْتَحْيَا مِنْ قِسْمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ طِفْلًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ كِبَارًا رَضَخُوا لَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ صِغَارًا اعْتَذَرُوا إِلَيْهِمْ، فيقول الولي أو الوصي: إِنِّي لَا أَمَلِكُ هَذَا الْمَالَ إِنَّمَا هُوَ لِلصِّغَارِ، وَلَوْ كَانَ لِي مِنْهُ شَيْءٌ لَأَعْطَيْتُكُمْ، وَإِنْ يَكْبُرُوا فَسَيُعْرَفُونَ حُقُوقَكُمْ، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي أَمْوَالِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا تَوَلَّوْا إِعْطَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا أَعْطَى وَلِيُّهُمْ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ قَسَّمَ أَمْوَالَ أَيْتَامٍ فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ فَصَنَعَ طعاما لأجل هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ [8] : ثَلَاثُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، هَذِهِ الْآيَةُ وَآيَةُ الِاسْتِئْذَانِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النُّورِ: 58] الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ

_ (1) في المطبوع «بناتي» . (2) في «أسباب النزول» جاء بلفظ المثنى. (3) في المطبوع «كلأ ولا ينكأ» والمثبت عن «أسباب النزول» . (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) زيد في النسخ «و» وليس بشيء. (6) تصحف في المطبوع «جبير» . (7) زيادة عن المخطوط. (8) تصحف في المطبوع «معمر» .

[سورة النساء (4) : الآيات 9 الى 10]

مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى [الْحُجُرَاتِ: 13] الْآيَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ: إِنَّ هَذَا عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، لا على الحتم والإيجاب. [سورة النساء (4) : الآيات 9 الى 10] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً، أَوْلَادًا صِغَارًا، خافُوا عَلَيْهِمْ، الْفَقْرَ، هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَقُولُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ: انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ أَوْلَادَكَ وَوَرَثَتَكَ لَا يُغْنُونَ عَنْكَ شَيْئًا، قَدِّمْ لِنَفْسِكَ أَعْتِقْ وَتَصَدَّقْ وَأَعْطِ فُلَانَا كَذَا وَفُلَانًا كَذَا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى عَامَّةِ مَالِهِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ أَنْ يَنْظُرَ لِوَلَدِهِ وَلَا يَزِيدَ فِي وَصِيَّتِهِ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُجْحِفَ بِوَرَثَتِهِ كَمَا أنه لَوْ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ هُوَ الموصي لسره أَنْ يَحُثَّهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ عَلَى حفظ ماله لولده، ولا [أن] [1] يَدَعَهُمْ عَالَةً مَعَ ضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا الْخِطَابُ لِوُلَاةِ اليتامى يقول: من كان [منهم] [2] فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِ وليأت في حقه ما يحب أَنْ يُفْعَلَ بِذَرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً، أَيْ: عَدْلًا، وَالسَّدِيدُ: الْعَدْلُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا دون الثّلث ويخلّف الباقي لورثته. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي غَطْفَانَ، يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِيَ مَالَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ يَتِيمٌ صَغِيرٌ فَأَكَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ [3] إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً أي: حَرَامًا بِغَيْرِ حَقٍّ، إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا، أَخْبَرَ عَنْ مَآلِهِ، أَيْ عَاقِبَتُهُ تَكُونُ كَذَلِكَ، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يَدْخُلُونَهَا [4] ، يُقَالُ: صَلِيَ النار يصلاها صلا وصلاء [5] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (163) [الصَّافَّاتِ: 163] ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يَدْخُلُونَ النَّارَ وَيُحْرَقُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [النِّسَاءِ: 30] سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) [الْمُدَّثِّرِ: 26] وَفِي الْحَدِيثِ: ع «531» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، إِحْدَاهُمَا قَالِصَةٌ عَلَى مِنْخَرَيْهِ وَالْأُخْرَى عَلَى بَطْنِهِ، وَخَزَنَةُ النَّارِ يُلَقِّمُونَهُمْ جَمْرَ جَهَنَّمَ وَصَخْرَهَا، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يأكلون أموال اليتامى ظلما» .

_ 531- ع ضعيف جدا. أخرجه الطبري 8725 من حديث أبي سعيد الخدري وفي إسناده أبي هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، قال الذهبي في «الميزان» : لين بمرة. قال أحمد: ليس بشيء، وسيأتي في مطلع سورة الإسراء إن شاء الله تعالى. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (296) عن مقاتل بن حيان بدون إسناد. (4) في المطبوع وحده «يدخلونه» . (5) العبارة في المطبوع «يصلوها صليا وصلاء» والمثبت عن «الوسيط» (2/ 17) وانظر «القرطبي» (5/ 54) .

[سورة النساء (4) : آية 11]

[سورة النساء (4) : آية 11] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) قَوْلُهُ تَعَالَى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ الْآيَةَ، اعْلَمْ أَنَّ الْوِرَاثَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالذُّكُورَةِ وَالْقُوَّةِ فَكَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانَ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ الْآيَةَ، وَكَانَتْ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْمُحَالَفَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النِّسَاءِ: 33] ثُمَّ صَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الأنفال: 72] فنسخ [الله] [1] ذَلِكَ كُلُّهُ وَصَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِأَحَدِ الأمور الثلاثة: بالنسب والنكاح أو الولاء، والمعنيّ بِالنَّسَبِ أَنَّ الْقَرَابَةَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ من بعض، لقوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 75] ، وَالْمَعْنِيُّ بِالنِّكَاحِ: أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ يَرِثُ صَاحِبَهُ، وَبِالْوَلَاءِ: أَنَّ الْمُعْتِقَ وَعَصَبَاتِهِ يَرِثُونَ الْمُعْتَقَ، فَنَذْكُرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَصْلًا وَجِيزًا فِي بَيَانِ مَنْ يَرِثُ مِنَ الْأَقَارِبِ. وَكَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِ الْوَرَثَةِ فَنَقُولُ: إِذَا مَاتَ مَيِّتٌ وَلَهُ مَالٌ فَيُبْدَأُ [2] بِتَجْهِيزِهِ ثُمَّ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ ثُمَّ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ فَمَا فَضُلَ يُقَسَّمُ بين الْوَرَثَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهُمْ، مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ [وَمِنْهُمْ] مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِهِمَا جَمِيعًا، فَمَنْ يَرِثُ بِالنِّكَاحِ لَا يَرِثُ إِلَّا بِالْفَرْضِ، وَمَنْ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ لَا يَرِثُ إِلَّا بالتعصيب، وأمّا مَنْ يَرِثُ بِالْقَرَابَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْجَدَّاتِ، وَأَوْلَادِ الْأُمِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ كَالْبَنِينِ وَالْإِخْوَةِ وَبَنِي [الإخوة و] [3] الأعمام وبنيهم، و [منهم] [4] مَنْ يَرِثُ بِهِمَا كَالْأَبِ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ ولد، وإن كان للميت ولد ابن فيرث الْأَبُ بِالْفَرْضِ السُّدُسَ، وَإِنْ كَانَ للميت بنت يرث الْأَبُ السُّدُسَ بِالْفَرْضِ وَيَأْخُذُ الْبَاقِي بَعْدَ نَصِيبِ الْبِنْتِ بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ، وَصَاحِبُ التَّعْصِيبِ مَنْ يَأْخُذُ جميع المال عن الِانْفِرَادِ وَيَأْخُذُ مَا فَضُلَ عَنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ، وَجُمْلَةُ الْوَرَثَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ: عَشَرَةٌ مِنَ الرِّجَالِ وَسَبْعٌ مِنَ النِّسَاءِ، فَمِنَ الرِّجَالِ الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ سَوَاءٌ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَابْنُ الأخ للأم أَوْ لِلْأَبِ وَإِنْ سَفَلَ وَالْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ وَأَبْنَاؤُهُمَا وَإِنْ سَفَلُوا، وَالزَّوَجُ وَمَوْلَى الْعِتَاقِ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَتْ [وَالْأُمُّ] [5] ، وَالْجَدَّةُ أُمُّ الأم [أو] أم الْأَبِ، وَالْأُخْتُ سَوَاءٌ كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، والزوجة ومولاة العتاقة [6] ، وَسِتَّةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَلْحَقُهُمْ حَجْبُ الْحِرْمَانِ بِالْغَيْرِ: الْأَبَوَانِ وَالْوَلَدَانِ، وَالزَّوْجَانِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ وَاسِطَةٌ، وَالْأَسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ أَرْبَعَةٌ: اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَعَمِّيُّ الْمَوْتِ، وَنَعْنِي بِاخْتِلَافِ الدِّينِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَالْمُسْلِمَ لَا يَرْثُ الْكَافِرَ، لِمَا: «532» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أنا أبو العباس

_ 532- إسناده صحيح رجاله ثقات، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، عمرو بن عثمان هو ابن عفان، علي بن الحسين، هو زين العابدين. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المخطوط وحده «يبدأ» . (3) زيادة عن المخطوط. [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) في المطبوع «العتاق» .

الْأَصَمُّ [أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ] [1] أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن علي بن الحسين عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» . فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الأنفال: 73] ، وَذَهَبَ [بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ] [2] إِلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلَلِ فِي الْكُفْرِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ حَتَّى لَا يَرِثَ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ الْمَجُوسِيَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وإسحاق: ع «533» لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى» ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ مع الكفر، أمّا الْكُفْرِ فَكُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَتَوْرِيثُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إِثْبَاتُ التَّوَارُثِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ شَتَّى، وَالرَّقِيقُ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ لِأَنَّهُ لا ملك له [و] لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْقَتْلُ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً لما: ع «534» رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «القاتل لا يرث» .

_ - وهو في «شرح السنة» (2224) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق الشافعي 2/ 190 وهو في «مسنده» (2/ 190) عن ابن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1614 وأبو داود 2909 والترمذي 2107 وابن الجارود 954 وسعيد بن منصور 135 وأحمد 5/ 200 والدارمي 2/ 371 وابن حبان 6033 والبيهقي 6/ 218 من طرق عن ابن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6764 والنسائي في «الكبرى» (6376 و6377) وعبد الرزاق 9852 والطيالسي 631 وأحمد 5/ 208 و209 والدارمي 2/ 370 والدارقطني 4/ 69 والطبراني في «الكبير» (391) والبيهقي 6/ 217 من طرق عن الزهري به. 533- ع جيد بشواهده. أخرجه أبو داود 2911 والنسائي في «الكبرى» (6383 و6384) وابن ماجه 2731 وأحمد 2/ 178 و195 والدارقطني 4/ 72- 73 وابن الجارود 967 وسعيد بن منصور 137 والبغوي في «شرح السنة» (2225) من طرق عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، وسنده حسن للخلاف المعروف في رواية عمرو عن آبائه. - وله شاهد من حديث أبي الزبير عن جابر، أخرجه الترمذي 2108 والبيهقي 6/ 217 وأخرجه الدارقطني 4/ 72 والبيهقي 6/ 217 موقوفا على جابر وقال الدارقطني: وهو المحفوظ اهـ. وأخرجه الدارمي 2/ 369- 370 من وجه آخر عن الحسن، عن جابر مرفوعا. - وله شاهد آخر من حديث عائشة، أخرجه أبو يعلى 4757 وفي إسناد مالك بن أبي الرجال قال الهيثمي في «المجمع» (6/ 292) : قد وثقه ابن حبان، ولم يضعفه أحد اهـ. وذكره الحافظ في «المطالب العالية» مختصرا (1486) ونقل حبيب الرحمن قول البوصيري: فيه مالك بن محمد بن عبد الرحمن، وهو مجهول، وله شواهد اهـ. - وله شاهد آخر أيضا من حديث أسامة بن زيد أخرجه النسائي في «الكبرى» (6381 و6382) والحاكم 2/ 240 من طريقين. 534- ع حسن. أخرجه الترمذي 2109 وابن ماجه 2645 والدارقطني 4/ 96 والبيهقي 6/ 96 والبيهقي 6/ 220 من حديث أبي هريرة بلفظ «القاتل لا يرث» لكن مداره على إسحاق بن أبي فروة. قال الترمذي: هذا حديث لا يصح، وإسحاق تركه بعض أهل الحديث، العمل على هذا عند أهل العلم اهـ. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن «شرح السنة» . (2) ما بين المعقوفتين في المطبوع «بعضهم» .

وَنَعْنِي بِعَمِّيِّ الْمَوْتِ أَنَّ الْمُتَوَارِثَيْنِ إِذَا عَمِيَ مَوْتُهُمَا بِأَنْ غَرِقَا فِي مَاءٍ أَوِ انْهَدَمَ عَلَيْهِمَا بِنَاءٌ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا سَبَقَ مَوْتُهُ فَلَا يُوَرَّثُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ بَلْ مِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ منهما لمن كان حَيَاتُهُ يَقِينًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ. وَالسِّهَامُ الْمَحْدُودَةُ فِي الْفَرَائِضِ سِتَّةٌ: النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ، فَالنِّصْفُ فَرْضُ ثَلَاثَةٍ: فَرْضُ الزَّوْجِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَفَرْضُ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ لِلصُّلْبِ أَوْ لبنت الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَفَرْضُ الْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَالرُّبُعُ فَرْضُ [اثنين: فرض] [1] الزوج إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَفَرْضُ الزَّوْجَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، وَالثُّمُنُ: فَرْضُ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ الْبِنْتَيْنِ لِلصُّلْبِ فَصَاعِدًا وَلِبِنْتَيِ الِابْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَفَرْضُ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِلْأَبِ فَصَاعِدًا، وَالثُّلُثُ فَرْضُ ثَلَاثَةٍ: فَرْضُ الْأُمِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ للميت ولد، والاثنان من الإخوة والأخوات، إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، وَالثَّانِيَةُ: زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ، فَإِنَّ لِلْأُمِّ فِيهِمَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ بعد نصيب الزوج والزوجة، وَفَرْضُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، وفرض الجد مع الإخوة إذا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ فَرْضٍ، وَكَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لِلْجَدِّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ مَعَ الْإِخْوَةِ. وَأَمَّا السُّدُسُ فَفَرْضُ سَبْعَةٍ: فَرْضُ الْأَبِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، وَفَرْضُ الْأُمِّ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَفَرْضُ الْجَدِّ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَمَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ فَرْضٍ، وَكَانَ السُّدُسُ خَيْرًا لِلْجَدِّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَفَرْضُ الْجَدَّةِ وَالْجَدَّاتِ وَفَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ أَوْلَادِ الأم ذكرا كان أَوْ أُنْثَى، وَفَرْضُ بَنَاتِ الِابْنِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ للصلب تكملة للثلثين، وَفَرْضُ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ تكملة للثلثين. «535» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف أنا

_ وقال البيهقي: إسحاق لا يحتج به إلا أن شواهد تقوّيه اهـ. وللحديث شواهد منها: - حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده أخرجه أبو داود 4564 مطوّلا. والدارقطني 4/ 96 والبيهقي 6/ 220. - وحديث ابن عباس أخرجه الدارقطني 4/ 96 والبيهقي 6/ 220 وفيه: «قضى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس لقاتل ميراث» وأخرجه البيهقي عن ابن المسيب مرسلا. وقال البيهقي بعد أن ذكر المراسيل عن عمرو بن شعيب: هذه مراسيل جيدة يقوي بعضها بعضا. - وحديث عمرو بن شعيب «أن أبا قتادة رجل من بني مدلج قتل ابنه فأخذ عمر مائة من الإبل وقال عمر: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يقول: ليس لقاتل ميراث» أخرجه ابن ماجه 2646 ومالك 2/ 867 وأحمد 1/ 49 والبيهقي 6/ 219 ورواية مالك «ليس لقاتل شيء» وكذا رواه الشافعي في الرسالة فقرة: 476 بتحقيق أحمد شاكر. قال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن اهـ. لكنه منقطع عمرو بن شعيب لم يدرك عمر، وكذا قال الحافظ في «التلخيص» (1/ 84) اهـ. فهذا بمجموع طرقه يرقى إلى درجة الحسن، ولا سيما العمل عليه عند عامة الفقهاء. 535- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، مسلم بن إبراهيم هو الأزدي الفراهيدي، وهيب هو ابن خالد بن عجلان، ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس بن كيسان. - وهو في «شرح السنة» (2209) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6735) عن مسلم بن إبراهيم بهذا الإسناد. (1) سقط من المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وكتب التراجم.

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بن إبراهيم أنا وهيب [أخبرنا] ابن [1] طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَحْجُبُ الْبَعْضَ، وَالْحَجْبُ نَوْعَانِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ، فَأَمَّا حَجْبُ النُّقْصَانِ فهو أن الولد أو ولد الِابْنِ يَحْجُبُ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ وَالزَّوْجَةَ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ، وَالْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إلى السدس، وكذلك الاثنان من الإخوة [والأخوات فصاعدا] [2] يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ. وَحَجْبُ الْحِرْمَانِ هُوَ أَنَّ الأم تسقط الجدات كلهن وأولاد الأم وهم الأخوة للأم والأخوات يَسْقُطُونَ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا، وَبِالْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَأَوْلَادُ الْأَبِ وَالْأُمِّ يَسْقُطُونَ بِثَلَاثَةٍ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَا يَسْقُطُونَ بِالْجَدِّ عَلَى مَذْهَبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالَأَوْزاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَأَوْلَادُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ جَمِيعًا يَسْقُطُونَ بِالْجَدِّ كَمَا يَسْقُطُونَ بِالْأَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ [رَضِيَ اللَّهُ عنه] [3] وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَأَقْرَبُ الْعَصِبَاتِ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ مِنَ الْعُصُوبَةِ، وَأَقْرَبُهُمْ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ أَحَدٌ مِنَ الإخوة والأخوات لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمِيرَاثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ فَالَّذِي هُوَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ بَنِي الْإِخْوَةِ، ثُمَّ عُمُّ الْأَبِ ثُمَّ عُمُّ الْجَدِّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَعَلَى الْمَيِّتِ وَلَاءٌ فَالْمِيرَاثُ لِلْمُعَتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا فَلِعَصِبَاتِ الْمُعَتِقِ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الذُّكُورِ يَعْصِبُونَ الْإِنَاثَ، الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأَخُ لِلْأَبِ حتى لو ماتت عَنِ ابْنٍ وَبِنْتٍ أَوْ عَنْ أَخٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَا يُفْرَضُ لِلْبِنْتِ وَالْأُخْتِ وَكَذَلِكَ ابْنُ الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنَ الْإِنَاثِ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِذَا لم تأخذ مِنَ الثُّلُثَيْنِ شَيْئًا حَتَّى لَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَلَا شَيْءَ لَبَنَتِ الِابْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهَا [4] ابْنُ ابْنٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا ابن ابن ابن

_ - وأخرجه البخاري 6732 و6737 ومسلم 1615 ح 2 والترمذي 2098 وأبو يعلى 2371 والطحاوي 4/ 390 وابن الجارود 955 والدارقطني 4/ 71 وأحمد 1/ 292 و325 وابن أبي شيبة 11/ 265- 266 والدارمي 2/ 368 والطيالسي 2609 والطبراني في «الكبير» (10904) والبيهقي 6/ 234 و239 و10/ 306 من طرق عن وهيب بن خالد بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1615 وأبو داود 2898 والترمذي 2098 وابن ماجه 2740 والدارقطني 4/ 70- 71 وأحمد 1/ 313 وابن حبان 6029 والطبراني في «الكبير» (10902) من طرق عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عن ابن طاووس به. وهو في «مصنف عبد الرزاق» برقم (19004) . - وأخرجه البخاري 6746 ومسلم 1615 ح 3 وابن حبان 6028 والطحاوي 4/ 390 والبيهقي 6/ 239 من طرق عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن ابن طاووس به. (1) في الأصل «وهيب بن طاووس» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» وكتب التخريج والتراجم. [.....] (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المخطوط وحده «درجتهما» .

كَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أو للأب تَكُونُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ حَتَّى لَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَأُخْتٍ كَانَ النِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ، فَلَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُخْتٍ فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: «536» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا آدَمُ أَنَا شُعْبَةُ أَنَا أَبُو قَيْسٍ قَالَ: سمعت هزيل بْنَ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلْثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ. رَجَعْنَا إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا: «537» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المنكدر قال: سَمِعْتُ [جَابِرًا يَقُولُ: جَاءَ] [3] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ فتوضأ وصبّ عليّ من

_ 536- إسناده صحيح على شرط البخاري لتفرد البخاري عن آدم، وهو ابن عبد الرحمن العسقلاني، وقد توبع هو ومن دونه، شعبة هو ابن الحجاج، أبو قيس هو الأودي اسمه عبد الرحمن بن مروان، أبو موسى هو عبد الله بن قيس. - وهو في «شرح السنة» (2211) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6736) عن آدم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6742 وأبو داود 2890 والترمذي 2093 وابن ماجه 2721 وعبد الرزاق 19031 و19032 والطيالسي 375 وابن أبي شيبة 11/ 245 و246 وسعيد بن منصور 29 وأحمد 1/ 389 و428 و440 و463 والدارمي 2/ 348- 349 وابن حبان 6034 والطبراني في «الكبير» (9869) و (9870) و (9871) و (9872) و (9873) و (9874) و (9875) و (9876) و (9877) والدارقطني 4/ 79 و80 وابن الجارود 962 والطحاوي 4/ 392 والحاكم 4/ 334 و335 والبيهقي 6/ 229 و230 من طرق عن أبي قيس به. 537- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الوليد هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» (2212) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (194) عن أبي الوليد بهذا الإسناد. - وأخرجه الدارمي 1/ 187 وابن حبان 1266 والبيهقي 1/ 235 من طريق أبي الوليد الطيالسي بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1/ 187 وابن حبان 1266 والبيهقي 1/ 235 من طريق أبي الوليد الطيالسي بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5676 و6743 ومسلم 1616 ح 8 وأحمد 3/ 298 والدارمي 1/ 187 والطبري 8732 من طرق عن شعبة به. - وأخرجه البخاري 5651 و6723 و7309 ومسلم 1616 وأبو داود 2886 والترمذي 2097 و3015 وابن ماجه 2728 والحميدي 1229 وأحمد 3/ 307 وابن خزيمة 106 من طرق عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر به. - وأخرجه البخاري 4577 ومسلم 1616 ح 6 والطبري 8733 وابن الجارود 956 والواحدي في «أسباب النزول» (297) من طرق عن ابن جريج، عن ابن المنكدر به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن «صحيح البخاري» ومن «شرح السنة» .

وَضُوئِهِ فَعَقَلَتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي أُمِّ كُجَّةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ وبناته [1] . ع «538» وَقَالَ عَطَاءٌ: اسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ النَّقِيبُ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَبِنْتَيْنِ وَأَخًا، فَأَخَذَ الْأَخُ الْمَالَ فَأَتَتِ امْرَأَةُ سَعِدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتَيْ سَعِدٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاتَيْنِ ابْنَتَا سَعْدٍ وَإِنَّ سَعْدًا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعِي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي فِي ذَلِكَ» ، فَنَزَلَ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إِلَى آخِرِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّهُمَا فَقَالَ لَهُ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعِدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأَمَّهُمَا الثُّمُنُ وَمَا بَقِيَ فهو لك» ، فهو أَوَّلُ مِيرَاثٍ قُسِّمَ فِي الْإِسْلَامِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ أَيْ: يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ وَيَفْرِضُ عَلَيْكُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ، أَيْ: فِي أَمْرِ أَوْلَادِكُمْ إِذَا مِتُّمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. فَإِنْ كُنَّ، يَعْنِي: الْمَتْرُوكَاتِ مِنَ الْأَوْلَادِ، نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ، أي: اثنتين فصاعدا وفَوْقَ صِلَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [الْأَنْفَالِ: 12] ، فَلَهُنَّ ثُلُثا مَا تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ، يَعْنِي: الْبِنْتَ، واحِدَةً، قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ [بِالنَّصْبِ] [2] عَلَى خبر كان، رفعها أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى إِنْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ، يَعْنِي لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ، أَرَادَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ يَكُونُ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُ الْمِيرَاثِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ، وَالْأَبُ يَكُونُ صَاحِبَ فَرْضٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «فَلِأُمِّهِ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِثْقَالًا [3] لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ، اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْأَبِ إِنْ كَانَ مَعَهَا أَبٌ، وَالْإِخْوَةُ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ مَعَ الْأَبِ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةُ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا ثلاثة لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ، وَلَا يُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ إِخْوَةٌ، فَنَقُولُ اسْمُ الْجَمْعِ قَدْ يَقَعُ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ شَيْءٍ إلى شيء فهو مَوْجُودٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التَّحْرِيمِ: 4] ذَكَرَ الْقَلْبُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وأضافه إلى اثنين، قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ «يُوصِي» بِفَتْحِ الصَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ وَوَافَقَ حَفْصَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الصَّادِ لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْلُ، بدليل قوله تعالى: يُوصِينَ، وتُوصُونَ. ع «539» قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) انظر الحديث المتقدم برقم: 530. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «استقلالا» . 538- ع لم أره عن عطاء. وأخرجه أبو داود 2891 و2892 والترمذي 2092 وابن ماجه 2720 وأحمد 3/ 352 والحاكم 4/ 334 و342 والبيهقي 6/ 229 والواحدي 298 من حديث جابر. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح اهـ. قلت: ومداره على عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عقيل، وهو لين الحديث فالإسناد لا بأس به. 539- ع أخرجه الترمذي 2122 وابن ماجه 2715 والطيالسي 179 والحميدي 56 وابن الجارود 950 وأحمد 1/ 79 والحاكم 4/ 336 والطبري 8738 و8739 والبيهقي 6/ 667 من حديث علي، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف

[سورة النساء (4) : آية 12]

بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ. وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ الْجَمْعُ لَا التَّرْتِيبُ، وَبَيَانُ أَنَّ الْمِيرَاثَ مُؤَخَّرٌ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ جَمِيعًا، [مَعْنَاهُ] [1] مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إِنْ كَانَتْ أَوْ دين إن كان، والإرث مُؤَخَّرٌ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ، يَعْنِي: الَّذِينَ يَرِثُونَكُمْ [آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ] [2] ، لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً، أَيْ: لَا تعلمون أيهم [3] أَنْفَعُ لَكُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْأَبَ أَنْفَعُ لَهُ، فَيَكُونُ الِابْنُ أَنْفَعَ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الِابْنَ أَنْفَعُ لَهُ فَيَكُونُ الْأَبُ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَنَا الْعَالِمُ بِمَنْ هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ، وَقَدْ دَبَّرْتُ [4] أَمْرَكُمْ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَاتَّبِعُوهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَطْوعُكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ أرفعكم درجة يوم القيامة، فالله تَعَالَى يُشَفِّعُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ أَرْفَعَ درجة يوم القيامة فِي الْجَنَّةِ رُفِعَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ أَرْفَعَ دَرَجَةً رُفِعَ إِلَيْهِ وَالِدُهُ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ، أَيْ ما قدّر الله مِنَ الْمَوَارِيثِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً، بِأُمُورِ الْعِبَادِ، حَكِيماً، بِنُصُبِ الأحكام. [سورة النساء (4) : آية 12] وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ، هذا [فِي] [5] مِيرَاثِ الْأَزْوَاجِ، وَلَهُنَّ الرُّبُعُ، يَعْنِي: لِلزَّوْجَاتِ الرُّبُعُ، مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ، هَذَا [فِي] [6] مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَهُنَّ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ تُورَثُ كَلَالَةً، وَنَظْمُ الْآيَةِ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ يُورَثُ كَلَالَةً وَهُوَ نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: عَلَى خَبَرُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، تقديره: وإن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ مَالُهُ كَلَالَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَالَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ

_ لكنه إمام في الفرائض وقال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال الحافظ في «التلخيص» (3/ 95) : والحارث وإن كان ضعيفا فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى اهـ. - وتوبع فقد أخرجه الدارقطني 4/ 97 والبيهقي 6/ 267 من وجه آخر، وفيه يحيى بن أبي أنيسة، وهو ضعيف، وبه أعله البيهقي. - وله شاهد أخرجه ابن ماجه 2433 وأحمد 4/ 136 من حديث سعد بن الأطول، وصححه البوصيري في «الزوائد» فالحديث حسن إن شاء الله. [.....] (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) زيد في المطبوع وط. (3) تصحف في المطبوع وط «أنهم» . (4) تصحف في المطبوع «دبر» . 5 زيادة عن المخطوط وط. 6 زيادة عن المخطوط وط.

الصَّحَابَةِ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: إِنِّي سأقول فيها بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، أَرَاهُ مَا خَلَا الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَحَدُ [1] الْقَوْلَيْنِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [النساء: 176] ، وَبَيَانُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ نُزُولِهَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ، لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَآيَةُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَارَ شَأْنُ جَابِرٍ بَيَانًا لِمُرَادِ الْآيَةِ لِنُزُولِهَا فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْكَلَالَةَ اسْمٌ لمن؟ فمنهم مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ذَهَابِ طَرَفَيْهِ، فَكَلَّ عَمُودُ نَسَبِهِ، ومنه مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّلُونَ الْمَيِّتَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَلَيْسَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ أَحَدٌ، كَالْإِكْلِيلِ يُحِيطُ بِالرَّأْسِ وَوَسَطَ الرَّأْسِ مِنْهُ خَالٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً [2] ، أَيْ: يَرِثُنِي وَرَثَةٌ لَيْسُوا بِوَلَدٍ وَلَا وَالِدٍ، قال النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَالِ، وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ: سَأَلَ رَجُلٌ عُقْبَةَ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا يَسْأَلُنِي عَنِ الْكَلَالَةِ، وَمَا أَعْضَلَ بِأَصْحَابِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْضَلَتْ بِهِمُ الْكَلَالَةُ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ثَلَاثٌ لِأَنْ [3] يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَهُنَّ لَنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الكلالة والخلافة وأبواب الربا [4] . ع «540» وَقَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي [5] طَلْحَةَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الكلالة، وما أغلظ فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِي الْكَلَالَةِ، حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ في صدري فقال: «يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ» ، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ [الْقُرْآنَ] [6] . فقوله: «أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ» ؟ أَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ وَهِيَ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ، وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِهَا، وَفِيهَا مِنَ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ فِي آيَةِ الشِّتَاءِ، فَلِذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَيْهَا، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ أَرَادَ بِهِ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مِنَ الأم بالاتفاق [و] قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ» وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا مَعَ ذِكْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ قَبْلُ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا ذَكَرَتِ اسْمَيْنِ ثُمَّ أَخْبَرَتْ عَنْهُمَا، وَكَانَا في الحكم سواء،

_ (1) في المطبوع وحده «وآخر» . (2) انظر ما تقدم برقم 537. (3) في الأصل «لا» والتصويب عن «ط» وعن «كتب التخريج» . (4) خبر عمر أخرجه الحاكم 2/ 304 وعبد الرزاق 10/ 302 والبيهقي 6/ 225 وصححه الحاكم على شرطهما ووافقه الذهبي وانظر «صحيح البخاري» (7337) ومسلم 3032. (5) في الأصل «معد بن طلحة» والتصويب من «ط» ومن «كتب التخريج» . (6) زيادة عن المخطوط. 540- ع صحيح. أخرجه مسلم 567 و1617 والنسائي في «الكبرى» «11135» وأحمد 1/ 15 و27- 28 وأبو يعلى 184 عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ به. ويأتي في آخر سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

[سورة النساء (4) : آية 13]

رُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَرُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَيْهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [الْبَقَرَةِ: 45] ، فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ، فِيهِ إِجْمَاعٌ أَنَّ [أَوْلَادَ] [1] الْأُمِّ إِذَا كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا يَشْتَرِكُونَ فِي الثُّلُثِ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِي شَأْنِ [2] الْفَرَائِضِ أَنْزَلَهَا فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ والأم، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ والإخوة والأخوات مِنَ الْأُمِّ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ النِّسَاءِ فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ الْأَنْفَالِ أَنْزَلَهَا فِي أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ. مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ أَيْ: غَيْرَ مُدْخَلٍ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ بمجاوزة الثُّلُثَ فِي الْوَصِيَّةِ، قَالَ [3] الْحَسَنُ: هُوَ أَنْ يُوصِيَ بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَيْهِ، وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ، قَالَ قَتَادَةُ: كَرِهَ اللَّهُ الضِّرَارَ فِي الْحَيَاةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَهَى عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ. [سورة النساء (4) : آية 13] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يَعْنِي: مَا ذَكَرَ مِنَ الْفُرُوضِ [4] الْمَحْدُودَةِ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. [سورة النساء (4) : الآيات 14 الى 15] وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ «نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ» ، و «ندخله نَارًا» ، وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ نُدْخِلْهُ [الفتح: 17] ونُعَذِّبُهُ [الفتح: 17] وفي سورة التغابن يُكَفِّرْ [التغابن: 9] ويُدْخِلْهُ [التغابن: 9] وفي سورة الطلاق يُدْخِلْهُ [الطلاق: 11] بِالنُّونِ فِيهِنَّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ، يَعْنِي: الزِّنَا، مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ، يَعْنِي: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ، أَيْ: فَاطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنَ الشهود، [فيه بَيَانُ أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ] [5] فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ، فَاحْبِسُوهُنَّ، فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الحدود، فكانت الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ [6] حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ بِالْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ، وَفِي حَقِّ الثَّيِّبِ بِالْجَلْدِ والرجم.

_ (1) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (2) في المطبوع وحده «بيان» . (3) تصحف في المطبوع «فإن» . (4) في المطبوع «الفرائض» . (5) سقط من المخطوط. (6) في المطبوع «البيوت» .

[سورة النساء (4) : آية 16]

«541» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَقَدْ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يُدْخِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبَادَةَ حَطَّانَ الرقاشي، فلا أدري أدخله عبد الوهّاب [فَنَزَلَ عَنْ] [1] كِتَابِي أَمْ لَا. قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عبد الله عن عبادة [بن الصامت] [2] ، ثُمَّ نُسِخَ الْجِلْدُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ وَبَقِيَ الرَّجْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِائَةً ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [3] . وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ لَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا [4] . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: التَّغْرِيبُ أَيْضًا مَنْسُوخٌ فِي حَقِّ الْبِكْرِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ. ع «542» رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْبَيْتِ كَانَ حَدًّا فَنُسِخَ أَمْ كَانَ حَبْسًا لِيَظْهَرَ الْحَدُّ، على قولين. [سورة النساء (4) : آية 16] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ، يَعْنِي الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْفَاحِشَةِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ (اللَّذَانِ، وَاللَّذَيْنِ، وَهَاتَانِ، وَهَذَانَ) مُشَدِّدَةُ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وَوَافَقَهُ أهل البصرة في (فذانك)

_ 541- حديث صحيح إسناده ضعيف لانقطاعه بين الحسن وعبادة بن الصامت، لكن وصله مسلم وغيره، وهو حديث صحيح. - وهو في «شرح السنة» (2574) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 77) عن عبد الوهّاب بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1690 وأبو داود 4416 والترمذي 1434 والنسائي في «الكبرى» (7142- 7143) وابن أبي شيبة 10/ 180 وأحمد 5/ 313 و320 والطحاوي 3/ 134 وابن حبان 4425- 4427 وابن الجارود 810 والدارمي 2/ 181 والبيهقي 8/ 222 من طرق عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت به. 542- ع صحيح. أخرجه الترمذي 1438 والنسائي في «الكبرى» (7342) والحاكم 4/ 369 والبيهقي 8/ 223 من طرق عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به. وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث غريب، رواه غير واحد عن عبد الله بن إدريس فرفعوه، ورواه بعضهم عن ابن إدريس، عن عبيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن أبا بكر....» لم يذكروا فيه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم، وقد صح ذكر النفي في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قلت: الإسناد الموصول على شرطهما، وله شاهد صحيح. (1) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «فترك من» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) أثر علي، أخرجه البخاري 6812 وأحمد 1/ 107 عن الشعبي أن عليا ... فذكره، وهذا مرسل، الشعبي لم يدرك عليا. (4) يأتي ذكره إن شاء الله.

و [قرأ] [1] الآخرون بالتخفيف. قال أبو عبيدة [2] : خَصَّ أَبُو عَمْرٍو (فَذَانِكَ) بِالتَّشْدِيدِ لِقِلَّةِ الْحُرُوفِ فِي الِاسْمِ فَآذُوهُما قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: فَعَيِّرُوهُمَا بِاللِّسَانِ: أما خفت الله؟ أما استحيت مِنَ اللَّهِ حَيْثُ [3] زَنَيْتَ؟ قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سُبُّوهُمَا وَاشْتُمُوهُمَا [4] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ يُؤْذَى بِالتَّعْيِيرِ وَضَرْبِ النِّعَالِ، فَإِنْ قِيلَ: ذُكِرَ الْحَبْسُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِيذَاءُ، فَكَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ؟ قِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي النِّسَاءِ وَهَذِهِ فِي الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي الثَّيِّبِ وَهَذِهِ فِي الْبِكْرِ، فَإِنْ تَابَا، مِنَ الْفَاحِشَةِ وَأَصْلَحا، الْعَمَلَ فِيمَا بَعْدُ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُما، فَلَا تُؤْذُوهُمَا، إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً، وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ، فَنُسِخَتْ بالجلد والرجم، والجلد فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَالرَّجْمُ فِي السُّنَّةِ. «543» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ [بْنُ عَبْدِ اللَّهِ] [5] بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، فقال: «تَكَلَّمْ» ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عسيفا [أي: أجيرا] [6] عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا [7] عَلَى ابْنِي جَلْدُ مائة وتغريب عام، وإنما الرجم

_ 543- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، عبد الله بن عتبة هو ابن أخي عبد الله بن مسعود. - وهو في «شرح السنة» (2573) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 822) عن ابن شهاب بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 6633 و6842 وأبو داود 4445 والترمذي بإثر 1433 والنسائي 8/ 240- 241 والشافعي 2/ 78- 79 والطبراني 5190 والطحاوي 3/ 135. - وأخرجه البخاري 2724 ومسلم 1697 والنسائي في «الكبرى» (7192) وابن حبان 4437 والطبراني 5193 من طرق عن الليث، عن الزهري به. - وأخرجه البخاري 2695 و6835 و7193 و7258 ومسلم 1697 وعبد الرزاق 13309 و13310 وأحمد 4/ 115 والطحاوي 3/ 135 والطبراني 5188 و5189 و5195 و5196 و5199 من طرق عن الزهري به. - وأخرجه الترمذي 1433 والنسائي 8/ 241- 242 وابن ماجه 2549 والحميدي 811 وأحمد 4/ 115- 116 والدارمي 2/ 177 والطحاوي 30/ 134- 135 وابن الجارود 811 والطبراني 5192 والبيهقي 8/ 219 و222 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزهري به. وزاد سفيان فيه مع زيد وأبي هريرة «شبلا» . لكن الترمذي قال: وهم فيه سفيان بن عيينة أدخل حديثا في حديث ... اهـ. ومراد الترمذي أن سفيان وهم بزيادة- شبل- في الإسناد، وشبل بن خالد لم يدرك النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انظر كلام الترمذي حول هذا. (1) زيادة عن المخطوط. (2) كذا في المطبوع والمخطوط، وفي- ط «عبيد» . [.....] (3) في المخطوط وحده «حين» . (4) كلا القولين ورد عن ابن عباس، والأولى العطف بالواو. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيد في المطبوع وحده، وهي زيادة تفسيرية مدرجة في الحديث. وقد جعلها الإمام مالك في آخر الحديث. (7) في المطبوع «أن» والمثبت عن المخطوط وكتب التخريج.

[سورة النساء (4) : آية 17]

عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ» ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عَامًا وَأَمَرَ أُنَيْسًا الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا [1] . «544» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ تعالى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آية الرجم فقر أناها وعقلناها وو عيناها، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم، ورجمنا بعده، وأخشى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله تعالى في كتابه، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ. وَجُمْلَةُ حَدِّ الزِّنَا: أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا وهو الذي اجتمعت فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِصَابَةُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الثَّيِّبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شَرَائِطَ الإحصان، ولا يرجم الذمي. ع «545» وَقَدْ صَحَّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا، وَكَانَا قَدْ أَحْصَنَا. وَإِنْ كَانَ الزَّانِي غَيْرَ مُحْصَنٍ بِأَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ نَظَرَ إِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا غَيْرَ أَنَّهُ لم يحصن بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ جَلْدُ خَمْسِينَ وَفِي تَغْرِيبِهِ قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فِيهِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا نِصْفُ سَنَةٍ كَمَا يجلد خمسين على [النصف من] [2] الحرّ. [سورة النساء (4) : آية 17] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قَالَ الْحَسَنُ: [يَعْنِي التَّوْبَةَ التي يقبلها] [3] ، فيكون- على-

_ 544- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، صالح هو ابن كيسان، وابن شهاب هو الزهري. - وهو في «شرح السنة» (2576) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6829) عن عبد العزيز بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1691 وأبو داود 4418 والنسائي في «الكبرى» (7158) و (7159) والترمذي 1432 وابن ماجه 2553 وأحمد 1/ 29 و40 و47 و50 و55 وعبد الرزاق 7/ 13329 والحميدي 25 والدارمي 2/ 99- 100 والبيهقي 8/ 211 من طريق عن الزهري به. 545- ع صحيح. أخرجه ابن ماجه 2556 وابن أبي شيبة 10/ 149 و14/ 149 وأحمد 2/ 17 وابن حبان 4431 و4432 من طرق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعا بنحوه. وأخرجه مسلم 1699 ح 26 مطوّلا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مرفوعا. ويأتي في مطلع سورة النور إن شاء الله تعالى. (1) لفظ هذا الحديث مثبت عن «الموطأ» و «شرح السنة» وط، وفي المخطوط اختلاف يسير، أما المطبوع ففيه زيادات وتغييرات. (2) العبارة في المطبوع وط «نصف حد» . (3) العبارة في المخطوط «التوبة يقبلها» .

بِمَعْنَى عِنْدَ، وَقِيلَ: مِنَ اللَّهِ، لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ جَهَالَةٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: الْعَمْدُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يَجْهَلْ أَنَّهُ ذنب ولكنه جَهِلَ عُقُوبَتَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَهَالَةِ: اخْتِيَارُهُمُ اللَّذَّةَ الْفَانِيَةَ عَلَى اللَّذَّةِ الْبَاقِيَةِ. ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ، قِيلَ: مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يُحِيطَ السُّوءُ بِحَسَنَاتِهِ فَيُحْبِطُهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: الْقَرِيبُ أَنْ يَتُوبَ فِي صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَبْلَ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ. «546» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ [1] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ ما لم يغزغر» . «547» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ المليحي أنا أبا مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سمعان [أنا أبو جعفر بن

_ 546- حسن صحيح بشواهده. إسناده لين لأجل عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثوبان، فقد ضعفه جماعة ووثقه آخرون، وباقي الإسناد ثقات، مكحول هو أبو عبد الله الدمشقي. - وهو في «شرح السنة» (1300) بهذا الإسناد. خرجه المصنف من طريق علي بن الجعد وهو في «مسنده» برقم (3529) عن ابن ثوبان بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 3537 وابن ماجه 4253 وأحمد 2/ 132 و135 وابن حبان 628 والحاكم 4/ 257 وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 190) من طرق عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثوبان بهذا الإسناد. - وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت أخرجه الطبري 8859 والقضاعي في «مسند الشهاب» (1085) وفيه انقطاع بين قتادة وعبادة. - وله شاهد عن رجل من الصحابة أخرجه أحمد 3/ 425 وإسناده ضعيف. لضعف عبد الرحمن البيلماني، لكن يصلح للاعتبار بحديثه. (1) في الأصل «نفير» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» و «كتب التخريج» . 547- إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، واسمه عبد الله، ودراج أيضا ضعيف في روايته عن أبي الهيثم، وهو دراج بن سمعان، أبو الهيثم هو سليمان بن عمرو. هو في «شرح السنة» (1286) بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (265) من طريق ابن لهيعة بهذا الإسناد وبهذا اللفظ. وذكره الذهبي في «العلو» ص (72) من هذه الطريق وبهذا اللفظ وقال: فيه دراج، وهو واه اهـ. - وأخرجه أحمد 3/ 76 وأبو يعلى 1399 من طريق ابن لهيعة به دون قوله «وارتفاع مكاني» وهذا إسناد ضعيف. لكن ورد من طرق أخرى دون قوله «وارتفاع مكاني» . - فقد أخرجه الحاكم 4/ 261 من طريق عمرو بن الحارث، عن دراج به دون هذه الزيادة وصححه، وسكت الذهبي، وهو من رواية دراج عن أبي الهيثم، وهي واهية. - وأخرجه أحمد 3/ 29 و41 وأبو يعلى 1273 من طريق ليث عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطالب. عن أبي سعيد الخدري مرفوعا دون هذه الزيادة وإسناده منقطع بين عمرو وأبي سعيد. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 207) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الأوسط» وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذا أحد إسنادي أبي يعلى! قلت: هو منقطع بين عمرو بن أبي عمرو وأبي سعيد الخدري، فإنه لا رواية له عنه كما في «تهذيب الكمال» و «تهذيب التهذيب» .

[سورة النساء (4) : الآيات 18 الى 19]

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ [1] أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا أَبُو الْأُسُودِ] [2] أَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. [سورة النساء (4) : الآيات 18 الى 19] وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ، يَعْنِي: الْمَعَاصِي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ، وَوَقَعَ فِي النَّزْعِ، قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ، وهي حال السّوق حين [3] يساق بروحه، لَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إِيمَانٌ وَلَا مِنْ عَاصٍ تَوْبَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا [غَافِرِ: 85] ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعُ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ. وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا، أَيْ: هَيَّأْنَا وَأَعْدَدْنَا، لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً: ع «548» نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَهُ امْرَأَةٌ جَاءَ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ قَرِيبُهُ مِنْ [4] عَصَبَتِهِ فَأَلْقَى ثَوْبَهُ على تلك المرأة أو على خِبَائِهَا فَصَارَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ شَاءَ تَزَوُّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ إِلَّا الصَّدَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَصْدَقَهَا الْمَيِّتُ، وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ وَأَخَذَ صَدَاقَهَا، وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا وَمَنَعَهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ يُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا وَرِثَتْهُ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَيَرِثُهَا فَإِنْ ذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى أَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ثَوْبَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، فَكَانُوا عَلَى هَذَا حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْأَنْصَارِيُّ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ كُبَيْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، فَقَامَ ابْنٌ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا يُقَالُ لَهُ حصن- وقال

_ 548- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (300) بهذا السياق بدون إسناد نقلا عن المفسرين. وأخرجه بنحوه الطبري 8874 من حديث ابن عباس في قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً الآية قال: كان الرجل إذا مات أبوه.... فيذهب بمالها» قال ابن جريج فأخبرني عطاب بن أبي رباح: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا هلك الرجل.... فنزلت....» قال ابن جريج ومجاهد: كان الرجل إذا توفي أبوه، كان أحق بامرأته....» قال ابن جريج: وقال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم....» . وانظر «فتح الباري» (8/ 247) وله شاهد من حديث أبي أمامة سهل بن حنيف أخرجه الطبري 8871 وحسّن إسناده الحافظ في «الفتح» (8/ 247) . [.....] (1) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «ط» وعن «الأنساب» و «شرح السنة» . (2) سقط من المخطوط. (3) تصحف في المطبوع «حتى» . (4) زيد في المطبوع «ذوي» .

[سورة النساء (4) : الآيات 20 الى 22]

مقاتل بن حبان: اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ- فَطَرَحَ ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَوَرِثَ نِكَاحَهَا، ثم تركها فلم يقربها وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ، فَأَتَتْ كُبَيْشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوُفِّيَ وَوَرِثَ نِكَاحِي ابْنُهُ فَلَا [هُوَ] [1] يُنْفِقُ عَلَيَّ وَلَا يَدْخُلُ بِي وَلَا يُخَلِّي سَبِيلِي، فَقَالَ: «اقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيكِ أَمْرُ اللَّهِ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً. قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ [كُرْهًا] [2] بِضَمِّ [الْكَافِ هَاهُنَا وفي سورة التَّوْبَةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ قَالَ الكسائي هما] [3] لغتان وقال الْفَرَّاءُ: الْكَرْهُ بِالْفَتْحِ مَا أُكْرِهُ عَلَيْهِ، وَبِالضَّمِّ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ ليضجرن فيفتدين ببعض مالهن، قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذَا فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ وَتَرُدَّ إِلَيْهِ مَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لَكُمْ إِضْرَارُهَنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ، وَاخْتَلَفُوا في الفاحشة، فقال ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ النُّشُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ: هِيَ الزِّنَا، يَعْنِي: الْمَرْأَةُ إِذَا نَشَزَتْ، أَوْ زَنَتْ حَلَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْأَلَهَا الْخُلْعَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَتِ امْرَأَتُهُ فَاحِشَةً أَخَذَ مِنْهَا مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا [فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْحُدُودِ] [4] وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبو بكر (مبينة) ، و (مبينات) بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَوَافَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي (مُبَيَّنَاتٍ) وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا [5] ، وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، قال الحسن: راجع إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، يَعْنِي: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً [النساء: 4] وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، والمعاشرة بالمعروف: هو [6] الْإِجْمَالُ فِي الْقَوْلِ وَالْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: هُوَ [7] أَنْ يَتَصَنَّعَ [8] لَهَا كَمَا تَتَصَنَّعُ [9] لَهُ، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً، قِيلَ: هُوَ وَلَدٌ صَالِحٌ، أَوْ يَعْطِفُهُ الله عليها. [سورة النساء (4) : الآيات 20 الى 22] وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ، أراد بالزوج الزوجة إذا لم يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ وَلَا فاحشة، وَآتَيْتُمْ [أعطيتم] [10] إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ صداقا، فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ، [أي] [11] : مِنَ الْقِنْطَارِ، شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ، اسْتِفْهَامٌ [نهي] [12] بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً، انْتِصَابُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالثَّانِي: بِالْإِضْمَارِ تَقْدِيرُهُ: تُصِيبُونَ فِي أَخْذِهِ بُهْتَانًا وَإِثْمًا ثُمَّ قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْظَامِ، وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ، أَرَادَ بِهِ الْمُجَامَعَةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ يُكَنِّي، وَأَصْلُ الْإِفْضَاءِ: الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) العبارة في المطبوع «فنسخ في ذلك في الحدود» . (5) في المخطوط وحده «بكسرهما» . (6) في المطبوع وط «هي» . (7) في المطبوع «هي» . (8) في المطبوع «يصنع» . (9) في المطبوع «تصنع» والمثبت عن المخطوط وط والقرطبي. (10) سقط من المطبوع وط. [.....] (11) زيادة عن المخطوط. (12) زيادة عن المخطوط. وسقط لفظ «بمعنى» من المخطوط.

غَلِيظاً، قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: هُوَ قَوْلُ الْوَلِيِّ عِنْدَ الْعَقْدِ: زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بإحسان. ع «549» وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ، كَانَ أَهْلُ الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم. ع «550» قال أشعث بْنُ سَوَّارٍ: تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَقَالَتْ: إِنِّي اتَّخَذْتُكَ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْمِرْهُ، فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، قِيلَ: بَعْدَ مَا سَلَفَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَكِنْ مَا سَلَفَ، أَيْ: مَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أَيْ: إِنَّهُ فَاحِشَةٌ، وكانَ فِيهِ صِلَةٌ، وَالْفَاحِشَةُ أَقْبَحُ الْمَعَاصِي، وَمَقْتاً أَيْ: يُورِثُ مَقْتَ اللَّهِ، وَالْمَقْتُ: أَشَدُّ الْبُغْضِ، وَساءَ سَبِيلًا، وَبِئْسَ ذَلِكَ طَرِيقًا وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةِ أَبِيهِ: مَقِيتٌ وَكَانَ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو مُعِيطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ. «551» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السِّجْزِيُّ أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ الْحَضْرَمِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقُلْتُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ آتِيهِ برأسه.

_ 549- ع صحيح. أخرجه مسلم 1218 وأبو داود 1905 وابن ماجه 3074 والدارمي 1793 في أثناء حديث جابر في صفة حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. وتقدم. 550- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (302) بهذا السياق. وأخرجه البيهقي 7/ 161 من طريق أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ عَدِيِّ بن ثابت الأنصاري به. وقال البيهقي: هذا مرسل وبمعناه ذكره غير واحد من أهل التفسير اهـ. وأشعث بن سوار ضعيف كما في «التقريب» . وانظر الحديث 548. 551- حديث قوي بطرقه. إسناده ضعيف لضعف أحمد بن عبد الجبار، وأشعث بن سوّار، لكن تابعهما غير واحد، وباقي الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» (2586) بهذا الإسناد. لكن ورد من وجه آخر فقد.- أخرجه أبو داود 4457 والترمذي 1362 والنسائي 6/ 109- 110 وابن ماجه 2607 وعبد الرزاق 10804 وأحمد 4/ 292 و295 والحاكم 2/ 191 والدارقطني 3/ 196 من طرق عن البراء بن عازب به، صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن غريب اهـ. وهو قوي لمجيئه من طرق عن عدي بن ثابت، وعدي ثقة روى له الستة. - وورد بنحوه من حديث مطرّف عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب. أخرجه أبو داود 4456 والدارقطني 3/ 196 والحاكم 2778 وسكت عنه، وقال الذهبي: إسناده مليح اهـ. وقال المنذري: قد اختلف فيه اختلافا كثيرا، وللحديث أسانيد كثيرة، منها ما رجاله رجال الصحيح اهـ. «التعليق المغني» للآبادي.

[سورة النساء (4) : آية 23]

[سورة النساء (4) : آية 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) قَوْلُهُ تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [إلى آخر] [1] الْآيَةَ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبِ الْوُصْلَةِ، وَجُمْلَةُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ: سَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَسَبْعٌ بِالسَّبَبِ، فَأَمَّا السَّبْعُ بِالسَّبَبِ فَمِنْهَا اثْنَتَانِ بِالرِّضَاعِ وَأَرْبَعٌ بِالصِّهْرِيَّةِ وَالسَّابِعَةُ الْمُحْصَنَاتُ، وَهُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَأَمَّا السَّبْعُ بِالنَّسَبِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَهِيَ جَمْعُ أمّ فيدخل فيه الْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ قِبَلِ الأم أو من قبل الأب، وَبَناتُكُمْ، [وهي] [2] جَمْعُ: الْبِنْتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِنَّ بَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَأَخَواتُكُمْ، جَمْعُ الْأُخْتِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمَا، وَعَمَّاتُكُمْ جَمْعُ الْعَمَّةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ جَمِيعُ أَخَوَاتِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ وإن علوا، وَخالاتُكُمْ جَمْعُ خَالَةٍ، وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ أَخَوَاتِ أُمَّهَاتِكَ وَجَدَّاتِكَ، وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ، فيدخل فِيهِنَّ بَنَاتَ أَوْلَادِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كل أصل بعده، والأصول هن الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْفُصُولُ الْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الأولاد، وفصول أول أصوله هن [3] الْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ هُنَّ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ، وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ، وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ. «552» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زاهر بْنِ أَحْمَدَ [الْخَلَّالِ] [4] أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» . «553» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ قال: أخبرنا أبو مصعب

_ 552- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2272) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 607) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ به. - ومن طريق مالك أخرجه أبو داود 2055 والترمذي 1147 والنسائي 6/ 99 والشافعي 2/ 19- 20 وأحمد 6/ 44 و51 والدارمي 2/ 196 وابن حبان 4223 والبيهقي 6/ 275. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم.... اهـ. 553- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2271) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 601) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2646 و3105 ومسلم 1444 والنسائي 6/ 99 وأحمد 6/ 178 والدارمي 2/ 155 و156 والبيهقي 7/ 159. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيد في المطبوع وحده. (3) في المطبوع «هي» . (4) زيادة عن المخطوط.

عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [هَذَا رجل يستأذن في بيتك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «أراه فلانا» - لعم حفصة من الرضاعة- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ] [1] لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا- لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ- أَيَدْخُلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ» . وَإِنَّمَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَوْلُودِ حَوْلَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ [البقرة: 233] . ع «554» وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا ما فتق الأمعاء» . ع «555» وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ» . وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِي حَالِ الصِّغَرِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُدَّةَ الرِّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الْأَحْقَافِ: 15] ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَأَكْثَرِ مُدَّةِ الرِّضَاعِ، وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يُوجَدَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ قليل الرضاع وكثيره محرم، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُحَرِّمُ بِمَا: «556» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا

_ - وأخرجه مسلم 1444 ح 2 وعبد الرزاق 3952 والبيهقي 7/ 451 من طرق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به. 554- ع جيد. أخرجه الترمذي 1152 والنسائي في «الكبرى» (5465) وابن حبان 4224 من طريق أبي عوانة، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة به. وزاد الترمذي في آخره «في الثدي وكان قبل الفطام» قال: هذا حديث حسن صحيح اهـ. وإسناده صحيح على شرط مسلم. - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البزار 1444 والبيهقي 7/ 456 في إسناده محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن وقال البيهقي: رواه الزهري، عن عروة موقوفا على أبي هريرة ببعض معناه اهـ. - ومن حديث عبد الله بن الزبير أخرجه ابن ماجه 1946 وقال البوصيري في «الزوائد» إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة فيه ما فيه اهـ. وانظر «أحكام القرآن» (435) بتخريجي، والله الموفق. 555- ع ضعيف. أخرجه أبو داود 2060 وأحمد 1/ 432 والدارقطني 4/ 72- 173 والبيهقي 7/ 460- 461 من حديث ابن مسعود، وعنه الهلالي وعنه ابنه أبو موسى الهلالي. قال ابن حجر في «التلخيص» (4/ 4) : في إسناده أبو موسى الهلالي عن أبيه، وهما مجهولان اهـ. قلت: ولذا أخرجه أبو داود أيضا 2059 عن ابن مسعود موقوفا وزاد في إسناده عن الهلالي، عن ابن لعبد الله بن مسعود، وهذا يعني أن الحديث المرفوع فيه انقطاع بين الهلالي وابن مسعود أيضا، فالراجح فيه الوقف. [.....] 556- حديث صحيح، إسناده حسن، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الحكم ومن دونه ثقات وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2277) بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي 7/ 454 عن أبي العباس الأصم به وأخرجه الشافعي 2/ 21 من طريق أنس بن عياض به. (1) ما بين المعقوفتين سقط من- ط.

مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْمَصَّتَانِ» . هَكَذَا رَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحديث. ع «557» وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. «558» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ [بْنِ] [1] مُحَمَّدِ بْنِ عمرو [2] بْنِ حَزَمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قالت: كان فيما أنزل فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يحرمن، ثم نسخن [3] بخمس

_ - وأخرجه النسائي 6/ 101 وأحمد 4/ 4 و5 وابن حبان 4225 من طريق هشام بن عروة به. - وأخرجه النسائي في «الكبرى» (5457) وابن حبان 4226 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن الزبير مرفوعا. قال الترمذي بإثر 1150: وزاد فيه محمد بن دينار البصري «عن الزبير، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم» وهو غير محفوظ، والصحيح عند أهل الحديث حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن الزبير، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم اهـ. وانظر الحديث الآتي. 557- ع صحيح. أخرجه مسلم 1450 وأبو داود 2063 والترمذي 1150 والنسائي 6/ 101 وابن ماجه 1941 وأحمد 6/ 95 و96 و216 والدارقطني 4/ 172 وابن حبان 4228 والبيهقي 7/ 454 و455 من طرق عن ابن أبي مليكة به. - وأخرجه أحمد 6/ 647 والدارمي 2169 وابن حبان 4227 من طريق عروة، عن عائشة دون ذكر ابن الزبير بينهما. وانظر ما تقدم، وما يأتي. 558- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2276) بهذا الإسناد. - وهو في «الموطأ» (2/ 608) عن عبد الله بن أبي بكر به. ومن طريق مالك أخرجه مسلم 1452 ح 24 وأبو داود 2062 والترمذي بإثر 1150 (3/ 456) والنسائي 6/ 100 والشافعي 2/ 21 والدارمي 2/ 157 وابن حبان 4221 والبيهقي 7/ 454. - وأخرجه مسلم 1452 ح 25 والشافعي 2/ 21 والبيهقي 7/ 454 من طرق، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو، عن عائشة بنحوه. قال المصنف في «شرح السنة» (5/ 64) : اختلف أهل العلم فيما تثبت به الحرمة من الرضاع، فذهب جماعة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وغيرهم إلى أنه لا تثبت بأقل من خمس رضعات متفرقات، وبه كانت تفتي عائشة وبعض أزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو قول عبد الله بن الزبير، وإليه ذهب الشافعي وإسحاق. وقال أحمد: إن ذهب ذاهب إلى قول عائشة في خمس رضعات، فهو مذهب قوي. - وذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرّم، يروى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير والزهري، وهو قول سفيان الثوري، ومالك والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ووكيع وأصحاب الرأي. - وذهب أبو عبيد وأبو ثور، وداود إلى أنه لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحرّم المصة والمصتان» ويحكى عن بعضهم أن التحريم لا يقع بأقل من عشر رضعات، وهو قول شاذ. - وقول عائشة: فتوفي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهن فيما يقرأ في القرآن: أرادت به قرب عهد النسخ من وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى كان بعض من لم يبلغه النسخ يقرؤه على الرسم الأول، لأن النسخ لا يتصور بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويجوز بقاء الحكم مع نسخ التلاوة كالرجم في حكمه باق مع ارتفاع التلاوة في القرآن، لأن الحكم يثبت بأخبار الآحاد، ويجب العمل به والقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، فلم تجز كتابته بين الدفتين اهـ. (1) زيادة عن كتب التراجم والتخريج. (2) في الأصل «عمر» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب «التخريج» . (3) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «نسخ» وفي «شرح السنة» ، «نسخت» .

مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِيَّةِ فَقَوْلُهُ: وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَقَدَ النِّكَاحَ على امرأة فتحرم عَلَى النَّاكِحِ أُمَّهَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَجَدَّاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، الربائب جَمْعُ: رَبِيبَةٍ، وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ، سُمِّيَتْ رَبِيبَةٌ لِتَرْبِيَتِهِ إِيَّاهَا، وَقَوْلُهُ: فِي حُجُورِكُمْ أَيْ: فِي تَرْبِيَتِكُمْ، يُقَالُ: فَلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ إِذَا كَانَ فِي تَرْبِيَتِهِ، دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أَيْ: جَامَعْتُمُوهُنَّ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَنَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا، وَإِنْ سَفَلْنَ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالْمَنْكُوحَةِ، حَتَّى لَوْ فَارَقَ الْمَنْكُوحَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ مَاتَتْ جَازَ لَهُ أَنْ ينكح ابنتها، وَلَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْأُمَّهَاتِ وَقَالَ فِي تَحْرِيمِ الرَّبَائِبِ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي: فِي نِكَاحِ بَنَاتِهِنَّ إِذَا فَارَقْتُمُوهُنَّ أَوْ مِتْنَ. وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمُّ الْمَرْأَةِ لَا تُحَرَّمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ كَالرَّبِيبَةِ، وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ، يَعْنِي: أَزْوَاجَ أَبْنَائِكُمْ، وَاحِدَتُهَا: حَلِيلَةٌ، وَالذَّكَرُ حَلِيلٌ، سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَلَالٌ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ حَيْثُ يَحِلُّ صَاحِبُهُ مِنَ الْحُلُولِ وَهُوَ النُّزُولُ، وقيل: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ إِزَارَ صَاحِبِهِ مِنَ الْحَلِّ وَهُوَ ضِدُّ الْعَقْلِ، وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حَلَائِلُ أَبْنَائِهِ وَأَبْنَاءِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا مِنَ الرِّضَاعِ وَالنَّسَبِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: مِنْ أَصْلابِكُمْ لِيُعْلِمَ أَنَّ حَلِيلَةَ الْمُتَبَنَّى لَا تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَبَنَّاهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ [1] ، وَكَانَ زَيْدٌ قد تَبَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالرَّابِعُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالصِّهْرِيَّةِ حَلِيلَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا، فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مِنَ الرِّضَاعِ أَوْ مِنَ النَّسَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ [النِّسَاءِ: 22] ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ تَحْرُمُ بِالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ حَتَّى لَوْ وَطِئَ امْرَأَةً بِالشُّبْهَةِ أَوْ جَارِيَةً بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَتَحْرُمُ عَلَى الْوَاطِئِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ وَابْنَتُهَا وَتَحْرُمُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَى أَبِ الْوَاطِئِ وَعَلَى ابْنِهِ. وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ فيه أهل العلم فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي أُمُّ الْمَزْنِي بها وابنتها، ولا تحرم الزَّانِيَةُ عَلَى أَبِ الزَّانِي وَابْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ [2] وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ سعيد بن المسيب وعروة [بن الزبير] وَالزُّهْرِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيٌّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّحْرِيمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَهُوَ قول أصحاب الرأي. ولو مسّ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَهَا فَهَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَالدُّخُولِ فِي إِثْبَاتِ حرمة المصاهرة وكذلك لو مسّ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ فَهَلْ يُجْعَلُ كَالْوَطْءِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَالثَّانِي: لَا تَثْبُتُ كَمَا لَا تَثْبُتُ بِالنَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُخُوَّةُ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ أَوْ بِالرِّضَاعِ، فَإِذَا نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا جَازَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى

_ (1) يأتي في سورة الأحزاب إن شاء الله. (2) زيد في المطبوع «وابن مسعود» .

[سورة النساء (4) : آية 24]

عَلَى نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا [لِمَا] [1] : «559» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، يَعْنِي: لَكِنْ مَا مَضَى فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ جَمَعَ [2] بَيْنَ لَيَّا أَمِّ يَهُوذَا وَرَاحِيلَ أَمِّ يُوسُفَ، وَكَانَتَا أُخْتَيْنِ. إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. [سورة النساء (4) : آية 24] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، يَعْنِي: ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، لَا يَحِلُّ لِلْغَيْرِ نِكَاحُهُنَّ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأَزْوَاجِ، وَهَذِهِ السَّابِعَةُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتي حرمن بالسبب. ع «560» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: نَزَلَتْ في نساءكنّ يُهَاجِرْنَ [3] إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فيتزوجهنّ [4] بعض المسلمين، ثم يقدم [5] أَزْوَاجُهُنَّ مُهَاجِرِينَ فَنَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ نِكَاحِهِنَّ. ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، يَعْنِي: السَّبَايَا اللَّوَاتِي سُبِينَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ في دار

_ 559- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز. وهو في «شرح السنة» (2270) بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان 4113 من طريق أبي مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ به. ورواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 532) عن أبي الزناد به. - وأخرجه البخاري 5109 ومسلم 1408 والنسائي 6/ 96 والشافعي 2/ 18 وأحمد 2/ 462 والبيهقي 7/ 165. - وأخرجه سعيد بن منصور 654 من طريق عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن أبيه به. - وأخرجه النسائي 6/ 97 من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج. - وورد من وجه آخر من حديث أبي هريرة بنحوه أخرجه البخاري 5110 ومسلم 1408 ح 35 و36 وأبو داود 2066 والنسائي 6/ 96- 97 والبيهقي 7/ 165 من طريق قبيصة بن ذؤيب عنه. - وورد من طريق مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هريرة بنحوه أخرجه مسلم 1408 ح 38 والترمذي 1125 والنسائي 6/ 98 وابن ماجه 1929 وعبد الرزاق 10753 وأحمد 2/ 432 و474 و489 و508 و516 وابن حبان 4068 والبيهقي 5/ 345 و7/ 165. 560- ع إسناده ضعيف. أخرجه الطبري 9013 عن حجاج بن أرطأة، عن ابن جريج قال: حدثني حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أبي سعيد الخدري قال: كان النساء يأتيننا ثم يهاجر أزواجهن، فمنعناهن يعني بقوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.... وفيه حجاج بن أرطأة، وهو مدلس، وقد عنعن، وكذا حبيب بن أبي ثابت. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المطبوع «يجمع» . [.....] (3) في المطبوع «هاجرن» . (4) في المطبوع «فتزوجهن» . (5) في المطبوع «قدم» .

الْحَرْبِ فَيَحِلُّ لِمَالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ بِالسَّبْيِ يَرْتَفِعُ النِّكَاحُ بينهما وبين زوجها. ع «561» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: بَعَثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَيْشًا إِلَى أَوَطَاسٍ فَأَصَابُوا سَبَايَا لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَرِهُوا غَشَيَانَهُنَّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أَنْ تَكُونَ أَمَتُهُ [1] فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ فَيَجُوزُ أَنْ ينزعها منه [وقال ابن مسعود: أراد أن يبيع الجارية المزوجة فتقع الفرقة بينها [2] وبين زوجها، ويكون بيعها طلاقا فيحل للمشتري وطؤها] [3] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرَ وَمَعْنَاهُ: أن ما فوق الأربع منهن حرام إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّهُ لَا عَدَدَ عَلَيْكُمْ فِي الْجَوَارِي. قَوْلُهُ تَعَالَى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [كِتَابَ اللَّهِ] [4] وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيْ: الْزَمُوا [كِتَابَ اللَّهِ] [5] عَلَيْكُمْ أَيْ: فَرْضُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وحمزة والكسائي وحفص وَأُحِلَّ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، لِقَوْلِهِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ مَا وراء ذلكم، مَا سِوَى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، أَنْ تَبْتَغُوا، تَطْلُبُوا بِأَمْوالِكُمْ، أن تَنْكِحُوا بِصَدَاقٍ أَوْ تَشْتَرُوا بِثَمَنٍ، مُحْصِنِينَ، أَيْ: مُتَزَوِّجِينَ [أَوْ] [6] مُتَعَفِّفِينَ، غَيْرَ مُسافِحِينَ، أَيْ: غَيْرُ زَانِينَ، مَأْخُوذٌ مِنْ سَفْحِ الْمَاءِ وَصَبِّهِ وَهُوَ الْمَنِيُّ، فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ مَا انْتَفَعْتُمْ وَتَلَذَّذْتُمْ بِالْجِمَاعِ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، أَيْ: مُهُورُهُنَّ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وهو أن تنكح امْرَأَةً إِلَى مُدَّةٍ فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ بَانَتْ مِنْهُ بِلَا طلاق، ويستبرئ رَحِمهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «562» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ أَنَا أَبِي أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئا»

_ 561- ع صحيح. أخرجه مسلم 1456 وأبو داود 2155 والترمذي 1132 والنسائي 6/ 110 وفي «التفسير» (116 و117) وعبد الرزاق في «تفسيره» (549) وأحمد 3/ 84 والطيالسي 2239 وأبو يعلى 1318 والبيهقي 7/ 167 من طرق من حديث أبي سعيد- وله شاهد حسن من حديث ابن عباس أخرجه النسائي في «التفسير» (118) . وانظر «أحكام القرآن» (441) بتخريجي، والله الموفق. 562- إسناده صحيح على شرط مسلم، سبرة والد الربيع هو ابن معبد الجهني. أخرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (1406) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن نمير بهذا الإسناد. وأخرجه عبد الرزاق 14041 وابن أبي شيبة 4/ 292 والحميدي 847 وأحمد 3/ 404 و405 وابن ماجه 1992 والدارمي 2/ 140 وأبو يعلى 939 وابن حبان 4147 وابن الجارود 699 والطحاوي 3/ 35 والطبراني 6514 و6515- 6520 والبيهقي 7/ 203 من طرق عن عبد العزيز بن عمر به، وفيه قصة. (1) في المطبوع وحده «أمة» . (2) في المطبوع «بينهما» . (3) سقط من- ط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) ما بين المعقوفتين في المطبوع «كتب الله» . (6) زيد في المطبوع وحده.

«563» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسْنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَذْهَبُ إلى أن الآية محكمة، وترخّص في نكاح المتعة. ع «564» روي عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ سَأَلَتُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ: أَمَا تَقْرَأُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى» ؟ قلت: لا أقرأها هكذا فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجَعَ عن ذلك [1] . ع «565» وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَعَدَ الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ؟ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا، لَا أَجِدُ رَجُلًا [2] نَكَحَهَا إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ: هَدْمُ الْمُتْعَةِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُحِلُّ ثُمَّ حُرِّمَ غَيْرَ الْمُتْعَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أَيْ: مُهُورَهُنَّ، فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ، فَمَنْ حَمَلَ مَا قَبْلَهُ [3] عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَرَادَ أنهما إذا عقدا [4] إلى

_ 563- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن شهاب هو الزهري محمد بن مسلم، ومحمد بن علي هو ابن الحنفية، وعلي هو ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه. وهو في «شرح السنة» (2285) بهذا الإسناد. رواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 542) عن الزهري بهذا الإسناد. - ومن طريق مالك أخرجه البخاري 4216 و5523 ومسلم 1407 والنسائي 6/ 126 و7/ 203 والترمذي 1794 وابن ماجه 1961 وابن حبان 4140 و4143 و4145 والبيهقي 7/ 201. - وأخرجه البخاري 5115 ومسلم 1407 ح 30 والنسائي 7/ 202 والترمذي 1121 وأحمد 1/ 79 وسعيد بن منصور 848 والحميدي 37 والدارمي 2/ 140 وأبو يعلى 576 وابن أبي شيبة 4/ 292 والبيهقي 7/ 201 و202 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزهري به. 564- ع موقوف صحيح. أخرجه الطبري 9039 من طريق شعبة، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي نضرة به و9037 و9038 عن داود، عن أبي نضرة نحوه، وإسناده صحيح لمجيئه من طرق، عن ابن عباس وهي طرق جياد. 565- ع أخرجه البيهقي 7/ 206 عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر، عن أبيه به. وقال البيهقي: فهذا إن صح عن عمر يبين إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنما نهى عن نكاح المتعة لأنه علم نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم عنه، وكرره البيهقي من وجهين بنحوه وهو قوي عن عمر. - ويشهد له ما أخرجه مسلم 1217 والبيهقي 7/ 206 عن قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يديّ دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء.... الحديث. - ويشهد له حديث عبد الله بن الزبير عند مسلم برقم: 1406 ح 27. [.....] (1) انظر «سنن البيهقي» (7/ 205) و «الدر المنثور» (2/ 252) و «تخريج الكشاف» (1/ 498) . (2) في المخطوط وحده «أحدا» . (3) في المخطوط «قبلها» . (4) في المطبوع وط «عقد» .

[فصل في قدر الصداق وفيما [1] يستحب منه]

أَجَلٍ بِمَالٍ فَإِذَا تَمَّ الْأَجَلُ فَإِنْ شَاءَتِ الْمَرْأَةُ زَادَتْ فِي الأجل وزاد الرجل في المال، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فَارَقَهَا، وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ. قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ من الْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَهْرِ وَالِافْتِدَاءُ وَالِاعْتِيَاضُ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً. [فَصَلٌ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ وَفِيمَا [1] يُسْتَحَبُّ مِنْهُ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَكْثَرِ الصَّدَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يغالى فيه: ع «566» قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَا لا تغالوا في صَدُقَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرِ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً. «567» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُفْلِسُ [2] أَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ أنا يحيى بن محمد الجاري [3] أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ [4] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، هَذَا صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ. أَمَّا أَقَلُّ الصَّدَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَقَلِّهِ بَلْ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قال عمر بن الخطاب: ثَلَاثِ قَبَضَاتِ زَبِيبٍ مَهْرٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَقَدَّرُ

_ 566- ع جيد. أخرجه أبو داود 2106 والترمذي 1114 والنسائي 6/ 117 وأحمد 1/ 40 و48 والدارمي 2120 والحاكم 2/ 175 والبيهقي 7/ 234 وأخرجه ابن ماجه 1887 مطوّلا كلهم من حديث أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر، ورواية: خطبنا عمر. زاد الترمذي: والأوقية أربعون درهما. وإسناده حسن لأجل أبي العجفاء واسمه هرم بن نسيب صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح اهـ. وله شاهد مرسل أخرجه عبد الرزاق 10401 عن نافع، ويشهد له ما بعده. تنبيه: وما شاع على الألسنة من مراجعة المرأة لعمر وهو على المنبر في هذا الشأن فهو ضعيف. أخرجه البيهقي 7/ 233 وقال: هذا منقطع اهـ. وانظر «أحكام القرآن» (419) بتخريجنا. 567- إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. - وهو في «شرح السنة» (2297) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1426 والشافعي 2/ 5 من طريق عبد العزيز بن محمد به وهذا خبر صحيح، وهو يشهد لحديث عمر المتقدم عن أبي العجفاء. (1) في المطبوع «وما» . (2) في «شرح السنة» المغلّس. (3) في الأصل «الحارثي» والتصويب من كتاب «الأنساب» و «شرح السنة» . (4) في الأصل «الهادي» والتصويب من كتب «التخريج» و «شرح السنة» .

بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، غَيْرَ أَنَّ نِصَابَ السَّرِقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ مَا: «568» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي [قَدْ] [1] وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ [قِيَامًا] [2] طَوِيلًا فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تكن لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا» ؟ قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أَعْطَيْتهَا إيّاه جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شيئا» ، فقال: ما أجده، فَقَالَ: «فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» ، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ» ؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا [لِسُورٍ سَمَّاهَا] [3] ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «قد زوجتها بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» . وَفِيهِ دليل على أن لَا تَقْدِيرَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ قال: «التمس شيئا» وهذا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَيِّ شَيْءٍ كان من المال، و [لأنه] [4] قال: «وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» ، وَلَا قِيمَةَ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ إِلَّا الْقَلِيلَ التَّافِهَ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يجوز تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ صَدَاقًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكُلُّ عَمَلٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ مِثْلُ [5] الْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ صَدَاقًا، وَلِمَ يُجَوِّزْ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُجْعَلَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ صَدَاقًا، والحديث حجة لمن جوّزه بعد ما أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ من موسى عليه السَّلَامُ عَلَى الْعَمَلِ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [القصص: 27] .

_ 568- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو حازم هو سلمة بن دينار. - وهو في «شرح السنة» (2295) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 526) عن أبي حازم به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2310 و5135 و7417 وأبو داود 2111 والترمذي 1114 والشافعي 2/ 7 و8 وأحمد 5/ 336 وابن حبان 4093 والطحاوي 3/ 16- 17 والبيهقي 7/ 144 و236 و242. - وأخرجه البخاري 5029 و5121 و5132 و5141 و5149 و5871 ومسلم 1445 والنسائي 6/ 113 وابن ماجه 1889 وعبد الرزاق 7592 والحميدي 998 وأحمد 5/ 330 وابن الجارود 716 والطحاوي 3/ 17 والطبراني 6/ (5750) و (57811) و (5907) و (5915) و (5993) والبيهقي 7/ 144 و236 و242 من طرق عن أبي حازم به. (1) زيادة عن «شرح السنة» . (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) زيادة عن «شرح السنة» ولفظ «سماها» زيد في المخطوط أيضا. [.....] (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «من» .

[سورة النساء (4) : آية 25]

[سورة النساء (4) : آية 25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) قَوْلُهُ تَعَالِي: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا، أَيْ: فَضْلًا وَسَعَةً، أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ، الْحَرَائِرَ الْمُؤْمِناتِ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ الْمُحْصَناتِ بكسر الصاد حيث جاء [1] إِلَّا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ جَمِيعِهَا، فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ، إِمَائِكُمْ الْمُؤْمِناتِ، أَيْ: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَهْرِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، فَلْيَتَزَوَّجِ الْأَمَةَ الْمُؤْمِنَةَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَجِدَ مَهْرَ حُرَّةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتِ، وَهُوَ الزِّنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي نِكَاحِهِ حرة [و] أَمَّا الْعَبْدُ فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، كَمَا يَقُولُ فِي الْحُرِّ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ: فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ، جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [الْمَائِدَةِ: 5] أَيْ: الْحَرَائِرُ جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ، أَيْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِلْبَاطِنِ فِي الْإِيمَانِ وَخُذُوا بِالظَّاهِرِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ، بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، قِيلَ: بَعْضُكُمْ إِخْوَةٌ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، فَانْكِحُوهُنَّ، يَعْنِي: الْإِمَاءَ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ، أَيْ: مَوَالِيهِنَّ، وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، مُهُورَهُنَّ، بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَضِرَارٍ، مُحْصَناتٍ، عَفَائِفَ بِالنِّكَاحِ، غَيْرَ مُسافِحاتٍ، أَيْ: غَيْرَ زَانِيَاتٍ، وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ، أَيْ: أَحْبَابٍ تَزْنُونَ بِهِنَّ فِي السِّرِّ، قَالَ الْحَسَنُ: الْمُسَافِحَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دعاها تبعته، وذات الخدن: أن [2] تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ لَا تَزْنِي إِلَّا مَعَهُ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تُحَرِّمُ الْأُولَى وَتُجَوِّزُ الثَّانِيَةِ، فَإِذا أُحْصِنَّ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالصَّادِ، أَيْ: حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَسْلَمْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: أُحْصِنَّ بِضَمِّ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الصاد، أي: تزويجهن، فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ، يَعْنِي: الزِّنَا، فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ، أَيْ: مَا عَلَى الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ إِذَا زَنَيْنَ، مِنَ الْعَذابِ، يَعْنِي: الْحَدَّ فَيُجْلَدُ الرَّقِيقُ إِذَا زَنَى خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَهَلْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فَيُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَلَا رَجْمَ عَلَى الْعَبِيدِ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ [3] بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِتْيَةٍ [4] مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ [مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ خمسين خمسين] [5] في الزنا.

_ (1) في المطبوع «كان» . (2) في المطبوع وط «أي» . (3) في الأصل «عباس» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» و «الموطأ» (2/ 827) . (4) في الأصل «فئة» والتصويب من «شرح السنة» و «الموطأ» و «سنن البيهقي» (8/ 242) . (5) في الأصل «فجلدنا ولائد الإماء خمسين في الزنا» والتصويب عن «شرح السنة» و «الموطأ» و «سنن البيهقي» (8/ 242) . ومعنى الولائد: الإماء.

[سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 29]

وَلَا فَرْقَ فِي حَدِّ الْمَمْلُوكِ بَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ [لَمْ] [1] يَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَمَالِيكِ إِذَا زَنَى، لِأَنَّ الله تعالى قال: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ، وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَمَعْنَى الْإِحْصَانُ عِنْدَ الْآخَرِينَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّزْوِيجَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّزْوِيجَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا بِالتَّزْوِيجِ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا حَدُّهُ الْجِلْدُ بِخِلَافِ الْحُرِّ، فَحَدُّ الْأَمَةِ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيَانُ [أنه بالجلد في الخبر، و] [2] هو مَا: «569» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي الْمُقْبُرِيَّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، [ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا] [3] ، ثُمَّ إِنْ زنت الثالثة فتبين زناها فليبغها وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ، يَعْنِي: نِكَاحَ الْأَمَةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ، لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ، يَعْنِي: الزِّنَا، يُرِيدُ المشقة بغلبة الشَّهْوَةِ، وَأَنْ تَصْبِرُوا، عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ مُتَعَفِّفِينَ، خَيْرٌ لَكُمْ، لِئَلَّا يُخْلَقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 29] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29)

_ 569- إسناده صحيح على شرط البخاري، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هو ابن يحيى القرشي الأويسي روى له البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، سعيد المقبري هو ابن أبي سعيد واسم أبي سعيد كيسان. - وهو في «شرح السنة» (2582) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2234) عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2152 و6839 ومسلم 1703 ح 30 و31 وأبو داود 4470 و4471 من طرق عن سعيد المقبري به. - وهو في «الموطأ» (2/ 826) من طريق الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خالد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2153 و6837 ومسلم 1704 ح 33 وأبو داود 4469 وابن الجارود 821 وابن حبان 4444 والبيهقي 8/ 242 و244. - وأخرجه البخاري 2232 و2555 ومسلم 1704 وعبد الرزاق 13598 والطيالسي 1334 و2513 من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خالد. - وأخرجه ابن ماجه 2565 وابن أبي شيبة 9/ 513 والشافعي 2/ 200 والحميدي 812 وأحمد 4/ 116 والبيهقي 8/ 244 من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عبيد الله، عن أبي هريرة وزيد وشبل. (1) سقط من المطبوع. (2) العبارة في المطبوع وحده «أنها تجلد في الحد» . (3) سقط من- ط.

قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ، أَيْ: أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشُّورَى: 15] أَيْ: أَنَّ أَعْدَلَ، وَقَوْلُهُ: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الْأَنْعَامِ: 71] ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ [غَافِرٍ: 66] ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أَيْ: يُوَضِّحَ لَكُمْ شَرَائِعَ دِينِكُمْ وَمَصَالِحَ أُمُورِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُقَرِّبُكُمْ مِنْهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ لَكُمْ، وَيَهْدِيَكُمْ، يرشدكم، سُنَنَ، شَرَائِعَ، الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبِلَكُمْ، وَقِيلَ: وَيَهْدِيَكُمُ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ وَهِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ مَا أَصَبْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِكُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وقيل: يوفقكم التوبة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، حَكِيمٌ، فِيمَا دَبَّرَ مِنْ أُمُورِهِمْ. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ، إِنْ وَقْعَ منكم تقصير في أمر دينكم [1] وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا، عَنِ الْحَقِّ، مَيْلًا عَظِيماً بِإِتْيَانِكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. وَاخْتَلَفُوا في الموصوفين باتّباع الشهوات، فقال السُّدِّيُّ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمَجُوسُ لِأَنَّهُمْ يُحِلُّونَ نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الزُّنَاةُ يُرِيدُونَ أَنْ تَمِيلُوا عَنِ الْحَقِّ فَتَزْنُونَ كَمَا يَزْنُونَ، وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَاطِلِ. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، يسهل عليكم أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْ سَهَّلَ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [الأعراف: 157] ع «570» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ» [2] .

_ 570- ع جيد. أخرجه أحمد 5/ 266 والطبراني في «الكبير» (7868) والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 204) من حديث أبي أمامة بأتم منه وفيه: «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة....» . وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 279 (9441) وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف اهـ. وورد من وجه آخر من حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني 7715 وفيه عفير بن معدان، وهو ضعيف كما في «المجمع» (4/ 302) (7613) . وله شواهد منها: - حديث عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة» . أخرجه أحمد 6/ 116 و233 وإسناده جيد. وأخرجه الحميدي 259 من طريق يعقوب بن زيد التيمي، عن عائشة وإسناده منقطع وانظر «فتح الباري» (2/ 444) . - وحديث جابر أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (7/ 209) بأتم منه وإسناده ضعيف. - ومرسل حبيب بن أبي ثابت عند ابن سعد في «الطبقات» (1/ 151) . - وفي الباب من حديث أبي هريرة «إن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» أخرجه الطبراني في «الأوسط» (7347) . وفي إسناده عبد الله بن إبراهيم الغفاري، منكر الحديث كما في «المجمع» (1/ 60) (205) . وليس في أي رواية من هذه الروايات قوله «السهلة» وانظر «المقاصد الحسنة» (193) . الخلاصة: هو حديث حسن صحيح بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم. (1) في- ب «دينه» . (2) في الأصل «السلهة» وهو تصحيف. [.....]

وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً، قال طاووس وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَمْرِ النِّسَاءِ: لَا يُصْبَرُ عَنْهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً يَسْتَمِيلُهُ هَوَاهُ وَشَهْوَتُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، بَيَانُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ [الرُّومِ: 54] . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعني [1] بالحرام، بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً، [قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ] [2] تِجارَةً نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ، عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ، أَيْ بطيب [3] نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُجِيزَ [4] كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَيَلْزَمُ وَإِلَّا فَلَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا لِمَا: «571» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، قال أبو عبيدة: لَا تُهْلِكُوهَا، كَمَا قَالَ: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [الْبَقَرَةِ: 195] ، وَقِيلَ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ. «572» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الربيع

_ 571- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2040) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق مالك وهو في «الموطأ» (2/ 671) عن نافع به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 2111 ومسلم 1531 وأبو داود 3454 والنسائي 7/ 248 والشافعي 3/ 4 وأحمد 1/ 56 وابن حبان 4916 والدارقطني 3/ 6 والبيهقي 5/ 268. - وورد من وجه آخر بنحوه عن الليث بن سعد، عن نافع به أخرجه البخاري 2112 ومسلم 1531 ح 44 وابن حبان 4917 والدارقطني 3/ 5 وابن الجارود 618 والبيهقي 5/ 269. - وأخرجه البخاري 2113 ومسلم 1531 والنسائي 7/ 250- 251 وعبد الرزاق 14265 وابن أبي شيبة 7/ 124 وأحمد 2/ 9 وابن حبان 4913 وابن الجارود 617 والبيهقي 5/ 269 من طرق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عن ابن عمر مرفوعا. 572- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن عيينة هو سفيان، أيوب هو ابن أبي تميمة السّختياني، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي. - وهو في «شرح السنة» (2518) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 97) عن ابن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6105 و6652 ومسلم 110 ح 177 وعبد الرزاق 15972 والحميدي 850 وأحمد 4/ 33 والطبراني 1324- 1330 والبيهقي 8/ 23 من طرق عن أيوب السختياني به. - وأخرجه البخاري 1363 ومسلم 110 والنسائي 7/ 5- 6 وابن ماجه 2098 وأحمد 4/ 33 و34 وابن حبان 4366 والطبراني 1338 و1339 من طرق عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قلابة به. - وأخرجه البخاري 6047 ومسلم 110 وأبو داود 3257 والترمذي 1543 والطيالسي 1197 وعبد الرزاق 15984 وأحمد 4/ 33 وأبو يعلى 1535 وابن حبان 4376 وابن الجارود 924 والطبراني 1331 و1332- 1335 والبيهقي (1) في المخطوط لفظ «يعني» قبل «بالحرام» . (2) سقط من المخطوط. (3) في المطبوع وط «طيبة» . (4) في المخطوط وحده «يخبر» .

أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، «573» حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ [الشَّاهُ بْنُ] [1] عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ أَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَخْبَرَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ «خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَرَابٌ فَجَزِعَ مِنْهُ فَأَخْرَجَ] [2] سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يَعْنِي: إِخْوَانَكُمْ، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً «574» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصَتَ [3] النَّاسَ» ثُمَّ قَالَ: «لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» .

_ 10/ 30 من طرق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عن أبي قلابة به. 573- إسناده صحيح، أبو موسى الزمن فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، جرير والد وهب هو ابن حازم بن زيد. الحسن هو البصري ابن يسار. - وهو في «شرح السنة» (2519) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو يعلى 1527 وابن حبان 5988 من طريق محمد بن المثنى الزمن به. - وأخرجه مسلم 113 ح 181 وابن مندة في «الإيمان» (647) عن وهب بن جرير به. - وأخرجه البخاري 1364 و1463 وأبو عوانة 1/ 46- 47 وابن مندة 647 والطبراني 1664 والبيهقي 8/ 24 من طرق عن جرير بن حازم به. - وأخرجه مسلم 113 ح 180 وابن مندة 648 وابن حبان 5989 من طريق محمد بن رافع، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ الحسن به. 574- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» (2544) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وفي «صحيحه» (7080) عن سليمان بن حرب به. وأخرجه البخاري 4405 و6869 ومسلم 65 والنسائي 7/ 127- 128 وابن ماجه 3942 والطيالسي 664 وابن أبي شيبة 15/ 30- 31 وأحمد 4/ 358 و363 و366 والدارمي 2/ 69 وابن حبان 5940 والطبراني 2402 وابن مندة 657 والطحاوي في «المشكل» (3/ 194) من طرق عن شعبة به. وأخرجه النسائي 7/ 128 وابن أبي شيبة 15/ 30 وأحمد 4/ 366 والطبراني 2277 من طريق عبد الله بن نمير، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير. (1) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (2) ما بين المعقوفتين مثبت من «شرح السنة» ونسخة «ط» وهو الذي يقتضيه سياق مسلم وغيره وهو في الأصل «جرح رجل فيمن كان قبلكم فألم ألما شديدا، ولم يبرأ فجزع منه فأخذ» . (3) في الأصل «استنصب» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب «التخريج» .

[سورة النساء (4) : الآيات 30 الى 31]

[سورة النساء (4) : الآيات 30 الى 31] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ، يَعْنِي: مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، عُدْواناً وَظُلْماً، فَالْعَدُوَّانُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَسَوْفَ نُصْلِيهِ، نُدْخِلُهُ فِي الْآخِرَةِ، نَارًا، يُصْلَى فِيهَا، وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، هَيِّنًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، اخْتَلَفُوا فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ اجْتِنَابَهَا تَكْفِيرًا لِلصَّغَائِرِ: «575» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَنَا فِرَاسٌ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [1] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [2] وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسِ» . «576» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ [أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ] [3] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ [4] أَنَا الْجَرِيرِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

_ 575- إسناده صحيح على شرط البخاري حيث تفرد عن محمد بن مقاتل الكسائي، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، النضر هو ابن شميل، شعبة هو ابن الحجاج، وفراس هو ابن يحيى الهمداني. - وهو في «شرح السنة» (44) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6675) عن محمد بن مقاتل به. - وأخرجه البخاري 6870 والترمذي 3021 والنسائي 7/ 89 و8/ 63 وأحمد 2/ 201 والدارمي 2/ 191 وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 202) من طرق عن شعبة به. - وأخرجه البخاري 6920 وابن حبان 5562 والبيهقي 10/ 35 من طريق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ شيبان، عن فراس به. - وورد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنيس أخرجه الترمذي 3020 وأحمد 3/ 495 والحاكم 4/ 296 والطحاوي في «المشكل» (893) من طريق الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن محمد بن زيد، عن أبي أمامة عنه. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن غريب اهـ. 576- إسناده صحيح على شرط البخاري، مسدد هو ابن مسرهد روى له البخاري دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الجريري هو سعيد بن إياس. - وهو في «شرح السنة» بإثر (43) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2654) عن مسدد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5976 و6273 و6274 و6919 ومسلم 87 والترمذي 1901 و3019 وأبو عوانة 1/ 54 والطحاوي في «المشكل» (892) والبيهقي 10/ 121 من طرق عن سعيد بن إياس الجريري به. [.....] (1) في الأصل «عمر» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التخريج» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (4) وقع في الأصل «الفضل» وهو تصحيف.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَّا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» [ثَلَاثًا] [1] قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَّا وَقَوْلُ الزُّورِ» ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ. «577» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ محمد عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ [بْنُ مُحَمَّدِ] [2] بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [3] أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وَوَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» ، قُلْتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: «أن تزني بحليلة جَارِكَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [4] وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان: 68] الْآيَةُ. «578» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الغيث أنا أَبُو هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمُ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الغافلات» .

_ 577- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، سفيان هو ابن سعيد الثوري، الأعمش هو سليمان بن مهران، منصور هو ابن المعتمر، واصل هو ابن حيان، أبو وائل هو شقيق بن سلمة. - وهو في «شرح السنة» (42) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4477 و7520 ومسلم 86 والنسائي في «الكبرى» (3476) و (3477) و (7124) و (10987) و (11368) وابن حبان 4415 من طريق عن جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ منصور، عن أبي وائل به. وأخرجه أحمد 1/ 434 من طريق منصور به. - وأخرجه الترمذي 3183 وأحمد 1/ 434 من طريق شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، وقال الترمذي: حديث سفيان، عن منصور والأعمش أصح من حديث واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا اهـ. - وأخرجه البخاري بإثر 6811 والنسائي 7/ 90 عن سفيان، عن واصل به وأحمد 1/ 462 من طريق مهدي عن واصل به. 578- إسناده صحيح على شرط البخاري، عبد العزيز هو الأويسي روى له البخاري، وقد توبع، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، سليمان هو ابن بلال، وثور هو ابن زيد المدني، أبو الغيث، اسمه سالم وهو مولى ابن مطيع. - وهو في «شرح السنة» (45) بهذا الإسناد. - ورواه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2766) عن عبد العزيز بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5764 و6857 وابن حبان 5561 والبيهقي 8/ 249 من طريق عبد العزيز الأويسي بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 89 وأبو داود 6874 والنسائي 6/ 257 وأبو عوانة 1/ 54- 55 والطحاوي في «المشكل» (894) من طرق عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ به. (1) زيادة عن المخطوط و «صحيح البخاري» . (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «الأنساب» . (3) في الأصل «البرني» والتصويب من «شرح السنة» و «الأنساب» . (4) ما بين المعقوفتين في المطبوع «تصديقها» .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. «579» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الجعد أنا شعبة عن سعد [1] بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [2] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «من [أكبر] [3] الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» ، قالوا: يا رسول الله وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نعم يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباه ويسبّ أمه [فيسب أُمَّهُ] [4] » . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْكَبَائِرِ: أسبع هي؟ قال: هي إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ إِلَّا أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْهَا فَلْيَسْتَغْفِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّدُ فِي النَّارِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا رَاجِعًا عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ جَاحِدًا فَرِيضَةً أَوْ مُكَذِّبًا بِقَدَرٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، فهو كبيرة، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: [عن ابن عباس] [5] هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا أَوْ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ. وقال الحسين [6] بْنُ الْفَضْلِ: مَا سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ كَبِيرًا أَوْ عَظِيمًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً [النِّسَاءِ: 2] ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً [الْإِسْرَاءِ: 31] ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لُقْمَانَ: 13] ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يُوسُفَ: 28] ، سُبْحانَكَ هَذَا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [النُّورِ: 16] ، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الْأَحْزَابِ: 53] ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْكَبَائِرُ مَا كَانَ فِيهِ الْمَظَالِمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ [7] ، وَالصَّغَائِرُ مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَعْفُو، وَاحْتَجَّ بِمَا: «580» أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكِرْمَانِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ [بْنُ مُحَمَّدِ] [8] بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ

_ 579- إسناده على شرط البخاري، علي بن الجعد تفرد عنه البخاري، وقد توبع. ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» (3321) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 90 والطيالسي 2269 وأحمد 2/ 195 وأبو عوانة 1/ 55 وابن حبان 412 من طرق عن شعبة به. - وأخرجه البخاري 5973 ومسلم 90 وأبو داود 5141 والترمذي 1902 وأحمد 2/ 164 و214 و216 وابن حبان 411 وأبو نعيم في «الحلية» (3/ 172) من طرق عن سعد بن إبراهيم به. 580- باطل. رجال الإسناد ثقات غير الحسين بن داود، فإنه ساقط، ذكره الذهبي في «الميزان» (1/ 534) بحديث غير هذا، وقال: قال الخطيب: ليس بثقة، وحديثه موضوع. وزاد ابن حجر في «اللسان» (2/ 282) عن الخطيب قوله: روى نسخة عن يزيد، عن حميد، عن أنس أكثرها موضوع، وقال الحاكم: روى عن جماعة لا يحتمل سنة السماع منهم، وله عندنا عجائب يستدل بها على حاله اهـ. قلت: وهذا الحديث رواه عن يزيد بن هارون، عن حميد، وهذه نسخة (1) في الأصل «سعيد» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التخريج» . (2) في الأصل «عمر» والتصويب من «شرح السنة» وكتب «التخريج» و «ط» . [.....] (3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) سقط من المطبوع. (5) زيادة عن الطبري 9213. (6) في المطبوع «الحسن» . (7) في المطبوع وحده «عبد الله تعالى» بدل «العباد» . (8) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

[سورة النساء (4) : آية 32]

أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ أَنَا الْحُسَيْنُ بن داود الْبَلْخِيُّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَفَا عَنْكُمْ جَمِيعًا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، تَوَاهَبُوا الْمَظَالِمَ وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي» . وَقَالَ مَالِكُ بْنِ مِغْوَلٍ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالسَّيِّئَاتُ ذُنُوبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْعَمْدِ وَالسَّيِّئَاتُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ الْمَرْفُوعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَحِلِّينَ مِثْلَ ذَنْبِ إِبْلِيسَ وَالصَّغَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِثْلَ ذَنْبٍ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْكَبَائِرُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ، وَالسَّيِّئَاتُ مقدّماتها وتوابعها [وما يَجْتَمِعُ] [1] فِيهِ الصَّالِحُ وَالْفَاسِقُ، مِثْلَ النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. ع «581» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ» ، وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ مَا يَسْتَحْقِرُهُ الْعِبَادُ، وَالصَّغَائِرُ مَا يَسْتَعْظِمُونَهُ فَيَخَافُونَ مُوَاقَعَتَهُ، كَمَا: «582» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا [أَبُو] [2] الْوَلِيدِ أَنَا مهدي بن ميمون عن [3] غَيْلَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا نعدّهم عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ. [سورة النساء (4) : آية 32] وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32)

_ موضوعة وهذا الحديث دليل على ذلك، فإن القصاص واقع على جميع الأمم. - وهو في «شرح السنة» (4261) بهذا الإسناد. وذكره العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 545) وقال: رويناه في سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس، وفيه الحسين بن داود البلخي. قال الخطيب: ليس بثقة اهـ. 581- ع صحيح. أخرجه أحمد 3/ 411 وابن حبان 4419 والطحاوي في «المشكل» (2712 و2714) والبغوي في «شرح السنة» (75) من طرق عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وإسناده حسن. وقال البغوي: هذا حديث صحيح. - وفي الباب من حديث ابن عباس أخرجه البخاري بإثر 6243 و6612 ومسلم 2657 وأحمد 2/ 276 وابن حبان 4420 والبيهقي 7/ 89 و10/ 185- 186. 582- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الوليد هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك، غيلان هو ابن جرير. - وهو في «شرح السنة» (4097) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6492) عن الوليد الإسناد. وأخرجه أحمد 3/ 157 وأبو يعلى 4207 و4314 من طريق مهدي بن ميمون به، وورد من وجه آخر لكنه ضعيف. أخرجه أحمد 3/ 285 من طريق علي بن زيد قال سمعت أنس.... فذكره وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف لكن يصلح للاستشهاد به. (1) في المطبوع «مما يجمع» . (2) زيادة عن «صحيح البخاري» . (3) في الأصل «بن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب «التخريج» .

وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ، وَمَا يُؤَدِّي إليه، وما دون الشكر فهو من السَّيِّئَاتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: 48] . نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَمِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَمِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ. «583» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ [1] أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي صَخْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ [أَبِيهِ عَنْ] [2] أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَ الْكَبَائِرُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً، أَيْ: حَسَنًا وَهُوَ الْجَنَّةُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مُدْخَلًا بِفَتْحِ الْمِيمِ هَاهُنَا وَفِي الْحَجِّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْمَصْدَرِ بمعنى الإدخال. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية. ع «584» قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ وَلَا نَغْزُو وَلَهُمْ ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ الْمِيرَاثِ، فَلَوْ كُنَّا رِجَالًا غَزَوْنَا كَمَا غَزَوْا وَأَخَذْنَا مِنَ الْمِيرَاثِ مِثْلَ مَا أَخَذُوا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقِيلَ: لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ قَالَتِ النِّسَاءُ: نَحْنُ أَحَقُّ وَأَحْوَجُ إِلَى الزِّيَادَةِ مِنَ الرِّجَالِ، لأننا ضعيفات [3] وَهُمْ أَقْوَى وَأَقْدَرُ عَلَى طَلَبِ المعاش، فأنزل الله تعالى:

_ 583- إسناده على شرط مسلم، حميد بن زياد أبو صخر صدوق، وفيه ضعف لكن توبع، ابن وهب هو عبد الله. - خرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (233) ح 16 عن هارون بن سعيد بهذا الإسناد. - وأخرجه البيهقي 10/ 187 من طريق هارون بن سعيد به وأحمد 2/ 400 من طريق هارون بن معروف، عن ابن وهب به، وابن معروف ثقة روى له الشيخان وأما هارون بن سعيد، فإنه من رجال مسلم. - وأخرجه مسلم 233 والترمذي 214 وابن خزيمة 314 و1814 وابن حبان 1733 والبيهقي 2/ 467 و10/ 187 والبغوي في «شرح السنة» (346) من طرق عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ به. - وأخرجه مسلم 133 ح 15 وأحمد 2/ 359 والبيهقي 2/ 466 من طريق هشام بن حسان، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أبي هريرة. - وأخرجه أحمد 2/ 484 من طريق زهير، عن العلاء به. - وأخرجه الطيالسي 2470 وأحمد 2/ 414 من طريق الحسن، عن أبي هريرة. وهذا ضعيف لانقطاعه، فالحسن لم يسمع من أبي هريرة. 584- ع إسناده ضعيف. أخرجه الترمذي 3022 والحاكم 2/ 305 والواحدي 306 من طريق مجاهد عن أم سلمة. قال الترمذي: هذا حديث مرسل اهـ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، إن كان سمع مجاهد من أم سلمة. ووافقه الذهبي، وتقدم أنه منقطع فيما ذكر الترمذي، وسيأتي في الأحزاب. [.....] (1) في الأصل «الأبلي» والتصويب عن «ط» وكتب التخريج. (2) زيادة عن المخطوط و «صحيح مسلم» . (3) في المطبوع «لأنا ضعيفات» وفي المخطوط «لأننا ضعفاء» وفي- ط «لأنا ضعفاء» .

[سورة النساء (4) : آية 33]

تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ والسدي: لمّا أنزل الله قَوْلُهُ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11] قَالَ الرِّجَالُ [1] إِنَّا لِنَرْجُوَ أَنْ نُفَضَّلَ عَلَى النِّسَاءِ بِحَسَنَاتِنَا فِي الْآخِرَةِ فَيَكُونُ أَجْرُنَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ أَجْرِ النِّسَاءِ كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنَ الْأَجْرِ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ مَعْنَاهُ: أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ سَوَاءٌ، وذلك أن الحسنة تكون بعشرة أَمْثَالِهَا يَسْتَوِي فِيهَا [2] الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ فُضِّلَ الرِّجَالُ فِي الدُّنْيَا عَلَى النِّسَاءِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ مِنْ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ. [يَعْنِي: إِنْ كَانَ لِلرِّجَالِ فَضْلُ الْجِهَادِ فَلِلنِّسَاءِ فَضْلُ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وحفظ الفروج] [3] قوله تعالى: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، قَرَأَ ابْنُ كثير والكسائي (وسلوا، وسل، فسل) ، إِذَا كَانَ قَبْلَ السِّينِ وَاوٌ أَوْ فَاءٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى السِّينِ، وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ مَهْمُوزًا. فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَاعِي الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ أَنْ يَتَمَنَّى [4] زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهِ [سواء تمناها لنفسه أم لا] [5] ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَالْغِبْطَةُ أَنْ يَتَمَنَّى لِنَفْسِهِ مِثْلَ مَا لِصَاحِبِهِ وَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ مَالَ أَخِيهِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا خَادِمِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِثْلَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التوراة وذلك في القرآن. وقوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ: مِنْ رزقه، [و] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ عِبَادَتِهِ، فَهُوَ سُؤَالُ التَّوْفِيقِ لِلْعِبَادَةِ، وقال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إِلَّا لِيُعْطِيَ. إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً. [سورة النساء (4) : آية 33] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أَيْ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَعَلْنَا مَوَالِيَ، أَيْ: عُصْبَةً يُعْطُونَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ هُمُ الْمُوَرِّثُونَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أَيْ: وَرَثَةً مِمَّا تَرَكَ أَيْ: مِنَ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ وَيَكُونُ (مَا) بِمَعْنَى مِنْ، ثُمَّ فَسَّرَ الْمَوَالِيَ فَقَالَ: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي: هم الوالدان والأقربون، [فعلى هذا القول: الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ] [6] هُمُ الْوَارِثُونَ، وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: عَقَدَتْ بِلَا أَلْفٍ، أَيْ: عَقَدَتْ لَهُمْ أَيْمَانُكُمْ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ، وَالْمُعَاقَدَةُ: الْمُحَالَفَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ، وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ، مِنَ الْيَدِ وَالْقَسَمِ، وذلك أنهم كانوا عند المخالفة يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ بِيَدِ بَعْضٍ عَلَى الوفاء والتمسّك بالعهد. ومخالفتهم أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ [وَهَدْمِي هَدْمُكَ] [7] وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِنْ مَالِ الْحَلِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ [ثَابِتًا] [8] فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أَيْ: أَعْطُوهُمْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال: 75] ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفْدِ وَلَا ميراث لهم، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1] .

_ (1) تصحف في المطبوع «الرجل» . (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «فيه» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) زيد في المطبوع وحده «الرجل» . (5) العبارة في المخطوط وط «ويتمناها لنفسه» . (6) زيد في المطبوع. (7) زيادة عن المخطوط وط. (8) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 34]

ع «585» وقال رسول لله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خطبته [1] يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ دُونَ الرَّحِمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَالنَّصِيحَةُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ فَيُوصِي لَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالتَّبَنِّي وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً. [سورة النساء (4) : آية 34] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، الْآيَةُ ع «586» نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَكَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ وَفِي امْرَأَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ- قَالَهُ مُقَاتِلٌ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: امْرَأَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ- وَذَلِكَ أَنَّهَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ فَلَطَمَهَا، فَانْطَلَقَ أَبُوهَا مَعَهَا إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِتَقْتَصَّ مِنْ زَوْجِهَا» ، فَانْصَرَفَتْ مَعَ أبيها لتقتصّ منه

_ 585- ع هو مركب من حديثين: الأول: أخرجه الطبري 9292 وأحمد 5/ 61 والطبراني 18/ (865) عن قيس بن عاصم أنه سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم عن الحلف فقال: ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام» وإسناده لين، فيه شعبة بن التوأم وثقه ابن حبان وحده، لكن له شواهد كثيرة. الثاني: أخرجه الطبري 9295 من حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عن جده أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال في خطبته يوم فتح مكة: «فوا بالحلف، فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» . وإسناده حسن، وله شاهد من حديث أم سلمة أخرجه الطبري 9294 وفيه علي بن زيد حديثه حسن في الشواهد. - وله شاهد من حديث جبير بن مطعم أخرجه مسلم 2530 وأبو داود 2925 وأحمد 4/ 83 وابن حبان 4371 والطبري 9295 والطبراني 1597 والبيهقي 6/ 262. - ومن حديث ابن عباس أخرجه أحمد 1/ 317 و329 والدارمي 2/ 243 والطبري 9291 والطبراني 11740 وإسناده على شرط مسلم. وللحديث شواهد كثيرة. 586- ع ضعيف بهذا اللفظ. ذكره الواحدي في «أسبابه» (310) عن مقاتل بدون إسناد بهذا اللفظ، وكذا عزاه الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 506) للثعلبي- وورد مختصرا بمعناه عند الواحدي 311 و312 والطبري 9205 و9306 عن الحسن مرسلا. - وورد أيضا عند الطبري 9307 عن قتادة مرسلا و9309 عن ابن جريج مرسلا، فلعل هذه المراسيل تتأيد بمجموعها والله أعلم. لكن ليس في المراسيل المسندة ذكر اللفظ المرفوع. ولا ذكر أسماء. - وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 506) : ولابن مردويه عن علي بإسناده نحوه ولم يقل «القصاص» وزاد: «أردت أمرا، وأراد الله غيره» اهـ. وانظر «تفسير ابن كثير» عند هذه الآية بتخريجي. (1) في المطبوع وط «خطبة» . [.....]

فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعُوا هَذَا جِبْرِيلُ أَتَانِي بِشَيْءٍ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ» ، وَرَفَعَ الْقِصَاصَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أَيْ: مُسَلَّطُونَ عَلَى تَأْدِيبِهِنَّ، وَالْقَوَّامُ وَالْقَيِّمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْقَوَّامُ أَبْلَغُ وَهُوَ الْقَائِمُ بِالْمَصَالِحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ، بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، يَعْنِي: فَضَّلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ بِزِيَادَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْوِلَايَةِ، وَقِيلَ: بِالشَّهَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [الْبَقَرَةِ: 282] وَقِيلَ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ: بِالْعِبَادَاتِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْكِحُ أَرْبَعًا وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا زَوْجٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، وَقِيلَ: بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: بِالدِّيَةِ، وَقِيلَ: بِالنُّبُوَّةِ، وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ، يَعْنِي: إِعْطَاءَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. «587» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أبو عبد الله

_ 587- حديث صحيح. إسناده ضعيف لانقطاعه، أبو ظبيان واسمه حصين بن جندب- بفتح الظاء- ثقة لكن لم يسمع من معاذ، سفيان هو ابن سعيد الثوري، الأعمش هو سليمان بن مهران. - وهو في «شرح السنة» (2322) بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 5/ 227- 228 (21480) من طريق الأعمش به. - وأخرجه ابن ماجه 1853 وأحمد 4/ 381 وابن حبان 4171 والبيهقي 7/ 292 من طريق أيوب عن القاسم بن عوف الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم:..... فذكره. - وأخرجه عبد الرزاق 20596 من طريق القاسم الشيباني أن معاذ بن جبل.... فذكره. - وأخرجه الحاكم 4/ 172 عن القاسم قال: حدثنا معاذ بن جبل.... فذكره. وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي!!؟. - وأخرجه البزار 1461 عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عن أبيه، عن معاذ.... - وأخرجه البزار 1470 والطبراني 7294 عن القاسم، عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، عن صهيب أن معاذ.... فذكره وفيه النهاس بن قهم، وهو ضعيف. - وأخرجه البزار 1468 و1469 والطبراني 5116 و117 عن قتادة، عن القاسم، عن زيد بن أرقم قال: بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معاذا.... فذكره قلت: مداره على القاسم بن عوف الشيباني قال عنه الذهبي في «الميزان» : مختلف فيه، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث وقال الحافظ في «التقريب» : صدوق يغرب اهـ. وله شواهد منها: - حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي 1159 وابن حبان 4162 والبيهقي 7/ 291 من طريق النضر بن شميل، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنه وفي إسناده محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث. وأخرجه الحاكم 4/ 71- 72 والبزار 1466 من طريق سليمان بن أبي سليمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عنه، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: بل سليمان هو اليمامي ضعفوه اهـ. - وحديث أنس أخرجه النسائي في «الكبرى» (9147) وأحمد 3/ 158 والبزار 2454. وذكره الهيثمي في «المجمع» (9/ 4) وقال: ورجاله رجال الصحيح غير حفص ابن أخي أنس، وهو ثقة اهـ. - وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني 12002 وفي إسناده الحكم بن طهمان وهو ضعيف. - وحديث عائشة أخرجه ابن ماجه 1852 وابن أبي شيبة في «المصنف» (4/ 306) وأحمد 6/ 76 وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. - وفي الباب من حديث قيس بن سعد أخرجه أبو داود 2140 والحاكم 2/ 187 والبيهقي 7/ 291، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، وتقدم برقم 259.

مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ [1] أَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أبي ظبيان عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ، أَيْ: مُطِيعَاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ، أَيْ: حَافِظَاتٌ لِلْفُرُوجِ فِي غَيْبَةِ الْأَزْوَاجِ، وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ لِسِرِّهِمْ بِما حَفِظَ اللَّهُ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِمَا حَفِظَ اللَّهَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَحْفَظْنَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالرَّفْعِ، أَيْ: بِمَا حَفِظَهُنَّ اللَّهُ بِإِيصَاءِ الْأَزْوَاجِ بِحَقِّهِنَّ وَأَمْرِهِمْ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِحِفْظِ اللَّهِ. «588» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [مُحَمَّدُ] [2] بْنُ فَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسُوحِيُّ [3] أَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِنْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِنْ أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِهَا وَنَفْسِهَا» ، ثُمَّ تَلَا: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الآية.

_ (1) في الأصل «البرني» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) كذا في المطبوع وط وفي المخطوط «السرخسي» . 588- حديث صحيح دون ذكر الآية. إسناده ضعيف لأجل نجيح بن عبد الرحمن السندي أبي معشر، فقد ضعفه غير واحد، ووثقه آخرون، والحارث بن عبد الله لم أجد له ترجمة، وقد توبع هو ومن دونه. وأخرجه الطيالسي 2325 والطبري 9329 من طريق أبي معشر بهذا الإسناد، وقد صح هذا الحديث بدون ذكر الآية. - فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (8961) والحاكم 2/ 161 (2682) من طريق آخر، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سعيد المقبري بهذا الإسناد. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وحسّن إسناده الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 506) وهو كما قال. وله شواهد منها: - حديث ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... » الحديث، وفيه «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» . وفي إسناده أبو اليقظان عثمان بن عمير، وهو ضعيف، والحديث صححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: عثمان لا أعرفه، والخبر عجيب اهـ. قلت: الغريب فيه ذكر الآية. - وحديث عبد الله بن سلام أخرجه الطبراني في «الكبير» (7828) وفي زريك بن أبي زريك قال الهيثمي في «المجمع» (4/ 273) : ولم أعرفه اهـ. - وحديث أبي أمامة عند ابن ماجه 1857 وفي إسناده علي بن يزيد قال البوصيري في «الزوائد» : قال البخاري: منكر الحديث وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه، والحديث رواه النسائي من حديث أبي هريرة، وسكت عليه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر اهـ. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» : وفي الباب عن أبي أمامة عند ابن ماجه وإسناده ساقط، وعن عبد الله بن سلام عند الطبراني، وعن ثوبان وغيرهم اهـ. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، لكن دون ذكر الآية، فقد تفرد بذكر الآية أبو معشر، وهو غير قوي، وعنه الحارث بن عبد الله، ولم أجد له ترجمه.

[سورة النساء (4) : آية 35]

وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، عِصْيَانَهُنَّ، وَأَصْلُ النُّشُوزِ: التَّكَبُّرُ وَالِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ النَّشْزُ: [وهو الموضع] [1] الْمُرْتَفِعِ، فَعِظُوهُنَّ، بِالتَّخْوِيفِ مِنَ اللَّهِ وَالْوَعْظِ بِالْقَوْلِ، وَاهْجُرُوهُنَّ، يَعْنِي: إِنْ لَمْ يَنْزِعْنَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْتَزِلُ عَنْهَا إِلَى فَرَّاشٍ آخَرَ، وَاضْرِبُوهُنَّ يعني: إن لم ينزعن من الْهِجْرَانِ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِنٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: ضَرْبًا بالسواك. ع «589» وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ الْمَرْأَةِ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحَ وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» . فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أَيْ: لَا تَجْنُوا [2] عَلَيْهِنَّ الذُّنُوبَ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً، مُتَعَالِيًا مِنْ أَنْ يكلّف العباد ما لا يُطِيقُونَهُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَجْمَعُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْوَعْظِ وَالْهِجْرَانِ وَالضَّرْبِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِهَا وَقَالَ: إِذَا ظَهَرَ [مِنْهَا] [3] النُّشُوزُ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَحَمَلَ الْخَوْفَ فِي قَوْلِهِ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، عَلَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [الْبَقَرَةِ: 182] أَيْ: عَلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْخَوْفَ عَلَى الْخَشْيَةِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الْأَنْفَالِ: 58] ، وَقَالَ: هَذِهِ الْأَفْعَالُ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ، فَإِنْ خَافَ نُشُوزَهَا بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَتُهُ مِنْهَا مِنَ الْمُخَاشَنَةِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ ضَرَبَهَا. [سورة النساء (4) : آية 35] وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما، يعني: خلافا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْخَوْفُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الظَّنِّ يَعْنِي: إِنْ ظَنَنْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ شِقَاقٌ وَاشْتَبَهَ حَالُهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الزَّوْجُ الصَّفْحَ وَلَا الْفُرْقَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ تَأْدِيَةَ الْحَقِّ وَلَا الْفِدْيَةَ وَخَرَجَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ قَوْلًا وَفِعْلًا بَعَثَ الْإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ إِلَيْهِ وَحَكَمًا مَنْ أَهْلِهَا إِلَيْهَا رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ لِيَسْتَطْلِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ رَأْيَ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ إِنْ كانت رغبته في الصلح أَوْ فِي الْفُرْقَةِ ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْحَكَمَانِ فَيُنْفِذَانِ مَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ رَأْيُهُمَا مِنَ الصَّلَاحِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا

_ 589- ع جيد. أخرجه أبو داود 2142 وابن ماجه 1850 وأحمد 4/ 447 وابن حبان 4175 والحاكم 2/ 187- 188 والطبراني في «الكبير» (19/ 1034) و (1037) و (1039) والبيهقي 7/ 295 و305 والبغوي 2323 من طرق عن أبي قزعة، عن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه أَنْ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم.... فذكره. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو حديث حسن ورجاله ثقات غير حكيم بن معاوية، وهو صدوق وفي بعض الروايات أنه هو السائل. - وأخرجه أبو داود 2143 و2144 وأحمد 5/ 5 والطبراني 19/ 999 و10000- 1002 من طريق بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن جده. - وأخرجه أحمد 3/ 446- 447 من طريق أبي قزعة، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ به. - وأخرجه أحمد 5/ 3 من طريق عبد الرزاق، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي قزعة وعطاء، عن رجل من بني قشير، عن أبيه. (1) في المطبوع وط «للموضع» . (2) في المخطوط وحده «تبحثوا» . (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 36]

أَصْلَحا، يَعْنِي: الْحَكَمَيْنِ، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما، يَعْنِي: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقِيلَ: بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً. «590» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ [1] مِنَ النَّاسِ، فَأَمَرَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهِلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تدريان ما عليكما؟ [عَلَيْكُمَا] [2] إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَلِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ. وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَلَيْسَ لِحَكَمِ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ إلا بإذنه، ولا لحكم المرأة أن يخلع على ما لها إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ قَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، قَالَ: كَذَّبْتَ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ تَنْفِيذَ الْأَمْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِهِ وَرِضَاهُ [3] وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ دُونَ رِضَاهُمَا، فيجوز لِحَكَمِ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ دُونَ رضاه ولحكم المرأة أن يختلع دُونَ رِضَاهَا، إِذَا رَأَيَا الصَّلَاحَ [فيه] [4] كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَفْقِ مُرَادِهِمَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلرَّجُلِ: حَتَّى تُقِرَّ، أَنَّ رِضَاهُ شَرْطٌ بَلْ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لمّا رَضِيَتْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا، يعني: ليست الفرقة فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كذبت، حيث أنكرت أن [تكون] [5] الْفُرْقَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، بَلْ هِيَ فِي كِتَابِ [اللَّهِ] [6] فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما يَشْتَمِلُ عَلَى الْفِرَاقِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ التَّوْفِيقَ أَنْ يَخْرُجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْوِزْرِ وَذَلِكَ تَارَةً يكون بالفراق وتارة بإصلاح [7] حالهما في الوصلة. [سورة النساء (4) : آية 36] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ أَيْ: وَحِّدُوهُ وَأَطِيعُوهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً

_ 590- موقوف صحيح. أخرجه الشافعي في «الأم» (5/ 177) والطبراني 9408 والبيهقي 7/ 305- 306 من طرق، عن عبيدة بهذا الإسناد. وهو في «شرح السنة» (2340) بهذا الإسناد. (1) تصحف في المطبوع «قوم» وفي المخطوط «قيام» والمثبت عن «شرح السنة» . (2) زيادة عن المخطوط وط و «شرح السنة» . (3) في المطبوع وحده «ورضاها» . (4) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....] (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط. (7) في المطبوع وط «بصلاح» .

«591» أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ عَنْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ؟» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» [قَالَ] [1] : قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» ، قَالَ قُلْتُ: يا رسول الله أفلا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «دَعْهُمْ يَعْمَلُونَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا، وَبِذِي الْقُرْبى أَيْ: أَحْسِنُوا بِذِي الْقُرْبَى، وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ. «592» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» . «593» [أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بن أحمد بن

_ 591- إسناده صحيح رجاله رجال البخاري ومسلم، سوى الرمادي وهو ثقة أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السّبيعي، معمر هو ابن راشد. - وهو في «شرح السنة» (48) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (20546) عن معمر به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في «الكبير» (20/ (254) . - وأخرجه البخاري 2856 ومسلم 30 ح 9 والترمذي 2643 والطيالسي 565 وأبو عوانة 1/ 16 وابن حبان 210 وابن مندة 106 و108 والطبراني 20/ (256) وأحمد 5/ 228 من طرق، عن أبي إسحاق به. - وأخرجه البخاري 5967 و6267 و6500 ومسلم 30 ح 48 وأحمد 5/ 242 وأبو عوانة 1/ 17 وابن مندة في «الإيمان» (92) من طرق عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ أنس بن مالك، عن معاذ ... به. - وأخرجه البخاري 7373 ومسلم 30 ح 50 و51 وأحمد 5/ 229 و230 وابن مندة 106 و109 و110 وأبو عوانة 1/ 16 و17 من طرق، عن أبي حصين والأشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن معاذ به. - وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (943) وابن ماجه 4296 وأحمد 5/ 230 و234 و236 و238 وابن مندة 92 و102 و105 والطبراني 10/ (83) - (88) و (275) و (276) و (317) - (320) من طرق من حديث معاذ. 592- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو حازم هو سلمة بن دينار. - وهو في «شرح السنة» (3348) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (5304) عن عمرو بن زرارة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 6005 وأبو داود 5150 والترمذي 1918 وابن حبان 460 والبيهقي 6/ 283 من طرق، عن ابن أبي حازم به. وأخرجه أحمد 5/ 333 عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم به. - وله شواهد منها: - حديث أبي هريرة أخرجه مسلم 2983 وابن ماجه 3679 وابن المبارك في «الزهد» (654) والبخاري في «الأدب المفرد» (137) والبغوي في «شرح السنة» (3349) . 593- إسناده ضعيف جدا، عبيد الله بن زحر ضعيف، وعلي بن يزيد هو الألهاني الشامي متروك، والقاسم بن عبد الرحمن (1) زيادة عن المخطوط.

الْحَارِثِ] [1] أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أيوب عَنْ عُبَيْدِ [2] اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ [3] حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أَيْ: ذِي الْقَرَابَةِ، وَالْجارِ الْجُنُبِ، أَيِ: الْبَعِيدُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قُرَابَةٌ. «594» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو [مُحَمَّدٍ] [4] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ [5] بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِيَ؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بابا» . «595» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنٍ الْقُشَيْرِيُّ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ

_ ضعفه غير واحد. وقال الإمام أحمد: روى عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أعاجيب، ولا أراها إلا من قبل القاسم. - وهو في «شرح السنة» (3350) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» (655) عن يحيى بن أيوب بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 5/ 250 و265 والطبراني 7821 من طريق عبيد الله بن زحر به وذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 160) (13514) وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف. كذا قال رحمه الله! والصواب أنه ضعيف جدا شبه موضوع وقد قال ابن حبان: إذا اجتمع في إسناد واحد ابن زحر وابن زيد وابن القاسم، لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم اهـ. راجع «الميزان» والوهن فقط في صدره أما عجزه فقد ورد من وجه آخر من حديث أبي أمامة. أخرجه الطبراني في «الكبير» (8120) وقال الهيثمي 8/ 161 (13523) : وفيه إسحاق بن إبراهيم الحنيني، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ. وضعفه الجمهور، وبقية رجاله وثقوا اهـ. - وفي الباب من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8472) وقال الهيثمي 13522: وفيه من لم أعرفهم اهـ قلت: ومع ضعف هذا وما قبله لكن يشهد لهما الحديث المتقدم برقم 592، والوهن فقط في صدره- أي مسح الرأس- والله أعلم. 594- إسناده صحيح على شرط البخاري، شعبة هو ابن الحجاج، أبو عمران هو عبد الملك بن حبيب، طلحة هو ابن عبد الله بن عثمان التيمي المدني. - وهو في «شرح السنة» (1682) بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2259 و2595 و6020 وأحمد 6/ 175 و187 و193 و239 والطحاوي في «المشكل» (2797) من طرق، عن شعبة به. وأخرجه أبو داود 5155 من طريق آخر أبي عمران الجوني به. وورد من طرق أخر بألفاظ مختلفة، راجع «أحكام القرآن» لابن العربي» (483) بتخريجي. 595- إسناده صحيح على شرط مسلم، أبو عامر الخزاز هو صالح بن رستم، أبو عمران الجوني هو عبد الملك بن حبيب. (1) سقط من المطبوع. (2) في الأصل «عبد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) زيد في المخطوط «عشر» وليس في المطبوع وط و «شرح السنة» . (4) زيادة عن المخطوط. [.....] (5) وقع في الأصل «عبد الله بن الجعد» وهو خطأ من النساخ.

الِاسْفَرَايِينِيُّ [1] أَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ [2] عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَإِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَاغْرِفْ لِجِيرَانِكَ مِنْهَا» . «596» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا عُمَرُ [3] بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيْوَرِّثُهَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يَعْنِي: الرَّفِيقَ فِي السَّفَرِ، قَالَهُ [4] ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وعكرمة وقتادة ومجاهد [5] ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مَعَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَصْحَبُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ، وَابْنِ السَّبِيلِ، قِيلَ: هُوَ المسافر لأنه ملازم السبيل، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ الضَّيْفُ. «597» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنٍ الْقُشَيْرِيُّ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الِاسْفَرَايِينِيُّ أنا

_ - وهو في «شرح السنة» (1683) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2626 وابن ماجه 3362 وابن حبان 523 من طرق، عن عثمان بن عمر، عن أبي عامر الخزاز صالح بن رستم به. - وأخرجه الترمذي 1833 من طريق أخرى، عن أبي عامر الخزاز به. - وأخرجه مسلم 2625 ح 143 والبخاري في «الأدب المفرد» (113) وأحمد 5/ 161 والطيالسي 450 والدارمي 2/ 108 وابن حبان 514 من طرق، عن شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ به دون صدره. 596- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عمر بن محمد هو ابن زيد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ العدوي. - وهو في «شرح السنة» (3381) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6015) عن محمد بن منهال بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2625 والبخاري في «الأدب المفرد» (104) . وورد من حديث عائشة عند البخاري 6014 ومسلم 2624 وأبو داود 5151 والترمذي 1942 وابن ماجه 3673 وابن أبي شيبة 8/ 545 وأحمد 6/ 238 وابن حبان 511 والبيهقي 7/ 27 و275 من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عمرو، عن عمرة عنها. - ومن حديث أبي هريرة أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 546 و547 وأحمد 2/ 259 وابن حبان 512 والطحاوي في «المشكل» (2795) والبزار 1898 والبغوي 3382 من طرق، عن شعبة، عن داود بن فراهيح عنه. وفي إسناده داود بن فراهيح مختلف فيه، لكن يصلح للاستشهاد به. 597- حديث صحيح، في إسناده شعيب بن عمرو كذبه الأزدي لكن تابعه زكريا بن يحيى المروزي في «شرح السنة» وكلاهما قد توبع عند مسلم وغيره، ومن فوقهما رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» (2895) بهذا الإسناد. (1) في الأصل «الأسفراييني» والمثبت عن «ط» وعن «شرح السنة» . (2) في الأصل «الخراز» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) وقع في الأصل «عمرو» والتصويب عن كتب التراجم والتخريج. (4) تصحف في المطبوع «قال» . (5) زيادة عن المخطوط.

أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَا شُعَيْبُ [بْنُ] [1] عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» . «598» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا [أَبُو] [2] مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ [جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ] [3] ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَثْوِيَ [أَيْ: أَنْ يُقِيمَ] [4] عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، أَيْ: الْمَمَالِيكُ أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ: «599» أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ أَنَا عَلِيُّ بن عبد

_ - وأخرجه مسلم 48 والبخاري في «الأدب المفرد» (102) وأحمد 6/ 384 والطحاوي في «المشكل» (2774) والبيهقي 5/ 68 من طرق، عن سفيان بن عيينة به، وانظر الحديث الآتي. 598- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وأخرجه مالك في «الموطأ» (2/ 929) عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شريح الكعبي مرفوعا. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 6135 وأبو داود 3748 وابن حبان 5287 وأحمد 6/ 385 والطحاوي في «المشكل» (2779) والطبراني في «الكبير» (22/ (475)) . - وأخرجه البخاري 6019 و6476 ومسلم 48 ح 14 والترمذي 967 و1968 وابن ماجه 3675 وأحمد 4/ 31 و6/ 385- 386 والطحاوي في «المشكل» (2776) والطبراني 22/ (486) - (478) والبيهقي 9/ 196- 197 من طرق عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شريح به. - وهو في «شرح السنة» (2896) بهذا الإسناد. 599- حديث صحيح لشواهده. رجاله رجال الصحيح غير أن إسناده منقطع أبو الخليل صالح بن أبي مريم لم يسمع من سفينة كما في «تهذيب الكمال» . و «تهذيب التهذيب» يزيد هو ابن هارون، همام هو ابن يحيى بن دينار، قتادة هو ابن دعامة، سفينة هو مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم. - وهو في «شرح السنة» (2408) بهذا الإسناد. - أخرجه النسائي في «الكبرى» (7100) وابن ماجه 1625 من طريق يزيد بن هارون به. وقال البوصيري في «الزوائد» : هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا بجميع رواته! قلت: علته فقط الانقطاع كما تقدم. - أخرجه النسائي في «الكبرى» (7098) وأحمد 6/ 290 و315 من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سفينة به. وإسناده منقطع قتادة لم يسمع من سفينة. (1) زيادة عن كتب التراجم والتخريج. (2) سقط من المطبوع. [.....] (3) سقط من المخطوط. (4) زيد في المطبوع.

الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَنَا أَبُو عَبِيدٍ [1] الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ أَنَا يَزِيدُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةُ عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ سَفِينَةَ [2] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: «الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم» ، فجعل يتكلم ولا يَفِيضُ [3] بِهَا لِسَانُهُ. «600» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ أَنَا أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رأيت أباذر وعليه برد وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدٌ، فَقُلْتُ: لَوْ أخذت هذا فلبسته كانت [4] حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَنِلْتَ [من] أُمَّهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» قُلْتُ عَلَى سَاعَتِي: هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ، قَالَ: «نَعَمْ هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنَّ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ» . «601» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ [5]

_ لكن له شاهد من: - حديث أنس أخرجه النسائي في «الكبرى» (7095) وابن ماجه 2697 وأحمد 3/ 117 وابن سعد 2/ 253 وابن حبان 6605 والطحاوي في «المشكل» (3199) والحاكم 3/ 57 من طرق، عن سليمان التيمي عن قتادة عنه، وإسناده صحيح. - وحديث علي أخرجه أبو داود 5156 وابن ماجه 2698 وأحمد 1/ 78 وأبو يعلى 598 والبيهقي 8/ 11 وإسناده جيد. وفي الباب أحاديث. الخلاصة: هو حديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده، والله أعلم. 600- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، حفص والد عمر هو ابن غياث بن طلق النخعي، الأعمش هو سليمان بن مهران، المعرور هو ابن سويد. - وهو في «شرح السنة» (2395) بهذا الإسناد. أخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6050) ، عن عمر بن حفص به. - وأخرجه البخاري 30 و2545 ومسلم 1661 وأبو داود 5158 والترمذي 1945 وابن ماجه 3690 وأحمد 5/ 158 و161 والبيهقي 8/ 7 من طرق عن المعرور بن سويد به. تنبيه: القائل في أول هذا الحديث هو المعرور، ويوضح روايات مسلم وغيره، وهو عند البخاري بمثل لفظ المصنف، ومراده بلفظ «عن أبي ذر» أي «في أبي ذر» . 601- إسناده ضعيف لضعف صدقة بن موسى، وشيخه فرقد، وهو ابن يعقوب حيث ضعفه الجمهور، وقد روى مناكير كثيرة، وقد توبع صدقه، تابعه غير واحد، فانحصرت العلة في فرقد. (1) في الأصل «عبيدة» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التراجم. (2) تصحف في المخطوط «شعبة» . (3) تصحف في المطبوع «يفيض» وفي المخطوط «يقبض» . قال الإمام البغوي في «شرح السنة» (5/ 251) : وما يفيض بها لسانه: هو بالصاد غير المعجمة. يعني ما يبين كلامه اهـ ملخصا. (4) في المطبوع «كانا» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (5) في الأصل «عمرو» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» .

ابن حَفْصٍ التَّاجِرُ أَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ [1] عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ» . إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً، الْمُخْتَالُ: الْمُتَكَبِّرُ، وَالْفَخُورُ: الَّذِي يفخر عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا، ذكر هذا بعد ما ذَكَرَ مِنَ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَمْنَعُ الْحَقَّ تَكَبُّرًا. «602» أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْنِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . «603» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

_ - وهو في «شرح السنة» (2407) بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 1/ 4 و7 وأبو يعلى 93 من طريق صدقة بن موسى به. - وأخرجه ابن ماجه 3691 وأحمد 1/ 12 وأبو يعلى 94 من طريق سليمان الرازي، عن مغيرة بن مسلم، عن فرقد به مطوّلا. وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 236) وقال: وفيه فرقد السبخي، وهو ضعيف. - وأخرجه الترمذي 1946 وأحمد 1/ 4 وأبو يعلى 95 من طريق، همام، عن فرقد به. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني، وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه اهـ. (1) في الأصل «السنجي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التراجم. 602- إسناده صحيح على شرط مسلم، معمر هو ابن راشد. - وهو في «شرح السنة» (3248) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق وهو في «مصنفه» (19983) عن معمر بهذا الإسناد. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه مسلم بإثر 2088 ح 50 وأحمد 2/ 315 وهو في صحيفة همام بن منبه برقم: 115. - وأخرجه مسلم 2088 ح 50 وأحمد 2/ 531 وأبو يعلى 6334 من طريق أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. - أخرجه البخاري 5790 وأحمد 2/ 390 من طريق جرير بن يزيد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبي هريرة. وذكره أبو عبيد في «غريب الحديث» (1/ 219) بدون إسناد. 603- إسناده على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (2969) بهذا الإسناد. لكن قرن مع نافع: عبد الله بن دينار وزيد بن أسلم. - ورواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 914) عن نافع وابن دينار وزيد، عن ابن عمر بلفظ «لا ينظر الله يوم القيامة، إلى من يجرّ ثوبه خيلاء» . - وأخرجه البخاري 5783 و5791 ومسلم 2085 والنسائي 8/ 206 وابن ماجه 3569 وعبد الرزاق 19980 وابن أبي شيبة 8/ 387 ومالك 2/ 914 وأحمد 2/ 33 و42 و44 و6546 و69 و81 و103 و131 و47 وابن حبان 5443 والبغوي 2968 من طرق من حديث ابن عمر. بعضهم رواه على التقديم والتأخير. [.....]

[سورة النساء (4) : آية 37]

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى [مَنْ جرّ ثوبه خيلاء] » [1] . [سورة النساء (4) : آية 37] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، الْبُخْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ فَضْلِ مَا لَدَيْهِ، وَفِي الشَّرْعِ: مَنْعُ الْوَاجِب، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْبُخْلِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ بَخِلُوا بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم وكتموها وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هَذَا فِي كِتْمَانِ الْعِلْمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي كَرَدْمِ بْنِ زَيْدٍ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَأُسَامَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَنَافِعِ بْنِ أَبِي نافع وبحر بْنِ عَمْرٍو كَانُوا يَأْتُونَ رِجَالًا من الأنصار يخالطونهم فَيَقُولُونَ: لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ وَلَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: وَيَكْتُمُونَ مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يَعْنِي: الْمَالَ، وقيل: يَبْخَلُونَ بِالصَّدَقَةِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. [سورة النساء (4) : الآيات 38 الى 40] وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ مَحَلُّ الَّذِينَ نَصْبٌ عَطْفًا [2] عَلَى الذين يبخلون [3] ، وقيل: خفض عطف على قوله: وأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: [فِي] [4] مشركي مكة المنفقين عَلَى عَدَاوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً، صَاحِبًا وَخَلِيلًا فَساءَ قَرِيناً، أَيْ فَبِئْسَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: على القطع بإلغاء الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا عَبْدُ اللَّهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الْكَهْفِ: 50] ، وساءَ مَثَلًا [الأعراف: 177] . وَماذا عَلَيْهِمْ، أَيْ: مَا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ؟ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً. إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، [أَدْخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ فِي التُّرَابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا، وَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ذَرَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا] [5] ، وَنَظْمُهُ: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ أَيْ [6] : لَا يَبْخَسُ وَلَا يُنْقِصُ أَحَدًا مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، والذرة: هي

_ (1) في المطبوع تقديم وتأخير في هذه العبارة. (2) في المطبوع «عطف» . (3) في المطبوع «الأول» بدل «يبخلون» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيد في المخطوط «أي ما الذي عليهم» . (6) في المخطوط وحده «لمن» .

النَّمْلَةُ الْحَمْرَاءُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الذَّرُّ أَجْزَاءُ الْهَبَاءِ فِي الْكُوَّةِ [1] وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا ذَرَّةٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا وَزْنٌ، وَهَذَا مَثَلٌ يُرِيدُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ شَيْئًا كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً. [يُونُسَ: 44] «604» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَفِيدُ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ أَنَا عَفَّانُ أَنَا هَمَّامٌ أَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمَ [الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ] [2] فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ» ، قَالَ: «وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطَعِّمُ [3] بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خيرا» . «605» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو الطِّيبِ الرَّبِيعُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حاتم البزاز [4] الطُّوسِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنْ [5] مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى حَدَّثَهُمْ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ح [6] : وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عبد الرحمن البزاز [7] أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ [8] أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ زَيْدِ [9] بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ وَأَمِنُوا فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار قال: فيقولون رَبَّنَا إِخْوَانَنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمُ النار، قال: فيقول الله لهم: اذهبوا فأخرجوا من

_ 604- إسناده صحيح، الحسين بن الفضل ومن دونه توبع عند مسلم وغيره، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، عفان هو ابن مسلم، همام هو ابن يحيى. قتادة هو ابن دعامة. - وهو في «شرح السنة» (4013) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2808 ح 56 وأحمد 3/ 123 و283 وابن حبان 377 من طرق، عن همام بن يحيى به. - وأخرجه مسلم 2808 ح 57 والطيالسي 2011 عن قتادة به. 605- إسناده صحيح، عبد الرزاق فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، ومن دونه توبعوا، معمر هو ابن راشد. - وهو في «شرح السنة» (4244 و4245) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (20857) عن معمر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4581 و4919 ومسلم 183 والترمذي 2598 والنسائي 8/ 112 وابن أبي عاصم 457 و458 وابن حبان 7377 وأبو عوانة 1/ 181 و183 وابن خزيمة في «التوحيد» ص (172- 174) وابن مندة في الإيمان 816 و818 وأحمد 3/ 16 والآجري في «الشريعة» ص (260- 261) والبيهقي في «الأسماء والصفات» ص (344- 345) من طرق، عن زيد بن أسلم به. مطوّلا ومختصرا. (1) في المطبوع وحده «الكون» . (2) العبارة في المطبوع وحده «مؤمنا حسنة يعطى بها» . (3) في المخطوط «فيطعمه» وفي «شرح السنة» «فيعظم» . (4) في الأصل «البزار» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (5) في الأصل «بن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (6) عبارة يستخدمها المحدثون عند الانتقال من إسناد إلى آخر. أي: تحويل. [.....] (7) في الأصل «البزار» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» و «الأنساب» . (8) في الأصل «العذافيري» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» وكتب التراجم. (9) في الأصل «يزيد» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» وكتب التراجم والتخريج.

عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [1] » ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ الله عنه: فمن يصدّق بهذا فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً، قَالَ: فَيَقُولُونَ رَبَّنَا [قَدْ] [2] أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا فَلَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَتِ الْأَنْبِيَاءُ [3] ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَبَقِيَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النار، أو قال: قبضتين [ناسا] [4] لَمْ يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدِ احْتَرَقُوا حَتَّى صَارُوا حُمَمًا فَيُؤْتَى بِهِمْ إِلَى مَاءٍ [يُقَالُ لَهُ: مَاءُ] [5] الْحَيَاةِ فَيَصُبُّ عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَالَ: فَتَخْرُجُ أَجْسَادُهُمْ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ فِي أَعْنَاقِهِمُ الْخَاتَمُ [مكتوب فيه: هَؤُلَاءِ] [6] عُتَقَاءُ اللَّهِ [مِنَ النَّارِ] [7] فَيُقَالُ لَهُمْ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا تَمَنَّيْتُمْ أَوْ رَأَيْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكُمْ، قَالَ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَيَقُولُ فَإِنَّ لكم عندي أَفْضَلَ مِنْهُ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَمَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ عَنْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» . «606» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ لَيْثِ بْنِ سعد حدثني عامر ابن يَحْيَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ المعافري الجبليّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلَ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةُ؟ فَبُهِتَ الرَّجُلُ، قَالَ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: أَحْضِرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فيقول: إنك لا

_ 606- حديث حسن صحيح. إسناده صحيح، إبراهيم بن عبد الخلال فمن دونه ثقات وقد توبعوا، وابن المبارك فمن فوقه رجال الصحيح، أما ابن المبارك وابن سعد، فمن رجال البخاري ومسلم وأما عامر بن يحيى وشيخه المعافري، فكلاهما ثقة، وهما من رجال مسلم، أبو عبد الرحمن المعافري هو عبد الله بن يزيد. - وهو في «شرح السنة» (4216) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق ابن المبارك، وهو في «زيادات الزهد» لنعيم بن حماد عن الليث بن سعد بهذا الإسناد. - ومن طريق ابن المبارك أخرجه الترمذي 2639 وأحمد 2/ 213 وابن حبان 225. - وأخرجه ابن ماجه 4300 والحاكم 1/ 529 من طريق أخرى، عن الليث به. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ. - وأخرجه أحمد 2/ 222 من طريق ابن لهيعة عن عامر بن يحيى به. وابن لهيعة يصلح للاعتبار بحديثه، ويشهد له الموقوف الآتي، فمثله لا يقال بالرأي. (1) زيد في المطبوع وحده «من خير» . (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) في المطبوع وحده «وشفع النبيون» . (4) العبارة في المطبوع «من النار فيخرج منهم أقواما» . (5) سقط من المطبوع. (6) زيد في المطبوع. (7) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 42]

تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، قَالَ: فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» . وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا فِي الْخُصُومِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمْعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ أَلَا مَنْ كَانَ يَطْلُبُ مظلمة فليجئ إِلَى حَقِّهِ فَلْيَأْخُذْهُ، فَيَفْرَحُ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَخِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (101) [المؤمنون: 101] ، وَيُؤْتَى بِالْعَبْدِ فَيُنَادِي منادٍ عَلَى رؤوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ: هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ فَيَأْخُذْهُ، وَيُقَالُ: آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا فِي أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ فَأَعْطَوْهُمْ مِنْهَا فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا بَقِيَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ، فَيَقُولُ: ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّةَ. وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا [1] شَقِيًّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِلَهُنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَ طَالِبُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ. فَمَعْنَى الآية على هَذَا التَّأْوِيلِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لِلْخَصْمِ عَلَى الخصم بل يأخذ [2] مِنْهُ وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفُهَا لَهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ حَسَنَةً بِالرَّفْعِ، أَيْ: وَإِنْ تُوجَدُ حَسَنَةٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: وَإِنْ تَكُ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، أَيْ: يَجْعَلُهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً. وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرًا عَظِيمًا فمن يقدر قدره؟. [سورة النساء (4) : الآيات 41 الى 42] فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، أَيْ: فَكَيْفَ الْحَالُ وَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بشهيد، يعني: نبيها [3] يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوا، وَجِئْنا بِكَ [يَا مُحَمَّدُ] ، عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً شَاهِدًا يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ الأمة [4] على مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ. «607» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا محمد بن إسماعيل

_ 607- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، سفيان هو ابن سعيد الثوري، الأعمش هو سليمان بن مهران، إبراهيم هو ابن يزيد النخعي، عبيدة هو ابن عمرو السلماني. - وهو في «صحيح البخاري» (5050) عن محمد بن يوسف بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5049 و5055 و5056 ومسلم 800 وأبو داود 3668 والترمذي 3028 والنسائي في «التفسير» (1) تصحف في المخطوط «عنيدا» . (2) في المطبوع «أخذ له» . [.....] (3) في المطبوع «بنبيها» وفي المخطوط «نبيا» والمثبت عن- ط. (4) في المخطوط «الأمم» وكذا في- ط.

[أَنَا] مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ [قَالَ] : «نَعَمْ» ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا أتيت [على] [1] هَذِهِ الْآيَةَ فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) قَالَ: «حَسْبُكَ الْآنَ» فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَئِذٍ [أَيْ:] [2] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ تُسَوَّى بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى مَعْنَى تَتَسَوَّى، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي السِّينِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى حَذْفِ تَاءِ التَّفَعُّلِ [3] كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ [هُودٍ: 105] ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ [4] بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَوْ سويت بهم الأرض فصاروا هم والأرض شيئا واحدا. قال قَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي لَوْ تَخَرَّقَتِ الْأَرْضُ فَسَاخُوا فِيهَا وَعَادُوا إليها [كما خرجوا عنها] [5] ثُمَّ تُسَوَّى بِهِمْ، أَيْ: عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ، وَقِيلَ: وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْعَثُوا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا نُقِلُوا مِنَ التُّرَابِ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ عز وجل للبهائم والوحوش والطيور والسباع: كونوا [6] ترابا فتسوى بهم الْأَرْضُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أَنْ لَوْ كَانَ تُرَابًا كَمَا قال الله تعالى: يَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [النَّبَإِ: 40] . وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً قَالَ عَطَاءٌ: وَدُّوا لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْتَهُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَعْنِي: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حديثا لأن ما عملوه لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتْمَانِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً لأن جوارحهم تشهد عليهم. وقال سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قَالَ: هَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ، قَالَ: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 101] ، وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) [الصافات: 27] ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً، وَقَالَ: وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَامِ: 23] ، فَقَدْ كَتَمُوا، وَقَالَ: أَمِ السَّماءُ بَناها [النازعات: 27] ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) [النازعات: 30] ، وذكر خلق السماء قبل [خلق] [7] الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، إِلَى قَوْلِهِ: طائِعِينَ [فُصِّلَتْ: 9- 11] فَذَكَرَ في هذه خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَقَالَ: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفتح: 14] وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: 158 و165] فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟ فَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَا أَنْسَابَ [بَيْنَهُمْ] [8] فِي النَّفْخَةِ الأولى قال الله تعالى:

_ (125) وابن أبي شيبة 10/ 563 وأحمد 1/ 380 و433 وابن حبان 735 والطبراني في «الكبير» (8460) من طرق عن الأعمش به. - وأخرجه مسلم 800 ح 248 والطبراني 8462 من طريق إبراهيم به. - وأخرجه ابن أبي شيبة 10/ 564 والحميدي 101 وأحمد 1/ 374 والطبراني 8463 و8466 و8468 من طرق، عن ابن مسعود به. (1) زيادة عن «صحيح البخاري» ، وهو في المخطوط «إلى» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المخطوط وحده «التفيل» . (4) في المطبوع «الآخرون» . (5) زيد في المطبوع. (6) في المخطوط وحده «كوني» . (7) زيادة عن المخطوط. (8) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 43]

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ [الزُّمَرِ: 68] ، فَلَا أَنْسَابَ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ- وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ تَعَالَوْا نَقُلْ [1] لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وتنطق أيديهم فعند ذلك عرفوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 9] ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخرين [ثم دحا الأرض] [2] ودحوها: أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ. وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ دَحَا الأرض في يومين فخلقت الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفتح: 14 والنساء: 100] ، أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهَا مُوَاطِنٌ، فَفِي مَوْطِنٍ لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، وَفِي مَوْطِنٍ [3] يَتَكَلَّمُونَ وَيَكْذِبُونَ وَيَقُولُونَ [وَاللَّهِ رَبِّنَا] [4] مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ وما كنا نعمل في سوء، وفي موطن يَعْتَرِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ [الملك: 11] وفي موطن لَا يَتَسَاءَلُونَ، وَفِي مَوْطِنٍ يَسْأَلُونَ [5] الرَّجْعَةَ، وَآخِرُ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ أَنْ يُخْتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَتَكَلَّمَ جُوَارِحُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً. [سورة النساء (4) : آية 43] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ مِنَ السُّكْرِ: السُّكْرُ مِنَ الْخَمْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. ع «608» وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَسَكِرُوا فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدَّمُوا رَجُلًا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) [الْكَافِرُونَ: 1] أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، بِحَذْفِ (لَا) هَكَذَا إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ يجتنبون السكر أوقات الصلاة حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: أَرَادَ بِهِ سُكْرَ النَّوْمِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عند غلبة النوم:

_ 608- ع أخرجه الواحدي في «أسباب النزول» (316) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ مرسلا، وفيه عطاء بن السائب قد اختلط. - وله شاهد من حديث علي، أخرجه أبو داود 3671 والترمذي 3026 والحاكم 2/ 307 والطبري 9526 وإسناده حسن، وفي رواية أبي داود والترمذي أن الذي قدّم للصلاة هو علي رضي الله عنه وفيه عطاء بن السائب لكن الثوري الراوي عنه سمع منه قبل الاختلاط، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الترمذي. والله أعلم. (1) في المخطوط وحده «نقول» . (2) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (3) في المطبوع وط «موضع» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع «يتساءلون» .

