تفسير البغوي - طيبة

البغوي ، أبو محمد

مقدمة التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم مُقَدّمَة التحقيق إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد: فإن الحياة مع كتاب الله نعمة يدركها من أنعم الله بها عليه، وما أسعد الإنسان إذا جعل هذا الكتاب إمامه- وهذا شأن المسلم- فاهتدى بهديه بعد أن تدبر آياته! وما أسعد المجتمع الذي يجمع مثل هذا الفرد! وما أشد بؤس الذين حرموا أنفسهم من هدايته فخبطوا في حياتهم يمنة ويسرة، وانتهوا إلى ضياع أعمارهم وضياع دنياهم وآخرتهم: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} وإن أكثر الأوقات بركة تلك التي تقضي مع هذا الكتاب الكريم، إذ يعيش الإنسان مع كلام ربه عز وجل، فيحس أنه يناجيه فيرتقي مقامه، ويشعر بالعناية الإلهية تحيط به وترعاه وتأخذ بيده إلى حيث سعادته وفلاحه، سيما وهو يدرك ما فعل منزِّل هذا الكتاب به في الجيل الأول الذي تلقّاه وفي كل جيل أحْسَنَ التلقي والتزم التنفيذ. يحس عندئذ هذا الأثر العميق للقرآن في حياة الفرد والأمة متى أدركت عمن تتلقى وماذا عليها بعد التلقي. يقف على أسرار هذا الكتاب الكريم وهو يصوغ تلك النفوس صياغة جديدة جعلت منهم- أفرادًا ومجموعة- نماذج فريدة متميزة في تاريخ البشرية الطويل. ثم يدرك من يعيش مع كتاب الله عمق الخطر في دعاوى الذين يطالبون بنشر العامية تكلمًا وكتابة، ولو حاولوا التستر وراء ما يطرحونه من صعوبة النحو العربي وإملائه، تلك الدعاوى التي تريد أن تقطع صلة الأمة بكتاب ربها عز وجل فتنسلخ عن مصدر الهداية لتُغرق في التيه والضياع.

ولكن الله عز وجل الذي تكفل بحفظ كتابه فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أحبط ويحبط كل محاولة لتضييع هذا الكتاب، فحفظته الصدور وحفظته السطور، وقيض الله من يأخذ بيانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجد الأمة ما يعينها على فهم كتاب ربها وحُسنِ الأخذ به. ولعل إمامنا- البغوي- من خير من قدم خدمة لكتاب الله عز وجل في تفسيره هذا (معالم التنزيل) حيث اعتمد على المأثور في بيان معنى الاَية التي يفسرها كما سنفصل ذلك عند الكلام عن (منهجه في التفسير) . ولقد اتجهت هممنا لإخراج هذا الكتاب محققًا مستقلًا- بعد أن كان مطبوعًا طبعة حجرية قديمة، وعلى حاشية تفسير ابن كثير، وعلى حاشية تفسير الخازن- ليتم الانتفاع به على خير وجه، فعثرنا خلال البحث على مخطوطة بمكتبة الحرم المكي فعملنا على تصويرها، ثم طلبنا من الشيخ الفاضل عبد القادر الأرناؤوط أن يبعث إلينا بمخطوطة في المكتبة الظاهرية فاستجاب لذلك وشجع على الإِقدام فجزاه الله عنا خيرًا، فبدأنا ونحن ندرك أهمية هذا العمل من خلال اطلاعنا على ما في الكتاب من علم يحتاجه المسلم، ومن خلال ثناء أهل العلم على الكتاب وعلى مؤلفه، وبعد أن قطعنا مرحلة إذ بخبر يقول: إن أخوين فاضلين قاما بتحقيق هذا الكتاب، وهو في طريقه إلى المكتبات، فتوقفنا وقلنا لا حاجة إلى تضييع الجهد والوقت، ولنعمل في كتاب آخر، إلى أن وصل الكتاب بمجلداته الأربعة، فتناولناه لدراسته ومعرفة مدى تحقيق الفائدة منه بإخراجه على هذه الصورة ففوجئنا- وللحقيقة نقول ذلك- بأن الكتاب لم يخدم على الوجه الذي ينبغي وقد وجدنا فيه: 1- اعتماد المطبوع وفيه ما فيه من الأخطاء. 2-- ترك أكثر الأحاديث بدون تخريج إلا القليل مما لم يذكره البغوي بإسناده. 3- كثرة الأخطاء والتصحيفات والزيادة والنقص عن المخطوط. وبعد مدارسة بعض صفحات الكتاب مع بعض أهل العلم واطلاعهم على عملنا أشاروا بمتابعة ما بدأناه ليتم الانتفاع من الكتاب الذي نال ثناء العلماء، فاستأنفنا العمل مستمدين من الله تعالى العون والتوفيق والأجر على خدمة كتابه العزيز، شاكرين لأستاذنا الفاضل الدكتور محمد أديب الصالح، الذي أفادنا بتوجيهاته، فجزاه الله خير الجزاء ومتع الأمة بأمثاله، كما نشكر كلًا من الأساتذة الأفاضل: الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي تفضل وأفادنا بالحصول على صورة من مخطوطة المكتبة الظاهرية. والأخ الدكتور مسفر غرم الله الدميني على ما أبداه من ملاحظات وإشارات جيدة، فبارك الله به وأثابه. والأخ المهندس محمد ياسر صفر الحلبي الذي شاركنا وقتًا طويلًا في المقابلة والمراجعة.

وأخيرًا نتوجه بالشكر إلى الأخ الفاضل عبد العزيز ناصر الجلِّيل، صاحب مكتبة دار طيبة بالرياض، التي تولت طباعة هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلة القشيبة. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

منهج البغوي في التفسير

منهج البغوي في التفسير إن معالم التنزيل كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو من أجلِّ الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والاَثار الغالب عليها الصحة. قال العلامة ابن تيمية: (والبغوي تفسيره مختصر من الثعالبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والاَراء المبتدعة) وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي، أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: "وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة- البغوي") (1) وقد بين البغوي شيئًا من ذلك في مقدمته إذ يقول: "فسألنى جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا" (2) واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخَلَف". استجاب أجزل الله مثوبته لرغبة طلابه وأصحابه آخذًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقتديًا بالسلف الصالح في كتابه العلم حيث يقول: "فجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوه كتابًا متوسطًا، بين الطويل الممّل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا" (3) . ومن خلال البحث يمكننا أن نقف على منهج الإمام البغوي فنوجزه بما يلي: 1- يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز، لا تكلُّف في لغته ولا تطويل، فهو يكتفي

_ (1) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/ 386. (2) انظر تخريجه فيما سيأتي، ص (34) (3) انظر مقدمة المفسر ص (34)

بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلًا بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وبأقوال أهل اللغة. 2- يسلك السبيل القويم في بيان المعاني فيفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين، وذلك أن القرآن يفسر بعضه بعضًا فما أُجمل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وقد تخصص آية عموم آية أخرى. ونجده يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد، ليوضح معنى كلمة في الآية، كما فعل- على سبيل المثال- عند تفسر قوله تعالى: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} (1) إذ بّين معنى المَدِّ ثم أورد قوله تعالى: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} (2) ثم بين معنى الإمداد فأورد قول الله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} (3) . وعند قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} (4) يقول: لأن الآَيات كانت تنزل تترى آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا، وذلك معنى قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} (5) . وأما اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن الكريم فهو سمة واضحة في تفسيره. كيف لا وهو محي السنة! ولذا فقد جاء تفسيره حافلًا بالأحاديث التي انتخبها فذكرها بأسانيدها، وقلَّ أن يذكر حديثًا بغير إسناد، أو يورد حديثًا ضعيفًا، وقد نجده يسوق عدة أحاديث عند الآية الواحدة كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (6) أو عند قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) (7) 3- يتعرض للقراءات من غير إسراف وذلك حين يجد أن القراءة يترتب عليها تَغَيُّرُ المعنى، كما في قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (8) إذ يقول رحمه الله: "قرأ أهل المدينة وعاصم وقَرن بفتح القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمتى فتح القاف فمعناه: أقررن أي الزمن بيوتكن من قولهم قررت بالمكان أقر قرارًا...... ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر معناه أقررن بكسر الراء، فحذفت

_ (1) سورة البقرة، الآية (15) . (2) سورة مريم، الآية (79) . (3) سورة الإسراء الآية (6) . (4) سورة البقرة، الآية (10) . (5) سورة التوبة، الآية (125) . (6) سورة البقرة، الآية (178) . (7) سورة الشعراء، الآية (224) . (8) سورة الأحزاب، الآية (33) .

الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا، وقيل- وهو الأصح- إِنه أمرٌ من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي كُنَّ أهل وقار وسكون، من قولهم: وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن. 4- يعرض لرأي أهل السنة ولآراء مخالفيهم مع الانتصار لرأي أهل السنة مدللا عليه بالمنقول والمعقول كما ذكر عند قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (1) مثبتًا الرؤية عيانًا، مستدلًا بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (2) وقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (3) وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} (4) ثم بين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، ثم أورد حديثًا في إثبات الرؤية، وفرق بين الإدراك والرؤية. 5- ويظهر بوضوح اهتمامه بالآراء الفقهية فكثيرًا ما نجده يبسط آراء الفقهاء ويرجِّح رأي الشافعية وهو من أبرز فقهائهم، وأحيانًا يورد الآراء بدون ترجيح والقارئ الكريم سيجد هذا المنهج من خلال قراءته لهذا التفسير. 6- يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ونراه يمر على بعضها- وهي قليلة مقارنة بالتفاسير الموجودة بين أيدينا- دون التعقيب عليها، كما فعل عند ذكره لقصة هاروت وماروت في مسخ المرأة الجميلة إلى كوكب الزهرة؟ (الآية: 112 من سورة البقرة) أو ما رواه عن الضحاك عند تفسير قوله تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} (الآية: 251 من سورة البقرة) ، وفي مواضع أخرى ستأتي الإشارة إليها في التفسير إن شاء الله. ويجدر بنا أن نشير إلى أن الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أ- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح. ب- قسم يخالف شرعنا ويناقضه، وهو مردود ولا تصح روايته. ت- قسم نتوقف فيه، فلا هو من القسم الأول، ولا من الثاني وهذا لا حرج من روايته إن كان موضوعه بعيدًا عن العقيدة والأحكام. فقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وفي الاعتصام: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون

_ (1) سورة الأنعام، الآية (103) . (2) سورة القيامة، الآية (22) . (3) سورة المطففين، الآية (15) . (4) سورة يونس، الآية (26) .

التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ} " الآية. والخير للمفسر أن يقلع عن هذه الإسرائيليات- أي القسمين الأخيرين - وأن يعرض عما لا طائل منه ويعد صارفًا وشاغلًا عن الأصول المعتمدة في شرعنا وهذا أحكم وأسلم. 7- ويلاحظ أنه رحمه الله أكثر الرواية عن الكلبي: وهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث الكلبي، الكوفي، مات بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذابان، أحدهما الكلبي (1) . والحق أن البغوي، وهو من أهل الحديث وتحرير الروايات، لم يجعل ما ينقله عن الكلبي مناط الجزم في معنى الآية ولكنَّ التوسع في النقل أحيانًا ليعلم الناس ما قيل في مفهوم الآية جعله يستشهد بأقوال الكلبي، علمًا أنه قد يقول كلامًا جيدًا في التفسير موافقًا لما ورد في المأثور. والكلبي معروفة رواياته، وموقف العلماء منها.

_ (1) قال البخاري: تركه ابن معين وابن مهدي. وقال: حدثنا علي، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك فهو كذب. قال ابن عدي: وقد حدث عن الكلبي سفيان وشعبة وجماعة، ورضوه في التفسير، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس. وقال ابن حبان: كان الكلبي سبئيًا، من أولئك الذين يقولون: إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلًا كما ملئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها. وقال أحمد بن زهير: قلت لأحمد بن حنبل: يحلُ النظر في التفسير الكلبي؟ قال: لا. قال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس - التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها. لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به! انظر: الضعفاء الصغير للإمام البخاري، ومعه كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص (158، 203) طبقات ابن سعد: 6 / 358 - 359. تهذيب التهذيب: 9 / 157 - 159 - تقريب التهذيب 2 / 163. ميزان الاعتدال: 3 / 556 - 559. المغني في الضعفاء للذهبي 2 / 200.

منهجنا في العمل

منهجنا في العمل يتلخص منهجنا في إخراج هذا التفسير الجليل في الخطوات التالية: ا- إخراج نص التفسير على ما يغلب على الظن أنه نص المؤلف، وذلك باعتماد إحدى النسخ أصلًا في التحقيق، لاعتبارات تذكر في حينها، ومقارنتها مع نسخة (ب) بحيث يعتمد نص الأصل، وإذا تيقنا من أن الصواب في غير الأصل لعبارة أو كلمة أثبتنا الصواب، وأشرنا في الحاشية عند الحاجة إلى ذلك، إذ كثيرًا ما نجد فروقًا طفيفة في بعض الكلمات أو الحروف مما لا يؤثر على المعنى، فقد نجد في نسخةٍ العطف بالفاء وفي بعضها بالواو مثلًا، فلم نجد حاجة للإشارة إلى ذلك لئلا نثقل الكتاب بكثرة الهوامش التي لا ضرورة لها، ولئلا يتضخم حجم الكتاب. 2- عزو الآيات القرآنية الكريمة التي يستشهد بها المؤلف في التفسير، وتمييزها عن الآيات المفسرة بأقواس مختلفة. 3- تخريج الأحاديث النبوية بكاملها تخريجًا تفصيليًا بالعزو إلى الكتاب والباب والجزء والصفحة والرقم في بعض الكتب، تسهيلًا للفائدة وتسهيلًا للرجوع إلى كل الطبعات عند اختلافها. فإن كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما، اقتصرنا في العزو إليهما، لأن العزو إليهما مُعْلِمٌ بالصحة لأن الأمة قد تلقتهما بالقبول، وأما إن لم يُخَرَّج الحديث فيهما فنخرجه من سائر الكتب الأخرى. كالسنن، والمسانيد، والمصنفات، وننقل حكم العلماء والنقاد والمحدثين على الحديث، كالحافظ ابن حجر، والمنذري والهيثمي، والبوصيري، وغيرهم، والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة- وهي قليلة- ننقل الحكم عليها وسبب علتها بالتفصيل. وسواء أكان الحديث في الصحيحين أم في غيرهما، وقد أخرجه المصنف في كتابه "شرح السنة" فإننا نشير إلى موضعه، وقد أفدنا من ذلك في تصحيح كثير من التصحيفات في رجال السند بخاصة، كما أن العزو إليه يسهل معرفة رأي البغوي في الحديث ومعناه. 4- عزو أسباب النزول والروايات المختلفة في نزول الآيات إلى مظانها من كتب الحديث وكتب أسباب النزول، أو كتب التفسير الأخرى، كالدر المنثور، والطبري، وابن كثير. 5- قد تدعو الحاجة إلى تعليق أو تعقيب على بعض المواطن في التفسير لبيان رأي مرجوح، أو

الإشارة إلى بعض الإسرائيليات ونقدها، أو غير ذلك عند الحاجة، كما سيأتي في مواضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى. 6- إعادة توزيع النص وإخراجه بشكل يعين القارئ، ويسهل عليه المراجعة والقراءة، مع العناية بعلامات الترقيم، لما لذلك من أهمية في فهم المعنى بيسر وسهولة. 7- وتيسيرًا للاستفادة من الكتاب بصورة أفضل، وتوفيرًا للوقت على القارئ عند البحث عن تفسير آية معينة، فقد أثبتنا في أعلى كل صفحة اسم السورة ورقم الجزء. هذا ولا ندَّعي أن عملنا هذا قد أوفى على الغاية، فلعلنا نعيد النظر فيه مرة ومرات، إن هيأ الله تعالى لنا الأسباب، ولنا- بعد عون الله تعالى- من ملاحظات الإخوة الباحثين والقراء خير ما يسعف في تصويب وتجويد عملنا هذا، في طبعات قادمة، أو في الأجزاء التي تلي الجزء الأول من هذا الكتاب إن شاء الله. "فنسأل الله المبتدئ لنا بِنعَمِه قَبْلَ استحقاقها، المديمَها عَلَيْنَا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجَاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنَّةِ نبيه، وقولًا وعملًا يؤدى به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيده" (1) . وأن يقبل منا عملنا هذا ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويثيبنا عليه بما يثيب به عباده المخلصين. والحمد لله رب العالمين،، الطائف في 1/1408 "المحققون" 15

_ (1) اقتباس من افتتاحية الإمام الشافعي رحمه الله لكتابه "الرسالة" ص 19

ترجمة الإمام البغوي

"ترجمة الإمام البغوي" (1) هو الإمام الحافظ، الفقيه المجتهد: محي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرَّاء البغوي الشافعي ويلقب بركن الدين. أحد العلماء الذين خدموا الكتاب العزيز، والسنة النبوية، بالعكوف على دراستهما، وتدريسهما، وكشف كنوزهما، وأسرارهما، والتأليف فيهما. والفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها.

_ (1) بعض المراجع التي ترجمت للبغوي من أهمها: (1) معجم البلدان. (2) الاستدراك لابن نقطه مخطوط الظاهرية. (3) مرآة الجنان: 3/213. (4) وفيات الأعيان: 2/136. (5) سير أعلام النبلاء 19/439. (6) العبر للذهبي: 2/406. (7) تذكرة الحافظ: 4/1257-1259. (8) الإعلام بوفيات الأعلام للذهبي مخطوط الظاهرية. (9) طبقات الشافعية للسبكي: 7/75-80. (10) البداية والنهاية: 12/193. (11) مناقب الشافعي وأصحابه لابن قاضي شهبة مخطوط الظاهرية. (12) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي. (13) طبقات الحفاظ ص 457. (14) طبقات المفسرين ص 38-39. (15) طبقات المفسرين للداووي مخطوط عارف حكمت. (16) مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده. (17) كشف الظنون 195- 517- 1698. (18) أسماء الرجال الناقلين عن الشافعي والمنسوبين له لابن هداية مخطوط الظاهرية. (19) شذرات الذهب: 4/48 - 49. (20) الأعلام للزركلي 2/259. (21) معجم المؤلفين 4/61. (22) التفسير والمفسرون للذهبي 1/234.

والبغوي: بفتح الباء الموحدة، والغين المعجمة وبعدها واو، هذه النسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها "بغ" و"بَغْشُوْر" بفتح الباء الموحدة، وسكون الغين المعجمة، وضم الشين، وبعدها واو ساكنة، ثم راء. وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل، هكذا قال السمعاني في كتاب "الأنساب". مولده: إن معظم المصادر التي ترجمت له لم تشر إلى السنة التي ولد فيها، غير أن ياقوت الحموي قال في معجم البلدان: إنه ولد سنة (433 هـ) أما الزركلي فأشار في الأعلام إلى أنه ولد سنة (436 هـ) . شيوخه: سمع الإمام البغوي من عدد كثير من العلماء في التفسير، والحديث، والفقه نذكر بعضًا منهم: أ- فقيه الشافعية وشيخهم القاضي حسين بن محمد المرَوْزي، فقيه خراسان، وصاحب "التعليقة" المتوفى سنة (462) هـ (1) . 2- عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم المليحي، الهروي، راوي الصحيح عن النعيمي، وكان صالحًا، أكثر عنه الرواية، توفى سنة (463) هـ (2) . 3- الفقيه أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، المعروف: بشيخ الحجاز صنف كتاب "السلوة في علوم الصوفية" وكان فقيهًا فاضلًا، توفى سنة (463) هـ (3) . 4- أبو علي حسان بن سعيد المنيعي- نسبة إلى منيع جد- وكان حسان هذا رئيس مرو الروذ، الذي عمَّ فضله خراسان، ببره، وأفضاله، وأنشأ الجامع المنيعي، وكان يكسو في العام نحو ألف نفس، توفي سنة (463) هـ (4) . 5- أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المروزي، الشيخ الجليل، المعمر، مُسنِد خراسان، تفرد عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، مات في رمضان سنة (463 هـ) وله ست وتسعون سنة (5) . 6- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، بن عبد المالك بن طلحة النيسابوري القشيري الخراساني،

_ (1) شذرات الذهب 3/310، العبر 2/3412، سير النبلاء 18/261، وفيات الأعيان 2/134، كشف الظنون 1/424 - 517. (2) سير النبلاء 18/255، شذرات الذهب 3/314، العبر 2/315. (3) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير الجزري 1/315. (4) شذرات الذهب: 3/313 - 314. العبر 2/315. (5) سير أعلام النبلاء: 18/251. اللباب: 1/210.

الإمام الزاهد، القدوة، الشافعي المذهب، صاحب الرسالة المسماة "الرسالة القشيرية، صنف كتاب "نحو القلوب"وكتاب لطائف الإشارات" وكتاب "الجواهر" وكتاب "أحكام السماع" وكتاب "عيون الأجوبة في فنون الأسئلة" وكتاب "المناجاة" وكتاب "المنتهى في نكت أولي النهى" وصنف التفسير الكبير وهو من أجود التفاسير توفي سنة (465) هـ (1) . 7- أبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفي النيسابوري الشيخ الرئيس، الثقة المُسنِد توفي سنة (466) هـ (2) . 8- أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر النيسابوري الصوفي المؤذن، الإمام، الحافظ، الزاهد، المُسند، محدث خراسان، صنف "تاريخ مرو" وخرَّج ألف حديث عن ألف شيخ له، مات سنة (470) هـ (3) . 9- أبو تراب عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح بن عبد الملك بن هارون المراغي النَّرِيزي، الشافعي، مفتي نيسابور، الإمام الفقيه العلامة توفي سنة (492) هـ (4) . 10- أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داوود بن أحمد بن معاذ الداوودي البوشنجي، الإمام، العلامة، الورع، القدوة جمال الإسلام، شيخ خراسان علمًا، وفضلًا، وجلالة، وسندًا، راوي الصحيح، توفي سنة (467) هـ (5) . 11- ومنهم: عمر بن عبد العزيز الفاشاني الإمام الفاضل الفقيه. وأبو الحسن محمد بن محمد الشيرّزي، نسبة إلى شيرز قرية بسرخس، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد المعلم الطوسي، وأبو محمد عبد الله بن عبد الصمد بن أحمد بن موسى الجوزجاني. وأبو عبد الله محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَقي نسبة إلى "خرق" من قرى مرو، وعدة. تلاميذه: لقد أقبل عليه طلاب العلم لكثرة علمه، وفضله، وسعة معرفته بعلوم كثيرة، ومنهم: 1- الشيخ أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد حفده العطَّاري- تصحفت في شذرات الذهب

_ (1) سير أعلام النبلاء: 18/227 - 132. تاريخ بغداد: 11/ 83، طبقات المفسرين ص 61. شذرات الذهب: 3/319، العبر: 2/319. البداية والنهابة: 12/107. (2) تذكرة الحفاظ: 3/1160، العبر: 2/321، شذرات الذهب: 3/325، سير أعلام النبلاء: 18/245 (3) تاريخ بغداد: 4/267، سير أعلام النبلاء 18/419، تذكرة الحفاظ: 3/1162، العبر: 2/327، شذرات الذهب: 3/335، البداية والنهاية: 2/118، طبقات الحفاظ ص 437 (4) سير أعلام النبلاء: 19/170، البداية والنهاية: 12/157، العبر: 366، شذرات الذهب: 3/398 (5) سير أعلام النبلاء: 18/222، شذرات الذهب: 3/327، البداية والنهاية: 11312/112، العبر: 2/322.

إلى العطاردي والصحيح ما أثبتناه -وهو الذي روى كتابي "شرح السنة"ومعالم التنزيل" توفي سنة (571) هـ (1) . 2 - الواعظ المحدث أبو الفتوح محمد بن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد الطائي الهمداني، صاحب "الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين " توفي سنة (555) هـ (2) . 3- أبو المكارم فضل الله بن المحدث العالم أبي سعيد محمد بن أحمد النوقاني الشافعي، وهو آخر من روى عنه بالإجازة، توفي سنة (600) هـ (3) . 4 - الحسن بن مسعود البغوي أبو علي أخو الإمام الحسين البغوي تفقه على أخيه (4) . 5- عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد الليثي وهو إمام ورع، حافظ لمذهب الشافعي. 6- مثاور بن فزكوه أبو مقاتل الديلمي اليزدي، يلقب بعماد الدين، وهو من كبار تلامذته، توفي سنة (546) هـ (5) . 7- ومنهم محمد بن الحسين الزاغولي توفي سنة (559 هـ) . 8- وعبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي توفي سنة 542 هـ وغيرهم. عقيدته: والإمام البغوي من أئمة السلف الصالح، الذين تقيدوا بالكتاب والسنة، في مفهوم الاعتقاد وبخاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ولنا على ذلك بعض الأدلة منها: تعليقه على الحديث الذي رواه مسلم في القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (4\2654) وذلك في الجزء الأول من كتابه العظيم شرح السنة ص (168) "قال الشيخ الإمام: والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجي، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح - إلى أن يقول في صفحة (170) فهذه ونظائرها صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري سبحانه

_ (1) شذرات الذهب: 4/240، وفيات الأعيان: 4/238، العبر: 3/61. البداية والنهاية: 12/299، سير أعلام النبلاء: 20/539، تذكرة الحفاظ: 4/1333 (2) سير أعلام النبلاء: 20/360، شذرات الذهب: 4/175، العبر: 3/25، كشف الظنون: 1/56. (3) سير أعلام النبلاء: 21/413. وطبقات السبكي: 8 /348. (4) طبقات الشافعية للاسنوي: 1/207. وطبقات الشافعية للسبكي: 4/212. (5) طبقات الشافعية الكبرى: 4/300.

وتعالى لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الشورى. وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل،" اهـ ثم يذكر مدلِّلا على ذلك أقوال السلف (1) وقد جاءت شهادات العلماء الذين ترجموا له تؤكد ذلك: قال ابن شهبة في طبقات الشافعية (1\310) : (وكان دينًا، عالمًا، عاملًا على طريقة السلف) . وقال طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة (2\102) : (كان ثبتًا حجة، صحيح العقيدة في الدين) . صفاته وثناء العلماء عليه: لقد تحلّى الإمام البغوي، رحمه الله، بصفات ومزايا كان لها أكبر الأثر في تسميته بلقب "محي السنة، والإمام" وغير ذلك من الصفات التي أثبتها له كل من ترجم له. فهو إمام في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمام في مذهبه الذي نشأ عليه، المذهب الشافعي، وذلك بحكم البيئة التي نشأ فيها، والعلماء الذين أخذ عنهم، إلا أنه لم يتعصب لإمامه، بل كان يتتبع الدليل، وينظر في أقوال العلماء وأدلتهم، وأخذ يدعو إلى الاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللذين هما أصل الدين وملاكه، ومنهما يصدر كل أمر شرعي. وهذا هو حال العلماء، الذين نهضوا بهذا الدين على بصيرة من أمرهم. قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: (كان البغوي يلقب بمحي السنة، وبركن الدين، وكان سيدًا، إمامًا، عالمًا علامة، زاهدًا، قانعًا باليسير) . وقال السيوطي في طبقات الحفاظ: (وبورك له في تصانيفه، لقصده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، ذا تعبد ونسك، وقناعة باليسير) . وقال أيضًا في طبقات المفسرين: (كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه) . وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (وكان علامة زمانه، وكان دينًا ورعًا، زاهدًا، عابدًا، صالحًا) . وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: (الفقيه، الشافعي، المحدث، المفسر، كان بحرًا في العلوم) .

_ (1) انظر شرح السنة للمصنف 1/166- 171.

آثاره: لقد ترك الإمام البغوي علومًا مفيدة وكثيرة في التفسير والحديث، والفقه، كان لها الأثر النافع، والعظيم فيمن جاء بعده، وكانت مؤلفاته تتصف بموضوعاتها القيمة، وبكلماتها السهلة، وبطريقتها المفيدة يتحرى فيها الحق، والانقياد وراء الأدلة الصحيحة، فقد وقف وقفات مع كتاب الله مبتعدًا فيها عن حشو الكلام، وآراء المتكلمين، مع تقيده بالمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم النص القرآني، وبمنهج الصحابة الكرام في ذلك، كما أنه روى الحديث واعتنى بدراسته، وشرحه ومعرفة صحيحه من سقيمه، وقد صنف كتبًا كثيرة نذكر منها: 1- التهذيب: في فقه الإمام الشافعي، وهو كتاب مشهور متداول عند الشافعية، كما أنه تأليف مهذب مجرد من الأدلة غالبًا، لخصه من تعليقة شيخه القاضي حسين وعدَّل فيه زيادة وحذفًا، وكثيرًا ما ينقل عنه الإمام النووي رحمه الله في كتابه "روضة الطالبين". وكتاب التهذيب يقع في أربعة مجلدات ضخمام يوجد منه المجلد الرابع في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم (292) فقه شافعي يرجع تاريخ نسخه إلى سنة 599 هـ هذا ما أشار إليه محقق سير أعلام النبلاء 19\440. 2- معالم التنزيل: والمعروف بتفسير البغوي وقد تقدم الكلام عنه في مبحث منهج البغوي في التفسير إلا أننا نشير إلى أنَّ هذا التفسير قد طبع عدة طبعات كانت الأولى عام (1285) هـ طبعة حجرية أثبت على حاشيتها بعض التعليقات والتراجم وهي في أربعة أجزاء مجموعة في مجلد واحد. والثانية: المطبوعة على هامش تفسير ابن كثير في تسعة مجلدات طبعت بمطبعة المنار بمصر سنة (1343) هـ. والثالثة: النسخة المطبوعة على هامش (تفسير الخازن) في أربعة مجلدات. والرابعة: التي صدرت قريبًا في أربعة مجلدات بتحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار. وجميع هذه الطبعات قد حوت من الأخطاء والتصحيفات، التي ظهرت خلال المقابلة مع النصوص المخطوطة، الشيءَ الكثير، مما حملنا على خدمة هذا التفسير العظيم. 3- شرح السنة: قال فيه مؤلفه في الجزء الأول ص 2 - 4: "فهذا كتاب في شرح السنة، يتضمن إن شاء الله سبحانه وتعالى كثيرًا من علوم الأحاديث، وفوائد الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلِّ مشكلها، وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، يترتب عليها من الفقه واختلاف العلماء جُمَلٌ لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام، المعَّول عليه في دين الإسلام. ولم أودع هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف الذين هم أهل الصنعة، المْسلَّم لهم الأمر من أهل عصرهم، وما أودعوه كتُبَهم. فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب، والموضوع، والمجهول واتفقوا

على تركه فقد صنت الكتاب عنه، وما لم أذكر أسانيدها من الأحاديث فأكثرها مسموعة، وعامتها في كتب الأئمة، غير أني تركت أسانيدها حذرًا من الإطالة واعتمادًا على نقل الأئمة" اهـ. لقد جمع محي السنة في كتابه هذا بين الرواية والدراية، مما جعله من الكتب القيمة، بالإضافة إلى معرفته بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، والمجتهدين وقد قام بخدمة هذا الكتاب كلٌ من الأستاذين شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش وقد صدر عن المكتب الإسلامي ببيروت في 16 مجلدًا مع الفهارس. 4- مصابيح السنة: جمع فيه مؤلفه طائفة من الأحاديث، محذوفة الأسانيد، اعتمد على نقل الأئمة لها، وقسم أحاديث كل باب إلى صحاح وحسان وعنى بالصحاح ما أخرجه الشيخان، وبالحسان ما أخرجه أصحاب السنن وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشار إليه، وأعرض عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، وهو كتاب مشهور طبع أكثر من طبعة، واعتنى بشأنه العلماء بالقراءة والتعليق وعملوا عليه الكثير من الشروحات، من أهمها ما قام به الشيخ ولي الله أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، حيث كمل المصابيح، وذيل أبوابه فذكر الصحابي الذي روى الحديث عنه، وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه- إلا نادرًا- فصلًا ثالثًا وسماه "مشكاة المصابيح " فصار كتابًا كاملًا (1) . وقد طبع هذا الأخير عدة طبعات، وكان آخرها التي قام بنشرها المكتب الإسلامي بتحقيق الأستاذ\ ناصر الدين الألباني في ثلاثة مجلدات وطبع أيضًا مصابيح السنة في أربعة مجلدات. 5- الأنوار في شمائل النبي المختار: أشار إلى ذلك صاحب كشف الظنون (2) والشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتاب الرسالة المستطرفة. رتبه على واحد ومائة باب على طريقة المحدثين بالأسانيد (3) 6- الجمع بين الصحيحين: ذكره صاحب معجم المؤلفين (4) وبعض من ترجم له. 7- الأربعين حديثًا: ذكره ابن قاضي شهبة عن الذهبي. 8- مجموعة من الفتاوى: حوت فتاوى شيخه من المسائل الفقهية التي سئل عنها الإمام أبو علي الحسين بن محمد المروزي " صاحب التعليقة" فتتبعها البغوي وجمعها. توجد نسخة منها في دار الكتب الظاهرية بدمشق (5)

_ (1) كشف الظنون 2/1698. (2) كشف الظنون 1/195. (3) الرسالة المستطرفة ص 105. (4) 4/61. (5) انظر شرح السنة 1/29.

وفاته: توفي رحمه الله بَمرْو الرُّوذ. مدينة من حدائق خراسان في شوال سنة ستَّ عشرة وخمس مائة للهجرة. ودفن بجانب شيخه القاضي حسين، وعاش بضعًا وسبعين رحمه الله.

وصف النسخ

وصف النسخ لقد حوت المكتبة الإسلامية الكثير من النسخ الخطية لهذا الكتاب القيم، وإن كانت تختلف في جودتها، ووضوحها، واستكمالها، وبعدها أو قربها من مؤلفها، وإليك بيانًا ببعض تلك النسخ: 1- نسخة "المكتبة الظاهرية" بدمشق حرسها الله وأعاد مجدها حصلنا عليها بواسطة الأستاذ الشيخ عبد القادر أرناؤوط، فجزاه الله خيرًا، ورمزنا لها بالحرف (أ) وجعلناها أصلًا وهي نسخة كاملة، وواضحة الخط، وعليها بعض الحواشي، والتعليقات وافق الفراغ منها بالقدس الشريف في المدرسة الصلاحية يوم الثالث عشر من شوال، من شهور سنة خمسة وعشرين وثمانمائة هجرية، وهي بخط سليمان بن أحمد بن سليمان الحدادي القرشي، الجزء الأول منها برقم خاص (40) ورقم عام (413) تفسير، وعدد صفحاته (223) ورقة من الفاتحة إلى آخر سورة الكهف، والجزء الثاني برقم خاص (41) ورقم عام (414) تفسير، وعدد صفحاتها (205) ورقة من سورة مريم إلى الناس. 2- نسخة "مكتبة الحرم المكي الشريف" برقم عام (283) ورقم خاص (257) ، وهي نسخة واضحة ومتكاملة، ومتأخرة في النسخ عن نسخة الظاهرية ورمزنا لها بالحرف (ب) وتقع في مجلدين، وتنتهي بنهاية النصف الأول من القرآن الكريم، ولذا أكملنا النقص من نسخة أخرى في مكتبة الحرم أيضًا برقم (713) تفسير في مجلدين، والثاني منهما يقع في (258) ورقة. 3- وقد حوت المكتبة المركزية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في مدينة الرياض العديد من النسخ الخطية بعضها مرمم والبعض الآخر ناقص. فالنسخة الأولى: برقم (1696) أولها (بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإمام الأجل السيد ناصر الحديث ركن الدين أبو محمد الحسين) . وجاء في نهايتها: (وقع الفراغ في تتميم هذه النسخة في غرة شهر رمضان سنة ثمان وأربعين ومائة بعد ألف) . عدد أوراقها 504. والثانية: برقم (3629) جاء في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر واعن يا كريم، أخبرنا الشيخ الإمام عفيف الدين أبو علي الحسن بن ملجد بن إبراهيم المريدي رحمه الله قال:-

وآخرها: تفسير سورة التوبة عدد أوراقها: (236) وهي مرممة ترميمًا نتج عنه ضياع بعض الكلمات في بداية سورة الفاتحة ص 9- 10- 11- 13- 14. ويوجد عليها حواش وتعليقات. والثالثة: رقمها (3782) عدد أوراقها (208) تبدأ بسورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وآخر المخطوطة كتبت هذه العبارة (آخر الجزء الأول من معالم التنزيل، وكان الفراغ من نسخه يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآَخر سنة ست وأربعين وسبعمائة على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى عفو ربه) . والرابعة: برقم (3627) الجزء الأول فقط عدد أوراقها (298) وفي ورقة 297 كتب عليها: (تم الربع الأول بحمد الله وتوفيقه وكان الفراغ من كتاب (معالم التنزيل) بإذن الله الملك الجليل في يوم الجمعة قبل الظهر اثنين وعشرين يومًا خلا من شهر ربيع الأول سنة ألف ومائة وتسعة وعشرين سنة 1129 هـ. هذا بالإضافة إلى العديد من النسخ الناقصة وقد اخترنا النسخة (أ) أصلًا، أي نسخة المكتبة الظاهرية وذلك لقربها من وفاة المؤلف ولتمامها ولوجود بعض الحواشي والتعيقات عليها واستعنا بعد عون الله تعالى وتوفيقه بالنسخة (ب) التي جعلناها في المرتبة الثانية وذلك لوضوحها وتمامها وسبب اقتصارنا على النسختين (أ، ب) وصرف النظر عن غيرهما هو التحرز من ضغط الهوامش بالاختلافات التي قد تؤدي إلى النفور والملل، لعدم فائدتها للقارئ والله الهادي إلى سواء السبيل.

الصحيفة الأولى لمخطوطة الظاهرية والتي رمزنا لها بالحرف (أ)

الصفحة الأخيرة من المجلد الأول - الظاهرية (أ)

الصفحة الأولى من المجلد الثاني - ظاهرية

الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني - ظاهرية

الصحيفة الأولى لمخطوطة الحرم المكي والتي رمزنا إليها بالحرف (ب)

الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني - نسخة الحرم

الصفحة الأولى من نسخة الحرم الثانية

الصفحة الأخيرة من نسخة الحرم الثانية

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ] (1) [قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ السَّيِّدُ مُحْيِي السُّنَّةِ، نَاصِرُ الْحَدِيثِ، رُكْنُ الدِّينِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ ابن مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ] (2) . الْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْعِزَّةِ وَالْبَقَاءِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْعَلَاءِ، وَالْمَجْدِ وَالثَّنَاءِ تَعَالَى عَنِ الْأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَمْثَالِ وَالنُّظَرَاءِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى نَبِيِّهِ وَصَفِّيِهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامِ الْأَتْقِيَاءِ، عَدَدَ ذَرَّاتِ الثَّرَى، وَنُجُومِ السَّمَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ السَّلَامِ، الْمُؤْمِنِ الْمُهَيْمِنِ الْعَلَّامِ، شَارِعِ الْأَحْكَامِ، ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الَّذِي أَكْرَمَنَا بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَمَنَّ عَلَيْنَا بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ التَّحِيَّةُ وَالسَّلَامُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِكِتَابِهِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالصَّلَاةُ [وَالسَّلَامُ] (3) عَلَى حَبِيبِهِ، وَخِيرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ، عَدَدَ سَاعَاتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ نُجُومِ الظَّلَامِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَبَشِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنَذِيرًا لِلْمُخَالِفِينَ، أَكْمَلَ بِهِ بُنْيَانَ النُّبُوَّةِ، وَخَتَمَ بِهِ دِيوَانَ الرِّسَالَةِ، وَأَتَمَّ بِهِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَمَحَاسِنَ الْأَفْعَالِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ نُورًا هَدَى بِهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَنْقَذَ بِهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَحَكَمَ بِالْفَلَاحِ لِمَنْ تَبِعَهُ، وَبِالْخَسَارَةِ لِمَنْ أعرض عنه بعد ما سَمِعَهُ أَعْجَزَ الْخَلِيقَةَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ وَعَنِ الْإِتْيَانِ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَسَهَّلَ عَلَى الْخَلْقِ مَعَ إِعْجَازِهِ تِلَاوَتَهُ، وَيَسَّرَ عَلَى الْأَلْسُنِ قِرَاءَتَهُ، أَمَرَ فِيهِ وَزَجَرَ، وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ وَذَكَرَ الْمَوَاعِظَ لِيُتَذَكَّرَ، وَقَصَّ عَنْ أَحْوَالِ الْمَاضِينَ لِيُعْتَبَرَ، وَضَرَبَ فِيهِ الْأَمْثَالَ لِيُتَدَبَّرَ، وَدَلَّ عَلَى آيَاتِ التَّوْحِيدِ لِيُتَفَكَّرَ، وَلَا حُصُولَ لِهَذِهِ الْمَقَاصِدِ فِيهِ إِلَّا بِدِرَايَةِ تَفْسِيرِهِ وَأَعْلَامِهِ، وَمَعْرِفَةِ أَسْبَابِ نُزُولِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى نَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَخَاصِّهِ وَعَامِّهِ، ثُمَّ هُوَ كَلَامٌ مُعْجِزٌ وَبَحْرٌ عَمِيقٌ، لَا نِهَايَةَ لِأَسْرَارِ عُلُومِهِ، وَلَا دَرَكَ لِحَقَائِقِ مَعَانِيهِ، وَقَدْ أَلَّفَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ كُتُبًا، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَمَبْلَغِ عِلْمِهِ، (نَظَرًا لِلْخَلَفِ) (4) فَشَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَهُمْ وَرَحِمَ كَافَّتَهُمْ.

_ (1) ساقط من (ب) وفيها بعد البسملة: "وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم". (2) زيادة من (ب) . (3) ساقط من (أ) . (4) ساقط من (ب) .

فَسَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي الْمُخْلِصِينَ، وَعَلَى اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ مُقْبِلِينَ: كِتَابًا فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ وَتَفْسِيرِهِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ، مُمْتَثِلًا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: " إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا " (1) وَاقْتِدَاءً بِالْمَاضِينَ مِنَ السَّلَفِ فِي تَدْوِينِ الْعِلْمِ إِبْقَاءً عَلَى الْخَلَفِ، وَلَيْسَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ مَزِيدٌ وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ تَجْدِيدِ مَا طَالَ بِهِ الْعَهْدُ، وَقَصُرَ لِلطَّالِبِينَ فِيهِ الْجِدُّ وَالْجَهْدُ تَنْبِيهًا لِلْمُتَوَقِّفِينَ وَتَحْرِيضًا لِلْمُتَثَبِّطِينَ. فَجَمَعْتُ- بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ- فِيمَا سَأَلُوا كِتَابًا وَسَطًا بَيْنَ الطويل الممل،1/ب وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِمَنْ أَقْبَلَ عَلَى تَحْصِيلِهِ مُرِيدًا. وَمَا نَقَلْتُ فِيهِ مِنَ التَّفْسِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، حَبْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ التَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِثْلِ: مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالْكَلْبِيِّ، وَالضَّحَّاكِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالسُّدِّيِّ، وَغَيْرِهِمْ فَأَكْثَرُهَا مِمَّا أَخْبَرَنَا بِهِ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ الْخُوَارَزْمِيُّ، فِيمَا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. * أَمَّا تَفْسِيرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ " (2) وَقَالَ: " اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ " (3) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ الطَّرَائِفِيُّ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ صَالِحٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْوَالِبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرَوَيْهِ الْمَازِنِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عطيه بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ

_ (1) أخرجه الترمذي: في العلم- باب ما جاء في الإيصاء بمن يطلب العلم: 7/409 - 410 وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون العبدي، وأبو هارون العبدي اسمه (عمارة بن جُوَيْن) متروك ومتهم بالكذب، شيعي من الرابعة. الجرح والتعديل 6/363 الميزان 3/173. تهذيب التهذيب 7/262. الضعفاء والمتروكين ص 192 تقريب التهذيب. لسان الميزان 7/321 وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب الوصاة بطلب العلم: 1/91- 92، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة وفيه: المعلَى بن هلال، كذَّبه أحمد وابن معين وغيرهما، ونسبه إلى الوضع غير واحد. انظر الجرح والتعديل 8/331. المغني 2/671. الميزان 4/152. التقريب. تهذيب التهذيب 10/240. لسان الميزان 7/394. (2) أخرجه البخاري: في العلم- باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (اللهم علمه الكتاب) 1/169. (3) أخرجه البخاري: في الوضوء - باب: وضع الماء عند الخلاء 1/244. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: فضل عبد الله بن عباس برقم (2477) 4/1927.

الْحَسَنِ بْنِ عطيه حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عطيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ إِبْرَاهِيمَ الصَّرِيمِيُّ الْمَرْوَزِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْخَضِرِ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ السِّنْجِيُّ (1) أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ الْمَكِّيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَطَّةَ (2) ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا ثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ (3) ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قال: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَنٍ النَّيْسَابُورِيُّ ثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ يَاسِينَ بْنِ الْجَرَّاحِ الطَّبَرِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَكْرِ بْنِ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ ثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ ابن سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. *وأما تَفْسِيرُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُكْتِبِ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الصَّلْتِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ شنبوذ المقرئ 2/أثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ثَنَا الْمُسْتَهِلُّ بْنُ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ قَتَادَةَ قال: أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْفَهَانِيُّ (4) أَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْهَرَوِيُّ ثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَيْمُونٍ الْحَرْبِيُّ ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَقَالَ ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَبِيبِيُّ (5) أَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ ثَنَا جَعْفَرُ ابن مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ السَّدُوسِيِّ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ أَبِي الْعَالِيَةِ وَاسْمُهُ رُفَيْعُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُفَسِّرُ أَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الْعَمْرَكِيُّ بِسَرَخْسَ (6) ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ [يَزِيدَ] (7) [الْبَصْرِيُّ] (8) أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَزْدِيُّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْهَمَذَانِيِّ

_ (1) في نسخه (أ) سليمان بن سعيد. (2) في نسخه (أ) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بكر. (3) في نسخه (ب) الأْرموي. (4) في (ب) الأصبهاني. (5) في (أ) الحبيني. (6) سَرْخَس: بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح الخاء المعجمة، وآخره سين مهملة، ويقال سَرَخَس، بالتحركك، والأول أكثر: مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة، وهي بين نيسابور ومرو في وسط الطريق. (7) في ب: مزيد. (8) زيادة من (ب) .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْقُرَظِيِّ: قَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْهَرَوِيُّ ثَنَا رَجَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْهَرَوِيُّ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعَّبٍ الْقُرَظِيِّ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلِ ابن خَلَفٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْكَلْبِيِّ: فَقَدْ قَرَأْتُ بِمَرْوَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ: أَنَا أَبُو مَسْعُودٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْخَطِيبُ الْكُشْمِيهَنِيُّ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْرُوفٍ [الْهُرْمُزْفَرْهِيُّ] (1) ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ الْمُفَسِّرُ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ وَصَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ (2) أَنَا بَاذَانُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ الْهُذَلِيِّ (3) قَالَ: أَنَا الْأُسْتَاذُ إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّدُوسِيُّ ثَنَا أَبُو عمر أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَمْرَكِيُّ بِسَرْخَسَ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَمِيلٍ الْمَرْوَزِيُّ ثَنَا أَبُو مُعَاذٍ عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ (4) بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاهِلِيِّ عَنِ الضَّحَّاكِ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْوَزَّانِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قُتَيْبَةَ ثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ صَالِحٍ الْفَرَّاءُ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا [بُكَيْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ الْبَلْخِيُّ الْأَسَدِيُّ] (5) أبو معاذ 2/ب عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ. * وَأَمَّا تَفْسِيرُ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِهْرَجَانِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّقْطِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي رُؤْبَةَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَقْرِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي الْهُذَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو صَالِحٍ [الدَّنْدَانِيُّ] (6) عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ.

_ (1) في الأصل الأهرمزوري، وفي (ب) الهرمزي. والتصويب من اللباب 3/385 (2) في ب: عن أبي نصر عن أبي صالح. (3) في ب: الهلالي. (4) في ب: عبيد بن سليمان. (5) في الأصل: بكر ... الأزدي. والتصويب من التهذيب. (6) في الأصل، الديداني، وفي المطبوع (حاشية ابن كثير) الزيداني والتصويب من اللباب 1/510.

* وَأَمَّا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ قَالَ: ثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابن مُبَارَكٍ الشَّعِيرِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ اللَّبَّادُ ثَنَا عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ الْقَنَّادُ عَنْ +أَسْبَاطٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ. وَمَا نَقَلْتُهُ عَنِ الْمُبْتَدَأِ لَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعَنِ الْمَغَازِي لِمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَبُو شُعَيْبٍ فَأَخْبَرَنِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ قَالَ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ قَالَ: أَنْبَأَنِي أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْأَزْهَرِيِّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ الْعَبْدِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْقِلِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ أَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ وَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَقِيلٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو شُعَيْبِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ أَنَا النُّفَيْلِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. فَهَذِهِ أَسَانِيدُ أَكْثَرِ مَا نَقَلْتُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَهِيَ مَسْمُوعَةٌ مِنْ طُرُقٍ سِوَاهَا تَرَكْتُ ذِكْرَهَا حَذَرًا مِنَ الْإِطَالَةِ وَرُبَّمَا حَكَيْتُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ قَوْلًا سَمِعْتُهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسَانِيدِ بَلْ أَذْكُرُ أَسَانِيدَ بَعْضِهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ كَمَا أَنَّهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِاتِّبَاعِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَحِفْظِ حُدُودِهِ فَهُمْ مُتَعَبَّدُونَ بِتِلَاوَتِهِ، وَحِفْظِ حُرُوفِهِ عَلَى سَنَنِ خَطِّ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزُوا فِيمَا يُوَافِقُ الْخَطَّ عَمَّا قَرَأَ بِهِ الْقُرَّاءُ الْمَعْرُوفُونَ الَّذِينَ خَلَفُوا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ، وَاتَّفَقَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْكِتَابِ قِرَاءَاتِ مَنِ اشْتُهِرَ مِنْهُمْ بِالْقِرَاءَةِ، وَاخْتِيَارَاتِهِمْ عَلَى مَا قَرَأْتُهُ عَلَى الْإِمَامِ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تِلَاوَةً وَرِوَايَةً قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ طَاهِرِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيِّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِكِتَابِ الْغَايَةِ (1) وَهُمْ: أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيَّانِ، وَأَبُو مَعْبَدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ الدَّارِيُّ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو عِمْرَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ الشَّامِيُّ، وَأَبُو عَمْرٍو زَبَّانُ بْنُ الْعَلَاءِ الْمَازِنِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ الْبَصْرِيَّانِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ الْأَسَدِيُّ، وَأَبُو عُمَارَةَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ الْكُوفِيُّونَ فَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ فَإِنَّهُ أَخَذَ الْقِرَاءَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا وَهُمْ قرأوا عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَمَّا نَافِعٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ وَشَيْبَةَ بْنِ نِصَاحٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ الَّذِينَ قرأوا

_ (1) الغاية القراءات العشر مخطوط في جامعة الرياض مصور عن عارف حكمت 20 ورقة (الأْعلام 1/115) .

عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْأَعْرَجُ قَرَأْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيِّ ابن كَعْبٍ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [وَأَمَّا أَبُو عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُمَا قَرَآ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أُبَيِّ ابن كَعْبٍ وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (1) وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شِهَابٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَقَرَأَ الْمُغِيرَةُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَأَمَّا عَاصِمٌ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدٍ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ عَاصِمٌ: وَكُنْتُ أَرْجِعُ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَقْرَأُ عَلَى زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وَكَانَ زِرٌّ قَدْ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَأَمَّا حَمْزَةُ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، وَحُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَرَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَلَى يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ، وَقَرَأَ يَحْيَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَرَأَ حُمْرَانُ عَلَى أَبِي الأسود الدؤلي وفرأ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. وَأَمَّا الْكِسَائِيُّ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى حَمْزَةَ، وَأَمَّا يَعْقُوبُ فَإِنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي الْمُنْذِرِ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَرَأَ سَلَّامٌ عَلَى عَاصِمٍ. فَذَكَرْتُ قِرَاءَاتِ هَؤُلَاءِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِهَا، وَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ عَلَى وِفَاقِ آيَةٍ، أَوْ بَيَانِ حُكْمٍ فَإِنَّ الْكِتَابَ يُطْلَبُ بَيَانُهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الشَّرْعِ وَأُمُورُ الدِّينِ - فَهِيَ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسْمُوعَةِ لِلْحُفَّاظِ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ الْمَنَاكِيرِ، وَمَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ التَّفْسِيرِ، فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُبَارَكًا عَلَى مَنْ أَرَادَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

_ (1) ساقط من المطبوع حاشية ابن كثير.

فصل في فضائل القرآن وتعليمه

(فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ) أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا [أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ] (1) أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ

_ (1) في الأْصل (أ) : أبو عبد الرحمن بن أبي شريح.

(عُبَيْدَةَ) (1) يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنْ شُعْبَةَ (2) . أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الصمد الترابي 3/أأَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ الشَّاشِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدٍ الشَّاشِيُّ ثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: " مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: أو قد فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ قُلْتُ فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا تَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ (3) . قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا (الْحَدِيثُ) لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ فِيهِ مَقَالٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ لَهِيعَةَ يَقُولُ: ثَنَا مِشْرَحُ بْنُ (هَاعَانَ) (4) قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) في الأصل (أ) : عبيد. (2) أخرجه البخاري: في فضائل القرآن - باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه: 9/74 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/ 427 - 428. (3) أخرجه الترمذي: في فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل القرآن (8/218 - 221) وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال إذ كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف (التقريب) ، وأخرجه الطبراني مختصرًا، قال الهيثمي: وفيه عمرو بن واقد وهو متروك. مجمع الزوائد 7/165. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/438. وانظر فيما سيأتي: 2/78. (4) في الأصل: هامان، والتصويب من التهذيب وشرح السنة، وفي سنن الدارمي: عاهان.

يَقُولُ: " لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ " (1) قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ حَمَلَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَهُ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا جَعْفَرُ ابن عَوْنٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: " [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنَّ] (2) هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ وَالنُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ وَعِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ لَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ وَلَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ فَاتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنِ الْأَلِفُ حَرْفٌ وَاللَّامُ حَرْفٌ وَالْمِيمُ حَرْفٌ" (3) وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ مَتُّوَيْهِ أَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِيُّ الْحَرَّانِيُّ فِيمَا كَتَبَ إِلَيَّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْآجُرِّيُّ ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابن الصَّنْدَلِيِّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِمَعْنَاهُ. أَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَامُوَيْهِ الْأَصْبِهَانِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْقَاضِي الزُّهْرِيُّ بِمَكَّةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ الصَّائِغُ أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ " أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعُسْفَانَ- وَكَانَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَكَّةَ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ قَالَ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبْزَى قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا قَالَ عُمَرُ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ رَجُلٌ قَارِئٌ للقرآن عالم بالفوائض قَاضٍ فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ بِالْقُرْآنِ

_ (1) رواه أحمد: 4/151،155 عن عقبة بن عامر، والدارمي: 2/430، وأبو يعلى وفي سنده عبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه (التقريب) وله شاهد عند الطبراني من حديث عصمة بن مالك وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/436. قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه خلاف: 7/158 وعن سهل بن سعد: "لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار" قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك. ورواه أبو يعلى: 2/307 وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (5282) . وفسر بعض رواة أبي يعلى الحديث بأن من جمع القرآن ثم دخل النار فهو شر من الخنزير. (2) زيادة في نسخة (ب) . (3) أخرجه الحاكم: 1/555 وقال: تفرد به صالح بن عمر عن عبد الله بن مسعود، وهو صحيح، وتعقبه الذهبي بأن صالحًا ثقة خَرج له مسلم، لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف. انظر: فيض القدير: 1/546. الجرح والتعديل 2/131. تهذيب الكمال 2/203. الميزان 1/65. التقريب. تهذيب التهذيب 1/164. الضعفاء والمتروكين ص 40.

أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ (1) . أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا جَرِيرٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفِهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ " (2) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا سَعْدَانُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطِّوَالَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمِئِينَ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ، وَأُعْطِيتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمَ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَأَعْطَانِي رَبِّي الْمُفَصَّلَ نَافِلَةً " (3) غَرِيبٌ.

_ (1) رواه مسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه برقم (817) 1/559. والمصنف في شرح السنة: 4/442. (2) رواه الترمذي: في فضائل القرآن- باب (رقم 18) 8/231 وقال: هذا حديث حسن صحيح وأحمد: 1/223 عن ابن عباس والدارمي: في فضائل القرآن- باب: فضل من قرأ القرآن 2/429 وأخرجه الحاكم: وقال: صحيح الإسناد: 1/554 وفي سنده قابوس ابن أبي ظبيان فيه لين (التقريب) والمصنف في شرح السنة: 4/443. (3) قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني عن واثلة بن الأْسقع بنحوه (مجمع الزوائد: 7/158) وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وسعيد بن بشير فيه لين وسيأتي. وعن أبي أمامة: قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أعطاني ربي السبع الطوال مكان االتوراة" رواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم ضعفه أحمد والنسائي ويحيى وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره (الميزان والتقريب) . وبقية رجاله رجال الصحيح.

فصل في فضائل تلاوة القرآن

(فَصْلٌ فِي فَضَائِلِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ) أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُ الْمَاهِرِ بِالْقُرْآنِ مَثَلُ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ " (1) صَحِيحٌ. وَقَالَ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: " الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ

_ (1) رواه البخاري: في التفسير - تفسير سورة عبس: 8/691. ومسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل الماهر بالقرآن ... برقم (798) 1/550. والمصنف في شرح السنة: 4/429.

وَهُوَ مَاهِرٌ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ " أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ ثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ ثَنَا عَفَّانُ ثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ ثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: " مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌّ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَلَا طَعْمَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا " (1) صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ ثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمٍ، يَعْنِي ابْنَ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ: وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا " (2) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، ثَنَا النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ ثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " اقرؤوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شافعًا لأصحابه اقرؤوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا اقْرَءُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ " (3) صَحِيحٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ثَنَا بَشِيرُ بْنُ مهاجر الغنوي 3/ب ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ، ثُمَّ سَكَتَ

_ (1) رواه البخاري: في فضائل القرآن- باب: فضل القرآن على سائر الكلام: 9/65 - 66. ومسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل الماهر بالقرآن برقم (797) 1/549. والمصنف في شرح السنة: 4/431- 432. (2) رواه أبو داود: في الصلاة - باب: كيف يستحب الترتيل في القراءة 2/136. والترمذي: في ثواب القرآن- باب: الذي ليس في جوفة قرآن: 8/232 وقال: هذا حديث حسن صحيح وأحمد: 2/192 عن عبد الله بن عمر. وابن حبان: في موارد الظمآن برقم (1790) ص 442/443. والحاكم: 1/552 - 553 وقال: صحيح ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 4/435. (3) رواه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة برقم (804) 1/553. والمصنف في شرح السنة: 4/456 - 457.

سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ، وَإِنَّهُمَا تُظِلَّانِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَّافَّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ أَظْمَأْتُكَ بِالْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا فَهُوَ في صعودها ما دام يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا " (1) غَرِيبٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا أَبُو أَيُّوبَ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ثَنَا لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ قَرَأَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (2) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طَاهِرٍ (مُحَمَّدُ) (3) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ أَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ (4) عِظَامٍ سِمَانٍ؟ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ: فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَؤُهُنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ " (5) صَحِيحٌ. أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الزَّيَّاتِيُّ ثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ ثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ ثَنَا ابْنُ لهيعه عَنْ زَبَّانَ هُوَ ابْنُ فَايِدٍ عَنْ سَهْلٍ، هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ

_ (1) رواه أحمد: 5/348 عن عبد الله بن بريدة عن أبيه. والمصنف في شرح السنة 4/454 وقال: هذا حديث حسن غريب. وأورده ابن كثير في التفسير 1/34 وقال: وروى ابن حبان بعضه، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم، فإن بشيرًا أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال: هو منكر الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: روى ابن حبان منه طرفًا، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح 1/159. (2) رواه أحمد: 2/341 عن أبي هريرة، قال الحافظ العراقي: وفيه ضعف وانقطاع، وقال تلميذه الهيثمي: فيه عبّاد بن ميسرة، ضعفّه أحمد وغيره، ووثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى، ووثقه ابن حبان، انظر: فيض القدير: 6/59، مجمع الزوائد: 7/162 الضعفعاء والمتروكين للنسائي ص 173. (3) في ب: أحمد وهو خطأ، انظر: اللباب: 2/84. (4) الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها. ثم هي عشار، والواحدة خَلِفَة وعشراء. (5) رواه مسلم: صلاة المسافرين- باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه برقم (802) 1/552. والمصنف في شرح السنة: 4/434.

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَحْكَمَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسُ وَالِدَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيهِ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ " (1) . أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ رَجُلٍ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ عَلَى قَوْمٍ فَلَمَّا قَرَأَ سَأَلَ فَقَالَ عِمْرَانُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فَإِنَّهُ سيجيء أقوام يقرؤون الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ بِهِ " (2) رَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هُوَ خَيْثَمَةُ الْبَصَرِيُّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَلَيْسَ هُوَ خَيْثَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3/440 عن معاذ بن أنس الجهني وأبو داود في الوتر، باب في ثواب قراءة القرآن: 2/133. والحاكم: 1/567، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فاعترض الذهبي بقوله: "قلت: زبَّان ليس بالقوي". وقال المنذري في مختصر السنن: سهل بن معاذ ضعيف، ورواه عنه زَبَّان بن فايد وهو ضعيف أيضًا ورواه الآجري في أخلاق أهل القرآن برقم (22) ص 81. وانظر تعليق المحقق عليه. (2) رواه الترمذي في ثواب القرآن - باب رقم (20) 8/235، وقال: هذا حديث حسن، وخيثمة شيخ بصري يكنى: أبو نصر، قد روى عن أنس بن مالك أحاديث. وأحمد: 4/432، عن عمران بن حصين. والمصنف في شرح السنة: 4/441، ونقل تحسين الترمذي له.

فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم

(فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ) أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ الشَّاشِيُّ ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " (1) . أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا أَبُو عوانه عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " (2) . أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ أَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ثَنَا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ الْقَطِيعِيِّ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ (الْجَوْنِيُّ) (3) عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ " (4) غَرِيبٌ.

_ (1) رواه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه؛ 8/277، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعزاه المناوي للأبي داوود والنسائي في الفضائل، ولعله في الكبرى، ورواه ابن جرير عن ابن عباس موقوفًا؛ 1/78، تحقيق شاكر. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/258. وفيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، الكوفي، صدوق يهم، من السادسة. ضعفه أحمد وأبو زرعة وقال النسائي: ليس بذاك القوي. انظر الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 165، وميزان الاعتدال 2/530، الجرح والتعديل 6/25، تقريب التهذيب، تهذيب التهذيب 6/ 94 وغيرها. (2) أخرجه أحمد: 1/269 عن ابن عباس. والترمذي في التفسير - باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه: 8/277، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والطبري برقم (73- 77) وقال الشيخ شاكر: تدور هذه الأحاديث كلها على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد تكلموا فيه كما سبق. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/257، وقال: هذا حديث حسن. (3) في الأصل الجوفي. (4) رواه أبو داود في العلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم: 5/249، والترمذي في التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه: 8/279، وقال: هذا حديث غريب. وعزاه المنذري للنسائي وقال: سهيل بن أبي حزم: بصري، واسم أبي حزم مهران، وقد تكلم فيه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم، ورمز السيوطي في الجامع الصغير لحسنه، قال المناوي: لعله لاعتضاده، وإلا ففيه سهيل بن عبد الله ... فيض القدير: 6/191. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/259.

وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} (31- عَبَسَ) فَقَالَ: وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا تَفْقَهُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى تَرَى لِلْقُرْآنِ وُجُوهًا كَثِيرَةً قَالَ حَمَّادٌ: قُلْتُ لِأَيُّوبَ: مَا مَعْنَى قَوْلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فَقُلْتُ: هُوَ أَنْ تَرَى لَهُ وُجُوهًا فَتَهَابَ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ، هُوَ ذَاكَ. قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ فِي حَقِّ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ وَذَلِكَ فِيمَنْ قَالَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ. فَأَمَّا التَّأْوِيلُ- وَهُوَ صَرْفُ الْآيَةِ إِلَى مَعْنًى مُحْتَمَلٍ مُوَافِقٍ لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا غَيْرِ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ - فَقَدْ رُخِّصَ فِيهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ. أَمَّا التَّفْسِيرُ: وَهُوَ الْكَلَامُ فِي أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَةِ وَشَأْنِهَا وَقِصَّتِهَا، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالسَّمَاعِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ مِنْ طَرِيقِ النَّقْلِ. وَأَصْلُ التَّفْسِيرِ مِنَ التَّفْسِرَةِ وَهِيَ: الدَّلِيلُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الطَّبِيبُ فَيَكْشِفُ عَنْ عِلَّةِ الْمَرِيضِ، كَذَلِكَ الْمُفَسِّرُ يَكْشِفُ عَنْ شَأْنِ الْآيَةِ وَقِصَّتِهَا. وَاشْتِقَاقُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْأَوْلِ وَهُوَ الرُّجُوعُ. يُقَالُ: أَوَّلْتُهُ فَآلَ أَيْ: صَرَفَتْهُ فَانْصَرَفَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْهَيْثَمِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ عَنْ أَبِي هُذَيْلٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ وَيُرْوَى لِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ وَلِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ " (1) وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، قِيلَ: الظَّهْرُ لَفْظُ الْقُرْآنِ وَالْبَطْنُ تَأْوِيلُهُ. وَقِيلَ: الظَّهْرُ مَا حَدَّثَ عَنْ أَقْوَامٍ أَنَّهُمْ عَصَوْا فَعُوقِبُوا فَهُوَ فِي الظَّاهِرِ خَبَرٌ وَبَاطِنُهُ عِظَةٌ وَتَحْذِيرٌ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا فَعَلُوا فَيَحِلَّ بِهِ مَا حَلَّ بِهِمْ وَقِيلَ مَعْنَى الظَّهْرِ

_ (1) رواه الطبري: 1/22- 23 برقم (10، 11) بإسنادين ضعيفين، أما أحدهما: فلانقطاعة بجهالة راويه وأما الآخر: فمن أجل إبراهيم الهجري. فهو ضعيف، ضعفه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بالقوي الجرح والتعديل 2/131، تهذيب الكمال 2/203، الضعفاء والمتروكين ص 40 ميزان الاعتدال 1/65 تهذيب التهذيب 1/164، تقريب التهذيب. والفقرة الأولى منه عند البخاري في فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: 9/23. ومسلم في صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف برقم (818) : 1/560. ورواه أيضًا: ابن حبان برقم (74) ، قال الهيثمي: رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط باختصار آخره، ورجال أحدهما ثقات، مجمع الزوائد: 7/152. والطحاوي في شكل الآثار 4/472.

وَالْبَطْنِ: التِّلَاوَةُ وَالتَّفَهُّمُ، يَقُولُ: لِكُلِّ آيَةٍ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَهَا كَمَا أُنْزِلَتْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} (4- الْمُزَّمِّلِ) وَبَاطِنٌ وَهُوَ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} (29- ص) ثُمَّ التِّلَاوَةُ تَكُونُ بِالتَّعَلُّمِ والحفظ بالدرس، 4/أوَالتَّفَهُّمُ يَكُونُ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَتَعْظِيمِ الْحُرْمَةِ وَطِيبِ الطعمه. وَقَوْلُهُ: "لِكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ" أَرَادَ لَهُ حَدٌّ فِي التِّلَاوَةِ وَالتَّفْسِيرِ لَا يُجَاوَزُ، فَفِي التِّلَاوَةِ لَا يُجَاوِزُ الْمُصْحَفَ، وَفِي التَّفْسِيرِ لَا يُجَاوِزُ الْمَسْمُوعَ، وَقَوْلُهُ لِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعٌ أَيْ مِصْعَدٌ يُصْعَدُ إِلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ عِلْمِهِ وَيُقَالُ: الْمَطْلَعُ الْفَهْمُ. وَقَدْ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى الْمُدَبِّرِ وَالْمُتَفَكِّرِ فِي التَّأْوِيلِ وَالْمَعَانِي مَا لَا يَفْتَحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.

الفاتحة

سُورَةُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ مَعْرُوفَةٌ: فاتحة الكتاب، وَأُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي. سُمِّيَتْ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ: لِأَنَّ اللَّهَ بِهَا افْتَتَحَ الْقُرْآنَ. وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرْآنِ وَأُمَّ الْكِتَابِ: لِأَنَّهَا أَصْلُ الْقُرْآنِ مِنْهَا بُدِئَ الْقُرْآنُ وَأَمُّ الشَّيْءِ: أصله، وَيُقَالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ الْقُرَى لِأَنَّهَا أَصْلُ الْبِلَادِ دُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ وَإِمَامٌ لِمَا يَتْلُوهَا مِنَ السُّوَرِ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ وَبِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَسُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي الصَّلَاةِ، فَتُقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَاهَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَذَخَرَهَا لَهُمْ. وَهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي" (87-الْحِجْرِ) وَالْمُرَادُ مِنْهَا فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَسُورَةُ الْحِجْرِ مَكِّيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ يَمُنُّ عَلَيْهِ بِهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} بِسْمِ اللَّهِ الْبَاءُ أَدَاةٌ تَخْفِضُ مَا بَعْدَهَا مِثْلَ: مِنْ وَعَنْ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِهِ الْبَاءُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ. وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ لِيَكُونَ افْتِتَاحُ كَلَامِ كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ، كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا، وَدَوِّرُوا الْمِيمَ. تَعْظِيمًا

لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ" (1-الْعَلَقِ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ. وَالِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى وَعَيْنُهُ وَذَاتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى" (7-مَرْيَمَ) أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ يَحْيَى ثُمَّ نَادَى الِاسْمَ فَقَالَ: "يَا يَحْيَى" وَقَالَ: "مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا" (40-يُوسُفَ) وَأَرَادَ الْأَشْخَاصَ الْمَعْبُودَةَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمُسَمَّيَاتِ وَقَالَ: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ" (1-الْأَعْلَى) ، "وتبارك اسْمُ رَبِّكِ" (1) ثُمَّ يُقَالُ لِلتَّسْمِيَةِ أَيْضًا اسْمٌ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّسْمِيَةِ أَكْثَرُ مِنَ الْمُسَمَّى [فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟ قِيلَ هُوَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبَادِ كَيْفَ يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ (2) ] . وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ قَالَ الْمُبَرِّدُ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ، فَكَأَنَّهُ عَلَا عَلَى مَعْنَاهُ وَظَهَرَ عَلَيْهِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ تَحْتَهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: هُوَ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ وَكَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِمَعْنَاهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يُصَغَّرُ عَلَى السُّمَيِّ وَلَوْ كَانَ مِنَ السِّمَةِ لَكَانَ يُصَغَّرُ عَلَى الْوُسَيْمِ كَمَا يُقَالُ فِي الْوَعْدِ وُعَيْدٌ وَيُقَالُ فِي تَصْرِيفِهِ سَمَّيْتُ وَلَوْ كَانَ مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ: وَسَمْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: "اللَّهِ" قَالَ الْخَلِيلُ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ اسْمُ عَلَمٍ خَاصٌّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا اشْتِقَاقَ لَهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ لِلْعِبَادِ مِثْلَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ مُشْتَقٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ أَلَهَ إِلَاهَةً أَيْ عَبَدَ عِبَادَةً وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "وَيَذَرَكَ وآلهتك" (127-الْأَعْرَافِ) أَيْ عِبَادَتَكَ -مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ وَقِيلَ أَصْلُهُ إِلَهٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ" (91-الْمُؤْمِنُونَ) قَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَلَهْتُ إِلَى فُلَانٍ أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ فَكَأَنَّ الْخَلْقَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَئِنُّونَ بِذِكْرِهِ، وَيُقَالُ: أَلَهْتُ إِلَيْهِ، أَيْ فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِرُ: أَلَهْتُ إِلَيْهَا وَالرَّكَائِبُ وُقَّفٌ وَقِيلَ أَصْلُ الْإِلَهِ "وِلَاهٌ" فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ بِالْهَمْزَةِ مِثْلَ وِشَاحٍ وَإِشَاحٍ، اشْتِقَاقُهُ مِنَ الْوَلَهِ لِأَنَّ الْعِبَادَ يَوْلَهُونَ إِلَيْهِ أَيْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَيَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَمَا يَوْلَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَلَهِ وَهُوَ ذَهَابُ الْعَقْلِ لِفَقْدِ مَنْ يَعِزُّ عَلَيْكَ.

_ (1) من نسخة (ب) . (2) ساقط من أ.

قَوْلُهُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الْآخَرِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِثْلَ نَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ وَمَعْنَاهُمَا ذُو الرَّحْمَةِ، وَذِكْرُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْآخَرِ (تَطْمِيعًا) (1) لِقُلُوبِ الرَّاغِبِينَ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ إِنْعَامٌ بَعْدَ إِنْعَامٍ، وَتَفَضُّلٌ بَعْدَ تَفَضُّلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: الرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الْعُمُومِ وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْخُصُوصِ. فَالرَّحْمَنُ بِمَعْنَى الرَّزَّاقِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لِكَافَّةِ الْخَلْقِ. وَالرَّحِيمُ بِمَعْنَى الْمُعَافِي فِي الْآخِرَةِ وَالْعَفْوُ فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخُصُوصِ وَلِذَلِكَ قِيلَ فِي الدُّعَاءِ: يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَرَحِيمَ الْآخِرَةِ، فَالرَّحْمَنُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَى الْخَلْقِ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرَّحِيمُ مَنْ تَصِلُ رَحْمَتُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى الْخُصُوصِ، وَلِذَلِكَ يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحِيمًا وَلَا يُدْعَى غَيْرُ اللَّهِ رَحْمَنَ. فَالرَّحْمَنُ عَامُّ الْمَعْنَى خَاصُّ اللَّفْظِ، وَالرَّحِيمُ عَامُّ اللَّفْظِ خَاصُّ الْمَعْنَى، وَالرَّحْمَةُ إِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ لِأَهْلِهِ. وَقِيلَ هِيَ تَرْكُ عُقُوبَةِ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا وَإِسْدَاءُ الْخَيْرِ إِلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهِيَ عَلَى الْأَوَّلِ صِفَةُ ذَاتٍ، وَعَلَى الثَّانِي صِفَةُ (فِعْلٍ) (2) . وَاخْتَلَفُوا فِي آيَةِ التَّسْمِيَةِ فَذَهَبَ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَالِافْتِتَاحُ بِهَا لِلتَّيَمُّنِ وَالتَّبَرُّكِ. وَذَهَبَ قُرَّاءُ مَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ سَائِرِ السُّوَرِ وَأَنَّهَا كُتِبَتْ لِلْفَصْلِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ سَائِرِ الْقُرْآنِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ سَبْعُ آيَاتٍ فَالْآيَةُ الْأُولَى عِنْدَ مَنْ يَعُدُّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ {صِرَاطَ الَّذِينَ} وَمَنْ لَمْ يَعُدَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ قَالَ ابْتِدَاؤُهَا "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" وَابْتِدَاءُ الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" وَاحْتَجَّ مَنْ جَعَلَهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ وَمِنَ السُّوَرِ بِأَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ، وَبِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (قَالَ) (3) "وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" (87-الْحِجْرِ) هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ قَالَ أَبِي وَقَرَأَهَا عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ حَتَّى خَتَمَهَا ثُمَّ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا قَرَأْتُهَا عَلَيْكَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَذَخَرَهَا لَكُمْ فَمَا أَخْرَجَهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ (4) . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ احْتَجَّ بِمَا ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو عِيسَى إِسْحَاقُ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْتُ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَكُلُّهُمْ كَانَ لَا يَقْرَأُ "بِسْمِ

_ (1) في الأصل: تعظيما. (2) في الأصل: الفعل. (3) ساقط من (أ) . (4) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 79-80 (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: 3 / 50. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: 1 / 232.

اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ" (1) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 4\ب لَا يَعْرِفُ خَتْمَ سُورَةٍ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَعْلَمُ فَصْلَ مَا بَيْنَ السُّورَتَيْنِ حَتَّى يَنْزِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْتُبُ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ عَلَى رَسْمِ قُرَيْشٍ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ حَتَّى نَزَلَتْ "وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بسم الله مجريها" (41-هُودٍ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ حَتَّى نزلت "قل ادعو اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ" (110-الْإِسْرَاءِ) فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ حَتَّى نَزَلَتْ "إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (30-النَّمْلِ) فَكَتَبَ مِثْلَهَا. قَوْلُهُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} لَفْظُهُ خَبَرٌ كَأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْحَمْدِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيهِ تَعْلِيمُ الْخَلْقِ تَقْدِيرَهُ قُولُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْحَمْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعْمَةِ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ. يُقَالُ حَمِدْتُ فُلَانًا عَلَى مَا أَسْدَى إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا" (111-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ "اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا" (13-سَبَأٍ) . قَوْلُهُ {لِلَّهِ} اللَّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا يُقَالُ الدَّارُ لِزَيْدٍ. قَوْلُهُ {رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فَالرَّبُّ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَالِكِ كَمَا يُقَالُ لِمَالِكِ الدَّارِ: رَبُّ الدَّارِ: وَيُقَالُ رَبُّ الشَّيْءِ إِذَا مَلَكَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ وَالْإِصْلَاحِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا فَهُوَ رَبٌّ مِثْلَ طَبَّ، وَبَرَّ. فَاللَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْعَالَمِينَ وَمُرَبِّيهِمْ، وَلَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ هُوَ الرَّبُّ مُعَرَّفًا إِنَّمَا يُقَالُ رَبُّ كَذَا مُضَافًا، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلتَّعْمِيمِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْكُلَّ. "وَالْعَالَمِينَ" جَمْعُ عَالَمٍ، لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَالَمِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ لِأَنَّهُمُ الْمُكَلَّفُونَ بِالْخِطَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" (1-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هُمْ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وقال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا" وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَلَامَةِ سُمُّوا بِهِ لِظُهُورِ أَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهِمْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمْ أَرْبَعُ أُمَمٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ لِأَنَّهَا لَا تَعْقِلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِهِمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِلَّهِ أَلْفُ عَالَمٍ سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لِلَّهِ ثَمَانُونَ أَلْفَ عَالَمٍ أَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا فِي الْبَرِّ. وَقَالَ وَهْبٌ لِلَّهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا عَالَمٌ مِنْهَا، وَمَا

_ (1) أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: 1 / 81، والمصنف في شرح السنة 3 / 53-54، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (399) . (2) أخرجه أبو داود في المراسيل ص (123) ، وصححه الحاكم على شرطهما: 1 / 231. وانظر: تلخيص الحبير: 1 / 233، الدر المنثور: 1 / 20. (3) أخرجه الواحدي في الوسيط: 1 / 13، وفي أسباب النزول ص (54) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: 1 / 20.

الْعُمْرَانُ فِي الْخَرَابِ إِلَّا كَفُسْطَاطٍ فِي صَحْرَاءَ. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يُحْصِي عَدَدَ الْعَالَمِينَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" (31-الْمُدَّثِّرِ) . قَوْلُهُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ {مَالِكِ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {مَلِكِ} قَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ مِثْلَ فَرِهِينَ وَفَارِهِينَ، وَحَذِرِينَ وَحَاذِرِينَ وَمَعْنَاهُمَا الرَّبُّ يُقَالُ رَبُّ الدَّارِ وَمَالِكُهَا. وَقِيلَ الْمَالِكُ وَالْمَلِكُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى اخْتِرَاعِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَالِكٌ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَالِكُ الْعَبْدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. وَلِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِشَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءَ وَلَا يَمْلِكُهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكُ أَوْلَى لِأَنَّ كل ملك مَلِكٍ وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِسَائِرِ الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ" (114-طه) "الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ" (23-الْحَشْرِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: الدِّينُ الْحِسَابُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ" (36-التَّوْبَةِ) أَيِ الْحِسَابُ الْمُسْتَقِيمُ وَ"مَلِكِ النَّاسِ" (سُورَةُ النَّاسِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَاضِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ قَتَادَةُ: الدِّينُ الْجَزَاءُ. وَيَقَعُ عَلَى الْجَزَاءِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ جَمِيعًا يُقَالُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَلِكُ يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينُ، وَقَالَ يَمَانُ بْنُ (رَبَابٍ) (1) الدِّينُ الْقَهْرُ. يُقَالُ دِنْتُهُ فَدَانَ أَيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ. وَقِيلَ: الدِّينُ الطَّاعَةُ أَيْ يَوْمَ الطَّاعَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الدِّينِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مَالِكًا لِلْأَيَّامِ كُلِّهَا لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ يَوْمَئِذٍ زَائِلَةٌ فَلَا مُلْكَ وَلَا أَمْرَ إِلَّا لَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ" (26-الْفُرْقَانِ) وَقَالَ: "لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" (16-غَافِرٍ) وَقَالَ: "وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ" (19-الِانْفِطَارِ) وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو: {الرَّحِيمِ مَلِكِ} بِإِدْغَامِ الْمِيمِ فِي الْمِيمِ وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ كُلَّ حَرْفَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِيبَيِ الْمَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْفُ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا أَوْ مُنَوَّنًا أَوْ مَنْقُوصًا أَوْ مَفْتُوحًا أَوْ تَاءَ الْخِطَابِ قَبْلَهُ سَاكِنٌ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يُدْغِمُهُمَا، وَإِدْغَامُ الْمُتَحَرِّكِ يَكُونُ فِي الْإِدْغَامِ الْكَبِيرِ وَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الْمُتَحَرِّكِ فِي قَوْلِهِ "بَيَّتَ طَائِفَةٌ" (81-النِّسَاءِ) "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا" (1-3 الصَّافَّاتِ) "وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا" (1-الذَّارِيَاتِ) أَدْغَمَ التَّاءَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْحُرُوفِ، وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ فِي إِدْغَامِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ إِدْغَامُ السَّاكِنِ فِي الْمُتَحَرِّكِ إِلَّا فِي الرَّاءِ عِنْدَ اللَّامِ وَالدَّالِ عِنْدَ الْجِيمِ وَكَذَلِكَ لَا يُدْغِمُ حَمْزَةُ -وَبِرِوَايَةِ خَلَّادٍ وَخَلَفٍ-الدَّالَ عِنْدَ السِّينِ وَالصَّادِ وَالزَّايِ، وَلَا إِدْغَامَ لِسَائِرِ الْقُرَّاءِ إِلَّا فِي أَحْرُفٍ مَعْدُودَةٍ. قَوْلُهُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} "إِيَّا" كَلِمَةُ ضَمِيرٍ خُصَّتْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُضْمَرِ وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ فَيُقَالُ: إِيَّاكَ أَعْنِي، وَإِيَّاكَ أَسْأَلُ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا إِلَّا مُنْفَصِلًا. فَيُقَالُ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ. قَوْلُهُ {نَعْبُدُ} أَيْ نُوَحِّدُكَ وَنُطِيعُكَ خَاضِعِينَ، وَالْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ التَّذَلُّلِ وَالْخُضُوعِ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ.

_ (1) في ب: ريان.

{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى جَمِيعِ أُمُورِنَا فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ ذِكْرَ الْعِبَادَةِ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ تَكُونُ قَبْلَ الْعِبَادَةِ؟ فَلِهَذَا يَلْزَمُ مَنْ يَجْعَلُ الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللَّهِ نَجْعَلُ التَّوْفِيقَ (وَالِاسْتِعَانَةَ) (1) مَعَ الْفِعْلِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَيُقَالُ: الِاسْتِعَانَةُ نَوْعُ تَعَبُّدٍ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَةَ الْعِبَادَةِ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ تَفَاصِيلِهَا. قَوْلُهُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} اهْدِنَا أَرْشِدْنَا وَقَالَ عَلِيٌّ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ثَبِّتْنَا كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ عَلَى الْهِدَايَةِ بِمَعْنَى التَّثْبِيتِ وَبِمَعْنَى طَلَبِ مَزِيدِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْأَلْطَافَ وَالْهِدَايَاتِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ "الصِّرَاطَ" وَسِرَاطَ بِالسِّينِ رَوَاهُ أُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وَهُوَ الْأَصْلُ، سُمِّيَ سِرَاطًا لِأَنَّهُ يَسْرُطُ السَّابِلَةَ، وَيُقْرَأُ بِالزَّايِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِشْمَامِ الزَّايِ، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ، وَالِاخْتِيَارُ: الصَّادُ، عِنْدَ أَكْثَرِ الْقُرَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصْحَفِ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ الْإِسْلَامُ وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو القرآن 5/أوَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا "الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ" (2) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَرِيقُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: طَرِيقُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ: رَسُولِ اللَّهِ وَآلِهِ وَصَاحِبَاهُ] (3) وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ. قَوْلُهُ {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} أَيْ مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ قَالَ عِكْرِمَةُ: مَنَنْتَ عَلَيْهِمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقِيلَ: هُمْ كُلُّ مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ "فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ" (69-النِّسَاءِ) الْآيَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ قَبْلَ أَنْ غَيَّرُوا دِينَهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن زَيْدٍ: هُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُمْ آلُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ. قَرَأَ حَمْزَةُ: عَلَيْهُمْ وَلَدَيْهُمْ وَإِلَيْهُمْ بِضَمِّ هَاءَاتِهَا، وَيَضُمُّ يَعْقُوبُ كُلَّ هَاءٍ قَبْلَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ تَثْنِيَةً وَجَمْعًا إِلَّا قَوْلَهُ "بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ" (12-الْمُمْتَحِنَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهِمَا، فَمَنْ ضَمَّ الْهَاءَ رَدَّهَا إِلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مَضْمُومَةٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَمَنْ (كَسَرَهَا) (4) فَلِأَجْلِ الْيَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْكَسْرَةُ أُخْتُ الْيَاءِ وَضَمَّ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ كُلَّ مِيمِ جَمْعٍ مُشْبِعًا فِي الْوَصْلِ إِذَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ فَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ فَلَا يُشْبِعُ، وَنَافِعٌ يُخَيِّرُ، وَيَضُمُّ وَرْشٌ عِنْدَ أَلِفِ

_ (1) في أ، ب (الاستطاعة) . (2) أخرجه الطبري في التفسير: 1 / 171-172، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري. (3) ساقط من ب. (4) في ب: كسر.

الْقَطْعِ، فَإِذَا تَلَقَّتْهُ أَلِفُ وَصْلٍ -وَقَبْلَ الْهَاءِ كَسْرٌ أَوْ يَاءٌ سَاكِنَةٌ-ضَمَّ الْهَاءَ وَالْمِيمَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَكَسَرَهُمَا أَبُو عَمْرٍو وَكَذَلِكَ يَعْقُوبُ إِذَا انْكَسَرَ مَا قَبْلَهُ وَالْآخَرُونَ يَقْرَءُونَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ فِي الْكُلِّ لِأَجْلِ الْيَاءِ أَوْ لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَضَمُّ الْمِيمِ عَلَى الْأَصْلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} يَعْنِي صِرَاطَ الَّذِينَ غَضِبْتَ عَلَيْهِمْ، وَالْغَضَبُ هُوَ إِرَادَةُ الِانْتِقَامِ مِنَ الْعُصَاةِ، وَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْحَقُ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَلْحَقُ الْكَافِرِينَ. {وَلَا الضَّالِّينَ} أَيْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ عَنِ الْهُدَى. وَأَصْلُ الضَّلَالِ الْهَلَاكُ وَالْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ وَغَابَ. وغير هَاهُنَا بِمَعْنَى لَا وَلَا بِمَعْنَى غَيْرِ وَلِذَلِكَ جَازَ الْعَطْفُ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ غَيْرُ مُحْسِنٍ وَلَا مُجْمِلٍ. فَإِذَا كَانَ غَيْرَ بِمَعْنَى سِوَى فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهَا بِلَا وَلَا يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ: عِنْدِي سِوَى عَبْدِ اللَّهِ وَلَا زَيْدٍ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ الضَّالِّينَ. وَقِيلَ: الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْيَهُودُ وَالضَّالُّونَ: هُمُ النَّصَارَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فَقَالَ: "مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ" (60-الْمَائِدَةِ) وَحَكَمَ عَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فَقَالَ "وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ" (77-الْمَائِدَةِ) وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ {عَلَيْهِمْ} (1) بِالْبِدْعَةِ، وَلَا الضَّالِّينَ عَنِ السُّنَّةِ. وَالسُّنَّةُ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ "آمِينَ" بِسَكْتَةٍ مَفْصُولَةٍ عَنِ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُخَفَّفٌ وَيَجُوزُ (عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ) (2) مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاسْتَجِبْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ كَذَلِكَ يَكُونُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: هُوَ طَابَعُ الدُّعَاءِ. وَقِيلَ هُوَ خَاتَمُ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ يَدْفَعُ بِهِ الْآفَاتِ عَنْهُمْ كَخَاتَمِ الْكِتَابِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْفَسَادِ وَظُهُورِ مَا فِيهِ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي وَأَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ قَالَا أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَسَنٍ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْقِلٍ الْمَيْدَانِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَالَ الْإِمَامُ -غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ-فَقُولُوا آمِينَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ آمِينَ وَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ آمِينَ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (3) صَحِيحٌ.

_ (1) زيادة من ب. (2) ساقط من ب. (3) أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: 2 / 262 ورواه أحمد: 2 / 233 عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: 2 / 144. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 61. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر) .

فصل في فضل (الفاتحة) (1) أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَيَّالِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَضْلِ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ثَنَا خَالِدُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ هُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ "مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَصَاحَ بِهِ فَقَالَ: تَعَالَى يَا أُبَيُّ فَعَجِلَ أُبَيٌّ فِي صِلَاتِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ يَا أُبَيُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ؟ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (24-الْأَنْفَالِ) قَالَ أُبَيٌّ: لَا جَرَمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَدْعُونِي إِلَّا أَجَبْتُكَ وَإِنْ كُنْتُ مُصَلِّيًا. قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ (وَلَا فِي الْقُرْآنِ) (2) مِثْلُهَا؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: لَا تَخْرُجْ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَعْلَمَهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ لِيَخْرُجَ قَالَ لَهُ أُبَيٌّ: السُّورَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَوَقَفَ فَقَالَ: نَعَمْ كَيْفَ تَقْرَأُ فِي صَلَاتِكَ؟ فَقَرَأَ أُبَيٌّ أُمَّ الْقُرْآنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهَا وَإِنَّهَا لَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي (الَّتِي) (3) آتَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" (4) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ

_ (1) في "ب": فاتحة الكتاب. (2) ساقط من (أ) . (3) ساقط من (أ) وفي ب: الذي. (4) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب 8 / 178-180. وأحمد في المسند: 2 / 412-413 عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة 1 / 252 وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 367) وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 446-447 وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: 8 / 156.

فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَلَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ" (1) صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ] (2) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ (3) غَيْرُ تَمَامٍ" قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ فَغَمَزَ ذِرَاعِي وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ "الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين" 5/ب يَقُولُ اللَّهُ حَمِدَنِي عَبْدِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" يَقُولُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ" يَقُولُ اللَّهُ مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ" يَقُولُ اللَّهُ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ" (4) صَحِيحٌ [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ مَالِكٍ] (5)

_ (1) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (806) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: 1 / 554. والنسائي في افتتاح الصلاة: 2 / 138. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 466. وقوله: "سمع نقيضا" أي: صوتا. (2) ساقط من ب. (3) في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: "خداج" أي: ناقصة. (4) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (395) : 1 / 296. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 47. (5) ساقط من (ب) .

البقرة

سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ (1) وَهِيَ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتٍ {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الم} قَالَ الشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: الم وَسَائِرُ حُرُوفِ الْهِجَاءِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَهِيَ سِرُّ الْقُرْآنِ. فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِظَاهِرِهَا وَنَكِلُ الْعِلْمَ فِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَفَائِدَةُ ذِكْرِهَا طَلَبُ الْإِيمَانِ بِهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فِي كُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ وَسِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ أَوَائِلُ السُّوَرِ، وَقَالَ عَلِيٌّ: لِكُلِّ كِتَابٍ صَفْوَةٌ وَصَفْوَةُ هَذَا الْكِتَابِ حُرُوفُ (التَّهَجِّي) (2) وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: كُنْتُ أَسْأَلُ الشَّعْبِيَّ عَنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ فَقَالَ: يَا دَاوُدُ إِنَّ لِكُلِّ كِتَابٍ سِرًّا وَإِنَّ سِرَّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ فَدَعْهَا وَسَلْ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ هِيَ مَعْلُومَةُ الْمَعَانِي فَقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي كهيعص: الْكَافُ مِنْ كَافِي وَالْهَاءُ مِنْ هَادِي وَالْيَاءُ مِنْ حَكِيمٍ وَالْعَيْنُ مِنْ عَلِيمٍ وَالصَّادُ مِنْ صَادِقٍ. وَقِيلَ فِي المص أَنَا اللَّهُ الْمَلِكُ الصَّادِقُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي الم: الْأَلِفُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ وَاللَّامُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّطِيفِ، وَالْمِيمُ مِفْتَاحُ اسْمِهِ الْمَجِيدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الْأَلِفُ آلَاءُ اللَّهِ وَاللَّامُ لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ مُلْكُهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى الم: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ: وَمَعْنَى (3) المص: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وأفضل وَمَعْنَى الر: أَنَا اللَّهُ أَرَى، وَمَعْنَى المر: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ وَأَرَى. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا حَسَنٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذْكُرُ حَرْفًا مِنْ كَلِمَةٍ تُرِيدُهَا كَقَوْلِهِمْ:

_ (1) البقرة: مائتان وثمانون وخمس، وقيل ست، وقيل سبع. (الإتقان - المجلد الأول- 235) . (2) في ب: الهجاء. (3) في أ: المعنى.

قُلْتُ لَهَا: قِفِي لَنَا قَالَتْ: قَافْ (1) أَيْ: وَقَفْتُ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ هِيَ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى (مُقَطَّعَةٌ) (2) لَوْ عَلِمَ النَّاسُ تَأْلِيفَهَا لَعَلِمُوا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ. أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ الر، وَحم، وَن، فَتَكُونُ الرَّحْمَنَ، وَكَذَلِكَ سَائِرُهَا إِلَّا أَنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى وَصْلِهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذِهِ الْحُرُوفُ أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ: هِيَ أَسْمَاءُ (السُّوَرِ) (3) وَبَيَانُهُ: أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَرَأْتُ المص عَرَفَ السَّامِعُ أَنَّهُ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِالمص. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا أَقْسَامٌ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: إِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا لِأَنَّهَا (مَبَادِئُ) (4) كُتُبِهِ الْمُنَزَّلَةِ، وَمَبَانِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (5) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} أَيْ هَذَا الْكِتَابُ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: هَذَا فِيهِ مُضْمَرٌ أَيْ هَذَا ذَلِكَ الْكِتَابُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابًا لَا يَمْحُوهُ الْمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، فَلَمَّا أَنْزَلَ الْقُرْآنَ قَالَ هَذَا {ذَلِكَ} (6) الْكِتَابُ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْزِلَهُ عَلَيْكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَعَلَى لِسَانِ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ "وَهَذَا" لِلتَّقْرِيبِ "وَذَلِكَ" لِلتَّبْعِيدِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ قَبْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ سُوَرًا كَذَّبَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَقَالَ {ذَلِكَ الْكِتَابُ} يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ الْبَقَرَةَ مِنَ السُّوَرِ لَا شَكَّ فِيهِ. وَالْكِتَابُ مَصْدَرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ خَلْقٌ، وَهَذَا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ فُلَانٍ أَيْ مَضْرُوبُهُ. وَأَصْلُ الْكَتْبِ: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ، وَيُقَالُ لِلْجُنْدِ: كَتِيبَةٌ لِاجْتِمَاعِهَا، وَسُمِّيَ الْكِتَابُ كِتَابًا لِأَنَّهُ جَمْعُ حَرْفٍ إِلَى حَرْفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ، وَقِيلَ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْ لَا تَرْتَابُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ" (197-الْبَقَرَةِ) أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: فِيهِ بِالْإِشْبَاعِ فِي الْوَصْلِ وَكَذَلِكَ كَلُّ هَاءِ كِنَايَةٍ قَبْلَهَا سَاكِنٌ يُشْبِعُهَا وَصْلًا مَا لَمْ يَلْقَهَا سَاكِنٌ ثُمَّ إِنْ كَانَ السَّاكِنُ قَبْلَ الْهَاءِ يَاءً يُشْبِعُهَا بِالْكَسْرَةِ يَاءً وَإِنْ كَانَ غَيْرَ يَاءٍ يُشْبِعُهَا بِالضَّمِّ وَاوًا وَوَافَقَهُ حَفْصٌ فِي قَوْلِهِ "فِيهِ مُهَانًا" (69-الْفُرْقَانِ) (فَيُشْبِعُهُ) (7) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} يُدْغِمُ الْغُنَّةَ عِنْدَ اللَّامِ وَالرَّاءِ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، زَادَ

_ (1) هذا الرجز للوليد بن عقبة، وتمامه: "لا نحسبي أنا نسينا الإيجاف". انظر: تفسير الطبري: 1 / 212، تفسير الواحدي: 1 / 26. (2) في هامش (أ) : مقطعة غير مؤلفة. (3) في الأصل: السورة. (4) في المطبوع: مباني. (5) انظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري: 1 / 205-224، تفسير الواحدي: 1 / 25-26. (6) ساقط من (ب) . (7) في ب: فأشبعه.

حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ عِنْدَ الْيَاءِ وَزَادَ حَمْزَةُ عِنْدَ الْوَاوِ وَالْآخَرُونَ لَا يُدْغِمُونَهَا وَيُخْفِي أَبُو جَعْفَرٍ النُّونَ وَالتَّنْوِينَ عِنْدَ الْخَاءِ وَالْغَيْنِ {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أَيْ هُوَ هُدًى أَيْ رُشْدٌ وَبَيَانٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ هَادِيًا تَقْدِيرُهُ لَا رَيْبَ فِي هِدَايَتِهِ لِلْمُتَّقِينَ وَالْهُدَى مَا يَهْتَدِي بِهِ الْإِنْسَانُ، لِلْمُتَّقِينَ أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُتَّقِي مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْكَبَائِرَ وَالْفَوَاحِشَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاتِّقَاءِ. وَأَصْلُهُ الْحَجْزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَمِنْهُ يُقَالُ اتَّقَى بِتُرْسِهِ أَيْ جَعَلَهُ حَاجِزًا بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ مَا يَقْصِدُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1) أَيْ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ جَعَلْنَاهُ حَاجِزًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، فَكَأَنَّ الْمُتَّقِي يَجْعَلُ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ وَالِاجْتِنَابَ عَمَّا نَهَاهُ حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَذَابِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ (2) حَدِّثْنِي عَنِ التَّقْوَى فَقَالَ: هَلْ أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهِ قَالَ: حَذِرْتُ وَشَمَّرْتُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ التَّقْوَى. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الْمُتَّقِي الَّذِي يَتْرُكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: التَّقْوَى تَرْكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَأَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ. وَقِيلَ هُوَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الْحَدِيثِ: "جِمَاعُ التَّقْوَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ" (90-النَّحْلِ) الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: التَّقْوَى أَنْ لَا تَرَى نَفْسَكَ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ. وَتَخْصِيصُ الْمُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفٌ لَهُمْ أَوْ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُتَّقُونَ بِالْهُدَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} مَوْضِعُ الَّذِينَ خَفْضٌ نَعْتًا لِلْمُتَّقِينَ. يُؤْمِنُونَ: يُصَدِّقُونَ [وَيَتْرُكُ الْهَمْزَةَ أَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ وَالْآخَرُونَ يَهْمِزُونَهُ وَكَذَلِكَ يَتْرُكَانِ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ هِيَ فَاءُ الْفِعْلِ نَحْوَ يُؤْمِنُ وَمُؤْمِنٌ إِلَّا أَحْرُفًا مَعْدُودَةً] (3) . وَحَقِيقَةُ الْإِيمَانِ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا" (17-يُوسُفَ) [أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا] (4) وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ: الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلُ بِالْأَرْكَانِ، فَسُمِّيَ الْإِقْرَارُ وَالْعَمَلُ إِيمَانًا؛ لِوَجْهٍ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ. وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الْخُضُوعُ وَالِانْقِيَادُ، فَكُلُّ إِيمَانٍ إِسْلَامٌ وَلَيْسَ كُلُّ إِسْلَامٍ إِيمَانًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَصْدِيقٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا" (14-الْحُجُرَاتِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ

_ (1) رواه مسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين (1776) عن البراء: 3 / 1401. وأخرجه المصنف في شرح السنة 4 / 33. (2) انفرد ابن كثير بأن المسئول هو أبي بن كعب - حاشية ابن كثير. (3) زيادة من (ب) . (4) زيادة من (ب) .

الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَسْلِمًا فِي الظَّاهِرِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ فِي الْبَاطِنِ. وَقَدْ يَكُونُ مُصَدِّقًا فِي الْبَاطِنِ غَيْرَ مُنْقَادٍ فِي الظَّاهِرِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ جَوَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمَا حِينَ سَأَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَوَيْهٍ الزَّرَّادُ الْبُخَارِيُّ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ ثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ ثَنَا أَبُو أحمد عيسى 6/أبْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا كَهَمْسُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ، يَعْنِي بِالْبَصْرَةِ، مَعْبَدًا الْجُهَنِيَّ فَخَرَجْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نُرِيدُ مَكَّةَ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ فَلَقِينَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَتَفَقَّرُونَ هَذَا الْعِلْمَ وَيَطْلُبُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ إِنَّمَا الْأَمْرُ أُنُفٌ قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَإِنَّهُمْ مِنِّي بُرَآءُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ (لِأَحَدِهِمْ) (1) مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: "بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ مَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ فَأَقْبَلَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَرُكْبَتُهُ تَمَسُّ (2) رُكْبَتَهُ] فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَقَالَ: صَدَقْتَ فَتَعَجَّبْنَا مِنْ سُؤَالِهِ وَتَصْدِيقِهِ. ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرَسُولِهِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَقَالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قَالَ: فَمَا الْإِحْسَانُ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ: صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنَ السَّائِلِ قَالَ: صَدَقْتَ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي بُنْيَانِ الْمَدَرِ قَالَ: صَدَقْتَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: ذلك جبرئيل أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ وَمَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ فِيهَا إِلَّا فِي صُورَتِهِ هَذِهِ" (3)

_ (1) في الأصل: لأحد. (2) في الأصل: يمس ركبته. (3) أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام: 1 / 114. ومسلم في الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان برقم 8و9: 1 / 36-37. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 8-9.

فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْإِسْلَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْمًا لِمَا ظَهَرَ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَالْإِيمَانَ اسْمًا لِمَا بَطَنَ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ أَوِ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ بَلْ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةٍ هِيَ كُلُّهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَجِمَاعُهَا الدِّينُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ذَاكَ جَبْرَائِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ مَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ ثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ثَنَا خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ جَرِيرٍ الرَّازِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" (1) . وَقِيلَ: الْإِيمَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأَمَانِ، فَسُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ نَفْسَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُ يُؤَمِّنُ الْعِبَادَ مِنْ عَذَابِهِ (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى "بِالْغَيْبِ": وَالْغَيْبُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ فَقِيلَ لِلْغَائِبِ غَيْبٌ [كَمَا قِيلَ لِلْعَادِلِ عَدْلٌ وَلِلزَّائِرِ زَوْرٌ. وَالْغَيْبُ مَا كَانَ مَغِيبًا عَنِ الْعُيُونِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْغَيْبُ هَاهُنَا كُلُّ مَا أُمِرْتَ بِالْإِيمَانِ بِهِ فِيمَا غَابَ عَنْ بَصَرِكَ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالصِّرَاطِ وَالْمِيزَانِ. وَقِيلَ الْغَيْبُ هَاهُنَا: هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: بِالْآخِرَةِ وَقَالَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ: بِالْوَحْيِ. نَظِيرُهُ: {أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ} (35-النَّجْمِ) وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْقَدَرِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [وَمَا سَبَقُونَا بِهِ] (3) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطُّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ ثُمَّ قَرَأَ "الم ذَلِكَ الْكِتَابُ" إِلَى قَوْلِهِ "الْمُفْلِحُونَ". قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَوَرْشٌ يُؤْمِنُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَكَذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ بِتَرْكِ كُلِّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ إِلَّا فِي أَنْبِئْهُمْ وَنَبِّئْهُمْ وَنَبِّئْنَا وَيَتْرُكُ أَبُو عَمْرٍو كُلَّهَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ نَحْوَ نَبِّئْهُمْ وَأَنْبِئْهُمْ وَتَسُؤْهُمْ وَإِنْ نَشَأْ وَنَنْسَأْهَا وَنَحْوَهَا أَوْ يَكُونَ خُرُوجًا مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى نَحْوَ مُؤْصَدَةٌ وَرِئْيًا. وَيَتْرُكُ وَرْشٌ كُلَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ كَانَتْ فَاءَ الْفِعْلِ إِلَّا تُؤْوِي وَتُؤْوِيهِ وَلَا يَتْرُكُ مِنْ عَيْنِ الْفِعْلِ: إِلَّا الرُّؤْيَا وَبَابَهُ، إِلَّا مَا كَانَ عَلَى وَزْنِ فِعْلٍ. مِثْلَ: ذِئْبٍ] (4) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} أَيْ يُدِيمُونَهَا وَيُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي مَوَاقِيتِهَا بِحُدُودِهَا، وَأَرْكَانِهَا وَهَيْئَاتِهَا

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب أمور الإيمان: 1 / 50. ومسلم في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها برقم (57) : 1 / 63 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 34. (2) راجع بالتفصيل فيما يتعلق بمباحث الإيمان كتاب "الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية. (3) زيادة من "ب". (4) ساقط من حاشية ابن كثير ومثبت على حاشية الخازن ص (25) .

يُقَالُ: قَامَ بِالْأَمْرِ، وَأَقَامَ الْأَمْرَ إِذَا أَتَى بِهِ مُعْطًى حُقُوقَهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ذُكِرَ بِلَفْظِ (الْوُحْدَانِ) (1) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ" (213-الْبَقَرَةِ) يَعْنِي الْكُتُبَ. وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَصَلِّ عَلَيْهِمْ" (103-التَّوْبَةِ) أَيِ ادْعُ لَهُمْ، وَفِي الشَّرِيعَةِ اسْمٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مِنْ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقُعُودٍ وَدُعَاءٍ وَثَنَاءٍ. وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ" (56-الْأَحْزَابِ) الْآيَةَ إِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّحْمَةُ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ: الدُّعَاءُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} (أَيْ) (2) أَعْطَيْنَاهُمْ وَالرِّزْقُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى الْوَلَدِ وَالْعَبْدِ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ {يُنْفِقُونَ} يَتَصَدَّقُونَ. قَالَ قَتَادَةُ: يُنْفِقُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ. وَأَصْلُ الْإِنْفَاقِ: الْإِخْرَاجُ عَنِ الْيَدِ وَالْمُلْكِ، وَمِنْهُ نِفَاقُ السُّوقِ؛ لِأَنَّهُ تَخْرُجُ فِيهِ السِّلْعَةُ عَنِ الْيَدِ، ومنه: نَفَقَتِ الدَّابَّةُ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهَا. فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَيَتْرُكُ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَقَالُونُ (وَأَبُو عَمْرٍو) (3) وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَعْقُوبُ كُلَّ مَدَّةٍ تَقَعُ بَيْنَ كُلِّ كَلِمَتَيْنِ. وَالْآخَرُونَ يَمُدُّونَهَا. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِالآخِرَةِ} أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا {هُمْ يُوقِنُونَ} أي يستيقنون أنها كائنة، مِنَ الْإِيقَانِ: وَهُوَ الْعِلْمُ. وَقِيلَ: الْإِيقَانُ وَالْيَقِينُ: عِلْمٌ عَنِ اسْتِدْلَالٍ. وَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى اللَّهُ مُوقِنًا وَلَا عِلْمُهُ يَقِينًا إِذْ لَيْسَ عِلْمُهُ عَنِ اسْتِدْلَالٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ} أَيْ أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ وَأُولَاءِ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا الْكِنَايَةُ عَنْ جَمَاعَةٍ نَحْوُ: هُمْ، وَالْكَافُ لِلْخِطَابِ كَمَا فِي حَرْفِ ذَلِكَ {عَلَى هُدًى} أَيْ رُشْدٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ {مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي الناجون 6/ب وَالْفَائِزُونَ فَازُوا بِالْجَنَّةِ وَنَجَوْا مِنَ النَّارِ، وَيَكُونُ الْفَلَاحُ بِمَعْنَى الْبَقَاءِ أَيْ بَاقُونَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ وَأَصْلُ الْفَلَاحِ الْقَطْعُ وَالشَّقُّ وَمِنْهُ سُمِّي الزَّرَّاعُ فَلَّاحًا لِأَنَّهُ يَشُقُّ الْأَرْضَ وَفِي الْمَثَلِ: الْحَدِيدُ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ أَيْ يُشَقُّ فَهُمْ (مَقْطُوعٌ) (4) لَهُمْ بِالْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

_ (1) في (ب) : الواحد. (2) زيادة من (ب) . (3) زيادة من (ب) . (4) في ب: المقطوع.

6

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } قَوْلُهُ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْيَهُودَ. وَالْكُفْرُ هُوَ الْجُحُودُ وَأَصْلُهُ مِنَ الْكُفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْأَشْيَاءَ بظلمته وسمي الزارع كَافِرًا لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْحَبَّ بِالتُّرَابِ وَالْكَافِرُ يَسْتُرُ الْحَقَّ بِجُحُودِهِ. وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: كُفْرُ إِنْكَارٍ، وَكُفْرُ جَحُودٍ، وَكُفْرُ عِنَادٍ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ. فَكُفْرُ الْإِنْكَارِ: أَنْ لَا يَعْرِفَ اللَّهَ أَصْلًا وَلَا يَعْتَرِفَ بِهِ، وَكُفْرُ الْجَحُودِ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ وَلَا يُقِرُّ بِلِسَانِهِ كَكُفْرِ إِبْلِيسَ (وَكُفْرِ) (1) الْيَهُودِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" (89-الْبَقَرَةِ) وَكُفْرُ الْعِنَادِ هُوَ: أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ وَيَعْتَرِفَ بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِينُ بِهِ كَكُفْرِ أَبِي طَالِبٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارِ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ: فَهُوَ أَنَّ يُقِرَّ بِاللِّسَانِ وَلَا يَعْتَقِدَ بِالْقَلْبِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُغْفَرُ لَهُ. قَوْلُهُ {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} أَيْ: مُتَسَاوٍ لَدَيْهِمْ {أَأَنْذَرْتَهُمْ} خَوَّفْتَهُمْ وَحَذَّرْتَهُمْ وَالْإِنْذَارُ إِعْلَامٌ مَعَ تَخْوِيفٍ وَتَحْذِيرٍ وَكُلُّ مُنْذِرٍ مُعَلِّمٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُعَلِّمٍ مُنْذِرًا وَحَقَّقَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الْهَمْزَتَيْنِ فِي "أَأَنْذَرْتَهُمْ" وَكَذَلِكَ كَلُّ هَمْزَتَيْنِ تَقَعَانِ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ وَالْآخَرُونَ يُلَيِّنُونَ الثَّانِيَةَ {أَمْ} حَرْفُ عَطْفٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ (لَمْ) حَرْفُ جَزْمٍ لَا تَلِي إِلَّا الْفِعْلَ لِأَنَّ الْجَزْمَ يَخْتَصُّ بِالْأَفْعَالِ {تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي أَقْوَامٍ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشَّقَاوَةِ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ تَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ فَقَالَ {خَتَمَ اللَّهُ} طَبَعَ اللَّهُ {عَلَى قُلُوبِهِمْ} فَلَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْهَمُهُ.

_ (1) من ب.

وَحَقِيقَةُ الْخَتْمِ الِاسْتِيثَاقُ مِنَ الشَّيْءِ كَيْلَا يَدْخُلَهُ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجَ عَنْهُ مَا فِيهِ، وَمِنْهُ الْخَتْمُ عَلَى الْبَابِ. قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: أَيْ حَكَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِالْكُفْرِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ الْأَزَلِيِّ فِيهِمْ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ عَلَامَةً تَعْرِفُهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِهَا. {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} أَيْ: عَلَى مَوْضِعِ سَمْعِهِمْ فَلَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَأَرَادَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ كَمَا قَالَ: {عَلَى قُلُوبِهِمْ} وَإِنَّمَا وَحَّدَهُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ. {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} هَذَا ابْتِدَاءُ كَلَامٍ. غِشَاوَةٌ أَيْ: غِطَاءٌ، فَلَا يَرَوْنَ الْحَقَّ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ أَبْصَارِهِمْ بِالْإِمَالَةِ وَكَذَلِكَ كَلُّ أَلِفٍ بَعْدَهَا رَاءٌ مَجْرُورَةٌ فِي الْأَسْمَاءِ كَانَتْ لَامَ الْفِعْلِ يُمِيلَانِهَا وَيُمِيلُ حَمْزَةُ مِنْهَا مَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ الرَّاءُ كَالْقَرَارِ وَنَحْوِهِ. زَادَ الْكِسَائِيُّ إِمَالَةَ جَبَّارِينَ وَالْجَوَارِ وَالْجَارِ وَبَارِئِكُمْ وَمَنْ أَنْصَارِي وَنُسَارِعُ وَبَابِهِ. وَكَذَلِكَ يُمِيلُ هَؤُلَاءِ كُلَّ أَلِفٍ بِمَنْزِلَةِ لَامِ الْفِعْلِ، أَوْ كَانَ عَلَمًا لِلتَّأْنِيثِ، إِذَا كَانَ قَبْلَهَا رَاءٌ، فَعَلَمُ التَّأْنِيثِ مِثْلُ: الْكُبْرَى وَالْأُخْرَى. وَلَامُ الْفِعْلِ: مِثْلُ تَرَى وَافْتَرَى، يَكْسِرُونَ الرَّاءَ فِيهَا. وَلَهُمْ {عَذَابٌ عَظِيمٌ} أَيْ: فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ الْقَتْلُ وَالْأَسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ الدَّائِمُ فِي الْعُقْبَى. وَالْعَذَابُ كُلُّ مَا يَعْنِي الْإِنْسَانَ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَذَابُ مَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ عَنْ مُرَادِهِ، وَمِنْهُ: الْمَاءُ الْعَذْبُ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَطَشَ. قَوْلُهُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ (1) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَمُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، وَجَدِّ بْنِ قَيْسٍ وَأَصْحَابِهِمْ حَيْثُ أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ لِيَسْلَمُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَاعْتَقَدُوا خِلَافَهَا وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّاسُ جَمْعُ إِنْسَانٍ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ" (115-طه) وَقِيلَ: لِظُهُورِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ آنَسْتُ أَيْ أَبْصَرْتُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ {وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} أَيْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ} أَيْ يُخَالِفُونَ اللَّهَ وَأَصْلُ الْخَدْعِ فِي اللُّغَةِ الْإِخْفَاءُ وَمِنْهُ الْمَخْدَعُ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُخْفَى فِيهِ الْمَتَاعُ فَالْمُخَادِعُ يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ وَالْخَدْعُ مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (182-النِّسَاءِ) أَيْ يُظْهِرُ لَهُمْ وَيُعَجِّلُ لَهُمْ مِنَ النَّعِيمِ فِي الدُّنْيَا خِلَافَ مَا يَغِيبُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: أَصْلُ الْخَدْعِ: الْفَسَادُ، مَعْنَاهُ يُفْسِدُونَ مَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا أَضْمَرُوا مِنَ الْكُفْرِ. وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أَيْ: يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ نَعِيمَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِمَا يُصَيِّرُهُمْ إِلَيْهِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} وَالْمُفَاعَلَةُ لِلْمُشَارَكَةِ وَقَدْ جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْمُخَادَعَةِ؟ قِيلَ: قَدْ تَرِدُ الْمُفَاعَلَةُ لَا عَلَى مَعْنَى الْمُشَارِكَةِ كَقَوْلِكَ عَافَاكَ اللَّهُ وَعَاقَبْتُ فُلَانًا، وَطَارَقْتُ النَّعْلَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يُخَادِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ" (57-الْأَحْزَابِ) أَيْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَقِيلَ: ذِكْرُ اللَّهِ هَاهُنَا تَحْسِينٌ وَالْقَصْدُ بِالْمُخَادَعَةِ الَّذِينَ آمَنُوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ" (41-الْأَنْفَالِ) وَقِيلَ مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ مَا هُوَ خِدَاعٌ فِي دِينِهِمْ {وَالَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ وَيُخَادِعُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ إِذَا رَأَوْهُمْ آمَنَّا

_ (1) انظر: الطبري: 1 / 269، تفسير ابن كثير: 1 / 48.

11

وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. {وَمَا يَخْدَعُونَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَبُو عمرو وما يخدعون كَالْحَرْفِ الْأَوَّلِ وَجَعَلُوهُ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْوَاحِدِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: وَمَا يَخْدَعُونَ عَلَى الْأَصْلِ. {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} لِأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ رَاجِعٌ إِلَيْهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْلِعُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِفَاقِهِمْ فَيُفْتَضَحُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْتَوْجِبُونَ الْعِقَابَ فِي الْعُقْبَى {وَمَا يَشْعُرُونَ} أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَخْدَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَنَّ وَبَالَ خِدَاعِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شَكٌّ وَنِفَاقٌ وَأَصْلُ الْمَرَضِ الضَّعْفُ. وَسُمِّيَ الشَّكُّ فِي الدِّينِ مَرَضًا لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الدِّينَ كَالْمَرَضِ يُضْعِفُ الْبَدَنَ. {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} لِأَنَّ الْآيَاتِ كَانَتْ تَنْزِلُ تَتْرَى، آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كُلَّمَا كَفَرُوا بِآيَةٍ ازْدَادُوا كُفْرًا وَنِفَاقًا وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى "وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ" (125-التَّوْبَةِ) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ فَزَادَهُمْ بِالْإِمَالَةِ وَزَادَ حَمْزَةُ إِمَالَةَ زَادَ حَيْثُ وَقَعَ وَزَاغَ وَخَابَ وَطَابَ وَحَاقَ وَضَاقَ، وَالْآخَرُونَ لَا يُمِيلُونَهَا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مُؤْلِمٌ يَخْلُصُ وَجَعُهُ إِلَى قُلُوبِهِمْ {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} مَا لِلْمَصْدَرِ أَيْ بِتَكْذِيبِهِمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي السِّرِّ. وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ يَكْذِبُونَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ بِكَذِبِهِمْ {إِذْ} (1) قَالُوا آمَنَّا وَهُمْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) } {وَإِذَا قِيلَ} قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: "قِيلَ" وَ"غِيضَ" وَ"جِيءَ" وَ"حِيلَ" وَ"سِيقَ" وَ"سِيئَتْ" بِرَوْمِ أَوَائِلِهِنَّ الضَّمَّ -وَوَافَقَ ابْنَ عَامِرٍ فِي "سِيقَ" وَ"حِيلَ" وَ"سِيءَ" وَ"سِيئَتْ" -وَوَافَقَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي: سِيءَ وَسِيئَتْ لِأَنَّ أَصْلَهَا قُوِلَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الْوَاوِ، مِثْلَ قُتِلَ =وَكَذَلِكَ فِي أَخَوَاتِهِ فَأُشِيرَ إِلَى الضَّمَّةِ لِتَكُونَ دَالَّةً عَلَى الْوَاوِ الْمُنْقَلِبَةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ، اسْتَثْقَلُوا الْحَرَكَةَ عَلَى الْوَاوِ فَنَقَلُوا كَسْرَتَهَا إِلَى فَاءِ الْفِعْلِ وَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرَةِ ما قبلها 7/أ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} يَعْنِي لِلْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ لِلْيَهُودِ أَيْ قَالَ لَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} بِالْكُفْرِ وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَكْفُرُوا، وَالْكُفْرُ أَشَدُّ فَسَادًا فِي الدِّينِ {قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ كَذِبًا كَقَوْلِهِمْ آمَنَّا وَهُمْ كَاذِبُونَ {أَلَا} كَلِمَةُ تَنْبِيهٍ يُنَبَّهُ بِهَا الْمُخَاطَبُ {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَالنَّاسَ بِالتَّعْوِيقِ عَنِ الْإِيمَانِ {وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مُفْسِدُونَ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ إِبِطَانِ الْكُفْرِ صَلَاحٌ. وَقِيلَ: لَا يَعْلَمُونَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ.

_ (1) في الأصل إذا.

14

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أَيْ لِلْمُنَافِقِينَ وَقِيلَ لِلْيَهُودِ {آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَقِيلَ كَمَا آمَنَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} أَيِ الْجُهَّالُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ النِّفَاقُ مَعَ (الْمُجَاهَرَةِ) (1) بِقَوْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يُظْهِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} أَنَّهُمْ كَذَلِكَ فَالسَّفِيهُ خَفِيفُ الْعَقْلِ رَقِيقُ الْحِلْمِ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ أَيْ رَقِيقٌ وَقِيلَ السَّفِيهُ الْكَذَّابُ الَّذِي يَتَعَمَّدُ {الْكَذِبَ} (2) بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُ. قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ {السُّفَهَاءُ أَلَا} بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَكَذَلِكَ كَلُّ هَمْزَتَيْنِ وَقَعَتَا فِي كَلِمَتَيْنِ اتَّفَقَتَا أَوِ اخْتَلَفَتَا وَالْآخَرُونَ يُحَقِّقُونَ الْأُولَى وَيَلِينُونَ الثَّانِيَةَ فِي الْمُخْتَلِفَتَيْنِ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ فَإِنْ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ مِثْلَ: هَؤُلَاءِ، وَأَوْلِيَاءِ، وَأُولَئِكَ، وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ -قَرَأَهَا أَبُو عَمْرٍو وَالْبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَوَرْشٌ وَالْقَوَّاشُ وَيَعْقُوبُ بِتَحْقِيقِ الْأُولَى وَتَلْيِينِ الثَّانِيَةِ وَقَرَأَ قَالُونُ بِتَلْيِينِ الْأُولَى وَتَحْقِيقِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ مَا يُسْتَأْنَفُ أَوْلَى بِالْهَمْزَةِ مِمَّا يُسْكَتُ عَلَيْهِ. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }

_ (1) في الأصل: المهاجرة. (2) زيادة من ب.

17

{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18) } {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ إِذَا لَقُوا الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ {قَالُوا آمَنَّا} كَإِيمَانِكُمْ {وَإِذَا خَلَوْا} رَجَعُوا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْخَلْوَةِ {إِلَى} بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِشَيَاطِينِهِمْ وَقِيلَ: إِلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا قَالَ (اللَّهُ تَعَالَى) (1) "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ" (2-النِّسَاءِ) أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ "شَيَاطِينِهِمْ" أَيْ رُؤَسَائِهِمْ وَكَهَنَتِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَهُمْ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ بِالْمَدِينَةِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي بَنِي أَسْلَمَ وَعَبْدُ الدَّارِ فِي جُهَيْنَةَ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ فِي بَنِي أَسَدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّوْدَاءِ بِالشَّامِ. وَلَا يَكُونُ كَاهِنٌ إِلَّا وَمَعَهُ شَيْطَانٌ تَابِعٌ لَهُ.

_ (1) زيادة من ب.

وَالشَّيْطَانُ: الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَصْلُهُ الْبُعْدُ، يُقَالُ بِئْرٌ شُطُونٌ أَيْ: بَعِيدَةُ الْعُمْقِ. سُمِّيَ الشَّيْطَانُ شَيْطَانًا لِامْتِدَادِهِ فِي الشَّرِّ وَبُعْدِهِ مِنَ الْخَيْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} أَيْ: عَلَى دِينِكُمْ {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا نُظْهِرُ مِنَ الْإِسْلَامِ. قَرَأَ أبو جعفر مستهزؤن ويستهزؤن وَقُلِ اسْتَهْزُوا وَلِيُطْفُوا وَلِيُوَاطُوا وَيَسْتَنْبُونَكَ وخاطين وخاطون ومتكن وَمُتَّكُونَ فَمَالُونَ وَالْمُنْشُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ فِيهِنَّ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أَيْ يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" (40-الشُّورَى) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يُفْتَحَ لَهُمْ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ سُدَّ عَنْهُمْ، وَرُدُّوا إِلَى النَّارِ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُضْرَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُورٌ يَمْشُونَ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِذَا وَصَلَ الْمُنَافِقُونَ إِلَيْهِ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَحِيَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ" (54-سَبَأٍ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ" الْآيَةَ (13-الْحَدِيدِ) وَقَالَ الْحَسَنُ مَعْنَاهُ اللَّهُ يُظْهِرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ {وَيَمُدُّهُمْ} يَتْرُكُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ وَالْمَدُّ وَالْإِمْدَادُ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ أَكْثَرُ مَا يَأْتِي فِي الشَّرِّ وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدِّ "وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا" (79-مَرْيَمَ) وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ "وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ" (6-الْإِسْرَاءِ) "وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ" (22-الطُّورِ) {فِي طُغْيَانِهِمْ} أَيْ فِي ضَلَالَتِهِمْ وَأَصْلُهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. وَمِنْهُ طَغَى الْمَاءُ {يَعْمَهُونَ} أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرِينَ {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} أَيِ اسْتَبْدَلُوا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أَيْ مَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ أَضَافَ الرِّبْحَ إِلَى التِّجَارَةِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَكُونُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رَبِحَ بَيْعُكَ وَخَسِرَتْ صَفْقَتُكَ {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ مُصِيبِينَ فِي تِجَارَتِهِمْ {مَثَلُهُمْ} شَبَهُهُمْ، وَقِيلَ: صِفَتُهُمْ. وَالْمَثَلُ: قَوْلٌ سَائِرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ يُعْرَفُ بِهِ مَعْنَى الشَّيْءِ وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْقُرْآنِ السَّبْعَةِ {كَمَثَلِ الَّذِي} يَعْنِي الَّذِينَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ. وَنَظِيرُهُ "وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (33-الزُّمَرِ) {اسْتَوْقَدَ} أَوْقَدَ {نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ} النَّارُ {مَا حَوْلَهُ} أَيْ حَوْلَ الْمُسْتَوْقَدِ. وَأَضَاءَ: لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ يُقَالُ أَضَاءَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ وَأَضَاءَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ هَاهُنَا مُتَعَدٍّ {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ. يَقُولُ: مَثَلُهُمْ فِي نِفَاقِهِمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فِي مَفَازَةٍ فَاسْتَدْفَأَ وَرَأَى مَا حَوْلَهُ فَاتَّقَى مِمَّا يَخَافُ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا طُفِيَتْ نَارُهُ فَبَقِيَ فِي ظُلْمَةٍ طَائِفًا مُتَحَيِّرًا فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُونَ بِإِظْهَارِ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ أَمِنُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَنَاكَحُوا الْمُؤْمِنِينَ وَوَارَثُوهُمْ وَقَاسَمُوهُمُ الْغَنَائِمَ فَذَلِكَ نُورُهُمْ فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ وَالْخَوْفِ. وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ فِي الْقَبْرِ. وَقِيلَ: فِي الْقِيَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ لِلَّذِينِ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ. وَقِيلَ: ذَهَابُ نُورِهِمْ بِإِظْهَارِ عَقِيدَتِهِمْ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ النَّارَ مَثَلًا ثُمَّ لَمْ يَقُلْ

19

أَطْفَأَ اللَّهُ نَارَهُمْ لَكِنْ عَبَّرَ بِإِذْهَابِ النُّورِ عَنْهُ لِأَنَّ النُّورَ نُورٌ وَحَرَارَةٌ فَيَذْهَبُ نُورُهُمْ وَتَبْقَى الْحَرَارَةُ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِضَاءَةُ النَّارِ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْهُدَى وَذَهَابُ نُورِهِمْ إِقْبَالُهُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَالضَّلَالَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ. وَانْتِظَارِهِمْ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتِفْتَاحِهِمْ بِهِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ ثُمَّ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فَقَالَ: {صُمٌّ} أَيْ هُمْ صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقْبَلُونَهُ وَإِذَا لَمْ يَقْبَلُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا {بُكْمٌ} خُرْسٌ عَنِ الْحَقِّ لَا يَقُولُونَهُ أَوْ أَنَّهُمْ لَمَّا أَبْطَنُوا خِلَافَ مَا أَظْهَرُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بِالْحَقِّ {عُمْيٌ} أَيْ لَا بَصَائِرَ لَهُمْ وَمَنْ لَا بَصِيرَةَ لَهُ كَمَنْ لَا بَصَرَ لَهُ {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} عَنِ الضَّلَالَةِ إِلَى الْحَقِّ. {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } {أَوْ كَصَيِّبٍ} أَيْ كَأَصْحَابِ صَيِّبٍ وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ بِمَعْنًى آخَرَ إِنْ شِئْتَ مَثِّلْهُمْ بِالْمُسْتَوْقَدِ وَإِنْ شِئْتَ بِأَهْلِ الصيب وقيل 7/ب أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ يُرِيدُ وَكَصَيِّبٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَوْ يَزِيدُونَ" بِمَعْنَى وَيَزِيدُونَ وَالصَّيِّبُ الْمَطَرُ وَكُلُّ مَا نَزَلْ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ فَهُوَ صَيِّبٌ =فَعِيلٌ مِنْ صَابَ يَصُوبُ أَيْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ أَيْ مِنَ السَّحَابِ قِيلَ هِيَ السَّمَاءُ بِعَيْنِهَا وَالسَّمَاءُ كُلُّ مَا عَلَاكَ فَأَظَلَّكَ وَهِيَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا {فِيهِ} أَيْ فِي الصَّيِّبِ وَقِيلَ فِي السَّمَاءِ أَيْ مِنَ السَّحَابِ وَلِذَلِكَ ذَكَّرَهُ وَقِيلَ السَّمَاءُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ" (18-الْمُزَّمِّلِ) وَقَالَ "إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ" (1-الِانْفِطَارِ) {ظُلُمَاتٌ} جَمْعُ ظُلْمَةٍ {وَرَعْدٌ} الصَّوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَّحَابِ {وَبَرْقٌ} النَّارُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ. قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ: الرَّعْدُ اسْمُ مَلَكٍ يَسُوقُ السَّحَابَ وَالْبَرْقُ لَمَعَانُ سَوْطٍ مِنْ نُورٍ يَزْجُرُ بِهِ الْمَلَكُ السَّحَابَ. وَقِيلَ الصَّوْتُ زَجْرُ السَّحَابِ وَقِيلَ تَسْبِيحُ الْمَلَكِ. وَقِيلَ الرَّعْدُ نُطْقُ الْمَلَكِ وَالْبَرْقُ ضَحِكُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ الرَّعْدُ اسْمُ الْمَلَكِ وَيُقَالُ لِصَوْتِهِ أَيْضًا رَعْدٌ (1) وَالْبَرْقُ

_ (1) الأخبار التي ذكرت لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطي في الدر المنثور وإنما ذكر بعضها القرطبي وأكثرها لا يخلو من مقال كما في تعليق الأستاذ محمود شاكر على الطبري عند تفسير قوله تعالى (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) الآية تفسير الطبري: وما دام لم يرد دليل على ما ذكر فيتوقف في ذلك لأن هذه الظواهر الكونية وما بعدها مرتبطة بنواميس وسنن صار بعضها مفسرا عند علماء هذا المجال. وانظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد بن محمد أبو شهبة ص 414-417.

مَصَعَ (1) مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: الرَّعْدُ مَلَكٌ يُزْجِي السَّحَابَ فَإِذَا تَبَدَّدَتْ ضَمَّهَا فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ طَارَتْ مِنْ فِيهِ النَّارُ فَهِيَ الصَّوَاعِقُ، وَقِيلَ الرَّعْدُ صَوْتُ انْحِرَافِ الرِّيحِ بَيْنَ السَّحَابِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} جَمْعُ صَاعِقَةٍ وَهِيَ الصَّيْحَةُ الَّتِي يَمُوتُ مَنْ يَسْمَعُهَا أَوْ يُغْشَى عَلَيْهِ. وَيُقَالُ لِكُلِّ عَذَابٍ مُهْلِكٍ: صَاعِقَةٌ، وَقِيلَ الصَّاعِقَةُ قِطْعَةُ عَذَابٍ يُنْزِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يَشَاءُ. رُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ" (2) . قَوْلُهُ {حَذَرَ الْمَوْتِ} أَيْ مَخَافَةَ الْهَلَاكِ {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} أَيْ عَالِمٌ بِهِمْ وَقِيلَ جَامِعُهُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يجمعهم فيعذبهم. وقيلك مُهْلِكُهُمْ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ" (66-يُوسُفَ) أَيْ تُهْلَكُوا جَمِيعًا. وَيُمِيلُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْكَافِرِينَ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ وَالْخَفْضِ وَلَا يُمِيلَانِ: "أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ" (41-الْبَقَرَةِ) . {يَكَادُ الْبَرْقُ} أَيْ يَقْرُبُ، يُقَالُ: كَادَ يَفْعَلُ إِذَا قَرُبَ وَلَمْ يَفْعَلْ {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يَخْتَلِسُهَا وَالْخَطْفُ اسْتِلَابٌ بِسُرْعَةٍ {كُلَّمَا} حَرْفٌ جُمْلَةً ضُمَّ إِلَى مَا الْجَزَاءِ فَصَارَ أَدَاةً لِلتَّكْرَارِ وَمَعْنَاهُمَا مَتَى مَا {أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أَيْ وَقَفُوا مُتَحَيِّرِينَ، فَاللَّهُ تَعَالَى شَبَّهَهُمْ فِي كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ بِقَوْمٍ كَانُوا فِي مَفَازَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِيهِ ظُلُمَاتٌ مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ السَّارِيَ {لَا يُمْكِنُهُ} (3) الْمَشْيُ فِيهَا، وَرَعْدٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَضُمَّ السَّامِعُونَ أَصَابِعَهُمْ إِلَى آذَانِهِمْ مِنْ هَوْلِهِ، وَبَرْقٌ مِنْ صِفَتِهِ أَنْ يَقْرُبَ مِنْ أَنْ يَخْطِفَ أَبْصَارَهُمْ وَيُعْمِيَهَا مِنْ شِدَّةِ تَوَقُّدِهِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ وَصَنِيعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعَهُ، فَالْمَطَرُ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُ حَيَاةُ الْجِنَانِ كَمَا أَنَّ الْمَطَرَ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ، وَالظُّلُمَاتُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَالرَّعْدُ مَا خُوِّفُوا بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ، وَذِكْرِ النَّارِ وَالْبَرْقُ مَا فِيهِ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَالْوَعْدِ وَذِكْرِ الْجَنَّةِ.