«609» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ [1] أَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الهمداني أَخْبَرَنَا عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ يَنْعَسُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسِبَ نَفْسَهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، يَعْنِي: وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ [وَأَنْتُمْ] [2] جُنُبٌ يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ وَامْرَأَةٌ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ وَنِسَاءٌ جُنُبٌ، وَأَصْلُ الْجَنَابَةِ [3] : الْبُعْدُ، وَسُمِّيَ جُنُبًا لِأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ وَبُعْدِهِ مِنْهُمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا اخْتَلَفُوا فِي معناه [فقال بعضهم:] [4] إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ وَلَا تَجِدُونَ الْمَاءَ فَتَيَمَّمُوا، مَنَعَ الْجُنُبَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَفَرٍ وَلَا يَجِدُ مَاءً فَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهم، وقال آخرون: بل الْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ [الْحَجِّ: 40] وَمَعْنَاهُ: لَا تَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا مُجْتَازِينَ فِيهِ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجْنُبَ أَوْ تُصِيبَهُ جَنَابَةٌ وَالْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونَ طريقه عليه، فيمرّ به وَلَا يُقِيمُ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَمَرَّ لَهُمْ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَرُخِّصَ لَهُمْ فِي الْعُبُورِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ فَأَبَاحَ بَعْضُهُمْ الْمُرُورَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ [قَوْلُ الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ]] قَوْلُ أصحاب الرأي، وقال بعضهم: يتيم لِلْمُرُورِ فِيهِ، أَمَّا الْمُكْثُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: ع «610» لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فإنّي لا

_ 609- إسناده صحيح، هارون بن إسحاق فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، عبدة بن سليمان هو الكلابي أبو محمد الكوفي. - وهو في «شرح السنة» (935) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 355 عن هارون بن إسحاق به. - أخرجه النسائي 1/ 99- 100 وابن ماجه 1370 وعبد الرزاق 4222 والحميدي 185 وأحمد 6/ 56 و202 و205 و259 والدارمي 1/ 321 وأبو عوانة 2/ 297 وابن حبان 2584 والبيهقي 3/ 16 من طرق، عن هشام بن عروة به. - وأخرجه مَالِكٍ 1/ 118 عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ به ومن طريق مالك أخرجه البخاري 212 ومسلم 786 وأبو داود 1310 وأبو عوانة 2/ 297 وابن حبان 2583 والبيهقي 3/ 16. 610- ع أخرجه أبو داود 232 والبيهقي 442 من حديث عائشة وقال البيهقي نقلا عن البخاري: عند جسرة أعاجيب. ثم قال البيهقي: وهذا إن صح فمحمول في الجنب على المكث دون العبور بدليل الكتاب اهـ. - وفي «نصب الراية» (1/ 194) : هو حديث حسن، وكذا حسنه ابن القطان بعد أن تكلم عليه، وقوّى أمر جسرة بنت دجاجة اهـ. (1) في الأصل «المفلس» بالفاء والتصويب عن «شرح السنة» . (2) سقط عن المطبوع وحده. (3) في المطبوع «الجنب» . (4) العبارة في المطبوع «فقالوا» . (5) سقط من المخطوط.

أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» . وَجَوَّزَ أَحْمَدُ الْمُكْثَ فِيهِ وَضُعِّفَ الحديث لأنّ روايه مَجْهُولٌ، وَبِهِ قَالَ الْمُزْنِيُّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الطَّوَافُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. «611» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي الْحَاجَةَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَكَانَ لَا يَحْجُبُهُ أو يحجزه عن

_ - وفي «تلخيص الحبير» (1/ 140) : صححه ابن خزيمة، وكذا ابن القطان اهـ. وضعفه المنذري والخطابي والبيهقي وغيرهم، راجع «أحكام القرآن» (495) بتخريجي فالحديث يقرب من الحسن. 611- حسن. إسناده لا بأس به، عبد الله بن سلمة وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة وابن حبان، وقال شعبة: كان ابن سلمة يحدثنا، وقد كان كبر، فكنا نعرف وننكر، وقال عند الحافظ في «التقريب» صدوق تغير حفظه اهـ. - وهو في «شرح السنة» (273) بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 229 والنسائي 1/ 144 وابن ماجه 594 والحميدي 57 والطيالسي 1/ 59 وأحمد 1/ 83 و84 و107 و124 والطحاوي 1/ 87 وابن الجارود في «المنتقى» (94) والدارقطني 1/ 119 وابن خزيمة 208 والحاكم 4/ 107 والبيهقي 1/ 88 و89 من طرق عن شعبة به. - وأخرجه الترمذي 146 والنسائي 1/ 144 وابن أبي شيبة 1/ 101 و102 والحميدي 57 وأحمد 1/ 134 وابن حبان 799 وابن عدي في «الكامل» (4/ 1487) من طرق عن عمرو بن مرة به. قال الترمذي: حسن صحيح اهـ. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» (1/ 139/ 184) ما ملخصه: صححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في «شرح السنة» وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قوله: هذا الحديث ثلث رأس مالي. وقال الدارقطني. قال شعبة: ما أحدّث بحديث أحسن منه. وقال الشافعي في سنن حرملة: إن كان هذا الحديث ثابتا، ففيه دلالة على تحريم القرآن على الجنب وقال في كتاب «جماع الطهور» أهل الحديث لا يثبتونه. قال البيهقي: إنما قال ذلك لأن روايه عبد الله بن سلمة كان قد تغير، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة. قال الخطابي: وكان أحمد يوهّن هذا الحديث. وقال النووي: خالف الترمذي الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث. قال الحافظ: وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره. وقد صححه غير الترمذي. - وورد من طريق آخر عن عامر بن السمط، عن أبي الغريف، عن علي مرفوعا بمعناه. وهذا إسناد حسن، عامر بن السمط ثقة، وأبو الغريف اسمه عبيد الله بن خليفة، صدوق كما في «التقريب» لكن له علة فقد أخرجه الدارقطني 1/ 118 من طريق يزيد بن هارون بهذا الإسناد، فجعله عن علي موقوفا عليه، ومع ذلك فليس بعلة قادحة. فمثله لا يقال ولا يدري بالرأي، فله حكم المرفوع، وفي الباب أحاديث كثيرة تشهد له، وإن كان أكثرها ضعيف، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في «سنن الترمذي» (1/ 275) : وقال في رواية أحمد الثانية: وهذا إسناد جيد، وقد توبع عبد الله بن سلمة، فارتفعت شبهة الخطأ عن روايته. وانظر «نصب الراية» (1/ 196) و «فتح القدير» لابن الهمام (1/ 170- 172) بتخريجي. وفي الباب موقوفات تقوي المرفوع وقال الحافظ في «الفتح» (1/ 408) والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة اهـ. في حين ضعفه الألباني في «الإرواء» (229 و485) ....! وتبعه الأثري في «غوث المكدود» (94) ....! علما بأن عامة الفقهاء على القول بهذا الحديث، والله أعلم.

[قراءة] [1] القرآن شيء ليس [2] الْجَنَابَةَ. وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ يَجِبُ بِأَحَدِ أمرين [3] إِمَّا بِنُزُولِ الْمَنِيِّ أَوْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرَجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّ مَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فَأَكْسَلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا. «612» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا [4] مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، أَوْ مسّ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى، جَمْعُ مريض، وأراد به مرضا يَضُرُّهُ إِمْسَاسُ الْمَاءِ مِثْلَ الْجُدَرِيِّ وَنَحْوَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِ الطهارة جِرَاحَةٌ يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهَا التَّلَفَ أَوْ زِيَادَةَ الْوَجَعِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ صَحِيحًا وَالْبَعْضُ جَرِيحًا غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْهَا وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ، لِمَا: «613» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاشَانِيُّ [5] أَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ الهاشمي أنا أبو علي

_ 612- حديث صحيح، إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، لكن توبع كما سيأتي، وباقي الإسناد ثقات مشاهير. سفيان هو ابن عيينة. - وهو في «شرح السنة» (243) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (1/ 36) عن سفيان بهذا الإسناد. ومن طريقه أخرجه البيهقي في «المعرفة» (1/ 412) و (413) . وأخرجه أحمد 6/ 97 والطحاوي في «المعاني» (1/ 55) من طريق علي بن زيد به. وقد توبع علي بن زيد، فقد: - أخرجه مسلم 349 وابن خزيمة 227 وابن حبان 1183 والبيهقي في «المعرفة» (1/ 45) وفي «السنن» (1/ 163) من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنصاري، عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي موسى به. - وأخرجه مالك 1/ 46 وعبد الرزاق 954، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ ابن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة موقوفا عليها، لكن وقف من وقفه لا يعلل المرفوع، ثم إن مثله لا يقال بالرأي، وله شواهد كثيرة، والله أعلم. 613- حسن دون عجزه، وهو «إنما كان يكفيه....» ، إسناده لين لأجل الزبير بن خريق- بضم الخاء- لكن لحديثه شاهد، فهو حسن إن شاء الله. - وهو في «شرح السنة» (314) بهذا الإسناد. - ورواه المصنف من طريق أبي داود، وهو في «سننه» (336) عن موسى بن عبد الرحمن به. وأخرجه الدارقطني 1/ 190 والبيهقي 1/ 227 و228 من طريق موسى به. - وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داود 337 وأحمد 1/ 330 والدارمي 1/ 192 والدارقطني 1/ 191 و192 والبيهقي 1/ 227 من طرق عن الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء، عن ابن عباس، وهذا إسناد منقطع. وليس فيه لفظ «إنما كان يكفيه....» . وأخرجه عبد الرزاق 867 والدارقطني عن الأوزاعي، عن رجل عطاء، عن ابن عباس. وأخرجه ابن ماجه 572 [.....] (1) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» وط. (2) في المطبوع وط «إلا» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) في المطبوع «الأمرين» . (4) في الأصل «أنا أبو» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (5) في الأصل «الغاشاني» والتصويب عن «ط» وعن «الأنساب» .

مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِيُّ أَنَا [أَبُو] [1] دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بن خريق [2] عن [عطاء عَنْ] [3] جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتِ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بذلك قال: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَّا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ- شك موسى [4] عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» . وَلَمْ يُجَوِّزْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَعْضَائِهِ صَحِيحًا غُسِلَ الصَّحِيحُ وَلَا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ جَرِيحًا اقْتَصَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ عَلى سَفَرٍ، أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، وَعُدِمَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا: ع «614» رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عشر

_ والدارقطني 1/ 191 عن الأوزاعي، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وأخرجه الحاكم 1/ 178 من طريق الأوزاعي قال: حدثنا عطاء أنه سمع ابن عباس وأخرجه ابن حبان 1314 وابن الجارود 128 والبيهقي 1/ 226 من طريق عمر بن حفص، عن أبيه، عن الوليد بْنِ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رباح أن عطاء عمه حدثه، عن ابن عباس. دون عجزه، وهو ذكر المسح على الجبيرة، فإنه منكر. وفيه الوليد بن عبيد الله وثقه ابن أبي حاتم. وضعفه الدارقطني كما في «الميزان» لكن يصلح للاعتبار بحديثه. فالحديث حسن دون عجزه. وانظر «أحكام القرآن» لابن العربي (502) . 614- ع صحيح. أخرجه أبو داود 332 والترمذي 124 والنسائي 1/ 171 وعبد الرزاق 913 وأحمد 5/ 155 و180 وابن حبان 1311 و1312 و1313 والحاكم 1/ 170 والدارقطني 1/ 186 و187 والبيهقي 1/ 212 و220 من طرق عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر مرفوعا. وله قصة في رواية أبي داود وغيره، ومداره على عمرو بن بجدان وهو مجهول الحال. قال الزيلعي في «نصب الراية» (1/ 49) : قال ابن دقيق العيد في «الإمام» : ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان مع تفرده بالحديث، فقد نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح. وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة أو يصحح له حديثا انفرد به؟! اهـ. والحديث صححه الحاكم وقال: لم يخرجاه إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويا غير أبي قلابة. ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. - وأخرجه أبو داود 333 وابن أبي شيبة 1/ 156- 157 والطيالسي 484 والدارقطني 1/ 187 وأحمد 5/ 146 عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر. قلت: والعامري هو ابن بجدان نفسه لأنه من بني عامر. - وأخرجه عبد الرزاق 912 وأحمد 5/ 46- 147 عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني قشير، عن أبي ذر. وذكره البغوي في «شرح السنة» بإثر حديث (310) تعليقا. - وله شاهد من حديث أبي هريرة البزار 310 وقد صححه ابن القطان كما في «تلخيص الحبير» (1/ 154) و «نصب (1) سقط من المطبوع. (2) في الأصل «حزيق» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب الحديث. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب التخريج. (4) في المطبوع «الراوي» .

سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلِيَمَسَّهُ بَشَرَهُ» [1] ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مَرِيضًا وَلَا فِي سَفَرٍ ولكنه عَدِمَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ انْقَطَعَ مَاؤُهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ مَالِكٍ والأَوْزَاعِيِّ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنهما يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ، أَرَادَ بِهِ إِذَا أَحْدَثَ، وَالْغَائِطُ اسْمٌ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ إتْيَانَ الْغَائِطِ لِلْحَدَثِ فَكُنِيَّ عَنِ الْحَدَثِ بِالْغَائِطِ، أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «لَمَسَتْمُ» هَاهُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ لامَسْتُمُ النِّساءَ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى اللَّمْسِ والملامسة، فقال قوم: هو الْمُجَامَعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَكَنَّيَّ بِاللَّمْسِ عَنِ الْجِمَاعِ لِأَنَّ [الْجِمَاعَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا] [2] بِاللَّمْسِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حكم هَذِهِ الْآيَةِ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى شَيْءٍ، مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ وَلَا حَائِلَ بَيْنَهُمَا، يَنْتَقِضُ وضوؤهما، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بن سعد وأحمد وإسحاق: وإن كَانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ الطُّهْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ فَلَا يَنْتَقِضُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِاللَّمْسِ بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا إذا حدث الِانْتِشَارُ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْوُضُوءَ بِاللَّمْسِ بِمَا: «615» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضِرِ مَوْلَى عُمَرَ بن عبيد [3] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رَجِلِي وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. «616» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مصعب عن مالك عن

_ الراية» (1/ 149) . وذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 261) وقال: ورجاله رجال الصحيح اهـ. وانظر «فتح القدير» لابن الهمام (1/ 126) بتخريجي. 615- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو النضر هو سالم بن أبي أمية. أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (546) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 117) عن أبي النضر بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 382 و513 و1209 ومسلم 512 و272 والنسائي 1/ 102 وعبد الرزاق 2376 وأحمد 6/ 148 و225 و255 وابن حبان 2342 والبيهقي 2/ 264. - وأخرجه أبو داود 713 من طريق أبي النضر بنحوه. 616- صحيح، هو مرسل كما نص عليه ابن عبد البر، التيمي لم يسمعه من عائشة، يحيى بن سعيد هو الأنصاري، وهو غير يحيى القطان، فذاك من طبقة دون طبقة مالك. وقد وصل الحديث مسلم وغيره من طريق أبي هريرة وغيره كما سيأتي. [.....] (1) زيد في المطبوع وحده «فإن ذلك خير» وهي مقحمة، ليست في المخطوط ولا في- ط ولا في «شرح السنة» وغير ذلك. (2) العبارة في المخطوط عقب لفظ «باللمس» . (3) وقع في الأصل «عبد» والتصويب عن كتب التخريج والتراجم.

يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَيْمِيِّ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [1] فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ فلمسته بيدي فوقعت [2] يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا لَوْ لَمَسَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ أَوْ لَمَسَ أَجْنَبِيَّةً صَغِيرَةً، أَصَحُّ القولين أنه لا ينتقض الْوُضُوءَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الشَّهْوَةِ كَمَا لَوْ لَمَسَ رَجُلًا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ [عَلَى قَوْلَيْنِ] [3] ، أَحَدُهُمَا: يَنْتَقِضُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِالْتِذَاذِ كَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا بِالْجِمَاعِ، وَالثَّانِي: لَا يَنْتَقِضُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حيث قالت: فوقعت يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ [4] ، وَلَوْ لَمَسَ شَعْرَ امْرَأَةٍ أَوْ سنّها أو ظفرها لا ينتقض وضوؤه عِنْدَهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا تَصِحُّ صِلَاتُهُ مَا لَمْ يَتَوَضَّأْ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ يَتَيَمَّمْ إذا لم يجد الماء [5] لما: «617» أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ [اللَّهُ] صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . وَالْحَدَثُ هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ عينا كان [6] أو أثرا، أو الغلبة عَلَى الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ إِلَّا أَنْ يَنَامَ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، لِمَا: «618» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو العباس الأصم أخبرنا الربيع

_ - وهو في «شرح السنة» (1360) بهذا الإسناد. خرّجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 214) عن يحيى بن سعيد به. ومن طريق مالك أخرجه الترمذي 3493 والطحاوي في «المعاني» (1/ 234) . - وأخرجه النسائي 2/ 222 وعبد الرزاق 2883 من طريق يحيى بن سعيد به. - وأخرجه مسلم 486 وأبو داود والنسائي 1/ 102- 103 و210 وأحمد 6/ 58 و201 وابن خزيمة 655 و671 وابن حبان 1932 من طرق عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن محمد بن يحيى، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن عائشة.... به. - وأخرجه ابن حبان 1933 والطحاوي 1/ 234 والبيهقي 2/ 116 من طرق، عن أبي النضر، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عائشة.... به. 617- إسناده صحيح، أحمد بن يوسف روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد. - وهو في «شرح السنة» (156) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (530) عن معمر به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البخاري 135 ومسلم 225 وأبو داود. والترمذي 76 وأبو عوانة 1/ 235 وأحمد 2/ 308 و318 وابن خزيمة 1/ 908 وابن الجارود 66 والبيهقي 1/ 229. 618- حديث صحيح. إسناده ضعيف لجهالة شيخ الشافعي، حيث لم يسمّ، والظاهر أنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ذاك المتروك المتهم، فإن الشافعي كان يوثقه، ويحدث عنه بقوله: حدثني الثقة، حدثني من لا أتهم، لكن كذبه علي المديني ويحيى بن سعيد وابن معين وغيرهم، ولكن لم يتفرد به، فقد تابعه غير واحد كما هو الآتي، فالمتن محفوظ. - وهو في «شرح السنة» (163) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 11) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 376 ح 126 وأبو داود 201 والبيهقي 1/ 120 من طريق حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عن أنس. - وأخرجه البخاري 6292 ومسلم 376 ح 124 من طريق شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بنحوه. - وأخرجه أبو داود 200 والدارقطني 1/ 131 والبيهقي 1/ 119 من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بنحوه. - وأخرجه عبد الرزاق 1931 عن معمر، عن ثابت، عن أنس بنحوه ومن طريقه أحمد 3/ 161. وفي إسناده الزهري بين معمر، وثابت. (1) سقط من المخطوط. (2) في المخطوط «وضعت» . (3) سقط من المخطوط. (4) هو بعض الحديث. (5) زيادة عن المخطوط. (6) لفظ «كان» ليس في المخطوط.

أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا الثِّقَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَيَنَامُونَ، أَحْسَبُهُ قال قعودا حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَالْمُزَنِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ سَاجِدًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعًا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. [وَاخْتَلَفُوا في لمس الرجل المرأة كما بيناه] [1] وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّ الْفَرَجِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ [2] وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ الله عنهم [3] ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَمَسُّ فَرْجَهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ [4] بِبَطْنِ الْكَفِّ أَوْ بُطُونِ الْأَصَابِعِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا: «619» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عن مالك

_ 619- جيد. إسناده على شرط البخاري ومسلم، غير صحابية وهي بسرة بنت صفوان، فقد روى لها أصحاب السنن، قال الحافظ في «التقريب» : صحابية لها سابقة وهجرة عاشت إلى خلافة معاوية. - وهو في «شرح السنة» (165) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 42) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به. - ومن طريق مالك أخرجه أبو داود 181 والنسائي 1/ 100 والشافعي في «المسند» (1/ 34) وابن حبان 1112 والحازمي في «الناسخ والمنسوخ» ص (41) والطبراني في «الكبير» (496) والبيهقي في «المعرفة» (1/ 327) وفي «السنن» (1/ 128) . - وأخرجه النسائي 1/ 100 و216 وابن أبي شيبة 1/ 163 والطيالسي 1657 والحميدي 352 وأحمد 6/ 406 و407 والدارمي 1/ 185 والطحاوي في «المعاني» (1/ 85) وابن الجارود 16 والطبراني في «الكبير» (24/ (487) - (504)) من طرق عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بكر به. - وأخرجه الترمذي 83 والنسائي 1/ 216 والدارقطني 1/ 146 وابن حبان 1113 وابن الجارود 17 والحاكم 1/ 137 والبيهقي في «المعرفة» (1/ 359) وفي «السنن» (1/ 129 و130) من طرق عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيه به. (1) زيادة عن المخطوط. [.....] (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (3) في المطبوع «عنها» . (4) في المطبوع «تلمس» .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [بْنِ] [1] مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجُّوا بما: ع «620» رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عن الرجل مس ذَكَرَهُ، فَقَالَ: «هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ» ؟ [وَيُرْوَى «هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ أَوْ مُضْغَةٌ مِنْهُ» ] [2] . وَمَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْهُ قَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ بُسْرَةِ لِأَنَّ أبا هريرة يروي أيضا: الوضوء من

_ وله شاهد من حديث أم حبيبة، أخرجه ابن ماجه 481 وأعله البوصيري بالانقطاع، وله شاهد ثالث من حديث ثوبان، أخرجه ابن ماجه 480 وأعله البوصيري بجهالة عقبة بن عبد الرحمن، وله شاهد رابع. - من حديث أبي هريرة أخرجه الشافعي في «الأم» (1/ 19) وأحمد 2/ 333 والدارقطني 1/ 147 والطحاوي في «المعاني» (1/ 74) وابن حبان 1118 والحازمي في «الناسخ والمنسوخ» ص (41) والبيهقي في «المعرفة» (1/ 330) وفي «السنن» (2/ 131) والبغوي في «شرح السنة» (166) من طريق عن يزيد بن عبد الملك ونافع بن أبي نعيم، عن سعيد المقبري عنه. وصححه الحاكم 1/ 138 من طريق نافع بن أبي نعيم، وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» (1/ 122- 124) ما ملخصه: حسنه الترمذي، ونقل عن البخاري: حديث بسرة أصح شيء في هذا الباب، وقال أبو داود في سؤالاته لأحمد، قال أحمد: ليس بصحيح، قال الحافظ بل هو صحيح، وصححه ابن معين والبيهقي، وقال الدارقطني: صحيح ثابت اهـ. وانظر «نصب الراية» (1/ 56) و «فتح القدير» (1/ 58) . 620- ع حسن. أخرجه أبو داود 182 والترمذي 85 والنسائي 1/ 101 وابن أبي شيبة 1/ 165 وابن حبان 1119 والدارقطني 1/ 149 وابن الجارود 21 والطحاوي 1/ 75 و76 والبيهقي 1/ 134 من طرق عن ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه به. وإسناده جيد. - وأخرجه ابن ماجه 483 وعبد الرزاق 426 والطيالسي 1/ 57 وأحمد 4/ 22 و23 والحازمي في «الناسخ والمنسوخ» ص (40) والدارقطني 1/ 148 و149 وابن الجارود 20 والطبراني 8233 و8234 والبيهقي في «المعرفة» (1/ 355) من طرق عن قيس بن طلق، عن أبيه به. قال ابن حبان: خبر طلق بن علي الذي ذكرناه منسوخ لأن طلق بن علي كان قدومه على النبي صلّى الله عليه وسلّم أول سنة من سني الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مسّ الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلم سنة سبع من الهجرة، فدل ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين اهـ. وله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه ابن ماجه 484 لكن فيه جعفر بن الزبير متروك، وجاء في «نصب الراية» (1/ 61) ما ملخصه: قال الطحاوي: حديث مستقيم الإسناد، غير مضطرب، وأسند عن علي المديني: حديث طلق أحسن من حديث بسرة، وحكى الدارقطني عن أبي زرعة وأبي حاتم توهينهما لحديث طلق، وأنه لا تقوم به حجة اهـ وجاء في «تلخيص الحبير» (1/ 125) ما ملخصه: حديث طلق صححه علي المديني والفلاس والطحاوي وابن حبان وابن حزم، وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ: ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون وانظر مزيد الكلام عليه في «فتح القدير» لابن الهمام (1/ 58) بتخريجي، والله الموفق. (1) ما بين المعقوفتين زيادة عن «شرح السنة» و «ط» وكتب التراجم. (2) ما بين المعقوفتين ليس في المخطوط و «شرح السنة» .

مَسِّ الذَّكَرِ [1] ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ قُدُومُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ زَمَنِ الْهِجْرَةِ حِينَ كَانَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ. وَاخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقَيْءِ وَنَحْوَهُ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ وَخُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلَوْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَثِيرُهُ لِأُوجَبَ قَلِيلُهُ كَالْفَرْجِ. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأمة: ع «621» ، رَوَى حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلَّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» ، وَكَانَ بَدْءُ التَّيَمُّمِ مَا: «622» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالُوا: أَلَّا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم وبالناس [2] وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخْذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: أَحَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟ قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه وقال ما

_ (1) تقدم مع ما قبله. (2) زيد في المطبوع «معه» . 621- ع صحيح. أخرجه مسلم 522 وابن أبي شيبة 11/ 435 والطيالسي 418 وأبو عوانة 1/ 303 وأحمد 5/ 383 وابن حبان 1697 وابن خزيمة 264 والبيهقي 1/ 213 من طرق عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة به، وزاد ابن خزيمة والطيالسي وأحمد وابن حبان في آخره: «وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش ... » . 622- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. - وهو في «شرح السنة» (308) بهذا الإسناد. ورواه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» برواية القعنبي ص (68) . ومن طرق مالك أخرجه البخاري 334 و3672 و4607 و5250 و6844 ومسلم 367 والنسائي 1/ 163- 164 وعبد الرزاق 880 والشافعي 1/ 43- 44 وأبو عوانة 1/ 302 وابن خزيمة 262 وابن حبان 1300 والبيهقي 1/ 223- 224. - وأخرجه البخاري 4608 و6845 والطبري 9641 والبيهقي 1/ 223 من طرق عن ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ به. وانظر الحديث الآتي.

شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخْذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وهو أحد النقباء: ما هي بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. «623» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هُشَامٍ عَنْ أَبِيهِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جزاك الله خيرا فو الله مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً [فَتَيَمَّمُوا، أَيْ: اقصُدُوا] [1] ، صَعِيداً طَيِّباً، أَيْ: تُرَابًا طَاهِرًا نَظِيفًا قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ مِمَّا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا» [2] ، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّيَمُّمَّ بِالزَّرْنِيخِ وَالْجِصِّ والنَّوْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، حتى قالوا: لو ضرب يده [3] عَلَى صَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ نَفَخَ فيه حتى زال التراب كُلَّهُ فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، وَقَالُوا: الصَّعِيدُ وَجْهُ الأرض: ع «624» لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» . وَهَذَا مُجْمَلٌ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي تَخْصِيصِ التُّرَابِ مُفَسَّرٌ وَالْمُفَسَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ بِكُلِّ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَنَبَاتٍ، وَنَحْوَهُمَا وَقَالَ: إِنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِمَا تَصَاعَدَ

_ 623- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، غير عبيد بن إسماعيل حيث تفرد عنه البخاري، أبو أسامة هو حماد بن أسامة، هشام هو ابن عروة بن الزبير. خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3773) عن عبيد بن إسماعيل بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 336 و4583 و164 و5882 ومسلم 367 ح 109 وأبو داود 317 والنسائي 1/ 172 وابن ماجه 568 والحميدي 165 وابن حبان 1709 وأبو عوانة 1/ 303 والطبري 9640 والبيهقي 1/ 214 من طريق هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ به، وانظر الحديث المتقدم. 624- ع صحيح. هو بعض من حديث أخرجه البخاري 335 و438 و3122 ومسلم 521 والنسائي 1/ 209 و211 وابن أبي شيبة 11/ 432 وأحمد 3/ 304 والدارمي 1/ 322- 323 وابن حبان 6398 والبيهقي 1/ 212 و2/ 329 و433 و6/ 291 و9/ 4 والبغوي في «شرح السنة» (3510) من طرق عن هشيم بن بشير، عن سيّار، عن يزيد الفقير، عن جابر مرفوعا وصدره «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي....» . (1) سقط من المخطوط. [.....] (2) هو بعض الحديث المتقدم برقم: 610. (3) في المطبوع «يديه» .

عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَالْقَصْدُ إِلَى التُّرَابِ، شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: فَتَيَمَّمُوا، وَالتَّيَمُّمُ: [هو] [1] الْقَصْدُ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ فَأَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ وَنَوى لَمْ يَصِحَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً، اعْلَمْ أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَاجِبٌ فِي التَّيَمُّمِ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ مَعَ الْمَرْفِقَيْنِ، بِضَرْبَتَيْنِ يَضْرِبُ كَفَّيْهِ عَلَى التُّرَابِ فيمسح بهما جَمِيعَ وَجْهِهِ، وَلَا يَجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَا تَحْتَ الشُّعُورِ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَمْسَحُ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ، لِمَا: «625» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الحويرث عن الأعرج عن ابن [2] الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وضع يده [3] عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ. فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ كَمَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَقْ بِالْيَدِ غُبَارُ التُّرَابِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّ الْجِدَارَ بِالْعَصَا [4] ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الضَّرْبِ كَافِيًا [لَمَا كَانَ حَتَّهُ] [5] ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ

_ 625- ضعيف. إسناده ضعيف جدا، إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى، وهو متروك متهم، وأبو الحويرث واسمه عبد الرحمن بن معاوية ضعيف، الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، ابن الصمة هو الحارث، وهو منقطع بين الأعرج وابن الصمة. - وهو في «شرح السنة» (311) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (1/ 44) عن إبراهيم بن محمد بهذا الإسناد. ومن طريقه البيهقي 1/ 205 وقال: وهذا شاهد لرواية أبي صالح كاتب الليث إلا أن هذا منقطع عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمع من ابن الصمة إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس، عن ابن الصمة. وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: قد اختلف الحفاظ في عدالتهما إلا أن لروايتهما بذكر الذراعين فيه شاهد من حديث ابن عمر اهـ. كذا قال رحمه الله! مع أن إبراهيم الأسلمي كذبه علي المديني ويحيى بن سعيد وابن معين وغيرهم. - ورواية عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة التي أشار إليها البيهقي هي عنده وعند البخاري 337 وأبو داود 329 والنسائي 1/ 165 وابن حبان 805 ولم يذكروا أن ابن الصمة هو الذي سلّم عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وإنما هو رجل آخر. وليس فيه أيضا ذكر الذراعين. وورد ذكر الذراعين في حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود 330 وضعفه بقوله: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثا منكرا في التيمم، قال أبو داود، لم يتابع بذكره «ضربتين» قلت: محمد بن ثابت ضعيف. وقد ورد من وجه آخر بدون ذكر الذراعين والضربتين، من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود 331 وأبو عوانة 1/ 215 وابن حبان 1316 والدارقطني 1/ 177 والبيهقي 1/ 206 من طرق عن عبد الله بن يحيى، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن الهاد، عن نافع عنه وإسناده صحيح على شرط البخاري. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في الأصل «أبي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب الحديث. (3) في المطبوع «يديه» . (4) انظر الحديث المتقدم. (5) العبارة في المخطوط و «شرح السنة» ، «لكان لا يحته» والمثبت عن المطبوع وط، وهو أجمل سياقا.

قَالَ: تَيَمَّمْنَا إِلَى الْمَنَاكِبِ. وَذَلِكَ حكاية فعله ولم يَنْقُلْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [و] [1] أمره بالوجه والكفين [2] [انتهى إليه] [3] . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا: «626» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا آدَمُ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَّا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ [4] فصليت فذكرت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «إنّما يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ ونفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه» . ع «627» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ بإسناده [وقال: قال] [5] عمار لعمر رضي الله

_ 626- إسناده على شرط البخاري ومسلم، آدم هو ابن مسلم، شعبة هو ابن الحجاج، الحكم هو ابن عتيبة، ذرّ هو ابن عبد الله الهمداني، ابن أبزى- بألف مقصورة-. - وهو في «شرح السنة» (309) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (338) عن آدم بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 339- 343 ومسلم 368 ح 112 و113 وأبو داود 326 والنسائي 1/ 169 و170 وابن ماجه 569 والطيالسي 1/ 63 وأحمد 4/ 265 و320 وأبو عوانة 1/ 306 والطحاوي في «المعاني» (1/ 112) والدارقطني 1/ 183 وابن الجارود 125 والبيهقي 1/ 209 و214 و216 من طرق عن شعبة به. وبعضهم رواه مختصرا. - وأخرجه أبو داود 224 و225 والنسائي 1/ 170 والطيالسي 1/ 63 وأحمد 2/ 265 والبيهقي 1/ 210 من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن ذر به. - وأخرجه أبو داود 322 والنسائي 1/ 168 والطحاوي 1/ 113 والبيهقي 1/ 210 من طريق أبي مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبزى به. - وأخرجه أبو داود 323 وابن أبي شيبة 1/ 159 وأبو عوانة 1/ 305 وابن خزيمة 269 والطحاوي 1/ 112 والدارقطني من طرق عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أبيه به. 627- ع صحيح. أخرجه البخاري 341 عن محمد بن كثير به وحديث عمار، ورد من طرق كثيرة انظر التعليق على الحديث المتقدم. وحديث عمار ورد من طرق كثيرة وقد أخرجه أيضا البخاري 347 ومسلم 368 ح 110 وأبو داود 321 والنسائي 1/ 170 وابن أبي شيبة 1/ 158 و159 وأحمد 2/ 396 و264 وابن حبان 1304 و1305 والدارقطني 1/ 179 و180 من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن الرجل يجنب، فلا يجد الماء أيصلي؟ فقال: لا، فقال: أما تذكر قول عمّار لعمر:..... فذكره. (1) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (2) انظر الحديث الآتي وما بعده. (3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) تصحف في مواضع عدة من المطبوع «تكعمت» . [.....] (5) العبارة في المطبوع «فقال» .

عَنْهُ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ» . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا طَهُرَتَا وَعَدِمَتَا الْمَاءَ. وَذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ بَلْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَيَغْتَسِلَ، وَحَمَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ دُونَ الْجِمَاعِ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُجَّةٌ، وَكَانَ عمر نسي ما ذكره [1] لَهُ عَمَّارٌ فَلَمْ يَقْنَعُ بِقَوْلِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَجَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا: «628» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ محمد عن عباد [2] بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ جُنُبًا أَنْ يَتَيَمَّمَ ثُمَّ يُصَلِّي فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ اغْتَسَلَ. «629» وَأَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي عمرو بن بَجْدَانَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ الله عنه قَالَ: اجْتَمَعَتْ غَنِيمَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فقال: يا أباذر ابدأ فيها فبدوت إلى الربذة فكانت تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم فقال: [أباذر، فسكت، فقال: «ثكلتك أمك يا أباذر لأمك الويل» ، فدعا بجارية سوداء فجاءت بعس فيه ماء فسترتني بثوب واستترت بالراحلة فاغتسلت فكأني ألقيت عني جبلا، فَقَالَ:] [3] «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» . وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، تَارَةً يَكُونُ بَدَلًا عن غَسْلِ [جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي حَقِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَيِّتِ وَتَارَةً عن غسل الأعضاء الأربعة في حق المحدث وتارة بَدَلًا عَنْ غَسْلِ] [4] بَعْضِ أَعْضَاءِ

_ 628- إسناده ضعيف جدا لأجل إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، فقد كذبه علي المديني ويحيى بن سعيد وابن معين وغيرهم، ووثقه الشافعي وحده، وقد تفرد في هذا المتن بزيادة، «فإذا وجد الماء اغتسل» . - وهو في «شرح السنة» (310) بهذا الإسناد. - وخرجه المصنف من طريق الشافعي وهو في «مسنده» (1/ 43- 44) عن إبراهيم بن محمد بهذا الإسناد. - وورد بدون عجزه، وهو «فإذا وجد الماء اغتسل» أخرجه البخاري 348 من طريق عوف، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عمران بن حصين «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال: يا فلان ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» . - وهو في أثناء حديث أخرجه البخاري 344 و348 ومسلم 682 والنسائي 1/ 171 وعبد الرزاق 20537 وابن أبي شيبة 1/ 156 وأحمد 4/ 434 و435 وابن حبان 1301 و1302 وأبو عوانة 1/ 307 و2/ 256 والدارقطني 1/ 202 والبيهقي 1/ 218 عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا. 629- عجزه صحيح. إسناده ضعيف، عمرو بن بجدان، مجهول الحال كما في «التقريب» و «الميزان» ، مسدد هو ابن مسرهد، خَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، خالد الحذاء هو ابن مهران، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد، وتقدم الحديث برقم 614. (1) في المطبوع «ذكر» . (2) في الأصل «بن عياد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) زيد في المطبوع وحده، وهو في بعض كتب الحديث مثل «صحيح ابن حبان» (1311 و1312 و1313) وتقدم تخريجه. (4) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة النساء (4) : آية 44]

الطَّهَارَةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ جِرَاحَةٌ لَا يُمْكِنْهُ غَسْلَ مَحَلِّهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِصَلَاةِ الْوَقْتِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: 6] إِلَى أَنْ قَالَ: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا، ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، إِلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ في الوضوء: ع «630» فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَعَ الْفَرِيضَةِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَإِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَعَدَمِ الْمَاءِ فَيُشْتَرَطُ طَلَبُ الْمَاءِ وَهُوَ أن يطلبه في رحله ومن رفقائه، وإن كان في صحراء ولا حَائِلَ دُونَ نَظَرِهِ [1] يَنْظُرُ حَوَالَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ نَظَرِهِ حَائِلٌ قَرِيبٌ مِنْ تَلٍّ أَوْ جِدَارٍ عَدَلَ عَنْهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، ولا يقال: لم يجد إِلَّا لِمَنْ طَلَبَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلَبُ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنْ رَأَى الْمَاءَ وَلَكِنْ [2] بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ حَائِلٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبْعٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَيْهِ أَوْ كان الماء في بئر وَلَيْسَ مَعَهُ آلَةُ الِاسْتِقَاءِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ [3] يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عليه. [سورة النساء (4) : آية 44] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي: يَهُودَ الْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ ومالك بن دخشم، كانا إِذَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم لويا لسانهما وَعَابَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، يَشْتَرُونَ، يَسْتَبْدِلُونَ، الضَّلالَةَ، يَعْنِي: بِالْهُدَى، وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أَيْ: عَنِ السَّبِيلِ يَا مَعْشَرَ المؤمنين. [سورة النساء (4) : الآيات 45 الى 47] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47)

_ 630- ع صحيح. أخرجه مسلم 277 وأبو داود 172 والترمذي 61 والنسائي 1/ 16 وابن ماجه 510 والطيالسي 1/ 54 وأحمد 5/ 350 و351 و358 والدارمي 1/ 169 وابن حبان 1706- 1708 وأبو عوانة 1/ 237 والطحاوي في «المعاني» (1/ 41) والبيهقي 1/ 162 والبغوي في «شرح السنة» (231) من طرق عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيه مرفوعا. وانظر الحديث الآتي برقم: 743. (1) في المطبوع «نظر» . (2) في المطبوع «ولكنه» . (3) في المخطوط «كالعادم» .

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ، مِنْكُمْ، فَلَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاؤُكُمْ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً، [قَالَ الزَّجَّاجُ: [مَعْنَاهُ] [1] اكْتَفُوا بِاللَّهِ وَلِيًّا وَاكْتَفُوا بِاللَّهِ نَصِيرًا] [2] . مِنَ الَّذِينَ هادُوا، قِيلَ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بُقُولِهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادُوا وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَعْنَاهُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) [الصَّافَّاتِ: 164] أَيْ: مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [3] يُرِيدُ: فَرِيقٌ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ، يُغَيِّروُنَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كان الْيَهُودُ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الْأَمْرِ فَيُخْبِرُهُمْ فَيَرَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ فَإِذَا انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلَامَهُ. وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قَوْلَكَ، وَعَصَيْنا، أَمْرَكَ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أَيْ: اسْمَعْ مِنَّا وَلَا نَسْمَعُ مِنْكَ، غَيْرَ مُسْمَعٍ أَيْ: غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ. وَقِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعْ ثُمَّ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: لَا سَمِعْتَ، وَراعِنا أَيْ: وَيَقُولُونَ رَاعِنَا يُرِيدُونَ بِهِ النِّسْبَةَ إِلَى الرُّعُونَةِ، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، تَحْرِيفًا، وَطَعْناً، قدحا فِي الدِّينِ، لأن قولهم: راعنا مِنَ الْمُرَاعَاةِ، وَهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يُرِيدُونَ بِهِ الرُّعُونَةَ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا، أَيِ: انْظُرْ إِلَيْنَا مَكَانَ قَوْلِهِمْ رَاعِنَا، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ، أَيْ أَعْدَلَ وَأَصْوَبَ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَمَنْ أسلم معه منهم. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ، يُخَاطِبُ الْيَهُودَ، آمِنُوا بِما نَزَّلْنا، [يَعْنِي: الْقُرْآنَ] [4] ، مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ. ع «631» وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ أَحْبَارَ الْيَهُودِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَّا وَكَعْبَ بن أسد [5] ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا الله وأسلموا فو الله إِنَّكُمْ لِتَعْلَمُونِ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ» ، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ، وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَجْعَلُهَا كَخُفِّ الْبَعِيرِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نُعْمِيهَا، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْعَيْنُ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها، أَيْ: نَطْمِسُ الوجوه فنردها عَلَى الْقَفَا، وَقِيلَ: نَجْعَلُ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَوُجُوهِ الْقِرَدَةِ، لِأَنَّ منابت شعور الآدميين في أدبار [6] وُجُوهِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَمْحُو آثَارَهَا وما فيها من

_ 631- ع أخرجه الطبري 9729 والبيهقي في «الدلائل» (1/ 533- 534) من حديث ابن عباس، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول وأصله في «صحيح البخاري» (3911) من حديث أنس دون ذكر نزول الآية. (1) زيادة عن- ط. (2) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (3) في المطبوع وحده «منزله معلومة» والمثبت عن المخطوط وط. (4) سقط من المخطوط. (5) في المطبوع «الأشرف» والمثبت عن الطبري 9729 والمخطوط أيضا. (6) زيد في المطبوع وط «هم دون» .

[سورة النساء (4) : آية 48]

أنف وعين وفم وحاجب ونجعلها كَالْأَقْفَاءِ [1] ، وَقِيلَ: نَجْعَلُ عَيْنَيْهِ عَلَى القفاء فيمشي القهقرى [2] . ع «632» رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ وَيَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَسْلَمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنْ أَصِلَ إِلَيْكَ حَتَّى يَتَحَوَّلَ وَجْهِي فِي قَفَايَ. وَكَذَلِكَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ آمَنْتُ، يَا رَبِّ أَسْلَمْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ وَعِيدُ هَذِهِ الْآيَةِ [3] . فإن قيل: قد أوعدهم الله بِالطَّمْسِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ؟ قِيلَ: هَذَا الْوَعِيدُ بَاقٍ، وَيَكُونُ طَمْسٌ وَمَسْخٌ فِي الْيَهُودِ قبل قيام الساعة، وقيل: هذا كان وعيد بِشَرْطٍ فَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ دَفَعَ ذَلِكَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ في الْقِيَامَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: نَطْمِسَ وُجُوهاً أَيْ: نَتْرُكَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ طَمْسَ وَجْهِ الْقَلْبِ، وَالرَّدَّ عَنْ بَصَائِرِ الْهُدَى عَلَى أَدْبَارِهَا فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ، وَأَصْلُ الطَّمْسِ: الْمَحْوُ وَالْإِفْسَادُ وَالتَّحْوِيلُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَمْحُو آثَارَهُمْ من وجوههم ونواصيهم الَّتِي هُمْ بِهَا فَنَرُدُّهَا عَلَى أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه وَهُوَ الشَّامُ، وَقَالَ: قَدْ مَضَى ذَلِكَ وَتَأَوَّلَهُ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النضير إلى أذرعات وأريحا من [أرض] [4] الشَّامِ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ، فَنَجْعَلَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. [سورة النساء (4) : آية 48] إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ: ع 63» قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ وَأَصْحَابِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ حَمْزَةَ كَانَ قَدْ جُعِلَ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْ يُعْتَقَ فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ نَدِمَ عَلَى صَنِيعِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى الَّذِي صَنَعْنَا وَأَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُنَا عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنَّا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ وَأَنْتَ بِمَكَّةَ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [الفرقان: 68] ، الآيات وَقَدْ دَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْنَا، فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَاتُ لَاتَّبَعْنَاكَ، فَنَزَلَتْ: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً ... [الفرقان: 70- 71] الآيتين، فَبَعَثَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا قرؤوا كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ أَنْ لَا نَعْمَلَ [عَمَلًا] [5] صَالِحًا، فَنَزَلَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ فَنَزَلَتْ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا

_ 632- ع لم أره مسندا. وفي الصحيح أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ أسلم لما قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم وليس فيه هذا الخبر. انظر «صحيح البخاري» رقم (3911- حديث أنس بن مالك، وراجع أيضا «الإصابة في تمييز الصحابة» (2/ 320 (4725)) . 633- ع نسبه المصنف الكلبي من قوله، وإسناده إليه أول الكتاب، والكلبي واسمه محمد بن السائب كذاب متروك، والباطل في حديثه هذا ذكر نزول هذه الآية فيه فإن سورة النساء نزلت قبل إسلام وحشي بسنوات وخبر إسلام وحشي ورد بغير هذا السياق، ويأتي في «سورة الفرقان» إن شاء الله. (1) في المطبوع «كالقفا» . (2) في المطبوع «قهقرى» . (3) خبر إسلام «كعب الأحبار» أخرجه الطبري 9730 عن عيسى ابن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال: أسلم كعب في زمان عمر.... فذكره. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيادة عن المخطوط وط.

مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزَّمْرِ: 53] ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِوَحْشِيٍّ: «أَخْبَرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟» فَلَمَّا أَخْبَرَهُ قَالَ: «وَيْحَكَ غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي» ، فَلَحِقَ وَحْشَيٌّ بِالشَّامِ فَكَانَ بِهَا إِلَى أَنْ مات. ع «634» وقال مخبر عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَتْ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: 53] ، الْآيَةَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَالشِّرْكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَنَزَلَتْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنَّا عَلَى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عَلَى كَبِيرَةٍ شَهِدْنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فَأَمْسَكْنَا عَنِ الشَّهَادَاتِ. حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله عنه أن أرجى آية في القرآن قوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى، اخْتَلَقَ، إِثْماً عَظِيماً: «635» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ النَّارَ» . «636» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل

_ 634- ع ضعيف. أخرجه الطبري 9735 و9736 من طريقين عن ابن أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عن الربيع قال: أخبرني مخبر، عن ابن عمر ... فذكره، وإسناده ضعيف، وله علتان: جهالة المخبر للربيع بن أنس، فهذه علة، والثانية: ضعف أبي جعفر الرازي واسمه عيسى بن أبي عيسى. 635- صحيح، محمد بن حماد هو الطّهراني، ثقة حافظ، وقد توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو معاوية هو محمد بن خازم، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو سفيان هو طلحة بن نافع. - وهو في «شرح السنة» (50) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 93 وأبو عوانة 1/ 17- 18 من طريق أبي معاوية به. - وأخرجه أبو يعلى 2278 من طريق الأعمش به. - وأخرجه أحمد 3/ 245 من طريق ابن المبارك، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المزني، عن جابر به. - وأخرجه مسلم 93 ح 152 من طريق أبي الزبير، عن جابر به. 636- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو معمر هو المنقري، اسمه عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أبي الحجاج، عبد الوارث هو ابن سعيد بن ذكوان، حسين المعلم هو ابن ذكوان، أبو الأسود الدّيلمي، ويقال الدّؤلي اسمه ظالم بن عمرو. - وهو في «شرح السنة» (51) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (5827) عن أبي معمر بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 94 ح 154 وأحمد 5/ 166 وأبو عوانة 1/ 19 وابن مندة في «الإيمان» (87) . من طرق عن حسين المعلم به. - أخرجه البخاري 2388 و3222 و6268 و6444 ومسلم 94 ح 33 والترمذي 2644 والنسائي في «اليوم والليلة» (1118 و1119 و1122) والطيالسي 444 وأحمد 5/ 152 وابن حبان 169 و170 و195 وابن مندة 83 و84 و85 و86 وأبو عوانة 1/ 19 من طرق زيد بن وهب عن أبي ذر. مطوّلا، ومختصرا. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 50]

أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ أَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عن حسين يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الديلي حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» ، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رغم أنف أبي ذر. [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 50] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ اليهود منهم بحري بن عمر ونعمان بْنُ أَوْفَى وَمَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ، أَتَوْا بِأَطْفَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ ذنب؟ فقال: لا، قالوا: وما نَحْنُ إِلَّا كَهَيْئَتِهِمْ، مَا عَمِلْنَا بِالنَّهَارِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِاللَّيْلِ، وَمَا عَمِلْنَا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِالنَّهَارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ [1] الْآيَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: كَانُوا يُقَدِّمُونَ أَطْفَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ فَتِلْكَ التَّزْكِيَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ قالوا نحن أنصار اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ تَزْكِيَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. رَوى [2] طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُوَ مِنْ بَيْتِهِ وَمَعَهُ دِينُهُ فَيَأْتِي الرَّجُلَ لَا يَمْلِكُ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ كَيْتَ وَكَيْتَ!! وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ وَمَا مَعَهُ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَرَأَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ، الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي أَيْ: يُطَهِّرُ وَيُبَرِّئُ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُصْلِحُ، مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَهُوَ اسْمٌ لِمَا فِي شَقِّ النَّوَاةِ، وَالْقِطْمِيرُ اسْمٌ لِلْقِشْرَةِ الَّتِي عَلَى النَّوَاةِ، وَالنَّقِيرُ: اسْمٌ لِلنُّقْطَةِ [3] الَّتِي عَلَى ظَهْرِ النَّوَاةِ، وَقِيلَ: الْفَتِيلُ مِنَ الْفَتْلِ وَهُوَ مَا يحصل [4] بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ مِنَ الْوَسَخِ عِنْدَ الفتل. قَوْلُهُ تَعَالَى: انْظُرْ، يَا مُحَمَّدُ، كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ، يَخْتَلِقُونَ عَلَى اللَّهِ، الْكَذِبَ، فِي تَغْيِيرِهِمْ كتابه، وَكَفى بِهِ [أي] [5] بالكذب إِثْماً مُبِيناً.

_ (1) هذا الخبر ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (319) عن الكلبي بلا سند، والكلبي متهم بالكذب. وعزاه الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 520) للثعلبي عن الكلبي. فالخبر واه بمرة. (2) زيد في المطبوع «عن» . (3) في المطبوع «للنقرة» . (4) في المطبوع «يجعل» . (5) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 51]

[سورة النساء (4) : آية 51] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، اخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا صَنَمَانِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ [عز وجل] [1] ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمَا كَلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ] [2] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36] ، قال عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: الْجِبْتُ: الْأَوْثَانُ، وَالطَّاغُوتُ: شَيَاطِينُ الْأَوْثَانِ فكل صَنَمٍ شَيْطَانٌ، يُعَبِّرُ عَنْهُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ: الْجِبْتُ: الْكَاهِنُ، وَالطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: الْجِبْتُ: السَّاحِرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، [وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ] : [3] شَيْطَانٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجِبْتُ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَالطَّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النِّسَاءِ: 60] . «637» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَوْفٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ حَيَّانَ عَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيرَةُ مِنَ الْجِبْتِ» [4] . وَقِيلَ: الْجِبْتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالطَّاغُوتُ كُلُّ مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ. وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ع «638» قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنَ الْيَهُودِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْقُضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ، وَنَزَلَتِ الْيَهُودُ فِي دُورِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ كِتَابٍ وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرًا مِنْكُمْ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكُمْ فَاسْجُدُوا لِهَذَيْنَ الصَّنَمَيْنِ وَآمِنُوا بِهِمَا ففعلوا ذلك،

_ 637- إسناده لين، مداره على حيان بن مخارق أبي العلاء، وهو مقبول، وباقي رجال الإسناد ثقات، معمر هو ابن راشد، عوف هو ابن أبي جميلة، واسم أبي جميلة: بندويه، قبيصة والد قطن هو ابن مخارق.. - وهو في «شرح السنة» (3149) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (19502) عن عوف العبدي بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 3907 والنسائي في «الكبرى» (11108) وابن سعد في «الطبقات» (7/ 35) وأحمد 3/ 477 والطحاوي 4/ 312 وابن حبان 6131 والدولابي في «الكنى» (1/ 86) والطبراني 18/ 941 و942 و943 و945 وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (2/ 158) والخطيب في «تاريخ بغداد» (10/ 425) والبيهقي 8/ 139 والمزي في «تهذيب الكمال» (7/ 475- 476) من طرق عوف بهذا الإسناد. 638- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (321) نقلا عن المفسرين بدون إسناد، وأخرجه الطبري 9791 عن ابن عباس مختصرا. - وورد بنحوه عن عكرمة أخرجه الواحدي 320 والطبري 9794 وعن السدي مرسلا أخرجه الطبري 9795 بنحوه، فلعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها، وإن لم تتحد ألفاظها والله أعلم. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة من المخطوط. (3) سقط من المخطوط. (4) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرّها. الطرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن. الجبت: كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ الله، وقيل: هي كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. كما في «اللسان» .

[سورة النساء (4) : الآيات 52 الى 56]

فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ: لِيَجِيءْ مِنْكُمْ ثَلَاثُونَ وَمِنَّا ثَلَاثُونَ فَنُلْزِقُ أَكْبَادَنَا بِالْكَعْبَةِ فَنُعَاهِدُ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لَنَجْهَدَنَّ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِكَعْبٍ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُ وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ لا نعلم، فأينا أهدى طريقا [1] ، نحن أم محمد؟ فقال كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الْكَوْمَاءَ وَنَسْقِيهِمُ الْمَاءَ وَنَقْرِيِ الضَّيْفَ وَنَفُكُّ الْعَانِي وَنَصِلُ الرَّحِمَ وَنُعَمِّرُ بَيْتَ رَبِّنَا وَنَطُوفُ بِهِ وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ. وَمُحَمَّدٌ فَارَقَ دِينَ آبَائِهِ وَقَطَعَ الرَّحِمَ وَفَارَقَ الْحَرَمَ، وَدِينُنَا الْقَدِيمُ وَدِينُ مُحَمَّدٍ الْحَدِيثُ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ أَهْدَى سبيلا مما عليه محمد وأصحابه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ، يَعْنِي: كَعْبًا وَأَصْحَابَهُ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، يَعْنِي: الصَّنَمَيْنِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا: أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَبِيلًا دينا. [سورة النساء (4) : الآيات 52 الى 56] أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) أَمْ لَهُمْ يَعْنِي: ألَهُمْ وَالْمِيمُ صِلَةٌ نَصِيبٌ حَظٌّ مِنَ الْمُلْكِ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ [2] شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ، فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً، لِحَسَدِهِمْ وَبُخْلِهِمْ وَالنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ وَمِنْهَا تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ أُصْبُعِهِ كَمَا يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، يحسدون النَّاسَ، قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْعَرَبُ حَسَدَهُمُ الْيَهُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَمَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: أَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، حَسَدُوهُ عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالُوا: مَا لَهُ هَمٌّ إِلَّا النِّكَاحُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَقِيلَ: حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبِالْكِتَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [3] وَبِالْحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمَنْ فَسَّرَ الْفَضْلَ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ فَسَّرَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ فِي حَقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ ثَلَاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وَسَبْعُمِائَةٍ سُرِّيَّةٍ، وَكَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ سَكَتُوا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ، يَعْنِي: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً، وَقُودًا، وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعَظِيمُ: مُلْكُ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ رَاجِعَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ

_ (1) في المطبوع «طريقة» . (2) في المخطوط «الكتاب» . (3) في المطبوع «إليهم» . [.....]

أَنَّ إِبْرَاهِيمَ زَرَعَ ذَاتَ سَنَةٍ، وَزَرَعَ النَّاسُ فَهَلَكَ زَرْعُ النَّاسِ وَزَكَا زَرْعُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَكَانَ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِي أَعْطَيْتُهُ، فَمَنْ آمن منهم] أعطاه، ومن لم يؤمن منعه. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا، نُدْخِلُهُمْ نَارًا، كُلَّما نَضِجَتْ، احْتَرَقَتْ، جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها، غَيْرَ الْجُلُودِ الْمُحْتَرِقَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: يبدّلون جلودا بيضا كأمثال القراطيس. ع «639» وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قُرِئَتْ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْقَارِئِ: أَعِدْهَا فَأَعَادَهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَالَ مُعَاذٌ: عندي تفسيرها «تبدّل في كل سَاعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ الْحَسَنُ: تَأْكُلُهُمُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ: عُودُوا فَيَعُودُونَ كَمَا كَانُوا. «640» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُعَاذُ بن أسد [2] أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى أَنَا الْفُضَيْلُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ. «641» أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مسلم بن الحجاج أنا سريج بْنُ يُونُسَ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جلده مسيرة ثلاثة أيام» .

_ 639- ع واه بمرة. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (4514) وابن عدي في «الكامل» (7/ 50) من طريق نافع بن يوسف السلمي، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ به. وذكره ابن كثير في «التفسير» (1/ 526- 527) ونسبه لابن أبي حاتم وابن مردويه وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 6 (10933) : وفيه نافع مولى يوسف السلمي، وهو متروك اهـ. وكذا ضعفه الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 522) والصواب أنه من كلام كعب الأحبار. 640- إسناده صحيح على شرط البخاري، معاذ بن أسد روى له البخاري دون مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، فضيل هو ابن غزوان الكوفي، أبو حازم هو سلمة بن دينار. وهو في «شرح السنة» (431) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6551) عن معاذ بن أسد بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2852 والبيهقي في «البعث والنشور» (618 و619) من طريق الفضيل به. 641- إسناده على شرط مسلم، هارون بن سعد هو العجلي. - خرجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (2851) عن سريج بن يونس بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان 7487 والبيهقي في «البعث» (565) من طرق، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ به. وأخرجه الترمذي 2579 من طريق فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حازم به. (1) في المطبوع «به» . (2) في الأصل «أسيد» والتصويب عن «شرح السنة» و «صحيح البخاري» وكتب التراجم.

[سورة النساء (4) : الآيات 57 الى 58]

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَذَّبُ جُلُودٌ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَعْصِهِ؟ قِيلَ يُعَادُ الْجِلْدُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: جُلُوداً غَيْرَها لِتَبَدُّلِ [1] صِفَتِهَا، كَمَا تَقُولُ: صَنَعْتُ مِنْ خَاتَمِي خَاتَمًا غَيْرَهُ، فَالْخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الصِّنَاعَةَ وَالصِّفَةَ تَبَدَّلَتْ، وَكَمَنَ يَتْرُكُ أَخَاهُ صَحِيحًا ثُمَّ بَعُدَ مَرَّةً يَرَاهُ مَرِيضًا دَنَفًا فَيَقُولُ: أَنَا غَيْرُ الَّذِي عَهِدْتَ، وَهُوَ عَيْنُ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّ صِفَتَهُ تَغَيَّرَتْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبَدَّلُ الْجِلْدُ جِلْدًا غَيْرَهُ مِنْ لَحْمِ الْكَافِرِ ثُمَّ يُعِيدُ [2] الْجِلْدَ لَحْمًا ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ اللَّحْمِ جِلْدًا آخَرَ. وَقِيلَ: يُعَذَّبُ الشَّخْصُ فِي الْجِلْدِ لَا الْجِلْدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ وَلَمْ يَقُلْ: لِتَذُوقَ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُلْبِسُ أَهْلَ النَّارِ جُلُودًا لَا تألم، فتكون زِيَادَةَ عَذَابٍ عَلَيْهِمْ، كُلَّمَا احْتَرَقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُمْ جِلْدًا غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ [إِبْرَاهِيمَ: 50] فَالسَّرَابِيلُ تُؤْلِمُهُمْ وَهِيَ لَا تَأْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً. [سورة النساء (4) : الآيات 57 الى 58] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) ، كَنِينًا لَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ وَلَا يُؤْذِيهِمْ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها: ع «642» نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَغْلَقَ عُثْمَانُ بَابَ الْبَيْتِ وَصَعَدَ السَّطْحَ فَطَلَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِفْتَاحَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَعَ عُثْمَانَ فَطَلَبَهُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ فَأَبَى، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رسول الله لم أمنع المفتاح فلوى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [3] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ الْمِفْتَاحَ أَنَّ يُعْطِيَهُ وَيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقَايَةِ وَالسِّدَانَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ الْمِفْتَاحَ إِلَى عُثْمَانَ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَكْرَهْتَ وَآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُقَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِكَ قُرْآنًا، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ الْمِفْتَاحُ مَعَهُ فَلَمَّا مَاتَ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ، فَالْمِفْتَاحُ وَالسِّدَانَةُ فِي أَوْلَادِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ جَمِيعَ الأمانات.

_ 642- ع ذكر الواحدي في «الوسيط» (2/ 69- 70) وفي «الأسباب» (323) بتمامه، وبدون إسناد. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 523) : ذكره الثعلبي ثم البغوي بغير إسناد، وكذا ذكره الواحدي في «الوسيط» و «الأسباب» بدون إسناد. وخبر إعطاء المفتاح لعثمان ورد من وجوه، والوهن في هذا الخبر بذكر نزول الآية. (1) في المطبوع «لتبديل» . (2) في المطبوع «يساد» ولعله «يعاد» . (3) زيادة عن المخطوط.

«643» أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّرَّادُ [1] أَنَا أَبُو بَكْرٍ محمد بن إدريس الجرجرائي [2] وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد المعلم الهروي قالا: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ [3] أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ أَنَا شَيَّبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عنه قال: قلما [4] خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [إلّا] [5] قَالَ: «أَلَّا لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، أَيْ: بِالْقِسْطِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا أَيْ نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً. «644» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ [6] أَنَا حُمَيْدُ بن زنجويه أنا ابن عباد [أَنَا] [7] ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ

_ 643- حديث حسن بطرقه، إسناده لين لأجل أبي هلال الراسبي واسمه محمد بن سليم، فإنه صدوق لين الحديث، لكن توبع، وشيبان بن أبي شيبة وثقه ابن حبان وحده، وقد توبع أيضا، وباقي رجال الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» (38) بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (11/ 11) وفي «الإيمان» (7) وأحمد 3/ 35 و154 و210 والبزار 100 وابن حبان 194 والقضاعي في «الشهاب» (849 و850) والطبراني في «الأوسط» (2627 و5919) والبيهقي 6/ 288 و9/ 231 من طرق عن أبي هلال الراسبي بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في «المجمع» (1/ 96) وقال: وفيه أبو هلال وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره اهـ. وقال المصنف في «شرح السنة» : هذا حديث حسن اهـ. - وورد من طرق أخرى: فقد أخرجه ابن حبان 194 من طريق المؤمل بن إسماعيل. عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابت، عن أنس به. والمؤمل صدوق سيئ الحفظ. وأخرجه أحمد 3/ 251 والقضاعي من طريق المغيرة بن زياد الثقفي، عن أنس به. والمغيرة مجهول. - وأخرجه البيهقي 4/ 97 من طريق عمرو بن الحارث، عن ابن أبي حبيب، عن سنان بن سعد الكندي، عن أنس به، وسنان بن سعد ضعفه الجمهور. 644- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، ابن عباد واسمه محمد هو المكي، ابن عيينة هو سفيان. - وهو في «شرح السنة» (2464) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1827 والنسائي 8/ 221 والحميدي 588 وأحمد 2/ 160 وابن حبان 4484 و4485 والآجري في «الشريعة» ص (322) والبيهقي في «السنن» (10/ 87- 88) وفي «الأسماء والصفات» ص (324) من طرق، عن سفيان به. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (5917) وأحمد 2/ 159 و203 والحاكم 4/ 88 من طريق معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن عز وجل بما أقسطوا في الدنيا» . (1) في الأصل «الزاد» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (2) في الأصل «الجرجاني» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (3) في الأصل «المساليني» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . [.....] (4) تصحف في المطبوع «فلما» وهو في المخطوط «قل ما» . (5) سقط من المطبوع وط. (6) في الأصل «الزياتي» والتصويب عن «شرح السنة» و «الأنساب» . (7) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.

[سورة النساء (4) : آية 59]

أَوْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، هُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» . «645» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا [أَبُو] [1] الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا فُضَيْلٌ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يوم القيامة وأشدّهم عذابا إمام جائر» . [سورة النساء (4) : آية 59] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، اختلفوا في وَأُولِي الْأَمْرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النِّسَاءِ: 83] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا [2] . «646» أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعْدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ [مُحَمَّدِ بْنِ] [3] مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال:

_ 645- إسناده ضعيف لضعف عطية العوفي وهو ابن سعد. وباقي رجال الإسناد ثقات. - وهو في «شرح السنة» (2466) بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 1344 وأحمد 3/ 22 و55 والقضاعي في «مسند الشهاب» (1305) من طريق فضيل بن مرزوق بهذا الإسناد. 646- إسناده صحيح، أحمد بن يوسف روى له مسلم، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد، عبد الرزاق هو ابن همام. - وهو في «شرح السنة» (2445) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1835 وأحمد 2/ 313 من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 7137 ومسلم 1835 ح 33 والنسائي 7/ 154 وعبد الرزاق في «المصنف» (20679) وفي «التفسير» (609) وأحمد 2/ 270 و511 والبيهقي 8/ 155 من طرق، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هريرة به. - وأخرجه البخاري 2957 ومسلم 1835 ح 32 وابن أبي شيبة 12/ 212 وابن حبان 4556 وأحمد 2/ 422 والبغوي 2471 من طرق عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عن أبي هريرة به. - وأخرجه ابن ماجه 3 و2859 وابن أبي شيبة 12 212 وأحمد 2/ 252 و4/ 171 والبغوي 2444 من طرق عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن أبي هريرة به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في المخطوط «ويطيعوه» . (3) زيادة عن المخطوط وط.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» . «647» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» . «648» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ] [1] مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ [2] أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ والطاعة في العسر واليسر وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. «649» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَفَّالُ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ الفضل البروجردي

_ 647- إسناده على شرط البخاري، مسدد هو ابن مسرهد، يحيى بن سعيد هو القطان، عبيد الله هو ابن عبد الله بن عمر، نافع هو مولى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. - وَهُوَ في «شرح السنة» (2447) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (7144) عن مسدد بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 2626 عن مسدد عن يحيى بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2955 ومسلم 1839 والترمذي 1839 والنسائي 7/ 160 وابن ماجه 2864 وأحمد 2/ 17 و142 من طرق عن عبيد الله بهذا الإسناد. 648- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، يحيى بن سعيد هو الأنصاري. - وهو في «شرح السنة» (2450) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 445- 446) من يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 7199 و7200 والنسائي 7/ 138 وابن حبان 4547 والبيهقي 8/ 145. - وأخرجه أحمد 5/ 316 والبيهقي 8/ 145 من طريق عبادة بن الوليد، عن أبيه، عن جده. - وأخرجه البخاري 7055- 7056 ومسلم 1840 ح 42. وأحمد 5/ 321 والبيهقي 8/ 145 من طريق جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (2) في الأصل «الراودي» والتصويب عن «الأنساب» وعن «ط» . 649- حديث صحيح، إسناده ضعيف لضعف محمد بن يونس الكديمي، لكن توبع، ومن فوقه رجال مسلم، الطيالسي هو سليمان بن داود، شعبة هو ابن الحجاج، أبو التياح هو يزيد بن حميد الضبعي. - خرجه المصنف من طريق أبي داود الطيالسي، وهو في «مسنده» (2087) عن شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 696 وأحمد 3/ 171 وأبو يعلى 4176 من طرق عن شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 693 و7142 وابن ماجه 2860 وأحمد 3/ 114 من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة بهذا الإسناد. - وفي الباب من حديث عبادة بن الصامت، عن أبي ذر أخرجه مسلم 1837 وابن ماجه 2862 والطيالسي 452 والبيهقي 3/ 88 و8/ 155. [.....]

أَنَا [أَبُو أَحْمَدَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ] [1] الصَّيْرَفِيُّ أَنَا محمد بن يونس الْكُدَيْمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطيالسي حدثنا شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» . «650» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ [2] مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ [3] وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكِمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» . وَقِيلَ: الْمُرَادُ أُمَرَاءُ السَّرَايَا: «651» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَنَا حَجَّاجُ بن محمد [أنا ابن جريج] [4] عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عباس في قوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي عبد اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِّيَّةٍ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرَادَ بِأُولِي الْأَمْرِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «652» حَدَّثَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ محمد بن أحمد التميمي [5] أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ [بْنُ] [6] عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ أَخْبَرَنَا

_ 650- إسناده صحيح، رجاله رجال مسلم غير موسى بن عبد الرحمن شيخ الترمذي، وهو ثقة، وقد توبع هو ومن دونه. - وهو في «شرح السنة» (10) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق الترمذي، وهو في «سننه» (616) عن موسى الكندي بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 5/ 251 والحاكم 1/ 9 وابن حبان 4563 من طرق عن معاوية بن صالح به، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. 651- إسناده صحيح على شرط البخاري، صدقة بن الفضل تفرد عنه البخاري ومن فوقه رجال البخاري، ومسلم، ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز. ابن أبي غرزة هو أحمد بن حازم بن محمد بن يونس بن قيس بن أبي غرزة. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4584) عن صدقة بن الفضل بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1834 وأبو داود 2624 والترمذي 1672 والنسائي في «التفسير» (129) وأحمد 1/ 337 وابن الجارود في «المنتقى» (1040) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 311) من طريق حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جريج بهذا الإسناد، وله قصة. وانظر كلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (8/ 254) حول هذا الخبر. (1) العبارة في المطبوع وط «أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ همدان» . (2) في الأصل «أبو العباس أنا محمد» والتصويب عن «شرح السنة» . (3) في الأصل «رحمكم» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب الحديث. (4) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (5) في الأصل «النهمي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. (6) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» . 652- عجزه صحيح، وهو بهذا اللفظ ضعيف جدا. إسناده ضعيف جدا لأجل ثابت بن موسى الزاهد، فإنه متروك الحديث، وقد كذبه ابن معين، وقد تفرد بهذا اللفظ، وقد صح عجزه من طريق أخرى.

خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ الأطرابلسي أنا [أبو] [1] عمرو بن أبي غرزة بِالْكُوفَةِ أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْنُ مُوسَى الْعَابِدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « [إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ] [2] فَاقْتَدُوا بِاللَّذِينَ مِنْ بِعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ [بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ] [3] [التوبة: 100] الْآيَةَ. «653» أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا محمد بن

_ - وهو في «شرح السنة» (3787) بهذا الإسناد. دون قوله: «إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فيكم....» . - وأخرجه الترمذي 3662 والحميدي 449 والحاكم 3/ 75 (4451 و4452 و4453) وأحمد 5/ 382 والطحاوي في «المشكل» (1225 و1226 و1227 و1228) والبغوي 3788 من طرق، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بهذا الإسناد. دون صدره وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. - وأخرجه ابن ماجه 97 وأحمد 5/ 385 وابن سعد 2/ 334 والحاكم وابن أبي عاصم في «السنة» (1148) والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 480) (3/ 75) والطحاوي في «المشكل» (1224) من طرق عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الملك بن عمير، عن مولى لربعي بن حراش، عن ربعي، عن حذيفة، دون صدره. - وأخرجه أحمد 5/ 402 وأبو نعيم في «الحلية» (9/ 109) عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعي بن حراش، عن حذيفة به، ومداره على عبد الملك بن عمير لكنه توبع فقد أخرجه الترمذي 3663 وابن سعد 2/ 334 وأحمد 5/ 399 وابن حبان 6902 والطحاوي في «المشكل» (1233) من طرق عن هرم بن عمرو، عن ربعي، بن حراش، عن حذيفة به. - وللحديث شواهد منها: - حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي 3805 والحاكم 3/ 75 وابن عدي 7/ 196- 197 وفي إسناده يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو متروك كما في «التقريب» وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو يضعف في الحديث اهـ. وصحح إسناده الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: سنده واه. وقال ابن عدي: وليحيى بن سلمة غير ما ذكرت، ومع ضعفه يكتب حديثه اهـ. - وحديث أنس بن مالك أخرجه ابن عدي 1/ 249 من طريق عمرو بن هرم قال: دخلت أنا وجابر بن زيد على أنس بن مالك فقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.... فذكره وأعله ابن عدي بحماد بن دليل قال الحافظ فيه: صدوق نقموا عليه الرأي. - وحديث ابن عمر أخرجه ابن عساكر 9/ 323/ 2 وفي إسناده أحمد بن صليح وقال الذهبي في «الميزان» بعد أن ذكر حديث ابن عمر مع إسناده: وهذا غلط وأحمد لا يعتمد عليه اهـ. 653- ضعيف. إسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن مسلم المكي، والحسن مدلس، وقد عنعن. - وهو في «شرح السنة» (3756) و «الأنوار في شمائل النبي المختار» (1242) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق ابن المبارك، وهو في «الزهد» (572) عن إسماعيل المكي بهذا الإسناد. ومن طريق ابن المبارك أخرجه القضاعي 1347. - وأخرجه أبو يعلى 2762 والبزار 2771 من طريق إسماعيل المكي به. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 18 (1) زيادة عن كتب التراجم. (2) زيد في المطبوع وط. (3) زيد في المطبوع وط. [.....]

[سورة النساء (4) : آية 60]

يعقوب الكسائي قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيُّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلَحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ» [قَالَ:] [1] قَالَ الْحَسَنُ: قَدْ ذَهَبَ مِلْحَنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ، أَيْ: اخْتَلَفْتُمْ، فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، وَالتَّنَازُعُ: اخْتِلَافُ الْآرَاءِ وَأَصْلُهُ من النزع فكان المتنازعان يَتَجَاذَبَانِ وَيَتَمَانَعَانِ، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وإلى رسوله مادام حَيًّا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى سُنَّتِهِ، والرَّدُّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَاجِبٌ إِنْ وُجِدَ فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَسَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ. وَقِيلَ: الرَّدُّ [إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ] [2] أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ، أَيْ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، أَيْ: أَحْسَنُ مَآلًا وعاقبة. [سورة النساء (4) : آية 60] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الآية: ع «654» قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ وَلَا يَمِيلُ فِي الْحُكْمِ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى الْيَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ وَيَمِيلُونَ فِي الْحُكْمِ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. قَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يتحاكمون إليها واحدا في جهينة وواحدا فِي أَسْلَمَ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ واحد كهان. ع «655» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ [عَنِ] [3] ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ بشر، كان

_ (16395) وقال: وفيه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف اهـ. والراجح كونه من كلام الحسن البصري. - وفي الباب من حديث سمرة «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم كان يقول لنا: إنكم توشكون أن تكونوا في الناس كالملح في الطعام، ولا يصلح الطعام إلا بالملح» . أخرجه الطبراني في «الكبير» (7098) والبزار 1770 وإسناده ضعيف جدا مداره على جعفر بن سعد، وهو ضعيف، عن جذيب بن سليمان، عن سليمان بن سمرة، وكلاهما مجهول، ومع ذلك حسنه الهيثمي 10/ 18!. 654- ع أخرجه الطبري 9896 و9897 و9898 من طريق داود عن عامر الشعبي مرسلا. وكذا الواحدي في «أسباب النزول» (330) ، والمرسل ضعيف عند أهل الحديث، لكن لأصله ما يعضده، وانظر ما بعده. 655- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (331) عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس بدون إسناد، والكلبي متروك متهم. وكذا ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 230) ونسبه للثعلبي من حديث ابن عباس. (1) زيادة عن المخطوط وط و «شرح السنة» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط وط.

بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَنْطَلِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: بَلْ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ الطَّاغُوتَ، فَأَبَى الْيَهُودِيُّ أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَّا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، [فَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُ ذَلِكَ أَتَى مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [1] فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ لَزِمَهُ الْمُنَافِقُ وَقَالَ: انْطَلَقَ بِنَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَتَيَا عُمَرَ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: اخْتَصَمْتُ أَنَا وَهَذَا إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مخاصم [2] إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْمُنَافِقِ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُمَا: رُوَيْدَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَدَخَلَ عُمَرُ الْبَيْتَ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ الْمُنَافِقَ حَتَّى بَرُدَ، وَقَالَ: هَكَذَا أَقْضِي بَيْنَ [مَنْ] [3] لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَضَاءِ رَسُولِهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فسمي الفاروق. ع «656» وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا وَنَافَقَ بَعْضُهُمْ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ أَوْ أُخِذَ دِيَتُهُ مِائَةَ وَسَقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا من [بني] [4] قُرَيْظَةَ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَأَعْطَى دِيَتَهُ سِتِّينَ وَسْقًا، وَكَانَتِ النَّضِيرُ وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ أَشْرَفَ وَأَكْثَرَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَهْمُ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَاخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: كُنَّا وَأَنْتُمْ قَدِ اصْطَلَحْنَا عَلَى أَنْ نَقْتُلَ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُونَ مِنَّا، وِدِيَتُكُمْ سِتُّونَ وَسْقًا وِدِيَتُنَا مِائَةُ وَسْقٍ، فَنَحْنُ نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فقال الْخَزْرَجُ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِكَثْرَتِكُمْ وَقِلَّتِنَا فَقَهَرْتُمُونَا، وَنَحْنُ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ إِخْوَةٌ وَدِينُنَا وَدِينُكُمْ وَاحِدٌ فَلَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْنَا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ مِنْهُمْ: انْطَلَقُوا إِلَى أَبِي بُرْدَةَ الْكَاهِنِ الْأَسْلَمِيِّ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ: لَا بَلْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى الْمُنَافِقُونَ وَانْطَلَقُوا إِلَى أَبِي بُرْدَةَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فقال: أعظموا اللقمة، يعني: الخطر، فَقَالُوا: لَكَ عَشْرَةُ أَوْسُقٍ، قَالَ: لَا بَلْ مِائَةُ وَسَقٍ دِيَتِي، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ [فَوْقَ] [5] عَشْرَةِ أَوْسُقٍ وَأَبَى أَنْ يُحَكِّمَ بَيْنَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الْقَصَاصِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني إلى: أبي بردة الْكَاهِنَ أَوْ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ

_ - وأخرجه الطبري 9900 عن قتادة مرسلا بنحوه دون ذكر عجزه، أي دون ذكر عمر بن الخطاب وما قام به. - وورد بنحوه عن عتبة بن ضمرة مرسلا كما في «تفسير ابن كثير» عند هذه الآية وكذا ذكره السيوطي في «الدر» (2/ 322) عن عتبة بن ضمرة ونسبه للحافظ دحيم في «تفسيره» . - وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود مرسلا كما في «الدر» (2/ 322) ، وقال الحافظ ابن كثير 1/ 533: وهذا مرسل غريب. - وكذا أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن مكحول مرسلا كما في «الدر» (2/ 323) . الخلاصة: أما ذكر جبريل وما قاله في عمر، فهو باطل من وضع الكلبي، وأما قتل عمر للمنافق، فهو ضعيف أيضا، وأما أصل التحاكم من غير ذكر عمر وما بعده، فله شواهد تعضده، راجع تفصيل ذلك في «أحكام القرآن» لابن العربي (515) بتخريجي. 656- ع ضعيف أخرجه الطبري 9901 عن السدي مرسلا فهو ضعيف وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 232 عن السدي بدون إسناد. (1) سقط من المخطوط. (2) في المطبوع وط «يخاصم» والمثبت عن المخطوط، و «أسباب النزول» . (3) سقط من المطبوع. (4) زيادة عن «أسباب النزول» . (5) في المطبوع «إلا» .

[سورة النساء (4) : الآيات 61 الى 62]

الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً. [سورة النساء (4) : الآيات 61 الى 62] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا. فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، هَذَا وَعِيدٌ، أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، [بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ، يَعْنِي: عُقُوبَةَ صُدُودِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ كُلُّ مُصِيبَةٍ] [1] تُصِيبُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا سَبَقَ، يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ فَقَالَ: ثُمَّ جاؤُكَ، يَعْنِي: يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ، ثُمَّ جاؤُكَ أي: [يحيونك و] [2] يحلفون [لك] [3] ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُصِيبَةِ قَتْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمُنَافِقَ، ثُمَّ جاؤوا يَطْلُبُونَ دِيَتَهُ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا، مَا أَرَدْنَا بِالْعُدُولِ عَنْهُ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بِالتَّرَافُعِ إِلَى عمر، إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً، وقال الْكَلْبِيُّ: إِلَّا إِحْسَانًا فِي الْقَوْلِ، وَتَوْفِيقًا: صَوَابًا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حقا وعدلا، نظيره: وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى [التوبة: 107] ، وَقِيلَ: هُوَ إِحْسَانُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْرِيبُ الْأَمْرِ مِنَ الْحَقِّ، لَا الْقَضَاءُ عَلَى أَمْرِ الْحَكَمِ، وَالتَّوْفِيقُ: هُوَ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: هُوَ التَّأْلِيفُ وَالْجَمْعُ بين الخصمين. [سورة النساء (4) : الآيات 63 الى 65] أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، أَيْ: عَنْ عُقُوبَتِهِمْ [وَقِيلَ: فَأُعْرِضُ عَنْ قول عُذْرِهِمْ وَعِظْهُمْ بِاللِّسَانِ وَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا بَلِيغًا] [4] . وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بالله [عزّ وجلّ] ، وقيل: أن يوعدهم بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يبلغ في نُفُوسِهِمْ [5] كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ فِي الْمَلَإِ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً في السرّ والخلاء [6] ، وقيل هَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزجاج: إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ

_ (1) زيد في المطبوع وط. [.....] (2) في المطبوع «يجيئونك» وفي نسخة «يجيئونك ويخافونك» . (3) زياد عن المخطوط. (4) سقط من المطبوع. (5) في المطبوع «من نفوسكم» . (6) زيد في المطبوع «وقال» .

ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، بِتَحَاكُمِهِمْ [1] إِلَى الطَّاغُوتِ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ، الْآيَةَ. «657» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ» . فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ [3] الْجِدْرَ» ، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [قَبْلَ ذَلِكَ] أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ [4] ، أَرَادَ [بِهِ] [5] سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ الآية. ع «658» وَرُوِيَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ اسْمُهُ حَاطِبَ بْنَ أبي بلتعة فلما خرجا مرّا عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ: لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: قَضَى لِابْنِ عمته ولوى شدقيه فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبْنَا ذَنْبًا مَرَّةً فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا [6] مُوسَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلْنَا فَبَلَغَ قَتْلَانَا سَبْعِينَ أَلْفًا فِي طَاعَةِ رَبِّنَا حَتَّى رَضِيَ عَنَّا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ وَلَوْ أَمَرَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ، [الْآيَةَ] [7] .

_ 657- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، شعيب هو ابن دينار، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السنة» (2187) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2708) عن أبي اليمان بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2361 و4585 وأحمد 1/ 165 والطبري 9918 والبيهقي 6/ 153- 154 من طرق، عن الزهري به. - وأخرجه البخاري 2359 ومسلم 2357 وأبو داود 3637 والترمذي 1363 والنسائي 8/ 245 وابن ماجه 15 و2480 وأحمد 4/ 4- 5 وابن حبان 24 وابن الجارود 1021 والطبري 9917 والبيهقي 6/ 153 و154 و10/ 106 من طرق عن الليث، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزبير أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حدثه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير..... فذكره. 658- ع باطل. قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 529) : ذكره الثعلبي في «تفسيره» بغير سند عن الصالحي اهـ. وهذا باطل، الصالحي غير معروف، وهو بدون إسناد، ثم إن حاطب بن أبي بلتعة بدري من المهاجرين، والصحيح الحديث المتقدم، وهذا باطل. (1) في المطبوع «لتحاكمهم» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «يرجع إلى» . (4) في المطبوع «رأيا» . (5) زيادة عن- ط. (6) في المطبوع «فدعاني» . (7) زيادة من المخطوط. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68]

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى فَلا أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسَمَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ويجوز أن تكون (لَا) فِي قَوْلِهِ فَلا صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ فَلا أُقْسِمُ [الواقعة: 75] ، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ. أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا، فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً، قَالَ مُجَاهِدٌ: شكّا، وقال غيره: ضيقا، وقال الضَّحَّاكُ: إِثْمًا [1] ، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ ما قضيت، مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي: ينقادوا لأمرك انقيادا. [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ، [كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ] [2] بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، مَا فَعَلُوهُ، مَعْنَاهُ: مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي استثنى الله. ع «659» قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ الْقَلِيلُ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا، والحمد لله الذي عافانا [الله] [3] ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي» . قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ إِلَّا قَلِيلًا بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الآخرون قَلِيلٌ بالرفع على ضمير الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ فَعَلُوهُ تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ يؤمرون بِهِ مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً، تحقيقا أو تصديقا لِإِيمَانِهِمْ. وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً، ثَوَابًا وَافِرًا. وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) ، أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ المستقيم.

_ 659- ع ضعيف. قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 530) : ذكره الثعلبي، عن الحسن ومقاتل اهـ بدون إسناد. ومراسيل الحسن واهية، ومقاتل روى مناكير. - وأخرجه ابن أبي حاتم كما في «الدر» (2/ 324) من طريق هشام، عن الحسن مرسلا دون ذكر الأسماء. - وأخرجه ابن المنذر كما في «الدر» من طريق إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ زيد بن الحسن مرسلا دون ذكر أسماء الصحابة. وله شاهد من مرسل أبي إسحاق السبيعي أخرجه الطبري 9926، والراجح كونه من مرسل الحسن. (1) في المطبوع «إنما» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70]

[سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الْآيَةَ: ع «660» نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ [و] [1] قد تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ [لَهُ] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ» ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وجع غير أني إن لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا [2] أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ [3] نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَالرَّسُولَ فِي السُّنَنِ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لأنهم يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَهُمْ أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، وَالشُّهَداءِ، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصِّدِّيقُونَ [4] أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ: عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَالصَّالِحِينَ، سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً، يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [الحج: 5] أي: أطفالا وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: 45] أي: الأدبار.

_ 660- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (334 م) عن الكلبي بدون إسناد والكلبي متروك متهم، لكن ورد بنحو هذا السياق من حديث عائشة قالت: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت، فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يردّ عليه النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئا حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ.... الآية. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (480) و «الصغير» (52) والضياء المقدسي في «صفة الجنة» كما في «تفسير ابن كثير» (1/ 535) . وقال ابن كثير: قال الحافظ الضياء المقدسي: لا أرى بإسناده بأسا اهـ. ووافقه ابن كثير. وقال الهيثمي في «المجمع» (7/ 7) : رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي، وهو ثقة اهـ. - وفي الباب أيضا من حديث ابن عباس أخرجه الطبراني في «الكبير» (12559) وفي إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط كذا قال الهيثمي. لكن يصلح شاهدا لما قبله. وفي الباب أحاديث أخرى انظر «الدر المنثور» (2/ 324- 335) فهذه الروايات تتأيد بمجموعها، والله أعلم، راجع «أحكام القرآن» (518) بتخريجي. (1) زيادة عن المخطوط و «أسباب النزول» . (2) في المخطوط «فلا» . (3) في المطبوع «وكيف» . (4) في المطبوع «الصديق» .

«661» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سعيد أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أُنْسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يحب قوما ولم يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» . «662» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الحيري أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ [1] أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لها؟» [فلم يذكر كثير أمر] [2] ؟ قال: إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» . ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً أَيْ: بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْ [3] أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

_ 661- إسناده صحيح، أبو العباس السراج فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ثابت هو ابن أسلم البناني. - وهو في «شرح السنة» (3369) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3688 ومسلم 2639 ح 163 وأحمد 3/ 227 وابن مندة في «الإيمان» (293) من طرق، عن حماد بن زيد به. - وأخرجه أحمد 3/ 159 و168 و228 و288 وابن حبان 565 من طرق، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثابت به. - وانظر الحديث الآتي. 662- إسناده صحيح، زكريا بن يحيى المروزي ثقة وكذا من دونه وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السنة» (3370) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2639 ح 162 والحميدي 1190 وأحمد 3/ 110 وابن مندة في «الإيمان» (289) وابن حبان 563 من طرق عن سفيان بن عيينة به. - وأخرجه البخاري 6167 ومسلم 2639 وأحمد 3/ 1730 و178 و276 و192 وابن حبان 8 من طرق عن قتادة، عن أنس به. - وأخرجه الترمذي 2385 وأحمد 3/ 104 و200 وابن حبان 105 من طريق حميد الطويل، عن أنس به. - وأخرجه مسلم 2639 ح 162 وعبد الرزاق في «المصنف» (20317) وأحمد 3/ 165 وابن مندة 290 من طريق معمر، عن الزهري، عن أنس. - وفي الباب من حديث أبي موسى أخرجه البخاري 6170 ومسلم 2641 وأحمد 4/ 392 و395 و405 وابن حبان 557. - ومن حديث أبي ذر أخرجه أبو داود 5126 والبخاري في «الأدب المفرد» (351) وأحمد 5/ 156 و166 وابن حبان 556. ومن حديث ابن مسعود أخرجه البخاري 6168 و6169 ومسلم 2640 والطيالسي 253 وأحمد 4/ 405. - ومن حديث جابر أخرجه أحمد 3/ 336 و394. - ومن حديث صفوان بن عسال المرادي أخرجه الترمذي 3536 والطيالسي 1167 وابن حبان 562. (1) في المطبوع «عباس الأصم» . (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) في المطبوع «من» وفي نسخة «لمن» . [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 74]

«663» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ برحمة منه وفضل» . [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 74] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ، مِنْ عَدُوِّكُمْ، أَيْ [1] : عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحِذْرُ وَالْحَذَرُ وَاحِدٌ كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ، فَانْفِرُوا اخْرُجُوا ثُباتٍ أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً أَيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَإِنَّمَا قَالَ مِنْكُمْ لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، إلا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، لَيُبَطِّئَنَّ أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي لَيُبَطِّئَنَّ لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: مَا أخّرك عنّا؟ ويقال: إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً. فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ

_ 663- حديث صحيح، عبد الرحيم بن منيب مجهول، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران وصالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (4089) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2816 ح 76 وابن ماجه 4201 وأحمد 2/ 362 و495 وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 129) والقضاعي في «مسند الشهاب» (626) من طرق عن الأعمش بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 3/ 362 وابن حبان 350 من طريق الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أبي هريرة، وأبي سفيان، عن جابر به. - وأخرجه البخاري 6463 والطيالسي 2322 وأحمد 2/ 514 و537 وأبو يعلى 6594 والبيهقي 3/ 18 والبغوي في «شرح السنة» (4087) من طرق عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هريرة. وأخرجه مسلم 2816 ح 71 وأحمد 2/ 451 وابن حبان 348 من طرق عن الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هريرة. - وأخرجه البخاري 5673 ومسلم 2816 ح 75 وأحمد 2/ 264 والبيهقي 3/ 377 من طريق الزهري، عن أبي عبيد مولى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أبي هريرة به. - وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (20562) ومن طريقه وأحمد 2/ 319 وابن حبان 660 والبغوي 4088 عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ منبه، عن أبي هريرة به. - وورد من حديث جابر أخرجه مسلم 2817 وأحمد 3/ 337 والدارمي 2/ 305. (1) زيد في المطبوع وحده «من» .

أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بِالْقُعُودِ، إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً، أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، فَتْحٌ وَغَنِيمَةٌ، لَيَقُولَنَّ هَذَا الْمُنَافِقُ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَوْلُهُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أَيْ: مَعْرِفَةٌ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ تَكُنْ بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً، أَيْ: آخُذَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَوْلُهُ فَأَفُوزَ نُصِبَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ، كَمَا تَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَقُومَ فَيَتْبَعُنِي النَّاسُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْنَى يَشْرُونَ أَيْ: يَشْتَرُونَ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ومعناه: آمَنُوا ثُمَّ قَاتَلُوا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، مَعْنَاهُ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَيْ: يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَيَخْتَارُونَ الْآخِرَةَ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ، يَعْنِي يُسْتَشْهَدُ، أَوْ يَغْلِبْ، يَظْفَرْ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ أَجْراً عَظِيماً، وَيُدْغِمُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْبَاءَ فِي الْفَاءِ حَيْثُ كَانَ. «664» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سبيل الله لَا يُخْرِجُهُ مَنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ [1] وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» . «665» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ [2] أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْقَانِتِ الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ بِمَا يُرْجِعُهُ مِنْ غنيمة وأجر،

_ 664- إسناده على شرط البخاري ومسلم، أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان، الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، وتقدم برقم 479. 665- حديث صحيح، إسناده حسن، محمد بن عمرو صدوق، روى له الشيخان متابعة، وباقي الإسناد على شرط البخاري ومسلم، وقد توبع كما سيأتي، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. - وأخرجه في «شرح السنة» (2606) بهذا الإسناد مطوّلا. وأخرجه ابن حبان 4622 من طريق علي بن حجر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2787 والنسائي 6/ 18 ومالك 2/ 443 وابن حبان 4621 وأبو يعلى 5845 والبغوي 2607 من طرق من حديث أبي هريرة بنحوه. - وأخرجه مسلم 1878 وأحمد 2/ 459 وابن حبان 4627 والبيهقي 9/ 158 من طرق عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعا بنحوه. (1) في المطبوع «سبيل» . (2) في الأصل «الكشمهيني» والتصويب عن «الأنساب» وعن «ط» و «شرح السنة» .

[سورة النساء (4) : الآيات 75 الى 76]

أو يتوفاه فيدخله الجنة» . [سورة النساء (4) : الآيات 75 الى 76] وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما لَكُمْ لَا تُقاتِلُونَ لَا تُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يُعَاتِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، [وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ] [1] الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ، يَلْقَوْنَ مِنَ المشركين أذى كثيرا، والَّذِينَ يدعون ويَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها، يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا خَفَضَ الظَّالِمِ لِأَنَّهُ نعت للأهل، فلما أعاد الأهل على [2] الْقَرْيَةِ صَارَ [كَأَنَّ] [3] الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ. وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، أَيْ: مَنْ يَلِي أَمْرَنَا لدنك، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً، أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نصيرا ينصف المؤمنين الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ: فِي [طَاعَةِ اللَّهِ] [4] ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَقاتِلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أَيْ: حِزْبَهُ وَجُنُودَهُ [وَهُمُ] [5] الْكُفَّارُ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ [أي:] [6] مَكْرَهُ، كانَ ضَعِيفاً، كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ. [سورة النساء (4) : الآيات 77 الى 78] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ الآية: ع «666» قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأُسُودِ الْكِنْدِيِّ، وَقُدَامَةَ بْنِ

_ 666- ع باطل بهذا اللفظ. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (338) بهذا السياق عن الكلبي بدون إسناد، والكلبي متروك كذاب، وقد ذكر في حديثه صناديد الصحابة وفرسانهم، ومثل هذا لا يصح، وظاهر القرآن يدل على أن المخاطب في ذلك فئة من المنافقين، وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ليس في «أسباب النزول» . نعم ورد بذكر ابن عوف (1) سقط من المخطوط. (2) في المطبوع «إلى» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في المطبوع «طاعته» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوط.

مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَجَمَاعَةٍ كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ» ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ، فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا كُتِبَ فُرِضَ، عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ، يَعْنِي: يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ الله، أَوْ أَشَدَّ أكبر، خَشْيَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، الجهاد، لَوْلا، هَلَّا، أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، يَعْنِي: الْمَوْتَ، أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ وَاخْتَلَفُوا فِي هؤلاء الذين قالوا ذلك، فقيل: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ، لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ، قُلْ: يَا مُحَمَّدُ، مَتاعُ الدُّنْيا أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ [أي وثواب والآخرة خير و] [1] أفضل، لِمَنِ اتَّقى، الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ تُظْلَمُونَ بِالتَّاءِ. «667» أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَدَّثَنِي الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي اليم فلينظر بم ترجع» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ أَيْ: يَنْزِلُ بِكُمُ الْمَوْتُ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ

_ وجماعة، لم يسمّ غير ابن عوف عن ابن عباس أخرجه النسائي 6/ 3 وفي «التفسير» (132) والحاكم 2/ 66 و307 والبيهقي 9/ 11 والواحدي 339 ورجاله ثقات وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، مع أن في إسناده حسين بن واقد وهو من رجال مسلم فقط، فهو على شرط مسلم، ومع ذلك حسين بن واقد فيه ضعف، وقد استنكر الإمام أحمد بعض ما ينفرد به، وهذا الخبر غريب، فإن ظاهر القرآن يدل على أن المخاطب بذلك فئة من المنافقين كابن أبي ابن سلول وأمثاله، ولا يصح هذا السياق في أحد من المهاجرين السابقين، والله أعلم. [.....] 667- إسناده صحيح، محمد بن بشر العبدي فمن فوقه رجال البخاري ومسلم، ومن دونه توبعوا. - وهو في «شرح السنة» (3918) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2858 والترمذي 2323 وابن ماجه 4108 وأحمد 4/ 228 و229 وابن المبارك في «الزهد» (496) وابن حبان 4330 والطبراني في «الكبير» (20/ 713 و714 و716) والبغوي في «شرح السنة» (3919) من طرق عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ به. - وأخرجه الطبراني 10/ 731 والحاكم 3/ 592 من طريق عبد الله بن صالح، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ، عَنْ أبي إسحاق الهمداني، عن المستورد به. (1) زيادة عن المخطوط وط.

[سورة النساء (4) : آية 79]

قَالُوا فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [1] ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، وَالْبُرُوجُ: الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَالْمُشَيَّدَةُ: الْمَرْفُوعَةُ الْمُطَوَّلَةُ وقال قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ فِي قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وقال عكرمة: محصّصة، وَالشَّيْدُ: الْجِصُّ، وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: مَا زِلْنَا نَعْرِفُ النَّقْصَ فِي ثِمَارِنَا وَمَزَارِعِنَا مُنْذُ قَدِمَ علينا هذا الرجل وأصحابه. فقال اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ يَعْنِي: الْيَهُودَ حَسَنَةٌ أَيْ خِصْبٌ وَرُخْصٌ فِي السِّعْرِ، يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَنَا، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَعْنِي: الْجَدْبَ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: أَنْتَ الَّذِي حَمَلَتْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، قُلْ، لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، أَيْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ عَيَّرَهُمْ بِالْجَهْلِ فَقَالَ: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ، لَا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ قَوْلًا، وَقِيلَ: الْحَدِيثُ هَاهُنَا هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ، قَوْلُهُ: فَمالِ هؤُلاءِ قَالَ الْفَرَّاءُ: كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّامَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا وَأَنَّهُمَا حَرْفٌ واحد، ففصلوا اللّام عما بَعْدَهَا فِي بَعْضِهِ، وَوَصَلُوهَا فِي بَعْضِهِ، وَالِاتِّصَالُ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى اللَّامِ لِأَنَّهَا لَامٌ خافضة. [سورة النساء (4) : آية 79] مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ، بَلِيٍّةٍ أَوْ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ، فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: بذنوبك، الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] وتعلق أَهْلُ الْقَدَرِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالُوا: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَسَبَهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الآية حسنات الكسب ولا سيئاته مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، بَلِ الْمُرَادُ منه [2] مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمِحَنِ، وذلك [أنه] [3] لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ [بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَنْسِبْهَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا أَصابَكَ وَلَا يُقَالُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ أَصَابَنِي، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصَبْتُهَا، وَيُقَالُ فِي المحن: أَصَابَنِي،] [4] بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف: 131] ، لما ذَكَرَ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَسَيِّئَاتِهِ نَسَبَهَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَقَالَ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الْأَنْعَامِ: 160] ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: يعني [فبذنوب أصحابك، وهو مخالفتهم لك،] [5] فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين

_ (1) انظر «أسباب النزول» للواحدي (340) . (2) في المطبوع «منهم» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) سقط من المخطوط. (5) العبارة في المخطوط وط «بِذَنْبِ نَفْسِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ» .

[سورة النساء (4) : الآيات 80 الى 81]

قَوْلِهِ فَمِنْ نَفْسِكَ؟ قِيلَ: قَوْلُهُ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَيِ: الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ [1] وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: فَمِنْ نَفْسِكَ أي: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] يدل عليها مَا رَوَى مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَرَأَ «وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَأَرْسَلْناكَ، يَا مُحَمَّدُ، لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، عَلَى إرسالك وصدقك، وقيل: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً، عَلَى إِرْسَالِكَ وَصِدْقِكَ، وقيل: كفى بِاللَّهِ شَهِيدًا. عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. [سورة النساء (4) : الآيات 80 الى 81] مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ: ع «668» وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ» فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رِبًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ. أَيْ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ تَوَلَّى، عَنْ طَاعَتِهِ، فَما أَرْسَلْناكَ، يَا مُحَمَّدُ، عَلَيْهِمْ حَفِيظاً، أَيْ: حَافِظًا وَرَقِيبًا بَلْ [2] كُلُّ أُمُورِهِمْ [إِلَيْهِ تَعَالَى] [3] ، وَقِيلَ: نَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَقُولُونَ طاعَةٌ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أَنْ نُطِيعَكَ، فَإِذا بَرَزُوا، خَرَجُوا، مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بَيَّتَ أَيْ: غَيَّرَ وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فَهُوَ تَبْيِيتٌ [4] ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ العرب للشيء إذا قدّر: بُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، وَاللَّهُ يَكْتُبُ أَيْ: يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، مَا يُبَيِّتُونَ، مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ، يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنِعَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا، أَيْ: اتَّخِذْهُ [5] وَكَيْلًا فكفى بالله وكيلا وناصرا.

_ 668- ع لم أجد له أصلا، قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 539) : لم أجده. (1) تصحف في المطبوع «والجدب» . (2) في المطبوع وحده «على» . (3) زيادة عن- ط- والمخطوط، لكن عبارة المخطوط «إلى الله» . (4) في المطبوع «مبيت» . (5) في المطبوع «اتخذوه» .

[سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 83]

[سورة النساء (4) : الآيات 82 الى 83] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) قَوْلُهُ تَعَالَى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، يَعْنِي: أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً، أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا بِعَدَمِ [1] التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يخبر [به] [2] أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ، وَذَلِكَ [3] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حالهم، فيفشونه [4] وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذا جاءَهُمْ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ أَوِ الخوف والقتل وَالْهَزِيمَةِ أَذاعُوا بِهِ أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ إلى رأيه ولم يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ولو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حقيقته كما هو، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ، كُلُّكُمْ، إِلَّا قَلِيلًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قليلا لم يفشه، وعنى بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا، ثم قوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كَلَامٌ تَامٌّ، وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَرَحِمْتُهُ الْقُرْآنُ، يَقُولُ لَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قليلا فهم قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بالاستنباط و [هو] [5] الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النصوص.

_ (1) في المخطوط وحده «لعدم» . [.....] (2) زيادة عن المخطوط. (3) أخرجه الطبري 9999 عن قتادة مرسلا بنحوه. (4) في المطبوع وط «فيفشون» . (5) زيد في المطبوع وط.

[سورة النساء (4) : الآيات 84 الى 85]

[سورة النساء (4) : الآيات 84 الى 85] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدَ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمِيعَادُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ [1] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أَيْ: لَا تَدَعْ جِهَادَ الْعَدُوِّ وَالِانْتِصَارِ [2] لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ وَحْدَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكَ النُّصْرَةَ وَعَاتَبَهُمْ [3] عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُتِلَ جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 74] فَقَاتِلْ، وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَى الْقِتَالِ أَيْ حُضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَرَغِّبْهُمْ فِي الثَّوَابِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَكَفَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَسَى اللَّهُ أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ، أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ: قِتَالَ المشركين وعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً أَيْ: أَشَدُّ صَوْلَةً وَأَعْظَمُ سُلْطَانًا، وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أَيْ: عُقُوبَةً. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها، أَيْ: نَصِيبٌ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ: هِيَ الْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ: حُسْنُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الثَّوَابَ وَالْخَيْرَ، وَالسَّيِّئَةُ هِيَ: الْغَيْبَةُ وَإِسَاءَةُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ ينال به الشر، قوله كِفْلٌ مِنْها أَيْ: مِنْ وِزْرِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ [4] شَفَاعَةُ النَّاسِ بعضهم لبعض، يؤجر الشَّفِيعُ عَلَى شَفَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَفَّعْ. «669» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ [أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ] [5] ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ] [6] ، أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عن أبيه أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم [جالسا] [7] إذ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حاجة فأقبل علينا بوجهه، فقال: «اشفعوا

_ 669- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، محمد بن يوسف هو ابن واقد، الثوري هو سفيان بن سعيد، أبو بردة هو بريد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بردة، من أحفاد أبي موسى الأشعري. - وهو في «شرح السنة» (3355) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6026) عن محمد بن يوسف بهذا الإسناد. - وأخرجه الحميدي 771 والقضاعي في «مسند الشهاب» (620) من طريق سفيان الثوري به. وأخرجه أبو داود 5131 و5133 والنسائي 5/ 77- 78 من طريق سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي بردة به. - وأخرجه البخاري 1431 و6028 و7476 ومسلم 2627 والترمذي 2674 وأحمد 4/ 400 وأبو يعلى 7296 والقضاعي 621 من طرق عن أبي بردة به. - وفي الباب من حديث أبي داود 5132 والنسائي 5/ 78. (1) انظر ما تقدم عند آية: 172. (2) في المطبوع «الاستنصار» . (3) في المطبوع «عاقبهم» . (4) في المطبوع «على» . (5) سقط من المطبوع. (6) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . (7) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

[سورة النساء (4) : الآيات 86 الى 87]

تؤجروا وليقض اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مقتدرا أو مُجَازِيًا قَالَ الشَّاعِرُ: وَذِي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ ... عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى إساءته مُقِيتًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَاهِدًا: وَقَالَ قَتَادَةُ: حَافِظًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُقِيتًا أَيْ: يُوصِلُ القوت إليه. ع «670» وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ويقيت» . [سورة النساء (4) : الآيات 86 الى 87] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) اللَّهُ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها، التحية: [هي] [1] دعاء بطول [2] الْحَيَاةِ [3] ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحِيَّةِ هَاهُنَا السَّلَامُ، يَقُولُ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمٌ فأجيبوا بأحسن مما سلم [4] أو ردّوها [أي ردوا] [5] كَمَا سَلَّمَ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ ورحمة الله وبركاته، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرُدَّ مِثْلَهُ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ عباس رضي الله عنهما، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلَامَ يَنْتَهِي إلى البركة. ع «671» وروي عن عمران بن الحصين: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السلام عليكم، فردّ عليه، ثمّ

_ 670- ع صحيح بشواهده. أخرجه أبو داود 1692 والنسائي في «الكبرى» (9175 و9177) والطيالسي 2281 والحميدي 599 وأحمد 2/ 160 و193 و194 و195 وابن حبان 4240 والحاكم 1/ 145 والقضاعي 1411 و1412 و1413 وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 135) والبيهقي 7/ 467 والبغوي في «شرح السنة» (2397) من طرق عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مرفوعا، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ورجاله ثقات مشاهير غير وهب بن جابر، فقد وثقه ابن حبان، وقال الحافظ: مقبول. لكن توبع. تنبيه: وليس فيه قوله «ويقيت» . - وورد أيضا من وجه آخر من حديث ابن عمرو بلفظ «كفى بالمرء إثما أن يحبس عما يملك قوتهم» أخرجه مسلم 996 وابن حبان 4241 وأبو نعيم 4/ 122 و5/ 23 و87. - وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الكبير» (13414) . 671- ع صحيح. أخرجه أبو داود 5195 والترمذي 2689 والنسائي في «الكبرى» (10169) وأحمد 4/ 439 والبيهقي في «الآداب» (258) من طرق عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عمران بن حصين به، وإسناده قوي، أبو رجاء اسمه عمران بن ملحان، روى له الشيخان. - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب اهـ. - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (986) وابن حبان 493 وإسناده صحيح. [.....] (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) لفظ «بطول» ليس في المخطوط وط. (3) عبارة القرطبي (5/ 297) «وأصل التحية الدعاء بالحياة» . (4) في المطبوع «منها» بدل «مما سلم» . (5) زيادة عن المخطوط.

جلس، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَشْرٌ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَّدَ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: «عِشْرُونَ» ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرُدَّ عليه فجلس، فَقَالَ: «ثَلَاثُونَ» . وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ سَنَّةٌ وَرَدَّ السَّلَامِ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ [وَكَذَلِكَ السَّلَامُ سَنَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ] [1] فَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ كَانَ كَافِيًا في السنة، إذا سَلَّمَ وَاحِدٌ عَلَى جَمَاعَةٍ وَرَدَّ واحد [منهم] [2] سقط الغرض عَنْ جَمِيعِهِمْ. «672» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ [3] الْكُوفِيُّ، أَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤَمِّنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . «673» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا قُتَيْبَةُ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الله بن عمر [و] [4] أن رجلا سأل

_ - ومن حديث أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حنيف، عن أبيه أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (231) وإسناده حسن. - ومن حديث علي أخرجه ابن السني 232 وفي إسناده عبيد بن إسحاق، وهو منكر الحديث. ومن حديث سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عن أبيه أخرجه أبو داود 5196 وإسناده ضعيف لضعف سهل بن معاذ، لكن هذه الأحاديث تتأيد بمجموعها. 672- إسناده صحيح، إبراهيم بن عبد الله ومن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، وكيع هو ابن الجراح، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان، مشهور بكنيته. وهو في «شرح السنة» (3193) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 54 ح 93 وابن ماجه 68 وأحمد 2/ 442 و477 وأبو عوانة 1/ 30 وابن مندة 328 و332 من طرق عن وكيع بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 54 ح 94 وأبو داود 5193 والترمذي 2688 وابن ماجه 3692 وابن أبي شيبة 8/ 624 و625 وأحمد 2/ 495 وابن حبان 236 وأبو عوانة 1/ 30 وابن مندة 330 من طرق عن الأعمش به. 673- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، قتيبة هو ابن سعيد، الليث هو ابن سعد، أبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني. وهو في «شرح السنة» (3195) بهذا الإسناد. وأخرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (28) عن قتيبة بِهِذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 12 و6236 ومسلم 39 وأبو داود 5194 والنسائي 8/ 107 وابن ماجه 3253 وأحمد 2/ 169 وابن حبان 505 والخطيب في «تاريخ بغداد» (8/ 169) وأبو نعيم في «الحلية» (1/ 287) من طرق، عن الليث به. - وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد 2/ 295 و323 و493 والحاكم 4/ 129 و160 وابن حبان 508 وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي. - ومن حديث أبي مالك الأشعري أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (20883) وأحمد 5/ 343 وابن حبان 509 والطبراني 3466 والبيهقي 4/ 300. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) في الأصل «بكر» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» . (4) زيادة عن كتب التراجم والتخريج.

[سورة النساء (4) : آية 88]

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ، يُرِيدُ أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ، وَقِيلَ: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها، مَعْنَاهُ أَيْ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مُسْلِمًا، أَوْ رُدُّوها بِمِثْلِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا. «674» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ [1] ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « [إِنَّ الْيَهُودَ] [2] إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ [3] فَإِنَّمَا يقول: السّامّ عليك، فَقُلْ: عَلَيْكَ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً أَيْ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، حَسِيبًا أَيْ: مُحَاسِبًا مُجَازِيًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفِيظًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَافِيًا، يُقَالُ: حَسْبِي هذا أي كفاني. قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، اللَّامُ، لَامُ القسم تقديره: والله ليجمعنّكم [الله] [4] فِي الْمَوْتِ وَفِي الْقُبُورِ، إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ قِيَامَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً [الْمَعَارِجِ: 43] وَقِيلَ: لِقِيَامِهِمْ إِلَى الْحِسَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (6) [المطففين: 6] ، لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً أَيْ: قَوْلًا ووعدا، قرأ حمزة والكسائي أَصْدَقُ، وكلّ صَادٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا دَالٌ بِإِشْمَامِ الزاي. [سورة النساء (4) : آية 88] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتُلْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْفُ عَنْهُمْ فإنهم تكلّموا بالإسلام.

_ 674- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. - وهو في «شرح السنة» (3204) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (2/ 960) عن ابن دينار به. وأخرجه البخاري 6257 و6928 ومسلم 2164 ح 9 وأبو داود 5206 والترمذي 1603 والنسائي في «الكبرى» (10210 و10212) وابن أبي شيبة 8/ 630 و631 وأحمد 2/ 19 والبيهقي 9/ 203 والبغوي 3205 من طرق عن ابن دينار به. - وفي الباب من حديث أنس أخرجه مسلم 2163 وأبو داود 5207 والترمذي 3301 وابن ماجه 3697 وابن أبي شيبة 8/ 630 وابن حبان 503 والبخاري في «الأدب المفرد» (1105) . - ومن حديث عائشة أخرجه البخاري 2935 و6024 و6030 و6256 و6395 و6401 ومسلم 2165 وابن ماجه 3698 وابن أبي شيبة 8/ 630 والبيهقي 9/ 203 والبغوي في «شرح السنة» (3206 و3207) . (1) في الأصل «يسار» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» وكتب التخريج. [.....] (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) في المطبوع «اليهود» . (4) زيادة عن المخطوط.

«675» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: [سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ] [1] : لِمَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةٌ تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا، وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تنفي النّار خبث الفضّة» . ع «676» وقال مجاهد: [هم] [2] قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعٍ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا فَخَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقَائِلٌ يَقُولُ هُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ هُمْ مُؤْمِنُونَ. ع «677» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا كهيئة المتنزهين حتى تباعدوا مِنَ الْمَدِينَةِ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا عَلَى الَّذِي فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّا اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ وَاشْتَقْنَا إِلَى أَرْضِنَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا فِي تِجَارَةٍ لَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ قَوْمًا عَلَى دِينِكُمْ إِنْ لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهُمْ، وَكَانَ هَذَا بِعَيْنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمْ يُهَاجِرُوا وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ [3] فَما لَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ أَيْ: صِرْتُمْ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ، أَيْ: فِرْقَتَيْنِ، وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أَيْ: نَكَّسَهُمُ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، بِما كَسَبُوا بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرِ الزَّاكِيَةِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا، أَيْ: أَنْ تُرْشِدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَتَقُولُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ وَقَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ

_ 675- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو الوليد هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك، وهو غير صاحب المسند، وكلاهما يروي عن شعبة، هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» (3677) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (405) عن أبي الوليد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 1884 و4589 ومسلم 1384 و2776 والترمذي 3028 والنسائي في «التفسير» (133) وأحمد 5/ 184 و187 و188 والطبري 10055 والواحدي 341 من طريق شعبة بهذا الإسناد. 676- ع ضعيف. أخرجه الطبري 10058 عن مجاهد مرسلا وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (342 م) عن مجاهد بدون إسناد. وهو ضعيف لكونه مرسلا، والصحيح ما قبله. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 190) . وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. 677- ع ضعيف. أخرجه أحمد 1/ 192 والواحدي في «أسباب النزول» (342) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ بنحوه، وإسناده منقطع، أبو سلمة لم يسمع من أبيه شيئا. وله علة ثانية: ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن. وورد بنحوه عن السدي مرسلا أخرجه الطبري 10064، وهو ضعيف. والصواب في ذلك ما رواه الشيخان. (1) سقط من المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) انظر «تفسير الطبري» (10060 و10062 و10063) .

[سورة النساء (4) : الآيات 89 الى 90]

أي: [ومن] [1] يضلل اللَّهُ عَنِ الْهُدَى، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الحق. [سورة النساء (4) : الآيات 89 الى 90] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَدُّوا، تَمَنَّوْا، يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ الدِّينِ تَمَنَّوْا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً، فِي الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ فَتَكُونُونَ لَمْ يُرَدْ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لِأَنَّ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ مَنْصُوبٌ، إِنَّمَا أَرَادَ النَّسَقَ، أَيْ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وَوَدُّوا لَوْ تَكُونُونَ سَوَاءً، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) [الْقَلَمِ: 9] أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ وَوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ، مَنَعَ مِنْ [2] مُوَالَاتِهِمْ، حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَعَكُمْ، قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ هِجْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهِجْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ هِجْرَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [الْحَشْرِ: 8] وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [النِّسَاءِ: 100] ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِجْرَةُ الْمُنَافِقِينَ [3] . وَهِيَ الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا [4] ، كَمَا حكي هاهنا، [وفي هذه الآية منع [5] المؤمنين من موالاة المنافقين] [6] حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهجرة سائر المؤمنين ما نهى الله عنه وهي: ع «678» مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَوَلَّوْا، أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْهِجْرَةِ، فَخُذُوهُمْ، أَيْ: خُذُوهُمْ أُسَارَى، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْأَسِيرِ: أَخِيذٌ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً، ثُمَّ اسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَالَ: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْقَتْلِ [7] ، لَا إِلَى الْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَعْنَى يَصِلُونَ أَيْ: يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ وَيَتَّصِلُونَ بِهِمْ وَيَدْخُلُونَ فيهم بالحلف والجوار، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: يريد [8] يلجؤون إِلَى قَوْمٍ، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَيْ: عَهْدٌ، وَهُمُ الْأَسْلَمِيُّونَ، وَذَلِكَ:

_ 678- ع صحيح، أخرجه البخاري 10 و6484 وأبو داود 2481 والنسائي 8/ 105 وأحمد 2/ 163 و192 و205 و212 والدارمي 2/ 300 وابن حبان 196 وابن مندة 309 و310 و311 و312 والقضاعي 166 و179 و180 و181 والبيهقي 10/ 187 والبغوي 12 من طرق عن الشَّعْبِيَّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو مرفوعا. (1) العبارة في المطبوع «وكما كفروا» . (2) في المطبوع «عن» . (3) في المطبوع وحده «المؤمنين» . (4) في المطبوع «صابرين محتسبين» . [.....] (5) زيد في المطبوع وحده «موالاة» . (6) ما بين المعقوفتين في المخطوط وط «منع من موالاتهم» . (7) في المخطوط وحده «القليل» . (8) في المطبوع «يريدون و» .

[سورة النساء (4) : آية 91]

ع «679» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هِلَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَلَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ مِثْلَ مَا لِهِلَالٍ [1] . وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ بَنِي بَكْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ كَانُوا فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ خُزَاعَةُ، وَقَوْلُهُ: أَوْ جاؤُكُمْ أي: يتصلون بقوم جاؤوكم، حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَيْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ (حَصِرَةً) مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً أَيْ: ضَيِّقَةً صُدُورُهُمْ، يَعْنِي القوم الذين جاؤوكم وَهُمْ بَنُو مُدْلَجٍ، كَانُوا عَاهَدُوا [2] أَنْ لَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ وَعَاهَدُوا قُرَيْشًا أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُمْ، حَصِرَتْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَيْ: عَنْ قِتَالِكُمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ، يَعْنِي: مَنْ أَمِنَ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي قُرَيْشًا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَى قَوْمٍ بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم، [أو: قد] [3] حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ [4] وَالْقِتَالِ مَعَكُمْ، وَهُمْ قَوْمُ هِلَالٍ الأَسْلَمِيُّونَ وَبَنُو بَكْرٍ، نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قِتَالٍ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا اتَّصَلُوا بِأَهْلِ عَهْدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنِ انْضَمَّ إِلَى قَوْمٍ ذَوِي عَهْدٍ فَلَهُ حُكْمُهُمْ فِي حَقْنِ الدَّمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ، يَذْكُرُ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الْمُعَاهِدِينَ، يَقُولُ: إِنَّ ضَيِّقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِكُمْ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَكَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ أَيْ: اعْتَزَلُوا قِتَالَكُمْ، فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ، وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِمْ، وَيُقَالُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يُقَاتِلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ، أَيْ: الصُّلْحَ فَانْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي: طريقا بالقتل والقتال. [سورة النساء (4) : آية 91] سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) قَوْلُهُ تَعَالَى: سَتَجِدُونَ آخَرِينَ قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمْ أَسَدٌ وغَطْفَانُ كَانُوا حَاضِرِي الْمَدِينَةِ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ رِيَاءً وَهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ: بِمَاذَا أَسْلَمَتْ؟ فَيَقُولُ آمَنَتْ بِهَذَا الْقِرْدِ وَبِهَذَا الْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ، وَإِذَا لَقُوا أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْأَمْنَ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هم بنو عبد الدار وكانوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ، فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ، فَلَا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أَيْ: دُعُوا إِلَى الشِّرْكِ، أُرْكِسُوا فِيها أَيْ: رَجَعُوا وَعَادُوا إِلَى الشِّرْكِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى تَسِيرُوا إِلَى مَكَّةَ، وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أَيْ: المفاداة [5] والصلح، وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ [أي] [6] ، وَلَمْ يَقْبِضُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، فَخُذُوهُمْ، أُسَرَاءَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أَيْ: وَجَدْتُمُوهُمْ، وَأُولئِكُمْ أَيْ: أَهَّلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ

_ 679- ع عزاه السيوطي في «أسباب النزول» (329) لابن أبي حاتم عن مجاهد، ولم أقف على إسناده، وهو ضعيف بكل حال لإرساله. (1) ضعيف جدا، فهو من رواية الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابن عباس، والكلبي متروك متهم، وأبو صالح، روى عن ابن عباس مناكير. (2) زيد في المطبوع وحده «قريشا» . (3) في المطبوع وط «أي» . (4) في المطبوع «قتالهم» . (5) في المطبوع «المفادة» . (6) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 92]

سُلْطاناً مُبِيناً أَيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً ظاهرة بالقتل والقتال. [سورة النساء (4) : آية 92] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً، الآية: ع «680» نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ خَافَ أَنْ يُظْهِرَ إِسْلَامَهُ لِأَهْلِهِ فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَحَصَّنَ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِهَا [1] ، فجزعت لذلك أمه جَزَعًا شَدِيدًا وَقَالَتْ لِابْنَيْهَا [2] الْحَارِثِ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهُمَا أخواه لأمه: لا وَاللَّهِ لَا يُظِلُّنِي سَقْفٌ وَلَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ، فَخَرَجَا فِي طَلَبِهِ وَخَرَجَ مَعَهُمَا الْحَارِثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَنِيسَةَ حَتَّى أَتَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَتَوْا عَيَّاشًا وَهُوَ فِي الْأُطُمِ، قَالَا لَهُ: انْزِلْ فَإِنَّ أمك لم يؤوها سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ حَلَفَتْ أَلَّا تَأْكُلَ طَعَامًا وَلَا تَشْرَبَ شَرَابًا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهَا وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ لَا نكرهك على شيء ولا تحول بَيْنَكَ وَبَيْنَ دِينِكَ، فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ أَمِّهِ وَأَوْثَقُوا لَهُ بِاللَّهِ نَزَلَ إِلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَوْثَقُوهُ بِنِسْعَةٍ فَجَلَدَهُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [3] مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ قَدَمُوا بِهِ عَلَى أُمِّهِ فَلَمَّا أَتَاهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّكَ مِنْ وِثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِالَّذِي آمَنْتَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ مُوَثَّقًا مَطْرُوحًا فِي الشَّمْسِ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَعْطَاهُمُ الَّذِي أَرَادُوا فَأَتَاهُ [4] الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا عَيَّاشُ أَهَذَا الَّذِي كُنْتَ عليه فو الله لَئِنْ كَانَ هُدًى لَقَدْ تَرَكْتَ الهدى، ولئن كان ضَلَالَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْهَا، فَغَضِبَ عَيَّاشٌ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلْقَاكَ خَالِيًا أَبَدًا إِلَّا قَتَلْتُكَ، ثُمَّ إِنَّ عَيَّاشًا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَاجَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ بَعْدَهُ وَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عَيَّاشٌ حَاضِرًا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينما عَيَّاشٌ يَسِيرُ بِظَهْرِ قُبَاءَ إِذْ لَقِيَ الْحَارِثَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: ويحك أي شيء قد صَنَعَتْ؟ إِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، فَرَجَعَ عَيَّاشٌ إِلَى [5] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ الْحَارِثِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَإِنِّي لَمْ أَشْعُرْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَنَزَلَ: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً. وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الْأَحْزَابِ: 53] ، إِلَّا خَطَأً، اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنْ إِنْ وَقَعَ خَطَأٌ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَيْ: فَعَلَيْهِ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كَفَّارَةٌ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ، كَامِلَةٌ، إِلى أَهْلِهِ أَيْ: إِلَى أهل القتيل الذين

_ 680- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» بإثر (343) عن الكلبي بدون إسناد. وورد بمعناه أخرجه الطبري 10098 عن السدي مرسلا و10097 عن عكرمة مرسلا و10095 و10096، عن مجاهد مرسلا. - وورد مختصرا عند الواحدي في «أسباب النزول» (343) والبيهقي 8/ 72 عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عن أبيه، وهذا مرسل، ولعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها، والله أعلم. (1) الأطم: الحصن. كما في «الصحاح» . (2) في المطبوع «لابنها» . [.....] (3) في المطبوع «منهم» . (4) في المطبوع «فأتاهم» . (5) في المطبوع «لرسول» .

يَرِثُونَهُ، إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أَيْ: يَتَصَدَّقُوا بِالدِّيَةِ فَيَعْفُوا وَيَتْرُكُوا الدِّيَةَ، فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُنْفَرِدًا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَتَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ فَلَا دِيَةَ عليه، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ نَسَبِ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَقَرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَرْبٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ لِأَهْلِهِ، وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ قَوْمٍ كُفَّارِ حَرْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ فِيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمِهِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا ذميا أو معاهدا فتجب فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالْكَفَّارَةُ تَكُونُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، وَالْقَاتِلُ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ أَوْ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهَا بِوُجُودِ ثَمَنِهَا فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَحَاجَتِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَنَحْوِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الصَّوْمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِهَا فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ أَفَطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ وَنَوَى صَوْمًا آخَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ، وَإِنَّ أَفْطَرَ [1] يَوْمًا بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَهَلْ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْقَطِعُ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ [2] الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ مُخْتَارًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْقَطِعُ وَعَلَيْهِ [3] أَنْ يَبْنِيَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ، وَلَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ أَفْطَرَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، فَإِذَا طَهُرَتْ بَنَتْ عَلَى مَا صَامَتْ [4] ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَكْتُوبٌ عَلَى النِّسَاءِ لَا يُمْكِنُهُنَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْهُ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَخْرُجُ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالثَّانِي لَا يَخْرُجُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَدَلًا فَقَالَ: فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ أَيْ: جعل الله ذلك توبة القاتل الْخَطَإِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً، بِمَنْ قَتَلَ خَطَأً حَكِيماً فِيمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، أَمَّا الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الدِّيَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ وَخَطَأٌ مَحْضٌ، أَمَّا الْمَحْضُ فَهُوَ: أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ إِنْسَانٍ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الْقَصَّاصُ عِنْدَ وُجُودِ التَّكَافُؤِ، أَوْ دِيَةٌ مُغْلِظَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لا يموت مثله من ذَلِكَ الضَّرْبِ غَالِبًا، بِأَنْ ضَرَبَهُ بِعَصًا خَفِيفَةٍ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ ضَرْبَةً أَوْ ضَرْبَتَيْنِ، فَمَاتَ فَلَا قصاص فيه، بل تجب فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْخَطَأُ الْمَحْضُ هُوَ: أَنْ لَا يَقْصِدُ قتله [5] بَلْ قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ فَأَصَابَهُ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَا قَصَاصَ فِيهِ، بل تجب [فيه] [6] دية مخفضة عَلَى عَاقِلَتِهِ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَتْلُ الْعُمَدِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ. وَدِيَةٌ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فَإِذَا عُدِمَتِ الْإِبِلُ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ مِنْهَا وَهُوَ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوِ اثني عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرَقِ اثَّنَى عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. [وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الدِّيَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ

_ (1) في المطبوع «فصل» . (2) في المطبوع «قول» . (3) في المطبوع «وله» . (4) في المطبوع «أصابت» . (5) في المخطوط «ضربه» . (6) زيادة عن المخطوط.

أَلْفَ دِرْهَمٍ] [1] . وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَدِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ إِنْ كَانَ كِتَابِيًّا وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَخُمُسُ الدِّيَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ المجوسي ثمانمائة درهم، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ والحسن وذهب إليه الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهِدِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ قَوْمٌ: دِيَةُ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَالدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ بِالسِّنِّ فَيَجِبُ ثَلَاثُونَ حُقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً [2] فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِمَا: «681» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا إِنَّ في قتيل الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا مئة مِنَ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ الْمُغَلَّظَةَ أَرْبَاعٌ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لِبَوْنٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حُقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَمَّا دِيَةُ الْخَطَإِ فَمُخَفَّفَةٌ، وَهِيَ أَخْمَاسٌ بِالِاتِّفَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لِبَوْنٍ، وَعِشْرُونَ حُقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ ببنات المخاض، يروى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وِدِيَةُ الْأَطْرَافِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ وَالدِّيَةُ في قتل الخطأ وشبه

_ 681- حديث حسن، إسناده ضعيف لضعف عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، لكن لم ينفرد بهذا المتن، ابن عيينة هو سفيان. - وهو في «شرح السنة» (2530) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 108) عن ابن عيينة بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 4549 والنسائي 8/ 42 وابن ماجه 2628 وعبد الرزاق 17212 وابن أبي شيبة 9/ 129- 130 وأحمد 2/ 11 والدارقطني 3/ 105 والبيهقي 8/ 44 من طرق عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جدعان بهذا الإسناد. وله شاهد: - أخرجه أبو داود 4547 والنسائي 8/ 41 وابن ماجه 2627 والبيهقي 8/ 45 من طرق، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ خالد بن مهران الحذاء، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عقبة بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو به. وأخرجه أبو داود 4548 والدارقطني 3/ 104 و105 وابن حبان 6011 من طريق وهيب بن خالد، عن خالد الحذاء، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عقبة بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمرو به. وانظر مزيد الكلام عليه في «أحكام القرآن» (540) بتخريجي، والله الموفق. (1) زيد في المطبوع وط. (2) الخلفة: الحامل من النوق.

[سورة النساء (4) : آية 93]

الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهُمْ عَصَبَاتُ الْقَاتِلِ مِنَ الذُّكُورِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجبها على العاقلة. [سورة النساء (4) : آية 93] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية: ع «682» ، نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ الكندي، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هشام فوجد أخاه هشام قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ فَأَتَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلَّمْتُمْ قَاتِلَ هاشم بْنِ صُبَابَةَ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى مِقْيَسِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ، فَأَبْلَغَهُمُ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فيأتي الشَّيْطَانُ مِقْيَسًا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَتَكُونُ عَلَيْكَ مَسَبَّةٌ [1] ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَتَكُونَ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلُ الدِّيَةِ، فَتَغَفَّلَ الْفِهْرِيَّ فَرَمَاهُ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ [2] ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ كَافِرًا فَنَزَلَ فِيهِ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً. فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها، بِكَفْرِهِ وَارْتِدَادِهِ وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، [عَمَّنْ أَمَّنَهُ] [3] فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ أَيْ: طَرَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً، اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إِلَى أَنْ قَالَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلَّا مَنْ تابَ، فقال: كانت هذه [الآية] [4] فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَزَنَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا [5] أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِلَى قَوْلِهِ إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ [الفرقان: 68- 70] ، فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَالرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وشرائعه ثم قتل مسلما متعمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لَمَّا نَزَلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ، عَجِبْنَا مِنْ لِينِهَا فَلَبِثْنَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتِ الْغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنَسَخَتِ اللَّيِّنَةُ، وَأَرَادَ بِالْغَلِيظَةِ [هَذِهِ] [6] الْآيَةَ، وَبِاللَّيِّنَةِ آيَةَ الْفَرْقَانِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: تِلْكَ آية مكية وهذه مدنية ولم ينسخها شيء،

_ 682- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (344) عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس بدون إسناد. وهذا إسناد ساقط مع كونه معلقا، الكلبي متروك متهم. وأخرجه الطبري 10191 مختصرا عن عكرمة مرسلا. وانظر «الدر المنثور» (2/ 349) . (1) في المخطوط «شبهة» . [.....] (2) في المطبوع وحده «فقتله» . (3) زيد في المطبوع وط. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع وحده «ويخبرنا» . (6) زيادة عن المخطوط.

وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ قَاتِلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا تَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [طَه: 82] وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النِّسَاءِ: 48، 116] ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَهُوَ تَشْدِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ يَقْتُلْ يُقَالُ لَهُ لَا تَوْبَةَ لَك، وَإِنْ قَتَلَ ثُمَّ جَاءَ يُقَالُ لَكَ توبة [1] . ويروى مثله ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مُتَعَلَّقٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قاتل هو كَافِرٌ، وَهُوَ مِقْيَسُ [2] بْنُ صُبَابَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَعِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ بِسَبَبِ إِيمَانِهِ، وَمَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِإِيمَانِهِمْ كَانَ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النار، وقيل: قَوْلِهِ تَعَالَى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها مَعْنَاهُ هِيَ جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ، وَلَكِنَّهُ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ [بذنبه] [3] وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ بِكَرَمِهِ، فَإِنَّهُ وَعَدَ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ، حُكِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ جَاءَ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ فَقَالَ لَهُ: هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مِنَ الْعُجْمَةِ [4] أَتَيْتَ يَا أَبَا عُثْمَانَ! إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ الْإِخْلَافَ فِي الْوَعِيدِ خَلَفًا وَذَمًّا وَإِنَّمَا تَعُدُ إِخْلَافَ الْوَعْدِ خَلَفًا وَذَمًّا وَأَنْشَدَ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ [5] أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادَيِ وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي [6] وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لَا يُوجِبُ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ: ع «683» ما رويناه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ» . «684» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ [7] أَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العقبة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا [فَعُوقِبَ فِي الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من

_ (1) انظر «تفسير الطبري» (10195 و1096) . (2) تصحف في المخطوط «مقبس» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع وحده «العجم» . (5) في الأصل «وعدته» وهو تصحيف. (6) البيت لعامر بن الطفيل. (7) في الأصل «اليمن» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» و «صحيح البخاري» . 683- ع تقدم برقم: 624 وهو صحيح. 684- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن دينار، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السنة» (29) بهذا الإسناد. خرّجه المصنف من طريق البخاري، وفي «صحيحه» (18) عن أبي اليمان بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3892 و4894 و6784 ومسلم 1709 والترمذي 1439 والنسائي في «الكبرى» (7292 و7784) وأحمد 5/ 314 من طرق عن الزهري بهذا الإسناد. [.....]

[سورة النساء (4) : آية 94]

ذَلِكَ شَيْئًا] [1] ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» ، فبايعناه على ذلك. [سورة النساء (4) : آية 94] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الآية: ع «685» قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عوف يقال له مرادس بْنُ نَهِيكَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ [وَكَانَ] [2] مُسْلِمًا لَمْ يُسْلِمْ مِنْ قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَسَمِعُوا بِسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرِيدُهُمْ، وَكَانَ عَلَى السَّرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ غَالِبُ بْنُ فُضَالَةَ اللَّيْثِيُّ، فَهَرَبُوا وَأَقَامَ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْلَ خَافَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْجَأَ غَنَمَهُ إِلَى عَاقُولٍ [3] مِنَ الْجَبَلِ، وَصَعَدَ هُوَ إِلَى الْجَبَلِ فَلَمَّا تَلَاحَقَتِ الْخَيْلُ سَمِعَهُمْ يُكَبِّرُونَ، فَلَمَّا سَمِعَ التَّكْبِيرَ عَرَفَ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَرٍّ وَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَتَغَشَّاهُ أسامة بن زيد بسيفه فَقَتَلَهُ وَاسْتَاقَ غَنَمَهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا وَكَانَ قَدْ سَبَقَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْخَبَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «أقتلتموه إِرَادَةَ مَا مَعَهُ» ؟ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ استغفر لي فقال: «وكيف بَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!» قَالَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعِيدُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمئِذٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَغْفَرَ لِي بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وقال: «أعتق رقبة» . ع «686» وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ: يا رسول الله إنّما قالها [4] خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أقالها خوفا أم لا» ؟

_ 685- ع ضعيف جدا بهذا اللفظ. قال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 552) : أخرجه الثعلبي من رواية الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابن عباس اهـ. والكلبي متهم بالكذب، وخصوصا في روايته عن أبي صالح. - وأخرجه الطبري 10226 من رواية أسباط، عن السدي مرسلا وليس فيه استغفار النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأسامة، وقوله «أعتق رقبة» . - وأصل الخبر في صحيحي البخاري 4269 ومسلم 96 من حديث أسامة بن زيد وليس فيه قوله «أعتق رقبة» واستغفار النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأسامة. 686- ع صحيح. أخرجه مسلم 96 ح 158 وأبو داود 2643 والنسائي في «الكبرى» (8594) من طريق الأعمش، عن أبي ظبيان به. - وأخرجه البخاري 4269 و6872 ومسلم 96 ح 159 والنسائي 8593 وأحمد 5/ 200 وابن حبان 5751 من طريق أبي ظبيان بنحوه. (1) سقط من المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. (3) العاقول: معظم البحر أو موجه، ومعطف الوادي والنهر والأرض لا يهتدي إليها. كما في «القاموس» . (4) في المطبوع «قال» .

ع «687» وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ فقاموا وقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَعْنِي إِذَا سَافَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْجِهَادَ، فَتَبَيَّنُوا قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ مِنَ التَّثْبِيتِ، أَيْ: قِفُوا حَتَّى تَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبَيُّنِ، يُقَالُ: تَبَيَّنْتُ الْأَمْرَ إِذَا تَأَمَّلْتُهُ، (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكم السّلم) هكذا قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وحمزة [1] أي: المعاذة [2] وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَرَأَ الآخرون السلم وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ، أَيْ: لَا تَقُولُوا لِمَنْ سَلَّمَ عليكم لست مؤمنا، فذلك قوله تعالى: لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يَعْنِي: تَطْلُبُونَ الْغُنْمَ وَالْغَنِيمَةَ، وعَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا مَنَافِعَهَا وَمَتَاعَهَا، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ، أَيْ غَنَائِمُ، كَثِيرَةٌ، وَقِيلَ: ثَوَابٌ كَثِيرٌ لِمَنِ اتَّقَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُنْتُمْ ضُلَّالًا مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهداية، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تَأْمَنُونَ فِي قَوْمِكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَلَا تُخِيفُوا [3] مَنْ قَالَهَا فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَتَبَيَّنُوا أَنْ تَقْتُلُوا مُؤْمِنًا، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً، قُلْتُ: إِذَا رَأَى الْغُزَاةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ شِعَارَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ. «688» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ

_ 687- ع صحيح. أخرجه الترمذي 3030 وأحمد 1/ 229 و272 و324 والطبري 10222 والطبراني 11731 والحاكم 2/ 235 والبيهقي 9/ 115 والواحدي في «أسباب النزول» (346) من طرق عن عكرمة به وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث حسن اهـ. - وأخرجه البخاري 4591 ومسلم 3025 وأبو داود 3974 والطبري 10219 و10220 و10221 والواحدي 345 والبيهقي 9/ 115 من طرق، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عن ابن عباس بنحوه. 688- إسناده ضعيف، عبد الملك بن نوفل، وثقه ابن حبان، وقال عنه الحافظ: مقبول. وشيخه ابن عصام، مجهول. قيل: اسمه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن. وأبو عصام المزني، له هذا الحديث الواحد. - وهو في «شرح السنة» (2697) بهذا الإسناد. خرّجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 116) عن سفيان بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 2635 والترمذي 1549 والنسائي في «الكبرى» (8838) وأحمد 3/ 448 من طرق عن سفيان بهذا الإسناد. - وله شاهد من حديث أنس قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح فينظر، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عليهم....» أخرجه البخاري 610 و2944 ومسلم 382 و3/ 1427 ح 121 والنسائي 1/ 271- 272 وأبو داود 2634 والترمذي 1618 وابن أبي شيبة 14/ 461 والطيالسي 2034 وأبو يعلى 3307 وابن حبان 4745 و4754 ومالك 2/ 468 وأحمد 3/ 186 و246 وابن سعد 2/ 109 والبيهقي 9/ 79. (1) في المخطوط «الكسائي» وهو خطأ. (2) تصحف في المخطوط «المفاداة» . (3) في المخطوط «تجيبوا» .

[سورة النساء (4) : آية 95]

أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ عَنِ ابْنِ عِصَامٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أو سمعتم أذانا فلا تقتلنّ [1] أحدا» . [سورة النساء (4) : آية 95] لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْآيَةُ: «689» ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قال: فجاءه ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمْلِيهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى [على رسوله] [2] وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. فَهَذِهِ الْآيَةُ في فضل الْجِهَادِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْجِهَادِ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِنَصْبِ الرَّاءِ، أَيْ: إِلَّا أُولِي الضَّرَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى نَعْتِ الْقاعِدِينَ يُرِيدُ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ أَولِي الضَّرَرِ، أَيْ: غَيْرُ أُولِي الزَّمَانَةِ وَالضَّعْفِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَصَرِ، وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، أي: ليس المؤمنون القاعدون عن الجهاد من غير عذر والمؤمنون المجاهدون سواء غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَإِنَّهُمْ يُسَاوُونَ المجاهدين، لأن العذر أقعدهم.

_ 689- إسناده صحيح على شرط البخاري، عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هو ابن يحيى الأويسي، تفرد عنه البخاري دون مسلم، ابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. - وهو في «شرح السنة» (3633) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (2832) عن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4592 والترمذي 3033 والنسائي 6/ 9 و10 وأحمد 5/ 184 والطبري 10244 وابن الجارود 1034 والطبراني 4814 و4815 و4816 والبيهقي 9/ 23 من طرق، عن الزهري بهذا الإسناد. - وأخرجه أحمد 5/ 184 وابن حبان 4713 والطبري 10245 والطبراني 5/ 4899 وأبو نعيم في «الدلائل» (175) من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت به. - وورد بنحوه من حديث الفلتان بن عاصم أخرجه ابن حبان 4712 والطبراني 18/ 856 والبزار 2203 وأبو يعلى 1583 وقال الهيثمي في «المجمع» (9444) : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. ويشهد له أيضا حديث البراء بن عازب أخرجه البخاري 4593 و4594 ومسلم 1898 والترمذي 1670 والنسائي 6/ 10 والطبري 10238- 10242 والبيهقي 9/ 23. - ومن حديث زيد بن أرقم أخرجه الطبري 10243 والطبراني 5053. وفي الباب أحاديث، فهو حديث مشهور. (1) في المطبوع «فلا تقتلوا» . (2) زيادة عن المخطوط. [.....]

[سورة النساء (4) : آية 96]

«690» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فقال: «إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ» ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَهُمْ بالمدينة حبسهم العذر» . وَرَوَى مِقْسَمٌ [1] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً، [أَيْ: فَضِيلَةً، وَقِيلَ: أَرَادَ بالقاعد هَاهُنَا أُولِي الضَّرَرِ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَيْهِمْ دَرَجَةً] [2] لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ باشر الجهاد مع النيّة وأولي الضَّرَرِ كَانَتْ لَهُمْ نِيَّةٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، فَنَزَلُوا عَنْهُمْ بِدَرَجَةٍ، وَكُلًّا [يَعْنِي الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ] [3] وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، يَعْنِي: الْجَنَّةَ بِإِيمَانِهِمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ الْمَعْذُورَ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً، يَعْنِي: عَلَى القاعدين من غير عذر. [سورة النساء (4) : آية 96] دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ فِي الْآيَةِ: هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ عَدْوُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ، سَبْعِينَ [4] خَرِيفًا، وَقِيلَ: الدَّرَجَاتُ هِيَ الْإِسْلَامُ وَالْجِهَادُ وَالْهِجْرَةُ وَالشَّهَادَةُ فَازَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ. «691» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بن علي بن محمد شريك الشافعي أنا

_ 690- حديث صحيح، عبد الرحيم بن منيب مجهول، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، حميد الطويل هو ابن أبي حميد، اختلف في اسمه على عشرة أقوال. - وهو في «شرح السنة» (2631) بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان 4731 من طريق يزيد بن هارون بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2839 و4423 وابن ماجه 2764 وأحمد 3/ 103 من طرق، عن حميد الطويل به. - وعلّقه البخاري بإثر 2839 عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن حميد، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبيه. وقال: الأول أصح. - وأخرجه أبو داود 2508 والبيهقي 9/ 24 عَنْ مُوسَى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أبيه به. - وفي الباب من حديث جابر أخرجه مسلم 1911 وابن ماجه 2765 والبيهقي 9/ 24. 691- إسناده صحيح على شرط مسلم، ابن وهب هو عبد الله، أبو هانئ الخولاني هو حميد بن هانئ، أبو عبد الرحمن الحبلي هو عبد الله بن يزيد. وهو في «شرح السنة» (2605) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1884 والنسائي 6/ 19 وسعيد بن منصور 2301 وابن حبان 4612 والبيهقي 9/ 158 من طرق، عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد. - وأخرجه الحاكم 2/ 93 من طريق أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي، عن أبي سعيد الخدري به. (1) تصحف في المطبوع «القاسم» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن المخطوط. (4) في المطبوع «وسبعون» .

عَبْدُ اللَّهِ [بْنُ مُحَمَّدِ] [1] بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ [2] أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَنَا ابْنُ وَهَبٍ حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحبلي [3] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قَالَ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، [ففعل قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم] [4] : «وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السماء والأرض» فقال: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . «692» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ الشَّاهِ أَنَا أَبِي أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمُطَرَّزُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يحيى أنا سريج بْنُ النُّعْمَانِ أَنَا فُلَيْحٌ عَنْ هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا» ، قَالُوا: يا رسول الله أَفَلَا نُنْذِرُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ مَا بَيْنَ [كُلِّ دَرَجَتَيْنِ] [5] كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ] عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي الْجُمْلَةِ فَرْضٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَفَرْضُ الْعَيْنِ أَنْ يَدْخُلَ الْكُفَّارُ [7] دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِمْ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَنْ جِيرَانِهِمْ، وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنْ لم يقع الْكِفَايَةُ بِمَنْ نَزَلَ بِهِمْ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ مِنَ

_ (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» و «الأنساب» للسمعاني. (2) وقع في الأصل «الجورندي» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . (3) وقع في الأصل «الجبلي» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (4) العبارة في المطبوع «فأعادها عليه ثم قال» والمثبت عن «شرح السنة» والمخطوط. (5) العبارة في المطبوع «الدرجتين» . (6) في الأصل «فوق» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب الحديث. (7) في المخطوط «العدو» . 692- إسناده صحيح على شرط البخاري، فليح هو ابن سليمان. - وهو في «شرح السنة» (2604) بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2790 و7423 والبيهقي 9/ 15 وفي «الأسماء والصفات» (845) من طريق فليح بهذا الإسناد.- وأخرجه أحمد 2/ 335 و339 وابن حبان 4611 من طريق فليح بن سليمان عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عن أبي هريرة به. قال الحافظ في «الفتح» (6/ 12) : وهو وهم من فليح في حال تحديثه لأبي عامر، وعند فليح بهذا الإسناد حديث غير هذا سيأتي في الباب الذي بعد هذا، فلعله انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، وقد نبه يونس بن محمد في روايته، عن فليح على أنه ربما شك فيه.... اهـ. - وأخرجه الترمذي 2530 من حديث معاذ، وإسناده منقطع. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 98]

الْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْكِفَايَةُ بِالنَّازِلِينَ بِهِمْ فَلَا فَرْضَ عَلَى الأَبْعَدِينَ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْعَبِيدُ وَالْفُقَرَاءُ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ قَارِّينَ [1] فِي بِلَادِهِمْ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يُخَلِّي [2] سَنَةً عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَرَايَاهُ حَتَّى لَا يَكُونَ الْجِهَادُ مُعَطَّلًا، وَالِاخْتِيَارُ لِلْمُطِيقِ الْجِهَادِ [3] مَعَ وُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِهِ: [أَنْ لَا يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ] [4] . وَلَكِنْ لَا يُفْتَرَضُ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى وعد المجاهدين والقاعدين الثَّوَابَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، فلو كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكَافَّةِ لَاسْتَحَقَّ القاعد العقاب لا الثواب. [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 98] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، مِنْهُمْ: قَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَقَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَشْبَاهُهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ خَرَجُوا مَعَهُمْ فَقُتِلُوا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ، أَرَادَ بِهِ مَلَكَ الْمَوْتِ وَأَعْوَانَهُ أَوْ أَرَادَ مَلَكَ الْمَوْتِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السَّجْدَةِ: 11] ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُخَاطِبُ الْوَاحِدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ، بِالشِّرْكِ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ: فِي حَالِ ظلمهم، قيل: أي المقام فِي دَارِ الشِّرْكِ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى لم [يكن] [5] يَقْبَلِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا بالهجرة. ع «693» ثم نسخ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» . وَهَؤُلَاءِ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، [وَقَالُوا لَهُمْ: فِيمَ كُنْتُمْ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:] [6] قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ أَيْ: فِي مَاذَا كُنْتُمْ أَوْ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُمْ؟ أَفِي الْمُسْلِمِينَ؟ أَمْ فِي الْمُشْرِكِينَ؟ سؤال توبيخ وتعبير فَاعْتَذَرُوا بِالضَّعْفِ عَنْ مُقَاوَمَةِ أَهْلِ الشرك، قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ، عَاجِزِينَ، فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي أَرْضَ مَكَّةَ، قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها؟ يَعْنِي إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الشِّرْكِ؟ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وأعلمنا بكذبهم، فقال: فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ، مَنْزِلَهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً، أَيْ: بِئْسَ الْمَصِيرُ إِلَى جهنم، ثُمَّ اسْتَثْنَى أَهْلَ الْعُذْرِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حِيلَةٍ وَلَا على نفقة ولا على قوة الخروج مِنْهَا، وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، أَيْ: لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إِلَى الْخُرُوجِ. وقال مجاهد: لا يعرفون

_ 693- ع صحيح. أخرجه البخاري 1834 و2825 و2783 و3077 ومسلم 1353 وأبو داود 2480 والترمذي 1590 والنسائي 7/ 146 وعبد الرزاق 9713 وأحمد 1/ 226 و315 و355 والدارمي 2/ 239 وابن حبان 4592 و4865 وابن الجارود 1030 والطبراني 10944 والبيهقي 5/ 195 و9/ 16 والبغوي 1996 و2631 والقضاعي 844 من طرق، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طاووس، عن ابن عباس مرفوعا. (1) تصحف في المطبوع «قادرين» . (2) زيد في المطبوع «كل» . (3) في المطبوع «الاجتهاد» . (4) زيد في المطبوع وط. (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيد في المطبوع وط.

[سورة النساء (4) : الآيات 99 الى 100]

طريق المدينة. [سورة النساء (4) : الآيات 99 الى 100] فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ لِلْإِطْمَاعِ، وَاللَّهُ تعالى إذا أطمع عبدا أوصله إِلَيْهِ، وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ، يَعْنِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الصَّلَاةِ. «694» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُعَاذُ بْنُ فُضَالَةَ أَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا [1] قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ [2] فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ: [قَنَتَ] [3] اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الوليد [بن الْوَلِيدَ] [4] اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدُ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يوسف» [يجهر بذلك] [5] . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُراغَماً أَيْ: مُتَحَوَّلًا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمَّا يَكْرَهُ، وَقَالَ أبو عبيدة: المراغم: المهاجر، يُقَالُ: رَاغَمْتُ قَوْمِي وَهَاجَرْتُهُمْ، وَهُوَ المضطرب والمذهب، قيل: سميت المهاجرة مراغما [6] لأن من يهاجر يراغم قومه وسعة أي: في الرزق، وقيل: سعة من الضلالة إلى الهدى،

_ 694- إسناده صحيح على شرط البخاري، حيث تفرد عن معاذ بن فضالة- بفتح الفاء- هشام هو ابن سنبر الدّستوائي، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. - وهو في «صحيح البخاري» (6393) عن هشام الدستوائي بهذا الإسناد. - وأخرجه الطحاوي 1/ 241 وابن خزيمة 617 وأبو عوانة 2/ 286 و287 والبيهقي 2/ 198 من طريق هشام بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4598 ومسلم 675 ح 295 وأبو داود 1442 وأبو عوانة 2/ 286 287 وابن خزيمة 621 وابن حبان 1986 والطحاوي 2/ 242 والبيهقي 2/ 200 من طرق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ به. - وأخرجه البخاري 4560 ومسلم 675 وأحمد 2/ 255 وأبو عوانة 2/ 280 و283 والدارمي 1/ 374 وابن خزيمة 619 وابن حبان 1972 و1983 والطحاوي 1/ 242 والبيهقي 2/ 197 والبغوي في «شرح السنة» (638) من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة به. - وأخرجه البخاري 6200 والنسائي 2/ 201 والشافعي 1/ 86 و87 والحميدي 939 وابن أبي شيبة 2/ 316 و317 وأبو عوانة 2/ 283 والبيهقي 2/ 197 و244 والبغوي 637 من طرق عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عن أبي هريرة به. وانظر ما تقدم برقم: 440 و441. (1) زيد في المطبوع وحده «أراد أن يدعو على أحد قنت بعد الركوع فربما» . (2) زيد في المطبوع «ربنا لك الحمد» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) زيادة عن المخطوط وط. (5) زيد في المطبوع وحده. (6) في المطبوع «مراغمة» . [.....]