_ (1) في النهاية لابن الأثير - وقد نقل كلام مجاهد، أي يضرب السحاب ضربة فيرى البرق يلمع. النهاية في غريب الحديث والأثر: 4 / 337. (2) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ما يقول إذا سمع الرعد، برقم (3514) : 9 / 412 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأحمد: 2 / 100، والبخاري في الأدب المفرد ص 212، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (298) والدولابي في الكنى: 2 / 117، كلهم من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي مطر عن سالم ... وأبو مطر: لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد صححه الحاكم: 2 / 286 ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة. (ص 518) وانظر: شرح السنة: 4 / 393 تعليق الأستاذ الأرناؤوط، والكلم الطيب بتخريج الألباني ص (88) . (3) في الأصل: لا يمكنها.

21

وَالْكَافِرُونَ يَسُدُّونَ آذَانَهُمْ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَخَافَةَ مَيْلِ الْقَلْبِ إِلَيْهِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ كُفْرٌ وَالْكُفْرُ مَوْتٌ {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أَيِ الْقُرْآنُ يَبْهَرُ قُلُوبَهُمْ. وَقِيلَ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ فَالْمَطَرُ الْإِسْلَامُ وَالظُّلُمَاتُ مَا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ، وَالرَّعْدُ: مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الْآخِرَةِ، وَالْبَرْقُ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} يَعْنِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْإِسْلَامِ بَلَاءً وَشِدَّةً هَرَبُوا حَذَرًا مِنَ الْهَلَاكِ {وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} جَامِعُهُمْ يَعْنِي لَا يَنْفَعُهُمْ هَرَبُهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مِنْ وَرَائِهِمْ يَجْمَعُهُمْ فَيُعَذِّبُهُمْ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَعْنِي دَلَائِلَ الْإِسْلَامِ تُزْعِجُهُمْ إِلَى النَّظَرِ لَوْلَا مَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ الشَّقَاوَةِ. {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} يَعْنِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ إِذَا أَظْهَرُوا كَلِمَةَ الْإِيمَانِ آمَنُوا فَإِذَا مَاتُوا عَادُوا إِلَى الظُّلْمَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ كُلَّمَا نَالُوا غَنِيمَةً وَرَاحَةً فِي الْإِسْلَامِ ثَبَتُوا وَقَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} يَعْنِي رَأَوْا شِدَّةً وَبَلَاءً تَأَخَّرُوا وَقَامُوا أَيْ وَقَفُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ" (11-الْحَجِّ) {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ} أَيْ بِأَسْمَاعِهِمْ {وَأَبْصَارِهِمْ} الظَّاهِرَةِ كَمَا ذَهَبَ بِأَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمُ الْبَاطِنَةِ، وَقِيلَ لَذَهَبَ بِمَا اسْتَفَادُوا مِنَ الْعِزِّ وَالْأَمَانِ الَّذِي لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قَادِرٌ. قَرَأَ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ شَاءَ وَجَاءَ حَيْثُ كَانَ بِالْإِمَالَةِ. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدِّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) } قَوْلُهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ خِطَابُ أَهَّلِ مَكَّةَ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خِطَابُ أَهَّلِ الْمَدِينَةِ (1) وَهُوَ هَاهُنَا عَامٌّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الصِّغَارُ وَالْمَجَانِينُ. {اعْبُدُوا} وَحِّدُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْعِبَادَةِ فَمَعْنَاهَا التَّوْحِيدُ {رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} وَالْخَلْقُ: اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أَيْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لِكَيْ تَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ كُونُوا عَلَى رَجَاءِ التَّقْوَى بِأَنْ

_ (1) انظر: الكافي الشاف: لابن حجر (ص5) .

تَصِيرُوا فِي سَتْرٍ وَوِقَايَةٍ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِكُمْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ كَمَا قَالَ "فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (44-طه) أَيِ ادْعُوَاهُ إِلَى الْحَقِّ وَكُونَا عَلَى رَجَاءِ التَّذَكُّرِ، وَحُكْمُ اللَّهِ مِنْ وَرَائِهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَعَلَّ وَعَسَى حَرْفَا تَرَجٍّ وَهُمَا مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} أَيْ بِسَاطًا وَقِيلَ مَنَامًا وَقِيلَ وِطَاءً أَيْ ذَلَّلَهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا حَزْنَةً لَا يُمْكِنُ الْقَرَارُ عَلَيْهَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ ذَنْبٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ" قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ عَظِيمٌ. ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ". قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" (1) وَالْجَعْلُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْخَلْقِ {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} وَسَقْفًا مَرْفُوعًا. {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} أَيْ مِنَ السَّحَابِ {مَاءً} الْمَطَرَ {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} أَلْوَانَ الثَّمَرَاتِ وَأَنْوَاعَ النَّبَاتِ {رِزْقًا لَكُمْ} طَعَامًا لَكُمْ وَعَلَفًا لِدَوَابِّكُمْ {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} أَيْ أَمْثَالًا تَعْبُدُونَهُمْ كَعِبَادَةِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: النِّدُّ الضِّدُّ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ وَاللَّهُ تَعَالَى بَرِيءٌ مِنَ الْمِثْلِ وَالضِّدِّ. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّهُ وَاحِدٌ خَالِقُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} أَيْ {وَإِنْ} (2) كُنْتُمْ فِي شَكٍّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ شَاكُّونَ {مِمَّا نَزَّلْنَا} يَعْنِي الْقُرْآنَ {عَلَى عَبْدِنَا} مُحَمَّدٍ {فَأْتُوا} أَمْرُ تَعْجِيزٍ {بِسُورَةٍ} وَالسُّورَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ مِنْ أَسْأَرْتُ أَيْ أَفْضَلْتُ، حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ، وَقِيلَ: السُّورَةُ اسْمٌ للمنزلة الرفيعة 8/أوَمِنْهُ سُورُ الْبِنَاءِ لِارْتِفَاعِهِ سُمِّيَتْ سُورَةً لِأَنَّ الْقَارِئَ يَنَالُ بِقِرَاءَتِهَا مَنْزِلَةً رَفِيعَةً حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الْمَنَازِلَ بِاسْتِكْمَالِهِ سُوَرَ الْقُرْآنِ {مِنْ مِثْلِهِ} أَيْ مِثْلِ الْقُرْآنِ "وَمِنْ" صِلَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} (30-النُّورِ) وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي مَثَلِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي: مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيٌّ لَا يُحْسِنُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَةَ [قَالَ مَحْمُودٌ هَاهُنَا مِنْ مِثْلِهِ دُونَ سَائِرِ السُّوَرِ، لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَهَذِهِ السُّورَةُ أَوَّلُ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فَأَدْخَلَ مِنْ لِيُعْلَمَ أَنَّ التَّحَدِّي وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَلَوْ أَدْخَلَ مِنْ فِي سَائِرِ السُّوَرِ كَانَ التَّحَدِّي وَاقِعًا عَلَى جَمِيعِ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَلَوْ أَدْخَلَ فِي سَائِرِ السُّوَرِ كَانَ التَّحَدِّي وَاقِعًا عَلَى بَعْضِ السُّوَرِ] (3) . {وَادْعُوَا شُهَدَاءَكُمْ} أَيْ وَاسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمُ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا {مِنْ دُونِ اللَّهِ} وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَاسًا يَشْهَدُونَ لَكُمْ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَلَمَّا تَحَدَّاهُمْ عَجَزُوا فَقَالَ {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} فِيمَا مَضَى {وَلَنْ تَفْعَلُوا} أَبَدًا فِيمَا بَقِيَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْإِعْجَازِ وَأَنَّ الْقُرْآنَ

_ (1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى "فلا تجعلوا لله أندادا" 13 / 491. ومسلم في الإيمان باب كون الشرك أقبح الذنب.. برقم (86) 1 / 90. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 82. (2) زيادة من "ب". (3) ساقط من المطبوع على هامش ابن كثير وغيره.

كَانَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ عَجَزُوا عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ. {فَاتَّقُوا النَّارَ} أَيْ فَآمِنُوا وَاتَّقُوا بِالْإِيمَانِ النَّارَ. {الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ يَعْنِي حِجَارَةَ الْكِبْرِيتِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ الْتِهَابًا، وَقِيلَ: جَمِيعُ الْحِجَارَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ تِلْكَ النَّارِ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهَا الْأَصْنَامَ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْنَامِهِمْ كَانَتْ مَنْحُوتَةً مِنَ الْحِجَارَةِ كَمَا قَالَ "إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ" (98-الْأَنْبِيَاءِ) {أُعِدَّتْ} هُيِّئَتْ {لِلْكَافِرِينَ}

25

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ أَخْبِرْ وَالْبِشَارَةُ كُلُّ خَبَرِ صِدْقٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَفِي الْخَيْرِ أَغْلَبُ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيِ الْفِعْلَاتِ الصَّالِحَاتِ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَاتِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيْ أَخْلَصُوا الْأَعْمَالَ كَمَا قَالَ "فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا" (110-الْكَهْفِ) أَيْ خَالِيًا مِنَ الرِّيَاءِ. قَالَ مُعَاذٌ: الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي فِيهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ. الْعِلْمُ، وَالنِّيَّةُ، وَالصَّبْرُ، وَالْإِخْلَاصُ. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} جَمْعُ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ الْبُسْتَانُ الَّذِي فِيهِ أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ، سُمِّيَتْ بِهَا لِاجْتِنَانِهَا وَتَسَتُّرِهَا بِالْأَشْجَارِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَنَّةُ مَا فِيهِ النَّخِيلُ، وَالْفِرْدَوْسُ مَا فِيهِ الْكَرْمُ. {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} أَيْ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَمَسَاكِنِهَا {الْأَنْهَارُ} أَيِ الْمِيَاهُ فِي الْأَنْهَارِ لِأَنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي وَقِيلَ {مِنْ تَحْتِهَا} أَيْ بِأَمْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ "وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي" (51-الزُّخْرُفِ) أَيْ بِأَمْرِي وَالْأَنْهَارُ جَمْعُ نَهْرٍ سُمِّيَ بِهِ لِسِعَتِهِ وَضِيَائِهِ. وَمِنْهُ النَّهَارُ. وَفِي الْحَدِيثِ "أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ" (1) {كُلَّمَا} مَتَى مَا {رُزِقُوا} أُطْعِمُوا {مِنْهَا} أَيْ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ ثَمَرَةٍ أَيُّ ثَمَرَةً وَ {مِنْ} صِلَةٌ {رِزْقًا} طَعَامًا {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} وَقَبْلُ رَفْعٌ عَلَى الْغَايَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ" (4-الرُّومِ) قِيلَ: مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا وَقِيلَ: الثِّمَارُ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهَةٌ فِي اللَّوْنِ، مُخْتَلِفَةٌ فِي الطَّعْمِ، فَإِذَا رُزِقُوا ثَمَرَةً بَعْدَ أُخْرَى ظَنُّوا أَنَّهَا الْأُولَى {وَأُتُوا بِهِ} بِالرِّزْقِ {مُتَشَابِهًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ: مُتَشَابِهًا فِي الْأَلْوَانِ، مُخْتَلِفًا فِي الطُّعُومِ. وَقَالَ الْحَسَنُ

_ (1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 96، وهناد في الزهد: 1 / 171، والطبري في التفسير: 1 / 384. والمروزي في زوائد الزهد ص (524) وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ البيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود انظر: الدر المنثور: 1 / 94، تفسير ابن كثير: 4 / 177، والفتح السماوي 1 / 148.

وَقَتَادَةُ: مُتَشَابِهًا. أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْجَوْدَةِ، أَيْ كُلُّهَا خِيَارٌ لَا رَذَالَةَ فِيهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا غَيْرَ أَنَّهَا أَطْيَبُ. وَقِيلَ مُتَشَابِهًا فِي الِاسْمِ مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ. قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسَامِي. أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، يُلْهَمُونَ الْحَمْدَ وَالتَّسْبِيحَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ، طَعَامُهُمُ الْجُشَاءُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ" (1) قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَهُمْ فِيهَا} فِي الْجِنَانِ {أَزْوَاجٌ} نِسَاءٌ وَجِوَارِي يَعْنِي مِنَ الْحُورِ الْعِينِ {مُطَهَّرَةٌ} مِنَ الْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالْبُصَاقِ، وَالْمُخَاطِ وَالْمَنِيِّ، وَالْوَلَدِ، وَكُلُّ قَذَرٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فِي الْجَنَّةِ جِمَاعٌ مَا شِئْتَ وَلَا وَلَدَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُنَّ عَجَائِزُكُمُ الْغُمْصُ الْعُمْشُ طُهِّرْنَ مِنْ قَذَرَاتِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مُطَهَّرَةٌ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دَائِمُونَ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا. أَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ (2) وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ" (3) . أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا فُضَيْلٌ هُوَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُورَةُ وُجُوهِهِمْ مِثْلُ صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى لَوْنِ أَحْسَنِ الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يرى مخ سوقهم دُونَ لُحُومِهَا وَدِمَائِهَا وَحُلَلِهَا" (4) .

_ (1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها برقم (2835) 4 / 2180. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 212. (2) أي بخورهم العود غير مطراة / النهاية 1 / 63. (3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: 6 / 318، ومسلم في الجنة وصفة أهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة، برقم (2834) : 4 / 2178 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 211. (4) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة: 7 / 239-241، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعطية العوفي ضعيف، وبقية رجاله ثقات. انظر ميزان الاعتدال 3 / 79 وذكره الهيثمي عن ابن مسعود وأبي سعيد وقال: رواه الترمذي باختصار، ورواه الطبراني في الأوسط وإسناد ابن مسعود صحيح، وفي إسناد أبي سعيد: عطية، والأكثر على تضعيفه، وروى البزار حديث ابن مسعود فقط. مجمع الزوائد: 10 / 411-412. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 212.

أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ الْمَرْوَزِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَتَاجُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (1) [صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حُمَيْدٍ] (2) . أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ الْحِمْصِيُّ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ عَنِ الضَّحَّاكِ الْمَعَافِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا هَلْ مِنْ مُشَمِّرٍ لِلْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا وَهِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ وَمَقَامُ أَبَدٍ في دار 8/ب سَلِيمَةٍ وَفَاكِهَةٌ خَضِرَةٌ، وَحِبَرَةٌ، وَنِعْمَةٌ فِي مَحَلَّةٍ عَالِيَةٍ بَهِيَّةٍ" قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا قَالَ: "قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ" قَالَ الْقَوْمُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ (3) وَرَوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كُحْلٌ لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ وَلَا تَبْلَى ثِيَابُهُمْ" (4) . أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ ابن يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا لَيْسَ فِيهَا بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا

_ (1) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد، مجمع الزوائد: 10 / 418. (2) زيادة من ب. (3) أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب صفة الجنة برقم (4332) : 2 / 1448، وصححه ابن حبان في صفة الجنة (651) من موارد الظمآن. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 223 وقال محققه: الضحاك المعافري: لم يوثقه غير ابن حبان، وشيخه سليمان بن موسى الأموي الدمشقي مختلف فيه. (4) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده حسن، ورواه أحمد عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن أنس، وإسناده جيد. وفي الصحيح بعضه. مجمع الزوائد: 10 / 398-399.

26

اشْتَهَى الرَّجُلَ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا، إِنَّ فِيهَا لِمُجْتَمَعِ الْحُورِ الْعِينِ يُنَادِينَ، بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مَثَلَهُ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ أَبَدًا، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ أَبَدًا، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أَبَدًا، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ أَوْ نَحْنُ لَهُ" (1) وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ هَنَّادٍ وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنْ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمْعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُهُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَيَقُولُونَ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا" (2) . {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ" (73-الْحَجِّ) وَقَالَ: "مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا" (41-الْعَنْكَبُوتِ) قَالَتِ الْيَهُودُ: مَا أَرَادَ اللَّهُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ (3) ؟ وَقِيلَ: قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّا لَا نَعْبُدُ إِلَهَا يَذْكُرُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي} (4) أَيْ لَا يَتْرُكُ وَلَا يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} يَذْكُرُ شَبَهًا، {مَا بَعُوضَةً} مَا: صِلَةٌ، أَيْ مَثَلًا بِالْبَعُوضَةِ، وبعوضة نَصْبُ بَدَلٍ عَنِ الْمَثَلِ.

_ (1) أخرجه أحمد مرفوعا: 1 / 156 عن علي، والترمذي مختصرا في صفة الجنة باب ما جاء في سوق الجنة: 7 / 264 وقال: هذا حديث حسن غريب. وهناد في الزهد: 1 / 92 وابن أبي شيبة: 13 / 100. وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي: قال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث، وقال يحيى: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف من السابعة. (تقريب) . وضعفه المنذري، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (فيض القدير للمناوي: 2 / 468) وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 226. (2) رواه مسلم في الجنة، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم، برقم (2833) : 4 / 2178 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 227 وقال هذا حديث صحيح. (3) انظر: الطبري: 1 / 400، أسباب النزول للواحدي ص (59) ، الوسيط للواحدي: 1 / 64. (4) المرجع السابق.

27

وَالْبَعُوضُ صِغَارُ الْبَقِّ سُمِّيَتْ بَعُوضَةً كَأَنَّهَا بَعْضُ الْبَقِّ {فَمَا فَوْقَهَا} يَعْنِي الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَيْ فَمَا دُونَهَا كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ جَاهِلٌ فَيُقَالُ وَفَوْقَ ذَلِكَ أَيْ وَأَجْهَلُ {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} يَعْنِي: الْمَثَلُ هُوَ {الْحَقُّ} الصِّدْقُ {مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} أَيْ بِهَذَا الْمَثَلِ فَلَمَّا حَذَفَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ نَصَبَهُ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ ثُمَّ أَجَابَهُمْ فَقَالَ {يُضِلُّ بِهِ} أَيْ بِهَذَا الْمَثَلِ {كَثِيرًا} الْكَفَّارَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ فَيَزْدَادُونَ ضَلَالًا {وَيَهْدِي بِهِ} أَيْ بِهَذَا الْمَثَلِ {كَثِيرًا} الْمُؤْمِنِينَ فَيُصَدِّقُونَهُ، وَالْإِضْلَالُ: هُوَ الصَّرْفُ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ. وَقِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ يُقَالُ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا هَلَكَ {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} الْكَافِرِينَ وَأَصْلُ الْفِسْقَ الْخُرُوجُ يُقَالُ فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" (50-الْكَهْفِ) أَيْ خَرَجَ ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } فَقَالَ {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ} يُخَالِفُونَ وَيَتْرُكُونَ وَأَصْلُ النَّقْضِ الْكَسْرُ {عَهْدَ اللَّهِ} أَمْرُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ بِقَوْلِهِ: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى" (173-الْأَعْرَافِ) وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ" (81-آلِ عِمْرَانَ) الْآيَةَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَهْدَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُبَيِّنُوا نَعْتَهُ {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} تَوْكِيدِهِ. وَالْمِيثَاقُ: الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} يَعْنِي الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِجَمِيعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ "لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" (285-الْبَقَرَةِ) وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْأَرْحَامَ {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بِالْمَعَاصِي وَتَعْوِيقِ النَّاسِ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الْمَغْبُونُونَ، ثُمَّ قَالَ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} بَعْدَ نَصْبِ الدَّلَائِلِ وَوُضُوحِ الْبَرَاهِينِ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلَائِلَ فَقَالَ {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ {فَأَحْيَاكُمْ} فِي الْأَرْحَامِ وَالدُّنْيَا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عِنْدَ انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} لِلْبَعْثِ {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أَيْ تُرَدُّونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ.

قَرَأَ يَعْقُوبُ "تَرْجِعُونَ" فِي كُلِّ الْقُرْآنِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّاءِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} لِكَيْ تَعْتَبِرُوا وَتَسْتَدِلُّوا وَقِيلَ لِكَيْ تَنْتَفِعُوا {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَكْثَرُ مُفَسِّرِي السَّلَفِ: أَيِ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالْفَرَّاءُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: أَيْ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: قَصَدَ لِأَنَّهُ خَلَقَ الْأَرْضَ أَوَّلًا ثُمَّ عَمَدَ إِلَى خَلْقِ السَّمَاءِ {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} خَلَقَهُنَّ مُسْتَوَيَاتٍ لَا فُطُورَ فِيهَا وَلَا صَدْعَ {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ وَقَالُونُ وَهْوَ وَهْيَ بِسُكُونِ الْهَاءِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْهَاءِ وَاوٌ أَوْ فَاءٌ أَوْ لَامٌ، زَادَ الْكِسَائِيُّ وَقَالُونُ: ثُمَّ هْوَ وَقَالُونُ "أَنْ يُمِلَّ هْوَ" (282-الْبَقَرَةِ) .

30

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} أَيْ وَقَالَ رَبُّكَ وَإِذْ زَائِدَةٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ رَبُّكَ وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَذَا سَبِيلُهُ وَإِذْ وَإِذَا حَرْفَا تَوْقِيتٍ إِلَّا أَنَّ إِذْ لِلْمَاضِي وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ وَقَدْ يُوضَعُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ قَالَ الْمُبَرِّدُ: إِذَا جَاءَ {إِذْ} مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ" (30-الْأَنْفَالِ) يُرِيدُ وَإِذْ مَكَرُوا وَإِذَا جَاءَ {إِذَا} مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبَلًا كَقَوْلِهِ: "فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ" (34-النَّازِعَاتِ) "إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ" (1-النَّصْرِ) أَيْ يَجِيءُ {لِلْمَلَائِكَةِ} جَمْعُ مَلَكٍ وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الْمَأْلَكَةِ وَالْأَلُوكَةِ وَالْأُلُوكِ، وَهِيَ: الرِّسَالَةُ فَقُلِبَتْ فَقِيلَ مَلْأَكٌ ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللَّامِ فَقِيلَ مَلَكٌ. وَأَرَادَ بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْضِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ وَالْجِنَّ فَأَسْكَنَ الْمَلَائِكَةَ السَّمَاءَ وَأَسْكَنَ الْجِنَّ الْأَرْضَ فَغَبَرُوا فَعَبَدُوا دَهْرًا طَوِيلًا فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ فَأَفْسَدُوا وَقَتَلُوا فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ، وَهُمْ خُزَّانُ الْجِنَانِ اشْتَقَّ لَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ رَأَسَهُمْ إِبْلِيسَ وَكَانَ رَئِيسَهُمْ وَمُرْشِدَهُمْ وَأَكْثَرَهُمْ عِلْمًا فَهَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ فَطَرَدُوا الْجِنَّ إِلَى شُعُوبِ الْجِبَالِ (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) (1) وَجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَسَكَنُوا الْأَرْضَ وَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعِبَادَةَ فَأَعْطَى اللَّهُ إِبْلِيسَ مُلْكَ الْأَرْضِ، وَمُلْكَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَخِزَانَةَ الْجَنَّةِ وَكَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَارَةً فِي الْأَرْضِ وَتَارَةً فِي السَّمَاءِ وَتَارَةً فِي الْجَنَّةِ فَدَخَلَهُ الْعُجْبُ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا أَعْطَانِي اللَّهُ هَذَا الْمُلْكَ إِلَّا لِأَنِّي أَكْرَمُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ (2) فَقَالَ الله تعالى 9/ألَهُ وَلِجُنْدِهِ: {إِنِّي جَاعِلٌ}

_ (1) زيادة من ب. (2) ذكر ذلك أيضا الواحدي في التفسير: 1 / 74، وانظر تفسير ابن كثير: 1 / 131-133 و138-141، ففيه بعض الروايات، وقد ضعفها ابن كثير رحمه الله ونقل ذلك عنه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: 1 / 505.

31

خَالِقٌ. {فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أَيْ بَدَلًا مِنْكُمْ وَرَافِعُكُمْ إِلَيَّ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْوَنَ الْمَلَائِكَةِ عِبَادَةً. وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ هَاهُنَا آدَمُ سَمَّاهُ خَلِيفَةً لِأَنَّهُ خَلَفَ الْجِنَّ أَيْ جَاءَ بَعْدَهُمْ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ لِإِقَامَةِ أَحْكَامِهِ وَتَنْفِيذِ وَصَايَاهُ (1) {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} بِالْمَعَاصِي. {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} بِغَيْرِ حَقٍّ أَيْ كَمَا فَعَلَ بَنُو الْجَانِّ فَقَاسُوا الشَّاهِدَ عَلَى الْغَائِبِ وَإِلَّا فَهُمْ مَا كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} قَالَ الْحَسَنُ: نَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ وَهُوَ صَلَاةُ الْخَلْقِ {وَصَلَاةُ الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمَا} (2) سِوَى الْآدَمِيِّينَ وَعَلَيْهَا يُرْزَقُونَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ أَنَا وُهَيْبٌ أَنَا سَعِيدٌ الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَسْرِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ قَالَ: "مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ" (3) وَقِيلَ: وَنَحْنُ نُصَلِّي بِأَمْرِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّسْبِيحِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الصَّلَاةُ {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أَيْ نُثْنِي عَلَيْكَ بِالْقُدْسِ وَالطَّهَارَةِ وَقِيلَ: وَنُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لِطَاعَتِكَ وَقِيلَ: وَنُنَزِّهُكَ. وَاللَّامُ صِلَةٌ وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِرَاضِ وَالْعُجْبِ بِالْعَمَلِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ وَطَلَبِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ {قَالَ} اللَّهُ {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يُطِيعُنِي وَيَعْبُدُنِي مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ فِيكُمْ مَنْ يَعْصِينِي وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَقِيلَ إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يُذْنِبُونَ وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُمْ. قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ إِنِّيَ أَعْلَمُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ كَلُّ يَاءِ إِضَافَةٍ اسْتَقْبَلَهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعَ مَعْدُودَةٍ وَيَفْتَحُونَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ الْأَلِفِ الْمَضْمُومَةِ وَالْمَكْسُورَةِ (وَعِنْدَ غَيْرِ الْأَلِفِ) (4) وَبَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي تَفْصِيلِهِ اخْتِلَافٌ. {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} سُمِّيَ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ آدَمَ اللَّوْنِ

_ (1) ولابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة" 1 / 151 كلام مفيد وتفصيل رشيد حول خلافة الله في أرضه فليراجع لفائدته. (2) ساقط من الأصل. (3) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل سبحان الله وبحمده برقم (2731) : 4 / 2093 والترمذي في الدعوات، باب أي الكلام أحب إلى الله. 10 / 52 وقال هذا حديث حسن صحيح. (4) في ب لأجل ألف.

32

وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَأَبُو الْبَشَرِ فَلَمَّا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا شَاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا وَإِنْ كَانَ فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ لِأَنَّا خُلِقْنَا قَبْلَهُ وَرَأَيْنَا مَا لَمْ يَرَهُ. فَأَظْهَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ بِالْعِلْمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنْ كَانُوا رُسُلًا كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى الْقَصْعَةِ وَالْقُصَيْعَةِ وَقِيلَ: اسْمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ، وَقِيلَ: صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَ آدَمَ جَمِيعَ اللُّغَاتِ ثُمَّ تَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ بِلُغَةٍ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَاخْتَصَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ (1) . {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} إِنَّمَا قَالَ عَرَضَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ عَرَضَهَا لِأَنَّ الْمُسَمَّيَاتِ إِذَا جَمَعَتْ مَنْ يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ يُكَنَّى عَنْهَا بِلَفْظِ مَنْ يَعْقِلُ كَمَا يُكَنَّى عَنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِلَفْظِ الذُّكُورِ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ الْحَيَوَانَ وَالْجَمَادَ ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الشُّخُوصَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَالْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الشُّخُوصِ فَلِذَلِكَ قَالَ عَرَضَهُمْ {فَقَالَ أَنْبِئُونِي} أَخْبَرُونِي {بِأَسْمَاءٍ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فِي أَنِّي لَا أَخْلُقُ خَلْقًا إِلَّا وَكُنْتُمْ أَفْضَلَ وَأَعْلَمَ مِنْهُ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ إِقْرَارًا بِالْعَجْزِ: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) } {قَالُوا سُبْحَانَكَ} تَنْزِيهًا لَكَ {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} مَعْنَاهُ فَإِنَّكَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} بِخَلْقِكَ {الْحَكِيمُ} فِي أَمْرِكَ وَالْحَكِيمُ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي الْعَدْلُ وَالثَّانِي الْمُحْكِمُ لِلْأَمْرِ كَيْ لَا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ وَأَصْلُ الْحِكْمَةِ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ فَهِيَ تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنَ الْبَاطِلِ وَمِنْهُ حِكْمَةُ الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهَا مِنَ الِاعْوِجَاجِ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ {قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} أَخْبِرْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَسَمَّى آدَمُ كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ وَذَكَرَ الْحِكْمَةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَ {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} يَا مَلَائِكَتِي {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} مَا كَانَ مِنْهُمَا وَمَا يَكُونُ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ لَهُمْ {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (30-الْبَقَرَةِ) {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي قَوْلَهُمْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَوْلَكُمْ لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ خَلْقًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنَّا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُوَ أَنَّ إِبْلِيسَ مَرَّ عَلَى

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 1 / 485، الوسيط للواحدي: 1 / 77.

34

جَسَدِ آدَمَ وَهُوَ مُلْقًى بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ لَا رُوحَ فِيهِ فَقَالَ: لِأَمْرٍ مَا خُلِقَ هَذَا ثُمَّ دَخَلَ فِي فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَاسَكُ لِأَنَّهُ أَجْوَفُ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ أَرَأَيْتُمْ إِنْ فُضِّلَ هَذَا عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَاذَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: نُطِيعُ أَمْرَ رَبِّنَا، فَقَالَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ وَلَئِنْ سُلِّطَ عَلَيَّ لَأَعْصِيَنَّهُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} يَعْنِي مَا تُبْدِيهِ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الطَّاعَةِ {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} يَعْنِي إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ "لِلْمَلَائِكَةُ اسْجُدُوا" بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى جِوَارِ أَلِفِ اسْجُدُوا وَكَذَلِكَ قَرَأَ "قُلْ رَبُّ احْكُمْ بِالْحَقِّ" (112-الْأَنْبِيَاءِ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَضَعَّفَهُ النُّحَاةُ جِدًّا وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَلَطِ فِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ مَعَ أَيِّ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعَ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ مَعَ جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ" (30-الْحِجْرِ) وَقَوْلُهُ: {اسْجُدُوا} فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَصَحُّ أَنَّ السُّجُودَ كَانَ لِآدَمَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَتَضَمَّنَ مَعْنَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ سُجُودَ تَعْظِيمٍ وَتَحِيَّةٍ لَا سُجُودَ عِبَادَةٍ، كَسُجُودِ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا" (100-يُوسُفَ) وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَضْعُ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ، إِنَّمَا كَانَ الِانْحِنَاءُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَبْطَلَ ذَلِكَ بِالسَّلَامِ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ {اسْجُدُوا لَآدَمَ} أَيْ إِلَى آدَمَ فَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً، وَالسُّجُودُ لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا جُعِلَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. {فَسَجَدُوا} يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ {إِلَّا إِبْلِيسَ} وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ: الْحَارِثُ، فَلَمَّا عَصَى غُيِّرَ اسْمُهُ وَصُورَتُهُ فَقِيلَ: إِبْلِيسُ، لِأَنَّهُ أَبْلَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ يَئِسَ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ مِنَ الْجِنِّ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ"

(50-الْكَهْفِ) فَهُوَ أَصْلُ الْجِنِّ كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ، وَلِأَنَّهُ خُلِقَ مِنَ النَّارِ وَالْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَلِأَنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (1) لِأَنَّ خِطَابَ السُّجُودِ كَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُهُ "كَانَ مِنَ الْجِنِّ" أَيْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ: قَوْمٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَصُوغُونَ حُلِيَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّ فِرْقَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ سُمُّوا جِنًّا لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْأَعْيُنِ، وَإِبْلِيسُ كَانَ مِنْهُمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى "وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا" (158-الصَّافَّاتِ) وَهُوَ قولهم: الملائكة 9/ب بَنَاتُ اللَّهِ، وَلَمَّا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُعِلَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ. قَوْلُهُ: {أَبَى} أَيِ امْتَنَعَ فَلَمْ يَسْجُدْ {وَاسْتَكْبَرَ} أَيْ تَكَبَّرَ عَنِ السُّجُودِ {لِآدَمَ} (2) {وَكَانَ} أَيْ: صَارَ {مِنَ الْكَافِرِينَ} وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: وَكَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ وَجَبَتْ لَهُمُ الشَّقَاوَةُ. أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ التُّرَابِيُّ أنا ابن الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ أَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَنَا جَرِيرٌ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهْ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ" (3) قَوْلُهُ تَعَالَى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ مَنْ يُجَانِسُهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَخَلَقَ اللَّهُ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ مِنْ قُصَيْرَاءِ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ، وَسُمِّيَتْ حَوَّاءَ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ، خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَحَسَّ بِهِ آدَمُ وَلَا وَجَدَ لَهُ أَلَمًا، وَلَوْ وَجَدَ لَمَا عَطَفَ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ قَطُّ فَلَمَّا هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ رَآهَا جَالِسَةً عِنْدَ رَأْسِهِ (كَأَحْسَنِ مَا فِي) (4) خَلْقِ اللَّهِ فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ زَوْجَتُكَ خَلَقَنِي اللَّهُ لَكَ تَسْكُنُ إِلَيَّ وَأَسْكُنُ إِلَيْكَ (5) {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا} وَاسِعًا كَثِيرًا {حَيْثُ شِئْتُمَا} كَيْفَ شِئْتُمَا وَمَتَى شِئْتُمَا وَأَيْنَ شِئْتُمَا {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} يَعْنِي لِلْأَكْلِ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَعَ

_ (1) انظر الطبري: 1 / 502-508 والوسيط في تفسير القرآن للواحدي 1 / 82. (2) زيادة من ب. (3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم (133) 1 / 87 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 147. (4) في ب: كأحسن ما خلقها الله. (5) تذكر معظم كتب التفسير هذه القصة عند تفسير هذه الآية، ويقول أبو حيان في البحر المحيط: 1 / 156 "وفي هذه القصة زيادات ذكرها المفسرون، لا نطول بذكرها، لأنها ليست مما يتوقف عليها مدلول الآية ولا تفسيرها". ونلحظ أن هذه الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلمها وحجبها عنا، ليس بين أيدينا ما يدل عليها من النصوص الصحيحة.. فأين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم ذلك؟ وكيف أجابوه؟ وكيف تم خلق حواء؟ .. إلخ.. إلخ هذا كله يحتاج إلى نص ثابت. وغالب ما يروى من آثار حولها لا يخلو من مقال أو هو من الإسرائيليات، فحسبنا ما جاءت به النصوص، ونكل علم ما رآها إلى الله سبحانه. وانظر: في ظلال القرآن: 1 / 59.

النَّهْيُ عَلَى جِنْسٍ مِنَ الشَّجَرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: عَلَى شَجَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ السُّنْبُلَةُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ شَجَرَةُ الْعِنَبِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: شَجَرَةُ التِّينِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: شَجَرَةُ الْعِلْمِ وَفِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شَجَرَةُ الْكَافُورِ (1) {فَتَكُونَا} فَتَصِيرَا {مِنَ الظَّالِمِينَ} أَيِ الضَّارِّينَ بِأَنْفُسِكُمَا بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَصْلُ الظُّلْمِ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ. {فَأَزَلَّهُمَا} اسْتَزَلَّ {الشَّيْطَانُ} آدَمَ وَحَوَّاءَ أَيْ دَعَاهُمَا إِلَى الزَّلَّةِ: وَقَرَأَ حَمْزَةُ: فَأَزَالُهُمَا، أَيْ نَحَّاهُمَا "الشَّيْطَانُ" فَيْعَالُ مِنْ شَطَنَ، أَيْ: بَعُدَ، سُمِّيَ بِهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الْخَيْرِ وَعَنِ الرَّحْمَةِ، {عَنْهَا} عَنِ الْجَنَّةِ {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} النَّعِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ لِيُوَسْوِسَ {إِلَى} (2) آدَمَ وَحَوَّاءَ فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ فَأَتَى الْحَيَّةَ وَكَانَتْ صَدِيقَةً لِإِبْلِيسَ وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الدَّوَابِّ، لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ كَقَوَائِمِ الْبَعِيرِ، وَكَانَتْ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ فَسَأَلَهَا إِبْلِيسُ أَنْ تُدْخِلَهُ فَمَهَا فَأَدْخَلَتْهُ وَمَرَّتْ بِهِ عَلَى الْخَزَنَةِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّةَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا رَآهُمَا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ لِأَنَّهُمَا كَانَا يَخْرُجَانِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ آدَمُ حِينَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ قَالَ: لَوْ أَنَّ خُلْدًا، فَاغْتَنَمَ ذَلِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ مِنْ قِبَلِ الْخُلْدِ فَلَمَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ أَنَّهُ إِبْلِيسُ فَبَكَى وَنَاحَ نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَاحَ فَقَالَا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَيْكُمَا تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا فَاغْتَمَّا وَمَضَى إِبْلِيسُ ثُمَّ أَتَاهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ؟ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، وَقَاسَمَهُمَا بِاللَّهِ إِنَّهُ لَهُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَاغْتَرَّا وَمَا ظَنَّا أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا، فَبَادَرَتْ حَوَّاءُ إِلَى أَكْلِ الشَّجَرَةِ ثُمَّ نَاوَلَتْ آدَمَ حَتَّى أَكَلَهَا. وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ وَلَكِنْ حَوَّاءُ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ (3) .

_ (1) قال ابن جرير الطبري في التفسير: "الصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنى يأتي ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم، إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به"، وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره من المفسرين وهو الصواب. انظر: تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 1 / 520-521، تفسير ابن كثير: 1 / 146. (2) زيادة من (ب) . (3) هذا الخلاف في كيفية وسبب أكل آدم من الشجرة المنهي عنها، والذي أكثر المفسرون من القصص حوله، لم يثبت فيه خبر صحيح، وهو من علم الغيب الذي يحتاج إلى نقل ثابت بشأنه، ولعل هذه القصص مأخوذة من الإسرائيليات، وكون آدم شرب الخمر فكان في غير عقله، غير صحيح، لأن خمر الجنة لا غول فيها، والصحيح أنه نسي وأكل كما أخبر الله تعالى عنه، انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 19 والمحرر الوجيز لابن عطية: 1 / 254-456، والبحر المحيط لأبي حبان: 1 / 161، وقد فند الشيخ محمد أبو شهبة الروايات الإسرائيلية في تفسير هذه الآية "فأزلهما الشيطان" انظر كتابه: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: 250-251.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: أَوْرَثَتْنَا تِلْكَ الْأَكْلَةُ حُزْنًا طَوِيلًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِآدَمَ: أَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَبَحْتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الشَّجَرَةِ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ وَعِزَّتِكَ، وَلَكِنْ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كَاذِبًا، قَالَ: فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ لَا تَنَالُ الْعَيْشَ إِلَّا كَدًّا فَأُهْبِطَا مِنَ الْجَنَّةِ وَكَانَا يَأْكُلَانِ فِيهَا رَغَدًا فَعُلِّمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، وَأُمِرَ بِالْحَرْثِ فَحَرَثَ فِيهَا وَزَرَعَ ثُمَّ سَقَى حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَصَدَ ثُمَّ دَاسَهُ ثُمَّ ذَرَاهُ ثُمَّ طَحَنَهُ ثُمَّ عَجَنَهُ ثُمَّ خَبَزَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَلَمْ يَبْلُغْهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ قَالَ يَا رَبِّ زَيَّنَتْهُ لِي حَوَّاءُ قَالَ: فَإِنِّي أَعْقَبْتُهَا أَنْ لَا تَحْمِلَ إِلَّا كُرْهًا وَلَا تَضَعَ إِلَّا كُرْهًا وَدَمَيْتُهَا (1) فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، فَرَنَّتْ (2) حَوَّاءُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: عَلَيْكِ الرَّنَّةُ وَعَلَى بَنَاتِكِ (3) فَلَمَّا أَكَلَا {تَهَافَتَتْ} (4) عَنْهُمَا ثِيَابُهُمَا وَبَدَتْ سَوْآتُهُمَا وَأُخْرِجَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} أَيِ انْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ وَالْحَيَّةَ، فَهَبَطَ آدَمُ بِسَرَنْدِيبَ مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ نُودٌ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ وَإِبْلِيسُ بِالْأَيْلَةِ وَالْحَيَّةُ بِأَصْفَهَانَ (5) {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أَرَادَ الْعَدَاوَةَ الَّتِي بَيْنَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَالْحَيَّةِ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ" (22-الْأَعْرَافِ) . أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ عِكْرِمَةُ: لَا أَعْلَمَهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ وَقَالَ: مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ أَوْ مَخَافَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا (6) وَزَادَ مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْحَدِيثِ: مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ [وَرُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، =رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِنْ رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (7) ] (8)

_ (1) في ب: أدميتها. (2) صوتت. (3) أخرجه عن ابن عباس: الحاكم في المستدرك 2 / 381 وذكره الواحدي في الوسيط بسنده عن ابن عباس: 1 / 85-86، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 1 / 132 لابن منيع وابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس. (4) في ب سقطت. (5) في ذلك آثار عن السدي والحسن بأسانيد لا تثبت. انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 147 بتخريج الوادعي. (6) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب قول الله تعالى: "وبث فيهما من كل دابة": 6 / 347 ومسلم في الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ... برقم (1198) عن ابن عمرو بروايات مختلفة: 2 / 856. (7) أخرجه مسلم في السلام - باب قتل الحيات وغيرها، برقم (2236) : 4 / 1756 عن أبي سعيد بلفظ: "إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان". (8) زيادة من ب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} مَوْضِعُ قَرَارٍ {وَمَتَاعٌ} بُلْغَةٌ وَمُسْتَمْتَعٌ {إِلَى حِينٍ} إِلَى انْقِضَاءِ آجَالِكُمْ {فَتَلَقَّى} تَلَقَّى وَالتَّلَقِّي: هُوَ قَبُولٌ عَنْ فِطْنَةٍ وَفَهْمٍ، وَقِيلَ: هُوَ التَّعَلُّمُ {آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ: آدَمُ بِرَفْعِ الْمِيمِ وَكَلِمَاتٍ بِخَفْضِ التَّاءِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: آدَمَ بِالنَّصْبِ، كَلِمَاتٌ بِرَفْعِ التَّاءِ يَعْنِي جَاءَتِ الْكَلِمَاتُ آدَمَ مِنْ رَبِّهِ، وَكَانَتْ سَبَبَ تَوْبَتِهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: هِيَ قَوْلُهُ "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا" الْآيَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: هِيَ قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (1) . لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ عَمِلْتُ سُوءًا وَظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (2) وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: هِيَ أَنَّ آدَمَ قَالَ يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ مَا أَتَيْتُ أَشَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أَمْ شَيْءٌ قَدَّرْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا بَلْ شَيْءٌ قُدَّرْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ. قَالَ يَا رَبِّ فَكَمَا قَدَّرْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي فَاغْفِرْ لِي (3) . وَقِيلَ: هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْحَيَاءُ وَالدُّعَاءُ وَالْبُكَاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَكَى آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَى مَا فَاتَهُمَا مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَمْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَشْرَبَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يقرب آدم 10/أحَوَّاءَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَرَوَى الْمَسْعُودِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالُوا: لَوْ أَنَّ دُمُوعَ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ جُمِعَتْ {لَكَانَتْ} (4) دُمُوعُ دَاوُدَ أَكْثَرَ حَيْثُ أَصَابَ الْخَطِيئَةَ وَلَوْ أَنَّ دُمُوعَ دَاوُدَ وَدُمُوعَ أَهْلِ الْأَرْضِ جُمِعَتْ لَكَانَتْ دُمُوعُ آدَمَ أَكْثَرَ حَيْثُ أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: بَلَغَنِي أَنَّ آدَمَ لَمَّا {هَبَطَ} (5) إِلَى الْأَرْضِ مَكَثَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (6)

_ (1) في ب الغفور. (2) قال ابن جرير الطبري، رحمه الله، بعد أن ساق الأقوال ونسبها لقائليها: "وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقى آدم كلمات، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب، =بقيله إياهن وعمله بهن، إلى الله من خطيئته، معترفا بذنبه متنصلا إلى ربه من خطيئته، نادما على ما سلف منه من خلاف أمره، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه، وندمه على ما سالف الذنب منه. والذي يدل عليه كتاب الله: أن الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله "ربنا ظلمنا أنفسنا" وليس ما قاله من خالف قولنا هذا - من الأقوال التي حكيناها - بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه" تفسير الطبري: 1 / 546، وانظر: التفسير الوسيط للواحدي 1 / 87، ابن كثير: 1 / 149. الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص254. (3) انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 149، الطبري: 1 / 545، الوسيط للواحدي: 1 / 87. (4) في (أ) لكان. (5) في (ب) أهبط. (6) انظر: الدر المنثور: 1 / 141-142.

قَوْلُهُ: {فَتَابَ عَلَيْهِ} فَتَجَاوَزَ عَنْهُ {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ {الرَّحِيمُ} بِخَلْقِهِ.

38

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ. وَقِيلَ: الْهُبُوطُ الْأَوَّلُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالْهُبُوطُ {الْآخِرُ} (1) مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} أَيْ فَإِنْ يَأْتِكُمْ يَا ذُرِّيَّةَ آدَمَ {مِنِّي هُدًى} أَيْ رُشْدٌ وَبَيَانُ شَرِيعَةٍ، وَقِيلَ كِتَابٌ وَرَسُولٌ {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} قَرَأَ يَعْقُوبُ: فَلَا خَوْفَ بِالْفَتْحِ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ وَالْآخَرُونَ بِالضَّمِّ وَالتَّنْوِينِ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا [يَسْتَقْبِلُونَ هُمْ] (2) {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا خَلَّفُوا. وَقِيلَ: لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي الْآخِرَةِ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} (يَعْنِي جَحَدُوا) (3) {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بِالْقُرْآنِ {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} يَوْمَ الْقِيَامَةِ {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} يَا أَوْلَادَ يَعْقُوبَ. وَمَعْنَى إِسْرَائِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، "وَإِيلُ" هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ صَفْوَةُ اللَّهِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِسْرَائِيلُ بِغَيْرِ هَمْزٍ {اذْكُرُوا} احْفَظُوا، وَالذِّكْرُ: يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَيَكُونُ بِاللِّسَانِ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الشُّكْرَ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الذِّكْرِ لِأَنَّ فِي الشُّكْرِ ذِكْرًا وَفِي الْكُفْرَانِ نِسْيَانًا، قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا {نِعْمَتِي} أَيْ: نِعَمِي، لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جَمْعٌ (4) كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" (34-إِبْرَاهِيمَ) {الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أَيْ عَلَى أَجْدَادِكُمْ وَأَسْلَافِكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النِّعَمُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ: مِنْ فَلْقِ الْبَحْرِ وَإِنْجَائِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ بِإِغْرَاقِهِ وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ فِي التِّيهِ، وَإِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَإِنْزَالِ التَّوْرَاةِ، فِي نِعَمٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى، وَقَالَ غَيْرُهُ: هِيَ جَمِيعُ النِّعَمِ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

_ (1) في ب: الثاني. (2) في ب فيما يستقبلهم. (3) زيادة من (ب) . (4) انظر: تفسير الواحدي 1 / 90، القرطبي: 1 / 331.

عَلَى عِبَادِهِ {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} أَيْ بِامْتِثَالِ أَمْرِي {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بِالْقَبُولِ وَالثَّوَابِ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهَذَا الْعَهْدِ مَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وبعثنا منهم حفظ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا إِلَى أَنْ قَالَ -لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ" (12-الْمَائِدَةِ) فَهَذَا قَوْلُهُ: "أُوفِ بِعَهْدِكُمْ". وَقَالَ الْحَسَنُ هُوَ قَوْلُهُ "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ" (63-الْبَقَرَةِ) فَهُوَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ هُوَ قَوْلُهُ "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ" (83-الْبَقَرَةِ) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَهِدَ اللَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى: إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا أُمِّيًّا فَمَنِ اتَّبَعَهُ وَصَدَّقَ بِالنُّورِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ غَفَرْتُ لَهُ ذَنْبَهُ وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَجَعَلْتُ لَهُ أَجْرَيْنِ اثْنَيْنِ: وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ" (187-آلَ عِمْرَانَ) يَعْنِي أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} فَخَافُونِي فِي نَقْضِ الْعَهْدِ. وَأَثْبَتَ يَعْقُوبُ الْيَاءَآتِ الْمَحْذُوفَةَ فِي الْخَطِّ مِثْلَ فَارْهَبُونِي، فَاتَّقُونِي، وَاخْشَوْنِي، وَالْآخَرُونَ يَحْذِفُونَهَا عَلَى الْخَطِّ {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} أَيْ مُوَافِقًا لِمَا مَعَكُمْ يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْأَخْبَارِ وَنَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَرُؤَسَائِهِمْ (1) {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أَيْ بِالْقُرْآنِ يُرِيدُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا كَفَرَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ بِمَكَّةَ، مَعْنَاهُ: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ فَيُتَابِعْكُمُ الْيَهُودُ على ذلك فتبوؤا بِآثَامِكُمْ وَآثَامِهِمْ {وَلَا تَشْتَرُوا} أَيْ: وَلَا تَسْتَبْدِلُوا {بِآيَاتِي} بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ثَمَنًا قَلِيلًا} أَيْ عَرَضًا يَسِيرًا مِنَ الدُّنْيَا وَذَلِكَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْيَهُودِ وَعُلَمَاءَهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مَآكِلُ يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ زُرُوعِهِمْ وَضُرُوعِهِمْ وَنُقُودِهِمْ فَخَافُوا إِنْ هُمْ بَيَّنُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابَعُوهُ أَنْ تَفُوتَهُمْ تِلْكَ الْمَآكِلُ فَغَيَّرُوا نَعْتَهُ وَكَتَمُوا اسْمَهُ فَاخْتَارُوا الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} فَاخْشَوْنِي {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} أَيْ لَا تَخْلِطُوا، يُقَالُ: لَبِسَ الثَّوْبَ يَلْبَسُ لُبْسًا، وَلَبِسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ يَلْبِسُ لَبْسًا أَيْ خَلَطَ. يَقُولُ: لَا تَخْلِطُوا الْحَقَّ الَّذِي، أَنْزَلْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَاطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ بِأَيْدِيكُمْ مِنْ تَغْيِيرِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: لَا تَلْبِسُوا الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ (2) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ الْيَهُودَ أَقَرُّوا بِبَعْضِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوا بَعْضًا لِيُصَدَّقُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الَّذِي تُقِرُّونَ بِهِ بِالْبَاطِلِ يَعْنِي بِمَا تَكْتُمُونَهُ، فَالْحَقُّ: بَيَانُهُمْ، وَالْبَاطِلُ: كِتْمَانُهُمْ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ أَيْ لَا تَكْتُمُوهُ، يَعْنِي: نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

_ (1) انظر: تفسير الواحدي: 1 / 92. (2) عن قتادة قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. انظر: الدر المنثور: 1 / 155، واقرأ بحثا بعنوان "إن الدين عند الله الإسلام" في العدد (16) من مجلة البحوث الإسلامية. الصادرة عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض.

44

{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمُ الْمَفْرُوضَةَ. وَالزَّكَاةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ زَكَا الزَّرْعُ إِذَا نَمَا وَكَثُرَ. وَقِيلَ: مِنْ تَزَكَّى أَيْ تَطَهَّرَ، وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَوْجُودٌ فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ فِيهَا تَطْهِيرًا وَتَنْمِيَةً لِلْمَالِ {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أَيْ صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ: مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَذُكِرَ بِلَفْظِ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْيَهُودِ لَمْ يَكُنْ فِيهَا رُكُوعٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: صَلُّوا صَلَاةً ذَاتَ رُكُوعٍ، قِيلَ: إِعَادَتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} لِهَذَا، أَيْ صَلُّوا مَعَ الَّذِينَ فِي صَلَاتِهِمْ رُكُوعٌ، فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ، وَهَذَا فِي حَقِّ أَقْوَامٍ مَخْصُوصِينَ. وَقِيلَ: هَذَا حَثٌّ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً كَأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا مَعَ الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ سَبَقُوكُمْ بِالْإِيمَانِ. {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) } {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} أَيْ بِالطَّاعَةِ، نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ وَحَلِيفِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا سَأَلَهُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اثْبُتْ عَلَى دِينِهِ فَإِنَّ أَمْرَهُ حَقٌّ وَقَوْلَهُ صِدْقٌ. وَقِيلَ: هو خطاب لأخبارهم حَيْثُ أَمَرُوا أَتْبَاعَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِالتَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَالَفُوا وَغَيَّرُوا نَعْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أَيْ تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ فَلَا تَتَّبِعُونَهُ {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} تَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ فِيهَا نَعْتُهُ وَصَفْتُهُ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أَنَّهُ حَقٌّ فَتَتَّبِعُونَهُ؟. وَالْعَقْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ عِقَالِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ مَا يُشَدُّ بِهِ رُكْبَةُ الْبَعِيرِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الشُّرُودِ، فَكَذَلِكَ الْعَقْلُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو عَمْرٍو بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَفِيدُ الْعَبَّاسِ بْنِ حَمْزَةَ أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ أَنَا عَفَّانُ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءٌ مِنْ أُمَّتِّكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ

الْكِتَابَ" (1) أَخْبَرَنَا عبد الواحد 10/ب الميلحي أَنَا أَحْمَدُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ (أَيْ تَنْقَطِعُ أَمْعَاؤُهُ) فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ (2) فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ" وَقَالَ شُعْبَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ "فَيَطْحَنُ فِيهَا كَمَا يَطْحَنُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ" (3) . {وَاسْتَعِينُوا} عَلَى مَا يَسْتَقْبِلُكُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَاءِ وَقِيلَ: عَلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ {بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} أَرَادَ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الْمَعَاصِي. وَقِيلَ: أَرَادَ: الصَّبْرَ عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الصَّبْرُ الصَّوْمُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضَانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ يُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَالصَّلَاةَ تُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عَلَى الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا" (132-طه) {وَإِنَّهَا} يَقُلْ وَإِنَّهُمَا رَدًّا لِلْكِنَايَةِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَيْ وَإِنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْهُمَا. كَمَا قَالَ: "كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا" (33-الْكَهْفِ) أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} وَإِنَّهُ لِكَبِيرٌ وَبِالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لِكَبِيرَةٌ، فَحَذَفَ أَحَدَهُمَا اخْتِصَارًا، وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ (4) رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا" (34-التَّوْبَةِ) رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْفِضَّةِ لِأَنَّهَا أَعَمُّ. وَقِيلَ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّبْرَ دَاخِلٌ فِيهَا. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ" (62-التَّوْبَةِ) وَلَمْ يَقُلْ يُرْضُوهُمَا لِأَنَّ رِضَا الرَّسُولِ دَاخِلٌ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ {لَكَبِيرَةٌ} أَيْ: لِثَقِيلَةٌ {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}

_ (1) أخرجه أحمد عن أنس بن مالك: 3 / 120 و231 و239. وابن حبان برقم (35) من موارد الظمآن والمصنف في شرح السنة: 14 / 353 وقال: هذا حديث حسن. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: ضعيف (التقريب: 2 / 37 ميزان الاعتدال: 3 / 128) وباقي رجاله ثقات. وأخرجه ابن حبان من طريق أخرى لا بأس بها فيتقوى بها الحديث. وأخرجه الواحدي في التفسير الوسيط: 1 / 96 باختلاف يسير عن أنس أيضا. (2) الرحى: الطاحون. (3) رواه البخاري: في بدء الخلق - باب صفة النار وأنها مخلوقة: 6 / 331. ومسلم: في الزهد - باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله برقم (2989) 4 / 2290 - 2291. والمصنف في شرح السنة: 14 / 352. (4) مؤرج السدوسي: مؤرج بن عمرو بن الحارث من بني سدوس بن شيبان أبو فيد عالم بالعربية والأنساب من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد من أهل البصرة كان له اتصال بالمأمون العباسي ورحل معه إلى خراسان فسكن مدة بمرو وانتقل إلى نيسابور من كتبه: جماهير القبائل وحذف نسب قريش، وغريب القرآن، وكتاب الأمثال، والمعاني (الأعلام: 7 / 318) .

يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْخَائِفِينَ وَقِيلَ: الْمُطِيعِينَ وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْمُتَوَاضِعِينَ، وَأَصْلُ الْخُشُوعِ السُّكُونُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ" (108-طه) فَالْخَاشِعُ سَاكِنٌ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يَسْتَيْقِنُونَ [أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ وَأَنَّهُمْ مُحَاسَبُونَ وَأَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: يُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ، وَجَعَلَ رُجُوعَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَى الْمَحْشَرِ رُجُوعًا إِلَيْهِ] (1) . وَالظَّنُّ مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ شَكًّا وَيَقِينًا وَأَمَلًا كَالرَّجَاءِ يَكُونُ خَوْفًا وَأَمَلًا وَأَمْنًا {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} مُعَايِنُو {رَبِّهِمْ} فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ اللِّقَاءِ الصَّيْرُورَةُ إِلَيْهِ {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} أَيْ عَالَمِي زَمَانِكُمْ، وَذَلِكَ التَّفْضِيلُ وَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ الْآبَاءِ، لَكِنْ يَحْصُلُ بِهِ الشَّرَفُ لِلْأَبْنَاءِ {وَاتَّقُوا يَوْمًا} وَاخْشَوْا عِقَابَ يَوْمٍ {لَا تَجْزِي نَفْسٌ} لَا تَقْضِي نَفْسٌ {عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أَيْ حَقًّا لَزِمَهَا وَقِيلَ: لَا تُغْنِي، وَقِيلَ: لَا تَكْفِي شَيْئًا مِنَ الشَّدَائِدِ {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الشَّفَاعَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ لِأَنَّ الشَّفْعَ وَالشَّفَاعَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْوَعْظِ وَالْمَوْعِظَةِ، فَالتَّذْكِيرُ عَلَى الْمَعْنَى، وَالتَّأْنِيثُ عَلَى اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ" (57-يُونُسَ) وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ "فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ" (275-الْبَقَرَةِ) أَيْ لَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ إِذَا كَانَتْ كَافِرَةً {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أَيْ فِدَاءٌ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْمَفْدِيِّ. وَالْعَدْلُ: الْمِثْلُ {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.

_ (1) ساقط من ب.

49

{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) } {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ} يَعْنِي: أَسْلَافَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ فَاعْتَدَّهَا مِنَّةً عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِنَجَاتِهِمْ {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أَتْبَاعِهِ وَأَهْلِ دِينِهِ، وَفِرْعَوْنُ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيَّانِ وَكَانَ مِنَ الْقِبْطِ الْعَمَالِيقِ وَعُمِّرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ {يَسُومُونَكُمْ} يُكَلِّفُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ، {سُوءَ الْعَذَابِ} أَشَدَّ الْعَذَابِ وَأَسْوَأَهُ وَقِيلَ: يَصْرِفُونَكُمْ فِي الْعَذَابِ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا كَالْإِبِلِ السَّائِمَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ جَعْلَ بَنِي

إِسْرَائِيلَ خَدَمًا وَخَوَلًا (1) وَصَنَّفَهُمْ فِي الْأَعْمَالِ فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وَصِنْفٌ يَحْرُثُونَ وَيَزْرَعُونَ، وَصِنْفٌ يَخْدِمُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ فِي عَمَلٍ وَضَعَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانُوا أَصْنَافًا فِي أَعْمَالِ فِرْعَوْنَ، فَذَوُو الْقُوَّةِ يَنْحِتُونَ السَّوَارِيَ (2) مِنَ الْجِبَالِ حَتَّى قُرِحَتْ (3) أَعْنَاقُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَدَبِرَتْ (4) ظُهُورُهُمْ مِنْ قَطْعِهَا وَنَقْلِهَا، وَطَائِفَةٌ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، وَطَائِفَةٌ يَبْنُونَ لَهُ الْقُصُورَ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ وَيَطْبُخُونَ الْآجُرَّ، وَطَائِفَةٌ نَجَّارُونَ وَحَدَّادُونَ، وَالضَّعَفَةُ مِنْهُمْ يَضْرِبُ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ ضَرِيبَةً يُؤَدُّونَهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَمَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ ضَرِيبَتَهُ غُلَّتْ يَمِينُهُ إِلَى عُنُقِهِ شَهْرًا، وَالنِّسَاءُ يَغْزِلْنَ الْكَتَّانَ وَيَنْسِجْنَ، وقيل: تفسيره ذكرما بَعْدَهُ: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} مَذْكُورٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ -يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} يَتْرُكُونَهُنَّ أَحْيَاءً، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا أَقْبَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَحَاطَتْ بِمِصْرَ وَأَحْرَقَتْ كُلَّ قِبْطِيٍّ فِيهَا وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فَهَالَهُ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْكَهَنَةَ عَنْ رُؤْيَاهُ؟ فَقَالُوا: يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ غُلَامٌ يَكُونُ عَلَى يَدِهِ هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ كُلِّ غُلَامٍ يُولَدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَمَعَ الْقَوَابِلَ فَقَالَ لَهُنَّ: لَا يُسْقَطَنَّ عَلَى أَيْدِيكُنَّ غُلَامٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا قُتِلَ وَلَا جَارِيَةٌ إِلَّا تُرِكَتْ، وَوَكَّلَ بِالْقَوَابِلِ، فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ صَبِيٍّ فِي طَلَبِ مُوسَى. وَقَالَ وَهْبٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ ذَبَحَ فِي طَلَبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ تِسْعِينَ أَلْفَ وَلِيدٍ. قَالُوا: وَأَسْرَعَ الْمَوْتُ فِي =مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَخْلَ رُءُوسُ الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَالُوا: إِنَّ الْمَوْتَ قَدْ وَقَعَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَفَتَذْبَحُ صِغَارَهُمْ وَيَمُوتُ كِبَارُهُمْ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَيْنَا؟ فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ أَنْ يَذْبَحُوا سَنَةً وَيَتْرُكُوا سَنَةً، فَوُلِدَ هَارُونُ فِي السَّنَةِ الَّتِي لَا يَذْبَحُونَ فِيهَا، وَمُوسَى فِي السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُونَ فِيهَا. {وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} قِيلَ: الْبَلَاءُ الْمِحْنَةُ، أَيْ فِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقِيلَ: الْبَلَاءُ النِّعْمَةُ أَيْ فِي إِنْجَائِي إِيَّاكُمْ مِنْهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْبَلَاءُ يَكُونُ بِمَعْنَى النِّعْمَةِ وَبِمَعْنَى الشِّدَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ يَخْتَبِرُ عَلَى النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ، وَعَلَى الشِّدَّةِ بِالصَّبْرِ وَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى "وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً" (35-الْأَنْبِيَاءِ) . {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} قِيلَ: مَعْنَاهُ فَرَقْنَا لَكُمْ وَقِيلَ: فَرَقْنَا الْبَحْرَ بِدُخُولِكُمْ إِيَّاهُ وَسُمِّيَ الْبَحْرُ بَحْرًا لِاتِّسَاعِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: بَحْرٌ إِذَا اتَّسَعَ فِي جَرْيِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَنَا هَلَاكُ فِرْعَوْنَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُسْرِيَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ لَيْلًا فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يُسْرِجُوا فِي بُيُوتِهِمْ إِلَى الصُّبْحِ،

_ (1) هم حشم الرجل وأتباعه، واحدهم خائل: وهو مأخوذ من التخويل: التمليك، وقيل من الرعاية. (2) الاسطوانات. (3) جرحت. (4) دبرت ظهورهم، مأخوذ من دبرت الدابة: قرحت ظهرها.

وَأَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ وَلَدِ زِنًا فِي الْقِبْطِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِمْ، وَكُلَّ وَلَدِ زِنًا فِي بني إسرائيل 11/أمِنَ الْقِبْطِ إِلَى الْقِبْطِ حَتَّى رَجَعَ كُلٌّ إِلَى أَبِيهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ الْمَوْتَ عَلَى الْقِبْطِ فَمَاتَ كُلُّ بِكْرٍ لَهُمْ وَاشْتَغَلُوا بِدَفْنِهِمْ حَتَّى أَصْبَحُوا وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، لَا يَعُدُّونَ ابْنَ الْعِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، وَلَا ابْنَ السِّتِّينَ لِكِبَرِهِ، وَكَانُوا يَوْمَ دَخَلُوا مِصْرَ مَعَ يَعْقُوبَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ إِنْسَانًا مَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُوسَى سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا (1) . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: كَانُوا سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ فَلَمَّا أَرَادُوا السَّيْرَ ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ فَلَمْ يَدْرُوا أَيْنَ يَذْهَبُونَ فَدَعَا مُوسَى =مَشْيَخَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا: إِنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَى إِخْوَتِهِ عَهْدًا أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ مِصْرَ حَتَّى يُخْرِجُوهُ مَعَهُمْ فَلِذَلِكَ انْسَدَّ عَلَيْنَا الطَّرِيقُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ فَلَمْ يَعْلَمُوا فَقَامَ مُوسَى يُنَادِي: أُنْشِدُ اللَّهَ كُلَّ مَنْ يَعْلَمُ أَيْنَ مَوْضِعُ قَبْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَا أَخْبَرَنِي بِهِ؟ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَصُمَّتْ أُذُنَاهُ عَنْ قَوْلِي! وَكَانَ يَمُرُّ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُنَادِي فَلَا يَسْمَعَانِ صَوْتَهُ حَتَّى سَمِعَتْهُ عَجُوزٌ لَهُمْ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتُكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى قَبْرِهِ أَتُعْطِينِي كُلَّ مَا سَأَلْتُكَ؟ فَأَبَى عَلَيْهَا وَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي (فَأَمَرَهُ) (2) اللَّهُ تَعَالَى بِإِيتَائِهَا سُؤْلَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ فَاحْمِلْنِي وَأَخْرِجْنِي مِنْ مِصْرَ، هَذَا فِي الدُّنْيَا وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تَنْزِلَ غُرْفَةً مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا نَزَلْتُهَا مَعَكَ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: إِنَّهُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ فِي النِّيلِ فَادْعُ اللَّهَ حَتَّى يَحْسِرَ عَنْهُ الْمَاءَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَحَسِرَ عَنْهُ الْمَاءَ، وَدَعَا أَنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَفَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ وَاسْتَخْرَجَهُ فِي صُنْدُوقٍ مِنْ مَرْمَرٍ، وَحِمَلَهُ حَتَّى دَفَنَهُ بِالشَّامِ، فَفُتِحَ لَهُمُ الطَّرِيقُ فَسَارُوا وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى سَاقَتِهِمْ (3) وَهَارُونُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ، وَنَذَرَ (4) بِهِمْ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَمَرَهُمْ

_ (1) نقل ابن خلدون في مقدمة تاريخه أن المسعودي وكثيرا من المؤرخين ذكروا أن موسى عليه السلام أحصى بني إسرائيل في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة، من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف ويزيدون. ثم فند ذلك لجملة أسباب: أ- إن في ذلك ذهولا عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش، لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة. ب- ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الأرض عنها، وبعدها، إذا اصطفت، عن مدى البصر مرتين أو ثلاثا أو أزيد، فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين؟ وشيء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر؟. ح- وأيضا: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لا تسع نطاق ملكهم وانفسخ مدى دولتهم. د- وأيضا فالذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون، والمدة بينهما على ما نقله المسعودي مائتان وعشرين سنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة =أجيال مثل هذا العدد. انظر: مقدمة ابن خلدون، 1 / 13-16، طبعة دار الكتاب العربي. (2) في الأصل: فأمر. (3) على مؤخرتهم: أي يقدمهم أمامه ويمشي خلفهم تواضعا. (4) أي: علم.

أَنْ لَا يَخْرُجُوا فِي طَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَصِيحَ الدِّيكُ، فَوَاللَّهِ مَا صَاحَ دِيكٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَخَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ هَامَانُ فِي أَلْفِ أَلْفِ وَسَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ دُهْمِ الْخَيْلِ سِوَى سَائِرِ الشِّيَاتِ (1) [وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ فِي عَسْكَرِ فِرْعَوْنَ مِائَةُ أَلْفِ حِصَانٍ أَدْهَمَ سِوَى سَائِرِ الشِّيَاتِ (2) ] (3) وَكَانَ فِرْعَوْنُ يَكُونُ فِي الدُّهْمِ (4) وَقِيلَ: كَانَ فِرْعَوْنُ فِي سَبْعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، وَكَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِائَةُ أَلْفِ نَاشِبٍ، وَمِائَةُ أَلْفٍ أَصْحَابُ حِرَابٍ، وَمِائَةُ أَلْفٍ أَصْحَابُ الْأَعْمِدَةِ، فَسَارَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْبَحْرِ وَالْمَاءُ فِي غَايَةِ الزِّيَادَةِ فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ بِفِرْعَوْنَ حِينَ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَصْنَعُ؟ وَأَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا؟ هَذَا فِرْعَوْنُ خَلْفَنَا إِنْ أَدْرَكَنَا قَتَلَنَا! وَالْبَحْرُ أَمَامَنَا إِنْ دَخَلْنَاهُ غَرِقْنَا؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لمدركون قال موسى كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" (61-62 الشُّعَرَاءِ) . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَضَرَبَهُ فَلَمْ يُطِعْهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ كَنِّهِ فَضَرَبَهُ وَقَالَ: انْفَلِقْ يَا أَبَا خَالِدٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وَظَهَرَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ وَارْتَفَعَ الْمَاءُ بَيْنَ كُلِّ طَرِيقَيْنِ كَالْجَبَلِ وَأَرْسَلَ اللَّهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ عَلَى قَعْرِ الْبَحْرِ حَتَّى صَارَ يَبِسَا فَخَاضَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، كُلُّ سِبْطٍ فِي طَرِيقٍ، وَعَنْ جَانِبَيْهِمُ الْمَاءُ كَالْجَبَلِ الضَّخْمِ وَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَخَافُوا وَقَالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ إِخْوَانُنَا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جِبَالِ الْمَاءِ: أَنْ تَشَبَّكِي، فَصَارَ الْمَاءُ شَبَكَاتٍ كَالطَّبَقَاتِ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَسْمَعُ بَعْضُهُمْ كَلَامَ بَعْضٍ حَتَّى عَبَرُوا الْبَحْرَ سَالِمِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى "وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ". {فَأَنْجَيْنَاكُمْ} مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَالْغَرَقِ {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لِمَا وَصَلَ إِلَى الْبَحْرِ فَرَآهُ مُنْغَلِقًا قَالَ لِقَوْمِهِ: انْظُرُوا إِلَى الْبَحْرِ انْفَلَقَ مِنْ هَيْبَتِي حَتَّى أُدْرِكَ عَبِيدِي الَّذِينَ أَبَقُوا ادْخُلُوا الْبَحْرَ فَهَابَ قَوْمُهُ أَنْ يَدْخُلُوهُ وَقِيلَ: قَالُوا لَهُ إِنْ كُنْتَ رَبًّا فَادْخُلِ الْبَحْرَ كَمَا دَخَلَ مُوسَى، وَكَانَ فِرْعَوْنُ عَلَى حِصَانٍ أَدْهَمَ وَلَمْ يَكُنْ فِي خيل فرعون فرسى أُنْثَى فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى وَدِيقٍ (5) فَتَقَدَّمَهُمْ وَخَاضَ الْبَحْرَ فَلَمَّا شَمَّ أَدْهَمُ فِرْعَوْنَ رِيحَهَا اقْتَحَمَ الْبَحْرَ فِي أَثَرِهَا وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَلَمْ يَمْلِكْ فِرْعَوْنُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا وَهُوَ لَا يَرَى فَرَسَ جِبْرِيلَ وَاقْتَحَمَتِ الْخُيُولُ جُمْلَةً خَلْفَهُ فِي الْبَحْرِ، وَجَاءَ مِيكَائِيلُ عَلَى فَرَسٍ خَلْفَ الْقَوْمِ يَشْحَذُهُمْ وَيَسُوقُهُمْ حَتَّى لَا يَشِذَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَيَقُولَ لَهُمُ: الْحَقُوا بِأَصْحَابِكُمْ حَتَّى خَاضُوا كُلُّهُمُ الْبَحْرَ، وَخَرَجَ جِبْرِيلُ مِنَ

_ (1) جمع الشية: وهي كل لون يخالف معظم لون الفرس. (2) هذه الأخبار من الإسرائيليات، لا يعتمد عليها في تفسير كتاب الله تعالى، ولا يتوقف فهمه عليها، والأولى أن نضرب عنها صفحا. (3) ساقطة من (أ) . (4) هو العدد الكثير، وهو أيضا: الخيل السوداء. (5) فرس وديق: مريدة للفحل، تشتهيه. وقد أورد الطبري في تفسيره هذه الرواية وفي تاريخه أيضا.

51

الْبَحْرِ، وَهَمَّ أَوَّلُهُمْ بِالْخُرُوجِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَحْرَ أَنْ يَأْخُذَهُمْ فَالْتَطَمَ عَلَيْهِمْ وَغَرَّقَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَكَانَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْبَحْرِ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَهُوَ بَحْرُ قُلْزُمَ، طَرَفٌ مِنْ بَحْرِ فَارِسَ، قَالَ قَتَادَةُ: بَحْرٌ مِنْ وَرَاءِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ إِسَافٌ، وَذَلِكَ بِمَرْأًى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} إِلَى مَصَارِعِهِمْ وَقِيلَ: إِلَى إِهْلَاكِهِمْ. {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) } {وَإِذْ وَاعَدْنَا} مِنَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِمْ: عَافَاكَ اللَّهُ، وَعَاقَبْتُ اللِّصَّ، وَطَارَقْتُ النَّعْلَ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ مِنَ اللَّهِ الْأَمْرُ وَمِنْ مُوسَى الْقَبُولُ. فَلِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الْمُوَاعِدَةِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ (وَإِذْ وَعَدْنَا) مِنَ الْوَعْدِ {مُوسَى} اسْمٌ عِبْرِيٌّ عُرِّبَ "وَمُو" بِالْعِبْرَانِيَّةِ الْمَاءُ "وَشَى" الشَّجَرَةُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ بَيْنِ الْمَاءِ وَالشَّجَرِ، ثُمَّ قُلِبَتِ الشِّينُ الْمُعْجَمَةُ سِينًا فِي الْعَرَبِيَّةِ {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} أَيِ انْقِضَاؤُهَا: ثَلَاثِينَ مِنْ ذي القعدة وعشر مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَرَنَ التَّارِيخَ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ لِأَنَّ شُهُورَ الْعَرَبِ وُضِعَتْ عَلَى سَيْرِ الْقَمَرِ، وَالْهِلَالُ إِنَّمَا يُهِلُّ بِاللَّيْلِ وَقِيلَ: لِأَنَّ الظُّلْمَةَ أَقْدَمُ مِنَ الضَّوْءِ، وَخَلْقُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ" (37-يس) وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمَا أَمِنُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ وَدَخَلُوا مِصْرَ (1) لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شَرِيعَةٌ يَنْتَهُونَ إِلَيْهِمَا، فَوَعَدَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاةَ فَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنِّي ذَاهِبٌ لِمِيقَاتِ رَبِّكُمْ آتِيكُمْ بِكِتَابٍ فِيهِ بَيَانُ مَا تَأْتُونَ وَمَا تَذْرُوَنَ، وَوَاعَدَهُمْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثَلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ هَارُونَ فَلَمَّا أَتَى الْوَعْدُ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ فَرَسُ الْحَيَاةِ لَا يُصِيبُ شَيْئًا إِلَّا حُيِيَ لِيَذْهَبَ بِمُوسَى إِلَى رَبِّهِ، فَلَمَّا رَآهُ السَّامِرِيُّ وَكَانَ رَجُلًا صَائِغًا مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَى وَاسْمُهُ مِيخَا -وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْمُهُ مُوسَى بْنُ مُظَفِّرٍ (2) وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا سَامِرَةُ -وَكَانَ مُنَافِقًا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، وَكَانَ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ، فَلَمَّا رَأَى جِبْرَائِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْفَرَسِ وَرَأَى

_ (1) والوجه أن يقال: ودخلوا الأرض المقدسة. (2) في ب: ظفر.

مَوَاضِعَ قَدَمِ الْفَرَسِ تَخْضَرُّ فِي الْحَالِ قَالَ: إِنَّ لِهَذَا شَأْنًا فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرْبَةِ حَافِرِ فَرَسِ جِبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: أُلْقِيَ فِي رَوْعِهِ أَنَّهُ إِذَا أُلْقِيَ فِي شَيْءٍ غَيَّرَهُ، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدِ اسْتَعَارُوا حُلِيًّا كَثِيرَةً مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ مِصْرَ بِعِلَّةِ عُرْسٍ لَهُمْ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَبَقِيَتْ تِلْكَ الْحُلِيُّ فِي أَيْدِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا فَصَلَ مُوسَى قَالَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ الْحُلِيَّ الَّتِي اسْتَعَرْتُمُوهَا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ غَنِيمَةٌ لَا تَحِلُّ لَكُمْ، فَاحْفِرُوا حُفْرَةً وَادْفِنُوهَا فِيهَا حَتَّى يَرْجِعَ مُوسَى فَيَرَى فِيهَا رَأْيَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ أَنْ يُلْقُوهَا فِي حُفَيْرَةٍ، حَتَّى يَرْجِعَ موسى ففعلوا، 11/ب فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْحُلِيُّ صَاغَهَا السَّامِرِيُّ عِجْلًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أَلْقَى فِيهَا الْقَبْضَةَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ تُرَابِ فَرَسِ جِبْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَخَرَجَ عِجْلًا مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعًا بِالْجَوَاهِرِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ، وَخَارَ خَوْرَةً، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ يَخُورُ وَيَمْشِي فَقَالَ السَّامِرِيُّ "هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ" (88-طه) أَيْ فَتَرَكَهُ هَاهُنَا وَخَرَجَ يَطْلُبُهُ. وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ أَخْلَفُوا الْوَعْدَ فَعَدُّوا الْيَوْمَ مِنَ اللَّيْلَةِ يَوْمَيْنِ فَلَمَّا مَضَتْ عِشْرُونَ يَوْمًا وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى وَقَعُوا فِي الْفِتْنَةِ. وَقِيلَ: كَانَ مُوسَى قَدْ وَعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ثُمَّ زِيدَتِ الْعَشَرَةَ فَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْعَشَرَةِ فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُونَ وَلَمْ يَرْجِعْ مُوسَى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَرَأَوُا الْعِجْلَ وَسَمِعُوا قَوْلَ السَّامِرِيِّ عَكَفَ ثَمَانِيَةُ آلَافِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى الْعِجْلِ يَعْبُدُونَهُ وَقِيلَ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ، وَهَذَا أَصَحُّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّهُمْ عَبَدُوهُ إِلَّا هَارُونَ وَحْدَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} أَيْ إِلَهًا {مِنْ بَعْدِهِ} أَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ الذَّالَ مِنْ أَخَذْتُ وَاتَّخَذْتُ وَالْآخَرُونَ يُدْغِمُونَهَا {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} ضَارُّونَ لِأَنْفُسِكُمْ بِالْمَعْصِيَةِ وَاضِعُونَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} مَحَوْنَا ذُنُوبَكُمْ {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} بَعْدِ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لِكَيْ تَشْكُرُوا عَفْوِي عَنْكُمْ وَصَنِيعِي إِلَيْكُمْ، قِيلَ: الشُّكْرُ هُوَ الطَّاعَةُ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ قَالَ الْحَسَنُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ ذِكْرُهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ" (11-الضُّحَى) قَالَ الْفُضَيْلُ: شُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْ لَا يُعْصَى اللَّهُ بَعْدَ تِلْكَ النِّعْمَةِ. وَقِيلَ: حَقِيقَةُ الشُّكْرِ الْعَجْزُ عَنِ الشُّكْرِ. حُكِيَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: إِلَهِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ النِّعَمَ السَّوَابِغَ، وَأَمَرَتْنِي بِالشُّكْرِ وَإِنَّمَا شُكْرِي إِيَّاكَ نِعْمَةٌ مِنْكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا مُوسَى تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ الَّذِي لَا يَفُوقُهُ شَيْءٌ مِنْ عِلْمٍ، حَسْبِي مِنْ عَبْدِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَهُوَ مِنِّي، وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ اعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِالْعَجْزِ عَنْ شُكْرِهِ شُكْرًا، كَمَا جَعَلَ اعْتِرَافَهُ بِالْعَجْزِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مَعْرِفَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {وَالْفُرْقَانَ} قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ التَّوْرَاةُ أَيْضًا

55

ذَكَرَهَا بِاسْمَيْنِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: الْفُرْقَانُ نَعْتُ الْكِتَابِ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، يَعْنِي: الْكِتَابَ الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَقَالَ يمان بن ربان: أَرَادَ بِالْفُرْقَانِ انْفِرَاقَ الْبَحْرِ كَمَا قَالَ "وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ" {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بِالتَّوْرَاةِ. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} ضَرَرْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ {بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} إِلَهًا قَالُوا: فَأَيُّ شَيْءٍ نَصْنَعُ؟ قَالَ: {فَتُوبُوا} فَارْجِعُوا {إِلَى بَارِئِكُمْ} خَالِقِكُمْ قَالُوا: كَيْفَ نَتُوبُ؟ قَالَ {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي لِيَقْتُلِ الْبَرِيءُ مِنْكُمُ الْمُجْرِمَ {ذَلِكُمْ} أَيِ الْقَتْلُ {خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} فَلَمَّا أَمَرَهُمْ مُوسَى بِالْقَتْلِ قَالُوا: نَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ فَجَلَسُوا بِالْأَفْنِيَةِ (1) مُحْتَبِينَ (2) وَقِيلَ لَهُمْ: مَنْ مَدَّ حَبَوْتَهُ أَوْ مَدَّ طَرْفَهُ إِلَى قَاتِلِهِ أَوِ اتَّقَاهُ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَلْعُونٌ مَرْدُودَةٌ تَوْبَتُهُ، وَأَصْلَتَ الْقَوْمُ عَلَيْهِمُ الْخَنَاجِرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَرَى ابْنَهُ وَأَبَاهُ وَأَخَاهُ وَقَرِيبَهُ وَصَدِيقَهُ وَجَارَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُضِيُّ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ نَفْعَلُ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ضَبَابَةً وَسَحَابَةً سَوْدَاءَ لَا يُبْصِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَكَانُوا يَقْتُلُونَهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلُ دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَبَكَيَا وَتَضَرَّعَا وَقَالَا يَا رَبُّ هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، الْبَقِيَّةَ الْبَقِيَّةَ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعَالَى السَّحَابَةَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقَتْلِ فَتَكَشَّفَتْ عَنْ أُلُوفٍ مِنَ الْقَتْلَى. يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَمَا يُرْضِيكَ أَنْ أُدْخِلَ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ الْجَنَّةَ، فَكَانَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ شَهِيدًا وَمَنْ بَقِيَ مُكَفَّرًا عَنْهُ ذُنُوبُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أَيْ فَفَعَلْتُمْ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} الْقَابِلُ التَّوْبَةِ {الرَّحِيمُ} بِخَلْقِهِ. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَاخْتَارَ مُوسَى سَبْعِينَ رَجُلًا

_ (1) جمع فناء: وهو سعة أمام البيت، وقيل ما امتد من جوانبه. (2) الاحتباء: أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره.

مِنْ قَوْمِهِ مِنْ خِيَارِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: صُومُوا وَتَطَهَّرُوا وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، فَقَالُوا لِمُوسَى: اطْلُبْ لَنَا نَسْمَعْ كَلَامَ رَبِّنَا، فَقَالَ لَهُمْ: أَفْعَلُ، فَلَمَّا دَنَا مُوسَى إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ وَتَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، فَدَخَلَ فِي الْغَمَامِ وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوَا فَدَنَوْا حَتَّى دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ وَخَرُّوا سُجَّدًا، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ رَبُّهُ وَقَعَ عَلَى وَجْهِهِ نُورٌ سَاطِعٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضُرِبَ دُونَهُمُ الْحِجَابُ وَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَأَسْمَعَهُمُ اللَّهُ: أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ذُو بَكَّةَ (1) أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ فَاعْبُدُونِي وَلَا تَعْبُدُوا غَيْرِي، فَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى وَانْكَشَفَ الْغَمَامُ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: لَهُ "لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً" مُعَايَنَةً وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعِلْمَ بِالْقَلْبِ رُؤْيَةً، فَقَالَ جَهْرَةً لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعِيَانُ {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} أَيِ الْمَوْتُ، وَقِيلَ: نَارٌ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُمْ {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أَيْ يَنْظُرُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ حِينِ أَخَذَكُمُ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: تَعْلَمُونَ، وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَلَمَّا هَلَكُوا جَعَلَ مُوسَى يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ وَيَقُولُ: مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ؟ "لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا" (155-الْأَعْرَافِ) فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُ رَبَّهُ حَتَّى أَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ بَعْدَ مَا مَاتُوا يَوْمًا وَلَيْلَةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَيْفَ يُحْيَوْنَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} أَحْيَيْنَاكُمْ، وَالْبَعْثُ: إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ مَحَلِّهِ يُقَالُ: بَعَثْتُ الْبَعِيرَ وَبَعَثْتُ النَّائِمَ فَانْبَعَثَ {مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمْ لِيَسْتَوْفُوا بَقِيَّةَ آجَالِهِمْ وَأَرْزَاقِهِمْ وَلَوْ مَاتُوا بِآجَالِهِمْ لَمْ يُبْعَثُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} فِي التِّيهِ يَقِيكُمْ حَرَّ الشَّمْسِ، وَالْغَمَامُ مِنَ الْغَمِّ وَأَصْلُهُ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ سُمِّيَ السَّحَابُ غَمَامًا لِأَنَّهُ يُغَطِّي وَجْهَ الشَّمْسِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي التِّيهِ كُنٌّ يَسْتُرُهُمْ فَشَكَوْا إِلَى مُوسَى فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى غَمَامًا أَبْيَضَ رَقِيقًا أَطْيَبَ مِنْ غَمَامِ الْمَطَرِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَمُودًا مِنْ نُورٍ يُضِيءُ لَهُمُ اللَّيْلَ إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَمَرٌ {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} أَيْ فِي التِّيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمَنَّ هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَيْءٌ كَالصَّمْغِ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ طَعْمُهُ كَالشَّهْدِ، وَقَالَ وَهْبٌ: هُوَ الْخُبْزُ الرُّقَاقُ، قَالَ الزَّجَّاجُ: جُمْلَةُ الْمَنِّ مَا يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بن يوسف 12/أأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بن زيد رض اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ" (2) .

_ (1) ذو بكة: أي ذو قوة. (2) رواه البخاري: في تفسير سورة البقرة باب: وظللنا عليكم الغمام: 8 / 163 وفي تفسير سورة الأعراف وفي الطب. ومسلم: في الأشربة - باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها برقم (2049) 3 / 1619. والمصنف في شرح السنة: 11 / 332-333.

قَالُوا فَكَانَ هَذَا الْمَنُّ كُلَّ لَيْلَةٍ يَقَعُ عَلَى أَشْجَارِهِمْ مِثْلَ الثَّلْجِ، لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ صَاعٌ، فَقَالُوا: يَا مُوسَى قَتَلَنَا هَذَا الْمَنُّ بِحَلَاوَتِهِ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يُطْعِمَنَا اللَّحْمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ السَّلْوَى وَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى، وَقِيلَ هُوَ السُّمَانَى بِعَيْنِهِ، بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَمَطَرَتِ السُّمَانَى فِي عَرْضِ مِيلٍ وَطُولِ رُمْحٍ فِي السَّمَاءِ، بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَالسَّلْوَى: الْعَسَلُ، فَكَانَ اللَّهُ يُنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلَّ صَبَاحٍ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَكْفِيهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ يَوْمَ السَّبْتِ. {كُلُوا} أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ: كُلُوا {مِنْ طَيِّبَاتِ} حَلَالَاتِ {مَا رَزَقْنَاكُمْ} وَلَا تَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَفَعَلُوا، فَقَطَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَدَوَّدَ وَفَسَدَ مَا ادَّخَرُوا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أَيْ وَمَا بَخَسُوا بِحَقِّنَا، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِاسْتِيجَابِهِمْ عَذَابِي، وَقَطْعِ مَادَّةِ الرِّزْقِ الَّذِي كَانَ يُنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِلَا مُؤْنَةٍ فِي الدُّنْيَا وَلَا حِسَابٍ فِي الْعُقْبَى. أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ (1) ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ" (2)

_ (1) ينتن. (2) رواه البخاري: في الأنبياء - باب: قول الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر: 6 / 430. مسلم: في الرضاع - باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر برقم (1470) 2 / 1092. والمصنف في شرح السنة: 9 / 164.

58

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) } {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ} سُمِّيَتِ الْقَرْيَةُ قَرْيَةً لِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَهْلَهَا، وَمِنْهُ الْمِقْرَاةُ: لِلْحَوْضِ، لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ أَرِيحَاءُ وَهِيَ قَرْيَةُ الْجَبَّارِينَ كَانَ فِيهَا قَوْمٌ مِنْ بَقِيَّةِ عَادٍ يُقَالُ لَهُمُ الْعَمَالِقَةُ وَرَأْسُهُمْ عُوجُ بْنُ عُنُقَ، وَقِيلَ: بَلْقَاءُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الرَّمْلَةُ

60

وَالْأُرْدُنُّ وَفِلَسْطِينُ وَتَدْمُرُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِيلِيَا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الشَّامُ {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} مُوَسَّعًا عَلَيْكُمْ {وَادْخُلُوا الْبَابَ} يَعْنِي بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْقَرْيَةِ وَكَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ {سُجَّدًا} أَيْ رُكَّعًا خُضَّعًا مُنْحَنِينَ، وَقَالَ وَهْبٌ: فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى {وَقُولُوا حِطَّةٌ} قَالَ قَتَادَةُ: حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا، أُمِرُوا بِالِاسْتِغْفَارِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لِأَنَّهَا تَحُطُّ الذُّنُوبَ، وَرَفَعَهَا عَلَى تَقْدِيرِ: قُولُوا مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ {نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ، فَالْمَغْفِرَةُ تَسْتُرُ الذُّنُوبَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَ (نَافِعٌ) (1) بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا وَفَتْحِ الْفَاءِ، وَفِي الْأَعْرَافِ قَرَأَ جَمِيعًا وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ وَضَمِّهَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فِيهِمَا بِنَصْبِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} ثَوَابًا مِنْ فَضْلِنَا {فَبَدَّلَ} فَغَيَّرَ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} أَنْفُسَهُمْ وَقَالُوا {قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ بَدَّلُوا قَوْلَ الْحِطَّةِ بِالْحِنْطَةِ، فَقَالُوا بِلِسَانِهِمْ: حِطَانَا سِمْقَاثَا أَيْ حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ، اسْتِخْفَافًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طُؤْطِئَ لَهُمُ الْبَابُ لِيَخْفِضُوا رُءُوسَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يَدْخَلُوهَا سُجَّدًا فَدَخَلُوا عَلَى أَسْتَاهِهِمْ مُخَالَفَةً فِي الْفِعْلِ كَمَا بَدَّلُوا الْقَوْلَ وَقَالُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسَتَاهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ" (2) {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} قِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَاعُونًا فَهَلَكَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا {بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يَعْصُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) } {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى} طَلَبَ السُّقْيَا {لِقَوْمِهِ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَطِشُوا فِي التِّيهِ فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَفَعَلَ فَأَوْحَى إِلَيْهِ كَمَا قَالَ: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ} وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، طُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ عَلَى طُولِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَهَا شُعْبَتَانِ تَتَّقِدَانِ فِي الظُّلْمَةِ نُورًا، وَاسْمُهَا عَلَّيْقٌ حَمَلَهَا، آدَمُ عَلَيْهِ

_ (1) زيادة من ب. (2) رواه البخاري: في أحاديث الأنبياء 6 / 436 مسلم: في التفسير برقم (3015) 4 / 2312.

61

السَّلَامُ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَوَارَثَهَا الْأَنْبِيَاءُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَعْطَاهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: اسْمُ الْعَصَا بنعته قَوْلُهُ تَعَالَى {الْحَجَرَ} اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ وَهْبٌ: لَمْ يَكُنْ حَجَرًا مُعَيَّنًا بَلْ كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ أَيَّ حَجَرٍ كَانَ مِنْ عُرْضِ الْحِجَارَةِ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ثُمَّ تُسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إِلَى السِّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أَنْ يَسْقِيَهُمْ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: كَانَ حَجَرًا مُعَيَّنًا بِدَلِيلٍ أَنَّهُ عُرِّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حَجَرًا خَفِيفًا مُرَبَّعًا عَلَى قَدْرِ رَأْسِ الرَّجُلِ كَانَ يَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ فَإِذَا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ وَضَعَهُ وَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ لِلْحَجَرِ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ لِكُلِّ وَجْهٍ ثَلَاثَةُ أَعْيُنٍ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ وَقِيلَ: كَانَ الْحَجَرُ رُخَامًا، وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْكَذَّانِ (1) فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ حُفْرَةً، يَنْبُعُ مِنْ كُلِّ حُفْرَةٍ عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ، فَإِذَا فَرَغُوا وَأَرَادَ مُوسَى حَمْلَهُ ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ فَيَذْهَبُ الْمَاءُ، وَكَانَ يَسْقِي كُلَّ يَوْمٍ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَ مُوسَى ثَوْبَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ فَفَرَّ بِثَوْبِهِ وَمَرَّ بِهِ عَلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ رَمَوْهُ بِالْأُدْرَةِ (2) فَلَمَّا وَقَفَ أَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ارْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَلِي فِيهِ قُدْرَةٌ، وَلَكَ فِيهِ مُعْجِزَةٌ، فَرَفَعَهُ وَوَضَعُهُ فِي مِخْلَاتِهِ، قَالَ عَطَاءٌ: كَانَ يَضْرِبُهُ مُوسَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ضَرْبَةً فَيَظْهَرُ عَلَى مَوْضِعِ كُلِّ ضَرْبَةٍ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ فَيَعْرَقُ ثُمَّ يَتَفَجَّرُ الْأَنْهَارُ، ثُمَّ تَسِيلُ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: انْبَجَسَتْ وَانْفَجَرَتْ وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: انْبَجَسَتْ عَرِقَتْ وَانْفَجَرَتْ، أَيْ: سَالَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانْفَجَرَتْ} أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَجَرَتْ أَيْ سَالَتْ مِنْهُ {اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} عَلَى عَدَدِ الْأَسْبَاطِ {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} مَوْضِعَ شُرْبِهِمْ لَا يُدْخِلُ سِبْطٌ عَلَى غَيْرِهِ فِي شُرْبِهِ {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ} أَيْ وَقُلْنَا لَهُمْ كُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَا مَشَقَّةٍ {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وَالْعَيْثُ: أَشَدُّ الْفَسَادِ يُقَالُ عَثَى يَعْثِي عَيْثًا، وَعَثَا يَعْثُو عَثْوًا وَعَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا وَسَئِمُوا مِنْ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَإِنَّمَا قَالَ {عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَهُمَا اثْنَانِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ كَمَا تُعَبِّرُ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، كقوله تعالى 12/ب "يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ" (22-الرَّحْمَنِ) وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ

_ (1) الحجر الرخو كأنه مدر وربما كان نخرا. (2) انتفاخ الخصية.

الْمَالِحِ دُونَ الْعَذْبِ وَقِيلَ: كَانُوا يَأْكُلُونَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَكَانَا كَطَعَامٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانُوا يَعْجِنُونَ الْمَنَّ بِالسَّلْوَى فَيَصِيرَانِ وَاحِدًا {فَادْعُ لَنَا} فَاسْأَلْ لِأَجْلِنَا {رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْفُومُ الْخُبْزُ: وَقَالَ عَطَاءٌ، الْحِنْطَةُ وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْحُبُوبُ الَّتِي تُؤْكَلُ كُلُّهَا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: {وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ} لَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى} أَخَسُّ وَأَرْدَى {بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ وَجَعَلَ الْحِنْطَةَ أَدْنَى فِي الْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ هِيَ خَيْرًا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، أَوْ أَرَادَ أَنَّهَا أَسْهَلُ وُجُودًا عَلَى الْعَادَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ رَاجِعًا إِلَى اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُمْ وَاخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ {اهْبِطُوا مِصْرًا} يَعْنِي: فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا ذَلِكَ فَانْزِلُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ مِصْرُ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ {فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} نَبَاتُ الْأَرْضِ {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ} جُعِلَتْ عَلَيْهِمْ وَأُلْزِمُوا {الذِّلَّةُ} الذُّلُّ وَالْهَوَانُ قِيلَ: بِالْجِزْيَةِ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: هُوَ الْكُسْتِيجُ وَالزُّنَّارُ وَزِيُّ الْيَهُودِيَّةِ {وَالْمَسْكَنَةُ} الْفَقْرُ، سُمِّيَ الْفَقِيرُ مِسْكِينًا لِأَنَّ الْفَقْرَ أَسْكَنَهُ وَأَقْعَدَهُ عَنِ الْحَرَكَةِ، فَتَرَى الْيَهُودَ وَإِنْ كَانُوا مَيَاسِيرَ كَأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ، وَقِيلَ: الذِّلَّةُ هِيَ فَقْرُ الْقَلْبِ فَلَا تَرَى فِي أَهْلِ الْمِلَلِ أَذَلَّ وَأَحْرَصَ عَلَى الْمَالِ مِنَ الْيَهُودِ. {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} رَجَعُوا وَلَا يُقَالُ: "بَاءُوا إِلَّا بِشَرٍّ" وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: احْتَمَلُوا وَأَقَرُّوا بِهِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ: أَبُوءُ {لَكَ} (1) بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، أَيْ: أُقِرُّ {ذَلِكَ} أَيِ الْغَضَبُ {بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ وَيَكْفُرُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ} تَفَرَّدَ نَافِعٌ بِهَمْزِ النَّبِيِّ وَبَابِهِ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الْمُخْبِرُ مِنْ أَنْبَأَ يُنْبِئُ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَرْكُ الْهَمْزَةِ، وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا هُوَ أَيْضًا مِنَ الْإِنْبَاءِ، تُرِكَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَالثَّانِي هُوَ بِمَعْنَى الرَّفِيعِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّبُوَّةِ وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّبِيِّينَ عَلَى الْأَصْلِ {بِغَيْرِ الْحَقِّ} أَيْ بِلَا جُرْمٍ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ قَالَ: بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَتْلُ النَّبِيِّينَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغَيْرِ الْحَقِّ؟ قِيلَ ذَكَرَهُ وَصْفًا لِلْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ تَارَةً يُوصَفُ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: "قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ" (112-الْأَنْبِيَاءِ) ذِكْرُ الْحَقِّ وَصْفًا لِلْحُكْمِ لَا أَنَّ حُكْمَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى الْجَوْرِ وَالْحَقِّ، وَيُرْوَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْ سَبْعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَقَامَتْ سُوقٌ بِقَتْلِهِمْ فِي آخِرِ النَّهَارِ {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} يَتَجَاوَزُونَ أَمْرِي وَيَرْتَكِبُونَ مَحَارِمِي.

_ (1) ليست في الأصل.

62

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) } {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِهِمْ: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أَيْ مِلْنَا إِلَيْكَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ هَادُوا أَيْ تَابُوا عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ مَالُوا عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ أَيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ تَحَرَّكَتْ حِينَ آتَى اللَّهُ مُوسَى التَّوْرَاةَ {وَالنَّصَارَى} سُمُّوا بِهِ لِقَوْلِ الْحَوَارِيِّينَ: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِأَنَّهُمْ نَزَلُوا قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، وَقِيلَ: لِاعْتِزَائِهِمْ إِلَى نَصِرَةَ وَهِيَ قَرْيَةٌ كَانَ يَنْزِلُهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. {وَالصَّابِئِينَ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: وَالصَّابِينَ وَالصَّابُونَ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزَةِ، وَأَصْلُهُ: الْخُرُوجُ، يُقَالُ: صَبَأَ فُلَانٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ آخَرَ، وَصَبَأَتِ النُّجُومُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ مَطَالِعِهَا، وَصَبَأَ نَابُ الْبَعِيرِ إِذَا خَرَجَ، فَهَؤُلَاءِ سُمُّوا بِهِ لِخُرُوجِهِمْ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ، قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَبَائِحُهُمْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَلَا مُنَاكَحَتُهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمْ قَبِيلَةٌ نَحْوَ الشَّامِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمَجُوسِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ قَوْمٌ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَحْلِقُونَ أَوْسَاطَ رُءُوسِهِمْ وَيَجُبُّونَ (1) مَذَاكِيرَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ وَيَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَيُصَلُّونَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَيُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَخَذُوا مِنْ كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: انْقَرَضُوا (2) .

_ (1) يقطعونها. (2) وفي العراق في الوقت الحاضر أقلية من الصابئة وهم يعتقدون بالخالق عز وجل ويؤمنون باليوم الآخر ويدعون أنهم يتبعون تعاليم آدم عليه السلام وأن نبيهم يحيى جاء ينقي دين آدم مما علق به وعندهم كتاب يسمونه (الكانزابرا) أي صحف آدم ومن عباداتهم الصلاة وتقتصر على الوقوف والركوع والجلوس على الأرض دون سجود ويؤدونها في اليوم ثلاث مرات قبل طلوع الشمس وعند زوالها وقبيل غروبها ويتوجهون في صلاتهم إلى النجم القطبي. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص14-15 وانظر أقوال الفقهاء في حكم الصابئة في ابن كثير 1 / 189-190 أحكام القرآن للجصاص 3 / 91.

{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} وَقَدْ ذَكَرَ فِي ابْتِدَاءِ الْآيَةِ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ؟ قِيلَ: اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} عَلَى التَّحْقِيقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَهُمْ طُلَّابُ الدِّينِ مِثْلَ حَبِيبٍ النَّجَّارِ، وَقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالْبَرَاءِ السِّنِّيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَبَحِيرَا الرَّاهِبِ، وَوَفْدِ النَّجَاشِيِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَبَايَعَهُ) (1) ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُ. وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ {وَالَّذِينَ هَادُوا} الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَمَاتُوا عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَهَذَانِ الِاسْمَانِ لَزِمَاهُمْ زَمَنَ مُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ حَيْثُ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ، كَالْإِسْلَامِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصَّابِئُونَ زَمَنَ اسْتِقَامَةِ أَمْرِهِمْ {مَنْ آمَنَ} أَيْ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ بِالْمُوَافَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَاوُ مُضْمَرًا أَيْ: وَمَنْ آمَنَ بَعْدَكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَذْكُورِينَ بِالْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِينَ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اعْتَقَدُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَالصَّابِئُونَ بَعْضُ أَصْنَافِ الْكُفَّارِ {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} هَذِهِ الْأَصْنَافُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ {وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّ {مَنْ} يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فِي الدُّنْيَا {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} فِي الْآخِرَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} عَهْدَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} الْجَبَلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: مَا مِنْ لُغَةٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لُغَةٌ غَيْرُ لُغَةِ الْعَرَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} وَإِنَّمَا هَذَا وَأَشْبَاهُهُ وَقَعَ وِفَاقًا بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ (2) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَبَلًا مِنْ جِبَالِ فِلَسْطِينَ فَانْقَلَعَ مِنْ أَصْلِهِ حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ أَنْ يَقْبَلُوهَا وَيَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهَا فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوهَا لِلْآصَارِ (3) وَالْأَثْقَالِ الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَكَانَتْ شَرِيعَةً ثَقِيلَةً فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَلَعَ جَبَلًا عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ، وَكَانَ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ، فَرَفَعَهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ مِقْدَارَ قَامَةِ الرَّجُلِ كَالظُّلَّةِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ لَمْ تقبلوا التوراة التي أَرْسَلْتُ هَذَا الْجَبَلَ عَلَيْكُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنهما: رفع 13/أاللَّهُ فَوْقَ رُءُوسِهِمُ الطُّورَ، وَبَعَثَ نَارًا مِنْ قِبَلِ وُجُوهِهِمْ، وَأَتَاهُمُ الْبَحْرُ الْمَالِحُ مِنْ خَلْفِهِمْ

_ (1) في ب: تابعه. (2) انظر أقوال العلماء فيما وقع في القرآن بغير لغة العرب، الإتقان للسيوطي 2 / 125.. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. (3) جمع إصر: وهو هنا بمعنى العهد والميثاق، وقد يأتي بمعنى الإثم والعقوبة.

65

{خُذُوا} أَيْ قُلْنَا لَهُمْ خُذُوا {مَا آتَيْنَاكُمْ} أَعْطَيْنَاكُمْ {بِقُوَّةٍ} بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ وَمُوَاظَبَةٍ {وَاذْكُرُوا} وَادْرُسُوا {مَا فِيهِ} وَقِيلَ: احْفَظُوهُ وَاعْمَلُوا بِهِ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لِكَيْ تَنْجَوْا مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْعُقْبَى، فَإِنَّ قَبِلْتُمْ وَإِلَّا رَضَخْتُكُمْ بِهَذَا الْجَبَلِ وَأَغْرَقْتُكُمْ فِي هَذَا الْبَحْرِ وَأَحْرَقْتُكُمْ بِهَذِهِ النَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا مَهْرَبَ لَهُمْ عَنْهَا قَبِلُوا وَسَجَدُوا وَجَعَلُوا يُلَاحِظُونَ الْجَبَلَ وَهُمْ سُجُودٌ، فَصَارَ سُنَّةً لِلْيَهُودِ، وَلَا يَسْجُدُونَ إِلَّا عَلَى أَنْصَافِ وُجُوهِهِمْ، وَيَقُولُونَ: بِهَذَا السُّجُودِ رُفِعَ الْعَذَابُ عَنَّا. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أَعْرَضْتُمْ {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} مِنْ بَعْدِ مَا قَبِلْتُمُ التَّوْرَاةَ {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} يَعْنِي بِالْإِمْهَالِ وَالْإِدْرَاجِ وَتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ {لَكُنْتُمْ} لَصِرْتُمْ {مِنَ الْخَاسِرِينَ} مِنَ الْمَغْبُونِينَ بِالْعُقُوبَةِ وَذَهَابِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِيلَ: مِنَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ رَحِمَهُمْ بِالْإِمْهَالِ. {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوَذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ} أَيْ جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَصْلُ السَّبْتِ: الْقَطْعُ، قِيلَ: سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتِ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَطَعَ فِيهِ الْخَلْقَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْيَهُودَ أُمِرُوا فِيهِ بِقَطْعِ الْأَعْمَالِ، وَالْقِصَّةُ فِيهِ: أَنَّهُمْ كَانُوا زَمَنَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا أَيْلَةُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ السَّبْتُ لَمْ يَبْقَ حُوتٌ فِي الْبَحْرِ إِلَّا اجْتَمَعَ هُنَاكَ حَتَّى يُخْرِجْنَ خَرَاطِيمَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ لِأَمْنِهَا، حَتَّى لَا يُرَى الْمَاءُ مِنْ كَثْرَتِهَا، فَإِذَا مَضَى السَّبْتُ تَغْرَقْنَ وَلَزِمْنَ مَقْلَ (1) الْبَحْرِ، فَلَا يُرَى شَيْءٌ مِنْهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى "إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ" (163-الْأَعْرَافِ) . ثُمَّ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَمَدَ رِجَالٌ فَحَفَرُوا الْحِيَاضَ حَوْلَ الْبَحْرِ، وَشَرَّعُوا مِنْهُ إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، فَإِذَا كَانَتْ عَشِيَّةُ الْجُمْعَةِ فَتَحُوا تِلْكَ الْأَنْهَارَ، فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ إِلَى الْحِيَاضِ، فَلَا يَقْدِرْنَ عَلَى الْخُرُوجِ لِبُعْدِ عُمْقِهَا وَقِلَّةِ مَائِهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ أَخَذُوهَا، وَقِيلَ: كَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَانَ إِلَى (الْحِيَاضِ) (2) يَوْمَ السَّبْتِ وَلَا يَأْخُذُونَهَا ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ: كَانُوا يَنْصِبُونَ

_ (1) مقر البحر وأسفله. (2) زيادة من (ب) .

الْحَبَائِلَ وَالشُّخُوصَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَيُخْرِجُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَانًا وَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ فَتَجَرَّءُوا عَلَى الذَّنْبِ وَقَالُوا: ما نري السبب إِلَّا وَقَدْ أُحِلُّ لَنَا فَأَخَذُوا وَأَكَلُوا وَمَلَّحُوا وَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا وَكَثُرَ مَالُهُمْ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ أَمْسَكَ وَنَهَى، وَصِنْفٌ أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ، وَصِنْفٌ انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ، وَكَانَ النَّاهُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَمَّا أَبَى الْمُجْرِمُونَ قَبُولَ نُصْحِهِمْ قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُسَاكِنُكُمْ فِي قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَسَّمُوا الْقَرْيَةَ بِجِدَارٍ وَعَبَرُوا بِذَلِكَ سَنَتَيْنِ، فَلَعَنَهُمْ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِإِصْرَارِهِمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَخَرَجَ النَّاهُونَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَابِهِمْ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمُجْرِمِينَ أَحَدٌ وَلَمْ يَفْتَحُوا بابهم، فلما أبطؤوا تَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَائِطَ فَإِذَا هُمْ جَمِيعًا قِرَدَةً لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ، قَالَ قَتَادَةُ: صَارَ الشُّبَّانُ قِرَدَةً وَالشُّيُوخُ خَنَازِيرَ فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا وَلَمْ يَمْكُثْ مَسْخٌ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ يَتَوَالَدُوا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً} أَمْرُ تَحْوِيلٍ وَتَكْوِينٍ {خَاسِئِينَ} مُبْعَدِينَ مَطْرُودِينَ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ أَيْ كُونُوا خَاسِئِينَ قِرَدَةً وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ خَاسِئَاتٍ، وَالْخَسْأُ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ، وَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ يُقَالُ: خَسَأْتُهُ خَسْأً فَخَسَأَ خُسُوءًا مِثْلَ: رَجَعْتُهُ رَجْعًا فَرَجَعَ رُجُوعًا {فَجَعَلْنَاهَا} أَيْ جَعْلِنَا عُقُوبَتَهُمْ بِالْمَسْخِ {نَكَالًا} أَيْ عُقُوبَةً وَعِبْرَةً، وَالنَّكَالُ اسْمٌ لِكُلِّ عُقُوبَةٍ يُنَكَّلُ النَّاظِرُ مِنْ فِعْلِ مَا جُعِلَتِ الْعُقُوبَةُ جَزَاءً عَلَيْهِ، وَمِنْهُ النُّكُولُ عَنِ الْيَمِينِ وَهُوَ الِامْتِنَاعُ، وَأَصْلُهُ مِنَ النِّكْلِ وَهُوَ الْقَيْدُ وَيَكُونُ جَمْعُهُ: أَنْكَالًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا} قَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا يَعْنِي مَا سَبَقَتْ مِنَ الذُّنُوبِ، أَيْ جَعَلْنَا تِلْكَ الْعُقُوبَةَ جَزَاءً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ قَبْلَ نَهْيِهِمْ عَنْ أَخْذِ الصَّيْدِ {وَمَا خَلْفَهَا} مَا حَضَرَ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أُخِذُوا بِهَا، وَهِيَ الْعِصْيَانُ بِأَخْذِ الْحِيتَانِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: عُقُوبَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعِبْرَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِمْ، وَ (مَا) الثَّانِيَةُ بِمَعْنَى مَنْ، وَقِيلَ: {جَعَلْنَاهَا} أَيْ جَعَلْنَا قَرْيَةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ عِبْرَةً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا أَيِ الْقُرَى الَّتِي كَانَتْ مَبْنِيَّةً فِي الْحَالِ {وَمَا خَلْفَهَا} وَمَا يَحْدُثُ مِنَ الْقُرَى مِنْ بُعْدٍ لِيَتَّعِظُوا، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَجَعَلْنَاهَا وَمَا خَلْفَهَا، أَيْ مَا أُعِدَّ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَجَزَاءً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِاعْتِدَائِهِمْ فِي السَّبْتِ {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} الْبَقَرَةُ هِيَ الْأُنْثَى مِنَ الْبَقَرِ يُقَالُ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَقْرِ وَهُوَ الشَّقُّ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهَا تَشُقُّ الْأَرْضَ لِلْحِرَاثَةِ. وَالْقِصَّةُ (1) فِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ غَنِيٌّ وَلَهُ ابْنُ عَمٍّ فَقِيرٌ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ

_ (1) القصة من الإسرائيليات، كما يظهر، ولا يقبل في تفسير كتاب الله إلا ما جاء برواية ثابتة. وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن قص قصة البقرة: وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب. فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم". تفسير ابن كثير 1 / 197 وانظر: الإسرائيليات في التفسير والحديث للدكتور محمد حسين الذهبي.

68

مَوْتُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وَحَمَلَهُ إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى وَأَلْقَاهُ بِفِنَائِهِمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَطْلُبُ ثَأْرَهُ وَجَاءَ بِنَاسٍ إِلَى مُوسَى يَدَّعِي عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، فَسَأَلَهُمْ مُوسَى فَجَحَدُوا، وَاشْتَبَهَ أَمْرُ الْقَتِيلِ عَلَى مُوسَى، قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقَسَامَةِ (1) فِي التَّوْرَاةِ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ بِدُعَائِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً {قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أَيْ: تَسْتَهْزِئُ بِنَا، نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ وَتَأْمُرُنَا بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ!! وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ يَدْرُوا مَا الْحِكْمَةُ فِيهِ، قَرَأَ حَمْزَةُ هُزُوًا وَكُفُوًا بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وَبِتَرْكِ الْهَمْزَةِ حَفْصٌ {قَالَ} مُوسَى {أَعُوَذُ بِاللَّهِ} أَمْتَنِعُ بِاللَّهِ {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أَيْ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ: مِنَ الْجَاهِلِينَ بِالْجَوَابِ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ لِأَنَّ الْجَوَابَ لَا عَلَى وَفْقِ السُّؤَالِ جَهْلٌ، فَلَمَّا عَلِمَ (الْقَوْمُ) (2) أَنَّ ذَبْحَ الْبَقَرَةِ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَوْصَفُوهَا، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَدْنَى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ تَحْتَهُ حِكْمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ صَالِحٌ لَهُ (ابْنٌ) (3) طِفْلٌ وَلَهُ عِجْلَةٌ أَتَى بِهَا إِلَى غَيْضَةٍ (4) وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعُكَ هَذِهِ الْعِجْلَةَ لِابْنِي حَتَّى تَكْبُرَ، وَمَاتَ الرَّجُلُ فَصَارَتِ الْعِجْلَةُ فِي الْغَيْضَةِ عَوَانًا (5) ، وَكَانَتْ تَهْرُبُ مِنْ كُلِّ مَنْ رَآهَا فَلَمَّا كَبُرَ الِابْنُ وَكَانَ بَارًّا بِوَالِدَتِهِ، وَكَانَ يُقَسِّمُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ يُصَلِّي ثُلْثًا وَيَنَامُ ثُلْثًا وَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِ أُمِّهِ ثُلْثًا، فَإِذَا أَصْبَحَ انْطَلَقَ فَاحْتَطَبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَأْتِي بِهِ إِلَى السُّوقِ فَيَبِيعُهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِثُلْثِهِ، وَيَأْكُلُ ثُلْثَهُ، وَيُعْطِي وَالِدَتَهُ ثُلْثَهُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ يَوْمًا: إِنَّ أَبَاكَ وَرَّثَكَ عِجْلَةً اسْتَوْدَعَهَا اللَّهَ فِي غَيْضَةِ كَذَا فَانْطَلِقْ وَادْعُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ أَنْ يردها عليك 13/ب وَعَلَامَتُهَا أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِهَا، وَكَانَتْ تُسَمَّى الْمُذَهَّبَةَ لِحُسْنِهَا وَصُفْرَتِهَا، فَأَتَى الْفَتَى الْغَيْضَةَ فَرَآهَا تَرْعَى فَصَاحَ بِهَا وَقَالَ: أَعْزِمُ بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ تَأْتِيَ إِلَيَّ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَبَضَ عَلَى عُنُقِهَا يَقُودُهَا، فَتَكَلَّمَتِ الْبَقَرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْفَتَى الْبَارُّ بِوَالِدَتِكَ ارْكَبْنِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ عَلَيْكَ، فَقَالَ الْفَتَى: إِنَّ أُمِّي لَمْ تَأْمُرْنِي بِذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَتْ: خُذْ بِعُنُقِهَا، فَقَالَتِ الْبَقَرَةُ: بِإِلَهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَوْ رَكِبْتَنِي مَا كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَيَّ أَبَدًا، فَانْطَلِقْ فَإِنَّكَ لَوْ أَمَرْتَ الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِهِ وَيَنْطَلِقَ مَعَكَ لَفَعَلَ لِبِرِّكَ بِأُمِّكَ، فَسَارَ الْفَتَى بِهَا إِلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ فَقِيرٌ لَا مَالَ لَكَ فَيَشُقُّ عَلَيْكَ الِاحْتِطَابُ بِالنَّهَارِ وَالْقِيَامُ بِاللَّيْلِ فَانْطَلِقْ فَبِعْ هَذِهِ الْبَقَرَةَ، قَالَ: بِكَمْ أَبِيعُهَا؟ قَالَتْ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَلَا تَبِعْ بِغَيْرِ مَشُورَتِي وَكَانَ ثَمَنُ الْبَقَرَةِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى السُّوقِ، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا لِيُرِيَ خَلْقَهُ قُدْرَتَهُ وَلِيَخْتَبِرَ الْفَتَى كَيْفَ بَرَّ بِوَالِدَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ بِهِ خَبِيرًا فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: بِكَمْ تَبِيعُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ؟ قَالَ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ رِضَى وَالِدَتِي فَقَالَ الْمَلَكُ: لَكَ سِتَّةُ دَنَانِيرَ وَلَا تَسْتَأْمِرْ وَالِدَتَكَ فَقَالَ الْفَتَى: لَوْ أَعْطَيْتَنِي وَزْنَهَا ذَهَبًا لَمْ آخُذْهُ إِلَّا بِرِضَى أُمِّي فَرَدَّهَا إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا بِالثَّمَنِ فَقَالَتِ: ارْجِعْ فَبِعْهَا بِسِتَّةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنِّي فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى السُّوقِ وَأَتَى الْمَلَكَ فَقَالَ: اسْتَأْمَرْتَ أُمَّكَ فَقَالَ الْفَتَى: إِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ لَا أَنْقُصَهَا عَنْ سِتَّةٍ عَلَى أَنْ أَسْتَأْمِرَهَا فَقَالَ الْمَلَكُ: فَإِنِّي أُعْطِيكَ اثْنَيْ عَشَرَ عَلَى أَنْ لَا تَسْتَأْمِرَهَا، فَأَبَى الْفَتَى، فَرَجَعَ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ إِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ لِيَخْتَبِرَكَ فَإِذَا أَتَاكَ فَقُلْ لَهُ: أَتَأْمُرُنَا أَنَّ نَبِيعَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ أَمْ لَا؟ (فَفَعَلَ) (6) فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ وَقُلْ لَهَا أَمْسِكِي هَذِهِ الْبَقَرَةَ فَإِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَشْتَرِيهَا مِنْكِ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِمِلْءِ مَسْكِهَا دَنَانِيرَ، فَأَمْسَكُوهَا، وَقَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَبْحَ تِلْكَ الْبَقَرَةِ بِعَيْنِهَا فَمَا زَالُوا يَسْتَوْصِفُونَ مُوسَى حَتَّى وَصَفَ لَهُمْ تِلْكَ الْبَقَرَةَ، مُكَافَأَةً لَهُ عَلَى بِرِّهِ بِوَالِدَتِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً (فَذَلِكَ) (7) {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) } قَوْلُهُ تَعَالَى {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أَيُ (مَا صِفَتُهَا) (8) {قَالَ} مُوسَى {إِنَّهُ يَقُولُ} يَعْنِي فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّهُ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ {إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ} أَيْ لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ، وَالْفَارِضُ الْمُسِنَّةُ الَّتِي لَا تَلِدُ، يُقَالُ مِنْهُ: فَرَضَتْ تَفْرِضُ فُرُوضًا، وَالْبِكْرُ الْفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ، وَحُذِفَتِ (الْهَاءُ) (9) مِنْهُمَا لِلِاخْتِصَاصِ بِالْإِنَاثِ كَالْحَائِضِ (عَوَانٌ) وَسَطٌ نِصْفٌ {بَيْنَ ذَلِكَ} أَيْ بَيْنِ السِّنِينَ يُقَالُ عَوَّنَتِ الْمَرْأَةُ تَعْوِينًا: إِذَا زَادَتْ عَلَى الثَّلَاثِينَ، قَالَ الْأَخْفَشُ (الْعَوَانُ: الَّتِي لَمْ تَلِدْ قَطُّ، وَقِيلَ:) (10) الْعَوَانُ الَّتِي نَتَجَتْ مِرَارًا وَجَمْعُهَا عَوْنٌ {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ} ذَبْحُ الْبَقَرَةِ وَلَا تُكْثِرُوا السُّؤَالَ {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: صَافٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الصَّفْرَاءُ السَّوْدَاءُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ أَسْوَدُ فَاقِعٌ إِنَّمَا يُقَالُ: أَصْفَرُ فَاقِعٌ، وَأَسْوَدُ (حَالِكٌ) (11) وَأَحْمَرُ قَانِئٌ، وَأَخْضَرُ ناضر، وأبيض بقق لِلْمُبَالَغَةِ، {تَسُرُّ

_ (1) الأيمان تقسم على أولياء القتيل الذين ادعوا الدم. (2) في الأصل: الناس. (3) من ب. (4) الشجر الملتف. (5) متوسط في السن بين الصغر والكبر. (6) من ب. (7) من ب. (8) في ب: سنها. (9) من ب. (10) ساقط من (ب) من المطبوع. (11) في الأصل كالح.

النَّاظِرِينَ} إِلَيْهَا يُعْجِبُهُمْ حُسْنُهَا وَصَفَاءُ لَوْنِهَا.

70

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) } {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أَسَائِمَةٌ أَمْ عَامِلَةٌ {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وَلَمْ يَقُلْ تَشَابَهَتْ لِتَذْكِيرِ لَفْظِ الْبَقَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ" (20-الْقَمَرِ) وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ جِنْسُ الْبَقَرِ تَشَابَهَ، أَيِ الْتَبَسَ وَاشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَيْنَا فَلَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} إِلَى وَصْفِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَاللَّهِ) (1) لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَتْ لَهُمْ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ" (2) {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ} مُذَلَّلَةٌ بِالْعَمَلِ يُقَالُ: رَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُّلِّ، وَدَابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذُّلِّ {تُثِيرُ الْأَرْضَ} تَقْلِبُهَا لِلزِّرَاعَةِ {وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ} أَيْ لَيْسَتْ بِسَاقِيَةٍ {مُسَلَّمَةٌ} بَرِيئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ {لَا شِيَةَ فِيهَا} لَا لَوْنَ لَهَا سِوَى لَوْنِ جَمِيعِ جِلْدِهَا قَالَ عَطَاءٌ: لَا عَيْبَ فِيهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا بَيَاضَ فِيهَا وَلَا سَوَادَ {قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} أَيْ بِالْبَيَانِ التَّامِّ الشَّافِي الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَطَلَبُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا بِكَمَالِ وَصْفِهَا إِلَّا مَعَ الْفَتَى فَاشْتَرَوْهَا بِمَلْءِ مَسْكِهَا ذَهَبًا، {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} مِنْ غَلَاءِ ثَمَنِهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: وَمَا كَادُوا يَجِدُونَهَا بِاجْتِمَاعِ أَوْصَافِهَا، وَقِيلَ {وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} مِنْ شِدَّةِ اضْطِرَابِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيهَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا} هَذَا أَوَّلُ الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فِي التِّلَاوَةِ، وَاسْمُ الْقَتِيلِ (عَامِيلُ) (3) {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} أَصْلُهُ تَدَارَأْتُمْ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ وَأُدْخِلَتِ الْأَلْفُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: "اثَّاقَلْتُمْ" قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَاخْتَلَفْتُمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: تَدَافَعْتُمْ، أَيْ يُحِيلُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الدَّرْءِ وَهُوَ الدَّفْعُ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ} أَيْ مُظْهِرٌ {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فَإِنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَكْتُمُ الْقَتْلَ {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ} يَعْنِي الْقَتِيلَ (بِبَعْضِهَا) أَيْ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ،

_ (1) في ب وأيم الله. (2) الطبري: 2 / 205، ابن كثير: 1 / 199، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (8) : أخرجه ابن جرير من طريق ابن جريج مرفوعا، وهو معضل. (3) معرفة الاسم ليس عليه دليل، والعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر.

وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: ضَرَبُوهُ بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ وَهُوَ الْمَقْتَلُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: بِعَجْبِ الذَّنَبِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ وَآخِرُ مَا يَبْلَى، وَيُرَكَّبُ عَلَيْهِ الْخَلْقُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: بِلِسَانِهَا، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: هَذَا أَدُلُّ بِهَا لِأَنَّهُ آلَةُ الْكَلَامِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: بِفَخْذِهَا الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ: بِعُضْوٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَقَامَ الْقَتِيلُ حَيًّا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْدَاجُهُ، أَيْ عُرُوقُ الْعُنُقِ، تَشْخُبُ دَمًا وَقَالَ قَتَلَنِي فُلَانٌ، ثُمَّ سَقَطَ وَمَاتَ مَكَانَهُ فَحُرِمَ قَاتِلُهُ الْمِيرَاثَ، وَفِي الْخَبَرِ: "مَا وَرِثَ قَاتِلٌ بَعْدَ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ" (1) وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ: فَضُرِبَ فَحُيِيَ {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} كَمَّا أَحْيَا عَامِيلَ، {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} قِيلَ تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي. أَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْإِسْلَامِ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَوْضِعٍ وَلَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ (لَوْثٌ) (2) عَلَى إِنْسَانٍ -وَاللَّوْثُ: أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْقَلْبِ صِدْقُ الْمُدَّعِي، بِأَنِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ فِي بَيْتٍ أَوْ صَحْرَاءَ فَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّ الْقَاتِلَ فِيهِمْ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ كُلُّهُمْ أَعْدَاءٌ لِلْقَتِيلِ لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، فَيَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ -فَادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، يَحْلِفُ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ جَمَاعَةً تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَعْدَمَا حَلَفُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنِ ادَّعَوْا قَتْلَ خَطَأٍ، وَإِنِ ادَّعَوْا قَتْلَ عَمْدٍ فَمِنْ مَالِهِ، وَلَا قَوَدَ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْثٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ ثُمَّ هَلْ يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً أَمْ خَمْسِينَ يَمِينًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) يَمِينًا وَاحِدَةً كَمَا فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى (وَالثَّانِي) يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا تَغْلِيظًا لِأَمْرِ الدَّمَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا حُكْمَ لِلَّوْثِ [وَلَا يَزِيدُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي] (3) وَقَالَ: إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحَلَّةٍ يَخْتَارُ الْإِمَامُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ صُلَحَاءِ أَهْلِهَا فَيُحَلِّفُهُمْ أَنَّهُمْ مَا قَتَلُوهُ وَلَا عَرَفُوا لَهُ قَاتِلًا ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّيَةَ مِنْ سُكَّانِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي عِنْدَ وجود اللوث: [ما أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلَّالِ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ] (4) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ فَانْطَلَقَ هُوَ وعبد الرحمن 14/أأَخُو الْمَقْتُولِ وَحُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ

_ (1) أخرجه الطبري: 2 / 184، وذكره ابن كثير: 1 / 194 بتحقيق الوادعي. (2) في الأصل: اللوث. (3) في ب: لا يبدأ بيمين المدعي. (4) ساقط من الأصل، وهو في (ب) .

74

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ" فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَحْضُرْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَتُبَرِّئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَزَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقْلَهُ مِنْ عِنْدِهِ (1) [وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ] (2) قَالَ بَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ: قَالَ سَهْلٌ لَقَدْ رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ رَكَضَتْنِي نَاقَةٌ حَمْرَاءُ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ فِي مِرْبَدٍ لَنَا" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَثْنَى عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ. (3) . وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنَ الْخَبَرِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ لِتُقَوِّي جَانِبَهُمْ بِاللَّوْثِ، وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وُجِدَ قَتِيلًا فِي خَيْبَرَ، وَكَانَتِ الْعَدَاوَةُ ظَاهِرَةً بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَانَ يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَالْيَمِينُ أَبَدًا تَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ يَقْوَى جَانِبُهُ وَعِنْدَ عَدَمِ اللَّوْثِ يَقْوَى جَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } قَوْلُهُ تَعَالَى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} يَبِسَتْ وَجَفَّتْ، جَفَافُ الْقَلْبِ: خُرُوجُ الرَّحْمَةِ وَاللِّينُ عَنْهُ، وَقِيلَ: غَلُظَتْ، وَقِيلَ: اسْوَدَّتْ، {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَالَاتِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: نَحْنُ لَمْ نَقْتُلْهُ، فَلَمْ يَكُونُوا قَطُّ أَعْمَى قَلْبًا وَلَا أَشَدَّ تَكْذِيبًا لِنَبِيِّهِمْ مِنْهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ {فَهِي} أَيْ فِي الْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ {كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} قِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى بَلْ وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" (147-الصَّافَّاتِ) أَيْ: بَلْ يَزِيدُونَ أَوْ وَيَزِيدُونَ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحَدِيدِ مَعَ أَنَّهُ أَصْلَبُ مِنَ الْحِجَارَةِ، لِأَنَّ الْحَدِيدَ قَابِلٌ لِلِّينِ فَإِنَّهُ يَلِينُ بِالنَّارِ، وَقَدْ لَانَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحِجَارَةُ لَا تَلِينَ قَطُّ، ثُمَّ فَضَّلَ الْحِجَارَةَ عَلَى الْقَلْبِ الْقَاسِي فَقَالَ: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِ (جَمِيعَ) (4) الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِ مُوسَى لِلْأَسْبَاطِ {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ

_ (1) رواه البخاري: في الجزية والموادعة - باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره: 6 / 275. ومسلم: في القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب القسامة برقم (1669) 3 / 1291. والمصنف في شرح السنة: 10 / 211 وما بعدها دون زيادة فعزم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقله من عنده. (2) زيادة من (ب) . (3) وأخرجه مسلم من طرق أخرى عن يحيى بن سعيد في القسامة والمحاربين 3 / 1292. (4) زيادة من (ب) .

الْمَاءُ} أَرَادَ بِهِ عُيُونًا دُونَ الْأَنْهَارِ {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} يَنْزِلُ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى أَسْفَلِهِ {مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} وَقُلُوبُكُمْ لَا تَلِينُ وَلَا تَخْشَعُ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَجَرُ جَمَادٌ لَا يَفْهَمُ، فَكَيْفَ (يَخْشَى) (1) ؟ قِيلَ: اللَّهُ يُفْهِمُهُ وَيُلْهِمُهُ فَيَخْشَى بِإِلْهَامِهِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْمًا فِي الْجَمَادَاتِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ سِوَى الْعَقْلِ، لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَلَهَا صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَخَشْيَةٌ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ" (44-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ "وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ" (41-النُّورِ) وَقَالَ: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ" (18-الْحَجِّ) الْآيَةَ، فَيَجِبُ عَلَى (الْمُؤْمِنِ) (2) الْإِيمَانُ بِهِ وَيَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى ثَبِيرٍ وَالْكُفَّارُ يَطْلُبُونَهُ فَقَالَ الْجَبَلُ: انْزِلْ عَنِّي فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تُؤْخَذَ عَلَيَّ فَيُعَاقِبُنِي اللَّهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ جَبَلُ حِرَاءٍ: إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ". أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ثَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ أَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لِأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ وَإِنِّي لِأَعْرِفُهُ الْآنَ" (3) [هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بَكْرٍ. وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ عَلَى أُحُدٍ فَقَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" (4) وَرَوِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ، صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَقَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ عَيِيَ فَرَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحِرَاثَةِ الْأَرْضِ" فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَتَكَلَّمُ!؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ" وَقَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَاسْتَنْقَذَهَا، فَقَالَ الذِّئْبَ: فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبْعِ؟ أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي" فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ

_ (1) في الأصل: يخشع. (2) في ب: المرء. (3) رواه مسلم: في الفضائل: باب فضل نسب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة برقم (2277) 4 / 1782. والمصنف في شرح السنة: 13 / 287، وعنه أصلحنا بعض الأغلاط في السند الذي سقط من الأصل. (4) رواه البخاري: في الجهاد - باب فضل الخدمة في الغزو 6 / 83-84. وفي الأطعمة وفي الزكاة وفي الأنبياء. ومسلم: في الفضائل - باب: في معجزات النبي صلى الله عليه سلم برقم (1392) 4 / 1785. والمصنف في شرح السنة: 11 / 25.

يَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ "أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ" (1) ، وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِرَاءٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اهْدَأْ أَيِ: اسْكُنْ. فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صَدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ" (2) صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الصَّانِعُ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ هِشَامٍ الرَّازِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ ضُرَيْسٍ الْبَجَلِيُّ الرَّازِّيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ أَبِي يَزِيدَ] (3) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فَخَرَجْنَا فِي نَوَاحِيهَا خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ بَيْنَ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ، فَلَمْ يَمُرَّ بِشَجَرَةٍ وَلَا جَبَلٍ إِلَّا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ" (4) . أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ السَّارِيَةُ وَحَنَتْ كَحَنِينِ النَّاقَةِ حَتَّى سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَنَقَهَا فَسَكَنَتْ" (5) . قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَنْزِلُ حَجَرٌ مِنْ أَعْلَى إِلَى الْأَسْفَلِ إِلَّا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَيَشْهَدُ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ تَعَالَى "لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (21-الْحَشْرِ) .

_ (1) رواه البخاري في الأنبياء: 6 / 512، وفي الحرث والمزارعة، وفي فضائل أصحاب النبي، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، برقم (2388) 4 / 1857. والمصنف في شرح السنة: 14 / 96-97. (2) رواه البخاري: في فضائل أصحاب النبي - باب: مناقب عثمان بن عفان: 7 / 53. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما برقم (2417) 4 / 1480. والمصنف في شرح السنة: 14 / 127 بلفظ: فتحركت الصخرة فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اهدئي فما عليك إلا.......... (3) زيادة من نسخة (ب) والمطبوع - ساقطة من (أ) . (4) رواه الترمذي: في المناقب باب: الشجر والحجر يسلمان على النبي 10 / 99-100 وقال: حسن غريب، والدارمي في المقدمة: 1 / 12. والمصنف في شرح السنة: 13 / 287 وقال هذا حديث غريب وفي سنده إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي وعباد بن أبي يزيد ضعيف ومجهول التقريب، ميزان الاعتدال 2 / 378. (5) رواه الترمذي: 10 / 100-101 عن أنس، وقال حديث أنس هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وابن ماجه: في إقامة الصلاة برقم (1414) . وأحمد: 1 / 349 ومواضع أخرى، والدارمي في المقدمة - باب: ما أكرم الله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحنين المنبر: 1 / 16 وعند البخاري والنسائي بمعناه.

75

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ} (بِسَاهٍ) (1) {عَمَّا تَعْمَلُونَ} وَعِيدٌ وَتَهْدِيدٌ، وَقِيلَ: بِتَارِكِ عُقُوبَةِ مَا تَعْمَلُونَ، بَلْ يُجَازِيكُمْ بِهِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ يَعْمَلُونَ بِالْيَاءِ وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ. {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) } قَوْلُهُ تَعَالَى {أَفَتَطْمَعُونَ} أَفَتَرْجُونَ؟ يُرِيدُ: مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} تُصَدِّقُكُمُ الْيَهُودُ بِمَا تُخْبِرُونَهُمْ بِهِ {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} يُغَيِّرُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} عَلِمُوهُ كَمَا غَيَّرُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةَ الرَّجْمِ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ وَجَمَاعَةٍ (2) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا -بَعْدَمَا سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ -إِلَى قَوْمِهِمْ رَجَعَ النَّاسُ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَأَمَّا الصَّادِقُونَ مِنْهُمْ فَأَدَّوْا كَمَا سَمِعُوا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: سَمِعْنَا اللَّهَ يَقُولُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فَافْعَلُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَفْعَلُوا، فَهَذَا تَحْرِيفُهُمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ (3) . {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي مُنَافِقِي الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ {قَالُوا آمَنَّا} كَإِيمَانِكُمْ {وَإِذَا خَلَا} رَجَعَ {بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} -كعب بن الأشراف وكعب بْنُ أَسَدٍ وَوَهْبُ بْنُ يَهُودَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ -لِأَمْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ {قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بِمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ: أَنَّ مُحَمَّدًا حَقٌّ وَقَوْلَهُ صِدْقٌ. وَالْفَتَّاحُ الْقَاضِي. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: بِمَا بَيَّنَهُ اللَّهُ لَكُمْ [مِنَ الْعِلْمِ بِصِفَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ، وَقَالَ:] (4) الْوَاقِدِيُّ: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَنَظِيرُهُ: "لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ" (44-الْأَنْعَامِ) أَيْ أَنْزَلْنَا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: بِمَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَأَعْطَاكُمْ {لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ} لِيُخَاصِمُوكُمْ، يَعْنِي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَجُّوا بِقَوْلِكُمْ

_ (1) زيادة من (ب) . (2) أسباب النزول للواحدي ص63. (3) أسباب النزول للواحدي ص63. (4) ما بين القوسين جاء في نسخة ب تابعا لكلام الكسائي.

(عَلَيْكُمْ) (1) فَيَقُولُوا: قَدْ أَقْرَرْتُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ فِي كِتَابِكُمْ ثُمَّ لَا تَتَّبِعُونَهُ!! وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ شَاوَرُوهُمْ فِي اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آمِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حَقٌّ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِتَكُونَ لَهُمُ الْحُجَّةُ عَلَيْكُمْ {عِنْدَ رَبِّكُمْ} فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أَخْبَرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِهِ، عَلَى الْجِنَايَاتِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: [أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَذَابِ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ، لِيَرَوُا الْكَرَامَةَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ يَهُودَ قُرَيْظَةَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ] (2) حِينَ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا إِخْوَانَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ" فَقَالُوا: مَنْ أَخْبَرَ مُحَمَّدًا بِهَذَا؟ مَا خَرَجَ هَذَا إِلَّا مِنْكُمْ (3) ، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}

_ (1) زيادة من (ب) . (2) زيادة من (ب) . (3) أخرجه الطبري: 2 / 252 بتحقيق الشيخ شاكر، وذكره ابن كثير: 1 / 207 بتحقيق الوادعي.

77

{أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} يُخْفُونَ {وَمَا يُعْلِنُونَ} يُبْدُونَ يَعْنِي الْيَهُودَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} أَيْ مِنَ الْيَهُودِ أُمِّيُّونَ لَا يُحْسِنُونَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ، جَمْعُ أُمِّيٍّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأُمِّ كَأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا انْفَصَلَ مِنَ الْأُمِّ لَمْ يَتَعَلَّمْ كِتَابَةً وَلَا قِرَاءَةً. [وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ "إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ أَيْ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ (1) ] (2) وَقِيلَ: هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أُمِّ الْقُرَى وَهِيَ مَكَّةُ {لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَانِيَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ كُلَّ الْقُرْآنِ حَذَفَ إِحْدَى الْيَاءَيْنِ (تَخْفِيفًا) (3) وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ جُمَعُ الْأُمْنِيَّةِ وَهِيَ التِّلَاوَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ" (52-الْحَجِّ) أَيْ فِي قِرَاءَتِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: [إِلَّا تِلَاوَتِهِ

_ (1) رواه البخاري: في الصوم - باب: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا نكتب ولا نحسب: 4 / 136. ومسلم: في الصيام - باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم (1080) 2 / 761. والمصنف في شرح السنة: 6 / 228. (2) زيادة من نسخة ب، وفيها تقديم وتأخير في بعض العبارات تغير المعنى، فأصلحناها. (3) في المخطوطتين: استخفافا.

وَقِرَاءَتِهِ] (1) عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ لَا يَقْرَءُونَهُ مِنْ كِتَابٍ، وَقِيلَ: يَعْلَمُونَهُ حِفْظًا وَقِرَاءَةً لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي غَيْرَ عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكِتَابِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: إِلَّا كَذِبًا وَبَاطِلًا قَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَمَانِيُّ: الْأَحَادِيثُ الْمُفْتَعَلَةُ، قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ (أَيْ مَا كَذَبْتُ) (2) ، وَأَرَادَ بِهَا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا عُلَمَاؤُهُمْ مِنْ عِنْدِ أنفسهم ثم 14/ب أَضَافُوهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: هِيَ مِنَ التَّمَنِّي، وَهِيَ أَمَانِيُّهِمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِثْلَ قَوْلِهِمْ "لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى" (111-الْبَقَرَةِ) وَقَوْلِهِمْ: "لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً" (80-الْبَقَرَةِ) وَقَوْلِهِمْ "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ" (18-الْمَائِدَةِ) فَعَلَى هَذَا تَكُونُ (إِلَّا) بِمَعْنَى (لَكِنْ) أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أَشْيَاءَ لَا تَحْصُلُ لَهُمْ {وَإِنْ هُمْ} وَمَا هُمْ {إِلَّا يَظُنُّونَ} وَمَا هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ظَنًّا وَتَوَهُّمًا لَا يَقِينًا، قَالَهُ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَكْذِبُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ} قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيْلٌ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا كُلُّ وَاقِعٍ فِي هَلَكَةٍ، وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شِدَّةُ الْعَذَابِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبَالُ الدُّنْيَا لَانْمَاعَتْ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدِينِ بْنِ سَعْدٍ [عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ] (3) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْوَيْلُ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الْكَافِرُ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ، وَالصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ثُمَّ يَهْوِي فَهُوَ كَذَلِكَ" (4) . {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} وَذَلِكَ أَنَّ أَحْبَارَ الْيَهُودِ خَافُوا ذَهَابَ مَأْكَلَتِهِمْ وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، فَاحْتَالُوا فِي تَعْوِيقِ الْيَهُودِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ فَعَمَدُوا إِلَى صِفَتِهِ فِي التَّوْرَاةِ، وَكَانَتْ صِفَتُهُ فِيهَا: حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الشَّعْرِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، رَبْعَةٌ، فَغَيَّرُوهَا وَكَتَبُوا مَكَانَهَا طِوَالٌ أَزْرَقُ سَبْطُ الشَّعْرِ فَإِذَا سَأَلَهُمْ سَفِلَتُهُمْ عَنْ صِفَتِهِ قَرَءُوا مَا كَتَبُوا فَيَجِدُونَهُ مُخَالِفًا لِصِفَتِهِ فَيُكَذِّبُونَهُ وَيُنْكِرُونَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} يَعْنِي مَا كَتَبُوا

_ (1) في ب: إلا قراءة وتلاوة. (2) زيادة من (ب) . (3) ساقط من "أ" وهو في "ب" وشرح السنة. (4) أخرجه الترمذي: في التفسير - سورة الأنبياء: 9 / 5 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة وأحمد: 3 / 75 وفي شرح السنة: 15 / 247. (وفي سنده: رشدين بن سعد ودراج بن سمعان وكلاهما ضعيف) . انظر الضعفاء والمتروكين ص102،107. ميزان الاعتدال 2 / 24 و49. الجرح والتعديل 3 / 441 - 513 تهذيب التهذيب 3 / 208 - 277 التقريب 1 / 235-251.

80

بِأَنْفُسِهِمُ اخْتِرَاعًا مِنْ تَغْيِيرِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} الْمَآكِلِ وَيُقَالُ: مِنَ الْمَعَاصِي. {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطْتُ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } {وَقَالُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [لَنْ تُصِيبَنَا النَّارُ] (1) {إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} قَدْرًا مُقَدَّرًا ثُمَّ يَزُولُ عَنَّا الْعَذَابُ وَيَعْقُبُهُ النَّعِيمُ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ الْيَهُودُ يَقُولُونَ: هَذِهِ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نُعَذَّبُ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ يَوْمًا وَاحِدًا ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: يَعْنُونَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا الَّتِي عَبَدَ فِيهَا آبَاؤُهُمُ الْعِجْلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنْ رَبَّنَا عَتَبَ عَلَيْنَا فِي أَمْرِنَا، فَأَقْسَمَ لَيُعَذِّبُنَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ الْقِسْمِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَكْذِيبًا لَهُمْ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ} أَلِفُ اسْتِفْهَامٍ دَخَلَتْ عَلَى أَلِفِ الْوَصْلِ، عِنْدَ اللَّهِ {عَهْدًا} مُوَثَّقًا أَنْ لَا يُعَذِّبَكُمْ إِلَّا هَذِهِ الْمُدَّةَ {فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ} وَوَعْدَهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: عَهْدًا بِالتَّوْحِيدِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا" (87-مَرْيَمَ) يَعْنِي: قَوْلُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ثُمَّ قَالَ {بَلَى} وَبَلْ وَبَلَى: حَرْفَا اسْتِدْرَاكٍ وَمَعْنَاهُمَا نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْخَبَرِ الْمُسْتَقْبَلِ {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} يَعْنِي الشِّرْكَ {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ خَطِيئَاتُهُ بِالْجَمْعِ، وَالْإِحَاطَةُ الْإِحْدَاقُ بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ الشِّرْكُ يَمُوتُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: السَّيِّئَةُ الْكَبِيرَةُ. وَالْإِحَاطَةُ بِهِ أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَيَمُوتُ غَيْرَ تَائِبٍ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ والربيع بن خيثم وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الذُّنُوبُ تُحِيطُ بِالْقَلْبِ، كُلَّمَا أَذْنَبَ ذَنْبًا ارْتَفَعَتْ

_ (1) ساقط من أ.

(حَتَّى تَغْشَى) (1) الْقَلْبَ وَهِيَ الرَّيْنُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَوْبَقَتْهُ ذُنُوبُهُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ" (66-يُوسُفَ) أَيْ تَهْلِكُوا {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فِي التَّوْرَاةِ، وَالْمِيثَاقُ الْعَهْدُ الشَّدِيدُ {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {لَا يَعْبُدُونَ} بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" مَعْنَاهُ أَلَّا تَعْبُدُوا فَلَمَّا حَذَفَ أَنْ صَارَ الْفِعْلُ مَرْفُوعًا، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ عَلَى النَّهْيِ {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} أَيْ وَوَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا وَنُزُولًا عِنْدَ أَمْرِهِمَا، فِيمَا لَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى {وَذِي الْقُرْبَى} أَيْ وَبِذِي الْقَرَابَةِ وَالْقُرْبَى مَصْدَرٌ كَالْحُسْنَى {وَالْيَتَامَى} جَمْعُ يَتِيمٍ وَهُوَ الطِّفْلُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ {وَالْمَسَاكِينِ} يَعْنِي الْفُقَرَاءَ {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} صِدْقًا وَحَقًّا فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ سَأَلَكُمْ عَنْهُ فَاصْدُقُوهُ وَبَيِّنُوا صِفَتَهُ وَلَا تَكْتُمُوا أَمْرَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مُرُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ: هُوَ اللِّينُ فِي الْقَوْلِ وَالْمُعَاشَرَةُ بِحُسْنِ الْخُلُقِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ: حَسَنًا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ أَيْ قَوْلًا حَسَنًا {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أَعْرَضْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ آمَنُوا {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} كَإِعْرَاضِ آبَائِكُمْ.

_ (1) في الأصل حتى يقسو وفي ب حتى تغشى.

84

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أَيْ لَا تُرِيقُونَ دِمَاءَكُمْ أَيْ: لَا يَسْفِكُ بَعْضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَا تَسْفِكُوا دِمَاءَ غَيْرِكُمْ فَتَسْفِكُ دِمَاءَكُمْ، فَكَأَنَّكُمْ سَفَكْتُمْ دِمَاءَ أَنْفُسِكُمْ، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أَيْ لَا يُخْرِجُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ دَارِهِ، وَقِيلَ: لَا تُسِيئُوا جِوَارَ من جاوركم فتلجؤوهم إِلَى الْخُرُوجِ بِسُوءِ جِوَارِكُمْ {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بِهَذَا الْعَهْدِ أَنَّهُ حَقٌّ وَقَبِلْتُمْ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَتُقِرُّونَ بِالْقَبُولِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ لِلتَّنْبِيهِ {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} أَيْ (يَقْتُلُ) (1) بَعْضُكُمْ بَعْضًا {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} بِتَشْدِيدِ الظَّاءِ أَيْ تَتَظَاهَرُونَ

_ (1) ساقط من الأصل.

أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الظَّاءِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِتَخْفِيفِ الظَّاءِ فَحَذَفُوا تَاءَ التَّفَاعُلِ وَأَبْقَوْا تَاءَ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَا تَعَاوَنُوا" مَعْنَاهُمَا جَمِيعًا: تَتَعَاوَنُونَ، وَالظَّهِيرُ: الْعَوْنُ {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} الْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى} وَقَرَأَ حَمْزَةُ: أَسْرَى، وَهُمَا جَمْعُ أَسِيرٍ، ومعناهما واحد {تُفَادُوهُم} بِالْمَالِ وَتُنْقِذُوهُمْ وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ (تُفَادُوهُمْ) أَيْ تُبَادِلُوهُمْ، أَرَادَ: مُفَادَاةَ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاحِدٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ قَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَلَا يُخْرِجَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ دِيَارِهِمْ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاشْتَرُوهُ بِمَا قَامَ مِنْ ثَمَنِهِ وَأَعْتِقُوهُ، فَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، وَالنَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، وَكَانُوا يَقْتَتِلُونَ فِي حَرْبٍ سمير؟ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ وَحُلَفَاؤُهُمْ وَبَنُو النَّضِيرِ وَحُلَفَاؤُهُمْ وَإِذَا غَلَبُوا أَخْرَبُوا دِيَارَهُمْ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهَا، وَإِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَتُعَيِّرُهُمُ الْعَرَبُ وَتَقُولُ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتَفْدُونَهُمْ قَالُوا: إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَفْدِيَهُمْ فَيَقُولُونَ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ؟ قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحِي أَنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا، فَعَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَنَظْمُهَا {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا منكم من 15/أدِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةَ عُهُودٍ: تَرْكَ الْقِتَالِ، وَتَرْكَ الْإِخْرَاجِ، وَتَرْكَ الْمُظَاهَرَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَفِدَاءَ أَسْرَاهُمْ، فَأَعْرَضُوا عَنِ الْكُلِّ إِلَّا الْفِدَاءَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُ إِنْ وَجَدْتَهُ فِي يَدِ غَيْرِكَ فَدَيْتَهُ وَأَنْتَ تَقْتُلُهُ بِيَدِكَ {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {إِلَّا خِزْيٌ} عَذَابٌ وَهَوَانٌ {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فَكَانَ خِزْيُ قُرَيْظَةَ الْقَتْلَ وَالسَّبْيَ وَخِزْيُ النَّضِيرِ الْجَلَاءَ وَالنَّفْيَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى أَذَرِعَاتٍ وَأَرِيحَاءَ مِنَ الشَّامِ {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} عَذَابِ النَّارِ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ

87

عَمَّا تَعْمَلُونَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ (وَأَبُو بَكْرٍ) (1) بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} اسْتَبْدَلُوا {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ} يُهَوَّنُ {عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) }

_ (1) ساقط من الأصل.

89

{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) } {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أَعْطَيْنَا {مُوسَى الْكِتَابَ} التَّوْرَاةَ، جُمْلَةً وَاحِدَةً {وَقَفَّيْنَا} وَأَتْبَعْنَا {مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} رَسُولًا بَعْدَ رَسُولٍ {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} الدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَهِيَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَالْمَائِدَةِ وَقِيلَ: أَرَادَ الْإِنْجِيلَ {وَأَيَّدْنَاهُ} قَوَّيْنَاهُ {بِرُوحِ الْقُدُسِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ الْقُدْسِ بِسُكُونِ الدَّالِ وَالْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ الرُّعُبِ وَالرُّعْبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي رُوحِ الْقُدُسِ، قَالَ الرَّبِيعُ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالرُّوحِ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ، وَالْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ تَكْرِيمًا وَتَخْصِيصًا نَحْوَ بَيْتِ اللَّهِ، وَنَاقَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ: "فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا" (12-التَّحْرِيمِ) [وَرُوحٌ مِنْهُ] (1) (171-النِّسَاءِ) وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقُدُسِ الطِّهَارَةَ، يَعْنِي الرُّوحَ الطَّاهِرَةَ سَمَّى رُوحَهُ قُدُسًا، لِأَنَّهُ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ أَصْلَابُ الْفُحُولَةِ وَلَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الطَّوَامِثِ، إِنَّمَا كَانَ أَمْرًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قِيلَ: وُصِفَ جِبْرِيلُ بِالْقُدُسِ أَيْ بِالطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْقُدُسُ هُوَ اللَّهُ وَرُوحُهُ جِبْرِيلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ" (102-النَّحْلِ)

_ (1) زيادة من ب.

وَتَأْيِيدُ عِيسَى بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُ حَيْثُ سَارَ حَتَّى صَعِدَ بِهِ اللَّهُ {إِلَى السَّمَاءِ} (1) وَقِيلَ: سُمِّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رُوحًا لِلَطَافَتِهِ وَلِمَكَانَتِهِ مِنَ الْوَحْيِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ حَيَاةِ الْقُلُوبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْأَعْظَمُ بِهِ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُرِي النَّاسَ بِهِ الْعَجَائِبَ، وَقِيلَ: هُوَ الْإِنْجِيلُ جَعَلَ لَهُ رُوحًا كَمَا {جَعْلَ الْقُرْآنَ رُوحًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِحَيَاةِ الْقُلُوبِ} (2) قَالَ تَعَالَى: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا" (52-الشُّورَى) فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ ذِكْرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَا مِثْلَ عِيسَى -كَمَا تَزْعُمُ-عَمِلْتَ، وَلَا كَمَا تَقُصُّ عَلَيْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَعَلْتَ، فَأْتِنَا بِمَا أَتَى بِهِ عِيسَى إِنْ كُنْتَ صَادِقًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} تَكَبَّرْتُمْ وَتَعَظَّمْتُمْ عَنِ الْإِيمَانِ {فَفَرِيقًا} طَائِفَةً {كَذَّبْتُمْ} مِثْلَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} أَيْ قَتَلْتُمْ مِثْلَ زكريا ويحيى وشعيبا وَسَائِرِ مَنْ قَتَلُوهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ {وَقَالُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جَمْعُ الْأَغْلُفِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ غِشَاءٌ، مَعْنَاهُ عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَا تَعِي وَلَا تَفْقَهُ مَا تَقُولُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ" (5-فُصِّلَتْ) وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلُفٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْرَجِ وَهُوَ جَمْعُ غِلَافٍ أَيْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِكَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ أَوْعِيَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ فَلَا تَسْمَعُ حَدِيثًا إِلَّا تَعِيهِ إِلَّا حَدِيثَكَ لَا تَعْقِلُهُ وَلَا تَعِيهِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ {خَيْرٌ} (3) لَوَعَتْهُ وَفَهِمَتْهُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} طَرَدَهُمُ اللَّهُ وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ {بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ لِأَنَّ مَنْ آمَنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ، أَيْ فَقَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، وَنَصْبُ قَلِيلًا [عَلَى الْحَالِ وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا بِقَلِيلٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ وَيَكْفُرُونَ بِأَكْثَرِهِ، أَيْ فَقَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ وَنَصْبُ قَلِيلًا] (4) بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَ (مَا) صِلَةٌ عَلَى قَوْلِهِمَا، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلْآخَرِ: مَا أَقَلَّ مَا تَفْعَلُ كَذَا أَيْ لَا تَفْعَلُهُ أَصْلًا {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {مُصَدِّقٌ} مُوَافِقٌ {لِمَا مَعَهُمْ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {وَكَانُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ {مِنْ قَبْلُ} قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَسْتَفْتِحُونَ} يَسْتَنْصِرُونَ {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ إِذَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ وَدَهَمَهُمْ عَدُوٌّ: اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَيْهِمْ بِالنَّبِيِّ الْمَبْعُوثِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، الَّذِي نَجِدُ صِفَتَهُ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَانُوا يُنْصَرُونَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِأَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ

_ (1) في الأصل: إلى موسى وفي (ب) إلى السماء. (2) في الأصل: كما جعل له القرآن روحا مع نقص الآية: (وكذلك.......) . (3) ساقط من الأصل. (4) ساقط من الأصل أ.

91

بِتَصْدِيقِ مَا قُلْنَا فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَثَمُودَ وَإِرَمَ {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا} يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَرَفُوا نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ {كَفَرُوا بِهِ} بَغْيًا وَحَسَدًا. {فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} بِئْسَ وَنِعْمَ: فِعْلَانِ مَاضِيَانِ وُضِعَا لِلْمَدْحِ وَالذَّمِّ، لَا يَتَصَرَّفَانِ تَصَرُّفَ الْأَفْعَالِ، مَعْنَاهُ: بِئْسَ الَّذِي اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ حِينَ اسْتَبْدَلُوا الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ. وَقِيلَ: الِاشْتِرَاءُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْبَيْعِ وَالْمَعْنَى بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ حَظَّ أَنْفُسِهِمْ أَيْ حِينَ اخْتَارُوا الْكفْرَ {وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّارِ} (1) {أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {بَغْيًا} أَيْ حَسَدًا وَأَصْلُ الْبَغْيِ: الْفَسَادُ وَيُقَالُ بَغَى الْجُرْحُ إِذَا فَسَدَ وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ، وَأَصْلُهُ الطَّلَبُ، وَالْبَاغِي طَالِبُ الظُّلْمِ، وَالْحَاسِدُ يَظْلِمُ الْمَحْسُودَ جَهْدَهُ، طَلَبًا لِإِزَالَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} أَيِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ يُنْزِلَ بِالتَّخْفِيفِ إِلَّا {فِي سُبْحَانَ الَّذِي} فِي مَوْضِعَيْنِ "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ" (82-الْإِسْرَاءِ) وَ"حَتَّى تُنَزِّلَ" (93-الْإِسْرَاءِ) فَإِنَّ ابْنَ كَثِيرٍ يُشَدِّدُهُمَا، وَشَدَّدَ الْبَصْرِيُّونَ فِي الْأَنْعَامِ "عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً" (37-الْأَنْعَامِ) زَادَ يَعْقُوبُ تَشْدِيدَ {بِمَا يُنَزِّلُ} فِي النَّحْلِ وَوَافَقَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيَّ فِي تَخْفِيفِ {وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ} فِي سُورَةِ لُقْمَانَ وَحم عسق، وَالْآخَرُونَ يُشَدِّدُونَ الْكُلَّ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَشْدِيدِ "وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ" فِي الْحِجْرِ (21) {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ} أَيْ رَجَعُوا بِغَضَبٍ {عَلَى غَضَبٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: الْغَضَبُ الْأَوَّلُ بِتَضْيِيعِهِمُ التَّوْرَاةَ وَتَبْدِيلِهِمْ، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْأَوَّلُ بِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى الإنجيل، وَالثَّانِي بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَوَّلُ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ وَالثَّانِي بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَلِلْكَافِرِينَ} الْجَاحِدِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ {عَذَابٌ مُهِينٌ} مُخْزٍ يُهَانُونَ فِيهِ. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يَعْنِي التَّوْرَاةَ، يَكْفِينَا ذَلِكَ {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} أَيْ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ" (7-الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ سِوَاهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: [بِمَا وَرَاءَهُ] (2) أَيْ: بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ {وَهُوَ الْحَقُّ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {مُصَدِّقًا} نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ {لِمَا مَعَهُمْ} مِنَ التَّوْرَاةِ {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} أَيْ قَتَلْتُمْ

_ (1) في الأصل بذله. (2) وفي ب بما بعده.

92

{أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} وَلِمَ أَصْلُهُ لِمَا فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ فَرْقًا بَيْنَ الْجَرِّ وَالِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِمْ فِيمَ وَبِمَ؟ {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بِالتَّوْرَاةِ، وَقَدْ نُهِيتُمْ فِيهَا عَنْ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) }

94

{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} بِالدَّلَالَاتِ الْوَاضِحَةِ والمعجزات الباهرة 15/ب {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا} أَيِ اسْتَجِيبُوا وَأَطِيعُوا سُمِّيَتِ الطَّاعَةُ وَالْإِجَابَةُ سَمْعًا عَلَى الْمُجَاوَرَةِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلطَّاعَةِ وَالْإِجَابَةِ {قَالُوا سَمِعْنَا} {وَعَصَيْنَا} أَمْرَكَ، وَقِيلَ: سَمِعْنَا بِالْأُذُنِ وَعَصَيْنَا بِالْقُلُوبِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: إِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا هَذَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَلَكِنْ لَمَّا سَمِعُوهُ وَتَلَقَّوْهُ بِالْعِصْيَانِ فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى الْقَوْلِ اتِّسَاعًا {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} أَيْ حُبَّ الْعِجْلِ، أَيْ مَعْنَاهُ: أُدْخِلَ فِي قُلُوبِهِمْ حُبُّ الْعَجَلِ وَخَالَطَهَا، كَإِشْرَابِ اللَّوْنِ لِشِدَّةِ الْمُلَازَمَةِ يُقَالُ: فُلَانٌ مُشْرَبُ اللَّوْنِ إِذَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ بِالْحُمْرَةِ، وَفِي الْقِصَصِ: أَنَّ مُوسَى أُمِرَ أَنْ يُبْرَدَ الْعِجْلُ بِالْمِبْرَدِ ثُمَّ يَذُرَّهُ فِي النَّهْرِ وَأَمَرَهُمْ (بِالشُّرْبِ) (1) مِنْهُ فَمَنْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنْ حُبِّ الْعِجْلِ ظَهَرَتْ سُحَالَةُ (2) الذَّهَبِ عَلَى شَارِبِهِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} أَنْ تَعْبُدُوا الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَيْ بِئْسَ إِيمَانٌ يَأْمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ الْعِجْلِ {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} بِزَعْمِكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. [قَوْلُهُ تَعَالَى {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا دَعَاوَى بَاطِلَةً مِثْلَ قَوْلِهِمْ "لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً" (80-الْبَقَرَةِ) "وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ

_ (1) في (ب) بالشرب. (2) السحالة: بالضم: ما سقط من الذهب والفضة إذا برد.

95

نَصَارَى" (111-الْبَقَرَةِ) وَقَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ" (1) (18-الْمَائِدَةِ) فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ {إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ} يَعْنِي الْجَنَّةَ عِنْدَ اللَّهِ {خَالِصَةً} أَيْ خَاصَّةً {مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} أَيْ فَأَرِيدُوهُ وَاسْأَلُوهُ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ حَنَّ إِلَيْهَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى دُخُولِهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ فَاسْتَعْجَلُوهُ بِالتَّمَنِّي {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فِي قَوْلِكُمْ، وَقِيلَ: فَتُمَنُّوا الْمَوْتَ أَيِ ادْعُوَا بِالْمَوْتِ عَلَى الْفِرْقَةِ الْكَاذِبَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَغُصَّ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ بِرِيقِهِ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إِلَّا مَاتَ" (2) . {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمْتُ أَيْدِيَهُمْ} لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ كَاذِبُونَ وَأَرَادَ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَهُمْ} أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَأَضَافَهَا إِلَى الْيَدِ [دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ] (3) لِأَنَّ أَكْثَرَ جِنَايَاتِ الْإِنْسَانِ تَكُونُ بِالْيَدِ فَأُضِيفَ إِلَى الْيَدِ أَعْمَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَدِ فِيهَا عَمَلٌ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ وَالنُّونُ تَأْكِيدٌ لِلْقِسْمِ، تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لَتَجِدَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي الْيَهُودَ {أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قِيلَ: هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْأَوَّلِ، وَأَحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ بِقَوْلِهِ {عَلَى حَيَاةٍ} ثُمَّ ابْتَدَأَ {من الَّذِينَ أَشْرَكُوا} وَأَرَادَ بِالَّذِينِ أَشْرَكُوا الْمَجُوسَ قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ سُمُّوا مُشْرِكِينَ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ. {يَوَدُّ} يُرِيدُ وَيَتَمَنَّى {أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} يَعْنِي تَعْمِيرَ أَلْفِ سَنَةٍ وَهِي تَحِيَّةُ الْمَجُوسِ فِيمَا بَيْنَهُمْ يَقُولُونَ عِشْ أَلْفَ سَنَةٍ وَكُلُّ أَلْفٍ نَيْرُوزٌ ومهرجان، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْيَهُودُ أَحْرَصُ عَلَى الْحَيَاةِ مِنَ الْمَجُوسِ الَّذِي يَقُولُونَ ذَلِكَ {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} مُبَاعِدِهِ {مِنَ الْعَذَابِ} النَّارِ {أَنْ يُعَمَّرَ} أَيْ طُولُ عُمُرِهِ لَا يُنْقِذُهُ. [زَحْزَحَهُ وَتَزَحْزَحَ] (4) مِنَ الْعَذَابِ أَوْ وَزَحْزَحَ: لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ، وَيُقَالُ زَحْزَحْتُهُ فَتَزَحْزَحَ {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}

_ (1) ساقط من (أ) . (2) أخرجه الطبري موقوفا على ابن عباس: 2 / 363، وقال الشيخ شاكر: ولكنه مرفوع بالروايات الأخر. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (9) : "وأخرج البيهقي في الدلائل من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لليهود: إن كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا: اللهم أمتنا. فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه ومات مكانه" الفتح السماوي 1 / 176. (3) ساقط من ب. (4) ساقط من ب.

97

{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ حِبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ مَلَكٍ {نَزَلَ} (1) مِنَ السَّمَاءِ؟ قَالَ {جِبْرِيلُ} قَالَ: ذَلِكَ عَدُّونَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلَ لَآمَنَّا بِكَ، إِنَّ جبريل ينزل العذاب وَالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ وَإِنَّهُ عَادَانَا مِرَارًا وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ ذَلِكَ عَلَيْنَا، [أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّنَا] (2) أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَيُخَرَّبُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بُخْتُنَصَّرُ، وَأَخْبَرَنَا بِالْحِينِ الَّذِي يُخَرَّبُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُهُ بَعَثْنَا رَجُلًا مِنْ أَقْوِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي طَلَبِهِ لِقَتْلِهِ فَانْطَلَقَ حَتَّى لَقِيَهُ بِبَابِلَ غُلَامًا مِسْكِينًا فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ وَكَبُرَ بُخْتُنَصَّرُ وَقَوِيَ وَغَزَانَا وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَلِهَذَا نَتَّخِذُهُ عَدُوًّا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (3) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَدُوُّنَا لِأَنَّهُ أُمِرَ بِجَعْلِ النُّبُوَّةِ فِينَا فَجَعَلَهَا فِي غَيْرِنَا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْضٌ بِأَعْلَى الْمَدِينَةِ وَمَمَرُّهَا عَلَى مَدَارِسِ الْيَهُودِ فَكَانَ إِذَا أَتَى أَرْضَهُ يَأْتِيهِمْ وَيَسْمَعُ مِنْهُمْ (كَلَامًا) (4) فَقَالُوا لَهُ: مَا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكَ، إِنَّهُمْ يَمُرُّونَ عَلَيْنَا فَيُؤْذُونَنَا وَأَنْتَ لَا تُؤْذِينَا وَإِنَّا لِنَطْمَعُ فِيكَ فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا آتِيكُمْ لِحُبِّكُمْ وَلَا أَسْأَلُكُمْ لِأَنِّي شَاكٌّ فِي دِينِي وَإِنَّمَا أَدْخُلُ عَلَيْكُمْ لِأَزْدَادَ بَصِيرَةً فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَرَى آثَارَهُ فِي كِتَابِكُمْ [وَأَنْتُمْ تَكْتُمُونَهَا] (5) فَقَالُوا: مَنْ صَاحِبُ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ فَقَالُوا: ذَلِكَ عَدُّونَا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلَى أَسْرَارِنَا وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ عَذَابٍ وَخَسْفٍ وَسَنَةٍ وَشِدَّةٍ، وَإِنَّ مِيكَائِيلَ إِذَا جَاءَ جَاءَ بِالْخِصْبِ وَالْمَغْنَمِ (6) فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: تَعْرِفُونَ جِبْرِيلَ وَتُنْكِرُونَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَأَخْبِرُونِي عَنْ مَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مِنَ

_ (1) في ب يأتيك. (2) ساقط من (أ) . (3) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (9) : هكذا ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي، فقالوا: "روى ابن عباس: أن حبرا ... " ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه. وانظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي: 1 / 158، وأسباب النزول للواحدي أيضا ص (26) . الفتح السماوي 1 / 177-178. (4) ساقط من ب. (5) ساقطة من ب. (6) في ب والسلم.

اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَهُوَ عَدُوٌّ لِمِيكَائِيلَ، وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لِمِيكَائِيلَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِجِبْرِيلَ، وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا كَانَ اللَّهُ عَدُوًّا لَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالْوَحْيِ فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ "لَقَدْ وَافَقَكَ رَبُّكَ يَا عُمَرُ" فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَعْدَ ذَلِكَ، فِي دِينِ اللَّهِ أَصْلَبَ مِنَ الْحَجَرِ (1) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ} يَعْنِي: جِبْرِيلَ {نَزَّلَهُ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ {عَلَى قَلْبِكَ} يَا مُحَمَّدُ {بِإِذْنِ اللَّهِ} بِأَمْرِ اللَّهِ {مُصَدِّقًا} مُوَافِقًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَلَائِكَةِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي قَوْلِهِ {وَمَلَائِكَتِهِ} تَفْضِيلًا وَتَخْصِيصًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ" (68-الرَّحْمَنِ) خَصَّ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمَا فِي ذِكْرِ الْفَاكِهَةِ، وَالْوَاوُ فِيهِمَا بِمَعْنَى: أَوْ، يَعْنِي مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكُلِّ، لِأَنَّ الْكَافِرَ بِالْوَاحِدِ كَافِرٌ بِالْكُلِّ {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} قال عكرمة: جير وَمِيكُ وَإِسْرَافُ هِيَ الْعَبْدُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ، وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَعْنَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ جَبْرِيلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ بِوَزْنِ فَعْلِيلَ قَالَ حَسَّانٌ: وَجَبْرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كَفَاءُ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْهَمْزِ وَالْإِشْبَاعِ بِوَزْنِ سَلْسَبِيلَ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِالِاخْتِلَاسِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الْجِيمِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَمِيكَائِيلُ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ مِيكَالَ بِغَيْرِ هَمْزٍ قَالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكذبوا بمحمد ... وبجبرائيل وَكَذَّبُوا مِيكَالَا (2) وَقَالَ آخَرُ: وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا مَدَدٌ ... فِيهِ مَعَ النَّصْرِ جِبْرِيلٌ وَمِيكَالُ (3) وَقَرَأَ نَافِعٌ: بِالْهَمْزَةِ وَالِاخْتِلَاسِ، بِوَزْنٍ مِيفَاعِلَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِالْهَمْزِ وَالْإِشْبَاعِ بِوَزْنِ مِيكَائِيلَ، وَقَالَ ابْنُ صُورِيَا: مَا جِئْتِنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (4) {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} وَاضِحَاتٍ

_ (1) أخرجه الطبري: 2 / 384. وعزاه ابن حجر للواحدي في أسباب النزول من رواية داود بن أبي هند عن الشعبي، وهو عنده في ص 27-28، وذكره أيضا، في التفسير: 1 / 160 وانظر: الكافي الشاف ص (9) . الفتح السماوي 1 / 178. (2) البيت لجرير، وهو في ديوانه ص 450، ونقائض جرير والأخطل ص (87) ، وانظر: تفسير الطبري: 2 / 388، تفسير الواحدي: 1 / 159. (3) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 38، تفسير الواحدي: 1 / 159. (4) الأثر أخرجه الطبري: 2 / 398 من طريق ابن إسحاق: وهو في السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 196، مع شرحها الروض الأنف. وانظر: الكافي الشاف ص (9) . الفتح السماوي 1 / 179.

100

مُفَصَّلَاتٍ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) } قَوْلُهُ تَعَالَى {أَوَكُلَّمَا} وَاوُ الْعَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ {عَاهَدُوا عَهْدًا} يَعْنِي الْيَهُودَ عَاهَدُوا لَئِنْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ كَفَرُوا بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا ذَكَّرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (مِنَ الْمِيثَاقِ) (1) وَعُهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ أَنْ يُؤْمِنُوا، بِهِ قَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: وَاللَّهِ مَا عُهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْدٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ أَبِي رجاء العطاردي "أو كلما عَاهَدُوا" فَجَعَلَهُمْ مَفْعُولَيْنِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْعُهُودُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين اليهود 16/أأَنْ لَا يُعَاوِنُوا الْمُشْرِكِينَ عَلَى قِتَالِهِ فَنَقَضُوهَا كَفِعْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ (3) دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ" (56-الْأَنْفَالِ) ، {نَبَذَهُ} طَرَحَهُ وَنَقَضَهُ {فَرِيقٌ} طَوَائِفُ {مِنْهُمْ} الْيَهُودُ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}

_ (1) ساقط من ب. (2) الأثر أخرجه الطبري: 2 / 401، وهو في سيرة ابن هشام: 2 / 196. (3) العبارة بنصها في الواحدي: 1 / 162 مع زيادة. وانظر: القرطبي: 2 / 40، البحر المحيط: 1 / 323.

102

{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) } {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} يَعْنِي مُحَمَّدًا {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ وَقِيلَ: الْقُرْآنَ {كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانُوا يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَدْرَجُوهَا فِي الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَحَلَّوْهَا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهَا فَذَلِكَ نَبْذُهُمْ لَهَا (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} أَيْ: مَا تَلَتْ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْمُسْتَقْبَلَ مَوْضِعَ الْمَاضِي، وَالْمَاضِي مَوْضِعَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: مَا كُنْتَ تَتْلُو أَيْ تَقْرَأُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

_ (1) تفسير الواحدي 1 / 163، القرطبي: 1 / 16، القرطبي: 2 / 41، البحر المحيط: 1 / 325.

تَتَّبِعُ وَتَعْمَلُ بِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ تَحَدَّثُ وَتَكَلَّمُ بِهِ {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أَيْ: فِي مُلْكِهِ وَعَهْدِهِ. وَقِصَّةُ الْآيَةِ (1) أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَتَبُوا السِّحْرَ وَالنِّيرَنْجِيَّاتِ (2) عَلَى لِسَانِ آصَفَ بْنِ بَرْخِيَا هَذَا مَا عَلَّمَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا سُلَيْمَانَ الْمَلِكَ، ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْتَ مُصَلَّاهُ حَتَّى نَزَعَ اللَّهُ الْمُلْكَ عَنْهُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ سُلَيْمَانُ فَلَمَّا مَاتَ اسْتَخْرَجُوهَا وَقَالُوا لِلنَّاسِ: إِنَّمَا مَلَكَهُمْ سُلَيْمَانُ بِهَا فَتَعَلَّمُوهُ فَأَمَّا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصُلَحَاؤُهُمْ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ عِلْمِ اللَّهِ (3) وَأَمَّا السَّفِلَةُ، فَقَالُوا: هَذَا عِلْمُ سُلَيْمَانَ، وَأَقْبَلُوا عَلَى تَعَلُّمِهِ، وَرَفَضُوا كُتُبَ أَنْبِيَائِهِمْ، وَفَشَتِ الْمَلَامَةُ عَلَى سُلَيْمَانَ فَلَمْ يَزَلْ هَذَا حَالُهُمْ وَفِعْلُهُمْ حَتَّى

_ (1) ساق ابن كثير رحمه الله جملة من الروايات في تفسير الآية ثم قال: "وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين: كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة، وأبي العالية والزهري، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسراائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال". تفسير ابن كثير: 1 / 249-250. وقال القاضي عياض رحمه الله عن هاروت وماروت.. "وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روى عن علي وابن عباس في خيرهما وابتلائهما - بمحبة المرأة وعقابهما على ما فعلا، وما وقع من السحر: فاعلم - أكرمك الله - أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليس هو شيئا يؤخذ بقياس. والذي منه في القرآن: اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصه الله أول الآيات منها وافترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه. وقد انطوت القصة على شنع عظيمة، وهانحن نحبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات، إن شاء الله" ثم ذكر ما يزيف القصة ويبطلها من عدة وجوه انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض: 2 / 853-859. وبعد أن ذكر ابن عطية في تفسيره الروايات عن القصة قال: "وهذا كله ضعيف وبعيدا على ابن عمر رضي الله عنهما" انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1 / 420. وانظر أيضا ما ذكره الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله في تفسيره: وابن العربي في أحكام القرآن: 1 / 27-30، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن 2 / 52. ومع ورود بعض الروايات في المسند للإمام أحمد أو غيره، فإنها روايات ضعيفة، لا تعارض الأخبار الصحيحة والقواعد المقررة عن عصمة الملائكة عليهم السلام وإن سكت عنها الإمام الطبري والثعلبي والبغوي. وانظر: لباب التفسير لمحمود بن حمزة الكرماني 1 / 369. تحقيق د. ناصر بن سليمان العمر. (2) وهو أخذ كالسحر، وليس به، وإنما هو تشيبه وتلبيس. القاموس. (3) هكذا جاء في نسخة (أ) وفي ب (سليمان) وكذلك المطبوع، وهو الصحيح.

بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَرَاءَةَ سُلَيْمَانَ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْمَعُونَ كَلَامَ الْمَلَائِكَةِ فِيمَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ وَغَيْرِهِ، فَيَأْتُونَ الْكَهَنَةَ وَيَخْلِطُونَ بِمَا يَسْمَعُونَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كِذْبَةً وَيُخْبِرُونَهُمْ بِهَا [فَكُتِبَ ذَلِكَ] (1) وَفَشَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّ الْجِنَّ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ وَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ وَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ وَدَفَنَهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْرَ سُلَيْمَانَ وَدَفَنَةُ الْكُتُبِ، وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ، تَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ فَأَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزٍ لَا تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا قَالُوا: نَعَمْ فَذَهَبَ مَعَهُمْ فَأَرَاهُمُ الْمَكَانَ الَّذِي تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَحَفَرُوا فَأَقَامَ نَاحِيَةً فَقَالُوا لَهُ: ادْنُ وَقَالَ: لَا أَحْضُرُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَدْنُو مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا احْتَرَقَ، فَحَفَرُوا وَأَخْرَجُوا تِلْكَ الْكُتُبَ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لَعَنَهُ اللَّهُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَضْبِطُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالطَّيْرَ بِهَذَا، ثُمَّ طَارَ الشَّيْطَانُ عَنْهُمْ، وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْكُتُبَ (وَاسْتَعْمَلُوهَا) (2) فَلِذَلِكَ أَكْثَرَ مَا يُوجَدُ السِّحْرُ فِي الْيَهُودِ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى سُلَيْمَانَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ فِي عُذْرِ سُلَيْمَانَ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} بِالسِّحْرِ، وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ سُلَيْمَانُ كَافِرًا بِالسِّحْرِ وَيَعْمَلُ بِهِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَمْزَةُ، "لَكِنْ" خَفِيفَةَ النُّونِ "وَالشَّيَاطِينُ" رَفْعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ وَلَكِنَّ مُشَدَّدَةَ النُّونِ "وَالشَّيَاطِينَ" نَصْبٌ وَكَذَلِكَ "وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ" (17-الْأَنْفَالِ) وَمَعْنَى لَكِنْ: نَفْيُ الْخَبَرِ الْمَاضِي وَإِثْبَاتُ الْمُسْتَقْبَلِ. {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ} قِيلَ: مَعْنَى السِّحْرِ الْعِلْمُ وَالْحِذْقُ بِالشَّيْءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ" (49-الزُّخْرُفِ) أَيِ الْعَالِمُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ السِّحْرَ عِبَارَةٌ عَنِ التَّمْوِيهِ وَالتَّخْيِيلِ، وَالسِّحْرُ وُجُودُهُ حَقِيقَةً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأُمَمِ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ كُفْرٌ، حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: السِّحْرُ يُخَيِّلُ وَيُمْرِضُ وَقَدْ يَقْتُلُ، حَتَّى أَوْجَبَ الْقِصَاصَ عَلَى مَنْ قَتَلَ بِهِ فَهُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، يَتَلَقَّاهُ السَّاحِرُ مِنْهُ بِتَعْلِيمِهِ إِيَّاهُ، فَإِذَا تَلَقَّاهُ مِنْهُ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي قَلْبِ الْأَعْيَانِ فَيَجْعَلُ الْآدَمِيَّ عَلَى صُورَةِ الْحِمَارِ وَيَجْعَلُ الْحِمَارَ عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ تَخْيِيلٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى" (66-طه) لَكِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْأَبْدَانِ بِالْأَمْرَاضِ وَالْمَوْتِ وَالْجُنُونِ، وَلِلْكَلَامِ تَأْثِيرٌ فِي الطِّبَاعِ وَالنُّفُوسِ وَقَدْ يَسْمَعُ الْإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُ فَيَحْمَى وَيَغْضَبُ وَرُبَّمَا يُحَمُّ مِنْهُ،

_ (1) وفي (ب) فاكتتب الناس ذلك. (2) ساقطة من (ب) .

وَقَدْ مَاتَ قَوْمٌ بِكَلَامٍ سَمِعُوهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَوَارِضِ وَالْعِلَلِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الْأَبْدَانِ (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} أَيْ وَيُعَلِّمُونَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [أَيْ إِلْهَامًا وَعِلْمًا، فَالْإِنْزَالُ بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ وَالتَّعْلِيمِ، وَقِيلَ: وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (2) وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْمَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا رَجُلَانِ سَاحِرَانِ كَانَا بِبَابِلَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: عِلْجَانِ (3) لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ. وَبَابِلُ هِيَ بَابِلُ الْعِرَاقِ سُمِّيَتْ بَابِلَ لِتَبَلْبُلِ الْأَلْسِنَةِ بِهَا عِنْدَ سُقُوطِ صَرْحِ نُمْرُودَ أَيْ تَفَرُّقِهَا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَابِلُ أَرْضِ الْكُوفَةِ، وَقِيلَ جَبَلُ دَمَاوَنْدَ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِالْفَتْحِ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ تَعْلِيمُ السِّحْرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ؟ قِيلَ: لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُمَا لَا يَتَعَمَّدَانِ التَّعْلِيمَ لَكِنْ يَصِفَانِ السِّحْرَ وَيَذْكُرَانِ بُطْلَانَهُ وَيَأْمُرَانِ بِاجْتِنَابِهِ، وَالتَّعْلِيمُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ، فَالشَّقِيُّ يَتْرُكُ نَصِيحَتَهُمَا وَيَتَعَلَّمُ السِّحْرَ مِنْ صَنْعَتِهِمَا. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَمَنْ شَقِيَ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ مِنْهُمَا [وَيَأْخُذُهُ عَنْهُمَا وَيَعْمَلُ بِهِ] (4) فَيَكْفُرُ بِهِ، وَمِنْ سَعِدَ يَتْرُكُهُ فَيَبْقَى عَلَى الْإِيمَانِ، وَيَزْدَادُ الْمُعَلِّمَانِ بِالتَّعْلِيمِ عَذَابًا، فَفِيهِ ابْتِلَاءٌ لِلْمُعَلِّمِ [وَالْمُتَعَلِّمِ] (5) وَلِلَّهِ أَنْ يَمْتَحِنَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ، فَلَهُ الْأَمْرُ وَالْحُكْمُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} اسْمَانِ سُرْيَانِيَّانِ وَهُمَا فِي مَحَلِّ الْخَفْضِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمَلَكَيْنِ إِلَّا أَنَّهُمَا نُصِبَا لِعُجْمَتِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا، وَكَانَتْ قِصَّتُهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْمُفَسِّرُونَ (6) أَنَّ الْمَلَائِكَةَ رَأَوْا مَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ الْخَبِيثَةِ فِي زَمَنِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَيَّرُوهُمْ وَقَالُوا: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلْتَهُمْ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً وَاخْتَرْتَهُمْ فَهُمْ يَعْصُونَكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أَنْزَلْتُكُمْ إِلَى الْأَرْضِ وَرَكَّبْتُ فِيكُمْ مَا رَكَّبْتُ فِيهِمْ لَرَكِبْتُمْ مِثْلَ مَا رَكِبُوا فَقَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَعْصِيَكَ قَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: فَاخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ خِيَارِكُمْ أُهْبِطُهُمَا إِلَى الْأَرْضِ، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَكَانَا مِنْ أَصْلَحِ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْبَدِهِمْ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ: اخْتَارُوا ثَلَاثَةً فَاخْتَارُوا عَزَا وَهُوَ هَارُوتُ وَعَزَايَا وَهُوَ مَارُوتُ -غُيِّرَ اسْمُهُمَا لَمَّا قَارَفَا الذَّنْبَ -وَعَزَائِيلَ، فَرَكَّبَ اللَّهُ فِيهِمُ الشَّهْوَةَ وَأَهْبَطَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْكُمُوا بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ

_ (1) انظر تفصيل ذلك فيما بسطه ابن كثير من مسائل حول حقيقة السحر وحكم تعاطيه وتعلمه ... في التفسير: 1 / 252-261، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 50-72. (2) زيادة من (ب) . (3) العلج: الرجل الضخم من كفار العجم. (4) ساقط من (ب) . (5) ساقطة من (ب) . (6) راجع فيما سبق هامش (1) ص (127) . وما قاله المحققون من المفسرين في رد هذه الروايات الإسرائيلية.

وَنَهَاهُمْ عَنِ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَأَمَّا عَزَائِيلُ فَإِنَّهُ لِمَا وَقَعَتِ الشَّهْوَةُ فِي قَلْبِهِ اسْتَقْبَلَ رَبَّهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَقَالَهُ فَسَجَدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يَزَلْ بَعْدُ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَمَّا الْآخَرَانِ: فَإِنَّهُمَا ثَبَتَا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَا يَقْضِيَانِ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَهُمَا، فَإِذَا أَمْسَيَا ذَكَرَا اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ وَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَمَا مَرَّ عَلَيْهِمَا شَهْرٌ حَتَّى افْتَتَنَا. قَالُوا جَمِيعًا إِنَّهُ اخْتَصَمَتْ إِلَيْهِمَا ذَاتَ يَوْمٍ الزُّهْرَةُ وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ وَكَانَتْ مَلِكَةً فِي بَلَدِهَا فَلَمَّا رَأَيَاهَا أَخَذَتْ بِقُلُوبَهُمَا فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ وَانْصَرَفَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَفَعَلَا مِثْلَ ذَلِكَ فَأَبَتْ وَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَعْبُدَا مَا أَعْبُدُ وَتُصَلِّيَا لِهَذَا الصَّنَمِ وَتَقْتُلَا النَّفْسَ وَتَشْرَبَا الْخَمْرَ فَقَالَا لَا سَبِيلَ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَانَا عَنْهَا، فَانْصَرَفَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الْيَوْمِ الثالث ومعهأ 16/ب قَدَحٌ مِنْ خَمْرٍ، وَفِي أَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهَا مَا فِيهَا فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَعَرَضَتْ عَلَيْهِمَا مَا قَالَتْ بِالْأَمْسِ فَقَالَا الصَّلَاةُ لِغَيْرِ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَقَتْلُ النَّفْسِ عَظِيمٌ، وَأَهْوَنُ الثَّلَاثَةِ شُرْبُ الْخَمْرِ، فَشَرِبَا الْخَمْرَ فَانْتَشَيَا وَوَقَعَا بِالْمَرْأَةِ، فَزَنَيَا فَلَمَّا فَرَغَا رَآهُمَا إِنْسَانٌ فَقَتْلَاهُ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَمَسَخَ اللَّهُ الزُّهْرَةَ كَوْكَبًا -وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَاءَتْهُمَا امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ تُخَاصِمُ زَوْجَهَا فَقَالَ أَحَدُهَمَا لِلْآخَرِ: هَلْ سَقَطَ فِي نَفْسِكَ مِثْلُ الَّذِي سَقَطَ فِي نَفْسِي (مِنْ حُبِّ هَذِهِ) (1) ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: وَهَلْ لَكَ أَنْ تَقْضِيَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا بِمَا تَقُولُ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَقْتُلَاهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ؟ فَقَالَ صَاحِبُهُ: أَمَا تَعْلَمُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ فَقَتَلَاهُ ثُمَّ سَأَلَاهَا نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: لَا إِنَّ لِي صَنَمًا أَعْبُدُهُ، إِنْ أَنْتُمَا صَلَّيْتُمَا مَعِي لَهُ: فَعَلْتُ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَالَ صَاحِبُهُ مِثْلَهُ، فَصَلَّيَا مَعَهَا لَهُ فَمُسِخَتْ شِهَابًا. قَالَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا قَالَتْ لَهُمَا حِينَ سَأَلَاهَا نَفْسَهَا: لَنْ تُدْرِكَانِي حَتَّى تُخْبِرَانِي بِالَّذِي تَصْعَدَانِ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَا بِاسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ، قَالَتْ: فَمَا أَنْتُمْ تُدْرِكَانِي حَتَّى تُعَلِّمَانِيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: عَلِّمْهَا فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الله رب العالمن، قَالَ الْآخَرُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَعَلَّمَاهَا ذَلِكَ فَتَكَلَّمَتْ، فَصَعَدَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَمَسَخَهَا اللَّهُ كَوْكَبًا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا الزُّهْرَةُ بِعَيْنِهَا وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ هَذَا وَقَالُوا: إِنَّ الزُّهْرَةَ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ السَّيَّارَةِ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا فَقَالَ "فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ" (15-التَّكْوِيرِ) وَالَّتِي فَتَنَتْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُسَمَّى الزُّهْرَةَ لِجَمَالِهَا فَلَمَّا بَغَتْ مَسْخَهَا اللَّهُ تَعَالَى شِهَابًا، قَالُوا: فَلَمَّا أَمْسَى هَارُوتُ وَمَارُوتُ بَعْدَمَا قَارَفَا الذَّنْبَ

_ (1) ساقطة من ب.

هَمَّا بِالصُّعُودِ إِلَى السَّمَاءِ فَلَمْ تُطَاوِعْهُمَا أَجْنِحَتُهُمَا، فَعَلِمَا مَا حَلَّ بِهِمَا (مِنَ الْغَضَبِ) (1) فَقَصَدَا إِدْرِيسَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخْبَرَاهُ بِأَمْرِهِمَا وَسَأَلَاهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَا لَهُ: إِنَّا رَأَيْنَاكَ يَصْعَدُ لَكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ مِثْلَ مَا يَصْعَدُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَاسْتَشْفِعْ لَنَا، إِلَى رَبِّكَ فَفَعَلَ ذَلِكَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَخَيَّرَهُمَا اللَّهُ بَيْنَ عَذَابِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا إِذْ عَلِمَا أَنَّهُ يَنْقَطِعُ فَهُمَا بِبَابِلَ يُعَذَّبَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ عَذَابِهِمَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هُمَا مُعَلَّقَانِ بِشُعُورِهِمَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: رُءُوسُهُمَا مُصَوَّبَةٌ تَحْتَ أَجْنِحَتِهِمَا، وَقَالَ قَتَادَةُ (كُبِّلَا) (2) مِنْ أَقْدَامِهِمَا إِلَى أُصُولِ أَفْخَاذِهِمَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جُعِلَا فِي جُبٍّ مُلِئَتْ نَارًا، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: مَنْكُوسَانِ يُضْرَبَانِ بِسِيَاطٍ مِنَ الْحَدِيدِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَصَدَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لِتَعَلُّمِ السِّحْرِ فَوَجَدَهُمَا مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا، مُزْرَقَّةً أَعْيُنُهُمَا، مُسْوَدَّةً جُلُودُهُمَا، لَيْسَ بَيْنَ أَلْسِنَتِهِمَا وَبَيْنَ الْمَاءِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَهُمَا يُعَذَّبَانِ بِالْعَطَشِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ هَالَهُ مَكَانُهُمَا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا سُمِعَا كَلَامَهُ قَالَا لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، قَالَا مِنْ أَيِّ أُمَّةٍ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أُمَّةِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالا أو قد بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَظْهَرَ الِاسْتِبْشَارَ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمِمَّ اسْتِبْشَارُكُمَا؟ قَالَا إِنَّهُ نَبِيُّ السَّاعَةِ وَقَدْ دَنَا انْقِضَاءُ عَذَابِنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} أَيْ أَحَدًا، وَ"مِنْ" صِلَةٌ {حَتَّى} يَنْصَحَاهُ أَوَّلًا وَ {يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} ابْتِلَاءٌ وَمِحْنَةٌ {فَلَا تَكْفُرْ} أَيْ لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ فَتَعْمَلَ بِهِ فَتَكْفُرَ، وَأَصْلُ الْفِتْنَةِ: الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِذَا أَذَبْتُهُمَا بِالنَّارِ، لِيَتَمَيَّزَ الْجَيِّدُ مِنَ الرَّدِيءِ وَإِنَّمَا وَحَّدَ الْفِتْنَةَ وَهُمَا اثْنَانِ، لِأَنَّ الْفِتْنَةَ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يَقُولَانِ "إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرُ" سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: فَإِنْ أَبَى إِلَّا التَّعَلُّمَ قَالَا لَهُ: ائْتِ هَذَا الرَّمَادَ (وَأَقْبِلْ عَلَيْهِ) (3) فَيَخْرُجُ مِنْهُ نُورٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ فَذَلِكَ نُورُ الْمَعْرِفَةِ، وَيَنْزِلُ شَيْءٌ أَسْوَدُ شِبْهُ الدُّخَانِ حَتَّى يَدْخُلَ مَسَامِعَهُ وَذَلِكَ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمَا أَحَدٌ وَيَخْتَلِفُ فِيمَا بَيْنَهُمَا شَيْطَانٌ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ اخْتِلَافَةً وَاحِدَةً، {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أَنْ (يُؤْخَذَ) (4) كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ

_ (1) ساقطة من ب. (2) في ب كتلا. (3) في ب فبل عليه. (4) في أيأخذ، ويقال: أخذه تأخيذا، والتأخيذ: حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء، ويقال لهذه الحيلة: الأخذة - بضم فسكون" [انظر: لسان العرب مادة: أخذ] .

104

صَاحِبِهِ، وَيُبَغَّضُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ} قِيلَ أَيِ: السَّحَرَةُ وَقِيلَ: الشَّيَاطِينُ {بِضَارِّينَ بِهِ} أَيْ بِالسِّحْرِ {مِنْ أَحَدٍ} أَيْ أَحَدًا، {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ: بِعِلْمِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَالسَّاحِرُ يَسْحَرُ وَاللَّهُ يُكَوِّنُ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَاهُ إِلَّا بِقَضَائِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} يَعْنِي: أَنَّ السِّحْرَ يَضُرُّهُمْ {وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أَيِ اخْتَارَ السِّحْرَ {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أَيْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ نَصِيبٍ {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ} بَاعُوا بِهِ {أَنْفُسَهُمْ} حَظَّ أَنْفُسِهِمْ، حَيْثُ اختارواالسحر وَالْكُفْرَ عَلَى الدِّينِ وَالْحَقِّ {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ "وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ" فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى "لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" بَعْدَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَلِمُوا؟ قِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ "وَلَقَدْ عَلِمُوا" يَعْنِي الشَّيَاطِينَ وَقَوْلُهُ "لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" يَعْنِي الْيَهُودَ وَقِيلَ: كِلَاهُمَا فِي الْيَهُودِ يَعْنِي: لَكِنَّهُمْ لَمَّا لَمْ يَعْلَمُوا بِمَا عَلِمُوا فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا} بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ {وَاتَّقَوْا} الْيَهُودِيَّةَ وَالسِّحْرَ {لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} لَكَانَ ثَوَابُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ خَيْرًا لَهُمْ {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَقُولُونَ رَاعِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنَ الْمُرَاعَاةِ أَيْ أَرْعِنَا سَمْعَكَ، أَيْ فَرِّغْ سَمْعَكَ لِكَلَامِنَا، يُقَالُ: أَرْعَى إِلَى الشَّيْءِ، وَرَعَاهُ، وَرَاعَاهُ، أَيْ أَصْغَى إِلَيْهِ وَاسْتَمَعَهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ (شَيْئًا) (1) قَبِيحًا بِلُغَةِ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: كَانَ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمُ اسْمَعْ لَا سَمِعْتَ. وَقِيلَ: هِيَ مِنَ الرُّعُونَةِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يُحَمِّقُوا إِنْسَانًا قَالُوا لَهُ: رَاعِنَا بِمَعْنَى يَا أَحْمَقُ! فَلَمَّا سَمِعَ الْيَهُودُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: كُنَّا نَسُبُّ مُحَمَّدًا سِرًّا، فَأَعْلِنُوا بِهِ الْآنَ، فَكَانُوا يَأْتُونَهُ وَيَقُولُونَ: رَاعِنَا يَا مُحَمَّدُ، وَيَضْحَكُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَسَمِعَهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ (2) فَفَطِنَ لَهَا، وَكَانَ يَعْرِفُ لُغَتَهُمْ، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: لَئِنْ سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدِكُمْ يَقُولُهَا لِرَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَقَالُوا: أَوْلَسْتُمْ تَقُولُونَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}

_ (1) وفي ب سبأ. (2) في أسباب النزول: سعد بن عبادة.

كَيْلَا يَجِدَ الْيَهُودُ بِذَلِكَ سَبِيلًا إِلَى شَتْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) {وَقُولُوا انْظُرْنَا} أَيِ انْظُرْ إِلَيْنَا وَقِيلَ: انْتَظِرْنَا وَتَأَنَّ بِنَا، يُقَالُ: نَظَرْتُ فُلَانًا وَانْتَظَرْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ" (13-الْحَدِيدِ) قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا (فَهَّمْنَاهُ) (2) {وَاسْمَعُوا} مَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَأَطِيعُوا {وَلِلْكَافِرِينَ} يَعْنِي الْيَهُودَ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا إِذَا قَالُوا لِحُلَفَائِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: مَا هَذَا الَّذِي تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ بِخَيْرٍ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ وَلَوَدِدْنَا لَوْ كَانَ خَيْرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَكْذِيبًا لَهُمْ {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ} أَيْ مَا يُحِبُّ وَيَتَمَنَّى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْيَهُودَ {وَلَا الْمُشْرِكِينَ} جَرَّهُ بِالنَّسَقِ عَلَى مِنْ {أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} أَيْ خَيْرٌ وَنُبُوَّةٌ، وَمِنْ صِلَةٌ {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} بِنُبُوَّتِهِ {مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وَالْفَضْلُ ابْتِدَاءُ إِحْسَانٍ بِلَا عِلَّةٍ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالرَّحْمَةِ الْإِسْلَامُ وَالْهِدَايَةُ وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِوُدِّ الْيَهُودِ وَمَحَبَّتِهِمْ، (فَنَزَلَتِ الْآيَةُ) (3) وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَإِنَّمَا لَمْ تَقَعْ بِوُدِّهِمْ لِأَنَّهُ جَاءَ بِتَضْلِيلِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ.

_ (1) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 75، أسباب النزول للواحدي ص (31) . (2) وفي ب فهمنا. (3) ساقطة من ب.

106

{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا مَا يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ إِلَّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ يَقُولُ [الْيَوْمَ قَوْلًا وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَدًا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ "وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ] (1) بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ" (101-النَّحْلِ) وَأَنْزَلَ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} فَبَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ مِنَ النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَالنَّسْخُ فِي اللُّغَةِ شَيْئَانِ (2)

_ (1) ساقطة من أ. (2) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 5 / 424، مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص (490) .

أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّحْوِيلِ وَالنَّقْلِ وَمِنْهُ نَسْخُ الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ يُحَوَّلَ مِنْ كِتَابٍ إِلَى كِتَابٍ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ كُلُّ الْقُرْآنِ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ نُسِخَ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَالثَّانِي: يَكُونُ بِمَعْنَى الرَّفْعِ يُقَالُ: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ أَيْ ذَهَبَتْ بِهِ وَأَبْطَلَتْهُ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَعْضُ الْقُرْآنِ نَاسِخًا وَبَعْضُهُ مَنْسُوخًا وَهُوَ الْمُرَادُ من الآية 17/أوَهَذَا عَلَى وُجُوهٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَثْبُتَ الْخَطُّ وَيُنْسَخَ الْحُكْمُ مِثْلَ آيَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ. وَآيَةِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ بِالْحَوْلِ وَآيَةِ التَّخْفِيفِ فِي الْقِتَالِ وَآيَةِ الْمُمْتَحِنَةِ وَنَحْوِهَا (1) ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} مَا نُثْبِتُ خَطَّهَا وَنُبَدِّلُ حُكْمَهَا، وَمِنْهَا أَنْ تُرْفَعَ تِلَاوَتُهَا وَيَبْقَى حُكْمُهَا مِثْلَ آيَةِ الرَّجْمِ، وَمِنْهَا أَنْ تُرَفَعَ تِلَاوَتُهُ أَصْلًا عَنِ الْمُصْحَفِ وَعَنِ الْقُلُوبِ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَامُوا لَيْلَةً لِيَقْرَءُوا سُورَةً فَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَغَدَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "تِلْكَ سُورَةٌ رُفِعَتْ تِلَاوَتُهَا وَأَحْكَامُهَا" (2) وَقِيلَ: كَانَتْ سُورَةُ الْأَحْزَابِ مِثْلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَرُفِعَ أَكْثَرُهَا تِلَاوَةً وَحُكْمًا، ثُمَّ مِنْ نَسْخِ الْحُكْمِ مَا يُرْفَعُ وَيُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا أَنَّ الْقِبْلَةَ نُسِخَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ نُسِخَتْ بِالْمِيرَاثِ وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ نُسِخَتْ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَمُصَابَرَةُ الْوَاحِدِ الْعَشْرَ فِي الْقِتَالِ نُسِخَتْ بِمُصَابَرَةِ الِاثْنَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يُرْفَعُ وَلَا يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَامْتِحَانِ النِّسَاءِ. وَالنَّسْخُ إِنَّمَا يَعْتَرِضُ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دُونَ الْأَخْبَارِ. أَمَّا مَعْنَى الْآيَةِ فَقَوْلُهُ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ مِنَ النَّسْخِ، أَيْ: نَرْفَعُهَا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ مِنَ الْإِنْسَاخِ وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهَمَا: أَنْ نَجْعَلَهُ كَالْمَنْسُوخِ. وَالثَّانِي: أَنْ نَجْعَلَهُ نُسْخَةً لَهُ [يُقَالُ: نَسَخْتُ الْكِتَابَ أَيْ كَتَبْتُهُ، وَأَنْسَخْتُهُ غَيْرِي إِذَا جَعَلْتُهُ نُسْخَةً لَهُ] (3) {أَوْ نُنْسِهَا} أَيْ نُنْسِهَا عَلَى قَلْبِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، نَتْرُكُهَا لَا نَنْسَخُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" (67-

_ (1) انظر تفصيل أحكام النسخ وما يتعلق به في: الرسالة للإمام الشافعي ص137 وما بعدها، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه. لباب التفسير: 1 / 382-386 وعامة كتب أصول الفقه. (2) عزاه ابن كثير للطبراني بسنده عن سالم عن أبيه وقال: سليمان بن الأرقم ضعيف. وقال: وقد روى أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة مثله مرفوعا: التفسير 1 / 151 طبع بيروت، وحديث أبي أمامة فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف. وعن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرا ذلك له فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنها مما نسخ أو نسي فألهوا عنها فكان الزهري يقرؤها (ما ننسخ من آية أو ننسها) بضم النون خفيفة. رواه الطبراني وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك (المجمع: 6 / 315) . وأخرج حديث أبي أمامة بن سهل الواحدي أيضا في التفسير: 1 / 172، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص32 وتفسير القرطبي: 2 / 63، الدر المنثور: 1 / 256. (3) زيادة في ب.

109

التَّوْبَةِ) أَيْ تَرَكُوهُ فَتَرَكَهُمْ وَقِيلَ {نُنْسِهَا} أَيْ: نَأْمُرُ بِتَرْكِهَا، يُقَالُ: أَنْسَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَمَرْتُ بِتَرْكِهِ، فَيَكُونُ النَّسْخُ الْأَوَّلُ مِنْ رَفْعِ الْحُكْمِ وَإِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، وَالْإِنْسَاءُ يَكُونُ نَاسِخًا مِنْ غَيْرِ إِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو أَوْ نَنْسَأَهَا بِفَتْحِ النُّونِ الْأَوَّلِ وَالسِّينِ مَهْمُوزًا أَيْ نُؤَخِّرُهَا فَلَا نُبَدِّلُهَا يُقَالُ: نَسَأَ اللَّهُ فِي أَجَلِهِ وَأَنْسَأَ اللَّهُ أَجَلَهُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نَرْفَعُ تِلَاوَتَهَا وَنُؤَخِّرُ حُكْمَهَا كَمَا فَعَلَ فِي آيَةِ الرَّجْمِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّسْخُ الْأَوَّلُ بِمَعْنَى رَفْعِ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَمَّا مَا نُسِخَ مِنْ آيَةٍ فَهُوَ مَا قَدْ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ جَعَلَاهُ مِنَ النَّسْخَةِ أَوْ نَنْسَأَهَا أَيْ نُؤَخِّرُهَا وَنَتْرُكُهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَلَا تَنْزِلُ. {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} أَيْ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ وَأَسْهَلُ عَلَيْكُمْ وَأَكْثَرُ لِأَجْرِكُمْ، لَا أَنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ آيَةٍ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَكُلُّهُ خَيْرٌ {أَوْ مِثْلِهَا} فِي الْمَنْفَعَةِ وَالثَّوَابِ فَكُلُّ مَا نُسِخَ إِلَى الْأَيْسَرِ فَهُوَ أَسْهَلُ فِي الْعَمَلِ وَمَا نُسِخَ إِلَى الْأَشَقِّ فَهُوَ فِي الثَّوَابِ أَكْثَرُ {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مِنَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ، لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ، وَمَعْنَاهُ تَقْرِيرٌ، أَيْ: إِنَّكَ تَعْلَمُ. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ {مِنْ دُونِ اللَّهِ} مِمَّا سِوَى اللَّهِ {مِنْ وَلِيٍّ} قَرِيبٍ وَصَدِيقٍ وَقِيلَ: مِنْ وَالٍ وَهُوَ الْقَيِّمُ بِالْأُمُورِ {وَلَا نَصِيرٍ} نَاصِرٍ يَمْنَعُكُمْ مِنَ الْعَذَابِ. قَوْلُهُ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ جُمْلَةً كَمَا أَتَى مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ فَقَالَ تَعَالَى {أَمْ تُرِيدُونَ} يَعْنِي أَتُرِيدُونَ فَالْمِيمُ صِلَةٌ وَقِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} سَأَلَهُ قَوْمُهُ: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (1) ، كَمَا أَنَّ مُوسَى سَأَلَهُ قَوْمُهُ فَقَالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَفِيهِ مَنْعُهُمْ عَنِ السُّؤَالَاتِ الْمَقْبُوحَةِ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ وَالْبَرَاهِينِ {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ} يَسْتَبْدِلُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أَخَطْأَ وَسَطَ الطَّرِيقِ وَقِيلَ: قَصْدَ السَّبِيلِ. {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ

_ (1) قال الله تعالى: "وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلافا تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشر رسولا" سورة الإسراء، الآيات (90-93) . وانظر لباب التفسير لمحمود بن حمزة: 1 / 390-391.

110

وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ: لَوْ كُنْتُمْ عَلَى الْحَقِّ مَا هُزِمْتُمْ، فَارْجِعَا إِلَى دِينِنَا فَنَحْنُ أَهْدَى سَبِيلًا مِنْكُمْ فَقَالَ لَهُمْ عَمَّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ الْعَهْدِ فِيكُمْ؟ قَالُوا: شَدِيدٌ، قَالَ فَإِنِّي قَدْ عَاهَدْتُ أَنْ لَا أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عِشْتُ. فَقَالَتِ الْيَهُودُ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَبَأَ وَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَّا أَنَا فَقَدَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قَدْ أَصَبْتُمَا الْخَيْرَ وَأَفْلَحْتُمَا" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" (1) أَيْ تَمَنَّى وَأَرَادَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ {لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا} نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ يَحْسُدُونَكُمْ حَسَدًا {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أَيْ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِدْقٌ وَدِينُهُ حَقٌّ {فَاعْفُوَا} فَاتْرُكُوا {وَاصْفَحُوا} وَتَجَاوَزُوا، فَالْعَفْوُ: الْمَحْوُ وَالصَّفْحُ: الْإِعْرَاضُ، وَكَانَ هَذَا قَبْلَ آيَةِ الْقِتَالِ {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} بِعَذَابِهِ: الْقَتْلُ وَالسَّبْيُ لِبَنِي قُرَيْظَةَ، وَالْجَلَاءُ وَالنَّفْيُ لِبَنِي النَّضِيرِ (2) ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ قَتَادَةُ (3) هُوَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ فِي قَوْلِهِ "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ -إِلَى قَوْلِهِ -وَهُمْ صَاغِرُونَ" (29-التَّوْبَةِ) وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِعِلْمِهِ وَحُكْمِهِ فِيهِمْ حَكَمَ لِبَعْضِهِمْ بِالْإِسْلَامِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) } {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا} (تُسْلِفُوا) (4) {لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} طَاعَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَالَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "إِنْ تَرَكَ خَيْرًا" (180-الْبَقَرَةِ) وَأَرَادَ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} حَتَّى الثَّمَرَةَ وَاللُّقْمَةَ مِثْلَ أُحُدٍ {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

_ (1) قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: لم أجده مسندا، وهو في تفسير الثعلبي كذلك بلا سند ولا راو". انظر الكافي الشاف ص10 وذكره مختصرا الواحدي في التفسير عن ابن عباس: 1 / 174. (2) انظر: البحر المحيط: 1 / 348. (3) انظر: تفسير الطبري: 2 / 503-504 والدر المنثور: 1 / 262، وتفسير الواحدي: 1 / 175. (4) زيادة من ب.

111

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) }

113

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) } {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا} أَيْ يَهُودِيًّا، قَالَ الْفَرَّاءُ: حَذَفَ الْيَاءَ الزَّائِدَةَ وَرَجَعَ إِلَى الْفِعْلِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْهُودُ: جَمْعٌ هَائِدٍ، مِثْلَ عَائِدٍ وَعُودٍ، وَحَائِلٍ وَحُولٍ (1) {أَوْ نَصَارَى} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَهُودِيًّا وَلَا دِينَ إِلَّا دِينُ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَلَا دِينَ إِلَّا دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَكَانُوا نَصَارَى اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْيَهُودِ فَكَذَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أَيْ شَهَوَاتُهُمُ الْبَاطِلَةُ الَّتِي تَمَنَّوْهَا عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {هَاتُوا} أَصْلُهُ آتُوا {بُرْهَانَكُمْ} حُجَّتَكُمْ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا، بَلِ الْحُكْمُ لِلْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ {لِلَّهِ} أَيْ أَخْلَصَ دِينَهُ لِلَّهِ وَقِيلَ: أَخْلَصَ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ وَقِيلَ: خَضَعَ وَتَوَاضَعَ لِلَّهِ، وَأَصْلُ الْإِسْلَامِ: الِاسْتِسْلَامُ وَالْخُضُوعُ، وَخَصَّ الْوَجْهَ لِأَنَّهُ إِذَا جَادَ بِوَجْهِهِ فِي السُّجُودِ لَمْ يَبْخَلْ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ {وَهُوَ مُحْسِنٌ} فِي عَمَلِهِ، وَقِيلَ: مُؤْمِنٌ وَقِيلَ: مُخْلِصٌ {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} قَوْلُهُ {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ} نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ (2) وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ لِمَا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: فَتَنَاظَرُوا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ فَقَالَتْ

_ (1) الحائل: الناقة الحائل: التي حمل عليها الفحل فلم تلقح. (2) أخرج الطبري عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء! وكفر بعيسى بن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء! وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى لست اليهود على شيء" إلى قوله "فيما كانوا فيه يختلفون". تفسير الطبري: 2 / 513-514، وانظر: تفسير الواحدي: 1 / 176، أسباب النزول للواحدي ص33، تفسير ابن كثير: 1 / 273، وفيه: رافع بن حرملة.

114

لَهُمُ الْيَهُودُ، مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ، وَقَالَتْ لَهُمُ النَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ، وَكَفَرُوا بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي كُتُبِهِمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ فَدَلَّ تِلَاوَتُهُمُ الْكِتَابَ] (1) وَمُخَالَفَتُهُمْ مَا فِيهِ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى الْبَاطِلِ {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} يَعْنِي: آبَاءَهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي: عَوَامُّ النَّصَارَى، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ، كَذَلِكَ قَالُوا فِي نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ (2) {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يَقْضِي بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ {فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} الدِّينِ. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) } قَوْلُهُ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ} الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي طَيْطُوسَ بْنِ إِسْبِيسَبَانُوسَ الرُّومِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَزَوْا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوا مُقَاتَلِتَهُمْ وَسَبَوْا ذَرَّارِيهِمْ، وَحَرَّقُوا التَّوْرَاةَ وَخَرَّبُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَذَفُوا فِيهِ الْجِيَفَ وَذَبَحُوا فِيهِ الْخَنَازِيرَ، فَكَانَ خَرَابًا إِلَى أَنْ بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ بُخْتُنَصَّرُ وَأَصْحَابُهُ غَزَوُا الْيَهُودَ وَخَرَّبُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ النَّصَارَى، طَيْطُوسُ الرُّومِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الرُّومِ (3) ، قَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَقَالَ قَتَادَةُ: حَمَلَهُمْ بَعْضُ الْيَهُودِ عَلَى مُعَاوَنَةِ بُخْتُنَصَّرَ الْبَابِلِيِّ (الْمَجُوسِيِّ) (4) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ أَظْلَمُ} أَيْ أَكْفَرُ وَأَعْتَى {مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} يَعْنِي بيت المقدس ومحاربيه (5) . {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى}

_ (1) زيادة من (ب) . (2) انظر: تفسير الطبري 2 / 517، ابن كثير: 1 / 273، الواحدي: 1 / 176 واختار الطبري أن الآية عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى. (3) انظر الدر المنثور: 1 / 264-265، وتفسير ابن كثير: 1 / 274، والطبري: 2 / 520-521. (4) زيادة من ب. (5) وأخرج ابن أبي حاتم أن قريشا منعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى: "ومن أظلم ... "، انظر: لباب النقول للسيوطي: ص 438 بهامش الجلاليين ورجحه ابن كثير، وأخرج ابن كثير، وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: هؤلاء المشركون - حين حالوا بين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الحدييبة وبين أن يدخل مكة، قال: وأولى التأويلات قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله "ومن أظلم ... " النصارى، انظر: تفسير الطبري 2 / 521.

115

عَمِلَ {فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} وَذَلِكَ أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَوْضِعُ حَجِّ النَّصَارَى وَمَحَلُّ زِيَارَتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمْ يَدْخُلْهَا يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ عِمَارَتِهَا رُومِيٌّ إلا خائفأ 17/ب لَوْ عُلِمَ بِهِ لَقُتِلَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَّا مُتَنَكِّرٌ لَوْ قُدِرَ عَلَيْهِ لَعُوقِبَ، قَالَ السُّدِّيُّ: أُخِيفُوا بِالْجِزْيَةِ. وَقِيلَ: هَذَا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ أَجْهَضُوهُمْ بِالْجِهَادِ حَتَّى لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ (مِنْهُمْ) (1) إِلَّا خَائِفًا مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ أَيْ مَا يَنْبَغِي {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} عَذَابٌ وَهَوَانٌ، قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْقَتْلُ لِلْحَرْبِيِّ وَالْجِزْيَةُ لِلذِّمِّيِّ، قَالَ مُقَاتِلٌ (وَالْكَلْبِيُّ) (2) تُفْتَحُ مَدَائِنُهُمُ الثَّلَاثَةُ قُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَرُومِيَّةُ، وَعَمُّورِيَةُ (3) {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} النَّارُ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَأَرَادَ بِالْمَسَاجِدِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ حَجِّهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَإِذَا مَنَعُوا مِنْ أَنْ يَعْمُرَهُ بِذِكْرٍ فَقَدْ سَعَوْا فِي خَرَابِهِ {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ} يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُ أَفْتَحُهَا عَلَيْكُمْ حَتَّى تَدْخُلُوهَا وَتَكُونُوا أَوْلَى بِهَا مِنْهُمْ، فَفَتَحَهَا عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي: "أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ" (4) فَهَذَا خَوْفُهُمْ، وَثَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مُشْرِكٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ، {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} الذُّلُّ وَالْهَوَانُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ وَالنَّفْيُ. {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَرَجَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَصَابَهُمُ الضَّبَابُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَتَحَرَّوُا الْقِبْلَةَ وَصَلَّوْا فَلَمَّا ذَهَبَ الضَّبَابُ اسْتَبَانَ لَهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُصِيبُوا وَأَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي تَحَرِّيهِمْ فَلَمَّا قَدِمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (5) وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي الْمُسَافِرِ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ السَّرَخْسِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَتْ بِهِ (6) قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لِمَا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ عَيَّرَتِ الْيَهُودُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالُوا: لَيْسَتْ لَهُمْ قِبْلَةٌ مَعْلُومَةٌ فَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (7) ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: لِمَا نَزَلَتْ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (60-غَافِرٍ) قَالُوا: أَيْنَ نَدْعُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (8) {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} مُلْكًا وَخَلْقًا {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} يَعْنِي أَيْنَمَا تُحَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ فَثَمَّ أَيْ: هُنَاكَ {رَحْمَةُ} (9) اللَّهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَثَمَّ اللَّهُ يَعْلَمُ وَيَرَى وَالْوَجْهُ صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ" (88-الْقَصَصِ) أَيْ إِلَّا هُوَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ ومقاتل بن حبان: فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ، وَالْوَجْهُ وَالْوُجْهَةُ وَالْجِهَةُ الْقِبْلَةُ، وَقِيلَ: رِضَا اللَّهِ تَعَالَى. {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ} أَيْ غَنِيٌّ يُعْطِي مِنَ السِّعَةِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْوَاسِعُ الْجَوَادُ الَّذِي يَسَعُ عَطَاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ،

_ (1) زيادة في ب. (2) والكلبي زيادة في ب. (3) أخرج الإمام أحمد في المسند: 2 / 176 عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عله وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أي المدينتين تفتح أولا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مدينة هرقل تفتح أولا، يعني قسطنطينية". وصححه الحاكم في المستدرك: 4 / 508،555، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 219: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل وهو ثقة. و (رومية) : مخففة الياء المنقوطة من تحت - هي مدينة رياسة الروم وعلمهم، من عجائب الدنيا بناء وسعة وكثرة خلق، وقد حكي فيها حكايات تأباها العقول وتستبعدها، انظر: مراصد الاطلاع للبغدادي: 2 / 642. و (عمورية) ، بفتح أوله وتشديد ثانيه: بلد ببلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه، كان من أعظم فتوح الإسلام، مراصد الاطلاع: 2 / 963. و (قسطنطينية) ويقال: قسطنطينة بإسقاط ياء النسبة؛ كان اسمها بزنطية، فنزلها قسطنطين الأكبر، وبنى عليها سورا وصارت دار ملك الروم وعاصمتهم، مراصد الاطلاع: 3 / 1092، وكتب الله تعالى فتحها للمسلمين على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، الذي لقب بذلك لفتحه القسطنطينية، في سنة (857هـ) (1453م) . (4) أخرجه البخاري: في الصلاة - باب: ما يستر من العورة: 1 / 477 وفي الحج والمغازي والجهاد والتفسير. ومسلم: في الحج - باب: لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، برقم (1347) 2 / 982. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 7 / 121. (5) أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بمعناه. انظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص (45) ، وقال ابن كثير بعد أن ساق عددا من الروايات في التفسير: 1 / 279، وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا، وانظر: نصب الراية للزيلعي: 1 / 305. (6) أخرجه مالك في الموطأ باب: صلاة النافلة في السفر برقم (28) والبخاري: في الصلاة - باب: التوجه نحو القبلة حيث كان: 1 / 503 عن جابر. ومسلم: في صلاة السفر - باب: جواز صلاة النافلة على الدابة: برقم (700) 1 / 487 عن ابن عمر. والمصنف في شرح السنة: 4 / 188 عن نافع عن ابن عمر، وانظر: تفسير الطبري: 2 / 530. (7) انظر تفسير الواحدي: 1 / 177. (8) انظر تفسير الطبري: 2 / 534. (9) وجه الله في ب، وهو الأصح وذلك لعدم التأويل وهذا منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته. والبغوي رحمه الله منهجه عدم التأويل ويظهر أن هذا من الناسخ حيث أثبت الوجه في نسخه (ب) والله أعلم.

قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ {عَلِيمٌ} بِنِيَّاتِهِمْ حَيْثُمَا صَلَّوْا وَدَعَوْا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ بِغَيْرِ وَاوٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْوَاوِ [وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا] (1) نَزَلَتْ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ حَيْثُ قَالُوا: "عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ" وَفِي نَصَارَى نَجْرَانَ حَيْثُ قَالُوا: "الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ" وَفِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ (2) {سُبْحَانَهُ} نَزَّهَ وَعَظَّمَ نَفْسَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَسَنٍ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} عَبِيدًا وَمُلْكًا {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: مُطِيعُونَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: قَائِمُونَ بِالشَّهَادَةِ، وَأَصْلُ الْقُنُوتِ الْقِيَامُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ" (4) ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ خَاصٌّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ لِأَنَّ "كُلَّ" تَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ بِالشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُ شَيْءٌ (5) ، ثُمَّ سَلَكُوا فِي الْكُفَّارِ طَرِيقَيْنِ: فَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ لِلَّهِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ" (15-الرَّعْدِ) وَقَالَ السُّدِّيُّ: هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ دَلِيلُهُ ["وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ" (111-طه) وَقِيلَ {قَانِتُونَ} مُذَلَّلُونَ مُسَخَّرُونَ لِمَا خُلِقُوا لَهُ] (6) .

_ (1) ساقط من أ. (2) انظر: الوسيط للواحدي 1 / 178، 179. (3) أخرجه البخاري، في التفسير - باب: وقالوا: اتخذ الله ولدا - 8 / 168 وفي بدء الخلق. والمصنف في شرح السنة: 1 / 81 من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة، بنحوه، وانظر: ابن كثير: 1 / 282. (4) أخرجه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: أفضل الصلاة طول القنوت: برقم (756،757) 1 / 520. (5) قال الإمام الطبري في التفسير: "وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وجهته، أن قوله: "كل له قانتون"، خاصة لأهل الطاعة، وليست بعامة، وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها، إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينا في كتابنا "كتاب البيان عن أصول الأحكام". وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله - مكذبهم هو والسماوات والأرض وما فيها، إما باللسان، وإما بالدلالة، وذلك أن الله، جل ثناؤه، أخبر عن جميعهم، بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودية، عقب قوله: "وقالوا اتخذ الله ولدا"، فدل ذلك على صحة ما قلنا"، تفسير الطبري: 2 / 539-540. (6) زيادة من ب.

117

{بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ مُبْدِعُهَا وَمُنْشِئُهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا} أَيْ قَدَّرَهُ، وَقِيلَ: أَحْكَمَهُ وَقَدَّرَهُ [وَأَتْقَنَهُ، وَأَصْلُ الْقَضَاءِ: الْفَرَاغُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ مَاتَ: قُضِيَ عَلَيْهِ لِفَرَاغِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ] (1) لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْهُ تَقْدِيرًا وَتَدْبِيرًا. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كُنْ فَيَكُونَ بِنَصْبِ النُّونِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إِلَّا فِي آلِ عِمْرَانَ "كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ" وَفِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ "كُنْ فَيَكُونُ، قَوْلُهُ الْحَقُّ" وَإِنَّمَا نَصَبَهَا لِأَنَّ جَوَابَ الْأَمْرِ بِالْفَاءِ يَكُونُ مَنْصُوبًا [وَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ فِي النَّحْلِ وَيس (2) ] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى فَهُوَ يَكُونُ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَالْمَعْدُومُ لَا يُخَاطَبُ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ أَيْ لِأَجْلِ تَكْوِينِهِ، فَعَلَى هَذَا ذَهَبَ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَقِيلَ: هُوَ وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا وَلَكِنَّهُ لِمَا قُدِّرَ وُجُودُهُ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ كَانَ كَالْمَوْجُودِ فَصَحَّ الْخِطَابُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْيَهُودُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: النَّصَارَى، وَقَالَ قَتَادَةُ: مُشْرِكُو الْعَرَبِ {لَوْلَا} هَلَّا {يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} عِيَانًا بِأَنَّكَ رَسُولُهُ وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ "لَوْلَا" فَهُوَ بِمَعْنَى هَلَّا إِلَّا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْلُهُ "فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ" (143-الصَّافَّاتِ) مَعْنَاهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ {أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ} دَلَالَةٌ وَعَلَامَةٌ عَلَى صِدْقِكَ فِي ادِّعَائِكَ النُّبُوَّةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أَيْ كُفَّارُ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ {مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أَيْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْكُفْرِ وَالْقَسْوَةِ وَطَلَبِ الْمُحَالِ {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ} أَيْ بِالصِّدْقِ كَقَوْلِهِ "وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ" (53-يُونُسَ) أَيْ صِدْقٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِالْقُرْآنِ دَلِيلُهُ "بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ" (5-ق) وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: بِالْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ" (81-الْإِسْرَاءِ) وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ لَمْ

_ (1) زيادة من ب. (2) زيادة من ب.

نُرْسِلْكَ عَبَثًا، إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ كَمَا قَالَ: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ" (85-الْحِجْرِ) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {بَشِيرًا} أَيْ مُبَشِّرًا لِأَوْلِيَائِي وَأَهْلِ طَاعَتِي بِالثَّوَابِ الْكَرِيمِ {وَنَذِيرًا} أَيْ مُنْذِرًا مُخَوِّفًا لِأَعْدَائِي وَأَهْلِ مَعْصِيَتِي بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، قَرَأَ نَافِعٌ وَيَعْقُوبُ {وَلَا تُسْأَلْ} عَلَى النَّهْيِ قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: "لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ وَلَا تَسْأَلْ عَنْ شَرِّ فُلَانٍ فَإِنَّهُ فَوْقَ مَا تَحْسَبُ وَلَيْسَ عَلَى النَّهْيِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "وَلَا تَسْأَلُ" بِالرَّفْعِ عَلَى النَّفْيِ بِمَعْنَى وَلَسْتَ بِمَسْئُولٍ عَنْهُمْ (2) كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ" (20-آلِ عِمْرَانَ) ، {عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} وَالْجَحِيمُ مُعْظَمُ النَّارِ.

_ (1) نقله ابن كثير عن عبد الرزاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي، وقال: رواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة، وقد تكلموا فيه - ابن كثير: 1 / 285 دار الأرقم. قال ابن حجر في التقريب موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ضعيف. وقال الشيخ أحمد شاكر تعقيبا على روايتي الطبري: "هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي: تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضا لضعف روايهما: موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي: ضعيف جدا، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري: 4 / 1 / 291، والصغير: 172-173، وابن أبي حاتم: 4 / 1 / 151-152 فقال البخاري: "منكر الحديث، قاله أحمد بن حنبل، وقال علي بن المديني عن القطان: كنا نتقيه تلك الأيام".... انظر تفسير الطبري: 2 / 558-559 بتعليق الشيخ شاكر، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد أيضا وابن المنذر، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد" الدر المنثور: 1 / 271. (2) وهذا ما رجحه الإمام الطبري، ووجهه توجيها دقيقا وجاء بحجة قوية انظر: التفسير: 2 / 559-561، مع تعليق الشيخ شاكر، وقارن تفسير ابن كثير: 1 / 285، طبعة دار الأرقم.

120

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهُدْنَةَ وَيُطْمِعُونَهُ فِي أَنَّهُ إِنْ أَمْهَلَهُمُ اتَّبَعُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) ، مَعْنَاهُ وَإِنَّكَ إِنْ هَادَنْتَهُمْ فَلَا يَرْضَوْنَ بِهَا وَإِنَّمَا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ تَعَلُّلًا وَلَا يَرْضَوْنَ مِنْكَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ مِلَّتِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذَا فِي الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ أَنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ وَنَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَرْجُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى قِبْلَتِهِمْ فَلَمَّا صَرَفَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ أَيِسُوا فِي أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ} إِلَّا بِالْيَهُودِيَّةِ {وَلَا النَّصَارَى} إِلَّا بِالنَّصْرَانِيَّةِ (2) وَالْمِلَّةُ الطَّرِيقَةُ {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} قِيلَ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ كَقَوْلِهِ "لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ" (65-الزُّمَرِ)

_ (1) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 1 / 368. (2) انظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص48-49، وقد عزاه في الدر المنثور للثعلبي.

121

{بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الْبَيَانِ بِأَنَّ دِينَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالْقِبْلَةَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهِيَ الْكَعْبَةُ {مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) } {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ رُهْبَانِ الشَّامِ مِنْهُمْ بَحِيرَا (1) ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ مَنْ آمَنَ مِنَ الْيَهُودِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَسَعْيَةُ بْنُ عَمْرٍو وَتَمَّامُ بْنُ يَهُودَا وَأَسَدٌ وَأُسَيْدٌ ابْنَا كَعْبٍ وَابْنُ يَامِينَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا (2) ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ عَامَّةً (3) {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَصِفُونَهُ فِي كُتُبِهِمْ حَقَّ صِفَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ عَائِدَةٌ إِلَى الْكِتَابِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَقْرَءُونَهُ كَمَا أُنْزِلَ وَلَا يُحَرِّفُونَهُ، وَيُحِلُّونَ حَلَالَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ، وَيَكِلُونَ عِلْمَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ إِلَى عَالَمِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّبَاعِهِ. قَوْلُهُ {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} 18/أ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ إِبْرَاهَامَ بِالْأَلِفِ فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ وَلِذَلِكَ لَا يُجَرُّ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاخُورَ وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالسُّوسِ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ وَقِيلَ بَابِلَ وَقِيلَ: كُوفِيٌّ، وَقِيلَ: [لشكر] (4) ، وَقِيلَ حَرَّانَ، وَكَانَ أَبُوهُ نَقَلَهُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ أَرْضِ نُمْرُودَ بْنِ

_ (1) انظر: البحر المحيط: 1 / 369، أسباب النزول للواحدي: ص (37) ، الوسيط: 1 / 184. (2) البحر المحيط: 1 / 369، الطبري: 2 / 564 وهو ما رجحه، رحمه الله. (3) البحر المحيط: 1 / 369، الطبري: 2 / 564. (4) في ب كسكر.

كَنْعَانَ، وَمَعْنَى الِابْتِلَاءِ الِاخْتِبَارُ وَالِامْتِحَانُ وَالْأَمْرُ، وَابْتِلَاءُ اللَّهِ الْعِبَادَ لَيْسَ لِيَعْلَمَ أَحْوَالَهُمْ بِالِابْتِلَاءِ، لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِهِمْ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ أَحْوَالَهُمْ حَتَّى يَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلِمَاتِ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هِيَ ثَلَاثُونَ سَمَّاهُنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُبْتَلَ بِهَا أَحَدٌ فَأَقَامَهَا كُلَّهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمُ فَكُتِبَ لَهُ الْبَرَاءَةُ، فَقَالَ تَعَالَى: "وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى" (37-النَّجْمِ) عَشْرٌ فِي بَرَاءَةَ "التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ" إِلَى آخِرِهَا، وَعَشْرٌ فِي الْأَحْزَابِ "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ" وَعَشْرٌ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ" الْآيَاتِ، وَقَوْلُهُ "إِلَّا الْمُصَلِّينَ" فِي سَأَلَ سَائِلٌ (1) . وَقَالَ طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ وَهِيَ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ: تَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ (2) . وَفِي الْخَبَرِ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ الشَّارِبَ، وَأَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَلَّمَ الْأَظَافِرَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَأَى الشَّيْبَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا؟ قَالَ [سِمَةُ] (3) الْوَقَارِ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا" (4) قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ "إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا" (124-الْبَقَرَةِ) إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ: مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ: بِالْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ، فَأَحْسَنَ فِيهَا النَّظَرَ وَعَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ، وَبِالنَّارِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، وَبِالْهِجْرَةِ وَبِذَبْحِ ابْنِهِ وَبِالْخِتَانِ فَصَبَرَ عَلَيْهَا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ إِذْ يَرْفَعَانِ الْبَيْتَ "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا" (127-الْبَقَرَةِ) الْآيَةَ فَرَفَعَاهَا بسبحان اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [وَاللَّهُ أَكْبَرُ] (5) ، قَالَ يَمَانُ بْنُ رَبَابٍ: هُنَّ مُحَاجَّةُ قَوْمِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ" إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى -"وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ" (83-الْأَنْعَامِ) وَقِيلَ هِيَ قَوْلُهُ: "الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ" (78-الشُّعَرَاءِ) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ. {فَأَتَمَّهُنَّ} قَالَ قَتَادَةُ: أَدَّاهُنَّ، قَالَ الضَّحَّاكُ: قَامَ بِهِنَّ وَقَالَ: [نُعْمَانُ] (6) عَمِلَ بِهِنَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} يُقْتَدَى بِكَ فِي الْخَيْرِ {قَالَ} إِبْرَاهِيمُ

_ (1) انظر: البحر المحيط: 1 / 375. (2) انظر تفسير ابن كثير 1 / 289، والبحر المحيط: 1 / 375. (3) ساقطة من ب. (4) قال القرطبي في التفسير: 2 / 98 وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن ... إلخ. وانظر: الدر المنثور: 1 / 281. (5) وفي ب يمان. (6) ساقطة في ب.

125

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} أَيْ وَمِنْ أَوْلَادِي أَيْضًا فَاجْعَلْ مِنْهُمْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرِ {قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى {لَا يَنَالُ} لَا يُصِيبُ {عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا أَيْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ظَالِمًا لَا يُصِيبُهُ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: عَهْدِي رَحْمَتِي وَقَالَ السُّدِّيُّ: نُبُوَّتِي وَقِيلَ: الْإِمَامَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْسَ لِظَالِمٍ أَنْ يُطَاعَ فِي ظُلْمِهِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ لَا يَنَالُ مَا عَهِدْتُ إِلَيْكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْإِمَامَةِ مَنْ كَانَ ظَالِمًا مِنْ وَلَدِكَ وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْعَهْدِ الْأَمَانَ مِنَ النَّارِ وَبِالظَّالِمِ الْمُشْرِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ" (82-الْأَنْعَامِ) . {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ} يَعْنِي الْكَعْبَةَ {مَثَابَةً لِلنَّاسِ} مَرْجِعًا لَهُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَيَحُجُّونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعَاذًا وَمَلْجَأً وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: مَجْمَعًا {وَأَمْنًا} أَيْ مَأْمَنًا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُمْ مَا كَانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَيَقُولُونَ: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَيَتَعَرَّضُونَ لِمَنْ حَوْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ" (67-الْعَنْكَبُوتِ) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلَا يَنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ" فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لَقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا} قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ عَلَى الْأَمْرِ {مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} قَالَ ابْنُ يَمَانٍ (2) الْمَسْجِدُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْحَرَمُ كُلُّهُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعَ مُشَاهِدِ الْحَجِّ، مِثْلَ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَسَائِرِ الْمَشَاهِدِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي إِلَيْهِ الْأَئِمَّةُ، وَذَلِكَ الْحَجَرُ الَّذِي قَامَ

_ (1) أخرجه البخاري: في الجنائز - باب: الإذخر والحشيش: 3 / 213. ومسلم: في الحج - باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها برقم: (353، 354، 355) 2 / 986. والمصنف في شرح السنة: 7 / 249. (2) وفي ب (يمان) .

عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: كَانَ أَثَرُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بَيِّنًا فِيهِ فَانْدَرَسَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسْحِ بِالْأَيْدِي، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ وَتَقْبِيلِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ -قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ الْحِجَابِ، قَالَ وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ لَهُنَّ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ، وليبدلنه اللَّهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنُّ" (1) الْآيَةَ (5-التَّحْرِيمِ) . وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} (2) . وَأَمَّا بَدْءُ قِصَّةِ الْمَقَامِ فَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لما أتى إبرهيم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْمَاعِيلَ وَهَاجَرَ وَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ، وَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ، وَنَزَلَهَا الْجُرْهُمِيُّونَ وَتَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْهُمُ امْرَأَةً وَمَاتَتْ هَاجَرُ، وَاسْتَأْذَنَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ أَنْ يَأْتِيَ هَاجَرَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ فَقَدِمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَقَدْ مَاتَتْ هَاجَرُ، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَ ذَهَبَ لِلصَّيْدِ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ فَيَصِيدُ، فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيمُ: هَلْ عِنْدَكِ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ لَيْسَ عِنْدِي ضِيَافَةٌ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ فَجَاءَ إِسْمَاعِيلُ فَوَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ فَقَالَ [لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: جَاءَنِي شَيْخٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا كَالْمُسْتَخِفَّةِ بِشَأْنِهِ قَالَ] (3) فَمَا قَالَ لَكِ؟ قَالَتْ قَالَ أَقْرِئِي زَوْجَكِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ فَلْيُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، قَالَ ذَلِكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ

_ (1) أخرجه البخاري: في التفسير - باب قوله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى: 8 / 168. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: من فضائل عمر برقم: (2399) 4 / 1865 مختصرا. والمصنف في شرح السنة: 14 / 93، وانظر: قطف الثمر في موافقات عمر للسيوطي في الحاوي للفتاوى 1 / 377. (2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها ... 1 / 504. (3) ساقط من أ.

لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ؟ قَالَتْ ذَهَبَ يَتَصَيَّدُ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: هَلْ عِنْدَكَ ضِيَافَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ؟ فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئِذٍ بِخُبْزِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ وَتَمْرٍ لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ بُرًّا أَوْ شَعِيرًا أَوْ تَمْرًا، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ، فَلَمْ يَنْزِلْ فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ فَوَضَعَتْهُ عَنْ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ ثُمَّ حَوَّلَتْ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَغَسَلَتْ شَقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، وَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمَيْهِ فَقَالَ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ أَبِي، وَأَنْتَ الْعَتَبَةُ أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ (1) . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جبير 18/ب عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: ثم لبثت عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا تَحْتَ دَوْمَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي بِأَمْرٍ تُعِينُنِي عَلَيْهِ؟ قَالَ: أُعِينُكَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ حَتَّى ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ إبراهيم على الحجر الْمَقَامِ وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ وَهُمَا يَقُولَانِ {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَفِي الْخَبَرِ: "الرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الجنة ولولا مامسته أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ لَأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} أَيْ أَمَرْنَاهُمَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمَا، قِيلَ: سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا وَيَقُولَ: اسْمَعْ يَا إِيلُ وَإِيلُ هُوَ اللَّهُ فَلَمَّا رُزِقَ سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ} يَعْنِي الْكَعْبَةَ أَضَافَهُ إِلَيْهِ تَخْصِيصًا وَتَفْضِيلًا أَيِ ابْنِيَاهُ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: طَهِّرَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرِّيَبِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَقِيلَ: بَخِّرَاهُ وَخَلِّقَاهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَفْصٌ {بَيْتِيَ} بِفَتْحِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَزَادَ حَفْصٌ فِي سُورَةِ نُوحٍ {لِلطَّائِفِينَ} الدَّائِرِينَ حَوْلَهُ {وَالْعَاكِفِينَ} الْمُقِيمِينَ الْمُجَاوِرِينَ {وَالرُّكَّعِ} جَمْعُ رَاكِعٍ {السُّجُودِ} جَمْعُ سَاجِدٍ وَهُمُ الْمُصَلُّونَ قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ:

_ (1) أخرجه البخاري: مطولا في الأنبياء - باب: يزفون: النسلان في المشي: 6 / 396 وفي مواضع أخرى. (2) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بلفظ "إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورههما لأضاءتا ... " 3 / 618 وقال هو حديث غريب. ورواه الحاكم في الحج عن داود الزبرقان عن أيوب السختياني عن قتادة بن دعامة عن أنس وقال: صحيح فرده الذهبي بأن فيه داود، قال أبو داود: متروك، (فيض القدير: 4 / 59) . ورواه أيضا عن عبد الله بن عمرو، انظر: المستدرك: 1 / 456. وأخرجه الواحدي في الوسيط: 1 / 190، وانظر: تحفة الأحوذي: 1 / 618-619.

126

الطَّائِفِينَ هُمُ الْغُرَبَاءُ والعاكفين أَهْلُ مَكَّةَ، قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الطَّوَافُ لِلْغُرَبَاءِ أَفْضَلُ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ أَفْضَلُ. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }

127

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا} يَعْنِي مَكَّةَ وَقِيلَ: الْحَرَمَ {بَلَدًا آمِنًا} أَيْ ذَا أَمْنٍ يَأْمَنُ فِيهِ أَهْلُهُ {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} إِنَّمَا دَعَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَفِي الْقَصَصِ أَنَّ الطَّائِفَ كَانَتْ مِنْ مَدَايِنِ الشَّامِ بِأُرْدُنَّ فَلَمَّا دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الدُّعَاءَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَلَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا وَأَدَارَهَا حَوْلَ الْبَيْتِ سَبْعًا ثُمَّ وَضَعَهَا مَوْضِعَهَا الَّذِي هِيَ الْآنَ فِيهِ، فَمِنْهَا أَكْثَرُ ثَمَرَاتِ مَكَّةَ {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} دَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً {قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ فَأُمْتِعُهُ خَفِيفًا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْبَاقُونَ مُشَدَّدًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قَلِيلًا أَيْ سَأَرْزُقُ الْكَافِرَ أَيْضًا قَلِيلًا إِلَى مُنْتَهَى أَجَلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الرِّزْقَ لِلْخَلْقِ كَافَّةً مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْقِلَّةِ لِأَنَّ مَتَاعَ الدُّنْيَا قَلِيلٌ {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} أَيْ أُلْجِئُهُ فِي الْآخِرَةِ {إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} أَيِ الْمَرْجِعُ يَصِيرُ إِلَيْهِ قَالَ مُجَاهِدٌ: وُجِدَ عِنْدَ الْمَقَامِ كتاب فيه: أن اللَّهُ ذُو بَكَّةَ صَنَعْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَرَّمْتُهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَحَفَفْتُهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ، يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ، مُبَارَكٌ لَهَا فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} قَالَ الرُّوَاةُ: (1) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَوْضِعَ الْبَيْتِ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانَتْ زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهَا فَلَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ اسْتَوْحَشَ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ مِنْ يَاقُوتَةٍ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ لَهُ بَابَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ، بَابٌ شَرْقِيٌّ وَبَابٌ غَرْبِيٌّ فَوَضَعَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَقَالَ: يَا آدَمُ إِنِّي أَهْبَطْتُ لَكَ بَيْتًا تَطُوفُ بِهِ كَمَا يُطَافُ حَوْلَ عَرْشِي، تُصَلِّي عِنْدَهُ كَمَا يُصَلَّى عِنْدَ عَرْشِي وَأَنْزَلَ الْحَجَرَ وَكَانَ

_ (1) ذكر الرواة هذه القصص والأخبار عن بناء البيت، ومعظمها من الإسرائيليات التي لا تثبت بها حجة، وحسبنا ما جاء من الروايات الثابتة، كالذي ذكره البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: "اتخذ الله إبراهيم خليلا". راجع: تفسير ابن كثير: 1 / 302 وما بعدها، البداية والنهاية: 1 / 163-166، الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص235-237.

128

أَبْيَضَ فَاسْوَدَّ مِنْ لَمْسِ الْحُيَّضِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَوَجَّهَ آدَمُ مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ إِلَى مَكَّةَ مَاشِيًا وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا يَدُلُّهُ عَلَى الْبَيْتِ فَحَجَّ الْبَيْتَ وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالُوا: بَرَّ حَجُّكَ يَا آدَمُ لَقَدْ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: حَجَّ آدَمُ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مِنَ الْهِنْدِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ الطُّوفَانِ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى خَبَّأَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ صِيَانَةً لَهُ مِنَ الْغَرَقِ، فَكَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ خَالِيًا إِلَى زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَمَا وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ بِبِنَاءِ بَيْتٍ يُذْكَرُ فِيهِ، فَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَوْضِعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ السِّكِّينَةَ لِتَدُلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجٌ لَهَا رَأْسَانِ شِبْهَ الْحَيَّةِ فَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السِّكِّينَةُ فَتَبِعَهَا إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَيَا مَكَّةَ فَتَطَوَّتِ السِّكِّينَةُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَتَطَوِّي الْحَجَفَةِ هَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى سَحَابَةً عَلَى قَدْرِ الْكَعْبَةِ فَجَعَلَتْ تَسِيرُ وَإِبْرَاهِيمُ يَمْشِي فِي ظِلِّهَا إِلَى أَنْ وَافَقَ مَكَّةَ وَوَقَفَتْ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَنُودِيَ مِنْهَا إِبْرَاهِيمُ أَنِ ابْنِ عَلَى ظِلِّهَا لَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُصْ، وَقِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ لِيَدُلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ الْبَيْتَ فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحَجَرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} يَعْنِي أُسُسَهُ وَاحِدَتُهَا قَاعِدَةٌ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: جُدُرُ الْبَيْتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا بُنِيَ الْبَيْتُ مِنْ خمسة أجبل، طورسيناء وطور زَيْتَا وَلُبْنَانَ وَهُوَ جَبَلٌ بِالشَّامِ، وَالْجُودِيِّ وَهُوَ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ وَبَنَيَا قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءَ وَهُوَ جَبَلٌ بِمَكَّةَ فَلَمَّا انْتَهَى إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ ائْتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ يَكُونُ لِلنَّاسِ عَلَمًا فَأَتَاهُ بِحَجَرٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا فَمَضَى إِسْمَاعِيلُ يَطْلُبُهُ فَصَاحَ أَبُو قُبَيْسٍ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً فَخُذْهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَوَضَعَهُ مَكَانَهُ وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَنَى فِي السَّمَاءِ بَيْتًا وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ وَيُسَمَّى الضُّرَاحَ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَبْنُوا الْكَعْبَةَ فِي الْأَرْضِ بِحِيَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ وَمِثَالِهِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْكَعْبَةَ آدَمُ وَانْدَرَسَ زَمَنَ الطُّوفَانِ ثُمَّ أَظْهَرَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ حَتَّى بَنَاهُ (1) . قَوْلُهُ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} فِيهِ إِضْمَارٌ أَيْ وَيَقُولَانِ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا بِنَاءَنَا {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} لِدُعَائِنَا {الْعَلِيمُ} بِنِيَّاتِنَا {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) } {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} مُوَحِّدَيْنِ مُطِيعَيْنِ مُخْلِصَيْنِ خَاضِعَيْنِ لَكَ.

_ (1) قال ابن كثير رحمه الله: ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم: أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام، ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: "مكان البيت" فليس بناهض ولا ظاهر، لأن مراده: مكانه المقدر في علم الله تعالى، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم عليه السلام" انظر: البداية والنهاية: 1 / 163، 165.

129

{وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا} أَيْ أَوْلَادِنَا {أُمَّةً} جَمَاعَةً وَالْأُمَّةُ أَتْبَاعُ الْأَنْبِيَاءِ {مُسْلِمَةً لَكَ} خَاضِعَةً لَكَ. {وَأَرِنَا} عَلِّمْنَا وَعَرِّفْنَا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ سَاكِنَةَ الرَّاءِ وَأَبُو عَمْرٍو بِالِاخْتِلَاسِ وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْإِسْكَانِ فِي حم السَّجْدَةِ، وَأَصْلُهُ أَرْئِنَا فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الرَّاءِ وَمَنْ سَكَّنَهَا قَالَ: ذَهَبَتِ الْهَمْزَةُ فَذَهَبَتْ حَرَكَتُهَا، {مَنَاسِكَنَا} شَرَائِعَ دِينِنَا وَأَعْلَامَ حَجِّنَا. وَقِيلَ: مَوَاضِعَ حَجِّنَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَذَابِحَنَا وَالنُّسُكُ الذَّبِيحَةُ، وَقِيلَ: مُتَعَبَّدَاتِنَا، وَأَصْلُ النُّسُكِ الْعِبَادَةُ، وَالنَّاسِكُ الْعَابِدُ فَأَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُمَا فَبَعَثَ جِبْرِيلَ فَأَرَاهُمَا الْمَنَاسِكَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فَلَمَّا بَلَغَ عَرَفَاتٍ قَالَ: عَرَفْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَسَمَّى الْوَقْتَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعَ عَرَفَاتٍ. {وَتُبْ عَلَيْنَا} تَجَاوَزْ عَنَّا {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) } أَيْ فِي الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ {رَسُولًا مِنْهُمْ} أَيْ مُرْسَلًا مِنْهُمْ أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. حَدَّثَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الْمُوسَوِيُّ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بن عباس 19/أالْبَلْخِيُّ أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ أَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ أَنَا عَمِّي أَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، أَنَا دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَةُ عِيسَى وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ" (1) وَأَرَادَ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ هَذَا فَإِنَّهُ دَعَا أَنْ يَبْعَثَ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ رَسُولًا مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلُّ الْأَنْبِيَاءِ

_ (1) رواه أحمد: 4 / 127-128 عن العرباض بن سارية؛ والحاكم في المستدرك: 2 / 418،600. وابن حبان: في موارد الظمان: ص 512. والبيهقي: في دلائل النبوة: 1 / 389-390. والبزار والطبراني. وقال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد ولم يوثقه غير ابن حبان، (مجمع الزوائد: 3 / 223) . وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 207 وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (10) .

130

مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَشَرَةً: نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. {يَتْلُو} يَقْرَأُ {عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} كِتَابَكَ يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالْآيَةُ مِنَ الْقُرْآنِ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ إِلَى انْقِطَاعِهِ وَقِيلَ هِيَ جَمَاعَةُ حُرُوفٍ يُقَالُ خَرَجَ الْقَوْمُ بِآيَتِهِمْ أَيْ بِجَمَاعَتِهِمْ {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يَعْنِي الْقُرْآنَ {وَالْحِكْمَةَ} قَالَ مُجَاهِدٌ: فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَوَاعِظَ الْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هِيَ الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ حَكِيمًا حَتَّى يَجْمَعَهُمَا، وَقِيلَ: هِيَ السُّنَّةُ، وَقِيلَ: هِيَ الْأَحْكَامُ وَالْقَضَاءُ وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ الْفِقْهُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ كَلِمَةٍ وَعَظَتْكَ أَوْ دَعَتْكَ إِلَى مَكْرُمَةٍ أَوْ نَهَتْكَ عَنْ قَبِيحٍ فَهِيَ حِكْمَةٌ. {وَيُزَكِّيهِمْ} أَيْ يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الشِّرْكِ وَالذُّنُوبِ، وَقِيلَ: يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَشْهَدُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْعَدَالَةِ إِذَا شَهِدُوا لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْبَلَاغِ مِنَ التَّزْكِيَةِ، وَهِيَ التَّعْدِيلُ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعَزِيزُ الَّذِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمُنْتَقِمُ بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ" (4-آلِ عِمْرَانَ) وَقِيلَ: الْمَنِيعُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَيْدِي وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَقِيلَ: الْقَوِيُّ، وَالْعِزَّةُ الْقُوَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ" (14-يس) أَيْ قَوَّيْنَا وَقِيلَ: الْغَالِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا "وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ" (23-ص) أَيْ غَلَبَنِي، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: "مَنْ عَزَّ بَزَّ" أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ. {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) } {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ دَعَا ابْنَيْ أَخِيهِ سَلَمَةَ وَمُهَاجِرًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُمَا: قَدْ عَلِمْتُمَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي التَّوْرَاةِ: إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أَحْمَدُ فَمَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَى وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ، فَأَسْلَمَ سَلَمَةُ وَأَبَى مُهَاجِرٌ أَنْ يُسْلِمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} (1) أَيْ يَتْرُكُ دِينَهُ وَشَرِيعَتَهُ يُقَالُ رَغِبَ فِي الشَّيْءِ إِذَا أَرَادَهُ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا تَرَكَهُ. وَقَوْلُهُ {وَمَنْ} لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّوْبِيخُ يَعْنِي: مَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ضَلَّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَهْلَكَ نَفْسَهُ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ وَالزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ جَهَّلَ نَفْسَهُ وَالسَّفَاهَةُ: الْجَهْلُ وَضَعْفُ الرَّأْيِ: وَكُلُّ سَفِيهٍ

_ (1) انظر: لباب النقول للسيوطي ص 51، بهامش الجلالين.

132

جَاهِلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَقَدْ جَهَّلَ نَفْسَهُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا، وَقَدْ جَاءَ: "مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ" (1) ، وَفِي الْأَخْبَارِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى دَاوُدَ اعْرِفْ نَفْسَكَ وَاعْرِفْنِي، فَقَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعْرِفُ نَفْسِي؟ وَكَيْفَ أَعْرِفُكَ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ اعْرِفْ نَفْسَكَ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ وَالْفَنَاءِ، وَاعْرِفْنِي بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْبَقَاءِ". وَقَالَ الْأَخْفَشُ: مَعْنَاهُ سَفِهَ فِي نَفْسِهِ، ونفسه عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَكَانَ الْأَصْلُ سَفِهَتْ نَفْسُهُ فَلَمَّا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى صَاحِبِهَا خَرَجَتِ النَّفْسُ الْمُفَسِّرَةُ لِيَعْلَمَ مَوْضِعَ السَّفَهِ، كَمَا يُقَالُ: ضِقْتُ بِهِ ذَرْعًا، أَيْ ضَاقَ ذَرْعِي بِهِ. {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا} اخْتَرْنَاهُ فِي الدُّنْيَا {وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} يَعْنِي مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّالِحِينَ {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ} أَيِ اسْتَقِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاثْبُتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لَهُ حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ (2) ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَخْلِصْ دِينَكَ وَعِبَادَتَكَ لِلَّهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ أَسْلِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفَوِّضْ أُمُورَكَ إِلَيْهِ. {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ فَوَّضْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَقَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَسْتَعِنْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ. {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ: "وَأَوْصَى" بِالْأَلِفِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِهِمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ: "وَوَصَّى" مُشَدَّدًا، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلَ أَنْزَلَ وَنَزَّلَ، مَعْنَاهُ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَوَصَّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الْكِنَايَةَ إِلَى الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا إِلَى الْوَصِيَّةِ: أَيْ وَصَّى إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ الثَّمَانِيَةَ إِسْمَاعِيلَ وَأُمُّهُ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ، وَإِسْحَاقَ وَأُمُّهُ سَارَةُ، وَسِتَّةً أُمُّهُمْ قَنْطُورَةُ بِنْتُ يَقْطَنَ الْكَنْعَانِيَّةُ تَزَوُّجَهَا إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ وَفَاةِ سَارَةَ وَيَعْقُوبُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَالْعِيصُ كَانَا تَوْأَمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَى أَثَرِهِ آخِذًا بِعَقِبِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: سُمِّيَ يَعْقُوبُ لِكَثْرَةِ عَقِبِهِ يَعْنِي: وَوَصَّى أَيْضًا يَعْقُوبُ بَنِيهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ {يَا بَنِيَّ} مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} اخْتَارَ {لَكُمُ الدِّينَ} أَيْ دِينَ

_ (1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث موضوع. انظر: الأسرار المرفوعة للقاري ص (337) وكشف الخفاء للعجلوني: 1 / 262. (2) السرب: بفتح الراء، حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض.

133

الْإِسْلَامِ {فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} مُؤْمِنُونَ وَقِيلَ: مُخْلِصُونَ وَقِيلَ: مُفَوِّضُونَ وَالنَّهْيُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِنَّمَا نُهُوا فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ تَرْكِ الْإِسْلَامِ، مَعْنَاهُ: دَاوِمُوا عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَا يُصَادِفَكُمُ الْمَوْتُ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: {إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أَيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (1) . {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) } {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} يَعْنِي أَكُنْتُمْ شُهَدَاءَ، يُرِيدُ مَا كُنْتُمْ شُهَدَاءَ حُضُورًا {إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ} أَيْ حِينَ قَرُبَ يَعْقُوبُ مِنَ الْمَوْتِ، قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أَوْصَى بَنِيهِ بِالْيَهُودِيَّةِ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لِمَا دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالنِّيرَانَ، فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي} قَالَ عَطَاءٌ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبِضْ نَبِيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ فَلَمَّا خَيَّرَ يَعْقُوبَ قَالَ: أَنْظِرْنِي حَتَّى أَسْأَلَ وَلَدِي وَأُوصِيَهُمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ فَجَمَعَ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَقَالَ لَهُمْ قَدْ حَضَرَ أَجَلِي فَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي {قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ عَمًّا لَهُمْ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا كَمَا تُسَمِّي الْخَالَةَ أُمًّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (2) وَقَالَ في عمه 19/ب الْعَبَّاسِ: "رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَفْعَلَ بِهِ قُرَيْشٌ مَا فَعَلَتْ ثَقِيفٌ بِعُرْوَةَ بْنِ

_ (1) أخرجه مسلم: في الجنة - باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت برقم (2877) 4 / 2205. والمصنف في شرح السنة: 5 / 372. (2) أخرجه مسلم: في الزكاة - باب: في تقديم الزكاة ومنعها برقم (983) 2 / 676-677. انظر شرح السنة 6 / 33.

مَسْعُودٍ" (1) . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ. {إِلَهًا وَاحِدًا} نَصْبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ إِلَهَكَ وَقِيلَ نَعْرِفُهُ إِلَهًا وَاحِدًا {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} {تِلْكَ أُمَّةٌ} جَمَاعَةٌ {قَدْ خَلَتْ} مَضَتْ {لَهَا مَا كَسَبَتْ} مِنَ الْعَمَلِ {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يَعْنِي: يُسْأَلُ كُلٌّ عَنْ عَمَلِهِ لَا عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ.

_ (1) قال ابن أبي شيبة في المغازي من مصنفه 14 / 480-484: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: "لما وادع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل مكة ... " إلى أن قال: "فانطلق العباس فركب بغلة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشهباء وانطلق إلى قريش ليدعوهم إلى الله، فأبطا عليه فقال رسول الله عليه وسلم "ردوا علي أبي فإن عم الرجل صنو أبيه أخاف أن تفعل به ... " انظر الكافي الشاف لابن حجر، ص 11، 12.

135

{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُودَا وَأَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَفِي نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَأَصْحَابِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَاصَمُوا الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ كُلُّ فِرْقَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِدِينِ اللَّهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: نَبِيُّنَا مُوسَى أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ، وَكِتَابُنَا التَّوْرَاةُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ، وَكَفَرَتْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَتِ النَّصَارَى: نَبِيُّنَا أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا الْإِنْجِيلُ أَفْضَلُ الْكُتُبِ، وَدِينُنَا أَفْضَلُ الْأَدْيَانِ وَكَفَرَتْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ كُونُوا عَلَى دِينِنَا فَلَا دِينَ إِلَّا ذَلِكَ (1) فَقَالَ تَعَالَى {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: اتَّبَعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ بَلْ نَكُونُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَحَذَفَ "عَلَى" فَصَارَ مَنْصُوبًا {حَنِيفًا} نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ عِنْدَ نُحَاةِ الْبَصْرَةِ، وَعِنْدَ نُحَاةِ الْكُوفَةِ نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ أَرَادَ بَلْ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ فَلَمَّا سَقَطَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لَمْ يَتْبَعِ الْمَعْرِفَةُ النَّكِرَةَ فَانْقَطَعَ مِنْهُ فَنُصِبَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَنِيفِيَّةُ اتِّبَاعُ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَتَى بِهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا إِمَامًا لِلنَّاسِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَنِيفُ الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَنَفِ، وَهُوَ مَيْلٌ وَعِوَجٌ يَكُونُ فِي الْقَدَمِ،

_ (1) انظر: الوسيط للواحدي ص202، وقد جاء عنده مفصلا في أسباب النزول: 1 / 38.

137

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْحَنِيفُ هُوَ الْحَاجُّ الْمُخْتَتِنُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا كَانَ مَعَ الْحَنِيفِ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الْحَاجُّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْلِمِ فَهُوَ الْمُسْلِمُ، قَالَ قَتَادَةُ: الْحَنِيفِيَّةُ: الْخِتَانُ وَتَحْرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَإِقَامَةُ الْمَنَاسِكِ. {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ثُمَّ عَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ طَرِيقَ الْإِيمَانِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} يَعْنِي الْقُرْآنَ {وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} عَشْرُ صُحُفٍ {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} يَعْنِي أَوْلَادَ يَعْقُوبَ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سِبْطًا وَاحِدُهُمْ سِبْطٌ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وُلِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَسِبْطُ الرَّجُلِ حَافِدُهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سِبْطَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَسْبَاطُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ وَالشُّعُوبِ مِنَ الْعَجَمِ، وَكَانَ فِي الْأَسْبَاطِ أَنْبِيَاءٌ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وَقِيلَ هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ مِنْ صُلْبِهِ صَارُوا كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {وَعِيسَى} يَعْنِي الْإِنْجِيلَ {وَمَا أُوتِيَ} أُعْطِيَ {النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} أَيْ نُؤْمِنُ بِالْكُلِّ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ الْآيَةَ" (1) {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) } قَوْلُهُ تَعَالَى {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} أَيْ بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْمِثْلُ صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" أَيْ لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِجَمِيعِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ أَيْ أَتَوْا بِإِيمَانٍ كَإِيمَانِكُمْ وَتَوْحِيدٍ كَتَوْحِيدِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا مِثْلَ مَا أَمِنْتُمْ بِهِ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ" (25-مَرْيَمَ) وَقَالَ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ: مَعْنَاهُ فَإِنْ آمَنُوا بِكِتَابِكُمْ كَمَا آمَنْتُمْ بِكِتَابِهِمْ، {فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أَيْ فِي خِلَافٍ وَمُنَازَعَةٍ قَالَهُ: ابْنُ عَبَّاسٍ

_ (1) رواه البخاري: في الاعتصام - باب: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء: 13 / 333. والمصنف في شرح السنة: 1 / 269.

138

وَعَطَاءٌ وَيُقَالُ: شَاقَّ مُشَاقَّةً إِذَا خَالَفَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ آخِذٌ فِي شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صَاحِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي" (89-هُودٍ) أَيْ خِلَافِي، وَقِيلَ: فِي عَدَاوَةٍ، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ" (13-الْأَنْفَالِ) أَيْ عَادُوا اللَّهَ {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ} يَا مُحَمَّدُ أَيْ يَكْفِيكَ شَرَّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَدْ كُفِيَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى {وَهُوَ السَّمِيعُ} لِأَقْوَالِهِمْ {الْعَلِيمُ} بِأَحْوَالِهِمْ. {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) }

142

{سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {صِبْغَةَ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ: دِينَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ صِبْغَةً لِأَنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُ الدِّينِ عَلَى الْمُتَدَيِّنِ كَمَا يَظْهَرُ أَثَرُ الصَّبْغِ عَلَى الثَّوْبِ، وَقِيلَ لِأَنَّ الْمُتَدَيِّنَ يَلْزَمُهُ وَلَا يُفَارِقُهُ، كَالصَّبْغِ يَلْزَمُ الثَّوْبَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِطْرَةَ اللَّهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: سُنَّةَ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْخِتَانَ لِأَنَّهُ يَصْبُغُ صَاحِبَهُ بِالدَّمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (1) هِيَ أَنَّ النَّصَارَى إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ فَأَتَى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ غَمَسُوهُ فِي مَاءٍ لَهُمْ أَصْفَرُ يُقَالُ لَهُ الْمَعْمُودِيُّ وَصَبَغُوهُ بِهِ لِيُطَهِّرُوهُ بِذَلِكَ الْمَاءِ مَكَانَ الْخِتَانِ، فَإِذَا فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ قَالُوا: الْآنَ صَارَ نَصْرَانِيًّا حَقًّا فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ دِينَهُ الْإِسْلَامُ لَا مَا يَفْعَلُهُ النَّصَارَى، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ يَعْنِي الْزَمُوا دِينَ اللَّهِ، قَالَ الْأَخْفَشُ هِيَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً} دِينًا وَقِيلَ: تَطْهِيرًا {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} مُطِيعُونَ {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى {أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} أَيْ فِي دِينِ اللَّهِ وَالْمُحَاجَّةُ: الْمُجَادَلَةُ فِي اللَّهِ لِإِظْهَارِ الْحُجَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانُوا مِنَّا وَعَلَى دِينِنَا، وَدِينُنَا أَقْوَمُ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ فِي اللَّهِ فَإِنَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءُ عَمَلِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ أَوْلَى بِاللَّهِ {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} وَأَنْتُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْإِخْلَاصُ أَنْ يُخْلِصَ الْعَبْدُ دِينَهُ وَعَمَلَهُ فَلَا يُشْرِكَ بِهِ فِي دِينِهِ وَلَا يُرَائِيَ بِعَمَلِهِ قَالَ الْفُضَيْلُ: تَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْعَمَلُ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ تَقُولُونَ} يَعْنِي: أَتَقُولُونَ، صِيغَةُ اسْتِفْهَامٍ وَمَعْنَاهُ التَّوْبِيخُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ

_ (1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 206.

وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ} وَقَالَ بَعْدَهُ {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي يَقُولُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بِدِينِهِمْ {أَمِ اللَّهُ} وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لم يكن 20/أيَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ} أَخْفَى {شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} وَهِيَ عِلْمُهُمْ بِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ كَانُوا مُسْلِمِينَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وَرَسُولٌ أَشْهَدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِمْ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} كَرَّرَهُ (1) تَأْكِيدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} الْجُهَّالُ {مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ} صَرَفَهُمْ وَحَوَّلَهُمْ {عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَالْقِبْلَةُ فِعْلَةٌ مِنَ الْمُقَابَلَةِ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَمُشْرِكِي مَكَّةَ طَعَنُوا فِي تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالُوا لِمُشْرِكِي مَكَّةَ: قَدْ تَرَدَّدَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمْرُهُ فَاشْتَاقَ إِلَى مَوْلِدِهِ وَقَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ بَلَدِكُمْ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى دِينِكُمْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} لَهُ وَالْخَلْقُ عَبِيدُهُ. {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، قَالُوا لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: مَا تَرَكَ مُحَمَّدٌ قِبْلَتَنَا إِلَّا حَسَدًا، وَإِنَّ قِبْلَتَنَا قِبْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَقَدْ عَلِمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا عَدْلٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: إِنَّا عَلَى حَقٍّ وَعَدْلٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ} أَيْ وَهَكَذَا، وَقِيلَ: الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ أَيْ كَمَا اخْتَرْنَا إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتَهُ وَاصْطَفَيْنَاهُمْ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} مَرْدُودَةٌ عَلَى قَوْلِهِ: "وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا" (103-الْبَقَرَةِ) أَيْ عَدْلًا خِيَارًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "قَالَ أَوْسَطُهُمْ" (28-الْقَلَمِ) أَيْ خَيْرُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ وَخَيْرُ الْأَشْيَاءِ أَوْسَطُهَا، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ يَعْنِي أَهْلَ دِينٍ وَسَطٍ بَيْنِ الْغُلُوِّ وَالتَّقْصِيرِ لِأَنَّهُمَا مَذْمُومَانِ فِي الدِّينِ.

_ (1) في "أ"=كرر.

وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْوَرَّاقُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى أَنَا أَبُو الصَّلْتِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا بَعْدَ الْعَصْرِ فَمَا تَرَكَ شَيْئًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ وَأَطْرَافِ الْحِيطَانِ، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوُفِّي سَبْعِينَ أُمَّةً هِيَ آخِرُهَا وَأَخْيَرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى" (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُمْ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُهَدَاءُ عَلَى مَنْ يَتْرُكُ الْحَقَّ مِنَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ {وَيَكُونَ الرَّسُولُ} مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} مُعَدِّلًا مُزَكِّيًا لَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ لِكُفَّارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ" (8-الْمُلْكِ) فَيُنْكِرُونَ وَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَيَسْأَلُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ: كَذَبُوا قَدْ بَلَّغْنَاهُمْ فَيَسْأَلُهُمُ الْبَيِّنَةَ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -إِقَامَةً لِلْحُجَّةٍ، فَيُؤْتَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْهَدُونَ لَهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا، فَتَقُولُ الْأُمَمُ الْمَاضِيَةُ: مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا وَإِنَّمَا أَتَوْا بَعْدَنَا؟ فَيَسْأَلُ هَذِهِ الْأُمَّةَ فَيَقُولُونَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلْتَ عَلَيْهِ كِتَابًا، أَخْبَرْتَنَا فِيهِ تَبْلِيغَ الرُّسُلِ وَأَنْتَ صَادِقٌ فِيمَا أَخْبَرْتَ، ثُمَّ يُؤْتَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسْأَلُ عَنْ حَالِ أُمَّتِهِ فَيُزَكِّيهِمْ وَيَشْهَدُ بِصِدْقِهِمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ الْأَعْمَشُ أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ، فَيَسْأَلُ أُمَّتَهُ هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا

_ (1) رواه أحمد: 3 / 19 وهو جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ابن ماجه: في الزهد - باب: صفة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 2 / 1433 ولفظه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: (إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) .

شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} أَيْ تَحْوِيلَهَا يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْجَعْلِ مَحْذُوفًا، عَلَى تَقْدِيرِ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا مَنْسُوخَةً، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا، وَهِيَ الْكَعْبَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ" أَيْ أَنْتُمْ. {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: "إِلَّا لِنَعْلَمَ" وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا قَبْلَ كَوْنِهَا قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعِلْمَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا هُوَ عَالِمٌ بِهِ فِي الْغَيْبِ، إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُوجَدُ مَعْنَاهُ لِيَعْلَمَ الْعِلْمَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَقِيلَ: إِلَّا لِنَعْلَمَ أَيْ: لِنَرَى وَنُمَيِّزَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فِي الْقِبْلَةِ {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} فَيَرْتَدُّ وَفِي الْحَدِيثِ إِنَّ الْقِبْلَةَ لَمَّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَقَالُوا: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: مَعْنَاهُ إِلَّا لِعِلْمِنَا مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ كَأَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ تَحْوِيلَ الْقِبْلَةِ سَبَبٌ لِهِدَايَةِ قَوْمٍ وَضَلَالَةِ قَوْمٍ، وَقَدْ يَأْتِي لَفْظُ الِاسْتِقْبَالِ بِمَعْنَى الْمَاضِي كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ" (91-الْبَقَرَةِ) أَيْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ {وَإِنْ كَانَتْ} أَيْ قَدْ كَانَتْ أَيْ تَوْلِيَةُ الْكَعْبَةِ وَقِيلَ: الْكِتَابَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ الزَّجَّاجُ: وَإِنْ كَانَتِ التَّحْوِيلَةُ {لَكَبِيرَةً} ثَقِيلَةً شَدِيدَةً {إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} أَيْ هَدَاهُمُ اللَّهُ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: "وَإِنْ" تَأْكِيدٌ يُشْبِهُ الْيَمِينَ وَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللَّامُ فِي جَوَابِهَا {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْيَهُودِ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: أَخْبِرُونَا عَنْ صَلَاتِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِنْ كَانَتْ هُدًى فَقَدْ تَحَوَّلْتُمْ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً فَقَدْ دِنْتُمُ اللَّهَ بِهَا، وَمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَيْهَا فَقَدْ مَاتَ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ إِنَّمَا الْهُدَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالضَّلَالَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. قَالُوا: فَمَا شَهَادَتُكُمْ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى قِبْلَتِنَا؟ وَكَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ الْقِبْلَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَكَانُوا مِنَ النُّقَبَاءِ وَرِجَالٌ آخَرُونَ فَانْطَلَقَ عَشَائِرُهُمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَرَفَكَ اللَّهُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ فَكَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (2) {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يَعْنِي صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ لَرَءُوفٌ مُشَبَّعٌ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى فَعُولٍ وَفَعِيلٍ، كَالْغَفُورِ وَالشَّكُورِ وَالرَّحِيمِ وَالْكَرِيمِ وَغَيْرِهَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ

_ (1) أخرجه البخاري: في الاعتصام - باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطا: 13 / 316 وفي التفسير والأنبياء. والمصنف في شرح السنة: 15 / 141. (2) انظر فتح الباري كتاب التفسير باب "سيقول السفهاء من الناس ... " 8 / 171. تفسير الطبري: 3 / 167-169.

144

يُلِينُ الْهَمْزَةَ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالِاخْتِلَاسِ عَلَى وَزْنِ فَعُلٍ قَالَ جَرِيرٌ: تَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ حَقًّا ... كفعل الواحد الرءوف الرَّحِيمِ وَالرَّأْفَةُ أَشَدُّ الرَّحْمَةِ. {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً فِي التِّلَاوَةِ فَهِيَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّهَا رَأْسُ الْقِصَّةِ، وَأَمْرُ الْقِبْلَةِ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنْ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُصَلُّونَ بِمَكَّةَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ إِيَّاهُ إِذَا صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ مَعَ ما يجدون 20/ب مِنْ نَعْتِهِ فِي التَّوْرَاةِ فَصَلَّى بَعْدَ الْهِجْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْيَهُودِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دِينِنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا، فَقَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَدِدْتُ لَوْ حَوَّلَنِي اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ فَإِنَّهَا قِبْلَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِثْلُكَ وَأَنْتَ كَرِيمٌ عَلَى رَبِّكَ، فَسَلْ أَنْتَ رَبَّكَ فَإِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ [فَرَجَعَ] (1) جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى السَّمَاءِ رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ جِبْرِيلُ بِمَا يُحِبُّ مِنْ أَمْرِ الْقِبْلَةِ (2) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} فَلْنُحَوِّلُنَّكَ إِلَى قِبْلَةٍ {تَرْضَاهَا} أَيْ تُحِبُّهَا وَتَهْوَاهَا {فَوَلِّ} أَيْ حَوِّلْ {وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أَيْ نَحْوَهُ وَأَرَادَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَالْحَرَامُ الْمُحَرَّمُ {وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ} مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ أَوْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} عِنْدَ الصَّلَاةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى

_ (1) فعرج من ب. (2) قال السيوطي في الدر المنثور: أخرجه أبو داود في ناسخه عن أبي العالية 1 / 343.

خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ (وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ) (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهُ قِبْلَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فِلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَقَالَ: الْبَرَاءُ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (2) . وَكَانَ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ فِي رَجَبٍ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ وَقَدْ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ فِي الصَّلَاةِ وَاسْتَقْبَلَ الْمِيزَابَ وَحَوَّلَ الرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ. وَقِيلَ: كَانَ التَّحْوِيلُ خَارِجَ الصَّلَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَأَهْلُ قُبَاءٍ وَصَلَ إِلَيْهِمُ الْخَبَرُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ السَّامِرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ (3) .

_ (1) أخرجه البخاري: في القبلة - باب: قول الله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) : 1 / 501. ومسلم: في الحج - باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره برقم (1330) 2 / 968 عن أسامة بن زيد. والمصنف في شرح السنة: 2 / 334. (2) رواه البخاري: في التفسير - باب: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم: 8 / 171. ومسلم: في المساجد ومواضع الصلاة - باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة: برقم (525) 1 / 374. والمصنف في شرح السنة: 2 / 322-323. (3) رواه البخاري: في التفسير - باب: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية: 8 / 174. ومسلم: في المساجد ومواضع الصلاة - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة: برقم (526) 1 / 375. والمصنف في شرح السنة: 2 / 323-324.

145

فَلَمَّا تَحَوَّلَتِ الْقِبْلَةُ قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ مَا هُوَ إِلَّا شَيْءٌ تَبْتَدِعُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ فَتَارَةً تُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَتَارَةً إِلَى الْكَعْبَةِ وَلَوْ ثَبَتَّ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} يَعْنِي أَمْرَ الْكَعْبَةِ {الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} ثُمَّ هَدَّدَهُمْ فَقَالَ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُرِيدُ أَنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ تَطْلُبُونَ مَرْضَاتِي وَمَا أَنَا بِغَافِلٍ عَنْ ثَوَابِكُمْ وَجَزَائِكُمْ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ يَعْنِي مَا أَنَا بِغَافِلٍ عَمَّا يَفْعَلُ الْيَهُودُ فَأُجَازِيهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا: ائْتِنَا بِآيَةٍ عَلَى مَا تَقُولُ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ} مُعْجِزَةٍ {مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} يَعْنِي الْكَعْبَةَ {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} لِأَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ الْمَغْرِبُ وَالنَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ وَقِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ الْكَعْبَةُ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الْأَخْنَسِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْقِبْلَةُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ" (1) وَأَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ (2) أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَأَرَادَ بِالْمُشْرِقِ: مَشْرِقَ الشِّتَاءِ فِي أَقْصَرِ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، وَبِالْمَغْرِبِ: مَغْرِبَ الصَّيْفِ فِي أَطْوَلِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ، فَمَنْ جَعَلَ مَغْرِبَ الصَّيْفِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَلَى يَمِينِهِ وَمَشْرِقَ الشِّتَاءِ عَلَى يَسَارِهِ كَانَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} مُرَادَهُمُ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ

_ (1) أخرجه الترمذي في الصلاة: باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة: 2 / 317-319 وقال حديث حسن صحيح. وابن ماجه: في إقامة الصلاة باب: القبلة برقم (1011) بلفظ (ما بين المشرق والمغرب قبلة) . والحاكم في المستدرك: 1 / 205،206 عن ابن عمر. والبيهقي: 2 / 9. وانظر: تفسير ابن كثير: 1 / 277-281. (2) ساقطة من أ.

الْأُمَّةُ، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} الْحَقِّ فِي الْقِبْلَةِ، {إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}

146

{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ {يَعْرِفُونَهُ} يَعْنِي يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} فَكَيْفَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأَيْتُهُ كَمَا عَرَفْتُ ابْنِي وَمَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بِابْنِي، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا وَلَا أَدْرِي مَا تَصْنَعُ النِّسَاءُ، فَقَالَ عُمَرُ وَفَّقَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ سَلَامٍ فَقَدْ صَدَقْتَ (1) {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} يَعْنِي صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْرَ الْكَعْبَةِ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ثُمَّ قَالَ {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أَيْ هَذَا الْحَقُّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وَقِيلَ رُفِعَ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الشَّاكِّينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ} أَيْ لِأَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ قِبْلَةٌ وَالْوِجْهَةُ اسْمٌ لِلْمُتَوَجَّهِ إِلَيْهِ {هُوَ مُوَلِّيهَا} أَيْ مُسْتَقْبِلُهَا وَمُقْبِلٌ إِلَيْهَا يُقَالُ: وَلَّيْتُهُ وَوَلَّيْتُ إِلَيْهِ: إِذَا أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ (2) ، وَوَلَّيْتُ عَنْهُ إِذَا أَدْبَرْتُ عَنْهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مُوَلِّيهَا وَجْهَهُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ، هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَعْنِي اللَّهُ مُوَلِّي الْأُمَمِ إِلَى قِبْلَتِهِمْ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: مُوَلَّاهَا، أَيِ: الْمُسْتَقْبِلُ مَصْرُوفٌ إِلَيْهَا {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} أَيْ إِلَى الْخَيِّرَاتِ، يُرِيدُ: بَادَرُوا بِالطَّاعَاتِ، وَالْمُرَادُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْقَبُولِ {أَيْنَمَا تَكُونُوا} أَنْتُمْ وَأَهْلُ الْكِتَابِ {يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}

_ (1) أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس. وفيه الكلبي وهو كذاب الفتح السماوي 1 / 195. انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 215، أسباب النزول له أيضا ص 40. (2) وفي "أ" عليه.

150

قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ والباقون بالتاء 21/أ {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) } {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وَإِنَّمَا كَرَّرَ لِتَأْكِيدِ النَّسْخِ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوَجْهِ قَوْلِهِ {إِلَّا} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى غَيْرِهَا فَيَقُولُونَ لَيْسَتْ لَكُمْ قِبْلَةٌ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} قُرَيْشٌ وَالْيَهُودُ فَأَمَّا قُرَيْشٌ فَتَقُولُ رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْكَعْبَةِ، لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا الْحَقُّ وَأَنَّهَا قِبْلَةُ آبَائِهِ، فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا، وَأَمَّا الْيَهُودُ فَتَقُولُ لَمْ يَنْصَرِفْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ حَقٌّ إِلَّا أَنَّهُ يَعْمَلُ بِرَأْيِهِ وَقَالَ قَوْمٌ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} يَعْنِي الْيَهُودَ وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْمُخَاصَمَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ مَا دَرَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قَبِلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ. وَقَوْلُهُ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} مُشْرِكُو مَكَّةَ، وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّهُمْ قَالُوا -لَمَّا صُرِفَتْ قَبِلَتُهُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ تَحَيَّرَ فِي دِينِهِ وَسَيَعُودُ إِلَى مِلَّتِنَا كَمَا عَادَ إِلَى قِبْلَتِنَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَعَلَى هَذَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا، وَقَوْلُهُ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} يَعْنِي لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ يُحَاجُّونَكُمْ فَيُجَادِلُونَكُمْ وَيُخَاصِمُونَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ وَالِاحْتِجَاجُ بِالْبَاطِلِ يُسَمَّى حُجَّةً كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ" (16-الشُّورَى) وَمَوْضِعُ {الَّذِينَ} خَفْضٌ كَأَنَّهُ قَالَ سِوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قَالَهُ الْكِسَائِيُّ وَقَالَ الْفَرَّاءُ نُصِبَ بِالِاسْتِثْنَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْهُمْ} يَعْنِي مِنَ النَّاسِ وَقِيلَ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، مَعْنَاهُ وَلَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يُجَادِلُونَكُمْ بِالْبَاطِلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ" (157-النِّسَاءِ) يَعْنِي لَكِنْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ فَهُوَ كقول الرجل مالك عِنْدِي حَقٌّ إِلَّا أَنْ تَظْلِمَ. قَالَ أَبُو رَوْقٍ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ} يَعْنِي الْيَهُودَ {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ وَوَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مُحَمَّدًا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ فَيَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا سَيُحَوَّلُ إِلَيْهَا وَلَمْ تُحَوَّلْ أَنْتَ، فَلَمَّا حُوِّلَ إِلَيْهَا ذَهَبَتْ حُجَّتُهُمْ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَظْلِمُوا فَيَكْتُمُوا مَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.

151

وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ (1) قَوْلُهُ {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا} لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ وَلَكِنْ "إِلَّا" فِي مَوْضِعِ وَاوِ الْعَطْفِ يَعْنِي: وَالَّذِينَ ظَلَمُوا أَيْضًا لَا يَكُونُ لَهُمْ حُجَّةٌ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرِ أَبِيكَ إِلَّا الْفَرْقَدَانِ مَعْنَاهُ وَالْفَرْقَدَانِ أَيْضًا يَتَفَرَّقَانِ، فَمَعْنَى الْآيَةِ فَتُوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ} يَعْنِي الْيَهُودَ {عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} فَيَقُولُوا لِمَ تَرَكْتُمُ الْكَعْبَةَ وَهِيَ قِبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِهِ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ فَيَقُولُونَ لِمَ تَرَكَ مُحَمَّدٌ قِبْلَةَ جَدِّهِ وَتَحَوَّلَ عَنْهَا إِلَى قِبْلَةِ الْيَهُودِ {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} فِي انْصِرَافِكُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ وَفِي تَظَاهُرِهِمْ عَلَيْكُمْ بِالْمُجَادَلَةِ فَإِنِّي وَلِيُّكُمْ أُظْهِرُكُمْ عَلَيْهِمْ بِالْحُجَّةِ وَالنُّصْرَةِ {وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} وَلِكَيْ أُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِهِدَايَتِي إِيَّاكُمْ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ فَتَتِمُّ لَكُمُ الْمِلَّةُ الْحَنِيفِيَّةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمَامُ النِّعْمَةِ الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَا يتم نِعْمَةٌ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لِكَيْ تَهْتَدُوا مِنَ الضَّلَالَةِ وَلَعَلَّ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ. {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} هَذِهِ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ وَتَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَرْجِعُ إِلَى مَا قَبِلَهَا مَعْنَاهُ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: دَعَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَعْوَتَيْنِ -إِحْدَاهُمَا -قَالَ: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ" (128-الْبَقَرَةِ) وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" (129-الْبَقَرَةِ) فَبَعَثَ اللَّهُ الرَّسُولَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعَدَ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ الثَّانِيَةِ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً، يَعْنِي كَمَا أَجَبْتُ دَعْوَتَهُ بِأَنْ أَهْدِيَكُمْ لِدِينِهِ وَأَجْعَلَكُمْ مُسْلِمِينَ وَأُتِمَّ نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ بِبَيَانِ شَرَائِعِ الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ (2) وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالْكَلْبِيُّ: هِيَ

_ (1) انظر: البحر المحيط: 1 / 442. (2) قال الطبري في التفسير: 3 / 208-209: "يعني بقوله جل ثناؤه: "كما أرسلنا فيكم رسولا"، ولأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام، فأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال: "ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم" (سورة البقرة: 128) ، كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" (سورة البقرة: 129) ، فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل، أن أبعثه من ذريتهما".

152

مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا بَعْدَهَا وَهُوَ قَوْلُهُ "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ" مَعْنَاهُ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ فَاذْكُرُونِي (1) وَهَذِهِ الْآيَةُ خِطَابٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَالْعَرَبِ يَعْنِي كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ. {رَسُولًا مِنْكُمْ} يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} يَعْنِي الْقُرْآنَ {وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قِيلَ: الْحِكْمَةُ السُّنَّةُ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} الْأَحْكَامَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) } {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اذْكُرُونِي بِطَاعَتِي، أَذْكُرْكُمْ بِمَغْفِرَتِي، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ اذْكُرُونِي فِي النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ، أَذْكُرْكُمْ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، بَيَانُهُ "فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ" (144-الصَّافَّاتِ) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ أَخْبَرَنَا أَبِي أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنَّ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعَا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (2) أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاضِي وَثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الدِّمَشْقِيُّ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا مُنْذِرُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنْسٍ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَدَ أَنَامِلِي هَذِهِ الْعَشْرِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ ذَكَرَتْنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَتْنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ مَشَيْتَ إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ هَرْوَلْتَ إِلَيَّ سَعَيْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ سَأَلْتَنِي أَعْطَيْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْأَلْنِي غَضِبْتُ عَلَيْكَ" (3) .

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 3 / 210. (2) أخرجه البخاري في التوحيد - باب: قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه: 13 / 384. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب الحث على ذكر الله تعالى برقم (2675) 4 / 61. والمصنف في شرح السنة: 5 / 273. (3) أخرجه البخاري في التوحيد - باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه: 13 / 384. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: فضل الذكر والدعاء برقم (2675) 4 / 2067 من طريق أنس وجاء كذلك من طريق أبي ذر وهذه الرواية يختلف لفظها عند البخاري.

153

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا الْأَوْزَاعِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ" (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} يَعْنِي وَاشْكُرُوا لِي بِالطَّاعَةِ وَلَا تَكْفُرُونِي بِالْمَعْصِيَةِ فَإِنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فَقَدْ شَكَرَهُ ومن عصاه 21/ب فَقَدْ كَفَرَهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }

_ (1) رواه البخاري: تعليقا في التوحيد - باب: قول الله تعالى: لا تحرك به لسانك: 13 / 499. وابن حبان في الأذكار ص (576) من موارد الظمآن قال ابن حجر هذا طرف من حديث: أخرجه أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد. والطبراني من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبد الله. بن أبي المهاجر عن كريمة بنت الحسحاس عن أبي هريرة، وأخرجه عنه أيضا البيهقي في الدلائل وابن ماجه والحاكم وابن حبان من طرق انظر: فتح الباري 13 / 500 والمصنف في شرح السنة: 5 / 13 وانظر التعليق عليه للشيخ الأرناؤوط. (2) أخرجه الترمذي: في الدعوات - باب: فضل الذكر 9 / 314-215 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وأحمد: 4 / 188،190 عن عبد الله بن بسر بلفظ آخر. ابن حبان: في الأذكار - باب: فضل الذكر والذاكرين (موارد الظمآن) برقم (2318) ص 576.

154

{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} بِالْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ} نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَاتَ فَلَانٌ وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" (169-آلِ عِمْرَانَ) قَالَ الْحَسَنُ إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الرَّوْحُ وَالْفَرَحُ كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَصِلُ إِلَيْهِمُ الْوَجَعُ.

155

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أَيْ وَلَنَخْتَبِرَنَّكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّامُ لِجَوَابِ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ وَاللَّهِ لِنَبْلُوَنَّكُمْ وَالِابْتِلَاءُ مِنَ اللَّهِ لِإِظْهَارِ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي لَا لِيَعْلَمَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَعْنِي خَوْفَ الْعَدُوِّ {وَالْجُوعِ} يَعْنِي الْقَحْطَ {وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ} بِالْخُسْرَانِ وَالْهَلَاكِ {وَالْأَنْفُسِ} يَعْنِي بِالْقَتْلِ وَالْمَوْتِ وَقِيلَ بِالْمَرَضِ وَالشَّيْبِ {وَالثَّمَرَاتِ} يَعْنِي الْجَوَائِحَ فِي الثِّمَارِ وَحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْخَوْفُ خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْجُوعُ صِيَامُ رَمَضَانَ، وَنَقْصٌ مِنَ الْأَمْوَالِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَالْأَنْفُسُ الْأَمْرَاضُ، وَالثَّمَرَاتُ مَوْتُ الْأَوْلَادِ لِأَنَّ وَلَدُ الرَّجُلِ ثَمَرَةُ قَلْبِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ عَنْ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ أَقَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ أَقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالُوا نَعَمْ، قَالَ فَمَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالُوا اسْتَرْجَعَ وَحَمِدَكَ قَالَ: ابْنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ" (1) {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} عَلَى الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا، ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} عَبِيدًا وَمِلْكًا {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فِي الْآخِرَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا مُحَاضِرُ بْنُ الْمُوَرِّعِ أَخْبَرَنَا سَعْدٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ

_ (1) أخرجه الترمذي: في الجنائز - باب: فضل المصيبة إذا احتسب: 4 / 101 وقال: هذا حديث حسن غريب. والمصنف في شرح السنة: 5 / 456 قال المحقق: فيه أبو سنان واسمه عيسى بن سنان القسملي لينه الحافظ في التقريب. قال ابن معين: لين الحديث وقال أبو زرعة مختلط (تهذيب التهذيب) وذكره ابن حبان في الثقات. وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (726) ص185، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص12-13: "أخرجه أحمد وغيره من حديث، وصححه ابن حبان ورواه البيهقي في الشعب مرفوعا وموقوفا. وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 1408 وقال: الحديث بمجموع طرقه حسن على أقل الأحوال.

أَخْبَرَنَا مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ عَبْدًا فَيَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أَجِرنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخَلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ فِي الْمُصِيبَةِ مَا أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمَّةُ يَعْنِي الِاسْتِرْجَاعَ وَلَوْ أُعْطِيَهَا أَحَدٌ لَأُعْطِيَهَا يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ "يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ" (84-يُوسُفَ) {أُولَئِكَ} أَهْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} صَلَوَاتٌ أَيْ رَحْمَةٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَرَحْمَةٌ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَأْكِيدًا وَجَمِيعُ الصَّلَوَاتِ، أَيْ: رَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} إِلَى الِاسْتِرْجَاعِ وَقِيلَ إِلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَقِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نِعْمَ الْعَدْلَانِ وَنِعْمَتِ الْعِلَاوَةُ (2) فَالْعَدْلَانِ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ، وَالْعِلَاوَةُ الْهِدَايَةُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ وَأَجْرِ الصَّابِرِينَ مِنْهَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ" (4) .

_ (1) أخرجه مسلم: في الجنائز - باب: ما يقال عند المصيبة: برقم (918) 2 / 632-633. والمصنف في شرح السنة: 5 / 293-294. (2) أخرجه الواحدي في الوسيط بسنده عن عمر رضي الله عنه: 1 / 226. وقال القرطبي في التفسير: 2 / 177: "أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة؛ وبالعلاوة: الاهتداء. (3) رواه البخاري: في المرضى - باب: ما جاء في كفارة المرض: 10 / 103 والمصنف في شرح السنة: 5 / 232. (4) رواه البخاري: في المرضى - باب: ما جاء في كفارة المرض: 10 / 103 مسلم: في البر والصلة - باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه برقم (2573) 4 / 1993. والمصنف في شرح السنة: 5 / 233.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبِيدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِهَا لَمَمٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَشْفِيَنِي قَالَ "إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَشْفِيَكِ وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ" قَالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ (1) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ خَلَفُ بْنُ عَبْدٍ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نِزَارٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ النَّضْرَوِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلَاءً قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ يَبْتَلِي اللَّهُ الرَّجُلَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ فَمَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ" (2) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِي فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ" (3) أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ" (4)

_ (1) ابن حبان: في الجنائز - باب الصبر على اللمم ص182. والمصنف في شرح السنة: 5 / 236. وإسناده قوي: وأخرجه البزار. (2) أخرجه الترمذي: في الزهد - باب: في الصبر على البلاء: 7 / 78 - 79 وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه: في الفتن - باب، الصبر على البلاء برقم (4023) 2 / 1334. والدارمي: في الرقاق - باب: في أشد الناس بلاء: 2 / 320. وأحمد: 1 / 172، 174، 180، 185 عن مصعب بن سعد عن أبيه. والمصنف في شرح السنة: 5 / 244. وإسناده حسن وصححه الحاكم وابن حبان. (3) رواه الترمذي: في الزهد - باب الصبر على البلاء: 7 / 77 - 78 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ابن ماجه: في الفتن - باب الصبر على البلاء برقم (4031) 2 / 1338. والمصنف في شرح السنة: 5 / 245. انظر حاشية شرح السنة. (4) رواه الترمذي: في الزهد - باب الصبر على البلاء: 7 / 80 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم: 1 / 346 وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: 2 / 287، 450 عن أبي هريرة. والمصنف في شرح السنة: 5 / 246.

158

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَالُ الرِّيحُ تُفِيئُهُ وَلَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ يُصِيبُهُ الْبَلَاءُ، ومثل المنافق 22/أكَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزَةِ (1) لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ" (2) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْعِيزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "عَجَبٌ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ. فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى يُؤْجَرَ فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ" (3) . {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الصَّفَا جَمْعُ صَفَاةٍ وَهِي الصَّخْرَةُ الصُّلْبَةُ الْمَلْسَاءُ، يُقَالُ: صَفَاةٌ وَصَفَا، مِثْلَ: حَصَاةٌ وَحَصَى وَنَوَاةٌ وَنَوَى، وَالْمَرْوَةُ: الْحَجَرُ الرَّخْوُ، وَجَمْعُهَا مَرَوَاتٌ، وَجَمْعُ الْكَثِيرِ مَرْوٌ، مِثْلَ تَمْرَةٍ وَتَمَرَاتٍ وَتَمْرٌ. وَإِنَّمَا عَنَى بِهِمَا الْجَبَلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ بِمَكَّةَ فِي طَرَفَيِ الْمَسْعَى، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَ فِيهِمَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ، وَشَعَائِرُ اللَّهِ أَعْلَامُ دِينِهِ، أَصْلُهَا مِنَ الْإِشْعَارِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ وَكُلُّ مَا كَانَ مَعْلَمًا لِقُرْبَانٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صَلَاةٍ وَدُعَاءٍ وَذَبِيحَةٍ فَهُوَ شَعِيرَةٌ فَالْمَطَافُ وَالْمَوْقِفُ وَالنَّحْرُ كُلُّهَا شَعَائِرُ اللَّهِ وَمِثْلُهَا الْمَشَاعِرُ، وَالْمُرَادُ بِالشَّعَائِرِ هَاهُنَا: الْمَنَاسِكُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا لِطَاعَتِهِ، فَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ

_ (1) الأرزة: بسكون الراء وفتحها شجرة الأرزة وهو خشب معروف وقيل: هو الصنوبر وقال بعضهم: هي الأرزة بوزن فاعلة وأنكرها أبو عبيدة. النهاية 1 / 38. (2) رواه البخاري: في التوحيد - باب: في المشيئة والإرادة: 13 / 446. ومسلم: في المنافقين - باب: مثل المؤمن كالزرع برقم (2809) 4 / 2163 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 5 / 247. (3) رواه مسلم: في الزهد - باب: المؤمن أمره كله خير عن صهيب برقم (2999) 4 / 2295، بلفظ: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن إصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له" والمصنف في شرح السنة: 5 / 448.

مِنْهَا حَتَّى يُطَافَ بِهِمَا جَمِيعًا {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} فَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَالْعُمْرَةُ: الزِّيَارَةُ، وَفِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمَشْرُوعَيْنِ قَصْدٌ وَزِيَارَةٌ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} أَيْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَحَ أَيْ مَالَ عَنِ الْقَصْدِ {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أَيْ يَدُورَ بِهِمَا، وَأَصْلُهُ يَتَطَوَّفُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الطَّاءِ. وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ صَنَمَانِ أَسَافُ وَنَائِلَةُ، وَكَانَ أَسَافُ عَلَى الصَّفَا وَنَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِلصَّنَمَيْنِ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِمَا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَجْلِ الصَّنَمَيْنِ فَأَذِنَ اللَّهُ فِيهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (1) . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ تَطَوُّعٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَيْرَيْنِ وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ دَمٌ (2) . وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَهُ بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُؤَمَّلٍ الْعَائِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تِجْرَاةَ -اسْمُهَا حَبِيبَةُ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ -قَالَتْ: دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ

_ (1) أخرج البخاري عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما" فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ قالت: بئس ما قلت يا بن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: "إن الصفا والمروة من شعائر الله" الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. (2) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 183، أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 48، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 118-122. ابن كثير: 1 / 347.

مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ حَتَّى لَأَقُولُ إِنِّي لِأَرَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فَمَا أَرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَلَّا لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ "فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا" إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الْآيَةَ. (2) قَالَ عَاصِمٌ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا يَقُولُ "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ" فَبَدَأَ بِالصَّفَا. وَقَالَ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. وَقَالَ: كَانَ إِذَا نَزَلَ مِنَ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي يَسْعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ. (3)

_ (1) رواه الدارقطني: عن ابن المبارك بقوله: أخبرني معروف بن مشكان أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن أم صفية قالت: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار اللائي أدركن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.... قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح ومعروف بن مشكان صدوق لا نعلم من تكلم فيه ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين - عن التعليق المغني 2 / 255. الطبراني: في الكبير وفيه عبد الله بن المؤمل وثقة ابن حبان وقال يخطئ وضعفه غيره (المجمع: 3 / 247) أحمد: 6 / 422 عن حبيبة بنت أبي تجزئة والصحيح بنت أبي تجراة انظر أسد الغابة 7 / 59. والمصنف في شرح السنة: 7 / 141. (2) أخرجه البخاري في التفسير: 8 / 175، ومسلم في الحج: 2 / 928، والمصنف في شرح السنة: 7 / 139. (3) رواه مسلم: في الحج - باب: حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (1218) 2 / 886 مطولا من حديث جابر المشهور. والمصنف في شرح السنة: 7 / 136.

159

قَالَ مُجَاهِدٌ: -رَحِمَهُ اللَّهُ -حَجَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ وَعَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ (1) ، فَطَافَ الْبَيْتَ ثُمَّ صَعِدَ الصَّفَا وَدَعَا ثُمَّ هَبَطَ إِلَى السَّعْيِ وَهُوَ يُلَبِّي فَيَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَبَّيْكَ عَبْدِي وَأَنَا مَعَكَ فَخَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاجِدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ "فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا" (184-الْبَقَرَةِ) بِمَعْنَى يَتَطَوَّعُ وَوَافَقَ يَعْقُوبُ فِي الْأُولَى وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالطَّوَافِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: فَمَنْ تَطَوَّعَ: أَيْ زَادَ فِي الطَّوَافِ بَعْدَ الْوَاجِبِ. وَقِيلَ مَنْ تَطَوَّعَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجَّةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ سَائِرَ الْأَعْمَالِ يَعْنِي فِعْلَ غَيْرِ الْمُفْتَرَضِ عَلَيْهِ مِنْ زَكَاةٍ وَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ} مُجَازٍ لِعَبْدِهِ بِعَمَلِهِ {عَلِيمٌ} بِنِيَّتِهِ. وَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَ لِعَبْدِهِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ. يَشْكُرُ الْيَسِيرَ وَيُعْطِي الْكَثِيرَ. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةَ الرَّجْمِ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ (2) {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} وَأَصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ وَالْبُعْدُ {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} أَيْ يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَلْعَنَهُمْ وَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ اللَّاعِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَمِيعُ الْخَلَائِقِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ وَقَالَ عَطَاءٌ: الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَقَالَ الْحَسَنُ: جَمِيعُ عِبَادِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا تَلَاعَنَ اثْنَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجَعَتِ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتَهُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اللَّاعِنُونَ الْبَهَائِمُ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ إِذَا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ وَأَمْسَكَ الْمَطَرُ وَقَالَتْ هَذَا مِنْ شُؤْمِ ذُنُوبِ بَنِي آدَمَ ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} مِنَ الْكُفْرِ {وَأَصْلَحُوا} أَسْلَمُوا وَأَصْلَحُوا الْأَعْمَالَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ {وَبَيَّنُوا} مَا كَتَمُوا {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ وَأَقْبَلُ تَوْبَتَهُمْ {وَأَنَا التَّوَّابُ}

_ (1) القطوانية: عباءة بيضاء قصيرة الحمل، والنون زائدة، النهاية: 4 / 85. (2) أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة بن زيد أخو الحرث بن الخزرج نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ... ) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 390.

161

الرَّجَّاعُ بِقُلُوبِ عِبَادِي الْمُنْصَرِفَةِ عَنِّي إِلَيَّ {الرَّحِيمُ} بِهِمْ بَعْدَ إِقْبَالِهِمْ عَلَيَّ. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) } {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ} أَيْ لعنة الملائكة 22/ب {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} قَالَ أبو العالية: هذايوم الْقِيَامَةِ يُوقَفُ الْكَافِرُ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ ثُمَّ تَلْعَنُهُ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ يَلْعَنُهُ النَّاسُ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ {وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} وَالْمَلْعُونُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ فَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قِيلَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ فِي الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" (25-الْعَنْكَبُوتِ) وَقِيلَ إِنَّهُمْ يَلْعَنُونَ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ وَمَنْ يَلْعَنُ الظَّالِمِينَ وَالْكَافِرِينَ وَهُوَ مِنْهُمْ فَقَدْ لَعَنَ نَفْسَهُ {خَالِدِينَ فِيهَا} مُقِيمِينَ فِي اللَّعْنَةِ وَقِيلَ فِي النَّارِ {لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} لَا يُمْهَلُونَ وَلَا يُؤَجَّلُونَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ" (36-الْمُرْسَلَاتِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ وَانْسُبْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ (1) وَالْوَاحِدُ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَرِيكَ لَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ" {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} و {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (2) .

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (548-549) ومراجع التحقيق فيه. (2) أخرجه أبو داود في الصلاة باب الدعاء 2 / 45 والترمذي: في الدعوات - باب: ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 9 / 447 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: في الدعاء - باب: اسم الله الأعظم "3855" 2 / 1267. والدارمي: في فضائل القرآن، باب: فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي: 2 / 450. وأحمد 6 / 461 عن أسماء بنت يزيد. والمصنف في شرح السنة 5 / 39 وقال حديث غريب كلهم من حديث عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب وعبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي قال أبو داود أحاديثه مناكير، ميزان الاعتدال 3 / 8 تقريب التهذيب، الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 156. وشهر بن حوشب ليس بالقوي وكثير الأوهام والإرسال، ميزان الاعتدال 2 / 283 تقريب التهذيب الضعفاء والمتركين للنسائي ص 134.

قَالَ أَبُو الضُّحَى (1) لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ إِنَّ إِلَهَكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ

_ (1) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 395 وقد عزاه لوكيع والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وأبي الشيخ في العظة والبيهقي في شعب الإيمان.

164

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ذَكَرَ السَّمَاوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَالْأَرْضَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ سَمَاءٍ لَيَسَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ بَلْ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، وَالْأَرْضُونَ كُلُّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التُّرَابُ، فَالْآيَةُ فِي السَّمَاوَاتِ سُمْكُهَا وَارْتِفَاعُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَدٍ وَلَا عِلَاقَةٍ وَمَا تَرَى فِيهَا مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَالْآيَةُ فِي الْأَرْضِ مَدُّهَا وَبَسْطُهَا وَسِعَتُهَا وَمَا تَرَى فِيهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالنَّبَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أَيْ تَعَاقُبُهُمَا فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ يَخْلُفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إِذَا ذَهَبَ أَحَدُهُمَا جَاءَ الْآخَرُ خَلْفَهُ أَيْ بَعْدَهُ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً" (62-الْفُرْقَانِ) قَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ اخْتِلَافَهُمَا فِي النُّورِ وَالظُّلْمَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ. وَاللَّيْلُ جَمْعُ لَيْلَةٍ، وَاللَّيَالِي جَمْعُ الْجَمْعِ. وَالنَّهَارُ جَمْعُهُ نُهُرٌ وَقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ فِي الذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} (37-يس) . {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} يَعْنِي السُّفُنَ وَاحِدُهُ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْجَمْعُ يُؤَنَّثُ وَفِي الْوَاحِدِ يُذَكَّرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي الْوَاحِدِ وَالتَّذْكِيرِ "إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ" (140-الصَّافَّاتِ) وَقَالَ فِي الْجَمْعِ وَالتَّأْنِيثِ "حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ" (22-يُونُسَ) . {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} الْآيَةُ فِي الْفُلْكِ تَسْخِيرُهَا وَجَرَيَانُهَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَهِي مُوقَرَةٌ لَا تَرْسُبُ تَحْتَ الْمَاءِ {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} يَعْنِي رُكُوبَهَا وَالْحَمْلَ عَلَيْهَا فِي التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ وَأَنْوَاعِ الْمُطَالِبِ {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ} يَعْنِي الْمَطَرَ قِيلَ: أَرَادَ بِالسَّمَاءِ السَّحَابَ، يَخْلُقُ اللَّهُ الْمَاءَ فِي السَّحَابِ ثُمَّ مِنَ السَّحَابِ يَنْزِلُ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ السَّمَاءَ الْمَعْرُوفَةَ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَاءَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّحَابِ ثُمَّ مِنَ السَّحَابِ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ {فَأَحْيَا بِهِ} أَيْ بِالْمَاءِ {الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أَيْ

165

بَعْدَ يُبُوسَتِهَا وَجُدُوبَتِهَا {وَبَثَّ فِيهَا} أَيْ فَرَّقَ فِيهَا {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الرِّيحِ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ وَكُلُّ رِيحٍ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ فِيهَا أَلِفٌ وَلَا لَامٌ اخْتَلَفُوا فِي جَمْعِهَا وَتَوْحِيدِهَا إِلَّا فِي الذَّارِيَاتِ "الرِّيحَ الْعَقِيمَ" (41-الذَّارِيَاتِ) اتَّفَقُوا عَلَى تَوْحِيدِهَا وَفِي الْحَرْفِ الْأَوَّلِ مِنْ سُورَةِ الرُّومِ "الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ" (46-الرُّومِ) اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِهَا، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ سَائِرَهَا عَلَى الْجَمْعِ، وَالْقُرَّاءُ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا، وَالرِّيحُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَتَصْرِيفُهَا أَنَّهَا تَتَصَرَّفُ إِلَى الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ وَالْقَبُولِ وَالدَّبُّورِ وَالنَّكْبَاءِ (1) . وَقِيلَ: تَصْرِيفُهَا أَنَّهَا تَارَةً تَكُونُ لَيِّنًا وَتَارَةً تَكُونُ عَاصِفًا وَتَارَةً تَكُونُ حَارَّةً وَتَارَةً تَكُونُ بَارِدَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعْظَمُ جُنُودِ اللَّهِ الرِّيحُ وَالْمَاءُ وَسُمِّيَتِ الرِّيحُ رِيحًا لِأَنَّهَا تُرِيحُ النُّفُوسَ قَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي: مَا هَبَّتْ رِيحٌ إِلَّا لِشِفَاءِ سَقِيمٍ أَوْ لِسَقَمِ صَحِيحٍ وَالْبِشَارَةُ فِي ثَلَاثٍ مِنَ الرِّيَاحِ فِي الصَّبَا وَالشَّمَالِ وَالْجَنُوبِ أَمَّا الدَّبُّورُ فَهِي الرِّيحُ الْعَقِيمُ لَا بِشَارَةَ فِيهَا وَقِيلَ الرِّيَاحُ ثَمَانِيَةٌ: أَرْبَعَةٌ لِلرَّحْمَةِ وَأَرْبَعَةٌ لِلْعَذَابِ. فَأَمَّا الَّتِي لِلرَّحْمَةِ الْمُبَشِّرَاتُ وَالنَّاشِرَاتُ وَالذَّارِيَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَأَمَّا الَّتِي لِلْعَذَابِ فَالْعَقِيمُ وَالصَّرْصَرُ فِي الْبَرِّ وَالْعَاصِفُ وَالْقَاصِفُ فِي الْبَحْرِ {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} أَيِ الْغَيْمِ الْمُذَلَّلِ سُمِّيَ سَحَابًا لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ أَيْ يَسِيرُ فِي سُرْعَةٍ كَأَنَّهُ يَسْحَبُ أَيْ يَجُرُّ {بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فَيَعْلَمُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ خَالِقًا وَصَانِعًا قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ثَلَاثَةٌ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ تَجِيءُ الرَّعْدُ وَالْبَرْقُ وَالسَّحَابُ. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا} أَيْ أَصْنَامًا يَعْبُدُونَهَا {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} أَيْ يُحِبُّونَ آلِهَتَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُحِبُّونَ الْأَصْنَامَ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوهَا مَعَ اللَّهِ فَسَوَّوْا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَوْثَانِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} أَيْ أَثْبَتُ وَأَدُومُ عَلَى حُبِّهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَارُونَ عَلَى اللَّهِ مَا سِوَاهُ وَالْمُشْرِكُونَ إِذَا اتَّخَذُوا صَنَمًا ثُمَّ رَأَوْا أَحْسَنَ مِنْهُ طَرَحُوا الْأَوَّلَ وَاخْتَارُوا الثَّانِيَ قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْكَافِرَ يُعْرِضُ عَنْ مَعْبُودِهِ فِي وَقْتِ الْبَلَاءِ وَيُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ فَقَالَ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (65-الْعَنْكَبُوتِ) وَالْمُؤْمِنُ لَا يُعْرِضُ عَنِ اللَّهِ فِي السَّرَّاءِ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 3 / 275-276، الدر المنثور: 1 / 396-397.

166

وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ (1) . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ أَحْرَقَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رُؤْيَةِ الْأَصْنَامِ (2) أَنْ يَدْخُلُوا جَهَنَّمَ مَعَ أَصْنَامِهِمْ فَلَا يَدْخُلُونَ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ عَذَابَ جَهَنَّمَ عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ بَيْنَ أَيْدِيَ الْكُفَّارِ: "إِنْ كُنْتُمْ أَحِبَّائِي فَادْخُلُوا جَهَنَّمَ" فَيَقْتَحِمُونَ فِيهَا فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَبَّهُمْ أَوَّلًا ثُمَّ أَحَبُّوهُ وَمَنْ شَهِدَ لَهُ الْمَعْبُودُ بِالْمَحَبَّةِ كَانَتْ مَحَبَّتُهُ أَتَمُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ" (54-الْمَائِدَةِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ وَلَوْ تَرَى بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَجَوَابُ لَوْ هَاهُنَا مَحْذُوفٌ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعِتْ بِهِ" (الرَّعْدِ-31) يَعْنِي لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ مَعْنَاهُ وَلَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ لَرَأَيْتَ أَمْرًا عَظِيمًا، قِيلَ: مَعْنَاهُ قُلْ يَا مُحَمَّدُ: أَيُّهَا الظَّالِمُ لَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَوْ أَشْرَكُوا فِي شِدَّةِ الْعِقَابِ لَرَأَيْتَ أَمْرًا فَظِيعًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ مَعْنَاهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ أَيْ لَوْ رَأَوْا شِدَّةَ عَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ لَعَرَفُوا مَضَرَّةَ الْكُفْرِ وَأَنَّ مَا اتَّخَذُوا مِنَ الْأَصْنَامِ لَا يَنْفَعُهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ يَرَوْنَ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا {الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} أَيْ بِأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا مَعْنَاهُ لَرَأَوْا وَأَيْقَنُوا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ إِنَّ الْقُوَّةَ وَإِنَّ اللَّهَ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَالْكَلَامُ تَامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ {إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ} مَعَ إِضْمَارِ الْجَوَابِ {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) } {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ} هَذَا فِي يوم القيامة 23/أحِينَ يَجْمَعُ اللَّهُ الْقَادَةَ وَالْأَتْبَاعَ فَيَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هم الشياطين يتبرأون مِنَ الْإِنْسِ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ} أَيْ عَنْهُمُ {الْأَسْبَابُ} أَيِ الصِّلَاتُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْقَرَابَاتِ وَالصَّدَاقَاتِ وَصَارَتْ مُخَالَّتُهُمْ عَدَاوَةً، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْأَرْحَامُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ" (101-الْمُؤْمِنُونَ) وَقَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانُوا

_ (1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 236. (2) في هامش (أ) : لأن من الكفار من يعبد النار إلى آخر العمر، ثم يحرق نفسه فداء للصنم.

168

يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا" (23-الْفُرْقَانِ) . وَأَصْلُ السَّبَبِ مَا يُوصَلُ بِهِ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ ذَرِيعَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ مَوَدَّةٍ وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْحَبْلِ سَبَبٌ وَلِلطَّرِيقِ سَبَبٌ {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} يَعْنِي الْأَتْبَاعَ {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أَيْ رَجْعَةً إِلَى الدُّنْيَا {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} أَيْ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ {كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} الْيَوْمَ {كَذَلِكَ} أَيْ كَمَا أَرَاهُمُ الْعَذَابَ كَذَلِكَ {يُرِيهِمُ اللَّهُ} وقيل كتبرئ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ يُرِيهِمُ اللَّهُ {أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ} نَدَامَاتٍ {عَلَيْهِمْ} جَمْعُ حَسْرَةٍ قِيلَ يُرِيهِمُ اللَّهُ مَا ارْتَكَبُوا مِنَ السَّيِّئَاتِ فَيَتَحَسَّرُونَ لِمَ عَمِلُوا، وَقِيلَ يُرِيهِمْ مَا تَرَكُوا مِنَ الْحَسَنَاتِ فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِهَا وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: إِنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ رَجَاءَ أَنْ تُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا عُذِّبُوا عَلَى مَا كَانُوا يَرْجُونَ ثَوَابَهُ تَحَسَّرُوا وَنَدِمُوا. قَالَ السُّدِّيُّ: تُرْفَعُ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَإِلَى بُيُوتِهِمْ فِيهَا لَوْ أَطَاعُوا اللَّهَ فَيُقَالُ لَهُمْ تِلْكَ مَسَاكِنُكُمْ لَوْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ، ثُمَّ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ حِينَ يندمون (1) ويتحسرون {وَمَاهُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} نَزَلَتْ فِي ثَقِيفٍ وَخُزَاعَةَ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنِي مُدْلِجٍ فِيمَا حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ الشَّرْعُ طَيِّبًا، قِيلَ: مَا يُسْتَطَابُ وَيُسْتَلَذُّ، وَالْمُسْلِمُ يَسْتَطِيبُ الْحَلَالَ وَيَعَافُ الْحَرَامَ، وَقِيلَ الطَّيِّبُ الطَّاهِرُ {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا وَخُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ آثَارُهُ وَزَلَّاتُهُ، وَقِيلَ هِيَ النُّذُرُ فِي الْمَعَاصِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُحَقَّرَاتُ مِنَ الذُّنُوبِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: طُرُقُهُ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} بَيِّنُ الْعَدَاوَةِ وَقِيلَ مُظْهِرُ الْعَدَاوَةِ، وَقَدْ أَظْهَرَ عَدَاوَتَهُ بِإِبَائِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ وَغُرُورِهِ إِيَّاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. وَأَبَانَ يَكُونُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ثُمَّ ذَكَرَ عَدَاوَتَهُ فَقَالَ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ} أَيْ بِالْإِثْمِ وَأَصْلُ السُّوءِ مَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ وَهُوَ مَصْدَرُ سَاءَ يَسُوءُ سوأ وَمَسَاءَةً أَيْ أَحْزَنَهُ، وَسَوَّأْتُهُ فَسَاءَ أَيْ حَزَّنْتُهُ فَحَزِنَ {وَالْفَحْشَاءِ} الْمَعَاصِي وَمَا قَبُحَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالسَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. رَوَى بَاذَانُ عَنِ ابْنِ

_ (1) انظر الطبري 3 / 296.

عَبَّاسٍ قَالَ: الْفَحْشَاءُ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَالسُّوءُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَا حَدَّ فِيهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ الزِّنَا وَقِيلَ هِيَ الْبُخْلُ {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} تَحْرِيمُ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ.

170

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قِيلَ هَذِهِ قِصَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي لَهُمْ كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَيْ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا فَهُمْ كَانُوا خَيْرًا وَأَعْلَمَ مِنَّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) ، وَقِيلَ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا وَهِيَ نَازِلَةٌ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَكُفَّارِ قُرَيْشٍ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عَائِدَةٌ إِلَى قَوْلِهِ "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا" (165-الْبَقَرَةِ) {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا} أَيْ مَا وَجَدْنَا {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ. وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ عَائِدَةٌ إِلَى النَّاسِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا} {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ} قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: بَل نَّتَّبِعُ بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي النُّونِ. وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ لَامَ هَلْ وَبَلْ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَالزَّايِ وَالسِّينِ وَالصَّادِ وَالطَّاءِ وَالظَّاءِ وَوَافَقَ حَمْزَةُ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَالسِّينِ {مَا أَلْفَيْنَا} مَا وَجَدْنَا {عَلَيْهِ آبَاءَنَا} التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ. قَالَ تَعَالَى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} أَيْ كَيْفَ يَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وَآبَاؤُهُمْ {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} وَالْوَاوُ فِي "أَوَلَوْ" وَاوُ الْعَطْفِ، وَيُقَالُ لَهَا وَاوُ التَّعَجُّبِ دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ لِلتَّوْبِيخِ وَالْمَعْنَى أَيَتَّبِعُونَ آبَاءَهُمْ وَإِنْ كَانُوا جُهَّالًا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، لَفْظُهُ عَامٌّ وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ. أَيْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْقِلُونَ أَمْرَ الدُّنْيَا {وَلَا يَهْتَدُونَ} ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كفروا كمثل الذين يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ} وَالنَّعِيقُ وَالنَّعْقُ صَوْتُ الرَّاعِي بِالْغَنَمِ مَعْنَاهُ مَثَلُكَ يَا مُحَمَّدُ وَمَثَلُ الْكُفَّارِ فِي وَعْظِهِمْ وَدُعَائِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَثَلِ الرَّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ، وَقِيلَ مَثَلُ وَاعِظِ الْكُفَّارِ وَدَاعِيهِمْ مَعَهُمْ كَمَثَلِ الرَّاعِي يَنْعِقُ بِالْغَنَمِ وَهِيَ لَا تَسْمَعُ {إِلَّا دُعَاءً} صَوْتًا {وَنِدَاءً} فَأَضَافَ الْمَثَلَ إِلَى الَّذِينَ كَفَرُوا لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ" (82-يُوسُفَ) مَعْنَاهُ كَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ صَوْتَ الرَّاعِي وَلَا تَفْهَمُ وَلَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَنْتَفِعُ

_ (1) انظر تفسير الطبري 3 / 305.

172

بِوَعْظِكَ إِنَّمَا يَسْمَعُ صَوْتَكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قِلَّةِ عَقْلِهِمْ وَفَهْمِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ كَمَثَلِ الْمَنْعُوقِ بِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا الصَّوْتَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لِلْمَنْعُوقِ بِهِ وَالْكَلَامُ خَارِجٌ عَنِ النَّاعِقِ وَهُوَ فَاشٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَقْبَلُونَ الْكَلَامَ لِإِيضَاحِ الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ، يَقُولُونَ فُلَانٌ يَخَافُكَ كَخَوْفِ الْأَسَدِ، أَيْ كَخَوْفِهِ مِنَ الْأَسَدِ. وَقَالَ تَعَالَى "مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ" (76-الْقَصَصِ) وَإِنَّمَا الْعُصْبَةُ تَنُوءُ بِالْمَفَاتِيحِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَفْقَهُ وَلَا تَعْقِلُ كَمَثَلِ النَّاعِقِ بِالْغَنَمِ فَلَا يُنْتَفَعُ مِنْ نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ فِي غِنَاءٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَالنِّدَاءِ، كَذَلِكَ الْكَافِرُ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُعَاءِ الْآلِهَةِ وَعِبَادَتِهَا إِلَّا الْعَنَاءُ وَالْبَلَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى "إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ" (14-فَاطِرٍ) . وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي دُعَاءِ الْأَوْثَانِ كَمَثَلِ الَّذِي يَصِيحُ فِي جَوْفِ الْجِبَالِ فَيَسْمَعُ صَوْتًا يُقَالُ لَهُ: الصَّدَى لَا يَفْهَمُ مِنْهُ شَيْئًا، فَمَعْنَى الْآيَةِ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ مِنْهُ النَّاعِقُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً {صُمٌّ} تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَعْقِلُ: كَأَنَّهُ أَصَمُّ {بُكْمٌ} عَنِ الْخَيْرِ لَا يَقُولُونَهُ {عُمْيٌ} عَنِ الْهُدَى لَا يُبْصِرُونَهُ {فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} حَلَالَاتِ {مَا رَزَقْنَاكُمْ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا" (51-الْمُؤْمِنُونَ) وَقَالَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" (1)

_ (1) أخرجه مسلم: في الزكاة - باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم (1015) 2 / 703. والمصنف في شرح السنة: 8 / 7-8.

{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} عَلَى نِعَمِهِ {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ثُمَّ بَيَّنَ المحرمات فقال: 23/ب {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَيْتَةَ فِي كُلِّ الْقُرْآنِ بِالتَّشْدِيدِ وَالْبَاقُونَ يُشَدِّدُونَ الْبَعْضَ. وَالْمَيْتَةُ كُلُّ مَا لَمْ تُدْرَكْ ذَكَاتُهُ مِمَّا يُذْبَحُ {والدم} أراد به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى "أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا" (145-الْأَنْعَامِ) وَاسْتَثْنَى الشَّرْعُ مِنَ الْمَيْتَةِ السَّمَكَ وَالْجَرَادَ وَمِنَ الدَّمِ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ فَأَحَلَّهَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، الْمَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ، أَحْسَبُهُ قَالَ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ" (1) {وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ لِأَنَّهُ مُعْظَمُهُ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} أَيْ مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَأَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ. وَكَانُوا إِذَا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِذِكْرِهَا فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِحٍ وَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ بِالتَّسْمِيَةِ مُهِلٌّ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} قَالَ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ. {فَمَنِ اضْطُرَّ} بِكَسْرِ النُّونِ وَأَخَوَاتِهِ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ، وَوَافَقَ أَبُو عَمْرٍو إِلَّا فِي اللَّامِ وَالْوَاوِ مِثْلُ "قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ" (110-الْإِسْرَاءِ) وَيَعْقُوبُ إِلَّا فِي الْوَاوِ، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ فِي التَّنْوِينِ، وَالْبَاقُونَ كُلُّهُمْ بِالضَّمِّ، فَمَنْ كَسَرَ قَالَ: لِأَنَّ الْجَزْمَ يُحَرَّكُ إِلَى الْكَسْرِ، وَمَنْ ضَمَّ فَلِضَمَّةِ أَوَّلِ الْفِعْلِ نَقَلَ حَرَكَتَهَا إِلَى مَا قَبْلَهَا، وَأَبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَمَعْنَاهُ فَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ أَيْ أُحْوِجَ وَأُلْجِئَ إِلَيْهِ {غَيْرَ} نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَإِذَا رَأَيْتَ {غَيْرَ} يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِهَا {لَا} فَهِيَ حَالٌ، وَإِذَا صَلَحَ فِي مَوْضِعِهَا {إِلَّا} فَهِيَ اسْتِثْنَاءٌ {بَاغٍ وَلَا عَادٍ} أَصْلُ الْبَغْيِ قَصْدُ الْفَسَادِ، يُقَالُ بَغَى الْجُرْحُ يَبْغِي بَغْيًا إِذَا تَرَامَى إِلَى الْفَسَادِ، وَأَصْلُ الْعُدْوَانِ الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ يُقَالُ عَدَا عَلَيْهِ عَدْوًا وَعُدْوَانًا إِذَا ظَلَمَ وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ {غَيْرَ بَاغٍ} أَيْ: خَارِجٍ عَلَى السُّلْطَانِ، وَلَا عَادٍ: مُعْتَدٍ عَاصٍ بِسَفَرِهِ، بِأَنْ خَرَجَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ لِفَسَادٍ فِي الْأَرْضِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالُوا لَا يَجُوزُ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهَا وَلَا أَنْ يَتَرَخَّصَ بِرُخَصِ الْمُسَافِرِ حَتَّى يَتُوبَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ لَهُ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى فَسَادِهِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَغْيَ وَالْعُدْوَانَ رَاجِعَانِ

_ (1) رواه ابن ماجه: في الأطعمة - باب الكبد والطحال برقم (3314) 2 / 1102 من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (التقريب - ميزان الاعتدال) ، والإمام أحمد في المسند 2 / 97 عن ابن عمر، والشافعي في المسند: 2 / 173 واللفظ له. والبيهقي: 1 / 254 موقوفا ثم قال: هذا إسناد صحيح. والدارقطني: 4 / 272، وعزاه الزيلعي في نصب الراية: 4 / 202 للشافعي وعبد بن حميد وابن حبان في الضعفاء وابن عدي، وقال: له طريق آخر. والحديث أخرجه البغوي أيضا في شرح السنة: 11 / 244. والحديث والله أعلم موقوف على ابن عمر، وهو في حكم المرفوع انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم الحديث (1118) .

174

إِلَى الْأَكْلِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِهِ. فَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ {غَيْرَ بَاغٍ} لَا تَأْكُلُهُ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ {وَلَا عَادٍ} أَيْ لَا يَعْدُو لِشِبَعِهِ. وَقِيلَ {غَيْرَ بَاغٍ} أَيْ غَيْرَ طَالِبِهَا وَهُوَ يَجِدُ غَيْرَهَا {وَلَا عَادٍ} أَيْ غَيْرَ مُتَعَدٍّ مَا حُدَّ لَهُ فَمَا يَأْكُلُ حَتَّى يَشْبَعَ وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهَا قُوتًا مِقْدَارَ مَا يَمْسِكُ رَمَقَهُ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ {غَيْرَ بَاغٍ} أَيْ مُسْتَحِلٍّ لَهَا {وَلَا عَادٍ} أَيْ مُتَزَوِّدٍ مِنْهَا. وَقِيلَ {غَيْرَ بَاغٍ} أَيْ غَيْرَ مُجَاوِزٍ لِلْقَدْرِ الَّذِي أُحِلَّ لَهُ {وَلَا عَادٍ} أَيْ لَا يُقَصِّرُ فِيمَا أُبِيحَ لَهُ فَيَدَعُهُ قَالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ حَتَّى مَاتَ دَخْلَ النَّارَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ مَا يَحِلُّ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُهُ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مِقْدَارُ مَا يَسُدُّ رَمَقَهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (1) . وَالْقَوْلُ الْآخَرُ يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَشْبَعَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ {غَيْرَ بَاغٍ} مُفَارِقٍ لِلْجَمَاعَةِ {وَلَا عَادٍ} مُبْتَدِعٍ مُخَالِفٍ لِلسُّنَّةِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُبْتَدِعِ فِي تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} أَيْ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} لِمَنْ أَكَلَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ {رَحِيمٌ} حَيْثُ رَخَّصَ لِلْعِبَادِ فِي ذَلِكَ. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} "نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ وَعُلَمَائِهِمْ كَانُوا يُصِيبُونَ مِنْ سَفَلَتِهِمُ الْهَدَايَا وَالْمَآكِلَ وَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِمْ خَافُوا ذَهَابَ مَأْكَلِهِمْ وَزَوَالَ رِيَاسَتِهِمْ، فَعَمَدُوا إِلَى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَيَّرُوهَا ثُمَّ أَخْرَجُوهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَتِ السَّفَلَةُ إِلَى النَّعْتِ الْمُغَيَّرِ وَجَدُوهُ مُخَالِفًا لِصِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} (2) يَعْنِي صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتَهُ {وَيَشْتَرُونَ بِهِ} أَيْ بِالْمَكْتُومِ {ثَمَنًا قَلِيلًا} أَيْ عِوَضًا يَسِيرًا يَعْنِي الْمَآكِلَ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ سَفَلَتِهِمْ {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} يَعْنِي إِلَّا مَا يُؤَدِّيهِمْ إِلَى النَّارِ وَهُوَ الرِّشْوَةُ وَالْحَرَامُ وَثَمَنُ الدِّينِ، فَلَمَّا كَانَ يُفْضِي ذَلِكَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَكَأَنَّهُمْ أَكَلُوا النَّارَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَصِيرُ نَارًا فِي بُطُونِهِمْ {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أَيْ لَا يُكَلِّمُهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَبِمَا يَسُرُّهُمْ إِنَّمَا يُكَلِّمُهُمْ بِالتَّوْبِيخِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِمْ غَضْبَانَ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ

_ (1) انظر أحكام القرآن للجصاص: 1 / 156-166، أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 55-57. (2) أخرجه الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 409.

175

لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غَضْبَانَ {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) }

177

{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هو ما: اسْتِفْهَامٌ مَعْنَاهُ مَا الَّذِي صَبَّرَهُمْ عَلَى النَّارِ وَأَيُّ شَيْءٍ يُصَبِّرُهُمْ عَلَى النَّارِ حَتَّى تَرَكُوا الْحَقَّ وَاتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: وَاللَّهِ مَا لَهُمْ عَلَيْهَا مِنْ صَبْرٍ وَلَكِنْ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُمْ إِلَى النَّارِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ أَيْ مَا أَدْوَمَهُمْ عَلَيْهِ {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} يَعْنِي ذَلِكَ الْعَذَابَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَأَنْكَرُوهُ وَكَفَرُوا بِهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَحَلُّهُ نَصْبٌ مَعْنَاهُ فِعْلُنَا ذَلِكَ بِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ أَيْ فِعْلُهُمُ الَّذِي يَفْعَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالِاخْتِلَافِ وَالِاجْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ" (7-الْبَقَرَةِ) {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ} فَآمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أَيْ فِي خِلَافٍ وَضَلَالٍ بَعِيدٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ: لَيْسَ الْبِرَّ بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِرَفْعِهَا، فَمَنْ رَفَعَهَا جَعَلَ {الْبِرَّ} اسْمَ لَيْسَ، وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ: أَنْ تَوَلَّوْا، تَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الْبِرُّ تَوْلِيَتَكُمْ وُجُوهَكُمْ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى "مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا" (25-الْجَاثِيَةِ) . وَالْبِرُّ كُلُّ عَمَلِ خَيْرٍ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَنَى بِهَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تُصَلِّي قِبَلَ الْمَغْرِبِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالنَّصَارَى قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَزَعَمَ كُلُّ

فَرِيقٍ مِنْهُمْ: أَنَّ الْبِرَّ فِي ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْبِرَّ غَيْرُ دِينِهِمْ وَعَمَلِهِمْ وَلَكِنَّهُ مَا بَيَّنَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْمُرَادُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْفَرَائِضِ إِذَا أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَصَلَّى الصَّلَاةَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وجبت له 24/أالْجَنَّةُ. وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ وَحُدِّدَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ: {لَيْسَ الْبِرَّ} (1) أَيْ كُلُّهُ أَنْ تُصَلُّوا قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا تَعْمَلُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ. {وَلَكِنَّ الْبِرَّ} قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَلَكِنْ خَفِيفَةَ النُّونِ الْبِرُّ رُفِعَ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَنَصْبِ الْبِرِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} جَعَلَ مَنْ وهي اسم خبر لِلْبِرِّ وَهُوَ فِعْلٌ وَلَا يُقَالُ الْبِرُّ زِيدَ وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ قِيلَ لَمَّا وَقَعَ مَنْ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ جَعَلَهُ خَبَرًا لِلْبِرِّ كَأَنَّهُ قَالَ وَلَكِنَّ الْبِرَّ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ الِاسْمَ خَبَرًا لِلْفِعْلِ وَأَنْشَدَ الْفَرَّاءُ: لَعَمْرُكَ مَا الْفِتْيَانُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحَى ... وَلَكِنَّمَا الْفِتْيَانُ كُلُّ فَتًى نَدِيِّ فَجَعَلَ نَبَاتَ اللِّحَى خَبَرًا لِلْفَتَى وَقِيلَ فِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْأَوَّلِ عَنِ الثَّانِي كَقَوْلِهِمُ الْجُودُ حَاتِمٌ أَيِ الْجُودُ جُودُ حَاتِمٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ" (163-آلِ عِمْرَانَ) أَيْ ذُو دَرَجَاتٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى" (132-طه) أَيْ لِلْمُتَّقِي وَالْمُرَادُ مِنَ الْبِرِّ هَاهُنَا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى. {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ} {وَالْكِتَابِ} يَعْنِي الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ {وَالنَّبِيِّينَ} أَجْمَعَ {وَآتَى الْمَالَ} أَعْطَى الْمَالَ {عَلَى حُبِّهِ} اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَالِ أَيْ أَعْطَى الْمَالَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَمَحَبَّتِهِ الْمَالَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْ تُؤْتِيَهُ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ أَنَا أَبُو زُرْعَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ

_ (1) انظر: الطبري: 3 / 337-338، الواحدي: 1 / 250.

كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ" (1) . وَقِيلَ هِيَ عَائِدَةٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَيْ عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى. {ذَوِي الْقُرْبَى} أَهْلَ الْقَرَابَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمُسَافِرَ الْمُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ يَمُرُّ عَلَيْكَ وَيُقَالُ لِلْمُسَافِرِ ابْنُ السَّبِيلِ لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيقَ، وَقِيلَ: هُوَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ" (3) {وَالسَّائِلِينَ} يَعْنِي الطَّالِبِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي بُجَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بُجَيْدٍ عَنْ جَدَّتِهِ وَهِيَ أُمُّ بُجَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ لَمْ تَجِدِي شَيْئًا إِلَّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ" (4) قَوْلُهُ تَعَالَى {وَفِي الرِّقَابِ} يَعْنِي الْمُكَاتِبِينَ قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ،

_ (1) رواه البخاري: في الزكاة - باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح: 3 / 284-585 وفي الوصايا. ومسلم: في الزكاة - باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح برقم (1032) 2 / 716. والمصنف في شرح السنة: 6 / 172-173. (2) رواه الترمذي: في الزكاة - باب ما جاء في الصدقة على القرابة: 3 / 324 وقال: حديث حسن. والنسائي: في الزكاة: باب: الصدقة على الأقارب: 5 / 92. وابن ماجه: في الزكاة: باب: فضل الصدقة: (1844) 1 / 591. والدارمي: في الزكاة باب: الصدقة على القرابة: 1 / 397. وأحمد: 4 / 18،214 عن سلمان بن عامر. وابن حبان: في موارد الظمآن ص 112 والحاكم: 1 / 407 وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي (انظر مجمع الزوائد: 3 / 117) . والمصنف في شرح السنة: 6 / 192. (ورجاله ثقات إلا الرباب أم الرائح قال الحافظ في التقريب مقبولة وفي الميزان (الرباب بنت صليع عن عمها سلمان بن عامر لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها) . (3) رواه البخاري: في الرقاق - باب: حفظ اللسان: 11 / 308 وفي النكاح والأدب. مسلم: في الإيمان: باب الحث على إكرام الجار برقم (47) 1 / 68. والمصنف في شرح السنة: 14 / 212. (4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: حق السائل: 2 / 251. والترمذي: في الزكاة - باب: ما جاء في حق السائل: 3 / 332 وقال حسن صحيح. والنسائي في الزكاة باب تفسير المسكين 5 / 86. وصححه الحاكم 1 / 417 ووافقه الذهبي. وابن حبان 6 / 383 بلفظ ردوا السائل ولو بظلف. وأحمد: 6 / 382 بسند قوي. والمصنف في شرح السنة 6 / 175.

وَقِيلَ: عِتْقُ النَّسَمَةِ وَفَكُّ الرَّقَبَةِ وَقِيلَ: فِدَاءُ الْأُسَارَى {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} وَأَعْطَى الزَّكَاةَ {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ} فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ {إِذَا عَاهَدُوا} يَعْنِي إِذَا وَعَدُوا أَنْجَزُوا، وَإِذَا حَلَفُوا وَنَذَرُوا أَوْفَوْا، وَإِذَا عَاهَدُوا أَوْفَوْا، وَإِذَا قَالُوا صَدَقُوا، وَإِذَا ائْتُمِنُوا أَدَّوْا، وَاخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ قَوْلِهِ وَالْمُوفُونَ قِيلَ هُوَ عَطْفٌ عَلَى خَبَرٍ مَعْنَاهُ وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ وَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: وَهُمُ الْمُوفُونَ كَأَنَّهُ عَدَّ أَصْنَافًا ثُمَّ قَالَ: هُمْ وَالْمُوفُونَ كَذَا، وَقِيلَ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ يَعْنِي وَهُمُ الْمُوفُونَ ثُمَّ قَالَ {وَالصَّابِرِينَ} وَفِي نَصْبِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَصْبُهَا عَلَى تَطَاوُلِ الْكَلَامِ وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تُغَيِّرَ الْإِعْرَابِ إِذَا طَالَ الْكَلَامُ وَالنَّسَقُ وَمِثْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ" (سورةالمائدة-162) {وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَعْنِي الصَّابِرِينَ، وَقِيلَ نَصْبُهُ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ ذَوِي الْقُرْبَى أَيْ وَآتَى الصَّابِرِينَ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: نُصِبَ عَلَى الْمَدْحِ وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ الْكَلَامَ عَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ [كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِفْرَادَ الْمَمْدُوحِ وَالْمَذْمُومِ فَلَا يُتْبِعُونَهُ أَوَّلَ الْكَلَامِ وَيَنْصِبُونَهُ فَالْمَدْحُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ"] (1) (162-النِّسَاءِ) . وَالذَّمُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا" (61-الْأَحْزَابِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى {فِي الْبَأْسَاءِ} أَيِ الشِّدَّةِ وَالْفَقْرِ {وَالضَّرَّاءِ} الْمَرَضِ وَالزَّمَانَةِ {وَحِينَ الْبَأْسِ} أَيِ الْقِتَالِ وَالْحَرْبِ. أَخْبَرَنَا الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّالِحَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حِبَّانَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ وَلَقِيَ

_ (1) ساقط من "أ".

178

الْقَوْمُ الْقَوْمَ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ (1) . يَعْنِي إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} فِي إِيمَانِهِمْ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَيَّيْنِ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا قَتْلَى وَجِرَاحَاتٍ لَمْ يَأْخُذْهَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَتْ بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَالُوا جَمِيعًا كَانَ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ عَلَى الْآخَرِ طُولٌ فِي الْكَثْرَةِ وَالشَّرَفِ وَكَانُوا يَنْكِحُونَ نِسَاءَهُمْ بِغَيْرِ مُهُورٍ فَأَقْسَمُوا: لَنَقْتُلَنَّ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرَّ مِنْهُمْ وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ وَبِالرَّجُلِ مِنَّا الرَّجُلَيْنِ مِنْهُمْ، وَجَعَلُوا جِرَاحَاتِهِمْ ضِعْفَيْ جِرَاحَاتِ أُولَئِكَ فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَأَمَرَ بِالْمُسَاوَاةِ فَرَضُوا وَأَسْلَمُوا (2) . قَوْلُهُ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ {فِي الْقَتْلَى} وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالدِّيَاتِ، وَأَصْلُهُ مِنْ قَصَّ الْأَثَرَ إِذَا اتَّبَعَهُ فَالْمَفْعُولُ بِهِ يَتْبَعُ مَا فُعِلَ بِهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَهُ. ثُمَّ بَيَّنَ الْمُمَاثَلَةَ فَقَالَ: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا تَكَافَأَ الدَّمَانِ مِنَ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْعَبِيدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْأَحْرَارِ مِنَ الْمُعَاهِدِينَ أَوِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ قُتِلَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمُ الذَّكَرُ إِذَا قُتِلَ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى، وَتُقْتَلُ الْأُنْثَى إِذَا قَتَلَتْ بِالْأُنْثَى وَبِالذَّكَرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلَا وَالِدٌ بِوَلَدٍ، وَلَا مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: "سَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ عِنْدَكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ سوى القرآن؟ 24/ب فَقَالَ لَا

_ (1) رواه مسلم في الجهاد والسير باب: في غزوة حنين عن البراء 3 / 1776. والحاكم في المستدرك: 2 / 143 بلفظ: كنا إذا حمي. (2) انظر: الطبري: 3 / 359، الوسيط للواحدي: 1 / 254.

وَالَّذِي خَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبَدًا فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ" (1) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ" (2) . وَذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ، وَإِلَى أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِقَتْلِ الذِّمِّيِّ، وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ. "رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخِطَّابِ قَتَلَ سَبْعَةً أَوْ خَمْسَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ غِيلَةً، وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ جَمِيعًا" (3) وَيَجْرِي الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ كَمَا يَجْرِي فِي النُّفُوسِ إِلَّا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الصَّحِيحَ السَّوِيَّ يُقْتَلُ بِالْمَرِيضِ الزَّمِنِ، وَفِي الْأَطْرَافِ لَوْ قَطَعَ يَدًا شَلَّاءَ أَوْ نَاقِصَةً بِأُصْبُعٍ لَا تُقْطَعُ بِهَا الصَّحِيحَةُ الْكَامِلَةُ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْقِصَاصَ فِي الْأَطْرَافِ لَا يَجْرِي إِلَّا بَيْنَ حُرَّيْنِ أَوْ حُرَّتَيْنِ وَلَا يَجْرِي بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَلَا بَيْنَ الْعَبِيدِ وَلَا بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ الطَّرَفُ فِي الْقِصَاصِ مَقِيسٌ عَلَى النَّفْسِ (4) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ السَّهْمِيَّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ أَنَّ الرُّبَيِّعَ عَمَّتَهُ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا فَعَرَضُوا الْأَرْشَ (5) فَأَبَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَوْا إِلَّا الْقِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ" فَرَضِيَ الْقَوْمُ فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ" (6) .

_ (1) البخاري: في الديات - باب: لا يقتل مسلم بالكافر: 12 / 260. والمصنف في شرح السنة: 10 / 171. (2) أخرجه أبو داود: في الحدود - باب: في إقامة الحد في المسجد: 6 / 292 عن حكيم بن حزام بلفظ: (نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود) قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي النصري الدمشقي: وثقة غير واحد وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. الترمذي: في الديات - باب: ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا 4 / 656 وقال: هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم المكي وإسماعيل تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وابن ماجه في الديات: 2 / 888، والدارمي في الديات: 2 / 190، وصححه الحاكم: 4 / 369، والبيهقي في السنن: 8 / 39. (3) رواه البخاري: في الديات - باب: إذا أصاب قوم من رجل 12 / 226-227. والمصنف في شرح السنة: 10 / 182-183. (4) انظر: أحكام القرآن للجصاص 1 / 171 وما بعدها. (5) الأرش: دية الجراحة. (6) رواه البخاري في الصلح - باب الصلح في الدية 5 / 306. والمصنف في شرح السنة: 10 / 166.

179

قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} أَيْ تُرِكَ لَهُ وَصُفِحَ عَنْهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالُوا: الْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَقَوْلُهُ {مِنْ أَخِيهِ} أَيْ مِنْ دَمِ أَخِيهِ وَأَرَادَ بِالْأَخِ الْمَقْتُولَ وَالْكِنَايَتَانِ فِي قَوْلِهِ {لَهُ} {مِنْ أَخِيهِ} تَرْجِعَانِ إِلَى مَنْ وَهُوَ الْقَاتِلُ، وَقَوْلُهُ شَيْءٌ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ إِذَا عَفَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ لِأَنَّ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ قَدْ بَطَلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ عَلَى الطَّالِبِ لِلدِّيَةِ أَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ فَلَا يُطَالِبُ بِأَكْثَرِ مِنْ حَقِّهِ. {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} أَيْ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَدَاءُ الدِّيَةِ بِالْإِحْسَانِ مِنْ غَيْرِ مُمَاطَلَةٍ، أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْإِحْسَانِ فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ إِذَا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ فَلَهُ أَخْذُ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْقَاتِلُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا دِيَةَ لَهُ إِلَّا بِرِضَاءِ الْقَاتِلِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إِنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالْجِرَاحِ كَانَ حَتْمًا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الْيَهُودِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُ الدِّيَةِ، وَكَانَ فِي شَرْعِ النَّصَارَى الدِّيَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ الْقِصَاصُ، فَخَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ الْعَفْوِ عَنِ الدِّيَةِ تَخْفِيفًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} فَقَتَلَ الْجَانِيَ بَعْدَ الْعَفْوِ وَقَبُولِ الدِّيَةِ {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أَنْ يُقْتَلَ قِصَاصًا، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ حَتَّى لَا يَقْبَلَ الْعَفْوَ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَصِيرُ كَافِرًا بِالْقَتْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُ بَعْدَ الْقَتْلِ بِخِطَابِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} وَأَرَادَ بِهِ أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ، فَلَمْ يَقْطَعِ الْأُخُوَّةَ بَيْنَهُمَا بِالْقَتْلِ. {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أَيْ بَقَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِلْقَتْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ

_ (1) رواه البخاري: مطولا عن أبي هريرة في الديات - باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين 12 / 205، والشافعي في المسند: 2 / 99.

180

يُقْتَلُ يَمْتَنِعُ عَنِ الْقَتْلِ، فَيَكُونُ فِيهِ بَقَاؤُهُ وَبَقَاءُ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: "الْقَتْلُ قَلَّلَ الْقَتْلَ" وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: "الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ" وَقِيلَ مَعْنَى الْحَيَاةِ سَلَامَتُهُ مِنْ قِصَاصِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا اقتص منه حيي فِي الْآخِرَةِ وَإِذَا لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أَيْ تَنْتَهُونَ عَنِ الْقَتْلِ مَخَافَةَ الْقَوَدِ. {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ} أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} أَيْ جَاءَهُ أَسْبَابُ الْمَوْتِ وَآثَارُهُ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أَيْ مَالًا نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ" (272-الْبَقَرَةِ) {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} كَانَتِ الْوَصِيَّةُ فَرِيضَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ (1) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (2) فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ وُجُوبَهَا صَارَ مَنْسُوخًا فِي حَقِّ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَرِثُونَ وَبَقِيَ وُجُوبُهَا فِي حَقِّ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقَارِبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابن عباس وطاووس وَقَتَادَةَ والحسن قال طاووس: مَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ سَمَّاهُمْ وَتَرَكَ ذَوِي قَرَابَتِهِ مُحْتَاجِينَ انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ وَرُدَّتْ إِلَى ذَوِي قَرَابَتِهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوُجُوبَ صَارَ مَنْسُوخًا فِي حَقِّ الْكَافَّةِ وَهِيَ حَتْمِيَّةٌ فِي حَقِّ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ.

_ (1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم بن سلامة ص (16) ، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 203-207. (2) حديث صحيح رواه أبو داود: في الوصايا: باب - في الوصية للوارث: 4 / 150. والترمذي: في الوصايا - باب: ما جاء لا وصية لوارث: 6 / 309. وقال حديث حسن صحيح. والنسائي: في الوصايا: 6 / 247. وابن ماجه: في الوصايا: 2712و2714-2 / 905-906. وأحمد: 4 / 186-5 / 267 عن عمرو بن خارجة وجزء من حديث عن أبي أمامة الباهلي. والمصنف في شرح السنة: 5 / 288-289. وفي الباب عن ابن عباس، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن جابر، وعن زيد بن أرقم وعن علي، وعن خارجة بن عمرو الجمحي وعن البراء. انظر نصب الراية 4 / 403،405.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا طَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِالْمَعْرُوفِ} يُرِيدُ يُوصِي بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يُوصِي لِلْغَنِيِّ وَيَدَعُ الْفَقِيرَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْوَصِيَّةُ لِلْأَخَلِّ فَالْأَخَلِّ أَيِ الْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ (2) أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ جَاءَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ لَا قُلْتُ: فَالشَّطْرِ؟ قَالَ لَا قُلْتُ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناس بأيديهم" 25/أ (3) . وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ، قَالَتْ كَمْ مَالُكَ؟ قَالَ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ. قَالَتْ كَمْ عِيَالُكَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ، قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ يَسِيرٌ فَاتْرُكْ لِعِيَالِكَ (4) وَقَالَ عَلَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمْسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ فَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ فَلَمْ يَتْرُكْ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُوصِي بِالسُّدْسِ أَوِ الْخُمْسِ أَوِ الرُّبْعِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إِنَّمَا كَانُوا يُوصُونَ بِالْخُمْسِ أَوِ الرُّبْعِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَقًّا} نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَقِيلَ عَلَى الْمَفْعُولِ أَيْ جَعَلَ الْوَصِيَّةَ حَقًّا {عَلَى الْمُتَّقِينَ}

_ (1) رواه البخاري: في الوصايا - باب: الوصايا وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصية الرجل مكتوبة عنده 5 / 355. ومسلم: في الوصية: برقم (1627) 3 / 1249. والمصنف في شرح السنة: 5 / 277. (2) في أ: ابن أبي عوزة والتصحيح من شرح السنة. (3) رواه البخاري: في الوصايا - باب أن يترك ورثته أغنياء خير ... 5 / 363. ومسلم: في الوصية - باب الوصية بالثلث برقم (1628) 3 / 1250. والمصنف في شرح السنة: 5 / 282-283. (4) أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي (الدر المنثور للسيوطي 1 / 423) .

181

الْمُؤْمِنِينَ {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} أَيْ غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ فِي الْأَوْصِيَاءِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ أَوِ الشُّهُودِ {بَعْدَمَا سَمِعَهُ} أي بعد ما سَمِعَ قَوْلَ الْمُوصِي، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْكِنَايَةَ مَعَ كَوْنِ الْوَصِيَّةِ مُؤَنَّثَةً، وَقِيلَ الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِيصَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ" (275-الْبَقَرَةِ) رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْوَعْظِ {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} وَالْمَيِّتُ بَرِيءٌ مِنْهُ {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لِمَا أَوْصَى بِهِ الْمُوصِي {عَلِيمٌ} بِتَبْدِيلِ الْمُبَدِّلِ، أَوْ سَمِيعٌ لِوَصِيَّتِهِ عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ.

182

{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَنْ خَافَ} أَيْ عَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ" (229-الْبَقَرَةِ) أَيْ عَلِمْتُمْ {مِنْ مُوصٍ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا" (13-الشُّورَى) "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ" (8-الْعَنْكَبُوتِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ" (11-النِّسَاءِ) "مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ" (12-النِّسَاءِ) {جَنَفًا} أَيْ جَوْرًا وَعُدُولًا عَنِ الْحَقِّ، وَالْجَنَفُ: الْمَيْلُ {أَوْ إِثْمًا} أَيْ ظُلْمًا، قَالَ السُّدِّيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ: الْجَنَفُ الْخَطَأُ وَالْإِثْمُ الْعَمْدُ {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي فَرَآهُ يَمِيلُ إِمَّا بِتَقْصِيرٍ أَوْ إِسْرَافٍ، أَوْ وَضْعِ الْوَصِيَّةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الْجَنَفِ فَيَنْظُرُ لِلْمُوصَى وَلِلْوَرَثَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ الْمَيِّتُ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ جَارَ مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى وَلِيِّهِ أَوْ وَصِيِّهِ أَوْ وَالِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصْلِحَ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَيَرُدَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ أَيْ: فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقال طاووس: جَنَفَةٌ تَوْلِيجَةٌ، وَهُوَ أَنْ يُوصِيَ لِبَنِي بَنِيهِ يُرِيدُ ابْنَهُ وَلِوَلَدِ ابْنَتِهِ وَلِزَوْجِ ابْنَتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ ابْنَتَهُ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ يُمْضُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى "فمن بدله بعد ما سَمِعَهُ" الْآيَةَ وَإِنِ اسْتَغْرَقَ الْمَالَ كُلَّهُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْوَرَثَةِ شَيْءٌ، ثُمَّ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا" الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُصْلِحَ فَانْتَزَعَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فَفَرَضَ الْفَرَائِضَ. رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ أَوِ الْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ

يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ" ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} إِلَى قَوْلِهِ {غَيْرَ مُضَارٍّ} (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} أَيْ فُرِضَ وَأُوجِبَ، وَالصَّوْمُ وَالصِّيَامُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ يُقَالُ: صَامَ النَّهَارُ إِذَا اعْتَدَلَ وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، لِأَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ كَبِدَ السَّمَاءِ وَقَفَتْ وَأَمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ سُوَيْعَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا" (26-مَرْيَمَ) أَيْ صَمْتًا لِأَنَّهُ إِمْسَاكٌ عَنِ الْكَلَامِ، وَفِي الشَّرِيعَةِ الصَّوْمُ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ مَعَ النِّيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّشْبِيهِ (2) فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ صَوْمُ مَنْ قَبَلْنَا مِنَ الْعَتَمَةِ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ كَمَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَرَادَ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّصَارَى كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا، فَرُبَّمَا كَانَ يَقَعُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَيَضُرُّهُمْ فِي مَعَايِشِهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ عُلَمَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا صِيَامَهُمْ فِي فَصْلٍ مِنَ السَّنَةِ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَجَعَلُوهُ فِي الرَّبِيعِ وَزَادُوا فِيهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ كَفَّارَةً لِمَا صَنَعُوا فَصَارَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمُ اشْتَكَى فَمَهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ هُوَ بَرِئَ مِنْ وَجَعِهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَوْمِهِمْ. أُسْبُوعًا فَبَرِئَ فَزَادَ فِيهِ أُسْبُوعًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَوَلِيَهُمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقَالَ: أَتِمُّوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَابَهُمْ مَوْتَانِ، فَقَالُوا زِيدُوا فِي صِيَامِكُمْ فَزَادُوا عَشْرًا قَبْلُ وَعَشْرًا بَعْدُ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ صُمْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا لَأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَيُقَالُ مِنْ شَعْبَانَ وَيُقَالُ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ فَصَامُوا قَبْلَ الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهَا يَوْمًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْقَرْنُ الْآخَرُ يَسْتَنُّ بِسُنَّةِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:

_ (1) أخرجه أبو داود في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: 2 / 902. والترمذي: في الوصايا - باب ما جاء في الوصية بالثلث: 6 / 304 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. والمصنف في شرح السنة: 5 / 286. وأخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: 2 / 902. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 14 / 163 بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح، ورواية ابن ماجه كرواية المسند. (2) انظر: تفسير الطبري: 3 / 410 وما بعدها.

184

{كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يَعْنِي بِالصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَصْلَةٌ إِلَى التَّقْوَى لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ النَّفْسِ وَكَسْرِ الشَّهَوَاتِ، وَقِيلَ: لَعَلَّكُمْ تَحْذَرُونَ عَنِ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) } {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} قِيلَ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَاجِبًا، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَصَامُوا كَذَلِكَ مِنَ الرَّبِيعِ إِلَى شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا نُسِخَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَالصَّوْمِ، وَيُقَالُ: نَزَلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَأَيَّامٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الجمعة لسبع عشر لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ. حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَازِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ" (1) . وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} شَهْرُ رَمَضَانَ وَهِيَ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ وَنَصَبَ أَيَّامًا عَلَى الظَّرْفِ، أَيْ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ، وَقِيلَ: عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى هُوَ خَبَرُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ} أَيْ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، وَالْعَدَدُ وَالْعِدَّةُ وَاحِدٌ {مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أَيْ غَيْرِ أَيَّامِ مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ، وَأُخَرُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنَّهَا لَا تَنْصَرِفُ فَلِذَلِكَ نُصِبَتْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَحُكْمِهَا فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ

_ (1) أخرجه البخاري في الصيام - باب: صوم يوم عاشوراء 4 / 102. وفي الحج. وفي فضائل الصحابة، وفي التفسير. ومسلم: في الصيام - باب صوم يوم عاشوراء برقم (1125) 2 / 792. والمصنف في شرح السنة: 6 / 212.

مُخَيَّرِينَ بَيْنَ أَنْ يَصُومُوا وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرُوا وَيَفْدُوا، خَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ، ثُمَّ نَسَخَ التَّخْيِيرَ وَنَزَلَتِ الْعَزِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ خَاصَّةٌ فِي حق الشيخ 25/ب الْكَبِيرِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَلَكِنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ رُخِّصَ لَهُ فِي أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ ثُمَّ نُسِخَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هَذَا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي بِهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلصَّوْمِ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ وَبَيْنَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَثَبَتَتِ الرُّخْصَةُ لِلَّذِينِ لَا يُطِيقُونَ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ فِي حَالِ الشَّبَابِ فَعَجَزُوا عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ فَعَلَيْهِمُ الْفِدْيَةُ بَدَلَ الصَّوْمِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِهَا، أَيْ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ فَهُمْ يُكَلَّفُونَ الصَّوْمَ وَلَا يُطِيقُونَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا وَيُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَجَعَلَ الْآيَةَ مُحْكَمَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مُضَافًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمَائِدَةِ: "كَفَّارَةٌ طَعَامُ" أَضَافَ الْفِدْيَةَ إِلَى الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَحَبَّ الْحَصِيدِ" (9-ق) وَقَوْلِهِمْ مَسْجِدُ الْجَامِعِ وَرَبِيعُ الْأَوَّلِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: فِدْيَةٌ وَكَفَّارَةٌ مُنَوَّنَةً، طَعَامُ رُفِعَ وَقَرَأَ مَسَاكِينَ بِالْجَمْعِ هُنَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ، وَالْآخَرُونَ عَلَى التَّوْحِيدِ، فَمَنْ جَمَعَ نَصَبَ النُّونَ وَمَنْ وَحَّدَ خَفَضَ النُّونَ وَنَوَّنَهَا، وَالْفِدْيَةُ: الْجَزَاءُ، وَيَجِبُ أَنْ يُطْعِمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ، وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِصْفُ صَاعٍ مِنَ الْقَمْحِ أَوْ صَاعٌ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يَوْمَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُعْطِي كُلَّ مِسْكِينٍ عَشَاءَهُ وَسَحُورَهُ. {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} أَيْ زَادَ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فَأَطْعَمَ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينَيْنِ فَأَكْثَرَ، قَالَهُ مجاهد وعطاء وطاووس، وَقِيلَ: مَنْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ فَأَعْطَى صَاعًا وَعَلَيْهِ مُدٌّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ. {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ذَهَبَ إِلَى النَّسْخِ قَالَ مَعْنَاهُ الصَّوْمُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْفِدْيَةِ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ لَوْ تَكَلَّفَ الصَّوْمَ وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا رُخْصَةَ لِمُؤْمِنٍ مُكَلَّفٍ فِي إِفْطَارِ رَمَضَانَ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: أَحَدُهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالثَّانِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ، وَالثَّالِثُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ (1) أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فَالْحَامِلُ

_ (1) استعمل الكفارة هنا بمعنى الفدية كما جاء في السياق، وإلا فإن الكفارة تجب على من أفسد صومه في رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم.

185

وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا تُفْطِرَانِ وَتَقْضِيَانِ وَعَلَيْهِمَا مَعَ الْقَضَاءِ الْفِدْيَةُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ قَوْمٌ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ فَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ. وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ فَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ (1) {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) } ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَيَّامَ الصِّيَامِ فَقَالَ: {شَهْرُ رَمَضَانَ} رَفْعُهُ عَلَى مَعْنَى هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَسُمِّيَ الشَّهْرُ شَهْرًا لِشُهْرَتِهِ، وَأَمَّا رَمَضَانُ فَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ كَمَا يُقَالُ شَهْرُ اللَّهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْمٌ لِلشَّهْرِ سُمِّيَ بِهِ مِنَ الرَّمْضَاءِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ وَهُمْ كَانُوا يَصُومُونَهُ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ فَكَانَتْ تُرَمَّضُ فِيهِ الْحِجَارَةُ فِي الْحَرَارَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} سُمِّيَ الْقُرْآنُ قُرْآنًا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ وَالْآيَ وَالْحُرُوفَ وَجُمِعَ فِيهِ الْقَصَصُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ. وَأَصْلُ الْقَرْءِ الْجَمْعُ وَقَدْ يُحْذَفُ الْهَمْزُ مِنْهُ فَيُقَالُ، قَرَيْتَ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إِذَا جَمَعْتَهُ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: الْقُرَانَ بِفَتْحِ الرَّاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ الشَّافِعِيُّ وَيَقُولُ لَيْسَ هُوَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَكِنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْكِتَابِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَرُوِيَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" (1-الْقَدْرِ) ، وَقَوْلِهِ: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ" (3-الدُّخَانِ) وَقَدْ نَزَلَ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ" (106-الْإِسْرَاءِ) فَقَالَ أُنْزِلُ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75-الْوَاقِعَةِ) قَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} أَمَا كَانَ يَنْزِلُ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ جَبْرَائِيلُ كَانَ يُعَارِضُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ مَا نَزَلَ إِلَيْهِ فَيُحْكِمُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، وَيُنْسِيهِ مَا يَشَاءُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَيُرْوَى فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتْ تَوْرَاةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي سِتِّ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ زَبُورُ دَاوُدَ فِي ثَمَانِ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ

_ (1) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 288-289، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 218-228.

شَهْرِ رَمَضَانَ لِسِتٍّ بَقِينَ بَعْدَهَا (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُدًى لِلنَّاسِ} مِنَ الضَّلَالَةِ، وَهُدًى فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ مَعْرِفَةٌ وَهُدًى نَكِرَةٌ {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} أَيْ دَلَالَاتٍ وَاضِحَاتٍ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ {وَالْفُرْقَانِ} أَيِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أَيْ فَمَنْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحَضَرِ فَأَدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ، رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِهِ قَالَ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أَيِ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَنْشَأَ السَّفَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْهُ أَيِ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ مِنْكُمُ الشَّهْرَ كُلَّهُ فَلْيَصُمْ مَا شَهِدَ مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ثُمَّ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَكَانُوا يأخذون بالأحدث فلأحدث مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أَبَاحَ الْفِطْرَ لِعُذْرِ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَأَعَادَ هَذَا الْكَلَامَ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ ثَابِتٌ فِي النَّاسِخِ ثُبُوتَهُ فِي الْمَنْسُوخِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَرَضِ يُبِيحُ الْفِطْرَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ طَرِيفُ بْنُ تَمَّامٍ الْعُطَارِدِيُّ دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. فِي رَمَضَانَ، وَهُوَ يَأْكُلُ فَقَالَ: إِنَّهُ وُجِعَتْ أُصْبُعِي هَذِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي تَجُوزُ مَعَهُ الصلاة قاعدأ 26/أوَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَرَضٌ يُخَافُ مَعَهُ مِنَ الصَّوْمِ زِيَادَةُ عِلَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ إِذَا أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ أَفْطَرَ وَإِنْ لَمْ يُجْهِدْهُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ. وَأَمَّا السَّفَرُ، فَالْفِطْرُ فِيهِ مُبَاحٌ وَالصَّوْمُ جَائِزٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ وَمَنْ صَامَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (3) وَذَلِكَ عِنْدَ الْآخَرِينَ فِي حَقِّ مَنْ

_ (1) رواه أحمد 4 / 107 عن واثلة بن الأسقع. انظر مسند الشاميين من مسند الإمام أحمد تحقيق على محمد جماز 1 / 201 وفيه عمران بن داور - بفتح الواو وبعدها راء - أبو العوام، القطان البصري صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج من السابعة (التقريب) . رواه الطبراني والبيهقي في الشعب (انظر فيض القدير: 3 / 57) ، وذكره ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 286 من رواية أبي يعلى عن جابر، وقال: هذا مقلوب، وإنما هو عن واثلة، فيحرر. (2) رواه البخاري: في الصوم - باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر 4 / 180 وفي الجهاد والمغازي. ومسلم في الصيام - باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1113) 2 / 784. والمصنف في شرح السنة: 6 / 310. (3) سيأتي ص 189.

يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا؟ قَالُوا هَذَا صَائِمٌ، فَقَالَ "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ" (1) . وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ مَا حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُمَيَّةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْقَوَارِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَخْبَرَنَا الْجَرِيرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: "كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ" (2) . وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَنَسٍ وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ أَيْسَرُهُمَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَنْ أَصْبَحَ مُقِيمًا صَائِمًا ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، أَمَّا الْمُسَافِرُ إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ بِالِاتِّفَاقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ فَأَفْطَرَ بَعْضُ النَّاسِ وَصَامَ بَعْضُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فَقَالَ "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ" (3) . وَاخْتَلَفُوا فِي السَّفَرِ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

_ (1) رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن ظلل عليه واشتد الحر 4 / 183. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر برقم (1115) 2 / 786. والمصنف في شرح السنة: 6 / 308. (2) رواه البخاري: في الصوم - باب لم يعب أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعضهم بعضا 4 / 186. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1116، 1118) 2 / 786-787. والمصنف في شرح السنة: 6 / 306-307. (3) رواه مسلم: في الصيام - باب جواز الصيام والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1114) 2 / 785. والمصنف في شرح السنة: 6 / 311، والشافعي في المسند: 1 / 268-269.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ فِي الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ {وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْعُسْرَ وَالْيُسْرَ وَنَحْوَهُمَا بِضَمِّ السِّينِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالسُّكُونِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا خُيِّرَ رَجُلٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَاخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا إِلَّا كَانَ ذَلِكَ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" (3-الْمَائِدَةِ) وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَاوُ النَّسَقِ، وَاللَّامُ لَامُ كَيْ، تَقْدِيرُهُ: وَيُرِيدُ لِكَيْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، أَيْ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ أَيَّامِ الشَّهْرِ بِقَضَاءِ مَا أَفْطَرْتُمْ فِي مَرَضِكُمْ وَسَفَرِكُمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أَيْ عَدَدَ أَيَّامِ الشَّهْرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ" (1) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا حَاجِبُ ابن أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ ذَلِكَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا" (2) . {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} وَلِتُعَظِّمُوا اللَّهَ {عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أَرْشَدَكُمْ إِلَى مَا رَضِيَ بِهِ مِنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَخَصَّكُمْ بِهِ دُونَ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ تَكْبِيرَاتُ لَيْلَةِ الْفِطْرِ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، وَشَبَّهَ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِهَا إِلَّا مَنْ كَانَ حَاجًّا فَذِكْرُهُ التَّلْبِيَةُ. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَثَوَابِ الصَّائِمِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِيِّ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سَهْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا

_ (1) رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا رأيتم الهلال فصوموا ... 4 / 119. وفي الطلاق. ومسلم: في الصيام - باب جوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم (1080) 2 / 759. والمصنف في شرح السنة: 6 / 228، والشافعي في المسند: 1 / 272. (2) المصنف في شرح السنة: 6 / 237 وهو ملفق من حديثين عند البخاري ومسلم (انظر: البخاري في الصوم) 4 / 119، 127، 128 ومسلم: في الصيام: برقم (1082، 1188) 2 / 762، 765.

دَخَلَ رَمَضَانُ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَرَّاحِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ الْكَوْفَانِيُّ الْهَرَوِيُّ بِهَا أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ التُّجِيبِيُّ الْمِصْرِيُّ بِهَا الْمَعْرُوفُ بِابْنِ النَّحَّاسِ (3) قِيلَ لَهُ أَخْبَرَكُمْ أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعَنَزِيُّ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ؟ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (4) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نِزَارٍ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسَدٍ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْعَنَزِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسٍ السَّعْدِيُّ أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ سَعِيدِ بن المسيب 26/ب عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ

_ (1) رواه البخاري: في الصوم: باب هل يقال رمضان ... 4 / 112 وفي بدء الخلق. ومسلم: في الصيام: باب فضل شهر رمضان برقم (1079) 2 / 758. والمصنف في شرح السنة: 6 / 215. (2) رواه الترمذي: في الصوم - باب ما جاء في فضل شهر رمضان 3 / 359-360. وابن ماجه: في الصيام - باب ما جاء في فضل شهر رمضان برقم (1642) 1 / 526. والحاكم: 1 / 421 ورجاله ثقات إلا أن أبا بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه وله شاهد بتقوى به من حديث عطاء بن السائب عن عرفجه. وأحمد: 4 / 311-312 و5 / 411 عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم. والنسائي: 4 / 130 وابن خزيمة: 3 / 188. والمصنف في شرح السنة: 6 / 215. (3) يوجد بعض الأخطاء في السند تم تصحيحها من شرح السنة. (4) رواه البخاري: في التراويح - باب: من صام رمضان إيمانا واحتسابا 4 / 115 وفي التعبير. مسلم: في صلاة المسافرين - باب: الترغيب في قيام رمضان برقم (760) 1 / 524. والمصنف في شرح السنة: 6 / 217.

مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ -وَفِي رِوَايَةٍ قَدْ أَطَلَّكُمْ بِالطَّاءِ -أَطَلَّ: أَشْرَفَ، شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهَرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، شَهْرٌ جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ -أَيِ الْمُسَاهَمَةِ -وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ الرِّزْقُ وَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ" قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، فَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ، خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا، أَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ" (1) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ الصَّائِمُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيْهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ" (3) .

_ (1) أخرجه ابن خزيمة: 3 / 191-192 في الصوم - باب فضل شهر رمضان وقال فيه: إن صح الخبر، وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف (التقريب - ميزان الاعتدال) وذكره والمنذري في الترغيب: 2 / 94-95 وقال: رواه ابن خزيمة في صحيحه.. ورواه من طريقه البيهقي، ورواه أبو الشيخ وابن حبان في الثواب باختصار عنهما. (2) رواه البخاري: في الصوم - باب: فضل الصوم: 4 / 103 وفي اللباس وفي التوحيد. ومسلم: في الصيام - باب: فضل الصوم برقم (1151) 2 / 806. والمصنف في شرح السنة: 6 / 221. (3) رواه البخاري: في الصوم - باب: الريان للصائمين 4 / 111. ومسلم: في الصيام - باب فضل الصوم برقم (1152) 2 / 808. والمصنف في شرح السنة: 6 / 219-220.

186

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ فَيُشَفَّعَانِ" (1) . {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ يَهُودُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنَا دُعَاءَنَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ السَّمَاءِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَإِنَّ غِلَظَ كُلِّ سَمَاءٍ مِثْلُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سَأَلَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ أَمْ بِعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ" (2) وَفِيهِ إِضْمَارٌ كَأَنَّهُ قَالَ: فَقُلْ لَهُمْ إِنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِ لَا يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ كَمَا قَالَ "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" (16-ق) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ أَوْ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ" (3) .

_ (1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 554. قال المنذري رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 84. (2) لم نقف على الراوية الأولى ولكن في سندها الكلبي وهو كذاب (التقريب) . وأما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال: جاء رجل ... فأنزل الله (وإذا سألك عبادي عني) الدر المنثور: 1 / 469. (3) رواه البخاري، في التوحيد - باب: وكان الله سميعا بصيرا 13 / 372. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب استحباب خفض الصوت بالذكر برقم (4704) 4 / 2076.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غَيْرُ قَالُونَ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهِمَا فِي الْوَصْلِ، وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي إِثْبَاتِ الْيَاءَاتِ الْمَحْذُوفَةِ مِنَ الْخَطِّ وَحَذْفِهَا فِي التِّلَاوَةِ، وَيُثْبِتُ يَعْقُوبُ جَمِيعَهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ مَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي الْخَطِّ وَصْلًا وَوَقْفًا {فَلْيَسْتَجِيبُوا} قِيلَ: الِاسْتِجَابَةُ بِمَعْنَى الْإِجَابَةِ، أَيْ: فَلْيُجِيبُوا لِي بِالطَّاعَةِ، وَالْإِجَابَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّاعَةُ وَإِعْطَاءُ مَا سُئِلَ فَالْإِجَابَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْعَطَاءُ، وَمِنَ الْعَبْدِ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي أَيْ لِيَسْتَدْعُوا مِنِّي الْإِجَابَةَ، وَحَقِيقَتُهُ فَلْيُطِيعُونِي {وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} لِكَيْ يَهْتَدُوا، فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وَقَدْ يُدْعَى كَثِيرًا فَلَا يُجِيبُ؟ قُلْنَا: اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَتَيْنِ قِيلَ معنى الدعاء ههنا الطَّاعَةُ، وَمَعْنَى الْإِجَابَةِ الثَّوَابُ، وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَتَيْنِ خَاصٌّ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُمَا عَامًّا، تَقْدِيرُهُمَا: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} إِنْ شِئْتُ، كَمَا قَالَ: "فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ" (41-الْأَنْعَامِ) أَوْ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِنْ وَافَقَ الْقَضَاءَ أَوْ: أُجِيبُهُ إِنْ كَانَتِ الْإِجَابَةُ خَيْرًا لَهُ أَوْ أُجِيبُهُ إِنْ لَمْ يَسْأَلْ مُحَالًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ زَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ يَسْتَعْجِلْ" قَالُوا وَمَا الِاسْتِعْجَالُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ، قَدْ دَعَوْتُكَ يَا رَبِّ، فَلَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدَعُ

الدُّعَاءَ" (1) . وَقِيلَ هُوَ عَامٌّ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {أُجِيبُ} أَيْ أَسْمَعُ، وَيُقَالُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَكْثَرُ مِنْ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، فَأَمَّا إِعْطَاءُ الْمُنْيَةِ فَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِيهَا، وَقَدْ يُجِيبُ السَّيِّدُ عَبْدَهُ، وَالْوَالِدُ وَلَدَهُ ثُمَّ لَا يُعْطِيهِ سُؤْلَهُ فَالْإِجَابَةُ كَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ عِنْدَ حُصُولِ الدَّعْوَةِ، وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ لَا يُخَيِّبُ دُعَاءَهُ، فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ مَا سَأَلَ أَعْطَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْهُ لَهُ ادَّخَرَ لَهُ الثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ كَفَّ عَنْهُ بِهِ سُوءًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا عَلَى الْأَرْضِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ، اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ" (2) وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجِيبُ دُعَاءَ الْمُؤْمِنِ فِي الوقت ويؤخر 27/أإِعْطَاءَ مُرَادِهِ لِيَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ صَوْتَهُ وَيُعَجِّلُ إِعْطَاءَ مَنْ لَا يُحِبُّهُ لِأَنَّهُ يَبْغَضُ صَوْتَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ لِلدُّعَاءِ آدَابًا وَشَرَائِطَ وَهِيَ أَسْبَابُ الْإِجَابَةِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِجَابَةِ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْإِجَابَةَ.

_ (1) رواه البخاري مختصرا في الدعوات - باب: يستجاب للعبد ما لم يستعجل: 11 / 140. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل برقم (2735) 4 / 2095 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 5 / 190. (2) رواه الترمذي: في الدعوات - باب: في انتظار الفرج عن جابر: 10 / 24 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. والحاكم: 1 / 493 وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: 3 / 18 عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: 5 / 186.

187

{أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَالرَّفَثُ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي كُلَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْإِفْضَاءِ وَالدُّخُولِ وَالرَّفَثُ فَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَا يُرِيدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ إِذَا أَفْطَرَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَوْ يَرْقُدَ قَبْلَهَا، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ أَوْ رَقَدَ قَبْلَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاقَعَ أَهْلَهُ بَعْدَمَا صَلَّى الْعِشَاءَ فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ يَبْكِي وَيَلُومُ نَفْسَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَاطِئَةِ، إِنِّي رَجَعْتُ إلى أهلي بعد ما صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ فَوَجَدْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَجَامَعْتُ أَهْلِي فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا كُنْتَ جَدِيرًا بِذَلِكَ يَا عُمَرُ" فَقَامَ رِجَالٌ وَاعْتَرَفُوا بِمِثْلِهِ فَنَزَلَ فِي عُمْرَ وَأَصْحَابِهِ: (1) .

_ (1) أخرجه ابن جرير في التفسير: 3 / 498، وقال الشيخ شاكر: هذا الحديث بالإسناد مسلسل بالضعفاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن جرير وابن أبي حاتم: 1 / 476.

{أُحِلَّ لَكُمْ} أَيْ أُبِيحُ لَكُمْ {لَيْلَةَ الصِّيَامِ} أَيْ فِي لَيْلَةِ الصِّيَامِ {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ} أَيْ سَكَنٌ لَكُمْ {وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} أَيْ سَكَنٌ لَهُنَّ دَلِيلُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا" (189-الْأَعْرَافِ) وَقِيلَ لَا يَسْكُنُ شَيْءٌ كَسُكُونِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسًا لِتَجَرُّدِهِمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ كَالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُنَّ فِرَاشٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِحَافٌ لَهُنَّ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ هِيَ لِبَاسُكَ وَفِرَاشُكَ وَإِزَارُكَ وَقِيلَ: اللِّبَاسُ اسْمٌ لِمَا يُوَارِي الشَّيْءَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سِتْرًا لِصَاحِبِهِ عَمَّا لَا يَحِلُّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ" (1) {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أَيْ تَخُونُونَهَا وَتَظْلِمُونَهَا بِالْمُجَامَعَةِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، قَالَ الْبَرَاءُ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ" {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} تَجَاوَزَ عَنْكُمْ {وَعَفَا عَنْكُمْ} مَحَا ذُنُوبَكُمْ {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ} جَامِعُوهُنَّ حَلَالًا سُمِّيَتِ الْمُجَامَعَةُ مُبَاشَرَةً لِتَلَاصُقِ بَشْرَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ، {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أَيْ فَاطْلُبُوا مَا قَضَى اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَعْنِي الْوَلَدَ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتَغُوا الْوَلَدَ إِنْ لَمْ تَلِدْ هَذِهِ فَهَذِهِ وَقَالَ قَتَادَةُ: وَابْتَغُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ بِإِبَاحَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ. قَوْلُهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ أَبُو صِرْمَةَ بْنُ قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ بْنُ أَنَسِ بْنِ أَبِي صِرْمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَلَّ نَهَارَهُ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا أَمْسَى رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِتَمْرٍ، وَقَالَ لِأَهْلِهِ قَدِّمِي الطَّعَامَ فَأَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُطْعِمَهُ شَيْئًا سَخِينًا فَأَخَذَتْ تَعْمَلُ لَهُ سَخِينَةً، وَكَانَ فِي الِابْتِدَاءِ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَنَامَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ طَعَامِهِ إِذْ هِيَ بِهِ قَدْ نَامَ وَكَانَ قَدْ أَعْيَا وَكَلَّ فَأَيْقَظَتْهُ فَكَرِهَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ فَأَصْبَحَ صَائِمًا مَجْهُودًا، فَلَمْ يَنْتَصِفِ النَّهَارُ حَتَّى

_ (1) ورد بلفظ (من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي) . رواه ابن الجوزي في العلل عن أنس رفعه وقال: لا يصح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه آفات منها يزيد الرقاشي قال أحمد: لا يكتب عنه شيء كان منكر الحديث. وقال النسائي: منكر الحديث وفيه هياج، قال أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى ليس بشيء وفيه مالك بن سليمان وقد قدحوا فيه. العلل المتناهية 2 / 122. انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس 2 / 313. ورواه الحاكم بلفظ (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني. قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي 2 / 161.

غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: يَا أبا قيس مالك أَمْسَيْتَ طَلِيحًا (1) فذكر له ماله فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} (2) يَعْنِي فِي لَيَالِي الصَّوْمِ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} يَعْنِي بَيَاضَ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ، سُمِّيَا خَيْطَيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَبْدُو فِي الِابْتِدَاءِ مُمْتَدًّا كَالْخَيْطِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ثَنَا أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ قَوْلُهُ: {مِنَ الْفَجْرِ} فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ {مِنَ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا إِنَّمَا يَعْنِي بِهِمَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلَتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَإِلَى اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فَغَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ "إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ" (3) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنْ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" قَالَ "كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ" (4) وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَجْرَ فَجْرَانِ كَاذِبٌ وَصَادِقٌ، فَالْكَاذِبُ يَطْلُعُ أَوَّلًا مُسْتَطِيلًا كَذَنَبِ السِّرْحَانِ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ فَبِطُلُوعِهِ لَا يَخْرُجُ اللَّيْلُ وَلَا يَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، ثُمَّ يَغِيبُ فَيَطْلُعُ بَعْدَهُ الْفَجْرُ الصَّادِقُ مُسْتَطِيرًا يَنْتَشِرُ سَرِيعًا فِي الْأُفُقِ، فَبِطُلُوعِهِ يَدْخُلُ النَّهَارُ وَيَحْرُمُ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ.

_ (1) الطليح: الساقط من الإعياء والجهد والهزال. (2) رواه البخاري: في الصوم باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم) 4 / 129. (3) رواه البخاري: في الصوم - باب: قول الله تعالى: وكلوا واشربوا حتى ... 4 / 132. (4) رواه البخاري: في الأذان - باب: أذان الأعمى إذا كان له من يخيره 2 / 99. ومسلم: في الصيام - باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (1092) 2 / 768 والمصنف في شرح السنة: 2 / 298.

أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَا أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي هِلَالٍ عَنْ سَوَادَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} فَالصَّائِمُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَرَبَتْ حَصَلَ الْفِطْرُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: سَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [وَقَدْ نَوَيْتُمْ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَنْ مُبَاشَرَتِهِنَّ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ الِاعْتِكَافِ] (3) وَالْعُكُوفُ هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْإِقَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَهُوَ سُنَّةٌ وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله النعيمي 27/ب أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ" (4) وَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَعْتَكِفُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا عَرَضَتْ لِلرَّجُلِ مِنْهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى أَهْلِهِ خَرَجَ إِلَيْهَا فَجَامَعَهَا ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى يَفْرَغُوا مِنَ اعْتِكَافِهِمْ، فَالْجِمَاعُ حَرَامٌ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ وَيَفْسُدُ

_ (1) رواه مسلم: في الصيام - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (1094) 2 / 770. والمصنف في شرح السنة: 2 / 300. (2) رواه البخاري: في الصوم عن عبد الله بن أبي أوفى - باب: الصوم في السفر والإفطار 4 / 179. رواه مسلم: في الصيام عن عبد الله بن أبي أوفى - باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار برقم (1101) 2 / 772. والمصنف في شرح السنة: 6 / 259. (3) ساقط من (ب) ومن المطبوع. (4) رواه البخاري: في الاعتكاف - باب الاعتكاف في العشر الأواخر 4 / 271. ورواه مسلم: في الاعتكاف - باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان برقم (1172) 2 / 831. والمصنف في شرح السنة: 6 / 391.

188

بِهِ الِاعْتِكَافُ، أَمَّا مَا دُونَ الْجِمَاعِ مِنَ الْمُبَاشَرَاتِ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِالشَّهْوَةِ، فَمَكْرُوهٌ وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا لَا يَبْطُلُ بِهِ الْحَجُّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَبْطُلُ بِهَا اعْتِكَافُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ إِنْ أَنْزَلَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا كَالصَّوْمِ، وَأَمَّا اللَّمْسُ الَّذِي لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّلَذُّذُ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} يَعْنِي تِلْكَ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الصِّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ، حُدُودُ أَيْ: مَا مَنَعَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَ السُّدِّيُّ: شُرُوطُ اللَّهِ، وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: فَرَائِضُ اللَّهِ، وَأَصْلُ الْحَدِّ فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْبَوَّابِ حَدَّادٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَحُدُودُ اللَّهِ مَا مَنَعَ النَّاسَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا {فَلَا تَقْرَبُوهَا} فَلَا تَأْتُوهَا {كَذَلِكَ} هَكَذَا {يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لِكَيْ يَتَّقُوهَا فَيَنْجُوا مِنَ الْعَذَابِ. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي امْرِئِ الْقَيْسِ بن عايش لكندي ادَّعَى عَلَيْهِ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ الْحَضْرَمِيُّ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضًا أَنَّهُ غَلَبَنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ (أَلَكَ بَيِّنَةٌ) ؟ قَالَ لَا قَالَ: (فَلَكَ يَمِينُهُ) فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا إِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ) (2) فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أَيْ لَا يَأْكُلُ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أَبَاحَهُ اللَّهُ، وَأَصْلُ الْبَاطِلِ الشَّيْءُ الذَّاهِبُ، وَالْأَكْلُ بِالْبَاطِلِ أَنْوَاعٌ، قَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالنَّهْبِ وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللَّهْوِ كَالْقِمَارِ وَأُجْرَةِ الْمُغَنِّي وَنَحْوِهِمَا، وَقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرِّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أَيْ تُلْقُوا أُمُورَ تِلْكَ الْأَمْوَالِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَرْبَابِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَأَصْلُ الْإِدْلَاءِ: إِرْسَالُ الدَّلْوِ وَإِلْقَاؤُهُ فِي الْبِئْرِ يُقَالُ: أَدْلَى دَلْوَهُ إِذَا أَرْسَلَهُ، وَدَلَاهُ يَدْلُوهُ إِذَا أَخْرَجَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَجْحَدُ الْمَالَ وَيُخَاصِمُ فِيهِ إِلَى الْحَاكِمِ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ أَثِمَ بِمَنْعِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَا

_ (1) رواه البخاري: في الاعتكاف - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل 4 / 286. والمصنف في شرح السنة: 6 / 400. (2) رواه مسلم: في الإيمان - باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (139) 1 / 123.

189

تُخَاصِمْ وَأَنْتَ ظَالِمٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ أَنْ يُقِيمَ شَهَادَةَ الزُّورِ وَقَوْلُهُ {وَتُدْلُوا} فِي مَحَلِّ الْجَزْمِ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ النَّهْيِ، مَعْنَاهُ وَلَا تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَلَا تَأْكُلُوا بِالْبَاطِلِ وَتَنْسِبُونَهُ إِلَى الْحُكَّامِ، قَالَ قَتَادَةُ: لَا تُدْلِ بِمَالِ أَخِيكَ إِلَى الْحَاكِمِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ فَإِنَّ قَضَاءَهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَكَانَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي يَقُولُ: إِنِّي لَأَقْضِي لَكَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ ظَالِمًا وَلَكِنْ لَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَقْضِيَ بِمَا يَحْضُرُنِي مِنَ الْبَيِّنَةِ وَإِنَّ قَضَائِي لَا يُحِلُّ لَكَ حَرَامًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا} طَائِفَةً {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ} بِالظُّلْمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِالْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ يَقْطَعُ بِهَا مَالَ أَخِيهِ {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ قَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْهِلَالِ يَبْدُو دَقِيقًا ثُمَّ يَزِيدُ حَتَّى يَمْتَلِئَ نُورًا ثُمَّ يَعُودُ دَقِيقًا كَمَا بَدَأَ وَلَا يَكُونُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ (2) ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} وَهِيَ جَمْعُ هِلَالٍ مِثْلُ رِدَاءٍ وَأَرْدِيَةٍ سُمِّيَ هِلَالًا لِأَنَّ النَّاسَ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالذِّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِنْ قَوْلِهِمُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ إِذَا صَرَخَ حِينَ يُولَدُ وَأَهَلَّ الْقَوْمُ بِالْحَجِّ إِذَا رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} جَمْعُ مِيقَاتٍ أَيْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَوْقَاتَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالصَّوْمِ وَالْإِفْطَارِ وَآجَالَ الدُّيُونِ وَعَدَدَ النِّسَاءِ وَغَيْرَهَا، فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}

_ (1) رواه البخاري: في الأحكام - باب: موعظة الإمام للخصوم 13 / 157 وفي الشهادات. ورواه مسلم: في الأقضية - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة برقم (1713) 3 / 1337. والمصنف في شرح السنة: 10 / 110. (2) أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 490.

190

قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَدْخُلْ حَائِطًا وَلَا بَيْتًا وَلَا دَارًا مِنْ بَابِهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ نَقَبَ نَقْبًا فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ لِيَدْخُلَ مِنْهُ وَيَخْرُجَ أَوْ يَتَّخِذَ سُلَّمًا فَيَصْعَدَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ خَرَجَ مِنْ خَلْفِ الْخَيْمَةِ وَالْفُسْطَاطِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْبَابِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ وَيَرَوْنَ ذَلِكَ بِرًّا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحُمْسِ وَهُمْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ [وَخُزَاعَةُ وَثَقِيفٌ وَخَثْعَمٌ وَبَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو مُضَرَ بْنِ مُعَاوِيَةَ سُمُّوا حُمْسًا لِتَشَدُّدِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَالْحَمَاسَةُ الشِّدَّةُ وَالصَّلَابَةُ] (1) فَدَخْلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتًا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ، فَدَخْلَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ رِفَاعَةُ بْنُ التَّابُوتِ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْبَابِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِمَ دَخَلْتَ مِنَ الْبَابِ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ؟ قَالَ رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَثَرِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنِّي أَحْمَسُ" فَقَالَ الرَّجُلُ إِنْ كُنْتَ أَحْمَسِيًّا فَإِنِّي أَحْمَسِيٌّ رَضِيتُ بِهَدْيِكَ وَسَمْتِكَ وَدِينِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ نَاسٌ مَنَ الْأَنْصَارِ إِذَا أَهَّلُوا بِالْعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ فَتَبْدُو لَهُ الْحَاجَةُ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيَرْجِعُ وَلَا يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْحُجْرَةِ مِنْ أَجْلِ سَقْفِ الْبَيْتِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ فَيَفْتَحُ الْجِدَارَ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ يَقُولُ فِي حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَةً فَدَخْلَ رَجُلٌ عَلَى أَثَرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِأَنِّي رَأَيْتُكَ دَخَلْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنِّي أَحْمَسُ" فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ وَأَنَا أَحْمَسُ يَقُولُ وَأَنَا عَلَى دِينِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} (3) . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وابن عامر 28/أوَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ: والغيوب وَالْجُيُوبَ وَالْعُيُونَ وَشُيُوخًا بِكَسْرِ أَوَائِلِهِنَّ لِمَكَانِ الْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "جِيُوبِهِنَّ" بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ "الْغِيُوبَ" بِكَسْرِ الْعَيْنِ {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} أَيِ: الْبِرُّ: بِرُّ مَنِ اتَّقَى. {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} فِي حَالِ الْإِحْرَامِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) } {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَمَرَ اللَّهُ تعالى

_ (1) ساقط من نسخة (ب) . (2) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 492. وانظر تفسير الطبري 3 / 556. (3) أخرجه ابن جرير عن الزهري انظر تفسير الطبري 3 / 558.

رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً قَاتَلُوا أَوْ لَمْ يُقَاتِلُوا بِقَوْلِهِ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِهَا، وَقِيلَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ آيَةً وَقَوْلُهُ {وَلَا تَعْتَدُوا} أي لا تبدؤهم بِالْقِتَالِ وَقِيلَ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أُمِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِتَالِ الْمُقَاتِلِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا تَعْتَدُوا} أَيْ لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالرُّهْبَانَ وَلَا مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سَهْلٍ الْقُهُسْتَانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي تُرَابٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّرَسُوسِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ جَيْشًا قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، لَا تَغْلُوا وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا" (1) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ لِلْعُمْرَةِ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْحُدَيْبِيَةَ فَصَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَامَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ عَامَ قَابِلٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَخَافُوا أَنْ لَا تَفِيَ قُرَيْشٌ بِمَا قَالُوا وَأَنْ يَصُدُّوهُمْ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَكَرِهَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِتَالَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْحَرَمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يَعْنِي مُحْرِمِينَ {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} يَعْنِي قُرَيْشًا {وَلَا تَعْتَدُوا} فَتَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ مُحْرِمِينَ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}

_ (1) رواه مسلم: في الجهاد - باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ... برقم (1731) 3 / 1357. والمصنف في شرح السنة: 11 / 11.

191

{وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} قِيلَ نُسِخَتِ الْآيَةُ الْأُولَى بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَصْلُ الثَّقَافَةِ الْحِذْقُ وَالْبَصَرُ بِالْأُمُورِ، وَمَعْنَاهُ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ بَصُرْتُمْ مُقَاتَلَتَهُمْ وَتَمَكَّنْتُمْ مِنْ قَتْلِهِمْ {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا أَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ

{وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يَعْنِي شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنْ قَتْلِكُمْ إِيَّاهُمْ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: {وَلَا تَقْتُلُوهُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ} بِغَيْرِ أَلِفٍ فِيهِنَّ مِنَ الْقَتْلِ عَلَى مَعْنَى وَلَا تَقْتُلُوا بَعْضَهُمْ، تَقُولُ الْعَرَبُ: قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْأَلِفِ مِنَ الْقِتَالِ وَكَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ كَانَ لَا يَحِلُّ بِدَايَتُهُمْ بِالْقِتَالِ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ قَوْلُهُ {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أَيْ حَيْثُ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، صَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ السَّيْفِ فِي بَرَاءَةٌ فَهِيَ نَاسِخَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلَا يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ. {كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} {فَإِنِ انْتَهَوْا} عَنِ الْقِتَالِ وَالْكُفْرِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ غَفُورٌ لِمَا سَلَفَ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ {وَقَاتِلُوهُمْ} يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أَيْ شِرْكٌ يَعْنِي قَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْوَثَنِيِّ إِلَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَبَى قُتِلَ {وَيَكُونَ الدِّينُ} أي الطاعة والعبادة {لله} وحده فلا يعبد شيء دونه. قَالَ نَافِعٌ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ قَالَ: يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالَ: أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا" (9-الْحُجُرَاتِ) قَالَ يَا ابْنَ أَخِي: لَأَنْ أُعَيَّرَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أُقَاتِلَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعَيَّرَ بِالْآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا "وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا" (93-النِّسَاءِ) قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} قَالَ قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا وَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ أَوْ يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: كَيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ {فَإِنِ انْتَهَوْا} عَنِ الْكُفْرِ وَأَسْلَمُوا {فَلَا عُدْوَانَ} فَلَا سَبِيلَ {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى "أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ" (28-الْقَصَصِ) وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، أَيْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَا نَهْبَ وَلَا أَسْرَ وَلَا قَتْلَ {إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} الَّذِينَ بَقُوا عَلَى الشِّرْكِ وَمَا يُفْعَلُ بِأَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ ظُلْمًا، وَسَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى طَرِيقِ الْمُجَازَاةِ وَالْمُقَابَلَةِ، كَمَا قَالَ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" (40-الشُّورَى) وَسُمِّيَ الْكَافِرُ

194

ظَالِمًا لِأَنَّهُ يَضَعُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} نَزَلَتْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الْبَيْتِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَصَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَامَهُ ذَلِكَ وَيَرْجِعَ الْعَامَ الْقَابِلَ فَيَقْضِيَ عُمْرَتَهُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَهُ ذَلِكَ وَرَجَعَ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَقَضَى عُمْرَتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى {الشَّهْرُ الْحَرَامُ} يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ مَكَّةَ وَقَضَيْتُمْ فِيهِ عُمْرَتَكُمْ سَنَةَ سَبْعٍ {بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} يَعْنِي ذَا الْقِعْدَةِ الَّذِي صُدِدْتُمْ فِيهِ عَنِ الْبَيْتِ سَنَةَ سِتٍّ {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} جَمْعُ حُرْمَةٍ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ، وَالْقِصَاصُ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلُ مَا فَعَلَ، وَقِيلَ هَذَا فِي أَمْرِ الْقِتَالِ مَعْنَاهُ: إِنْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَقَاتِلُوهُمْ فِيهِ فَإِنَّهُ قِصَاصٌ بِمَا فَعَلُوا فِيهِ {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} وَقَاتِلُوهُمْ {بِمِثْلِ مَا اعْتُدِيَ عَلَيْكُمْ} سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ عَلَى ازْدِوَاجِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" (40-الشُّورَى) {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} 28/ب {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَرَادَ بِهِ الْجِهَادَ وَكُلَّ خَيْرٍ هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ إِطْلَاقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْجِهَادِ {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قِيلَ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {بِأَيْدِيكُمْ} زَائِدَةٌ، يُرِيدُ: وَلَا تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، أَيْ أَنْفُسَكُمْ {إِلَى التَّهْلُكَةِ} عَبَّرَ عَنِ النَّفْسِ بِالْأَيْدِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى "بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" (30-الشُّورَى) أَيْ بِمَا كَسَبْتُمْ، وَقِيلَ الْبَاءُ فِي مَوْضِعِهَا، وَفِيهِ حَذْفٌ، أَيْ لَا تُلْقُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ أَيِ الْهَلَاكِ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ كُلُّ شَيْءٍ يَصِيرُ عَاقِبَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ، أَيْ وَلَا تَأْخُذُوا فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: التَّهْلُكَةُ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْهَلَاكُ مَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَالْعَرَبُ لَا تَقُولُ لِلْإِنْسَانِ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَّا فِي الشِّرْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا فِي الْبُخْلِ وَتَرَكِ الْإِنْفَاقِ. يَقُولُ {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ حُذَيْفَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إِلَّا سَهْمٌ أَوْ مِشْقَصٌ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي لَا أَجِدُ شَيْئًا، وَقَالَ: السُّدِّيُّ بِهَا: أَنْفِقْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَوْ عِقَالًا {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وَلَا تَقُلْ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَقَالَ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْفَقْنَا أَمْوَالَنَا بَقِينَا فُقَرَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِيهَا: لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ نَفَقَةٍ فِي حَقٍّ خِيفَةُ الْعَيْلَةِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ

بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو غَسَّانَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَخْبَرَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ بَشَّارِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُضَيْفٍ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سبيل الله فسبعمائة، وَمَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا" (1) وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ رِجَالٌ يَخْرُجُونَ فِي الْبُعُوثِ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ فَإِمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فَلَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَلَا قُوتٍ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَالتَّهْلُكَةُ: أَنْ يَهْلِكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أَوْ بِالْمَشْيِ، وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ الْآيَةُ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَعَزَّ دِينَهُ وَنَصَرَ رَسُولَهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا أَهْلَنَا وَأَمْوَالَنَا حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ وَنَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَلَوْ رَجَعْنَا إِلَى أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا فَأَقَمْنَا فِيهَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فَالتَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ، فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَتُوُفِّيَ هُنَاكَ وَدُفِنَ فِي أَصْلِ سُورِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (2) .

_ (1) رواه الترمذي: في فضائل الجهاد - باب: ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله 5 / 254 وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن ربيع. في الترمذي والنسائي عن خريم بن فاتك بدون زيادة (ومن أنفق نفقة على أهله..) . أخرجه النسائي: في الجهاد - باب: فضل النفقة في سبيل الله: 6 / 49. والمصنف في شرح السنة: 10 / 359 عن خريم وإسناده صحيح. (2) رواه مسلم: في الإمارة - باب: ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) 3 / 1517. والمصنف في شرح السنة: 10 / 375.

196

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْإِلْقَاءُ إِلَى التَّهْلُكَةِ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ الرَّجُلُ يُصِيبُ الذَّنْبَ فَيَقُولُ: قَدْ هَلَكْتُ لَيْسَ لِي تَوْبَةٌ فَيَيْأَسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَمِكُ فِي الْمَعَاصِي، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (87-يُوسُفَ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَحْسِنُوا} [أَيْ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ وَأَخْلَاقَكُمْ وَتَفَضَّلُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1) ] {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قَرَأَ عَلْقَمَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ {وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَاخْتَلَفُوا فِي إِتْمَامِهِمَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُتِمَّهُمَا بِمَنَاسِكِهِمَا وَحُدُودِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ، وأَرْكَانُ الْحَجِّ خَمْسَةٌ.. الْإِحْرَامُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَحَلْقُ الرَّأْسِ أَوِ التَّقْصِيرُ. وَلِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ، وَأَسْبَابُ التَّحَلُّلِ ثَلَاثَةٌ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالْحَلْقُ، فَإِذَا وُجِدَ شَيْئَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَبِالثَّلَاثِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَبَعْدَ التحلل الأول تستبيح جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إِلَّا النِّسَاءَ، وَبَعْدَ الثَّانِي يَسْتَبِيحُ الْكُلَّ، وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحَلْقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بن جبير وطاووس: تَمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مُفْرَدَيْنِ مُسْتَأْنَفَيْنِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ، وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قَالَ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: تَمَامُ الْعُمْرَةِ أَنْ تُعْمَلَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، [فَإِنْ كَانَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] (2) ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى حَجَّ فَهِيَ مُتْعَةٌ، وَعَلَيْهِ فِيهَا الْهَدْيُ إِنْ وَجَدَهُ، أَوِ الصِّيَامُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ، وَتَمَامُ الْحَجِّ أَنْ يُؤْتَى بِمَنَاسِكِهِ كُلِّهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَ عَامِلَهُ دَمٌ بِسَبَبِ قِرَانٍ وَلَا مُتْعَةٍ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِتْمَامُهَا أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ حَلَالًا وَيَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِتْمَامُهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ لَهُمَا، وَلَا تَخْرُجَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْوَفْدُ كَثِيرٌ وَالْحَاجُّ قَلِيلٌ، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الْعُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الْحَجِّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ" وَبِهِ قال عطاء وطاووس وَقَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ وَبِهِ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) (3) وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} عَلَى مَعْنَى أَتِمُّوهُمَا إِذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا، أَمَّا ابْتِدَاءُ الشُّرُوعِ فِيهَا

_ (1) ساقط من (ب) . (2) ساقط من "أ". (3) في ب: الشعبي.