[سورة النساء (4) : آية 101]

ع «695» وَرُوِيَ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ يُقَالُ له جندب [1] بْنُ ضَمْرَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أنا مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وإني لأجد حيلة، ولي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أَبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، أَخْرِجُونِي فَخَرَجُوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَرِيرٍ حَتَّى أَتَوْا بِهِ التَّنْعِيمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فصفّق بيمينه عَلَى شَمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبَايِعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، فَمَاتَ فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَوْ وَافَى الْمَدِينَةَ لَكَانَ أَتَمَّ وَأَوْفَى أَجْرًا، وَضَحِكَ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا: مَا أَدْرَكَ هَذَا مَا طَلَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ. أَيْ: قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى مُهَاجِرِهِ، فَقَدْ وَقَعَ أَيْ: وَجَبَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا مِنْهُ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. [سورة النساء (4) : آية 101] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أَيْ: سَافَرْتُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ، أَيْ: حَرَجٌ وَإِثْمٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، يَعْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعَشَاءِ، إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أَيْ: يَغْتَالَكُمْ وَيَقْتُلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِي الصَّلَاةِ ونظيره قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يُونُسَ: 83] ، أَيْ: يَقْتُلَهُمْ. إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً أَيْ: ظَاهِرَ الْعَدَاوَةِ، اعْلَمْ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْإِتْمَامِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ مالك وأصحاب الرأي، لما: ع «696» رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السفر وأتمت صلاة الحضر [2] .

_ 695- ع علّقه الواحدي في «أسباب النزول» (357) عن ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ. - وورد مختصرا من حديث ابن عباس أخرجه أبو يعلى 2679 والطبراني في «الكبير» (11709) وفي إسناده عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زياد المحاربي، وأشعث بن سوّار، وكلاهما ضعيف وانظر «الإصابة في تمييز الصحابة» (1/ 251) . 696- ع صحيح. أخرجه البخاري 1090 و3935 ومسلم 685 والنسائي 1/ 225 والدارمي 1/ 355 والبيهقي 3/ 143 من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة. - وأخرجه البخاري 350 ومسلم 668 وأبو داود 1198 والنسائي 1/ 225- 226 ومالك 1/ 146 وأحمد 6/ 272 وابن حبان 2736 و2737 والبيهقي 3/ 143 من طرق عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ عروة، عن عائشة. (1) وقع في النسخ والمخطوط «جندع» والمثبت عن عامة كتب التخريج، وذكره الحافظ في «الإصابة» (1/ 248) فقال: جندب بن ضمرة.... في جندع. ثم قال (1/ 251) جندع بن ضمرة ثم ذكره عن غير واحد بقوله «جندب» ولم يتعرض للاختلاف في اسمه أو من ذكره على أنه «جندع» . (2) الخبر في المطبوع «فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر والسفر، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ» .

وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِ الْإِتْمَامِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنْ شَاءَ أَتَمَّ وَإِنْ شَاءَ قَصَرَ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ. «697» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ. وظاهر القرآن يدل على ذلك لأن الله تعالى قَالَ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، ولفظ فَلا جُناحَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الرُّخَصِ لَا فِيمَا يَكُونُ حَتْمًا، فَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ الْخَوْفِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، إِنَّمَا نَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى غَالِبِ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ، وَالْقَصْرُ جَائِزٌ فِي السَّفَرِ فِي حَالِ الْأَمْنِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: «698» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ [1] عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . «699» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو العباس الأصم أنا الربيع

_ 697- حديث حسن، إسناده ضعيف جدا، إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى شيخ الشافعي متروك متهم، وشيخه طلحة بن عمرو متروك أيضا. لكن ورد من وجه آخر كما سيأتي. - وهو في «شرح السنة» (1018) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 182) عن إبراهيم بن محمد بهذا الإسناد. وأخرجه الدارقطني 2/ 189 والبيهقي 3/ 142 من طريق طلحة بن عمرو بهذا الإسناد. - وأخرجه الدارقطني 2/ 189 ومن طريقه البيهقي 3/ 141 عن المحاملي، عن سعيد بن محمد بن ثواب، عن أبي عاصم حدثنا عمرو بن سعيد، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عن عائشة به. وقال الدارقطني: وهذا إسناد صحيح. ووافقه البيهقي وقال: ولهذا شاهد من حديث دلهم بن صالح والمغيرة بن زياد وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف اهـ. - وأخرجه الدارقطني 2/ 189 والبيهقي 3/ 141- 142 من وجه آخر من حديث عائشة وفيه المغيرة بن زياد ليس بالقوي قاله الدارقطني وكذا البيهقي في تعليقه عن الرواية الأولى. 698- صحيح، مسلم بن خالد هو الزنجي، ضعيف لكن تابعه عبد المجيد كما ترى، وعبد المجيد صدوق فيه ضعف، وهو من رجال مسلم، وقد توبع أيضا على ابن جريج، ومن فوقه ثقات مشاهير. - وهو في «شرح السنة» (1019) بهذا الإسناد. - وأخرجه المصنف من طريق الشافعي، وهي في «مسنده» (1/ 181) عن مسلم وعبد العزيز بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 686 وأبو داود 1199 و1200 والترمذي 3034 وابن ماجه 945 وأحمد 1/ 25 و36 والدارمي 1/ 354 والطحاوي 1/ 415 والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» ص (116) وابن خزيمة 945 وابن حبان 2739 و2740 و2741 والطبري 10315 و10316 و10317 والطحاوي في «المعاني» (1/ 415) والبيهقي 3/ 134 و140 و141 من طرق عن ابن جريج بهذا الإسناد. (1) في الأصل «داود» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم. 699- إسناده صحيح، الشافعي فمن دونه ثقات وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أيوب هو ابن أبي تميمة

[سورة النساء (4) : آية 102]

أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَافَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ آمِنًا لَا يخاف [إلا] [1] الله [تعالى] فَصَلَّى [2] رَكْعَتَيْنِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْمُسَافِرِ لَيْسَتَا بِقَصْرٍ إِنَّمَا الْقَصْرُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً فِي الْخَوْفِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، وَجَعَلُوا شَرْطَ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ بَاقِيًا، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَجُوزُ خَائِفًا كَانَ أَوْ آمِنًا. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: اقْصُرْ بِعَرَفَةَ، أَمَّا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ فَلَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَاخْتَلَفَ [3] فِي حَدِّ مَا يَجُوزُ فيه [4] الْقَصْرُ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ سِتَّةُ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ قريب من ذلك، فإنّهما قَالَا: مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: قَوْلُهُ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: 101] مُتَّصِلٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ مُنْفَصِلٌ عَمَّا قَبِلَهُ، رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ [النساء: 101] هَذَا الْقَدْرُ، ثُمَّ بَعُدَ حَوْلٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَنَزَلَ: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً [النساء: 101] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الْآيَةَ. وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ أَنْ يَجِيءَ الْخَبَرُ بِتَمَامِهِ ثُمَّ يُنَسَّقُ عَلَيْهِ خَبَرٌ آخَرُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ كَالْمُتَّصِلِ بِهِ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يُوسُفَ: 51] ، وَهَذِهِ حِكَايَةٌ عَنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُهُ: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يُوسُفَ: 52] إِخْبَارٌ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السّلام. [سورة النساء (4) : آية 102] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102)

_ السّختياني. - وهو في «شرح السنة» (1020) بهذا الإسناد. - رواه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 180) عن عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 547 والنسائي 3/ 117 وأحمد 1/ 215 من طريق هشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين، عن ابن عباس به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح اهـ. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب الحديث. (2) في «شرح السنة» (1020) «يصلي» . (3) في المخطوط وحده «اختلفوا» . (4) في المطبوع «به» .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ: رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ قَامُوا إِلَى الظُّهْرِ يُصَلُّونَ جميعا ندموا إلّا كانوا أكبوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعَوْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ بَعْدَهَا صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَإِذَا قَامُوا فِيهَا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَعَلَّمَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ [1] . وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا كَانُوا فِي مُعَسْكَرِهِمْ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فَيَجْعَلُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِرْقَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ وِجَاهَ [2] الْعَدُوِّ تَحْرُسُهُمْ، وَيَشْرَعُ الْإِمَامُ مَعَ طَائِفَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً قَامَ وَثَبَّتَ قائما حتى أتموا صلاتهم، وذهبوا إِلَى وِجَاهِ [3] الْعَدُوِّ ثُمَّ أَتَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةِ فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَثَبَتَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ. وَهَذِهِ رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى كَذَلِكَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. «700» أَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إسحاق الهاشمي أنا مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ [4] بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خُوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ من صلاته، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ. «701» وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أنا

_ 700- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وجهالة الصحابي لا تضر، وورد بذكر الصحابي، وهو الآتي. - وهو في «شرح السنة» (1089) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق مالك، وهو في «الموطأ» (1/ 183) من طريق يزيد بهذا الإسناد. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 4129 ومسلم 842 وأبو داود 1238 والنسائي 3/ 171 والطحاوي 1/ 312 و313 والشافعي في «الرسالة» ص (182 و244) والطبري 10350 والبيهقي 3/ 252- 253. - وانظر الحديث الآتي. [.....] 701- إسناده صحيح على شرط البخاري، مسدّد هو ابن مسرهد، يحيى هو ابن سعيد القطان، شعبة هو ابن الحجاج. - وهو في «شرح السنة» بإثر (1089) . - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» بإثر (4131) عن مسدد بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 841 والترمذي 566 والنسائي 3/ 170- 171 وابن ماجه 1259 وأحمد 3/ 448 والدارمي 1/ 358 وابن خزيمة 1357 وابن حبان 2886 والطحاوي 1/ 310 والطبراني 5632 والطبري 10356 والبيهقي 3/ 253 و254 من طرق عن شعبة به. (1) في هذا الإسناد مع كونه معلقا، الكلبي وهو متروك متهم، وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس، وقد ورد بنحو هذا السياق عن مجاهد أخرجه الواحدي 359 وورد مختصرا من وجوه عند الطبري 13028 و13029 و13026 و13027. 2 في المخطوط «تجاه» . 3 في المخطوط «تجاه» . (4) في الأصل «زيد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج.

مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خُوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حثمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَذْهَبُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الرَّكْعَةَ الأخيرة [1] وَيُسَلِّمُ وَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ بَلْ يَذْهَبُونَ إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ، وَتَعُودُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَعُودُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا. وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ [2] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [صَلَّى] [3] كَذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. «702» أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجَهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى ثم سلم [4] ، فقام هؤلاء [5] فقضوا ركعتهم [وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم] [6] . وكلتا الروايتين صحيحة وذهب قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَأَبْلَغُ فِي حِرَاسَةِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ أَيْ: إِذَا صَلُّوا، ثُمَّ قَالَ: وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى قَدْ صَلُّوا، وَقَالَ: فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ،

_ - وأخرجه البخاري 4131 والترمذي 565 وابن ماجه 1259 والدارمي 1/ 358 وابن خزيمة 1356 والطبري 10355 والبيهقي 3/ 253 من طرق عن يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد به. - وأخرجه مَالِكٍ 1/ 83- 184 عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عن القاسم به، ومن طريق مالك أخرجه أبو داود 1239 وابن خزيمة 1358 وابن حبان 2885 والطحاوي 1/ 313 والبيهقي 3/ 254. 702- إسناده صحيح على شرط مسلم، محمد بن عبد الملك من رجال مسلم، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، سالم هو ابن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. - وَهُوَ في «شرح السنة» (1087) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق الترمذي، وهو في «سننه» (564) عن محمد بن عبد الملك بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 4133 وأبو داود 1243 والنسائي 3/ 171 والبيهقي 3/ 260 من طريق يزيد بن زريع بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 942 و4132 ومسلم 839 والنسائي 3/ 171 والدارمي 1/ 357- 358 والطحاوي 1/ 312 وابن حبان 2879 والبيهقي 3/ 260 من طرق عن الزهري به. - وأخرجه عبد الرزاق 4241 عن معمر بهذا الإسناد ومن طريق عبد الرزاق أخرجه مسلم 839 وأحمد 2/ 147 والدارقطني 2/ 59 والبيهقي 3/ 260. (1) في المطبوع «الثانية» . (2) انظر الحديث الآتي. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من باقي النسخ. (4) في المطبوع وط «بهم» والمثبت عن المخطوط و «شرح السنة» و «سنن الترمذي» . (5) في المطبوع «فصلوا» . (6) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

ومقتضاه أَنْ يُصَلُّوا تَمَامَ الصَّلَاةِ، فَظَاهِرُهُ يدل [على] [1] أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُفَارِقُ الْإِمَامَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَكْثُرُ فِيهَا الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ وَالْمَجِيءُ، وَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا فِي الصلاة كان أمكن للحرب والضرب وَالْهَرَبِ إِنِ احْتَاجُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ جَازَ. «703» أَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ أَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الحافظ قال أنا الصاغاني أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَكُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تركناها لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ [2] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: «لَا» . قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ» ، قَالَ فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، قَالَ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ. «704» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ [مُحَمَّدٍ] الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنِي الثقة [أنبأني] [3] ابْنُ عُلَيَّةَ أَوْ غَيْرُهُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي [4] الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثم سلم.

_ 703- إسناده صحيح على شرط مسلم، الصاغاني هو محمد بن إسحاق، أبان هو ابن يزيد، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، مشهور بكنيته. - وهو في «شرح السنة» (1090) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 843 وأحمد 3/ 364 والطحاوي 1/ 315 وابن حبان 2884 والبيهقي 3/ 259 من طريق أبان بهذا الإسناد. وذكره البخاري 4136 معلقا عن أبان بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 843 وابن خزيمة 1352 من طريق يحيى بن أبي كثير به. - وأخرجه أحمد 3/ 364- 365 و390 وابن حبان 2883 وأبو يعلى 1778 والطحاوي 1/ 315 من طرق عن أبي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سليمان بن قيس، عن جابر به. [.....] 704- إسناده ضعيف لجهالة شيخ الشافعي، والظاهر أنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، فإنه متروك كذبه علي المديني وابن معين وغيرهما، وكان الشافعي يوثقه، والحسن لم يسمع من جابر، فهاتان علتان، ابن علية هو إسماعيل بن إبراهيم. - خرجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (1/ 176- 177) عن الثقة، عن ابن علية بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي 3/ 178 والدارقطني 2/ 61 والبيهقي 3/ 259 من طرق، عن الحسن البصري بهذا الإسناد. وقد توبع شيخ الشافعي عندهم لكن له علة وهي الانقطاع، بين الحسن وجابر، ومع ذلك فللحديث شواهد. (1) زيادة عن المخطوط. (2) في «شرح السنة» (1090) «نبي الله» . (3) في الأصل «الثقفة بن علية» والتصويب عن «مسند الشافعي» . (4) في المطبوع «صلاة» .

ع «705» وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّهُ صَلَّى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ ركعة ولم يقضوا. ع «706» وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَقَالَ: كَانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ [1] وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ. وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَقَالُوا: الْفَرْضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ لَا ينقص عدد الركعات فإن كَانَ الْعَدُوُّ فِي نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فِي مُسْتَوَى إِنْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ رأوهم صلّى بهم الإمام جَمِيعًا وَحَرَسُوا فِي السُّجُودِ، كَمَا: «707» أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ الْحَافِظُ أَنَا عَمَّارٌ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ [2] وَالصَّفُّ الذي يليه [3] وقام الصف

_ 705- ع حسن. أخرجه أبو داود 1246 والنسائي 3/ 167 و168 وعبد الرزاق 4249 وابن أبي شيبة 2/ 461 و462 والطحاوي 1/ 310 وأحمد 5/ 385 و399 وابن خزيمة 1343 وابن حبان 1452 و2425 والحاكم 1/ 335 والبيهقي 3/ 261 من طريق سفيان، عن أشعث بن سليم، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم قال: «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال: أيكم صلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم صلاة الخوف فقال حذيفة: أنا فصلى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَلَمْ يقضوا» . وإسناده صحيح، سفيان فمن فوقه رجال البخاري ومسلم سوى ثعلبة بن زهدم، وهو ثقة، تابعي كبير. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - وأخرجه أحمد 5/ 406 وعلقه البيهقي 3/ 261- 262 من طريق أبي إسحاق، عن سليم بن عبد الله السلولي، عن حذيفة. وسليم بن عبد الله ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال عنه العجلي: تابعي ثقة. وقال الشافعي: سألت عنه أهل العلم بالحديث فقيل لي: إنه مجهول. كما في «اللسان» قلت: وثقه العجلي وابن حبان، وقد توبع، وهو يقوي ما قبله، والله أعلم. 706- ع حسن. أخرجه النسائي 3/ 168 وعبد الرزاق 4250 وابن أبي شيبة 2/ 461 وأحمد 5/ 183 والطحاوي في «المعاني» (1/ 310) وابن حبان 2870 والطبراني 4919 والبيهقي 3/ 262- 263 من طرق عن سفيان، عن الركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان قال: أتيت زيد بن ثابت.... فذكره. ورجاله رجال الصحيح غير القاسم بن حسان ذكره ابن حبان في «الثقات» ووثقه أحمد بن صالح كما في «الثقات» ص (267) لابن شاهين. وللحديث شواهد تعضده. 707- إسناده صحيح، عمار هو ابن خالد، ثقة، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال مسلم، أبو سليمان والد عبد الملك اسمه ميسرة. - وهو في «شرح السنة» (10920) بهذا الإسناد. - خرّجه مسلم 840 ح 307 والنسائي 3/ 175 وأبو عوانة 2/ 358- 359 والبيهقي 3/ 257 من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به. - وأخرجه النسائي 3/ 176 وابن ماجه 1260 وابن أبي شيبة 2/ 463 والطيالسي 1738 و1739 وأحمد 3/ 174 و298 و374 والطحاوي 1/ 319 و310 والطبري 10380 و10382 وابن خزيمة 1347 و1364 وابن حبان 2869 و2877 والبيهقي 3/ 263 من طرق عن أبي الزبير، عن جابر، وأبو الزبير مدلس وقد صرّح بالتحديث. (1) في المخطوط وحده «ركعة» . (2) في المخطوط «للسجود» والمثبت عن المطبوع وط و «شرح السنة» . (3) زيد في المطبوع وحده «الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى» وليس في المخطوط وط و «شرح السنة» .

الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ [1] الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم السجود و [قام] [2] الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ [بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا] [3] ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سُلِّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ عَدَمَ الْجَوَازِ وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَالْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ، رُوِيَ فِيهَا سِتَّةُ أَوْجُهٍ أو سبعة أوجه. ع «708» وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ أَيْ: شَهِيدًا مَعَهُمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ، أَيْ: فَلْتَقِفْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [الْبَقَرَةِ: 20] أَيْ: وَقَفُوا، وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ الْإِمَامِ يصلّون ويأخذون الْأَسْلِحَةَ [فِي] [4] الصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يَأْخُذُهُ إِذَا كَانَ لَا يشغله عن الصلاة، فلا يُؤْذِي مَنْ بِجَنْبِهِ [فَإِذَا شَغَلَتْهُ حَرَكَتُهُ وَثَقَّلَتْهُ عَنِ الصَّلَاةِ كَالْجَعْبَةِ وَالتُّرْسِ الْكَبِيرِ أَوْ كَانَ يُؤْذِي مَنْ جَنْبِهِ] [5] ، كَالرُّمْحِ فَلَا يَأْخُذُهُ، وَقِيلَ: وَلِيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أَيْ: الْبَاقُونَ الَّذِينَ قَامُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، فَإِذا سَجَدُوا، أَيْ: صَلُّوا، فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ، يُرِيدُ مَكَانَ الَّذِينَ هُمْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا، وَهْمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ، قِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، يَتَمَنَّى الْكُفَّارُ، لَوْ تَغْفُلُونَ أَيْ: لَوْ وَجَدُوكُمْ غَافِلِينَ، عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً، فَيَقْصِدُونَكُمْ وَيَحْمِلُونَ عَلَيْكُمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ، رَخَّصَ فِي وَضْعِ السِّلَاحِ فِي حَالِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ، لِأَنَّ السِّلَاحَ يَثْقُلُ حَمْلُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ، أَيْ: رَاقِبُوا الْعَدُوَّ كَيْلَا يَتَغَفَّلُوكُمْ، وَالْحِذْرُ مَا يُتَّقَى به من العدو.

_ 708- ع جيد. أخرجه أبو داود 1236 والنسائي 3/ 176 و177 و178 وابن أبي شيبة 2/ 465 والطيالسي 1347 وأحمد 4/ 59 و60 والدارقطني 2/ 59 و60 وابن حبان 2875 و2876 والطبري 10383 والحاكم 1/ 337- 338 والواحدي في «أسباب النزول» (359) والبيهقي 3/ 254- 255 والبغوي في «شرح السنة» (1091) من طرق عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أبي عياش مطولا وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الدارقطني: صحيح. وكذا قال البيهقي. وجوده الحافظ في «الإصابة» (4/ 143) . (1) تصحف في المطبوع «نحو» . (2) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . [.....] (3) سقط من المخطوط. (4) زيادة من المخطوط. (5) سقط من المخطوط.

[سورة النساء (4) : آية 103]

ع «709» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ أنه غزا محاربا وبنى أنمارا فَنَزَلُوا وَلَا يَرَوْنَ مِنَ الْعَدُوِّ أَحَدًا فَوَضْعَ النَّاسُ أَسْلِحَتَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ لَهُ قَدْ وَضَعَ سِلَاحَهُ حَتَّى قَطَعَ الْوَادِي وَالسَّمَاءُ تَرُشُّ، فَحَالَ الْوَادِي بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ فَقَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ انْحَدَرَ مِنَ الْجَبَلِ وَمَعَهُ السَّيْفُ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَهُ السَّيْفُ قَدْ سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ فقال: يا محمد بن يَعْصِمُكَ مِنِّي الْآنَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي غَوْرَثَ بْنَ الْحَارِثِ بِمَا شِئْتَ» ، ثُمَّ أَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَضْرِبَهُ فَأَكَبَّ لِوَجْهِهِ مِنْ زَلْخَةٍ [1] زلخها [2] بَيْنِ كَتِفَيْهِ، وَنَدَرَ سَيْفَهُ فَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا غَوْرَثُ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي الْآنَ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأُعْطِيكَ سَيْفَكَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَشْهَدُ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ أَبَدًا وَلَا أُعِينُ عَلَيْكَ عَدُوًّا فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ، فَقَالَ غَوْرَثُ: وَاللَّهِ لَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ، فَرَجَعَ غَوْرَثٌ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: وَيْلَكَ مَا مَنَعَكَ مِنْهُ. قَالَ: لَقَدْ أَهْوَيْتُ إليه بالسيف لأضربه فو الله مَا أَدْرِي مَنْ زَلَخَنِي بَيْنَ كَتِفِي فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي، وَذَكَرَ حَالَهُ قَالَ: وَسَكَنَ الْوَادِي فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَادِيَ [إِلَى] [3] أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ. أي: من عدوّكم، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَرِيحًا. إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً، يُهانُونَ فِيهِ [وَالْجُنَاحُ: الْإِثْمُ، مِنْ جَنَحَتْ إِذَا عَدَلَتْ عن القصد] [4] . [سورة النساء (4) : آية 103] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ، يَعْنِي: صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَيْ: فَرَغْتُمْ مِنْهَا، فَاذْكُرُوا اللَّهَ أَيْ صَلُّوا لِلَّهِ قِياماً فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَقُعُوداً، فِي حَالِ الْمَرَضِ، وَعَلى جُنُوبِكُمْ، عِنْدَ الجرح [5] والزمانة،

_ 709- ع عزاه المصنف لابن عباس من رواية الكلبي عن أبي صالح. وهي رواية ساقطة، الكلبي متروك. كذاب. - وهذا الخبر أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 168- 169) من طريق الواقدي مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بكر بنحوه. وفيه «دعثور بن الحارث» بدل «غورث» وأن الآية التي نزلت هي آية: 11 من سورة المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ والخبر ضعيف جدا لأجل الواقدي وانظر الحديث المتقدم برقم 703، فإنه صحيح، وفيه بعض هذا الحديث، وهو بهذا اللفظ واه. (1) الزلخ: وجع في الظهر لا يتحوّل من شدته. (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «زلجة زلجها» وفي القاموس: زلخه بالرمح: زجه. وفي القاموس: الزلج و: الزلق، يزلج زلجا وزليجا: خفّ على الأرض. والمثبت أقرب إلى الصواب. (3) زيادة عن المخطوط. (4) ما بين المعقوفتين كذا وقع في المطبوع وط والمخطوط، وينبغي أن يكون موضعه عقب الآية مباشرة. (5) كذا في المطبوع، وفي المخطوط «الجروح» وفي- ط «الحرج» .

وَقِيلَ: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّمْجِيدِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. «710» أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ القاشاني [1] أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عن البهيّ [2] ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ أَيْ: سَكَنْتُمْ وَأَمِنْتُمْ، فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أَيْ: أَتِمُّوهَا أَرْبَعًا بِأَرْكَانِهَا، إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً، قِيلَ: وَاجِبًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ فَرْضًا مُؤَقَّتًا وَقَتَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْحَدِيثِ. «711» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أحمد الطوسي أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بن الحارث بْنِ [3] عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الزُّرَقِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ بن عَبَّادِ [4] بْنِ حُنَيفٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ [5] بْنِ مَطْعَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال

_ 710- إسناده صحيح على شرط مسلم، البهيّ اسمه عبد الله، يقال: اسم أبيه: يسار، وهو مولى مصعب بن الزبير، روى له مسلم. - وهو في «شرح السنة» (274) و «الأنوار» (500) بهذا الإسناد. - خرجه المصنف من طريق أبي داود، وهو في «سننه» (18) من طريق محمد بن العلاء بهذا الإسناد. - وأخرجه ابن خزيمة 207 من طريق محمد بن العلاء وعلي بن مسلم به. - وأخرجه مسلم 372 والترمذي 3384 وابن ماجه 302 وأحمد 6/ 70 و153 وأبو عوانة 1/ 217 وابن حبان 802 والبيهقي 1/ 90 من طرق عن يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زائدة به. وأخرجه أحمد 6/ 278 من طريق الوليد حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ به. (1) في الأصل «الكاشاني» والتصويب عن «شرح السنة» وكتاب «الأنوار في شمائل النبي المختار» . (2) في الأصل «الزهري» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التخريج. 711- حديث حسن بطرقه دون لفظ «هذا وقت الأنبياء من قبلك» فإنه منكر. إسناده لين لأجل حكيم بن حكيم، فقد وثقه العجلي وابن حبان، وقال ابن سعد: لا يحتجون بحديثه، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. - وهو في «شرح السنة» (349) بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 1/ 354 من طريق وكيع بهذا الإسناد. - وأخرجه أبو داود 393 والحاكم 1/ 193 وابن الجارود 149 و150 من طرق عن سفيان بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 149 وابن أبي شيبة 1/ 317 وعبد الرزاق 2028 وأحمد 1/ 333 و354 والشافعي 1/ 50 والطحاوي 10/ 147 و148 والبيهقي 1/ 365 و366 من طرق عن عبد الرحمن بن الحارث بهذا الإسناد. وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! قال الترمذي: حسن صحيح.! - وأخرجه الدارقطني 1/ 258 من طريق سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن الحارث ومحمد بن عمرو، عن حكيم بن حكيم به، وحكيم غير قوي كما تقدم، وقد توبع. فقد أخرجه الدارقطني 1/ 258 أيضا من طريق إسماعيل، عن عبد الله بن عمر، عن زياد بن أبي زياد، عن نافع بن جبير به. وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عمر هذا. وكرره من طريق إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن نافع به. - وفي الباب من حديث أبي مسعود أخرجه أبو داود 394 وابن خزيمة 352 وابن حبان 1449 و1450 والدارقطني 1/ 250 و251 والحاكم 1/ 192 و193 والبيهقي 1/ 441. فالحديث يتأيد بشواهده. (3) في الأصل «عن» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. [.....] (4) في الأصل «حكم بن أبي حكيم عن عباد» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التخريج. (5) في الأصل «بن أبي جبير» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم.

[سورة النساء (4) : آية 104]

رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: «أمّني جبريل عليه السلام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الظهر حين زالت الشمس وكانت بقدر الشّراك، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ [1] ظلّ كلّ شيء مثل ظله، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِي الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصائم، فلمّا كان الغد صلّى بي الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شيء مثل ظله، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وصلّى بي العشاء حين ذهب ثُلُثَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَصَلَّى بِي الفجر حين أسفر، ثم التفت إليّ وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت مَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ» . «712» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ [أَحْمَدُ] [2] بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ [3] أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هاشم [4] ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ سَائِلًا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شيئا ثم أمر بلالا] فَأَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَصَلَّى، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَزُلْ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العصر والشمس مرتفعة ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ [6] الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ العشاء حين سقط الشَّفَقِ، قَالَ: وَصَلَّى الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَطْلُعْ، وَصَلَّى الظُّهْرَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أن يغيب الشفق، وَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ، عَنِ وقت الصلاة؟» [فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:] [7] «مَا بَيْنَ هَذَيْنَ الوقتين وقت» . [سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ الْآيَةَ، سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه وَأَصْحَابَهُ لَمَّا رَجَعُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً فِي آثَارِهِمْ فَشَكَوْا أَلَمَ الْجِرَاحَاتِ، فَقَالَ اللَّهُ تعالى:

_ 712- إسناده صحيح على شرط مسلم، وكيع هو ابن الجراح، أبو بكر الأشعري، اسمه عمرو، وقيل: عامر، وهو أسنّ من أخيه أبي بردة. - وهو في «شرح السنة» (350) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 614 وأبو داود 395 والنسائي 1/ 260 وابن أبي شيبة 1/ 317 من طرق عن بدر بن عثمان بهذا الإسناد. - وفي الباب من حديث بريدة أخرجه مسلم 613 والترمذي 152 والنسائي 1/ 258 وابن ماجه 667 وأحمد 5/ 349 وابن حبان 1492 والطحاوي 1/ 148 وابن الجارود 151 والدارقطني 1/ 262 والبيهقي 1/ 371. - ومن حديث جابر أخرجه الترمذي 150 والنسائي 1/ 251 و256 وأحمد 3/ 330 والدارقطني 1/ 256 و257 وابن حبان 1472 والطحاوي 1/ 147 والحاكم 1/ 195- 196 والبيهقي 1/ 368 و369 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وقال الترمذي: حسن صحيح. (1) في المطبوع «صار» . (2) سقط من المطبوع. (3) زيد في الأصل بين «الحيري» و «حاجب» : «أنا وكيع» والتصويب عن «شرح السنة» . (4) في الأصل «هشام» وهو تصحيف. (5) زيد في المطبوع «فأذن ثم أمره» . (6) في المطبوع «غابت» . (7) ليس في المخطوط و «شرح السنة» وهو مثبت في روآية لمسلم وغيره.

[سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 106]

وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ أَيْ: [لَا] [1] تَضْعُفُوا فِي ابْتِغَاءِ القوم في طلب القوم أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ، تَتَوَجَّعُونَ مِنَ الْجِرَاحِ، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ، أَيْ: يَتَوَجَّعُونَ، يَعْنِي الْكُفَّارَ، كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ، أَيْ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَأْمُلُونَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا مَا لَا يَرْجُونَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالرَّجَاءِ الْخَوْفُ، لِأَنَّ كُلَّ رَاجٍ خَائِفٌ أَنْ لا يدركه مَأْمُولَهُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَتَرْجُونَ [مِنَ اللَّهِ، أَيْ: تَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ] [2] أَيْ: تَخَافُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا يَخَافُونَ، قَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَا يَكُونُ الرَّجَاءُ بمعنى الخوف إلا مع الجدّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ [الْجَاثِيَةِ: 14] أَيْ: لَا يَخَافُونَ [3] ، وَقَالَ تَعَالَى: مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) [نُوحٍ: 13] أَيْ: لا تخافون لله عظمة [4] ، وَلَا يَجُوزُ رَجَوْتُكَ بِمَعْنَى: خِفْتُكَ، وَلَا خِفْتُكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ رَجَوْتُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 106] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ الآية: ع «713» رَوَى الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ مِنْ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ له فِيهِ دَقِيقٌ فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِنْ خَرْقٍ فِي الْجِرَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ، ثُمَّ خَبَّأَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فَالْتَمَسْتُ الدِّرْعَ عِنْدَ طُعْمَةَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا أَخَذَهَا وَمَا لَهُ بِهَا مِنْ عِلْمٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدِّرْعِ: لَقَدْ رَأَيْنَا أَثَرَ الدَّقِيقِ حَتَّى [5] دَخَلَ دَارَهُ، فَلَمَّا حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُوا أَثَرَ الدَّقِيقِ إِلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ دَفْعَهَا إِلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، فَجَاءَ بَنُو ظَفْرٍ وَهُمْ قَوْمُ طُعْمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُجَادِلَ عَنْ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلِ افْتَضَحَ صَاحِبُنَا، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي [6] رِوَايَةِ أُخْرَى: أَنَّ طُعْمَةَ سَرَقَ الدِّرْعَ فِي جِرَابٍ فِيهِ نُخَالَةٌ فَخَرَقَ الْجِرَابَ حَتَّى كَانَ يَتَنَاثَرُ مِنْهُ النُّخَالَةُ طُولَ الطَّرِيقِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى دَارِ زَيْدٍ السَّمِينِ وَتَرَكَهُ على بابه،

_ 713- ع ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (361) بدون إسناد. وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 561) : ذكره الثعلبي من رواية أبي صالح، عن الكلبي، عن ابن عباس، ونقله الواحدي عن المفسرين في «الأسباب» .... اهـ. وانظر «أسباب النزول» (373 و374) للسيوطي. - وأخرجه الطبري 10417 من رواية سعيد، عن قتادة مرسلا مع اختلاف يسير. ويشهد لهذا الخبر ما أخرجه الترمذي 3036 والحاكم 4/ 385 والطبري 10416 من حديث ابن عباس صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وله طرق وشواهد أخرى، راجع «أحكام القرآن» (567) بتخريجي، والله أعلم. (1) سقط من المطبوع. (2) زيد في المطبوع وط. (3) في المطبوع «يخافونه» . [.....] (4) في المطبوع وط «عظمته» . (5) في المطبوع «حين» . (6) انظر ما قبله.

[سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 110]

وَحَمَلَ الدِّرْعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَاحِبُ الدِّرْعِ جَاءَ عَلَى أَثَرِ النُّخَالَةِ إِلَى دَارِ زَيْدٍ السَّمِينِ فَأَخَذَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ زَيْدٍ الْيَهُودِيِّ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ زَيْدًا السَّمِينَ أَوْدَعَ دِرْعًا عِنْدَ طُعْمَةَ فَجَحَدَهَا طُعْمَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْفَصْلِ، لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ بِمَا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَوْحَى إليك، وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ [وهو] [1] طُعْمَةَ، خَصِيماً، مُعِينًا مُدَافِعًا عَنْهُ. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ، مما هممت به مِنْ مُعَاقَبَةِ الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ جِدَالِكَ عَنْ طُعْمَةَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. [سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 110] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَلا تُجادِلْ لَا تُخَاصِمْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ ، أَيْ: يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً ، خائنا، أَثِيماً [يُرِيدُ خَوَّانًا فِي] [2] الدِّرْعِ، أَثِيمًا فِي رَمْيِهِ الْيَهُودِيِّ، قِيلَ: إِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس: 94] ، وَالِاسْتِغْفَارُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: إمّا لذنب تقدم قبل [3] النُّبُوَّةِ أَوْ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ وَقَرَابَتِهِ، أو لمباح جاء الشرع بتحريمه فَيَتْرُكُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَالِاسْتِغْفَارُ يَكُونُ مَعْنَاهُ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ، أَيْ: يَسْتَتِرُونَ وَيَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ، وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ أَيْ: لَا يَسْتَتِرُونَ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ، يتقولون وَيُؤَلِّفُونَ، وَالتَّبْيِيتُ: تَدْبِيرُ الْفِعْلِ لَيْلًا، مَا لَا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ أَنْ قَوْمَ طُعْمَةَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: نَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَهُ وَيَمِينَهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا يَسْمَعُ مِنَ الْيَهُودِيِّ لأنه [4] كَافِرٌ، فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ، ثُمَّ يَقُولُ لِقَوْمِ طُعْمَةَ: هَا أَنْتُمْ هؤُلاءِ ، أَيْ: يَا هَؤُلَاءِ، جادَلْتُمْ أَيْ: خَاصَمْتُمْ، عَنْهُمْ يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَنْهُ» [5] فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَالْجِدَالُ: شِدَّةُ الْمُخَاصَمَةِ من الجدل، وهو شدة القتل، فهو يريد قتل الْخِصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الْحِجَاجِ، وَقِيلَ: الْجِدَالُ مِنَ الْجَدَالَةِ، وَهِيَ الْأَرْضُ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يَرُومُ قَهْرَ صَاحَبَهُ وَصَرْعَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ، فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ ، يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، يَوْمَ الْقِيامَةِ إِذَا أَخَذَهُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ، أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ، كَفِيلَّا، أَيْ: مَنِ الَّذِي يَذُبُّ عَنْهُمْ، وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً ، يَعْنِي السَّرِقَةَ، أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ، بِرَمْيهِ الْبَرِيءَ، وَقِيلَ: وَمَنْ يعمل سوءا

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) العبارة في المطبوع وحده «بسرقة» . (3) في المطبوع «على» . (4) في المطبوع وط «فإنه» . (5) أي قرأه أبي رضي الله عنه «جادلتم عنه» .

[سورة النساء (4) : الآيات 111 الى 114]

أَيْ: شِرْكًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ: يَعْنِي: إِثْمًا دُونَ الشِّرْكِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ، أَيْ: يَتُبْ إِلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرْهُ، يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ، يَعْرِضُ التَّوْبَةَ عَلَى طُعْمَةَ فِي هذه الآية. [سورة النساء (4) : الآيات 111 الى 114] وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً ، يَعْنِي: يَمِينَ طُعْمَةَ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: مَا سَرَقْتُهُ إِنَّمَا سَرَقَهُ الْيَهُودِيُّ [1] فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ ، فَإِنَّمَا يَضُرُّ بِهِ نَفْسَهُ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً ، بِسَارِقِ الدِّرْعِ حَكِيماً ، حَكَمَ بِالْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَيْ: سَرِقَةَ الدِّرْعِ، أَوْ إِثْماً يَمِينَهُ [2] الْكَاذِبَةَ، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ أَيْ: يَقْذِفْ بِمَا جَنَى بَرِيئاً مِنْهُ وَهُوَ نِسْبَةُ السَّرِقَةِ إِلَى الْيَهُودِيِّ [3] فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً الْبُهْتَانُ: هُوَ الْبَهْتُ، وَهُوَ الْكَذِبُ الَّذِي يُتحَيَّرُ فِي عِظَمِهِ، وَإِثْماً مُبِيناً أَيْ: ذَنْبًا بَيِّنًا، وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ الْخَطِيئَةِ وَالْإِثْمِ، رَدَّ الْكِنَايَةَ إلى الإثم وجعل الْخَطِيئَةَ وَالْإِثْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. قَوْلُهُ تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ، يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَهَمَّتْ ، لِقَدِ هَمَّتْ أَيْ: أَضْمَرَتْ، طائِفَةٌ مِنْهُمْ ، يَعْنِي: قَوَّمَ طُعْمَةَ، أَنْ يُضِلُّوكَ يُخَطِّئُوكَ فِي الْحُكْمِ وَيُلْبِسُوا عَلَيْكَ الْأَمْرَ حَتَّى تُدَافِعَ عَنْ طُعْمَةَ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ، يَعْنِي يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَيْهِمْ [4] ، وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ، يُرِيدُ أَنَّ ضَرَرَهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ [5] ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَالْحِكْمَةَ ، يَعْنِي: الْقَضَاءَ بِالْوَحْيِ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقِيلَ: مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ، يَعْنِي: قَوْمَ طُعْمَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالنَّجْوَى: هِيَ الْإِسْرَارُ فِي التَّدْبِيرِ، وَقِيلَ: النَّجْوَى مَا يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِهِ قَوْمٌ سِرًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا فَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَيْ: إِلَّا فِي نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَالنَّجْوَى يكون متصلا [6] . وقيل: هو استثناء منقطع، يعني: لكن أمر بصدقة. قيل: النَّجْوَى هَاهُنَا: الرِّجَالُ الْمُتَنَاجُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى [الْإِسْرَاءِ: 47] إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَيْ: حَثَّ عَلَيْهَا أَوْ مَعْرُوفٍ أَيْ: بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّرْعُ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا مَعْرُوفٌ، لِأَنَّ الْعُقُولَ تَعْرِفُهَا، أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ.

_ (1) في المطبوع «اليهود» . (2) في المطبوع «بيمينه» . (3) في المطبوع «اليهود» . (4) في المطبوع «عليها» . (5) في المخطوط وحده «عليهم» . (6) في المخطوط وط «فعلا» وهو خطأ. [.....]

[سورة النساء (4) : الآيات 115 الى 116]

«714» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ [1] بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ [عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ] [2] : قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ» ؟ قَالَ: قُلْنَا بَلَى، قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ [3] ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» . «715» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ [4] بِنْتِ عُقْبَةَ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيْسَ بِالْكَذَّابِ [5] مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ وقال خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا» . قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ، فِي الْآخِرَةِ، أَجْراً عَظِيماً، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ يُؤْتِيهِ بِالْيَاءِ، يَعْنِي: يُؤْتِيهِ اللَّهُ وَقَرَأَ الآخرون بالنون. [سورة النساء (4) : الآيات 115 الى 116] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ، نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ السرقة

_ 714- صحيح، محمد بن حماد ثقة، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، الأعمش هو سليمان بن مهران، أم الدرداء هي الصغرى تابعية، اسمها هجيمة، وأما الكبرى فليس لها رواية في الكتب الستة. هو في «شرح السنة» (3432) بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 4919 والترمذي 2509 والبخاري في «الأدب المفرد» (391) وأحمد 6/ 444- 445 وابن حبان 5092 من طرق عن أبي معاوية بهذا الإسناد. 715- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، معمر هو ابن راشد، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. - وهو في «شرح السنة» (3433) بهذا الإسناد. - أخرجه المصنف من طريق عبد الرزاق، وهو في «مصنفه» (20196) عن معمر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2692 ومسلم 2605 وأبو داود 4920 و4921 والترمذي 1938 والطيالسي 1656 وأحمد 6/ 403 والطحاوي 4/ 86 و87 وابن حبان 5733 والطبراني في «الكبير» (25/ (183) - (187) و (189) و (190) و (201)) وفي «الصغير» (282) والبيهقي 10/ 197 و198 من طرق عن الزهري به. (1) في الأصل «أبو بكر بن أحمد الحسن» والتصويب عن «شرح السنة» . (2) العبارة في الأصل «رضي الله عنها قالت» والتصويب عن «ط» و «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) في المطبوع «وإن إفساد» . (4) في الأصل «أم مكتوم» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب الحديث. (5) في المطبوع «الكذاب» وفي المخطوط «بكذاب» والمثبت عن «شرح السنة» وط.

[سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 119]

خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ وَالْفَضِيحَةِ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ وَارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ [1] ، فَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ، أَيْ: يُخَالِفُهُ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى، من التَّوْحِيدُ وَالْحُدُودُ، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: غَيْرَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى، أَيْ: نَكِلْهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى مَا تَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً. رُوِيَ أَنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ [2] مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عُلَاطٍ، فَنَقَّبَ بَيْتَهُ فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْخُلَ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَأُخِذَ لِيُقْتَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَعَوْهُ فَإِنَّهُ قَدْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ فَتَرَكُوهُ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَ تُجَّارٍ مِنْ قُضَاعَةَ نَحْوَ الشَّامِ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فَسَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ وَهَرَبَ، فَطَلَبُوهُ وَأَخَذُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَصَارَ قَبْرُهُ تِلْكَ الْحِجَارَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً إِلَى جَدَّةَ فَسَرَقَ فِيهَا كِيسًا فِيهِ دَنَانِيرُ فَأُخِذَ [3] ، فَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نَزَلَ فِي حُرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ وَكَانَ يَعْبُدُ صَنَمًا إِلَى أَنْ مَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (116) أَيْ: ذَهَبَ عَنِ الطريق وحرم الخير كله. ع «716» وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَيْخٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي شَيْخٌ منهمك فِي الذُّنُوبِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وَآمَنْتُ بِهِ، وَلَمْ أَتَّخِذْ مِنْ دُونِهِ وَلِيًّا وَلَمْ أُوَاقِعِ الْمَعَاصِي جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ، وَمَا تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا وَإِنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ مُسْتَغْفِرٌ فَمَا [4] حَالِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هذه الآية. [سورة النساء (4) : الآيات 117 الى 119] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً، نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: مَا يَعْبُدُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غَافِرٍ: 60] أَيْ: اعْبُدُونِي، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي [غَافِرٍ: 60] ، قَوْلُهُ: مِنْ دُونِهِ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِلَّا إِناثاً أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ الْإِنَاثِ، فَيَقُولُونَ: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِصَنَمِ كُلِّ قَبِيلَةٍ: أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةَ ويكلمهم، فلذلك قال: وَإِنْ يَدْعُونَ

_ 716- ع واه بمرة. عزاه الشوكاني في «فتح القدير» (1/ 595) للثعلبي، وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 566) : هو منقطع اهـ. قلت: والثعلبي يروي الموضوعات. والضحاك لم يلق ابن عباس، وعامة روآيات الضحاك إنما هي من طريق جويبر بن سعيد ذاك المتروك، ويجتنب أهل التفسير ذكره بسبب وضوح حاله، فالخبر واه بمرة. 1 انظر ما تقدم برقم: 700. 2 انظر ما تقدم برقم: 700. (3) في المطبوع «فأخذه» . (4) في المطبوع «فماذا» .

[سورة النساء (4) : الآيات 120 الى 123]

إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ [1] يَدُلُّ على صحة [هذا] [2] التأويل وأن الْمُرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُثُنًا» ، جَمْعِ الْوَثَنِ فَصَيَّرَ الْوَاوَ هَمْزَةً، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ إِلَّا إِناثاً أَيْ: مَوَاتًا لَا رُوحَ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ كَانَتْ مِنَ الْجَمَادَاتِ [3] سَمَّاهَا إِنَاثًا لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ الْمَوَاتِ، كَمَا يُخْبِرُ عَنِ الْإِنَاثِ، وَلِأَنَّ الْإِنَاثَ أَدْوَنُ الْجِنْسَيْنِ كَمَا أَنَّ الْمَوَاتَ أَرْذَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْمَلَائِكَةَ، [وَكَانَ بَعْضُهُمْ] [4] يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ إِنَاثٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزُّخْرُفِ: 19] وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً [أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا] [5] لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ فَقَدْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، وَالْمَرِيدُ: الْمَارِدُ، وَهُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَأَرَادَ: إِبْلِيسَ. لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ: أبعده مِنْ رَحْمَتِهِ، وَقالَ، يَعْنِي: قَالَ إِبْلِيسُ، لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً، أَيْ: حَظًّا [6] مَعْلُومًا، فَمَا أُطِيعَ فِيهِ إِبْلِيسُ فَهُوَ مَفْرُوضُهُ، وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: مِنْ كُلِّ أَلْفِ وَاحِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِإِبْلِيسَ، وَأَصْلُ الْفَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْفُرْضَةُ فِي النَّهْرِ وَهِيَ الثُّلْمَةُ تَكُونُ فيه، وفرض القوس والشرك: لِلشَّقِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَتَرُ وَالْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشِّرَاكُ [7] . وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ، أَيْ: لِأُغْوِيَنَّهُمْ، يَقُولُهُ إِبْلِيس، وَأَرَادَ بِهِ التَّزْيِينَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِضْلَالِ شَيْءٌ كَمَا قَالَ: لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [الْحِجْرِ: 39] وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ، قِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ رُكُوبَ الْأَهْوَاءِ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ أَنْ لَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَلَا بَعْثَ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ إِدْرَاكَ الْآخِرَةِ مَعَ رُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ ومجاهد وقتادة وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الرُّومِ: 30] أَيْ: لِدِينِ اللَّهِ، يُرِيدُ وَضْعَ اللَّهِ فِي الدِّينِ بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بِالْخِصَاءِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الْآذَانِ حَتَّى حَرَّمَ بَعْضُهُمُ الْخِصَاءَ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهَائِمِ، لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا ظَاهِرًا، وَقِيلَ: تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ فَحَرَّمُوهَا، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ لِمَنْفَعَةِ الْعِبَادِ فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ: رَبًّا يُطِيعُهُ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً. [سورة النساء (4) : الآيات 120 الى 123] يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123)

_ (1) تصحف في المخطوط «المشركين» . (2) زيادة عن المخطوط. [.....] (3) في المخطوط «جمادات» بدون «من» . (4) في المخطوط «كانوا» والمثبت أقرب للواقع، إذ ليس كل العرب تقول بأنوثة الملائكة أو تعبدهم. (5) زيد في المطبوع وط. (6) في المطبوع «حقا» . (7) في المخطوط «السواك» .

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ فَوَعْدُهُ وَتَمْنِيَتُهُ مَا يُوقِعُ [1] فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ طُولِ الْعُمُرِ وَنَيْلِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ بِالْفَقْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [الْبَقَرَةِ: 268] وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنْ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً، أَيْ: بَاطِلًا. أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) ، أَيْ: مَفَرًّا وَمَعْدِلًا عَنْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْغُرَفِ وَالْمَسَاكِنِ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ، الْآيَةَ. قَالَ مَسْرُوقٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: أَرَادَ لَيْسَ أمانيكم أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ] [2] نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ، وَقَدْ آمَنَّا بِكِتَابِكُمْ وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِكِتَابِنَا فنحن أولى، وقال مجاهد: أراد بقوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ يَا مُشْرِكِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ، وَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [الْبَقَرَةِ: 80] ، لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [الْبَقَرَةِ: 111] ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْأَمَانِي وَإِنَّمَا الْأَمْرُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حق كل عامل. ع «717» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا غَيْرَكَ فَكَيْفَ الْجَزَاءُ؟ قَالَ: «مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ جُوزِيَ بِالسَّيِّئَةِ، نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ عَشْرٍ [3] وَبَقِيَتْ لَهُ تسع حسنات، فويل لمن غلب [4] آحاده أعشاره، وأمّا [ما كان جَزَاءً] [5] فِي الْآخِرَةِ فَيُقَابِلُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، فَيَلْقَى مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً وَيَنْظُرُ فِي الْفَضْلِ، فَيُعْطَى الْجَزَاءَ فِي الْجَنَّةِ فَيُؤْتِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ» . «718» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدُوسِيُّ [6] ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أحمد بن

_ 717- ع باطل. عزاه المصنف للكلبي عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عباس وهذا إسناد ساقط، الكلبي هو محمد بن السائب متروك كذاب وقد أقرّ أنه كان يكذب على ابن عباس. وأبو صالح، اسمه باذان قيل: لم يلق ابن عباس، وقد أقرّ أيضا أنه كان يكذب على ابن عباس. راجع ترجمتهما في «الميزان» ، وتقدم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جبير وجماعة أن الآية عامة، وهو الصواب إن شاء الله، والله تعالى أعلم. 718- إسناده ضعيف، فيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وكذا فيه مولى ابن سبّاع، وهو مجهول. - وهو في «شرح السنة» (1433) بهذا الإسناد. - وأخرجه الترمذي 3042 وأبو يعلى 21 من طريق روح بن عبادة بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال. وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل. ومولى ابن سباع مجهول، وقد روي من غير هذا الوجه، عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا. وفي الباب عن عائشة اهـ. (1) في المطبوع «ما يوقعه» . (2) سقط من المخطوط. (3) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «عشرة» . (4) في المطبوع وط «غلبت» . (5) العبارة في المطبوع «من يكون جزاؤه» . (6) في الأصل «العدوسي» والتصويب عن «ط» وعن «شرح السنة» .

[سورة النساء (4) : آية 124]

سلمان [1] الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ ثَنَا يَحْيَى بْنُ جعفر بن الزّبرقان والحارث بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: ثَنَا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ أَخْبَرَنِي مَوْلَى بْنِ سبّاع قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَّا أُقْرِئَكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟» قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَأَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أني وجدت انقصاما فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّيْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِّ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟ إِنَّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَصْحَابُكَ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا يَوْمَ القيامة» . [سورة النساء (4) : آية 124] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) ، أَيْ: مِقْدَارُ النَّقِيرِ، وَهُوَ النَّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ يَدْخُلُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ وَحَم الْمُؤْمِنِ، زَادَ أَبُو عمر يَدْخُلُونَها [فاطر: 33] فِي سُورَةِ فَاطِرٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ، رَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ الْآيَةَ، وَنَزَلَتْ أيضا: [سورة النساء (4) : آية 125] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً، أَحْكَمُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، أَيْ: أَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ أَيْ: مُوَحِّدٌ، وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ، يَعْنِي: دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَنِيفاً أَيْ: مُسْلِمًا مُخْلِصًا، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَمِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ الصَّلَاةُ إِلَى الْكَعْبَةِ وَالطَّوَافُ بِهَا وَمَنَاسِكُ الْحَجِّ، وإنّما خصّ بها إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَ الْأُمَمِ أَجْمَعَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ بُعِثَ على ملّة إبراهيم وزيدت لَهُ أَشْيَاءُ. وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، صَفِيًّا، وَالْخِلَّةُ: صَفَاءُ [2] الْمَوَدَّةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَا الضِّيفَانِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ يُضِيفُ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ فَحُشِرُوا إِلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُونَ الطَّعَامَ وَكَانَتِ الميرة كُلَّ سَنَةٍ مِنْ صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ، فَبَعْثَ غِلْمَانَهُ بِالْإِبِلِ إِلَى الخليل الذي بِمِصْرَ، فَقَالَ خَلِيلُهُ لِغِلْمَانِهِ: لَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ احْتَمَلْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا مَا دَخَلَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَرَجَعَ رُسُلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمَرُّوا ببطحاء سهلة فقالوا فيما بينهم: لو أنا حَمْلنَا مِنْ هَذِهِ الْبَطْحَاءِ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّا قَدْ جِئْنَا بِمِيرَةٍ، فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَمُرَّ بِهِمْ وإبلنا فارغة،

_ (1) في الأصل «سليمان» والتصويب عن «شرح السنة» و «سير أعلام النبلاء» (15/ 502- 506) . [.....] (2) في المخطوط وحده «صفاوة» .

[سورة النساء (4) : الآيات 126 الى 127]

فملؤوا تِلْكَ الْغَرَائِرَ سَهْلَةً، ثُمَّ أَتَوْا إبراهيم [عليه السلام] [1] فَأَعْلَمُوهُ وَسَارَةُ نَائِمَةٌ، فَاهْتَمَّ إِبْرَاهِيمُ لِمَكَانِ النَّاسِ بِبَابِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَتْ سَارَةُ وَقَدِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا جَاءَ الْغِلْمَانُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَتْ: فما جاؤوا بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: بَلَى، فَقَامَتْ إِلَى الغرائر ففتحتها فإذا هي ملأى بأجود دَقِيقٍ حُوَارِي يَكُونُ، فَأَمَرَتِ الْخَبَّازِينَ فَخَبَزُوا وَأَطْعَمُوا النَّاسَ فَاسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ [عليه السلام] فَوَجَدَ رِيحَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: يَا سَارَةُ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ عِنْدِ خَلِيلِيَ اللَّهِ، قال: فيومئذ اتخذ الله إبراهيم خَلِيلًا [2] . قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْخَلِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِي مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ، وَالْخُلَّةُ: الصَّدَاقَةُ، فَسُمِّيَ خَلِيلًا لِأَنَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ وَاصْطَفَاهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْخَلَّةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ خَلِيلًا، أَيْ: فَقِيرًا إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فَقْرَهُ وَفَاقَتَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا يَقْتَضِي الْخُلَّةَ من الجانبين، ولا تتصور الْحَاجَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. «719» ثَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ [مُحَمَّدُ] [3] بْنُ أَحْمَدَ التَّمِيمِيُّ [4] ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، ثَنَا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ [5] الْأَطْرَابُلُسِيُّ، ثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ [6] [أَبَا بَكْرٍ] [7] أَخِي وَصَاحِبِي، وَلَقَدِ اتّخذ الله صاحبكم خليلا» . [سورة النساء (4) : الآيات 126 الى 127] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127)

_ 719- حديث صحيح، أبو قلابة اسمه عبد الملك بن محمد، صدوق تغير بأخرة، لكن توبع، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، شعبة هو ابن الحجاج، أبو إسحاق هو السبيعي اسمه عمرو بن عبد الله، أبو الأحوص هو عوف بن مالك. - وهو في «شرح السنة» (3759) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2383 ح 4 وأحمد 1/ 434 وأبو يعلى 5308 من طرق عن شعبة بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2383 ح 5 والترمذي 3655 وعبد الرزاق 20398 وأحمد 1/ 408 و412 و437 و455 من طرق عن أبي إسحاق السبيعي به. - وأخرجه مسلم 2383 والحميدي 113 وأحمد 1/ 377 و489 و409 و433 والنسائي في «الكبرى» (8105) وابن ماجه 93 وأبو يعلى 5180 وابن حبان 6855 وابن سعد في «الطبقات» (3/ 176) والبغوي 3760 من طرق من حديث ابن مسعود. (1) زيادة عن المخطوط. (2) هذا الخبر عزاه المصنف للكلبي عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عباس، وهذا إسناد ساقط الكلبي متروك، وأبو صالح غير ثقة في ابن عباس، والكلبي وأبو صالح أقرّا أنهما كانا يكذبان عن ابن عباس. راجع ترجمتهما في «الميزان» . (3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) في المطبوع «التيمي» . (5) في الأصل «حيضرة» والتصويب عن «شرح السنة» وعن «ط» . (6) في المطبوع «ولكنه» . (7) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» .

[سورة النساء (4) : آية 128]

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً أَيْ: أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، الْآيَةَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بنات أم كجّة وميراثهن، عن أبيهن وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ فِي أَوَّلِ السورة [1] . ع «720» وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ بِأَقَلَّ مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرَكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِدَمَامَتِهَا وَيَكْرَهَ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا حَتَّى تموت فيرثها، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ [عَزَّ وَجَلَّ] عَنْ ذَلِكَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَسْتَفْتُونَكَ أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي النِّسَاءِ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُفْتِيكُمْ فِي مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، وقيل: يريد الله أن يفتيكم فيهن وَكِتَابُهُ [يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ] [2] ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء: 2] ، قَوْلُهُ: فِي يَتامَى النِّساءِ، هَذَا إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَتَامَى النِّسَاءَ، اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ، أَيْ: لَا تُعْطُونَهُنَّ، مَا كُتِبَ لَهُنَّ، مِنْ صَدَاقِهِنَّ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أَيْ فِي نِكَاحِهِنَّ لِمَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِهِنَّ، وقال الحسن وجماعة: أراد لا تُؤْتُونَهُنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُمْ كانوا لا يورثون النساء، ويرغبون أن ينكحوهن أَيْ: عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ يُرِيدُ: وَيُفْتِيكُمْ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَهُمُ الصِّغَارُ، أن يعطوهم حُقُوقَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ، يُرِيدُ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي بَابِ الْيَتَامَى مِنْ قَوْلِهِ وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ [النساء: 2] يَعْنِي بِإِعْطَاءِ حُقُوقِ الصِّغَارِ، وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ، [أَيْ: وَيُفْتِيكُمْ فِي أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ] [3] بِالْعَدْلِ فِي مُهُورِهِنَّ وَمَوَارِيثِهِنَّ، وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً، يُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ. [سورة النساء (4) : آية 128] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً الْآيَةَ، نزلت في عمرة ويقال: خَوْلَةَ [4] بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمَةَ، وَفِي زَوْجِهَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَيُقَالُ: رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ شَابَّةٌ فَلَمَّا عَلَاهَا الْكِبَرُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا امْرَأَةً شَابَّةً، وَآثَرَهَا عَلَيْهَا وَجَفَا ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مسلمة، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ [5] ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرَتْ وَلَهُ مِنْهَا أولاد فأراد أن

_ 720- ع صحيح. أخرجه البخاري 4600 ومسلم 3018 وأبو داود 2068 والنسائي في «التفسير» (144) والبيهقي 7/ 141. (1) انظر ما تقدم برقم: 520. (2) زيد في المطبوع وط. (3) زيد في المطبوع وط. (4) في المخطوط وحده «خويلة» . [.....] (5) لم أقف عليه بهذا السياق، وورد بمعناه من حديث رافع بن خديج أخرجه مالك 2/ 548- 549 والحاكم 2/ 308.

يُطَلِّقَهَا وَيَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَدَعْنِي أَقُومُ عَلَى أَوْلَادِي وَاقْسِمْ لِي مِنْ كُلِّ شَهْرَيْنِ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَقْسِمْ لِي فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصْلُحُ ذَلِكَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ أَيْ عَلِمَتْ مِنْ بَعْلِها، أَيْ: مِنْ زَوْجِهَا نُشُوزاً أَيْ: بُغْضًا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي تَرْكَ مُضَاجَعَتِهَا، أَوْ إِعْرَاضًا بِوَجْهِهِ عَنْهَا وَقِلَّةِ مُجَالَسَتِهَا، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، أَيْ: عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، أَنْ يُصْلِحا أَيْ: يَتَصَالَحَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنْ يُصْلِحا من الإصلاح [1] ، بَيْنَهُما صُلْحاً يعني: في القسم وَالنَّفَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ دَخَلْتِ فِي السِّنِّ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً شَابَّةً جَمِيلَةً أَوِثْرُهَا عَلَيْكِ فِي الْقِسْمَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِنْ رَضِيتِ بِهَذَا فَأَقِيمِي وَإِنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإِنْ رَضِيَتْ كَانَتْ هِيَ الْمُحْسِنَةَ وَلَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِ حقها كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا وَوَفَّاهَا حَقَّهَا مَعَ كَرَاهِيَةٍ فَهُوَ مُحْسِنٌ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَإِنْ صَالَحَتْهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا رَضِيَتْ، فَإِنْ أَنْكَرَتْهُ بَعْدَ الصُّلْحِ فَذَلِكَ لَهَا وَلَهَا حَقُّهَا، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ فَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فيقول للكبيرة: أعطيك [2] مِنْ مَالِي نَصِيبًا عَلَى أَنْ أَقْسِمَ لِهَذِهِ الشَّابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْسِمُ لَكِ فَتَرْضَى بِمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَرْضَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنُهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَةٍ أَوْ كِبَرٍ فَتَكْرَهُ فُرْقَتَهُ، فَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ مَالِهَا فَهُوَ لَهُ حِلٌّ [وَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَهُوَ حل له] [3] ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يَعْنِي: إِقَامَتَهَا بَعْدَ تَخْيِيرِهِ إِيَّاهَا وَالْمُصَالَحَةُ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، خير من الفرقة: ع «721» كَمَا يُرْوَى أَنَّ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتِ امْرَأَةً كَبِيرَةً وَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَارِقَهَا فَقَالَتْ: لَا تطلقني وكفاني [4] أَنْ أُبْعَثَ فِي نِسَائِكَ وَقَدْ جَعَلْتُ نَوْبَتِي لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَقْسِمُ لعائشة يومين يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ، يُرِيدُ: شُحَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِنَصِيبِهِ مِنَ

_ وورد بنحوه أيضا عن ابن المسيب مرسلا عن الشافعي 1/ 205 والواحدي 370 والبيهقي 7/ 296. 721- ع ساقه المصنف بالمعنى، وأصله صحيح. أخرجه مسلم 1463 ح 47 والنسائي في «الكبرى» (8934) وابن حبان 4211 والبيهقي 7/ 74 من حديث عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلي أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة، من امرأة فيها حدة قالت: فلما كبرت جعلت يومها مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم لعائشة. قالت: يا رسول الله: قد جعلت يومي منك لعائشة. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم يقسم لعائشة يومين، يومها ويوم سودة» . - وأخرجه البخاري 5212 ومسلم 1463 وابن ماجه 1972 من حديث عائشة مختصرا. وأخرجه أبو داود 2135 والبيهقي 7/ 74- 75 من حديث عائشة مطوّلا. - وفي الباب من حديث ابن عباس عند الترمذي 3040 والطيالسي 2683 والطبري 10613 وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب اهـ. (1) في المخطوط «أصلح» . (2) في المطبوع «أعطيتك» . (3) زيد في المطبوع وط. (4) كذا في المطبوع، وفي المخطوط «وإنما لي» وفي- ط «وإنما بي» .

[سورة النساء (4) : الآيات 129 الى 130]

الْآخَرِ، وَالشُّحُّ: أَقْبَحُ الْبُخْلِ، وَحَقِيقَتُهُ: الْحِرْصُ عَلَى مَنْعِ الْخَيْرِ، وَإِنْ تُحْسِنُوا، أَيْ: تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا، الْجَوْرَ، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْأَزْوَاجِ، أَيْ: وَإِنْ تُحْسِنُوا بِالْإِقَامَةِ مَعَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ [1] وَتَتَّقُوا ظُلْمَهَا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً، فيجزيكم بأعمالكم. [سورة النساء (4) : الآيات 129 الى 130] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ، أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تُسَوُّوا بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْحُبِّ وَمَيْلِ الْقَلْبِ، وَلَوْ حَرَصْتُمْ عَلَى الْعَدْلِ، فَلا تَمِيلُوا، أَيْ: إِلَى الَّتِي تُحِبُّونَهَا، كُلَّ الْمَيْلِ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، أَيْ: لَا تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ، فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ، أي فتدعوا الأخرى كالمعلّقة لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْمَحْبُوسَةِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «كَأَنَّهَا مَسْجُونَةٌ» . ع «722» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عنها متّصلا. ع «723» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» . وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا، الْجَوْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً. وَإِنْ يَتَفَرَّقا، يَعْنِي: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ، يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ، مِنْ رِزْقِهِ، يَعْنِي: الْمَرْأَةَ بِزَوْجٍ آخَرَ وَالزَّوْجَ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى، وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً، وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ حَكِيمًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ، وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يجب عليه التسوية

_ 722- ع أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 386 عن إسماعيل بن علية، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مرسلا. - وأخرجه أبو داود 2134 والترمذي 1140 والنسائي 7/ 64 وابن ماجه 1971 والدارمي 2/ 144 والحاكم 2/ 187 وابن أبي شيبة 4/ 386- 387 وأحمد 6/ 144 وابن حبان 4205 وابن أبي حاتم في «العلل» (1/ 425) والبيهقي 7/ 298 من طرق عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عائشة مرفوعا. قال النسائي: أرسله حماد بن زيد. وقال الترمذي: ورواه حماد بن زيد وغير واحد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ مرسلا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم كان يقسم ... ، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة اهـ. - ويشهد لصدره حديث عَائِشَةُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم....» أخرجه أبو داود 2135 والحاكم 2/ 186 والبيهقي 7/ 74 وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. 723- ع صحيح. أخرجه أبو داود 2133 والترمذي 1141 والنسائي 7/ 63 وابن ماجه 1969 وابن أبي شيبة 4/ 388 وأحمد 2/ 347 و471 والطيالسي 2454 والدارمي 2/ 143 وابن الجارود 722 والحاكم 2/ 186 والبيهقي 7/ 297 من طرق، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة مرفوعا. وصححه ابن حبان 4207 وكذا الحاكم، ووافقه الذهبي. (1) في المخطوط وحده «الكراهية» .

بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي فِعْلِ الْقَسْمِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ للمظلومة والتسوية شرط في البينونة، أَمَّا فِي الْجِمَاعِ فَلَا، لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى النَّشَاطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ فَإِنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَ الحرّة ليليتين وَعِنْدَ الْأَمَةِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا تَزَوُّجَ جَدِيدَةً عَلَى قَدِيمَاتٍ عِنْدَهُ يَخُصُّ الْجَدِيدَةَ بِأَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا سبع ليال على التوال إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ يُسَوِّي بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ هَذِهِ اللَّيَالِي [1] لِلْقَدِيمَاتِ. «724» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ سَفَرَ حَاجَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ بَعْضَ نِسَائِهِ مَعَ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ سِفْرِهِ، وَإِنْ طَالَتْ إِذَا لَمْ يَزِدْ مَقَامُهُ فِي بَلَدِهِ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا: «725» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، ثَنَا أَبُو العباس الأصم، ثنا

_ 724- إسناده صحيح على شرط البخاري، يوسف بن راشد هو يوسف بن موسى، نسب إلى جده، أبو أسامة هو حماد بن أسامة، سفيان هو ابن سعيد، أيوب هو ابن أبي تميمة السختياني، خالد هو ابن مهران الحذّاء، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد. - وهو في «شرح السنة» (2319) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (5214) عن يوسف بن راشد بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1461 ح 45 وعبد الرزاق 10643 والبيهقي 7/ 301 و302 من طرق عن سفيان بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5213 ومسلم 1461 ح 44 وأبو داود 2124 والترمذي 1139 من طرق عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قلابة به. - وورد من وجه آخر عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أقام عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب عن البكر، أقام عندها ثلاثا» . أخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (17/ 248) والبيهقي 7/ 302. - وورد مختصرا بلفظ «للبكر سبعة أيام، وللثيب ثلاثة أيام، ثم يعود إلى نسائه» . أخرجه ابن ماجه 1916 والدارمي 2/ 144 وابن حبان 4208 والدارقطني 3/ 283 وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 288) و3/ 13 من طرق عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أيوب، عن أبي قلابة به. 725- حديث صحيح، عم الشافعي وثقه الشافعي فقط، وفيه جهالة عند أهل الحديث، لكن توبع هو ومن دونه، ومن فوقه ثقات رجال البخاري، ومسلم، ابن شهاب هو الزهري محمد بن مسلم. - وهو في «شرح السنة» (2318) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق الشافعي، وهو في «مسنده» (2/ 25) عن محمد بن علي بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 25930 من طريق آخر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به، وأتم. وأخرجه البخاري 2661 و4141 و4750 ومسلم 2770 وعبد الرزاق 9748 وأحمد 6/ 194 و197 والنسائي في «عشرة النساء» (45) وأبو يعلى 4927 و4933 و4935 وابن حبان 4212 والطبراني 23/ (134) و (135) و (139) - (1) في المخطوط «الثلاث» .

[سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 133]

الرَّبِيعُ، ثَنَا الشَّافِعِيُّ، ثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، أَمَّا إِذَا أَرَادَ سَفَرَ نُقْلَةٍ فَلَيْسَ لَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ لَا بِالْقُرْعَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا. [سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 133] وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ عَبِيدًا وَمُلْكًا وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، يَعْنِي: أَهَّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ في كتبهم، وَإِيَّاكُمْ يا أَهْلَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابِكُمْ [1] ، أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أَيْ: وَحِّدُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَإِنْ تَكْفُرُوا، بِمَا أَوْصَاكُمُ به الله فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ، قِيلَ: فَإِنَّ لله ملائكة في السموات والأرض هم [2] أَطْوَعُ لَهُ مِنْكُمْ، وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا، عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى طَاعَتِهِمْ، حَمِيداً مَحْمُودًا عَلَى نِعَمِهِ. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا، قَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَهِيدًا أَنَّ فِيهَا عَبِيدًا، وَقِيلَ: دَافِعًا وَمُجِيرًا. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَكْرَارِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ؟ قِيلَ: لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ، أمّا الأول: معناه لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ يُوصِيكُمْ بِالتَّقْوَى فاقبلوا وصيته، وأمّا الثاني يقول: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا أَيْ: هُوَ الْغَنِيُّ وَلَهُ الْمُلْكُ فَاطْلُبُوا مِنْهُ مَا تَطْلُبُونَ، وأمّا الثالث يقول: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) أَيْ: لَهُ الْمُلْكُ فَاتَّخِذُوهُ وَكِيلًا ولا تتوكلوا على غيره. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ، يُهْلِكْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، يَعْنِي: الْكُفَّارَ، وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، يَقُولُ بِغَيْرِكُمْ خَيْرٍ [3] مِنْكُمْ وَأَطْوَعَ، وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً قادرا. [سورة النساء (4) : الآيات 134 الى 136] مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يُرِيدُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ عرضا من

_ (148) والبيهقي 7/ 302 من طرق عن الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَاصٍّ، وَعُبِيْدُ اللَّهِ بن عبد الله، عن حديث عائشة به. فذكر حديثا طويلا، وتقدم. [.....] (1) في المطبوع «القرآن» . (2) في المطبوع «هي» . (3) في المخطوط «خيرا» .

الدُّنْيَا [وَلَا يُرِيدُ بِهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا] [1] أَوْ دَفَعَ عَنْهُ فِيهَا مَا أَرَادَ اللَّهُ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَحَبَّ وَجَزَاهُ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ، يَعْنِي: كُونُوا قَائِمِينَ بِالشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ، أَيْ: بِالْعَدْلِ لِلَّهِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كونوا قوالين [2] بِالْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ كانت له، وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فِي الرَّحِمِ، أَيْ: قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالْإِقْرَارِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَأَقِيمُوهَا عَلَيْهِمْ لِلَّهِ، وَلَا تُحَابُوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ وَلَا تَرْحَمُوا فَقِيرًا لِفَقْرِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما، مِنْكُمْ، [أَيْ أَقِيمُوا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكُمْ] [3] ، أَيْ كِلُوا أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا، أَيْ: ولا تَجُورُوا وَتَمِيلُوا إِلَى الْبَاطِلِ مِنَ الْحَقِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا، أَيْ: لِتَكُونُوا عَادِلِينَ كَمَا يُقَالُ: لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى لِتُرْضِيَ رَبَّكَ. وَإِنْ تَلْوُوا أَيْ: تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ لِتُبْطِلُوا الْحَقَّ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فَتَكْتُمُوهَا وَلَا تُقِيمُوهَا، وَيُقَالُ: تَلْوُوا أَيْ تُدَافِعُوا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، يُقَالُ: لَوَيْتَهُ حَقَّهُ إِذَا دَفَعْتَهُ وَمَطَلْتَهُ [4] ، وَقِيلَ: هَذَا الخطاب مَعَ الْحُكَّامِ فِي لَيِّهِمُ الْأَشْدَاقَ، يَقُولُ: وَإِنْ تَلْوُوا أَيْ تَمِيلُوا إِلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهُ قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ تَلُوا بِضَمِّ اللَّامِ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَلْوُوا، فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنْ تَلُوا الْقِيَامَ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا فَتَتْرُكُوا أَدَاءَهَا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ: ع «726» قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سلام وأسد وأسيد بني كَعْبٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ قَيْسٍ وَسَلَامِ ابن أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وسلمة ابن أَخِيهِ وَيَامِينَ بْنِ يَامِينَ فَهَؤُلَاءِ مؤمنو أَهْلِ الْكِتَابِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّا نُؤْمِنُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَعُزَيْرٍ وَنَكْفُرُ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلّم، والقرآن وبكل كتاب كان قَبْلَهُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَبِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ، مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «نُزِّلَ وَأُنْزِلَ» بِضَمِّ النُّونِ وَالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ «نَزَلَ وَأَنْزَلَ» بِالْفَتْحِ أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورسوله والقرآن وبكل

_ 726- ع باطل. علّقه المصنف عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عن ابن عباس، وإسناده إلى الكلبي أول الكتاب، وهذا إسناد ساقط الكلبي متروك كذاب. وذكره الواحدي في «أسباب النزول» (372) عن الكلبي بدون إسناد، وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 576) : ذكره الثعلبي من رواية الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابن عباس وذكره الواحدي في «الأسباب» عن الكلبي بدون إسناد اهـ. (1) زيد في المطبوع وط. (2) في المطبوع «قوامين» . (3) زيد في المطبوع وط. (4) في المطبوع «وأبطلته» .

[سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 138]

رَسُولٍ وَكِتَابٍ كَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِهِ [1] اليهود والنصارى، وقيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى وَعِيسَى آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهِ [2] الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللِّسَانِ آمَنُوا بِالْقَلْبِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَجَمَاعَةٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أَيْ أَقِيمُوا وَاثْبُتُوا عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، أَيِ اثْبُتْ قَائِمًا [و] [3] قيل: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلَ الشِّرْكِ، يَعْنِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّاتِ والعزى آمَنُوا بالله ورسوله. [سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 138] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى ثُمَّ كَفَرُوا مِنْ بَعْدُ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَآمَنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَكُفْرُهُمْ بِهِ تَرْكُهُمْ إِيَّاهُ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هَذَا فِي قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا [ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا] [4] ، وَمِثْلُ هَذَا هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَلْ يُقْتَلُ [5] ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ مَاتُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، مَا أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَدَامَ عَلَيْهِ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ، فَإِنَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ الَّذِي كَانَ يُغْفَرُ لَهُ لَوْ دَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ. بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ، أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ، بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً، وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ سَارًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَارٍّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ اجْعَلْ فِي مَوْضِعِ بِشَارَتِكَ لَهُمُ الْعَذَابَ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ وَعِتَابُكَ السَّيْفُ، أَيْ: بَدَلًا لَكَ مِنَ التَّحِيَّةِ، ثُمَّ وصف المنافقين فقال: [سورة النساء (4) : الآيات 139 الى 141] الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ، يَعْنِي: يَتَّخِذُونَ الْيَهُودَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا أَوْ بطانة

_ 1 في المطبوع «بهم» . 2 في المطبوع «بهم» . (3) زيادة عن المخطوط. (4) زيد في المطبوع وط. (5) تصحف في المخطوط «يقبل» .

[سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 144]

مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ، أَيْ: الْمَعُونَةَ وَالظُّهُورَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: وَقِيلَ: أَيُطْلُبُونَ عِنْدَهُمُ الْقُوَّةَ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ أَيْ: الْغَلَبَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْقُدْرَةَ، لِلَّهِ جَمِيعاً. وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ، قَرَأَ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ نَزَّلَ بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ، أَيْ: نَزَّلَ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (نُزِّلَ) بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ: عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ [1] ، أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ، يَعْنِي: مع الذين يَسْتَهْزِئُونَ، حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَيْ: يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الِاسْتِهْزَاءِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [الأنعام: 68] ، قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ مُحْدِثٍ فِي الدِّينِ وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ، أَيْ: إِنْ قَعَدْتُمْ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَخُوضُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَرَضِيتُمْ بِهِ فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ مِثْلُهُمْ، وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ مَعَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ مَعَهُمْ وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 68] ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَآيَةُ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى. قوله: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ، يَنْتَظِرُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ، يَعْنِي: ظَفَرٌ وَغَنِيمَةٌ، قالُوا، لَكُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ، عَلَى دِينِكُمْ فِي الْجِهَادِ كُنَّا مَعَكُمْ فَاجْعَلُوا لَنَا نَصِيبًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ، يعني دولة وظهورا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قالُوا، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ لِلْكَافِرِينَ، أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ، وَالِاسْتِحْوَاذ: هُوَ الِاسْتِيلَاءُ وَالْغَلَبَةُ، قَالَ تَعَالَى: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ [الْمُجَادَلَةِ: 19] أَيْ: اسْتَوْلَى وَغَلَبَ، يَقُولُ: أَلَمْ نُخْبِرْكُمْ بِعَوْرَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَنُطْلِعْكُمْ عَلَى سِرِّهِمْ؟ قَالَ الْمُبَرِّدُ: يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَفَّارِ أَلَمْ نَغْلِبْكُمْ عَلَى رَأْيِكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ، وَنَصْرِفْكُمْ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ نَسْتَوْلِ عَلَيْكُمْ بِالنُّصْرَةِ لَكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: نَدْفَعُ عَنْكُمْ صَوْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِهِمْ عَنْكُمْ وَمُرَاسَلَتِنَا إِيَّاكُمْ بِأَخْبَارِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَمُرَادُ الْمُنَافِقِينَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِظْهَارُ الْمِنَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، يَعْنِي: بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، قَالَ عَلِيٌّ [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] [2] : فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّ حُجَّةً، وَقِيلَ: ظُهُورًا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم. [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 144] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لَا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ ، أَيْ يُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمُخَادِعِينَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، أَيْ: مُجَازِيهِمْ عَلَى خِدَاعِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا لِلْمُؤْمِنِينَ فَيَمْضِي الْمُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ، وَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ قامُوا كُسالى أَيْ: مُتَثَاقِلِينَ لَا يُرِيدُونَ بِهَا اللَّهَ فَإِنْ رَآهُمْ أَحَدٌ صَلَّوْا وَإِلَّا انْصَرَفُوا فلا يصلون، يُراؤُنَ النَّاسَ أي: يفعلون ذلك

_ (1) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «المؤمنين» . [.....] (2) زيادة عن المخطوط.

[سورة النساء (4) : الآيات 145 الى 148]

مراءة لِلنَّاسِ لَا اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ [عز وجل] [1] ، وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْقَلِيلِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ كَثِيرًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا قَلَّ ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْهُ وَكُلُّ مَا قَبِلَ اللَّهُ فَهُوَ كَثِيرٌ. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ، أَيْ: مُتَرَدِّدِينَ مُتَحَيِّرِينَ [بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، لَا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ، أَيْ: لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [2] فَيَجِبُ لَهُمْ مَا يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسُوا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا، أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى. «727» أَخْبَرَنَا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجرائي قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى، أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ يَعْنِي الثقفي، أنا عبد الله [عَنْ نَافِعٍ عَنِ] [3] ابْنِ عُمَرَ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ [4] بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مرّة» . قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ، وَقَالَ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أَيْ حُجَّةً بَيِّنَةً فِي عَذَابِكُمْ [5] ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَازِلَ المنافقين، فقال جلّ ذكره: [سورة النساء (4) : الآيات 145 الى 148] إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي الدَّرْكِ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ كَالظَّعْنِ وَالظَّعَنِ وَالنَّهْرِ والنهر، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُقْفَلَةٍ فِي النَّارِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْتٌ مقفل عليهم، توقد [6] فِيهِ النَّارُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً مانعا من العذاب.

_ 727- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عبد الوهاب هو ابن عبد المجيد، عبيد الله هو ابن عبد الله بن عمر. - خرّجه المصنف من طريق مسلم، وهو في «صحيحه» (2784) عن محمد بن المثنى بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 2/ 102 و143 عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2784 والنسائي 8/ 124 والرامهرمزي في «الأمثال» ص (86) من طرق، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نافع به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة في المطبوع وط. (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «صحيح مسلم» و «مسند أحمد» . (4) العائرة: المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع. (5) في المخطوط «أعدائكم» . (6) في المطبوع وط «تتوقد» .

إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ النِّفَاقِ وَآمَنُوا وَأَصْلَحُوا، عَمَلَهُمْ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ، وَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، أَرَادَ الْإِخْلَاصَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ النِّفَاقَ كُفْرُ الْقَلْبِ، فَزَوَالُهُ يَكُونُ بِإِخْلَاصِ الْقَلْبِ، فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْفَرَّاءُ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، فِي الْآخِرَةِ أَجْراً عَظِيماً يَعْنِي: الْجَنَّةَ، وَحُذِفَتِ الْيَاءُ ومن يُؤْتِ فِي الْخَطِّ لِسُقُوطِهَا فِي اللَّفْظِ، وَسُقُوطُهَا فِي اللَّفْظِ لِسُكُونِ اللَّامِ فِي اللَّهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ أَيْ: إِنْ شَكَرْتُمْ نَعْمَاءَهُ وَآمَنْتُمْ بِهِ، فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إِنْ آمَنْتُمْ وَشَكَرْتُمْ، لِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ مَعْنَاهُ إِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ الشَّاكِرَ، فَإِنَّ تَعْذِيبَهُ عِبَادَهُ لَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ، وَتَرَكَهُ عُقُوبَتَهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ لَا يُنْقِصُ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَالشُّكْرُ: ضِدَّ الْكُفْرِ وَالْكُفْرِ سَتْرُ النِّعْمَةِ، وَالشُّكْرُ: إِظْهَارُهَا، وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً، فَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الرِّضَى بِالْقَلِيلِ مِنْ عِبَادِهِ وَإِضْعَافُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَالشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ: الطَّاعَةُ، وَمِنَ اللَّهِ: الثواب. قَوْلُهُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ يَعْنِي: لَا يُحِبُّ اللَّهَ الْجَهْرَ بِالْقُبْحِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ [ظُلْمِ] [1] الظَّالِمِ وَأَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) [الشُّورَى: 41] ، قَالَ الْحَسَنُ: دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنْ شئتم جَازَ أَنْ يَشْتُمَ بِمِثْلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. «728» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ [أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ] [2] أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْتَبَانُ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ [مَا لَمْ يَعْتَدِ] [3] الْمَظْلُومُ» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا فِي الضَّيْفِ إِذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ فَلَمْ يُقْرُوهُ وَلَمْ يُحْسِنُوا ضِيَافَتَهُ فَلَهُ أَنْ يَشْكُوَ وَيَذْكُرَ مَا صُنِعَ بِهِ. «729» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف ثنا محمد بن

_ 728- إسناده صحيح على شرط مسلم، العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة. - وهو في «شرح السنة» (3447) بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 2587 من طريق علي بن حجر بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (423) وابن حبان 5729 والبيهقي 10/ 235 من طريق إسماعيل بن جعفر به. - وأخرجه أبو داود 4894 والترمذي 1981 وأحمد 2/ 235 و488 و517 من طرق عن العلاء به. 729- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، أبو الخير هو مرثد بن عبد الله التزني. - وهو في «شرح السنة» (2987) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (6137) عن قتيبة بن سعيد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 2461 و7045 ومسلم 1727 وأبو داود 3752 وابن ماجه 3676 وأحمد 4/ 149 وابن حبان (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» . (3) العبارة في المطبوع وحده «منهما حتى يعتدي» .

[سورة النساء (4) : الآيات 149 الى 151]

إِسْمَاعِيلَ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يقرونا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ» . وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) بِفَتْحِ الظَّاءِ وَاللَّامِ، مَعْنَاهُ: لَكِنِ الظَّالِمَ اجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لَكِنْ يجهر [به] [1] مَنْ ظُلِمَ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَعْرُوفَةُ، وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً، لِدُعَاءِ المظلوم، عَلِيماً، بعقاب الظالم. [سورة النساء (4) : الآيات 149 الى 151] إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ تُبْدُوا خَيْراً، يَعْنِي: حَسَنَةً فَيَعْمَلُ بِهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا. وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كِتُبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ تُخْفُوهُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْخَيْرِ: الْمَالُ، يُرِيدُ: إِنْ تُبْدُوا صَدَقَةً تُعْطُونَهَا جَهْرًا أَوْ تُخْفُوهَا فَتُعْطُوهَا سِرًّا، أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ، أَيْ: عَنْ مَظْلَمةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً، فهو أَوْلَى بِالتَّجَاوُزِ عَنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ وَعُزَيْرٍ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا، أَيْ: دِينًا بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَمَذْهَبًا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا، حَقَّقَ كُفْرَهُمْ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ [2] بِبَعْضِهِمْ كَالْكُفْرِ [3] بِجَمِيعِهِمْ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً. [سورة النساء (4) : الآيات 152 الى 155] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155)

_ 5288 والبيهقي 10/ 270 من طرق عن الليث بن سعد بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 1589 من طريق ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عن عقبة بن عامر به، وفيه: «إن أبوا إلا أن تأخذوا كرها فخذوا» . [.....] (1) في المطبوع «هـ» هاء الضمر. وسقطا جميعا من- ط. (2) في المخطوط «الكافر» . (3) في المخطوط «كالكافر» .

[سورة النساء (4) : الآيات 156 الى 158]

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، كُلِّهِمْ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، يَعْنِي: بَيْنَ الرُّسُلِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، يَقُولُونَ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ، بِإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ يُؤْتِيهِمْ بِالْيَاءِ، [أَيْ: يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ] [1] ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَفَنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ مِنَ الْيَهُودِ قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنَا بِكِتَابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّمَاءِ كَمَا أَتَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَنْزَلَ الله عليه: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ، وَكَانَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْهُمْ سُؤَالَ تَحَكُّمٍ وَاقْتِرَاحٍ، لَا سُؤَالَ انْقِيَادٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُنْزِلُ الْآيَاتِ عَلَى اقْتِرَاحِ الْعِبَادِ. قَوْلُهُ: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ أَيْ: أَعْظَمَ من ذلك، يعني: السبعين الذين [2] خَرَجَ بِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْجَبَلِ، فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً أَيْ: عِيَانًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ قَالُوا جَهْرَةً أَرِنَا اللَّهُ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ، يَعْنِي إِلَهًا، مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، وَلَمْ نَسْتَأْصِلْهُمْ، قِيلَ: هَذَا اسْتِدْعَاءٌ إِلَى التَّوْبَةِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا تَابُوا فَعَفَوْنَا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أَنْتُمْ حَتَّى نَعْفُوَ عَنْكُمْ، وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً، أَيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ. وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْعَيْنِ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ وَيَجْزِمُهَا الْآخَرُونَ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْتَدُوا وَلَا تَظْلِمُوا بِاصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِيهِ، وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، وماصلة كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 159] ، وَنَحْوَهَا، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ، أَيْ: خَتَمَ عَلَيْهَا، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا، يَعْنِي: مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ، لِأَنَّ مَنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ قليلا ولا كثيرا. [سورة النساء (4) : الآيات 156 الى 158] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) ، حِينَ رَمَوْهَا بِالزِّنَا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الَّذِي دَلَّ الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَبَسُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلُوا عَلَيْهِ رَقِيبًا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فِي قَتْلِهِ، لَفِي شَكٍّ مِنْهُ،

_ (1) زيد في المطبوع وط. (2) في المطبوع «الذي» .

[سورة النساء (4) : الآيات 159 الى 160]

أَيْ: فِي قَتْلِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَا قَتَلَهُ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وجه سيطانوس [1] وَلَمْ يُلْقِهِ عَلَى جَسَدِهِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: [قَتَلْنَا عِيسَى، فَإِنَّ الْوَجْهَ وَجْهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ] [2] : لَمْ نَقْتُلْهُ لِأَنَّ جَسَدَهُ لَيْسَ جَسَدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاخْتَلَفُوا. قَالَ السُّدِّيُّ: اخْتِلَافُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟ وَإِنَّ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ، لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ فِي قَتْلِهِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، أَيْ: مَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وقيل قوله يَقِيناً يرجع إِلَى مَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ وَما قَتَلُوهُ كَلَامٌ تَامٌّ تَقْدِيرُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا، وَالْهَاءُ في وَما قَتَلُوهُ كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه وما قتلوا الذين ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما معناه: وما قتلوا ظنهم يقينا [بل رفعه الله يَقِينًا] [3] ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً مَنِيعًا بِالنِّقْمَةِ مِنَ الْيَهُودِ، حَكِيماً حَكَمَ بِاللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ينطيونس بْنَ اسْبَسَيَانُوسَ الرُّومِيَّ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مقتلة عظيمة. [سورة النساء (4) : الآيات 159 الى 160] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَيْ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْكِتَابِيِّ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ مَوْتِهِ، إِذَا وقع في اليأس حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ سَوَاءٌ احْتَرَقَ أَوْ غَرَقَ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ أَوْ أَكَلَهُ سَبْعٌ أَوْ مات فجأة، وهذه رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ [أَبِي] [4] طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرَأَيْتَ إِنْ من خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ قَالَ: فَقِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَ عُنُقُ أحدهم؟ قال: يتلجلج بها [5] لِسَانُهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي مَوْتِهِ كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعْنَاهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا آمَنَ بِهِ حَتَّى تَكُونَ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً، مِلَّةُ الإسلام. ع «730» وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُوشِكُ أن ينزل فيكم [عيسى] ابن مريم

_ 730- ع حسن. أخرجه أبو داود 4324 وابن حبان 6814 و6821 وأحمد 2/ 406 و437 والطبري 7145 و10835 من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ. «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الأنبياء كلهم إخوة لعلّات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبيّ، وإنه نازل إذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصّرين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، يضع (1) في المطبوع «صطياقوس» . (2) زيد في المطبوع وط. 3 سقط من المطبوع. 4 سقط من المطبوع. (5) في المطبوع «به» .

[سورة النساء (4) : الآيات 161 الى 162]

حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، وَيَهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ» ، وَقَالَ أَبُو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، قبل موت عيسى ابن مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَرَوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ كِنَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَمُوتُ كِتَابِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب إلّا ليؤمنن بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ، يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَيْهِمْ شَهِيداً أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ [الْمَائِدَةِ: 117] وَكُلُّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) [النساء: 41] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَبُهْتَانِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَتَلَنَا الْمَسِيحَ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، فَقَالَ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وَنَظْمُ الْآيَةِ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادَوْا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَبِصَدِّهِمْ، وَبِصَرْفِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، أَيْ: عَنْ دِينِ الله صدا كثيرا. [سورة النساء (4) : الآيات 161 الى 162] وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، فِي التَّوْرَاةِ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، مِنَ الرِّشَا فِي الْحُكْمِ، وَالْمَآكِلُ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ، عَاقَبْنَاهُمْ بِأَنْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ، فَكَانُوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا كَبِيرَةً حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الْأَنْعَامِ: 146] ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً. لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ، يَعْنِي: لَيْسَ كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ بهذه الصفة، لكِنِ الرَّاسِخُونَ

_ الجزية، ويهلك الله فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، وتقع الأسنة في الأرض، حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، لا تضرهم، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ صلوات الله عليه» ، صححه الحاكم 2/ 595 ووافقه الذهبي وإسناده حسن، فيه عبد الرحمن بن آدم صدوق روى له مسلم، وباقي الإسناد على شرطهما. وليس فيه «وقال أبو هريرة: اقرؤوا....» . - وورد مختصرا إلى قوله «ويفيض حتى لا يقبله أحد» عند البخاري 2222 و2476 و3448 ومسلم 155 والترمذي 2233 وعبد الرزاق 20840 وابن ماجه 4078 وأحمد 2/ 240 و537 وابن حبان 6816 و6818 وابن مندة في «الإيمان» (407) والطحاوي في «المشكل» (103 و104) وأبو القاسم في البغوي في «الجعديات» (2973) والبغوي في «شرح السنة» (4170) .

البالغون [1] في العلم منهم أولو البصائر، وَأَرَادَ بِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ، يَعْنِي: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يَعْنِي: سَائِرَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ انْتِصَابِهِ، فَحُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَبَانَ بْنِ عثمان: أنه غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب و «المقيمون الصَّلَاةَ» وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [الْمَائِدَةِ: 69] ، وَقَوْلُهُ إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [طه: 63] قَالُوا: ذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ [2] . وَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُغَيِّرُهُ؟ فَقَالَ: دَعَوْهُ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا [3] . وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَقِيلَ: نصب على إضمار فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أَعْنِي الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَهُمُ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ خَفْضٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَإِلَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ رُجُوعٌ إِلَى النَّسَقِ الْأَوَّلِ، وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً، قَرَأَ حَمْزَةُ سَيُؤْتِيهِمْ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بالنون.

_ (1) في المطبوع وحده «المبالغون» . (2) خبر عائشة منكر. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (160- 161) والطبري 10843 من طريق أبي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عن أبيه عنها، وهذا إسناد رجاله ثقات، لكن في رواية أبي معاوية، عن هشام اضطراب إلى عائشة، أبو معاوية هو محمد بن خازم، ويحمل هذا على اجتهاد من عائشة رضي الله عنها، والجمهور على خلافه، وهذا إن ثبت عنها ذلك، وهو شاذ بل منكر، وخبر أبان بن عثمان أخرجه الطبري 10842 وعلقه أبو عبيد ص 161- 162 عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان.... فذكره. وإن ثبت عن أبان فهو رأي، وهو مطّرح ليس بشيء. [.....] (3) لا يصح مثل هذا عن عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عنه. أخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (159- 160) ح 20/ 49 وابن أبي داود في «المصاحف» ص (42) كلاهما عن الزبير بن خرّيت، عن عكرمة، وهذا مرسل، فهو ضعيف، وأخرجه ابن أبي داود ص 41 عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، وهذا معضل مع جهالة القرشي هذا، وكرره من وجه آخر، عن قتادة، وهو مرسل ومع إرساله فيه من لم يسمّ، وكرره ص 41- 42 من وجه آخر عن قتادة، عن نصر بن عاصم الليثي، عن عبد الله بن خطيم، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنِ عثمان به، وهذا إسناد ضعيف لجهالة بن خطيم هذا، وهذه الروايات جميعا واهية لا تقوم بها حجة وهذا الخبر باطل لا أصل له عن عثمان، والذي صح في ذلك ما أخرجه البخاري 4984 عن الزهري، عن أنس، قال: فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أنزل بلسانهم ففعلوا» وهو بعض حديث اختصره البخاري في هذه الرواية، وكرره 4987 عن أنس، عن حذيفة بن اليمان فذكر حديثه، وفيه «وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا....» فهذا الذي صح عن عثمان رضي لله عنه، وهو يدفع ما تقدم ويبطله، فإن عثمان بن عفان قد اختار ثلاثة من قريش وهم أفصح العرب، وأمر زيدا أن يكتب بلغتهم- أي لغة قريش- كل ما اختلفوا فيه، فإذا عثمان لم يترك شيئا لمن بعده من العرب، وهل هناك أفصح من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آنذاك أم هل يخفى لحن على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويسكتون على ذلك، وقد كان أبي بن كعب يقوم فيهم رمضان وهم متوافرون؟!.

[سورة النساء (4) : آية 163]

[سورة النساء (4) : آية 163] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ من قوله [تعالى] [1] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ [النِّسَاءِ: 153] ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ غَضِبُوا وَجَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَنَزَلَ: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الْأَنْعَامِ: 91] وَأَنْزَلَ: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ فَذَكَرَ عِدَّةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ أَبَا الْبَشَرِ مِثْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (77) [الصَّافَّاتِ: 77] وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَأَوَّلُ نَذِيرٍ عَلَى الشِّرْكِ، وَأَوَّلُ مَنْ عُذِّبَتْ أُمَّتُهُ لِرَدِّهِمْ دَعْوَتَهُ، وَأُهْلِكَ أَهْلُ الْأَرْضِ بِدُعَائِهِ وَكَانَ أَطْوَلَ الْأَنْبِيَاءِ عُمُرًا وَجُعِلَتْ معجزاته فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَمَّرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ سِنٌّ وَلَمْ تَشِبْ لَهُ شَعْرَةٌ وَلَمْ تَنْتَقِصْ لَهُ قُوَّةٌ، وَلَمْ يَصْبِرْ نَبِيٌّ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ مَا صَبَرَ هُوَ عَلَى طُولِ عُمُرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ، وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً، قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ «زُبُورًا» وَالزُّبُورُ بِضَمِّ الزَّايِ حَيْثُ كَانَ، بِمَعْنَى: جَمْعُ زَبُورٍ، أَيْ آتَيْنَا دَاوُدَ كُتُبًا وَصُحُفًا مَزْبُورَةً، أَيْ مَكْتُوبَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ فِيهِ التَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ دَاوُدُ يَبْرُزَ إِلَى الْبَرِيَّةِ فَيَقُومُ وَيَقْرَأُ الزَّبُورَ وَيَقُومُ مَعَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَقُومُونَ خَلْفَهُ وَيَقُومُ النَّاسُ خَلْفَ الْعُلَمَاءِ، وَيَقُومُ الْجِنُّ خَلْفَ النَّاسِ، الْأَعْظَمُ فَالْأَعْظَمُ، وَالشَّيَاطِينُ خَلْفَ الْجِنِّ وَتَجِيءُ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي الْجِبَالِ فَيَقُمْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَجُّبًا لِمَا يَسْمَعْنَ مِنْهُ، وَالطَّيْرُ ترفرف على رؤوسهم، فَلِمَا قَارَفَ الذَّنْبَ لَمْ يَرَ ذلك، ونفروا من حوله، فَقِيلَ لَهُ ذَاكَ أُنْسُ الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ وَحْشَةُ الْمَعْصِيَةِ. «731» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ أنا أبو العباس الرعوف أَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا أَنَا الحسين بْنُ حَمَّادٍ [حَدَّثَنَا يَحْيَى] [2] بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ رَأَيْتَنِي الْبَارِحَةَ وأنا أستمع لقراءتك ولقد أُعْطِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تستمع لحبرته [لك] [3] تحبيرا. وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا رَآهُ يَقُولُ ذَكِّرْنَا يَا أبا موسى فيقرأ عنده [4] .

_ 731- صحيح، الحسن بن حماد هو الضبي، ثقة، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، يحيى بن زكريا هو السّجزي. - وأخرجه مسلم 793 ح 236 وابن حبان 7197 والبيهقي 10/ 230- 231 من طريق يحيى بن سعيد بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 5048 والترمذي 3855 من طريق أبي يحيى الحماني، عن بريد بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بردة به. - وأخرجه الحاكم 3/ 466 من طريق خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بردة، عن أبي موسى، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (1) زيادة عن المخطوط. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «ط» ومن كتب التخريج. (3) زيادة عن المخطوط. (4) انظر «طبقات ابن سعد» (4/ 109) و «سنن الدارمي» (2/ 472) .

[سورة النساء (4) : الآيات 164 الى 165]

[سورة النساء (4) : الآيات 164 الى 165] وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ، أَيْ: وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَإِلَى الرُّسُلِ، وَرُسُلًا نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَصَصْنَا عَلَيْكَ رُسُلًا، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ «وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ» ، وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوصَلُ إِلَى الْإِنْسَانِ كَلَامًا بِأَيِّ طَرِيقِ وَصَلَ، وَلَكِنْ لَا تُحَقِّقُهُ بِالْمَصْدَرِ فَإِذَا حُقِّقَ بِالْمَصْدَرِ وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا حَقِيقَةَ الْكَلَامِ كَالْإِرَادَةِ يُقَالُ: [أَرَادَ فَلَانٌ إِرَادَةً، يُرِيدُ حَقِيقَةَ الْإِرَادَةِ، وَيُقَالُ] [1] : أَرَادَ الْجِدَارُ، وَلَا يُقَالُ أَرَادَ الْجِدَارَ إِرَادَةً لِأَنَّهُ مَجَازٌ غَيْرُ حقيقة. قَوْلُهُ تَعَالَى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، فَيَقُولُوا: مَا أرسلت إلينا رسولا ولا أَنْزَلْتَ إِلَيْنَا كِتَابًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل [2] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإِسْرَاءِ: 15] ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. «732» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثِنًّا مُوسَى بْنُ إسماعيل أنا أبو عوانة عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ وُرَادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةَ [عَنِ الْمُغَيَّرَةِ] [3] قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبَتْهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم فقال: «أتعجبون مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعْثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الله الجنة» . [سورة النساء (4) : الآيات 166 الى 170] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170)

_ 732- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ، ورّاد هو الثقفي أبو سعيد الكوفي كاتب المغيرة ومولاه، المغيرة هو ابن شعبة. - وهو في «شرح السنة» (2365) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (7416) عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4746 ومسلم 1499 والبيهقي في «الأسماء والصفات» (630) من طريق أبي عوانة بهذا الإسناد. - وأخرجه مسلم 1498 ح 16 من طريق سليمان بن بلال، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة أن سعد بن عبادة قال لرسول الله:..... فذكره دون عجزه. (1) سقط من المخطوط. (2) في المطبوع «الرسول» . (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومن «ط» ومن كتب التخريج.

[سورة النساء (4) : آية 171]

قَوْلُهُ تَعَالَى: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ: ع «733» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رُؤَسَاءِ مَكَّةَ أَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ سَأَلْنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَعَنْ صِفَتِكَ فِي كِتَابِهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: «إِنِّي وَاللَّهِ أَعْلَمُ أنكم لتعلمن أني رسول الله» ، فقالوا: والله مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ إِنْ جَحَدُوكَ وَكَذَّبُوكَ، أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، بِكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا، قيل: [إنما قال] وَظَلَمُوا أتبع [1] ظُلْمَهُمْ بِكُفْرِهِمْ تَأْكِيدًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَظَلَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً، يَعْنِي: دِينَ الْإِسْلَامِ. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ، يَعْنِي الْيَهُودِيَّةَ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَ حُكْمُهُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ، تَقْدِيرُهُ: فَآمِنُوا يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا لَكُمْ، وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً. [سورة النساء (4) : آية 171] يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى وهم أصناف أربعة: الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ وَالْمَرْقُوسِيَّةُ [2] ، فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى ابن الله، وقالت المرقسية: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَيُقَالُ الْمَلْكَانِيَّةُ يَقُولُونَ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ يَقُولُونَ: ابْنُ اللَّهِ والنُّسْطُورِيَّةُ يَقُولُونَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ عَلَّمَهُمْ [3] رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ بَوْلَسُ [4] ، سَيَأْتِي فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ [5] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا غَلَوْا فِي أَمْرِ عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى مجاوزة بالحدّ، وَأَصْلُ الْغُلُوِّ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ فِي الدِّينِ حَرَامٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ، لَا تُشَدِّدُوا فِي دِينِكُمْ فَتَفْتَرُوا على الله الكذب وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ، لَا تَقُولُوا إِنَّ لَهُ شَرِيكًا وَوَلَدًا إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، وهي قوله كُنْ [مريم: 35] فَكَانَ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ أَيْ أَعْلَمَهَا وَأَخْبَرَهَا بِهَا، كَمَا يُقَالُ: أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ كَلِمَةً حَسَنَةً، وَرُوحٌ مِنْهُ، قِيلَ: هُوَ رُوحٌ كَسَائِرِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا، وَقِيلَ: الرُّوحُ هُوَ النَّفْخُ الَّذِي نفخه

_ 733- ع ضعيف. أخرجه الطبري 10854 عن ابن عباس به بسند ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد شيخ ابن إسحاق. (1) في المخطوط وط «مع أن» بدل «أتبع» والمثبت عن المطبوع وهو أقرب للسياق وأبين، والله أعلم. (2) في المطبوع «والمرقسية» . (3) في المطبوع «علمهم» . [.....] (4) في المطبوع «بولص» . (5) في المخطوط «المائدة» .

[سورة النساء (4) : الآيات 172 الى 175]

جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دِرْعِ مريم فحملت بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًا لِأَنَّهُ رِيحٌ يَخْرُجُ مِنِ الرُّوحِ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ، وَقِيلَ: رُوحٌ مِنْهُ أَيْ وَرَحْمَةٌ، فَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحْمَةً لِمَنْ تَبِعَهُ وَأَمِنَ بِهِ، وَقِيلَ: الرُّوحُ الْوَحْيُ، أَوْحَى إِلَى مَرْيَمَ بِالْبِشَارَةِ، وَإِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ [بِالنَّفْخِ وَإِلَى عِيسَى] [1] أَنْ كُنْ فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ يَعْنِي: بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعْنَاهُ وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مريم، وألقاها أَيْضًا رُوحٌ مِنْهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [الْقَدْرِ: 4] ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ فِيهَا، وَقَالَ: فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا [مَرْيَمَ: 17] ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ. «734» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَنَا الْوَلِيدُ عن الأوزاعي حدثنا عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بن [أبي] [2] أُمِّيَّةَ عَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مريم وروح منه، والجنّة حقّ والنّار حقّ أدخله الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» . فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ، أَيْ: وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ [3] ، وَكَانَتِ النَّصَارَى تَقُولُ: أب وابن وروح القدس، انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ، تَقْدِيرُهُ [4] : انْتَهُوا يَكُنِ الِانْتِهَاءُ خَيْرًا لَكُمْ، إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، [وَاعْلَمْ أَنَّ التَّبَنِّيَ لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ التَّبَنِّيَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ وَلَدٌ] [5] ، لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. [سورة النساء (4) : الآيات 172 الى 175] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)

_ 734- إسناده صحيح على شرط البخاري، الوليد هو ابن مسلم، الأوزاعي هو عبد الله بن عمرو، إمام أهل الشام قاطبة. وهو في «شرح السنة» (54) بهذا الإسناد. - خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (3435) عن صدقة بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد 5/ 313 وأبو عوانة 1/ 6 وابن مندة 44 و405 من طرق عن الوليد، عن الأوزاعي بهذا الإسناد. وقد صرّح الوليد بالسماع من الأوزاعي في رواية ابن مندة. - وأخرجه مسلم 28 وابن مندة 44 من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي به. - وأخرجه البخاري بإثر 3435 ومسلم 28 وأحمد 5/ 314 وابن حبان 207 وابن مندة في «الإيمان» (45) من طرق عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ به. (1) سقط من المطبوع. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب التخريج. (3) في المطبوع «بثلاثة» . (4) تصحف في المخطوط «تقديمه» . (5) ما بين المعقوفتين كذا وقع في المطبوع وط والمخطوط- أ- والعبارة في المخطوط- ب- «أي: لا ولد له، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وأن الله منزه عن الشريك، والشبيه والولد» اهـ. وكلا اللفظين محتمل، فالله أعلم.

[سورة النساء (4) : آية 176]

قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ : ع «735» وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَعِيبُ صَاحِبَنَا فتقول: إنه عبد الله ورسوله، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِعَارٍ لِعِيسَى [1] عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله» ، فنزل: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ لَنْ يَأْنَفَ وَلَنْ يَتَعَظَّمَ، وَالِاسْتِنْكَافُ: التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ، وَهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، لَا يَأْنَفُونَ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ارْتَقَى مِنْ عِيسَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ وَلَا يُرْتَقَى إِلَّا إِلَى الْأَعْلَى، لَا يُقَالُ: لا يستنكف فلان من كذا وَلَا عَبْدُهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ هَذَا وَلَا مَوْلَاهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَامِ الْبَشَرِ، بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ آلِهَةٌ، كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى قَوْلَهُمْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ رَدًّا عَلَى النَّصَارَى بِزَعْمِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ، قِيلَ: الِاسْتِنْكَافُ هُوَ التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، وَالِاسْتِكْبَارُ: هُوَ الْعُلُوُّ وَالتَّكَبُّرُ مِنْ غَيْرِ أَنَفَةٍ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، مِنَ التَّضْعِيفِ، مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر، وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا، عَنْ عِبَادَتِهِ، فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْبُرْهَانُ: الْحُجَّةُ، وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً، بيّنا يَعْنِي الْقُرْآنَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ، امْتَنَعُوا بِهِ مِنْ زَيْغِ الشَّيْطَانِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ، يَعْنِي الْجَنَّةَ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً. [سورة النساء (4) : آية 176] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ع «736» نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: عَادَنِي [2] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَعَقَلَتُ [3] فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لمن الميراث وإنما [4] يرثني كلالة؟ فنزلت

_ 735- ع باطل. ذكره الواحدي في «أسباب النزول» (377) عن الكلبي بلا سند، والكلبي متهم لا حجة فيه. 736- ع صحيح. أخرجه مسلم 1616 ح 5 من حديث جابر بتمامه. وأخرجه البخاري 194 و5676 و6743 وفيه «حتى نزلت آية الفرائض» بدل قَوْلُهُ تَعَالَى يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ وانظر ما تقدم برقم: 537. (1) في المطبوع «بعيسى» . (2) تصحف في المخطوط «دعاني» . (3) تصحف في المطبوع «فعلقت» . (4) تصحف في المطبوع «إنهما» . [.....]

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْكَلَالَةِ وَحُكْمَ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ مِيرَاثِ الْأُخُوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ، قَوْلُهُ: يَسْتَفْتُونَكَ أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ ويسألونك [يا محمد] [1] ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ، إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها، يَعْنِي إِذَا مَاتَتِ الْأُخْتُ فَجَمِيعُ مِيرَاثِهَا لِلْأَخِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا أُنْثَى فَلِلْأَخِ مَا فَضُلَ عَنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ، فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ، أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَخَوَاتٌ فَلَهُنَّ الثُّلْثَانِ، وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا، قَالَ الْفَرَّاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيَّنُ اللَّهُ لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. «737» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةً سُورَةُ النِّسَاءِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ. وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَآخَرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) [النصر: 1] [2] . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 281] [3] . وَرُوِيَ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ سُورَةُ النَّصْرِ عَاشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامًا، وَنَزَلَتْ بَعْدَهَا سُورَةُ بَرَاءَةٍ وَهِيَ آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً فَعَاشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي طَرِيقِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ فَسُمِّيَتْ آيَةُ الصَّيْفِ، ثُمَّ نَزَلَتْ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [الْمَائِدَةِ: 3] ، فَعَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَاتُ [4] الرِّبَا، ثُمَّ نَزَلَتْ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 281] ، فَعَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا [والله أعلم بالصواب] [5] .

_ 737- صحيح. إسناده على شرط البخاري، عبد الله بن رجاء تفرد عنه البخاري، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، إسرائيل هو ابن يونس أبي إسحاق، خرّجه المصنف من طريق البخاري، وهو في «صحيحه» (4364) عن عبد الله بن رجاء بهذا الإسناد.. - وأخرجه البخاري 4605 و4654 و6744 ومسلم 1618 وأبو داود 2888 والترمذي 3044 و3045 وأبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (223) وأبو يعلى 1743 من طرق عن البراء به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) انظر ما تقدم برقم: 343. (3) انظر ما تقدم برقم: 342. وأخرجه أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص (224) والطبري 6312 من طريق ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: آخر آية نزلت في القرآن: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) قال ابن جريج: يقولون: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم مكث بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الإثنين. تم بحمد الله ومنه وكرمه تخريج وتحقيق الجزء الأول من تفسير الإمام البغوي، ويليه الجزء الثاني إن شاء الله تعالى خرج أحاديثه وحققه: عبد الرزاق المهدي، هناء جزماتي (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المخطوط وحده «آية» .

فهرس المحتويات كلمة دار إحياء التراث العربي 5 مقدمة المحقق 9 ترجمة الإمام البغوي (436- 516) 27 وصف مخطوطات الكتاب 30 مقدمة المؤلف 45 فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ 56 فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ 61 فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ علم 166 1- سورة الفاتحة 70 2- سورة البقرة 80 3- سورة آل عمران 406 4- تفسير سورة النساء 561 تمّ بعونه تعالى طبع الجزء الأوّل في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة. ويليه الجزء الثاني وأوله سورة المائدة

سورة المائدة

[المجلد الثاني] سورة المائدة مدنية كُلُّهَا إِلَّا قَوْلَهُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] الآية، فإنها نزلت بعرفات، وهي مائة وَعِشْرُونَ آيَةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حُكْمًا لَمْ يُنْزِلْهَا فِي غَيْرِهَا، قَوْلُهُ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ [المائدة: 1] ، وقوله: وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا [المائدة: 3] ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [الْمَائِدَةِ: 5] ، وَتَمَامُ الطُّهُورِ فِي قَوْلِهِ: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ [المائدة: 38] ، لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: 95] الْآيَةَ، مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ (103) [المائدة: 103] ، وَقَوْلُهُ: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [المائدة: 106] . [سورة المائدة (5) : آيَةً 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، أَيْ: بِالْعُهُودِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ أَوْكَدُ الْعُهُودِ، يُقَالُ: عَاقَدْتُ فُلَانًا وَعَقَدْتُ عَلَيْهِ أَيْ: ألزمته ذلك باستئناف، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَوَصْلِهِ بِهِ، كَمَا يُعْقَدُ الْحَبْلُ بِالْحَبْلِ إِذَا وُصِلَ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، يَعْنِي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْفُوا بِالْعُهُودِ الَّتِي عَهِدْتُهَا إِلَيْكُمْ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [آلَ عِمْرَانَ: 187] ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ عَامٌّ، قال قَتَادَةُ: أَرَادَ بِهَا الْحِلْفَ الَّذِي تعاقدوا عليه في الجاهلية، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هِيَ عُهُودُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَأَرَادَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الْأَجِنَّةُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هِيَ الْأَجِنَّةُ الَّتِي تُوجَدُ مَيْتَةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا إِذَا ذُبِحَتْ أَوْ نُحِرَتْ، ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلى تحليله. «738» قال الشيخ رحمه الله تعالى: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخِرَقِيِّ فَقُلْتُ: قرىء على

_ 738- حديث جيد بمجموع طرقه وشواهده. إسناده غير قوي لأجل مجالد وهو ابن سعيد، لكن توبع، وشيخه من رجال مسلم

أَبِي سَهْلٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بن طرفة السجزي [1] وَأَنْتَ حَاضِرٌ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ أَبِي الودّاك عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [2] رَضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . «739» وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» . وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْإِشْعَارَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ، وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ مَيْتًا بَعْدَ ذَكَاةِ الْأُمِّ. وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشها وهي الظباء وبقر الوحش وحمر الْوَحْشِ، سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ عَنِ التَّمْيِيزِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَا نُطْقَ لَهَا، إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ، أَيْ: مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ إِلَى قَوْلِهِ: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ [المائدة: 3] ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: لَا مُحِلِّي الصَّيْدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أُحِلَّتْ لَكُمْ

_ وللحديث شواهد. مسدّد هو ابن مسرهد، وهشيم هو ابن بشير، وأبو الودّاك هو جبر بن نوف. وهو في «شرح السنة» 2783 بهذا الإسناد. وهو في «سنن أبي داود» 2827 عن مسدد بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 1476 وابن ماجه 900 وعبد الرزاق 8650 وأحمد (3/ 31 و53) وأبو يعلى 992 وابن الجارود 900 والدارقطني (4/ 272 و273 و274) والبيهقي (9/ 335) من طرق عن مجالد به. وأخرجه أحمد (3/ 39) وابن حبان 5889 والدارقطني (4/ 274) والبيهقي (9/ 335) من طرق أبي عبيدة الحداد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي الودّاك به. وانظر الحديث الآتي. (1) وقع في الأصل «الشجري» والتصويب من «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «أبي مسعود» والتصويب من «شرح السنة» ومصادر التخريج. 739- حسن صحيح. أخرجه أبو داود 2828 والدارمي (2/ 84) والدارقطني (4/ 273) والبيهقي (9/ 334، 335) من طريق أبي الزبير عن جابر به. وأخرجه الحاكم (4/ 114) من طريق زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزبير به، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في «تلخيص الحبير» (4/ 157) : ولو صح الطريق إلى زهير، لكان على شرط مسلم، إلا أن راويه عنه استنكر أبو داود حديثه اهـ. وله شواهد منها حديث أبي أمامة وأبي الدرداء أخرجه الطبري في «الكبير» 7498 والبزار 1226 وذكره الهيثمي في «المجمع» 6046 وقال: وفيه بشر بن عمارة، وقد وثق، وفيه ضعف اهـ. وقال الحافظ في «التلخيص» (4/ 157) : فيه ضعف وانقطاع اهـ. وحديث ابن عمر أخرجه الطبراني في «الأوسط» 7852 و8230 و9449 وفي إسناده ابن إسحاق، وهو ثقة، ولكنه مدلس، وبقية رجال «الأوسط» ثقات كذا قال الهيثمي في «المجمع» 6048. وحديث كعب بن مالك عند الطبراني في «الكبير» (19/ 78) و «الأوسط» 3723 وفيه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف. وحديث أبي أيوب عند الطبراني في «الكبير» 4010 وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو سيّئ الحفظ، ولكنه ثقة، قاله الهيثمي 6050. فالحديث جيد بمجموع طرقه وشواهده. وانظر الحديث المتقدم.

[سورة المائدة (5) : آية 2]

بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا، فَإِنَّهُ صَيْدٌ لَا يَحِلُ لَكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَذَلِكَ [1] قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. [سورة المائدة (5) : آية 2] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ. «740» نَزَلَتْ فِي الْحُطَمِ وَاسْمُهُ شُرَيْحُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْبَكْرِيُّ، أَتَى الْمَدِينَةَ وَخَلَّفَ خَيْلَهُ [2] خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ وَحْدَهُ عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: إلام تدعو الناس؟ فقال له: «إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، [وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ] [3] ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» ، فَقَالَ: حَسَنٌ، إِلَّا أَنَّ لِي أُمَرَاءَ لَا أَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُمْ، ولعلّي أسلم وآتي بهم، وقد كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِ شَيْطَانٍ» ، ثُمَّ خَرَجَ شُرَيْحٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَخَرَجَ بِقَفَا غَادِرٍ وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ» ، فَمَرَّ بِسَرْحِ [4] الْمَدِينَةِ فَاسْتَاقَهُ وَانْطَلَقَ، فَاتَّبَعُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ خَرَجَ حَاجًّا فِي حُجَّاجِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنَ الْيَمَامَةِ وَمَعَهُ تجارة عظيمة، وقد قلّدوا الْهَدْيَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا الْحُطَمُ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ [قَدْ] [5] قَلَّدَ الْهَدْيَ» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا شَيْءٌ كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ. قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ وَيُهْدُونَ، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: شَعَائِرُ اللَّهِ هِيَ الْهَدَايَا الْمُشْعَرَةُ، وَالْإِشْعَارُ مِنَ الشِّعَارِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَإِشْعَارُهَا: إِعْلَامُهَا بِمَا يُعْرَفُ أَنَّهَا هَدْيٌ، وَالْإِشْعَارُ هَاهُنَا: أَنْ يَطْعَنَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِ [6] الْبَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً أَنَّهَا هَدْيٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ فِي الْهَدَايَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْإِبِلِ، لِمَا: «741» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا محمد بن يوسف ثنا

_ 740- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 379 عن ابن عباس بدون إسناد، وورد عن السدي مرسلا بنحوه أخرجه الطبري 10961 وأخرجه بنحوه من مرسل عكرمة برقم 10962 وكرره من مرسل ابن جريج، فهذه الروايات تتأيد بمجموعها. 741- إسناده على شرط البخاري ومسلم، أبو نعيم هو الفضل بن دكين، أفلح هو ابن حميد بن نافع، القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. وهو في «شرح السنة» 1883 بهذا الإسناد. وهو في «صحيح البخاري» 1696 عن أبي نعيم بهذا الإسناد. (1) تصحف في المطبوع «فلذلك» . [.....] (2) كذا في المطبوع وط و «أسباب النزول» ، وفي المخطوط «رحله» . (3) زيد في المطبوع وط، وليس في المخطوط و «أسباب النزول» . (4) السرح: المال السائم. (5) زيادة عن المخطوط وط. (6) تصحف في المطبوع «سنان» .

مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا أَفْلَحُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ الْبَقَرَ عَلَى الْإِبِلِ فِي الْإِشْعَارِ، وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُشْعَرُ بِالْجَرْحِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْجَرْحَ لِضَعْفِهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُشْعَرُ الْهَدْيُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وهي أَنْ تَصِيدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ حَرَمَ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: شَعَائِرُ اللَّهِ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ سَخَطِهِ وَاتِّبَاعُ طَاعَتِهِ، قَوْلُهُ: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ، أَيْ: بِالْقِتَالِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ النَّسِيءُ، وذلك أنهم كانوا يحلّونه عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، وَلَا الْهَدْيَ، [و] هو كُلُّ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، وَلَا الْقَلائِدَ، أَيِ: الْهَدَايَا الْمُقَلَّدَةُ، يُرِيدُ ذَوَاتَ الْقَلَائِدِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ أَصْحَابَ الْقَلَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَمِ قَلَّدُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِبِلَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ كَيْلَا يُتَعَرَّضَ لَهُمْ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنِ اسْتِحْلَالِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هِيَ الْقَلَائِدُ نَفْسُهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ مَكَّةَ وَيَتَقَلَّدُونَهَا فَنُهُوا عَنْ نَزْعِ شَجَرِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ، أَيْ: قَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، يَبْتَغُونَ يَطْلُبُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ، يَعْنِي: الرِّزْقَ بِالتِّجَارَةِ، وَرِضْواناً، أَيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ، لأن الكافر [1] لا نصيب له في الرضوان، قال قتادة: هو أن يصلح معايشهم فِي الدُّنْيَا وَلَا يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا، وَقِيلَ: ابْتِغَاءُ الْفَضْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَامَّةً، وَابْتِغَاءُ الرِّضْوَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ إِلَى هَاهُنَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَبِقَوْلِهِ: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التَّوْبَةِ: 28] ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مشرك ولا يَأُمَّنَ كَافِرٌ بِالْهَدْيِ وَالْقَلَائِدِ. قَوْلُهُ عزّ وجلّ: وَإِذا حَلَلْتُمْ، أي: مِنْ إِحْرَامِكُمْ، فَاصْطادُوا، أَمْرُ إِبَاحَةٍ، أَبَاحَ لِلْحَلَالِ أَخْذَ الصَّيْدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الْجُمُعَةِ: 10] ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما وَقَتَادَةُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَنِي فُلَانٌ عَلَى أَنْ صَنَعْتُ كَذَا، أَيْ: حَمَلَنِي، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَكْسِبَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَ أَيْ: كَسَبَ فلان

_ وأخرجه البخاري 1699 و1705 ومسلم 1321 وأبو داود 1757 و1759 والترمذي 908 والنسائي (5/ 171 و172 و175) وابن ماجه 3098 والحميدي 209 وأحمد (6/ 78 و85 و216) وأبو يعلى 4659 وابن الجارود 423 والطحاوي (5/ 233) من طرق عن القاسم بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 1704 و5566 ومسلم 1321 ح 370 والنسائي (5/ 171) وأبو يعلى 4658 والطحاوي (2/ 265) من طرق عن عامر الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بنحوه. وأخرجه مَالِكٍ (1/ 340) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بكر عن عمرة عن عائشة بنحوه، ومن طريق مالك أخرجه البخاري 1700 و2317 ومسلم 1321 ح 369 والنسائي (5/ 175) وأبو يعلى 4853 والطحاوي (2/ 266) والبيهقي (5/ 234) . (1) في المطبوع «الكافرين» .

[سورة المائدة (5) : آية 3]

جَرِيمَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَدْعُوَنَّكُمْ، شَنَآنُ قَوْمٍ، أَيْ: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شئت، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ شَنْآنُ قَوْمٍ بِسُكُونِ النُّونِ الْأُولَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ، لِأَنَّ الْمَصَادِرَ أَكْثَرُهَا [على] [1] فَعَلَانِ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِثْلُ الضَّرَبَانِ وَالسَّيَلَانِ وَالنَّسَلَانِ وَنَحْوِهَا، أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ: لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَمَعْنَى الآية: لا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ قَوْمٍ عَلَى الِاعْتِدَاءِ لأنهم صدّوكم. قال مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، كان الصَّدُّ قَدْ تَقَدَّمَ، أَنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَتَعاوَنُوا، أي: ليعن بَعْضُكُمْ بَعْضًا، عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، قِيلَ: الْبِرُّ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ، وَالتَّقْوَى مُجَانَبَةُ النَّهْيِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّقْوَى: السُّنَّةُ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، قِيلَ: الْإِثْمُ: الْكُفْرُ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ، وَالْعُدْوَانُ: الْبِدْعَةُ. «742» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ بِبَغْدَادَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْقُرَشِيُّ أَنَا الْحَسَنُ [بْنُ] [2] عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ [3] بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّوَاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، قَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. [سورة المائدة (5) : آية 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) .

_ 742- إسناده صحيح على شرط مسلم. وهو في «شرح السنة» 3388 بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي (10/ 192) من طريق الحسن بن علي بهذا الإسناد. وأخرجه الترمذي 2389 وأحمد (4/ 182) وابن حبان 397 من طريق زيد بن الحباب به. وأخرجه مسلم 2553 ح 14 و15 والترمذي 2389 والبخاري في «الأدب المفرد» 295 و302 وأحمد (4/ 182) من طرق عن معاوية بن صالح بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد (4/ 182) والدارمي (2/ 322) من طريق عبد القدوس الخولاني عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ يحيى بن جابر القاضي عن النواس به. وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخشني بلفظ «البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ويطمئن إليه القلب» أخرجه أحمد (4/ 194) والطبراني (22/ 219) وأبو نعيم في «الحلية» (2/ 30) . وفي الباب عن وابصة بن معبد عند أحمد (4/ 227 و228) والطبراني (22/ 147، 149) . (1) زيادة عن المخطوط. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» ومصادر التخريج. (3) وقع في الأصل «نغير» والتصويب عن «شرح السنة» وكتب التراجم.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، أَيْ: مَا ذُكِرَ عَلَى ذبحه غير اسم اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُنْخَنِقَةُ، وَهِيَ الَّتِي تخنق فَتَمُوتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، وَالْمَوْقُوذَةُ هِيَ الْمَقْتُولَةُ بِالْخَشَبِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، وَالْمُتَرَدِّيَةُ، هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ أَوْ فِي بِئْرٍ فتموت، وَالنَّطِيحَةُ، هي الَّتِي تَنْطَحُهَا أُخْرَى فَتَمُوتُ، وَهَاءُ التَّأْنِيثِ تَدْخُلُ فِي الْفَعِيلِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ اسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، نَحْوَ عَيْنٍ كَحِيلٍ وَكَفٍّ خضيب، فإذا حذف [1] الِاسْمَ وَأَفْرَدْتَ الصِّفَةَ، أَدْخَلُوا الْهَاءَ فَقَالُوا: رَأَيْنَا كَحِيلَةً وَخَضِيبَةً، وَهُنَا أَدْخَلَ الْهَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا الِاسْمُ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْهَاءَ لَمْ يدر أنها صفة مؤنث أو [2] مُذَكَّرٍ، وَمِثْلُهُ الذَّبِيحَةُ وَالنَّسِيكَةُ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ وَما أَكَلَ السَّبُعُ، يُرِيدُ مَا بَقِيَ مِمَّا أَكَلَ السَّبْعُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ، إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ، يَعْنِي: إِلَّا مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَأَصْلُ التَّذْكِيَةِ الْإِتْمَامُ، يُقَالُ: ذَكَّيْتَ النار إذا أتممت اشتعالها، وَالْمُرَادُ هُنَا: إِتْمَامُ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ. «743» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فكل ليس السِّنِّ وَالظُّفُرِ» . وَأَقَلُّ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ قَطْعُ الْمَرِيءِ والحلقوم وكماله أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَهُمَا، وَيَجُوزُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ يَقْطَعُ [3] مِنْ حَدِيدٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ حجر إلا السن والظفر، لنهي [4] النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الذَّبْحِ بِهِمَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ ما ذكّيته بعد ما جرحه السبع أو أكل شَيْئًا مِنْهُ إِذَا أَدْرَكْتَهُ وَالْحَيَاةُ فِيهِ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَبَحْتَهُ، فَأَمَّا مَا صَارَ بِجَرْحِ السَّبُعِ إِلَى حَالَةِ الْمَذْبُوحِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، فَلَا يَكُونُ حَلَالًا وَإِنْ ذَبَحْتَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ إِذَا أَدْرَكْتَهَا حَيَّةً قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَالَةِ الْمَذْبُوحِ فَذَبَحْتَهَا تَكُونُ حَلَالًا، وَلَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فِي الْهَوَاءِ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ ومات كَانَ حَلَالًا لِأَنَّ الْوُقُوعَ عَلَى الأرض من ضرورته، وإن سَقَطَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ فَمَاتَ فَلَا يَحِلُّ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَرَدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ أَصَابَ مَذْبَحَهُ فِي الْهَوَاءِ فَيَحِلُّ كَيْفَ مَا وَقَعَ، لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ حَصَلَ بِإِصَابَةِ السَّهْمِ الْمَذْبَحَ، وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ، قِيلَ: النُّصُبُ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ نِصَابٌ، وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ مِثْلُ عُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَنْصُوبُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: كَانَتْ حَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَجَرًا مَنْصُوبَةً، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ بِأَصْنَامٍ إِنَّمَا الْأَصْنَامُ هِيَ الْمُصَوَّرَةُ الْمَنْقُوشَةُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ الْأَصْنَامُ الْمَنْصُوبَةُ، ومعناه: ما ذُبِحَ عَلَى اسْمِ النُّصُبِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: هُمَا وَاحِدٌ، قَالَ قُطْرُبٌ: عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: وَمَا ذُبِحَ لِأَجْلِ النُّصُبِ، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، أي: وحرّم عَلَيْكُمُ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ هُوَ طَلَبُ الْقَسْمِ، وَالْحُكْمِ مِنَ الْأَزْلَامِ، وَالْأَزْلَامُ هِيَ: الْقِدَاحُ الَّتِي لَا رِيشَ لَهَا وَلَا نَصْلَ، وَاحِدُهَا: زَلْمٌ وَزُلْمٌ، بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا وكانت

_ 743- صحيح. أخرجه البخاري 3075 و5498 و2507 و5503 و5506 و5544 ومسلم 1968 والترمذي 1491 و1492 والنسائي (7/ 226 و228 و229) وابن ماجه 3137 و3178 و3183: وابن الجارود 895 وابن حبان 5886 وعبد الرزاق 8481 والطيالسي 963 والحميدي 411 وأحمد (3/ 463 و464) و (4/ 140 و141 و142) والدارمي (2/ 84) والطبراني 4380، 4384 و4386، 4393 والبيهقي (9/ 245 و246 و247) من طرق عن سعيد بن مسروق عن عباية بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ جده رافع به. (1) في المطبوع وط «حذفت» . (2) في المطبوع وط «أم» . [.....] (3) في المخطوط «يجرح» . (4) في المطبوع وط «فنهى» .

أَزْلَامُهُمْ سَبْعَةَ قِدَاحٍ مُسْتَوِيَةٍ مِنْ شَوْحَطٍ [1] ، يَكُونُ عِنْدَ سَادِنِ الْكَعْبَةِ، مَكْتُوبٌ عَلَى وَاحِدٍ نَعَمْ، وَعَلَى وَاحِدٍ لَا، وَعَلَى وَاحِدٍ مِنْكُمْ، وَعَلَى وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِكُمْ، وَعَلَى وَاحِدٍ مُلْصَقٌ [2] ، وَعَلَى وَاحِدٍ الْعَقْلُ، وَوَاحِدٌ غُفْلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا مِنْ سَفَرٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خِتَانٍ أو غيره، أو تدارؤا [3] فِي نَسَبٍ أَوِ اخْتَلَفُوا فِي تحمّل عقل جاؤوا إِلَى هُبَلَ وَكَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قريش بمكة وجاؤوا بمائة درهم أعطوها صَاحِبَ الْقِدَاحِ حَتَّى يُجِيلَ الْقِدَاحَ، ويقولون: يا إلهنا أَرَدْنَا كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ خَرَجَ نَعَمْ، فَعَلُوا، وَإِنْ خَرَجَ لَا، لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَوْلًا، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْقِدَاحِ ثَانِيَةً، فَإِذَا أَجَالُوا عَلَى نَسَبٍ، فَإِنْ خَرَجَ منكم كان وسيطا مِنْهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِكُمْ كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ مُلْصَقٌ كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي عَقْلٍ فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ قَدَحُ الْعَقْلِ حَمَلَهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْغُفْلُ أَجَالُوا ثَانِيًا حَتَّى يَخْرُجَ الْمَكْتُوبُ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ، وَقَالَ: ذلِكُمْ فِسْقٌ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَزْلَامُ حَصًى بِيضٌ كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٍ: هِيَ كِعَابُ فَارِسَ وَالرُّومِ الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَزْلَامُ لِلْعَرَبِ، وَالْكِعَابُ لِلْعَجَمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ: هِيَ الشِّطْرَنْجُ. «744» وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيرَةُ مِنَ الْجِبْتِ» ، وَالْمُرَادُ مِنَ الطَّرْقِ: الضَّرْبُ بِالْحَصَى. «745» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا ابن فنجويه أنا فضل الكندي أخبرنا

_ 744- تقدم برقم: 626 في «سورة النساء» آية: 51. 745- ضعيف بهذا اللفظ، إسناده ضعيف، وله علتان: سويد بن سعيد، صدوق إلا أنه كبر فصار يتلقن، فلذا ضعفه غير واحد، وله علة ثانية: وهي الانقطاع. قال الحافظ في «التهذيب» في ترجمة رجاء بن حيوة: روايته عن أبي الدرداء مرسلة اهـ (3/ 230) . وقد توبع سويد. فقد أخرجه البيهقي في «الشعب» 1177 من طريق أخرى أبي المحيّاة بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في «المجمع» 8487 بهذا اللفظ وقال: رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات. وكذا قال المنذري في «الترغيب» 4474. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» 2684 وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 174) من طريق محمد بن الحسن الهمداني ثنا سفيان الثوري عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ به. وصدره «إنما العلم بالتعلم.....» . وقال أبو نعيم: غريب من حديث الثوري عن عبد الملك تفرد به محمد بن الحسن اهـ. وذكره الهيثمي في «المجمع» 538 وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو كذاب اهـ. قلت: قد ورد من وجوه وعلته الانقطاع كما تقدم، وهو بهذا اللفظ ضعيف، ولعل الراجح فيه الوقف، وقد ورد في هذا المعنى بغير هذا السياق. ففي الباب من حديث عمران بن حصين بلفظ «لسى منا من تطير، أو تطيّر له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى الله عليه وسلّم» . أخرجه البزار 3044 وذكره الهيثمي في «المجمع» (5/ 117) وقال: ورجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع، وهو ثقة اهـ. وجوّد إسناده المنذري في «الترغيب» 4467. ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا يا رسول الله، فما كفارة ذلك؟ (1) الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. كما في «القاموس» . (2) في المخطوط «مصلق» . (3) في المطبوع «تداوروا» .

الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ الْخَشَّابُ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو المحيّاة [1] عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَكَهَّنَ أَوِ اسْتَقْسَمَ أَوْ تَطَيَّرَ طِيَرَةً تَرُدُّهُ عَنْ سَفَرِهِ لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة» . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ، يَعْنِي: أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ كُفَّارًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي عَوْدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى دِينِهِمْ فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ أيسوا، وَيَئِسَ وَأَيِسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، فَكَادَتْ عَضُدُ النَّاقَةِ تَنْدَقُّ مِنْ ثِقَلِهَا فَبَرَكَتْ [2] . «746» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ أَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَنَا قَيْسُ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تقرءونها، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قَالَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، فقال عُمَرُ: قَدْ عَرْفَنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَشَارَ عُمَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ عِيدًا لَنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَمْسَةُ أَعْيَادٍ: جُمْعَةٌ وَعَرَفَةُ وَعِيدُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ [أَعْيَادُ] [3] أَهْلِ الْمِلَلِ فِي يوم قبله ولا بعده. «747» وروى هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ» ؟ فَقَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إِلَّا نَقُصَ، قَالَ: «صَدَقْتَ» . وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَاشَ بَعْدَهَا إِحْدَى وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَمَاتَ يَوْمَ الإثنين بعد ما زاغت

_ قال: يقول أحدهم اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» . أخرجه أحمد (2/ 220) 7045 وابن السني في «عمل اليوم والليلة» 287 والطبراني كما في «المجمع» 8412 وقال الهيثمي: وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات اهـ. 746- إسناده صحيح على شرط البخاري، أبو العميس هو عتبة بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وهو في «صحيح البخاري» 45 عن الحسن بن الصباح بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 4407 و4606 و7268 ومسلم 3017 والترمذي 3043 والنسائي (8/ 114) و (5/ 251) والحميدي 33 وابن حبان 185 والطبري 11098 و11099 والآجري في «الشريعة» ص 105 والواحدي في «أسباب النزول» 381 والبيهقي (5/ 118) من طرق عن قيس بن مسلم به. 747- ضعيف. أخرجه الطبري 11087 عن هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ مرسلا. ومع إرساله هارون فيه ضعف. قال الذهبي في «الميزان» : وثقه أحمد ويحيى، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا لا يجوز الاحتجاج به اهـ. فالخبر ضعيف. (1) وقع في المطبوع «المختار» . (2) انظر تفسير الطبري 11085. (3) زيادة عن المخطوط.

الشَّمْسُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، يَعْنِي: يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ وَالْحُدُودَ وَالْجِهَادَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَلَمَّ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْفَرَائِضِ والسنن والحدود والأحكام، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، ويروى عَنْهُ أَنَّ آيَةَ الرِّبَا نَزَلَتْ بَعْدَهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقتادة: [اليوم] [1] أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَكُمْ مُشْرِكٌ، وَقِيلَ: أَظْهَرْتُ دِينَكُمْ وأمّنتكم من العدو، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، يعني: أنجزت وعدي في قوله: وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [الْبَقَرَةِ: 150] ، فَكَانَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ أَنْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وَعَلَيْهَا ظَاهِرِينَ، وَحَجُّوا مُطْمَئِنِّينَ لَمْ يُخَالِطْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً. «748» سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ [أَبِي] [2] حَاتِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْمَرْوَزِيَّ، سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيَّ، سَمِعْتُ عبد الملك بن مسلمة أبا [3] مَرْوَانُ الْمِصْرِيُّ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أبي بكر بن المنكدر سَمِعْتُ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ جبريل: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا دِينٌ ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي وَلَنْ يُصْلِحَهُ إِلَّا السَّخَاءُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا مَا صَحِبْتُمُوهُ» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ، أَيْ: أُجْهِدَ فِي مَجَاعَةٍ، وَالْمَخْمَصَةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنَ الْغِذَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَمِيصُ الْبَطْنِ إِذَا كَانَ طَاوِيًا خَاوِيًا، غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ، أَيْ: مَائِلٍ إِلَى إِثْمٍ وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِمَعْصِيَةٍ فِي مَقْصِدِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَأَكَلَهُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. «749» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَنَا

_ 748- ضعيف جدا. إسناده ضعيف جدا، له علتان الأولى: وهي عبد الملك بن مسلمة المصري فإنه منكر الحديث. والثانية: شيخه إبراهيم ضعفه الدارقطني، وهذا الحديث مسلسل بالسماع لكن لا يفرح به. وأخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» 40 وابن حبان في «المجروحين» (2/ 134) من طريق عبد الملك بن مسلمة بهذا الإسناد. وقال ابن حبان: عبد الملك بن مسلمة يروي المناكير الكثيرة لا تخفى على من عني بعلم السنن اهـ. وأورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» 5/ 371 ونقل عن أبيه قوله: موضوع. وورد بمعناه من حديث عمران بن حصين عند الطبراني في «الأوسط» 8282 وذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 20) وقال: وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك اهـ. [.....] 749- حسن. إسناده ضعيف لانقطاعه، حسان بن عطية روايته عن أبي واقد مرسلة، ورجال الإسناد ثقات، الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وسيأتي موصولا لكن بأسانيد واهية، وللحديث شواهد تشهد له. وهو في «شرح السنة» 2901 بهذا الإسناد غير أن فيه «محمد بن قريش بن سلام» بدل «بن سليمان» وأخرجه البيهقي (9/ 356) عن علي بن عبد العزيز به. (1) زيادة عن المخطوط. (2) ما بين المعقوفتين زيادة من ط. (3) وقع في الأصل «أنا» والتصويب من ط وكتب التراجم.

[سورة المائدة (5) : آية 4]

أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَنَا أَبُو عَبِيدٍ [1] الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ. أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكُونُ بِالْأَرْضِ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ فَقَالَ: «مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَحْتَفِئُوا [2] بِهَا بقلا فشأنكم بها» [3] . [سورة المائدة (5) : آية 4] يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) . قوله: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ الآية.

_ وأخرجه أحمد (5/ 218) (21391 و21394) والدارمي (2/ 88) والطبري 11128 والبيهقي (9/ 356) من طرق عن الأوزاعي به. وأخرجه البيهقي (9/ 356) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ إجازة أن أبا الحسن بن صبيح أخبرهم: أنبأ عبد الله بن شيرويه، أنبأ إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي. قال: حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ ابن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه به. وأخرجه الطبراني في «الكبير» 3315 من طريق حسان بن عطية عن مرثد، أو أبي مرثد، عن أبي واقد الليثي به. و3316 عن طريق حسان عن مسلم بن مشكم عن أبي واقد به. وذكره الهيثمي «المجمع» 6827 و8074 وقال في الموضع الأول: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح، إلا أن المزني قال: لم يسمع حسان بن عطية من أبي واقد والله أعلم اهـ. وقال في الموضع الثاني: رواه الطبراني، ورجاله ثقات اهـ. وأخرجه الطبري 11135 من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية مرسلا. وفي الباب من حديث الفجيع العامري أنه أتى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لنا من الميتة قال: «ما طعامكم» ؟ قلنا: نغتبق ونصطبح. قال: «ذلك وأبي الجوع» فأحل لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو نعيم: فسّره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية اهـ أي فسّر له معنى نغتبق ونصطبح. أخرجه أبو داود 3817 والبيهقي (9/ 357) والبغوي في «شرح السنة» 2900. ومن حديث جابر بن سمرة «أن رجلا نزل الحرّاء، ومعه أهله وولده فقال له رجل: إن ناقة لي ضلت، فإن وجدتها فأمسكها فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت فقالت امرأته: أنحرها. فأبى: فنفقت. فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله صلّى الله عليه وسلم. فأتاه فسأله. فقال: هل عندك شيء يغنيك؟ قال: لا قال: فكلوها. قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر. فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك» . أخرجه أبو داود 3816 والبيهقي (9/ 356) . قال البيهقي (9/ 357) : وفي ثبوت هذه الأحاديث نظر، وحديث جابر بن سمرة أصحها اهـ. (1) وقع في الأصل «عبيدة» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (2) وقع في الأصل «تخنقوا» والتصويب من «شرح السنة» ومصادر التخريج. (3) قال المصنف في «شرح السنة» (6/ 111، 112) : قال أبو عبيد: معنى الحديث إنما لكم منها. يعني من الميتة. الصبوح: وهو الغداء. والغبوق: وهو العشاء. يقول فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة، وأنكروا ذلك على أبي عبيد. وقالوا: معناه إذا لم تجدوا صبوحا أو غبوقا، ولم تجدوا بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة، فإذا اصطبح الرجل لبنا أو تغدى بطعام لم يحل له نهاره ذلك أكل الميتة، وكذلك إذا تعشى أو شرب غبوقا، فلم يحل له ليلته تلك لأنه يتبلّغ بتلك الشربة. وإذا مر المضطر بتمر أو زرع أو ماشية للغير، أكل منها، لم يكن لمالكه منعه، فإن منعه، كان في ذمته اهـ «شرح السنة» . وقيل: معنى تحتفئوا: تقتلعوا. والصبوح: شرب أول النهار. والغبوق: شرب آخر النهار.

«750» قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَزَيْدِ بْنِ الْمُهَلْهِلِ الطَّائِيَّيْنِ وَهُوَ زَيْدُ الْخَيْلِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ الْخَيْرِ، قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. 75» وَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، وَنَهَى عَنْ إِمْسَاكِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا. «752» أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ [1] عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ [2] أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي سَبَبِ نِزُولِ [هَذِهِ] [3] الْآيَةِ. قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: كُلُّ مَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَتَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ بِتَحْرِيمِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سَنَةٍ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ، يَعْنِي: وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ مَا صَادَهُ غَيْرُ الْكَلْبِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ

_ 750- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 384 عن سعيد بن جبير بدون إسناد. فالخبر واه ليس بشيء. وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 20) لابن أبي حاتم. 751- هو عند الواحدي في «أسباب النزول» ص 194 نقلا عن المفسرين بدون إسناد. وأصله عند الحاكم (2/ 311) والطبري 11137 والواحدي 383 والطبراني 971 و972 من حديث أبي رافع، وأعله الهيثمي في «المجمع» 6096 بموسى بن عبيدة الربذي، وضعفه به، لكن تابعه محمد بن إسحاق عند الحاكم، وصححه وسكت الذهبي، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس. وورد بنحوه عن عكرمة مرسلا أخرجه الطبري 11138 وعن محمد بن كعب 11139 بنحوه فالحديث لا بأس به بهذه الطرق والله أعلم. 752- إسناده صحيح، رجاله رجال البخاري ومسلم، سوى أحمد بن منصور وهو ثقة، معمر هو ابن راشد الزهري، هو محمد بن مسلم، أبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وهو في «شرح السنة» 2771 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1575 ح 58 وأبو داود 2844 والترمذي 1490 والنسائي (7/ 198) وأحمد (2/ 267) والبيهقي (1/ 251) من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2322 و3324 ومسلم 1575 وابن ماجه 3204 وأحمد (2/ 425 و473) وابن حبان 5652 و5654 والبيهقي (6/ 10) من طرق يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أبي سلمة به. وأخرجه مسلم 1575 ح 57 والنسائي (7/ 189) وابن أبي شيبة (5/ 409) وأحمد (2/ 345) والبيهقي (1/ 251) و (6/ 10) من طرق من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة. (1) وقع في الأصل «الحسن» والتصويب من ط و «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «الزيادي» والتصويب من ط و «شرح السنة» وكتب التراجم. (3) زيد في المطبوع وحده «أما تفسير الآية» . [.....]

الجوارح الكواسب مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْكَلْبِ وَمِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَيَحِلُّ صَيْدُ جَمِيعِهَا، سُمِّيَتْ جارحة: لجرحها أربابها أَقْوَاتَهُمْ مِنَ الصَّيْدِ، أَيْ: كَسْبِهَا، يُقَالُ: فُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كاسبهم، مُكَلِّبِينَ، المكلّب [هو] [1] الَّذِي يُغْرِي الْكِلَابَ عَلَى الصَّيْدِ، وَيُقَالُ لِلَّذِي يُعَلِّمُهَا أَيْضًا: مُكَلِّبٌ، وَالْكَلَّابُ: صَاحِبُ الْكِلَابِ، وَيُقَالُ لِلصَّائِدِ بِهَا أَيْضًا كَلَّابٌ، وَنَصَبَ مُكَلِّبِينِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: فِي حَالِ تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إِيَّاهَا عَلَى الصَّيْدِ، وَذَكَرَ الْكِلَابَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ جَوَارِحِ الصَّيْدِ، تُعَلِّمُونَهُنَّ، تُؤَدِّبُونَهُنَّ آدَابَ أَخْذِ الصَّيْدِ، مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ: كَمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، (مِنْ) بِمَعْنَى الْكَافِ، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَرَادَ أَنَّ الْجَارِحَةَ الْمُعَلَّمَةَ إِذَا خَرَجَتْ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا فَأَخَذَتِ الصَّيْدَ وَقَتَلَتْهُ كَانَ حَلَالًا، وَالتَّعْلِيمُ هُوَ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: إِذَا أُشْلِيَتِ اسْتَشْلَتْ، وَإِذَا زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وَإِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ أَمْسَكَتْ وَلَمْ تَأْكُلْ، وَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ منه مرارا وأقلها ثَلَاثُ مَرَّاتٍ كَانَتْ مُعَلَّمَةً، يَحِلُّ قَتْلُهَا [2] إِذَا خَرَجَتْ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا. «753» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا ثابت بن يزيد [3] عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وَإِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ وَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلى تحريمه، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشافعي.

_ 753- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عاصم هو الأحول واسم أبيه سليمان، الشعبي هو عامر بن شراحيل. وهو في «شرح السنة» 2762 بهذا الإسناد. وهو في «صحيح البخاري» 5484 عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1929 ح 6 و7 وأبو داود 2849 و2850 والترمذي 1469 والنسائي (7/ 179، 180 و182 و183 و184) وابن ماجه 3213 وعبد الرزاق 8502 وأحمد (4/ 257 و379 و380) والدارقطني (4/ 294) وابن حبان 5880 وابن الجارود 920 والطبراني (17/ 154، 157) والبيهقي (9/ 236 و238 و239 و243 و244 و248) من طرق عن عاصم بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 175 و2054 و5475 و5476 و5483 و5487 ومسلم 1929 ح 2 و3 و4 و5 وأبو داود 2848 و2851 والترمذي 1467، و1470 والنسائي (7/ 180 و182 و183) وابن ماجه 3208 و3212 و3214 والطيالسي 1030 وعبد الرزاق 8531 والحميدي 914 و915 و917 وأحمد (4/ 256 و257 و358 و377 و379 و380) والدارمي (2/ 89) وابن الجارود 915 و918 والطبراني (17/ 141، 153 و159 و168) والبيهقي (9/ 235 و236 و238 و242 و244) من طرق عن عامر الشعبي به. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) في المخطوط وحده «قتيلها» . (3) وقع في الأصل «زيد» والتصويب من «شرح السنة» ومصادر التخريج.

لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» [1] . وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي أَكْلِهِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَسَعْدِ بن أبي وقاص، و [به] [2] قَالَ مَالِكٌ: «754» لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ وَإِنْ أكل منه» . أمّا غَيْرُ الْمُعَلَّمِ مِنَ الْجَوَارِحِ إِذَا أَخَذَ صَيْدًا أَوِ الْمُعَلَّمُ إِذَا جرح بِغَيْرِ إِرْسَالِ صَاحِبِهِ فَأَخَذَ وَقَتَلَ فَلَا يَكُونُ حَلَالًا إِلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ صَاحِبُهُ حَيًّا فَيَذْبَحَهُ، فَيَكُونُ حَلَالًا. «755» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَنَا حَيْوَةُ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بمعلّم، وبكلبي المعلم فما يصلح [3] لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وجدتم

_ 754- إسناد حسن، والمتن غريب. أخرجه أبو داود 2852 والبيهقي (9/ 237) من مذهب أبي ثعلبة، ورجاله ثقات، وحسنه ابن عبد الهادي كما في «نصب الراية» (4/ 312) وورد من طريق حبيب الْمُعَلِّمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عن أبيه عن جده، وهذا إسناده قوي، وقواه الحافظ ابن حجر في «الدراية» (2/ 254) وصححه ابن عبد الهادي كما في «نصب الراية» ومع ذلك ورد من طرق أخرى عن أبي ثعلبة بأسانيد أصح مما تقدم وليس فيها «فكل وإن أكل» وانظر الآتي. 755- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، حيوة هو ابن شريح، أبو إدريس هو عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهو في «شرح السنة» 2765 بهذا الإسناد. وهو في «صحيح البخاري» 5478 من طريق عبد الله بن يزيد بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 5488 و5496 ومسلم 1930 وأبو داود 2855 والترمذي بإثر 1560 والنسائي (7/ 181) وابن ماجه 3207 وأحمد (4/ 195) وابن الجارود 916 وابن حبان 5879 والبيهقي (4/ 244) من طرق عن حيوة بن شريح بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 2852 و2856 والترمذي 1464 وأحمد (4/ 195) والبيهقي (9/ 237) من طرق عن أبي إدريس الخولاني به. وأخرجه الترمذي 1464 وأحمد (4/ 193) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني به. وأخرجه أبو داود 2857 والدارقطني (4/ 293، 294) والبيهقي (9/ 237) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن أبي ثعلبة به. وأخرجه ابن ماجه 3211 من طريق سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة مختصرا، و2831 من طريق عروة بن رويم اللخمي عن أبي ثعلبة. وأخرجه أحمد (4/ 195) من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن أبي ثعلبة الخشني به. وأخرجه الترمذي 1560 و1796 وعبد الرزاق 8503 والطيالسي 1014 و1015 وأحمد (4/ 193 و194) من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي ثعلبة به، وقال الترمذي: وأبو قلابة لم يسمع من أبي ثعلبة، إنما رواه عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة اهـ. ورواية أبي أسماء عن أبي ثعلبة عن أحمد (4/ 195) . (1) انظر الحديث المتقدم. (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع وط «يصح» .