فَتَطَوُّعٌ، وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا بِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: {لَا وَأَنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} (1) وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} أي ابتدءوهما، فَإِذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا فَأَتِمُّوهُمَا فَهُوَ أَمْرٌ بِالِابْتِدَاءِ وَالْإِتْمَامِ أَيْ أَقِيمُوهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ" (187-البقرة) أي ابتدءوه وَأَتِمُّوهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةَ" (2) وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ تطوع، وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَصُورَةُ الْإِفْرَادِ أَنْ يُفْرِدَ الْحَجَّ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ منه يعتمر 29/أوَصُورَةُ التَّمَتُّعِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَيَحُجُّ فِي هَذَا الْعَامِ، وَصُورَةُ الْقِرَانِ: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا أَوْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ قَبْلَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ فَيَصِيرُ قَارِنًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ ثُمَّ التَّمَتُّعَ ثُمَّ الْقِرَانَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ

_ (1) رواه الترمذي: في الحج - باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ 3 / 679 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي تصحيحه له نظر: فإن في سنده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ولعل تصحيح الترمذي هذه الرواية لمجيئها من طرق أخرى. رواه أحمد: 3 / 316 عن جابر بن عبد الله. ورواه البيهقي: في السنن وقال: المحفوظ عن جابر موقوف كذا رواه ابن جريج وروي عن جابر بخلاف ذلك مرفوعا من حديث ابن لهيعة وكلاهما ضعيف (انظر التلخيص الحبير: 2 / 226) . (2) رواه الترمذي في الحج - باب: ما جاء في ثواب الحج العمرة 3 / 538-539 وقال: حسن صحيح غريب. ورواه النسائي: في الحج - باب: فضل المتابعة بين الحج والعمرة: 5 / 115-116. ورواه ابن ماجه: في المناسك - باب: فضل الحج والعمرة: 2 / 964 برقم (2887) . ورواه ابن خزيمة: في المناسك - باب: الأمر بالمتابعة بين الحج والعمرة 4 / 130. وأخرجه أحمد: 1 / 387، 3 / 446-447 عن عبد الله بن مسعود، وعن عامر بن ربيعة. والمصنف في شرح السنة: 7 / 7 عن عبد الله بن مسعود. وهو صحيح بشواهده.

فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، وَلَا نَعْرِفُ غَيْرَهُ وَلَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ (2) ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ (3) وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُلَاسٍ النُّمَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "لَبَّيْكَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ" (4) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلِيَتَحَلَّلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ

_ (1) رواه البخاري: في الحج - ياب التمتع والقران والإفراد بالحج 3 / 421 واللفظ له. ورواه مسلم: في الحج - باب: بيان وجوه الإحرام برقم (1211) 2 / 870. والمصنف في شرح السنة: 7 / 63. (2) جزء من حديث حجة النبي صلى الله عليه رواه مسلم في الحج - باب: حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (1218) 2 / 886. والمصنف في شرح السنة: 7 / 65. (3) رواه الترمذي: في الحج باب ما جاء في إفراد الحج 2 / 552 - 553. والدارقطن 2 / 239، وفي سنده عبد الله بن نافع الصائغ ضعيف جدا، انظر سنن الدارقطني مع التعليق 2 / 38. وأخرج مسلم في صححه في الحج باب في الإفراد في الحج عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجمع مفردا، وفي رواية ابن عون أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل بالحج مفردا 2 / 905. (4) رواه مسلم: في الحج - باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة برقم (1232) 2 / 905.

يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حُرِمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قد اختلف الرِّوَايَةُ فِي إِحْرَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرْنَا وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ كَلَامًا مُوجَزًا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِنْهُمُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَكُلٌّ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ، فَأُضِيفَ الْكُلُّ إِلَيْهِ عَلَى مَعْنَى أنه أمر به وَأَذِنَ فِيهَا وَيَجُوزُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ إِضَافَةُ (الشَّيْءِ) (2) إِلَى الْآمِرِ بِهِ، كَمَا يَجُوزُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْفَاعِلِ لَهُ كَمَا يُقَالُ بَنَى فُلَانٌ دَارًا، وَأُرِيدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَائِهَا، وَكَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ الْإِفْرَادَ لِرِوَايَةِ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَدَّمَهَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ لِتَقَدُّمِ صُحْبَةِ جَابِرٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَسَّنَ سِيَاقَهُ لِابْتِدَاءِ قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَآخِرِهَا، وَلِفَضْلِ حِفْظِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَقُرْبِ ابْنِ عُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَالَ الشَّافِعِيُّ فِي "اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ" إِلَى التَّمَتُّعِ، وَقَالَ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ ثُمَّ مَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَإِفْرَادَ الْحَجِّ وَالْقِرَانَ، وَاسِعٌ كُلُّهُ وَقَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ عَلَى مَا لَا يَعْرِفُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ أَدْرَكَ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَكُونُ مُقِيمًا عَلَى الْحَجِّ إِلَّا وَقَدِ ابْتَدَأَ إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ (3) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مُتَعَارِضَةٌ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي [حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (4) وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (5) فِي تَمَتُّعِهِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ بِمِثْلِ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا". وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمُتْعَةِ: صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ: وَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا لَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ -لَا يُنَافِي التَّمَتُّعَ لِأَنَّ

_ (1) جزء من حديث رواه البخاري في الحج - باب: من ساق البدن معه 3 / 539. ومسلم: في الحج - باب: وجوب الدم على المتمتع برقم (1227) 2 / 901. والمصنف في شرح السنة: 7 / 66-68. (2) وفي "ب" الفعل. (3) انظر: اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم: 7 / 404-409. (4) جزء من حديث ابن عمر السابق عند الشيخين. (5) ساقط من "أ".

خُرُوجَهُمْ كَانَ لِقَصْدِ الْحَجِّ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْعُمْرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَى أَنْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَهُ مُتْعَةً قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الإحْصَارِ الَّذِي يُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْمَعْنَى فِي إِحْرَامِهِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ أَوْ ضَلَالِ رَاحِلَةٍ، يُبِيحُ لَهُ التَّحَلُّلَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: لِأَنَّ الْإِحْصَارَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ حَبْسُ الْعِلَّةِ أَوِ الْمَرَضِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ يُقَالُ: مِنْهُ أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسِ عَدُوٍّ أَوْ سَجْنٍ يُقَالُ: مِنْهُ حَصَرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَإِنَّمَا جَعَلَ هَاهُنَا حَبْسَ الْعَدُوِّ إِحْصَارًا قِيَاسًا عَلَى الْمَرَضِ إِذْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ ابن عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" (1) . قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا صِدْقٌ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ إِلَّا بِحَبْسِ الْعَدُوِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وروي معناه 29/ب عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَالُوا الْحَصْرُ وَالْإِحْصَارُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: تَقُولُ الْعَرَبُ حَصَرْتُ الرَّجُلَ عَنْ حَاجَتِهِ فَهُوَ مَحْصُورٌ، وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ إِذَا مَنَعَهُ عَنِ السَّيْرِ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ ذَلِكَ حَبْسًا مِنْ جِهَةِ الْعَدُوِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الْآيَةِ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} وَالْأَمْنُ يَكُونُ مِنَ الْخَوْفِ، وَضَعَّفُوا حَدِيثَ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو بِمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا حَصْرَ إِلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلُّ بِالْكَسْرِ وَالْعَرَجِ إِذَا كَانَ قَدْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْإِحْرَامِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ كَانَتْ وَجِعَةً فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حُجِّي وَاشْتَرِطِي وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي" (2) . ثُمَّ الْمُحْصَرُ يَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَالْهَدْيُ شَاةٌ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}

_ (1) رواه أبو داود: في المناسك باب الإحصار 2 / 368 ونقل المنذري تحسينه عن الترمذي وأقره وعزاه للنسائي. والترمذي: في الحج - باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج 4 / 8 وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في المناسك - باب المحصر برقم (3077) 2 / 1028 وأحمد: 3 / 450 عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، وعزاه ابن حجر في الفتح 4 / 7 لابن السكن في كتاب الصحابة وقال: ليس بعيدا من الصحة. والدارمي: في المناسك - باب: في المحصر بعدو 2 / 61. والمصنف في شرح السنة: 7 / 288. (2) رواه مسلم: في الحج - باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه برقم (1208) 2 / 869.

وَمَحِلُّ ذَبْحِهِ حَيْثُ أُحْصِرَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَبَحَ الْهَدْيَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ بِهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ وَيَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ، وَيُوَاعِدُ مَنْ يَذْبَحُهُ هُنَاكَ ثُمَّ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي الْمُحْصَرِ إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَفِي قَوْلٍ لَا بَدَلَ لَهُ (1) فَيَتَحَلَّلُ وَالْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَهُ بَدَلٌ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ، فَفِي قَوْلٍ عَلَيْهِ صَوْمُ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ تُقَوَّمُ الشَّاةُ بِدَرَاهِمَ وَيَجْعَلُ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ، بِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِطْعَامِ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا كَمَا فِي فِدْيَةِ الطِّيبِ وَاللُّبْسِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى سَتْرِ رَأْسِهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إِلَى لُبْسِ قَمِيصٍ، أَوْ مَرَضٍ فَاحْتَاجَ إِلَى مُدَاوَاتِهِ بِدَوَاءٍ فِيهِ طِيبٌ فَعَلَ، وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَفِدْيَتُهُ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ يُقَوِّمُ الشَّاةَ بِدَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمُ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. ثُمَّ الْمُحْصَرُ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِغَرَضٍ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَذَلِكَ الْغَرَضُ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فَهَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [أَيْ فَعَلَيْهِ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْهَدْيِ] (2) وَمَحَلُّهُ رَفْعٌ وَقِيلَ: مَا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ أَيْ فَاهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ وَالْهَدْيُ جَمْعُ هَدِيَّةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَقَرُّبًا إِلَيْهِ، وَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ، قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْيُسْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَعْلَاهُ بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} اخْتَلَفُوا فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يحل المحصر يبلغ هَدْيِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ ذَبْحُهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَمَعْنَى مَحِلِّهِ: حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ وَأَكْلُهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ" "قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، فَوَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ فَاخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ حَتَّى تَنْحَرَ بَدَنَكَ وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ وَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بَدَنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ

_ (1) في "ب" لا بدل له. (2) ساقط من "أ".

يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا" (1) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَحِلُّ هَدْيِ الْمُحْصَرِ الْحَرَمُ، فَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَمَحِلُّهُ يَوْمُ النَّحْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَمَحِلُّهُ يَوْمَ يَبْلُغُ هَدْيُهُ الْحَرَمَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} مَعْنَاهُ لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرُّوا إِلَى حَلْقِهِ لِمَرَضٍ أَوْ لِأَذًى فِي الرَّأْسِ مِنْ هَوَامٍّ أَوْ صُدَاعٍ {فَفِدْيَةٌ} فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحَيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ خَلَفٍ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يُحِلُّونَ بِهَا وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزِلَ اللَّهُ الْفِدْيَةَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوَيُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} أَيْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ {أَوْ صَدَقَةٍ} أَيْ ثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ {أَوْ نُسُكٍ} وَاحِدَتُهَا نَسِيكَةٌ أَيْ ذَبِيحَةٌ، أَعْلَاهَا بَدَنَةٌ وَأَوْسَطُهَا بَقَرَةٌ وَأَدْنَاهَا شَاةٌ، أَيَّتَهَا شَاءَ ذَبْحَ، فَهَذِهِ الْفِدْيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ أَوْ يَصُومَ أَوْ يَتَصَدَّقَ، وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ طَعَامٍ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ يَكُونُ بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِلَّا هَدْيًا يَلْزَمُ الْمُحْصَرَ فَإِنَّهُ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} أَيْ من خوفكم وبرأتم مِنْ مَرَضِكُمْ {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَمَنْ أُحْصِرَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ فَقَدِمَ مَكَّةَ يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَاسْتَمْتَعَ بِإِحْلَالِهِ ذَلِكَ بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ إِلَى السَّنَةِ الْمُسْتَقْبِلَةِ ثُمَّ حَجَّ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا بِذَلِكَ الْإِحْلَالِ إِلَى إِحْرَامِهِ الثَّانِي فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} وَقَدْ حَلَلْتُمْ مِنْ إِحْرَامِكُمْ بَعْدَ الْإِحْصَارِ وَلَمْ تَقْضُوا عُمْرَةً، وَأَخَّرْتُمُ الْعُمْرَةَ إِلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، فَاعْتَمَرْتُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَلَلْتُمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِإِحْلَالِكُمْ إِلَى الْحَجِّ ثُمَّ أَحْرَمْتُمْ بِالْحَجِّ، فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ مُعْتَمِرًا مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ حَلَالًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ مِنْهَا الْحَجَّ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُسْتَمْتِعًا بِالْإِحْلَالِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فَمَعْنَى التَّمَتُّعِ هُوَ الِاسْتِمْتَاعُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْعُمْرَةِ بِمَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ إِلَى إِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ.

_ (1) رواه البخاري: في الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب 5 / 329 -333. (2) رواه البخاري في المحصر باب قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا) 4 / 12. ومسلم في الحج باب جواز حلق الرأس للمحرم برقم (1201) 2 / 860.

وَلِوُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ أربع شرائط: أحدهما أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالثَّانِي أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي مَكَّةَ وَلَا يَعُودُ إِلَى الْمِيقَاتِ لِإِحْرَامِهِ، الرَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَمَتَى وُجِدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَهُوَ دَمُ شَاةٍ يَذْبَحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَوْ ذبحها قبله بعد ما أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَدِمَاءِ الْجِنَايَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ يوم النحر 30/أكَدَمِ الْأُضْحِيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} أَيْ صُومُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَلَوْ صَامَ قَبْلَهُ بَعْدَمَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ صَوْمِ الثَّلَاثِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} أَيْ صُومُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَهْلِيكُمْ وَبَلَدِكُمْ، فَلَوْ صَامَ السَّبْعَةَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الرُّجُوعِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ذَكَرَهَا عَلَى وَجْهِ التَّأْكِيدِ وَهَذَا لِأَنَّ الْعَرَبَ مَا كَانُوا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحِسَابِ فَكَانُوا يَحْتَاجُونَ إِلَى فَضْلِ شَرْحٍ وَزِيَادَةِ بَيَانٍ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ يَعْنِي فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ فَهِيَ عَشْرَةٌ كَامِلَةٌ وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ، وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّوْمِ بَدَلَ الْهَدْيِ وَقِيلَ: كَامِلَةٌ بِشُرُوطِهَا وَحُدُودِهَا، وَقِيلَ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ أَيْ فَأَكْمِلُوهَا وَلَا تَنْقُصُوهَا {ذَلِكَ} أَيْ هَذَا الْحُكْمُ {لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} وَاخْتَلَفُوا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وبه قال طاووس مِنَ التَّابِعِينَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَهْلُ عَرَفَةَ وَالرَّجِيعِ وَضَجْنَانَ وَنَخْلَتَانِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كُلُّ مَنْ كَانَ وَطَنُهُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمْ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَقِيلَ هُمْ أَهْلُ الْمِيقَاتِ فَمَا دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَدَمُ الْقِرَانِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ وَالْمَكِّيُّ إِذَا قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، قَالَ عِكْرِمَةُ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ". فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (1) .

_ (1) رواه البخاري: في الحج باب قوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) 3 / 433.

وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَفَوَاتُهُ يَكُونُ بِفَوَاتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنْ قَابَلٍ وَالْفِدْيَةُ وَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ كَفِدْيَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَنَّادَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعَدَدَ، كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمْرُ: اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ بِالْبَيْتِ وَاسْعَوْا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَانْحَرُوا هَدْيًا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا ثُمَّ ارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَاهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ (1) . {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فِي أَدَاءِ الْأَوَامِرِ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} عَلَى ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي.

_ (1) انظر: الموطأ: 1 / 383 ووصله البيهقي: 5 / 175 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 7 / 292.

197

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَهِيَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَتِسْعٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ صَحِيحٌ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ، فَمَنْ قَالَ عَشْرٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ اللَّيَالِي وَمَنْ قَالَ تِسْعٌ عَبَّرَ بِهِ عَنِ الْأَيَّامِ، فَإِنَّ آخِرَ أَيَّامِهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعِ وَإِنَّمَا قَالَ أَشْهُرٌ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهِيَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ لِأَنَّهَا وَقْتٌ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَقْتَ تَامًّا بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَتَقُولُ الْعَرَبُ أَتَيْتُكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِنَّمَا أَتَاهُ فِي سَاعَةٍ مِنْهُ، وَيَقُولُ زُرْتُكَ الْعَامَ، وَإِنَّمَا زَارَهُ فِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى الشَّيْءِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ جَمَاعَةً جَازَ أَنْ يُسَمَّى الِاثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ جَمَاعَةً وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَقَالَ "فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا" (4-التَّحْرِيمِ) أَيْ قَلَبَاكُمَا، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ: أَرَادَ بِالْأَشْهُرِ شَوَّالًا وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ كُمَّلًا لِأَنَّهُ يَبْقَى عَلَى الْحَاجِّ أُمُورٌ بَعْدَ عَرَفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهَا، مِثْلُ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى فَكَانَتْ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أَيْ فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ

الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وطاووس وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأَشْهُرَ بِغَرَضِ الْحَجِّ فِيهَا فَلَوِ انْعَقَدَ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ، كَمَا أَنَّهُ عَلَّقَ الصَّلَوَاتِ بِالْمَوَاقِيتِ ثُمَّ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ لَا يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ عَنِ الْفَرْضِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ: فَجَمِيعُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالْحَجِّ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ فَكَانَ إِذَا حُمِّمَ رَأْسُهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ {فَلَا رَفَثٌ وَلَا فُسُوقٌ} بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّفَثِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الْجِمَاعُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالرَّبِيعِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالتَّقْبِيلُ وَالْغَمْزُ، وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ قَالَ حُصَيْنُ بْنُ قَيْسٍ أَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَنَبِ بَعِيرِهِ فَجَعَلَ يَلْوِيهِ وَهُوَ يَحْدُو وَيَقُولُ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسَا فَقُلْتُ لَهُ أَتَرْفُثُ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ إِنَّمَا الرَّفَثُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ، قَالَ طاووس: (1) الرَّفَثُ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ وَذِكْرُهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَقَالَ عَطَاءٌ: الرَّفَثُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إِذَا حَلَلْتُ أَصَبْتُكِ، وَقِيلَ: الرَّفَثُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبِيحُ، أَمَّا الْفُسُوقُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْمَعَاصِي كُلُّهَا وَهُوَ قَوْلُ طاووس وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ وَالْقُرَظِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ

_ (1) رواه ابن جرير بسند صحيح: 4 / 127.

الْإِحْرَامِ مِنْ قَتْلِ الصَّيْدِ وَتَقْلِيمِ الْأَظَافِرِ، وَأَخْذِ الْأَشْعَارِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ؛ هُوَ السِّبَابُ بِدَلِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ" (1) وَقَالَ الضَّحَّاكُ هُوَ التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ" (11-الْحُجُرَاتِ) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا آدَمُ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ أبو الحكم 30/ب قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ أَنْ يُمَارِيَ صَاحِبَهُ وَيُخَاصِمَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ أَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ الْيَوْمَ وَيَقُولَ بَعْضُهُمُ الْحَجُّ غَدًا، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ بِمِنًى قَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: حَجُّنَا أَتَمُّ مِنْ حَجِّكُمْ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ: "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ" (3) قَالُوا كَيْفَ نَجْعَلُهُ عُمْرَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَهَذَا جِدَالُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانُوا يَقِفُونَ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ مَوْقِفَهُ مَوْقِفُ إِبْرَاهِيمَ يَتَجَادَلُونَ فِيهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحُجُّ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَكُلٌّ يَقُولُ مَا فَعَلْتُهُ فَهُوَ الصَّوَابُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} أَيِ اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْحَجِّ عَلَى مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ بَعْدُ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (4) قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأُبْطِلُ النَّسِيءُ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ظَاهِرُ الْآيَةِ نَفْيٌ، وَمَعْنَاهَا نَهْيٌ، أَيْ لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا وَلَا تُجَادِلُوا، كَقَوْلِهِ

_ (1) رواه البخاري في الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله 1 / 110. ومسلم في الإيمان باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" برقم (116) 1 / 81، والمصنف في شرح السنة: 1 / 76. (2) رواه البخاري في الحج باب فضل الحج المبرور 3 / 382. ومسلم: في الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (1350) 2 / 983، والمصنف في شرح السنة: 7 / 4. (3) سبق تخريجه انظر فيما سبق ص (225) . (4) قطعة من حديث رواه البخاري في الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر 10 / 7. ومسلم: في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال برقم (1679) 3 / 1305. والمصنف في شرح السنة 7 / 216.

تَعَالَى "لَا رَيْبَ فِيهِ" أَيْ لَا تَرْتَابُوا "وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ وَيَقُولُونَ نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ نَحُجُّ بَيْتَ اللَّهِ فَلَا يُطْعِمُنَا؟ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، وَرُبَّمَا يُفْضِي بِهِمُ الْحَالُ إِلَى النَّهْبِ وَالْغَصْبِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَتَزَوَّدُوا} أَيْ مَا تَتَبَلَّغُونَ بِهِ وَتَكْفُونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: الْكَعْكُ وَالزَّبِيبُ وَالسَّوِيقُ وَالتَّمْرُ وَنَحْوُهَا {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} مِنَ السُّؤَالِ وَالنَّهْبِ {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} يَا ذَوِي الْعُقُولِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا (1) ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّا قَوْمٌ نَكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ، يَعْنِي إِلَى مَكَّةَ، فَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا حَجَّ لَنَا، فَقَالَ: أَلَسْتُمْ تُحْرِمُونَ كَمَا يُحْرِمُونَ وَتَطُوفُونَ كَمَا يَطُوفُونَ وَتَرْمُونَ كَمَا يَرْمُونَ؟ قُلْتُ بَلَى، قَالَ: أَنْتَ حَاجٌّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أَيْ حَرَجٌ {أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا} أَيْ رِزْقًا {مِنْ رَبِّكُمْ} يَعْنِي بِالتِّجَارَةِ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ {فَإِذَا أَفَضْتُمْ} دَفَعْتُمْ، وَالْإِفَاضَةُ: دَفْعٌ بِكَثْرَةٍ وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَفَاضَ الرَّجُلُ مَاءً أَيْ صَبَّهُ {مِنْ عَرَفَاتٍ} هِيَ جَمْعُ عَرَفَةَ، جَمْعٌ بِمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِمْ ثَوْبُ أَخْلَاقٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لَأَجْلِهِ سُمِّيَ الْمَوْقِفُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُرِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَنَاسِكَ وَيَقُولُ عَرَفْتَ؟ فَيَقُولُ عَرَفْتُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ عَرَفَاتٍ وَالْيَوْمُ عَرَفَةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَعَ بِالْهِنْدِ وَحَوَّاءُ بِجَدَّةَ فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ فَاجْتَمَعَا بِعَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَتَعَارَفَا فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ لَمَّا أَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَاتٍ وَنَعَتَهَا لَهُ فَخَرَجَ فَلَّمَا بَلَغَ الْجَمْرَةَ (2) عِنْدَ الْعَقَبَةِ اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَانُ لِيَرُدَّهُ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَطَارَ، فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ ذَهَبَ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَازِ، فَلَّمَا نَظَرَ إِلَيْهِ لَمْ يَعْرِفْهُ فَجَازَ فَسُمِّيَ ذَا الْمَجَازِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَعَرَفَهَا بِالنَّعْتِ فَسُمِّيَ الْوَقْتُ عَرَفَةَ وَالْمَوْضِعُ عَرَفَاتٍ حَتَّى إِذَا أَمْسَى ازْدَلَفَ إِلَى جَمْعٍ،

_ (1) أخرجه البخاري في البيوع: 4 / 321 وفي الحج 3 / 395 والمصنف في شرح السنة: 8 / 3. (2) في المخطوطتين الشجرة والصحيح الجمرة كما جاء في أكثر التفاسير كابن كثير.

أَيْ قَرُبَ إِلَى جَمْعٍ، فَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَأَى لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ابْنِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى يَوْمَهُ أَجْمَعَ أَيْ فَكَّرَ، أَمِنَ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الرُّؤْيَا أَمْ مِنَ الشَّيْطَانِ؟ فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، ثُمَّ رَأَى ذَلِكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ ثَانِيًا فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَسُمِّيَ الْيَوْمُ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ يَعْتَرِفُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِذُنُوبِهِمْ، وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ مِنَ الْعَرْفِ وَهُوَ الطِّيبُ، وَسُمِّيَ مِنًى لِأَنَّهُ يُمَنَّى فِيهِ الدَّمُ أَيْ يُصَبُّ فَيَكُونُ فِيهِ الْفُرُوثُ وَالدِّمَاءُ وَلَا يَكُونُ الْمَوْضِعُ طَيِّبًا وَعَرَفَاتٌ طَاهِرَةٌ عَنْهَا فَتَكُونُ طَيِّبَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ {عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} مَا بَيْنَ جَبَلَيِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ إِلَى الْمَحْسَرِ، وَلَيْسَ الْمَأْزِمَانِ وَلَا الْمَحْسَرُ مِنَ الْمَشْعَرِ، وَسُمِّيَ مَشْعَرًا مِنَ الشِّعَارِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ لِأَنَّهُ مِنْ مَعَالِمَ الْحَجِّ، وَأَصْلُ الْحَرَامِ: مِنَ الْمَنْعِ فَهُوَ، مَمْنُوعٌ أَنْ يُفْعَلَ فِيهِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، وَسُمِّيَ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا: لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَالْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ تَكُونُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنْ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. قَالَ طاووس كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ (1) كَيْمَا نُغِيرُ فَأَخَّرَ اللَّهُ هَذِهِ وَقَدَّمَ هَذِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" (2) . وَقَالَ جَابِرٌ: "دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنِ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (3) .

_ (1) جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الداخل منها إلى مكة. (2) رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع 3 / 519 ومسلم في الحج - باب الإفاضة في عرفات إلى مزدلفة برقم (1280) 2 / 934. (3) رواه مسلم في الحج باب حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (1218) 2 / 886. والمصنف في شرح السنة: 7 / 65.

199

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أخبرنا زهير 31/أبْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} أَيْ وَاذْكُرُوهُ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّعْظِيمِ كَمَا ذَكَرَكُمْ بِالْهِدَايَةِ فَهَدَاكُمْ لِدِينِهِ وَمَنَاسِكِ حَجِّهِ {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ، وَقِيلَ: وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ إِلَّا مِنَ الضَّالِّينَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ" (186-الشُّعَرَاءِ) أَيْ: وَمَا نَظُنُّكَ إِلَّا مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "مِنْ قَبْلِهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى الْهُدَى، وَقِيلَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كِنَايَةٌ عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ، كَانَتْ قُرَيْشٌ وَحُلَفَاؤُهَا وَمَنْ دَانَ بِدِينِهَا، وَهُمُ الْحُمْسُ، يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ، وَقُطَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نُخَلِّفُ الْحَرَمَ وَلَا نَخْرُجُ مِنْهُ، وَيَتَعَظَّمُونَ أَنْ يَقِفُوا مَعَ سَائِرِ الْعَرَبِ بِعَرَفَاتٍ، وَسَائِرُ النَّاسِ كَانُوا يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَإِذَا أَفَاضَ النَّاسُ مَنْ عَرَفَاتٍ أَفَاضَ الْحُمْسُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ وَيُفِيضُوا مِنْهَا إِلَى جَمْعٍ مَعَ سَائِرِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ سُنَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَاطَبَ بِهِ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} مِنْ جَمْعٍ أَيْ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ جَمْعٍ إِلَى مِنًى، وَقَالُوا لِأَنَّ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَاتٍ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ مِنْ جَمْعٍ، فَكَيْفَ يُسَوِّغُ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ؟ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ. وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَقِيلَ: ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَأَفِيضُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا" (17-الْبَلَدِ) وَأَمَّا النَّاسُ فَهُمُ الْعَرَبُ كُلُّهُمْ غَيْرُ الْحُمْسِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النَّاسُ هَاهُنَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ" (54-النِّسَاءِ) وَأَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ وَيُقَالُ هَذَا الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ وَيَكُونُ

_ (1) رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع 3 / 519. ومسلم في الحج باب استحباب إذا دفع الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (1281) 2 / 391 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة 7 / 185.

لِسَانَ قَوْمِهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّاسُ هَاهُنَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ دَلِيلُهُ قِرَاءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسِي بِالْيَاءِ وَيُقَالُ: هُوَ آدَمُ نَسِيَ عَهْدَ اللَّهِ حِينَ أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهُ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنَا جَالِسٌ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ (1) ، قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوِيدٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيِّ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا لِلْإِبِلِ فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ (2) ، {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} " (3) قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْ حَجِّكُمْ وَذَبَحْتُمْ نَسَائِكَكُمْ، أَيْ ذَبَائِحَكُمْ، يُقَالُ: نَسَكَ الرَّجُلُ يَنْسُكُ نُسُكًا إِذَا ذَبَحَ نَسِيكَتَهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ بِمِنًى {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ إِذَا فَرَغَتْ مِنَ الْحَجِّ وَقَفَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ فَذَكَرَتْ مَفَاخِرَ آبَائِهَا، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَقَالَ: فَاذْكُرُونِي فَأَنَا الَّذِي فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكُمْ وَبِآبَائِكُمْ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكُمْ وَإِلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: مَعْنَاهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِ الصِّبْيَانِ الصِّغَارِ الْآبَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ أَوَّلُ مَا يَتَكَلَّمُ يَلْهَجُ (4) بِذِكْرِ أَبِيهِ لَا بِذِكْرِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اللَّهَ لَا غَيْرَ كَذِكْرِ الصَّبِيِّ أَبَاهُ أَوْ أَشَدَّ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} فَقِيلَ قَدْ يَأْتِي عَلَى الرَّجُلِ الْيَوْمُ وَلَا يَذْكُرُ فِيهِ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ أَنْ تَغْضَبَ لِلَّهِ إِذَا عُصِيَ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِكَ لِوَالِدَيْكَ إِذَا شُتِمَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} يَعْنِي: وَأَشَدَّ ذِكْرًا، وَبَلْ أَشَدَّ، أَيْ وَأَكْثَرَ ذِكْرًا {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا} أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْحَجِّ إِلَّا الدُّنْيَا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا غَنَمًا وَإِبِلًا وَبَقَرًا وَعَبِيدًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَقُولُ يَارَبِّ: إِنَّ أَبِي كَانَ عَظِيمَ الْقُبَّةِ كَبِيرَ الْجَفْنَةِ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَعْطِنِي مِثْلَ مَا

_ (1) رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة 3 / 118. (2) السير السريع فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به. (3) رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالسكينة عند الإفاضة 3 / 523. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (1282) 2 / 932. (4) في: أ: يُلْهَمُ.

أَعْطَيْتَهُ، قَالَ قَتَادَةُ هَذَا عَبْدٌ نِيَّتُهُ الدُّنْيَا لَهَا أَنْفَقَ وَلَهَا عَمِلَ وَنَصَبَ {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} حَظٍّ وَنَصِيبٍ {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْحَسَنَتَيْنِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الْجَنَّةُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ أَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ وَابْنُ لَهِيعَةَ قَالَا أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الدُّنْيَا كُلُّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ" (1) وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً: الْعِلْمُ وَالْعِبَادَةُ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، الْجَنَّةُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ حِبَّانَ: {فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} رِزْقًا حَلَالًا وَعَمَلًا صَالِحًا، {وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} الْمَغْفِرَةُ وَالثَّوَابُ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي عِنْدِي مُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ (2) ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ أَحْسَنَ عِبَادَةَ، رَبِّهِ فَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ (نَفَضَ بِيَدِهِ) (3) فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ قَلَّ تُرَاثُهُ" (4) . وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الدُّنْيَا عَافِيَةً وَفِي الْآخِرَةِ عَافِيَةً. وَقَالَ عَوْفٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ وَأَهْلًا وَمَالًا فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً. أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمِشٍ

_ (1) رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (1467) 2 / 1090. والمصنف في شرح السنة 9 / 11. (2) "خفيف الحاذ" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: 14 / 246. (3) وفي (ب) نقد بيده. (4) رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه 7 / 12 وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له 2 / 1379 وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: 5 / 252-255 عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة 14 / 246. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب) .

الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُوسُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ السِّمْسَارُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيُّ الرَّازِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ فَقَالَ: "هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبَنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدنيا فقال: 31/ب سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَنْ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ فَهَلَّا قُلْتَ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (1) . أَخْبَرَنَا [أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا] (2) أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَجَّاجِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ عبد الرحمن الدعولي أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِشْكَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ الْقَدَّاحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبِيْدٍ مَوْلَى السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِيَ جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ} حَظٌّ {مِمَّا كَسَبُوا} مِنَ الْخَيْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ {وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يَعْنِي إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لَا يَحْتَاجُ إِلَى عَقْدِ يَدٍ وَلَا وَعْيِ صَدْرٍ وَلَا إِلَى رَوِيَّةٍ وَلَا فِكْرٍ. قَالَ الْحَسَنُ: أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِتْيَانُ الْقِيَامَةِ قَرِيبٌ لِأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ فَهُوَ قَرِيبٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ" (17-الشُّورَى) .

_ (1) رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (2688) 4 / 2068. (2) ساقط من "أ". (3) رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (ربنا آتنا..) 11 / 191. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة..) برقم (2690) 4 / 2070. (4) رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف 2 / 381. وأحمد: 3 / 411 عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (1001) في الحج، والحاكم: 1 / 455 ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة 7 / 128.

203

{وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ} يَعْنِي التَّكْبِيرَاتِ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ يُكَبَّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْقَاتِ {فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَرَمْيِ

الْجِمَارِ، سُمِّيَتْ مَعْدُودَاتٍ لِقِلَّتِهِنَّ كَقَوْلِهِ: "دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ" (20-يُوسُفَ) وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ آخِرُهُنَّ يَوْمُ النَّحْرِ. هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَالْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ" (1) . وَمِنَ الذِّكْرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: التَّكْبِيرُ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَرُوِيَ عَنْ عُمْرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا يُكَبِّرَانِ بِمِنًى تِلْكَ الْأَيَّامَ خَلْفَ الصَّلَاةِ وَفِي الْمَجْلِسِ وَعَلَى الْفِرَاشِ وَالْفُسْطَاطِ وَفِي الطَّرِيقِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا وَيَتَأَوَّلَانِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَالتَّكْبِيرُ أَدْبَارَ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي حَقِّ الْحَاجِّ وَغَيْرِ الْحَاجِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُبْتَدَأُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُبْتَدَأُ التَّكْبِيرُ عَقِيبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ يُبْتَدَأُ عَقِيبَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَيُخْتَتَمُ بَعْدَ الصُّبْحِ مِنْ آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ تَبَعٌ لِلْحَاجِّ وَذِكْرُ الْحَاجِّ قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ التَّلْبِيَةُ وَيَأْخُذُونَ فِي التَّكْبِيرِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَلَفْظُ التَّكْبِيرِ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ يَقُولَانِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا نَسَقًا -وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: وَمَا زَادَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُكَبِّرُ اثْنَتَيْنِ يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} أَرَادَ أَنَّ مَنْ نَفَرَ مِنَ الْحَاجِّ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الْحَاجِّ أَنْ يَبِيتَ بِمِنًى اللَّيْلَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، عِنْدَ كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَرُخِّصَ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ (2) ثُمَّ كُلُّ مَنْ رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ فَيَدَعَ الْبَيْتُوتَةَ اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ وَرَمَى يَوْمَهَا فَذَلِكَ لَهُ وَاسِعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} وَمَنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ حَتَّى يَرْمِيَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ ثُمَّ يَنْفِرَ، قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}

_ (1) رواه مسلم: في الصيام باب تحريم صوم أيام التشريق برقم (1141) 2 / 800. والمصنف في شرح السنة 6 / 351. (2) عن ابن عباس قال: استأذن العباس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (متفق عليه) . وعن عاصم بن عدي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ومالك والشافعي وابن حبان والحاكم وانظر: نيل الأوطار للشوكاني 6 / 187 و190.

204

يَعْنِي لَا إِثْمَ عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ فَنَفَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي تَعْجِيلِهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ حَتَّى يَنْفِرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} فِي تَأَخُّرِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ {فَمَنْ تَعَجَّلَ} فَقَدْ تَرَخَّصَ {فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} بِالتَّرَخُّصِ {وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} بِتَرْكِ التَّرَخُّصِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ رَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ، لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ تَعَجَّلَ أَوْ تَأَخَّرَ، كَمَا رَوَيْنَا مَنْ "حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (1) وَهَذَا قَوْلُ عَلَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِمَنِ اتَّقَى} أَيْ لِمَنِ اتَّقَى أَنْ يُصِيبَ فِي حَجِّهِ شَيْئًا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ: "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ" قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا جُعِلَتْ مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ تَعَالَى فِي حَجِّهِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ {لِمَنِ اتَّقَى} الصَّيْدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ صَيْدًا حَتَّى تَخْلُوَ (2) أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ ذَهَبَ إئمه إِنِ اتَّقَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ [ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} تُجْمَعُونَ فِي الْآخِرَةِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ] (3) . {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَاسْمُهُ أُبَيٌّ وَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ لِأَنَّهُ خَنَسَ يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ عَنْ قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَكَانَ رَجُلًا حُلْوَ الْكَلَامِ، حُلْوَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُجَالِسُهُ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَيَقُولُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَيَحْلِفُ بِاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُنَافِقًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي مَجْلِسَهُ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (4) أَيْ تَسْتَحْسِنُهُ وَيَعْظُمُ فِي قَلْبِكَ، وَيُقَالُ فِي الِاسْتِحْسَانِ أَعْجَبَنِي كَذَا وَفِي الْكَرَاهِيَةِ وَالْإِنْكَارِ عَجِبْتُ مِنْ كَذَا {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يَعْنِي قَوْلَ الْمُنَافِقِ: وَاللَّهِ إِنِّي بِكَ مُؤْمِنٌ وَلَكَ مُحِبٌّ {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} أَيْ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ، يُقَالُ لَدَدْتَ يَا هَذَا وَأَنْتَ تَلِدُّ لَدًّا وَلَدَادَةً، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّهُ غَلَبَ عَلَى خَصْمِهِ قُلْتَ: لَدَّهُ يَلِدُّهُ لَدًّا، يُقَالُ: رَجُلٌ أَلَدُّ وَامْرَأَةٌ لَدَّاءُ وَقَوْمٌ لُدٌّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا" (97-مَرْيَمَ) . قَالَ الزَّجَّاجُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ لَدِيدَيِ الْعُنُقِ وَهُمَا صَفْحَتَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: أَنَّهُ فِي أَيِّ وَجْهٍ أَخَذَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ شِمَالٍ فِي أَبْوَابِ الْخُصُومَةِ غَلَبَ،

_ (1) سبق تخريجه - انظر: ص227. (2) يعني: تنقضي. (3) ساقط من: ب. (4) انظر: الطبري: 4 / 229، أسباب النزول للواحدي ص (96) .

وَالْخِصَامُ مَصْدَرُ خَاصَمَهُ خِصَامًا وَمُخَاصَمَةً قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ جَمْعُ خَصْمٍ يُقَالُ: خَصْمٌ وَخِصَامٌ وَخُصُومٌ مِثْلُ بَحْرٍ وَبِحَارٍ وَبُحُورٍ قَالَ الْحَسَنُ: أَلَدُّ الْخِصَامِ أَيْ كَاذِبُ الْقَوْلِ، قَالَ قَتَادَةُ: شَدِيدُ الْقَسْوَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ، جَدِلٌ بِالْبَاطِلِ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْخَطِيئَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْأَلَدُّ الْخَصِمُ" (1) {وَإِذَا تَوَلَّى} أَيْ أَدْبَرَ وَأَعْرَضَ عَنْكَ {سَعَى فِي الْأَرْضِ} أَيْ عَمِلِ فِيهَا، وَقِيلَ: سَارَ فِيهَا وَمَشَى {لِيُفْسِدَ فِيهَا} قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَطَعَ الرَّحِمَ وَسَفَكَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْنَسَ (2) كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَقِيفٍ خُصُومَةٌ فَبَيَّتَهُمْ لَيْلَةً فَأَحْرَقَ زُرُوعَهُمْ وَأَهْلَكَ مَوَاشِيَهُمْ (3) قَالَ مُقَاتِلٌ: خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ مُقْتَضِيًا مَالَا لَهُ عَلَى غَرِيمٍ فَأَحْرَقَ لَهُ كُدْسًا وَعَقَرَ لَهُ أَتَانًا، وَالنَّسْلُ: نَسْلُ كُلِّ دَابَّةٍ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {وَإِذَا تَوَلَّى} أَيْ مَلَكَ الْأَمْرَ وَصَارَ وَالِيًا {سَعَى فِي الْأَرْضِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ} قَالَ إِذَا وَلِيَ فَعَمِلَ بالعدوان والظلم فأمسك اللَّهُ الْمَطَرَ وَأَهْلَكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أَيْ لَا يَرْضَى بِالْفَسَادِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: قَطْعُ الدِّرْهَمِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ. قَوْلُهُ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} أَيْ خِفِ اللَّهَ {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} أَيْ حَمَلَتْهُ الْعِزَّةُ وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِعْلِ بِالْإِثْمِ أَيْ بِالظُّلْمِ، وَالْعِزَّةُ: التَّكَبُّرُ وَالْمَنَعَةُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ {أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ} لِلْإِثْمِ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، فَأَقَامَ الْبَاءَ مَقَامَ اللَّامِ. قَوْلُهُ {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} أَيْ كَافِيهِ {وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} أَيِ الْفِرَاشُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُقَالَ: لِلْعَبْدِ اتَّقِ اللَّهَ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: اتَّقِ اللَّهَ، فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الْأَرْضِ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} أَيْ لِطَلَبِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَرِيَّةِ الرَّجِيعِ وَذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ بَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّا قَدْ أَسْلَمْنَا فَابْعَثْ إِلَيْنَا نَفَرًا مِنْ عُلَمَاءِ أَصْحَابِكَ يُعَلِّمُونَنَا دِينَكَ، وَكَانَ ذَلِكَ مَكْرًا مِنْهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَلَوِيَّ وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ

_ (1) رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم 13 / 180. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (2668) 4 / 2054. والمصنف في شرح السنة 10 / 97. (2) الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف. (3) انظر: تفسير الواحدي: 1 / 302، أسباب النزول له أيضا ص (58) .

ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةَ عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ فَسَارُوا فَنَزَلُوا بِبَطْنِ الرَّجِيعِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَعَهُمْ تَمْرُ عَجْوَةٍ فَأَكَلُوا فَمَرَّتْ عَجُوزٌ فَأَبْصَرَتِ النَّوَى فَرَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا بِمَكَّةَ وَقَالَتْ: قَدْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ أَهْلُ يَثْرِبَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَكِبَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ مَعَهُمُ الرِّمَاحُ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِمْ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ذَكَرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لَحْيَانَ فَنَفَرُوا لَهُمْ بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ فَاقْتَفَوْا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ فَقَالُوا: تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لجأوا إِلَى فَدْفَدٍ (1) فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ فَقَتَلُوا مَرْثَدًا وَخَالِدًا وَعَبْدَ اللَّهُ بْنَ طَارِقٍ، وَنَثَرَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ كِنَانَتَهُ وَفِيهَا سَبْعَةُ أَسْهُمٍ فَقَتَلَ بِكُلِّ سَهْمٍ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ صَدْرَ النَّهَارِ فَاحِمِ لَحْمِي آخِرَ النَّهَارِ، ثُمَّ أَحَاطَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ لِيَبِيعُوهُ مِنْ سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ شُهَيْدٍ وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ حِينَ أَصَابَ ابْنَهَا يَوْمَ أُحُدٍ لَئِنْ قَدَرَتْ عَلَى رَأْسِ عَاصِمٍ لَتَشْرَبَنَّ فِي قَحْفِهِ الْخَمْرَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ رِجْلًا مِنَ الدَّبْرِ (2) -وَهِيَ الزَّنَابِيرُ -فَحَمَتْ عَاصِمًا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَسُمِّيَ حَمِيَّ الدَّبْرِ فَقَالُوا دَعُوهُ حَتَّى تسمي فَتَذْهَبَ عَنْهُ فَنَأْخُذَهُ فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ وَأَمْطَرَتْ مَطَرًا كَالْعَزَالِي (3) فَبَعَثَ اللَّهُ الْوَادِيَ غَدِيرًا فَاحْتَمَلَ عَاصِمًا بِهِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَحَمَلَ خَمْسِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّارِ وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ أَعْطَى اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ الدَّبْرَ مَنَعَتْهُ يَقُولُ: عَجَبًا لَحِفْظِ اللَّهِ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ كَانَ عَاصِمٌ نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ وَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا فَمَنَعَهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ كَمَا امْتَنَعَ عَاصِمٌ فِي حَيَاتِهِ. وَأَسَرَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ، وَزَيْدَ بْنَ الدَّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا إِلَى مَكَّةَ، فَأَمَّا خُبَيْبٌ فَابْتَاعَهُ بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِيَقْتُلُوهُ بِأَبِيهِمْ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحَارِثَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَاسْتَعَارَ مِنْ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى لِيَسْتَحِدَّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ فَمَا رَاعَ الْمَرْأَةَ إِلَّا خُبَيْبٌ قَدْ أَجْلَسَ الصَّبِيَّ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَقَالَ خُبَيْبٌ: أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِنَا، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قُطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، إِنْ كَانَ إِلَّا رِزْقًا رَزَقَهُ اللَّهَ خُبَيْبًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ وَأَرَادُوا أَنْ يَصْلِبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَتَرَكُوهُ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا (4) الصَّلَاةَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَوْلَا أَنْ يَحْسَبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ احْصِهِمْ

_ (1) الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر. (2) الكثير من الدّبْر. (3) العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة. (4) كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.

عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا ... عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ ... يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَصَلَبُوهُ حَيًّا فَقَالَ اللَّهُمَّ: إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ حَوْلِي يُبَلِّغُ سَلَامِي رَسُولَكَ فَأَبْلِغْهُ سَلَامِي، ثُمَّ قَامَ أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحرث فَقَتَلَهُ. وَيُقَالُ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ سَلَامَانُ، أَبُو مَيْسَرَةَ، مَعَهُ رُمْحٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْ خُبَيْبٍ فَقَالَ لَهُ خُبَيْبٌ: اتَّقِ اللَّهَ فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا عُتُوًّا فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ} يَعْنِي سَلَامَانَ. وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ فَبَعَثَهُ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُسَمَّى نِسْطَاسَ إِلَى التَّنْعِيمِ لِيَقْتُلَهُ بِأَبِيهِ وَاجْتَمَعَ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الْآنَ بِمَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ وَإِنَّكَ فِي أَهْلِكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآنَ فِي مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ يُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ وَأَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ أَحَدًا يُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قَتَلَهُ النِّسْطَاسُ. فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْخَبَرُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ (يُنْزِلُ) (1) خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فَخَرَجَا يَمْشِيَانِ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنَانِ بِالنَّهَارِ حَتَّى أَتَيَا التنعيم ليلأ 31/ب وَإِذَا حَوْلَ الْخَشَبَةِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ نَائِمُونَ نَشَاوَى فَأَنْزَلَاهُ فَإِذَا هُوَ رَطْبٌ يَنْثَنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَدُهُ عَلَى جِرَاحَتِهِ وَهِيَ تَبِضُّ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ، فَحَمَلَهُ الزُّبَيْرُ عَلَى فَرَسِهِ وَسَارَا فَانْتَبَهَ الْكُفَّارُ وَقَدْ فَقَدُوا خُبَيْبًا فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا فَرَكِبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، فَلَمَّا لَحِقُوهُمَا قَذَفَ الزُّبَيْرُ خُبَيْبًا فَابْتَلَعَتْهُ الْأَرْضُ فَسُمِّيَ بَلِيعَ الْأَرْضِ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ثُمَّ رَفَعَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ وَقَالَ: أَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُمِّي صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمَطَّلِبِ وَصَاحِبِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ أَسَدَانِ رَابِضَانِ يُدَافِعَانِ عَنْ شِبْلَيْهِمَا فَإِنْ شِئْتُمْ نَاضَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ نَازَلْتُكُمْ وَإِنْ شِئْتُمُ انْصَرَفْتُمْ، فَانْصَرَفُوا إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِبْرِيلُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتُبَاهِي بِهَذَيْنِ مِنْ أَصْحَابِكَ فَنَزَلَ فِي الزُّبَيْرِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} حِينَ شَرَيَا أَنْفُسَهُمَا لِإِنْزَالِ خُبَيْبٍ عَنْ خَشَبَتِهِ (2) . وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ حِينَ أَخَذَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

_ (1) في أغزل. (2) انظر فتح الباري: 7 / 378 -379 وعيون الأثر لابن سيد الناس: 2 / 56-66.

فَعَذَّبُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَضُرُّكُمْ أَمِنْكُمْ كُنْتُ أَمْ مَنْ غَيْرِكُمْ فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَأْخُذُوا مَالِي وَتَذَرُونِي وَدِينِي؟ فَفَعَلُوا، وَكَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ رَاحِلَةً وَنَفَقَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتَلَقَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ فِي رِجَالٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ رَبِحَ بَيْعُكَ يَا أَبَا يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وَبَيْعُكَ فَلَا تَتَحَسَّرْ، قَالَ صُهَيْبٌ: مَا ذَاكَ؟ فَقَالَ قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ: أَقْبَلَ صُهَيْبٌ مُهَاجِرًا نَحْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ وَنَثَلَ مَا كَانَ فِي كِنَانَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَقَدْ عَلِمْتُمْ إِنِّي لَمِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا وَاللَّهِ لَا أَضَعُ سَهْمًا مِمَّا فِي كِنَانَتِي إِلَّا فِي قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَايْمُ اللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَرْمِيَ بِكُلِّ سَهْمٍ فِي كِنَانَتِي ثُمَّ أَضْرِبَ بِسَيْفِي مَا بَقِيَ فِي يَدِي ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى مَالِي بِمَكَّةَ وَخَلَّيْتُمْ سَبِيلِي قَالُوا: نَعَمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَقَالَ الْحَسَنُ: أَتَدْرُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي الْمُسْلِمِ يَلْقَى الْكَافِرَ فَيَقُولُ لَهُ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ وَحْدَهُ حَتَّى قُتِلَ. وَقِيلَ نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ يَقُومُ فَيَأْمُرُ هَذَا بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَقْبَلْ وَأَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، قَالَ وَأَنَا أَشْرِي نَفْسِي لِلَّهِ فَقَاتَلَهُ فَاقْتَتَلَ الرَّجُلَانِ لِذَلِكَ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: اقْتَتَلَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنْسَانًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} فَقَالَ عُمْرُ {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَخْبَرَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ "أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ" (2) .

_ (1) انظر: تفسير الواحدي 1 / 304، ابن كثير: 1 / 437، أسباب النزول للواحدي ص (58) طبقات ابن سعد: 3 / 227-228. (2) رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري 6 / 191. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر 6 / 395 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة) . والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر 7 / 161. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 2 / 1329. وأحمد: 3 / 19 جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - 4 / 324 عن طارق بن شهاب 5 / 251-256 عن أبي أمامة.

208

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْكِسَائِيُّ السِّلْمَ هَاهُنَا بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ" بِالْكَسْرِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، وَفِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَسْرِ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ. نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ النَّضِيرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ السَّبْتَ وَيَكْرَهُونَ لُحْمَانَ الإبل وألبانها بعد ما أَسْلَمُوا وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا فِي صَلَاتِنَا بِاللَّيْلِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (1) أَيْ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ مُجَاهِدٌ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَعْمَالِهِمْ {كَافَّةً} أَيْ جَمِيعًا، وَقِيلَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِلَى مُنْتَهَى شَرَائِعِهِ كَافِّينَ عَنِ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَصْلُ السِّلْمِ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصُّلْحِ سِلْمٌ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْإِسْلَامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ فَعَدَّ الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّوْمَ، وَالْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَالَ: قَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ. {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أَيْ آثَارَهُ فِيمَا زَيَّنَ لَكُمْ مِنْ تَحْرِيمِ السَّبْتِ وَلُحُومِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهِ {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَاهُ عُمْرُ فَقَالَ إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يَهُودَ فَتُعْجِبُنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: "أَمُتَهَوِّكُونَ (2) أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي" (3) .

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (97) . (2) التهوك كالتهور، وهو الوقوع بالأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير. (3) رواه أحمد 3 / 387 - عن جابر. وابن أبي عاصم في السنة 10 / 27، والدارمي 1 / 115، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص339 وله شواهد عند أبي يعلى بنحوه 2 / 426-427. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: 3 / 28-29. قال الهيثمي في المجمع 1 / 174 وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. والمصنف في شرح السنة 1 / 270. وحسنه الألباني فذكر له شواهد كثيرة. انظر إرواء الغليل 6 / 34-38 ظلال الجنة 1 / 27.

{فَإِنْ زَلَلْتُمْ} أَيْ ضَلَلْتُمْ، وَقِيلَ: مِلْتُمْ، يُقَالُ زَلَّتْ قَدَمُهُ تَزِلُّ زَلَّا وَزَلَلًا إِذَا دَحَضَتْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الشِّرْكَ، قَالَ قَتَادَةُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَزِلُّ زَالُّونَ مِنَ النَّاسِ فَتَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَأَوْعَدَ فِيهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} أَيِ الدَّلَالَاتُ الْوَاضِحَاتُ {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} فِي نِقْمَتِهِ {حَكِيمٌ} فِي أَمْرِهِ، فَالْعَزِيزُ: هُوَ الْغَالِبُ الَّذِي لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ وَالْحَكِيمُ: ذُو الْإِصَابَةِ فِي الْأَمْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {هَلْ يَنْظُرُونَ} أَيْ هَلْ يَنْظُرُ التَّارِكُونَ الدُّخُولَ فِي السِّلْمِ وَالْمُتَّبِعُونَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ يُقَالُ: نَظَرْتُهُ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا كَانَ النَّظَرُ مَقْرُونًا بِذِكْرِ اللَّهِ أَوْ بِذِكْرِ الْوَجْهِ أَوْ إِلَى، لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ} جَمْعُ ظُلَّةٍ {مِنَ الْغَمَامِ} السَّحَابِ الْأَبْيَضِ الرَّقِيقِ سُمِّيَ غَمَامًا لِأَنَّهُ يَغُمُّ أَيْ يَسْتُرُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ غَيْرُ السَّحَابِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تِيهِهِمْ: قَالَ مُقَاتِلٌ: كَهَيْئَةِ الضَّبَابِ أَبْيَضُ، قَالَ الْحَسَنُ: فِي سُتْرَةٍ مِنَ الْغَمَامِ فَلَا يَنْظُرُ [إِلَيْهِ] (1) أَهْلُ الْأَرْضِ {وَالْمَلَائِكَةُ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْغَمَامِ، تَقْدِيرُهُ: مَعَ الْمَلَائِكَةِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَقْبَلَ الْأَمِيرُ فِي الْعَسْكَرِ، أَيْ مَعَ الْعَسْكَرِ، وقرأ الباقون الرفع عَلَى مَعْنَى: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا شَاكَلَهَا أَنْ يُؤْمِنَ الْإِنْسَانُ بِظَاهِرِهَا وَيَكِلَ عِلْمَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ، عَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا مِنَ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ، وَكَانَ مَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقُولُونَ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ، وَالسُّكُوتُ عَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يفسره إلأ 33/أاللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} أَيْ وَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ فَصْلُ {اللَّهِ} (2) الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ بَيْنَ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ.

_ (1) في ب: إليهم. (2) زيادة من (ب) .

211

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أَيْ سَلْ يَا مُحَمَّدُ يَهُودَ الْمَدِينَةِ {كَمْ آتَيْنَاهُمْ} أَعْطَيْنَا آبَاءَهُمْ وَأَسْلَافَهُمْ {مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} دَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى نُبُوَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِثْلَ الْعَصَا وَالْيَدِ الْبَيْضَاءِ، وَفَلْقِ

212

الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهَا الدَّلَالَاتُ الَّتِي آتَاهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَمَنْ يُبَدِّلْ} يُغَيِّرْ {نِعْمَةَ اللَّهِ} كِتَابَ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَهْدُ اللَّهُ وَقِيلَ: مَنْ يُنْكِرُ الدَّلَالَةَ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) } {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُزَيِّنَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّزْيِينُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ الْحَسَنَةَ وَالْمَنَاظِرَ الْعَجِيبَةَ، فَنَظَرَ الْخَلْقُ إِلَيْهَا بِأَكْثَرِ مِنْ قَدْرِهَا فَأَعْجَبَتْهُمْ فَفُتِنُوا بِهَا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، قِيلَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِمَا بَسَطَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَيُكَذِّبُونَ بِالْمَعَادِ {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي يستهزءون بِالْفُقَرَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالَّذِينِ آمَنُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَصُهَيْبًا وَبِلَالًا وَخَبَّابًا وَأَمْثَالَهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ، كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ فِي الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَيَقُولُونَ انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَغْلِبُ بِهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ سَخِرُوا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَمْوَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ بِغَيْرِ قِتَالٍ (1) {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} لِفَقْرِهِمْ {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا} يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْفُقَرَاءَ {فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لِأَنَّهُمْ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَهُمْ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَخْبَرَنَا جَدِّي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّارُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الدَّبَرِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْمَسَاكِينَ وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ وَإِذَا أَهْلُ الْجَدِّ (2) مَحْبُوسُونَ إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِ إِلَى النَّارِ" (3) .

_ (1) انظر: الوسيط: 1 / 308، الدر المنثور: 1 / 581. (2) الغني. (3) قطعة من حديث أخرجه البخاري عن أنس: في النكاح باب رقم (87) 9 / 298، والمصنف في شرح السنة: 14 / 266.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا" (1) . {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي كَثِيرًا بِغَيْرِ مِقْدَارٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ فَهُوَ قَلِيلٌ، يُرِيدُ: يُوَسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ تَبِعَةٍ يَرْزُقُهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاسِبُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: هَذَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَعْنَاهُ: يُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيَبْسُطُ لِمَنْ يَشَاءُ وَلَا يُعْطِي كُلَّ أَحَدٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ بَلْ يُعْطِي الْكَثِيرَ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَلَا يُعْطِي الْقَلِيلَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وَلَا يُحَاسَبُ فِيمَا يَرْزُقُ وَلَا يُقَالُ لِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا وَحَرَمْتَ هَذَا؟ وَلِمَ أَعْطَيْتَ هَذَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَيْتَ ذَاكَ؟ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لا يخاف نفاذ خَزَائِنِهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى حِسَابِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِأَنَّ الْحِسَابَ مِنَ الْمُعْطِي إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يخاف من نفاذ خَزَائِنِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ آدَمَ وَحْدَهُ، كَانَ أُمَّةً وَاحِدَةً، قَالَ سُمِّيَ الْوَاحِدُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ أَصْلُ النَّسْلِ وَأَبُو الْبَشَرِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى حَوَّاءَ وَنَشَرَ مِنْهُمَا النَّاسَ فَانْتَشَرُوا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ إِلَى أَنْ قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ فَاخْتَلَفُوا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى مِلَّةِ الْكُفْرِ أَمْثَالَ الْبَهَائِمِ، فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ (2) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ النَّاسُ مِنْ وَقْتِ آدَمَ إِلَى مَبْعَثِ نُوحٍ وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَقِّ وَالْهُدَى، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي زَمَنِ نُوحٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا، فَكَانَ أَوَّلَ نَبِيٍّ بُعِثَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْدَهُ النَّبِيِّينَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ هُمْ أَهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ وَفَاةِ نُوحٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَّةً وَاحِدَةً كُفَّارًا كُلُّهُمْ فَبَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ، وَقِيلَ: كَانَ الْعَرَبُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى أَنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ. وَرُوِيَ عَنْ

_ (1) رواه البخاري: في النكاح باب الأكفاء في الدين 9 / 132. (2) يرد هذا قول قتادة وعكرمة وهو مروي عن ابن عباس موقوفا وإسناده صحيح على شرط البخاري (انظر ابن كثير: 1 / 443 تخريج الوادعي) .

214

أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ حِينَ عُرِضُوا عَلَى آدَمَ، وَأُخْرِجُوا مِنْ ظَهْرِهِ وَأَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ أُمَّةً وَاحِدَةً مُسْلِمِينَ كُلُّهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَطُّ غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ آدَمَ نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ يُونُسَ "وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فبعث الله النبيين" (19-يُونُسَ) وَجُمْلَتُهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَالرُّسُلُ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ بِاسْمِ الْعَلَمِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا {مُبَشِّرِينَ} بِالثَّوَابِ مَنْ آمَنَ وَأَطَاعَ {وَمُنْذِرِينَ} مُحَذِّرِينَ بِالْعِقَابِ مَنْ كَفَرَ وَعَصَى {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} أَيِ الْكُتُبَ، تَقْدِيرُهُ وَأَنْزَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْكِتَابَ {بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ {لِيَحْكُمَ} بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ هَاهُنَا وَفِي أَوَّلِ آلِ عِمْرَانَ وَفِي النُّورِ مَوْضِعَيْنِ لِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَحْكُمُ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا {الْحُكْمُ} (1) بِهِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْكَافِ، أَيْ لِيَحْكُمَ الْكِتَابُ ذَكَرَهُ عَلَى سِعَةِ الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" (29-الْجَاثِيَةِ) . وَقِيلَ مَعْنَاهُ لِيَحْكُمَ كُلُّ نَبِيٍّ بِكِتَابِهِ {فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} أَيْ فِي الْكِتَابِ {إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أَيْ أُعْطُوا الْكِتَابَ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} يَعْنِي أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ الْفِرَّاءُ: وَلِاخْتِلَافِهِمْ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا كُفْرُ بَعْضِهِمْ بِكِتَابِ بَعْضٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ ببعض" (150-النساء) 32/ب وَالْآخَرُ تَحْرِيفُهُمْ كِتَابَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" (46-النِّسَاءِ) وَقِيلَ الْآيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِتَابُهُ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} صِفَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُتُبِهِمْ {بَغْيًا} ظُلْمًا وَحَسَدًا {بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} أَيْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ {مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} بِعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ فِيهِمْ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَشْرِقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهَدَانَا اللَّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ فَهَدَانَا اللَّهُ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ، فَأَخَذَتِ الْيَهُودُ السَّبْتَ وَالنَّصَارَى الْأَحَدَ فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى كَانَ نَصْرَانِيًّا فَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى فَجَعَلَتْهُ الْيَهُودُ لِفِرْيَةٍ وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا وَهَدَانَا اللَّهُ لِلْحَقِّ فِيهِ {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ

_ (1) في ب: يحكم.

215

حِينَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجَهْدِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْبَرْدِ وَضِيقِ الْعَيْشِ وَأَنْوَاعِ الْأَذَى كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ" (10-الْأَحْزَابِ) وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حَرْبِ أُحُدٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ الْمَدِينَةَ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الضُّرُّ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِلَا مَالٍ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَيْدِي الْمُشْرِكِينَ وَآثَرُوا رِضَا اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَظْهَرَتِ الْيَهُودُ الْعَدَاوَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسَرَّ قَوْمٌ النِّفَاقَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ {أَمْ حَسِبْتُمْ} أَيْ: أَحَسِبْتُمْ، وَالْمِيمُ صِلَةٌ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: بَلْ حَسِبْتُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ} وَمَا صِلَةٌ {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا} شَبَّهَ الَّذِينَ مَضَوْا {مِنْ قَبْلِكُمْ} النَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ {مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ} الْفَقْرُ وَالشِّدَّةُ وَالْبَلَاءُ {وَالضَّرَّاءُ} الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ {وَزُلْزِلُوا} أَيْ حُرِّكُوا بِأَنْوَاعِ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَخُوِّفُوا {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} مَا زَالَ الْبَلَاءُ بهم حتى استبطؤوا النَّصْرَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} قَرَأَ نَافِعٌ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ بِالرَّفْعِ مَعْنَاهُ حَتَّى قَالَ الرَّسُولُ، وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي يَلِي حَتَّى فِي مَعْنَى الْمَاضِيَ وَلَفْظُهُ (لَفْظُ) (1) الْمُسْتَقْبَلِ فَلَكَ فِيهِ الْوَجْهَانِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، فَالنَّصْبُ عَلَى ظَاهِرِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ حَتَّى تَنْصِبُ الْفِعْلَ الْمُسْتَقْبَلَ، وَالرَّفْعُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمَاضِي، وَحَتَّى لَا تَعْمَلُ فِي الْمَاضِي. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) }

_ (1) زيادة من "ب".

216

{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ذَا مَالٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَاذَا نَتَصَدَّقُ وَعَلَى مَنْ نُنْفِقُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} وَفِي قَوْلِهِ {مَاذَا} وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ نَصْبًا بِقَوْلِهِ {يُنْفِقُونَ} تَقْدِيرُهُ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا بِمَا، وَمَعْنَاهُ مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ} أَيْ مِنْ مَالٍ {فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} يُجَازِيكُمْ بِهِ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: كَانَ هَذَا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ فَنُسِخَتْ بِالزَّكَاةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْجِهَادُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ

217

فَقَالَ عَطَاءٌ: الْجِهَادُ تَطَوُّعٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى" (95-النِّسَاءِ) وَلَوْ كَانَ الْقَاعِدُ تَارِكًا فَرْضًا لَمْ يَكُنْ يَعِدُهُ الْحُسْنَى، وَجَرَى بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَالَ: الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ الْخُوَارَزْمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ أُبَيٍّ الْفُرَاتِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ كُلَيْبٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ السَّعِيدِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" (1) . وَقَالَ قَوْمٌ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْجِهَادَ فُرِضَ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ مِثْلُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدِّ السَّلَامِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: كَتَبَ اللَّهُ الْجِهَادَ عَلَى النَّاسِ غَزْوًا أَوْ قُعُودًا، فَمَنْ غَزَا فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ قَعَدَ فَهُوَ عُدَّةٌ إِنِ اسْتُعِينَ بِهِ أَعَانَ وَإِنِ اسْتُنْفِرَ نَفَرَ وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ قَعَدَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أَيْ شَاقٌّ عَلَيْكُمْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: هَذَا الْكُرْهُ مِنْ حَيْثُ نُفُورُ الطَّبْعِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ، مِنْ مُؤْنَةِ الْمَالِ وَمَشَقَّةِ النَّفْسِ وَخَطَرِ الرُّوحِ، لَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ عِكْرِمَةُ، نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} يَعْنِي أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ ثُمَّ أَحَبُّوهُ فَقَالُوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لِأَنَّ فِي الْغَزْوِ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِمَّا الظَّفَرُ وَالْغَنِيمَةُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا} يَعْنِي الْقُعُودَ عَنِ الْغَزْوِ {وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} لِمَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) رواه مسلم: في الإمارة باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) 3 / 1517.

بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْتِ أَبِيهِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ وَعُكَاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّ وَعُتَبَةَ بْنَ غَزَوَانَ السُّلَمِيَّ وَأَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَسُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ وَعَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ وَوَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَالِدَ بْنَ بُكَيْرٍ وَكَتَبَ لِأَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كِتَابًا وَقَالَ لَهُ: "سِرْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَلَا تَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَسِيرَ يَوْمَيْنِ فَإِذَا نَزَلْتَ فَافْتَحِ الْكِتَابَ وَاقْرَأْهُ عَلَى أَصْحَابِكَ ثُمَّ امْضِ لِمَا أَمَرْتُكَ وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ" فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ نَزَلَ وَفَتَحَ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بَطْنَ نَخْلَةَ فَتَرْصُدَ بِهَا عِيرَ قُرَيْشٍ لَعَلَّكَ تَأْتِينَا مِنْهَا بِخَيْرٍ، فَلَمَّا نَظَرَ فِي الْكِتَابِ قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ، وَقَالَ إِنَّهُ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ فَلْيَنْطَلِقْ وَمِنْ كَرِهَ فَلْيَرْجِعْ، ثُمَّ مَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ حَتَّى كَانَ بِمَعْدِنٍ فَوْقَ الْفَرْعِ بِمَوْضِعٍ مِنَ الْحِجَازِ يُقَالُ لَهُ بَحْرَانُ أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا يَعْتَقِبَانِهِ فَتَخَلَّفَا فِي طَلَبِهِ وَمَضَى بِبَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلُوا بَطْنَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَّتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وأدما وتجارة 34/أمِنْ تِجَارَةِ الطَّائِفِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّانِ فَلَمَّا رَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَابُوهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ ذُعِرُوا مِنْكُمْ فَاحْلِقُوا رَأْسَ رَجُلٍ مِنْكُمْ وَلِيَتَعَرَّضْ لَهُمْ فَحَلَقُوا رَأْسَ عُكَاشَةَ فَوْقَ ثُمَّ أَشْرَفُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: قَوْمَ عَمَّارٍ لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، فَأَمَّنُوهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ جُمَادَى وَهُوَ مِنْ رَجَبٍ فَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ وَقَالُوا لَئِنْ تَرَكْتُمُوهُمُ اللَّيْلَةَ لِيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ وَلَيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي مُوَاقَعَةِ الْقَوْمِ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّهْمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [وَهُوَ أَوَّلُ قَتِيلٍ فِي الْهِجْرَةِ وَأَدَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى وَرَثَتِهِ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَهْدٌ، وَادَعَ أَهْلَ مَكَّةَ سَنَتَيْنِ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُمْ وَلَا يُقَاتِلُوهُ] (1) وَاسْتَأْسَرَ الْحَكَمَ وَعُثْمَانَ فَكَانَا أَوَّلَ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَفْلَتَ نَوْفَلٌ فَأَعْجَزَهُمْ، وَاسْتَاقَ الْمُؤْمِنُونَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ فَسَفَكَ فِيهِ الدِّمَاءَ وَأَخَذَ الْحَرَائِبَ وَعَيَّرَ بِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الصُّبَاةِ

_ (1) ساقط من (ب) .

218

اسْتَحْلَلْتُمُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَقَاتَلْتُمْ فِيهِ! وَبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِابْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ: مَا أَمَرْتُكُمْ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَوَقَفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا وَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَدْ قَتَلْنَا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ ثُمَّ أَمْسَيْنَا فَنَظَرْنَا إِلَى هِلَالِ رَجَبٍ فَلَا نَدْرِي أَفِي رَجَبٍ أَصَبْنَاهُ أَمْ فِي جُمَادَى؟ وَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيرَ فَعَزَلَ مِنْهَا الْخُمْسَ، فَكَانَ أَوَّلَ خُمْسٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ بَيْنَ أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، وَكَانَ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أَسِيرَيْهِمْ فَقَالَ "بَلْ نَقِفُهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ سَعْدٌ وَعُقْبَةُ وَإِنْ لَمْ يَقْدَمَا قَتَلْنَاهُمَا بِهِمَا" فَلَمَّا قَدِمَا فَادَاهُمَا، فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وَأَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، فَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا وَأَمَّا نَوْفَلٌ فَضَرَبَ بَطْنَ فَرَسِهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ لِيَدْخُلَ الْخَنْدَقَ فَوَقَعَ فِي الْخَنْدَقِ مَعَ فَرَسِهِ فَتَحَطَّمَا جَمِيعًا فَقَتَلَهُ اللَّهُ، فَطَلَبَ الْمُشْرِكُونَ جِيفَتَهُ بِالثَّمَنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوهُ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ، فَهَذَا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ} يَعْنِي رَجَبًا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ. {قِتَالٍ فِيهِ} أَيْ عَنْ قِتَالٍ فِيهِ {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} عَظِيمٌ، تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ فَصَدُّكُمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ {وَكُفْرٌ بِهِ} أَيْ كُفْرُكُمْ بِاللَّهِ {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أَيِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقِيلَ وَصَدُّكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ} أَيْ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْمَسْجِدِ {مِنْهُ أَكْبَرُ} وَأَعْظَمُ وِزْرًا {عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ} أَيِ الشِّرْكُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ {أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أَيْ مِنْ قَتْلِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ إِلَى مُؤْمِنِي مَكَّةَ إِذَا عَيَّرَكُمُ الْمُشْرِكُونَ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَيِّرُوهُمْ أَنْتُمْ بِالْكُفْرِ وَإِخْرَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ وَمَنْعِهِمُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، ثُمَّ قَالَ: {وَلَا يَزَالُونَ} يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّةَ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا مَصْدَرَ لَهُ مِثْلُ عَسَى {يُقَاتِلُونَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {حَتَّى يَرُدُّوكُمْ} يَصْرِفُوكُمْ {عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ} جَزْمٌ بِالنَّسَقِ {وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ} بَطَلَتْ {أَعْمَالُهُمْ} حَسَنَاتُهُمْ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) } قَالَ أَصْحَابُ السَّرِيَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نُؤْجَرُ عَلَى وَجْهِنَا هَذَا، وَهَلْ نَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ سَفَرُنَا هَذَا غَزْوًا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا} فَارَقُوا عَشَائِرَهُمْ وَمَنَازِلَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ {وَجَاهَدُوا} الْمُشْرِكِينَ {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} طَاعَةً

_ (1) أورده ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق 2 / 251 وما بعدها ورواه البيهقي في سننه الكبرى: 9 / 12 بسند صحيح عن الزهري عن عروة مرسلا وقد وصله هو وابن أبي حاتم من طريق سليمان التميمي عن الحضرمي عن أبي السوار عن جندب أبي عبد الله. وسنده صحيح إن كان الحضرمي هذا هو ابن لاحق، (انظر: تخريج الألباني لأحاديث فقه السيرة للغزالي ص230،231) أسباب النزول ص (99-102) .

219

لِلَّهِ، فَجَعَلَهَا جِهَادًا، {أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ} أَخْبَرَ أَنَّهُمْ عَلَى رَجَاءِ الرَّحْمَةِ {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) }

220

{فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فَإِنَّهُمَا مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمَالِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى مَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعَ آيَاتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وَهِيَ: "وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا" (67-النَّحْلِ) فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا وَهِيَ لَهُمْ حَلَالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي مَسْأَلَةِ عُمْرَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ" فَتَرَكَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ {إِثْمٌ كَبِيرٌ} وَشَرِبَهَا قَوْمٌ لِقَوْلِهِ {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} إِلَى أَنْ صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا فَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوا وَسَكِرُوا، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدَّمُوا بَعْضَهُمْ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ" هَكَذَا إِلَى آخِرِ السُّورَةِ بِحَذْفِ "لَا" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ" (43-النِّسَاءِ) فَحَرَّمَ السُّكْرَ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَرَكَهَا قَوْمٌ، وَقَالُوا لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، وَتَرَكَهَا قَوْمٌ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَشَرِبُوهَا فِي غَيْرِ حِينِ الصَّلَاةِ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَشْرَبُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَيُصْبِحُ وَقَدْ زَالَ عَنْهُ السُّكْرُ، وَيَشْرَبُ بَعْدَ صلاة الصبح فيصحوا إِذَا جَاءَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَاتَّخَذَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ صَنِيعًا وَدَعَا رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَكَانَ قَدْ شَوَى لَهُمْ رَأْسَ بَعِيرٍ، فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا الْخَمْرَ حَتَّى أَخَذَتْ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَخَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ (وَانْتَسَبُوا) (2) وَتَنَاشَدُوا الْأَشْعَارَ، فَأَنْشَدَ سَعْدٌ قَصِيدَةً فِيهَا هِجَاءٌ لِلْأَنْصَارِ وَفَخْرٌ لِقَوْمِهِ فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ لِحْيَ الْبَعِيرِ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ سَعْدٍ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً (3) فَانْطَلَقَ سَعْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَكَا إِلَيْهِ الْأَنْصَارِيَّ فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا

_ (1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 316، أسباب النزول ص (102-103) المستدرك للحاكم: 2 / 278. (2) من (ب) . (3) الشجة بالرأس تكشف العظم.

رَأْيَكَ فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: إِلَى قَوْلِهِ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} . وَذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ بِأَيَّامٍ فَقَالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْتَهَيْنَا يَا رَبِّ، قَالَ أَنَسٌ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِلْعَرَبِ عَيْشٌ أَعْجَبَ مِنْهَا وَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَشَدَّ مِنَ الْخَمْرِ (1) . [وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ الآية في 34/أسُورَةِ الْمَائِدَةِ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فَخَرَجْنَا بِالْحِبَابِ (2) إِلَى الطَّرِيقِ فَصَبَبْنَا مَا فِيهَا فَمِنَّا كَسَرَ صَبَّهُ وَمِنَّا مَنْ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَالطِّينِ، وَلَقَدْ غُودِرَتْ (3) أَزِقَّةُ الْمَدِينَةِ بَعْدَ ذَلِكَ حِينًا فَلَمَّا مُطِرَتِ اسْتَبَانَ فِيهَا لَوْنُ الْخَمْرِ وَفَاحَتْ مِنْهَا رِيحُهَا] (4) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَا كَانَ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ (5) وَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلَانًا وَفُلَانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ يَا أَنَسُ قَالَ فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلَا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ (6) . عَنْ أَنَسٍ: سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدَعُونَهَا فِي الدِّنَانِ حَتَّى تَخْتَمِرَ وَتَتَغَيَّرَ، وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى صَفَا صَفْوُهَا، وَرَسَبَ كَدَرُهَا، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَاهِيَّةِ الْخَمْرِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ أَوِ الرُّطَبِ الَّذِي اشْتَدَّ وَغَلًا مِنْ غَيْرِ عَمَلِ النَّارِ فِيهِ، وَاتَّفَقَتِ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَمْرَ نَجِسٌ يُحَدُّ شَارِبُهُ وَيَفْسُقُ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهَا، وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَتَعَدَّى هَذَا وَلَا يَحْرُمُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِمَا كَالْمُتَّخَذِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَالْفَانِيدِ (7) إِلَّا أَنْ يُسْكَرَ مِنْهُ فَيَحْرُمُ، وَقَالُوا إِذَا طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ حَتَّى ذَهَبَ نِصْفُهُ فَهُوَ حَلَالٌ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ طُبِخَ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ قَالُوا هُوَ حَلَالٌ مُبَاحٌ شُرْبُهُ إِلَّا أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ، وَيَحْتَجُّونَ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنِ ارْزُقِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الطِّلَاءِ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ. وَرَأَى أَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ شُرْبَ الطِّلَاءِ عَلَى الثُّلُثِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا طُبِخَ الْعَصِيرُ أَدْنَى طَبْخٍ صَارَ حَلَالًا وَهُوَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ كُلَّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَهُوَ خَمْرٌ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ يُحَدُّ شَارِبُهُ.

_ (1) انظر: الدر المنثور: 1 / 605،606. (2) الخابيه فارسية معربة. (3) تُرِكَتْ. (4) ساقط من (ب) . (5) شراب يتخذ من البسر. (6) رواه مسلم: في الأشربة - باب: تحريم الخمر ... برقم (1980) 3 / 1571. (7) نوع من الحلوى.

وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِتْعِ (1) فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" (2) أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (3) . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا وَلَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ" (4) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ أَنَا يَحْيَى، بْنُ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" (5) وَرَوَى الشَّعْبِيُّ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنَ الْعِنَبِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ التَّمْرِ

_ (1) نبيذ العسل. (2) رواه مالك: في الموطأ كتاب الأشربة برقم (9) ورواه البخاري: في الأشربة: باب الخمر من العسل 10 / 41. ومسلم: في الأشربة باب بيان أن كل مسكر خمر (2001) 3 / 1585. والمصنف في شرح السنة 11 / 350. (3) رواه أبو داود: في الأشربة باب النهي عن المسكر 5 / 266. والترمذي: في الأشربة - باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام 5 / 606 وقال: حديث حسن غريب. وابن حبان: في الأشربة - باب: في قليل ما أسكر كثيره رقم (1385) ص 336 موارد الظمآن. وابن ماجه: في الأشربة - باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام رقم (3393-3394) 2 / 1125. والمصنف في شرح السنة: 11 / 351. وانظر التلخيص الحبير: 4 / 73. (4) رواه البخاري: في الأشربة - باب: قوله تعالى: إنما الخمر والميسر ... 10 / 30. ومسلم: في الأشربة - باب: بيان أن كل مسكر خمر برقم (2003) 3 / 1587. والمصنف في شرح السنة: 11 / 355 وشيخ شيخه فيه: (عبد الغافر بن محمد) . (5) رواه البخاري: في الأشربة - باب: ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل ... 10 / 45. والمصنف في شرح السنة: 11 / 351.

خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْبُرِّ خَمْرًا وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا" (1) فَثَبَتَ أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَخْتَصُّ بِمَا يُتَّخَذُ مِنَ الْعِنَبِ أَوِ الرُّطَبِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنِّي وَجَدْتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ، وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ، فَجَلَدَهُ عُمْرُ الْحَدَّ تَامًّا (2) ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ فِي الطِّلَاءِ فَهُوَ فِيمَا طُبِخَ حَتَّى خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْبَاذِقِ (3) فَقَالَ سَبَقَ مُحَمَّدٌ الْبَاذَقَ فَمَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمَيْسِرِ} يَعْنِي الْقِمَارَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُخَاطِرُ الرَّجُلَ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَأَيُّهُمَا قَمَرَ صَاحِبَهُ ذَهَبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَالْمَيْسِرُ: مَفْعِلٌ مِنْ قَوْلِهِمْ يَسَرَ لِي الشَّيْءُ إِذَا وَجَبَ يَيْسِرُ يَسْرًا وَمَيْسِرًا، ثُمَّ قِيلَ لِلْقِمَارِ مَيْسِرٌ وَلِلْمُقَامِرِ يَاسِرٌ وَيَسِرٌ، وَكَانَ أَصْلُ الْمَيْسِرِ فِي الْجَزُورِ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الثَّرْوَةِ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَشْتَرُونَ جزورا فينحرونها ويجزؤونها عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ ثُمَّ يُسْهِمُونَ عَلَيْهَا بِعَشَرَةِ قِدَاحٍ يُقَالُ لَهَا الْأَزْلَامُ وَالْأَقْلَامُ، لِسَبْعَةٍ مِنْهَا أَنْصِبَاءُ وَهِيَ: الْفَذُّ وَلَهُ نَصِيبٌ وَاحِدٌ، وَالتَّوْأَمُ وَلَهُ نَصِيبَانِ، وَالرَّقِيبُ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَالْحِلْسُ وَلَهُ أَرْبَعَةٌ، وَالنَّافِسُ وَلَهُ خَمْسَةٌ، وَالْمُسْبِلُ وَلَهُ سِتَّةٌ، وَالْمُعَلَّى وَلَهُ سَبْعَةٌ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا: لَا أَنْصِبَاءَ لَهَا وَهِيَ الْمَنِيحُ وَالسَّفِيحُ وَالْوَغْدُ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ الْقِدَاحَ فِي خَرِيطَةٍ تُسَمَّى الرَّبَابَةَ وَيَضَعُونَهَا عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ عَدْلٍ عِنْدَهُمْ يُسَمَّى الْمُجِيلَ وَالْمُفِيضَ، ثُمَّ يُجِيلُهَا وَيُخْرِجُ قَدَحًا مِنْهَا بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ أَخَذَ نَصِيبَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَخْرُجُ، فَإِنْ خَرَجَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لَا أَنْصِبَاءَ لَهَا كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَيَغْرَمُ ثَمَنَ الْجَزُورِ كُلَّهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَلَا يَغْرَمُ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْقَدَحُ لَغْوًا ثُمَّ يَدْفَعُونَ ذَلِكَ الْجَزُورَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانُوا يَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ وَيَذُمُّونَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ الْبَرَمَ وَهُوَ أَصْلُ الْقِمَارِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْعَرَبُ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ أَنْوَاعُ الْقِمَارِ كُلُّهَا، قَالَ طاووس وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ

_ (1) رواه أبو داود: في الأشربة - باب: الخمر مم هي؟ 5 / 262. والترمذي: في الأشربة - باب: ما جاء في الحبوب التي تتخذ منها الخمر وفي سنده إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي وهو صدوق فيه لين. وقال الترمذي: هذا حديث غريب وللحديث شواهد وذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر كما تقدم. وأخرجه أحمد: 4 / 267 عن النعمان بن بشير. (2) رواه البخاري معلقا في الأشربة باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر في الأشربة، 10 / 62. مالك في الموطأ باب الحد في الخمر موصولا عن الزهري عن السائب بن زيد وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينه عن الزهري سمع السائب بن يزيد يقول: قام عمر على المنبر فقال: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا - فساقه. والمصنف في شرح السنة 11 / 353، وسنده صحيح. (3) ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخ فصار شديدا وهو مسكر.

قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ حَتَّى لَعِبِ الصِّبْيَانِ بِالْجَوْزِ وَالْكِعَابِ، وَرُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي النَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ أَنَّهُمَا مِنَ الْمَيْسِرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} وِزْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَقَوْلِ الْفُحْشِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ إِثْمٌ كَثِيرٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْبَاءِ فَالْإِثْمُ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" (91-الْمَائِدَةِ) {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} فَمَنْفَعَةُ الْخَمْرِ اللَّذَّةُ عِنْدَ شُرْبِهَا وَالْفَرَحُ وَاسْتِمْرَاءُ الطَّعَامِ وَمَا يُصِيبُونَ مِنَ الرِّبْحِ بِالتِّجَارَةِ فِيهَا، وَمَنْفَعَةُ الْمَيْسِرِ إِصَابَةُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا تَعَبٍ وَارْتِفَاقُ الْفُقَرَاءِ بِهِ. وَالْإِثْمُ فِيهِ أَنَّهُ إِذَا ذَهَبَ مَالُهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ سَاءَهُ ذَلِكَ فَعَادَى صَاحِبَهُ فَقَصَدَهُ بِالسُّوءِ. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} قَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِثْمُهُمَا بَعْدَ التَّحْرِيمِ أَكْبَرُ مِنْ نفعهما قبل 35/أالتَّحْرِيمِ، وَقِيلَ: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالُوا مَاذَا نُنْفِقُ؟ فَقَالَ {قُلِ الْعَفْوَ} قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو الْعَفْوَ بِالرَّفْعِ، مَعْنَاهُ: الَّذِي يُنْفِقُونَ هُوَ الْعَفْوُ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، عَلَى مَعْنَى قُلْ: أَنْفِقُوا الْعَفْوَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْعَفْوِ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ مَا فَضَلَ عَنِ الْحَاجَةِ، وَكَانَتِ الصَّحَابَةُ يَكْتَسِبُونَ الْمَالَ وَيُمْسِكُونَ قَدْرَ النَّفَقَةِ وَيَتَصَدَّقُونَ بِالْفَضْلِ بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ: التَّصَدُّقُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى حَتَّى لَا يَبْقَى كَلًّا عَلَى النَّاسِ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْكُوفِيُّ أَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" (1) وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا إِقْتَارٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا" (67-الْفَرْقَانِ) وَقَالَ طاووس: مَا يَسُرَ، وَالْعَفْوُ: الْيُسْرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى) "خُذِ الْعَفْوَ" (199-الْأَعْرَافِ) أَيِ الْمَيْسُورَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا

_ (1) رواه البخاري: في الزكاة - باب: لا صدقة إلى عن ظهر غنى 3 / 294 وفي النفقات. ومسلم: في الزكاة - باب: أن اليد العليا خير من اليد السفلى برقم (1034) 2 / 717. والمصنف في شرح السنة: 6 / 187.

الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: "أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ" قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: "أَنْتَ أَعْلَمُ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} قَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّمَا قَالَ كَذَلِكَ عَلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ يُخَاطِبُ جَمَاعَةً، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مَعْنَاهَا الْقَبِيلُ كَأَنَّهُ قَالَ: كَذَلِكَ أَيُّهَا الْقَبِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ خِطَابَهُ يَشْتَمِلُ عَلَى خِطَابِ الْأُمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ" (1-الطَّلَاقِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} قِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ النَّفَقَةِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَتَحْبِسُونَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ مَا يُصْلِحُكُمْ فِي مَعَاشِ الدُّنْيَا وَتُنْفِقُونَ الْبَاقِيَ فِيمَا يَنْفَعُكُمْ فِي الْعُقْبَى، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهَا هَكَذَا: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا فَتَزْهَدُوا فِيهَا وَفِي إِقْبَالِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا فَتَرْغَبُوا فِيهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (152-الْأَنْعَامِ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا" الْآيَةَ (10-النِّسَاءِ) تَحَرَّجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى تَحَرُّجًا شَدِيدًا حَتَّى عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى عَنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى كَانَ يُصْنَعُ لِلْيَتِيمِ طَعَامٌ فَيَفْضَلُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَتْرُكُونَهُ وَلَا يَأْكُلُونَهُ حَتَّى يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} أَيِ (الْإِصْلَاحُ لِأَمْوَالِهِمْ) (2) مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا أَخْذِ عَوِضٍ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَعْظَمُ أَجْرًا، لِمَا لَكُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ، وَخَيْرٌ لَهُمْ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَوَفُّرِ أَمْوَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَعَامِ نَفْسِهِ وَلَا يُوَسِّعُ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ} هَذِهِ إِبَاحَةُ الْمُخَالَطَةِ أَيْ وَإِنْ تُشَارِكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتَخْلِطُوهَا بِأَمْوَالِكُمْ فِي نَفَقَاتِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ وَخَدَمِكُمْ وَدَوَابِّكُمْ فَتُصِيبُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِوَضًا عَنْ قِيَامِكُمْ بِأُمُورِهِمْ وَتُكَافِئُوهُمْ عَلَى مَا تُصِيبُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ {فَإِخْوَانُكُمْ} أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَالْإِخْوَانُ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَمْوَالِ بَعْضٍ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَالرِّضَا {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ} لِأَمْوَالِهِمْ {مِنَ الْمُصْلِحِ} لَهَا يَعْنِي الَّذِي يَقْصِدُ بِالْمُخَالَطَةِ

_ (1) أخرجه أبو داد في الزكاة، باب صلة الرحم: 2 / 260، وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان. والنسائي في الزكاة، باب اليد العليا: 5 / 62. والإمام أحمد في المسند: 2 / 251، 471 عن أبي هريرة وصححه الحاكم على شرط مسلم: 1 / 415. وابن حبان في موارد الظمآن برقم (828) ، والشافعي 2 / 418،419. والبغوي في شرح السنة: 6 / 193، وانظر تعليق المحقق. ومحمد بن عجلان، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة (التقريب 2 / 190 وميزان الاعتدال 3 / 644) . (2) زيادة من (ب) .

221

الْخِيَانَةَ وَإِفْسَادَ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنَ الَّذِي يَقْصِدُ الْإِصْلَاحَ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ} أَيْ لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَمَا أَبَاحَ لَكُمْ مُخَالَطَتَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مَوْبِقًا لَكُمْ، وَأَصْلُ الْعَنَتِ الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ. وَمَعْنَاهُ: كَلَّفَكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} وَالْعَزِيزُ الَّذِي يَأْمُرُ بِعِزَّةٍ -سَهَّلَ عَلَى الْعِبَادِ أَوْ شَقَّ عَلَيْهِمْ {حَكِيمٌ} فِيمَا صَنَعَ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَتَرْكِ الْإِعْنَاتِ. {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ مِنْهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِرًّا، فَلَمَّا قَدِمَهَا سَمِعَتْ بِهِ امْرَأَةٌ مُشْرِكَةٌ يُقَالُ لَهَا عِنَاقُ، وَكَانَتْ خَلِيلَتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَتْهُ وَقَالَتْ: يَا أَبَا مَرْثَدٍ أَلَا تَخْلُو؟ فَقَالَ لَهَا وَيْحَكِ يَا عَنَاقُ إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي؟ قَالَ نَعَمْ، وَلَكِنْ أَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْتَأْمِرُهُ، فَقَالَتْ أَبِي تَتَبَرَّمُ؟ ثُمَّ اسْتَغَاثَتْ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ خَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ بِمَكَّةَ وَانْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ عَنَاقَ وَمَا لَقِيَ بِسَبَبِهَا وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} (1) . وَقِيلَ: الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ فِي حَقِّ الْكِتَابِيَّاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ" (5-الْمَائِدَةِ) فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ أَطْلَقْتُمُ اسْمَ الشِّرْكِ عَلَى مَنْ لَا يُنْكِرُ إِلَّا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ فَارِسٍ لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ الْقُرْآنُ كَلَامُ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَرَادَ بِالْمُشْرِكَاتِ الْوَثَنِيَّاتِ، فَإِنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ فُرَافِصَةَ، وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ تَحْتَهُ، وَتَزَوَّجَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَصْرَانِيَّةً، وَتَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ يَهُودِيَّةً [فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلِّ سَبِيلَهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ؟ فَقَالَ: لَا أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ] (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} بِجِمَالِهَا وَمَالِهَا، نَزَلَتْ فِي خَنْسَاءَ وَلِيدَةٍ سَوْدَاءَ، كَانَتْ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ حُذَيْفَةُ: يَا خَنْسَاءُ قَدْ ذُكِرْتِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى، عَلَى سَوَادِكِ وَدَمَامَتِكِ

_ (1) انظر: الطبري: 4 / 368، الوسيط: 1 / 320-321. (2) ساقط من (ب) .

222

فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ سَوْدَاءَ فَغَضِبَ عَلَيْهَا وَلَطَمَهَا ثُمَّ فَزِعَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا هِيَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: هِيَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتُحْسِنُ الْوُضُوءَ وَتُصَلِّي فَقَالَ: "هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأُعْتِقَنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: أَتَنْكِحُ أَمَةً؟ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ حُرَّةً مُشْرِكَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} هَذَا إِجْمَاعٌ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكِحَ الْمُشْرِكَ {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ} يعني المشركين 35/ب {يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أَيْ إِلَى الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أَيْ بِقَضَائِهِ وَإِرَادَتِهِ {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أَيْ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيهِ {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يَتَّعِظُونَ. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاشَانِيُّ أَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بن عمر اللؤلؤي أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمُ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} الْآيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ" فَقَالَتِ الْيَهُودُ مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بشير إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا فَظَنَنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا (2) .

_ (1) رواه ابن جرير الطبري عن السدي مرسلا 4 / 368 بتحقيق أحمد شاكر. (2) رواه مسلم: في الحيض - باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها ... برقم (302) 1 / 246. والمصنف في شرح السنة 2 / 125.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} أَيْ عَنِ الْحَيْضِ وَهُوَ مَصْدَرٌ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا كَالسَّيْرِ وَالْمَسِيرِ، وَأَصْلُ الْحَيْضِ الِانْفِجَارُ وَالسَّيَلَانُ وَقَوْلُهُ {قُلْ هُوَ أَذًى} أَيْ قَذَرٌ، وَالْأَذَى كُلُّ مَا يُكْرَهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} أَرَادَ بِالِاعْتِزَالِ تَرْكَ الْوَطْءِ {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ} أَيْ لَا تُجَامِعُوهُنَّ، أَمَّا الْمُلَامَسَةُ وَالْمُضَاجَعَةُ مَعَهَا فَجَائِزَةٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا قَبِيصَةُ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلَانَا جُنُبٌ وَكَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَتَّزِرَ فَيُبَاشِرَنِي وَأَنَا حَائِضٌ وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ أَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: "حِضْتُ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمِيلَةِ فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضِي فَلَبِسْتُهَا فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَفِسْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَارِثِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَكِيمٌ (3) أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَا صَدَقَةُ أَنَا وَكِيعٌ أَنَا مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ عَنِ الْمِقْدَامِ (4) بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها قَالَتْ: "كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِي وَأَتَعَرَّقُ الْعَرَقَ فَيَتَنَاوَلُهُ فَيَضَعُ فَاهُ فِي مَوْضِعِ فِي" (5) . فَوَطْءُ الْحَائِضِ حَرَامٌ، وَمَنْ فَعَلَهُ يَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيُعَزِّرُهُ الْإِمَامُ، إِنْ عَلِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ (6) إِلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمْ: قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ

_ (1) رواه البخاري في الحيض باب مباشرة الحائض 1 / 403. والمصنف في شرح السنة: 2 / 131. (2) رواه البخاري في الحيض - باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها 1 / 422. ومسلم: في الحيض - باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد برقم (296) 1 / 243. والمصنف في شرح السنة: 2 / 129. (3) في شرح السنة: محمد بن حليم - باللام. (4) في شرح السنة: المقداد بن شريح وهو خطأ. (5) رواه مسلم: في الحيض - باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها برقم (300) 1 / 245 -246. والمصنف في شرح السنة: 2 / 134. (6) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3 / 87.

أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ: "إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَنِصْفُ دِينَارٍ" (1) . وَيُرْوَى هَذَا مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَوُجُوبَهَا، وَيَمْنَعُ جَوَازَ الصَّوْمِ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ النُّفَسَاءُ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ مُعَتِّبٍ الضَّبِّيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَطْهُرُ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصِّيَامِ وَلَا يَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ" (2) . وَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَلَا الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَلَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا. أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا أبو علي اللؤلؤي أَنَا أَبُو دَاوُدَ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ أَنَا أَفْلَتُ بْنُ خليفة قال: حدثني جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ يَعْنِي: حَتَّى يَغْتَسِلْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ، فَخَفَّفَ، وَمَعْنَاهُ حَتَّى يَطْهُرْنَ مِنَ الْحَيْضِ وَيَنْقَطِعَ

_ (1) رواه الدارمي: في الوضوء - باب: من قال عليه الكفارة: 1 / 255 وانظر تحفة الأحوذي: 1 / 421-422. والمصنف في شرح السنة: 2 / 127 مع التعليق. وإسناده ضعيف لضعف عبد الكريم بن أبي المخارق (التقريب - ميزان الاعتدال) . ذكره النسائي في الضعفاء والمتروكين. (2) رواه البخاري: في الحيض - باب: لا تقضي الحائض الصلاة 1 / 421 وليس فيها تعرض لقضاء الصوم. ومسلم: في الحيض - باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة برقم (335) 1 / 265. (3) رواه أبو داود: كتاب الطهارة - باب: في الجنب يدخل المسجد: 1 / 157 قال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير وفيه زيادة، وذكر بعده حديث عائشة ... سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر ثم قال: هذا أصح، وقال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راويه مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه (انظر مختصر المنذري: 1 / 158) . والبيهقي: 2 / 442-443. وقد ضعفه الألباني وقال: وفيه جسرة بنت دجاجة، قال البخاري: وعند جسرة عجائب قال البيهقي وهذا إن صح فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب، (إرواء الغليل: 1 / 210-212) .

دَمُهُنَّ {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يَعْنِي اغْتَسَلْنَ {فَأْتُوهُنَّ} أَيْ فَجَامِعُوهُنَّ {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} أَيْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ مِنْهُ، وَهُوَ الْفَرْجُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ، وَقَالَ ابن عباس: طؤوهن فِي الْفَرْجِ وَلَا تَعْدُوهُ إِلَى غَيْرِهِ أَيِ اتَّقُوا الْأَدْبَارَ، وَقِيلَ {مِنْ} بِمَعْنَى {فِي} أَيْ فِي حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْفَرْجُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ" (9-الْجُمُعَةِ) أَيْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقِيلَ {فَأْتُوهُنَّ} الْوَجْهَ الَّذِي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَأْتُوهُنَّ وَهُوَ الطُّهْرُ، وَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: مِنْ قِبَلِ الْحَلَالِ دُونَ الْفُجُورِ، وَقِيلَ: لَا تَأْتُوهُنَّ صَائِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ: وَأْتُوهُنَّ وَغِشْيَانُهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمَّا مَنَعَهُ الْحَيْضُ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ أَوْ تَتَيَمَّمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ إِلَّا تَحْرِيمُ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا بِاللَّيْلِ وَنَوَتِ الصَّوْمَ فَوَقْعَ غُسْلُهَا بِالنَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهَا، وَالطَّلَاقُ فِي حَالِ الْحَيْضِ يَكُونُ بِدْعِيًّا، وَإِذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا يَكُونُ بِدْعِيًّا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لِأَكْثَرِ الْحَيْضِ وَهِيَ عِدَّةُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وطاووس: إِذَا غَسَلَتْ فَرْجَهَا جَازَ لِلزَّوْجِ غِشْيَانُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ أَوْ تَتَيَمَّمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ جَوَازَ وطئها بشرطين: 36/أبِانْقِطَاعِ الدَّمِ وَالْغُسْلِ، فَقَالَ {حَتَّى يَطْهُرْنَ} يَعْنِي مِنَ الْحَيْضِ {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} يَعْنِي اغْتَسَلْنَ {فَأْتُوهُنَّ} وَمَنْ قَرَأَ يَطَّهَّرْنَ بِالتَّشْدِيدِ فَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ: الْغُسْلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا" (6-الْمَائِدَةِ) أَيْ فَاغْتَسِلُوا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَبْلَ الْغُسْلِ لَا يَحِلُّ الْوَطْءُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} قَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَالْكَلْبِيُّ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يُحِبُّ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: التَّوَّابِينَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ التَّوَّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ لَا يَعُودُونَ فِيهَا وَالْمُتَطَهِّرِينَ مِنْهَا لَمْ يُصِيبُوهَا، وَالتَّوَّابُ: الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" (25-الْإِسْرَاءِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنَا ابْنُ الْمُنَادِي أَنَا يُونُسُ أَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ، قَالَ وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} يَقُولُ أَدْبِرْ وَأَقْبِلْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ (1) .

_ (1) أخرجه الترمذي: في التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب 8 / 324 والإمام أحمد عن ابن عباس 1 / 297 وعزاه المباركفوري لأبي داود وابن ماجه، انظر تحفة الأحوذي 8 / 324 وابن كثير 1 / 463. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد والنسائي وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي والضياء. انظر: الدر المنثور: 1 / 629.

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا: إِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} (1) . وَرَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَأْتُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَلَى حَرْفٍ وَذَلِكَ أَسْتَرُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذُوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَلَذَّذُونَ مِنْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنْهُمُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَذَهَبَ يَصْنَعُ بِهَا ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ إِنَّا كُنَّا نُؤْتَى عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ شِئْتَ فَاصْنَعْ ذَلِكَ وَإِلَّا فَاجْتَنِبْنِي، حَتَّى سَرَى أَمْرُهُمَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} الْآيَةَ يَعْنِي مَوْضِعَ الْوَلَدِ {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} مُقْبِلَاتٍ وَمُدْبِرَاتٍ وَمُسْتَلْقِيَاتٍ وَأَنَّى حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ يَكُونُ سُؤَالًا عَنِ الْحَالِ وَالْمَحَلِّ مَعْنَاهُ: كَيْفَ شِئْتُمْ وَحَيْثُ شِئْتُمْ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ {أَنَّى شِئْتُمْ} إِنَّمَا هُوَ الْفَرْجُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَقِيلَ {حَرْثٌ لَكُمْ} أَيْ مَزْرَعٌ لَكُمْ وَمَنْبَتٌ لِلْوَلَدِ، بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَدْبَارِ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْحَرْثِ وَالزَّرْعِ هُوَ الْقُبُلُ لَا الدُّبُرُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذَا فِي الْعَزْلِ، يَعْنِي إِنْ شِئْتُمْ فَاعْزِلُوا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْزِلُوا وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: حَرْثُكَ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِشْ، وَإِنْ شِئْتَ فَارْوِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: تُسْتَأْمَرُ الْحُرَّةُ فِي الْعَزْلِ وَلَا تُسْتَأْمَرُ الْجَارِيَةُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَكَرِهَ جَمَاعَةٌ الْعَزْلَ وَقَالُوا: هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ، وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كُنْتُ أَمْسِكُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ الْمُصْحَفَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فَقَالَ أَتَدْرِي فِيمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قُلْتُ لَا قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (2) . وَيُحْكَى عَنْ مَالِكٍ إِبَاحَةُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَقِيَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عُمَرَ مَا حَدِيثٌ يُحَدِّثُ نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا بِإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ فَقَالَ: كَذَبَ الْعَبْدُ وَأَخْطَأَ، إِنَّمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُؤْتَوْنَ فِي فُرُوجِهِنَّ مِنْ أَدْبَارِهِنَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَدْبَارِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَطِيبِ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا عُمَرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي

_ (1) رواه البخاري: في التفسير: سورة البقرة - باب: نساؤكم حرث لكم 8 / 189. ومسلم: في النكاح - باب: جواز مجامعة امرأته في قبلها من قدامها...... برقم (1435) 2 / 1058. والمصنف في شرح السنة: 6 / 105. (2) عزاه السيوطي للدارقطني في غرائب مالك. انظر: الدر المنثور: 1 / 636.

أَدْبَارِهِنَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِي أَيِّ الْخُرْمَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الْخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي أَيِّ الْخُصْفَتَيْنِ أَمِنَ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَوْ مِنْ دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا فَلَا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ" (1) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ النَّهَاوَنْدِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَانَ أَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} قَالَ عَطَاءٌ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الْجِمَاعِ قَالَ مُجَاهِدٌ {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} يَعْنِي إِذَا أَتَى أَهْلَهُ فَلْيَدْعُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا" (3) . وَقِيلَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ يَعْنِي: طَلَبَ الْوَلَدِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ" (4) وَقِيلَ: هُوَ التَّزَوُّجُ بِالْعَفَافِ لِيَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ

_ (1) مسند الشافعي: 2 / 360. وابن حبان: (1299) وصححه. وأحمد: 5 / 213 عن خزيمة بلفظ "فإن الله لا يستحي من الحق.." الطحاوي: 2 / 25 وسنده صحيح (انظر الفتح: 8 / 143) . (2) رواه أبو داود: في النكاح - باب جامع في النكاح: 3 / 77. وابن ماجه: في النكاح - باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن برقم (1923) 2 / 619. بلفظ: لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها، وقال في الزوائد: إسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 106. (3) رواه البخاري: في النكاح - باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله: 9 / 28. ومسلم: في النكاح باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع برقم (1434) 2 / 1058. (4) رواه مسلم: في الوصية - باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته برقم (1631) 3 / 1255. والمصنف في شرح السنة: 1 / 300.

224

لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (1) وَقِيلَ مَعْنَى الْآيَةِ تَقْدِيمُ الْأَفْرَاطِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابن شهاب 36/ب عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" (2) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ يَعْنِي الْخَيْرَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} صَائِرُونَ إِلَيْهِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) }

_ (1) رواه البخاري: في النكاح - باب الأكفاء في الدين: 9 / 131. ومسلم: في النكاح - باب: استحباب نكاح ذات الدين برقم (1466) 2 / 1086. والمصنف في شرح السنة: 9 / 8. (2) رواه البخاري: في الأيمان والنذور - باب: قول الله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم: 11 / 541. ومسلم: في البر والصلة والآداب - باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه برقم (2632) 4 / 2028. والمصنف في شرح السنة: 5 / 450.

225

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَتَنِهِ عَلَى أُخْتِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيِّ شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلِّمَهُ وَلَا يُصْلِحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ فِيهِ قَالَ: قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَلَا يَحِلُّ لِي إِلَّا أَنْ تَبِرَّ بِيَمِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يُنْفِقَ عَلَى مِسْطَحٍ حِينَ خَاضَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ (2) ، وَالْعُرْضَةُ: أَصْلُهَا الشِّدَّةُ وَالْقُوَّةُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّابَّةِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ عُرْضَةٌ، لِقُوَّتِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مَا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ هُوَ عُرْضَةٌ لَهُ حَتَّى قَالُوا لِلْمَرْأَةِ هِيَ عُرْضَةُ النِّكَاحِ إِذَا صَلَحَتْ لَهُ وَالْعُرْضَةُ كُلُّ مَا يَعْتَرِضُ فَيَمْنَعُ عَنِ الشَّيْءِ وَمَعْنَى الْآيَةِ {لَا تَجْعَلُوا} الْحَلِفَ بِاللَّهِ سَبَبًا مَانِعًا لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى يُدْعَى أَحَدُكُمْ إِلَى صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ بِرٍّ فَيَقُولُ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَهُ، فَيَعْتَلُّ بِيَمِينِهِ فِي تَرْكِ الْبِرِّ {أَنْ تَبَرُّوا} مَعْنَاهُ أَنْ لَا تَبِرُّوا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا" (176-النِّسَاءِ) أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا {وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

_ (1) انظر: أسباب النزول ص (110) ، الوسيط: 1 / 324. (2) أخرجه الطبري: 4 / 423.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} اللَّغْوُ كُلُّ مُطْرَحٍ مِنَ الْكَلَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي اللَّغْوِ فِي الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ مَا يَسْبِقُ إِلَى اللِّسَانِ عَلَى عَجَلَةٍ لِصِلَةِ الْكَلَامِ، مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَقَصْدٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَكَلَّا وَاللَّهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: لَغْوُ الْيَمِينِ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ (2) وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ: أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَتْ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَنْ شَيْءٍ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَمَكْحُولٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالُوا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَلَيٌّ: هُوَ الْيَمِينُ عَلَى الْغَضَبِ، وَبِهِ قَالَ طاووس وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِالْحِنْثِ فِيهَا، بَلْ يَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَيُكَفِّرُ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؟ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَفَّارَتُهُ أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا وَكُلُّ يَمِينٍ لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفِيَ بِهَا فَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَلَوْ أَمَرْتُهُ بِالْكَفَّارَةِ لَأَمَرْتُهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَى قَوْلِهِ وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ دُعَاءُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ تَقُولُ لِإِنْسَانٍ أَعْمَى اللَّهُ بَصَرِي إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا [أَخْرَجَنِي اللَّهُ مِنْ مَالِي إِنْ لَمْ آتِكَ غَدًا، وَيَقُولُ: هُوَ كَافِرٌ إِنْ فَعَلَ كَذَا] (3) . فَهَذَا كُلُّهُ لَغْوٌ لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِهِ وَلَوْ آخَذَهُمْ بِهِ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ "وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ" (11-يُونُسَ) ، وَقَالَ "وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ" (11-الْإِسْرَاءِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} أَيْ عَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَسَبَ الْقَلْبُ الْعَقْدَ وَالنِّيَّةَ {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاللَّهِ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ: فَالْيَمِينُ بِاللَّهِ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، وَالَّذِي أُصَلِّي لَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْيَمِينُ بِأَسْمَائِهِ كَقَوْلِهِ وَاللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَنَحْوَهُ، وَالْيَمِينُ بِصِفَاتِهِ كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ

_ (1) رواه مسلم: في الإيمان - باب: ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها برقم (1649) 3 / 2272. (2) رواه أبو داود: في الإيمان - باب: لغو اليمين 4 / 359 وقال المنذري (وذكر أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفا) . انظر: الزيلعي في نصب الراية: 3 / 293. (3) ساقط من (أ) .

226

وَنَحْوَهَا، فَإِذَا حَلَفَ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَحَنِثَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَإِذَا حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ أَنَّهُ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ كَانَ، إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهِ حَالَةَ مَا حَلَفَ فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَلَا تَجِبُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالُوا إِنْ كَانَ عَالِمًا فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَلَا كَفَّارَةَ لَهَا كَمَا فِي سَائِرِ الْكَبَائِرِ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَهُوَ يَمِينُ اللَّغْوِ عِنْدَهُمْ وَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ مِثْلَ أَنْ قَالَ: وَالْكَعْبَةِ وَبَيْتِ اللَّهِ وَنَبِيِّ اللَّهِ، أَوْ حَلَفَ بِأَبِيهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِذَا حَلَفَ، وَهُوَ يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" (1) . {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} يُؤْلُونَ أَيْ يَحْلِفُونَ، وَالْأَلْيَةُ: الْيَمِينُ وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْإِيلَاءُ طَلَاقًا لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ ضِرَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ لَا يُحِبُّ امْرَأَتَهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا أَبَدًا، فَيَتْرُكُهَا لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ، وَكَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَضَرَبَ اللَّهُ لَهُ أَجَلًا فِي الْإِسْلَامِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَ زَوْجَتَهُ أَبَدًا أَوْ سَمَّى مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يَكُونُ مُولِيًا، فلا يتعرض له قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَبَعْدَ مُضِيِّهَا يُوقَفُ وَيُؤْمَرُ

_ (1) رواه البخاري: في الأيمان - باب: لا تحلفوا بآبائكم 11 / 530. ومسلم: في الأيمان والنذور - باب: النهي عن الحلف بغير الله برقم (1646) 3 / 1266. وزاد عمر قال: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عله وسلم نهى عنها ذاكرا ولا أثرا، انظر شرح السنة للمصنف حول الحلف واليمين 10 / 3-8.

بِالْفَيْءِ أَوْ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ مُطَالَبَةِ الْمَرْأَةِ، وَالْفَيْءُ هُوَ الرُّجُوعُ عَمَّا قَالَهُ بِالْوَطْءِ، إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَبِالْقَوْلِ، فإن لم يفء ولم يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ وَاحِدَةً، وَذَهَبَ إِلَى الْوُقُوفِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ عُمْرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عُمَرَ، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَقُولُ بِوَقْفِ الْمُولِي. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَمُجَاهِدٌ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَقَعُ عَلَيْهَا طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيُّ: تَقَعُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا، بَلْ هُوَ حَالِفٌ، فَإِذَا وَطِئَهَا قَبْلَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْوَقْفِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُدَّةِ شَرْطٌ لِلْوَقْفِ وَثُبُوتِ الْمُطَالَبَةِ بِالْفَيْءِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ مَضَتِ الْمُدَّةُ. وَعِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوَقْفِ يَكُونُ مُولِيًا، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ. وَمُدَّةُ الْإِيلَاءِ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهَا ضُرِبَتْ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إِلَى الطَّبْعِ، وَهُوَ قِلَّةُ صَبْرِ الْمَرْأَةِ عَنِ الزَّوْجِ، فَيَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَتَنَصَّفُ مُدَّةُ الْعُنَّةِ بِالرِّقِّ، غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَتَنَصَّفُ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ بِرِقِّ الزَّوْجِ، كَمَا قَالَا فِي الطَّلَاقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أَيِ انْتِظَارُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالتَّرَبُّصُ: التَّثَبُّتُ وَالتَّوَقُّفُ {فَإِنْ فَاءُوا} رَجَعُوا عَنِ الْيَمِينِ بِالْوَطْءِ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَإِذَا وَطِئَ خَرَجَ عَنِ الْإِيلَاءِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ بِالْمَغْفِرَةِ فَقَالَ {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فِي إِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ لَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ قَرَّبْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ صِرْتِ طَالِقًا، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ فَهُوَ مُولٍ لِأَنَّ الْمُولِيَ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرٌ بِالْوَطْءِ، وَيُوقَفُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ فَإِنْ فَاءَ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوِ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِهِ، وَإِنِ الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ تَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يَلْزَمُهُ مَا الْتُزِمَ فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْإِعْتَاقِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ} أَيْ حَقَّقُوهُ بِالْإِيقَاعِ {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} {عَلِيمٌ} بِنِيَّاتِهِمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا زَوْجُهَا، لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الْعَزْمَ، وَقَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي مَسْمُوعًا وَالْقَوْلُ هُوَ الَّذِي يُسْمَعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} أَيِ الْمُخَلَّيَاتُ مِنْ حِبَالِ أَزْوَاجِهِنَّ {يَتَرَبَّصْنَ} يَنْتَظِرْنَ {بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فَلَا يَتَزَوَّجْنَ، وَالْقُرُوءُ: جَمْعُ قَرْءٍ، مِثْلُ فَرْعٍ، وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ أَقْرُؤٌ وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ أَقْرَاءٌ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ

الْعِلْمِ فِي الْقُرُوءِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وأصحاب الرأي 37/أوَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ "دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ" (1) وَإِنَّمَا تَدَعُ الْمَرْأَةُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا الْأَطْهَارُ وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" (2) . فَأَخْبَرَ أَنَّ زَمَانَ الْعِدَّةِ هُوَ الطُّهْرُ، وَمِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: فَفِي كُلِّ عَامٍ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ ... تَشُدُّ لِأَقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا مُوَرِّثَةٍ مَالًا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا وَأَرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْغَزْوِ وَلَمْ يَغْشَ نِسَاءَهُ فَتَضِيعُ أَقْرَاؤُهُنَّ وَإِنَّمَا تُضَيَّعُ بِالسَّفَرِ زَمَانَ الطُّهْرِ لَا زَمَانَ الْحَيْضَةِ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ إِذَا شَرَعَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا أَطْهَارًا وَتَحْسِبُ بَقِيَّةَ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ قَرْءًا، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إِذَا طَعَنَتِ الْمُطَلَّقَةُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْحَيْضُ يَقُولُ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ مِنْ حَيْثُ أَنَّ اسْمَ الْقُرْءِ يَقَعُ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا، يُقَالُ أَقْرَأَتِ الْمَرْأَةُ: إِذَا حَاضَتْ وَأَقْرَأَتْ: إِذَا طَهُرَتْ، فَهِيَ مَقْرِئٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهِ فَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هُوَ الْوَقْتُ لِمَجِيءِ الشَّيْءِ وَذَهَابِهِ، يُقَالُ: رَجَعَ فُلَانٌ لِقُرْئِهِ وَلِقَارِئِهِ أَيْ لِوَقْتِهِ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهِ وَهَذَا قَارِئُ الرِّيَاحِ أَيْ وَقْتُ هُبُوبِهَا، قَالَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُذَلِيُّ: كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ ... إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ أَيْ لِوَقْتِهَا، وَالْقَرْءُ يَصْلُحُ لِلْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْحَيْضَ يَأْتِي لِوَقْتٍ، وَالطُّهْرُ مِثْلُهُ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْقَرْأِ وَهُوَ الْحَبْسُ وَالْجَمْعُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا قَرَأَتِ النَّاقَةَ سَلًّا قَطُّ أَيْ لَمْ تَضُمَّ رَحِمُهَا عَلَى وَلَدٍ وَمِنْهُ قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْمِقْرَاةِ وَهِيَ الْحَوْضُ أَيْ جَمَعْتُهُ، بِتَرْكِ هَمْزِهَا، فَالْقَرْءُ هَاهُنَا احْتِبَاسُ الدَّمِ وَاجْتِمَاعُهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّرْجِيحُ

_ (1) رواه أبو داود: في الطهارة - باب: من قال تغتسل من طهر إلى طهر 1 / 191. والترمذي: في الطهارة - باب: ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة 1 / 393. وابن ماجه: في الطهارة - باب: ما جاء في المستحاضة 1 / 204. والدارقطني: في الحيض - 1 / 212 وانظر نصب الراية: 1 / 202-204. (2) رواه البخاري في الطلاق - باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها برقم: (1471) 3 / 1093. والمصنف في شرح السنة: 9 / 202-203.

فِيهِ لِلطُّهْرِ لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الدَّمَ وَيَجْمَعُهُ، وَالْحَيْضُ يُرْخِيهِ وَيُرْسِلُهُ، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِي الْعِدَدِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، سَوَاءٌ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْمَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" (4-الطَّلَاقِ) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا نَظَرَ: إِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِمَوْتِ الزَّوْجِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، سَوَاءٌ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ تَحِيضُ، أَوْ لَا تَحِيضُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (234-الْبَقَرَةِ) وَإِنْ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحَيَاةِ نَظَرَ فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا" (49-الْأَحْزَابِ) . وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ نَظَرَ: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ أَوْ بَلَغَتْ فِي الْكِبَرِ سِنَّ الْآيِسَاتِ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" (4-الطَّلَاقِ) . وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} وَقَوْلُهُ {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، وَعِدَّةُ الْأَمَةِ إِنْ كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ كَالْحُرَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَفِي الْوَفَاةِ عِدَّتُهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، وَفِي الطَّلَاقِ، إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ فَعِدَّتُهَا قَرْءَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَشَهْرٌ وَنِصْفٌ: وَقِيلَ شَهْرَانِ كَالْقُرْأَيْنِ فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ طَلْقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ بِحَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرًا وَنِصْفًا. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} قَالَ عِكْرِمَةُ: يَعْنِي الْحَيْضَ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلَ مُرَاجَعَتَهَا فَتَقُولُ: قَدْ حِضْتُ الثَّالِثَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي الْحَمْلَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ كِتْمَانُ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي رَحِمِهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ لِتُبْطِلَ حَقَّ الزَّوْجِ مِنَ الرَّجْعَةِ وَالْوَلَدِ {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنَاتِ وَإِنْ كَانَتِ الْمُؤْمِنَةُ وَالْكَافِرَةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءً كَمَا تَقُولُ، أَدِّ حَقِّي إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا، يَعْنِي أَدَاءَ الْحُقُوقِ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ. {وَبُعُولَتُهُنَّ} يَعْنِي أَزْوَاجَهُنَّ جَمْعُ بَعْلٍ، كَالْفُحُولَةِ جَمْعُ فَحْلٍ، سُمِّيَ الزَّوْجُ بَعْلًا لِقِيَامِهِ بِأُمُورِ زَوْجَتِهِ وَأَصْلُ الْبَعْلِ السَّيِّدُ وَالْمَالِكُ {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} أَوْلَى بِرَجْعَتِهِنَّ إِلَيْهِمْ {فِي ذَلِكَ} أَيْ إِنْ أَرَادُوا بِالرَّجْعَةِ الصَّلَاحَ وَحَسُنَ الْعِشْرَةِ لَا الْإِضْرَارَ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا قَرُبَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا، رَاجَعَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا مُدَّةً، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ إِذَا قَرُبَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ طَلَّقَهَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ تَطْوِيلَ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا {وَلَهُنَّ} أَيْ لِلنِّسَاءِ عَلَى الْأَزْوَاجِ مِثْلُ

الَّذِي عَلَيْهِنَّ لِلْأَزْوَاجِ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَاهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِامْرَأَتِي كَمَا تُحِبُّ امْرَأَتِي أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ طَرَفَةَ السِّجْزِيُّ أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَمَّادٌ أَنَا أَبُو قَزَعَةَ سُوِيْدُ بْنُ حُجَيْرٍ الْبَاهِلِيُّ عَنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: "أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَأَنْ تَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبَ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحَ، وَلَا تَهْجُرَ إِلَّا فِي الْبَيْتِ" (1) أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَرَدَ قِصَّةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى أَنْ ذَكَرَ خُطْبَتَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ قَالَ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّهُنَّ عِوَانٌ عِنْدَكُمْ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (2) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أحمد الطوسي، 37/ب أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى أَنَا يَعْلَى بْنُ عَبَيْدٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِكُمْ" (3) .

_ (1) رواه أبو داود في النكاح - باب: حق المرأة على زوجها 3 / 67-68. وابن ماجه: في النكاح - باب: في حق المرأة على الزوج برقم (1850) 1 / 593. رواه أحمد: 4 / 446-447 و5 / 3-5 جزء من حدث عن معاوية بن حيدة. والمصنف في شرح السنة: 9 / 160. (2) سبق تخريجه ص (219) هامش رقم (2) . هو جزء من حديث حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه مسلم في الحج - باب: حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم: (1218) 2 / 886. (3) أبو داود: في السنة: بلفظ (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) : 7 / 44 وبهذا اللفظ أخرجه الدارمي في الرقاق باب: في حسن الخلق: 2 / 323. والترمذي: في الرضاع - باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها 4 / 325 وقال: حسن صحيح. وابن حبان: (1926) وصححه. وأحمد: 2 / 250 و472 عن أبي هريرة. والمصنف في شرح السنة: 9 / 180.

229

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِمَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَالِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ بِالْعَقْلِ، وَقِيلَ بِالشَّهَادَةِ، وَقِيلَ بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ بِالدِّيَةِ وَقِيلَ بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الرِّجَالِ، وَقِيلَ بِالرَّجْعَةِ، وَقَالَ سُفْيَانُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بِالْإِمَارَةِ وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ مَعْنَاهُ فَضِيلَةٌ فِي الْحَقِّ {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ أَنَا حُذَيْفَةُ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ثُمَّ رَجَعَ فَرَأَى رِجَالًا يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (1) . {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عِدَدٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا يَقْصِدُ مُضَارَّتَهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} يَعْنِي الطَّلَاقَ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ، فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِمْسَاكِ الرَّجْعَةَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ: الْإِمْسَاكُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ، يَعْنِي إِذَا رَاجَعَهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ الثَّانِيَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَالْمَعْرُوفُ كُلُّ مَا

_ (1) رواه ابن ماجه: في النكاح: باب حق الزوج على المرأة برقم (1853) 1 / 595. وأبو داود: في النكاح: باب في حق الزوج على المرأة 3 / 67. وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (1290) ص 314 وأحمد: 4 / 381، عن عبد الله بن أبي أوفى. 5 / 228 عن معاذ بن جبل 6 / 76 عن عائشة بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: 9 / 158. وذكره الهيثمي في المجمع 4 / 309 وقال: رواه بتمامة البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح.

يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ، مِنْ أَدَاءِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَحُسْنِ الصُّحْبَةِ {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أَنْ يَتْرُكَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَقِيلَ الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} وَصَرِيحُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ ثَلَاثَةٌ: الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الصَّرِيحُ هُوَ لَفْظُ الطَّلَاقِ فَحَسْبُ، وَجُمْلَةُ الْحُكْمِ فِيهِ أَنَّ الْحُرَّ إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا يَجُوزُ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ خَالَعَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ بِإِذْنِهَا، وَإِذْنِ وَلِيِّهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ، مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ، فَطَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجِ آخَرَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَدَدُ الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ، فَالْحُرُّ يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ، وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ، يَعْنِي يُعْتَبَرُ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ حَالُ الرَّجُلِ وَفِي قَدْرِ الْعِدَّةِ حَالُ الْمَرْأَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْمَرْأَةِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ فَيَمْلِكُ الْعَبْدُ عَلَى زَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ وَلَا يَمْلِكُ الْحُرُّ عَلَى زَوْجَتِهِ الْأَمَةِ إِلَّا طَلْقَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ} أَعْطَيْتُمُوهُنَّ {شَيْئًا} الْمُهُورَ وَغَيْرَهَا ثُمَّ اسْتَثْنَى الْخُلْعَ فَقَالَ {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَيُقَالُ: حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَكَانَتْ تَبْغَضُهُ وَهُوَ يُحِبُّهَا فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَأَتَتْ أَبَاهَا فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ يُسِيءُ إِلَيَّ وَيَضْرِبُنِي فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ فَإِنِّي أَكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَزَالَ رَافِعَةً يَدَيْهَا تَشْكُو زَوْجَهَا قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ الثَّانِيَةَ وَبِهَا أَثَرُ الضَّرْبِ فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إِلَى زَوْجِكِ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ أَبَاهَا لَا يَشْكِيهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ زَوْجَهَا وَأَرَتْهُ آثَارًا بِهَا مِنْ ضَرْبِهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَنَا وَلَا هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ثَابِتٍ فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلِأَهْلِكَ؟ " فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا غَيْرَكَ، فَقَالَ لَهَا: مَا تَقُولِينَ؟ فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهَا فَقَالَتْ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ قَدْ خَشِيتُ أَنْ يُهْلِكَنِي فَأَخْرِجْنِي مِنْهُ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا يُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْكَ خِلَافَهُ، هُوَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ مَحَبَّةً لِزَوْجَتِهِ، وَلَكِنِّي أَبْغَضُهُ فَلَا أَنَا وَلَا هُوَ، قَالَ ثَابِتٌ: قَدْ أَعْطَيْتُهَا حَدِيقَةً فَلْتَرُدَّهَا عَلَيَّ وَأُخَلِّي سَبِيلَهَا فَقَالَ لَهَا: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ وَتَمْلِكِينَ أَمْرَكِ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا ثَابِتُ خُذْ

مِنْهَا مَا أَعْطَيْتَهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا" (1) فَفَعَلَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا زَاهِرُ بْنُ جَمِيلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ أَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إن ثابت مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أَيْ يَعْلَمَا {أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، يَعْنِي: يَعْلَمُ الْقَاضِي وَالْوَلِيُّ ذَلِكَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ} فَجَعَلَ الْخَوْفَ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ فَإِنْ خَافَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {يَخَافَا} بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْلَمُ الزَّوْجَانِ مِنْ أَنْفُسِهِمَا {أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} تَخَافُ الْمَرْأَةُ أَنْ تَعْصِيَ اللَّهَ فِي أَمْرِ زَوْجِهَا، وَيَخَافُ الزَّوْجُ إِذَا لَمْ تُطِعْهُ امْرَأَتُهُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهَا، فَنَهَى اللَّهُ الرَّجُلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَتِهِ شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهَا، فَقَالَتْ: لَا أُطِيعُ لَكَ أمرا ولا أطالك مَضْجَعًا وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أَيْ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةَ نَفْسَهَا مِنْهُ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ {عَلَيْهِمَا} الزَّوْجَ دُونَ الْمَرْأَةِ، فَذَكَرَهُمَا جَمِيعًا لِاقْتِرَانِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى "نَسِيَا حُوتَهُمَا" (61-الْكَهْفِ) ، وَإِنَّمَا النَّاسِي فَتَى مُوسَى دُونَ مُوسَى وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ لا جناح 38/أعَلَيْهِمَا جَمِيعًا، لَا جُنَاحَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي النُّشُوزِ إِذَا خَشِيَتِ الْهَلَاكَ وَالْمَعْصِيَةَ، وَلَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَأَعْطَتْ بِهِ الْمَالَ، لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ إِتْلَافِ الْمَالِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلَا عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا أَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْمَالِ إِذَا أَعْطَتْهُ طَائِعَةً، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أن الخلع جائز على أَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَجُوزُ بِأَكْثَرِ مِمَّا أَعْطَاهَا مِنَ الْمَهْرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ مَا أَعْطَاهَا بَلْ يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا، وَيَجُوزُ الْخُلْعُ عَلَى غَيْرِ حَالِ النُّشُوزِ غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْوَصْلَةِ بِلَا سَبَبٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنَجْوَيْهِ الدِّينَوَرِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

_ (1) رواه مختصرا أبو داود عن حبيبة بنت سهل الأنصارية في الطلاق - باب في الخلع 3 / 143. والنسائي من حديث الربيع بنت معوذ في الطلاق - باب عدة المختلعة 6 / 186. وابن جرير في التفسير 4 / 554. وانظر الكافي الشاف ص19-20. (2) رواه البخاري: في الطلاق - باب: الخلع وكيف الطلاق فيه 9 / 395. والمصنف في شرح السنة - 9 / 194.

مُحَمَّدِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُسْتَمْلِي أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ شَاكِرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَبَّابٍ أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ الْوَصَّافِيُّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقَ" (1) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنِي ابْنُ فَنَجْوَيْهِ أَنَا ابْنُ أُبَيٍّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أُبَيٌّ أَنَا أُسَامَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الجنة" (2) . وقال طاووس: الْخُلْعُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ خَوْفِ النُّشُوزِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْآيَةُ حَرَّجَتْ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَالِ خَوْفِ النُّشُوزِ غَالِبًا، وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ على مال فقلبت وَقَعَتِ الْبَيْنُونَةُ وَانْتُقِصَ بِهِ الْعَدَدُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْخُلْعِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ يُنْتَقَصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ فَسْخٌ لَا يُنْتَقَصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قال عكرمة وطاووس وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الْخُلْعَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ، {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وَلَوْ كَانَ الْخُلْعُ طَلَاقًا لَكَانَ الطَّلَاقُ أَرْبَعًا، وَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَعَلَ الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} .

_ (1) حديث ضعيف رواه أبو داود في الطلاق - باب: في كراهية الطلاق" 3 / 92. وابن ماجه: في الطلاق - باب رقم (1) برقم (2018) ، والدارقطني في الطلاق عن معاذ: 4 / 35. والحاكم: 2 / 196 وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي. قال المنذري: والمشهور فيه هو المرسل وهو غريب، وقال البيهقي وفي رواية ابن أبي شيبة (يعني محمد بن عثمان) عن عبد الله بن عمر، موصولا ولا أراه يحفظه، والمصنف في شرح السنة 9 / 195. وإن ما قاله أبو حاتم والدارقطني والبيهقي هو الراجح أن الحديث مرسل وضعفه الألباني في إرواء الغليل 7 / 106 فلينظر (انظر مختصر المنذري 3 / 93 وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: 3 / 205. (2) رواه أبو داود: في الطلاق - باب: الخلع: 3 / 142. والترمذي: في الطلاق - باب: ما جاء في المختلعات 4 / 367 وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الطلاق - باب: كراهية الخلع للمرأة برقم (2055) 1 / 662. والدارمي: في الطلاق - باب: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها 2 / 162. وأحمد: 5 / 277،283 عن ثوبان. والمصنف في شرح السنة 9 / 195 وإسناده قوي.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أَيْ هَذِهِ أَوَامِرُ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ، وَحُدُودُ اللَّهِ، مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ الْمُجَاوَزَةِ عَنْهُ {فَلَا تَعْتَدُوهَا} فَلَا تُجَاوِزُوهَا {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} يَعْنِي الطَّلْقَةَ الثَّالِثَةَ {فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أَيْ مِنْ بَعْدِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أَيْ: غَيْرَ الْمُطَلِّقِ فَيُجَامِعُهَا، وَالنِّكَاحُ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ وَالْعَقْدَ جَمِيعًا، نَزَلَتْ فِي تَمِيمَةَ وَقِيلَ فِي عَائِشَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا رِفَاعَةَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَتِيكٍ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، وَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ" قَالَتْ نَعَمْ قَالَ: "لَا حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ" (1) . وَرُوِيَ أَنَّهَا لَبِثَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي قَدْ مَسَّنِي فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَبْتِ بِقَوْلِكِ الْأَوَّلِ فَلَنْ نُصَدِّقَكِ فِي الْآخَرِ. فَلَبِثَتْ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجِعُ إِلَى زَوْجِي الْأَوَّلِ فَإِنَّ زَوْجِي الْآخَرَ قَدْ مَسَّنِي وَطَلَّقَنِي فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: قَدْ شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَتَيْتِهِ وَقَالَ لَكِ مَا قَالَ فَلَا تَرْجِعِي إِلَيْهِ، فَلَمَّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَتَتْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَتْ لَهُ: مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ رَجَعْتِ إِلَيْهِ لَأَرْجُمَنَّكِ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} يَعْنِي فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَمَا جَامَعَهَا {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} يَعْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ {أَنْ يَتَرَاجَعَا} يَعْنِي بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ {إِنْ ظَنَّا} أَيْ عَلِمَا وَقِيلَ رَجَوَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أَيْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الصَّلَاحُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ عَلِمَا أَنَّ نِكَاحَهُمَا عَلَى غَيْرِ الدُّلْسَةِ، وَأَرَادَ بِالدُّلْسَةِ التَّحْلِيلَ، وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: إِذَا تَزَوَّجَتِ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا زَوْجًا آخَرَ لِيُحَلِّلَهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ: فَإِنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْرُطْ فِي النِّكَاحِ

_ (1) رواه البخاري: في الطلاق - باب: من قال لامرأته أنت علي حرام 9 / 371. ومسلم: في النكاح - باب: لا تحل المطلقة ثلاثة لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره برقم (1433) 2 / 1055. والمصنف في شرح السنة: 9 / 232. (2) انظر الكافي الشاف لابن حجر ص20 وقد عزاه لعبد الرزاق وهي عنده مختصرة / المصنف 6 / 347.