[سورة المائدة (5) : آية 5]

غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فكل» . وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ، فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ حَالَةَ مَا يُذْبَحُ، وَفِي الصَّيْدِ حَالَةَ مَا يُرْسِلُ الْجَارِحَةَ أَوِ السَّهْمَ. «756» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُلْوِيَّةَ الْجَوْهَرِيُّ قال: أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَثْرَمِ الْمُقْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ أنا عمر بن شبة [1] أَنَا [ابْنُ] [2] أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: «بِسْمِ الله والله أكبر» . [سورة المائدة (5) : آية 5] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، يُرِيدُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالٌ لَكُمْ، فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ ذَبَحَ يهودي أو

_ 756- إسناده صحيح، عمرو بن شبة ثقة، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ابن أبي عدي هو محمد بن إبراهيم. وهو في «شرح السنة» 1114 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 1966 من طريق ابن أبي عدي بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (7/ 231، 4430) من طريق سعيد به. وأخرجه البخاري 5558 ومسلم 1966 والنسائي (7/ 230 و231) وابن ماجه 3120 والطيالسي 1968 وأحمد (3/ 115 و183 و222 و255 و272 و279) والدارمي (2/ 75) وابن الجارود 909 وأبو يعلى 3136 و3247 و3248 وابن حبان 5900 و5901 من طرق عن شعبة عن قتادة به. وأخرجه البخاري 5564 و5565 و7399 ومسلم 1966 وأبو داود 2794 والترمذي 1494 والنسائي (7/ 220) وعبد الرزاق 8129 والطيالسي 1968 وأحمد (3/ 170 و211 و214 و258) وابن الجارود 902 وأبو يعلى 2859 و2877 و3118 و3166 و3247 والبيهقي (9/ 259 و283 و285) من طرق عن قتادة به. وأخرجه البخاري 1551 و1712 و5554 وأبو داود 2793 والنسائي (7/ 220) وأحمد (3/ 268) وأبو يعلى 2806 و2807 والبيهقي (9/ 272 و279) من طرق عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ به. وأخرجه البخاري 5553 والنسائي (7/ 219) وأحمد (3/ 101 و281) والدارقطني (4/ 285) من طريق عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أنس به. وأخرجه النسائي (7/ 220) والبيهقي (9/ 263 و277) من طريق محمد بن سيرين عن أنس. وأخرجه النسائي (7/ 219، 220) وأحمد (3/ 178) من طريق ثابت عن أنس به. (1) وقع في الأصل «شيبة» والتصويب من «شرح السنة» وكتب التراجم. (2) ما بين المعقوفتين زيادة من «شرح السنة» وكتب التراجم.

نَصْرَانِيٌّ عَلَى اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كَالنَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَاخْتَلَفُوا فيه، قال [ابن] [1] عُمَرُ: لَا يَحِلُّ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ، سُئِلَ الشعبي وعطاء عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، قَالَا: يَحِلُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ فَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَلَا تَأْكُلْهُ فَإِذَا غَابَ عَنْكَ فكل فقد أحلّه [اللَّهُ] [2] لَكَ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ شَرَعَ لَهُمْ حِلُّ طَعَامِنَا وَهُمْ كُفَّارٌ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ فَيَكُونُ خِطَابُ الْحِلِّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حِلَّ الْمُسْلِمَاتِ لَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُمْ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، هَذَا رَاجَعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ. اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى (المحصنات) ، فذكر أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُنَّ الْحَرَائِرُ، وَأَجَازُوا نِكَاحَ كُلِّ حُرَّةٍ مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً فَاجِرَةً كَانَتْ أَوْ عَفِيفَةً، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ [النِّسَاءِ: 25] ، جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أن تكون الأمة مُؤْمِنَةً، وَجَوَّزَ أَكْثَرُهُمْ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَجُوزُ وَقَرَأَ قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التَّوْبَةِ: 29] ، فَمَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ حَلَّ لَنَا نِسَاؤُهُ وَمَنْ لَمْ يُعْطِهَا فَلَا يَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ: الْعَفَائِفُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً وَأَجَازُوا نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَحَرَّمُوا الْبَغَايَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِحْصَانُ الْكِتَابِيَّةِ أَنْ تَسْتَعِفَّ مِنَ الزِّنَا وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [أَيْ: مُهُورَهُنَّ] [3] مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ، غَيْرَ مُعَالِنِينَ بِالزِّنَا، وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ، أَيْ: غير مسرّين بِالزِّنَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: حَرَّمَ اللَّهُ الْجِمَاعَ عَلَى جِهَةِ السِّفَاحِ وَعَلَى جِهَةِ اتِّخَاذِ الصَّدِيقَةِ، وَأَحَلُّهُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَقُولُ لَيْسَ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُنَّ بِالَّذِي يُخْرِجُهُنَّ مِنَ الْكُفْرِ أَوْ يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ، أَيْ: بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِالْإِيمَانِ أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وهو القرآن، وقيل: ومن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ، أَيْ: يَسْتَحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ الثَّوَابَ.

_ (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط وط. [.....] (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة المائدة (5) : آية 6]

[سورة المائدة (5) : آية 6] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النمل: 98] ، أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ يُرِيدُ الْقِيَامَ إِلَى الصّلاة، لكن علمنا بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ. «757» قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» . «758» وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَيْنَ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ. «759» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ [1] أَنَا أَبُو الْحَارِثِ طاهر بن محمد الظاهري أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ] أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الموجّه أنا عَبْدَانُ [أَنَا عَبْدُ اللَّهِ] [3] أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ. أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ فَتْحِ مكة الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَعْنَى الْآيَةِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مِنَ النَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَمْرٌ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ، ندب لمن قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا طَهَارَتَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى طُهْرٍ. «760» رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ له عشر حسنات» .

_ 757- تقدم برقم: 606. 758- مراد المصنف ما أخرجه النسائي (2/ 17) والشافعي 1 وأحمد (3/ 25 و67 و68) وأبو يعلى 1296 وابن حبان 2890 والبيهقي (1/ 402، 403) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عزّ وجلّ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم بلالا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام العصر فصلّاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذّن للمغرب فصلاها كما كان يصليها وقتها» وهذا إسناده صحيح، وورد من حديث ابن مسعود، وزاد فيه ذكر صلاة العشاء. أخرجه النسائي (2/ 18 ح 661 و662) لكن فيه إرسال بين أبي عبيدة وأبيه ابن مسعود. 759- إسناده صحيح، سليمان بن بريدة من رجال مسلم، وباقي الإسناد على شرطهما، عبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك، وسفيان هو ابن سعيد الثوري. وهو في «شرح السنة» 231 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 277 وأبو داود 172 والترمذي 61 والنسائي (1/ 16) وأحمد (5/ 350 و351 و358) وأبو عوانة (1/ 237) والدارمي (1/ 169) والطحاوي في «المعاني» (1/ 41) وابن حبان 1706 و1708 والبيهقي (1/ 162) من طرق عن سفيان به. وأخرجه الطيالسي (1/ 54) عن قيس عن علقمة بن مرثد به. وأخرجه ابن ماجه 510 وابن أبي شيبة (1/ 29) وابن حبان 1707 من طريق وكيع عن سفيان عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ سليمان بن بريدة به. (1) وقع في الأصل «الحنفي» والتصويب عن ط و «شرح السنة» . (2) وقع في الأصل «حكيم» والتصويب عن ط و «شرح السنة» و «الأنساب» . (3) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» وكتب التراجم. 760- ضعيف، أخرجه أبو داود 62 والترمذي 59 وابن ماجه 512 والطبري 11340 و11341 من حديث ابن عمر، وإسناده،

«761» وَرُوِيَ [عَنْ] [1] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حنظلة بن [أبي] عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الْحَدَثِ مَا بَدَا لَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ غَيْرَ الصَّلَاةِ. «762» أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أبو الحارث الظاهري أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ [2] أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ أَنَا صَدَقَةُ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ مِنَ الْغَائِطِ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ فقال: «لم أصلّ [3] فَأَتَوَضَّأُ» . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقْنِ طُولًا وَمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا يجب غَسْلُ جَمِيعِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيَجِبُ أَيْضًا إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ وَالشَّارِبِ والعذار والعنفقة [4] وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً، وَأَمَّا الْعَارِضُ [5] وَاللِّحْيَةُ فَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ تَحْتِهَا لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا فِي الْوُضُوءِ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا، وَهَلْ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الذَّقَنِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه لِأَنَّ الشَّعْرَ النَّازِلَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّأْسِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ النَّازِلُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَجْهِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يجب إمرار الماء على

_ ضعيف لأجل عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وشيخه عفيف مجهول. وضعفه الترمذي وكذا ابن حجر في «تلخيص الحبير» (1/ 143/ 192) وابن كثير في «التفسير» (2/ 31) حيث وافق الترمذيّ على تضعيف الحديث، والله أعلم. 761- أخرجه أبو داود 48 وأحمد (5/ 225) والحاكم (1/ 156) والطبري 11331 والطحاوي في «المعاني» (1/ 42، 43) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حنظلة، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي! مع أن أسماء بنت زيد بن الخطاب، روى لها أبو داود، وقيل: لها صحبة. وكذلك عبد الله بن حنظلة روى له أبو داود، وله رؤية، وتوفي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم وله سبع سنوات، وسماعه محتمل. أو هو مرسل. وانظر «صحيح أبي داود» 38. 762- إسناده على شرط الصحيح، صدقة هو ابن الفضل روى له البخاري، وسعيد بن الحويرث خرج له مسلم، وباقي رجاله على شرطهما، ابن عيينة هو سفيان. وهو في «شرح السنة» 272 بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 374 ح 119 وأحمد (1/ 222) (1933) والبيهقي (1/ 42) من طرق عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد ورواية مسلم: «لم؟ أأصلي فأتوضأ» . وأخرجه مسلم 374 ح 121 وأحمد (1/ 284) (2566) من طريق ابن جريج قال: حدثنا سعيد بن حويرث به، وفيه «ما أردت صلاة فأتوضأ» . وأخرجه أبو داود 3760 ومن طريقه البيهقي (1/ 42) عن مسدد عن إسماعيل عن أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي مليكة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بالوضوء، فقال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» . (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) وقع في الأصل «حكيم» وهو تصحيف. (3) في ط و «صحيح مسلم» : «أأصلي» . [.....] (4) العذار: جانبا اللحية. والعنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. كما في «القاموس» . (5) العارض: صفحة الخدّ.

ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْوَجْهُ مَا يَقَعُ به الْمُوَاجَهَةِ مِنْ هَذَا الْعُضْوِ، وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ: بَقَلَ وَجْهُ فُلَانٍ وَخَرَجَ وَجْهُهُ: إِذَا نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ. قول تَعَالَى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ، أَيْ: مَعَ الْمَرَافِقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النِّسَاءِ: 2] ، أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَالَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران: 52] ، أَيْ: مَعَ اللَّهِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ، وَفِي الرِّجْلِ يَجِبُ غَسْلُ الْكَعْبَيْنِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لِأَنَّ حَرْفَ إِلَى لِلْغَايَةِ وَالْحَدِّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ، قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِحَدٍّ وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: الشَّيْءُ إِذَا حُدَّ إِلَى جِنْسِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَايَةُ، وَإِذَا حُدَّ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ لَا يَدْخُلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [الْبَقَرَةِ: 187] ، لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّهَارِ، قوله تعالى: وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ قَدْرُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ بِمَا: «763» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» . فَأَجَازَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَلَمْ يُجَوِّزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بدلا من مسح الرأس، وقال فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ إِنَّ فَرْضَ المسح

_ 763- إسناده صحيح، الشافعي فمن دونه ثقات، وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم سوى عمرو بن وهب الثقفي، وهو ثقة، وقد توبع. ابن سيرين هو محمد، أيوب هو ابن أبي تميمة السّختياني. وهو في «شرح السنة» 232 بهذا الإسناد. وهو في «مسند الشافعي» (1/ 32) عن يحيى بن حسان بهذا الإسناد. وأخرجه ابن أبي شيبة (1/ 179) وأحمد (4/ 244 و249) من طريق إسماعيل بن علية به. وأخرجه ابن حبان 1342 عن ابن سيرين به. وأخرجه البيهقي (1/ 58) من طريق حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عن ابن سيرين عن رجل عن عمرو بن وهب به. وأخرجه أحمد (4/ 248) عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ ابن سيرين عن رجل عن عمرو بن وهب به. وأخرجه البخاري 206 و5799 ومسلم 274 ح 79 وأبو داود 151 والنسائي (1/ 63) والشافعي (1/ 32) والحميدي 758 وأحمد (4/ 251 و255) أبو عوانة (1/ 225 و226) وابن حبان 1326 والطحاوي (1/ 83) والطبراني في «الكبير» (20/ 864 و866 و867 و868 و871) والبيهقي (1/ 281) والخطيب (12/ 427) من طرق عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه في أثناء حديث. وأخرجه مسلم 274 ح 83 وأبو داود 150 والترمذي 100 والنسائي (1/ 76) وأحمد (4/ 255) وأبو عوانة (1/ 259) وابن حبان 1346 وابن الجارود 83 والبيهقي (1/ 58 و60) من طرق عن يحيى القطان عن سليمان التيمي عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن أبيه به. وأخرجه البخاري 182 و203 و363 و2918 و4421 و5798 ومسلم 274 وأبو داود 149 و150 والترمذي 100 والنسائي (1/ 63 و76 و82 و83) وابن ماجه 545 ومالك (1/ 35 و36) والشافعي (1/ 32) والحميدي 757 وعبد الرزاق 747 و748 و749 و750 وابن أبي شيبة (1/ 176 و178 و179) وأحمد (4/ 844 و246 و247، 254) وأبو عوانة (1/ 257 و258) وابن حبان 1347 وابن الجارود 83 و85 والطبراني في «الكبير» (20/ 858 و872، 877) و (1028، 1031) وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 335) والبيهقي (1/ 271 و274 و283) من طرق عن المغيرة به.

سَقَطَ عَنْهُ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ غَيْرُ وَاجِبٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ وَأَرْجُلَكُمْ بِنُصْبِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: «وَأَرْجُلِكُمْ» بِالْخَفْضِ، فَمَنْ قَرَأَ «وَأَرْجُلَكُمْ» بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ، أَيْ: وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ فَقَدْ ذَهَبَ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى الرجلين، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ وَقَالَ: أَلَا تَرَى الْمُتَيَمِّمَ يَمْسَحُ مَا كَانَ غَسْلًا وَيُلْغِي مَا كَانَ مَسْحًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يَتَخَيَّرُ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَذَهَبَ عَامَّةُ [1] أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا: خَفْضُ اللَّامِ فِي الْأَرْجُلِ عَلَى مُجَاوَرَةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 26] ، فَالْأَلِيمُ صِفَةُ الْعَذَابِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ إِعْرَابَ الْيَوْمِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَكَقَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضب خرب، فالخراب نعت الجحر، وَأَخَذَ إِعْرَابَ الضَّبِّ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مَا: «764» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ الْخَطِيبُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [مُحَمَّدُ بن

_ 764- إسناده صحيح، مسدد هو ابن مسرهد، روى له البخاري ومن فوقه على شرطهما، أبو عوانة هو وضاح بن عبد الله اليشكري، أبو بشر هو جعفر بن إياس اليشكري. وهو في «شرح السنة» 220 بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي (1/ 68) من طريق الحجبي ومسدد بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 96 عن مسدد عن أبي عوانة به. وأخرجه البخاري 60 و163 ومسلم 241 ح 27 وأحمد (2/ 211 و226) والطحاوي في «المعاني» (1/ 39) من طرق عن أبي عوانة به. وأخرجه أحمد (2/ 205) والطبري 11525 من طريق مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عن أبي بشر عن رجل من أهل مكة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وأخرجه مسلم 241 وأبو داود 97 والنسائي (1/ 77) وابن ماجه 450 وابن أبي شيبة (1/ 26) وأحمد (2/ 193) وابن حبان 1055 والطبري 11523 و11526 من طرق عن سفيان الثوري عن منصور عن هلال بن يساف عن أبي يحيى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو به. وأخرجه الطيالسي (1/ 53) وأحمد (2/ 201) والدارمي (1/ 179) والطبري 11524 و11525 والطحاوي (1/ 39) من طرق عن منصور بالإسناد السابق. والحديث ورد عن عدّة من الصحابة فقد: أخرجه مسلم 240 وأحمد (6/ 81 و84) والشافعي (1/ 31) والطيالسي 1552 والطبري 1158 و1159 و11510 والطحاوي (1/ 38) والبيهقي (1/ 69) وفي «المعرفة» (1/ 215) من طرق عن سالم الدوسي عن عائشة. وأخرجه ابن ماجه 452 وأحمد (6/ 41) والحميدي (1/ 87) وابن أبي شيبة (1/ 26) وابن حبان 1059 والطبري 11511 و11512 والطحاوي (1/ 38) والبيهقي في «المعرفة» (1/ 215) من طرق عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي سلمة عن عائشة مرفوعا. وأخرجه البخاري 165 ومسلم 242 والنسائي (1/ 77) وعبد الرزاق 62 وابن أبي شيبة (1/ 26) وأحمد (4/ 409 و430 و498) والدارمي (1/ 179) والطحاوي (1/ 38) وابن حبان 1088 من طرق عن محمد بن زياد عن أبي هريرة مرفوعا. (1) في المطبوع «جماعة» .

عَبْدِ اللَّهِ] [1] الْحَافِظُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنَا الْحَجَبِيُّ وَمُسَدَّدٌ قَالَا [2] : أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَانَا بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . «765» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [حَدَّثَنَا عَبْدَانُ] [3] أَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَا مَعْمَرٌ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تمضمض واستنشق، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ برأسه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا [ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا] [4] ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نحو وضوئي هذا ثم يصلي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بشيء غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَأَرْجُلَكُمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. «766» كَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَكَعَ وضع يديه على ركبتيه.

_ وأخرجه مسلم 242 ح 30 والترمذي 41 وعبد الرزاق 63 وأحمد (2/ 282 و389) وابن خزيمة 162 والطحاوي (1/ 38) من طرق عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وأخرجه ابن ماجه 454 والطحاوي (1/ 38) والطبري 11514، 11521 من حديث جابر. وأخرجه أحمد (4/ 190 و191) والدارقطني (1/ 95) والطحاوي (1/ 38) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارث. وأخرجه أحمد (3/ 426) و (5/ 425) والطبري 11522 من حديث معيقب. وأخرجه ابن ماجه 455 من حديث خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص. 765- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عبدان هو عبد الله بن عثمان بن جبلة، عبد الله هو ابن المبارك، معمر هو ابن راشد، الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، عطاء بن يزيد هو الليثي، حمران هو ابن أبان. وهو في «شرح السنة» 221 بهذا الإسناد. وهو في «صحيح البخاري» 1934 عن عبدان بهذا الإسناد. وأخرجه النسائي (1/ 64) والبيهقي (1/ 56) من طريق عبد الله بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 159 و164 ومسلم 226 ح 4 وأبو داود 106 والنسائي (1/ 65 و80) وعبد الرزاق 140 وأحمد (1/ 59) والبيهقي (1/ 48 و49 و56 و57 و58 و98) وابن حبان 1058 و1060 وابن خزيمة 3 و158 والبيهقي (1/ 48 و49 و57 و58 و68) وفي «المعرفة» (1/ 228) من طرق عن الزهري به. وأخرجه البخاري 160 ومسلم 227 والنسائي (1/ 91) ومالك (1/ 30) وعبد الرزاق 141 وأحمد (1/ 57) وابن خزيمة 2 وابن حبان 1041 والبيهقي في «المعرفة» (1/ 225) والبغوي في «شرح السنة» 152 و153 من طرق عن عروة عن حمران به. وأخرجه البخاري 6433 وأحمد (1/ 64 و68) من طريق محمد بن إبراهيم القرشي عن معاذ بن عبد الرحمن عن حمران به. 766- يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري 828 وأبو داود 731 و732 و965 وابن خزيمة 652 وابن حبان 1869 والبيهقي (2/ 84 و97 و102 و116 و128) والبغوي في «شرح السنة» 557 من طرق عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن (1) زيادة عن المخطوط. (2) في الأصل: «قال» وهو تصحيف. (3) ما بين المعقوفتين مستدرك من «شرح السنة» وط و «صحيح البخاري» . (4) سقط من المطبوع.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يكن بينهما حائل، يقال: قَبَّلَ فُلَانٌ رَأْسَ الْأَمِيرِ وَيَدَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِمَامَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ. «767» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو نعيم [حدثنا] [1] زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: «أمعك ماء» ، قلت: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: «دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَى الْكَعْبَيْنِ، والكعبان هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيِ القدمين، وهما مجمع مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعَ الْقَدَمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمِرْفَقَيْنِ. وَفَرَائِضُ الْوُضُوءِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلى وجوبها لأنّ الوضوء عبادة تفتقر إِلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ [وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ] [2] ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ عَلَى الْوَلَاءِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [الْبَقَرَةِ: 158] . «768» وَبَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفَا، وَقَالَ: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ غسل

_ محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا مع نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم فذكرنا صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فقال أبو حميد الساعدي: أنا كنت أحفكم لصلاة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره....» . وفي الباب من حديث مصعب بن سعد يقول: «صليت إلى جنب أبي فطبّقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي، فنهاني أبي وقال: كنا نفعله فنهينا عنه، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» . أخرجه البخاري 790 ومسلم 29 والبيهقي (2/ 83 و84) . 767- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو نعيم هو الفضل بن دكين، زكريا هو ابن أبي زائدة خالد، عامر هو ابن شراحيل الشعبي. وهو في «شرح السنة» 235 بهذا الإسناد. هو في «صحيح البخاري» 5799 عن أبي نعيم بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 206 ومسلم 274 ح 79 من طريق زكريا بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود 151 والنسائي (1/ 63) والشافعي (1/ 32) والحميدي 758 وأحمد (4/ 251 و255) والدارمي (1/ 181) وابن حبان 1326 وأبو عوانة (1/ 225 و226) وابن خزيمة 190 و191 والطحاوي (1/ 83) والخطيب (12/ 427) والطبراني في «الكبير» (20/ 864 و866 و867 و868 و869 و871) من طرق عامر الشعبي بهذا الإسناد. وانظر الحديث المتقدم برقم: 763. [.....] 768- تقدم برقم: 118. (1) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل. (2) زيادة عن المخطوط.

الْوَجْهِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ فِعْلًا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بذكره، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ سُنَّةٌ، وَقَالُوا: الْوَاوَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الآية للجمع لَا لِلتَّرْتِيبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ [التوبة: 60] الآية، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي صَرْفِ الصَّدَقَاتِ إِلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَاعَى التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَفِي الْوُضُوءِ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ إِلَّا مُرَتِّبًا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيَانُ الْكِتَابِ يُؤْخَذُ مِنَ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الْحَجِّ: 77] ، لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ إِلَّا كَذَلِكَ فَكَانَ مراعاة الترتيب فيه واجبا، كذلك الترتيب هاهنا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا، أَيِ: اغْتَسِلُوا. «769» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ [عَنْ أَبِيهِ] [1] عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ وَهُوَ التُّرَابُ، مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ، بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، مِنْ حَرَجٍ: ضِيقٍ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَاتِ وَالذُّنُوبِ، وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِتْمَامُ النِّعْمَةِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا بِالْوُضُوءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الْفَتْحِ: 2] ، فَجَعَلَ تَمَامَ نِعْمَتِهِ غُفْرَانَ ذنوبه. «770» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأصم أنا

_ 769- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، عروة هو ابن الزبير. هو في «شرح السنة» 246 بهذا الإسناد. وهو في «الموطأ» (1/ 44) عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيه به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 248 والنسائي (1/ 134 و200) والشافعي (1/ 36 و37) وابن حبان 1196 والبيهقي (1/ 175 و194) وفي «المعرفة» (1/ 427) . وأخرجه البخاري 262 و272 ومسلم 316 وأبو داود 242 والترمذي 104 والنسائي (1/ 135) وعبد الرزاق 999 وابن أبي شيبة (1/ 63) والحميدي 163 وأحمد (6/ 101) والدارمي (1/ 191) وابن خزيمة 342 والبيهقي (1/ 172 و173 و174 و175 و176 و193) من طرق عن هشام بن عروة به. وأخرجه مسلم 321 ح 43 والنسائي (1/ 132 و134) وأحمد (6/ 96 و143 و173) وابن أبي شيبة (1/ 63) وابن حبان 1191 والبيهقي (1/ 172 و174) من طرق عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرحمن عن عائشة به. وأخرجه البخاري 258 ومسلم 318 وأبو داود 240 والنسائي (1/ 206) وابن خزيمة 245 وابن حبان 1197 والبيهقي (1/ 184) من طرق عن أبي عاصم عن حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ به. (1) زيادة عن شرح السنة وكتب التخريج. 770- إسناده صحيح ورجاله ثقات، سفيان هو ابن عيينة، حمران هو ابن أبان. وهو في «شرح السنة» 152 بهذا الإسناد. وأخرجه الشافعي في «مسنده» (1/ 31) عن سفيان بهذا الإسناد ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» (1/ 225) .

[سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 9]

الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» . «771» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ يَوْمًا فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا» ، قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه: 17] ، ورواه ابن شهاب، وقال: [قال] [1] عُرْوَةُ: الْآيَةُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى [الْبَقَرَةِ: 159] . «772» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ [أَبِي] [2] هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجَمَّرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ظَهْرِ [3] سطح الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثار الوضوء، فمن استطاع [منكم] [4] أَنْ يُطِيلَ مِنْكُمْ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» . [سورة المائدة (5) : الآيات 7 الى 9] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9)

_ وانظر الحديث المتقدم برقم: 749. وفي الباب من حديث أبي هريرة عند مسلم 244 والترمذي 2 ومالك (1/ 32) وأحمد (2/ 303) والدارمي (1/ 183) وابن حبان 1040 وابن خزيمة 4 والبيهقي (1/ 81) . 771- إسناده صحيح على شرطهما، حمران هو ابن أبان مولى عثمان بن عفان. وهو في «شرح السنة» 153 بهذا الإسناد. وهو في «الموطأ» (1/ 30) من طريق هشام بن عروة به. وانظر مزيد الكلام عليه عند الحديث المتقدم برقم: 749. 772- إسناده على شرط البخاري ومسلم، الليث هو ابن سعد، خالد هو ابن يزيد المصري، نعيم. بفتح النون. هو ابن عبد الله المدني، ويعرف بالمجمر. وهو في «شرح السنة» 218 بهذا الإسناد. وهو في «صحيح البخاري» 136 عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ بِهَذَا الإسناد. وأخرجه أحمد (2/ 400) والبيهقي (1/ 57) من طريق الليث بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 246 ح 35 وابن حبان 1049 من طريق ابن وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ به. وأخرجه أحمد (2/ 362) عن معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن ليث عن كعب عن أبي هريرة به. (1) زيادة عن «شرح السنة» . (2) سقط من المخطوط. (3) زيادة عن «شرح السنة» . (4) زيادة عن المخطوط.

[سورة المائدة (5) : الآيات 10 الى 11]

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي: النِّعَمَ كُلَّهَا، وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ، عَهْدَهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ [1] بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا، وَذَلِكَ حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وفيما أَحَبُّوا وَكَرِهُوا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ، أي: كونوا له قَائِمِينَ بِالْعَدْلِ قَوَّالِينَ بِالصِّدْقِ، أَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ فِي أَفْعَالِهِمْ [2] وَأَقْوَالِهِمْ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ، شَنَآنُ قَوْمٍ، بُغْضُ قَوْمٍ، عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا، أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ لِعَدَاوَتِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: اعْدِلُوا، يَعْنِي: فِي أَوْلِيَائِكُمْ وَأَعْدَائِكُمْ، هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، يَعْنِي: إِلَى التَّقْوَى، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) ، وَهَذَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْوَعْدِ وَاقِعٌ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَرَفْعُهَا عَلَى تَقْدِيرٍ، أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ: مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عظيم. [سورة المائدة (5) : الآيات 10 الى 11] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ، إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، بِالْقَتْلِ. «773» قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ فَأَرَادَ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَبَنُو مُحَارِبٍ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِذَا اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ. «774» وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرًا غَطْفَانَ بِنَخْلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: هَلْ لَكَمَ فِي أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ، قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرِنِي سَيْفَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَهُزُّ السَّيْفَ، وينظر مرة إلى

_ 773- مرسل. أخرجه الطبري 11568 عن قتادة مرسلا بأتم منه. [.....] 774- لم أره من مرسل الحسن، وقد ذكره السيوطي في «أسباب النزول» 415 من طريق الحسن عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ به. ونسبه لأبي نعيم في «دلائل النبوة» والحسن لم يسمع من جابر كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم. وأصل هذا الخبر تقدم برقم: 690. (1) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «عاهدكم» . (2) في المطبوع وط «أعمالهم» .

[سورة المائدة (5) : آية 12]

السَّيْفِ وَمَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَامَ [1] السَّيْفَ وَمَضَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. «775» وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ يَسَارٍ [2] عَنْ رِجَالِهِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو السَّاعِدِيَّ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَخَرَجُوا فَلَقَوْا عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ عَلَى بِئْرِ مَعُونَةَ وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ واقتتلوا فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَأَصْحَابُهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَانُوا فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لَهُمْ أَحَدُهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ فِي السَّمَاءِ تسقط مِنْ بَيْنِ خَرَاطِيمِهَا عَلَقُ الدَّمِ، فَقَالَ أَحَدُ النَّفَرِ: قُتِلَ أَصْحَابُنَا ثُمَّ تَوَلَّى يَشْتَدُّ حَتَّى لَقِيَ رَجُلًا فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَلَمَّا خَالَطَتْهُ الضَّرْبَةُ رَفْعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْجَنَّةُ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَرَجَعَ صَاحِبَاهُ فَلَقِيَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ، وَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قَوْمِهِمَا مُوَادَعَةٌ، فَانْتَسَبَا لَهُمَا إِلَى بَنِي عَامِرٍ فقتلاهما فقدم [3] قَوْمُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعْلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حَتَّى دَخَلُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَبَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي عَقْلِهِمَا، وَكَانُوا قَدْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ وَعَلَى أَنْ يُعِينُوهُ فِي الدِّيَاتِ، قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتَسْأَلَنَا حَاجَةً، اجْلِسْ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ الَّذِي سَأَلْتَهُ، فَجَلَسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ فَمَنْ يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ جَحَّاشٍ [4] : أَنَا، فَجَاءَ إِلَى رَحًى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحَهَا عَلَيْهِ فَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ وَجَاءَ جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: لَا تبرح مكانك فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْكَ مِنْ أَصْحَابِي فَسَأَلَكَ عَنِّي فَقُلْ: تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى تَنَاهَوْا إِلَيْهِ ثُمَّ تَبِعُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. [سورة المائدة (5) : آية 12] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُورِثَهُ وَقَوْمَهُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَهِيَ الشَّامُ، وَكَانَ يَسْكُنُهَا الْكَنْعَانِيُّونَ الجبارون،

_ 775- إسناد المصنف إليهم مذكور أول الكتاب، وذكره الواحدي في «أسباب النزول» 387 عن مجاهد والكلبي وعكرمة مختصرا بدون إسناد. وأخرجه الطبري 11565 عن عكرمة مرسلا و11560 عن عاصم بن عمر بن قتادة مختصرا مرسلا. وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (3/ 176، 183) . (1) شام السيف: أغمده. وهو من الأضداد فيقال أيضا: شام السيف: إذا سلّه. (2) ابن يسار هو مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ صاحب المغازي. (3) تصحف في المطبوع «وقدما» . (4) وقع في الأصل «حجاش» وهو تصحيف.

فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الدَّارُ بِمِصْرَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّيْرِ إلى أريحا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَكَانَتْ [1] لَهَا أَلْفُ قَرْيَةٍ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَلْفُ بُسْتَانٍ، وَقَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ فَإِنِّي نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا، يَكُونُ كَفِيلًا عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى النُّقَبَاءَ وَسَارَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ حتى قربوا من أريحا [وهي مدينة الجبارين] [2] ، فَبَعَثَ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءَ يَتَجَسَّسُونَ لَهُ الْأَخْبَارَ وَيَعْلَمُونَ عِلْمَهَا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ يُقَالُ لَهُ عُوجُ بن عُنُقٍ، وَكَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وثلاثمائة وثلاث وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَثُلُثَ ذِرَاعٍ، وَكَانَ يحتجز بِالسَّحَابِ وَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنْ قَرَارِ الْبَحْرِ فَيَشْوِيهِ بِعَيْنِ الشَّمْسِ يَرْفَعُهُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَأْكُلُهُ. ويروى أن الماء في زمن نوح عليه السلام طَبَقَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ جَبَلٍ وَمَا جَاوَزَ رُكْبَتَيْ عُوجٍ [3] ، وَعَاشَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ وَقَلَعَ صَخْرَةً مِنَ الْجَبَلِ عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ، وَحَمَلَهَا لِيُطْبِقَهَا عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ الْهُدْهُدَ فَقَوَّرَ الصَّخْرَةَ بِمِنْقَارِهِ فَوَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَصَرَعَتْهُ، فَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ مَصْرُوعٌ فَقَتَلَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عُنُقَ إِحْدَى بَنَاتِ آدَمَ وَكَانَ مَجْلِسُهَا جَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمَّا لَقِيَ عُوجٌ النُّقَبَاءَ وَعَلَى رَأْسِهِ حَزْمَةُ حَطَبٍ أَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ، وَقَالَ: انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قِتَالَنَا، وَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا وَقَالَ: أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: لَا بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَرُوِيَ: أَنَّهُ جَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ وَأَتَى بِهِمْ إِلَى الملك فنثرهم بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْمَلِكُ: ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوهُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ، وَكَانَ لَا يَحْمِلُ عُنْقُودًا مِنْ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةَ أَنْفُسٍ مِنْهُمْ فِي خَشَبَةٍ، وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ مِنْهَا حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ، فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ وَجَعَلُوا يَتَعَرَّفُونَ أَحْوَالَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمِ، إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَلَكِنِ اكْتُمُوا [4] ، وَأَخْبِرُوا مُوسَى وَهَارُونَ فَيَرَيَانِ رَأْيَهُمَا وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ على بعض الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَكَثُوا الْعَهْدَ وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى إِلَّا رَجُلَانِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً. وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ، نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ فَقَالَ: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ، يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ، نصرتموهم، وقيل: وقّرتموهم وَعَظَّمْتُمُوهُمْ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً، قِيلَ: هُوَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، لَأَمْحُوَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ، أَيْ: أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ، يُرِيدُ طريق الحق،

_ (1) في المطبوع وحده «كان» . (2) زيد في المطبوع. (3) هذه الأخبار من مجازافات الإسرائيليين وترّهاتهم وأساطيرهم، وفي مثل هذه مخالفة صريحة لكتاب الله تعالى فقد قال تعالى: قالَ لَا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ والمراد من ركب في السفينة وآمن. وكل ما ورد في صفة عوج وأخباره إسرائيلي، حتى وجود شخص يسمى بذلك لم يثبت، ولعله وهم أو ضرب من الخيال، فتنبه والله أعلم. (4) هذه الأخبار من الإسرائيليات وقد قال الحافظ ابن كثير في «التفسير» (2/ 50) بعد أن ذكر بعض هذه الأخبار: وهذا شيء يستحيا من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 13 الى 14]

وسواء كل شيء: وسطه. [سورة المائدة (5) : الآيات 13 الى 14] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) فَبِما نَقْضِهِمْ، أَيْ: فبنقضهم، وما صِلَةٌ، مِيثاقَهُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: نَقَضُوهُ مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ الذين جاؤوا بعد موسى وقتلوا الأنبياء وَنَبَذُوا كِتَابَهُ وَضَيَّعُوا فَرَائِضَهُ، لَعَنَّاهُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: أَبْعَدْنَاهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: عَذَّبْنَاهُمْ بِالْمَسْخِ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «قَسِيَّةً» بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الذَّاكِيَةِ وَالذَّكِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «قَاسِيَةٌ» أَيْ يَابِسَةٌ، وَقِيلَ: غَلِيظَةٌ لَا تَلِينُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ لِلْإِيمَانِ بَلْ إِيمَانُهُمْ مَشُوبٌ بِالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَمِنْهُ الدَّرَاهِمُ الْقَاسِيَةُ [1] وَهِيَ الرَّدِيَّةُ الْمَغْشُوشَةُ. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، قِيلَ: هُوَ تَبْدِيلُهُمْ نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: تَحْرِيفُهُمْ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، أَيْ: وَتَرَكُوا نَصِيبَ أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانِ نَعْتِهِ، وَلا تَزالُ، يَا مُحَمَّدُ، تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ، أَيْ: عَلَى خِيَانَةٍ، فَاعِلَةٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَالْكَاذِبَةِ وَاللَّاغِيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ رَوَّايَةٍ [2] وَنَسَّابَةٍ وَعَلَّامَةٍ وَحَسَّابَةٍ، وَقِيلَ: عَلَى فِرْقَةٍ خَائِنَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى خَائِنَةٍ، أَيْ: عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمْ نَقْضَهُمُ الْعَهْدِ وَمُظَاهَرَتَهُمُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ وَسَمِّهِ، وَنَحْوِهِمَا] مِنْ خِيَانَاتِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ منهم، إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، لَمْ يَخُونُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، أَيْ: أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لَهُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا [4] ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ فِي النَّصَارَى خَاصَّةً لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْيَهُودِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ نَصَارَى بِتَسْمِيَتِهِمْ لَا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، بِالْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ قَوْمٌ [5] : هُمُ النَّصَارَى وَحْدَهُمْ صَارُوا فِرَقًا مِنْهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْآخِرَةِ. يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا

_ (1) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «القسية» . (2) كذا في المطبوع وط، وفي المخطوط «راوية» . [.....] (3) في المخطوط وحده «ونحوها» . (4) في المخطوط «أحدهم» . (5) في المطبوع وحده «الربيع» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 17]

[سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 17] يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ، يُرِيدُ يَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ، قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ، أَيْ: مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِثْلُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وآية الرجم وغير ذلك، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، أَيْ: يُعْرِضُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَخْفَيْتُمْ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهِ، قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ، وَكِتابٌ مُبِينٌ، أَيْ: بَيِّنٌ، وَقِيلَ: مُبِينٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ، رِضَاهُ، سُبُلَ السَّلامِ، قِيلَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَسَبِيلُهُ [1] دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ طُرُقُ السَّلَامَةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، أَيْ: مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، بِإِذْنِهِ، بِتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهُوَ الإسلام. قوله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أَيْ: مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا إِذَا قَضَاهُ؟ إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ مَا يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. [سورة المائدة (5) : الآيات 18 الى 20] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، قِيلَ: أَرَادُوا أَنَّ الله تعالى كالأب لنا فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ، وَنَحْنُ كَالْأَبْنَاءِ لَهُ فِي الْقُرْبِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنَّ الْيَهُودَ وَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ يَا أَبْنَاءَ أَحْبَارِي فَبَدَّلُوا يَا أَبْنَاءَ أَبْكَارِي فَمِنْ ذَلِكَ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وقيل: معناه نحن أبناء الله يعني أَبْنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ، يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُعَذِّبُ وَلَدَهُ، وَالْحَبِيبَ لَا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون بأنه مُعَذِّبُكُمْ؟ وَقِيلَ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ، أَيْ: لِمَ عَذَّبَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ، كَسَائِرِ بَنِي آدم

_ (1) في المخطوط «وسبله» .

مَجْزِيُّونَ بِالْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ فَضْلًا، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عدلا، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ. يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا، مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُبَيِّنُ لَكُمْ أَعْلَامَ الْهُدَى وَشَرَائِعَ الدِّينِ، عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أي: [على] [1] انْقِطَاعٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى عَلَيْهِ السلام و [بَيْنَ] [2] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَالَ مَعْمَرٌ وَالْكَلْبِيُّ: خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَسُمِّيَتْ فَتْرَةً لِأَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَتْرَى [3] بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ إِلَى زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِوَى رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَنْ تَقُولُوا، كَيْلَا تَقُولُوا، مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ، أَيْ: مِنْكُمْ أَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، [أي: فيكم مُلُوكًا] [4] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي أَصْحَابَ خَدَمٍ وَحَشَمٍ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَّ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ خَدَمٌ. «776» وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ [5] النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَامْرَأَةٌ وَدَابَّةٌ يُكْتَبُ مَلِكًا» . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ [6] : سَمِعْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ [7] . قَالَ السُّدِّيُّ: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد ما كُنْتُمْ فِي أَيْدِي الْقِبْطِ يَسْتَعْبِدُونَكُمْ. قَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَاسِعَةً فِيهَا مِيَاهٌ جَارِيَةٌ فَمَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا وَفِيهِ مَاءٌ [8] جَارٍ فَهُوَ مَلِكٌ. وَآتاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، يَعْنِي: عَالَمِي زَمَانِكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَرَ وَتَظْلِيلَ الْغَمَامِ.

_ 776- ضعيف والصواب موقوف. أخرجه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 2/ 49. فقال: ذكر عن ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ ... » . قاله ابن كثير في «تفسيره» 2/ 49. وهذا إسناد ضعيف جدّا له ثلاث علل. الأولى: ذكره ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة تعليقا، وبصيغة التمريض. والثانية: ضعف ابن لهيعة. والثالثة: ضعف درّاج في روايته عن أبي الهيثم. وقال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وورد عن زيد بن أسلم مرسلا: «من كان له بيت وخادم فهو ملك» . أخرجه الطبري 11629 والمرسل من قسم الضعيف. وأخرجه الطبري 11630 عن الحسن قوله، وورد عن ابن عباس وابن عمرو بن العاص موقوفا، وهو أولى بالصواب والله أعلم. 1 زيادة عن المخطوط. 2 زيادة عن المخطوط. (3) أي متتابعة. (4) زيد في المطبوع وحده. (5) في المطبوع «أن» . (6) وقع في الأصل «السلمي» والتصويب عن «ط» و «صحيح مسلم» . (7) أخرجه مسلم 2979 عن أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أخبرنا ابن وهب أخبرني أبو هانىء سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يقول: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بن العاص ... فذكره. (8) في المطبوع «نهر» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 21 الى 22]

[سورة المائدة (5) : الآيات 21 الى 22] يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِيلِيَّا وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ عكرمة والسدي: هي أريحا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ دِمَشْقُ وَفِلَسْطِينُ وَبَعْضُ الْأُرْدُنِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الشَّامُ كُلُّهَا، قَالَ كَعْبٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ الشَّامَ كَنْزُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَبِهَا أَكْثَرُ عِبَادِهِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يَعْنِي: كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهَا لكم مساكن، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ: جَعَلَهَا لَكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِدُخُولِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: أُمِرُوا بِهَا كَمَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ، أَيْ: فَرَضَ عَلَيْكُمْ. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ، أَعْقَابِكُمْ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ، فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: صَعِدَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَبَلَ لُبْنَانَ فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ ما أَدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهُوَ مُقَدَّسٌ وَهُوَ مِيرَاثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّقَبَاءَ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مُوسَى وَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا، قَالَ لَهُمْ مُوسَى: اكْتُمُوا شَأْنَهُمْ وَلَا تُخْبِرُوا بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَيَفْشَلُوا، فَأَخْبَرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَرِيبَهُ وَابْنَ عَمِّهِ إِلَّا رَجُلَانِ وفيا بما قال لهم مُوسَى، أَحَدُهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَتَى مُوسَى، وَالْآخَرُ كَالِبُ بن يوفنا خَتَنُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أُخْتِهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عُمْرَانَ، وَكَانَ من سبط يهودا وهما النُّقَبَاءِ فَعَلِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَقَالُوا: يَا لَيْتَنَا [1] فِي أَرْضِ مصر، أو ليتنا نَمُوتُ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ وَلَا يُدْخِلُنَا اللَّهُ أَرْضَهُمْ فَتَكُونُ نِسَاؤُنَا وَأَوْلَادُنَا وَأَثْقَالُنَا غَنِيمَةً لَهُمْ، وَجَعَلَ الرجل يقول لصاحبه: تعالى نَجْعَلُ عَلَيْنَا رَأْسًا وَنَنْصَرِفُ إِلَى مِصْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) ، وأصل الْجَبَّارِ: الْمُتَعَظِّمُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْقَهْرِ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إِذَا كَانَتْ طَوِيلَةٌ مُمْتَنِعَةٌ عَنْ وُصُولِ الْأَيْدِي إِلَيْهَا، وَسُمِّيَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ جَبَّارِينَ لِامْتِنَاعِهِمْ بِطُولِهِمْ وَقُوَّةِ أَجْسَادِهِمْ، وَكَانُوا مِنَ الْعَمَالِقَةِ وَبَقِيَّةَ قَوْمِ عَادٍ، فَلَمَّا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا قَالُوا وَهَمُّوا بِالِانْصِرَافِ إِلَى مِصْرَ خرّ موسى وهارون [عليهما السلام] [2] سَاجِدِينَ، وَخَرَقَ يُوشَعُ وَكَالِبُ ثِيَابَهُمَا وَهُمَا اللَّذَانِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عنهما في قوله: [سورة المائدة (5) : الآيات 23 الى 26] قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ، أَيْ: يَخَافُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخافُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَالَ: الرَّجُلَانِ كَانَا مِنَ الْجَبَّارِينَ فَأَسْلَمَا وَاتَّبَعَا مُوسَى، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بِالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ، قَالَا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ، يَعْنِي: قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ، لأن الله منجز

_ (1) زيد في المخطوط «متنا» . [.....] (2) زيادة عن المخطوط.

وعده، وإنا رأيناهم فكانت أجسامهم عَظِيمَةٌ وَقُلُوبُهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَأَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ وَعَصَوْهُمَا. قالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «777» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [1] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ مَا قَالَ. فَلَمَّا فَعَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا فَعَلَتْ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ وَهَمِّهِمْ بِيُوشَعَ وَكَالِبَ غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَعَا عَلَيْهِمْ. قالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي، قيل معناه: لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُطِيعُنِي إِلَّا نَفْسِي وأخي، فَافْرُقْ، فافصل، بَيْنَنا [و] [2] قِيلَ: فَاقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، الْعَاصِينَ. قالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: هَاهُنَا تمّ الكلام ومعناه تِلْكَ الْبَلْدَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَبَدًا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْرِيمَ مَنْعٍ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى [بِي حَلَفْتَ] [3] لَأُحَرِّمَنَّ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرَ عَبْدَيَّ يُوشَعُ وَكَالِبُ، ولآتينّهم فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ التي تجسّسوا فِيهَا سَنَةٌ وَلَأُلْقِيَنَّ جِيَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ، وَأَمَّا بَنُوهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا الشَّرَّ فَيَدْخُلُونَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، يَتِيهُونَ، يَتَحَيَّرُونَ، فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ، أَيْ: لَا تَحْزَنْ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي سِتَّةِ فَرَاسِخَ وَهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ كُلَّ يَوْمٍ جَادِّينَ فَإِذَا أَمْسَوْا كَانُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ارْتَحَلُوا عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمْ يَكُونَا فِيهِمْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا كَانَا فِيهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا عُقُوبَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَمَاتَ فِي التِّيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا مِمَّنْ جَاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً غَيْرَ يُوشَعُ وكالب، ولم يدخل أريحا أَحَدٌ مِمَّنْ قَالُوا: إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا فَلَمَّا هَلَكُوا وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَنَشَأَتِ النَّوَاشِئُ مِنْ ذَرَارِيهِمْ سَارُوا إِلَى حَرْبِ الْجَبَّارِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَوَلَّى تِلْكَ الْحَرْبِ وَعَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الْفَتْحُ، فقال قوم: إنما فتح موسى أريحا وَكَانَ يُوشَعُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، فَسَارَ موسى عليه السلام إليهم بمن بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَخَلَهَا يوشع وقاتل الْجَبَابِرَةَ ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ الله تعالى، ثم

_ 777- إسناده صحيح على شرط البخاري، مخارق هو ابن خليفة الأحمسي، تفرد عنه البخاري، أبو نعيم هو الفضل بن دكين. - وهو في «شرح السنة» 3668 و «الأنوار» 297 بهذا الإسناد. - وأخرجه البخاري 3952 و4609 عن أبي نعيم به. - وأخرجه الطبري 11685 من طريق وكيع بهذا الإسناد، لكن جعله عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ المقداد، ليس فيه ذكر ابن مسعود. (1) زيادة عن المخطوط. (2) سقط من المطبوع. (3) زيادة عن المخطوط.

قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُ قَبْرَهُ أَحَدٌ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عُوجَ بْنَ عُنُقَ قَتْلَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا قَاتَلَ الْجَبَّارِينَ يُوشَعُ وَلَمْ يَسِرْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا: مَاتَ مُوسَى وَهَارُونُ جميعا في التيه. فصل في ذكر وَفَاةِ هَارُونَ قَالَ السُّدِّيُّ: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى أَنِّي مُتَوَفِّي هَارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ نَحْوَ ذَلِكَ الْجَبَلِ فَإِذَا هُمَا بِشَجَرَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَإِذَا بِبَيْتٍ مَبْنِيٍّ وَفِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فَرْشٌ وَإِذَا فِيهِ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ إِلَى ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ، قَالَ: فَنَمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنَّ يَأْتِيَ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ فَيَغْضَبُ عَلَيَّ، قَالَ لَهُ مُوسَى: لَا تَرْهَبْ إِنِّي أَكْفِيكَ أَمْرَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ فَنَمْ، قَالَ: يَا مُوسَى نَمْ أَنْتَ مَعِي فَإِنْ جَاءَ رَبُّ الْبَيْتِ غَضِبَ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ جَمِيعًا فَلَمَّا نَامَا أَخَذَ هَارُونَ الْمَوْتُ فَلَمَّا وَجَدَ مسّه قَالَ: يَا مُوسَى خَدَعْتَنِي، فَلَمَّا قُبِضَ رُفِعَ الْبَيْتُ وَذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ وَرُفِعَ السَّرِيرُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيْسَ مَعَهُ هَارُونُ قَالُوا: إِنَّ مُوسَى قَتَلَ هَارُونَ وَحَسَدَهُ لِحُبِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَيْحَكُمْ كَانَ أَخِي فَكَيْفَ أَقْتُلُهُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثم دعا الله تعالى فنزل السَّرِيرُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَصَدَّقُوهُ [1] . وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ الْجَبَلَ فَمَاتَ هَارُونُ وَبَقِيَ مُوسَى، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، فَآذَوْهُ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلُوهُ حَتَّى مَرُّوا بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَكَلَّمَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَوْتِهِ حَتَّى عرف بنو إسرائيل أنه قد مَاتَ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا قَالُوا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلُوهُ وَدَفَنُوهُ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَوْضِعِ قَبْرِهِ أَحَدٌ إِلَّا الرَّخَمَ [2] ، فَجَعَلَهُ الله أصمّ وأبكم [3] . وقال عمر [و] [4] بْنُ مَيْمُونٍ: مَاتَ هَارُونُ قَبْلَ مَوْتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التِّيهِ، وَكَانَا قَدْ خَرَجَا إِلَى بَعْضِ الْكُهُوفِ فَمَاتَ هَارُونُ وَدَفَنَهُ مُوسَى وَانْصَرَفَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: قَتَلْتَهُ لِحُبِّنَا إِيَّاهُ، وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَضَرَّعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ انْطَلِقْ بِهِمْ إِلَى قَبْرِهِ فَإِنِّي بَاعِثُهُ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى قَبْرِهِ فَنَادَاهُ مُوسَى [5] ، فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُكَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي مِتُّ، قَالَ: فَعُدْ إِلَى مَضْجَعِكَ، وَانْصَرَفُوا [6] . وَأَمَّا وَفَاةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ كَرِهَ الْمَوْتَ وَأَعْظَمَهُ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، فَنَبَّأَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَكَانَ يَغْدُو وَيَرُوحُ عليه، فيقول له موسى

_ (1) أثر السدي هذا مصدره كتب الأقدمين. (2) الرخم: نوع من الطيور. (3) لا أصل له عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وإنما هو متلقى عن أهل الكتاب. (4) زيادة عن «ط» وكتب التراجم. (5) في المخطوط «فنادى يا هارون» . (6) هذا الأثر متلقى عن أهل الكتاب، ولا حجة في هذه الأخبار.

عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ؟ فَيَقُولُ لَهُ يُوشَعُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَمْ أَصْحَبْكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً فهل كنت أسألك عن شيء مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تَبْتَدِئُ بِهِ وَتَذْكُرُهُ؟ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا، فلما رأى ذلك موسى كره الْحَيَاةَ وَأَحَبَّ الْمَوْتَ [1] . «778» أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ [2] أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى بْنِ عُمْرَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي قَالَ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ [قال] [3] : رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جانب [4] الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» . وَقَالَ وَهْبٌ: خَرَجَ مُوسَى لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَمَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفِرُونَ قَبْرًا لَمْ يُرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا مِثْلَ مَا فِيهِ مِنَ الْخُضْرَةِ وَالنَّضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ لِمَ تَحْفِرُونَ هَذَا الْقَبْرَ؟ قَالُوا: لَعَبَدٍ كَرِيمٍ عَلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِنَ اللَّهِ لَهُوَ [5] بِمَنْزِلَةٍ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ مَضْجَعًا قَطُّ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا صَفِيَّ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ؟ قَالَ: وَدِدْتُ، قَالُوا: فَانْزِلْ وتوجه إلى ربك واضطجع فيه، قَالَ: فَاضْطَجَعَ فِيهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ أَسْهَلَ تَنَفُّسٍ فَقَبَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رُوحَهُ، ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ [6] . وَقِيلَ: إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَاهُ بِتُفَّاحَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَشَمَّهَا فَقَبَضَ رُوحَهُ. وَكَانَ عُمْرُ مُوسَى مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السلام وانقضت الأربعون سنة،

_ 778- إسناده صحيح على شرط مسلم، حيث تفرد عن السلمي لكن رواه غير واحد عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عن أبي هريرة موقوفا كما سيأتي، فالله أعلم. معمر هو ابن راشد، وعبد الرزاق هو ابن همام. وهو في «شرح السنة» 1451 بهذا الإسناد. وهو في «صحيفة همام» برقم 60 عن أبي هريرة مرفوع، وفي مصنف عبد الرزاق 20531 عن معمر به. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه البخاري بأثر 3407 ومسلم 2372 ح 158 وأحمد (2/ 315) وابن حبان 6224 والبيهقي في «الأسماء والصفات» 1033 وقد جاء موقوفا على أبي هريرة. أخرجه أيضا عبد الرزاق 20530 من طريق معمر عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به. ومن طريق عبد الرزاق هذه أخرجه البخاري 1339 و3407 ومسلم 2372 ح 157 والنسائي (4/ 118 و119) وأحمد (2/ 269) وابن أبي عاصم في «السنة» 599 والبيهقي في «الصفات» 1032 رووه من طرق عن عبد الرزاق بهذا الإسناد موقوفا، فالحديث روي مرفوعا وموقوفا وكلا الإسنادين على شرط الصحيح. فالله أعلم. (1) هو كسابقه مصدره أهل الكتاب. (2) تصحف في المخطوط «المنبعي» . [.....] (3) زيادة عن المخطوط و «شرح السنة» . (4) في المطبوع «جنب» . (5) تصحف في المطبوع «له» . (6) هذا الخبر متلقى عن أهل الكتاب.

[سورة المائدة (5) : آية 27]

بَعَثَ اللَّهُ يُوشَعَ نَبِيًّا فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَصَدَّقُوهُ وَتَابَعُوهُ فَتَوَجَّهَ بِبَنِي إسرائيل إلى أريحا وَمَعَهُ تَابُوتُ الْمِيثَاقِ، فَأَحَاطَ بِمَدِينَةِ أريحا ستة أشهر، فلما كان [في] السابع نفخوا في القرون وَضَجَّ الشَّعْبُ ضَجَّةً وَاحِدَةً فَسَقَطَ سُورُ الْمَدِينَةِ، وَدَخَلُوا فَقَاتَلُوا الْجَبَّارِينَ وَهَزَمُوهُمْ وَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، وَكَانَتِ الْعِصَابَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى عُنُقِ الرَّجُلِ يَضْرِبُونَهَا حَتَّى يقطعوها، وكان الْقِتَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَكَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وَتَدْخُلُ لَيْلَةُ السَّبْتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْدُدِ الشَّمْسَ عَلَيَّ، وَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا فِي طَاعَتِهِ فَسَأَلَ الشَّمْسَ أَنْ تَقِفَ وَالْقَمَرَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَنْتَقِمَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ دُخُولِ السَّبْتِ، فَرُدَّتْ عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلتهم أَجْمَعِينَ، وَتَتَبَّعَ مُلُوكَ الشَّامِ فَاسْتَبَاحَ منهم واحدا [1] وَثَلَاثِينَ مَلِكًا حَتَّى غَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ الشَّامِ، وَصَارَتِ الشَّامُ كُلُّهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ فِي نَوَاحِيهَا وَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَلَمْ تَنْزِلِ [2] النَّارُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ أَنَّ فِيهَا غُلُولًا فَمُرْهُمْ فليبايعوك فَبَايَعُوهُ فَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بيده فقال: هلمّ عِنْدَكَ فَأَتَاهُ بِرَأْسِ ثَوْرٍ مِنْ ذهب مكلّل باليواقيت وَالْجَوَاهِرِ كَانَ قَدْ غَلَّهُ، فَجَعَلَهُ فِي الْقُرْبَانِ وَجَعَلَ الرَّجُلَ مَعَهُ فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتِ الرَّجُلَ وَالْقُرْبَانَ، ثُمَّ مَاتَ يُوشَعُ وَدُفِنَ فِي جَبَلِ أَفْرَائِيمَ، وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتَدْبِيرُهُ أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً [3] . [سورة المائدة (5) : آية 27] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ، وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ، ويقال قَابِينُ، إِذْ قَرَّبا قُرْباناً، وَكَانَ سَبَبُ قُرْبَانِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ تَلِدُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ بَطْنٍ غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَكَانَ جَمِيعُ مَا وَلَدَتْهُ أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا أَوَّلُهُمْ قَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ أَقْلِيمَا، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ الْمُغِيثِ وَتَوْأَمَتُهُ أَمَةُ الْمُغِيثِ، ثُمَّ بَارَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَسْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَمُتْ آدَمُ حَتَّى بَلَغَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْلِدِ قَابِيلَ وَهَابِيلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَشِيَ آدَمُ حَوَّاءَ بَعْدَ مَهْبِطِهِمَا إِلَى الْأَرْضِ بِمِائَةِ سَنَةٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ قَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ أَقْلِيمَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، ثم هَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ لُبُودَا فِي بَطْنٍ. «779» وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ كَانَ يَغْشَى حَوَّاءَ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْخَطِيئَةَ، فَحَمَلَتْ فِيهَا بِقَابِيلَ وَتَوْأَمَتِهِ أَقْلِيمَا، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِمَا وَحَمًا وَلَا وَصَبًا وَلَا طَلْقًا حَتَّى وَلَدَتْهُمَا، وَلَمْ تَرَ مَعَهُمَا دَمًا فلما هبطا [4] إِلَى الْأَرْضِ تَغَشَّاهَا فَحَمَلَتْ بِهَابِيلَ وَتَوْأَمَتِهِ، فَوَجَدَتْ عَلَيْهِمَا الْوَحَمَ وَالْوَصَبَ وَالطَّلْقَ وَالدَّمَ، وَكَانَ آدَمُ إِذَا شَبَّ أَوْلَادُهُ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ بَطْنٍ أُخْرَى، فَكَانَ الرجل

_ 779- أخرجه الطبري 11717 عن ابن إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بالكتاب الأول: ... فذكره. وهذا خبر إسرائيلي كما صرح بذلك ابن إسحاق. (1) في المطبوع «أحدا» . (2) وقع في الأصل «تزل» والتصويب عن «ط» . (3) هذا الأثر مصدره كتب الأقدمين، لكن قتال يوشع للجبارين وحبس الشمس له، قد جاء في حديث صحيح مرفوع. (4) في المطبوع «هبط» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 28 الى 30]

مِنْهُمْ يَتَزَوَّجُ أَيَّةَ أَخَوَاتِهِ شَاءَ إِلَّا تَوْأَمَتَهُ الَّتِي وُلِدَتْ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِسَاءٌ إِلَّا أَخَوَاتُهُمْ، فَلَمَّا وُلِدَ قَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ أَقْلِيمَا ثُمَّ هَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ لُبُودَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا سَنَتَانِ فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ وَأَدْرَكُوا، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُنْكِحَ قَابِيلَ لُبُودَا أُخْتَ هَابِيلَ وَيُنْكِحَ هَابِيلَ أَقْلِيمَا أُخْتَ قَابِيلَ، وَكَانَتْ أُخْتُ قَابِيلَ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ آدَمُ لِوَلَدِهِ فَرْضِيَ هَابِيلُ وَسَخِطَ قَابِيلُ، وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَنَحْنُ مِنْ وِلَادَةِ الْجَنَّةِ وَهُمَا مِنْ وِلَادَةِ الْأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: إِنَّهَا لَا تَحِلُ لَكَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهَذَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْيِهِ، فَقَالَ لَهُمَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَقَرِّبَا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمَا يُقْبَلُ قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ إِذَا كَانَتْ مَقْبُولَةً نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ بَيْضَاءُ فَأَكَلَتْهَا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَمْ تَنْزِلِ النَّارُ وَأَكَلَتْهُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، فَخَرَجَا لِيُقَرِّبَا قُرْبَانًا وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زرع فقرب صبرة من طعام مِنْ أَرْدَأِ زَرْعِهِ وَأَضْمَرَ فِي نفسه ما أبالي يقبل مني أو لَا يَتَزَوَّجُ أُخْتِي أَبَدًا، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ كَبْشٍ فِي غَنَمِهِ فَقَرَّبَ بِهِ وَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا على الْجَبَلِ، ثُمَّ دَعَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَلَمْ تَأْكُلْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما، يَعْنِي هَابِيلَ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، يعني: قابيل فنزلوا [1] عن [2] الْجَبَلِ وَقَدْ غَضِبَ قَابِيلُ لِرَدِّ قُرْبَانِهِ وَكَانَ يُضْمِرُ الْحَسَدَ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ أَتَى آدَمُ مَكَّةَ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا غَابَ آدَمُ أَتَى قَابِيلُ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ، قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، [قَالَ: وَلِمَ] [3] ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ قُرْبَانِي، وَتَنْكِحُ أُخْتِي الْحَسْنَاءَ وَأَنْكِحُ أُخْتَكَ الدَّمِيمَةَ، فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي وَيَفْتَخِرُ وَلَدُكَ عَلَى وَلَدِي، قالَ هَابِيلُ: وَمَا ذَنْبِي؟ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 28 الى 30] لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) لَئِنْ بَسَطْتَ، أَيْ: مَدَدْتَ، إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَى أَخِيهِ يده، وهذا في الشرع جَائِزٌ لِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ أَنْ يَنْقَادَ وَيَسْتَسْلِمَ طَلَبًا لِلْأَجْرِ، كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقال مُجَاهِدٌ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ [4] فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ قَتْلَ رَجُلٍ أَنْ [لَا] [5] يَمْتَنِعَ وَيَصْبِرَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ، تَرْجِعَ، وقيل: تحمل، بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي إِلَى إِثْمِكَ، أَيْ: إِثْمِ مَعَاصِيكَ الَّتِي عَمِلْتَ مِنْ قَبْلُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: معناه إني أريد أن تكون عَلَيْكَ خَطِيئَتِي الَّتِي عَمِلْتُهَا أَنَا إِذَا قَتَلَتْنِي وَإِثْمُكَ فَتَبُوءُ بِخَطِيئَتِي وَدَمِي جَمِيعًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ تَرْجِعَ بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِ مَعْصِيَتِكَ الَّتِي لَمْ يُتَقَبَّلْ لِأَجْلِهَا قُرْبَانُكَ، أَوْ إِثْمِ حَسَدِكَ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَإِرَادَةُ الْقَتْلِ والمعصية لا تجوز؟ قيل: ذلك ليس بِحَقِيقَةِ إِرَادَةٍ وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ

_ (1) في المخطوط وحده «فنزل» . (2) في المطبوع «على» . (3) سقط من المطبوع. (4) في المطبوع وحده «الله» . (5) زيادة عن المخطوط وط. [.....]

[سورة المائدة (5) : آية 31]

أَنَّهُ يَقْتُلُهُ لَا مَحَالَةَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مُرِيدًا لِقَتْلِهِ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا حَقِيقَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تبوء بعقاب قتلي فيكون إِرَادَةً صَحِيحَةً لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَكُونُ هَذَا إِرَادَةً لِلْقَتْلِ بَلْ لِمُوجِبِ الْقَتْلِ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ، أَيْ: طَاوَعَتْهُ وَشَايَعَتْهُ وعاونته، قَتْلَ أَخِيهِ فِي قَتْلِ أَخِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَشَجَّعَتْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَزَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَقَالَ يَمَانٌ: سَهَّلَتْ لَهُ ذَلِكَ، أَيْ: جَعَلَتْهُ سَهْلًا، تَقْدِيرُهُ: صَوَّرَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّ قَتْلَ أَخِيهِ طَوْعٌ لَهُ أَيْ سَهْلٌ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَلَمَّا قَصَدَ قَابِيلُ قتله لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَتَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ وَأَخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ آخَرَ وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْقَتْلَ، فَرَضَخَ [1] قَابِيلُ رَأْسَ هَابِيلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْتَسْلِمٌ، وَقِيلَ: اغْتَالَهُ وَهُوَ فِي النَّوْمِ فَشَدَخَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ، وَكَانَ لِهَابِيلَ يَوْمَ قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ قَتَلَهُ [2] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى جَبَلِ ثَوْرٍ [3] ، وَقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِرَاءَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَيِّتٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَصَدَتْهُ السِّبَاعُ فَحَمَلَهُ فِي جِرَابٍ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَنَةً حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يُرْمَى بِهِ فَتَأْكُلُهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ حَفَرَ لَهُ بِمِنْقَارِهِ وَبِرَجُلِهِ حَتَّى مَكَّنَ لَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الحفر وَوَارَاهُ، وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ قوله تعالى: [سورة المائدة (5) : آية 31] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، فَلَمَّا رَأَى قابيل ذلك قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي، أَيْ: جيفته، وقيل: عورته لأنه [كان] [4] قَدْ سَلَبَ ثِيَابَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ، عَلَى حَمْلِهِ عَلَى عَاتِقِهِ لَا عَلَى قَتْلِهِ، وَقِيلَ: عَلَى فِرَاقِ أَخِيهِ، وَقِيلَ: نَدِمَ لِقِلَّةِ النَّفْعِ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ، وَمَا انْتَفَعَ بِقَتْلِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ نَدَمُهُ عَلَى الْقَتْلِ وَرُكُوبِ الذنب، قال الْمُطَّلِبِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ رَجَفَتِ [5] الْأَرْضُ بِمَا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ شَرِبَتِ الْأَرْضُ دَمَهُ كَمَا يُشْرَبُ الْمَاءُ، فَنَادَاهُ آدَمُ [6] : أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا كُنْتُ عَلَيْهِ رقيبا، فقال آدم [7] : إِنَّ دَمَ أَخِيكَ لَيُنَادِينِي مِنَ الْأَرْضِ، فَلِمَ قَتَلْتَ أَخَاكَ؟ قَالَ: فَأَيْنَ دَمُهُ إِنْ كُنْتُ قَتَلْتُهُ؟ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَنْ تَشْرَبَ دَمًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ اشْتَاكَ الشَّجَرُ وَتَغَيَّرَتِ الْأَطْعِمَةُ وَحَمَضَتِ الْفَوَاكِهُ، وَأَمَرَّ الْمَاءُ وَاغْبَرَّتِ الْأَرْضُ، فَقَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حدث، فأتى الهند

_ (1) في المخطوط «فوضع» . (2) زيد في ط، زيادة ليست في المخطوطين ولا المطبوع. (3) في المخطوط «نوذ» . (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المطبوع وحده «وجفت» . 6 في المخطوطين وط «الله» بدل «آدم» والمثبت أقرب للصواب لأن الله تعالى لا يكلم الظلمة والفسقة، وهذا إن ثبت هذا الأثر ولم يثبت فإنه متلقى عن كتب الأقدمين. 7 في المخطوطين وط «الله» بدل «آدم» والمثبت أقرب للصواب لأن الله تعالى لا يكلم الظلمة والفسقة، وهذا إن ثبت هذا الأثر ولم يثبت فإنه متلقى عن كتب الأقدمين.

فَإِذَا قَابِيلُ قَدْ قَتَلَ هَابِيلَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ الشِّعْرَ [1] : تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَوَجْهُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحٌ تغير كل ذي طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه الْمَلِيحُ وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ شعرا فقد كذب [على الله ورسوله] ، أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَوَاءٌ. وَلَكِنْ لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ رَثَاهُ آدَمَ وَهُوَ سُرْيَانِيٌّ، فَلَمَّا قَالَ آدَمُ مَرْثِيَّتَهُ قَالَ لَشِيثٍ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ وَصِيٌّ احْفَظْ هَذَا الْكَلَامَ لِيُتَوَارَثَ فَيَرِقَّ النَّاسُ عليه، فلم يَزَلْ يُنْقَلُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ فَنَظَرَ فِي الْمَرْثِيَّةِ فَرَدَّ الْمُقَدَّمَ إِلَى الْمُؤَخَّرِ، وَالْمُؤَخَّرَ إِلَى الْمُقَدَّمِ، ووزنه شعرا وزاد فيه أبيات مِنْهَا [2] : وَمَا لِي لَا أَجُودُ بِسَكْبِ دَمْعٍ ... وَهَابِيلُ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيحُ أَرَى طُولَ الْحَيَاةِ عَلَيَّ غَمًّا ... فَهَلْ أَنَا مِنْ حَيَاتِي مُسْتَرِيحُ فَلَمَّا مَضَى مِنْ عُمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ بِخَمْسِ سنين ولدت له حواء شيئا [وَتَفْسِيرُهُ هِبَةُ اللَّهِ] [3] ، يَعْنِي إِنَّهُ خَلَفٌ مِنْ هَابِيلَ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَعَلَّمَهُ عبادة الخالق فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً فَصَارَ وَصِيَّ آدَمَ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَمَّا قَابِيلُ فَقِيلَ لَهُ: اذْهَبْ طَرِيدًا شَرِيدًا فَزِعًا مَرْعُوبًا لَا تَأْمَنُ مَنْ تَرَاهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ أَقْلِيمَا وَهَرَبَ بِهَا إِلَى عَدَنَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَ هَابِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ النَّارَ فانصب أنت أيضا نارا تَكُونُ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَبَنَى بَيْتًا لِلنَّارِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ النَّارَ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ أحد من ولده إِلَّا رَمَاهُ، فَأَقْبَلَ ابْنٌ لَهُ أَعْمًى وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ ابْنُهُ: هَذَا أَبُوكَ قَابِيلُ، فَرَمَى الْأَعْمَى أَبَاهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَعْمَى: قَتَلْتَ أَبَاكَ؟ فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَ ابْنَهُ، فَمَاتَ فَقَالَ الْأَعْمَى: وَيْلٌ لِي قَتَلْتُ أَبِي بِرَمْيَتِي وَقَتَلْتُ ابْنِي بِلَطْمَتِي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَعَلِقَتْ إِحْدَى رِجْلَيْ قَابِيلَ إِلَى فَخْذِهَا وَسَاقِهَا وَعَلِقَتْ [مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى] [4] يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ إِلَى الشمس [حيث] [5] مَا دَارَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ وَفِي الشِّتَاءِ حظيرة من ثلج، قالوا: وَاتَّخَذَ أَوْلَادُ قَابِيلَ آلَاتِ اللَّهْوِ مِنَ الْيَرَاعِ وَالطُّبُولِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْعِيدَانِ وَالطَّنَابِيرِ، وَانْهَمَكُوا فِي اللَّهْوِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَعِبَادَةِ النَّارِ وَالزِّنَا وَالْفَوَاحِشِ حتى أغرقهم اللَّهُ بِالطُّوفَانِ أَيَّامَ نُوحٍ عَلَيْهِ السلام، وبقي نسل شيث [6] .

_ (1) باطل، لا أصل له عن ابن عباس، والحمل فيه على مقاتل بن سليمان، فإنه كذاب وصناع، والضحاك لم يلق ابن عباس. (2) لا يصح هذا عن ابن عباس، ذكره الثعلبي في «قصصه» ص 39 بقوله: روي عن ابن عباس، وهو باطل لا يصح، إذ كيف يحفظ ما قاله آدم إلى زمن يعرب بن قحطان. (3) في المطبوع العبارة «واسمه عبد الله» . (4) في المطبوع «منها فهو معلق إلى» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) هذه الآثار مصدر كتب الأقدمين لا حجة في شيء مِنْهَا.

[سورة المائدة (5) : آية 32]

«780» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ثَنَا أَبِي ثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القتل» . [سورة المائدة (5) : آية 32] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ «مِنِ أجل» [1] بِكَسْرِ النُّونِ مَوْصُولًا وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بجزم النون وفتح الهمزة مقطوعا، أَيْ: مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْقَاتِلِ وَجِنَايَتِهِ، يُقَالُ: أَجَلَ يَأْجَلُ أَجَلًا، إِذَا جَنَى، مِثْلُ أَخَذَ يَأْخُذُ أَخْذًا، كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، قَتَلَهَا فَيُقَادُ مِنْهُ، أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ، يُرِيدُ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَبِغَيْرِ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، اخْتَلَفُوا في تأويله، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ: مَنْ قتل نبيا أو إمام عدل فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامٍ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً يَصْلَى النَّارَ بِقَتْلِهَا، كَمَا يَصْلَاهَا [2] لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا مَنْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِهَا فَقَدْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِ الناس جميعا، قال قتادة: أعظم اللَّهُ أَجْرَهَا وَعَظَّمَ وِزْرَهَا، مَعْنَاهُ: مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حقه فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْهُ، وَمَنْ أَحْياها، وَتَوَرَّعَ عَنْ قَتْلِهَا، فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً، فِي الثَّوَابِ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْهُ، قَالَ الْحَسَنُ: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً، يَعْنِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهَا مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أحياها أي عفا عمّن وجب عليه القصاص فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ أهي لَنَا كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا كَانَتْ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا، وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.

_ 780- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران، مسروق هو ابن الأجدع. وهو في «صحيح البخاري» 3335 عن عمر بن حفص بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 6867 و7321 ومسلم 1677 والترمذي 2675 والنسائي (7/ 82) وابن ماجه 2616 والحميدي 118 وأحمد (1/ 383 و430 و433) وأبو يعلى 5179 والبيهقي (8/ 15) والبغوي في «شرح السنة» 111 من طرق عن الأعمش به. [.....] (1) زيد في المطبوع «ذلك» . (2) في المطبوع «يصلى» .

[سورة المائدة (5) : آية 33]

[سورة المائدة (5) : آية 33] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً، الْآيَةَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ [1] . «781» وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ وَهُوَ أَبُو بُرْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَرَّ بِهِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ آمِنٌ لَا يُهَاجُ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ بِنَاسٍ مِنْ أَسَلَمَ مِنْ قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هِلَالٌ شَاهِدًا فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَضَاءِ فِيهِمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ كَذَبَةٌ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ [2] . «782» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ من عكل فأسلموا فاجتووا الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، ففعلوا فصحوا فارتدوا فقتلوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقِطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يحسمهم حتى ماتوا.