مَعَ الثَّانِي أَنَّهُ يُفَارِقُهَا فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّحْلِيلُ وَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِي عَزْمِهَا ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ هُوَ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَبِي وَاصِلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: "لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" (1) وَقَالَ نَافِعٌ أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَانْطَلَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ فَتَزَوَّجَهَا لِيَحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَقَالَ: لَا إِلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سِفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، "لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلُ لَهُ" (2) {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يَعْنِي يَعْلَمُونَ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.

_ (1) حديث ابن مسعود وله طريقان الأول عن أبي قيس عن هزيل بن عبد الرحمن عنه بلفظ: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له) . أخرجه الترمذي في النكاح - باب ما جاء في المحلل والمحلل له 4 / 264 وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطلاق مطولا - باب إحلال المطلقة ثلاثا وما فيه من التغليظ 6 / 149. والدارمي في النكاح - باب في النهي عن التحليل 5 / 158. والبيهقي 7 / 208. وأحمد 1 / 448، 462. وقال الحافظ في التلخيص 3 / 170 (وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري) . والطريق الآخر عن أبي الواصل. أخرجها أحمد 1 / 450، 451 وأبو الواصل مجهول كما قال الحسيني وذكر الحافظ طريقا ثالثة أخرجها عبد الرزاق من طريق عبد الله بن مرة عن الحارس عن ابن مسعود، والحارث هذا هو الأعور الكوفي وهو ضعيف وقالوا كذاب. وله طرق أخرى عن أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعقبة بن عامر. رواها أبو داود وابن ماجه والترمذي وأحمد وغيرهم. فالحديث صحيح. انظر إرواء الغليل 6 / 307-311. (2) صححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 199.

231

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُدْعَى ثَابِتَ بْنَ يَسَارٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَتَّى إِذَا قَرُبَ انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، يَقْصِدُ بِذَلِكَ مُضَارَّتَهَا. (1) .

_ (1) أخرجه الطبري: 5 / 10.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أَيْ أَشْرَفْنَ عَلَى أَنْ يَبِنَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ إِذَا انْقَضَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ إِمْسَاكُهَا، فَالْبُلُوغُ هَاهُنَا بُلُوغُ مُقَارَبَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} حَقِيقَةُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَالْبُلُوغُ يَتَنَاوَلُ الْمَعْنَيَيْنِ، يُقَالُ: بَلَغَ الْمَدِينَةَ إِذَا قَرُبَ مِنْهَا وَإِذَا دَخَلَهَا {فَأَمْسِكُوهُنَّ} أَيْ رَاجَعُوهُنَّ {بِمَعْرُوفٍ} قِيلَ الْمُرَاجَعَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا وَأَنْ يُرَاجِعَهَا بِالْقَوْلِ لَا بِالْوَطْءِ. {أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أَيِ اتْرُكُوهُنَّ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ فَيَكُنَّ أَمْلَكَ بِأَنْفُسِهِنَّ {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} أَيْ لَا تَقْصِدُوا بِالرَّجْعَةِ الْمُضَارَّةَ بِتَطْوِيلِ الْحَبْسِ {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أي أضر 38/ب بِنَفْسِهِ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} قَالَ الْكَلْبِيُّ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: "فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ" وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ الشَّرْعِ فَهُوَ مُتَّخِذٌ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقُولُ: كُنْتُ لَاعِبًا، وَيُعْتِقُ وَيَقُولُ: مِثْلَ ذَلِكَ [وَيَنْكِحُ وَيَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ] (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْجَوْهَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي حَبِيبِ بْنِ أَرْدَكَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ مَاهَكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ" (2) . {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بِالْإِيمَانِ {وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ {وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي: السُّنَّةَ، وَقِيلَ: مَوَاعِظُ الْقُرْآنِ {يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ}

_ (1) ساقط من (أ) . (2) رواه أبو داود: في الطلاق - باب: في الطلاق على الهزل 3 / 118-119. والترمذي: في الطلاق - باب: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق 4 / 362 وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه: في الطلاق - باب: من طلق أو نكح أو راجع لاعبا برقم (2039) 1 / 658. والحاكم: 2 / 197 وصححه والدارقطني في السنن 3 / 256-257. وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه: قال النسائي: منكر الحديث ووثقه غيره، قال الحافظ فهو على هذا حسن (تحفة الأحوذي: 4 / 362) . والمصنف في شرح السنة 9 / 219 انظر التلخيص الحبير 3 / 207 وإرواء الغليل 6 / 224-228.

232

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) } {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} نَزَلَتْ فِي جَمِيلَةَ بِنْتِ يَسَارٍ أُخْتِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ، كَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْبَدَّاحِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَجْلَانَ فَطَلَّقَهَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَمْرٍو حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا؟ لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لَا بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} فَقُلْتُ: الْآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أَيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} أَيْ لَا تَمْنَعُوهُنَّ عَنِ النِّكَاحِ، وَالْعَضْلُ: الْمَنْعُ، وَأَصْلُهُ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ، يُقَالُ: عَضَلَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا نَشِبَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَضَاقَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، وَالدَّاءُ الْعُضَالُ الَّذِي لَا يُطَاقُ، وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ إِذْ لَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَضْلٌ وَلَا لِنَهْيِ الْوَلِيِّ عَنِ الْعَضْلِ مَعْنًى، وَقِيلَ الْآيَةُ خِطَابٌ مَعَ الْأَزْوَاجِ لِمَنْعِهِمْ مِنَ الْإِضْرَارِ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْآيَةِ خِطَابٌ مَعَهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. {إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} بِعَقْدٍ حَلَالٍ وَمَهْرٍ جَائِزٍ {ذَلِكَ} أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ النَّهْيِ {يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُوَحَّدًا، وَالْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي مُخَاطَبَةِ الْجَمْعِ: ذَلِكُمْ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ الْكَافَ مِنْ نَفْسِ الْحَرْفِ وَلَيْسَ بِكَافِ خِطَابٍ فَقَالُوا ذَلِكَ، فَإِذَا قَالُوا هَذَا كَانَتِ الْكَافُ مُوَحَّدَةً مَنْصُوبَةً فِي الِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُذَكَّرِ قِيلَ هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِذَلِكَ وَحَّدَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ} أَيْ خَيْرٌ لَكُمْ {وَأَطْهَرُ} لِقُلُوبِكُمْ مِنَ الرِّيبَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَاقَةُ حُبٍّ لَمْ يؤمن أَنْ يَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمَا، وَلَمْ يؤمن مِنَ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قُلُوبِهِمْ مِنْهُمَا مَا لَعَلَّهُمَا أَنْ يَكُونَا بَرِيئَيْنِ مِنْ ذَلِكَ فَيَأْثَمُونَ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أَيْ يَعْلَمُ مِنْ حُبِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ.

_ (1) أخرجه البخاري في النكاح، باب من قال: لا نكاح إلا بولي: 9 / 183، وفي التفسير: 8 / 192.

233

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} يَعْنِي: الْمُطَلَّقَاتُ اللَّاتِي لَهُنَّ أَوْلَادٌ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ يُرْضِعْنَ، خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ إِيجَابٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْإِرْضَاعُ إِذَا كَانَ يُوجَدُ مَنْ تُرْضِعُ الْوَلَدَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: "فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ" (-الطَّلَاقِ) فَإِنْ رَغِبَتِ الْأُمُّ فِي الْإِرْضَاعِ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أَيْ سَنَتَيْنِ، وَذَكَرَ الْكَمَالَ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ" (196-الْبَقَرَةِ) وَقِيلَ إِنَّمَا قَالَ كَامِلَيْنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُسَمِّي بَعْضَ الْحَوَلِ حَوْلًا وَبَعْضَ الشَّهْرِ شَهْرًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (197-الْبَقَرَةِ) ، وَإِنَّمَا هُوَ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ وَقَالَ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} (203-الْبَقَرَةِ) ، وَإِنَّمَا يُتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ يَوْمٍ، وَيُقَالُ أَقَامَ فُلَانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا حَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا أَقَامَ بِهِ حَوْلًا وَبَعْضَ آخَرَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمَا حَوْلَانِ كَامِلَانِ، أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِّ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ حَدٌّ لِبَعْضِ الْمَوْلُودِينَ، فَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا إِذَا وَضَعَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ شَهْرًا، وَإِنْ وَضَعَتْ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ أَحَدًا وَعِشْرِينَ شَهْرًا، وَإِنْ وَضَعَتْ لِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ فَإِنَّهَا تُرْضِعُهُ عِشْرِينَ شَهْرًا، كُلُّ ذَلِكَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ شَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (15-الْأَحْقَافِ) . وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ حَدٌّ لِكُلِّ مَوْلُودٍ بِأَيِّ وَقْتٍ وُلِدَ لَا يَنْقُصُ رَضَاعُهُ عَنْ حَوْلَيْنِ إِلَّا بِاتِّفَاقِ الْأَبَوَيْنِ فَأَيُّهُمَا أَرَادَ الْفِطَامَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ} وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالثَّوْرِيِّ وَرِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: بَيَانُ أَنَّ الرَّضَاعَ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ مَا يَكُونُ فِي الْحَوْلَيْنِ، فَلَا يَحْرُمُ مَا يَكُونُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، قَالَ قَتَادَةُ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْوَالِدَاتِ إِرْضَاعَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ثُمَّ أَنْزَلَ التَّخْفِيفَ فَقَالَ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} أَيْ هَذَا مُنْتَهَى الرَّضَاعَةِ وَلَيْسَ فِيهَا دُونَ ذَلِكَ حَدٌّ مَحْدُودٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مِقْدَارِ صَلَاحِ الصَّبِيِّ وَمَا يَعِيشُ بِهِ {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} يَعْنِي الْأَبَ {رِزْقُهُنَّ} طَعَامُهُنَّ {وَكِسْوَتُهُنَّ} لِبَاسُهُنَّ {بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ عَلَى قَدْرِ الْمَيْسَرَةِ {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} أَيْ طَاقَتَهَا {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ

وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بِرَفْعِ الرَّاءِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ {لَا تُكَلَّفُ} وَأَصْلُهُ تُضَارِرْ فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ تُضَارَّ بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَقَالُوا: لَمَّا أُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ حُرِّكَتْ إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ وَهُوَ النَّصْبُ وَمَعْنَى الْآيَةِ {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فَيُنْزَعُ الْوَلَدُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا بَعْدَ أَنْ رَضِيَتْ بِإِرْضَاعِهِ {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أَيْ لَا تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ إِلَى أَبِيهِ بَعْدَمَا أَلِفَهَا، تُضَارُّهُ بِذَلِكَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} فَتُكْرَهُ عَلَى إِرْضَاعِهِ إِذَا كَرِهَتْ إِرْضَاعَهُ، وَقَبِلَ الصَّبِيُّ مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} فَيُحْتَمَلُ أَنْ تُعْطَى الْأُمُّ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ لَهَا إِذَا لَمْ يَرْتَضِعْ مِنْ غَيْرِهَا. فَعَلَى هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَصْلُ الْكَلِمَةِ لَا تُضَارِرْ بِفَتْحِ الرَّاءِ الْأُولَى عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ، وَالْوَالِدَةُ وَالْمَوْلُودُ لَهُ مَفْعُولَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ لَهُمَا وَتَكُونُ تُضَارَّ بِمَعْنَى تُضَارِرْ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى عَلَى تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ وَالْمَعْنَى {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ} فَتَأْبَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا لِيَشُقَّ عَلَى أَبِيهِ {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ} أَيْ لَا يُضَارَّ الْأَبُ أُمَّ الصَّبِيِّ، فَيَنْزِعُهُ مِنْهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ إِرْضَاعِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ يَرْجِعُ الإضرار إلى 39/أالْوَالِدَيْنِ يُضَارُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضِّرَارُ رَاجِعًا إِلَى الصَّبِيِّ، أَيْ لَا يُضَارَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الصَّبِيَّ، فَلَا تُرْضِعُهُ الْأُمُّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ لَا يُنْفِقُ الْأَبُ أَوْ يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْأُمِّ حَتَّى يُضَرَّ بِالصَّبِيِّ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً وَمَعْنَاهُ {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} وَلَا أَبٌ بِوَلَدِهِ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْوَارِثِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ وَارِثُ الصَّبِيِّ، مَعْنَاهُ: وَعَلَى وَارِثِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ وَلَهُ مَالٌ وَرِثَهُ مِثْلُ الَّذِي كَانَ عَلَى أَبِيهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ وَارِثٍ هُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَصَبَةُ الصَّبِيِّ مِنَ الرِّجَالِ مِثْلُ: الْجَدِّ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ أُجْبِرَتْ عَصَبَتُهُ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَرْضِعُوهُ، وَقِيلَ: هُوَ وَارِثُ الصَّبِيِّ مَنْ كَانَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ: وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالُوا: يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهِ كُلُّ وَارِثٍ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ عَصَبَةً كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمِ مَحْرَمٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلُودِ، فَمَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ مِثْلُ ابْنِ الْعَمِّ وَالْمَوْلَى فَغَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَارِثِ هُوَ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ، الَّذِي هُوَ وَارِثُ أَبِيهِ الْمُتَوَفَّى تَكُونُ أُجْرَةُ رَضَاعِهِ وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأُمِّ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ الصَّبِيِّ إِلَّا الْوَالِدَانِ، وَهُوُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقِيلَ هُوَ الْبَاقِي مِنْ وَالِدَيِ الْمَوْلُودِ بَعْدَ وَفَاةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا كَانَ عَلَى الْأَبِ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ. وَقِيلَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ النَّفَقَةَ، بَلْ مَعْنَاهُ وَعَلَى الْوَارِثِ تَرْكُ الْمُضَارَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ {فَإِنْ أَرَادَا} يَعْنِي الْوَالِدَيْنِ {فِصَالًا} فِطَامًا قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} أَيِ اتِّفَاقِ الْوَالِدَيْنِ

{وَتَشَاوُرٍ} أَيْ يُشَاوِرُونَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ حَتَّى يُخْبِرُوا أَنَّ الْفِطَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَضُرُّ بِالْوَلَدِ، وَالْمُشَاوَرَةُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أَيْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِي الْفِطَامِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ} أَيْ لِأَوْلَادِكُمْ مَرَاضِعَ غَيْرَ أُمَّهَاتِهِمْ إِذَا أَبَتْ أُمَّهَاتُهُمْ يُرْضِعْنَهُمْ أَوْ تَعْذُرُ لِعِلَّةٍ بِهِنَّ، أَيِ: انْقِطَاعُ لَبَنٍ أَوْ أَرَدْنَ النِّكَاحَ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ} إِلَى أُمَّهَاتِهِمْ {مَا آتَيْتُمْ} مَا سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنْ أُجْرَةِ الرَّضَاعِ بِقَدْرِ مَا أَرْضَعْنَ، وَقِيلَ إِذَا سَلَّمْتُمْ أُجُورَ الْمَرَاضِعِ إِلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ {مَا آتَيْتُمْ} وَفِي الرُّومِ "وَمَا أَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا" (39-الرُّومِ) بِقَصْرِ الْأَلْفِ وَمَعْنَاهُ مَا فَعَلْتُمْ يُقَالُ: أَتَيْتُ جَمِيلًا إِذَا فَعَلْتُهُ، فَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ يَكُونُ التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى الطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لَا بِمَعْنَى تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ يَعْنِي إِذَا سَلَّمْتُمْ لِأَمْرِهِ وَانْقَدْتُمْ لِحُكْمِهِ، وَقِيلَ إِذَا سَلَّمْتُمْ لِلِاسْتِرْضَاعِ عَنْ تَرَاضٍ وَاتِّفَاقٍ دُونَ الضِّرَارِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

234

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} أَيْ يَمُوتُونَ وَتُتَوَفَّى آجَالُهُمْ، وَتَوَفَّى وَاسْتَوْفَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمَعْنَى التَّوَفِّي أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} يَتْرُكُونَ أَزْوَاجًا {يَتَرَبَّصْنَ} يَنْتَظِرْنَ {بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أَيْ يَعْتَدِدْنَ بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ وَالنُّقْلَةِ عَلَى فِرَاقِ أَزْوَاجِهِنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ فَعِدَّتُهُنَّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الِابْتِدَاءِ حَوْلًا كَامِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ" (_240-الْبَقَرَةِ) ثُمَّ نُسِخَتْ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ يَعْنِي أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَاجِبَةً عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} فَجَعَلَ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: "غَيْرَ إِخْرَاجٍ، فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جناح عليكم فيما فَعَلْنَ" (240-الْبَقَرَةِ) فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا. وَقَالَ: عَطَاءٌ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهِ وَسَكَنَتْ فِي وصيتها وإن شاء خَرَجَتْ، قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَهِيَ أَنْ تَمْتَنِعَ مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا تَدْهِينَ رَأْسِهَا بِأَيِّ دُهْنٍ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ طِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَلَهَا تَدْهِينُ جَسَدِهَا بِدُهْنٍ لَا طِيبَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَكْتَحِلَ بِكُحْلٍ فِيهِ طِيبٌ أَوْ فِيهِ زِينَةٌ كَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ وَلَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ الْفَارِسِيِّ

الَّذِي لَا زِينَةَ فِيهِ فَإِنِ اضْطُرَّتْ إِلَى كُحْلٍ فِيهِ زِينَةٌ فَرَخَّصَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكْتَحِلُ بِهِ لَيْلًا وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عَلَيَّ صَبْرًا فَقَالَ "إِنَّهُ يَشِبُّ (1) الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ" (2) . وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخِضَابُ وَلَا لُبْسُ الْوَشْيِ وَالدِّيبَاجِ وَالْحُلِيِّ وَيَجُوزُ لَهَا لُبْسُ الْبِيضِ مِنَ الثِّيَابِ وَلُبْسُ الصُّوفِ وَالْوَبَرِ، وَلَا تَلْبَسُ الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ لِلزِّينَةِ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَخْضَرِ النَّاضِرِ وَالْأَصْفَرِ، وَيَجُوزُ مَا صُبِغَ لِغَيْرِ زِينَةٍ كَالسَّوَادِ وَالْكُحْلِيِّ وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا تَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ بِحَالٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَّتْ بِهِ بَطْنَهَا ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (3) . وَقَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعَتْ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَتُكَحِّلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ" (4) قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوَلِ؟

_ (1) يشب: يلونه ويحسنه، النهاية لابن الأثير. (2) رواه أبو داود في الطلاق: باب: فيما تجتنبه المعتدة في عدتها 3 / 201-202. والنسائي: في الطلاق - باب: الرخصة للحادة أن تمتشط بالسدر 6 / 204. (3) رواه البخاري: في الطلاق - باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر عشرا 9 / 484 وفي الجنائز. ومسلم: في الطلاق - باب: وجوب الإحداد برقم (1486) 2 / 1124. والمصنف في شرح السنة: 9 / 306-307. (4) قطعة من الحديث السابق.

فَقَالَتْ زَيْنَبُ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا (1) أَيْ بَيْتًا صَغِيرًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ أَوْ شاة أو طيرا فَتَفْتَضُّ بِهِ، أَيْ تَمْسَحُ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فترمي بها، 39/ب ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَفْتَضُّ أَيْ تَمْسَحُ جِلْدَهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّ فِيهَا يُنْفَخُ الرُّوحُ فِي الْوَلَدِ، وَيُقَالُ إِنَّ الْوَلَدَ يَرْتَكِضُ أَيْ يَتَحَرَّكُ فِي الْبَطْنِ لِنِصْفِ مُدَّةِ الْحَمْلِ أربعة أشهر وعشرا قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا قَالَ عَشْرًا بِلَفْظِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ أَرَادَ اللَّيَالِيَ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَبْهَمَتِ الْعَدَدَ بَيْنَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ غَلَّبَتْ عَلَيْهَا اللَّيَالِيَ فَيَقُولُونَ صُمْنَا عَشْرًا وَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالنَّهَارِ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: إِنَّمَا أَنَّثَ الْعَشْرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُدَدَ أَيْ عَشْرَ مُدَدٍ كُلُّ مُدَّةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَإِذَا كَانَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوَّجُهَا حَامِلًا فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهَا تَنْتَظِرُ آخِرَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى أَرَادَ بِالْقُصْرَى سُورَةُ الطَّلَاقِ "وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ (4-الطَّلَاقِ) نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى "يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَحَمَلَهُ عَلَى النَّسْخِ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ خَصُّوا الْآيَةَ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَةَ نَفَسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ فَأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ. (2) قَوْلُهُ تَعَالَى {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أَيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} أَيْ مِنَ اخْتِيَارِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الْعَقْدِ فَإِنَّ الْعَقْدَ إِلَى الْوَلِيِّ، وَقِيلَ فِيمَا فَعَلْنَ مِنَ التَّزَيُّنِ

_ (1) الحفش بالكسر الدرج، وقيل: الحفش البيت الصغير الذليل القريب السمك سمي به لضيقه. النهاية لابن الأثير. (2) رواه البخاري: في الطلاق باب: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن 9 / 469. ومسلم: في الطلاق - باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل برقم (1485) 2\1123.

235

لِلرِّجَالِ زِينَةً لَا يُنْكِرُهَا الشَّرْعُ {بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} وَالْإِحْدَادُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنِ الطَّلَاقِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً فَلَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ لَهَا أَنْ تَضَعَ مَا يُشَوِّقُ قَلْبَ الزَّوْجِ إِلَيْهَا لِيُرَاجِعَهَا، وَفِي الْبَائِنَةِ بِالْخُلْعِ وَالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّانِي: لَا إِحْدَادَ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} أَيِ النِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ وَأَصْلُ التَّعْرِيضِ هُوَ التَّلْوِيحُ بِالشَّيْءِ، وَالتَّعْرِيضُ فِي الْكَلَامِ مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ مُبَاحٌ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، مَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ، إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ، وَإِنَّكِ لَصَالِحَةٌ، وَإِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فيك لراغب، وإني مِنْ غَرَضِي أَنْ أَتَزَوَّجَ وَإِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكِ بِالْحَلَالِ أَعْجَبَنِي وَلَئِنْ تَزَوَّجْتُكِ لَأُحْسِنَنَّ إِلَيْكِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ أَنْكِحِينِي وَالْمَرْأَةُ تُجِيبُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ رَغِبَتْ فِيهِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُهْدِيَ لَهَا وَيَقُومَ بِشَغْلِهَا فِي الْعِدَّةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ شَأْنِهِ. رُوِيَ أَنَّ سُكَيْنَةَ بِنْتَ حَنْظَلَةَ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ فِي عِدَّتِهَا وَقَالَ: يَا بِنْتَ حَنْظَلَةَ أَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتِ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَقَّ جَدِّي عَلَيَّ وَقِدَمِي فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَتْ سُكَيْنَةُ أَتَخْطُبُنِي وَأَنَا فِي الْعِدَّةِ وَأَنْتَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْبَرْتُكِ بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ فِي عِدَّةِ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ فَذَكَرَ لَهَا مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ عَلَى يَدِهِ (1) . وَالتَّعْرِيضُ بِالْخِطْبَةِ جَائِزٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، أَمَّا الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ نُظِرَ: إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لِمَنْ بَانَتْ مِنْهُ نِكَاحُهَا كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْمُبَانَةِ بِاللِّعَانِ وَالرَّضَاعِ: يَجُوزُ خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لِلزَّوْجِ نِكَاحُهَا كَالْمُخْتَلِعَةِ وَالْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا يَجُوزُ لِزَوْجِهَا خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا. وَهَلْ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا يَجُوزُ كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمُعَاوَدَةَ لِصَاحِبِ الْعِدَّةِ كَالرَّجْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِلْغَيْرِ تَعْرِيضُهَا بِالْخِطْبَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} الْخِطْبَةُ الْتِمَاسُ النِّكَاحِ وَهِيَ مَصْدَرُ خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ يَخْطُبُ خِطْبَةً، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْخِطْبَةُ الذِّكْرُ، وَالْخِطْبَةُ التَّشَهُّدُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مَنْ ذِكْرِ النِّسَاءَ عِنْدَهُنَّ، {أَوْ أَكْنَنْتُمْ} أَضْمَرْتُمْ {فِي أَنْفُسِكُمْ} نِكَاحَهُنَّ يُقَالُ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ وَكَنَنْتُهُ لُغَتَانِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَيْ أَخْفَيْتُهُ فِي نَفْسِي وَكَنَنْتُهُ سَتَرْتُهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ فَيُسَلِّمَ وَيُهْدِيَ إِنْ

_ (1) أخرجه ابن المبارك في كتاب النكاح، راه الدارقطني من رواية محمد بن الصلت عن عبد الرحمن بن سليمان، وهو ابن الغسيل انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص21.

236

شَاءَ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} بِقُلُوبِكُمْ {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} اخْتَلَفُوا فِي السِّرِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الزِّنَا كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ أَجْلِ الزَّنْيَةِ وَهُوَ يَتَعَرَّضُ بِالنِّكَاحِ وَيَقُولُ لَهَا: دَعِينِي فَإِذَا أَوْفَيْتِ عِدَّتَكِ أَظْهَرْتُ نِكَاحَكِ، هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ وَرِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَيْ لَا يَنْكِحُهَا سِرًّا فَيُمْسِكُهَا فَإِذَا حَلَّتْ أَظْهَرَ ذَلِكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ فَإِنِّي نَاكِحُكِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ لَا يَأْخُذُ مِيثَاقَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَا يَنْكِحُهَا وَلَا يَخْطُبُهَا فِي الْعِدَّةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السِّرُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: أَيْ لَا تَصِفُوا أَنْفُسَكُمْ لَهُنَّ بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ فَيَقُولُ آتِيكِ الْأَرْبَعَةَ وَالْخَمْسَةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَيُذْكَرُ السِّرُّ وَيُرَادُ بِهِ الجماع قال امرئ الْقَيْسِ: أَلَّا زَعَمَتْ بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي ... كَبِرْتُ وَأَلَّا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي إِنَّمَا قِيلَ لِلزِّنَا وَالْجِمَاعِ سِرٌّ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي خَفَاءٍ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} أَيْ لَا تُحَقِّقُوا الْعَزْمَ عَلَى عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ أَيْ: حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَسَمَّاهَا اللَّهُ كِتَابًا لِأَنَّهَا فَرْضٌ مِنَ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ" أَيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} أَيْ فَخَافُوا اللَّهَ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ. {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} أَيْ وَلَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَلَمْ تَفْرِضُوا، نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ لَهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 40/أ "مَتِّعْهَا وَلَوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ" (1) قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " مَا لَمْ تَمَاسُّوهُنَّ " بِالْأَلْفِ هَاهُنَا وَفِي الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُفَاعَلَةِ لِأَنَّ بَدَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُلَاقِي بَدَنَ صَاحِبِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا" (3-الْمُجَادَلَةِ) وَقَرَأَ الْبَاقُونَ {تَمَسُّوهُنَّ}

_ (1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الكافي الشاف ص21: "لم أجده".

بِلَا أَلِفٍ لِأَنَّ الْغِشْيَانَ يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الرَّجُلِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ" (47-آلِ عِمْرَانَ) . قَوْلُهُ تَعَالَى {أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} أَيْ تُوجِبُوا لَهُنَّ صَدَاقًا فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْوَجْهُ فِي نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنِ الْمُطَلِّقِ قِيلَ: الطَّلَاقُ قَطْعُ سَبَبِ الْوَصْلَةِ وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ" (1) . فَنَفَى الْجُنَاحَ عَنْهُ إِذَا كَانَ الْفِرَاقُ أَرْوَحَ مِنَ الْإِمْسَاكِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا سَبِيلَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ بِصَدَاقٍ وَلَا نَفَقَةٍ، وَقِيلَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَطْلِيقِهِنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ حَائِضًا كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ طَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا سُنَّةَ وَلَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِهِنَّ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَطْلِيقُهَا فِي حَالِ الْحَيْضِ {وَمَتِّعُوهُنَّ} أَيْ أَعْطُوهُنَّ مِنْ مَالِكُمْ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ وَالْمُتْعَةُ وَالْمَتَاعُ مَا يُتَبَلَّغُ بِهِ مِنَ الزَّادِ {عَلَى الْمُوسِعِ} أَيْ عَلَى الْغَنِيِّ {قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ} أَيِ الْفَقِيرِ {قَدَرُهُ} أَيْ إِمْكَانُهُ وَطَاقَتُهُ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ قَدَرُهُ بِفَتْحِ الدَّالِّ فِيهِمَا وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهِمَا وَهُمَا لُغَتَانِ وَقِيلَ: الْقَدْرُ بِسُكُونِ الدَّالِ الْمَصْدَرُ وَبِالْفَتْحِ الِاسْمُ، مَتَاعًا: نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ مَتِّعُوهُنَّ {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} وَبَيَانُ حُكْمِ الْآيَةِ أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا مَهْرًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ تَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا مُتْعَةَ لَهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْمُتْعَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ" (241-الْبَقَرَةِ) وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا الْمَهْرَ بِمُقَابَلَةِ مَا أُتْلِفَ عَلَيْهَا مِنْ مَنْفَعَةِ الْبِضْعِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى وَحْشَةِ الْفِرَاقِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا مُتْعَةَ إِلَّا لِوَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا لِوَاحِدَةٍ وَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةٌ إِلَّا الَّتِي فُرِضَ لَهَا وَلَمْ يَمَسَّهَا زَوْجُهَا فَحَسْبُهَا نِصْفُ الْمَهْرِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: مُتْعَتَانِ يَقْضِي بِإِحْدَاهُمَا السُّلْطَانُ وَلَا يَقْضِي بِالْأُخْرَى بَلْ تَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى.

_ (1) سبق تخريجه، عند قوله تعالى "فإن خفتم ألا يقيما حدود الله".

فَأَمَّا الَّتِي يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} وَالَّتِي تَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَقْضِي بِهَا السُّلْطَانُ فَهِيَ الْمُطَلَّقَةُ بَعْدَ الْمَسِيسِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْمَسِيسِ أَوْ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ" (241-الْبَقَرَةِ) وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: "فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا" (49-الْأَحْزَابِ) وَقَالَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} أَيْ أَوْ لَمْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُتْعَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَالْأَمْرُ بِهَا أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَخَاصَمَتْهُ إِلَى شُرَيْحٍ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَلَا تَأْبَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْمُتْعَةِ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَعْلَاهَا خَادِمٌ وَأَوْسَطُهَا ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَإِزَارٌ، وَدُونَ ذَلِكَ وِقَايَةٌ أَوْ شَيْءٌ مِنَ الْوَرِقِ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: أَعْلَاهَا عَلَى الْمُوسِعِ خَادِمٌ وَأَوْسَطُهَا ثَوْبٌ وَأَقَلُّهَا أَقَلُّ مَا لَهُ ثَمَنٌ، وَحَسُنَ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، وَطَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ امْرَأَتَهُ وَحَمَّمَهَا جَارِيَةً سَوْدَاءَ أَيْ مَتَّعَهَا وَمَتَّعَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ امْرَأَةً لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَتْ: "مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقٍ". وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَبْلَغُهَا إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ قَدْرُ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا لَا يُجَاوَزُ وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالُ الزَّوْجِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَمِنْ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَالِغَةً بِرِضَاهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ يَصِحُّ النِّكَاحُ، وَلِلْمَرْأَةِ مُطَالَبَتُهُ بِأَنْ يَفْرِضَ لَهَا صَدَاقًا، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْفَرْضِ فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَنَّهَا هَلْ تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا مَهْرَ لَهَا وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ لَهَا الْمَهْرَ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالدُّخُولِ فِي تَقْرِيرِ الْمُسَمَّى كَذَلِكَ فِي إِيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْدِ مُسَمًّى وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا صَدَاقُ نِسَائِهَا وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ

237

مَا قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (1) . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: فِي حَدِيثِ بَرْوَعَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ أَعْرَابِيٍّ مِنْ أَشْجَعَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} هَذَا فِي الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الْفَرْضِ قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَهَا نِصْفُ الْمَفْرُوضِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْمَسِيسِ فَلَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا لَوْ خَلَا الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهَا إِلَّا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ نِصْفَ الْمَهْرِ، وَلَمْ يُوجِبِ الْعِدَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ لَهَا كَمَالُ الْمَهْرِ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ، وَمِثْلُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ عُمَرَ عَلَى وُجُوبِ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ إِلَيْهَا إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لَا عَلَى تَقْدِيرِ الصَّدَاقِ، وَقِيلَ هَذِهِ الْآيَةُ نَاسِخَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ "فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ" (49-الْأَحْزَابِ) فَقَدْ كَانَ لِلْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ مَتَاعٌ فَنُسِخَتْ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَأَوْجَبَ لِلْمُطَلَّقَةِ الْمَفْرُوضَ لَهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ وَلَا متاع لها. 40/ب وَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} أَيْ سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مَهْرًا {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أَيْ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} يَعْنِي النِّسَاءَ أَيْ إِلَّا أَنْ تَتْرُكَ الْمَرْأَةُ نَصِيبَهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعْنَاهُ: إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ نَصِيبِهَا إِلَى

_ (1) رواه أبو داود في النكاح - باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات 3 / 51-53. والترمذي: في النكاح - باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وقال حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه 4 / 299-301. والنسائي: في النكاح - باب: إباحة التزوج بغير صداق: 6 / 121-122. وابن ماجه: في النكاح - باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك برقم (1891) 1 / 609. وابن حبان: برقم (1263-1264-1265) ص 308 من موارد الظمآن. والإمام أحمد في المسند: 4 / 279-280 عن ابن مسعود. وانظر: نصب الراية 3 / 201-202 التلخيص الحبير 3 / 191-192. إرواء الغليل 6 / 357-360.

الزَّوْجِ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ، أَوْ يَعْفُو وَلِيُّهَا فَيَتْرُكُ نَصِيبَهَا إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَوْ غَيْرَ جَائِزَةِ الْأَمْرِ فَيَجُوزُ عَفْوُ وَلِيِّهَا وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَجُوزُ عَفْوُ الْوَلِيِّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَا يَجُوزُ عَفْوُ وَلِيِّهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَرْكُ الشَّيْءِ مِنَ الصَّدَاقِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الطَّلَاقِ بِالِاتِّفَاقِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا، وَقَالُوا: مَعْنَى الْآيَةِ إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ بِتَرْكِ نَصِيبِهَا فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ أَوْ يَعْفُو الزَّوْجُ بِتَرْكِ نَصِيبِهِ فَيَكُونُ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهُ الْآيَةِ: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ نِكَاحِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} موضعه رفع الابتداء أَيْ فَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، أَيْ إِلَى التَّقْوَى، وَالْخِطَابُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ إِذَا اجْتَمَعَا كَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْمُذَكَّرِ مَعْنَاهُ: وَعَفْوُ بَعْضِكُمْ عَنْ بَعْضٍ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أَيْ إِفْضَالَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِإِعْطَاءِ الرَّجُلِ تَمَامَ الصَّدَاقِ أَوْ تَرْكِ الْمَرْأَةِ نَصِيبَهَا، حَثَّهُمَا جَمِيعًا عَلَى الْإِحْسَانِ {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

238

{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} أَيْ وَاظِبُوا وَدَاوِمُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ بِمَوَاقِيتِهَا وَحُدُودِهَا وَإِتْمَامِ أَرْكَانِهَا، ثُمَّ خَصَّ مِنْ بَيْنِهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا دَلَالَةً عَلَى فَضْلِهَا، وَالْوُسْطَى تَأْنِيثُ الْأَوْسَطِ، وَوَسَطُ الشَّيْءِ: خَيْرُهُ وَأَعْدَلُهُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمْرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٍ وَجَابِرٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وَالْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ مَخْصُوصَةٌ بِطُولِ الْقِيَامِ وَبِالْقُنُوتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهَا فِي آيَةٍ أُخْرَى مِنْ بَيْنِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ اللَّهُ: "وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا" (78-الْإِسْرَاءِ) ، يَعْنِي تَشْهَدُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ، فَهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي دِيوَانِ اللَّيْلِ وَدِيوَانِ النَّهَارِ، وَلِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْ جَمْعٍ وَهِيَ لَا تُقْصَرُ وَلَا تُجْمَعُ إِلَى غَيْرِهَا. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ النَّهَارِ وَهِيَ أَوْسَطُ صَلَاةِ النَّهَارِ فِي الطُّولِ.

أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أبو علي اللؤلؤي أَنَا أَبُو دَاوُدَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الزِّبْرِقَانَ يُحَدِّثُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا، فَنَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} (1) . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ عَلَيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا مُصْحَفًا وَقَالَتْ: إِذَا بَلَغْتَ هَذِهِ الْآيَةَ فَآذِنِّي {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} فَلَمَّا بَلَغْتُهَا آذَنْتُهَا فَأَمْلَتْ عَلَيَّ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} "صَلَاةِ الْعَصْرِ" {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} (2) قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ حَفْصَةَ مِثْلُ ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قُلْنَا لِعُبَيْدَةَ سَلْ عَلِيًّا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَسَأَلَهُ فَقَالَ: كُنَّا نَرَى أَنَّهَا صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا" (3) وَلِأَنَّهَا صَلَاتَيْ نَهَارٍ وَصَلَاتَيْ لَيْلٍ، وَقَدْ خَصَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّغْلِيظِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَا هِشَامٌ أَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ

_ (1) أخرجه الإمام أحمد: عن زيد بن ثابت 5 / 183. وأبو داود في الصلاة باب وقت العصر: 1 / 240. والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1 / 167. والطبري في التفسير: 5 / 206، والبيهقي: 1 / 458، وعزاه السيوطي أيضا للبخاري في تاريخه الكبير وأبي يعلى والطبراني، انظر: الدر المنثور: 1 / 720، تفسير الطبري بتعليق محمود شاكر 5 / 207. (2) رواه مسلم: في المساجد - باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر برقم (629) 1 / 437. والمصنف في شرح السنة 2 / 232. (3) رواه البخاري: في تفسير سورة البقرة - باب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى: 8 / 195. ومسلم: في المساجد - باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر برقم (627) 1 / 436. والمصنف في شرح السنة: 2 / 233-234.

بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ" (1) . وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ لِأَنَّهَا وَسَطٌ لَيْسَ بِأَقَلِّهَا وَلَا بِأَكْثَرِهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ لَا تُقْصَرَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ إِحْدَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا بِعَيْنِهَا، أَبْهَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيضًا لِلْعِبَادِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ جَمِيعِهَا كَمَا أَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَسَاعَةَ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَخْفَى الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ لِيُحَافِظُوا عَلَى جَمِيعِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أَيْ مُطِيعِينَ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وطاووس؛ وَالْقُنُوتُ: الطَّاعَةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "أُمَّةً قَانِتًا" (120-النَّحْلِ) أَيْ مُطِيعًا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: لِكُلِّ أَهْلِ دِينٍ صَلَاةٌ يَقُومُونَ فِيهَا عَاصِينَ فَقُومُوا أَنْتُمْ لِلَّهِ فِي صَلَاتِكُمْ مُطِيعِينَ، وَقِيلَ الْقُنُوتُ السُّكُوتُ عَمَّا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا صَاحِبَهُ إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ (2) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَاشِعِينَ، وَقَالَ: مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ الرُّكُوعِ وَغَضُّ الْبَصَرِ وَالرُّكُودُ وَخَفْضُ الْجَنَاحِ، كَانَ الْعُلَمَاءُ إِذَا قَامَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي يَهَابُ الرَّحْمَنَ أَنْ يَلْتَفِتَ أَوْ يَقْلِبَ الْحَصَى أَوْ يَعْبَثَ بِشَيْءٍ أَوْ يُحَدِّثَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَّا نَاسِيًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْقُنُوتِ طُولُ الْقِيَامِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الضَّبِّيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَحْبُوبِيُّ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 41/أأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ" (3) وَقِيلَ {قَانِتِينَ} أَيْ دَاعِينَ.

_ (1) رواه البخاري: في المواقيت: باب: من ترك العصر 2 / 31 باب التبكير في الصلاة في يوم غيم. والمصنف في شرح السنة: 2 / 213-237. (2) رواه البخاري: في العمل في الصلاة - باب: ما ينهى من الكلام ف الصلاة 3 / 73 وفي التفسير. ومسلم: في المساجد - باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة برقم (539) 1 / 383. (3) رواه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: أفضل الصلاة طول القنوت برقم (756) 1 / 520. والمصنف في شرح السنة: 3 / 152-153.

240

دَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، (1) وَقِيلَ مَعْنَاهُ مُصَلِّينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ" (9-الزُّمَرِ) أَيْ مُصَلٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا} {فَرِجَالًا} أَيْ رَجَّالَةً يُقَالُ: رَاجِلٌ وَرِجَالٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصِحَابٍ وَقَائِمٍ وَقِيَامٍ وَنَائِمٍ وَنِيَامٍ {أَوْ رُكْبَانًا} عَلَى دَوَابِّهِمْ وَهُوَ جَمْعُ رَاكِبٍ، مَعْنَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ أَنْ تُصَلُّوا قَانِتِينَ مُوَفِّينَ لِلصَّلَاةِ حَقَّهَا لِخَوْفٍ فَصَلُّوا مُشَاةً عَلَى أَرْجُلِكُمْ أَوْ رُكْبَانًا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ، وَهَذَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُسَايَفَةِ يُصَلِّي حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ رَاجِلًا أَوْ رَاكِبًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبَلِهَا وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَصَدَهُ سَبُعٌ أَوْ غَشِيَهُ سَيْلٌ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فَعَدَا أَمَامَهُ مُصَلِّيًا بِالْإِيمَاءِ يَجُوزُ. وَالصَّلَاةُ فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَى أَقْسَامٍ فَهَذِهِ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ سَيَأْتِي بَيَانُهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يُنْتَقَصُ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ بِالْخَوْفِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَرَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً (2) وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وطاووس وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ يُصَلِّي فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ رَكْعَةً، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْقِتَالِ وَضَرَبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَقُلْ "سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَاذْكُرِ اللَّهَ فَتِلْكَ صَلَاتُكَ" {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أَيْ فَصَلَّوُا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تَامَّةً بِحُقُوقِهَا {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} يَا مَعْشَرَ الرِّجَالِ {وَيَذَرُونَ} أَيْ يَتْرُكُونَ {أَزْوَاجًا} أَيْ زَوْجَاتٍ {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَصِيَّةً بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى

_ (1) رواه البخاري في الوتر - باب: القنوت قبل الركوع وبعده 2 / 490 ورواية البخاري عن أنس قال "قنت رسول الله صلى الله عليه سلم شهرا يدعو على رعل وذكوان وقد روى الحديث أحمد وأبو داود في الصلاة باب القنوت في الصلوات. والمصنف في شرح السنة: 3 / 122. (2) رواه مسلم: في المسافرين - باب: صلاة المسافرين وقصرها برقم (687) 1 / 479.

241

فَلْيُوصُوا وَصِيَّةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ أَيْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْوَصِيَّةَ {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ} مَتَاعًا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا، وَقِيلَ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا، وَالْمَتَاعُ نَفَقَةُ سَنَةٍ لِطَعَامِهَا وَكِسْوَتِهَا وَسَكَنِهَا وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نُصِبَ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ بِنَزْعِ حَرْفٍ عَلَى الصِّفَةِ أَيْ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجٍ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ حَكِيمُ بْنُ الْحَارِثِ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَهُ أَوْلَادٌ وَمَعَهُ أَبَوَاهُ وَامْرَأَتُهُ فَمَاتَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِدَيْهِ وَأَوْلَادَهُ مِنْ مِيرَاثِهِ وَلَمْ يُعْطِ امْرَأَتَهُ شَيْئًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهَا مِنْ تَرِكَةِ زَوْجِهَا حَوْلًا كَامِلًا وَكَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حَوْلًا كَامِلًا وَكَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْوَارِثِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْبَيْتِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَانَتْ نَفَقَتُهَا وَسُكْنَاهَا وَاجِبَةٌ فِي مَالِ زَوْجِهَا تِلْكَ السَّنَةَ مَا لَمْ تَخْرُجْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا الْمِيرَاثُ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَكَانَ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى نَفَقَةَ الْحَوْلِ بِالرُّبْعِ وَالثُّمْنِ، وَنَسَخَ عِدَّةَ الْحَوْلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ خَرَجْنَ} يَعْنِي مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِنَّ قَبْلَ الْحَوْلِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجِ الْوَرَثَةِ {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يَا أَوْلِيَاءَ الْمَيِّتِ {فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} يَعْنِي التَّزَيُّنَ لِلنِّكَاحِ، وَلِرَفْعِ الْجُنَاحِ عَنِ الرِّجَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي قَطْعِ النَّفَقَةِ إِذَا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ. وَالْآخَرُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِهِنَّ مِنَ الْخُرُوجِ لِأَنَّ مُقَامَهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهَا خَيَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ حَوْلًا وَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى، وَبَيْنَ أَنْ تَخْرُجَ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا سُكْنَى إِلَى أَنْ نَسَخَهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) } {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} إِنَّمَا أَعَادَ ذِكْرَ الْمُتْعَةِ هَاهُنَا لِزِيَادَةِ مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّ فِي غَيْرِهَا بَيَانَ حُكْمِ غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ جَمِيعِ الْمُطَلَّقَاتِ فِي الْمُتْعَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} إِلَى قَوْلِهِ {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} (236-الْبَقَرَةِ) قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِنْ أَحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وَإِنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أَفْعَلْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ} جَعَلَ الْمُتْعَةَ لَهُنَّ بِلَامِ التَّمْلِيكِ فَقَالَ: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ الشِّرْكَ.

243

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: دَاوَرْدَانُ قِبَلَ وَاسِطَ بِهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهَا وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ، فَهَلَكَ أَكْثَرُ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ وَسَلِمَ الَّذِينَ خَرَجُوا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ، فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا: أَصْحَابُنَا كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا، لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا لَبَقِينَا، وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ إِلَى أَرْضٍ لَا وَبَاءَ بِهَا، فَوَقَعَ الطَّاعُونُ مِنْ قَابَلٍ فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَخَرَجُوا حَتَّى نَزَلُوا وَادِيًا أَفْيَحَ (1) فَلَمَّا نَزَلُوا الْمَكَانَ الَّذِي يَبْتَغُونَ فِيهِ النَّجَاةَ نَادَاهُمْ مَلِكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ: أَنْ مُوتُوا فَمَاتُوا جَمِيعًا. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فلما جاء سرع (2) بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" (3) فَرَجَعَ عُمْرُ مِنْ سَرْغَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّمَا فَرُّوا مِنَ الْجِهَادِ وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، فَعَسْكَرُوا ثُمَّ جَبَنُوا وَكَرِهُوا الْمَوْتَ فَاعْتَلَوْا وَقَالُوا لِمَلِكِهِمْ: إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي تَأْتِيهَا بِهَا الْوَبَاءُ فَلَا نَأْتِيهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ مِنْهَا الْوَبَاءُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ فَلَمَّا رَأَى الْمَلِكُ ذَلِكَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ يَعْقُوبَ وَإِلَهَ مُوسَى قَدْ تَرَى مَعْصِيَةَ عِبَادِكَ فَأَرِهِمْ آيَةً فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْفِرَارَ مِنْكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: مُوتُوا، عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَاتُوا جَمِيعًا وَمَاتَتْ دَوَابُّهُمْ كَمَوْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَتَى عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ حَتَّى انْتَفَخُوا وَأَرْوَحَتْ أَجْسَادُهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ فَعَجَزُوا

_ (1) واسعا. (2) بفتح أوله وسكون ثانيه ثم غين معجمة والمهملة لغة فيه: أول الحجاز وآخر الشام، وقيل: قرية بوادي تبوك انظر مراصد الإطلاع 2 / 707-708. (3) رواه مالك في الموطأ كتاب الجامع برقم 22،23،24. رواه البخاري: في الطب باب: ما يذكر في الطاعون 10 / 179. ومسلم: في السلام - باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها برقم (2219) 4 / 1742.

عَنْ دَفْنِهِمْ، فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً دُونَ السِّبَاعِ وَتَرَكُوهُمْ فِيهَا (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ عَدَدِهِمْ، قَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَقَالَ وَهْبٌ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: عَشَرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: سَبْعُونَ أَلْفًا، وَأَوْلَى الْأَقَاوِيلِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ كَانُوا زِيَادَةً عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ "وَهُمْ أُلُوفٌ" وَالْأُلُوفُ جَمْعُ الْكَثِيرِ وَجَمْعُهُ الْقَلِيلُ آلَافٌ، وَلَا يُقَالُ لِمَا دُونَ عَشَرَةِ آلَافٍ أُلُوفٌ، قَالُوا: فَأَتَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ وَقَدْ بَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ وَعَرِيَتْ عِظَامُهُمْ فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ بْنُ بُودَى ثَالِثُ خُلَفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَيِّمَ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ بَعْدَ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (2) ثُمَّ كَالِبَ بْنَ يُوقَنَّا ثُمَّ حِزْقِيلَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَجُوزِ لِأَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ عَجُوزًا فَسَأَلَتِ اللَّهَ الْوَلَدَ بَعْدَ مَا كَبِرَتْ وَعَقِمَتْ فَوَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لها، قال 41/ب الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: هُوَ ذُو الْكِفْلِ وَسُمِّيَ حِزْقِيلُ ذَا الْكِفْلِ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِسَبْعِينَ نَبِيًّا وَأَنْجَاهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، فَلَمَّا مَرَّ حِزْقِيلُ عَلَى أُولَئِكَ الْمَوْتَى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيهِمْ مُتَعَجِّبًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ تُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ نَعَمْ: فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَقِيلَ: دَعَا حِزْقِيلُ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ كَانُوا قَوْمُ حِزْقِيلَ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ خَرَجَ حِزْقِيلُ فِي طَلَبِهِمْ فَوَجَدَهُمْ مَوْتَى فَبَكَى وَقَالَ: يَا رَبِّ كُنْتُ فِي قَوْمٍ يَحْمَدُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ وَيُقَدِّسُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ فَبَقِيتُ وَحِيدًا لَا قَوْمَ لِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنِّي جَعَلْتُ حَيَاتَهُمْ إِلَيْكَ، قَالَ حِزْقِيلُ: احْيَوْا بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَاشُوا. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّهُمْ قَالُوا حِينَ أُحْيَوْا، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَعَاشُوا دَهْرًا طَوِيلًا وَسَحْنَةُ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَادَ دَسَمًا مِثْلَ الْكَفَنِ حَتَّى مَاتُوا لِآجَالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَإِنَّهَا لَتُوجَدُ الْيَوْمَ فِي ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ الْيَهُودِ تِلْكَ الرِّيحُ، قَالَ قَتَادَةُ:

_ (1) ذكر ابن عطية رحمه الله بعض الروايات في ذلك ثم قال: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف بعدهم: أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا اغترار مغتر. وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين، من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بالجهاد، هذا قول الطبري، وهو ظاهر وصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها" المحرر الوجيز لابن عطية: 2 / 345. (2) ذكر ابن كثير - رحمه الله هذا القول عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وقال: قال: ابن جرير يعني أفرايم بن يوسف بن يعقوب وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ماينيف على ألف سنة والله أعلم. ابن كثير: 1 / 533 بتخريج الوادعي.

مَقَتَهُمُ اللَّهُ عَلَى فِرَارِهِمْ مِنَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ ثُمَّ بُعِثُوا لِيَسْتَوْفُوا مُدَّةَ آجَالِهِمْ [وَلَوْ جَاءَتْ آجَالُهُمْ] (1) مَا بُعِثُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ} أَيْ أَلَمْ تَعْلَمْ بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ، وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ. قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: هُوَ تَعْجِيبٌ يَقُولُ هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَهُمْ؟ كَمَا تَقُولُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى مَا يَصْنَعُ فُلَانٌ؟ وَكُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ أَلَمْ تَرَ وَلَمْ يُعَايِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا وَجْهُهُ {إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ} جَمْعُ أَلْفٍ وَقِيلَ مُؤْتَلِفَةٌ قُلُوبُهُمْ جَمْعُ آلِفٍ مِثْلُ قَاعِدٍ وَقَعُودٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْعَدَدُ {حَذَرَ الْمَوْتِ} أَيْ خَوْفَ الْمَوْتِ {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} أَمْرُ تَحْوِيلٍ كَقَوْلِهِ "كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" (65-الْبَقَرَةِ) {ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} بَعْدَ مَوْتِهِمْ {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} قِيلَ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ عَلَى الْخُصُوصِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} أَمَّا الْكُفَّارُ فَلَمْ يَشْكُرُوا وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَبْلُغُوا غَايَةَ الشُّكْرِ. {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: هَذَا خِطَابٌ لِلَّذِينِ أُحْيَوْا أُمِرُوا بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا: وَقِيلَ: الْخِطَابُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، أَمَرَهُمْ بِالْجِهَادِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} الْقَرْضُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ، فَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَمَلَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلَى رَجَاءِ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ قَرْضًا، لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ لِطَلَبِ ثَوَابِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَرْضُ مَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ، وَأَصْلُ الْقَرْضِ فِي اللُّغَةِ الْقَطْعُ، سُمِّيَ بِهِ الْقَرْضُ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا يُعْطِيهِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ مِثْلُهُ، وَقِيلَ فِي الْآيَةِ اخْتِصَارٌ مَجَازُهُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ عِبَادَ اللَّهِ وَالْمُحْتَاجِينَ مِنْ خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ" (57-الْأَحْزَابِ) أَيْ يُؤْذُونَ عِبَادَ اللَّهِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يوم القيامة يا ابن آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُقْرِضُ اللَّهَ} أَيْ يُنْفِقُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ {قَرْضًا حَسَنًا} قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاقِدِيُّ: يَعْنِي مُحْتَسِبًا، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مِنْ مَالٍ حَلَالٍ وَقِيلَ لَا يَمُنُّ بِهِ وَلَا يُؤْذِي {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ " فَيُضَعِّفَهُ " وَبَابُهُ بِالتَّشْدِيدِ، وَوَافَقَ أَبُو عَمْرٍو فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "فَيُضَاعِفَهُ " بِالْأَلْفِ مُخَفَّفًا وَهُمَا لُغَتَانِ، وَدَلِيلُ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ

_ (1) ساقط من "أ". (2) رواه مسلم: في البر - باب: فضل عيادة المريض برقم (2569) 4 / 1990.

{أَضْعَافًا كَثِيرَةً} لِأَنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الْفَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ، وَقِيلَ بِإِضْمَارِ أَنْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الْفَاءِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ: يُقْرِضُ {أَضْعَافًا كَثِيرَةً} قَالَ السُّدِّيُّ هَذَا التَّضْعِيفُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقِيلَ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ يَبْسُطُ، هَاهُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ، بَسْطَةً، بِالسِّينِ كَنَظَائِرِهِمَا، وَقَرَأَهُمَا الْآخَرُونَ بِالصَّادِّ قِيلَ يَقْبِضُ بِإِمْسَاكِ الرِّزْقِ وَالنَّفْسِ وَالتَّقْتِيرِ وَيَبْسُطُ بِالتَّوْسِيعِ وَقِيلَ يَقْبِضُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَيَبْسُطُ بِالْخَلَفِ وَالثَّوَابِ، وَقِيلَ هُوَ الْإِحْيَاءُ وَالْإِمَاتَةُ فَمَنْ أَمَاتَهُ فَقَدْ قَبَضَهُ وَمَنْ مَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ فَقَدْ بَسَطَ لَهُ، وَقِيلَ هَذَا فِي الْقُلُوبِ، لَمَّا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ، قَالَ: يَقْبِضُ بَعْضَ الْقُلُوبِ فَلَا يَنْشَطُ بِخَيْرٍ وَيَبْسُطُ بَعْضَهَا فَيُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ خَيْرًا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ "الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا اللَّهُ كَيْفَ يَشَاءُ" (1) الْحَدِيثَ. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أَيْ إِلَى اللَّهِ تَعُودُونَ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى التُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، أَيْ مِنَ التُّرَابِ خَلَقَهُمْ وَإِلَيْهِ يَعُودُونَ.

_ (1) رواه مسلم: في القدر - باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء برقم (2654) 4 / 2045. والمصنف في شرح السنة 1 / 165.

246

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) } قَوْلُهُ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} وَالْمَلَأُ مِنَ الْقَوْمِ: وُجُوهُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ، وَأَصْلُ الْمَلَأِ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْجَيْشِ وَجَمْعُهُ أَمْلَاءٌ {مِنْ بَعْدِ مُوسَى} أَيْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِ مُوسَى {إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ} وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ النَّبِيِّ فَقَالَ قَتَادَةُ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ افْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ السُّدِّيُّ: اسْمُهُ شَمْعُونُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمْعُونَ، لِأَنَّ أُمَّهُ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ سَمْعُونَ تَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَائِي وَالسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَهُوَ شَمْعُونُ بْنُ صَفِيَّةَ بْنِ عَلْقَمَةَ مِنْ وَلَدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ إِشْمَوِيلُ وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَالَ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ إِشْمَوِيلُ وَهُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إِسْمَاعِيلُ بْنَ يَالَ بْنِ عَلْقَمَةَ.

وَقَالَ وَهْبٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ: كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ لَمَّا مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلَفَ بَعْدَهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ كَالِبُ كَذَلِكَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ خَلَفَ حِزْقِيلُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ثُمَّ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ونسوا عهد لله حَتَّى عَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ نَبِيًّا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى يُبْعَثُونَ إِلَيْهِمْ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ، ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِ إِلْيَاسَ الْيَسَعَ فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ، وَخَلَفَ فِيهِمُ الْخُلُوفُ وَعَظُمَتِ الْخَطَايَا فَظَهَرَ لَهُمْ عَدُوٌّ يُقَالُ لَهُ الْبِلْشَاثَا، وَهُمْ قَوْمُ جَالُوتَ كَانُوا يَسْكُنُونَ سَاحِلَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وَفِلَسْطِينَ وَهُمُ الْعَمَالِقَةُ فظهروا على 42/أبَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَلَبُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَرْضِهِمْ وَسَبَوْا كَثِيرًا مِنْ ذَرَارِيهِمْ وَأَسَرُوا مِنْ أَبْنَاءِ مُلُوكِهِمْ أربعين وأربعمائة غلاما، فَضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَأَخَذُوا تَوْرَاتَهُمْ، وَلَقِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْهُمْ بَلَاءً وَشِدَّةً وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَبِيٌّ يُدِيرُ أَمْرَهُمْ، وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا امْرَأَةً حُبْلَى فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ رَهْبَةً أَنْ تَلِدَ جَارِيَةً فَتُبَدِّلَهَا بِغُلَامٍ لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَلَدِهَا وَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَسَمَّتْهُ إِشْمَوِيلَ تَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَائِي، فَكَبِرَ الْغُلَامُ فَأَسْلَمَتْهُ لِيَتَعَلَّمَ التَّوْرَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَفَلَهُ شَيْخٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْغُلَامُ أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَائِمٌ إِلَى جَنْبِ الشَّيْخِ وَكَانَ لَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ أَحَدًا فَدَعَاهُ جِبْرِيلُ بِلَحْنِ الشَّيْخِ يَا إِشْمَوِيلُ، فَقَامَ الْغُلَامُ فَزِعًا إِلَى الشَّيْخِ فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ دَعَوْتَنِي؟ فَكَرِهَ الشَّيْخُ أن يقول لئلا فَيَفْزَعُ الْغُلَامُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ ارْجِعْ فَنَمْ، فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَنَامَ ثُمَّ دَعَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ الْغُلَامُ يَا أَبَتِ دَعَوْتَنِي؟ فَقَالَ ارْجِعْ فَنَمَّ فَإِنْ دَعْوَتُكَ الثَّالِثَةَ فَلَا تُجِبْنِي (فَرَجَعَ الْغُلَامُ فَنَامَ) (1) فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى قَوْمِكَ فَبَلِّغْهُمْ رِسَالَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ كَذَّبُوهُ وَقَالُوا: اسْتَعْجَلْتَ بِالنُّبُوَّةِ وَلَمْ تَنَلْكَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، آيَةً مِنْ نُبُوَّتِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ قِوَامُ أَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْمُلُوكِ وَطَاعَةِ الْمُلُوكِ لِأَنْبِيَائِهِمْ، فَكَانَ الْمَلِكُ هُوَ الَّذِي يَسِيرُ بِالْجُمُوعِ، وَالنَّبِيُّ يُقِيمُ لَهُ أَمْرَهُ وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِرُشْدِهِ وَيَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِشْمَوِيلَ نَبِيًّا فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً بِأَحْسَنِ حَالٍ، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ جَالُوتَ وَالْعَمَالِقَةِ مَا كَانَ فَقَالُوا لِإِشْمَوِيلَ: {ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ فَلَمَّا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ {قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ} اسْتِفْهَامُ شَكٍّ. قَرَأَ نَافِعٌ: عَسَيْتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ كُلَّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَسَى رَبُّكُمْ} {إِنْ كُتِبَ} فُرِضَ {عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} مَعَ ذَلِكَ الْمَلِكِ {أَلَّا تُقَاتِلُوا} أَنْ لَا تَفُوا بِمَا تَقُولُوا مَعَهُ {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ دُخُولِ أَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْعَرَبُ لا تقول مالك أَنْ لَا تَفْعَلَ وَإِنَّمَا يُقَالُ مَا لَكَ لَا تَفْعَلُ؟ قِيلَ: دُخُولُ أَنْ وَحَذْفُهَا لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ

_ (1) ساقط من ب، ومن المطبوع.

247

فَالْإِثْبَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مَا لَكَ أَنْ لَا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ" (32-الْحِجْرِ) وَالْحَذْفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (8-الْحَدِيدِ) وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا لَنَا فِي أَنْ لَا نُقَاتِلَ فَحَذَفَ "فِي" وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَيْ وَمَا يَمْنَعُنَا أَنْ لَا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مَا مَنَعَكَ أن لا تَسْجُدَ" (12-الْأَعْرَافِ) وَقَالَ الْأَخْفَشُ: "أَنْ" هَاهُنَا زَائِدَةٌ مَعْنَاهُ: وَمَا لَنَا لَا نُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أَيْ أُخْرِجَ مَنْ غُلِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، ظَاهِرُ الْكَلَامِ الْعُمُومُ وَبَاطِنُهُ الْخُصُوصُ، لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانُوا فِي دِيَارِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ وَإِنَّمَا أُخْرِجَ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ: إِنَّمَا كُنَّا نَزْهَدُ فِي الْجِهَادِ إِذْ كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادِنَا لَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا عَدُوُّنَا، فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنَّا فَنُطِيعُ رَبَّنَا فِي الْجِهَادِ وَنَمْنَعُ نِسَاءَنَا وَأَوْلَادَنَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} أَعْرَضُوا عَنِ الْجِهَادِ وَضَيَّعُوا أَمْرَ اللَّهِ {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهْرَ مَعَ طَالُوتَ وَاقْتَصَرُوا عَلَى الْغُرْفَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} وَذَلِكَ أَنَّ إِشْمَوِيلَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا فَأَتَى بِعَصَا وَقَرْنٍ (1) فِيهِ دُهْنُ الْقُدْسِ وَقِيلَ: لَهُ إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَكُونُ مَلِكًا طَوُلُهُ طُولُ هَذِهِ الْعَصَا وَانْظُرْ هَذَا الْقَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ (2) الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ فَهُوَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَادَّهِنْ بِهِ رَأْسَهُ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ طَالُوتُ اسْمُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ شَاوِلُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ أَوْلَادِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ سُمِّيَ طَالُوتَ لِطُولِهِ وَكَانَ أَطْوَلَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِرَأْسِهِ وَمَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ رَجُلًا دَبَّاغًا يَعْمَلُ الْأَدِيمَ (3) قَالَهُ وَهْبٌ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ رَجُلًا سَقَّاءً يَسْقِي عَلَى حِمَارٍ لَهُ مِنَ النِّيلِ فَضَلَّ حِمَارُهُ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ، وَقِيلَ كَانَ خَرَبَنْدَجًا، وَقَالَ وَهْبٌ: بَلْ ضَلَّتْ حُمُرٌ لِأَبِي طَالُوتَ فَأَرْسَلَهُ وَغُلَامًا لَهُ فِي طَلَبِهَا فَمَرَّ بِبَيْتِ إِشْمَوِيلَ فَقَالَ الْغُلَامُ لِطَالُوتَ: لَوْ دَخَلْنَا عَلَى هَذَا النَّبِيِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ أَمْرِ الْحُمُرِ لِيُرْشِدَنَا وَيَدْعُوَ لَنَا، فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُمَا عِنْدَهُ يَذْكُرَانِ لَهُ شَأْنَ الْحُمُرِ إِذْ نَشَّ الدُّهْنُ الَّذِي فِي الْقَرْنِ فَقَامَ إِشْمَوِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَاسَ

_ (1) أراد القنينة التي يكون فيها الدهن والطيب، وكأنهم كانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها. (2) نش الماء ينش نشا ونشيشأ: إذا صوت عند الغليان. (3) الجلد أول ما يدبغ فإذا رد في الدباغ مرة أخرى فهو اللديم.

248

طَالُوتَ بِالْعَصَا فَكَانَتْ طُولَهُ، فَقَالَ لِطَالُوتَ قَرِّبْ رَأْسَكَ فَقَرَّبَهُ فَدَهَنَهُ بِدُهْنِ الْقُدْسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أُمَلِّكَكَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ طَالُوتُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ سِبْطِي أَدْنَى أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَيْتِي أَدْنَى بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ (قَالَ بَلَى) (1) قَالَ فَبِأَيِّ آيَةٍ قَالَ: بِآيَةِ أَنَّكَ تَرْجِعُ وَقَدْ وَجَدَ أَبُوكَ حُمُرَهُ فَكَانَ كَذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} أَيْ مِنْ أَيْنَ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا {وَنَحْنُ أَحَقُّ} أَوْلَى {بِالْمُلْكِ مِنْهُ} وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطَانِ: سِبْطُ نُبُوَّةٍ وَسِبْطُ مَمْلَكَةٍ، فَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ سِبْطَ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وَمِنْهُ كَانَ مُوسَى وَهَارُونُ وَسِبْطُ الْمَمْلَكَةِ سِبْطُ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ وَمِنْهُ كَانَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَلَمْ يَكُنْ طَالُوتُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِنَّمَا كَانَ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ وَكَانُوا عَمِلُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، كَانُوا يَنْكِحُونَ النِّسَاءَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ نَهَارًا فَغَضِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَنَزَعَ الْمُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ عَنْهُمْ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ سِبْطَ الْإِثْمِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ذَلِكَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا هُوَ فَقِيرٌ {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ} اخْتَارَهُ {عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً} فَضِيلَةً وَسَعَةً {فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَقْتِهِ وَقِيلَ: إِنَّهُ أَتَاهُ الْوَحْيُ حِينَ أُوتِيَ الْمُلْكَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ} بِالْحَرْبِ وَفِيِ (الْجِسْمِ) بِالطُّولِ وَقِيلَ الْجِسْمُ بِالْجَمَالِ وَكَانَ طَالُوتُ أَجْمَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَعْلَمَهُمْ {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قِيلَ الْوَاسِعُ ذُو السَّعَةِ وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي عَنْ غِنًى، وَالْعَلِيمُ الْعَالِمُ، وَقِيلَ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَالْعَلِيمُ بِمَا يَكُونُ فَقَالُوا لَهُ: فَمَا آيَةُ مُلْكِهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) } {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} وَكَانَتْ قِصَّةُ التَّابُوتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ تَابُوتًا عَلَى آدَمَ فِيهِ صُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَكَانَ مِنْ عُودِ الشِّمْشَاذِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ، فَكَانَ عِنْدَ آدَمَ إِلَى أَنْ مَاتَ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ شِيثَ ثُمَّ تَوَارَثَهَا أَوْلَادُ آدَمَ إِلَى أَنْ بَلَغَ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ كَانَ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ ثُمَّ عِنْدَ يَعْقُوبَ ثُمَّ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مُوسَى فَكَانَ مُوسَى يَضَعُ فِيهِ التَّوْرَاةَ وَمَتَاعًا مِنْ مَتَاعِهِ، فَكَانَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تَدَاوَلَتْهُ

_ (1) ساقط من (أ) .

أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى وَقْتِ إِشْمَوِيلَ وَكَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى (1) {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} اخْتَلَفُوا في السكينة 42/ب مَا هِيَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِيحٌ خَجُوجٌ هَفَّافَةٌ لَهَا رَأْسَانِ وَوَجْهٌ كَوَجْهِ الْإِنْسَانِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ: شَيْءٌ يُشْبِهُ الْهِرَّةَ لَهُ رَأْسٌ كَرَأْسِ الْهِرَّةِ وَذَنَبٌ كَذَنَبِ الْهِرَّةِ وَلَهُ جَنَاحَانِ، وَقِيلَ لَهُ عَيْنَانِ لَهُمَا شُعَاعٌ وَجَنَاحَانِ مِنْ زُمُرُّدٍ وَزَبَرْجَدٍ فَكَانُوا إِذَا سَمِعُوا صَوْتَهُ تَيَقَّنُوا بِالنَّصْرِ وَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا وَضَعُوا التَّابُوتَ قُدَّامَهُمْ فَإِذَا سَارَ سَارُوا وَإِذَا وَقَفَ وَقَفُوا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: هِيَ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مِنَ الْجَنَّةِ كَانَ يَغْسِلُ فِيهِ قُلُوبَ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هِيَ رُوحٌ مِنَ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تُخْبِرُهُمْ بِبَيَانِ مَا يُرِيدُونَ (2) ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: هِيَ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْآيَاتِ فَيَسْكُنُونَ إِلَيْهَا، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: السَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ أَيْ طُمَأْنِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَفِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ التَّابُوتُ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ وَسَكَنُوا (3) {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ أَنْفُسَهُمَا كَانَ فِيهِ لَوْحَانِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَرُضَاضِ الْأَلْوَاحِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ وَكَانَ فِيهِ عَصَا مُوسَى وَنَعْلَاهُ وَعِمَامَةُ هَارُونَ وَعَصَاهُ وَقَفِيزٌ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي كَانَ يَنْزِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ التَّابُوتُ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ تَكَلَّمَ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ وَإِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَلَمَّا عَصَوْا وَفَسَدُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَمَالِقَةَ فَغَلَبُوهُمْ عَلَى التَّابُوتِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لِعَيْلَى الْعَالِمِ الَّذِي رَبَّى إِشْمَوِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ابْنَانِ شَابَّانِ وَكَانَ عَيْلَى حَبْرَهُمْ وَصَاحِبَ قُرْبَانِهِمْ فَأَحْدَثَ ابْنَاهُ فِي الْقُرْبَانِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لِعَيْلَى مَنُوطُ الْقُرْبَانِ الَّذِي كَانُوا يَنُوطُونَهُ بِهِ كُلَّابَيْنِ، فَمَا أَخْرَجَا كَانَ لِلْكَاهِنِ الَّذِي يَنُوطُهُ، فَجَعَلَ ابْنَاهُ كَلَالِيبَ وَكَانَ النِّسَاءُ يُصَلِّينَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَتَشَبَّثَانِ بِهِنَّ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِشْمَوِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْطَلِقْ إِلَى عَيْلَى فَقُلْ لَهُ مَنَعَكَ حُبُّ الْوَلَدِ مِنْ أَنْ تَزْجُرَ ابْنَيْكَ عَنْ أَنْ يُحْدِثَا فِي قُرْبَانِي وَقُدْسِي وَأَنْ يَعْصِيَانِي فَلَأَنْزِعَنَّ الْكَهَانَةَ مِنْكَ وَمِنْ وَلَدِكَ وَلَأُهْلِكَنَّكَ وَإِيَّاهُمْ، فَأَخْبَرَ إِشْمَوِيلُ عَيْلَى بِذَلِكَ فَفَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَدُوٌّ مِمَّنْ حَوْلَهُمْ

_ (1) هذا الكلام عن التابوت وهيئته وتوارثه ... إلخ ليس فيه شيء ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو ثبت ما جاء في التفسير له عن بعض الصحابة أو التابعين، فإنه يبقى محتملا للصدق والكذب، لأن ثبوت القول ونسبته للصحابي في هذه الأمور لا يعني صحته في واقع الأمر، وعلى كل حال لا يتوقف فهم الآيات الكريمة على شيء مما ذكر، والله أعلم. (2) ليس في السنة الثابتة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على شيء من هذا التفسير للسكينة، وهي منقولة عن أهل الكتاب، ولسنا بحاجة إلى شيء من ذلك لتفسير الآية الكريمة، وانظر: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ أبي شهبة ص (240) . (3) قال ابن عطية، رحمه الله، مرجحا هذا المعنى: "والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا: فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال: عزم عزيمة، وقطع قطيعة". المحرر الوجيز لابن عطية: 2 / 361. وانظر: تفسير الطبري: 5 / 329-230.

فَأَمَرَ ابْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَا بِالنَّاسِ فَيُقَاتِلَا ذَلِكَ الْعَدُوَّ فَخَرَجَا وَأَخْرَجَا مَعَهُمَا التابوت فلما تهيؤوا لِلْقِتَالِ جَعَلَ عَيْلَى يَتَوَقَّعُ الْخَبَرَ مَاذَا صَنَعُوا فَجَاءَهُ رَجُلٌ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا وَأَنَّ ابْنَيْكَ قَدْ قُتِلَا قَالَ فَمَا فَعَلَ التَّابُوتُ؟ قَالَ ذَهَبَ بِهِ الْعَدُوُّ، فَشَهِقَ وَوَقَعَ عَلَى قَفَاهُ مِنْ كُرْسِيِّهِ وَمَاتَ فَمَرَجَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَفَرَّقُوا إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا فَسَأَلُوهُ الْبَيِّنَةَ فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ. وَكَانَتْ قِصَّةُ التَّابُوتِ، أَنَّ الَّذِينَ سَبَوُا التَّابُوتَ أَتَوْا بِهِ قَرْيَةً مِنْ قُرَى فِلَسْطِينَ يُقَالُ لَهَا ازْدَوَدُ وَجَعَلُوهُ فِي بَيْتِ صَنَمٍ لَهُمْ، وَوَضَعُوهُ تَحْتَ الصَّنَمِ الْأَعْظَمِ، فَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ وَالصَّنَمُ تَحْتَهُ فَأَخَذُوهُ وَوَضَعُوهُ فَوْقَهُ وَسَمَّرُوا قَدَمِيِ الصَّنَمِ عَلَى التَّابُوتِ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ الصَّنَمِ وَرِجْلَاهُ وَأَصْبَحَ مُلْقًى تَحْتَ التَّابُوتِ وَأَصْبَحَتْ أَصْنَامُهُمْ مُنَكَّسَةً فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْتِ الصَّنَمِ وَوَضَعُوهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ مَدِينَتِهِمْ فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَجَعٌ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ إِلَهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ، فَأَخْرِجُوهُ إِلَى قَرْيَةِ كَذَا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَأْرًا فَكَانَتِ الْفَأْرَةُ تَبِيتُ مَعَ الرَّجُلِ فَيُصْبِحُ مَيِّتًا قَدْ أَكَلَتْ مَا فِي جَوْفِهِ فَأَخْرَجُوهُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَدَفَنُوهُ فِي مَخْرَأَةٍ لَهُمْ فَكَانَ كُلُّ مَنْ تَبَرَّزَ هُنَاكَ أَخَذَهُ الْبَاسُورُ وَالْقُولَنْجُ فَتَحَيَّرُوا، فَقَالَتْ لَهُمُ امْرَأَةٌ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مِنْ سَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَزَالُونَ تَرَوْنَ مَا تَكْرَهُونَ مَا دَامَ هَذَا التَّابُوتُ فِيكُمْ فَأَخْرِجُوهُ عَنْكُمْ، فَأَتَوْا بِعَجَلَةٍ بِإِشَارَةِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَحَمَلُوا عَلَيْهَا التَّابُوتَ ثُمَّ عَلَّقُوهَا عَلَى ثَوْرَيْنِ وَضَرَبُوا جَنُوبَهُمَا فَأَقْبَلَ الثَّوْرَانِ يَسِيرَانِ وَوَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمَا أَرْبَعَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُوقُونَهُمَا فَأَقْبَلَا حَتَّى وَقَفَا عَلَى أَرْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَسَرَا نَيْرَيْهِمَا وَقَطَعَا حِبَالَهُمَا وَوَضَعَا التَّابُوتَ فِي أَرْضٍ فِيهَا حَصَادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرَجَعَا إِلَى أَرْضِهِمَا فَلَمْ يُرَعْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا بِالتَّابُوتِ فَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ} أَيْ تَسُوقُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ بِالتَّابُوتِ تَحْمِلُهُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْهُ عِنْدَ طَالُوتَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ التَّابُوتُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ فَلَمَّا وَلِيَ طَالُوتُ الْمُلْكَ حَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَوَضَعَتْهُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ قَتَادَةُ بَلْ كَانَ التَّابُوتُ فِي التِّيهِ خَلَّفَهُ مُوسَى عِنْدَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ فَبَقِيَ هُنَاكَ فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ فِي دَارِ طَالُوتَ فَأَقَرُّوا بِمُلْكِهِ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} لَعِبْرَةً {لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ

_ (1) كل هذا من أخبار بني إسرائيل الذين غيروا وبدلوا، فالله أعلم بصحتها.

التَّابُوتَ وَعَصَا مُوسَى فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) .

_ (1) يقول الشيخ أبو شهبة رحمه الله: "والذي نقطع به، ويجب الإيمان به: أنه كان في بني إسرائيل تابوت - أي صندوق - من غير بحث في حقيقته، وهيئته، ومن أين جاء، إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم، وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات من مخلفات موسى وهارن - عليهما السلام - مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفا - مما سبق في البغوي وغيره من روايات - وأن هذا التابوت كان مصدر سكينة وطمأنينة لبني اسرائيل، ولا سيما عند قتالهم عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل، تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق التي حملته بها الملائكة، وبذلك: كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كنه ملكا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي سمعتها: لم يقم عليها دليل" انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 243. وأما الأستاذ سيد قطب، رحمه الله، فقد أعرض عن كل هذه الروايات الإسرائيلية، ليعرض لنا ما توحي إليه الآيات الكريمة من دروس مستخلصة من تجارب تلك الأمم السابقة، مما جاء القرآن الكريم لتثبيته في النفوس المؤمنة وتربيتها عليه، انظر: في ظلال القرآن: 2 / 260 وما بعدها، طبع دار الشروق.

249

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} أَيْ خَرَجَ بِهِمْ، وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْقَطْعُ، يَعْنِي قَطَعَ مُسْتَقَرَّهُ شَاخِصًا إِلَى غَيْرِهِ فَخَرَجَ طَالُوتُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْجُنُودِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ أَلْفًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ إِلَّا كَبِيرٌ لِهَرَمِهِ أَوْ مَرِيضٌ لِمَرَضِهِ أَوْ مَعْذُورٌ لِعُذْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوُا التَّابُوتَ لَمْ يَشُكُّوا فِي النَّصْرِ، فَتَسَارَعُوا إِلَى الْجِهَادِ، فَقَالَ طَالُوتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِي كُلِّ مَا أَرَى، لَا يَخْرُجْ مَعِي رَجُلٌ بَنَى بِنَاءً لَمْ يَفْرَغْ مِنْهُ وَلَا صَاحِبُ تِجَارَةٍ يَشْتَغِلُ بِهَا وَلَا رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَبْنِ بِهَا وَلَا أَبْتَغِي إِلَّا الشَّبَابَ النَّشِيطَ الْفَارِغَ فَاجْتَمَعَ لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفًا مِمَّنْ شَرَطَهُ وَكَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ فَشَكَوْا قِلَّةَ الْمَاءِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ فَقَالُوا: إِنَّ الْمِيَاهَ قَلِيلَةٌ لَا تَحْمِلُنَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَ لَنَا نَهْرًا. {قَالَ} طَالُوتُ {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} مُخْتَبِرُكُمْ لِيَرَى طَاعَتَكُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ - {بِنَهَرٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، وَقَالَ قَتَادَةُ نَهْرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِ وَفِلَسْطِينَ عَذْبٌ {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أَيْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينِي وَطَاعَتِي {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} يَشْرَبْهُ {فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو "غَرْفَةً" بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَهُمَا لُغَتَانِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْغُرْفَةُ بِالضَّمِّ الَّذِي يَحْصُلُ فِي الْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ إِذَا غُرِفَ، وَالْغَرْفَةُ: بِالْفَتْحِ الِاغْتِرَافُ فَالضَّمُّ اسْمٌ وَالْفَتْحُ مَصْدَرٌ {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَلِيلِ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا، فَقَالَ

250

السِّدِّيُّ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهْرَ وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثُمِائَةٍ (1) . وَيُرْوَى ثَلَاثَمِائَةٍ وثلاثة عشر 43/أفَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى النَّهْرِ وَقَدْ أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ فَشَرِبَ مِنْهُ الْكُلُّ إِلَّا هَذَا الْعَدَدَ الْقَلِيلَ فَمَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً كَمَا أَمَرَ اللَّهُ قَوِيَ قَلْبُهُ وَصَحَّ إِيمَانُهُ وَعَبَرَ النَّهْرَ سَالِمًا وَكَفَتْهُ تِلْكَ الْغُرْفَةُ الْوَاحِدَةُ لِشُرْبِهِ وَحَمْلِهِ وَدَوَابَّهُ، وَالَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ اسْوَدَّتْ شِفَاهُهُمْ وَغَلَبَهُمُ الْعَطَشُ فَلَمْ يَرْوُوا وَبَقُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ وَجَبَنُوا عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ فَلَمْ يُجَاوِزُوا وَلَمْ يَشْهَدُوا الْفَتْحَ. وَقِيلَ كُلُّهُمْ جَاوَزُوا وَلَكِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ إِلَّا الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} يَعْنِي النَّهْرَ {هُوَ} يَعْنِي طَالُوتَ {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} يَعْنِي الْقَلِيلَ {قَالُوا} يَعْنِي الَّذِينَ شَرِبُوا وَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ، وَكَانُوا أَهْلَ شَكٍّ وَنِفَاقٍ {لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالسُّدِّيُّ: فَانْحَرَفُوا وَلَمْ يُجَاوِزُوا {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يَسْتَيْقِنُونَ {أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ طَالُوتَ {كَمْ مِنْ فِئَةٍ} جَمَاعَةٍ وَهِيَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَجَمْعُهُ فِئَاتٌ وَفِئُونَ فِي الرَّفْعِ وَفِئِينَ فِي الْخَفْضِ وَالنَّصْبِ {قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} بِقَضَائِهِ وَإِرَادَتِهِ {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} بِالنَّصْرِ وَالْمَعُونَةِ. {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) } {وَلَمَّا بَرَزُوا} يَعْنِي طَالُوتَ وَجُنُودَهُ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ {لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} الْمُشْرِكِينَ وَمَعْنَى بَرَزُوا صَارُوا بِالْبِرَازِ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ مَا ظَهَرَ وَاسْتَوَى {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا} أَنْزَلَ وَاصْبُبْ {صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} قُلُوبَنَا {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) } {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} وَصِفَةُ قَتْلِهِ: قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ (2)

_ (1) رواه البخاري في المغازي: باب: عدة أصحاب بدر. 7 / 290. (2) هذه الأقوال عن أهل التفسير بمجملها من الإسرائيليات، ونحن في غنية عنه مما ف أيدينا من الكتاب والسنة، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على ما ذكروه، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره، فلا تلق إليه بالا ... وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن ذلك مما ذكر في الإسرائيليات انظر تفسير ابن كثير 1 / 537 طبع دار الأرقم. الإسرائيليات والموضوعات لشيخ أبي شهبة ص248-249.

عَبَرَ النَّهْرَ مَعَ طَالُوتَ فِيمَنْ عَبَرَ إِيشَا أَبُو دَاوُدَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا لَهُ وَكَانَ دَاوُدُ أَصْغَرَهُمْ وَكَانَ يَرْمِي بِالْقَذَّافَةِ فَقَالَ لِأَبِيهِ يَوْمًا يَا أَبَتَاهُ مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إِلَّا صَرَعَتْهُ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقَكَ فِي قَذَّافَتِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ لَقَدْ دَخَلْتُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَوَجَدْتُ أَسَدًا رَابِضًا فَرَكِبْتُهُ فَأَخَذْتُ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ يَهْجُنِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ يُرِيدُهُ اللَّهُ بِكَ ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ إِنِّي لَأَمْشِي بَيْنَ الْجِبَالِ فَأُسَبِّحُ فَمَا يَبْقَى جَبَلٌ إِلَّا سَبَّحَ مَعِي، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا بُنَيَّ فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَرْسَلَ جَالُوتُ إِلَى طَالُوتَ أَنِ ابْرُزْ إِلَيَّ أَوْ أَبْرِزْ إِلَيَّ مَنْ يُقَاتِلُنِي فَإِنْ قَتَلَنِي فَلَكُمْ مُلْكِي وَإِنْ قَتَلْتُهُ فَلِي مُلْكُكُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى طَالُوتَ فَنَادَى فِي عَسْكَرِهِ مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي وَنَاصَفْتُهُ مُلْكِي فَهَابَ النَّاسُ جَالُوتَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَسَأَلَ طَالُوتُ نَبِيَّهُمْ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى فَدَعَا اللَّهَ فِي ذَلِكَ، فَأَتَى بِقَرْنٍ فِيهِ دُهْنُ الْقُدْسِ وَتَنُّورٍ فِي حَدِيدٍ فَقِيلَ إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَقْتُلُ جَالُوتَ هُوَ الَّذِي يُوضَعُ هَذَا الْقَرْنُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَغْلِي الدُّهْنُ حَتَّى يَدْهُنَ مِنْهُ رَأْسَهُ وَلَا يَسِيلَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيلِ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا التَّنُّورِ فَيَمْلَؤُهُ وَلَا يَتَقَلْقَلُ فِيهِ، فَدَعَا طَالُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَرَّبَهُمْ فَلَمْ يُوَافِقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِمْ أَنَّ فِي وَلَدِ إِيشَا مَنْ يَقْتُلُ اللَّهُ بِهِ جَالُوتَ فَدَعَا طَالُوتُ إِيشَا فَقَالَ: اعْرِضْ عَلَيَّ بَنِيكَ فَأَخْرَجَ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا أَمْثَالَ السَّوَارِي (1) فَجَعَلَ يَعْرِضُهُمْ عَلَى الْقَرْنِ فَلَا يَرَى شَيْئًا فَقَالَ: لِإِيشَا هَلْ بَقِيَ لَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُمْ فَقَالَ لَا فَقَالَ النَّبِيُّ: يَا رَبِّ إِنَّهُ زَعَمَ أَنْ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ كَذَبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ: إِنَّ رَبِّي كَذَّبَكَ فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ لِي ابْنًا صَغِيرًا يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ لِقِصَرِ قَامَتِهِ وَحَقَارَتِهِ (فَخَلَّفْتُهُ) (2) فِي الْغَنَمِ يَرْعَاهَا وَهُوَ فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ دَاوُدُ رَجُلًا قَصِيرًا مِسْقَامًا (3)

_ (1) جمع سارية: وهي الأسطوانة، من حجارة أو آجر، وفي الحديث أنه نهى أن يصلي بين السواري، وذلك في صلاة الجماعة، من أجل انقطاع الصف. (2) في أفجعلته. (3) رجل مسقام، وامرأة مسقام أيضا: أي كثير السقم لا يكاد يبرأ.

مِصْفَارًا (1) أَزْرَقَ (2) أَمْعَرَ (3) ، فَدَعَاهُ طَالُوتُ، وَيُقَالُ: بَلْ خَرَجَ طَالُوتُ إِلَيْهِ فَوَجَدَ الْوَادِيَ قَدْ سَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزَّرِيبَةِ الَّتِي كَانَ يُرِيحُ إِلَيْهَا، فَوَجَدَهُ يَحْمِلُ شَاتَيْنِ يُجِيزُ بِهِمَا السَّيْلَ وَلَا يَخُوضُ بِهِمَا الْمَاءَ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: هَذَا هُوَ لَا شَكَّ فِيهِ، هَذَا يَرْحَمُ الْبَهَائِمَ فَهُوَ بِالنَّاسِ أَرْحَمُ فَدَعَاهُ وَوَضَعَ الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَاضَ فَقَالَ طَالُوتُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ جَالُوتَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُجْرِي خَاتَمَكَ فِي مُلْكِي قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَهَلْ آنَسْتَ مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا تَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قَتْلِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا أَرْعَى فَيَجِيءُ الْأَسَدُ أَوِ النَّمِرُ أَوِ الذِّئْبُ فَيَأْخُذُ شَاةً فَأَقُومُ إِلَيْهِ فَأَفْتَحُ لِحْيَيْهِ عَنْهَا وَأَضْرِقُهَا إِلَى قَفَاهُ، فَرَدَّهُ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَمَرَّ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي طَرِيقِهِ بِحَجَرٍ فَنَادَاهُ الْحَجَرُ يَا دَاوُدُ احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُ هَارُونَ الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا، فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَالَ: احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ بِي مَلِكَ كَذَا وَكَذَا فَحَمَلَهُ فِي مِخْلَاتِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِحَجَرٍ آخَرَ فَقَالَ: احْمِلْنِي فَإِنِّي حَجَرُكَ الَّذِي تَقْتُلُ بِي جَالُوتَ فَوَضَعَهَا فِي مِخْلَاتِهِ، فَلَمَّا تَصَافُّوا لِلْقِتَالِ وَبَرَزَ جَالُوتُ وَسَأَلَ الْمُبَارَزَةَ انْتُدِبَ لَهُ دَاوُدُ فَأَعْطَاهُ طَالُوتُ فَرَسًا وَدِرْعًا وَسِلَاحًا فَلَبِسَ السِّلَاحَ وَرَكِبَ الْفَرَسَ وَسَارَ قَرِيبًا ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَنْ حَوْلَهُ جَبَنَ الْغُلَامُ فَجَاءَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِنْ لَمْ يَنْصُرْنِي لَمْ يُغْنِ عَنِّي هَذَا السِّلَاحُ شَيْئًا، فَدَعْنِي أُقَاتِلْ كَمَا أُرِيدُ، قَالَ: فَافْعَلْ مَا شِئْتَ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ دَاوُدُ مِخْلَاتَهُ فَتَقَلَّدَهَا وَأَخَذَ الْمِقْلَاعَ وَمَضَى نَحْوَ جَالُوتَ وَكَانَ جَالُوتُ مِنْ أَشَدِّ الرِّجَالِ وَأَقْوَاهُمْ، وَكَانَ يَهْزِمُ الْجُيُوشَ وَحْدَهُ وَكَانَ لَهُ بَيْضَةٌ (4) فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَطْلِ حَدِيدٍ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى دَاوُدَ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ الرُّعْبُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ تَبْرُزُ إِلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ جَالُوتُ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ (5) عَلَيْهِ السِّلَاحُ التَّامُّ، قَالَ: فَأَتَيْتَنِي بِالْمِقْلَاعِ وَالْحَجَرِ كَمَا يُؤْتَى الْكَلْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْكَلْبِ، قَالَ لَا جَرَمَ لَأَقْسِمَنَّ لَحْمَكَ بَيْنَ سِبَاعِ الْأَرْضِ وَطَيْرِ السَّمَاءِ قَالَ دَاوُدُ: أَوْ يُقَسِّمُ اللَّهُ لَحْمَكَ، فَقَالَ دَاوُدُ: بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَأَخْرَجَ حَجَرًا ثُمَّ أَخْرَجَ الْآخَرَ وَقَالَ: بِاسْمِ إِلَهِ إِسْحَاقَ وَوَضَعَهُ فِي مِقْلَاعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّالِثَ وَقَالَ: بِاسْمِ إِلَهِ يَعْقُوبَ وَوَضَعَهُ فِي مِقْلَاعِهِ فَصَارَتْ كُلُّهَا حَجَرًا وَاحِدًا وَدَوَّرَ دَاوُدُ الْمِقْلَاعَ وَرَمَى بِهِ فَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّيحَ حَتَّى أَصَابَ الْحَجَرَ أَنْفَ الْبَيْضَةِ فَخَالَطَ دِمَاغَهُ وَخَرَجَ مِنْ قَفَاهُ وَقَتَلَ مِنْ وَرَائِهِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا وَهَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَيْشَ وَخَرَّ جَالُوتُ قَتِيلًا فَأَخَذَهُ يَجُرُّهُ حَتَّى أَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْ طَالُوتَ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ دَاوُدَ فَجَاءَ دَاوُدُ طَالُوتَ وَقَالَ انْجُزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، فَقَالَ: أَتُرِيدُ ابْنَةَ الْمَلِكِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ؟ فَقَالَ دَاوُدُ: مَا

_ (1) من قولهم اصفار لونه: غلبته الصفرة، وذلك من المرض والضعف. (2) يريد أزرق العينين، وكانت العرب تتشاءم من الزرق. (3) قليل الشعر. (4) لباس الرأس في الحرب. (5) سواد وبياض وارتفاع التحجيل إلى الفخذين.

شَرَطْتَ عَلَيَّ صَدَاقًا وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ فَقَالَ لَا أُكَلِّفُكَ إِلَّا مَا تُطِيقُ أَنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ وَفِي حِيَالِنَا أَعْدَاءٌ لَنَا غُلْفٌ (1) فَإِذَا قَتَلْتَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ رَجُلٍ وَجِئْتَنِي بِغُلْفِهِمْ زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي فَأَتَاهُمْ فَجَعَلَ كُلَّمَا قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ نَظَمَ غُلْفَتَهُ فِي خَيْطٍ حَتَّى نَظَمَ غُلْفَهُمْ فَجَاءَ بِهَا إِلَى طَالُوتَ فَأَلْقَى إِلَيْهِ وَقَالَ ادْفَعْ إِلَيَّ امْرَأَتِي فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَأَجْرَى خَاتَمَهُ فِي مُلْكِهِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَى دَاوُدَ وَأَحَبُّوهُ وَأَكْثَرُوا ذِكْرَهُ، فَحَسَدَهُ طَالُوتُ وَأَرَادَ قَتْلَهُ فَأَخْبَرَ ذَلِكَ ابْنَةَ طَالُوتَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْعَيْنَيْنِ فَقَالَتْ لِدَاوُدَ إِنَّكَ مَقْتُولٌ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَالَ: وَمَنْ يَقْتُلُنِي؟ قالت أبي 43/ب قَالَ وَهَلْ أَجْرَمْتُ جُرْمًا قَالَتْ: حَدَّثَنِي مَنْ لَا يَكْذِبُ وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَغِيبَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ حَتَّى تَنْظُرَ مِصْدَاقَ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَئِنْ كَانَ أَرَادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَا أَسْتَطِيعُ خُرُوجًا وَلَكِنِ ائْتِينِي بِزِقِّ (2) خَمْرٍ فَأَتَتْ بِهِ فَوَضَعَهُ فِي مَضْجَعِهِ عَلَى السَّرِيرِ وَسَجَاهُ (3) وَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ فَدَخَلَ طَالُوتُ نِصْفَ اللَّيْلِ فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ بَعْلُكِ؟ فَقَالَتْ: هُوَ نَائِمٌ عَلَى السَّرِيرِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً فَسَالَ الْخَمْرُ فَلَمَّا وَجَدَ رِيحَ الشَّرَابِ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ دَاوُدَ مَا كَانَ أَكْثَرَ شُرْبِهِ لِلْخَمْرِ، وَخَرَجَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا طَلَبْتُ مِنْهُ مَا طَلَبْتُ لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يَدَعَنِي حَتَّى يُدْرِكَ مِنِّي ثَأْرَهُ فَاشْتَدَّ حُجَّابُهُ وَحُرَّاسُهُ وَأَغْلَقَ دُونَهُ أَبْوَابَهُ، ثُمَّ إِنَّ دَاوُدَ أَتَاهُ لَيْلَةً وَقَدْ هَدَأَتِ الْعُيُونُ فَأَعْمَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَجَبَةَ وَفَتَحَ لَهُ الْأَبْوَابَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَضَعَ سَهْمًا عِنْدَ رَأْسِهِ وَسَهْمًا عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَسَهْمًا عَنْ يَمِينِهِ وَسَهْمًا عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَالُوتُ بَصُرَ بِالسِّهَامِ فَعَرَفَهَا فَقَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى دَاوُدَ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ظَفِرْتُ بِهِ فَقَصَدْتُ قَتْلَهُ وَظَفِرَ بِي فَكَفَّ عَنِّي وَلَوْ شَاءَ لَوَضَعَ هَذَا السَّهْمَ فِي حَلْقِي وَمَا أَنَا بِالَّذِي آمَنُهُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ أَتَاهُ ثَانِيًا وَأَعْمَى اللَّهُ الْحُجَّابَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فَأَخَذَ إِبْرِيقَ طَالُوتَ الَّذِي كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَكُوزَهُ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ وَقَطَعَ شَعَرَاتٍ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَيْئًا مِنْ هُدْبِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَهَرَبَ وَتَوَارَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَالُوتُ وَرَأَى ذَلِكَ سَلَّطَ عَلَى دَاوُدَ الْعُيُونَ وَطَلَبَهُ أَشَدَّ الطَّلَبِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ طَالُوتَ رَكِبَ يَوْمًا فَوَجَدَ دَاوُدَ يَمْشِي فِي الْبَرِيَّةِ فَقَالَ: الْيَوْمَ أَقْتُلُهُ فَرَكَضَ عَلَى أَثَرِهِ، فَاشْتَدَّ دَاوُدُ وَكَانَ إِذَا فَزِعَ لَمْ يُدْرَكْ، فَدَخَلَ غَارًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْعَنْكَبُوتِ فَنَسَجَ عَلَيْهِ بَيْتًا فَلَمَّا انْتَهَى طَالُوتُ إِلَى الْغَارِ وَنَظَرَ إِلَى بِنَاءِ الْعَنْكَبُوتِ قَالَ: لَوْ كَانَ دَخَلَ هَاهُنَا لَخَرَقَ بِنَاءَ الْعَنْكَبُوتِ فَتَرَكَهُ وَمَضَى، فَانْطَلَقَ دَاوُدُ وَأَتَى الْجَبَلَ مَعَ الْمُتَعَبِّدِينَ فَتَعَبَّدَ فِيهِ فَطَعَنَ الْعُلَمَاءُ وَالْعِبَادُ عَلَى طَالُوتَ فِي شَأْنِ دَاوُدَ فَجَعَلَ طَالُوتُ لَا يَنْهَاهُ أَحَدٌ عَنْ قَتْلِ دَاوُدَ إِلَّا قَتَلَهُ، وَأَغْرَى بِقَتْلِ الْعُلَمَاءِ فَلَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى عَالِمٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُطِيقُ قَتْلَهُ إِلَّا قَتَلَهُ، حَتَّى أُتِيَ بِامْرَأَةٍ تَعْلَمُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ فَأَمَرَ خَبَّازَهُ بِقَتْلِهَا فَرَحِمَهَا

_ (1) جمع أغلف، وهو الذي لم يختتن. (2) الزق: (بكسر الزاي) جلد شاة يسلخ من رجل واحدة، ومن قبل رأسه وعنقه، ثم يعالج حتى يكون سقاء، وكانوا أكثر ما يتخذونه للخمر. (3) غطاه ومد عليه ثوبا.

الْخَبَّازُ وَقَالَ: لَعَلَّنَا نَحْتَاجُ إِلَى عَالِمٍ فَتَرَكَهَا فَوَقَعَ فِي قَلْبِ طَالُوتَ التَّوْبَةُ وَنَدِمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْبُكَاءِ حَتَّى رَحِمَهُ النَّاسُ. وَكَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ يَخْرُجُ إِلَى الْقُبُورِ فَيَبْكِي وَيُنَادِي: أَنْشُدُ اللَّهَ عَبْدًا يَعْلَمُ أَنَّ لِي تَوْبَةً إِلَّا أَخْبَرَنِي بِهَا، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِمْ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ الْقُبُورِ يَا طَالُوتُ أَمَا تَرْضَى أَنْ قَتَلْتَنَا حَتَّى تُؤْذِيَنَا أَمْوَاتًا فَازْدَادَ بُكَاءً وَحُزْنًا فَرَحِمَهُ الْخَبَّازُ فَقَالَ: مَا لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ لِي فِي الْأَرْضِ عَالِمًا أَسْأَلُهُ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ الْخَبَّازُ: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ مَلِكٍ نَزَلَ قَرْيَةً عِشَاءً فَصَاحَ الدِّيكُ فَتَطَيَّرَ مِنْهُ فَقَالَ: لَا تَتْرُكُوا فِي الْقَرْيَةِ دِيكًا إِلَّا ذَبَحْتُمُوهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا صَاحَ الدِّيكُ فَأَيْقِظُونَا حَتَّى نُدْلِجَ فَقَالُوا لَهُ: وَهَلْ تَرَكْتَ دِيكًا نَسْمَعُ صَوْتَهُ؟ وَلَكِنْ هَلْ تَرَكْتَ عَالِمًا فِي الْأَرْضِ؟ فَازْدَادَ حُزْنًا وَبُكَاءً فَلَمَّا رَأَى الْخَبَّازُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتُكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَى عَالِمٍ لَعَلَّكَ أَنْ تَقْتُلَهُ قَالَ: لَا فَتَوَثَّقَ عَلَيْهِ الْخَبَّازُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْعَالِمَةَ عِنْدَهُ قَالَ: انْطَلِقْ بِي إِلَيْهَا أَسْأَلْهَا هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ فَإِذَا فَنِيَتْ رِجَالُهُمْ عَلِمَتْ نِسَاؤُهُمْ فَلَمَّا بَلَغَ طَالُوتُ الْبَابَ قَالَ الْخَبَّازُ إِنَّهَا إِذَا رَأَتْكَ فَزِعَتْ فَخَلَّفَهُ خَلْفَهُ ثُمَّ دَخَلَهُ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: أَلَسْتُ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنَّةً عَلَيْكِ أَنْجَيْتُكِ مِنَ الْقَتْلِ وَآوَيْتُكِ، قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ لِي إِلَيْكِ حَاجَةً هَذَا طَالُوتُ يَسْأَلُ هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَغُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَرَقِ فَقَالَ لَهَا: إِنَّهُ لَا يُرِيدُ قَتْلَكِ وَلَكِنْ يَسْأَلُكَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ لِطَالُوتَ تَوْبَةً، وَلَكِنْ هَلْ تَعْلَمُونَ مَكَانَ قَبْرِ نَبِيٍّ؟ فَانْطَلَقَ بِهِمَا إِلَى قَبْرِ إِشْمَوِيلَ فَصَلَّتْ وَدَعَتْ ثُمَّ نَادَتْ يَا صَاحِبَ الْقَبْرِ فَخَرَجَ إِشْمَوِيلُ مِنَ الْقَبْرِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ التُّرَابِ فلما نظر إليهم ثَلَاثَتِهُمْ قَالَ: مَا لَكُمْ أَقَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ طَالُوتُ يَسْأَلُكَ هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ إِشْمَوِيلُ: يَا طَالُوتُ مَا فَعَلْتَ بَعْدِي؟ قَالَ: لَمْ أَدَعْ مِنَ الشَّرِّ شَيْئًا إِلَّا فَعَلْتُهُ وَجِئْتُ أَطْلُبُ التَّوْبَةَ قَالَ: كَمْ لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ قَالَ عَشَرَةُ رِجَالٍ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ لَكَ مِنْ تَوْبَةٍ إِلَّا أَنْ تَتَخَلَّى مِنْ مُلْكِكَ وَتَخْرُجَ أَنْتَ وَوَلَدُكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ تُقَدِّمَ وَلَدَكَ حَتَّى يُقْتَلُوا بَيْنَ يَدَيْكَ ثُمَّ تُقَاتِلَ أَنْتَ حَتَّى تُقْتَلَ آخِرَهُمْ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِشْمَوِيلُ إِلَى الْقَبْرِ وَسَقَطَ مَيِّتًا، وَرَجَعَ طَالُوتُ أَحْزَنَ مَا كَانَ رَهْبَةً أَنْ لَا يُتَابِعَهُ وَلَدُهُ وَقَدْ بَكَى حَتَّى سَقَطَتْ أَشْفَارُ عَيْنَيْهِ وَنَحُلَ جِسْمُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَوْلَادُهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ دُفِعْتُ إِلَى النَّارِ هَلْ كُنْتُمْ تَفْدُونَنِي؟ قَالُوا: نَعَمْ نَفْدِيكَ بِمَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ قَالَ: فَإِنَّهَا النَّارُ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ قَالُوا: فَاعْرِضْ عَلَيْنَا فَذَكَرَ لَهُمُ الْقِصَّةَ، قَالُوا: وَإِنَّكَ لِمَقْتُولٌ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَلَا خَيْرَ لَنَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَكَ قَدْ طَابَتْ أَنْفُسُنَا بِالَّذِي سَأَلْتَ، فَتَجَهَّزَ بِمَالِهِ وَوَلَدِهِ فَتَقَدَّمَ وَلَدُهُ وَكَانُوا عَشَرَةً فَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى قُتِلُوا ثُمَّ شَدَّ هُوَ بَعْدَهُمْ حَتَّى قُتِلَ فَجَاءَ قَاتِلُهُ إِلَى دَاوُدَ لِيُبَشِّرَهُ وَقَالَ: قَتَلْتُ عَدُوَّكَ فَقَالَ دَاوُدُ: مَا أَنْتَ بِالَّذِي تَحْيَا بَعْدَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَانَ مُلْكُ طَالُوتَ إِلَى أَنْ قُتِلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَتَى بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى دَاوُدَ وَأَعْطَوْهُ خَزَائِنَ طَالُوتَ وَمَلَّكُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: مَلَكَ دَاوُدُ بَعْدَ قَتْلِ طَالُوتَ سَبْعَ سِنِينَ وَلَمْ يَجْتَمِعْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى مَلِكٍ وَاحِدٍ إِلَّا عَلَى دَاوُدَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي: النُّبُوَّةَ؛ جَمَعَ اللَّهُ لِدَاوُدَ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ، بَلْ كَانَ الْمُلْكُ فِي سِبْطٍ وَالنُّبُوَّةُ فِي سِبْطٍ، وَقِيلَ: الْمُلْكُ وَالْحِكْمَةُ هُوَ الْعِلْمُ مَعَ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} قَالَ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ يَعْنِي: صَنْعَةَ الدُّرُوعِ وَكَانَ يَصْنَعُهَا وَيَبِيعُهَا وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَقِيلَ مَنْطِقُ الطَّيْرِ (وَكَلَامُ الْحُكْلِ) (1) وَالنَّمْلِ وَالْكَلَامُ الْحَسَنُ وَقِيلَ هُوَ الزَّبُورُ وَقِيلَ هُوَ الصَّوْتُ الطَّيِّبُ وَالْأَلْحَانُ فَلَمْ يُعْطِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ مِثْلَ صَوْتِهِ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ تَدْنُو الْوُحُوشُ حَتَّى يَأْخُذَ بِأَعْنَاقِهَا وَتُظِلَّهُ الطَّيْرُ مُصِيخَةً لَهُ وَيَرْكُدَ الْمَاءُ (الْجَارِي) (2) وَيَسْكُنَ الرِّيحُ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَاهُ سِلْسِلَةً مَوْصُولَةً بِالْمَجَرَّةِ وَرَأَسُهَا عِنْدَ صَوْمَعَتِهِ قُوَّتُهَا قُوَّةُ الْحَدِيدِ وَلَوْنُهَا لَوْنُ النَّارِ وَحِلَقُهَا مُسْتَدِيرَةٌ مُفَصَّلَةً بِالْجَوَاهِرِ مُدَسَّرَةً بِقُضْبَانِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فَلَا يَحْدُثُ فِي الْهَوَاءِ حَدَثٌ إِلَّا صَلْصَلَتِ السِّلْسِلَةُ، فَعَلِمَ دَاوُدُ ذَلِكَ الْحَدَثَ، وَلَا يَمَسُّهَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ، وَكَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا بَعْدَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنْ رُفِعَتْ، فَمَنْ تَعَدَّى عَلَى صَاحِبِهِ وَأَنْكَرَ لَهُ حَقًّا أَتَى السِّلْسِلَةَ فَمَنْ كَانَ صَادِقًا مَدَّ يَدَهُ إِلَى السِّلْسِلَةِ فَتَنَاوَلَهَا، وَمَنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَنَلْهَا فَكَانَتْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ ظَهَرَ بِهِمُ الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فَبَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ مُلُوكِهَا أودع رجلأ 44/أجَوْهَرَةً ثَمِينَةً فَلَمَّا اسْتَرَدَّهَا أَنْكَرَ فَتَحَاكَمَا إِلَى السِّلْسِلَةِ، فَعَمَدَ الَّذِي عِنْدَهُ الْجَوْهَرَةُ إِلَى عُكَّازَةٍ فَنَقَرَهَا وَضَمَّنَهَا الْجَوْهَرَةَ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهَا حَتَّى حَضَرَ السِّلْسِلَةَ فَقَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: رُدَّ عَلَيَّ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ صَاحِبُهُ: مَا أَعْرِفُ لَكَ عِنْدِي مِنْ وَدِيعَةٍ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَتَنَاوَلِ السِّلْسِلَةَ، فَتَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ فَقِيلَ لِلْمُنْكِرِ قُمْ أَنْتَ فَتُنَاوَلْهَا فَقَالَ لِصَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ: خُذْ عُكَّازِي هَذِهِ فَاحْفَظْهَا حَتَّى أَتَنَاوَلَ السِّلْسِلَةَ فَأَخَذَهَا عِنْدَهُ ثُمَّ قَامَ الْمُنْكِرُ نَحْوَ السِّلْسِلَةِ فَأَخَذَهَا فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ الَّتِي يَدَّعِيهَا عَلَيَّ قَدْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ فَقَرِّبْ مِنِّي السِّلْسِلَةَ فَمَدَّ يَدَهُ فَتَنَاوَلَهَا فَتَعَجَّبَ الْقَوْمُ وَشَكُّوا فِيهَا فَأَصْبَحُوا وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ السِّلْسِلَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ " دِفَاعُ اللَّهِ ") بِالْأَلِفِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِغَيْرِ الْأَلِفِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُغَالِبُهُ أَحَدٌ وَهُوَ الدَّافِعُ وَحْدَهُ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْأَلِفِ قَالَ: قَدْ يَكُونُ الدِّفَاعُ مِنْ وَاحِدٍ مِثْلُ قَوْلِ الْعَرَبِ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَنْكَ الدِّفَاعَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ لَغَلَبَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْأَرْضِ، فَقَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَخَرَّبُوا الْمَسَاجِدَ وَالْبِلَادَ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْأَبْرَارِ عَنِ الْكُفَّارِ وَالْفُجَّارِ لَهَلَكَتِ الْأَرْضُ بِمَنْ فِيهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ

_ (1) من ب، والحكل: ما لا يسمع له صوت. (2) ساقط من (أ) .

يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِ عَنِ الْكَافِرِ وَبِالصَّالِحِ عَنِ الْفَاجِرِ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنَجْوَيْهِ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَرْجَةَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَا أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ أَنَا حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ عَنْ وَبَرَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لِيَدْفَعُ بِالْمُسْلِمِ الصَّالِحَ عَنْ مِائَةِ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلَاءَ" ثُمَّ قَرَأَ "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ" (1) {لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}

_ (1) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: 5 / 374، وفيه يحيى بن سعيد العطار، ضعفه ابن معين وغيره، وقال أبو داود: "جائز الحديث" وقال محمد بن مصفى الحمصي الحافظ: ثقة. وترجمه البخاري في الكبير، فلم يذكر فيه جرحا. وقال ابن كثير بعد عزو الحديث للطبري: هذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد ضعيف جدا، التفسير 1 / 537، دار الأرقم وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير والأوسط، وقال: فيه يحيى بن سعيد وهو ضعيف انظر: مجمع الزوائد: 8 / 163-164، فيض القدير: 2 / 261.

253

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) } {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} أَيْ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَمَا أُوتِيَ نَبِيٌّ آيَةً إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ نَبِيُّنَا مِثْلَ تِلْكَ الْآيَةِ وَفُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ بِآيَاتٍ مِثْلُ: انْشِقَاقِ الْقَمَرِ بِإِشَارَتِهِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ عَلَى مُفَارَقَتِهِ، وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ، وَكَلَامِ الْبَهَائِمِ وَالشَّهَادَةِ بِرِسَالَتِهِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَأَظْهَرَهَا الْقُرْآنُ الَّذِي عَجَزَ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي

سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، أَخْبَرَنَا (2) هُشَيْمٌ، أَنَا سَيَّارٌ، أَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يعطهن أحد قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (3) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} أَيْ مِنْ بَعْدِ الرُّسُلِ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ} ثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ {وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} بِخُذْلَانِهِ {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} أَعَادَهُ تَأْكِيدًا {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} يُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ فَضْلًا وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ عَدْلًا. سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ فَقَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلَا تَلُجْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ، فَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تُفَتِّشْهُ (5) .

_ (1) أخرجه البخاري: في الاعتصام بالكتاب والسنة - باب: قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعثت بجوامع الكلم 13 / 247 وفي فضائل القرآن. ومسلم: في الإيمان - باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (239) 1 / 134. والمصنف في شرح السنة 13 / 195-196. (2) ساقط من "أ" والتصحيح من شرح السنة للمصنف، وفي المخطوط يسار بدلا من سيار. (3) أخرجه البخاري: في أول كتاب التيمم - الباب الأول 1 / 436 وفي كتاب الصلاة وفي الجهاد وفي بدء الخلق والأنبياء ومسلم: في المساجد برقم (521) 1 / 370-371 والمصنف في شرح السنة 13 / 196. (4) أخرجه مسلم: في المساجد ومواضع الصلاة برقم (523) 1 / 371 وفي رواية أخرى بعثت بجوامع الكلم. والمصنف في شرح السنة 13 / 197. (5) رواه الآجري في الشريعة ص (202) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 4 / 629.

255

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} قَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرَادَ بِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ وَالنَّفَقَةَ فِي الْخَيْرِ {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} أَيْ لَا فِدَاءَ فِيهِ، سَمَّاهُ بَيْعًا لِأَنَّ الْفِدَاءَ شِرَاءُ نَفْسِهِ {وَلَا خُلَّةٌ} لَا صَدَاقَةَ {وَلَا شَفَاعَةٌ} إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كُلَّهَا بِالنَّصْبِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ (الْآيَةَ 31) "لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ" وَفِي سُورَةِ الطُّورِ (الْآيَةَ 23) "لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ" وَقَرَأَ الْآخَرُونَ كُلَّهَا بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا. {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَبَا الْمُنْذِرِ أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ" قُلْتُ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: "لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ" ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا محمد بن وسف عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ: فَخَلَّيْتُ سبيله

_ (1) أبي السليل: هو ضريب بن نقيْر ويقال نقيل أبو السليل القيسي الجريري البصري، قال إسحاق بن منصور: عن يحيى بن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات: تهذيب التهذيب ج4 - ص401. (2) أخرجه مسلم: في صلاة المسافرين وقصرها برقم (810) 1 / 156 برواية مختلفة. والمصنف ف شرح السنة 4 / 459. وقوله: (ليهنك العلم) أي: ليكن العلم هنيئا لك.

فأصبحت 44/ب فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ" فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ" فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا قُلْتُ: مَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ" قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِيَ؟ قُلْتُ: قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} وَقَالَ: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ" قُلْتُ: لَا قَالَ "ذَاكَ شَيْطَانٌ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ هُوَ الْمَلِيكِيُّ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَرَأَ حِينَ يُصْبِحُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّلِ "حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ" (2-غَافِرٍ) حُفِظَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَرَأَهُمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ حَتَّى يُصْبِحَ" (2) .

_ (1) أخرجه البخاري في الوكالة، باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا.. 4 / 486-487، وفي بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده 6 / 335-336 وفي فضائل القرآن. والمصنف في شرح السنة 4 / 460. (2) أخرجه الترمذي: في فضائل القرآن - باب ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي 8 / 182 وقال هذا حديث غريب. وفي سنده عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكه (بالتصغير) كما في المغني وهو ضعيف من السابعة - التقريب. ميزان الاعتدال 2 / 550.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ} رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ} الْبَاقِي الدَّائِمُ عَلَى الْأَبَدِ وَهُوَ مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى {الْقَيُّومُ} قَرَأَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ "الْقَيَّامُ" وَقَرَأَ عَلْقَمَةُ "الْقَيِّمُ" وَكُلُّهَا لُغَاتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ {الْقَيُّومُ} الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ {شَيْءٍ} (1) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَقِيلَ هُوَ الْقَائِمُ بِالْأُمُورِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الَّذِي لَا يَزُولُ {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} السِّنَةُ: النُّعَاسُ وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ، وَالْوَسْنَانُ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ يُقَالُ مِنْهُ وَسِنَ يسن وَسَنًا وَسِنَةً وَالنَّوْمُ هُوَ الثَّقِيلُ الْمُزِيلُ لِلْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ، قَالَ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ، فَالسِّنَةُ أَوَّلُ النَّوْمِ وَهُوَ النُّعَاسُ، وَقِيلَ السِّنَةُ فِي الرَّأْسِ وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ وَالنَّوْمُ فِي الْقَلْبِ فَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ النَّوْمَ لِأَنَّهُ آفَةٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْآفَاتِ وَلِأَنَّهُ تُغَيُّرٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ الْقِسْطَ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ" (2) . وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَقَالَ: حِجَابُهُ النَّارُ. {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} مُلْكًا وَخَلْقًا {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} بِأَمْرِهِ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أَمْرُ الدُّنْيَا {وَمَا خَلْفَهُمْ} أَمْرُ الْآخِرَةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} يَعْنِي الْآخِرَةَ لِأَنَّهُمْ يَقْدَمُونَ عَلَيْهَا {وَمَا خَلْفَهُمُ} الدُّنْيَا لِأَنَّهُمْ يُخَلِّفُونَهَا وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا مَضَى أَمَامَهُمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، مَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَمَا خَلْفَهُمْ أَيْ مَا كَانَ بَعْدَ خَلْقِهِمْ، وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أَيْ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَمَا خَلْفَهُمْ مَا هُمْ فَاعِلُوهُ {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} أَيْ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ {إِلَّا بِمَا شَاءَ} أَنْ يُطْلِعَهُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي لَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ إِلَّا بِمَا شَاءَ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ الرُّسُلَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} (36-الْجِنِّ) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أَيْ مَلَأَ وَأَحَاطَ بِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُرْسِيِّ فَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ الْعَرْشُ نَفْسُهُ

_ (1) ساقط من (ب) . (2) أخرجه مسلم: في الإيمان - باب في قوله عليه السلام إن الله لا ينام وفي قوله حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى والمصنف في شرح السنة: 1 / 173.

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْكُرْسِيُّ مَوْضُوعٌ أَمَامَ الْعَرْشِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" أَيْ سِعَتُهُ مِثْلُ سِعَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي الْأَخْبَارِ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي جَنْبِ الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، وَالْكُرْسِيُّ فِي جَنْبِ الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي الْكُرْسِيِّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ (1) . وَقَالَ عَلَيٌّ وَمُقَاتِلٌ: كُلُّ قَائِمَةٍ مِنَ الْكُرْسِيِّ طُولُهَا مِثْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَهُوَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ، وَيَحْمِلُ الْكُرْسِيَّ أَرْبَعَةُ أَمْلَاكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ، وَأَقْدَامُهُمْ فِي الصَّخْرَةِ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، مَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الْبَشَرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ يَسْأَلُ لِلْآدَمِيِّينَ الرِّزْقَ وَالْمَطَرَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الْأَنْعَامِ وَهُوَ الثَّوْرُ وَهُوَ يَسْأَلُ لِلْأَنْعَامِ الرِّزْقَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ وَعَلَى وَجْهِهِ غَضَاضَةٌ مُنْذُ عُبِدَ الْعِجْلُ، وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ السِّبَاعِ وَهُوَ الْأَسَدُ يَسْأَلُ لِلسِّبَاعِ الرِّزْقَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، [وَمَلَكٌ عَلَى صُورَةِ سَيِّدِ الطَّيْرِ وَهُوَ النَّسْرُ يَسْأَلُ الرِّزْقَ لِلطَّيْرِ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ] (2) وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَا بَيْنَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَحَمَلَةِ الْكُرْسِيِّ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ ظُلْمَةٍ وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ لَوْلَا ذَلِكَ لَاحْتَرَقَ حَمَلَةُ الْكُرْسِيِّ مِنْ نُورِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرَادَ بِالْكُرْسِيِّ عِلْمَهُ (3) وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِصَحِيفَةِ الْعِلْمِ كُرَّاسَةٌ، وَقِيلَ: كُرْسِيُّهُ مُلْكُهُ وَسُلْطَانُهُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمُلْكَ الْقَدِيمَ كُرْسِيًّا، {وَلَا يَئُودُهُ} أَيْ لَا يُثْقِلُهُ وَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِ يُقَالُ: آدَنِي الشَّيْءُ أَيْ أَثْقَلَنِي {حِفْظُهُمَا} أَيْ حِفْظُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ {وَهُوَ الْعَلِيُّ} الرَّفِيعُ فَوْقَ خَلْقِهِ وَالْمُتَعَالِي عَنِ الْأَشْيَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَقِيلَ الْعَلِيُّ بِالْمُلْكِ وَالسَّلْطَنَةِ {الْعَظِيمُ} الْكَبِيرُ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ تَكُونُ مِقْلَاةً - (الْمِقْلَاةُ مِنَ النِّسَاءِ) (4) لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ -وَكَانَتْ تَنْذُرُ لَئِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُهَوِّدَنَّهُ

_ (1) أورده الطبري في التفسير برواية أخرى قال: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" 5 / 399. ورواه محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش، وعزاه ابن كثير لابن مردويه، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 149 وفيه إبراهيم ابن هشام بن يحيى الغساني: متروك كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وطرق الحديث كلها واهية، فلا تعتضد لضعفها، انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 283. (2) ساقط من (ب) . (3) نقل ذلك عنه الطبري في التفسير: 5 / 397-398، والبيهقي في الأسماء والصفات، فقال: "وروينا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "علمه" ثم قال: وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش، انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 134-135. (4) ساقط من (ب) .

فَإِذَا عَاشَ وَلَدُهَا جَعَلَتْهُ فِي الْيَهُودِ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وفيهم منهم 45/أفَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ عَدَدٌ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْصَارِ فَأَرَادَتِ الْأَنْصَارُ اسْتِرْدَادَهُمْ وَقَالُوا: هُمْ أَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "خَيِّرُوا أَصْحَابَكُمْ فَإِنِ اخْتَارُوكُمْ فَهُمْ مِنْكُمْ وَإِنِ اخْتَارُوهُمْ فَأَجْلُوهُمْ مَعَهُمْ" (1) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ نَاسٌ مُسْتَرْضَعِينَ فِي الْيَهُودِ مِنَ الْأَوْسِ فَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَرْضَعِينَ فِيهِمْ: لَنَذْهَبَنَّ مَعَهُمْ وَلَنَدِينَنَّ بِدِينِهِمْ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ، فَنَزَلَتْ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (2) . وَقَالَ مَسْرُوقٌ: كَانَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ ابْنَانِ فَتَنَصَّرَا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى يَحْمِلُونَ الطَّعَامَ فَلَزِمَهُمَا أَبُوهُمَا وَقَالَ: لَا أَدَعُكُمَا حَتَّى تُسْلِمَا، فَتَخَاصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَدْخُلُ بِعْضِي النَّارَ وَأَنَا أَنْظُرُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا (3) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا قَبِلُوا الْجِزْيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامَ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فَأَمَرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُقِرُّوا بِالْجِزْيَةِ فَمَنْ أَعْطَى مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ كَانَ هَذَا فِي الِابْتِدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقِتَالِ فَصَارَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} أَيِ الْإِيمَانُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ} يَعْنِي الشَّيْطَانَ، وَقِيلَ: كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ طَاغُوتٌ، وَقِيلَ كُلُّ مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ، فَاعُولٌ مِنَ الطُّغْيَانِ، زِيدَتِ التَّاءُ فِيهِ بَدَلًا مِنْ لَامِ الْفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ حَانُوتٌ وَتَابُوتٌ، فَالتَّاءُ فِيهَا مُبْدَلَةٌ مِنْ هَاءِ التَّأْنِيثِ {وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ} أَيْ تَمَسَّكَ وَاعْتَصَمَ بِالْعَقْدِ الْوَثِيقِ الْمُحْكَمِ فِي الدِّينِ، وَالْوُثْقَى تَأْنِيثُ الْأَوْثَقِ وَقِيلَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى السَّبَبُ الَّذِي يُوصِلُ إِلَى رِضَا اللَّهِ تَعَالَى: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} لَا انْقِطَاعَ لَهَا {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} قِيلَ: لِدُعَائِكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ {عَلِيمٌ} بِحِرْصِكَ عَلَى إِيمَانِهِمْ.

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 5 / 409-410 عن سعد بن جبير مرسلا، والبيهقي في السنن: 9 / 186، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر تفسير النسائي 1 / 273،276، والنحاس في معاني القرآن 1 / 266 وللشوكاني كلام مفيد حول هذه الآية فلينظر فتح القدرير 1 / 275. وأخرج الواحدي بسنده قطعة منه دون قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قد خير أصحابكم ... أسباب النزول ص77. (2) أسباب النزول للواحدي ص78، تفسير الطبري 5 / 411، وفي أسباب النزول للواحدي ص77 قال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له: صبيح، وكان يكرهه على الإسلام. (3) عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (23) للواحدي في أسباب النزول وكذلك البغوي، وهو عند الواحدي في ص78 دون سند.

257

{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} نَاصِرُهُمْ وَمُعِينُهُمْ، وَقِيلَ: مُحِبُّهُمْ، وَقِيلَ مُتَوَلِّي أُمُورَهُمْ لَا يَكِلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِيُّ هِدَايَتِهِمْ {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أَيْ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ غَيْرُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، "وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ" فَالْمُرَادُ مِنْهُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، سُمِّيَ الْكُفْرُ ظُلْمَةً لِالْتِبَاسِ طَرِيقِهِ وَسُمِّيَ الْإِسْلَامُ نُورًا لِوُضُوحِ طَرِيقِهِ {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ} قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَحُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ وَسَائِرَ رُءُوسِ الضَّلَالَةِ {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} يَدْعُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وَالطَّاغُوتُ يَكُونُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا وَوَاحِدًا وَجَمْعًا، قَالَ تَعَالَى فِي الْمُذَكَّرِ وَالْوَاحِدِ: " {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} (60-النِّسَاءِ) وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّثِ: "وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا" (17-الزُّمَرِ) وَقَالَ فِي الْجَمْعِ: {يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} فَإِنْ قِيلَ: قَالَ: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَكُونُوا فِي نُورٍ قَطُّ؟ قِيلَ: هُمُ الْيَهُودُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لِمَا يَجِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ نَعْتِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْعُمُومِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، قَالُوا: مَنْعُهُمْ إِيَّاهُمْ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ إِخْرَاجٌ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِأَبِيهِ أَخْرَجْتَنِي مِنْ مَالِكَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (37-يُوسُفَ) وَلَمْ يَكُنْ قَطُّ فِي مِلَّتِهِمْ {أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} مَعْنَاهُ هَلِ انْتَهَى إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ خَبَرُ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ أَيْ خَاصَمَ وَجَادَلَ، وَهُوَ نُمْرُودُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ، وَتَجَبَّرَ فِي الْأَرْضِ وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ؟ {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} أَيْ لِأَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَطَغَى أَيْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُحَاجَّةُ مِنْ بَطَرِ الْمَلِكِ وَطُغْيَانِهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَسُلَيْمَانُ وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَمَّا الْكَافِرَانِ فَنُمْرُودُ وَبُخْتَنَصَّرُ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا كَسَّرَ إِبْرَاهِيمُ الْأَصْنَامَ سَجَنَهُ نُمْرُودُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِيَحْرِقَهُ بِالنَّارِ فَقَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ؟ فَقَالَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ هَذَا بَعْدَ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ نُمْرُودَ وَكَانَ النَّاسُ يَمْتَارُونَ (1) مِنْ عِنْدِهِ الطَّعَامَ، فَكَانَ إِذَا

_ (1) يجلبون الطعام.

أَتَاهُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الطَّعَامِ سَأَلَهُ مِنْ رَبُّكَ؟ فَإِنْ قَالَ أَنْتَ، بَاعَ مِنْهُ الطَّعَامَ، فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ فِيمَنْ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: مَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَاشْتَغَلَ بِالْمُحَاجَّةِ وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ فَمَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنْ رَمْلٍ أَعْفَرَ فَأَخَذَ مِنْهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ أَهْلِهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَتَى أَهْلَهُ وَوَضَعَ مَتَاعَهُ نَامَ، فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى مَتَاعِهِ فَفَتَحَتْهُ فَإِذَا هُوَ أَجْوَدُ طَعَامٍ مَا رَآهُ أَحَدٌ، فَأَخَذَتْهُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْهُ فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ تَقْدِيرُهُ قَالَ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} (1) ] قَرَأَ حَمْزَةُ {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} بِإِسْكَانِ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ "حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ" (33-الْأَعْرَافِ) وَ"عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ" (146-الْأَعْرَافِ) وَ"قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ" (31-إِبْرَاهِيمَ) وَ"آتَانِيَ الْكِتَابَ" (30-مَرْيَمَ) وَ"مَسَّنِيَ الضُّرُّ" (83-الْأَنْبِيَاءِ) وَ"عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ" (105-الْأَنْبِيَاءِ) وَ"عِبَادِيَ الشَّكُورُ" (13-سَبَأٍ) وَ"مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ" (41-ص) وَ"إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ" (38-الزُّمَرِ) وَ"إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ" (28-الْمُلْكِ) أَسْكَنَ الْيَاءَ فِيهِنَّ حَمْزَةُ، وَوَافَقَ ابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ فِي "لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا" وَابْنُ عَامِرٍ "آيَاتِيَ الَّذِينَ" وَفَتَحَهَا الْآخَرُونَ، {قَالَ} نُمْرُودُ {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ {أَنَا} بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَالْمَدِّ فِي الْوَصْلِ إِذَا تَلَتْهَا أَلِفٌ مَفْتُوحَةٌ أَوْ مَضْمُومَةٌ وَالْبَاقُونَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ، وَوَقَفُوا جَمِيعًا بِالْأَلِفِ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: دَعَا نُمْرُودُ بِرَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا وَاسْتَحْيَا الْآخَرَ فَجَعَلَ تَرْكَ الْقَتْلِ إِحْيَاءً لَهُ، فَانْتَقَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى، لَا عَجْزًا، فَإِنَّ حُجَّتَهُ كَانَتْ لَازِمَةً لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِحْيَاءِ إِحْيَاءَ الْمَيِّتِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: فَأَحْيِ مَنْ أَمَتَّ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى أَوْضَحَ مِنَ الْأُولَى. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} أَيْ تَحَيَّرَ

_ (1) ساقط من (ب) .

259

وَدَهِشَ وَانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ بُهِتَ وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَارِضَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ لَهُ: سَلْ أَنْتَ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْهُ لِأَنَّهُ خَافَ أَنْ لَوْ سَأَلَ ذَلِكَ دَعَا إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ فَكَانَ زِيَادَةً فِي فَضِيحَتِهِ وَانْقِطَاعِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّهَ صَرَفَهُ عَنْ تِلْكَ الْمُعَارَضَةِ إِظْهَارًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ أَوْ مُعْجِزَةً لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ} وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوقَةٌ عَلَى الْآيَةِ الْأُولَى، تَقْدِيرُهُ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ} وَإِلَى الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ هل رأيت 45/ب الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ، وَهَلْ رَأَيْتَ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْمَارِّ، فَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ عُزَيْرُ بْنُ شَرْخِيَا، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ، وَهُوَ الْخَضِرُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ كَافِرٌ شَكَّ فِي الْبَعْثِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ فَقَالَ وَهْبٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ دَيْرُ سَابِرَ أَبَادَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُسْلِمُ باذ، وقيل ديرهرقل، وَقِيلَ: هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِيهَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ، وَقِيلَ: هِيَ قَرْيَةُ الْعِنَبِ، وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ {وَهِيَ خَاوِيَةٌ} سَاقِطَةٌ يُقَالُ: خَوِيَ الْبَيْتُ بِكَسْرِ الْوَاوِ يَخْوِي خَوًى، مَقْصُورًا، إِذَا سَقَطَ وَخَوَى الْبَيْتُ بِالْفَتْحِ خَوَاءً مَمْدُودًا إِذَا خَلَا {عَلَى عُرُوشِهَا} سُقُوفِهَا، وَاحِدُهَا عَرْشٌ وَقِيلَ: كُلُّ بِنَاءٍ عَرْشٌ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ ثُمَّ وَقَعَتِ الْحِيطَانُ عَلَيْهَا. {قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُنَبِّهٍ (1) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِرْمِيَاءَ إِلَى نَاشِيَةَ بْنِ أَمُوصَ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَدِّدُهُ فِي ذَلِكَ وَيَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرَكِبُوا الْمَعَاصِيَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِرْمِيَاءَ: أَنْ ذَكِّرْ قَوْمَكَ نِعَمِي وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ وَادْعُهُمْ إِلَيَّ، فَقَالَ إِرْمِيَاءُ إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي، عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي، مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أُلْهِمُكَ، فَقَامَ إِرْمِيَاءُ فِيهِمْ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ فِي الْوَقْتِ خُطْبَةً بَلِيغَةً طَوِيلَةً بَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا ثَوَابَ الطَّاعَةِ وَعِقَابَ الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنِّي

_ (1) القصة في الطبري: 5 / 447-454، ووهب بن منبه رحمه الله ولد سنة أربع وثلاثين مشهور في الرواية عن الإسرائيليات، فعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام ولهما عن أبي هريرة نسخة مشهورة أكثرها في الصحاح، رواها عنه معمر توفي سنة أربع عشرة ومائة، انظر تذكرة الحفاظ 1 / 100 سير أعلام النبلاء 4 / 544.

أَحْلِفُ بِعِزَّتِي لَأُقَيِّضَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَتَحَيَّرُ فِيهَا الْحَكِيمُ، وَلَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا فَارِسِيًّا أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ وَأَنْزِعُ مِنْ صَدْرِهِ الرَّحْمَةَ يَتْبَعُهُ عَدَدٌ مِثْلُ سَوَادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَاءَ إِنِّي مَهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِيَافِثَ، وَيَافِثُ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا سَمِعَ إِرْمِيَاءُ ذَلِكَ صَاحَ وَبَكَى وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَهُ وَبُكَاءَهُ نَادَاهُ: يَا أَرْمِيَاءُ أَشَقَّ عَلَيْكَ مَا أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ قَالَ: نَعَمْ يَا رَبِّ أَهْلِكْنِي قَبْلَ أَنْ أَرَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا لَا أُسَرُّ بِهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي لَا أُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ، فَفَرِحَ إِرْمِيَاءُ بِذَلِكَ وَطَابَتْ نَفْسُهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَ مُوسَى بِالْحَقِّ لَا أَرْضَى بِهَلَاكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا فَاسْتَبْشَرَ وَفَرِحَ فَقَالَ: إِنْ يُعَذِّبْنَا رَبُّنَا فَبِذُنُوبٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ عَفَا عَنَّا فَبِرَحْمَتِهِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَبِثُوا بَعْدَ الْوَحْيِ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا مَعْصِيَةً وَتَمَادِيًا فِي الشَّرِّ وَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَبَ هَلَاكُهُمْ فَقَلَّ الْوَحْيُ، وَدَعَاهُمُ الْمَلِكُ إِلَى التَّوْبَةِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فخرج في ست مائة أَلْفِ رَايَةٍ يُرِيدُ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا فَصَلَ سَائِرًا أَتَى الْمَلِكَ الْخَبَرُ، فَقَالَ لِإِرْمِيَاءَ: أَيْنَ مَا زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْكَ؟ فَقَالَ إِرْمِيَاءُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَأَنَا بِهِ وَاثِقٌ فَلَمَّا قَرُبَ الْأَجَلُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَى إِرْمِيَاءَ مَلَكًا قَدْ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَيْتُكَ أَسْتَفْتِيكَ فِي أَهْلِ رَحِمِي وَصَلْتُ أَرْحَامَهُمْ وَلَمْ آتِ إِلَيْهِمْ إِلَّا حُسْنًا وَلَا يَزِيدُهُمْ إِكْرَامِي إِيَّاهُمْ إِلَّا إِسْخَاطًا لِي فَأَفْتِنِي فِيهِمْ، قَالَ: أَحْسِنْ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ وَصِلْهُمْ وَأَبْشِرْ بِخَيْرٍ. فَانْصَرَفَ الْمَلَكُ فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ إِرْمِيَاءُ: أَمَا طَهُرَتْ أَخْلَاقُهُمْ لَكَ بَعْدُ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَعْلَمُ كَرَامَةً يَأْتِيهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا رَحْمَةً إِلَّا قَدَّمْتُهَا إِلَيْهِمْ وَأَفْضَلَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ إِرْمِيَاءُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ارْجِعْ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ اسْأَلِ اللَّهَ الَّذِي يُصْلِحُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ أَنْ يُصْلِحَهُمْ، فَقَامَ الْمَلِكُ، فَمَكَثَ أَيَّامًا وَقَدْ نَزَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِأَكْثَرِ مِنَ الْجَرَادِ فَفَزِعَ مِنْهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَالَ مَلِكُهُمْ لِإِرْمِيَاءَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَيْنَ مَا وَعَدَكَ اللَّهُ. قَالَ: إِنِّي بِرَبِّي وَاثِقٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْمَلِكُ إِلَى إِرْمِيَاءَ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى جِدَارِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ بِنَصْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي وَعَدَهُ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَتَيْتُكَ فِي شَأْنِ أَهْلِي مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ يُفِيقُوا مِنَ الَّذِي هُمْ فِيهِ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ يُصِيبُنِي مِنْهُمْ قَبْلَ الْيَوْمِ كُنْتُ أَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَالْيَوْمَ رَأَيْتُهُمْ فِي عَمَلٍ لَا يُرْضِي اللَّهَ: فَقَالَ النَّبِيُّ: عَلَى أَيِّ عَمَلٍ رَأَيْتَهُمْ؟ قَالَ: عَلَى عَمَلٍ عَظِيمٍ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ فَغَضِبَ اللَّهُ وَأَتَيْتُكَ لِأُخْبِرَكَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا إِلَّا مَا دَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهُمْ، فَقَالَ إِرْمِيَاءُ: يَا مَالِكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنْ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَصَوَابٍ فَأَبْقِهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا تَرْضَاهُ فَأَهْلِكْهُمْ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فَمِ إِرْمِيَاءَ، أَرْسَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَالْتَهَبَ مَكَانُ الْقُرْبَانِ وَخُسِفَ بِسَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنْ أَبْوَابِهَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِرْمِيَاءُ صَاحَ وَشَقَّ ثِيَابَهُ وَنَبَذَ الرَّمَادَ عَلَى

رَأْسِهِ وَقَالَ: يَا مَالِكَ السَّمَاوَاتِ أَيْنَ مِيعَادُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي؟ فَنُودِيَ أنه لم يصيبهم مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا بِفُتْيَاكَ وَدُعَائِكَ، فَاسْتَيْقَنَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهَا فُتْيَاهُ وَأَنَّ ذَلِكَ السَّائِلَ كَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَارَ إِرْمِيَاءُ حَتَّى خَالَطَ الْوُحُوشَ. وَدَخَلَ بُخْتَنَصَّرُ وَجُنُودُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَوَطِئَ الشَّامَ وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَمَرَ جُنُودَهُ أَنْ يَمْلَأَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسَهُ تُرَابًا فَيَقْذِفَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ففعلوا حتى ملؤوه، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا مَنْ كَانَ فِي بُلْدَانِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُمْ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ أَلْفَ صَبِيٍّ فَقَسَمَهُمْ بَيْنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةَ غِلْمَةٍ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ دَانْيَالُ وَحَنَانْيَا، وَفَرَّقَ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَثُلُثًا قَتَلَهُمْ، وَثُلُثًا سَبَاهُمْ، وَثُلُثًا أَقَرَّهُمْ بِالشَّامِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ الْأُولَى الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بِظُلْمِهِمْ فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُمْ بُخْتَنَصَّرُ رَاجِعًا إِلَى بَابِلَ وَمَعَهُ سَبَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَقْبَلَ إِرْمِيَاءُ عَلَى حِمَارٍ لَهُ مَعَهُ عَصِيرُ عِنَبٍ فِي رَكْوَةٍ وَسَلَّةُ تِينٍ حَتَّى غَشَى إِيلِيَاءَ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهَا وَرَأَى خَرَابَهَا قَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} . وَقَالَ الَّذِي قَالَ إِنَّ الْمَارَّ كَانَ عُزَيْرًا: وَإِنَّ بُخْتَنَصَّرَ لَمَّا خَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَقَدِمَ بِسَبْيِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبَابِلَ كَانَ فِيهِمْ عُزَيْرٌ وَدَانْيَالُ وَسَبْعَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ دَاوُدَ فَلَمَّا نَجَا عُزَيْرٌ مِنْ بَابِلَ ارْتَحَلَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ هِرَقْلَ عَلَى شَطِّ دِجْلَةَ فَطَافَ فِي الْقَرْيَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا أَحَدًا، وَعَامَّةُ شَجَرِهَا حَامِلٌ فَأَكَلَ مِنَ الْفَاكِهَةِ، وَاعْتَصَرَ مِنَ الْعِنَبِ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَجَعَلَ فَضْلَ الْفَاكِهَةِ فِي سَلَّةٍ وَفَضْلَ الْعَصِيرِ فِي زِقٍّ فَلَمَّا رَأَى خَرَابَ الْقَرْيَةِ وَهَلَاكَ أَهْلِهَا قَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} قَالَهَا تَعَجُّبًا لا شكأ 46/أفِي الْبَعْثِ. رَجَعْنَا إِلَى حَدِيثِ وَهْبٍ قَالَ: ثُمَّ رَبَطَ إِرْمِيَاءُ حِمَارَهُ بِحَبْلٍ جَدِيدٍ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ النَّوْمَ فَلَمَّا نَامَ نَزَعَ اللَّهُ مِنْهُ الرُّوحَ مِائَةَ عَامٍ وَأَمَاتَ حِمَارَهُ، وَعَصِيرُهُ وَتِينُهُ عِنْدَهُ فَأَعْمَى اللَّهُ عَنْهُ الْعُيُونَ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وَذَلِكَ ضُحًى، وَمَنَعَ اللَّهُ السِّبَاعَ وَالطَّيْرَ لَحْمَهُ فَلَمَّا مَضَى مِنْ مَوْتِهِ سَبْعُونَ سَنَةً أَرْسَلَ اللَّهُ مَلِكًا إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ نُوشِكُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ فَتُعَمِّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِيلِيَاءَ حَتَّى يَعُودَ أَعْمَرَ مَا كَانَ، فَانْتَدَبَ الْمَلِكُ بِأَلْفِ قَهْرَمَانٍ (1) مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ عَامِلٍ وَجَعَلُوا يُعَمِّرُونَهُ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ بُخْتَنَصَّرَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ دِمَاغَهُ، وَنَجَّى اللَّهُ مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَمُتْ بِبَابِلَ وَرَدَّهُمْ جَمِيعًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَنَوَاحِيهِ وَعَمَّرُوهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً وَكَثُرُوا حَتَّى عَادُوا عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا مَضَتِ الْمِائَةُ أَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ عَيْنَيْهِ، وَسَائِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ، ثُمَّ أَحْيَا جَسَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ فَإِذَا عِظَامُهُ مُتَفَرِّقَةٌ بِيضٌ، تَلُوحُ فَسَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي فَاجْتَمَعَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَاتَّصَلَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ثُمَّ نُودِيَ أَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي لَحْمًا وَجِلْدًا

_ (1) فارسي معرب، وهو من أمناء الملك.

فَكَانَتْ كَذَلِكَ ثُمَّ نُودِيَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَحْيَا، فَقَامَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَنَهَقَ، وَعَمَّرَ اللَّهُ إِرْمِيَاءَ فَهُوَ الَّذِي يَرَى فِي الْفَلَوَاتِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} أَيْ أَحْيَاهُ {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} أَيْ: كَمْ مَكَثْتَ؟ يُقَالُ: لَمَّا أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ مَلِكًا فَسَأَلَهُ كَمْ لَبِثْتَ؟ {قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا} وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُ ضُحًى فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَحْيَاهُ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ فِي آخِرِ النَّهَارِ قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا وَهُوَ يَرَى أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَرَأَى بَقِيَّةً مِنَ الشَّمْسِ فَقَالَ {أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} بَلْ بَعْضَ يَوْمٍ {قَالَ} الْمَلِكُ {بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ} يَعْنِي التِّينَ {وَشَرَابِكَ} يَعْنِي الْعَصِيرَ {لَمْ يَتَسَنَّهْ} أَيْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَكَانَ التِّينُ كَأَنَّهُ قُطِفَ فِي سَاعَتِهِ وَالْعَصِيرُ كَأَنَّهُ عُصِرَ فِي سَاعَتِهِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ: كَأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ السُّنُونَ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ لَمْ يَتَسَنَّ بِحَذْفِ الْهَاءِ فِي الْوَصْلِ وَكَذَلِكَ "فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ" (90-الْأَنْعَامِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْهَاءِ فِيهِمَا وَصْلًا وَوَقْفًا، فَمَنْ أَسْقَطَ الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ جَعَلَ الْهَاءَ صِلَةً زَائِدَةً وَقَالَ: أَصْلُهُ يَتَسَنَّى فَحَذَفَ الْيَاءَ بِالْجَزْمِ وَأَبْدَلَ مِنْهُ هَاءً فِي الْوَقْفِ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: هُوَ مِنَ التَّسَنُّنِ بِنُونَيْنِ: وَهُوَ التَّغَيُّرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ" (26-الْحَجِّ) أَيْ مُتَغَيِّرٍ فَعُوِّضَتْ مِنْ إِحْدَى النُّونَيْنِ يَاءً كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى" (33-الْقِيَامَةِ) أَيْ يَتَمَطَّطُ، وَكَقَوْلِهِ "وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا" (10-الشَّمْسِ) وَأَصْلُهُ دَسَّيْتُهَا، وَمَنْ أَثْبَتَ الْهَاءَ فِي الْحَالَيْنِ جَعَلَ الْهَاءَ أَصْلِيَّةً لَامَ الْفِعْلِ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ أَصْلَ السَّنَةِ السَّنْهَةَ وَتَصْغِيرُهَا سُنَيْهَةٌ وَالْفِعْلُ مِنَ السَّانِهَةِ وَإِنَّمَا قَالَ: لَمْ يَتَسَنَّهْ وَلَمْ يُثَنِّهِ مَعَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ شَيْئَيْنِ رَدَّ التَّغْيِيرَ إِلَى أَقْرَبِ اللَّفْظَيْنِ وَهُوَ الشَّرَابُ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْآخَرِ {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عِظَامٌ بِيضٌ فَرَكَّبَ اللَّهُ تَعَالَى الْعِظَامَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فَكَسَاهُ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ وَأَحْيَاهُ وَهُوَ يَنْظُرُ {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} قِيلَ الْوَاوُ زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ أُدْخِلَتِ الْوَاوُ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهَا مَعْنَاهُ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً أَيْ: عِبْرَةً وَدَلَالَةً عَلَى الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَهُ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ عَادَ إِلَى قَرْيَتِهِ شَابًّا وَأَوْلَادُهُ وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ شُيُوخٌ وَعَجَائِزُ وَهُوَ أَسْوَدُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ نَنْشُرُهَا بِالرَّاءِ مَعْنَاهُ نُحْيِيهَا يُقَالُ: أَنْشَرَ اللَّهُ الْمَيِّتَ إِنْشَارًا وَنَشْرَةً نشورا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ" (22-عَبَسَ) وَقَالَ فِي اللَّازِمِ "وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (15-الْمُلْكُ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالزَّايِ أَيْ نَرْفَعُهَا مِنَ الْأَرْضِ وَنَرُدُّهَا إِلَى مَكَانِهَا مِنَ الْجَسَدِ وَنُرَكِّبُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْشَازُ الشَّيْءِ رَفْعُهُ وَإِزْعَاجُهُ، يُقَالُ: أَنْشَزْتُهُ فَنَشَزَ أَيْ رَفَعْتُهُ فَارْتَفَعَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَرَادَ بِهِ عِظَامَ حِمَارِهِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا عُزَيْرًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ قَدْ هَلَكَ وَبَلِيَتْ عِظَامُهُ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى رِيحًا فَجَاءَتْ بِعِظَامِ الْحِمَارِ مِنْ كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ وَقَدْ ذَهَبَتْ بِهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ فَاجْتَمَعَتْ فَرُكِّبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَصَارَ حِمَارًا مِنْ

عظام ليس فيه لَحْمٌ وَلَا دَمٌ {ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا} ثُمَّ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا وَدَمًا فَصَارَ حِمَارًا لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَلَكٌ يَمْشِي حَتَّى أَخَذَ بِمَنْخَرِ الْحِمَارَ فَنَفَخَ فِيهِ فَقَامَ الْحِمَارُ وَنَهَقَ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَقَالَ قَوْمٌ أَرَادَ بِهِ عِظَامَ هَذَا الرَّجُلِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُمِتْ حِمَارَهُ بَلْ أَمَاتَهُ هُوَ فَأَحْيَا اللَّهُ عَيْنَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَسَائِرَ جَسَدُهُ مَيِّتٌ، ثُمَّ قَالَ: انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ فَنَظَرَ فَرَأَى حِمَارَهُ قَائِمًا وَاقِفًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ حَيًّا لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ مِائَةَ عَامٍ وَنَظَرَ إِلَى الرُّمَّةِ (1) فِي عُنُقِهِ جَدِيدَةً لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ كَيْفَ نُنْشِزُهَا وَفِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَتَقْدِيرُهُمَا: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ كَعْبٍ وَالضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَالسَّدِّيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا أَحْيَا اللَّهُ تَعَالَى عُزَيْرًا بَعْدَ مَا أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ رَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى أَتَى مَحَلَّتَهُ فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ وَأَنْكَرَ النَّاسَ وَمَنَازِلَهُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَهْمٍ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً كَانَتْ عَرَفَتْهُ وَعَقَلَتْهُ فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: يَا هَذِهِ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ وَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ، قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْنَاهُ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ كَانَ اللَّهُ أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي، قَالَتْ: فَإِنَّ عُزَيْرًا كَانَ رَجُلًا مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ وَيَدْعُو لِلْمَرِيضِ وَلِصَاحِبِ الْبَلَاءِ بِالْعَافِيَةِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ لِي بَصَرِي حَتَّى أَرَاكَ فَإِنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ، فَدَعَا رَبَّهُ وَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى عَيْنَيْهَا فَصَحَّتَا وَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ: قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَطْلَقَ اللَّهُ رِجْلَيْهَا فَقَامَتْ صَحِيحَةً، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ، فَانْطَلَقَتْ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ مائة سنة وثمانية عَشْرَةَ سَنَةً وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَنَادَتْ هَذَا عُزَيْرٌ قَدْ جَاءَكُمْ، فَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةٌ مَوْلَاتُكُمْ دَعَا لِي رَبَّهُ فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَأَطْلَقَ رَجْلِي وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ كَانَ أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، فَنَهَضَ النَّاسُ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ فَقَالَ وَلَدُهُ: كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ مِثْلُ الْهِلَالِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: لَمَّا رَجَعَ عُزَيْرٌ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ أَحْرَقَ بُخْتَنَصَّرُ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ اللَّهِ عَهْدٌ بَيْنَ الْخَلْقِ، فَبَكَى عُزَيْرٌ عَلَى التَّوْرَاةِ فَأَتَاهُ مَلَكٌ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَسَقَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَمَثُلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ فَرَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَبَعَثَهُ نَبِيًّا، فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ فَقَالَ: إِنِّي عُزَيْرٌ قَدْ بَعَثَنِي اللَّهُ إليكم لأجدد 46/ب لَكُمْ تَوْرَاتَكُمْ قَالُوا: أَمْلِهَا عَلَيْنَا، فَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، فَقَالُوا: مَا جَعَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فِي صَدْرِ رَجُلٍ بَعْدَمَا ذَهَبَتْ إِلَّا أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَسَتَأْتِي الْقِصَّةُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (2) .

_ (1) بالضم، القطعة من الحبل. (2) انظر: الدر المنثور: 2 / 27-28.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} ذَلِكَ عِيَانًا {قَالَ أَعْلَمُ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ مَجْزُومًا مَوْصُولًا عَلَى الْأَمْرِ عَلَى مَعْنَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ اعْلَمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ أَعْلَمُ بِقَطْعِ الْأَلِفِ وَرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الْخَبَرِ عَنْ عُزَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَعْلَمُ {أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

260

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى دَابَّةٍ مَيِّتَةٍ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتْ جِيفَةَ حِمَارٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، قَالَ عَطَاءٌ: فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَةَ، قَالُوا: فَرَآهَا وَقَدْ تَوَزَّعَتْهَا دَوَابُّ الْبَحْرِ وَالْبَرِّ، فَكَانَ إِذَا مَدَّ الْبَحْرُ جَاءَتِ الْحِيتَانُ وَدَوَابُّ الْبَحْرِ فَأَكَلَتْ مِنْهَا فَمَا وَقَعَ مِنْهَا يَصِيرُ فِي الْبَحْرِ، فَإِذَا جَزَرَ الْبَحْرُ وَرَجَعَ جَاءَتِ السِّبَاعُ فَأَكَلْنَ مِنْهَا فَمَا سَقَطَ مِنْهَا يَصِيرُ تُرَابًا فَإِذَا ذَهَبَتِ السِّبَاعُ، جَاءَتِ الطَّيْرُ فَأَكَلَتْ مِنْهَا فَمَا سَقَطَ مِنْهَا قَطَّعَتْهَا الرِّيحُ فِي الْهَوَاءِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَعَجَّبَ مِنْهَا وَقَالَ: يَا رَبِّ قَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ وَأَجْوَافِ دَوَابِّ الْبَحْرِ فَأَرِنِي كَيْفَ تُحْيِيهَا لِأُعَايِنَ فَأَزْدَادَ يَقِينًا، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى (1) {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} يَا رَبِّ عَلِمْتُ وَآمَنْتُ {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أَيْ لِيَسْكُنَ قَلْبِي إِلَى الْمُعَايَنَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ، أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ لَهُ عِلْمُ الْيَقِينِ عَيْنَ الْيَقِينِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ. وَقِيلَ كَانَ سَبَبُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى نُمْرُودَ فَقَالَ "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" (258-الْبَقَرَةِ) قَالَ نُمْرُودُ (2) أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فَقَتَلَ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْآخَرَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْصِدُ إِلَى جَسَدٍ مَيِّتٍ فَيُحْيِيهِ، فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: أَنْتَ عَايَنَتْهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقُولَ نَعَمْ فَانْتَقَلَ إِلَى حُجَّةٍ أُخْرَى، ثُمَّ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى. {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بِقُوَّةِ حُجَّتِي فَإِذَا قِيلَ أَنْتَ عَايَنْتَهُ فَأَقُولُ نَعَمْ قَدْ عَايَنْتُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا سَأَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ رَبَّهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَيُبَشِّرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَى إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ، فَدَخَلَ دَارَهُ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَغْيَرَ النَّاسِ إِذَا خَرَجَ أَغْلَقَ بَابَهُ، فَلَمَّا جَاءَ وَجَدَ فِي دَارِهِ رَجُلًا فَثَارَ عَلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَذِنَ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ دَارِي؟ فَقَالَ: أَذِنَ لِي رَبُّ هَذِهِ الدَّارِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: صَدَقْتَ وَعَرَفَ أَنَّهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ جِئْتُ أُبَشِّرُكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَكَ خَلِيلًا فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ: فَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنْ يُجِيبَ اللَّهُ دُعَاءَكَ وَيُحْيِيَ اللَّهُ الْمَوْتَى بِسُؤَالِكَ، فَحِينَئِذٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} أَنَّكَ اتَّخَذْتَنِي خَلِيلًا وَتُجِيبُنِي إِذَا دَعَوْتُكَ (3) .

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 79. (2) نسب الواحدي هذا القول لمحمد بن إسحاق بن يسار، أسباب النزول ص (80) . (3) أسباب النزول للواحدي ص 81.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوْلَمَ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" (1) . وَأَخْرَجَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى عَنْ وَهْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَقَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى" (2) . حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، لَمْ يَشُكَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا إِبْرَاهِيمُ فِي أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى وَإِنَّمَا شَكَّا فِي أَنَّهُ هَلْ يُجِيبُهُمَا إِلَى مَا سَأَلَا وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ فِي قَوْلِهِ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، اعْتِرَافٌ بِالشَّكِّ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، لَكِنْ فِيهِ نَفْيُ الشَّكِّ عَنْهُمَا، يَقُولُ: إِذَا لَمْ أَشُكَّ أَنَا فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، فَإِبْرَاهِيمُ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَشُكَّ، وَقَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْهَضْمِ مِنَ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" وَفِيهِ الْإِعْلَامُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ تَعْرِضْ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ، وَلَكِنْ مِنْ قِبَلِ زِيَادَةِ الْعِلْمِ بِالْعَيَانِ، فَإِنَّ الْعَيَانَ يُفِيدُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَا لَا يُفِيدُهُ الِاسْتِدْلَالُ، وَقِيلَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ قَوْمٌ: شَكَّ إِبْرَاهِيمُ وَلَمْ يَشُكَّ نَبِيُّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْقَوْلَ تَوَاضُعًا مِنْهُ وَتَقْدِيمًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَى نَفْسِهِ. قَوْلُهُ {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} مَعْنَاهُ قَدْ آمَنْتَ فَلِمَ تَسْأَلُ؟ شَهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ يَعْنِي أَنْتُمْ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بِزِيَادَةِ الْيَقِينِ. {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ: أَخَذَ طاووسا وَدِيكًا وَحَمَامَةً وَغُرَابًا، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَنَسْرًا بَدَلَ الْحَمَامَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ خُذْ بَطَّةً خَضْرَاءَ وَغُرَابًا أَسْوَدَ وَحَمَامَةً بَيْضَاءَ وَدِيكًا أَحْمَرَ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ {فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ قَطِّعْهُنَّ وَمَزِّقْهُنَّ، يُقَالُ صَارَ

_ (1) أخرجه البخاري: في أحاديث الأنبياء - باب: قول الله عز وجل (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) 6 / 410-411. (2) أخرجه مسلم: في الإيمان - باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة برقم (151) 1 / 133. والمصنف في شرح السنة: 1 / 111.

261

يَصِيرُ صَيْرًا إِذَا قَطَعَ، وَانْصَارَ الشَّيْءُ انْصِيَارًا إِذَا انْقَطَعَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَقْلُوبٌ مِنْ صَرَيْتُ أَصْرِي صَرْيًا إِذَا قَطَعْتُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {فَصُرْهُنَّ} بِضَمِّ الصَّادِ وَمَعْنَاهُ أَمِلْهُنَّ إِلَيْكَ وَوَجِّهْهُنَّ، يُقَالُ: صِرْتُ الشَّيْءَ أُصَوِّرُهُ إِذَا أَمَلْتُهُ، وَرَجُلٌ أَصْوَرُ إِذَا كَانَ مَائِلَ الْعُنُقِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: مَعْنَاهُ اجْمَعْهُنَّ وَاضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ يُقَالُ: صَارَ يُصَوِّرُ صَوْرًا إِذَا اجْتَمَعَ وَمِنْهُ قيل لجماعة النحل صَوْرٌ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْإِمَالَةِ وَالضَّمِّ قَالَ فِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ قَطِّعْهُنَّ فَحَذَفَهُ اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَصُرْهُنَّ مَعْنَاهُ قَطِّعْهُنَّ أَيْضًا، وَالصَّوْرُ الْقَطْعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} قَرَأَ عَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ {جُزْءًا} مُثَقَّلًا مَهْمُوزًا، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَالْهَمْزِ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ مُشَدَّدَةَ الزَّايِ بِلَا هَمْزٍ وَأَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْجِبَالِ. قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ تِلْكَ الطُّيُورَ وَيَنْتِفَ رِيشَهَا وَيَقْطَعَهَا وَيَخْلِطَ رِيشَهَا وَدِمَاءَهَا وَلُحُومَهَا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ فَفَعَلَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَجْزَاءَهَا عَلَى الْجِبَالِ. وَاخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ الْأَجْزَاءِ وَالْجِبَالِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ: أُمِرَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ طَائِرٍ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ وَيَجْعَلَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْبُلٍ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِنْ كُلِّ طَائِرٍ وَقِيلَ: جَبَلٌ عَلَى جَانِبِ الشَّرْقِ، وَجَبَلٌ عَلَى جَانِبِ الْغَرْبِ، وَجَبَلٌ عَلَى جَانِبٍ الشَّمَالِ، وَجَبَلٌ عَلَى جَانِبِ الْجَنُوبِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّدِّيُّ: جَزَّأَهَا سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ وَوَضَعَهَا عَلَى سَبْعَةِ أَجْبُلٍ وَأَمْسَكَ رُءُوسَهُنَّ ثم دعاهن: 47/أتَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَعَلَتْ كُلُّ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِ طَائِرٍ تَطِيرُ إِلَى الْقَطْرَةِ الْأُخْرَى، وَكُلُّ رِيشَةٍ تَطِيرُ إِلَى الرِّيشَةِ الْأُخْرَى، وَكُلُّ عَظْمٍ يَصِيرُ إِلَى الْعَظْمِ الْآخَرِ، وَكُلُّ بِضْعَةٍ تَصِيرُ إِلَى الْأُخْرَى، وَإِبْرَاهِيمُ يَنْظُرُ، حَتَّى لَقِيَتْ كُلُّ جُثَّةٍ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي الْهَوَاءِ بِغَيْرِ رَأْسٍ ثُمَّ أَقْبَلْنَ إِلَى رُءُوسِهِنَّ سَعْيًا فَكُلَّمَا جَاءَ طَائِرٌ مَالَ بِرَأْسِهِ فَإِنْ كَانَ رَأْسُهُ دَنَا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَأَخَّرَ، حَتَّى الْتَقَى كُلُّ طَائِرٍ بِرَأْسِهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} قِيلَ الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ الْإِسْرَاعُ وَالْعَدْوُ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَشْيُ دُونَ الطَّيَرَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" (9-الْجُمُعَةِ) أَيْ فَامْضُوا، وَالْحِكْمَةُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الطَّيَرَانِ كَوْنُهُ أَبْعَدَ مِنَ الشُّبْهَةِ لِأَنَّهَا لَوْ طَارَتْ لِتَوِّهِمْ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهَا غَيْرُ تِلْكَ الطَّيْرِ وَإِنَّ أَرْجُلَهَا غَيْرُ سَلِيمَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ السَّعْيُ بِمَعْنَى الطَّيَرَانِ {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ مَثَلُ صَدَقَاتِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ {كَمَثَلِ} زَارِعِ {حَبَّةٍ} وَأَرَادَ بِسَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادَ، وَقِيلَ جَمِيعُ أَبْوَابِ الْخَيْرِ {أَنْبَتَتْ}

262

أَخْرَجَتْ {سَبْعَ سَنَابِلَ} جَمْعُ سُنْبُلَةٍ {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} فَإِنْ قِيلَ فَمَا رَأَيْنَا سُنْبُلَةً فِيهَا مِائَةُ حَبَّةٍ فَكَيْفَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِهِ؟ قِيلَ: ذَلِكَ مُتَصَوَّرٌ، غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، وَمَا لَا يَكُونُ مُسْتَحِيلًا جَازَ ضَرْبُ الْمَثَلِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، مَعْنَاهُ: {فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} فَمَا حَدَثَ مِنَ الْبَذْرِ الَّذِي كَانَ فِيهَا كَانَ مُضَاعَفًا إِلَيْهَا وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ الضَّحَّاكُ فَقَالَ: كُلُّ سُنْبُلَةٍ أَنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} قِيلَ مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةَ لِمَنْ يَشَاءُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُضَاعِفُ عَلَى هَذَا وَيَزِيدُ لِمَنْ يَشَاءُ مَا بَيْنَ سَبْعٍ إِلَى سَبْعِينَ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْأَضْعَافِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} غَنِيٌّ يُعْطِي عَنْ سَعَةٍ {عَلِيمٌ} بِنِيَّةِ مَنْ يُنْفِقُ مَالَهُ. {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ صَدَقَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ عِنْدِي ثَمَانِيَةُ آلَافٍ فَأَمْسَكْتُ مِنْهَا لِنَفْسِي وَعِيَالِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ أَقْرَضْتُهَا رَبِّي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيمَا أَمْسَكْتَ لَكَ وَفِيمَا أَعْطَيْتَ، وَأَمَّا عُثْمَانُ فَجَهَّزَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا (1) وَأَحْلَاسِهَا (2) فَنَزَلَتْ فِيهِمَا هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: جَاءَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْخِلُ فِيهَا يَدَهُ وَيُقَلِّبُهَا وَيَقُولُ "مَا ضَرَّ ابْنَ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" (3) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فِي طَاعَةِ اللَّهِ {ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا}

_ (1) جمع قتب وهو الإكاف على قدر سنام البعير ليركب أو يحمل عليه. (2) جمع حلس وهو كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله. (3) رواه الترمذي: في المناقب - باب: 76-10 / 193 وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأحمد: في مسنده: 5 / 63 عن عبد الرحمن بن سمرة، وإسناده حسن.

وَهُوَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِعَطَائِهِ فَيَقُولَ أَعْطَيْتُكَ كَذَا، وَيَعُدُّ نِعَمَهُ عَلَيْهِ فَيُكَدِّرُهَا {وَلَا أَذًى} أَنْ يُعَيِّرَهُ فَيَقُولَ إِلَى كَمْ تَسْأَلُ وَكَمْ تُؤْذِينِي؟ وَقِيلَ مِنَ الْأَذَى هُوَ أَنْ يَذْكُرَ إِنْفَاقَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يُحِبُّ وُقُوفَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: {مَنًّا وَلَا أَذًى} أَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْطَيْتُكَ وَأَعْطَيْتُ فَمَا شَكَرْتَ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِذَا أَعْطَيْتَ رَجُلًا شَيْئًا وَرَأَيْتَ أَنَّ سَلَامَكَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ فَكُفَّ سَلَامَكَ عَنْهُ، فَحَظَرَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمَنَّ بِالصَّنِيعَةِ، وَاخْتَصَّ بِهِ صِفَةً لِنَفْسِهِ، لِأَنَّهُ مِنَ الْعِبَادِ تَعْيِيرٌ. وَتَكْدِيرٌ وَمِنَ اللَّهِ إِفْضَالٌ وَتَذْكِيرٌ {لَهُمْ أَجْرُهُمْ} أَيْ ثَوَابُهُمْ {عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ} أَيْ كَلَامٌ حَسَنٌ وَرَدٌّ عَلَى السَّائِلِ جَمِيلٌ، وَقِيلَ عِدَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: دُعَاءٌ صَالِحٌ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ {وَمَغْفِرَةٌ} أَيْ تَسْتُرُ عَلَيْهِ خَلَّتَهُ وَلَا تَهْتِكُ عَلَيْهِ سِتْرَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: بِتَجَاوُزٍ عَنْ ظَالِمِهِ، وَقِيلَ يَتَجَاوَزُ عَنِ الْفَقِيرِ إِذَا اسْتَطَالَ عَلَيْهِ عِنْدَ رَدِّهِ {خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ} يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ {يَتْبَعُهَا أَذًى} أَيْ مَنٌّ وَتَعْيِيرٌ لِلسَّائِلِ أَوْ قَوْلٌ يُؤْذِيهِ {وَاللَّهُ غَنِيٌّ} أَيْ مُسْتَغْنٍ عَنْ صَدَقَةِ الْعِبَادِ {حَلِيمٌ} لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ يَمُنُّ وَيُؤْذِي بِالصَّدَقَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ} أَيْ أُجُورَ صَدَقَاتِكُمْ {بِالْمَنِّ} عَلَى السَّائِلِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِالْمَنِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى {وَالْأَذَى} لِصَاحِبِهَا ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} أَيْ كَإِبْطَالِ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ {رِئَاءَ النَّاسِ} أَيْ مُرَاءَاةً وَسُمْعَةً لِيَرَوْا نَفَقَتَهُ وَيَقُولُوا إِنَّهُ كَرِيمٌ سَخِيٌّ {وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} يُرِيدُ أَنَّ الرِّيَاءَ يُبْطِلُ الصَّدَقَةَ وَلَا تَكُونُ النَّفَقَةُ مَعَ الرِّيَاءِ مِنْ فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا لِلْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ الْكَافِرَ مُعْلِنٌ بِكُفْرِهِ غَيْرُ مُرَاءٍ {فَمَثَلُهُ} أَيْ مَثَلُ هَذَا الْمُرَائِي {كَمَثَلِ صَفْوَانٍ} الْحَجَرِ الْأَمْلَسِ، وَهُوَ وَاحِدٌ وَجَمْعٌ، فَمَنْ جَعَلَهُ جَمْعًا فَوَاحِدُهُ صَفْوَانَةٌ وَمَنْ جَعَلَهُ وَاحِدًا فَجَمْعُهُ صُفِيٌّ {عَلَيْهِ} أَيْ عَلَى الصَّفْوَانِ {تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ} الْمَطَرُ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ الْقَطْرِ {فَتَرَكَهُ صَلْدًا} أَيْ أَمْلَسَ، وَالصَّلْدُ الْحَجَرُ الصُّلْبُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفَقَةِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي وَالْمُؤْمِنَ الَّذِي يَمُنُّ بِصَدَقَتِهِ وَيُؤْذِي وَيُرِي النَّاسَ فِي الظَّاهِرِ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ أَعْمَالًا كَمَا يُرَى التُّرَابُ عَلَى هَذَا الصَّفْوَانِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَطَلَ كُلُّهُ وَاضْمَحَلَّ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا أَذْهَبَ الْوَابِلُ مَا عَلَى الصَّفْوَانِ مِنَ التُّرَابِ فَتَرَكَهُ صَلْدًا {لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} أَيْ عَلَى ثَوَابِ شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَعَمِلُوا فِي الدُّنْيَا {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ "الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ

جَزَاءً" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَارِثِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنِي الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ أَبُو عُثْمَانَ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ شُفَيًّا الْأَصْبَحِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَإِذَا هُوَ بَرْجُلٍ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ النَّاسَ فَلَمَّا سَكَتَ وَخَلَا قُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ بِحَقٍّ، لَمَا حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "إِنَّ اللَّهَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى الْعِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٍ فَأَوَّلُ مَنْ يَدْعُو بِهِ رَجُلٌ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَرَجُلٌ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ كَثِيرُ الْمَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلْقَارِئِ: أَلَمْ أُعَلِّمْكَ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي؟ فَقَالَ: بَلَى يا رب 47/ب قَالَ: فَمَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِصَاحِبِ الْمَالِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أُوَسِّعْ عَلَيْكَ حَتَّى لَمْ أَدَعْكَ تَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيمَا آتَيْتُكَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ وَأَتَصَدَّقُ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كَذَبْتَ وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، وَيُؤْتَى بِالَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ: فَبِمَاذَا قُتِلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَذَبْتَ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: كَذَبْتَ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ فُلَانٌ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ أَوَّلُ خَلْقٍ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (2) .

_ (1) أخرجه أحمد: 5 / 428-429 عن محمود بن لبيد. ورواه ابن حبان في موارد الظمآن 2499 عن فضالة الأنصاري بمعناه. ص618. وانظر: النهج السديد صفحة 46. وقال المنذري في الترغيب والترهيب إسناده جيد والمصنف في شرح السنة: 14 / 324. (2) رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الرياء والسمعة 7 / 54 وقال: هذا حديث حسن غريب وعزاه في تحفة الأحوذي لابن خزيمة في صحيحه، وفي سنده الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني لين الحديث (التقريب) .

265

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} أَيْ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى {وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}

قَالَ قَتَادَةُ: احْتِسَابًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْكَلْبِيُّ: تَصْدِيقًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ يُخْرِجُونَ الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُهُمْ عَلَى يَقِينٍ بِالثَّوَابِ وَتَصْدِيقٍ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أَخْرَجُوا خَيْرٌ لَهُمْ مِمَّا تَرَكُوا، وَقِيلَ عَلَى يَقِينٍ بِإِخْلَافِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ: يُثْبِتُونَ أَيْ يَضَعُونَ أَمْوَالَهُمْ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ أَمْضَى وَإِنْ كَانَ يُخَالِطُهُ شَكٌّ أَمْسَكَ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ التَّثْبِيتُ بِمَعْنَى التَّثَبُّتِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8-الْمُزَّمِّلِ) أَيْ تَبَتُّلًا {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} أَيْ بُسْتَانٍ قَالَ (الْمُبَرِّدُ) (1) وَالْفَرَّاءُ: إِذَا كَانَ فِي الْبُسْتَانِ نَخْلٌ فَهُوَ جَنَّةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَرْمٌ فَهُوَ فِرْدَوْسٌ {بِرَبْوَةٍ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ بِرَبْوَةٍ وَإِلَى رَبْوَةٍ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَرَأَ الْأَخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ الْمُسْتَوِي الَّذِي تَجْرِي فِيهِ الْأَنْهَارُ فَلَا يَعْلُوهُ الْمَاءُ وَلَا يَعْلُو عَنِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بِرَبْوَةٍ لِأَنَّ النَّبَاتَ عَلَيْهَا أَحْسَنُ وَأَزْكَى {أَصَابَهَا وَابِلٌ} مَطَرٌ شَدِيدٌ كَثِيرٌ {فَآتَتْ أُكُلَهَا} ثَمَرَهَا، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّثْقِيلِ، وَزَادَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ تَخْفِيفَ أُكُلِهِ وَالْأُكُلِ، وَخَفَّفَ أَبُو عَمْرٍو رُسُلَنَا وَرُسُلَكُمْ وَرُسُلَهُمْ وَسُبُلَنَا. {ضِعْفَيْنِ} أَيْ أَضْعَفَتْ فِي الْحَمْلِ قَالَ عَطَاءٌ: حَمَلَتْ فِي السَّنَةِ مِنَ الرِّيعِ (2) مَا يَحْمِلُ غَيْرُهَا فِي سَنَتَيْنِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: حَمَلَتْ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ {فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} أَيْ فَطَشٌّ، وَهُوَ الْمَطَرُ الضَّعِيفُ الْخَفِيفُ وَيَكُونُ دَائِمًا. قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ النَّدَى، وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَمَلِ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ فَيَقُولُ: كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ تَرِيعُ فِي كُلِّ حَالٍ وَلَا تَخَلَّفُ سَوَاءٌ قَلَّ الْمَطَرُ أَوْ كَثُرَ، كَذَلِكَ يُضْعِفُ اللَّهُ صَدَقَةَ الْمُؤْمِنَ الْمُخْلِصِ الَّذِي لَا يَمُنُّ وَلَا يُؤْذِي سَوَاءٌ قَلَّتْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَثُرَتْ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلَّ إِذَا كَانَ يَدُومُ يَعْمَلُ عَمَلَ الْوَابِلِ الشَّدِيدِ.

_ (1) ساقط من ب. (2) الغلة.

266

{وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) } {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى" [قَوْلُهُ أَيَوَدُّ يَعْنِي: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ أَيْ بُسْتَانٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ] (1) . {لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} أَوْلَادٌ صِغَارٌ ضِعَافٌ عَجَزَةٌ {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} الرِّيحُ الْعَاصِفُ الَّتِي تَرْتَفِعُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا عَمُودٌ وَجَمْعُهُ أَعَاصِيرُ {فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي يَقُولُ: عَمَلُهُ فِي حُسْنِهِ كَحُسْنِ الْجَنَّةِ يَنْتَفِعُ بِهِ كَمَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُ الْجَنَّةِ بِالْجَنَّةِ، فَإِذَا كَبِرَ أَوْ ضَعُفَ وَصَارَ لَهُ أَوْلَادٌ ضِعَافٌ وَأَصَابَ جَنَّتَهُ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ فَصَارَ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا وَضَعُفَ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِكِبَرِهِ وَضَعْفِ أَوْلَادِهِ عَنْ إِصْلَاحِهَا لِصِغَرِهِمْ وَلَمْ يَجِدْ هُوَ مَا يَعُودُ بِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَا أَوْلَادُهُ مَا يَعُودُونَ بِهِ عَلَيْهِ فَبَقُوا جَمِيعًا مُتَحَيِّرِينَ عَجَزَةً لَا حِيلَةَ بِأَيْدِيهِمْ، كَذَلِكَ يُبْطِلُ اللَّهُ عَمَلَ هَذَا الْمُنَافِقِ وَالْمُرَائِي حِينَ لَا مُغِيثَ (2) لَهُمَا وَلَا تَوْبَةَ وَلَا إِقَالَةَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمًا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فِيمَنْ تَرَوْنَ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} قَالُوا: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ابْنُ أَخِي قُلْ وَلَا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ضَرَبْتَ مَثَلًا لِعَمَلٍ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِعَمَلِ الْمُرَائِي قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ" (3) {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ} خِيَارِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ: مِنْ حَلَالَاتِ {مَا كَسَبْتُمْ} بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى إِبَاحَةِ الْكَسْبِ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى طِيِّبٍ وَخَبِيثٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو

_ (1) ساقط من ب. (2) في "ب" مستعتب بدل مغيث. (3) رواه البخاري في التفسير، تفسير سورة البقرة باب قوله (أيود أحدكم-8 / 201-202) .

جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ بْنُ صَالِحٍ عَنْ بَحِيرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَكَانَ دَاوُدُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ يَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا نَجَاحُ بْنُ يَزِيدَ الْمُحَارِبِيُّ بِالْكُوفَةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دُحَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَكْتَسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيهِ وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادُهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ" (3) . وَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي مَالِ التِّجَارَةِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَبَعْدَ الْحَوْلِ يُقَوِّمُ الْعُرُوضَ فَيُخْرِجُ مِنْ قِيمَتِهَا رُبْعَ الْعُشْرِ إِذَا كان قيمتها عشرون دِينَارًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ" (4) . وَعَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حِمَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: مَرَرْتُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى عُنُقِي أَدَمَةٌ (5)

_ (1) رواه النسائي: في البيوع - باب الحث على الكسب: 7 / 240، وابن ماجه: في التجارات - باب الحث على الكسب: 2 / 723، والدارمي: بيوع - باب الكسب وعمل الرجل بيده: 2 / 247، وأحمد: 6 / 31،42 عن عائشة رضي الله عنها، وابن حبان: في صحيحه، موارد الظمآن (1091) ص 268، والمصنف في شرح السنة: 9 / 329 وإسناده صحيح. (2) رواه البخاري: في البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده: 4 / 303. والمصنف في شرح السنة: 8 / 6. (3) رواه أحمد: 1 / 387 جزء من حديث عبد الله بن مسعود، والبغوي في شرح السنة 8 / 10، وأخرج بعضه الحاكم في المستدرك: 1 / 24، 2 / 447، وذكره الهيثمي في المجمع: 10 / 90 وقال: رواه الطبراني موقوفا ورجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة برقم (2822) . المشكاة برقم (2771،2994) . وفي إسناده الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي: ضعيف أفرط فيه ابن حبان - التقريب. (4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب العروض إذا كانت للتجارة 2 / 175 وسكت عنه المنذري والبيهقي: في السنن 4 / 146 قال ابن حجر في التلخيص الحبير: أخرجه الدارقطني والبزار من حديث سليمان بن سمرة عن أبيه وفي إسناده جهالة. (5) جلد.

أَحْمِلُهَا فَقَالَ عُمَرُ: أَلَا تُؤَدِّي زَكَاتَكَ يَا حِمَاسُ؟ فَقُلْتُ: مَا لِي غَيْرُ هَذَا وَأَهَبُ (1) فِي الْقَرَظِ (2) ، فَقَالَ ذَاكَ مَالٌ، فَضَعْ، فَوَضَعْتُهَا فَحَسَبَهَا فَأَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} قِيلَ هَذَا بِإِخْرَاجِ الْعُشُورِ مِنَ الثِّمَارِ والحبوب واتفق 48/أأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إِيجَابِ الْعُشْرِ فِي النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ وَفِيمَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحُبُوبِ إِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ مِنْ نَهْرٍ يَجْرِي الْمَاءُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُؤْنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَسْقِيًّا بِسَاقِيَةٍ أَوْ بِنَضْحٍ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا (4) الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" (5) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ التَّمَّارِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي زَكَاةِ الْكَرْمِ "يُخْرَصُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زبيبا كما يؤدي زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا" (6) .

_ (1) جمع إهاب وهو الجلد قبل أن يدبغ. (2) القرظ: حب معروف يخرج من شجر العضاة تدبغ به الجلود. (3) أخرجه الشافعي في مسنده: 1 / 229-230، والبيهقي في السنن: 4 / 147. والدارقطني: 2 / 125. وعزاه الحافظ ابن حجر للإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور عن سفيان عن يحيى بن سعيد، انظر التلخيص الحبير: 2 / 180. وضعفه الألباني في إرواء الغليل: 3 / 311 لأن أبا عمرو بن حماس "مجهول" كما قال الذهبي في الميزان. (4) الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر. (5) رواه البخاري: في الزكاة - باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري 3 / 437. ومسلم: في الزكاة - باب: ما فيه العشر أو نصف العشر برقم (981) 2 / 675 عن جابر بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: 6 / 42. (6) الشافعي: 1 / 243. رواه النسائي: زكاة - باب شراء الصدقة 5 / 109. وابن ماجه: زكاة - باب خرص النخل والعنب 2 / 210-211. وأبو داود: في الزكاة - باب في خرص العنب 2 / 210-211. والترمذي: زكاة - باب ما جاء في الخرص 3 / 306 وقال حديث حسن غرب. والبيهقي: 4 / 122. والدارقطني: 2 / 132. والمصنف في شرح السنة: 6 / 37. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 2 / 171 (ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب وقال أبو داود لم يسمع منه، وقال ابن القانع: لم يدركه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافه عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر وقال أبو حاتم الصحيح عن سعيد بن المسيب: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر عتابا: مرسل وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلا لكنه اعتضد بقول الأئمة) .

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا سِوَى النَّخْلِ وَالْكُرُومِ، وَفِيمَا سِوَى مَا يُقْتَاتُ بِهِ مِنَ الْحُبُوبِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا عُشْرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: يَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَجِبُ الْعُشْرُ فِي جَمِيعِ الْبُقُولِ وَالْخَضْرَوَاتِ كَالثِّمَارِ إِلَّا الْحَشِيشَ وَالْحَطَبِ، وَكُلُّ ثَمَرَةٍ أَوْجَبْنَا فِيهَا الزَّكَاةَ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الِاجْتِنَاءِ وَالْجَفَافِ، وَكُلُّ حَبٍّ أَوْجَبْنَا فِيهِ الْعُشْرَ فَوَقْتُ وُجُوبِهِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ بَعْدَ الدِّيَاسَةِ وَالتَّنْقِيَةِ، وَلَا يَجِبُ الْعُشْرُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ (1) عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مِنْهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ شَرَطَ النِّصَابَ بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ" (2) . وَرَوَى يَحْيَى بْنُ عُبَادَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ" (3) ، وَقَالَ قَوْمٌ: الْآيَةَ فِي صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أخبرنا أبو جفر الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوَايَةِ الْبَزِّيِّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ فِي الْوَصْلِ فِيهَا وَفِي أَخَوَاتِهَا وَهِيَ وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ مَوْضِعًا فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ تَاءَانِ أُسْقِطَتْ إِحْدَاهُمَا فَرَدَّ هُوَ السَّاقِطَةَ وَأَدْغَمَ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَمَعْنَاهُ لَا تَقْصِدُوا {الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ تُخْرِجُ إِذَا كَانَ جُذَاذُ النَّخْلِ

_ (1) جمع وسق: وهو ستون صاعا بصاع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (2) رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2 / 673. والمصنف: في شرح السنة: 5 / 499. (3) رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2 / 674. والمصنف: في شرح السنة: 5 / 500. (4) رواه البخاري: في الحرث والمزارعة - باب فضل الزرع والغرس 5 / 3 بلفظ ما من مسلم - وفي الأدب أيضا. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 149.

268

أَقْنَاءً (1) مِنَ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ فَيُعَلِّقُونَهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَأْكُلُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَعْمِدُ فَيُدْخِلُ قِنْوَ الْحَشَفِ (2) وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْهُ فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنَ الْأَقْنَاءِ، فَنَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} أَيِ الْحَشَفَ وَالرَّدِيءَ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِشَرَارِ ثِمَارِهِمْ وَرَذَالَةِ أَمْوَالِهِمْ وَيَعْزِلُونَ الْجَيِّدَ نَاحِيَةً لِأَنْفُسِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ} الرَّدِيءَ {مِنْهُ تُنْفِقُونَ} {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ} يَعْنِي الْخَبِيثَ {إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} الْإِغْمَاضُ غَضُّ الْبَصَرِ، وَأَرَادَ هَاهُنَا التَّجَوُّزَ وَالْمُسَاهَلَةَ، مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ لِأَحَدِكُمْ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَجَاءَهُ بِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَغْمَضَ لَهُ عَنْ حَقِّهِ وَتَرَكَهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَوْ وَجَدْتُمُوهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ مَا أَخَذْتُمُوهُ بِسِعْرِ الْجَيِّدِ. وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَوْ أُهْدِيَ ذَلِكَ لَكُمْ مَا أَخَذْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَغَيْظٍ، فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ؟ هَذَا إِذَا كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ جَيِّدًا فَلَيْسَ لَهُ إِعْطَاءُ الرَّدِيءِ، لِأَنَّ أَهْلَ السُّهْمَانِ شُرَكَاؤُهُ فِيمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ مَالِهِ رَدِيئًا فَلَا بَأْسَ بِإِعْطَاءِ الرَّدِيءِ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ} عَنْ صَدَقَاتِكُمْ {حَمِيدٌ} مَحْمُودٌ فِي أَفْعَالِهِ. {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) } {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِالْفَقْرِ، يُقَالُ وَعَدْتُهُ خَيْرًا وَوَعَدْتُهُ شَرًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْخَيْرِ "وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً" (20-الْفَتْحِ) وَقَالَ فِي الشَّرِّ "النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا" (72-الْحَجِّ) فَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ قُلْتَ فِي الْخَيْرِ: وَعَدْتُهُ وَفِي الشَّرِّ، أَوْعَدْتُهُ، وَالْفَقْرُ سُوءُ الْحَالِ وَقِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ، وَأَصْلُهُ مِنْ كَسْرِ الْفَقَارِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُكُمْ بِالْفَقْرِ وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَإِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِهِ افْتَقَرْتَ {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} أَيْ بِالْبُخْلِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كُلُّ الْفَحْشَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الزِّنَا إِلَّا هَذَا {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ} أَيْ لِذُنُوبِكُمْ {فَضْلًا} أَيْ رِزْقًا خَلَفًا (3) {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} غَنِيٌّ {عَلِيمٌ} أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ (4) اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ

_ (1) جمع قنو: وهو عذق النخل. (2) أردأ التمر. (3) ساقط من نسخة ب. (4) بمهملتين مثقلا ممدودا، أي دائمة.

وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ {قَالَ} وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقِسْطُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا "أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَا تُوعِي (2) فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} قَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ النُّبُوَّةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ: عِلْمُ الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَمَنْسُوخُهُ وَمُحْكَمُهُ وَمُتَشَابِهُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَأَمْثَالُهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْقُرْآنُ وَالْفَهْمُ فِيهِ، وَقَالَ: فِي الْقُرْآنِ مِائَةٌ وَتِسْعُ آيَاتٍ نَاسِخَةٌ وَمَنْسُوخَةٌ وَأَلْفُ آيَةِ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، لَا يَسَعُ الْمُؤْمِنِينَ تَرْكُهُنَّ حَتَّى يَتَعَلَّمُوهُنَّ، وَلَا تَكُونُوا كَأَهْلِ نَهْرَوَانَ تَأَوَّلُوا آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ الكتاب جهلوأ 48/ب عِلْمَهَا فَسَفَكُوا بِهَا الدِّمَاءَ وَانْتَهَبُوا الْأَمْوَالَ وَشَهِدُوا عَلَيْنَا بِالضَّلَالَةِ، فَعَلَيْكُمْ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مَنْ عَلِمَ فِيمَ أَنْزَلَ اللَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْقُرْآنُ وَالْعِلْمُ وَالْفِقْهُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ: الْإِصَابَةُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْرِفَةُ مَعَانِي الْأَشْيَاءِ وَفَهْمُهَا. {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَالْحِكْمَةُ خَبَرُهُ (4) ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ -يُؤْتِ الْحِكْمَةَ -بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ مَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، دَلِيلُ قِرَاءَةِ الْأَعْمَشِ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللَّهُ، حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ} قَالَ: الْوَرَعُ فِي دِينِ اللَّهِ {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ} يَتَّعِظُ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ذَوُو الْعُقُولِ.

_ (1) رواه البخاري: في تفسير سورة هود - باب: وكان عرشه على الماء - 8 / 352 وفي التوحيد. ومسلم: في الزكاة - باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (993) 2 / 690. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 154-155. (2) الإيعاء جعل الشيء في الوعاء، وأصله الحفظ. (3) رواه البخاري: في الهبة - باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج 5 / 217. ومسلم: في الزكاة: باب: الحث في الإنفاق وكراهية الإحصاء برقم (1029) 2 / 713. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 154. (4) انظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري: 1 / 220.

270

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ} فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ {أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ} أَيْ: مَا أَوْجَبْتُمُوهُ [أَنْتُمْ] (1) عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ فَوَفَّيْتُمْ بِهِ {فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ} يَحْفَظُهُ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يَعْلَمُهُ، وَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُهَا لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى الْآخَرِ مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا" (112-النِّسَاءِ) وَإِنْ شِئْتَ حَمَلْتَهُ عَلَى "مَا" كَقَوْلِهِ: "وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ" (231-الْبَقَرَةِ) وَلَمْ يَقُلْ بِهِمَا {وَمَا لِلظَّالِمِينَ} الْوَاضِعِينَ الصَّدَقَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا بِالرِّيَاءِ أَوْ يَتَصَدَّقُونَ مِنَ الْحَرَامِ {مِنْ أَنْصَارٍ} أَعْوَانٍ يَدْفَعُونَ عَذَابَ اللَّهِ عَنْهُمْ، وَهِيَ جَمْعُ نَصِيرٍ، مِثْلُ: شَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ} أَيْ تُظْهِرُوهَا {فَنِعِمَّا هِيَ} أَيْ: نِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ وَ"مَا" فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ "وَهِيَ" فِي مَحَلِّ النَّصْبِ كَمَا تَقُولُ نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا فَإِذَا عُرِّفَتْ رُفِعَتْ، فَقُلْتَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وَأَصْلُهُ نِعْمَ مَا فَوُصِلَتْ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ غَيْرَ وَرْشٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ: فَنِعْمَا بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ بِكَسْرِهِمَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ صَحِيحَةٌ وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ. {وَإِنْ تُخْفُوهَا} تُسِرُّوهَا {وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ} أَيْ تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فِي السِّرِّ {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وَأَفْضَلُ وَكُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً وَلَكِنْ صَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ، وَفِي الْحَدِيثِ "صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ (2) .

_ (1) ساقطة من ب. (2) أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في الزكاة - باب فضل الصدقة (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء) وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه عبد الله بن عيسى الخزاز 3 / 329-330 وعبد الله بن عيسى الخزاز أبو خلف منكر الحديث. قال النسائي: ليس بثقة: انظر ميزان الاعتدال: 2 / 470. وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بأطول من هذا عن معاوية بن حيدة وفيه صدقة بن عبد الله وثقه دحيم وضعفه جماعة (تهذيب التهذيب: 4 / 365) وأيضا في الصغير والأوسط عن جعفر وفيه أصرم بن حوشب وهو ضعيف (مجمع الزوائد 3 / 115) والمصنف في شرح السنة: 6 / 133.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَوْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ" (1) . وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَمَّا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ فَالْإِظْهَارُ فِيهَا أَفْضَلُ حَتَّى يَقْتَدِيَ بِهِ النَّاسُ، كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ، وَالنَّافِلَةُ فِي الْبَيْتِ [أَفْضَلُ] (2) وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ كَانَ الْإِخْفَاءُ فِيهَا خَيْرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَالْإِظْهَارُ أَفْضَلُ حَتَّى لَا يُسَاءَ بِهِ الظَّنُّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِالنُّونِ وَرَفْعِ الرَّاءِ أَيْ وَنَحْنُ نُكَفِّرُ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ وَرَفْعِ الرَّاءِ، أَيْ وَيُكَفِّرُ اللَّهُ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالنُّونِ وَالْجَزْمِ نَسَقًا عَلَى الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ "فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ" لِأَنَّ مَوْضِعَهَا جَزْمٌ بِالْجَزَاءِ، وَقَوْلُهُ وَمِنْ سَيِّئَاتِكُمْ قِيلَ "مِنْ" صِلَةٌ، تَقْدِيرُهُ نُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَقِيلَ: هُوَ لِلتَّحْقِيقِ وَالتَّبْعِيضِ، يَعْنِي: نُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ مِنَ الذُّنُوبِ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} قَالَ الْكَلْبِيُّ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ لَهُمْ قَرَابَةٌ

_ (1) رواه البخاري، في الأذان - باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد 2 / 143. ومسلم: في الزكاة - باب: فضل إخفاء الصدقة برقم (1031) 2 / 715. والمصنف في شرح السنة: 2 / 354. (2) ساقطة من نسخة ب.

273

وَأَصْهَارٌ فِي الْيَهُودِ وَكَانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا فَلَمَّا أَسْلَمُوا كَرِهُوا أَنْ يُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ وَأَرَادُوهُمْ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (1) كَانُوا يَتَصَدَّقُونَ عَلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَلَمَّا كَثُرَ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّصَدُّقِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَيْ تَحْمِلَهُمُ الْحَاجَةُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فَتَمْنَعُهُمُ الصَّدَقَةَ لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ حَاجَةً مِنْهُمْ إِلَيْهَا، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وَأَرَادَ بِهِ هِدَايَةَ التَّوْفِيقِ، أَمَّا هُدَى الْبَيَانِ وَالدَّعْوَةِ فَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطُوهُمْ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ. {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} أَيْ مَالٍ {فَلِأَنْفُسِكُمْ} أَيْ تَعْمَلُونَهُ لِأَنْفُسِكُمْ {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} وَمَا جَحْدٌ، لَفْظُهُ نَفْيٌ وَمَعْنَاهُ نَهْيٌ، أَيْ لَا تُنْفِقُوا إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} شَرْطٌ كَالْأَوَّلِ وَلِذَلِكَ حَذَفَ النُّونَ مِنْهُمَا {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} أَيْ يُوَفَّرُ لَكُمْ جَزَاؤُهُ، وَمَعْنَاهُ: يُؤَدِّي إِلَيْكُمْ، وَلِذَلِكَ دَخَلَ فِيهِ إِلَّا {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} لَا تُنْقَصُونَ مِنْ ثَوَابِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا، وَهَذَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُوضَعَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ فَلَا يَجُوزُ وَضْعُهَا إِلَّا فِي الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ أَهْلُ السُّهْمَانِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ. {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ هَذِهِ اللَّامِ: قِيلَ هِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْضِعِ اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ "فَلِأَنْفُسِكُمْ" كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِلْفُقَرَاءِ، وَإِنَّمَا تُنْفِقُونَ لِأَنْفُسِكُمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهَا الصَّدَقَاتُ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَقِيلَ: خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ كَذَا حَقٌّ وَاجِبٌ، وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، كَانُوا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِنُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا عَشَائِرُ، وَكَانُوا فِي الْمَسْجِدِ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيَرْضَخُونَ (2) النَّوَى بِالنَّهَارِ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ فِي كُلِّ سَرِيَّةٍ يَبْعَثُهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ، فَحَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ النَّاسَ فَكَانَ مَنْ عِنْدَهُ فَضْلٌ أَتَاهُمْ بِهِ إِذَا أَمْسَى. {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فِيهِ أَقَاوِيلُ؛ قَالَ قَتَادَةُ -وَهُوَ أَوْلَاهَا -حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ} لَا يَتَفَرَّغُونَ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ وَهُمْ أَهْلُ الصُّفَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، وَقِيلَ: حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ حَبَسَهُمُ الْفَقْرُ وَالْعُدْمُ عَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَصَارُوا زَمْنَى، أَحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْجِهَادِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنَاهُ: مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُوا صَارَتِ الْأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَيْهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ مِنْ كَثْرَةِ أَعْدَائِهِمْ، {يَحْسَبُهُمُ} قرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة: يحسبهم وبابه بفتح السين وقرأ الآخرون بالكسر

_ (1) أسباب النزول للواحدي ص 83 بسنده عن سعيد بن جبير. (2) يكسرون.

{الْجَاهِل} بحالهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} أَيْ مِنْ تَعَفُّفِهِمْ عن السؤال 49/أوَقَنَاعَتِهِمْ يَظُنُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمْ أَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَالتَّعَفُّفُ التَّفَعُّلُ مِنَ الْعِفَّةِ وَهِيَ التَّرْكُ يُقَالُ: عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا كَفَّ عَنْهُ وَتَعَفَّفَ إِذَا تَكَلَّفَ فِي الْإِمْسَاكِ. {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} السِّيمَاءُ وَالسِّيمِيَاءُ وَالسِّمَةُ: الْعَلَامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الشَّيْءُ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا هَاهُنَا، فَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَثَرُ الْجُهْدِ مِنَ الْحَاجَةِ وَالْفَقْرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: صُفْرَةُ أَلْوَانِهِمْ مِنَ الْجُوعِ وَالضُّرِّ وَقِيلَ رَثَاثَةُ ثِيَابِهِمْ، {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} قَالَ عَطَاءٌ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ غَدَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ عَشَاءً، وَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ عَشَاءٌ لَا يَسْأَلُونَ غَدَاءً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا أَصْلًا لِأَنَّهُ قَالَ: مِنَ التَّعَفُّفِ، وَالتَّعَفُّفِ تَرْكُ السُّؤَالِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ شَأْنِهِمْ لَمَا كَانَتْ إِلَى مَعْرِفَتِهِمْ بِالْعَلَامَةِ مِنْ حَاجَةٍ، فَمَعْنَى الْآيَةِ، لَيْسَ لَهُمْ سُؤَالٌ فَيَقَعُ فِيهِ إِلْحَافٌ، وَالْإِلْحَافُ: الْإِلْحَاحُ وَاللَّجَاجُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَذْهَبَ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ، تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ" قَالُوا: فَمَنِ الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى فَيُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ" (2) . وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا" (3) .

_ (1) رواه البخاري في الزكاة. باب: الاستعفاف عن المسألة 3 / 335. والمصنف في شرح السنة 6 / 112-113. (2) رواه البخاري: في الزكاة - باب: قول الله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا) 3 / 340 وفي التفسير. ومسلم: في الزكاة - باب: المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه يرقم (1039) 2 / 719. والمصنف في شرح السنة: 6 / 86. (3) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى 2 / 229 عن أبي سعيد الخدري بلفظ (من سأل وله أوقية فقد ألحف) وسكت عنه المنذري. والنسائي: في الزكاة - باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها 5 / 98-99. وأحمد: 4 / 36 و5 / 430 واللفظ له عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد. والمصنف في شرح السنة: 6 / 84 وإسناده صحيح.

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زكريا بن عدافر، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبَّادٍ الدَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ عَنْ كِنَانَةَ الْعَدَوِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: إِنِّي تَحَمَّلْتُ بِحِمَالَةٍ فِي قَوْمِي فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي تَحَمَّلْتُ بِحَمَالَةٍ فِي قَوْمِي وَأَتَيْتُكَ لِتُعِينَنِي فِيهَا قَالَ: "بَلْ نَتَحَمَّلُهَا عَنْكَ يَا قَبِيصَةُ وَنُؤَدِّيهَا إِلَيْهِمْ مِنَ الصَّدَقَةِ" ثُمَّ قَالَ "يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ (1) فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشِهِ ثُمَّ يُمْسِكُ، وَفِي رَجُلٍ أَصَابَتْهُ حَاجَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَدْ حَلَّتْ لَهُ فَيَسْأَلُ حَتَّى يُصِيبَ الْقِوَامَ مِنَ الْعَيْشِ ثُمَّ يُمْسِكُ، وَفِي رَجُلٍ تَحَمَّلَ بِحِمَالَةٍ فَيَسْأَلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَمْسَكَ، وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ سُحْتٌ يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ" (3) . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} مَالٍ {فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} وَعَلَيْهِ مَجَازٍ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً} رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَتْ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا وَبِدِرْهَمٍ نَهَارًا وَبِدِرْهَمٍ سِرًّا وَبِدِرْهَمٍ عَلَانِيَةً (5) .

_ (1) آفة تهلك المال. (2) رواه مسلم: في الزكاة - باب: من تحل له المسألة برقم (1044) 2 / 722 بألفاظ مقاربة. والمصنف في شرح السنة: 6 / 122 بلفظ: (إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة بين قوم، ورجل أصابته جائحة، فاجتاحت ماله، فيسأل حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن قد أصابته حاجة، وأن قد حلت له المسألة وما سوى ذلك من المسائل سحت) . (3) الخموش مثل الخدوش في المعنى، والكدوح: آثار الخدوش، وكل أثر من خدش أو عض أو نحوه، فهو كدوح. (4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: من يعطي من الصدقة وحد الغنى 2 / 226 وانظر ما قاله المنذري في مختصره والترمذي: في الزكاة - باب: من تحل له الزكاة 3 / 313،314 عن ابن مسعود وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث وقال ابن حجر: ضعيف رمي بالتشيع من الخامسة (تقريب) . وابن ماجه: في الزكاة - باب من سأل عن ظهر عنى 1 / 589 وصححه الألباني في الصحيحة برقم (499) وصحيح ابن ماجه برقم (1490) . والدارمي: في الزكاة - باب / 15 / من تحل له الصدقة 1 / 386. والمصنف في شرح السنة: 6 / 83. (5) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 86 بسند حسن.

وَعَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِدَنَانِيرَ كَثِيرَةٍ إِلَى أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، وَبَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ بِوَسَقٍ مَنْ تَمْرٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الْآيَةَ عَنَى بِالنَّهَارِ عَلَانِيَةً: صَدَقَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَبِاللَّيْلِ سِرًّا: صَدَقَةَ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَمَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ يَرْتَبِطُونَ الْخَيْلَ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهَا تُعْلَفُ لَيْلًا وَنَهَارًا سِرًّا وَعَلَانِيَةً (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (2) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قَالَ الْأَخْفَشُ: جَعَلَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ، لِأَنَّ "الَّذِينَ" بِمَعْنَى "مَنْ" وَجَوَابُ مَنْ بِالْفَاءِ بِالْجَزَاءِ، أَوْ مَعْنَى الْآيَةِ: مَنْ أَنْفَقَ كَذَا فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}

_ (1) أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه سلم قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل، يزيد وأبوه مجهولان. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب: كانت معه أربعة دراهم....، وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب قال: الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهما في جيش العسرة، (انظر: لباب النقول للسيوطي ص 118 بهامش الجلالين، أسباب النزول للواحدي ص84-85. (2) رواه البخاري في الجهاد باب من احتبس فرسا في سبيل الله 6 / 57 والمصنف في شرح السنة 10 / 388.

275

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} أَيْ يُعَامِلُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَكْلَ لِأَنَّهُ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْمَالِ {لَا يَقُومُونَ} يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ {إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ} أَيْ يَصْرَعُهُ {الشَّيْطَانُ} أَصْلُ الْخَبْطِ الضَّرْبُ وَالْوَطْءُ، وَهُوَ ضَرْبٌ عَلَى غَيْرِ اسْتِوَاءٍ يُقَالُ: نَاقَةٌ خَبُوطٌ لِلَّتِي تَطَأُ النَّاسَ وتضرب الأرض

بقوائهما {مِنَ الْمَسِّ} أَيِ الْجُنُونِ يُقَالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهُوَ مَمْسُوسٌ إِذَا كَانَ مَجْنُونًا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ آكِلَ الرِّبَا يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ كَمِثْلِ الْمَصْرُوعِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ قَالَ: "فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رِجَالٍ كَثِيرٍ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ مُنَضَّدِينَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ -وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا -قَالَ: فَيُقْبِلُونَ مِثْلَ الْإِبِلِ الْمَنْهُومَةِ يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ، فَإِذَا أَحَسَّ بِهِمْ أَصْحَابُ تِلْكَ الْبُطُونِ قَامُوا، فَتَمِيلُ بِهِمْ بُطُونُهُمْ فَيُصْرَعُونَ، ثُمَّ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَيَمِيلُ بِهِ بَطْنُهُ فَيُصْرَعُ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَبْرَحُوا حَتَّى يَغْشَاهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ فَيَرِدُوهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، فَذَلِكَ عَذَابُهُمْ فِي الْبَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيَا والآخرة {قال} 49/ب وَآلُ فِرْعَوْنَ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ أَبَدًا {قَالَ} وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: "أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ" (46-غَافِرٍ) قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} أَيْ ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ لِقَوْلِهِمْ هَذَا وَاسْتِحْلَالِهِمْ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا حَلَّ مَالُهُ عَلَى غَرِيمِهِ فَطَالَبَهُ بِهِ فَيَقُولُ الْغَرِيمُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ: زِدْنِي فِي الْأَجَلِ حَتَّى أَزِيدَكَ فِي الْمَالِ، فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ سَوَاءٌ عَلَيْنَا الزِّيَادَةُ فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ بِالرِّبْحِ أَوْ عِنْدَ الْمَحَلِّ لِأَجْلِ التَّأْخِيرِ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} وَاعْلَمْ

_ (1) رواه الأصبهاني من طريق أبي هارون العبدي، وهو واه. انظر: الترغيب والترهيب للمنذري: 3 / 9.

أَنَّ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ الزِّيَادَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا آتيتم من الربا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ" أَيْ لِيَكْثُرَ "فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ" (39-الرُّومِ) وَطَلَبُ الزِّيَادَةِ بِطَرِيقِ التِّجَارَةِ غَيْرُ حَرَامٍ فِي الْجُمْلَةِ، إِنَّمَا الْمُحَرَّمُ زِيَادَةٌ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ -وَنَقَصَ أَحَدُهُمَا الْمِلْحَ أَوِ التَّمْرَ وَزَادَ أَحَدُهُمَا: مَنْ زَادَ وَازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى" (1) . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُطَرِّفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ عَنْ عُبَادَةَ فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى سِتَّةِ أَشْيَاءَ. وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الرِّبَا يَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السِّتِّ بِالْأَوْصَافِ فِيهَا فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلِّ مَالٍ تُوجَدُ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْأَوْصَافِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ: إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِهَا وَاحِدٌ وَهُوَ النَّفْعُ وَأَثْبَتُوا الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الرِّبَا يَثْبُتُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِوَصْفٍ وَفِي الْأَشْيَاءِ الْمَطْعُومَةِ بِوَصْفٍ آخَرَ، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْوَصْفِ فَقَالَ قَوْمٌ: ثَبَتَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ بِوَصْفِ، النَّقْدِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ قَوْمٌ: ثَبَتَ بِعِلَّةِ الْوَزْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَثْبَتُوا الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْمَوْزُونَاتِ مِثْلِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالْقُطْنِ وَنَحْوِهَا. وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الرِّبَا ثَبَتَ فِيهَا بِعِلَّةِ الْكَيْلِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَثْبَتُوا الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْمَكِيلَاتِ مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْعُومٍ كَالْجِصِّ وَالنَّوْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهَا الطَّعْمُ مَعَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، فَكُلُّ مَطْعُومٍ وَهُوَ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ يَثْبُتُ فِيهِ الرِّبَا، وَلَا يَثْبُتُ فِيمَا لَيْسَ بِمَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يَثْبُتُ فِيهَا الرِّبَا بِوَصْفِ الطَّعْمِ، وَأَثْبَتَ الرِّبَا فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمَطْعُومَةِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْبُقُولِ وَالْأَدْوِيَةِ مَكِيلَةً كَانَتْ أَوْ مَوْزُونَةً لِمَا رُوِيَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (2) .

_ (1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1587) 3 / 1210. والمصنف في شرح السنة: 8 / 56. (2) رواه مسلم: في المساقاة - باب: بيع الطعام مثلا بمثل برقم (1592) 3 / 1214 والمصنف في شرح السنة 8 / 58.

فَجُمْلَةُ مَالِ الرِّبَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا كَانَ ثَمَنًا أَوْ مَطْعُومًا، وَالرِّبَا نَوْعَانِ: رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسَاءِ، فَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ بِأَنْ بَاعَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِجِنْسِهِ كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا يَثْبُتُ فِيهِ كِلَا نَوْعَيِ الرِّبَا حَتَّى لَا يَجُوزَ إِلَّا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي مِعْيَارِ الشَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ مَوْزُونًا كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْوَزْنِ، وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِيعَ بِجِنْسِهِ، فَيُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَإِذَا بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ نُظِرَ: إِنْ بَاعَ بِمَا لَا يُوَافِقُهُ فِي وَصْفِ الرِّبَا مِثْلَ أَنْ بَاعَ مَطْعُومًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَلَا رِبَا فِيهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِغَيْرِ مَالِ الرِّبَا، أَوْ إِنْ بَاعَهُ بِمَا يُوَافِقُهُ مَعَ الْوَصْفِ مِثْلَ أَنْ بَاعَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بَاعَ الْحِنْطَةَ بِالشَّعِيرِ أَوْ بَاعَ مَطْعُومًا بِمَطْعُومٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ حَتَّى يَجُوزَ مُتَفَاضِلًا أَوْ جُزَافًا (1) وَيَثْبُتُ فِيهِ رِبَا النَّسَاءِ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ -إِلَى أَنْ قَالَ -إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ" فِيهِ إِيجَابُ الْمُمَاثَلَةِ وَتَحْرِيمُ الْفَضْلِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ، وَقَوْلُهُ "عَيْنًا بِعَيْنٍ" فِيهِ تَحْرِيمُ النَّسَاءِ، وَقَوْلُهُ "يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ" فِيهِ إِطْلَاقُ التَّفَاضُلِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ مَعَ إِيجَابِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، هَذَا فِي رِبَا الْمُبَايَعَةِ. وَمَنْ أَقْرَضَ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ أَفْضَلَ فَهُوَ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ} تَذْكِيرٌ وَتَخْوِيفٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفِعْلَ رَدًّا إِلَى الْوَعْظِ {فَانْتَهَى} عَنْ أَكْلِ الرِّبَا {فَلَهُ مَا سَلَفَ} أَيْ مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ قَبْلَ النَّهْيِ مَغْفُورٌ لَهُ {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} بَعْدَ النَّهْيِ إِنْ شَاءَ عَصَمَهُ حَيْثُ يَثْبُتُ عَلَى الِانْتِهَاءِ، وَإِنْ شَاءَ خَذَلَهُ حَتَّى يَعُودَ، وَقِيلَ: {مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} فِيمَا يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُحِلُّ لَهُ وَيُحَرُّمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ نَفْسِهِ شَيْءٌ {وَمَنْ عَادَ} بَعْدَ التَّحْرِيمِ إِلَى أَكْلِ الرِّبَا مُسْتَحِلًّا لَهُ {فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُصَوِّرَ" (2) . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ

_ (1) بيع الشيء لا يعلم كيله لا وزنه، فارسي معرب. (2) رواه البخاري: في البيوع - باب: موكل الربا 4 / 314 وفي اللباس والطلاق. والمصنف في شرح السنة: 8 / 25.

278

وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: "هُمْ سَوَاءٌ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 50/أ "الرِّبَا سَبْعُونَ بَابًا أَهْوَنُهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَالَّذِي يَنْكِحُ أُمَّهُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} أَيْ يَنْقُصُهُ وَيُهْلِكُهُ وَيَذْهَبُ بِبَرَكَتِهِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} يَعْنِي لَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَدَقَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا حَجَّةً وَلَا صِلَةً {وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} أَيْ يُثَمِّرُهَا وَيُبَارِكُ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُضَاعِفُ بِهَا الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ فِي الْعُقْبَى {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} بِتَحْرِيمِ الرِّبَا {أَثِيمٍ} فَاجِرٍ بِأَكْلِهِ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تُظْلَمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَكَانَا قَدْ أَسْلَفَا فِي التَّمْرِ فَلَمَّا حَضَرَ الْجُذَاذُ قَالَ لَهُمَا صَاحِبُ التَّمْرِ: إِنْ أَنْتُمَا أَخَذْتُمَا حَقَّكُمَا لَا يَبْقَى لِي مَا يَكْفِي عِيَالِي فَهَلْ لَكُمَا أَنْ تَأْخُذَا النِّصْفَ وَتُؤَخِّرَا النِّصْفَ وَأُضْعِفُ لَكُمَا؟ فَفَعَلَا فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبَا الزِّيَادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَسَمِعَا وَأَطَاعَا وَأَخَذَا رُءُوسَ أَمْوَالِهِمَا (3) . وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْعَبَّاسِ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسْلِفَانِ فِي الرِّبَا إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، نَاسٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَلَهُمَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ فِي الرِّبَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ "أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ كُلِّهَا، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهَا

_ (1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: لعن آكل الربا وموكله برقم (1598) 3 / 1218. والمصنف في شرح السنة: 8 / 54. (2) رواه ابن ماجه في التجارات - باب التغليظ في الربا 1 / 764 قال في الزوائد: وفي إسناده نجيح بن عبد الرحمن أبو معشر متفق على تضعيفه وقال ابن حجر: نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني، أبو معشر، وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته ضعيف من السادسة، أسن واختلط، مات سنة 170 ويقال: كان اسمه عبد الرحمن بن الوليد بن هلال (تقريب) . وانظر فيض القدير 4 / 51 وكشف الخفاء 1 / 508 فقد عزاه للحاكم والطبراني. (3) أسباب النزول للواحدي ص 87.

مَوْضُوعَةٌ كُلُّهَا" (1) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَرْبَعَةِ إِخْوَةٍ مِنْ ثَقِيفٍ، مَسْعُودٍ وَعَبْدِ يَالِيلَ وَحَبِيبٍ وَرَبِيعَةَ وَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ الثَّقَفِيِّ، كَانُوا يُدَايِنُونَ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ مَخْزُومٍ وَكَانُوا يُرْبُونَ فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الطَّائِفِ أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةُ فَطَلَبُوا رِبَاهُمْ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ بَنُو الْمُغِيرَةِ: وَاللَّهِ مَا نُعْطِي الرِّبَا فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ وَكَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَكَّةَ فَكَتَبَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّةِ الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ مَالًا عَظِيمًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} (2) . {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} أَيْ إِذَا لَمْ تَذَرُوَا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ فَآذِنُوا بِالْمَدِّ عَلَى وَزْنِ آمِنُوا، أَيْ فَأَعْلِمُوا غَيْرَكُمْ أَنَّكُمْ حَرْبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ أَيْ أَوْقِعُوا فِي الْآذَانِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ فَأْذَنُوا مَقْصُورًا بِفَتْحِ الذَّالِ أَيْ فَاعْلَمُوا أَنْتُمْ وَأَيْقِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُقَالُ لِآكِلِ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُذْ سِلَاحَكَ لِلْحَرْبِ، قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: حَرْبُ اللَّهِ: النَّارُ وَحَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ: السَّيْفُ. {وَإِنْ تُبْتُمْ} أَيْ تَرَكْتُمُ اسْتِحْلَالَ الرِّبَا وَرَجَعْتُمْ عَنْهُ {فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ} بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ {وَلَا تُظْلَمُونَ} بِالنُّقْصَانِ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ قَالَ بَنُو عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ وَمَنْ كَانَ يُعَامِلُ بِالرِّبَا مِنْ غَيْرِهِمْ: بَلْ نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدَانِ لَنَا بِحَرْبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَرَضُوا بِرَأْسِ الْمَالِ، فَشَكَا بَنُو الْمُغِيرَةِ الْعُسْرَةَ وَقَالُوا: أَخِّرُونَا إِلَى أَنْ تُدْرَكَ الْغَلَّاتُ فَأَبَوْا أَنْ يُؤَخِّرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} يَعْنِي وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُعْسِرًا، رَفَعَ الْكَلَامَ بِاسْمِ كَانَ وَلَمْ يأت لها بخير وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي النَّكِرَةِ، تَقُولُ، إن كان رجلا صالحا فَأَكْرِمْهُ، وَقِيلَ "كَانَ" بِمَعْنَى وَقَعَ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى خَبَرٍ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ عُسْرَةٍ بِضَمِّ السِّينِ {فَنَظِرَةٌ} أَمْرٌ فِي صِيغَةِ الْخَبَرِ تَقْدِيرُهُ فَعَلَيْهِ نَظِرَةٌ {إِلَى مَيْسَرَةٍ} قَرَأَ نَافِعٌ مَيْسَرَةٍ بِضَمِّ السِّينِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ مَيْسُرَةٍ بِضَمِّ السِّينِ مُضَافًا وَمَعْنَاهَا الْيَسَارُ وَالسَّعَةُ {وَأَنْ تَصَدَّقُوا} أَيْ تَتْرُكُوا رُءُوسَ أَمْوَالِكُمْ إِلَى الْمُعْسِرِ {خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قَرَأَ عَاصِمٌ تَصَدَّقُوا بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَالْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو الطِّيبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِيكَالِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدَانَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو بْنِ السَّرْحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ يَحْيَى

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 87، وسبق تخريج خطبة يوم عرفة في ص (219) هامش (2) وص (229) . (2) انظر: لباب النقول للسيوطي ص 119، 121.

ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ رَجُلًا بِحَقٍّ فَاخْتَبَأَ مِنْهُ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: الْعُسْرَةُ، فَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ فَحَلَفَ فَدَعَا بِصَكِّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَلَقَّتْ رُوحَ رَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ فَقَالُوا هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا قَالُوا: تَذْكُرُ، قَالَ: لَا إِلَّا أَنِّي رَجُلٌ كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَكُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُوسِرَ وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى "تَجَاوَزُوا عَنْهُ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا زَائِدَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ أَبِي الْيُسْرِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ" (3) . فصل في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كَهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِمِنًى يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَغْلَظَ لَهُ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، قَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ قَالَ: "اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" (4) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو

_ (1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: فضل إنظار المعسر برقم (1563) 3 / 1196. والمصنف في شرح السنة: 8 / 196 باللفظ نفسه. (2) رواه البخاري: في البيوع، باب: من أنظر معسرا 4 / 307. ومسلم: في المساقاة - باب: فضل إنظار المعسر عن حذيفة برقم (1560) 3 / 1194. والمصنف في شرح السنة: 8 / 197. (3) أخرجه مسلم: مطولا في الزهد - باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (3006) 4 / 2301-2302 والمصنف في شرح السنة: 8 / 198. (4) أخرجه البخاري في الوكالة - باب: الوكالة في قضاء الديون 4 / 483 وفي الاستقراض والهبة. ومسلم: في المساقاة - باب: من استسلف شيئا فقضى خيرا منه (وخيركم أحسنكم قضاء) برقم (1601) 3 / 1229. والمصنف في شرح السنة: 8 / 194.

مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فليتبع" (1) . أَخْبَرَنَا 50/ب عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَعَمْ" فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ قُلْتَ؟ " فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَعَمْ إِلَّا الدَّيْنَ" كَذَلِكَ قَالَ جِبْرِيلُ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِفَتْحِ التَّاءِ أَيْ تَصِيرُونَ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: تُرَدُّونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَعْهَا عَلَى رَأْسِ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَعَاشَ بَعْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: تِسْعَ لَيَالٍ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَبْعَ لَيَالٍ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

_ (1) أخرجه البخاري في الحوالات. باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة 4 / 464 ومسلم في المساقاة. باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة برقم (1564) 3 / 1197. والمصنف في شرح السنة 8 / 210. (2) أخرجه الشافعي 2 / 226 والترمذي: في الجنائز - باب: ما جاء أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه 4 / 193 وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه في الصدقات - باب: التشديد في الدين 2 / 806. وأحمد 2 / 440، 475، 508 عن أبي هريرة. والدارمي: في البيوع 52 باب: ما جاء في التشديد في الدين 2 / 262. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو صدوق يخطئ: نيل الأوطار 5 / 14. والمصنف في شرح السنة: 8 / 202 وقال هذا حديث حسن. (3) أخرجه مسلم: في الإمارة - باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين برقم (1885) 3 / 1501. والمصنف في شرح السنة: 8 / 200.

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا (1) .

_ (1) في معرفة آخر ما نزل اختلاف، فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (النساء-176) . وآخر سورة نزلت سورة براءة. وأخرج البخاري عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت آية الربا. وروى البيهقي عن عمر مثله، وعند أحمد وابن ماجه عن عمر: من آخر ما نزل آية الربا. وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله" (سورة البقرة-281) وأخرج مثله ابن جرير والفريابي، وهو مروي عن سعيد بن جبير ... إلخ وهناك أقوال أخرى، ويمكن التوفيق والجمع بين الأقوال بأن بعضها ينصب على آخر ما نزل من السور، وبعضها بالنسبة للآيات وبعضها بالنسبة لموضوع الآيات، فهي أواخر نسبية. انظر بالتفصيل: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 1 / 101-106، بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم.

282

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا أَبَاحَ السَّلَمَ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ". قَوْلُهُ: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} أَيْ تَعَامَلْتُمْ بِالدَّيْنِ، يُقَالُ: دَايَنَتْهُ إِذَا عَامَلَتْهُ بِالدَّيْنِ وَإِنَّمَا قَالَ {بِدَيْنٍ} بَعْدَ قَوْلِهِ تَدَايَنْتُمْ لِأَنَّ الْمُدَايَنَةَ قَدْ تَكُونُ مُجَازَاةً وَقَدْ تَكُونُ مُعَاطَاةً فَقَيَّدَهُ بِالدَّيْنِ لِيَعْرِفَ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: ذَكَرَهُ

تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ" (38-الْأَنْعَامِ) {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} الْأَجَلُ مُدَّةٌ مَعْلُومَةُ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ، وَالْأَجَلُ يَلْزَمُ فِي الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ وَفِي السَّلَمِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الطَّلَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ، وَفِي الْقَرْضِ لَا يلزم الأجل عن أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ {فَاكْتُبُوهُ} أَيِ اكْتُبُوا الَّذِي تَدَايَنْتُمْ بِهِ، بَيْعًا كَانَ أَوْ سَلَمًا أَوْ قَرْضًا. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَاجِبَةٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ فَإِنْ تُرِكَ فَلَا بَأْسَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ" (10-الْجُمُعَةِ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَتْ كِتَابَةُ الدَّيْنِ وَالْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ فَرْضًا ثُمَّ نُسِخَ الْكُلُّ بِقَوْلِهِ "فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فليؤد الذي ائتمن أَمَانَتَهُ" وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ} أَيْ لِيَكْتُبْ كِتَابَ الدَّيْنِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} أَيْ بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا تَقْدِيمِ أَجْلٍ وَلَا تَأْخِيرٍ {وَلَا يَأْبَ} أَيْ لَا يَمْتَنِعُ {كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ} وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْكَاتِبِ وَتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّاهِدِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهَا إِذَا طُولِبَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ تَجِبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَاتِبٌ غَيْرُهُ، وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ كَانَتْ عَزِيمَةً وَاجِبَةً عَلَى الْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ فَنَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى "وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ" {كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} أَيْ كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَمَرَهُ {فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} يَعْنِي: الْمَطْلُوبُ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِلِسَانِهِ لِيَعْلَمَ مَا عَلَيْهِ، وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، جَاءَ بِهِمَا الْقُرْآنُ، فَالْإِمْلَالُ هَاهُنَا، وَالْإِمْلَاءُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا" (5-الْفُرْقَانِ) {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} يَعْنِي الْمُمِلَّ {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} أَيْ وَلَا يَنْقُصْ مِنْهُ، أَيْ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا. {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا} أَيْ جَاهِلًا بِالْإِمْلَاءِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: طِفْلًا صَغِيرًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، السَّفِيهُ: الْمُبَذِّرُ الْمُفْسِدُ لِمَالِهِ أَوْ فِي دِينِهِ. قَوْلُهُ {أَوْ ضَعِيفًا} أَيْ شَيْخًا كَبِيرًا وَقِيلَ هُوَ ضَعِيفُ الْعَقْلِ لِعَتَهٍ أَوْ جُنُونٍ {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} لِخَرَسٍ أَوْ عَيٍّ أَوْ عُجْمَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ لَا يُمْكِنُهُ حُضُورَ الْكَاتِبِ أَوْ جَهْلٌ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} أَيْ قَيِّمُهُ {بِالْعَدْلِ} أَيْ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُقَاتِلٌ: أَرَادَ بِالْوَلِيِّ صَاحِبَ الْحَقِّ، يَعْنِي إِنْ عَجَزَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنَ الْإِمْلَالِ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّ الْحَقِّ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْعَدْلِ لِأَنَّهُ

أَعْلَمُ بِحَقِّهِ، {وَاسْتَشْهِدُوا} أَيْ وَأَشْهِدُوا {شَهِيدَيْنِ} أَيْ شَاهِدَيْنِ {مِنْ رِجَالِكُمْ} يَعْنِي الْأَحْرَارَ الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالْكُفَّارِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَجَازَ شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} أَيْ لَمْ يَكُنِ الشَّاهِدَانِ رَجُلَيْنِ {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} أَيْ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ جَائِزَةٌ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَمْوَالِ حَتَّى تَثْبُتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْعُقُوبَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَذَهَبُ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى أَنَّ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ غَالِبًا كَالْوِلَادَةِ وَالرَّضَاعِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْبَكَارَةِ وَنَحْوِهَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي الْعُقُوبَاتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} يَعْنِي مَنْ كَانَ مَرْضِيًّا فِي دِيَانَتِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَشَرَائِطُ [قَبُولِ] (1) الشَّهَادَةِ سَبْعَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَدَالَةُ وَالْمُرُوءَةُ وَانْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، فَشَهَادَةُ الْكَافِرِ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ الْمَعْرُوفِينَ بِالْكَذِبِ عِنْدَ النَّاسِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ، فَالَّذِي يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ، وَأَجَازَهَا شُرَيْحٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَلَا قَوْلَ لِلْمَجْنُونِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ شَهَادَةٌ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: "مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ" وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الصَّغَائِرِ، وَالْمُرُوءَةُ شَرْطٌ، وَهِيَ مَا يَتَّصِلُ بِآدَابِ النَّفْسِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّ تَارِكَهُ قَلِيلُ الْحَيَاءِ، وَهِيَ حُسْنُ الْهَيْئَةِ وَالسِّيرَةِ وَالْعِشْرَةِ وَالصِّنَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَظْهَرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْهَا مَا يَسْتَحِي أَمْثَالُهُ مِنْ إِظْهَارِهِ فِي الْأَغْلَبِ يُعْلَمُ بِهِ قِلَّةُ مُرُوءَتِهِ وَتُرَدُّ شهادته، وانتفاء 51/أالتُّهْمَةِ شَرْطٌ حَتَّى لَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى الْعَدُوِّ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ عَدُوِّهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِوَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَجُرُّ بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، كَالْوَارِثِ يَشْهَدُ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُ مُوَرِّثَهُ، أَوْ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ ضَرَرًا كَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَشْهَدُ بِجَرْحِ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ لِتَمَكُّنِ التُّهْمَةِ فِي شَهَادَتِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ

_ (1) في نسخة ب (وجوب) .

عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَرْفَعُهُ "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غَمْرٍ عَلَى أَخِيهِ وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا الْقَانِعِ (1) مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} قَرَأَ حَمْزَةُ إِنْ تَضِلَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ {فَتُذَكِّرُ} بِرَفْعِ الرَّاءِ، وَمَعْنَاهُ الْجَزَاءُ وَالِابْتِدَاءُ، وَمَوْضِعُ تَضِلُّ جَزْمٌ بِالْجَزَاءِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فِي التَّضْعِيفِ "فَتُذَكِّرُ" رُفِعَ لِأَنَّ مَا بَعْدَ فَاءِ الْجَزَاءِ مُبْتَدَأٌ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَنَصْبِ الرَّاءِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وتضل مَحَلُّهُ نَصْبٌ بِأَنْ فَتُذَكِّرَ مَنْسُوقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ كَيْ تُذَكِّرَ {إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} وَمَعْنَى تَضِلُّ أَيْ تَنْسَى، يُرِيدُ إِذَا نَسِيَتْ إِحْدَاهُمَا شَهَادَتَهَا، تُذَكِّرُهَا الْأُخْرَى فَتَقُولُ أَلَسْنَا حَضَرْنَا مَجْلِسَ كَذَا وَسَمِعْنَا كَذَا؟ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ: فَتُذَكِّرَ مُخَفَّفًا، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ مُشَدَّدًا، وَذَكَرَ وَاذَّكَّرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُمَا مُتَعَدِّيَانِ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ النِّسْيَانِ، وَحُكِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الذِّكْرِ أَيْ تَجْعَلُ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ذِكْرًا أَيْ تَصِيرُ شَهَادَتُهُمَا كَشَهَادَةِ ذِكْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى النِّسْيَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} قِيلَ أَرَادَ بِهِ إِذَا مَا دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةَ، سَمَّاهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَهُوَ أَمْرُ إِيجَابٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ قَوْمٌ: تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ (فَهُوَ مُخَيَّرٌ) (3) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ، هَذَا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا فَمَعْنَى الْآيَةِ "وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا" لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الشَّاهِدُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَشْهَدْ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْآيَةُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فِي التَّحَمُّلِ وَالْإِقَامَةِ إِذَا كَانَ فَارِغًا.

_ (1) السائل. (2) رواه الترمذي: في الشهادات - باب: فيمن لا تجوز شهادته 6 / 580-582 وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي ويزيد يضعف في الحديث ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وفيه (ولا ذي غمر لأخيه) وفي سنده يزيد بن زياد الدمشقي، وهو متروك كما عرفت، وقال أبو زرعة في العلل: (هو حديث منكر) وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي. وابن ماجه: في الأحكام - باب من لا تجوز شهادته: 2 / 2366 وفي الزوائد: في إسناده حجاج بن أرطاة وكان يدلس وقد رواه بالعنعنة، وهذه رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، (ذي غمر: الغمر: الحقد والعداوة) . وأحمد: 2 / 204، 208، 225، 226 عن عبد الله بن عمرو. والمصنف في شرح السنة: 10 / 123 وقال: هذا حديث غريب ويزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث. (3) ساقط من (ب) والكلام بصيغة الجمع.

283

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) } {وَلَا تَسْأَمُوا} أَيْ وَلَا تَمَلُّوا {أَنْ تَكْتُبُوهُ} وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْحَقِّ {صَغِيرًا} كَانَ الْحَقُّ {أَوْ كَبِيرًا} قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا {إِلَى أَجَلِهِ} إِلَى مَحَلِّ الْحَقِّ {ذَلِكُمْ} أَيِ الْكِتَابُ {أَقْسَطُ} أَعْدَلُ {عِنْدِ اللَّهِ} لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِهِ، وَاتِّبَاعُ أَمْرِهِ أَعْدَلُ مِنْ تَرْكِهِ {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تُذَكِّرُ الشُّهُودَ {وَأَدْنَى} وَأَحْرَى وَأَقْرَبُ إِلَى {أَلَّا تَرْتَابُوا} تَشُكُّوا فِي الشَّهَادَةِ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً} قَرَأَهُمَا

عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَأُضْمِرَ الِاسْمُ، مَجَازُهُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ التِّجَارَةُ تِجَارَةً {حَاضِرَةً} (1) أَوِ الْمُبَايَعَةُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ وَلَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَجْعَلَ الْكَوْنَ بِمَعْنَى الْوُقُوعِ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ الِاسْمَ فِي التِّجَارَةِ وَالْخَبَرَ فِي الْفِعْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} تَقْدِيرُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً دَائِرَةً بَيْنَكُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً يَدًا بِيَدٍ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ لَيْسَ فِيهَا أَجْلٌ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا لا تَكْتُبُوهَا} يَعْنِي التِّجَارَةَ {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ عَزْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِشْهَادُ وَاجِبٌ فِي صَغِيرِ الْحَقِّ وَكَبِيرِهِ نَقْدًا أَوْ نَسِيئًا، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى الْأَمَانَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى "فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا" الْآيَةَ، وَقَالَ الْآخَرُونَ هُوَ أَمْرُ نَدْبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} هَذَا نَهْيٌ لِلْغَائِبِ، وَأَصْلُهُ يُضَارِرْ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى الرَّائَيْنِ فِي الْأُخْرَى وَنُصِبَتْ لِحَقِّ التَّضْعِيفِ لِاجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَصْلُهُ يُضَارِرْ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْأُولَى، وَجَعْلِ الْفِعْلِ لِلْكَاتِبِ وَالشَّهِيدِ، مَعْنَاهُ لَا يُضَارَّ الْكَاتِبُ فَيَأْبَى أَنْ يَكْتُبَ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَأْبَى أَنْ يَشْهَدَ، وَلَا يُضَارَّ الْكَاتِبُ فَيَزِيدُ أَوْ يَنْقُصُ أَوْ يُحَرِّفُ مَا أُمْلِيَ عَلَيْهِ وَلَا الشَّهِيدُ فَيَشْهَدُ بِمَا لَمْ يُسْتَشْهَدْ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ طاووس وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: أَصْلُهُ يُضَارَرْ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْفِعْلِ الْمَجْهُولِ وَجَعَلُوا الْكَاتِبَ وَالشَّهِيدَ مَفْعُولَيْنِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ الْكَاتِبَ أَوِ الشَّاهِدَ وَهُمَا عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ، فَيَقُولَانِ: نَحْنُ عَلَى شُغْلٍ مُهِمٍّ فَاطْلُبْ غَيْرَنَا فَيَقُولُ الدَّاعِي إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمَا أَنْ تُجِيبَا وَيَلِحَّ عَلَيْهِمَا فَيَشْغَلُهُمَا عَنْ حَاجَتِهِمَا فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِطَلَبِ غَيْرِهِمَا {وَإِنْ تَفْعَلُوا} مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنَ الضَّرَرِ {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أَيْ مَعْصِيَةٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الْأَمْرِ {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو فَرُهُنٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَالرَّاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ فَرِهَانٌ، وَهُوَ جَمْعُ رَهْنٍ مِثْلُ بَغْلٍ وَبِغَالٍ وَجَبَلٍ وَجِبَالٍ، وَالرُّهُنُ جَمْعُ الرِّهَانِ جَمْعُ الْجَمْعِ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ وَالْكِسَائِيُّ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ (2) وَغَيْرُهُ: هُوَ جَمْعُ الرَّهْنِ أَيْضًا مِثْلُ سَقْفٍ وَسُقُفٍ وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو وَإِنَّمَا قَرَأْنَا فَرُهُنٌ لِيَكُونَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رِهَانِ الْخَيْلِ، وَقَرَأَ عِكْرِمَةُ فَرُهْنٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَالتَّخْفِيفُ وَالتَّثْقِيلُ فِي الرُّهْنِ لُغَتَانِ مِثْلُ كُتْبٍ وَكُتُبٍ وَرُسْلٍ وَرُسُلٍ وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا آلَاتِ الْكَاتِبَةِ فَارْتَهِنُوا مِمَّنْ تُدَايِنُونَهُ رُهُونًا لِتَكُونَ وَثِيقَةً لَكُمْ بِأَمْوَالِكُمْ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّهْنَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بالقبض، وقوله "فرهن مَقْبُوضَةٌ" أَيِ ارْتَهِنُوا وَاقْبِضُوا حَتَّى لَوْ رَهَنَ وَلَمْ يُسَلِّمْ فَلَا يُجْبَرُ الرَّاهِنُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَإِذَا سَلَّمَ لَزِمَ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَهُ مَا دَامَ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ بَاقِيًا، وَيَجُوزُ فِي الْحَضَرِ الرَّهْنُ مَعَ وُجُودِ الْكَاتِبِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إِلَّا فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْكَاتِبِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَعِنْدَ الْآخَرِينَ

_ (1) ساقط من نسخة (ب) . (2) في نسخة ب أبو عبيدة.

284

خَرَجَ الْكَلَامُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ لَا عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَلَا عِنْدَ عَدَمِ كَاتِبٍ (1) {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ "فَإِنِ ائْتَمَنَ" يَعْنِي فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَمِينًا عِنْدَ صَاحِبِ الْحَقِّ فَلَمْ يَرْتَهِنْ مِنْهُ شَيْئًا لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ. {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} أَيْ فَلْيَقْضِهِ عَلَى الْأَمَانَةِ {وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} فِي أَدَاءِ الْحَقِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى خِطَابِ الشُّهُودِ وَقَالَ: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} 51/ب إِذَا دُعِيتُمْ إِلَى إِقَامَتِهَا نَهَى عَنْ كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} أَيْ فَاجِرٌ قَلْبُهُ، قِيلَ: مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ كَإِيعَادِهِ عَلَى كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ، قَالَ: "فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ" وَأَرَادَ بِهِ مَسْخَ الْقَلْبِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} بَيَانُ الشَّهَادَةِ وَكِتْمَانِهَا {عَلِيمٌ} {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} مُلْكًا [وَأَهْلُهَا لَهُ عَبِيدٌ وَهُوَ مَالِكُهُمْ] (2) {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ خَاصَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ [خُصُوصِهَا] (3) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالْآيَةِ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي كِتْمَانِ الشَّهَادَةِ (4) أَوْ تُخْفُوا الْكِتْمَانَ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْكَافِرِينَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي وَإِنْ تُعْلِنُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ وِلَايَةِ الْكُفَّارِ أَوْ تُسِرُّوا يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ كَمَا ذَكَرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ "لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ" إِلَى أَنْ قَالَ "قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ" (29-آلِ عِمْرَانَ) .

_ (1) رواه البخاري: في الجهاد - باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه سلم والقميص في الحرب 6 / 99 ونصه: (توفي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير) عن عائشة. ومسلم: في المساقاة - باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر برقم (1603) 3 / 1226 عن عائشة بلفظ: (اشترى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يهودي طعاما بنسيئة، فأعطاه درعا له رهنا) ، والمصنف في شرح السنة: 8 / 182. (2) ساقطة من ب. (3) في ب تخصيصها. (4) في ب معناه وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه أيها الشهود.

285

{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) } وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهَا فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (1) . وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسِطَامٍ الْعَيْشِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَا أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ" الْآيَةَ قَالَ: اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَوْا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَةُ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَثَرِهَا {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قَالَ نَعَمْ {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قَالَ نَعَمْ {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَالَ نَعَمْ {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قَالَ نَعَمْ (2) . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِمَعْنَاهُ (3) ،، وَقَالَ فِي كُلِّ ذَلِكَ: قَدْ فَعَلْتُ، بَدَلَ

_ (1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم بن سلامة ص27-28. (2) رواه مسلم في الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، برقم (199) 1 / 115. (3) انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق برقم (200) 1\ 116.

قَوْلِهِ نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمُحَمَّدُ ابن كَعْبٍ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْفَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعُرَنِيُّ، أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ" (1) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْآيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَرِدُ عَلَى الْإِخْبَارِ إِنَّمَا يَرِدُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَقَوْلُهُ {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} خَبَرٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّسْخُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَلْبِ كَسْبًا فَقَالَ "بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ" (225-الْبَقَرَةِ) فَلَيْسَ لِلَّهِ عَبْدٌ أَسَرَّ عَمَلًا أَوْ أَعْلَنَهُ مِنْ حَرَكَةٍ مِنْ جَوَارِحِهِ أَوْ هَمْسَةٍ فِي قَلْبِهِ إِلَّا يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِهِ وَيُحَاسِبُهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَغْفِرُ مَا يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ بِمَا يَشَاءُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى "إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" (36-الْإِسْرَاءِ) . وَقَالَ الْآخَرُونَ: مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُ خَلْقَهُ بِجَمِيعِ مَا أَبْدَوْا مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَوْ أَخْفَوْهُ وَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ مُعَاقَبَتَهُ عَلَى مَا أَخْفَوْهُ مِمَّا لَمْ يَعْلَمُوهُ بِمَا يَحْدُثُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّوَائِبِ وَالْمَصَائِبِ وَالْأُمُورِ الَّتِي يَحْزَنُونَ عَلَيْهَا وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ حَتَّى الشَّوْكَةِ وَالْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي كُمِّهِ فَيَفْقِدُهَا فَيُرَوَّعُ لَهَا حَتَّى إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3) .

_ (1) رواه البخاري: في الإيمان- باب: إذا حَنِثَ ناسيا 11\ 549 وفي العتق والطلاق. ومسلم: في الإيمان- باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر برقم (202) 1\ 116-117. والمصنف في شرح السنة: 1\ 108. (2) رواه الترمذي فى تفسير سورة البقرة 8\ 338 وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص (221) . وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وأحمد 6\ 218 عن عائشة رضي الله عنها. (3) رواه الترمذي: في الزهد - باب في الصبر على البلاء 7\ 77 وقال: هذا حديث حسن غريب. والمصنف في شرح السنة: 5\ 245. ورواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف - مجمع الزوائد 10\ 191-192. ميزان الاعتدال 2\ 585.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} يَعْنِي مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِمَّا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ {أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} وَلَا تُبْدُوهُ وَأَنْتُمْ عَازِمُونَ عَلَيْهِ يُحَاسِبُكُمْ بِهِ اللَّهُ فَأَمَّا مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُكُمْ مِمَّا لَمْ تَعْزِمُوا عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى "لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ" (225-الْبَقَرَةِ) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: أَيُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِالْهِمَّةِ قَالَ: إِذَا كَانَ عَزْمًا أُخِذَ بِهَا، وَقِيلَ مَعْنَى الْمُحَاسَبَةِ الْإِخْبَارُ وَالتَّعْرِيفُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَتَعْمَلُوا بِهِ أَوْ تُخْفُوهُ مِمَّا أَضْمَرْتُمْ وَنَوَيْتُمْ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وَيَجْزِيكُمْ بِهِ وَيُعَرِّفْكُمْ إِيَّاهُ، ثُمَّ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ إِظْهَارًا لِفَضْلِهِ، وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ إِظْهَارًا لِعَدْلِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الضَّحَّاكِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ وَلَمْ يَقُلْ يُؤَاخِذْكُمْ بِهِ، وَالْمُحَاسِبَةُ غَيْرُ الْمُؤَاخَذَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّرَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ، أَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا هَمَّامُ بن يحيى 52/أعَنْ قَتَادَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ: كُنْتُ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْنِي الْمُؤْمِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَيَقُولُ: أَيْ عَبْدِي أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ ثُمَّ يَقُولُ أَيْ عَبْدِي تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قَالَ فَإِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ" (1) (18-هُودٍ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} رَفَعَ الرَّاءَ وَالْيَاءَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ وَجَزَمَهُمَا الْآخَرُونَ، فَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْجَزْمُ عَلَى النَّسَقِ، رَوَى طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الذَّنَبِ الصَّغِيرِ، "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (230-الْأَنْبِيَاءِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ} أَيْ صَدَّقَ {بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ} يَعْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ وَحَّدَ الْفِعْلَ {وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: كِتَابِهِ، عَلَى الْوَاحِدِ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْجَمْعُ وَإِنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ" (213-الْبَقَرَةِ) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ وَكُتُبِهِ بِالْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ" (136-النِّسَاءِ) ، {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} فَنُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كَمَا فَعَلَتِ

_ (1) رواه البخاري: في المظالم-باب: قوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) 5\ 96.

الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَفِيهِ إِضْمَارٌ تَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ لَا نُفَرِّقُ، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ لَا يُفَرِّقُ بِالْيَاءِ فَيَكُونُ خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ، أَوْ مَعْنَاهُ لَا يُفَرِّقُ الْكُلُّ وَإِنَّمَا قَالَ "بَيْنَ أَحَدٍ" وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحَادٍ لِأَنَّ الْأَحَدَ يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" (47-الْحَاقَّةِ) {وَقَالُوا سَمِعْنَا} قَوْلَكَ {وَأَطَعْنَا} أَمْرَكَ. رُوِيَ عَنْ حَكِيمٍ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ فَسَلْ تُعْطَهُ، فَسَأَلَ بِتَلْقِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ {غُفْرَانَكَ} (1) وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيِ اغْفِرْ غُفْرَانَكَ، أَوْ نَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ظَاهِرُ الْآيَةِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَفِيهَا إِضْمَارُ السُّؤَالِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَالُوا لَا تُكَلِّفُنَا إِلَّا وُسْعَنَا، وَأَجَابَ أَيْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أَيْ طَاقَتَهَا، وَالْوُسْعُ: اسْمٌ لِمَا يَسَعُ الْإِنْسَانَ وَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَطَاءٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ حَدِيثَ النَّفْسِ الَّذِي ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} كَمَا ذَكَرْنَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ خَاصَّةً، وَسَّعَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ دِينِهِمْ وَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ فِيهِ إِلَّا مَا يَسْتَطِيعُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (185-الْبَقَرَةِ) وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ" (78-الْحَجِّ) وَسُئِلَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} قَالَ: إِلَّا يُسْرَهَا وَلَمْ يُكَلِّفْهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ لِأَنَّ الْوُسْعَ مَا دُونُ الطَّاقَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} أَيْ لِلنَّفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ، لَهَا أَجْرُهُ وَثَوَابُهُ {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} مِنَ الشَّرِّ وَعَلَيْهَا وِزْرُهُ {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} أَيْ لَا تُعَاقِبْنَا {إِنْ نَسِينَا} جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ السَّهْوُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا نَسُوا شَيْئًا مِمَّا أُمِرُوا به أو أخطأوا عُجِّلَتْ لَهُمُ الْعُقُوبَةُ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ مَطْعَمٍ أَوْ مَشْرَبٍ عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْأَلُوهُ تَرْكَ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ مِنَ النِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ" (67-التَّوْبَةِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ أَخْطَأْنَا} قِيلَ مَعْنَاهُ الْقَصْدُ وَالْعَمْدُ يُقَالُ: أَخْطَأَ فُلَانٌ إِذَا تَعَمَّدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطأ كَبِيرًا" (31-الْإِسْرَاءِ) قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا يَعْنِي: إِنْ جَهِلْنَا أَوْ تَعَمَّدْنَا، وَجَعَلَهُ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْخَطَإِ الَّذِي هُوَ الْجَهْلُ وَالسَّهْوُ، لِأَنَّ مَا كَانَ عَمْدًا مِنَ الذَّنْبِ فَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَالْخَطَأُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا

_ (1) أخرج الطبري وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت آمن الرسول، قال جبريل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) حتى ختم السورة بمسألة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انظر تفسير الطبري: 6 / 129 والدر المنثور: 2 / 133.

اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} أَيْ عَهْدًا ثَقِيلًا وَمِيثَاقًا لَا نَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِهِ فَتُعَذِّبُنَا بِنَقْضِهِ وَتَرْكِهِ {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} يَعْنِي الْيَهُودَ، فَلَمْ يَقُومُوا بِهِ فَعَذَّبْتَهُمْ، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي" (81-آلِ عِمْرَانَ) أَيْ عَهْدِي، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تُشَدِّدْ وَلَا تُغْلِظِ الْأَمْرَ عَلَيْنَا كَمَا شَدَدْتَ عَلَى مَنْ قَبِلْنَا مِنَ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً وَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ رُبْعِ أَمْوَالِهِمْ فِي الزَّكَاةِ وَمَنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ قَطَعَهَا وَمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أَصْبَحَ وَذَنْبُهُ مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِهِ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَثْقَالِ وَالْأَغْلَالِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَعَطَاءٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٍ. يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" (157-الْأَعْرَافِ) وَقِيلَ: الْإِصْرُ ذَنْبٌ لَا تَوْبَةَ لَهُ، مَعْنَاهُ اعْصِمْنَا مِنْ مِثْلِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْعَقْلُ وَالْإِحْكَامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} أَيْ لَا تُكَلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُهُ وَقِيلَ هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةِ حُكِيَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْغُلْمَةُ، قِيلَ الْغُلْمَةُ: شِدَّةُ الشَّهْوَةِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: هُوَ الْحُبُّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: الْعِشْقُ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ مَسْخُ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَقِيلَ هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْفُ عَنَّا} أَيْ تَجَاوَزْ وَامْحُ عَنَّا ذُنُوبَنَا {وَاغْفِرْ لَنَا} اسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا وَلَا تَفْضَحْنَا {وَارْحَمْنَا} فَإِنَّنَا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ إِلَّا بِطَاعَتِكَ، وَلَا نَتْرُكُ مَعْصِيَتَكَ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ {أَنْتَ مَوْلَانَا} نَاصِرُنَا وَحَافَظُنَا وَوَلِيُّنَا {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} . رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" وَفِي قَوْلِهِ لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ: "لَا أوأخذكم" {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} قَالَ: "لَا أَحْمِلُ عَلَيْكُمْ إِصْرًا" {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قَالَ: "لَا أُحَمِّلُكُمْ" {وَاعْفُ عَنَّا} إِلَى آخِرِهِ قَالَ "قَدْ عَفَوْتُ عَنْكُمْ، وَغَفَرْتُ لَكُمْ، وَرَحِمْتُكُمْ وَنَصَرْتُكُمْ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (2) . وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ إِذَا خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ قَالَ: آمِينَ.

_ (1) لقد اشتهر بهذا اللفظ في كتب الفقه والأصول والمعروف ما أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رجاله كلهم ثقات ولكن يوجد فيه انقطاع بين ابن عباس وعطاء وأشار إلى هذا البوصيري في الزوائد فقال إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع وقد ورد بألفاظ أخرى يقوي بعضها بعضا. انظر إرواء الغليل للشيخ الألباني 1 / 123 والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج، والمختصر للزركشي ص154. (2) ذكره الطبري عند تفسير الآية: 6 / 142-143 وانظر تعليق محمود شاكر في الحاشية.

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبي شيبة 52/ب أَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ فَوْقَهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ: "إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى" (16-النَّجْمِ) قَالَ: فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا مِنَ الْمُقْحِمَاتِ" (1) كَبَائِرِ الذُّنُوبِ. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا يونس وأحمد بن شيبان قالا ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كَفَتَاهُ" (2) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا العلاء بن عبد الجبار، أنا حماد بن سلمة، أخبرنا الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان" (3) .

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، برقم (173) : 1 / 157. (2) رواه البخاري: في المغازي - باب: رقم 12-7 / 317-318 وفي فضائل القرآن. ومسلم: في صلاة المسافرين - باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة برقم (255) و (256) 1 / 554-555. والمصنف في شرح السنة: 4 / 464، واختلف في معناه فقيل: أجزأتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه أجرا وفضلا، وقيل: كفتاه من كل شيطان أو من كل آفة. (3) رواه الترمذي: في ثواب القرآن - باب: ما جاء في آخر سورة البقرة: 8 / 190 وقال: هذا حديث غريب. وابن حبان: في التفسير - تفسير سورة البقرة برقم (1726) ص 427 من موارد الظمآن. وأحمد: 4 / 274 عن النعمان بن بشير. والدارمي: في الفضائل - باب: فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي: 2 / 449. والمصنف في شرح السنة: 4 / 467 - وقال: هذا حديث غريب - انظر حاشية شرح السنة.

آل عمران

سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ -مَدَنِيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) } قَوْلُهُ تَعَالَى {الم اللَّهُ} قَالَ الْكَلْبِيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَفِي الْأَرْبَعَةِ عَشَرَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَؤُولُ إِلَيْهِمْ أَمْرُهُمُ: الْعَاقِبُ: أَمِيرُ الْقَوْمِ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمُ، الَّذِي لَا يَصْدُرُونَ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدُ: ثِمَالُهُمْ وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أُسْقُفُّهُمْ وَحَبْرُهُمْ. دَخَلُوا مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ فِي [جِمَالِ] (1) رِجَالِ بَلْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، يَقُولُ مَنْ رَآهُمْ: مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَعُوهُمْ" فَصَلَّوْا إِلَى الْمَشْرِقِ، [فَسَلَّمَ] (2) السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَسْلِمَا" قَالَا أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ قَالَ "كَذَبْتُمَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ادِّعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ" قَالَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عِيسَى وَلَدًا لِلَّهِ فَمَنْ يَكُنْ أَبُوهُ؟ وَخَاصَمُوهُ جَمِيعًا فِي عِيسَى، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَلَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ أَبَاهُ"؟ قَالُوا بَلَى قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَبَّنَا قَيِّمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَحْفَظُهُ وَيَرْزُقُهُ" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَهَلْ يَمْلِكُ عِيسَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَهَلْ يَعْلَمُ عِيسَى عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا مَا عُلِّمَ؟ " قَالُوا: لَا قَالَ: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عِيسَى فِي الرَّحِمِ كَيْفَ شَاءَ [وَرَبُّنَا لَيْسَ بِذِي صُورَةٍ وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ] (3) وَرَبُّنَا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَمَا تَحْمِلُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ وَضَعَتْهُ كَمَا تَضَعُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، ثُمَّ غُذِّيَ كَمَا يُغَذَّى الصَّبِيُّ ثُمَّ كَانَ يَطْعَمُ وَيَشْرَبُ وَيُحْدِثُ؟ "، قَالُوا: بَلَى قَالَ: "فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَمَا زَعَمْتُمْ؟ " فَسَكَتُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا (4) .

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب" فكلم. (3) ساقط من "ب". (4) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: 2 / 45 - 46 من سيرة ابن هشام، والطبري في التفسير: 6 / 151 - 153 وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير انظر الدر المنثور 2 / 141 - 142.

4

فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ {الم اللَّهُ} مَفْتُوحُ الْمِيمِ، مَوْصُولٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا فَتْحُ الْمِيمِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ حُرِّكَ إِلَى أَخَفِّ الْحَرَكَاتِ وَقَرَأَ أَبُو يُوسُفَ وَيَعْقُوبُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَعْشَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ {الم اللَّهُ} مَقْطُوعًا سَكَّنَ الْمِيمَ عَلَى نِيَّةِ الْوَقْفِ ثُمَّ قَطَعَ الْهَمْزَةَ لِلِابْتِدَاءِ وَأَجْرَاهُ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَقْطَعُ أَلِفَ الْوَصْلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {اللَّهُ} ابْتِدَاءٌ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ، وَالْحَيُّ الْقَيُّومُ نَعْتٌ لَهُ. {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} أَيِ الْقُرْآنَ {بِالْحَقِّ} بِالصِّدْقِ {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لِمَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّاتِ وَالْأَخْبَارِ وَبَعْضِ الشَّرَائِعِ {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ} وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ أُنْزِلَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَقَالَ فِي الْقُرْآنِ "نَزَّلَ" لِأَنَّهُ نَزَلَ مُفَصَّلًا وَالتَّنْزِيلُ لِلتَّكْثِيرِ، وَالتَّوْرَاةُ قَالَ الْبَصْرِيُّونَ: أَصْلُهَا وَوْرَيَةٌ عَلَى وَزْنِ فَوْعَلَةٍ مِثْلَ: دَوْحَلَةٍ وَحَوْقَلَةٍ، فَحُوِّلَتِ الْوَاوُ الْأُولَى تَاءً وَجُعِلَتِ الْيَاءُ الْمَفْتُوحَةُ أَلِفًا فَصَارَتْ تَوْرَاةً، ثُمَّ كُتِبَتْ بِالْيَاءِ عَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَصْلُهَا تَفْعِلَةٌ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ وَتَوْفِيَةٍ فَقُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفًا على لغة طيء فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْجَارِيَةِ جَارَاةً، وَلِلتَّوْصِيَةِ تَوْصَاةً، وَأَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَرَى الزَّنْدُ إِذَا خَرَجَتْ نَارُهُ، وَأَوْرَيْتُهُ أَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ " (الْوَاقِعَةِ -71) فَسُمِّيَ التَّوْرَاةَ لِأَنَّهَا نُورٌ وَضِيَاءٌ، قَالَ اللَّهُ تعالى: " وضياء وذكرى لِلْمُتَّقِينَ " (الْأَنْبِيَاءِ -48) وَقِيلَ هِيَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهِيَ كِتْمَانُ [السِّرِّ] (1) وَالتَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ التَّوْرَاةِ مَعَارِيضَ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. وَالْإِنْجِيلُ: إِفْعِيلٌ مِنَ النَّجْلِ وَهُوَ الْخُرُوجُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْوَلَدُ نَجْلًا لِخُرُوجِهِ، فَسُمِّيَ الْإِنْجِيلُ بِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْرَجَ بِهِ دَارِسًا مِنَ الْحَقِّ عَافِيًا، وَيُقَالُ: هُوَ مِنَ النَّجَلِ وَهُوَ سَعَةُ الْعَيْنِ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ سَعَةً لَهُمْ وَنُورًا، وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ تور، وتور مَعْنَاهُ الشَّرِيعَةُ، وَالْإِنْجِيلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ أنقليون وَمَعْنَاهُ الْإِكْلِيلُ. {مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُدًى لِلنَّاسِ} هَادِيًا لِمَنْ تَبِعَهُ وَلَمْ يُثَنِّهِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ {وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} الْمُفَرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهَا وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ هُدًى لِلنَّاسِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

_ (1) في "ب" اليقين".

أَبْيَضَ أَوْ أَسْوَدَ، حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا، تَامًّا أَوْ نَاقِصًا، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وَهَذَا فِي الرَّدِّ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى، حَيْثُ قَالُوا: عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: كَيْفَ يَكُونُ لِلَّهِ وَلَدٌ وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّحِمِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مثل ذلك، 53/أثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ" أَوْ قَالَ: "يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ" قَالَ: "وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ غَيْرُ ذِرَاعٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" (1) . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبُ ذَلِكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ" (2) .

_ (1) أخرجه البخاري في بدء الخلق - باب: ذكر الملائكة: 6 / 303 وفي الأنبياء وفي القدر ومسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطنه أمه. . . برقم (2643) 4 / 2036 - 2037 والمصنف في شرح السنة: 1 / 128 - 129. (2) أخرجه مسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه. . . برقم (2644) 4 / 37.

7

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) } قَوْلُهُ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} مُبَيِّنَاتٌ مُفَصَّلَاتٌ، سُمِّيَتْ مُحْكَمَاتٍ مِنَ الْإِحْكَامِ، كَأَنَّهُ أَحْكَمَهَا فَمَنَعَ الْخَلْقَ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا لِظُهُورِهَا وَوُضُوحِ مَعْنَاهَا {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أَيْ أَصْلُهُ الَّذِي يُعْمَلُ عَلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا قَالَ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} وَلَمْ يَقُلْ أُمَّهَاتِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْآيَاتِ كُلَّهَا فِي تَكَامُلِهَا وَاجْتِمَاعِهَا كَالْآيَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَلَامُ اللَّهِ وَاحِدٌ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُلُّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ: " وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً " (50 -الْمُؤْمِنُونَ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً {وَأُخَرُ} جَمْعُ أُخْرَى وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الْآخَرِ، مِثْلَ: عُمَرَ وَزُفَرَ {مُتَشَابِهَاتٌ} فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ فَرَّقَ هَاهُنَا بَيْنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَقَدْ جَعَلَ كُلَّ الْقُرْآنِ مُحْكَمًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ؟ . فَقَالَ: " الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ " (1-هُودٍ) وَجَعَلَهُ كُلَّهُ مُتَشَابِهًا [فِي مَوْضِعٍ آخَرَ] (1) فَقَالَ: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا " (23 -الزُّمَرِ) . قِيلَ: حَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُحْكَمًا، أَرَادَ أَنَّ الْكُلَّ حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ عَبَثٌ وَلَا هَزْلٌ، وَحَيْثُ جَعَلَ الْكُلَّ مُتَشَابِهًا أَرَادَ أَنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَفِي الْحُسْنِ وَجَعَلَ هَاهُنَا بَعْضَهُ مُحْكَمًا وَبَعْضَهُ مُتَشَابِهًا. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمَا فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْمُحْكَمَاتُ هُنَّ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ " (151) وَنَظِيرُهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ " وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ " (23 -الْإِسْرَاءِ) الْآيَاتِ وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْمُتَشَابِهَاتُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: الْمُحْكَمُ مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مُتَشَابِهٌ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْحَقِّ وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ " (26 -الْبَقَرَةِ) " وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ " (100 -يُونُسَ) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: الْمُحْكَمُ النَّاسِخُ الَّذِي يعمل به، والمشتابه الْمَنْسُوخُ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مُحْكَمَاتُ الْقُرْآنِ نَاسِخُهُ وَحَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَحُدُودُهُ وَفَرَائِضُهُ وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ مَنْسُوخُهُ وَمُقَدَّمُهُ وَمُؤَخَّرُهُ وَأَمْثَالُهُ وَأَقْسَامُهُ وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ، وَقِيلَ: الْمُحْكَمَاتُ مَا أَوْقَفَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْنَاهُ وَالْمُتَشَابِهُ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ، نَحْوَ الْخَبَرِ عَنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَقِيَامِ السَّاعَةِ وَفَنَاءِ الدُّنْيَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: الْمُحْكَمُ مَا لَا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَالْمُتَشَابِهُ مَا احْتَمَلَ أَوْجُهًا.

_ (1) ساقط من "ب".

وَقِيلَ: الْمُحْكَمُ مَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ وَتَكُونُ حُجَجُهَا وَاضِحَةً وَدَلَائِلُهَا لَائِحَةً لَا تَشْتَبِهُ، وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ الَّذِي يُدْرَكُ عِلْمُهُ بِالنَّظَرِ، وَلَا يَعْرِفُ الْعَوَامُّ تَفْصِيلَ الْحَقِّ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُحْكَمُ مَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الْمَعْنَى وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إِلَّا بِرَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ [بَاذَانَ] (1) الْمُتَشَابِهُ حُرُوفُ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَنُظَرَاؤُهُمَا، أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ حُيَيٌّ: بَلَغَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكَ {الم} فَنَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنَزَلَتْ عَلَيْكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ حَقًّا فَإِنِّي أَعْلَمُ مُدَّةَ مُلْكِ أُمَّتِكَ، هِيَ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً فَهَلْ أُنْزِلَ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ {المص} " قَالَ: فَهَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ إِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، قَالَ: فَهَلْ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ {الر} ". قَالَ: هَذِهِ أَكْثَرُ هِيَ مِائَتَانِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً وَلَقَدْ خَلَطْتَ عَلَيْنَا فَلَا نَدْرِي أَبِكَثِيرِهِ نَأْخُذُ أَمْ بِقَلِيلِهِ وَنَحْنُ مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (2) . {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ وَقِيلَ شَكٌّ {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ. قَالَ الرَّبِيعُ: هُمْ وَفْدُ نَجْرَانَ خَاصَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قَالَ: "بَلَى" قَالُوا: حَسْبُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمُ الْيَهُودُ طَلَبُوا عِلْمَ أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاسْتِخْرَاجَهَا بِحِسَابِ الْجُمَّلِ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْخَوَارِجُ، وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} قَالَ: إِنْ لَمْ يكونوا الحرورية والسبأية فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ، وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُبْتَدِعَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} -إِلَى قَوْلِهِ {أُولُو الْأَلْبَابِ} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ " (3) .

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه الطبري في التفسير مطولا: 1 / 216 - 218 وقال السيوطي في الدر المنثور: أخرجه ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف الدر المنثور 1 / 57 وذكره ابن كثير في التفسير: 1 / 76 وقال: هذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به وانظر تعليق الشيخ محمود محمد شاكر على تفسير الطبري 1 / 218 - 220. (3) أخرجه البخاري في التفسير - في تفسير سورة آل عمران - باب: منه آيات محكمات: 8 / 209 ومسلم في العلم - باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه برقم: (2665) 4 / 2053 والمصنف في شرح السنة: 1 / 220 - 221.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} طَلَبَ الشِّرْكِ قَالَهُ الرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ابْتِغَاءَ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ لِيُضِلُّوا بِهَا جُهَّالَهُمْ {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} تَفْسِيرِهِ وَعِلْمِهِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى " سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " (78 -الْكَهْفِ) وَقِيلَ: ابْتِغَاؤُهُ عَاقِبَتُهُ، وَهُوَ طَلَبُ أَجَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ حِسَابِ الْجُمَّلِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى " ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " (35 -الْإِسْرَاءِ) أَيْ عَاقِبَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نَظْمِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَالرَّاسِخُونَ وَاوُ الْعَطْفِ يَعْنِي: أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ "يَقُولُونَ" حَالًا مَعْنَاهُ: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ قَائِلِينَ آمَنَّا بِهِ، هَذَا كقوله تعالى: 53/ب " مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى " (7 -الْحَشْرِ) ثُمَّ قَالَ: " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ " (8 -الْحَشْرِ) إِلَى أَنْ قَالَ: " وَالَّذِينَ تبوؤا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ " (9 -الْحَشْرِ) ثُمَّ قَالَ " وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ " (10 -الْحَشْرِ) وَهَذَا عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، ثُمَّ قَالَ: " يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا " (10 -الْحَشْرِ) يَعْنِي هُمْ مَعَ اسْتِحْقَاقِهِمُ الْفَيْءَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا، أَيْ قَائِلِينَ عَلَى الْحَالِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ "وَالرَّاسِخُونَ" وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرِوَايَةُ طَاوُوسَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَأَكْثَرُ التَّابِعِينَ وَاخْتَارَهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ، وَقَالُوا: لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ إِلَّا اللَّهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ كَمَا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَنَحْوِهَا، وَالْخَلْقُ مُتَعَبِّدُونَ فِي الْمُتَشَابِهِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَفِي الْمُحْكَمِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ، وَمِمَّا يُصَدِّقُ ذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ إِنْ تَأْوِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، وَفِي حَرْفِ أُبَيٍّ: وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ انْتَهَى عِلْمُ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا. وَهَذَا قَوْلٌ أَقْيَسُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أَيِ الدَّاخِلُونَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْرِفَتِهِمْ شَكٌّ، وَأَصْلُهُ مِنْ رُسُوخِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ وَهُوَ ثُبُوتُهُ يُقَالُ: رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ يَرْسُخُ رُسْخَا وَرُسُوخًا وَقِيلَ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ

8

وَأَصْحَابِهِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى " لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ " (162 -النِّسَاءِ) يَعْنِي (الْمُدَارِسِينَ) (1) عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالَ: الْعَالِمُ الْعَامِلُ بِمَا عَلِمَ الْمُتَّبِعُ لَهُ وَقِيلَ: الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ مَنْ وُجِدَ فِي عِلْمِهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: التَّقْوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ، وَالزُّهْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، وَالْمُجَاهَدَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِهِ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، فَرُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ قَوْلُهُمْ: آمَنَّا بِهِ، أَيْ بِالْمُتَشَابِهِ {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} الْمُحْكَمُ وَالْمُتَشَابِهُ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَمَا عَلِمْنَا وَمَا لَمْ نَعْلَمْ {وَمَا يَذَّكَّرُ} وَمَا يَتَّعِظُ بِمَا فِي الْقُرْآنِ {إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} ذَوُو الْعُقُولِ. {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } قَوْلُهُ تَعَالَى {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا} أَيْ وَيَقُولُ الرَّاسِخُونَ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا أَيْ لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ وَالْهُدَى كَمَا أَزَغْتَ قُلُوبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ {بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} وَفَّقْتَنَا لِدِينِكَ وَالْإِيمَانِ بِالْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ {وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ} أَعْطِنَا مِنْ عِنْدِكَ {رَحْمَةً} تَوْفِيقًا وَتَثْبِيتًا لِلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَجَاوُزًا وَمَغْفِرَةً {إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ الْمُظَفَّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّمِيمِيُّ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ الْقُرَشِيُّ يُعْرَفُ بِابْنِ الرَّوَّاسِ الْكَبِيرِ بِدِمَشْقَ، أَنَا أَبُو مُسْهِرٍ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ، أَنَا صَدَقَةُ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ" وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ تُقَلِّبُهَا

_ (1) في "ب" الدارسين. (2) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن النواس: 4 / 182 وابن ماجه في المقدمة - باب فيما أنكرت الجهمية: 1 / 72 وقال في الزوائد: إسناد صحيح والمصنف في شرح السنة: 1 / 166.