_ (1) أخرجه الطبري 11808 من طريق جويبر عن الضحاك مرسلا، ولم يذكر أنه كان سبب نزول للآية. وهذا إسناد ساقط، جويبر متروك. وورد من وجه آخر: أخرجه الطبري 11807 عن ابن عباس، وذكر فيه الآية، لكن فيه إرسال بين علي بن أبي طلحة وابن عباس. 781- علقه المصنف عن الكلبي وسنده إليه في أول الكتاب والكلبي متروك متهم، والصحيح الحديث الآتي برقم 782. (2) انظر الحديث الآتي. 782- إسناده صحيح على شرط البخاري، علي بن عبد الله هو المديني، الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي. وهو في «صحيح البخاري» 6802 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 6803 مختصرا ومسلم 1671 ح 12 وأبو داود 4366 والنسائي (7/ 94 و95) وأحمد (3/ 198) وابن حبان 4467 من طرق عن الأوزاعي به. وأخرجه البخاري 4193 و4610 و6899 ومسلم 1671 و10 و11 و12 والنسائي (7/ 93 و160 و161) وابن أبي شيبة (7/ 75) وأحمد (3/ 186) وابن حبان 1376 من طرق عن أبي رجاء مولى أبي قلابة عن أبي قلابة به. وأخرجه مسلم 1671 ح 14 والترمذي 73 من طريق يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التيمي عن أنس به. وأخرجه البخاري 1501 و4192 و5727 ومسلم 1671 ح 3 والنسائي (7/ 97 و158) وابن خزيمة 115 وأحمد (3/ 163 و170 و177 و233 و287 و290) وابن حبان 388 والبيهقي (10/ 4) من طرق عن قتادة عن أنس. وأخرجه الترمذي 72 و1845 و2042 والنسائي (7/ 97) والطحاوي (1/ 107) من طرق عن قتادة وحميد وثابت عن أنس به.

«783» وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّ الْمُثْلَةَ لَا تَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُكْمُهُ ثَابِتٌ إِلَّا السَّمْلَ وَالْمُثْلَةَ، وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْحَدُّ. «784» وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَلَمَّا فَعَلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْحُدُودَ وَنَهَاهُ عَنِ الْمُثْلَةِ فَلَمْ يَعُدْ. «785» وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. «786» وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ. «787» وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمًا مِنْهُ إِيَّاهُ عُقُوبَتَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّمَا جَزَاؤُهُمْ هَذَا لَا الْمُثْلَةُ، وَلِذَلِكَ مَا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا إِلَّا نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْحَدَّ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَيَحْمِلُونَ السلاح [على المسلمين] [1] ، وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هم الْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ لَيْسَ لَهُمْ حكم المحاربين في استحقاق هذا الحد، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أن الإمام بالخيار

_ 783- صحيح، أخرجه البخاري 233 و3018 و6804 و6805 وأبو داود 4364 وعبد الرزاق 17133 وأحمد (3/ 161) وابن حبان 4468 و4469 والطحاوي في «المعاني» (3/ 180) من طرق عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ به. 784- مرسل. أخرجه أبو داود 4370 ومن طريقه البيهقي (8/ 283) عن أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ السَّرْحِ حدثنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أبي الزناد به. وقال البيهقي: قول قتادة وأبي الزناد وغيرهما نزول الآية فيهم مرسل اهـ. وانظر ما بعده. 785- حسن بشواهده. أخرجه البيهقي (9/ 69) عن قتادة مرسلا، وورد موصولا. أخرجه أبو داود 2667 وأحمد (4/ 428) والبيهقي (9/ 69) من طريق قتادة عن الحسن عن الهياج بن عمران عن عمران بن حصين. والهياج بن عمران وثقه ابن حبان وابن سعد، وجهّله علي بن المديني. وأخرجه الطبراني 6966 من طريق همام عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ هياج بن عمران عن سمرة بن جندب. وأخرجه أحمد (4/ 432 و439 و440 و445) وابن حبان 4473 والطحاوي (3/ 182) وابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» 533 والطبراني (18/ 325 و326 و327) من طرق عن الحسن قال: قال رجل لعمران بن حصين ... فذكره. وفيه إرسال، وقد ضعف أحمد بن حنبل رواية الحسن عن عمران على أنه لم يسمع منه كما في «مراسيل ابن أبي حاتم» لكن هذه الروايات تتأيد بمجموعها، فالحديث حسن إن شاء الله تعالى. 786- صحيح، أخرجه مسلم 1671 ح 14 والترمذي 73 والنسائي (7/ 100) وابن حبان 4474 والبيهقي (8/ 70) من طرق عن يحيى بن غيلان قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سليمان التيمي به. 787- ضعيف، أخرجه الطبري 11822 عن الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلّم معاتبة (1) زيد في المطبوع.

[سورة المائدة (5) : آية 34]

فِي أَمْرِ الْمُحَارِبِينَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ، وَالنَّفْيِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ، لِمَا: «788» أَخْبَرَنَا [1] عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ: إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا خافوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا في الْأَرْضِ. وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِذَا قَتَلَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ حَتْمًا حَتَّى لَا يَسْقُطَ بِعَفْوِ وَلِيِّ الدَّمِ، [وَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْمَالِ نِصَابًا وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه يُقْتَلَ ثُمَّ يُصْلَبَ. وَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ مَصْلُوبًا] [2] ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَيًّا ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُقْتَلُ، وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ يُنْفَى وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفْيِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الإمام يطلبه ففي كل بلد يوجد ينفى، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: يطلبون لتقام عليهم الحدود، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: النَّفْيُ هُوَ الْحَبْسُ، وَهُوَ نَفْيٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَيُحْبَسُ فِي السِّجْنِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، قال مكحول: إن عمر بن الخطاب أَوَّلَ مَنْ حَبَسَ فِي السُّجُونِ، وَقَالَ: أَحْبِسُهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْهُ التَّوْبَةَ، وَلَا أَنْفِيهِ إِلَى بَلَدٍ فَيُؤْذِيهِمْ، ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْحَدِّ، لَهُمْ خِزْيٌ عَذَابٌ وَهَوَانٌ وَفَضِيحَةٌ، فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. [سورة المائدة (5) : آية 34] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، قَالَ مَعْنَاهُ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابُوا فِي حَالِ الْكُفْرِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُحَارِبُونَ فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ القدرة عليه [3] وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ الإمام يسقط عَنْهُ كُلُّ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ [4] ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ

_ في ذلك وعلمه عقوبة مثلهم. ثم ذكر لفظا آخر غير الذي ذكر المصنف، وهو معضل بكل حال، فهو واه. 788- إسناده ضعيف جدا، إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى، متروك كذبه المديني والقطان وابن معين، ووهاه آخرون، ووثقه الشافعي وحده. وفيه صالح بن نبهان، وهو صدوق لكنه اختلط. وهو في «شرح السنة» 2564 بهذا الإسناد. وفي «مسند الشافعي» (2/ 86) عن إبراهيم بن محمد به. [.....] (1) زيد في المخطوط «عبد الواحد المليحي» وهو خطأ. (2) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط. (3) في المطبوع «عليهم» . (4) في المطبوع «تاب واستوفى» بدل «استوفاه» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 38]

يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا يَسْقُطُ عَنْهُ تحتم [القطع و] [1] الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَيَجِبُ ضَمَانُ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ فِي دم ومال إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ بِعَيْنِهِ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَارِثَةَ بْنِ يَزِيدَ كَانَ [قد] [2] خَرَجَ مُحَارِبًا فَسَفَكَ الدِّمَاءَ وَأَخَذَ الْمَالَ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ أن يقدر عليه ولم يَجْعَلْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [عليه] [3] تبعة، أَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَقِيلَ: كُلُّ عُقُوبَةٍ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عُقُوبَاتِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لا تسقط. [سورة المائدة (5) : الآيات 35 الى 38] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا، واطلبوا، إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، أَيِ: الْقُرْبَةَ، فَعَيْلَةٌ مِنْ تَوَسَّلَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا، أَيْ: تَقَرَّبَ إِلَيْهِ وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ، وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ، أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا ثُمَّ فَدَى بِذَلِكَ نَفْسَهُ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِدَاءُ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها، فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ وَيَطْلُبُونَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها [الْحَجُّ: 22] ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها [الْمُؤْمِنُونَ: 107] ، وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما، أَرَادَ بِهِ أَيْمَانَهُمَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عبد الله بن مسعود، وجملة الحكم: أَنَّ مَنْ سَرَقَ نِصَابًا مِنَ الْمَالِ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى من الكوع، ولا يجب القطع بسرقة مَا دُونَ النِّصَابِ عِنْدَ [عَامَّةِ] [4] أَهْلِ الْعِلْمِ، حُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعُ [فِيهِ] [5] ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلِّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ أَوْ مَتَاعًا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ يُقْطَعْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ والأوزاعي والشافعي، لِمَا: «789» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو العباس الأصم أنا

_ 789- إسناده صحيح، الشافعي فمن دونه ثقات وقد توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، ابن عيينة هو سفيان وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، عمرة هي بنت عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زرارة. (1) زيادة عن المخطوط. (2) زيادة عن المخطوط. (3) سقط من المطبوع. (4) زيادة عن المخطوط. (5) في المخطوط وط «به» .

الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عمرة [1] عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْقَطْعُ في ربع دينار فصاعدا» . «790» وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرْخَسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قطع سارقا في مجن قيمته ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَطَعَ سَارِقًا فِي أُتْرُجَّةٍ [2] قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ [3] . وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يقطع فِي أَقَلِّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ عشرة دراهم، ويروى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي خمسة دراهم وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى. «791» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ بْنِ غِيَاثٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» ، وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ، يَرَوْنَ أن منها ما يساوي ثلاثة دَرَاهِمَ. وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى الْقَطْعَ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى ما قاله

_ وهو في «شرح السنة» 2589 بهذا الإسناد. وفي «مسند الشافعي» (2/ 83) عن سفيان بن عيينة به. وأخرجه مسلم 1684 ح 1 وأبو داود 4383 والترمذي 1445 والنسائي (8/ 79) والحميدي 279 وأحمد (6/ 36) والطحاوي (3/ 163 و166 و167) وابن حبان 4559 وابن الجارود 824 والبيهقي (8/ 254) من طرق عن ابن عيينة به. وأخرجه البخاري 6790 ومسلم 1684 وأبو داود 4384 والنسائي (8/ 78) وابن حبان 4455 والطحاوي (2/ 164) والبيهقي (8/ 254) من طرق عن ابن وهب عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عن عروة وعمرة عن عائشة به. (1) وقع في الأصل «عروة» والتصويب عن «شرح السنة» و «مسند الشافعي» . 790- إسناده صحيح، على شرط البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» 259 بهذا الإسناد. وفي «الموطأ» (2/ 831) عن نافع به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 6795 ومسلم 1686 ح 6 وأبو داود 4385 والنسائي (8/ 76، 77) والشافعي (2/ 83) والطيالسي 1847 وأحمد (2/ 64) وابن حبان 4463 والطحاوي (3/ 162) والدارقطني (3/ 190) والبيهقي (8/ 258) . وأخرجه البخاري 6797 و6798 ومسلم 1686 ح 6 وأبو داود 4386 والترمذي 1446 والنسائي (8/ 76 و77) وابن ماجه 2584 وعبد الرزاق 18967 والطيالسي 1847 وابن أبي شيبة (9/ 468) وأحمد (2/ 54 و80 و143) والدارمي (2/ 173) وابن حبان 4461 والطحاوي (3/ 162 و163) والبيهقي (8/ 256) من طرق عن نافع به. (2) الأترجة: ثمر شجر من جنس الليمون. [.....] (3) أثر عثمان أخرجه الشافعي في «مسنده» (2/ 83) من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرة به. 791- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، الأعمش هو سليمان بن مهران، أبو صالح اسمه ذكوان مشهور بكنيته. وهو في «شرح السنة» 2591 بهذا الإسناد. وفي «صحيح البخاري» 6783 عن عمر بن حفص به. وأخرجه البخاري 6799 ومسلم 1687 والنسائي (8/ 65) وابن ماجه 2583 وأحمد (2/ 253) وابن حبان 5748 والبيهقي (8/ 253) من طرق عن الأعمش به.

الْأَعْمَشُ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ [1] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَإِذَا سَرَقَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ كَثَمَرٍ فِي حَائِطٍ لَا حَارِسَ لَهُ أَوْ حَيَوَانٍ فِي بَرِّيَّةٍ لَا حَافِظَ لَهُ، أَوْ مَتَاعٍ فِي بَيْتٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْبُيُوتِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. «792» وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ ولا في جريسة [2] جَبَلٍ [3] ، فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . «793» وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ [أَبِي] [4] الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . وَإِذَا سَرَقَ مَالًا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ أَوِ الْوَلَدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ أَوِ الْوَالِدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ أَوْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِكِ شَيْئًا لَا قَطْعَ عَلَيْهِ، وَإِذَا سَرَقَ السَّارِقُ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ ثَانِيًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَرَقَ ثَالِثًا فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ رَابِعًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ بَعْدَهُ شَيْئًا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. «794» لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في السارق

_ (1) هو الحديث المتقدم برقم: 773. 792- حسن بشواهده، أخرجه مَالِكٍ (2/ 831) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عبد الرحمن بن أبي حسين المكي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ معلّق، ولا في جريسة جَبَلٍ» فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الجرين فالقطع يبلغ ثمن المجن. وهذا مرسل صحيح. وأخرجه النسائي (8/ 85، 86) والبيهقي (8/ 263) عبيد الله بن الأخنس عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيه عن جده بلفظ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم في كم تقطع اليد؟ قال: لا تقطع اليد في ثمر معلق فإذا ضمنه الجرين قطعت في ثمن المجن، ولا تقطع في جريسة الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن» . وورد من وجه آخر عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيه عن جده بمعناه عند أبي داود 1710 و4390 والترمذي 1289 والنسائي (8/ 85 و86) وابن ماجه 2596 والحاكم (4/ 381) وابن الجارود 827 والبيهقي (8/ 278) . 793- جيد. هو في «مصنف عبد الرزاق» 18844 عن ابن جريج به، وقد صرّح ابن جريج بسماعه من أبي الزبير في «المصنّف» وأخرجه النسائي (8/ 89) وعبد الرزاق 18845 و18859 والطحاوي (3/ 171) والبيهقي (3/ 279) من طرق عن أبي الزبير به. وأخرجه أبو داود 4391 والترمذي 1448 والنسائي (8/ 88 و89) وابن ماجه 2591 وأحمد (3/ 380) والدارمي (2/ 175) والدارقطني (3/ 187) وابن حبان 4456 و4457 والطحاوي (3/ 171) والبيهقي (8/ 279) من طرق عن ابن جريج عن أبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. (2) الجريسة: ما يسرق من الغنم بالليل. (3) في الأصل: «حريسة حبل» . (4) ما بين المعقوفتين زيادة من مصادر التخريج وكتب التراجم. 794- غير قوي. أخرجه الدارقطني (3/ 181) من حديث أبي هريرة. وقال الزيلعي في «نصب الراية» (3/ 372) : وفيه الواقدي فيه مقال. ورواه أبو نعيم «الحلية» (2/ 6) في ترجمة عبد الله بن زيد الجهني. من حديثه. وقال أبو نعيم: تفرد به حرام بن عثمان، وهو من الضعف بالمحل العظيم اهـ قلت: الواقدي متروك.

[سورة المائدة (5) : الآيات 39 الى 41]

[يَسْرِقُ] [1] «إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، [ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» ] [2] . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سرق ثالثا بعد ما قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى لا يقطع، بل يحبس، روي ذَلِكَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَسْتَنْجِي بِهَا وَلَا رِجْلًا يَمْشِي بِهَا [3] ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: جَزاءً بِما كَسَبا، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، وَمِثْلُهُ: نَكالًا، أَيْ: عُقُوبَةً، مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. [سورة المائدة (5) : الآيات 39 الى 41] فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41)

_ وله شاهد من حديث الحارث اللخمي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم أتي بلص فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول الله إنما سرق. فقال: اقتلوه. قالوا: يا رسول الله إنما سرق. قال: اقطعوا يده. ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق الخامسة فأمر بقتله ... » الحديث. وفيه: قال أبو بكر: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم أعلم به حين قال: اقتلوه» . أخرجه النسائي (8/ 89، 90) والحاكم (4/ 382) والطبراني كما في «نصب الراية» (3/ 372) والبيهقي (8/ 272) . وصححه الحاكم. ورده الذهبي بقوله: بل منكر اه. ولم يبين الذهبي وجه النكارة، ولعله استنكر المتن، ورجاله ثقات إلا أن عفان بن مسلم الباهلي وثقه ابن حجر في «التقريب» لكن أنه عاد فقال: قال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة. أي: 219 ومات بعدها بيسير اهـ. وله شاهد آخر من حديث جابر بنحو حديث الحارث اللخمي المتقدم، أخرجه أبو داود 4410 والنسائي (8/ 90، 91) والبيهقي (8/ 272) وسكت عليه أبو داود، وقال النسائي: هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث والله تعالى أعلم اهـ. وذكر المنذري في «مختصره» 4248 كلام النسائي وزاد: مصعب الزبيري ضعفه غير واحد اهـ. قلت: وهذا خبر منكر لم يعمل الفقهاء بقتل السارق، ولو تكرر منه، وإن صح فهو محمول على كون هذا الرجل إما منافقا أو فاسقا، وأن الله عز وجل أطلع نبيه على حقيقة هذا الرجل. وقد جاء في «تلخيص الحبير» (4/ 69) ما ملخصه: قال النسائي: هذا حديث منكر. ولا أعلم فيه حديثا صحيحا. وقال ابن عبد البر: حديث القتل منكر لا أصل له. وقد قال الشافعي: هذا حديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم اهـ. الخلاصة: الحديث غير قوي، وهو معارض بحديث: «لا يباح دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث....» الحديث. وبقوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما فلا يجوز التعدي بذلك إلى القتل أضف إلى ذلك الإجماع، فالحديث لم يصح، وهو منسوخ بكل حال وهذا الكلام: أن يصل الأمر به إلى القتل أما أن تقطع يده الأخرى أو رجله، فهذا مختلف فيه بين أهل العلم، وسيأتي عن علي رضي الله عنه ما يخالف هذا، ووافقه كثير من الصحابة. وانظر «فتح القدير» لابن الهمام (5/ 365) وكتاب «العدة شرح العمدة» ص 635 و «أحكام القرآن» 711، 714 و «تفسير القرطبي» 2681، 2683 وجميعا بتخريجي، ولله الحمد والمنة. (1) زيادة عن ط. (2) زيد في المخطوط وط. (3) أثر علي أخرجه الدارقطني (3/ 180) والبيهقي (8/ 275) وهو موقوف صحيح.

فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ، أَيْ: سَرِقَتِهِ، وَأَصْلَحَ الْعَمَلَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، هَذَا فِيمَا بَيْنَهُ [1] وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: [قَطْعُ] [2] السَّارِقِ تَوْبَتُهُ [3] فَإِذَا قُطِعَ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَطْعَ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْجِنَايَةِ، كَمَا قَالَ: جَزاءً بِما كَسَبا، ولا بدّ من التوبة بعده، وَتَوْبَتُهُ النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ يَجِبُ عَلَيْهِ غرم ما صرف [4] مِنَ الْمَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَبِالِاتِّفَاقِ إن كان المسروق قائما عِنْدَهُ يُسْتَرَدَّ [5] وَتُقْطَعْ يَدُهُ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغُرْمَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الآخر، كاسترداد العين. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ، الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمِيعُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الإنسان فيكون خطابا لكل واحد مِنَ النَّاسِ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يشاء مَنْ تَابَ مِنْ كُفْرِهِ، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الصَّغِيرَةِ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى الْكَبِيرَةِ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ، أَيْ: فِي مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ فإنهم لن [6] يُعْجِزُوا اللَّهَ، مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا، يَعْنِي: الْيَهُودَ، سَمَّاعُونَ، أَيْ: قَوْمٌ سماعون، لِلْكَذِبِ، أي: قابلون [7] لِلْكَذِبِ، كَقَوْلِ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ، وقيل: معناه: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِ الْكَذِبِ، أَيْ: يَسْمَعُونَ مِنْكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا مِنْهُ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، أَيْ: هُمْ جَوَاسِيسُ، يَعْنِي: بَنِي قُرَيْظَةَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ وَهُمْ أَهْلُ خَيْبَرَ. «795» وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا وَكَانَا مُحْصَنَيْنِ، وَكَانَ حَدُّهَمَا الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ

_ وكذا أخرجه عبد الرزاق عن الشعبي، وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبد الله بن سلمة كما في «نصب الراية» (3/ 374) . [.....] 795- لم أره مطولا بهذا السياق. وأخرجه الطبري 11926 والبيهقي (8/ 247) من حديث أبي هريرة مختصرا، وفيه راو مجهول. وأصل الخبر صحيح فقد ورد بمعناه من حديث جابر عند أبي داود 4452 وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد، وكرره أبو داود 4453 و4454 من وجه آخر عن الشعبي مرسلا، وقال: ليس فيه: «فدعا بالشهود فشهدوا» . ومن حديث البراء عند مسلم 1700 وأبي داود 4447 و4448 والنسائي في «الكبرى» 7218 وابن ماجه 2558 وأحمد (4/ 286) والبيهقي (8/ 246) . (1) في المطبوع «بينهم» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) العبارة في المطبوع «السارق لا توبة له» . (4) في المطبوع وط «سرق» . (5) في المطبوع «يسترده» . (6) في المطبوع «لم» . (7) كذا في المطبوع والمخطوط أ، وفي المخطوط ب، وط، «قائلون» والمثبت أقرب يدل عليه ما بعده.

فَكَرِهَتِ الْيَهُودُ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي بِيَثْرِبَ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ الرَّجْمُ وَلَكِنَّهُ الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم بَنِي قُرَيْظَةَ فَإِنَّهُمْ جِيرَانُهُ وَصُلْحٌ لَهُ فَلْيَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنْهُمْ مُسْتَخْفِينَ وَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الزَّانِيَيْنِ إِذَا أُحْصِنَا مَا حَدُّهُمَا؟ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْجَلْدِ فَاقْبَلُوا مِنْهُ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ بالرجم فاحذروا وَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُ، وَأَرْسَلُوا مَعَهُمُ الزَّانِيَيْنِ فَقَدِمَ الرَّهْطُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّكُمْ جِيرَانُ هَذَا الرَّجُلِ وَمَعَهُ فِي بَلَدِهِ وَقَدْ حَدَثَ فِينَا حَدَثُ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ قَدْ فَجَرَا وَقَدْ أُحْصِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَسْأَلُوا لَنَا مُحَمَّدًا عَنْ قَضَائِهِ [فِيهِ] [1] ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ: إِذًا وَاللَّهِ يَأْمُرُكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ، ثُمَّ انْطَلَقَ قَوْمٌ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَسَعْيَةُ [2] بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا عَنِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ إِذَا أَحْصَنَا مَا حَدُّهُمَا فِي كتابك؟ فقال: «هَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالرَّجْمِ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَأَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمُ ابْنَ صوريا ووصفه له، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَعْرِفُونَ شَابًّا أَمْرَدَ أَعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَا» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ» ؟ فَقَالُوا: هُوَ أَعْلَمُ يَهُودِيٍّ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّوْرَاةِ، [فقال: «أرسلوا إليه» ، ففعلوا فأتاهم] [3] ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ ابْنُ صُورِيَّا» ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «وَأَنْتَ أَعْلَمُ الْيَهُودِ» ، قَالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ، قَالَ: «أَتَجْعَلُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخْرَجَكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَفَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ وَأَنْجَاكُمْ وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ فيه حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أَحْصَنَ» ؟ قَالَ ابْنُ صُورِيَا: نَعَمْ وَالَّذِي ذَكَّرْتَنِي بِهِ لَوْلَا خَشْيَةُ أَنْ تَحْرِقَنِي التَّوْرَاةُ إِنْ كَذَبْتُ أَوْ غَيَّرْتُ مَا اعْتَرَفْتُ لَكَ، وَلَكِنْ كَيْفَ هِيَ فِي كِتَابِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ عُدُولٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَهُ فِيهَا كَمَا يَدْخُلُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ» ، فَقَالَ ابْنُ صُورِيَا: وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَكَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فماذا كَانَ أَوَّلَ مَا تَرَخَّصْتُمْ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ» ؟ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَكَثُرَ الزِّنَا فِي أَشْرَافِنَا حَتَّى زَنَا ابْنُ عَمِّ مَلِكٍ لَنَا فَلَمْ نَرْجُمْهُ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ آخَرُ في أثره [4] مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ ذَلِكَ الْمَلِكُ رجمه فقام دونه قومه، وقالوا: وَاللَّهِ لَا تَرْجُمُهُ حَتَّى يُرْجَمَ فُلَانٌ لِابْنِ عَمِّ الْمَلِكِ، فَقُلْنَا: تعالوا نجتمع فلنصنع شَيْئًا دُونَ الرَّجْمِ يَكُونُ عَلَى الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ، فَوَضَعْنَا الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ، وَهُوَ أَنْ يُجْلَدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً بحبل مطلي بالقار ثم تسود وُجُوهُهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ وَوُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ دُبُرِ الْحِمَارِ وَيُطَافُ بِهِمَا، فَجَعَلُوا هَذَا مَكَانَ الرجم، فقال الْيَهُودُ لِابْنِ صُورِيَا: مَا أَسْرَعَ ما أخبرته به، وما كنت [5] لِمَا أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِأَهْلٍ وَلَكِنَّكَ كُنْتَ غَائِبًا فَكَرِهْنَا أَنْ نَغْتَابَكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ أَنْشَدَنِي بِالتَّوْرَاةِ وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّوْرَاةِ أَنْ تهلكني لما أخبرته به، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.

_ وانظر الحديث الآتي. (1) زيادة عن المخطوط وط. (2) تصحف في المطبوع «وسعيد» . (3) زيادة عن المخطوط وط. (4) في المطبوع «أسوة» . (5) في المطبوع «كنا» . [.....]

«796» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ» ؟ فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا لَآيَةَ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: اصدق يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي [1] عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ. وَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَالَ بَنُو قُرَيْظَةَ: يَا مُحَمَّدُ إِخْوَانُنَا بَنُو النَّضِيرِ وَأَبُونَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا واحد، وإذا قتلوا منّا قتيلا لَمْ يُقِيدُونَا وَأَعْطَوْنَا دِيَتَهُ سَبْعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَإِذَا قَتَلْنَا مِنْهُمْ قَتَلُوا الْقَاتِلَ وَأَخَذُوا مِنَّا الضِّعْفَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ امْرَأَةً قَتَلُوا بِهَا الرَّجُلَ مِنَّا وَبِالرَّجُلِ منهم الرجلين منّا، وبالعبد حرا مِنَّا، وَجَرَاحَتُنَا عَلَى التَّضْعِيفِ مِنْ جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهما، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي الرَّجْمِ. قَوْلُهُ: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، قِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، وَقِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ لِكَيْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِقَوْمٍ، أَيْ: لِأَجْلِ [2] قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ وَهُمْ أَهْلُ خَيْبَرَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ، جَمْعُ كَلِمَةٍ، مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، أَيْ: مِنْ بَعْدِ وَضْعِهِ مَوَاضِعَهُ، وإنما ذَكَرَ الْكِنَايَةَ رَدًّا عَلَى لَفْظِ الْكَلِمِ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ، أَيْ: إِنْ أَفْتَاكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَلْدِ والتحميم فاقبلوه، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، [أي:] [3] كُفْرَهُ وَضَلَالَتَهُ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَى دَفْعِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْقَدَرَ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ، أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، فَخِزْيُ الْمُنَافِقِينَ الْفَضِيحَةُ وَهَتْكُ السِّتْرِ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ، وَخِزْيُ اليهود الجزية أو القتل وَالسَّبْيُ وَالنَّفْيُ، وَرُؤْيَتُهُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وفيهم مَا يَكْرَهُونَ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ

_ 796- إسناده صحيح، أبو إسحاق ومن دونه ثقات، وقد توبعوا ومن فوقه رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» 2577 بهذا الإسناد. وهو في «الموطأ» (2/ 819) عن نافع به. ومن طريق مالك أخرجه البخاري 3635 و6841 ومسلم 1699 ح 27 وأبو داود 4446 وابن حبان 4434 والبيهقي (8/ 214) . وورد بنحوه من طرق عن نافع به عند البخاري 1329 و4556 و7332 و7543 ومسلم 1699 وعبد الرزاق 13331 و13332 والدارمي (2/ 178، 179) . وأخرجه البخاري 6819 ومن طريق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابن عمر به. وانظر الحديث المتقدم. (1) في «شرح السنة» : «يجنىء» قال المصنّف: قوله «يجنىء عليها: أي يكبّ عليها. يقال: أجنأ عليه، يجنىء: إذا أكبّ عليه يقيه شيئا» . (2) في المخطوط «من أجل» . (3) زيادة عن المخطوط.

[سورة المائدة (5) : آية 42]

عَذابٌ عَظِيمٌ، الْخُلُودُ فِي النَّارِ. [سورة المائدة (5) : آية 42] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكِسَائِيُّ لِلسُّحْتِ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ الْحَرَامُ، وَأَصْلُهُ الْهَلَاكُ وَالشِّدَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه: 61] ، نَزَلَتْ فِي حُكَّامِ [1] الْيَهُودِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَمْثَالِهِ، كَانُوا يَرْتَشُونَ وَيَقْضُونَ لِمَنْ رَشَاهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ إِذَا أَتَاهُ أَحَدٌ بِرُشْوَةٍ جَعَلَهَا فِي كُمِّهِ فَيُرِيهَا إِيَّاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى خَصْمِهِ، فَيَسْمَعُ الْكَذِبَ وَيَأْكُلُ الرُّشْوَةَ، وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ إِذَا رَشَوْتَهُ لِيُحِقَّ لَكَ بَاطِلًا أَوْ يُبْطِلَ عَنْكَ حَقًّا، فَأَمَّا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الْوَالِيَ يَخَافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا بأس، والسحت هُوَ الرُّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَمُقَاتِلٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الرُّشْوَةُ في كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: من شفع [2] شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا أَوْ يَدْفَعَ بِهَا ظُلْمًا فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ فَهُوَ سُحْتٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا الْأَخْذَ عَلَى الْحُكْمِ، فَقَالَ: الْأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ كُفْرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ [الْمَائِدَةِ: 44] . 79» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا [3] عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم قال: «لعنة الله على الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» . وَالسُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لَا يَحِلُّ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً، خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ الْيَوْمَ هَلْ لِلْحَاكِمِ الْخِيَارُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا [4] إِلَيْنَا؟ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ وَلَيْسَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ حكم مَنْسُوخٌ، وَحُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنْ شاؤوا حكموا وإن شاؤوا لَمْ يَحْكُمُوا، وَإِنْ حَكَمُوا حَكَمُوا بحكم الإسلام، وهو قول

_ 797- إسناده حسن لأجل الحارث بن عبد الرحمن خال ابن أبي ذئب، فإنه صدوق، وباقي الإسناد على شرطهما سوى علي بن الجعد، فإنه من رجال البخاري، ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن. وهو في «شرح السنة» 2487 بهذا الإسناد. وفي «الجعديات» 2864 عن علي بن الجعد به. وأخرجه أبو داود 1337 وأبو داود 3580 وابن ماجه 2313 والطيالسي 2276 وأحمد (2/ 146 و190 و194 و212) وابن حبان 5077 وابن الجارود 586 والحاكم (4/ 102، 103) والبيهقي (10/ 138، 139) من طرق عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح اهـ. (1) زيد في المطبوع وحده «حكم» . (2) في المطبوع «يشفع» . (3) زيد في الأصل «أحمد بن» بين «أنا» و «عبد الرحمن» والتصويب من ط و «شرح السنة» . (4) في المطبوع «تحاكم» .

[سورة المائدة (5) : آية 43]

النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ عَلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ. وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [الْمَائِدَةِ: 49] ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْمَائِدَةِ إِلَّا آيَتَانِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [المائدة: 2] ، نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 5] ، وقوله: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، وأما إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَوْلُهُ: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أَيْ: بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، أَيِ: الْعَادِلِينَ. «798» وَرُوِّينَا [1] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نور» . [سورة المائدة (5) : آية 43] وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ، هَذَا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، أي: وكيف يَجْعَلُونَكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فَيَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ؟ فِيها حُكْمُ اللَّهِ، وَهُوَ الرَّجْمُ، ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، أي: بمصدّقين لك. [سورة المائدة (5) : آية 44] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، أَيْ: أَسْلَمُوا وَانْقَادُوا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) [الْبَقَرَةِ: 131] ، وَكَمَا قَالَ: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [آلِ عِمْرَانَ: 83] ، وَأَرَادَ بِهِمُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ بُعِثُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَحْكُمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَحَكَمُوا بِهَا، فَإِنَّ مِنَ النَّبِيِّينَ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ مِنْهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [الْمَائِدَةِ: 48] ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالرَّجْمِ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً [النَّحْلِ: 120] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ هادُوا، قِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فِيهَا هُدًى وَنُورٌ لِلَّذِينِ هَادَوْا ثُمَّ قَالَ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَمَعْنَاهُ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى الَّذِينَ هَادَوْا كَمَا قَالَ: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: 7] ، أي: فعليها، وكما قال: أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ [الرَّعْدِ: 25] ، [أَيْ: عَلَيْهِمْ] [2] ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّذِينِ هَادَوْا وَعَلَى الَّذِينَ هَادَوْا فَحَذَفَ أَحَدَهُمَا اخْتِصَارًا. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ، يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ، وَاحِدُهُمْ [3] حَبْرٌ، وَحِبْرٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ لِلشَّيْءِ [4] ، قَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عبيدة: هو من الحبر الذي

_ 798- تقدم في «سورة المائدة» آية: 42. (1) في المطبوع وحده «روي» . (2) زيادة عن المخطوط. (3) في المطبوع «واحدها» . (4) في المطبوع «في الشيء» . [.....]

[سورة المائدة (5) : آية 45]

يُكْتَبُ بِهِ، وَقَالَ قُطْرُبٌ: هُوَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَمَالِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا. «799» وَفِي الْحَدِيثِ: «يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ» . أَيْ: حسنه وهيأته، وَمِنْهُ التَّحْبِيرُ وَهُوَ التَّحْسِينُ، فَسُمِّيَ الْعَالِمُ حِبْرًا لِمَا عَلَيْهِ مِنْ جَمَالِ الْعِلْمِ وَبَهَائِهِ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ هَاهُنَا مِنَ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، [وَقِيلَ: كِلَاهُمَا مِنَ الْيَهُودِ] [1] ، قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ، أَيِ: اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ، أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الْيَهُودِ دُونَ مَنْ أَسَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ، وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهَا فِي الْكَافِرِينَ [2] ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، بَلْ إِذَا فَعَلَهُ فَهُوَ بِهِ كَافِرٌ، وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ مَعْنَاهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِدًا بِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. وَسُئِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: إِنَّهَا تَقَعُ عَلَى جَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا عَلَى بَعْضِهِ، وكل مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ، فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَتَرْكِ الشرك. ثم لم يحكم ببعض مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّرَائِعِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا إِذَا رَدَّ نَصَّ حُكْمِ اللَّهِ عِيَانًا عَمْدًا، فَأَمَّا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَوْ أخطأ في تأويل فلا. [سورة المائدة (5) : آية 45] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها، أَيْ: أَوْجَبْنَا [3] عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ، أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، يعني: من نَفْسَ الْقَاتِلِ بِنَفْسِ الْمَقْتُولِ وَفَاءً يُقْتَلُ بِهِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، تُفْقَأُ بِهَا، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، يُجْدَعُ بِهِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، تُقْطَعُ بِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحُكْمِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ: أَنَّ النفس بالنفس واحدة بواحدة إِلَى آخِرِهَا، فَمَا بَالُهُمْ يُخَالِفُونَ فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون

_ 799- لا أصل له. وذكره ابن الجوزي في «غريب الحديث» (1/ 186) والزمخشري في «الفائق» (1/ 251) وابن الأثير في «النهاية» (1/ 327) بدون إسناد، فهو لا شيء. بل لا أصل له لخلوه عن الإسناد. (1) زيادة عن المخطوط. (2) بل يدخل في ذلك من هذه الأمة من استبدل الأحكام الشرعية التي هي من عند الله تعالى بقوانين من وضع البشر، فهذا من الكفر والظلم والفسق، فالذي ينكر الرجم أو الجلد أو قطع اليد ويعتبر ذلك غير صالح في هذه الأزمان فهو مقصود في هذه الآيات الثلاث وسيناله عقاب رب العالمين، كيف لا يكون هذا منكرا للأحكام الشرعية، وهو موقن بأن ما يحكم به من قوانين البشر هو الحكم العادل وما سواه لا بد أنه جائر في مفهومه، فليحذر هؤلاء الذين يخالفون أمر الله تعالى، وليعودوا إلى شرع الله تعالى، فهو العالم بكل شيء، وهو العالم بعباده في كل زمان ومكان، وإلا فإن الله سينتقم من هؤلاء في الآخرة بلا ريب، وربما يكون أيضا في الدنيا نسأل الله السلامة. (3) في المخطوط وحده «أوحينا» .

بِالْعَيْنِ الْعَيْنَيْنِ، وَخَفَّفَ نَافِعٌ الْأُذُنَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَثَقَّلَهَا الْآخَرُونَ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، تُقْلَعُ بِهَا وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ قِيَاسٌ عَلَيْهَا فِي الْقِصَاصِ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ، ثُمَّ قَالَ: وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ، أَيْ: فِيمَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ فيه [1] مِنْ كَسْرِ عَظْمٍ أَوْ جَرْحِ لَحْمٍ كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَالْعَيْنَ وَمَا بَعْدَهَا بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «وَالْجُرُوحُ» بِالرَّفْعِ فَقَطْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ كُلَّهَا بِالنَّصْبِ كَالنَّفْسِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَيْ: بِالْقِصَاصِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، قِيلَ: الْهَاءُ فِي لَهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَجْرُوحِ وَوَلِيِّ الْقَتِيلِ، أَيْ: كَفَّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ. «800» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا [أَبُو] عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ أَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهُ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ» . وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَارِحِ وَالْقَاتِلِ، يَعْنِي: إِذَا عفا المجنى عليه من الْجَانِي فَعَفْوُهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِ الْجَانِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ كَفَّارَةٌ لَهُ، فَأَمَّا أَجْرُ الْعَافِي فَعَلَى اللَّهِ عزّ وجلّ،

_ 800- حديث صحيح بشواهده، عبد الله بن الفضل ثقة ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم، أبو خيثمة هو زهير بن حرب، جرير هو ابن عبد الحميد، مغيرة هو ابن مقسم الضبي، الشعبي هو عامر بن شراحيل. وأخرجه أحمد (5/ 330) من طريق جرير بهذا الإسناد وذكره الهيثمي في «المجمع» (6/ 302) (10797) وقال: رواه عبد الله بن أحمد والطبراني، بلفظ: «من تصدّق بشيء من جسده أعطي بقدر ما تصدّق به» ورجال المسند رجال الصحيح اهـ. وأخرجه أحمد (5/ 316) والطبري 12086 من طريق هشيم بن بشير عن مغيرة به. وورد بمعناه. من حديث أبي هريرة عند ابن أبي عاصم في «الديات» 115 وفي إسناد مجالد بن سعيد، وهو ضعيف. ومن حديث أبي الدرداء عند الترمذي 1393 وابن ماجه 2693 وأحمد (5/ 316) و (6/ 448) والطبري 12085 وابن أبي عاصم في «الديات» 120. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلا من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، أبو السفر اسمه سعيد بن أحمد ويقال: ابن محمد الثوري. اهـ. وعن عدي بن ثابت قال: هشم رجل فم رجل على عهد معاوية فأعطى ديته فأبى أن يقبل حتى أعطي ثلاثا. فقال رجل: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ تصدق بدم أو دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق» أخرجه أبو يعلى 6869 وابن أبي عاصم في «الديات» 310. وقال الهيثمي في «المجمع» 10800: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير عمران بن ظبيان، وقد وثقه ابن حبان، وفيه ضعف اهـ. وورد موقوفا بمعناه عن عدة من الصحابة راجع «تفسير الطبري» عن هذه الآية. ومع ذلك هي تشهد للمرفوع، فالحديث بهذه الشواهد والطرق يرقى إلى درجة الصحيح، والله أعلم. وانظر تفسير ابن كثير عند هذه الآية بتخريجي. (1) في المطبوع «منه» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 48]

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشُّورَى: 40] ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 48] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ، أَيْ: عَلَى آثَارِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ، أَيْ: فِي الْإِنْجِيلِ، هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً، يَعْنِي: الْإِنْجِيلَ، لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَلْيَحْكُمْ: بِكَسْرِ اللَّامِ ونصب الْمِيمِ، أَيْ: لِكَيْ يَحْكُمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِسُكُونِ اللَّامِ وَجَزَمَ الْمِيمِ عَلَى الْأَمْرِ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانِ: أَمَرَ اللَّهُ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا [1] فِي التَّوْرَاةِ، وَأَمَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي الْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا وَقَالُوا عزيز ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ، يَا مُحَمَّدُ الْكِتابَ، الْقُرْآنَ، بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ، أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ قَبْلُ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ، رَوَى الوالي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ شَاهِدًا عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْكِسَائِيِّ. قَالَ حَسَّانُ: إِنَّ الْكِتَابَ مُهْيَمِنٌ لِنَبِيِّنَا، وَالْحَقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ. يُرِيدُ شَاهِدًا وَمُصَدِّقًا، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: دَالًّا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مُؤْتَمِنًا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَمِينًا، وَقِيلَ: أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ مُفَيْعِلٌ مِنْ أَمِينٍ، كَمَا قَالُوا: مُبَيْطِرٌ مِنَ الْبَيْطَارِ [2] ، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً كَمَا قَالُوا: أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ، وَإِيهَاتَ وَهَيْهَاتَ، وَنَحْوَهَا. وَمَعْنَى أَمَانَةَ الْقُرْآنِ مَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَمَا أَخْبَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ كِتَابِهِمْ فَإِنْ كان في القرآن صدّقوا وَإِلَّا فَكَذِّبُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: قَاضِيًا، وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَقِيبًا وَحَافِظًا، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَمَعْنَى الْكُلِّ: أَنَّ كُلَّ [3] كِتَابٍ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ الْقُرْآنُ فَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ تعالى وإلا فَلَا. فَاحْكُمْ، يَا مُحَمَّدُ، بَيْنَهُمْ، بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا تَرَافَعُوا إليك، بِما أَنْزَلَ اللَّهُ تعالى في

_ (1) زيد في المطبوع «أنزل الله» . (2) في المطبوع «البياطر» . (3) تصحف في المطبوع «الكل» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 49 الى 50]

القرآن، وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ، أَيْ: لَا تُعْرِضْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ سَبِيلًا وَسُنَّةً، فَالشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَكُلُّ مَا شَرَعَتْ فِيهِ فَهُوَ شَرِيعَةٌ وَشِرْعَةٌ، وَمِنْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ لِشُرُوعِ أهلها فيه، وَأَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةٌ، وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ شَرِيعَةٌ، قَالَ قَتَادَةُ: الْخِطَابُ لِلْأُمَمِ الثَّلَاثِ أُمَّةِ مُوسَى وَأُمَّةِ عِيسَى وَأُمِّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أجمعين، فالتوراة شريعة والإنجيل شريعة والقرآن شَرِيعَةٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، أَيْ: عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ، لِيَخْتَبِرَكُمْ، فِي مَا آتاكُمْ، مِنَ الْكُتُبِ وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الشَّرَائِعِ، فَيَتَبَيَّنُ [1] الْمُطِيعُ مِنَ المعاصي وَالْمُوَافِقُ مِنَ الْمُخَالِفِ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ، فَبَادِرُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 49 الى 50] وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ، إليك وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ [2] وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَأَشْرَافُهُمْ وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ لَمْ يُخَالِفْنَا الْيَهُودُ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ خُصُومَاتٍ فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ نُؤْمِنُ بِكَ، وَيَتْبَعُنَا غَيْرُنَا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ الْإِيمَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّلْبِيسَ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الْمَيْلِ فِي الْحُكْمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [هَذِهِ] [3] الْآيَةَ، فَإِنْ تَوَلَّوْا، أَيْ: أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَالْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ، فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ تَبْغُونَ بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَطْلُبُونَ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 52] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، اخْتَلَفُوا فِي نِزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وإن كان حكمها عاما

_ (1) في المطبوع «فيبين» . (2) في المطبوع «أسيد» والمثبت عن المخطوط و «السيرة النبوية» . (3) زيادة عن المخطوط.

لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ قَوْمٌ: «801» نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا اخْتَصَمَا، فَقَالَ عُبَادَةُ: إِنَّ لِي أَوْلِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدَةٌ شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَتِهِمْ وَوِلَايَةِ الْيَهُودِ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكِنِّي [لَا] [1] أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ الْيَهُودِ لِأَنِّي أَخَافُ الدَّوَائِرَ وَلَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا الْحُبَابِ مَا نَفَسْتَ بِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْيَهُودِ عَلَى عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ» ، قَالَ: إِذًا أَقْبَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ اشْتَدَّتْ عَلَى طَائِفَةٍ من الناس وتخوّفوا أن يدلّ عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَا أَلْحَقُ بِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ وَآخُذُ مِنْهُ أَمَانًا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُدَالَ عَلَيْنَا الْيَهُودُ، وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَلْحَقُ بِفُلَانٍ النَّصْرَانِيِّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَآخُذُ مِنْهُ أَمَانًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ يَنْهَاهُمَا [2] . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ حَاصَرَهُمْ، فَاسْتَشَارُوهُ فِي النُّزُولِ، وَقَالُوا: مَاذَا يَصْنَعُ بِنَا إِذَا نَزَلْنَا، فَجَعَلَ أُصْبُعَهُ عَلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ الذَّبْحُ [3] ، أَيْ: يَقْتُلُكُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ وَيَدُهُمْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ، فيوافقهم [4] ويعينهم، فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، أَيْ: نِفَاقٌ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُوَالُونَ اليهود، يُسارِعُونَ فِيهِمْ، [أي:] [5] فِي مَعُونَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، دَوْلَةٌ، يَعْنِي: أن يدول الدهر دولته فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْرِهِمْ إِيَّانَا، وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعْنَاهُ نَخْشَى أَنْ لَا يَتِمَّ أَمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورُ الْأَمْرُ عَلَيْنَا، وَقِيلَ: نَخْشَى أَنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنَا بِمَكْرُوهٍ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ، ولا يُعْطُونَا الْمِيرَةَ وَالْقَرْضَ، فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بِالْقَضَاءِ الْفَصْلِ مِنْ نَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَتْحُ قُرَى الْيَهُودِ مِثْلُ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، قِيلَ: بِإِتْمَامِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: [هَذَا]] عَذَابٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: إِجْلَاءُ بَنِي النضير، فَيُصْبِحُوا، يعني: هؤلاء المنافقين، عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ، مِنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَدَسِّ الْأَخْبَارِ إليهم، نادِمِينَ.

_ 801- أخرجه الطبري 12163 عن الزهري مرسلا و12162 عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ مرسلا. وانظر «أسباب النزول» 395 للواحدي. وأخرجه الطبري أيضا 12164 عن عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بن الصامت مرسلا. وانظر «الدر المنثور» (2/ 515) . فهذه المراسيل تتأيد بمجموعها. (1) ما بين المعقوفتين مستدرك من «تفسير الطبري» 12163 وط. [.....] (2) مرسل السدي أخرجه الطبري برقم 12165. (3) مرسل عكرمة أخرجه الطبري برقم 12166. (4) في المطبوع «فيوفقهم» . (5) زيادة عن المخطوط. (6) زيادة عن المخطوطين، وفي ط «هو» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 53 الى 54]

[سورة المائدة (5) : الآيات 53 الى 54] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) وَ، حِينَئِذٍ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا، قَرَأَ أَهْلُ الكوفة: وَيَقُولُ، بالواو والرفع على الاستئناف وَقَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِالْوَاوِ وَنَصْبِ اللَّامِ عَطْفًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ، أَيْ: وَعَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ اللَّامِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْعَالِيَةِ [1] ، اسْتِغْنَاءً عَنْ حرف العطف لملابسة هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا، يَعْنِي: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا فِي وَقْتِ إِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ، أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ، حَلَفُوا بِاللَّهِ، جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، أَيْ: حَلَفُوا بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ، إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ، أَيْ: إنهم لمؤمنون، يُرِيدُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَحَلِفِهِمْ بِالْبَاطِلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ، بَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ، فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ، خَسِرُوا الدُّنْيَا بِافْتِضَاحِهِمْ، وَالْآخِرَةَ بِالْعَذَابِ وَفَوَاتِ الثَّوَابِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ يَرْتَدِدْ بِدَالَيْنِ عَلَى إِظْهَارِ التَّضْعِيفِ عَنْ دِينِهِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ، قَالَ الْحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قاتلوا أهل الردة ومانعي الزَّكَاةِ [2] . «802» وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قُبِضَ ارْتَدَّ عَامَّةُ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَحْرَيْنِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةَ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقِتَالِهِمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ [قَالَهَا فَقَدْ] [3] عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَرِهَتِ الصَّحَابَةُ قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَقَالُوا: أَهْلُ الْقِبْلَةِ، فَتَقَلَّدَ أَبُو بَكْرٍ سَيْفَهُ وَخَرَجَ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى أَثَرِهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَرِهْنَا ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ حمدناه عليه في الانتهاء.

_ 802- أخرجه الطبري 12190 عن قتادة مرسلا دون اللفظ المرفوع منه وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (6/ 362) . وأصله أخرجه البخاري 1399 و1456 و7284 و7285 ومسلم 20 وأبو داود 1556 والترمذي 2607 والنسائي (5/ 14) و (7/ 77) وعبد الرزاق (8/ 187) وأحمد (2/ 528) وابن حبان 216 و217 والبيهقي (7/ 4) و (8/ 176) و (9/ 182) من طرق عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عن أبي هريرة مرفوعا. ويأتي في «سورة التوبة» آية: 11. (1) كذا في المطبوع والمخطوطين وط، وفي نسخة «الشام» . (2) انظر «تفسير الطبرى» 12184 و12188 و12190 و12206. (3) في المطبوع وحده «قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .

«803» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا حُصَيْنٍ يَقُولُ: مَا وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مَوْلُودٌ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَقَدْ قَامَ مَقَامَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ فِرَقٍ. مِنْهُمْ: بَنُو مدلج ورئيسهم ذو الخمار عيهلة بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِالْأَسْوَدِ، وَكَانَ كَاهِنًا مُشَعْبِذًا فَتَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهَا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحُثُّوا النَّاسَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ، وَعَلَى النُّهُوضِ إِلَى حَرْبِ الْأَسْوَدِ، فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأَتَى الْخَبَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُتِلَ الْأَسْوَدُ الْبَارِحَةَ قَتْلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ» ، قِيلَ: وَمَنْ هُوَ؟ قال: «فَيْرُوزُ» ، فَبَشَّرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِهَلَاكِ الْأَسْوَدِ، وَقُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَدِ وَأَتَى خَبَرُ مَقْتَلِ الْعَنْسِيِّ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ شَهْرِ ربيع الأول بعد ما خَرَجَ أُسَامَةُ وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ فتح، جاء أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: بَنُو حَنِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ ورئيسهم مسيلمة الكذاب، وَكَانَ قَدْ تَنَبَّأَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أُشْرِكَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّبُوَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَرْضَ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لَكَ، وَبَعَثَ [بِذَلِكَ] [1] إِلَيْهِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا [2] » ، ثُمَّ أَجَابَ: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» ، وَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُوُفِّيَ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيٍّ، غُلَامِ مُطَعِمِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقُولُ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ. وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ [3] : بَنُو أَسَدٍ وَرَئِيسُهُمْ طُلَيْحَةُ بن خويلد، وَكَانَ طُلَيْحَةُ آخِرَ مَنِ ارْتَدَّ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَوَّلَ مَنْ قُوتِلَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خالد بن الوليد فَهَزَمَهُمْ خَالِدٌ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَأَفْلَتَ طُلَيْحَةُ فَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ هَارِبًا نَحْوَ الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. وَارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، حَتَّى كَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ وَنَصَرَ دِينَهُ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَاشْرَأَبَّ النِّفَاقُ، وَنَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ مَا لَوْ نَزَلَ بالجبال الراسيات لهاضها» [4] .

_ 803- هذا مرسل ولبعضه شواهد. فقد ورد في «الطبقات» لابن سعد (6/ 63) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلّم: «قتله الرجل الصالح فيروز بن الديلمي» . وجاء في «الإصابة» (3/ 210) (7010) لابن حجر: وأخرج سيف في «الفتوح» من طريق ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عليه وسلّم بشّرهم بقتل الأسود العنسي قبل أن يموت، وقال لهم: «قتله فيروز الديلمي» . وانظر «دلائل النبوة» للبيهقي (5/ 334، 336 و330، 331) و «الكاف الشاف» (1/ 644، 645) . (1) زيادة عن المخطوط. (2) انظر ما يأتي عن رقم 882 «سورة الأنعام» آية: 93. (3) وقع في الأصل «الثانية» والتصويب من ط. (4) أثر عائشة ذكره ابن هشام في «السيرة» (4/ 235) بنحوه. [.....]

وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ هَمُ الْأَشْعَرِيُّونَ. «804» رُوِيَ عَنْ عِيَاضِ بن [عمرو] [1] الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُمْ قَوْمُ هَذَا» ، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَكَانُوا مِنَ الْيَمَنِ. «805» أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنِ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ] [2] بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ [3] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقَّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٌ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ» . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَحْيَاءٌ مِنَ الْيَمَنِ أَلْفَانِ مِنَ النَّخَعِ وَخَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ كِنْدَةَ وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفناء [4] النَّاسِ، فَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي: أَرِقَّاءَ رُحَمَاءَ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: 24] ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْهَوَانَ، بَلْ أراد أَنَّ جَانِبَهُمْ لَيِّنٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: هُوَ [مِنَ] [5] الذُّلِّ مِنْ قولهم دابة

_ 804- حسن، أخرجه الحاكم (2/ 313) والطبري 12193 والطبراني (17/ 371) وابن سعد (4/ 80) من حديث عياض الأشعري، وصححه الحاكم! ووافقه الذهبي! وقال الهيثمي في «المجمع» 10976: رجال الطبراني رجال الصحيح! مع أن في صحبة عياض الأشعري اختلاف، والراجح عدم صحته، وقد جزم بذلك أبو حاتم وغيره وبأن حديثه مرسل، ويؤيد ذلك رواية البيهقي في «الدلائل» (5/ 351) حيث أخرجه من طريق سماك عن عياض عن أبي موسى، ومدار الحديث على سماك بن حرب وهو صدوق من رجال مسلم، لكن اختلط بأخرة، لكن له شاهد من حديث شريح بن عبيد أخرجه الطبري 12199 ورجاله ثقات إلا أنه مرسل، شريح تابعي. 805- حديث صحيح، إسناده حسن لأجل محمد بن عمرو، وقد توبع، من شيخه رجال البخاري ومسلم. وهو في «شرح السنة» 3896 بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 3499 ومسلم 52 ح 87 والترمذي 3935 وأحمد (2/ 502) من طريق أبي سلمة به دون صدره. وأخرجه البخاري 4388 ومسلم 52 ح 91 وابن حبان 7297 من طريق شعبة عن سليمان عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بهذا التمام. وأخرجه البخاري 4389 ومسلم 52 ح 85 وأحمد (2/ 270) وابن منده 431 و432 و380 والطيالسي 2503 من طرق عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري 4390 ومسلم 52 ح 84 من طريق أبي الأعرج عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم 52 ح 82 وعبد الرزاق 19888 وأحمد (2/ 235 و267 و474) وابن حبان 7300 من طرق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وبعضهم زاد على بعض. (1) وقع في النسخ «غنم» والتصويب عن الإصابة وتهذيب الكمال ومعجم الطبراني والجرح والتعديل. (2) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل واستدرك من «شرح السنة» . (3) وقع في الأصل «أبي موسى» والتصويب من «ط» و «شرح السنة» وكتب التراجم. (4) فناء الدار: ما اتسع من أمامها، أو ما امتد من جوانبها. ويقال: هو من أفناء الناس، إذا لم يعلم ممن هو. (5) زيادة عن المخطوط.

[سورة المائدة (5) : الآيات 55 الى 56]

ذلول، يعني أنهم متواضعون. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [الفرقان: 63] ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، أَيْ: أَشِدَّاءَ غلاظ على الكفار يعازونهم [1] وَيُغَالِبُونَهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَزَّهُ أَيْ غَلَبَهُ. قَالَ عَطَاءٌ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: كَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ: كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29] ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ، يَعْنِي: لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَ [2] النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ الْكُفَّارَ وَيَخَافُونَ لَوْمَهُمْ. «806» وَرُوِّينَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ نقوم أو نقول بالحق حيث ما كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، أَيْ: مَحَبَّتُهُمْ لِلَّهِ وَلِينُ جَانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشِدَّتُهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عليهم [3] ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ. [سورة المائدة (5) : الآيات 55 الى 56] إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بن أبيّ ابن سَلُولٍ حِينَ تَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ [4] : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: 51] ، إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، يَعْنِي: عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «807» وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمَنَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ قَدْ هَجَرُونَا وَفَارَقُونَا وَأَقْسَمُوا أَنْ لَا يُجَالِسُونَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءَ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: وَهُمْ راكِعُونَ، صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ والنهار، وقاله [5] ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. «808» وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ: وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ، أَرَادَ بِهِ عَلِيَّ بن

_ 806- متفق عليه وقد تقدم. 807- ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 396 عن جابر بدون إسناد. وأخرجه الواحدي 397 من حديث ابن عباس بنحوه بإسناد ساقط. 808- موضوع. أخرجه الطبري 12215 عن السدي مرسلا، وهذا مرسل والسدي يروي المناكير. وأخرجه الواحدي 397 عن محمد بن مروان عن محمد بن السائب عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس مرفوعا وفيه «ثم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فنظر سائلا فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم خاتم من ذهب. قال: من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم، وأومأ بيده إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فقال: على أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني، وهو راكع، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم ثم قرأ: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ....» . (1) في المطبوع وط «يعادونهم» والمثبت عن المخطوطين، ويدل على صحة ما بعده. (2) في المطبوع «لومة» . (3) في المخطوط ب وحده «على المؤمنين» . (4) انظر الحديث المتقدم برقم: 785. [.....] (5) وقع في الأصل «وقال» والتصويب من «ط» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 59]

أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ. وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، يعني: يتولّ الْقِيَامَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ، يَعْنِي: أَنْصَارَ دين الله، هُمُ الْغالِبُونَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 59] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً الآية، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ [1] : كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ نَافَقَا وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً، بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلًا وَهُمْ مُسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ، مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَالْكُفَّارَ، قرأ أهل البصرة والكسائي

_ وإسناده ساقط ليس بشيء محمد بن مروان، هو السدي الصغير متروك متهم بالكذب وابن السائب هو الكلبي أقرّ على نفسه بالكذب. راجع «الميزان» وأبو صالح اسمه «باذام» لم يلق ابن عباس، والمتن باطل. وهذا الخبر أخرجه أيضا عبد الرزاق كما في تفسير ابن كثير (2/ 92، 93) عن ابن عباس به. قال ابن كثير: فيه عبد الوهّاب بن مجاهد، لا يحتج به اهـ. وقال الذهبي في «الميزان» (2/ 682) : قال يحيى: ليس يكتب حديثه. وقال أحمد: ليس بشيء. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال البخاري: يقولون: لم يسمع من أبيه اهـ. والظاهر أن هذا المتن سرقه عن الكلبي، فركبه على هذا الإسناد. وأخرجه الطبري 12219 عن مجاهد مرسلا. وفيه غالب بن عبيد الله متروك وكرر 12216 عن أبي جعفر بلاغا، مع ذلك هو مفصل. وورد من حديث علي أخرجه ابن مردويه كما في «تفسير ابن كثير» (2/ 93) وورد من حديث عمار بن ياسر عند الطبراني في «الأوسط» كما في «المجمع» 10978 وقال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم اهـ. وزاد ابن كثير نسبته لابن مردويه عن أبي رافع وقال ابن كثير: وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها، وجهالة رجالها. وقال ابن كثير في «تفسيره» (2/ 73، 74) ما ملخصه: وأما قوله تعالى: وَهُمْ راكِعُونَ فقد توهم بعض الناس أن الجملة في موضع حال من قوله: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ أي في حال ركوعهم، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة حال الركوع أفضل من غيره، ولم يقل به أحد من أئمة الفتوى اهـ. وذكره ابن تيمية في «المقدمة في أصول التفسير» وقال: إنه من وضع الرافضة اهـ. والظاهر أنه من وضع الكلبي، وسرقه منه بعض الضعفاء. وانظر مزيد الكلام عليه في «تفسير ابن كثير» و «فتح القدير» 815 و816 للشوكاني عند هذه الآية وكلاهما بتخريجي. (1) ضعيف. أخرجه الطبري 12221 عن ابن عباس، وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد.

وَالْكُفَّارَ بِخَفْضِ الرَّاءِ، يَعْنِي: وَمِنَ الْكُفَّارِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا الْكُفَّارَ، أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَادَى إِلَى الصَّلَاةِ وَقَامَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا، قَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ قاموا لا قاموا، قَامُوا وَصَلَّوْا لَا صَلَّوْا، عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَضَحِكُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ [1] . وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: حُرِقَ الْكَاذِبُ، فَدَخَلَ خَادِمُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِنَارٍ هو وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَتَطَايَرَتْ مِنْهَا شَرَارَةٌ فَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ وَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ [2] . وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لِقَدْ أَبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَإِنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَقَدْ خَالَفْتَ فِيمَا أَحْدَثْتَ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَكَ وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَمِنْ أين لك صياح كصياح العير، فَمَا أَقْبَحَ مِنْ صَوْتٍ وَمَا أَسْمَجَ مِنْ أَمْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [فصلت: 33] الْآيَةَ [3] . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا الْآيَةَ، قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: هَلْ تَنْقِمُونَ، بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي التَّاءِ، وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ لَامَ هَلْ فِي التاء والثاء والنون، وافقه حَمْزَةُ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَأَبُو عمرو في هَلْ تَرى [الملك: 3] فِي مَوْضِعَيْنِ. «809» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ: «آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ» ، إِلَى قَوْلِهِ: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 133] ، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا، أَيْ: [هَلْ] [4] تَكْرَهُونَ مِنَّا، إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ، أَيْ: [هَلْ تكرهون] [5] إِلَّا إِيمَانَنَا وَفِسْقَكُمْ، أَيْ: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ إِيمَانَنَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّا عَلَى حَقٍّ، لِأَنَّكُمْ فَسَقْتُمْ بِأَنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِكُمْ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ وحب الأموال [6] ، ثم قال:

_ 809- ضعيف. أخرجه الطبري 12224 من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد. وذكره الواحدي في «أسبابه» 401 عن ابن عباس بدون إسناد. (1) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 399 عن الكلبي بدون إسناد والكلبي متروك متهم بالكذب. (2) أخرجه الطبري 12223 عن السدي مرسلا وذكره الواحدي 400 عن السدي بدون إسناد. (3) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 400 م هكذا بدون إسناد. (4) زيادة عن المخطوط. (5) زيد في المطبوع وط. (6) تصحف في المطبوع «الأقوال» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 60 الى 63]

[سورة المائدة (5) : الآيات 60 الى 63] قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ (63) قُلْ يَا مُحَمَّدُ، هَلْ أُنَبِّئُكُمْ، أُخْبِرُكُمْ، بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ، الَّذِي ذَكَرْتُمْ، يَعْنِي: قَوْلَهُمْ لَمْ نَرَ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَذَكَرَ الْجَوَابَ بِلَفْظِ الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الابتداء شرا لقوله تعالى: أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ [الْحَجِّ: 72] ، مَثُوبَةً ثَوَابًا وَجَزَاءً، نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ [1] ، عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَيْ: هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ، فَالْقِرَدَةُ أَصْحَابُ السَّبْتِ، وَالْخَنَازِيرُ كُفَّارُ مَائِدَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ الْمَمْسُوخِينَ [2] كِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ فَشُبَّانُهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَمَشَايِخُهُمْ مُسِخُوا خَنَازِيرَ. وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَيْ: جُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَيْ: أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِيمَا سوّل له، تصديقها [3] ، قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «وَمَنْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ» ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ: «وَعَبُدَ» بِضَمِّ الْبَاءِ، «الطَّاغُوتِ» بِجَرِّ التَّاءِ، أَرَادَ الْعَبُدَ وَهُمَا لُغَتَانِ عَبْدٌ بِجَزْمِ الْبَاءِ وَعُبُدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ، مِثْلُ سبع وسبع، وقيل: جَمْعُ الْعِبَادِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ: «وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» عَلَى الْوَاحِدِ، أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، [أَيْ] [4] : عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ. وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا، يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: 72] ، دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: آمَنَّا: بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ، وَهُمْ يُسِرُّونَ الْكُفْرَ، وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ، يَعْنِي: دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَافِرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ. وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ، يَعْنِي: مِنَ الْيَهُودِ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، قِيلَ: الْإِثْمُ الْمَعَاصِي وَالْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ مَا كَتَمُوا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالْعُدْوَانُ ما زَادُوا فِيهَا، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ، الرِّشَا، لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. لَوْلا، هَلَّا، يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ، يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ، قِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كانُوا يَصْنَعُونَ. [سورة المائدة (5) : آية 64] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) . وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ بَسَطَ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَالًا وَأَخْصَبِهِمْ نَاحِيَةً فَلَمَّا عصوا اللَّهَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوا بِهِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ: يَدُ اللَّهِ مغلولة، أي:

_ (1) أي التمييز. (2) كذا في المطبوع وط والمخطوط وفي ب «المسخين» . (3) في المخطوط ب وحده «تصدقها» . (4) زيادة عن المخطوط. [.....]

[سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 67]

مَحْبُوسَةٌ مَقْبُوضَةٌ عَنِ [1] الرِّزْقِ، نَسَبُوهُ إلى البخل، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِنْحَاصٌ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ الْآخَرُونَ وَرَضُوا بِقَوْلِهِ أَشْرَكَهُمُ اللَّهُ فِيهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يَدُ اللَّهِ مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذَابِنَا فَلَيْسَ يُعَذِّبُنَا إلا ما يبرّ بِهِ قَسَمُهُ قَدْرَ مَا عَبَدَ آبَاؤُنَا الْعِجْلَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ، أَيْ: أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: أَنَا الْجَوَّادُ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ وَأَيْدِيهِمْ هِيَ الْمَغْلُولَةُ الْمُمْسِكَةُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْغَلِّ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [غَافِرِ: 71] . وَلُعِنُوا، عُذِّبُوا، بِما قالُوا، فَمِنْ لَعْنِهِمْ أَنَّهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ، وَيَدُ اللَّهِ صِفَةٌ من صفات ذاته كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ وَالْوَجْهِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] . «810» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَاتِهِ، فَعَلَى الْعِبَادِ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ. وَقَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفَ [2] ، يُنْفِقُ، يَرْزُقُ، كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً، أَيْ: كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بها فازدادوا طغيانا وكفرا، وكفروا، وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ، يَعْنِي: بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ. وَقِيلَ: بَيْنَ طَوَائِفِ الْيَهُودِ جَعَلَهُمُ [اللَّهُ] [3] مُخْتَلِفِينَ فِي دِينِهِمْ مُتَبَاغِضِينَ، إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، يَعْنِي: الْيَهُودَ أَفْسَدُوا وَخَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْطُوسَ الرُّومِيُّ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ لِيُفْسِدُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْقَدُوا نَارَ الْمُحَارَبَةِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، فَرَدَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَنَصَرَ نَبِيَّهُ وَدِينَهُ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَرْبٍ طَلَبَتْهُ الْيَهُودُ فَلَا تَلْقَى اليهود في بلد إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 67] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا، بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاتَّقَوْا، الْكُفْرَ، لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ، يَعْنِي: أَقَامُوا أَحْكَامَهُمَا وَحُدُودَهُمَا وَعَمِلُوا بِمَا فيهما،

_ 810- هو بعض حديث وقد تقدم في سورة النساء برقم: 633. (1) في المطبوع «من» . (2) هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، والذي يفسرها ويؤلها معطل، والذي يقول: يد كيد، وسمع كسمع وبصر كبصر، ونحو ذلك، فهو مشبه مجسم، نسأل الله السلامة. (3) زيادة عن المخطوط.

وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: كُتُبُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، قِيلَ: مِنْ فَوْقِهِمْ هُوَ الْمَطَرُ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ نَبَاتُ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَأَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الْقَطْرَ وَأَخْرَجْتُ لَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ. وَقَالَ الْفِرَاءُ: أَرَادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ فِي الرِّزْقِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ فِي الْخَيْرِ مِنْ قرنه إلى قدمه، نظيره قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الْأَعْرَافِ: 96] . مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، مُقْتَصِدَةٌ أَيْ عَادِلَةٌ غَيْرُ غَالِيَةٍ [1] ، وَلَا مُقَصِّرَةٍ جَافِيَةٍ. وَمَعْنَى الِاقْتِصَادِ فِي اللُّغَةِ: الِاعْتِدَالُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ، كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ، ساءَ مَا يَعْمَلُونَ، بِئْسَ [2] شَيْئًا عَمَلُهُمْ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عملوا بالقبيح مَعَ التَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية [3] . وروي [عن] [4] الْحَسَنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ رَسُولَهُ ضَاقَ ذَرْعًا وَعَرَفَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ [5] . [وَقِيلَ] [6] : نَزَلَتْ فِي عَيْبِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ وَجَعَلُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: تُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَكَ حَنَانًا كما اتّخذت النصارى عيسى حَنَانًا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ سَكَتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ [المائدة: 68] الْآيَةَ. وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ونكاحها، وقيل: [نزلت] [7] فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَرِهُوهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [مُحَمَّدٍ: 5] ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [النساء: 77] الآية. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْسِكُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ عَنِ الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَأَبُو بكر ويعقوب «رِسَالَاتِهِ» عَلَى الْجَمْعِ وَالْبَاقُونَ رِسَالَتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنْ لَمْ تُبَلِّغِ الْجَمِيعَ [8] وَتَرَكْتَ بَعْضَهُ، فَمَا بَلَّغْتَ شَيْئًا، أَيْ: جُرْمُكَ فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ الْبَعْضِ كَجُرْمِكَ فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ الْكُلِّ كَقَوْلِهِ: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [النِّسَاءِ: 150- 151] ،

_ (1) في المطبوع «غالبة» . (2) زيد في المطبوع وحده «بئس ما يعملون» . (3) خبر عائشة أخرجه البخاري 4612 ومسلم 177 دون ذكر الآية ويأتي في آخر سورة لقمان. (4) زيادة عن المخطوط. (5) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» 402 عن الحسن بدون إسناد، وقال الحافظ في «تخريج الكشاف» (1/ 659) : أخرجه إسحاق في «مسنده» أخبرنا كلثوم بن محمد بن أبي سدرة حدثنا عطاء الخراساني عن أبي هريرة به.... اهـ. (6) ما بين المعقوفتين زيادة من «ط» . (7) زيادة عن المخطوط. (8) في المطبوع: «الجمع» .

أَخْبَرَ أَنَّ كُفْرَهُمْ بِالْبَعْضِ مُحْبِطٌ للإيعاب بِالْبَعْضِ، وَقِيلَ: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، أَيْ: أَظْهِرْ تَبْلِيغَهُ كَقَوْلِهِ: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [الْحِجْرِ: 94] ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ تَبْلِيغَهُ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مُجَاهِرًا مُحْتَسِبًا صَابِرًا، غَيْرَ خَائِفٍ، فَإِنْ أَخْفَيْتَ مِنْهُ شَيْئًا لِخَوْفٍ يَلْحَقُكَ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، يَحْفَظُكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ شُجَّ رَأْسُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَذَى؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الْقَتْلِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَى قَتْلِكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآية بعد ما شُجَّ رَأْسُهُ، لِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: وَاللَّهُ يَخُصُّكَ بِالْعِصْمَةِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ. «811» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ [1] عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَا سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جابر بن عبد الله أخبرهما [2] أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَفَلَ معه فأدركتهم الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاةِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ ثَلَاثًا» ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. «812» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ سَلَّ سَيْفَهُ، وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «اللَّهُ» ، فَرَعَدَتْ يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَ يَضْرِبُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ.

_ 811- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، أبو اليمان هو الحكم بن نافع، شعيب هو ابن أبي حمزة، الزهري هو محمد بن مسلم. وهو في «الأنوار» 216 بهذا الإسناد. وفي «صحيح البخاري» 2910 و1913 عن أبي اليمان بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم 2281 ح 14 والنسائي في «الكبرى» 8772 وأحمد (3/ 311) والبيهقي (6/ 319) وفي «الدلائل» (3/ 373) من طرق عن شعيب بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 2913 ومسلم (4/ 1786) (13) والنسائي في «الكبرى» 8852 وابن حبان 4537 من طرق عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سنان الدؤلي عن جابر به. وأخرجه البخاري 4135 من طريق الزهري عن سنان عن جابر به. ومسلم 2281 ح 13 والبيهقي في «الدلائل» (3/ 374) من طريق مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سلمة عن جابر به. وأخرجه مسلم 843 وأحمد (3/ 364) والبيهقي في «الدلائل» (3/ 375) من طرق عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ به. وانظر ما تقدم برقم: 806 و812. 812- باطل. لم أره عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ عن أبي هريرة، وهو عند الطبري 12281 من طريق أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كعب القرظي مرسلا. دون ذكر أبي هريرة وكذا في «الدر المنثور» (2/ 530) وإسناده ضعيف جدا لضعف أبي معشر واسمه نجيح السندي، وإرساله، ثم إن المتن باطل لأن الحديث في الصحيحين أنه ذهب من دون أن يعرض له شيء. [.....] (1) زيد في الأصل «أبو» بين «أنا» و «شعيب» والتصويب من «الأنوار» ومصادر التخريج. (2) في المطبوع «أخبره» .

[سورة المائدة (5) : الآيات 68 الى 71]

«813» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ [أَنَا إِسْمَاعِيلُ] [1] بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهِرَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا من أصحابي يحرسني الليلة إذا سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أبي وقاص جئت لأحرسك ونام النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. 81» وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى» . [سورة المائدة (5) : الآيات 68 الى 71] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ: تُقِيمُوا أَحْكَامَهُمَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِيهِمَا، وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ، فَلَا تَحْزَنْ، عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى، وَكَانَ حقه: «الصابئين» ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَجْهَ ارْتِفَاعِهِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيهِ تقديم وتأخير وتقديره: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إِلَى آخر الآية، والصابئون كذلك، قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، أَيْ: بِاللِّسَانِ، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ

_ 813- إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وهو في «صحيح البخاري» 2885 عن إسماعيل بن خليل بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري 7231 ومسلم 2410 والنسائي في «الكبرى» 8217 و8867 وابن أبي شيبة (12/ 88) وأحمد (6/ 141) وابن حبان 6986 وابن أبي عاصم 1411 والحاكم (3/ 501) من طرق عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ ربيعة به. (1) ما بين المعقوفتين مستدرك من ط و «صحيح البخاري» . 814- أخرجه الترمذي 3046 والحاكم (2/ 313) والطبري 12279 عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ عَنْ عائشة به. وإسناده غير قوي لأجل الحارث بن عبيد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، ورواه بعضهم عن الجريري مرسلا ليس فيه عائشة اهـ. وأخرجه الطبري 12277 عن ابن علية عن الجريريّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مرسلا. وهو أصح إسنادا من الموصول. وقال ابن حجر في «الفتح» : وإسناده حسن، واختلفوا في وصله وإرساله اهـ. وله شاهد مرسل، أخرجه الطبري 12276 عن سعيد بن جبير مرسلا، فالحديث الموصول يتأيد بهذا المرسل. وانظر «صحيح الترمذي» 2440 لكن في اللفظ المرفوع غرابة، والله أعلم.

[سورة المائدة (5) : الآيات 72 الى 75]

، أَيْ: بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لَا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا، عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ، يحيى وزكريا. وَحَسِبُوا، [أي] [1] ظَنُّوا، أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ، أَيْ: عَذَابٌ وَقَتْلٌ، وَقِيلَ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، أَيْ: ظَنُّوا أَنْ لَا يُبْتَلَوْا وَلَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «تَكُونُ» بِرَفْعِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا [2] لَا تَكُونُ، وَنَصَبَهَا الْآخَرُونَ كَمَا لَوْ لم تكن قَبْلَهُ لَا، فَعَمُوا، عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ، وَصَمُّوا، عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، يَعْنِي: عَمُوا وَصَمُّوا بَعْدَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، بِبَعْثِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ. [سورة المائدة (5) : الآيات 72 الى 75] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُمُ الْمَلْكَانِيَّةُ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْهُمْ، وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