9

الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ" (1) . {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) }

_ (1) أخرجه ابن ماجه في المقدمة برقم (88) 1 / 34 والإمام أحمد في المسند: 4 / 408 عن أبي موسى الأشعري بإسناد صحيح والمصنف في شرح السنة: 1 / 164.

10

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ} أَيْ لِقَضَاءِ يَوْمٍ، وَقِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى فِي، أَيْ فِي يَوْمٍ {لَا رَيْبَ فِيهِ} أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} مِفْعَالٌ مِنَ الْوَعْدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ} لَنْ تَنْفَعَ وَلَنْ تَدْفَعَ {عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ بِمَعْنَى عِنْدَ، أَيْ عِنْدَ اللَّهِ {شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ: كَفِعْلِ آلِ فِرْعَوْنَ وَصَنِيعِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: كَأَمْرِ آلِ فِرْعَوْنَ وَشَأْنِهِمْ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، يُرِيدُ عَادَةَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ فِي تَكْذِيبِ الرَّسُولِ وَجُحُودِ الْحَقِّ كَعَادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} كَفَّارِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ؛ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَغَيْرِهِمْ {كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} فَعَاقَبَهُمُ اللَّهُ {بِذُنُوبِهِمْ} وَقِيلَ نَظْمُ الْآيَةِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} عِنْدَ حُلُولِ النِّقْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ مِثْلَ آلِ فِرْعَوْنَ وَكُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَخَذْنَاهُمْ فَلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} . قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ فِيهِمَا، أَيْ أَنَّهُمْ يُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، عَلَى الْخِطَابِ، أَيْ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّكُمْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ. قَالَ مُقَاتِلٌ: أَرَادَ مُشْرِكِي مَكَّةَ مَعْنَاهُ: قُلْ لِكُفَّارِ مَكَّةَ: سَتُغْلَبُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ فِي الْآخِرَةِ،

13

فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ "إِنَّ اللَّهَ غَالِبُكُمْ وَحَاشِرُكُمْ إِلَى جَهَنَّمَ" (1) . وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: الْيَهُودُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ يَهُودَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالُوا لَمَّا هَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: هَذَا -وَاللَّهِ -النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ مُوسَى لَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ، وَأَرَادُوا اتِّبَاعَهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَعْجَلُوا حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَى وَقْعَةٍ أُخْرَى، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَنُكِبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكُّوا فَغَلَبَ عليهم الشقاء، 54/أفَلَمْ يُسْلِمُوا، وَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ إِلَى مُدَّةٍ فَنَقَضُوا ذَلِكَ الْعَهْدَ وَانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا إِلَى مَكَّةَ لِيَسْتَفِزَّهُمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رِجَالِهِ وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَيْضًا: أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ مِثْلُ مَا نَزَلَ بِهِمْ فَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ" فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَا يَغُرَّنَّكَ أَنَّكَ لَقِيتَ قَوْمًا أَغْمَارًا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِالْحَرْبِ فَأَصَبْتَ مِنْهُمْ فُرْصَةً وَإِنَّا وَاللَّهِ لَوْ قَاتَلْنَاكَ لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} (2) تُهْزَمُونَ {وَتُحْشَرُونَ} فِي الْآخِرَةِ {إِلَى جَهَنَّمَ} {وَبِئْسَ الْمِهَادُ} الْفِرَاشُ، أَيْ بِئْسَ مَا مُهِّدَ لَهُمْ يَعْنِي النَّارَ. {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ} وَلَمْ يَقُلْ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ، وَالْآيَةُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ رَدَّهَا إِلَى الْبَيَانِ أَيْ قَدْ كَانَ لَكُمْ بَيَانٌ، فَذَهَبَ إِلَى الْمَعْنَى. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا ذُكِّرَ لِأَنَّهُ حَالَتِ الصِّفَةُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالِاسْمِ الْمُؤَنَّثِ، فَذُكِّرَ الْفِعْلُ وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَذَا وَجْهُهُ، فَمَعْنَى الْآيَةِ: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ أَيْ عِبْرَةٌ وَدَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُ إِنَّكُمْ سَتَغْلِبُونَ. {فِي فِئَتَيْنِ} فِرْقَتَيْنِ وَأَصْلُهَا فَيْءُ الْحَرْبِ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَفِيءُ إِلَى بَعْضٍ {الْتَقَتَا} يَوْمَ بَدْرٍ {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} طَاعَةِ اللَّهِ وَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةٌ

_ (1) أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق: 2 / 120 والطبري في التفسير: 6 / 227 وفي التاريخ: 2 / 479. (2) أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق: 2 / 120 والطبري في التفسير: 6 / 227 وفي التاريخ: 2 / 479.

14

وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَمِائَتَانِ وَسِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَصَاحِبُ رَايَةِ الْمُهَاجِرِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَاحِبُ رَايَةِ الْأَنْصَارِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا وَفَرَسَانِ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو وَفَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ وَأَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ وَكَانَ مَعَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ سِتَّةُ أَدْرُعٍ وَثَمَانِيَةُ سُيُوفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} أَيْ فِرْقَةٌ أُخْرَى كَافِرَةٌ وَهُمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ رَأْسُهُمْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَفِيهِمْ مِائَةُ فَرَسٍ وَكَانَتْ حَرْبُ بَدْرٍ أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ بِالتَّاءِ يَعْنِي تَرَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ أَهْلَ مَكَّةَ مِثْلَيِ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا حَضَرُوا قِتَالَ بَدْرٍ لِيَنْظُرُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ فَرَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَرَأَوُا النُّصْرَةَ مَعَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً وَآيَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ: فَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الرُّؤْيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا يَرَى الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْهِمْ كَمَا هُمْ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: مِثْلَيْهِمْ وَهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ؟ قِيلَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ وَعِنْدَهُ دِرْهَمٌ أَنَا أَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَيْ هَذَا الدِّرْهَمِ يَعْنِي إِلَى مِثْلَيْهِ سِوَاهُ فَيَكُونُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي -وَهُوَ الْأَصَحُّ -كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ، قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَعِشْرِينَ ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فِي حَالَةٍ أُخْرَى حَتَّى رَأَوْهُمْ مِثْلَ عَدَدِ أَنْفُسِهِمْ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَظَرْنَا إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْنَاهُمْ يُضْعَفُونَ عَلَيْنَا ثُمَّ نَظَرْنَا إِلَيْهِمْ فَمَا رَأَيْنَاهُمْ يَزِيدُونَ عَلَيْنَا رَجُلًا وَاحِدًا. ثُمَّ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي أَعْيُنِهِمْ حَتَّى رَأَوْهُمْ عَدَدًا يَسِيرًا أَقَلَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (1) حَتَّى قُلْتُ لِرَجُلٍ إِلَى جَنْبِي: تَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ قَالَ: أَرَاهُمْ مِائَةً قَالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَعْنِي يَرَى الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَيْهِمْ قَلَّلَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْتَرِئَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَنْصَرِفُوا فَلَمَّا أَخَذُوا فِي الْقِتَالِ كَثَّرَهُمُ اللَّهُ فِي أَعْيُنِ الْمُشْرِكِينَ لِيَجْبُنُوا وَقَلَّلَهُمْ فِي أعين المؤمنين ليجترؤوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى " وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ " (44 -الْأَنْفَالِ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَأْيَ الْعَيْنِ} أَيْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصَّنْعَةِ {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُ {لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} لِذَوِي الْعُقُولِ، وَقِيلَ لِمَنْ أَبْصَرَ الْجَمْعَيْنِ. {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} جَمْعُ شَهْوَةٍ وَهِيَ مَا تَدْعُو النَّفْسُ إِلَيْهِ {مِنَ النِّسَاءِ}

_ (1) ساقط من (أ) .

بَدَأَ بِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ {وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ} جَمْعُ قِنْطَارٍ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْقِنْطَارُ الْمَالُ الْكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الْقِنْطَارُ أَلْفٌ وَمِائَتَا أُوقِيَّةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [وَالضَّحَّاكُ] (1) أَلْفٌ وَمِائَتَا مِثْقَالٍ. وَعَنْهُمَا رِوَايَةٌ أُخْرَى اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأَلْفُ [دِينَارٍ] (2) دِيَةُ أَحَدِكُمْ، وَعَنِ الْحَسَنِ الْقِنْطَارُ دِيَةُ أَحَدِكُمْ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَمِائَةُ مَنٍّ وَمِائَةُ رَطْلٍ وَمِائَةُ مِثْقَالٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، وَلَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ يَوْمَ جَاءَ وَبِمَكَّةَ مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ قَنْطَرُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةُ: ثَمَانُونَ أَلْفًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ، وَقَالَ الْحَكَمُ: الْقِنْطَارُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ مَالٍ، وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً. وَسُمِّيَ قِنْطَارًا مِنَ الْإِحْكَامِ، يُقَالُ: قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَحْكَمْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَنْطَرَةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْمُقَنْطَرَةِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: الْمُحَصَّنَةُ الْمُحْكَمَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الْكَثِيرَةُ الْمُنَضَّدَةُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ وَقَالَ يَمَانٌ: [الْمَدْفُونَةُ] (3) وَقَالَ السُّدِّيُّ الْمَضْرُوبَةُ الْمَنْقُوشَةُ حَتَّى صَارَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَقَالَ [الْفَرَّاءُ] (4) الْمُضَعَّفَةُ، فَالْقَنَاطِيرُ ثَلَاثَةٌ وَالْمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ {مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} وَقِيلَ سُمِّيَ الذَّهَبُ ذَهَبًا لِأَنَّهُ يَذْهَبُ وَلَا يَبْقَى، وَالْفِضَّةُ لِأَنَّهَا تَنْفَضُّ أَيْ تَتَفَرَّقُ {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} الْخَيْلُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَاحِدُهَا فَرَسٌ، كَالْقَوْمِ وَالنِّسَاءِ وَنَحْوِهِمَا، الْمُسَوَّمَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: تَسْوِيمُهَا حُسْنُهَا، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الرَّاعِيَةُ، يُقَالُ: أَسَامَ الْخَيْلَ وَسَوَّمَهَا قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ الْمُعَلَّمَةُ مِنَ السِّيمَاءِ وَالسِّيمَاءُ الْعَلَامَةُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: سِيمَاهَا الشَّبَهُ وَاللَّوْنُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَقِيلَ: الْكَيُّ. {وَالْأَنْعَامِ} جَمْعُ النَّعَمِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ {وَالْحَرْثِ} يَعْنِي الزَّرْعَ {ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْنَا {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مَتَاعٌ يَفْنَى {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} أَيِ الْمَرْجِعِ، فِيهِ تَزْهِيدٌ فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيبٌ فِي الْآخِرَةِ.

_ (1) ساقط من أ. (2) في ب درهم. (3) في ب المدقومة. (4) في أالسدي.

15

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) }

16

{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) } قَوْلُهُ تَعَالَى {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} قرأه العامة 54/ب بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ، وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْعُدْوَانِ وَالْعِدْوَانِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبُّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبُّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أَحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} {الَّذِينَ يَقُولُونَ} إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ مَحَلَّ الَّذِينَ خَفْضًا رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا تَقْدِيرُهُ أَعْنِي الَّذِينَ يَقُولُونَ {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} صَدَّقْنَا {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} اسْتُرْهَا عَلَيْنَا وَتَجَاوَزْ عَنَّا {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ} إِنْ شِئْتَ نَصَبْتَهَا عَلَى الْمَدْحِ، وَإِنْ شِئْتَ خَفَضْتَهَا عَلَى النَّعْتِ، يَعْنِي الصَّابِرِينَ فِي أَدَاءِ الْأَمْرِ وَعَنِ ارْتِكَابِ النَّهْيِ، وَعَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ، وَالصَّادِقِينَ فِي إِيمَانِهِمْ، قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيَّاتُهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ فَصَدَقُوا فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ {وَالْقَانِتِينَ} الْمُطِيعِينَ الْمُصَلِّينَ {وَالْمُنْفِقِينَ} أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الْمُصَلِّينَ بِالْأَسْحَارِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي الْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ بِالسَّحَرِ لِقُرْبِهِ مِنَ

_ (1) أخرجه البخاري في التوحيد. باب: كلام الرب مع أهل الجنة: 3 / 487 ومسلم في الجنة. باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا برقم (2829) 4 / 2176.

18

الصُّبْحِ وَقَالَ الْحَسَنُ: مَدُّوا الصَّلَاةَ إِلَى السَّحَرِ ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا، وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحْيِي اللَّيْلَ ثُمَّ يَقُولُ: يَا نَافِعُ أَسْحَرْنَا؟ فَأَقُولُ لَا فَيُعَاوِدُ الصَّلَاةَ فَإِذَا قُلْتُ: نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَدْعُو حَتَّى يُصْبِحَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ [بْنُ سَعِيدٍ] (1) أَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ" (2) . وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تَكُنْ أَعْجَزَ مِنْ هَذَا الدِّيكِ يُصَوِّتُ مِنَ الْأَسْحَارِ وَأَنْتَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِكَ. {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَدِمَ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَا الْمَدِينَةَ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ؟ فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ عَرَفَاهُ بِالصِّفَةِ، فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ مُحَمَّدٌ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَا لَهُ: وَأَنْتَ أَحْمَدُ؟ قَالَ: "أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ" قَالَا لَهُ: فَإِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَإِنْ أَخْبَرْتَنَا بِهِ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، فَقَالَ اسْأَلَا فَقَالَا أَخْبِرْنَا عَنْ أَعْظَمِ شَهَادَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَسْلَمَ الرَّجُلَانِ (3) . قَوْلُهُ {شَهِدَ اللَّهُ} أَيْ بَيَّنَ اللَّهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تُبَيِّنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَكَمَ اللَّهُ [وَقِيلَ: عَلِمَ اللَّهُ] (4) وَقِيلَ: أَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه البخاري في التهجد. باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل: 3 / 29 ومسلم في صلاة المسافرين باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه برقم (758) 1 / 521 والمصنف في شرح السنة: 4 / 63 - 64. (3) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2 / 401 - 402 والحديث من رواية الكلبي وهو متهم بالكذب. وانظر فيما سيأتي تفسير الآية (23) وأسباب النزول للواحدي ص (130) . (4) ساقط من "ب".

19

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، وَخَلَقَ الْأَرْزَاقَ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، فَشَهِدَ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ كَانَ وَلَمْ تَكُنْ سَمَاءٌ وَلَا أَرْضٌ وَلَا بَرٌّ وَلَا بَحْرٌ (1) فَقَالَ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} وَقَوْلُهُ: {وَالْمَلَائِكَةُ} أَيْ وَشَهِدَتِ الْمَلَائِكَةُ قِيلَ: مَعْنَى شَهَادَةِ اللَّهِ الْإِخْبَارُ وَالْإِعْلَامُ، وَمَعْنَى شَهَادَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْإِقْرَارُ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَأُولُو الْعِلْمِ} يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ يَعْنِي: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عُلَمَاءُ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي جَمِيعَ عُلَمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ. {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أَيْ بِالْعَدْلِ. وَنَظْمُ هَذِهِ الْآيَةِ شَهِدَ اللَّهُ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: نَصْبٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} أَيْ قَائِمًا بِتَدْبِيرِ الْخَلْقِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ قَائِمٌ بِأَمْرِ فُلَانٍ، أَيْ مُدَبِّرٌ لَهُ وَمُتَعَهِّدٌ لِأَسْبَابِهِ، وَقَائِمٌ بِحَقِّ فُلَانٍ أَيْ مُجَازٍ لَهُ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُدَبِّرٌ رَازِقٌ مُجَازٍ بِالْأَعْمَالِ. {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) } {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} يَعْنِي الدِّينَ الْمَرْضِيَّ الصَّحِيحَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا " (3 -الْمَائِدَةِ) وَقَالَ " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ " (85 -آلِ عِمْرَانَ) وَفَتَحَ الْكِسَائِيُّ الْأَلِفَ مِنْ أَنَّ الدِّينَ رَدًّا عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيرُهُ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَشَهِدَ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، أَوْ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَكَسَرَ الْبَاقُونَ الْأَلِفَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْإِسْلَامُ هُوَ الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالطَّاعَةُ، يُقَالُ: أَسْلَمَ أَيْ دَخَلَ فِي السِّلْمِ وَاسْتَسْلَمَ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ أَوْلِيَاءَهُ [وَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ] (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَمْرٍو الْفُرَاتِيُّ، أَنَا أَبُو مُوسَى عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنَا عَمَّارُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: أَتَيْتُ الْكُوفَةَ فِي تِجَارَةٍ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الْأَعْمَشِ وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتُ لَيْلَةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَنْحَدِرَ إِلَى

_ (1) للعلماء في هذه المسألة قولان: فمنهم من قال بأن الله خلق الأرواح أولا، ومنهم من قال بأن الله تعالى خلق الأجساد أولا ولكل من الفريقين أدلة استدل بها على قوله. انظر: الروح لابن القيم ص (156 - 175) . (2) ساقط من "أ".

الْبَصْرَةِ، فَإِذَا الْأَعْمَشُ قَائِمٌ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ثُمَّ قَالَ الْأَعْمَشُ: وَأَنَا أَشْهَدُ بِمَا شَهِدَ اللَّهُ بِهِ وَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَهِيَ لِي عِنْدَ اللَّهِ وَدِيعَةٌ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} قَالَهَا مِرَارًا قُلْتُ لَقَدْ سَمِعَ فِيهَا شَيْئًا، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ وَوَدَّعْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ آيَةً تُرَدِّدُهَا فَمَا بَلَغَكَ فِيهَا؟ [قَالَ لِي: أَوَمَا بَلَغَكَ مَا فِيهَا؟ قُلْتُ: أَنَا عِنْدَكَ مُنْذُ سَنَتَيْنِ لَمْ تُحَدِّثْنِي] (1) قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكَ بِهَا إِلَى سَنَةٍ، فَكَتَبْتُ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَقَمْتُ سَنَةً، فَلَمَّا مَضَتِ السَّنَةُ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ مَضَتِ السَّنَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "يُجَاءُ بِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّ لِعَبْدِي هَذَا عِنْدِي عَهْدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِالْعَهْدِ، أَدْخِلُوا عَبْدِيَ الْجَنَّةَ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ َ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ تَرَكُوا الْإِسْلَامَ أَيْ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، يَعْنِي بَيَانَ نَعْتِهِ فِي كُتُبِهِمْ، وَقَالَ الرَّبِيعُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إسرائيل فاستودعهم 55/أالتَّوْرَاةَ وَاسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمَّا مَضَى الْقَرْنُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمْ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ أَبْنَاءِ أُولَئِكَ السَّبْعِينَ حَتَّى أَهْرَقُوا بَيْنَهُمُ الدِّمَاءَ، وَوَقَعَ الشَّرُّ وَالِاخْتِلَافُ، وَذَلِكَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ يَعْنِي بَيَانَ مَا فِي التَّوْرَاةِ {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أَيْ طَلَبًا لِلْمُلْكِ وَالرِّيَاسَةِ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَانَ وَمَعْنَاهَا {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يَعْنِي الْإِنْجِيلَ فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَرَّقُوا الْقَوْلَ فِيهِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} أَيْ لِلْمُعَادَاةِ وَالْمُخَالَفَةِ {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}

_ (1) ساقط من المخطوط وأثبتناه من مجمع الزوائد. (2) قال السيوطي: أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان انظر: الدر المنثور للسيوطي 2 / 166 وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 325 - 326 وقال: رواه الطبراني وفيه عمر بن المختار وهو ضعيف، وذكر ابن الجوزي له عدة روايات وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تفرد به عمر بن المختار، وعمر يحدث بالأباطيل قال العقيلي: لا يتابع عمار على حديثه ولا يعرف إلا به. انظر: العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي: 1 / 102 - 103 ميزان الاعتدال للذهبي: 3 / 223.

20

{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ} أَيْ خَاصَمُوكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الدِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالُوا لَسْنَا عَلَى مَا سَمَّيْتَنَا بِهِ يَا مُحَمَّدُ إِنَّمَا الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ نَسَبٌ، وَالدِّينُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَنَحْنُ عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} أَيِ انْقَدْتُ لِلَّهِ وَحْدَهُ بِقَلْبِي وَلِسَانِي وَجَمِيعِ جَوَارِحِي، وَإِنَّمَا خُصَّ الْوَجْهُ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْجَوَارِحِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَفِيهِ بَهَاؤُهُ، فَإِذَا خَضَعَ وَجْهُهُ لِلشَّيْءِ خَضَعَ لَهُ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْتُ عَمَلِي لِلَّهِ {وَمَنِ اتَّبَعَنِ} أَيْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي أَسْلَمَ كَمَا أَسْلَمْتُ، وَأَثْبَتَ نَافِعٌ وَأَبُو عَمْرٍو الْيَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {اتَّبَعَنِي} عَلَى الْأَصْلِ وَحَذَفَهَا الْآخَرُونَ عَلَى الْخَطِّ لِأَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ يَاءٍ. وَقَوْلُهُ: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ} يَعْنِي الْعَرَبَ {أَأَسْلَمْتُمْ} لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، أَيْ أَسْلِمُوا كَمَا قَالَ " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ " (91 -الْمَائِدَةِ) أَيِ انْتَهُوا، {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا} فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: أَسْلَمْنَا، فَقَالَ لِلْيَهُودِ: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَعَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالُوا: مَعَاذَ الله، وقال النصارى: أَتَشْهَدُونَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ (1) ؟ قَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عِيسَى عَبْدًا فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} أَيْ تَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ وَلَيْسَ عَلَيْكَ الْهِدَايَةُ {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} عَالِمٌ بِمَنْ يُؤْمِنُ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ. {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَعْنِي الْقُرْآنَ، وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} قَرَأَ حَمْزَةُ: وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ الْوَحْيُ يَأْتِي عَلَى [أَنْبِيَاءِ] (2) بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتَابٌ، فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ، فَيَقُومُ رِجَالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهُمْ وَصَدَّقَهُمْ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهُمْ فَيُقْتَلُونَ أَيْضًا فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فَنْجُوَيْهِ الدَّيْنَوَرِيُّ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ النُّهَاوَنْدِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْجَارُودِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ (حِمْيَرَ) (3) ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيِّ

_ (1) ساقط من (أ) . (2) ساقط من (أ) . (3) في "أ" نمير وهو خطأ.

22

عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ رَجُلًا (1) أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ" ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ نَبِيًّا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَامَ مِائَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرُوا مَنْ قَتَلَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا فِي آخِرِ النَّهَارِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَأَنْزَلَ الآية فيهم" (2) {فَبَشِّرْهُمْ} أَخْبِرْهُمْ {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وَجِيعٍ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْفَاءَ عَلَى خَبَرِ إِنَّ وَتَقْدِيرُهُ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ وَيَقْتُلُونَ فَبَشِّرْهُمْ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ: إِنَّ زَيْدًا فَقَائِمٌ. {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) }

_ (1) عطف "رجلا" على "نبيا" وفي الطبري: " أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف " عطفا على "رجل". (2) أخرجه الطبري في التفسير: 6 / 285 - 286 وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم: الدر المنثور: 2 / 168 وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف: رواه البزار والطبراني وابن أبي حاتم والثعلبي من حديثه وفيه أبو الحسن مولى بني أسد وهو مجهول. انظر: الكافي الشاف ص 25.

23

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) } {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ} بَطَلَتْ {أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِوَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} وَبُطْلَانُ الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا يُقْبَلَ وَفِي الْآخِرَةِ أَلَّا يُجَازَى عَلَيْهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} يَعْنِي الْيَهُودَ {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَقَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ دُعُوا إِلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ فَأَعْرَضُوا عَنْهُ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقُرْآنَ حُكْمًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ الْقُرْآنُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الْهُدَى فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ التَّوْرَاةُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيت المدارس عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

24

"فَهَلُمُّوا إِلَى التَّوْرَاةِ فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ" فَأَبَيَا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا وَكَانَ فِي كِتَابِهِمُ الرَّجْمُ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا فِيهِمْ فَرَفَعُوا أَمْرَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ فَحَكَمَ عَلَيْهِمَا بِالرَّجْمِ فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو: جُرْتَ عَلَيْهِمَا يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ عَلَيْهِمَا الرَّجْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ التَّوْرَاةُ" قَالُوا: قَدْ أَنْصَفَتْنَا قَالَ "فَمَنْ أَعْلَمُكُمْ بِالتَّوْرَاةِ" قَالُوا رَجُلٌ أَعْوَرُ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَّا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ جِبْرِيلُ قَدْ وَصَفَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنْتَ ابْنُ صُورِيَّا؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "أَنْتَ أَعْلَمُ الْيَهُودِ"؟ قَالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فِيهَا الرَّجْمُ مَكْتُوبٌ، فَقَالَ لَهُ: "اقْرَأْ" فَلَمَّا أَتَى عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ كَفَّهُ عَلَيْهَا وَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَاوَزَهَا فَقَامَ فَرَفَعَ كَفَّهُ عَنْهَا ثُمَّ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْيَهُودِ بِأَنَّ الْمُحْصَنَ وَالْمُحْصَنَةَ إِذَا زَنَيَا وَقَامَتْ عَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ رُجِمَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ حُبْلَى تُرُبِّصَ بِهَا حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَهُودِيَّيْنِ فَرُجِمَا، فَغَضِبَ الْيَهُودُ لِذَلِكَ وَانْصَرَفُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} (2) {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) } {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ} وَالْغُرُورُ هُوَ الْإِطْمَاعُ فِيمَا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} وَالِافْتِرَاءُ اختلاق الكذب. 55/ب قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ} أَيْ فَكَيْفَ حَالُهُمْ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ {لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ} [وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ] (3) {وَوُفِّيَتْ} [وُفِّرَتْ] {كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ} أَيْ جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير عن ابن عباس: 6 / 228 - 229 وابن شهاب في السيرة: 2 / 201 وعزاه السيوطي أيضا: لابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 2 / 170 أسباب النزول ص (131) . (2) القصة من رواية الكلبي عن ابن عباس والكلبي هذا هو: أبو النضر محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه كل ما حدثنكم به عن أبي صالح: كذب انظر: تهذيب التهذيب: 9 / 157 - 159 الاسرائيليات والموضوعات في التفسير للشيخ محمد أبو شهبة وقد ثبت رجم اليهودين اللذين زنيا في الكتب الستة انظر: نصب الراية للزيلعي: 3 / 326 - 327. (3) ساقط من "ب".

26

مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ {وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} أَيْ لَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِمْ وَلَا يُزَادُ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ. {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) } قَوْلُهُ تَعَالَى {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} قَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ فِي أُمَّتِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَعَدَ أُمَّتَهُ مُلْكَ فَارِسَ وَالرُّومِ قَالَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مِنْ أَيْنَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلْكُ فَارِسَ وَالرُّومِ؟ وَهُمْ أَعَزُّ وَأَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَلَمْ يَكْفِ مُحَمَّدًا مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ حَتَّى طَمِعَ فِي مُلْكِ فَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ {قُلِ اللَّهُمَّ} (1) قِيلَ: مَعْنَاهُ يَا اللَّهُ فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ زِيدَ الْمِيمُ فِي آخِرِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: لِلْمِيمِ فِيهِ مَعْنًى، وَمَعْنَاهَا يَا أَللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ أَيِ: اقْصِدْنَا، حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ: هَلُمَّ إِلَيْنَا، كَانَ أَصْلُهُ هَلْ أُمَّ إِلَيْنَا، ثُمَّ كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ اسْتِخْفَافًا وَرُبَّمَا خَفَّفُوا أيضا فقالوا: لا هُمَّ، قَوْلُهُ {مَالِكَ الْمُلْكِ} [يَعْنِي يَا مَالِكَ الْمُلْكِ] (2) أَيْ مَالِكَ الْعِبَادِ وَمَا مَلَكُوا، وَقِيلَ يا مالك السموات وَالْأَرْضِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: "أَنَا اللَّهُ مَلِكُ الْمُلُوكِ، وَمَالِكُ الْمُلُوكِ وَقُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي فَإِنِ الْعِبَادُ أَطَاعُونِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً وَإِنْ عَصَوْنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَلَكِنْ تُوبُوا إِلَيَّ أَعْطِفْهُمْ عَلَيْكُمْ " (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي مُلْكَ النُّبُوَّةِ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} أَبِي جَهْلٍ وَصَنَادِيدِ قُرَيْشٍ وَقِيلَ: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ: الْعَرَبَ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقَالَ السُّدِّيُّ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، آتَى اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِمْ {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} نَزَعَهُ مِنَ الْجَبَّارِينَ وَأَمَرَ الْعِبَادَ بِخِلَافِهِمْ، وَقِيلَ تُؤْتِي مَنْ تَشَاءُ: آدَمَ وَوَلَدَهُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} قَالَ عَطَاءٌ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ: فَارِسَ وَالرُّومَ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ حَتَّى دَخَلُوا مَكَّةَ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ ظَاهِرِينَ عَلَيْهَا، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ: أَبَا جَهْلٍ وَأَصْحَابَهُ حتى حُزَّت رؤوسهم وَأُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ

_ (1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (25) ذكره الواحدي في أسبابه ص (131) عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهم ولم أجد له إسنادا. (2) ساقط من (أ) . (3) رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي فيه إبراهيم بن راشد وهو متروك مجمع الزوائد: 5 / 249 وقال الألباني: ضعيف جدا سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1 / 68.

27

تَشَاءُ بِالْإِيمَانِ وَالْهِدَايَةِ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالطَّاعَةِ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالنَّصْرِ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَهْرِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْغِنَى وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْفَقْرِ، وَقِيلَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَى وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِالْحِرْصِ وَالطَّمَعِ {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} أَيْ بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا قَالَ تَعَالَى: " سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ " (81 -النَّحْلِ) أَيِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) } قَوْلُهُ تَعَالَى {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} أَيْ تُدْخِلُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَاللَّيْلُ تِسْعَ سَاعَاتٍ {وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} حَتَّى يَكُونَ اللَّيْلُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَالنَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، فَمَا نَقَصَ مِنْ أَحَدِهِمَا زَادَ فِي الْآخَرِ {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ "الْمَيِّتَ" بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي الْأَنْعَامِ وَيُونُسَ وَالرُّومِ وَفِي الْأَعْرَافِ "لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وَفِي فَاطِرٍ "إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ" زاد نافع " أو من كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ " (122 -الْأَنْعَامِ) وَ" لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا " (12 -الْحُجُرَاتِ) وَ" الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا " (33 -يس) فَشَدَّدَهَا، وَالْآخَرُونَ يُخَفِّفُونَهَا، وَشَدَّدَ يَعْقُوبُ " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ " "لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا" قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَعْنَى الْآيَةِ: يُخْرِجُ الْحَيَوَانَ مِنَ النُّطْفَةِ وَهِيَ مَيْتَةٌ، وَيُخْرِجُ النُّطْفَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ أَيِ الْفَرْخَ مِنَ الْبَيْضَةِ وَيُخْرِجُ الْبَيْضَةَ مِنَ الطَّيْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ. يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَيُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ، فَالْمُؤْمِنُ حَيُّ الْفُؤَادِ، وَالْكَافِرُ مَيِّتُ الْفُؤَادِ قَالَ الله تعالى: " أوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ " (122 -الْأَنْعَامِ) وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يُخْرِجُ النَّبَاتَ الْغَضَّ الطَّرِيَّ مِنَ الْحَبِّ الْيَابِسِ، وَيُخْرِجُ الْحَبَّ الْيَابِسَ مِنَ النَّبَاتِ الْحَيِّ النَّامِي {وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} مِنْ غَيْرِ تَضْيِيقٍ [وَلَا تَقْتِيرٍ] (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْأَزْهَرِ، أَنَا الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ

_ (1) في ب ولا تعسير.

28

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْآيَتَيْنِ مِنْ آلِ عِمْرَانَ (شَهِدَ اللَّهُ -إِلَى قَوْلِهِ -إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ -وَ -قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ -إِلَى قَوْلِهِ -بِغَيْرِ حِسَابٍ) مُعَلَّقَاتٌ، مَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِجَابٌ، قُلْنَ: يَا رَبُّ تُهْبِطُنَا إِلَى أَرْضِكَ وَإِلَى مَنْ يَعْصِيكَ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بِي حَلَفْتُ لَا يَقْرَؤُكُنَّ أَحَدٌ مِنْ عِبَادِي دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَلَأُسْكِنَنَّهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ وَلَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنِيَ الْمَكْنُونَةِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وَلَقَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حَاجَةً أَدْنَاهَا الْمَغْفِرَةُ وَلَأَعَذْتُهُ مِنْ كُلِّ عَدُوٍّ وَحَاسِدٍ وَنَصَرْتُهُ مِنْهُمْ" (1) رَوَاهُ الْحَارِثُ عَنْ عَمْرٍو وَهُوَ ضَعِيفٌ. {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ {يَظُنُّونَ} (2) بِنَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ لَا يَفْتِنُونَكُمْ عَنْ دِينِكُمْ، فَأَبَى أُولَئِكَ النَّفَرُ إِلَّا مُبَاطَنَتَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَغَيْرِهِ وَكَانُوا يُظْهِرُونَ الْمَوَدَّةَ لِكُفَّارِ مَكَّةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصْحَابِهِ كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ وَالْمُشْرِكِينَ وَيَأْتُونَهُمْ بِالْأَخْبَارِ وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الظَّفَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَنَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مِثْلِ [فِعْلِهِمْ] (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أَيْ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ وَإِظْهَارِهِمْ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [أَيْ لَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ فِي شَيْءٍ] (4) ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} يَعْنِي: إِلَّا أَنْ تَخَافُوا مِنْهُمْ مَخَافَةً، قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَيَعْقُوبُ "تَقِيَّةً" عَلَى وَزْنِ بَقِيَّةٍ لِأَنَّهُمْ كَتَبُوهَا بِالْيَاءِ وَلَمْ يَكْتُبُوهَا بِالْأَلِفِ، مِثْلَ حَصَاةٍ وَنَوَاةٍ، وَهِيَ مَصْدَرٌ يقال تقيته 56/أتُقَاةً وَتَقَى تَقِيَّةً وَتَقْوًى فَإِذَا قُلْتَ اتَّقَيْتَ كَانَ الْمَصْدَرُ الِاتِّقَاءَ، وَإِنَّمَا قَالَ تَتَّقُوا مِنَ الِاتِّقَاءِ ثُمَّ قَالَ: تُقَاةً وَلَمْ يَقُلِ اتِّقَاءً لِأَنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا يَجُوزُ إِخْرَاجُ مَصْدَرِ أَحَدِهِمَا عَلَى لَفْظِ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا " (8 -الْمُزَّمِّلِ)

_ (1) لم نجد الحديث فيما بين أيدينا من كتب السنة وقد عزاه المصنف للحارث في مسنده وضعفه. (2) في ب يظنوا. وفي الأسباب النزول للواحدي: "يباطنون نفرا". (3) في ب قولهم: وانظر: أسباب النزول ص (134) . (4) ساقط من أ.

29

وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَمُدَاهَنَتِهِمْ وَمُبَاطَنَتِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ غَالِبِينَ ظَاهِرِينَ، أَوْ يَكُونَ الْمُؤْمِنُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ يَخَافُهُمْ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ دَمًا حَرَامًا أَوْ مَالًا حَرَامًا، أَوْ يُظْهِرَ الْكُفَّارَ عَلَى عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّقِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ وَسَلَامَةِ النِّيَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ " (106 -النَّحْلِ) ثُمَّ هَذَا رُخْصَةٌ، فَلَوْ صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ فَلَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ وَأَنْكَرَ قَوْمٌ التَّقِيَّةَ [الْيَوْمَ] (1) قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُجَاهِدٌ: كَانَتِ التَّقِيَّةُ فِي [بُدُوِّ] (2) الْإِسْلَامِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الدِّينِ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَّقُوا مِنْ عَدُوِّهِمْ، وَقَالَ يَحْيَى الْبَكَّاءُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي أَيَّامِ الْحَجَّاجِ: إِنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقُولُ لَكُمُ التَّقِيَّةُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ تَقِيَّةٌ إِنَّمَا التَّقِيَّةُ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} أَيْ يُخَوِّفُكُمُ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ عَلَى مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) }

_ (1) في أإليهم. (2) في ب جدة.

30

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) } {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} أَيْ قُلُوبِكُمْ مِنْ مَوَدَّةِ الْكُفَّارِ {أَوْ تُبْدُوهُ} مُوَالَاتُهُمْ قَوْلًا وَفِعْلًا {يَعْلَمْهُ اللَّهُ} وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنْ تُسِرُّوا مَا فِي قُلُوبِكُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّكْذِيبِ أَوْ تُظْهِرُوهُ، بِحَرْبِهِ وَقِتَالِهِ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَحْفَظْهُ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ ثُمَّ قَالَ: {وَيَعْلَمُ} رُفِعَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يَعْنِي إِذَا كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيء في السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ مُوَالَاتُكُمُ الْكُفَّارَ وَمَيْلُكُمْ إِلَيْهِمْ بِالْقَلْبِ؟ {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ} نَصَبَ يَوْمًا بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ أَيْ فِي يَوْمِ، وَقِيلَ: بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيِ: اذْكُرُوا وَاتَّقُوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ {مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} لَمْ يُبْخَسْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا " (49 -الْكَهْفِ) {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} جَعَلَهُ بَعْضُهُمْ خَبَرًا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ أَيْ تَجِدُ مُحْضَرًا مَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ [وَالشَّرِّ فَتُسَرُّ بِمَا عَمِلَتْ مِنَ الْخَيْرِ] (1) وجعله

_ (1) ساقط من ب.

31

بعضهم خيرا مُسْتَأْنَفًا، دَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ: قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا". قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا} أَيْ بَيْنَ النَّفْسِ {وَبَيْنَهُ} يَعْنِي وَبَيْنَ السُّوءِ {أَمَدًا بَعِيدًا} قَالَ السُّدِّيُّ: مَكَانًا بَعِيدًا، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَالْأَمَدُ الْأَجَلُ وَالْغَايَةُ الَّتِي يُنْتَهَى إِلَيْهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: يَسُرُّ أَحَدَهُمْ أَنْ لَا يَلْقَى عَمَلَهُ أَبَدًا، وَقِيلَ يَوَدُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (1) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُوا أَصْنَامَهُمْ وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ وَجَعَلُوا فِي آذَانِهَا (الشُّنُوفَ) (2) وَهُمْ يَسْجُدُونَ لَهَا، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ" (3) فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ إِنَّمَا نَعْبُدُهَا حُبًّا لِلَّهِ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وَتَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِيُقَرِّبُوكُمْ إِلَيْهِ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، فَأَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وَحُجَّتُهُ عَلَيْكُمْ، أَيِ اتَّبِعُوا شَرِيعَتِي وَسُنَّتِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فَحُبُّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ اتِّبَاعُهُمْ أَمْرَهُ وَإِيثَارُ طَاعَتِهِ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ، وَحُبُّ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ وَثَوَابُهُ لَهُمْ وَعَفْوُهُ عَنْهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} . وَقِيلَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ إِنَّ مُحَمَّدًا يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللَّهِ وَيَأْمُرُنَا أَنْ نُحِبَّهُ كَمَا أَحَبَّتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} أَعْرَضُوا عَنْ طَاعَتِهِمَا {فَإِنَّ اللَّهَ لايُحِبّ الْكَافِرِينَ} لَا يَرْضَى فِعْلَهُمْ وَلَا يَغْفِرُ لَهُمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، أَنَا فُلَيْحٌ، أَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى" قَالُوا وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ "مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ

_ (1) أسباب النزول للواحدي: ص (135) . (2) القرط. (3) انظر: البحر المحيط: 2 / 431 وفي رواية الضحاك عن ابن عباس مجاهيل وأسباب النزول ص (135) .

33

الْجَنَّةَ وَمِنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ، أَنَا يَزِيدُ نَا سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ [وَأَثْنَى عَلَيْهِ] ، (2) أَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ نَائِمٌ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهُهَا، فَقَالُوا: أَمَّا الدَّارُ الْجَنَّةُ وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ" (3) {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ نَحْنُ مِنْ أَبْنَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَنَحْنُ عَلَى دِينِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. يَعْنِي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى هَؤُلَاءِ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ {اصْطَفَى} اخْتَارَ، افْتَعَلَ مِنَ الصَّفْوَةِ وَهِيَ الْخَالِصُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ {آدَمَ} أَبُو الْبَشَرِ {وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} قِيلَ: أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ وَآلِ عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعِمْرَانَ أَنْفُسَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَرُونَ " (248 -الْبَقَرَةِ) يَعْنِي مُوسَى وَهَارُونَ. وَقَالَ آخَرُونَ: آلَ إِبْرَاهِيمَ: إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا آلَ عِمْرَانَ فَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ يَصْهُرَ بْنِ فَاهَتْ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ {وَالِدُ} (4) مُوسَى وَهَارُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَوَهْبٌ: هُوَ عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ بْنِ أَمُونَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ

_ (1) أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 13 / 249. والمصنف في شرح السنة: 1 / 192 - 193. (2) ساقط من ب. (3) أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 13 / 249. والمصنف في شرح السنة: 1 / 192 - 193. (4) في ب وآل.

35

دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [وَالِدُ] مَرْيَمَ وَعِيسَى. وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ وَإِنَّمَا خَصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كُلَّهُمْ مِنْ نَسْلِهِمْ {عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً} اشْتِقَاقُهَا مِنْ ذَرَأَ بِمَعْنَى خَلَقَ، وَقِيلَ: مِنَ الذَّرِّ لِأَنَّهُ اسْتِخْرَاجُهُمْ مِنْ صلب آدم 56/ب كَالذَّرِّ، وَيُسَمَّى الْأَوْلَادُ وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةً، فَالْأَبْنَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَهُمْ، وَالْآبَاءُ ذُرِّيَّةٌ لِأَنَّهُ ذَرَأَ الْأَبْنَاءَ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ " (41 -يس) أَيْ آبَاءَهُمْ {ذُرِّيَّةً} نُصِبَ عَلَى مَعْنَى وَاصْطَفَى ذُرِّيَّةً {بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} أَيْ بَعْضُهَا مِنْ وَلَدِ بَعْضٍ، [وَقِيلَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ فِي التَّنَاصُرِ] (1) وَقِيلَ: بَعْضُهَا عَلَى دِينِ بَعْضٍ {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ} وَهِيَ حَنَّةُ بِنْتُ قَافُوذَا أُمُّ مَرْيَمَ، وَعِمْرَانُ هُوَ عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ وَلَيْسَ بِعِمْرَانَ أَبِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَهُمَا أَلْفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَكَانَ بنو ماثان رؤوس بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ وَمُلُوكَهُمْ وَقِيلَ: عِمْرَانُ بْنُ أَشْهَمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} أَيْ جَعَلْتُ الَّذِي فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا نَذْرًا مِنِّي لَكَ {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَالنَّذْرُ: مَا يُوجِبُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ {مُحَرَّرًا} أَيْ عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ مُفْرَغًا لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَلِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ لَا أَشْغَلُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَكُلُّ مَا أُخْلِصَ فَهُوَ مُحَرَّرٌ يُقَالُ: حَرَّرْتُ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقْتُهُ وَخَلَّصْتُهُ مِنَ الرِّقِّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا: كَانَ الْمُحَرَّرُ إِذَا حُرِّرَ جُعِلَ فِي الْكَنِيسَةِ يَقُومُ عَلَيْهَا وَيَكْنُسُهَا وَيَخْدِمُهَا وَلَا يَبْرَحُهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ إِنْ أَحَبَّ أَقَامَ وَإِنْ أَحَبَّ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ التَّخْيِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ إِلَّا وَمِنْ نَسْلِهِ مُحَرَّرًا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّرًا إِلَّا الْغِلْمَانُ، وَلَا تَصْلُحُ لَهُ الْجَارِيَةُ لِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى، فَحَرَّرَتْ أَمُّ مَرْيَمَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَكَانَتِ الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا وَعِمْرَانَ تَزَوَّجَا أُخْتَيْنِ، وَكَانَتْ أَشْيَاعُ بِنْتُ قَافُوذَا أُمُّ يَحْيَى عِنْدَ زَكَرِيَّا، وَكَانَتْ حَنَّةُ بِنْتُ قَافُوذَا أُمُّ مَرْيَمَ عِنْدَ عِمْرَانَ، وَكَانَ قَدْ أُمْسِكَ عَنْ حَنَّةَ الْوَلَدُ حَتَّى أَسَنَّتْ وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، فَبَيْنَمَا هِيَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ بَصُرَتْ بِطَائِرٍ يُطْعِمُ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ بِذَلِكَ نَفْسُهَا لِلْوَلَدِ فَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ رَزَقْتَنِي وَلَدًا أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ

_ (1) ساقط من "أ".

36

فَيَكُونُ مِنْ سَدَنَتِهِ وَخَدَمَتِهِ، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ فَحَرَّرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ مَا هُوَ فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا: وَيْحَكِ مَا صَنَعْتِ، أَرَأَيْتِ إِنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِكِ أُنْثَى لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ؟ فَوَقَعَا جَمِيعًا فِي هَمٍّ مِنْ ذَلِكَ فَهَلَكَ عِمْرَانُ وَحَنَّةُ حَامِلٌ بِمَرْيَمَ {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) } {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أَيْ وَلَدَتْهَا إِذَا هِيَ جَارِيَةٌ، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ "وَضَعَتْهَا" رَاجِعَةٌ إِلَى النَّذِيرِ لَا إِلَى مَا وُلِدَ لِذَلِكَ أُنِّثَ {قَالَتْ} حَنَّةُ وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُونَ غُلَامًا {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} اعْتِذَارًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} بِجَزْمِ التَّاءِ إِخْبَارًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَيَعْقُوبُ وَضَعْتُ بِرَفْعِ التَّاءِ جَعَلُوهَا مِنْ كَلَامِ أَمِّ مَرْيَمَ {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْعِبَادِ الَّذِينَ فِيهَا لِعَوْرَتِهَا وَضَعْفِهَا وَمَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} وَمَرْيَمُ بِلُغَتِهِمُ الْعَابِدَةُ وَالْخَادِمَةُ، وَكَانَتْ مَرْيَمُ أَجْمَلَ النِّسَاءِ فِي وَقْتِهَا وَأَفْضَلَهُنَّ {وَإِنِّي أُعِيذُهَا} أَمْنَعُهَا وَأُجِيرُهَا {بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أَوْلَادَهَا {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فَالشَّيْطَانُ الطَّرِيدُ اللَّعِينُ، وَالرَّجِيمُ الْمَرْمِيُّ بِالشُّهُبِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ صَارِخًا مِنَ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا" ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ بِأُصْبُعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى بن مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ" (2) .

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران - باب: وإني أعيذها. . . 8 / 212. وأخرجه مسلم في الفضائل. باب فضائل عيسى برقم (2366) د / 1838. والمصنف في شرح السنة: 14 / 406. (2) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة 2 / 523. والطبري في التفسير: 6 / 342. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية عن الإمام أحمد 2 / 57 وقال: وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه. وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على تفسير الطبري 6 / 342.

37

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) } قَوْلُهُ {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أَيْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مَرْيَمَ مِنْ حَنَّةَ مَكَانَ الْمُحَرَّرِ، وَتَقَبَّلَ بِمَعْنَى قَبِلَ وَرَضِيَ، وَالْقَبُولُ مَصْدَرُ قَبِلَ يَقْبَلُ قَبُولًا مِثْلَ الْوَلُوعِ وَالْوَزُوعَ وَلَمْ يَأْتِ غَيْرُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَى التَّقَبُّلِ التَّكَفُّلُ فِي التَّرْبِيَةِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهَا {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} مَعْنَاهُ: وَأَنْبَتَهَا فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا وَقِيلَ هَذَا مَصْدَرٌ عَلَى غَيْرِ [اللَّفْظِ] (1) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [وَمَثَلُهُ شَائِعٌ كَقَوْلِكَ تَكَلَّمْتُ كَلَامًا وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} ] (2) أَيْ سَلَكَ بِهَا طَرِيقَ السُّعَدَاءِ {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} يَعْنِي سَوَّى خَلْقَهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فَكَانَتْ تَنْبُتُ فِي الْيَوْمِ مَا يَنْبُتُ الْمَوْلُودُ فِي الْعَامِ {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: أَخَذَتْ حَنَّةُ مَرْيَمَ حِينَ وَلَدَتْهَا فَلَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمْلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الأحبار، أبناء هرون وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي الْحَجَبَةُ مِنَ الْكَعْبَةِ فَقَالَتْ لَهُمْ: دُونَكُمْ هَذِهِ النَّذِيرَةَ، فَتَنَافَسَ فِيهَا الْأَحْبَارُ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِنْتَ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا: أَنَا أَحَقُّكُمْ بِهَا، عِنْدِي خَالَتُهَا، فَقَالَتْ لَهُ الْأَحْبَارُ: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ لِأَحَقِّ النَّاسِ لَهَا لَتُرِكَتْ لِأُمِّهَا الَّتِي وَلَدَتْهَا لَكِنَّا نَقْتَرِعُ عَلَيْهَا فَتَكُونُ عِنْدَ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ، فَانْطَلَقُوا وَكَانُوا [تِسْعَةً وَعِشْرِينَ] (3) رَجُلًا إِلَى نَهْرٍ جَارٍ، قَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنِّ فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فِي الْمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ ثَبَتَ قَلَمُهُ فِي الْمَاءِ فَصَعَدَ فَهُوَ أَوْلَى بِهَا. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى كُلِّ قَلَمٍ اسْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: كَانُوا يَكْتُبُونَ التَّوْرَاةَ فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمُ الَّتِي كَانَتْ بِأَيْدِيهِمْ فِي الْمَاءِ [فَارْتَزَّ] (4) قَلَمُ زَكَرِيَّا فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ وَانْحَدَرَتْ أَقْلَامُهُمْ وَرَسَبَتْ فِي النَّهْرِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ. وَقِيلَ: جَرَى قَلَمُ زَكَرِيَّا مُصْعِدًا إِلَى أَعْلَى الْمَاءِ وَجَرَتْ أَقْلَامُهُمْ بِجَرْيِ الْمَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ: بَلْ ثَبَتَ قَلَمُ زَكَرِيَّا وَقَامَ فَوْقَ الْمَاءِ كَأَنَّهُ فِي طِينٍ، وَجَرَتْ أَقْلَامُهُمْ مَعَ جَرْيَةِ الْمَاءِ

_ (1) في ب الصدر. (2) ساقط من أ. (3) في ب سبعة وعشرين. (4) في ب فارتز فيه رزا.

فَذَهَبَ بِهَا الْمَاءُ فَسَهَمَهُمْ وَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا، وَكَانَ زَكَرِيَّا رَأْسَ الْأَحْبَارِ وَنَبِيَّهُمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ النَّصْبِ أَيْ ضَمَنَهَا اللَّهُ زَكَرِيَّا وَضَمَّهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ فَيَكُونُ زَكَرِيَّا فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ أَيْ ضَمَّهَا زَكَرِيَّا إِلَى نَفْسِهِ وَقَامَ بِأَمْرِهَا، وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنُ آذَنَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ صَدُوقَ، مِنْ أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ: زَكَرِيَّا مَقْصُورًا وَالْآخَرُونَ يَمُدُّونَهُ. فَلَمَّا ضَمَّ زَكَرِيَّا مَرْيَمَ إِلَى نَفْسِهِ بَنَى لَهَا، بَيْتًا وَاسْتَرْضَعَ لَهَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أَمِّ يحيى حتى 57/أإِذَا شَبَّتْ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ بَنَى لَهَا مِحْرَابًا فِي الْمَسْجِدِ، وَجُعِلَ بَابُهُ فِي وَسَطِهَا لَا يُرْقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِالسُّلَّمِ مِثْلَ بَابِ الْكَعْبَةِ لَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ، وَكَانَ يَأْتِيهَا بِطَعَامِهَا وَشَرَابِهَا وَدُهْنِهَا كُلَّ يَوْمٍ {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} وَأَرَادَ بِالْمِحْرَابِ الْغُرْفَةَ، وَالْمِحْرَابُ أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ وَمُقَدَّمُهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَيُقَالُ لِلْمَسْجِدِ أَيْضًا مِحْرَابٌ قَالَ الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ الْمِحْرَابُ إِلَّا أَنْ يُرْتَقَى إِلَيْهِ بِدَرَجَةٍ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ زَكَرِيَّا إِذَا خَرَجَ يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا غُرْفَتَهَا {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} أَيْ فَاكِهَةً فِي غَيْرِ حِينِهَا، فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ {قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا؟ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ لَكِ هَذَا؟ لِأَنَّ "أَنَّى" لِلسُّؤَالِ عَنِ الْجِهَةِ وَأَيْنَ لِلسُّؤَالِ عَنِ الْمَكَانِ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أَيْ مِنْ قِطْفِ الْجَنَّةِ، قَالَ الْحَسَنُ: حِينَ وُلِدَتْ مَرْيَمُ لَمْ تَلْقُمْ ثَدْيًا قَطُّ، كَانَ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ لَهَا زَكَرِيَّا: أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَكَلَّمَتْ وَهِيَ صَغِيرَةٌ {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ كَبُرَتْ سِنِّي وَضَعُفْتُ عَنْ حَمْلِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فَأَيُّكُمْ يَكْفُلُهَا بَعْدِي؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنَ السَّنَةِ مَا تَرَى، فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا، فَتَقَارَعُوا عَلَيْهَا بِالْأَقْلَامِ فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى رَجُلٍ نَجَّارٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ وَكَانَ ابْنَ عَمِّ مَرْيَمَ فَحَمَلَهَا، فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا يُوسُفُ أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا، فَجَعَلَ يُوسُفُ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا مِنْهُ، فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا فِي الْكَنِيسَةِ أَنْمَاهُ اللَّهُ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ، لَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ يُوسُفُ، فَيَقُولُ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (1) . قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا قَالَ: إِنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مَرْيَمَ بِالْفَاكِهَةِ فِي غَيْرِ حِينِهَا

_ (1) انظر سيرة ابن هشام: 2 / 49 فقد ذكره القصة مختصرة عن ابن إسحاق دون إسناد وفيها أنه خرج السهم على جريج الراهب.

مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتِي وَيَهَبَ لِي وَلَدًا فِي غَيْرِ حِينِهِ مِنَ الْكِبَرِ فَطَمِعَ فِي الْوَلَدِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا قَدِ انْقَرَضُوا وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ شَاخَ وَأَيِسَ مِنَ الْوَلَدِ.

38

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُنَالِكَ} أَيْ عِنْدَ ذَلِكَ {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ} فَدَخْلَ الْمِحْرَابَ [وَأَغْلَقَ الْبَابَ] (1) وَنَاجَى رَبَّهُ {قَالَ رَبِّ} أَيْ يَا رَبِّ {هَبْ لِي} أَعْطِنِي {مِنْ لَدُنْكَ} أَيْ مِنْ عِنْدِكَ {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} أَيْ وَلَدًا مُبَارَكًا تَقِيًّا صَالِحًا رَضِيًّا، وَالذُّرِّيَّةُ تَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَهُوَ هَاهُنَا وَاحِدٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا " (5 -مَرْيَمَ) وَإِنَّمَا قَالَ: طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} أَيْ سَامِعُهُ، وَقِيلَ مُجِيبُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ " (25 -يس) أَيْ فَأَجِيبُونِي {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ فَنَادَاهُ بِالْيَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَلِتَأْنِيثِ لَفْظِ الْمَلَائِكَةِ وَلِلْجَمْعِ مَعَ أَنَّ الذُّكُورَ إِذَا تَقَدَّمَ فِعْلُهُمْ وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَانَ التَّأْنِيثُ فِيهَا أَحْسَنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " قَالَتِ الْأَعْرَابُ " (14 -الْحُجُرَاتِ) وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُذَكِّرُ الْمَلَائِكَةَ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّمَا نَرَى عَبْدَ اللَّهِ اخْتَارَ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِمُ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي التَّاءِ وَالْيَاءِ فَاجْعَلُوهَا يَاءً وَذَكِّرُوا الْقُرْآنَ. وَأَرَادَ بِالْمَلَائِكَةِ هَاهُنَا: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ " يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ" يَعْنِي جِبْرِيلَ (بِالرُّوحِ) بِالْوَحْيِ، وَيَجُوزُ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُخْبَرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِمْ: سَمِعْتُ هَذَا الْخَبَرَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ وَاحِدٍ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ " (173 -آلِ عِمْرَانَ) يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ "إِنَّ النَّاسَ" يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: إِذَا كَانَ الْقَائِلُ رَئِيسًا يَجُوزُ الْإِخْبَارُ عَنْهُ بِالْجَمْعِ لِاجْتِمَاعِ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَئِيسَ الْمَلَائِكَةِ وَقَلَّ مَا يُبْعَثُ إِلَّا وَمَعَهُ جَمْعٌ، فَجَرَى عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ} أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ الْحَبْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي يُقَرِّبُ الْقُرْبَانَ، فَيَفْتَحُ بَابَ الْمَذْبَحِ فَلَا يَدْخُلُونَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ، فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، يَعْنِي فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمَذْبَحِ يُصَلِّي، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ

_ (1) في ب وغلق الأبواب.

شَابٍّ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَفَزِعَ مِنْهُ فَنَادَاهُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا زَكَرِيَّا {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ {إِنَّ اللَّهَ} بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ تَقْدِيرُهُ: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالَتْ {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ بِإِيقَاعِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، قَرَأَ حَمْزَةُ يَبْشُرُكَ وَبَابُهُ بِالتَّخْفِيفِ كُلَّ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ: " فَبِمَ تُبَشِّرُونَ " (54 -الْحِجْرِ) فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى تَشْدِيدِهَا وَوَافَقَهُ الْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَفِي سُبْحَانَ وَالْكَهْفِ وعسق وَوَافَقَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي "عسق" وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، فَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ مِنْ بَشَّرَ يُبَشِّرُ تَبْشِيرًا، وَهُوَ أَعْرَبُ اللُّغَاتِ وَأَفْصَحُهَا. دَلِيلُ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى " فَبَشِّرْ عِبَادِ " (الزَّمْرِ -17) " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ " (112 -الصَّافَّاتِ) "قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ" (55 -الْحِجْرِ) وَغَيْرُهَا مِنَ الْآيَاتِ، وَمَنْ خَفَّفَ فَهُوَ مِنْ بَشَرَ يَبْشُرُ وَهِيَ لُغَةُ تِهَامَةَ، وَقَرَأَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {بِيَحْيَى} هُوَ اسْمٌ لَا يُجَرُّ لِمَعْرِفَتِهِ وَلِلزَّائِدِ فِي أَوَّلِهِ مِثْلَ يَزِيدَ وَيَعَمُرَ، وَجَمْعُهُ يَحْيَوْنَ، مِثْلَ مُوسَوْنَ وَعِيسَوْنَ وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ يَحْيَى؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَا بِهِ عُقْرَ أُمِّهِ، قَالَ قَتَادَةُ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَا قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْيَاهُ بِالطَّاعَةِ حَتَّى لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يَهُمَّ بِمَعْصِيَةٍ {مُصَدِّقًا} نُصِبَ عَلَى الْحَالِ {بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، سُمِّيَ عِيسَى كَلِمَةَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: كُنْ مِنْ غَيْرِ أَبٍ فَكَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكَلِمَةِ لِأَنَّهُ بِهَا كَانَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةً لِأَنَّهُ يُهْتَدَى بِهِ كَمَا يُهْتَدَى بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ بِشَارَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَرْيَمَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَلَامِهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ الْأَنْبِيَاءَ بِكَلَامِهِ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ نَبِيًّا بِلَا أَبٍ، فَسَمَّاهُ كَلِمَةً لِحُصُولِهِ بِذَلِكَ الْوَعْدِ. وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْبَرَ مِنْ عِيسَى بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَا ابْنَيِ الْخَالَةِ، ثُمَّ قُتِلَ يَحْيَى قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ {بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} أَيْ بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْشِدْنِي كَلِمَةَ فُلَانٍ أَيْ قَصِيدَتَهُ. قَوْلُهُ تعالى: {وَسَيِّدًا} فعيل مِنْ سَادَ يَسُودُ وَهُوَ الرَّئِيسُ الَّذِي يُتْبَعُ وَيُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ، قَالَ الْمُفَضَّلُ: أَرَادَ سَيِّدًا فِي الدِّينِ. قَالَ الضحاك: السيد 57/ب الْحَسَنُ الْخُلُقَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: السَّيِّدُ الَّذِي يُطِيعُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: السَّيِّدُ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: سَيِّدٌ فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ، وَقِيلَ: الْحَلِيمُ الَّذِي لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ. قَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَرِيمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: السَّيِّدُ التَّقِيُّ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الَّذِي لَا يَحْسِدُ وَقِيلَ: الَّذِي يَفُوقُ قَوْمَهُ فِي جَمِيعِ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَانِعُ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ. وَقِيلَ: السَّخِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بُنِيَ سَلَمَةَ"؟ قَالُوا: جَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ قَالَ: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ، لَكِنَّ سَيِّدَكُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ" (1) .

_ (1) روي هذا الحديث من طرق عن جابر وأبي هريرة وأنس مرفوعا وروي مرسلا عن حبيب بن أبي ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (90) طبعه مكتبة الآداب وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأمثال برقم (89 - 95) ص 56 - 59 وأبو نعيم في الحلية: 7 / 317 والحاكم في المستدرك: 3 / 219 عن أبي هريرة بلفظ "بل سيدكم البراء بن معرور" وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني مجمع الزوائد: 3 / 315. وانظر: الإصابة لابن حجر: 4 / 615 - 616 أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 206 - 207 مجمع الزوائد: 9 / 314 - 315 / 126 - 127.

40

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} الْحَصُورُ أَصْلُهُ مِنَ الْحَصْرِ وَهُوَ الْحَبْسُ. وَالْحَصُورُ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ: الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَقْرَبُهُنَّ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْصُرُ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ [وَقِيلَ: هُوَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ] (1) لَهُ فَيَكُونُ الْحَصُورُ بِمَعْنَى الْمَحْصُورِ يَعْنِي الْمَمْنُوعَ مِنَ النِّسَاءِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانَ لَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ وَقَدْ تَزَوَّجَ مَعَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِبَصَرِهِ. وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إِنَّ الْحَصُورَ هُوَ الْمُمْتَنِعُ مِنَ الْوَطْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَاخْتَارَ قَوْمٌ هَذَا الْقَوْلَ لِوَجْهَيْنِ {أَحَدُهُمَا} : لِأَنَّ الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الثَّنَاءِ، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى استحقاق الثناء، و {الثاني} : أَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ إِلْحَاقِ الْآفَةِ بِالْأَنْبِيَاءِ. {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) } قَوْلُهُ تَعَالَى {قَالَ رَبِّ} أَيْ يَا سَيِّدِي، قَالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: قَالَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَنَّى يَكُونُ} أَيْنَ يَكُونُ {لِي غُلَامٌ} أَيِ ابْنٌ {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} هَذَا مِنَ الْمَقْلُوبِ أَيْ وَقَدْ بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ كَمَا يُقَالُ بَلَغَنِي الْجَهْدُ أَيْ أَنَا فِي الْجَهْدِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَدْ الْكِبَرُ وَأَدْرَكَنِي وَأَضْعَفَنِي. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بِالْوَلَدِ ابْنَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: ابْنُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ بِنْتَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} أَيْ عَقِيمٌ لَا تَلِدُ يُقَالُ: رَجُلٌ عَاقِرٌ وَامْرَأَةٌ عَاقِرٌ، وَقَدْ عَقُرَ بِضَمِّ الْقَافِ يَعْقِرُ عُقْرًا، وَعُقَارَةً {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} فَإِنْ قِيلَ لِمَ قَالَ زَكَرِيَّا بَعْدَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى: {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ} أَكَانَ شَاكًّا فِي وَعْدِ اللَّهِ وَفِي قُدْرَتِهِ؟ قِيلَ: إِنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ لَأَوْحَاهُ إِلَيْكَ كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، فَقَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ فِي وَعْدِ اللَّهِ إِنَّمَا شَكَّ فِي كَيْفِيَّتِهِ أَيْ كَيْفَ ذَلِكَ؟

_ (1) في "ب": "وقال سعيد بن المسيب: هو العنين الذي لا ماء له. . . ".

41

{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) } قَوْلُهُ تَعَالَى {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أَيْ عَلَامَةً أَعْلَمُ بِهَا وَقْتَ حَمْلِ امْرَأَتِي فَأَزِيدُ فِي الْعِبَادَةِ شُكْرًا لَكَ {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} تَكُفَّ عَنِ الْكَلَامِ {ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} وَتُقْبِلَ بِكُلِّيَّتِكَ عَلَى عِبَادَتِي، لَا أَنَّهُ حَبَسَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الْكَلَامِ وَهُوَ صَحِيحٌ سَوِيٌّ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ الْآيَةَ (10) {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} فَأَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَنَهَاهُ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: عَقَلَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ مَعَ النَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمْسَكَ لِسَانَهُ عَنِ الْكَلَامِ عُقُوبَةً لَهُ لِسُؤَالِهِ الْآيَةَ بَعْدَ مُشَافَهَةِ الْمَلَائِكَةِ إِيَّاهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَلَامِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ {إِلَّا رَمْزًا} أَيْ إِشَارَةً، وَالْإِشَارَةُ قَدْ تَكُونُ بِاللِّسَانِ وَبِالْعَيْنِ وَبِالْيَدِ، وَكَانَتْ إِشَارَتُهُ بِالْإِصْبَعِ الْمُسَبِّحَةِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَدْ يَكُونُ الرَّمْزُ بِاللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ أَشْبَهَ الْهَمْسَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِهِ صَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَامُوا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا رَمْزًا {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلَاةُ، وَالْعَشِيُّ مَا بَيْنَ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ سُمِّيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، وَالْإِبْكَارُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى الضُّحَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ} يَعْنِي جِبْرِيلَ {يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} اخْتَارَكِ {وَطَهَّرَكِ} قِيلَ مِنْ مَسِيسِ الرِّجَالِ وَقِيلَ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ مَرْيَمُ لَا تَحِيضُ، وَقِيلَ: مِنَ الذُّنُوبِ {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} قِيلَ: عَلَى عَالَمِي زَمَانِهَا وَقِيلَ: عَلَى جَمِيعِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي أَنَّهَا وَلَدَتْ بِلَا أَبٍ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: بِالتَّحْرِيرِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ تُحَرَّرْ أُنْثَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامٍ أَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " (1) وَرَوَاهُ وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَشَارَ وَكِيعٌ

_ (1) أخرجه البخاري في الأنبياء. باب: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين 6 / 470. ومسلم في فضائل الصحابة. باب: فضائل خديجة أم المؤمنين برقم (2430) 4 / 1886. والمصنف في شرح السنة: 14 / 156.

43

إِلَى السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا آدَمُ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْبَزَّارُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الدِّيرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (2) . {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } قَوْلُهُ تَعَالَى {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ شَفَاهًا أَيْ أَطِيعِي رَبَّكِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَطِيلِي الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ لِرَبِّكِ [وَالْقُنُوتُ الطَّاعَةُ] (3) وَقِيلَ: الْقُنُوتُ طُولُ الْقِيَامِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمَّا قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ ذَلِكَ قَامَتْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا وَسَالَتْ دَمًا وَقَيْحًا {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي} قِيلَ: إِنَّمَا قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ فِي الشَّرَائِعِ كُلِّهَا وَلَيْسَ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ بَلْ لِلْجَمْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ رَأَى عَمْرًا قَبْلَ زَيْدٍ {مَعَ الرَّاكِعِينَ} ولم يقل 58/أمَعَ الرَّاكِعَاتِ لِيَكُونَ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَعَ الْمُصَلِّينَ فِي الْجَمَاعَةِ.

_ (1) أخرجه البخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون. . إلى قوله وكانت من القانتين) : 6 / 446 وفي باب قوله تعالى: (إذ قالت الملائكة يا مريم. .) 6 / 472. ومسلم في فضائل الصحابة. باب: فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها برقم (2430) 4 / 1886. والمصنف في شرح السنة: 14 / 163. (2) أخرجه الترمذي في المناقب: باب: فضل خديجة رضي الله عنها 10 / 389 وقال: هذا حديث صحيح والإمام أحمد في المسند عن أنس: 3 / 135 وفي كتاب فضائل الصحابة 2 / 755. وابن حبان: ص (549) من موارد الظمآن والحاكم: 3 / 157 وصححه ووافقه الذهبي. وأبو نعيم في الحلية. 2 / 344 وعزاه الهيتمي للطبراني في الأوسط وقال: فيه سليمان الشاذكوني وهو ضعيف: انظر مجمع الزوائد: 9 / 223. والمصنف في شرح السنة: 14 / 157 والحديث صحيح. (3) ساقط من ب.

44

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) }

46

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} يَقُولُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَمَرْيَمَ وَعِيسَى {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} أَيْ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى ذَلِكَ فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ {وَمَا كُنْتَ} يَا مُحَمَّدُ {لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} سِهَامَهُمْ فِي الْمَاءِ لِلِاقْتِرَاعِ {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} يَحْضُنُهَا وَيُرَبِّيهَا {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فِي كَفَالَتِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} إِنَّمَا قَالَ: اسْمُهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى عِيسَى وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ لِمَ سُمِّيَ مَسِيحًا، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ يَعْنِي أَنَّهُ مُسِحَ مِنَ الْأَقْذَارِ وَطُهِّرَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَسِيحَ الْقَدَمِ لَا أَخْمَصَ لَهُ، وَسُمِّيَ الدَّجَّالُ مَسِيحًا لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، مِثْلُ عَلِيمٍ وَعَالِمٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُمِّيَ مَسِيحًا لِأَنَّهُ مَا مَسَحَ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِأَ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ فِي مَكَانٍ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْمِيمُ فِيهِ زَائِدَةً. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وَيَكُونُ الْمَسِيحُ بِمَعْنَى الْكَذَّابِ وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ وَالْحَرْفُ مِنَ الْأَضْدَادِ {وَجِيهًا} أَيْ شَرِيفًا رَفِيعًا ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} عِنْدَ اللَّهِ {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} صَغِيرًا قَبْلَ أَوَانِ الْكَلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ قَالَ: " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ " (الْآيَةَ -30) وَحُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إِذَا خَلَوْتُ أَنَا وَعِيسَى حَدَّثَنِي وَحَدَّثْتُهُ فَإِذَا شَغَلَنِي عَنْهُ إِنْسَانٌ سَبَّحَ فِي بَطْنِي وَأَنَا أَسْمَعُ (1) قَوْلَهُ {وَكَهْلًا} قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي إِذَا اجْتَمَعَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: {وَكَهْلًا} بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ. وَقِيلَ: أَخْبَرَهَا أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى يَكْتَهِلَ، وَكَلَامُهُ بَعْدَ الْكُهُولَةِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُعْجِزَةِ، وَقِيلَ: {وَكَهْلًا} نَبِيًّا بَشَّرَهَا بِنُبُوَّةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَلَامُهُ فِي الْمَهْدِ مُعْجِزَةٌ وَفِي الْكُهُولَةِ دَعْوَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَكَهْلًا} أَيْ حَلِيمًا. وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ الْكُهُولَةَ لِأَنَّهَا الْحَالَةُ الْوُسْطَى فِي احْتِنَاكِ (2) السِّنِّ وَاسْتِحْكَامِ الْعَقْلِ وَجَوْدَةِ الرَّأْيِ وَالتَّجْرِبَةِ {وَمِنَ الصَّالِحِينَ}

_ (1) لا يتناسب هذا القول مع نص الآية الكريمة ولم يذهب إليه غير مجاهد وقد أورده المؤلف بصيغة التضعيف. (2) في ب احتباك.

47

أَيْ: هُوَ مِنَ الْعِبَادِ الصَّالِحِينَ. {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) } {قَالَتْ رَبِّ} يَا سَيِّدِي تَقُولُهُ لِجِبْرِيلَ. وَقِيلَ: تَقُولُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} يُصِبْنِي رَجُلٌ، قَالَتْ ذَلِكَ تَعَجُّبًا إِذْ لَمْ تَكُنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يُولَدَ وَلَدٌ لَا أَبَ لَهُ {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا} أَيْ كَوْنَ الشَّيْءِ {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} كَمَا يُرِيدُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} وَقِيلَ: رَدَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ} {وَيُعَلِّمُهُ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} قَوْلُهُ: {الْكِتَابَ} أَيِ الْكِتَابَةَ وَالْخَطَّ {وَالْحِكْمَةَ} الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} عَلَّمَهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ {وَرَسُولًا} أَيْ وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا {إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} قِيلَ: كَانَ رَسُولًا فِي حَالِ الصِّبَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولًا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَانَ أَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوسُفَ وَآخِرُهُمْ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَلَمَّا بُعِثَ قَالَ: {أَنِّي} قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنَّمَا فَتَحَ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الرِّسَالَةَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ بِأَنِّي {قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ} عَلَامَةٍ {مِنْ رَبِّكُمْ} تُصَدِّقُ قَوْلِي وَإِنَّمَا قَالَ: بِآيَةٍ وَقَدْ أَتَى بِآيَاتٍ لِأَنَّ الْكُلَّ دَلَّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ صِدْقُهُ فِي الرِّسَالَةِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: وَمَا هِيَ قَالَ: {أَنِّي} قَرَأَ نَافِعٌ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى بِإِنِّي {أَخْلُقُ} أَيْ أُصَوِّرُ وَأُقَدِّرُ {لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ هَاهُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَالْهَيْئَةُ الصُّورَةُ الْمُهَيَّأَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَيَّأْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَدَّرْتُهُ وَأَصْلَحْتُهُ {فَأَنْفُخُ فِيهِ} أَيْ فِي الطَّيْرِ {فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ} قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِينَ بِالْجَمْعِ لِأَنَّهُ خَلَقَ طَيْرًا كَثِيرًا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ فَيَكُونُ طَائِرًا عَلَى الْوَاحِدِ هَاهُنَا. وَفِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ذَهَبُوا إِلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنَ الطَّيْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الْخُفَّاشِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْخُفَّاشَ، لِأَنَّهُ أَكْمَلُ الطَّيْرِ خَلْقًا لِأَنَّ لَهَا ثَدْيًا وَأَسْنَانًا وَهِيَ تَحِيضُ. قَالَ وَهْبٌ: كَانَ يَطِيرُ مَا دَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا، لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ الْخَلْقِ مِنْ فِعْلِ الْخَالِقِ،

وَلِيَعْلَمَ أَنَّ الْكَمَالَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ} أَيْ أَشْفِيهِمَا وَأُصَحِّحُهُمَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْمَهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْأَعْمَى. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الْأَعْمَشُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، {وَالْأَبْرَصُ} الَّذِي بِهِ وَضَحٌ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذَيْنِ لِأَنَّهُمَا دَاءَانِ عَيَاءَانِ، وَكَانَ الْغَالِبُ فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الطِّبَّ، فَأَرَاهُمُ الْمُعْجِزَةَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ. قَالَ وَهْبٌ: رُبَّمَا اجْتَمَعَ عِنْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَرْضَى فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ خَمْسُونَ أَلْفًا مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَنْ يَبْلُغَهُ بَلَغَهُ وَمَنْ لَمْ يُطِقْ مَشَى إِلَيْهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ يُدَاوِيهِمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى شَرْطِ الْإِيمَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (1) قَدْ أَحْيَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ، عَازِرَ وَابْنَ الْعَجُوزِ، وَابْنَةَ الْعَاشِرِ، وَسَامَ بْنَ نُوحٍ، فَأَمَّا عَازِرُ فَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فَأَرْسَلَتْ أُخْتُهُ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنَّ أَخَاكَ عَازِرَ يَمُوتُ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَتَاهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: انْطَلِقِي بِنَا إِلَى قَبْرِهِ، فَانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ إِلَى قَبْرِهِ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَقَامَ عَازِرُ وَوَدَكُهُ يَقْطُرُ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَبَقِيَ وَوُلِدَ لَهُ. وَأَمَّا ابْنُ الْعَجُوزِ مُرَّ بِهِ مَيِّتًا عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى سَرِيرٍ يُحْمَلُ فَدَعَا اللَّهَ عِيسَى فَجَلَسَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَنَزَلَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، وَلَبِسَ ثِيَابَهُ، وَحَمَلَ السَّرِيرَ عَلَى عُنُقِهِ وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَبَقِيَ وَوُلِدَ لَهُ. وَأَمَّا ابْنَةُ الْعَاشِرِ كَانَ [أَبُوهَا] (2) رَجُلًا يَأْخُذُ الْعُشُورَ مَاتَتْ لَهُ بِنْتٌ بِالْأَمْسِ، فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ [بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ] (3) فَأَحْيَاهَا [اللَّهُ تَعَالَى] (4) وَبَقِيَتْ [بَعْدَ ذَلِكَ زَمَنًا] (5) وَوُلِدَ لَهَا. وَأَمَّا سَامُ بْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى قَبْرِهِ فَدَعَا بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَقَدْ شَابَ نِصْفُ رَأْسِهِ خَوْفًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَشِيبُونَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَالَ: قَدْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّ دَعَوْتُكَ بِاسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مُتْ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ يُعِيذَنِي اللَّهُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ فَدَعَا اللَّهَ فَفَعَلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُنَبِّئُكُمْ} وَأُخْبِرُكُمْ {بِمَا تَأْكُلُونَ} مِمَّا لَمَّ أُعَايِنْهُ {وَمَا تَدَّخِرُونَ} تَرْفَعُونَهُ {فِي بُيُوتِكُمْ} حَتَّى تَأْكُلُوهُ وَقِيلَ: كان يخبر 58/ب الرَّجُلَ بِمَا أَكَلَ الْبَارِحَةَ وَبِمَا يَأْكُلُ الْيَوْمَ وَبِمَا ادَّخَرَهُ لِلْعَشَاءِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْكُتَّابِ يُحَدِّثُ الْغِلْمَانَ بِمَا يَصْنَعُ آبَاؤُهُمْ وَيَقُولُ لِلْغُلَامِ: انْطَلِقْ فَقَدْ أَكَلَ أَهْلُكَ كَذَا وَكَذَا، وَرَفَعُوا لَكَ كَذَا وَكَذَا، فَيَنْطَلِقُ الصَّبِيُّ إِلَى أَهْلِهِ وَيَبْكِي عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْطُوهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ فَيَقُولُونَ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا؟ . فَيَقُولُ: عِيسَى فَحَبَسُوا صِبْيَانَهُمْ عَنْهُ وَقَالُوا: لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِرِ فَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْتٍ فَجَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُهُمْ فَقَالُوا: لَيْسُوا هَاهُنَا، فَقَالَ: فَمَا فِي هَذَا

_ (1) انظر: البحر المحيط: 2 / 467. (2) ساقط من أ. (3) ساقط من أ. (4) ساقط من أ. (5) ساقط من أ.

50

الْبَيْتِ؟ قَالُوا خَنَازِيرُ، قَالَ عِيسَى كَذَلِكَ يَكُونُونَ فَفَتَحُوا عَلَيْهِمْ فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ ففشى ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ حَمَلَتْهُ عَلَى [حَمِيرٍ] (1) لَهَا وَخَرَجَتْ (هَارِبَةً مِنْهُمْ) (2) إِلَى أَهْلِ مِصْرَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا هَذَا فِي الْمَائِدَةِ وَكَانَ خِوَانًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أَيْنَمَا كَانُوا كَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يخونوا ولا يخبؤا لِغَدٍ فَخَانُوا وخبؤا فَجَعَلَ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ بِمَا أَكَلُوا مِنَ الْمَائِدَةِ وَبِمَا ادَّخَرُوا مِنْهَا فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى {إِنَّ فِي ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُ {لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) } {وَمُصَدِّقًا} عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَرَسُولًا {لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} مِنَ اللُّحُومِ وَالشُّحُومِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَرَادَ بِالْبَعْضِ الْكُلَّ يَعْنِي: كُلَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ يُذْكَرُ الْبَعْضُ وَيُرَادُ بِهِ الْكُلُّ كَقَوْلِ لَبِيدٍ: تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ تَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا يَعْنِي: كُلَّ النُّفُوسِ (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يَعْنِي مَا ذَكَرَ مِنَ الْآيَاتِ وَإِنَّمَا وَحَّدَهَا لِأَنَّهَا كُلَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى رِسَالَتِهِ {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ} أَيْ وَجَدَ قَالَهُ الْفَرَّاءُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: رَأَى {مِنْهُمُ الْكُفْرَ} وَأَرَادُوا قَتْلَهُ اسْتَنْصَرَ عَلَيْهِمْ وَ {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَةِ نَفَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَخْرَجُوهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَأُمُّهُ يَسِيحَانِ فِي الْأَرْضِ، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى رَجُلٍ فَأَضَافَهُمَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا،

_ (1) في "ب": على أتان. (2) ساقط من "ب". (3) ولم يرتض هذا ابن سيده فقال: وليس هذا عندي على ما ذهب إليه أهل اللغة من أن البعض في معنى الكل هذا نقض ولا دليل في هذا البيت لأنه إنما عنى ببعض النفوس نفسه. انظر: لسان العرب: 7 / 119 شرح المعلقات السبع للأنباري ص (573) .

وَكَانَ لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ جَبَّارٌ مُتَعَدٍّ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا مُهْتَمًّا حَزِينًا فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَمَرْيَمُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَمُ: مَا شَأْنُ زَوْجِكِ أَرَاهُ كَئِيبًا، قَالَتْ: لَا تَسْأَلِينِي، قَالَتْ: أَخْبِرِينِي لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ كُرْبَتَهُ، قَالَتْ: إِنَّ لَنَا مَلِكًا يَجْعَلُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا أَنْ يُطْعِمَهُ وَجُنُودَهُ وَيَسْقِيَهُمُ الْخَمْرَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَالْيَوْمَ نَوْبَتُنَا وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا سَعَةٌ، قَالَتْ: فَقُولِي لَهُ لَا يَهْتَمُّ فَإِنِّي آمُرُ ابْنِي فَيَدْعُو لَهُ فَيُكْفَى ذَلِكَ، فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عِيسَى: إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ وَقَعَ شَرٌّ، قَالَتْ: فَلَا تُبَالِ فَإِنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَأَكْرَمَنَا، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقُولِي لَهُ إِذَا اقْتَرَبَ ذَلِكَ فَامْلَأْ قُدُورَكَ وَخَوَابِيكَ مَاءً ثُمَّ أَعْلِمْنِي فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَتَحَوَّلَ مَاءُ الْقُدُورِ مَرَقًا وَلَحْمًا وَمَاءُ الْخَوَابِي خَمْرًا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ قَطُّ فَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ أَكَلَ فَلَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ قَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الْخَمْرُ قَالَ: مَنْ أَرْضِ كَذَا، قَالَ [الْمَلِكُ] (1) فَإِنَّ خَمْرِي مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ مِثْلَ هَذِهِ قَالَ: هِيَ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى، فَلَمَّا خَلَطَ عَلَى الْمَلِكِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ قَالَ: فَأَنَا أُخْبِرُكَ عِنْدِي غُلَامٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَإِنَّهُ دَعَا اللَّهُ فَجَعَلَ الْمَاءَ خَمْرًا وَكَانَ لِلْمَلِكِ ابْنٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا دَعَا اللَّهَ حَتَّى جَعَلَ الْمَاءَ خَمْرًا [لَيُسْتَجَابُ لَهُ] (2) حَتَّى يُحْيِيَ ابْنِي، فَدَعَا عِيسَى فَكَلَّمَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عِيسَى: لَا تَفْعَلْ فَإِنَّهُ إِنْ عَاشَ وَقَعَ شَرٌّ، فَقَالَ الْمَلِكُ: لَا أُبَالِي أَلَيْسَ أَرَاهُ قَالَ عِيسَى: إِنْ أَحْيَيْتُهُ تَتْرُكُونِي وَأُمِّي نَذْهَبُ حَيْثُ نَشَاءُ، قَالَ: نَعَمْ فَدَعَا اللَّهَ فَعَاشَ الْغُلَامُ فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ قَدْ عَاشَ تَبَادَرُوا بِالسِّلَاحِ، وَقَالُوا: أَكَلَنَا هَذَا حَتَّى إِذَا دَنَا مَوْتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْنَا ابْنَهُ فَيَأْكُلُنَا كَمَا أَكَلَ أَبُوهُ فَاقْتَتَلُوا فَذَهَبَ عِيسَى وَأُمُّهُ فَمَرَّ بِالْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نَصْطَادُ السَّمَكَ قَالَ: أَفَلَا تَمْشُونَ حَتَّى نَصْطَادَ النَّاسَ، قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ قَالَ: أَنَا عِيسَى بن مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ فَآمَنُوا بِهِ وَانْطَلَقُوا مَعَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: مَعَ اللَّهِ تَعَالَى تَقُولُ الْعَرَبُ: الذَّوْدُ إِلَى الذَّوْدِ إِبِلٌ أَيْ مَعَ الذَّوْدِ وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ " (2 -النِّسَاءِ) أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: إِلَى بِمَعْنَى فِي أَيْ مَنْ أَعْوَانِي فِي اللَّهِ أَيْ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَسَبِيلِهِ، وَقِيلَ إِلَى فِي مَوْضِعِهِ مَعْنَاهُ مَنْ يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إِلَى نُصْرَةِ اللَّهِ لِي وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَوَارِيِّينَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: كَانُوا صَيَّادِينَ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَقِيلَ: كَانُوا مَلَّاحِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا قَصَّارِينَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ أَيْ يُبَيِّضُونَهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَلَّمَتْ مَرْيَمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَعْمَالٍ شَتَّى فَكَانَ آخِرُ مَا دَفَعَتْهُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ، وَكَانُوا قَصَّارِينَ وَصَبَّاغِينَ فَدَفَعَتْهُ إِلَى رَئِيسِهِمْ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ ثِيَابٌ وَعَرَضَ لَهُ سَفَرٌ، فَقَالَ لِعِيسَى: إِنَّكَ قَدْ تَعَلَّمْتَ هَذِهِ الْحِرْفَةَ وَأَنَا خَارِجٌ فِي سَفَرٍ لَا

_ (1) ساقط من "أ". (2) في "ب": ليجاء به إلى.

أَرْجِعُ إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَهَذِهِ ثِيَابُ النَّاسِ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، وَقَدْ أَعْلَمْتُ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِخَيْطٍ عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ فَارِغًا مِنْهَا وَقْتَ قُدُومِي، وَخَرَجَ فَطَبَخَ عِيسَى جُبًّا وَاحِدًا عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ وَأَدْخَلَ جَمِيعَ الثِّيَابِ وَقَالَ: كُونِي بِإِذْنِ اللَّهِ عَلَى مَا أُرِيدَ مِنْكِ، فَقَدِمَ الْحَوَارِيُّ وَالثِّيَابُ كُلُّهَا فِي الْجُبِّ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: فَرَغْتُ مِنْهَا، قَالَ: أَيْنَ هِيَ؟ قَالَ: فِي الْجُبِّ، قَالَ: كُلُّهَا، قَالَ: نَعَمْ قَالَ: لَقَدْ أَفْسَدْتَ تِلْكَ الثِّيَابَ فَقَالَ: قُمْ فَانْظُرْ، فَأَخْرَجَ عِيسَى ثَوْبًا أَحْمَرَ، وَثَوْبًا أَصْفَرَ، وَثَوْبًا أَخْضَرَ، إِلَى أَنْ أَخْرَجَهَا عَلَى الْأَلْوَانِ الَّتِي أَرَادَهَا، فَجَعَلَ الْحَوَارِيُّ يَتَعَجَّبُ فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: تَعَالَوْا فَانْظُرُوا فَآمَنَ بِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: سُمُّوا حَوَارِيِّينَ لِصَفَاءِ [قُلُوبِهِمْ] (1) وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: سُمُّوا بِهِ لِمَا عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا، وَأَصْلُ الْحَوَرِ عِنْدَ الْعَرَبِ شِدَّةُ الْبَيَاضِ، يُقَالُ: رَجُلٌ أَحْوَرُ وَامْرَأَةٌ حَوْرَاءُ أَيْ شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْأَصْفِيَاءُ وَهُمْ كَانُوا أَصْفِيَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا قَالَ رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَصْلُحُ لَهُمُ الْخِلَافَةُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْحَوَارِيُّونَ هُمُ الْوُزَرَاءُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: الْحَوَارِيُّونَ الْأَنْصَارُ، وَالْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ، وَالْحَوَارِيُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ خَاصَّةً الرَّجُلُ الَّذِي يستعين به 59/أفِيمَا يَنُوبُهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ" (2) . قَالَ سُفْيَانُ الْحَوَارِيُّ النَّاصِرُ، قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ كُلَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَجَعْفَرٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍّ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أَعْوَانُ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ} يَا عِيسَى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}

_ (1) في ب: لحومهم. (2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة: باب: مناقب الزبير بن العوام: 7 / 79 - 80 وفي الجهاد والمغازي. ومسلم: في فضائل الصحابة: باب: من فضائل طلحة والزبير لاضي الله عنهما برقم: (2415) 4 / 1879. والمصنف في شرح السنة: 14 / 122.

53

{رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) } {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ} مِنْ كِتَابِكَ {وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} عِيسَى {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} الَّذِينَ شَهِدُوا لِأَنْبِيَائِكَ بِالصِّدْقِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَعَ النَّبِيِّينَ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدُ أُمَّتِهِ.

54

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالْبَلَاغِ. {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا} يَعْنِي كُفَّارَ بني إسرائيل الذي أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَبَرُّوا فِي قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ إِخْرَاجِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ وَأُمَّهُ عَادَ إِلَيْهِمْ مَعَ الْحَوَارِيِّينَ، وَصَاحَ فِيهِمْ بِالدَّعْوَةِ فهموا بقتله وتواطؤوا عَلَى الْفَتْكِ بِهِ فَذَلِكَ مَكْرُهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فَالْمَكْرُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ: الْخُبْثُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْحِيلَةُ، وَالْمَكْرُ مِنَ اللَّهِ: اسْتِدْرَاجُ الْعَبْدِ وَأَخْذُهُ بَغْتَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ كَمَا قَالَ: " سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ " (182 -الْأَعْرَافِ) وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُجَازَاتُهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ فَسَمَّى الْجَزَاءَ بِاسْمِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ " (15 -الْبَقَرَةِ) " وَهُوَ خَادِعُهُمْ " (142 -النِّسَاءِ) وَمَكْرُ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً بِهِمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ إِلْقَاؤُهُ الشَّبَهَ عَلَى صَاحِبِهِمُ الَّذِي أَرَادَ قَتْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عِيسَى اسْتَقْبَلَ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: قَدْ جَاءَ السَّاحِرُ ابْنُ السَّاحِرَةِ، وَالْفَاعِلُ ابْنُ الْفَاعِلَةِ، وَقَذَفُوهُ وَأَمَّهُ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَا عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنَازِيرَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ يَهُوذَا رَأْسُ الْيَهُودِ وَأَمِيرُهُمْ فَزِعَ لِذَلِكَ وَخَافَ دَعْوَتَهُ فَاجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ الْيَهُودِ عَلَى قَتْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَثَارُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ فَأَدْخَلَهُ فِي خَوْخَةٍ فِي سَقْفِهَا رَوْزَنَةٌ فَرَفْعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ تِلْكَ الرَّوْزَنَةِ، فَأَمَرَ يَهُوذَا رَأْسُ الْيَهُودِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُ: طَطْيَانُوسُ أَنْ يَدْخُلَ الْخَوْخَةَ وَيَقْتُلَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ لَمْ يَرَ عِيسَى، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ فَظَنُّوا أَنَّهُ يُقَاتِلُهُ فِيهَا، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا خَرَجَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، قَالَ وَهْبٌ: طَرَقُوا عِيسَى فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَنَصَبُوا خَشَبَةً لِيَصْلُبُوهُ، فَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَجَمَعَ عِيسَى الْحَوَارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَأَوْصَاهُمْ ثُمَّ قَالَ: لَيَكْفُرَنَّ بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ وَيَبِيعُنِي بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ، فَأَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَأَخَذَهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ. وَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسَى، فَرُفِعَ عِيسَى وَأُخِذَ الذي دلهم علي فَقَالَ: أَنَا الَّذِي دَلَلْتُكُمْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِهِ وَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ عِيسَى، فَلَمَّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسَى، جَاءَتْ مَرْيَمُ أُمُّ عِيسَى وَامْرَأَةٌ كَانَ عِيسَى دَعَا لَهَا فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ تَبْكِيَانِ عِنْدَ الْمَصْلُوبِ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُمَا: عَلَامَ تَبْكِيَانِ؟ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ رَفَعَنِي وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، فَلَّمَا كَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: اهْبِطْ عَلَى مَرْيَمَ الْمَجْدَلَانِيَّةِ اسْمُ مَوْضِعٍ فِي جَبَلِهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أَحَدٌ بُكَاءَهَا، وَلَمْ يَحْزَنْ حُزْنَهَا ثُمَّ لِيَجْتَمِعَ لَكَ الْحَوَارِيُّونَ فَبُثَّهُمْ فِي

55

الْأَرْضِ دُعَاةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَهْبَطَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا فَاشْتَعَلَ الْجَبَلُ حِينَ هَبَطَ نُورًا، فَجَمَعَتْ لَهُ الْحَوَارِيِّينَ فَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ دُعَاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ هِيَ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيهَا النَّصَارَى، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْحَوَارِيُّونَ حَدَّثَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِلُغَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ عِيسَى إِلَيْهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ الْيَهُودَ حَبَسُوا عِيسَى فِي بَيْتٍ وَعَشْرَةً مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فَدَخْلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ شَبَهَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَيُّكُمْ يُقْذَفُ عَلَيْهِ شَبَهِي فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَمَنَعَ اللَّهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَفَعَهُ إِلَيْهِ وَكَسَاهُ اللَّهُ الرِّيشَ وَأَلْبَسَهُ النُّورَ وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَطَارَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ مَعَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَكَانَ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَمَائِيًّا أَرْضِيًّا، قَالَ أَهْلُ التَّوَارِيخِ: حَمَلَتْ مَرْيَمُ بِعِيسَى وَلَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلَدَتْ عِيسَى بِبَيْتِ لَحْمٍ مِنْ أَرْضِ أُورِي شَلِمَ لِمُضِيِّ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أَرْضِ بَابِلَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَرَفَعَهُ اللَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَكَانَتْ نُبُوَّتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ مَرْيَمُ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ. {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) } {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} اختلفوا في بعض التَّوَفِّي هَاهُنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: إِنِّي قَابِضُكَ وَرَافِعُكَ فِي الدُّنْيَا إِلَيَّ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي " (117 -الْمَائِدَةِ) أَيْ قَبَضْتَنِي إِلَى السَّمَاءِ وَأَنَا حَيٌّ، لِأَنَّ قَوْمَهُ إِنَّمَا تَنَصَّرُوا بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ لَا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى هَذَا لِلتَّوَفِّي تَأْوِيلَانِ، أَحَدُهُمَا: إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَافِيًا لَمْ يَنَالُوا مِنْكَ شَيْئًا، مِنْ قَوْلِهِمْ تَوَفَّيْتُ كَذَا وَاسْتَوْفَيْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ تَامًّا وَالْآخَرُ: أَنِّي [مُسْتَلِمُكَ] (1) مِنْ قَوْلِهِمْ تَوَفَّيْتُ مِنْهُ كَذَا أَيْ تَسَلَّمْتُهُ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: الْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي النَّوْمُ [وَكُلُّ ذِي عَيْنٍ نَائِمٌ] (2) وَكَانَ عِيسَى قَدْ نَامَ فَرَفَعَهُ اللَّهُ نَائِمًا إِلَى السَّمَاءِ، مَعْنَاهُ: أَنِّي مُنَوِّمُكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ " (60 -الْأَنْعَامِ) أَيْ يُنِيمُكُمْ.

_ (1) في "أ" مستسلمك. (2) ساقط من "ب".

وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُرَادُ بِالتَّوَفِّي الْمَوْتُ، رُوِيَ [عَنْ] (1) عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنِّي مُمِيتُكَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ " (11 -السَّجْدَةِ) فَعَلَى هَذَا لَهُ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ وهب: توفى 59/ب اللَّهُ عِيسَى ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ النَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ ثُمَّ أَحْيَاهُ وَرَفَعَهُ، وَالْآخَرُ مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا مَعْنَاهُ أَنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إِنْزَالِكَ مِنَ السَّمَاءِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ" (2) . وَيُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: "وَتَهْلِكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَهْلَكُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ" (3) . وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الْفَضْلِ هَلْ تَجِدُ نُزُولَ عِيسَى فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ: {وَكَهْلًا} وَلَمْ يَكْتَهِلْ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ وَكَهْلًا بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ مُخْرِجُكَ مِنْ بَيْنِهِمْ وَمُنْجِيكَ مِنْهُمْ {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَالشَّعْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا دِينَهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ظَاهِرِينَ قَاهِرِينَ بِالْعِزَّةِ وَالْمَنْعَةِ وَالْحُجَّةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي الْحَوَارِيِّينَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ الرُّومِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ النَّصَارَى فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ الْيَهُودَ قَدْ ذَهَبَ مُلْكُهُمْ، وَمُلْكُ النَّصَارَى دَائِمٌ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الِاتِّبَاعُ بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَالْمَحَبَّةِ لَا اتِّبَاعَ الدِّينِ. {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ} فِي الْآخِرَةِ

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه البخاري في الأنبياء. باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 490. ومسلم في الإيمان. باب: نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (155) 1 / 135 - 136. والمصنف في شرح السنة: 15 / 80 - 81. (3) أخرجه أو داود - في الملاحم: باب: خروج الدجال: 6 / 177 وسكت عنه المنذري. وأحمد في المسند عن أبي هريرة: 2 / 406، 437 مطولا.

56

{فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَأَمْرِ عِيسَى. {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) } {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا} بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ وَالْجِزْيَةِ وَالذِّلَّةِ {وَالْآخِرَةِ} أَيْ وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} {وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} قَرَأَ الْحَسَنُ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ أَيْ نُوَفِّي أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} أَيْ لَا يَرْحَمُ الْكَافِرِينَ وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ} أَيْ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالْحَوَارِيِّينَ {نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [نُخْبِرُكَ بِهِ بِتِلَاوَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ] (1) {مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ وَالذِّكْرَ ذِي الْحِكْمَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ أَيِ الْمُحْكَمُ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْبَاطِلِ وَقِيلَ: الذِّكْرُ الْحَكِيمُ هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ. وَقِيلَ مِنَ الْآيَاتِ أَيِ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّتِكَ لِأَنَّهَا أَخْبَارٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا قَارِئُ كِتَابٍ أَوْ مَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَأَنْتَ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مالك تَشْتُمُ صَاحِبَنَا؟ قَالَ: وَمَا أَقُولُ قَالُوا: تَقُولُ إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ فَغَضِبُوا وَقَالُوا هَلْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا قَطُّ مِنْ غَيْرِ أَبٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} (2) فِي كَوْنِهِ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ كَمَثَلِ آدَمَ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ} يَعْنِي لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ {كُنْ فَيَكُونُ} يَعْنِي فَكَانَ فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وَلَا تَكْوِينَ بَعْدَ الْخَلْقِ؟ قِيلَ مَعْنَاهُ ثُمَّ خَلَقَهُ ثُمَّ أَخْبَرَكُمْ أَنِّي قُلْتُ لَهُ: كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِي الْخَلْقِ كَمَا يَكُونُ فِي الْوِلَادَةِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ الْيَوْمَ دِرْهَمًا ثُمَّ أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا أَيْ ثُمَّ أُخْبِرُكَ أَنِّي أَعْطَيْتُكَ أَمْسِ دِرْهَمًا. وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ التَّمْثِيلِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ رَدُّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلٍ بِنَوْعِ شَبَهٍ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ عِيسَى إِلَى آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِنَوْعِ شَبَهٍ.

_ (1) ساقط من أ. (2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (136) .

61

قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} أَيْ هُوَ الْحَقُّ وَقِيلَ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الشَّاكِّينَ الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ. {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ} أَيْ جَادَلَكَ فِي عِيسَى أَوْ فِي الْحَقِّ {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} بِأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ {فَقُلْ تَعَالَوْا} وَأَصْلُهُ تَعَالَيُوا تَفَاعَلُوا مِنَ الْعُلُوِّ فَاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلَى الْيَاءِ فَحُذِفَتْ، قَالَ الْفَرَّاءُ: بِمَعْنَى تَعَالٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: ارْتَفِعْ. قَوْلُهُ {نَدْعُ} جُزِمَ لِجَوَابِ الْأَمْرِ وَعَلَامَةُ الْجَزْمِ سُقُوطُ الْوَاوِ {أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} قِيلَ: أَبْنَاءَنَا أَرَادَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَنِسَاءَنَا فَاطِمَةَ. وَأَنْفُسَنَا عَنَى نَفْسَهُ وَعَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ عَمِّ الرَّجُلِ نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ " (11 -الْحُجُرَاتِ) يُرِيدُ إِخْوَانَكُمْ وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْعُمُومِ الْجَمَاعَةُ أَهْلُ الدِّينِ {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيْ نَتَضَرَّعُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَجْتَهِدُ وَنُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: نَلْتَعِنُ وَالِابْتِهَالُ الِالْتِعَانُ يُقَالُ: عَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ أَيْ لَعْنَتُهُ: {فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي أَمْرِ عِيسَى، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ قَالُوا: حَتَّى نَرْجِعَ وَنَنْظُرَ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِيكَ غَدًا، فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا لِلْعَاقِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ مَا تَرَى؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَاللَّهِ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَعَاشَ كَبِيرُهُمْ وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَلَئِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَنَهْلِكَنَّ فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ فَوَادِعُوا الرَّجُلَ وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَضِنًا لِلْحُسَيْنِ آخِذًا بِيَدِ الْحَسَنِ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ وَعَلِيٌّ خَلْفَهَا وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: "إِذَا أَنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا" فَقَالَ أُسْقُفُّ نَجْرَانَ: يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى إِنِّي لِأَرَى وُجُوهًا لَوْ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُزِيلَ جَبَلًا مِنْ مَكَانِهِ لِأَزَالَهُ فَلَا تَبْتَهِلُوا فَتَهْلَكُوا وَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْكُمْ نَصْرَانِيٌّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِمِ: قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لَا نُلَاعِنَكَ وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَثْبُتَ عَلَى دِينِنَا، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 60/أ /"فَإِنْ أَبَيْتُمُ الْمُبَاهَلَةَ فَأَسْلِمُوا يَكُنْ لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ" فَأَبَوْا فَقَالَ: "فَإِنِّي أُنَابِذُكُمْ" فَقَالُوا: مَا لَنَا بِحَرْبِ الْعَرَبِ طَاقَةٌ، وَلَكِنَّا نُصَالِحُكَ عَلَى أَنْ لَا تَغْزُوَنَا وَلَا تُخِيفَنَا وَلَا تَرُدَّنَا عَنْ دِينِنَا عَلَى أَنْ نُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كُلَّ عَامٍ أَلْفَيْ حُلَّةٍ أَلْفًا فِي صَفَرَ وَأَلْفًا فِي رَجَبٍ، فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الْعَذَابَ قَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ وَلَوْ تَلَاعَنُوا لَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَلَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الْوَادِي نَارًا، وَلَاسْتَأْصَلَ اللَّهُ نَجْرَانَ وَأَهْلَهُ حَتَّى الطَّيْرَ عَلَى الشَّجَرِ، وَلَمَا حَالَ الْحَوْلُ عَلَى النَّصَارَى كُلِّهِمْ حَتَّى هَلَكُوا" (1) .

_ (1) قال ابن حجر في الكافي الشاف أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بطوله وابن مروان متروك متهم بالكذب. ثم أخرج أبو نعيم نحوه عن الشعبي مرسلا ومنه: (فإن أبيتم المباهلة فأسلموا. . . .) انظر الكافي الشاف ص 26. وأخرجه الطبري في التفسير 6 / 479 - 480 من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير في قوله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق) فذكره مرسلا. وانظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 229 - 233 وابن كثير: 1 / 371 - 372.

62

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) } قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} النَّبَأُ الْحَقُّ {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} وَ"مِنْ" صِلَةٌ تَقْدِيرُهُ وَمَا إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وَيَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} الْآيَةَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ الْمَدِينَةَ فَالْتَقَوْا مَعَ الْيَهُودِ فَاخْتَصَمُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَزَعَمَتِ النَّصَارَى أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا وَهُمْ عَلَى دِينِهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وَقَالَتِ الْيَهُودُ: بَلْ كَانَ يَهُودِيًّا وَهُمْ عَلَى دِينِهِ وَأَوْلَى النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ بَلْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَأَنَا عَلَى دِينِهِ فَاتَّبِعُوا دِينَهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَكَ رِبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى رَبًّا، وَقَالَتِ النَّصَارَى: يَا مُحَمَّدُ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَقُولَ فِيكَ مَا قَالَتِ الْيَهُودُ فِي عُزَيْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} (1) وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قِصَّةٍ لَهَا شَرْحٌ كَلِمَةً وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقَصِيدَةُ كَلِمَةً {سَوَاءٍ} عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مُسْتَوِيَةٍ، أَيْ أَمْرٍ مُسْتَوٍ يُقَالُ: دَعَا فَلَانَ إِلَى السَّوَاءِ، أَيْ إِلَى النَّصَفَةِ، وَسَوَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَسَطُهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ " (55 -الصَّافَّاتِ) وَإِنَّمَا قِيلَ لِلنِّصْفِ سَوَاءٌ لِأَنَّ أَعْدَلَ الْأُمُورِ وَأَفْضَلَهَا أَوْسَطُهَا وَسَوَاءٌ نَعْتٌ لِكَلِمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ وَلَا تُؤَنَّثُ، فَإِذَا فَتَحْتَ السِّينَ مَدَدْتَ، وَإِذَا كَسَرْتَ أَوْ ضَمَمْتَ قَصَرْتَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "مَكَانًا سُوًى" (58 -طه) ثُمَّ فَسَّرَ الْكَلِمَةَ فَقَالَ: {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} وَمَحَلُّ أَنْ رَفْعٌ عَلَى إِضْمَارِ هِيَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ:

_ (1) الدر المنثور: 2 / 235.

65

رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ مَعْنَاهُ بِأَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَقِيلَ: مَحَلُّهُ خَفْضٌ بَدَلًا مِنَ الْكَلِمَةِ أَيْ تَعَالَوْا إِلَى أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاوَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ " (31 -التَّوْبَةِ) وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ سُجُودُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَيْ لَا تَسْجُدُوا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا نُطِيعُ أَحَدًا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا} فَقُولُوا أَنْتُمْ لَهُمُ اشْهَدُوا {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} مُخْلِصُونَ بِالتَّوْحِيدِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاهَدَ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكَفَّارَ قُرَيْشٍ فَأَتَوْهُ وَهُوَ بِإِيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، وَدَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، أَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ إِثْمُ الْأَرِيسِيِّينَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (1) . {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ} تَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِكُمْ، وَإِنَّمَا دِينُكُمُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ، وَقَدْ حَدَثَتِ الْيَهُودِيَّةُ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ وَالنَّصْرَانِيَّةُ بَعْدَ نُزُولِ الْإِنْجِيلِ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ مِنْ بَعْدِ إِبْرَاهِيمَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى أَلْفَا سَنَةٍ {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} بُطْلَانَ قَوْلِكُمْ؟ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَا أَنْتُمْ} بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ حَيْثُ كَانَ مَدَنِيٌّ، وَأَبُو عَمْرٍو وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْلِهِ

_ (1) أخرجه البخاري: في التفسير تفسير سورة آل عمران باب: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. . . 8 / 214.

67

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَصْلُهُ: أَأَنْتُمْ وَهَا تَنْبِيهٌ وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَصْلُهُ أَأَنْتُمْ فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ الْأُولَى هَاءً كَقَوْلِهِمْ هَرَقْتَ الْمَاءَ وَأَرَقْتَ {هَؤُلَاءِ} أَصْلُهُ أُولَاءِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَاءُ التَّنْبِيهِ وَهِيَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ، يَعْنِي يَا هَؤُلَاءِ أَنْتُمْ {حَاجَجْتُمْ} جَادَلْتُمْ {فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} يَعْنِي فِي أَمْرِ مُوسَى وَعِيسَى وَادَّعَيْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى دِينِهِمَا وَقَدْ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ عَلَيْكُمْ {فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَقِيلَ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عَلْمٌ يَعْنِي فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا نَعْتَهُ فِي كِتَابِهِمْ، فَجَادَلُوا فِيهِ بِالْبَاطِلِ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَلَيْسَ فِي كِتَابِكُمْ، وَلَا عِلْمَ لَكُمْ بِهِ؟ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ثُمَّ بَرَّأَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ مِمَّا قَالُوا: فَقَالَ: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُ الْمُؤْمِنِينَ (68) } {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَالْحَنِيفُ: الْمَائِلُ عَنِ الْأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقِيلَ: الْحَنِيفُ: الَّذِي يُوَحِّدُ وَيَحُجُّ وَيُضَحِّي وَيُخْتَنُ وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ. وَهُوَ أَسْهَلُ الْأَدْيَانِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} أَيْ: مَنِ اتَّبَعَهُ فِي زَمَانِهِ، {وَهَذَا النَّبِيُّ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَالَّذِينَ آمَنُوا} مَعَهُ، يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ، حَدِيثَ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ، لَمَّا هَاجَرَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَاسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدَّارُ وَهَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة 60/ب وَكَانَ مِنْ أَمْرِ بَدْرٍ مَا كَانَ فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَقَالُوا: إِنَّ لَنَا فِي الَّذِينَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَأْرًا مِمَّنْ قُتِلَ مِنْكُمْ بِبَدْرٍ، فَاجْمَعُوا مَالًا وَأَهْدُوهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ لَعَلَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْكُمْ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِكُمْ وَلْيُنْتَدَبْ لِذَلِكَ رَجُلَانِ مِنْ ذَوِي رَأْيِكُمْ فَبَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ مَعَ الْهَدَايَا الْأُدُمَ وَغَيْرِهِ، فَرَكِبَا الْبَحْرَ وَأَتَيَا الْحَبَشَةَ فَلَمَّا دَخَلَا عَلَى النَّجَاشِيِّ سَجَدَا لَهُ وَسَلَّمَا عَلَيْهِ وَقَالَا لَهُ: إِنَّ قَوْمَنَا لَكَ نَاصِحُونَ شَاكِرُونَ وَلِصَلَاحِكَ مُحِبُّونَ وَإِنَّهُمْ بَعَثُونَا إِلَيْكَ لِنُحَذِّرَكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْكَ، لِأَنَّهُمْ قَوْمُ رَجُلٍ كَذَّابٍ خَرَجَ فِينَا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ مِنَّا إِلَّا السُّفَهَاءُ، وَإِنَّا كُنَّا قَدْ ضَيَّقْنَا عَلَيْهِمُ الْأَمْرَ وَأَلْجَأْنَاهُمْ إِلَى شِعْبٍ بِأَرْضِنَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَدْ قَتَلَهُمُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ بَعَثَ إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّهِ لِيُفْسِدَ عَلَيْكَ دِينَكَ وَمُلْكَكَ وَرَعِيَّتَكَ فَاحْذَرْهُمْ وَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا لِنَكْفِيَكَهُمْ، وَقَالَا وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْكَ لَا يَسْجُدُونَ لَكَ وَلَا يُحَيُّونَكَ بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّيكَ بِهَا النَّاسُ رَغْبَةً عَنْ دِينِكَ وَسُنَّتِكَ، قَالَ: فَدَعَاهُمُ النَّجَاشِيُّ فَلَمَّا حَضَرُوا، صَاحَ جَعْفَرٌ بِالْبَابِ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مُرُوا هَذَا الصَّائِحَ فَلْيُعِدْ كَلَامَهُ، فَفَعَلَ جَعْفَرٌ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: نَعَمْ فَلْيَدْخُلُوا بِأَمَانِ اللَّهِ وَذِمَّتِهِ، فَنَظَرَ عَمْرُو بْنُ

69

الْعَاصِ إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُ كَيْفَ يَرْطُنُونَ بِحِزْبِ اللَّهِ وَمَا أَجَابَهُمْ بِهِ النَّجَاشِيُّ، فَسَاءَهُمَا ذَلِكَ ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْجُدُوا لَهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَلَّا تَرَى أَنَّهُمْ يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ يَسْجُدُوا لَكَ، فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَسْجُدُوا لِي وَتُحَيُّونِي بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي يُحَيِّينِي بِهَا مَنْ أَتَانِي مِنَ الْآفَاقِ؟ قَالُوا: نَسْجُدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَمُلْكَكَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ التَّحِيَّةُ لَنَا وَنَحْنُ نَعْبُدُ الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِينَا نَبِيًّا صَادِقًا فَأَمَرَنَا بِالتَّحِيَّةِ الَّتِي رَضِيَهَا اللَّهُ وَهِيَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَعَرَفَ النَّجَاشِيُّ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ وَأَنَّهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَالَ: أَيُّكُمُ الْهَاتِفُ: يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ حِزْبُ اللَّهِ؟ قَالَ جَعْفَرٌ: أَنَا، قَالَ: فَتَكَلَّمْ، قَالَ: إِنَّكَ مَلِكٌ مَنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا يَصْلُحُ عِنْدَكَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَلَا الظُّلْمُ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُجِيبَ عَنْ أَصْحَابِي فَمُرْ هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَلْيَتَكَلَّمْ أَحَدُهُمَا وَلْيُنْصِتِ الْآخَرُ فَتَسْمَعُ مُحَاوَرَتَنَا. فَقَالَ عَمْرٌو لِجَعْفَرٍ: تَكَلَّمْ، فَقَالَ جَعْفَرٌ لِلنَّجَاشِيِّ: سَلْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَعَبِيدٌ نَحْنُ أَمْ أَحْرَارٌ؟ فَإِنْ كُنَّا عَبِيدًا أَبَقْنَا مِنْ أَرْبَابِنَا فَارْدُدْنَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: أَعَبِيدٌ هُمْ أَمْ أَحْرَارٌ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: بَلْ أَحْرَارٌ كِرَامٌ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: نَجَوْا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ. ثُمَّ قَالَ جَعْفَرٌ: سَلْهُمَا هَلْ أَهْرَقْنَا دَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَيُقْتَصُّ مِنَّا؟ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنْ كَانَ قِنْطَارًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا وَلَا قِيرَاطًا، قَالَ النَّجَاشِيُّ: فَمَا تَطْلُبُونَ مِنْهُمْ؟ قَالَ عَمْرٌو: كُنَّا وَهُمْ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ وَأَمْرٍ وَاحِدٍ عَلَى دِينِ آبَائِنَا فَتَرَكُوا ذَلِكَ وَابْتَغَوْا غَيْرَهُ فَبَعَثَنَا إِلَيْكَ قَوْمُهُمْ لِتَدْفَعَهُمْ إِلَيْنَا، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ وَالدِّينُ الَّذِي اتَّبَعْتُمُوهُ اصْدُقْنِي، قَالَ جَعْفَرٌ: أَمَّا الدِّينُ الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ فَتَرَكْنَاهُ فَهُوَ دِينُ الشَّيْطَانِ، كُنَّا نَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَعْبُدُ الْحِجَارَةَ، وَأَمَّا الدِّينُ الَّذِي تَحَوَّلْنَا إِلَيْهِ فَدِينُ اللَّهِ الْإِسْلَامُ جَاءَنَا بِهِ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ وَكِتَابٌ مِثْلَ كِتَابِ عِيسَى بن مَرْيَمَ مُوَافِقًا لَهُ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: يَا جَعْفَرُ تَكَلَّمْتَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ فَعَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ النَّجَاشِيُّ فَضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كُلُّ قِسِّيسٍ وَرَاهِبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ النَّجَاشِيُّ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى هَلْ تَجِدُونَ بَيْنَ عِيسَى وَبَيْنَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ نَبِيًّا مُرْسَلًا فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَدْ بَشَّرَنَا بِهِ عِيسَى وَقَالَ: مَنْ آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِي وَمَنْ كَفَرَ بِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِي، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَاذَا يَقُولُ لَكُمْ هَذَا الرَّجُلُ وَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَمَا يَنْهَاكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْنَا كِتَابَ اللَّهِ وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَأْمُرُ بِحُسْنِ الْجِوَارِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْيَتِيمِ وَيَأْمُرُنَا بِأَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ مِمَّا يَقْرَأُ عَلَيْكُمْ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ فَفَاضَتْ عَيْنَا النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الدَّمْعِ وَقَالُوا: زِدْنَا يَا جَعْفَرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الطَّيِّبِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الْكَهْفِ فَأَرَادَ عَمْرٌو أَنْ يُغْضِبَ النَّجَاشِيَّ فَقَالَ: إِنَّهُمْ يَشْتُمُونَ عِيسَى وَأُمَّهُ، فَقَالَ النَّجَاشِيُّ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ فَلَمَّا أَتَى جَعْفَرٌ عَلَى ذِكْرِ مَرْيَمَ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ رَفَعَ النَّجَاشِيُّ نُفْثَةً مِنْ سِوَاكِهِ قَدْرَ مَا تُقْذَى الْعَيْنُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زَادَ الْمَسِيحُ عَلَى مَا تَقُولُونَ هَذَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي [يَقُولُ] : (1) آمِنُونَ مَنْ سَبَّكُمْ أَوْ آذَاكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَبْشِرُوا وَلَا تَخَافُوا فَلَا دَهْوَرَةَ (2) الْيَوْمَ عَلَى حِزْبِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ عَمْرٌو: يَا نَجَاشِيُّ وَمَنْ حِزْبُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ وَصَاحِبُهُمُ الَّذِي جَاءُوا مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَادَّعَوْا فِي دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ رَدَّ النَّجَاشِيُّ عَلَى عَمْرٍو وَصَاحِبِهِ الْمَالَ الَّذِي حَمَلُوهُ وَقَالَ: إِنَّمَا هَدِيَّتُكُمْ لِي رَشْوَةٌ فَاقْبِضُوهَا فَإِنَّ اللَّهَ مَلَّكَنِي وَلَمْ يَأْخُذْ مِنِّي رِشْوَةً، قَالَ جَعْفَرٌ: فَانْصَرَفْنَا فَكُنَّا فِي خَيْرِ دَارٍ وَأَكْرَمِ جَوَارٍ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُصُومَتِهِمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُ الْمُؤْمِنِينَ} (3) . {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) }

_ (1) ساقط من أ. (2) دهورة: جمعه وقذفه في مهواة. (3) أخرجه ابن إسحاق في السيرة عن أم سلمة: 1 / 211 - 215 ومن طريقه الإمام أحمد في المسند: 1 / 201 - 203 عن أم سلمة. وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 27: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (138 - 141) .

71

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} نَزَلَتْ فِي مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ دَعَاهُمُ الْيَهُودُ إِلَى دِينِهِمْ، فَنَزَلَتْ {وَدَّتْ طَائِفَةٌ} (1) [تمنيت جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] (2) يَعْنِي الْيَهُودَ {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} عَنْ دِينِكُمْ وَيَرُدُّونَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ وَبَيَانَ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أَنَّ نَعْتَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَذْكُورٌ. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} تَخْلِطُونَ الْإِسْلَامَ بِالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقِيلَ: لِمَ تَخْلِطُونَ الْإِيمَانَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ الْحَقُّ بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْبَاطِلُ؟ وَقِيلَ: التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى بِالْبَاطِلِ الَّذِي حَرَّفْتُمُوهُ وَكَتَبْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ {وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينَهُ حَقٌّ. قَوْلُهُ تَعَالَى {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا} الْآيَةَ. قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: تَوَاطَأَ اثْنَا عَشَرَ حَبْرًا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ وَقُرَى عيينة وقال 61/ب بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا فِي دِينِ مُحَمَّدٍ أَوَّلَ النَّهَارِ بِاللِّسَانِ دُونَ

_ (1) أسباب النزول ص (142) . (2) ساقط من ب.

73

الِاعْتِقَادِ ثُمَّ اكْفُرُوا آخِرَ النَّهَارِ وَقُولُوا: إِنَّا نَظَرْنَا فِي كُتُبِنَا وَشَاوَرْنَا عُلَمَاءَنَا فَوَجَدْنَا مُحَمَّدًا لَيْسَ بِذَلِكَ، وَظَهَرَ لَنَا كَذِبُهُ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أَصْحَابُهُ فِي دِينِهِمْ وَاتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: إِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِهِ فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ (1) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ (2) هَذَا فِي شَأْنِ الْقِبْلَةِ لَمَّا صُرِفَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ لِأَصْحَابِهِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ أَمْرِ الْكَعْبَةِ وَصَلُّوا إِلَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ اكْفُرُوا وَارْجِعُوا إِلَى قِبْلَتِكُمْ آخِرَ النَّهَارِ لَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَهُمْ أَعْلَمُ فَيَرْجِعُونَ إِلَى قِبْلَتِنَا، فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَى سِرِّهِمْ وَأَنْزَلَ {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا} {بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ} أَوَّلَهُ سُمِّيَ وَجْهًا لِأَنَّهُ أَحْسَنُهُ وَأَوَّلُ مَا يُوَاجِهُ النَّاظِرَ فَيَرَاهُ {وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} فَيَشُكُّونَ وَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ. {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) } قَوْلُهُ تَعَالَى {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} هَذَا مُتَّصِلٌ بِالْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ {وَلَا تُؤْمِنُوا} أَيْ لَا تُصَدِّقُوا {إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} وَافَقَ مِلَّتَكُمْ وَاللَّامُ فِي "لِمَنْ" صِلَةٌ، أَيْ لَا تُصَدِّقُوا إِلَّا مَنْ تَبِعَ دِينَكُمُ الْيَهُودِيَّةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ " (72 -النَّحْلِ) أَيْ: رِدْفَكُمْ. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْبَيَانَ بَيَانُهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ كَلَامَيْنِ، وَمَا بَعْدَهُ مُتَّصِلٌ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ، إِخْبَارٌ عَنْ قَوْلِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَمَعْنَاهُ: وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَالْآيَاتِ مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْكَرَامَاتِ. وَلَا تُؤْمِنُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لِأَنَّكُمْ أَصَحُّ دِينًا مِنْهُمْ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ لِسَفَلَتِهِمْ {وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} مِنَ الْعِلْمِ أَيْ: لِئَلَّا يُؤْتَى أَحَدٌ، وَ"لَا" فِيهِ مُضْمَرَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (النِّسَاءِ -176) أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، يَقُولُ: لَا تُصَدِّقُوهُمْ لِئَلَّا يَعْلَمُوا مِثْلَ مَا عَلِمْتُمْ فَيَكُونُ لَكُمُ الْفَضْلُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، وَلِئَلَّا يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَقُولُوا: عَرَفْتُمْ أَنَّ دِينَنَا حَقٌّ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْأَعْمَشُ {إِنْ يُؤْتَى} بِكَسْرِ الْأَلِفِ، فَيَكُونُ قَوْلُ الْيَهُودِ تَامًّا عِنْدَ قَوْلِهِ: {إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ} وَمَا بَعْدَهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى} أَنْ بِمَعْنَى الْجَحْدِ،

_ (1) انظر: الطبري: 6 / 507، أسباب النزول ص (142) . (2) أسباب النزول ص (142 - 143) .

74

أَيْ مَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ} يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يُجَادِلَكُمُ الْيَهُودُ بِالْبَاطِلِ فَيَقُولُوا: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {عِنْدَ رَبِّكُمْ} أَيْ عِنْدَ فَضْلِ رَبِّكُمْ بِكُمْ ذَلِكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى كَمَا يُقَالُ: تَعَلَّقْ بِهِ أَوْ يُعْطِيكَ حَقَّكَ أَيْ حَتَّى يُعْطِيَكَ حَقَّكَ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ وَالْحُجَّةِ حَتَّى يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ {آنْ يُؤْتَى} بِالْمَدِّ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ تَحْسُدُونَهُ وَلَا تُؤْمِنُونَ بِهِ، هَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ وَقَالَا هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ {إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} بِأَنْ أَنْزَلَ كِتَابًا مِثْلَ كِتَابِكُمْ وَبَعَثَ نَبِيًّا حَسَدْتُمُوهُ وَكَفَرْتُمْ بِهِ. {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قَوْلُهُ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ رُجُوعٌ إِلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكُونُ "أَوْ" بِمَعْنَى أَنَّ لِأَنَّهُمَا حَرْفَا شَرْطٍ وَجَزَاءٍ يُوضَعُ أَحَدُهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ أَيْ وَإِنْ يُحَاجُّوكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ وَنَحْنُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ نَظْمُ الْآيَةِ: أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ يا معشر المؤكمنين حَسَدُوكُمْ فَقُلْ {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} وَإِنْ حَاجُّوكُمْ {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنِ الْيَهُودِ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُؤْمِنُوا} كَلَامُ اللَّهِ يُثَبِّتُ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ لِئَلَّا يَشُكُّوا عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ وَتَزْوِيرِهِمْ فِي دِينِهِمْ، يَقُولُ لَا تُصَدِّقُوا يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَنْ تَبِعْ دِينَكُمْ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، وَلَا تُصَدِّقُوا أَنْ يُحَاجُّوكُمْ فِي دِينِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَوْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، وَ {إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} فَتَكُونُ الْآيَةُ كُلُّهَا خِطَابَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ تَلْبِيسِ الْيَهُودِ لِئَلَّا يَرْتَابُوا. {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أَيْ بِنُبُوَّتِهِ {مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ أَخْبَرَ اللَّهُ

76

تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ أَمَانَةً وَخِيَانَةً، وَالْقِنْطَارُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَالدِّينَارُ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الْقَلِيلِ، يَقُولُ: مِنْهُمْ مَنْ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَإِنْ كَثُرَتْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤَدِّيهَا وَإِنْ قَلَّتْ قَالَ مُقَاتِلٌ: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} هُمْ مُؤْمِنُوا أَهْلِ الْكِتَابِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يَعْنِي: كُفَّارَ الْيَهُودِ، كَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، أَوْدَعَهُ رَجُلٌ أَلْفًا وَمِائَتَيْ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ فَأَدَّاهَا إِلَيْهِ، {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} يَعْنِي: فِنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ، اسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ دِينَارًا فَخَانَهُ، قَوْلُهُ {يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو بَكْرٍ وَحَمْزَةُ {يُؤَدِّهْ} {لَا يُؤَدِّهْ} وَ {نُصْلِهْ} وَ {نُؤْتِهْ} وَ {نُوَلِّهْ} سَاكِنَةَ الْهَاءِ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَقَالُونُ وَيَعْقُوبُ بِالِاخْتِلَاسِ كَسْرًا، وَالْبَاقُونَ بِالْإِشْبَاعِ كَسْرًا، فَمَنْ سَكَّنَ الْهَاءَ قَالَ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَزْمِ وَهُوَ الْيَاءُ الذَّاهِبَةُ، وَمَنِ اخْتَلَسَ فَاكْتَفَى بِالْكَسْرَةِ عَنِ الْيَاءِ، وَمَنْ أَشْبَعَ فَعَلَى الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَاءِ الْإِشْبَاعُ، {إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مُلِحًّا يُرِيدُ يَقُومُ عَلَيْهِ يُطَالِبُهُ بِالْإِلْحَاحِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُوَاظِبًا أَيْ تُوَاظِبُ عَلَيْهِ بِالِاقْتِضَاءِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَوْدَعْتَهُ ثُمَّ اسْتَرْجَعْتَهُ وَأَنْتَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ تُفَارِقْهُ رَدَّهُ إِلَيْكَ، فَإِنْ فَارَقْتَهُ وَأَخَّرْتَهُ أَنْكَرَهُ وَلَمْ يُؤَدِّهِ {ذَلِكَ} أَيْ: ذَلِكَ الِاسْتِحْلَالُ وَالْخِيَانَةُ، {بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} أَيْ: فِي مَالِ الْعَرَبِ إِثْمٌ وَحَرَجٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: أَمْوَالُ الْعَرَبِ حَلَالٌ لَنَا، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى دِينِنَا ولا حرمة 61/ألَهُمْ فِي كِتَابِنَا، وَكَانُوا يَسْتَحِلُّونَ ظُلْمَ مَنْ خَالَفَهُمْ فِي دِينِهِمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا كَانَتْ لَنَا فَمَا فِي يَدِ الْعَرَبِ مِنْهَا فَهُوَ لَنَا وَإِنَّمَا ظَلَمُونَا وَغَصَبُونَا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْنَا فِي أَخْذِنَا إِيَّاهُ مِنْهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَمُقَاتِلٌ: بَايَعَ الْيَهُودُ رِجَالًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا تَقَاضُوهُمْ بَقِيَّةَ أَمْوَالِهِمْ فَقَالُوا: لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقٌّ، وَلَا عِنْدَنَا قَضَاءٌ لِأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ دِينَكُمْ، وَانْقَطَعَ الْعَهْدُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) } {بَلَى} أَيْ: لَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ {مَنْ أَوْفَى} أَيْ: وَلَكِنَّ مَنْ أَوْفَى {بِعَهْدِهِ} أَيْ: بِعَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَقِيلَ: الْهَاءُ فِي عَهْدِهِ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمُوفِي {وَاتَّقَى} الْكَفْرَ وَالْخِيَانَةَ وَنَقْضَ الْعَهْدِ، {فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}

77

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا ائْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (1) . {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي رُؤُوسِ الْيَهُودِ، كَتَمُوا مَا عَهِدَ اللَّهَ إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَدَّلُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ غَيْرَهُ وَحَلَفُوا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِئَلَّا يَفُوتَهُمُ الْمَآكِلُ وَالرِّشَا الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِهِمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَدَخَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: "هَاتِ بَيِّنَتَكَ أَوْ يَمِينَهُ " قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" (2) . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ، فَقَالَ

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان باب علامة المنافق: 1 / 89 وفي المظالم باب وإذا خاصم فجر: 5 / 107، ومسلم في الإيمان باب بيان خصال المنافق برقم (106) : 1 / 78. والمصنف في شرح السنة: 1 / 74. (2) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب قول الله: "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا": 11 / 558 و11 / 544 بلفظ "من حلف على يمين كاذبة" وفي التفسير في تفسير سورة البقرة، وفي الإحكام، ومسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (220) : 1 / 112 والمصنف في شرح السنة: 10 / 99.

الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضٌ فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ"؟ قَالَ: لَا قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي عَلَى مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، قَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ" فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ" (1) وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ هُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ عَابِسٍ الْكِنْدِيُّ وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدَانَ. وَرُوِيَ لَمَّا هَمَّ أَنْ يَحْلِفَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَامْتَنَعَ امْرُؤُ الْقَيْسِ أَنْ يَحْلِفَ، وَأَقَرَّ لِخَصْمِهِ بِحَقِّهِ وَدَفْعَهُ إِلَيْهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ" قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مَنْ أَرَاكٍ" قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا هُشَيْمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} أَيْ: يَسْتَبْدِلُونَ {بِعَهْدِ اللَّهِ} وَأَرَادَ الْأَمَانَةَ، {وَأَيْمَانِهِمْ} الْكَاذِبَةِ {ثَمَنًا قَلِيلًا} أَيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا، {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ} لَا نَصِيبَ لَهُمْ {فِي الْآخِرَةِ} وَنَعِيمِهَا، {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} كَلَامًا يَنْفَعُهُمْ وَيَسُرُّهُمْ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْغَضَبِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا إِذَا كَانَ غَضِبَ عَلَيْهِ، {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أَيْ: لَا يَرْحَمُهُمْ وَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُنِيلُهُمْ خَيْرًا، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِالْجَمِيلِ وَلَا يُطَهِّرُهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا سُفْيَانُ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ أَبِي

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (223) : 1 / 123 - 124. (2) أخرجه مسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (218) : 1 / 122 والمصنف في شرح السنة: 10 / 113. (3) أخرجه البخاري في التفسير في تفسير سورة آل عمران باب "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم": 8 / 213.

زُرْعَةَ عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" قَالَ: قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ" (1) فِي رِوَايَةٍ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ". أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أُسَيْدٌ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ أَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ حَلَفَ يَمِينًا عَلَى مَالِ مُسْلِمٍ فَاقْتَطَعَهُ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَنَّهُ أُعْطِيَ بِسِلْعَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَالِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ" (2) .

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية. . . برقم (171) : 1 / 102. (2) أخرجه البخاري في المساقاة باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه: 5 / 43، وفي التوحيد باب قول الله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة": 13 / 423 وفيه: "ورجل منع فضل ماء" بدل ماله. ومسلم في الإيمان باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية. . برقم (108) : 1 / 103 وفيه أيضا: " على فضل ماء" بدل مال. والمصنف في شرح السنة: 6 / 170 10 / 142.

78

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا} يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَفَرِيقًا أَيْ: طَائِفَةً، وَهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَبُو يَاسِرٍ وَشُعْبَةُ بْنُ عُمَرَ الشَّاعِرُ، {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ} أَيْ: يَعْطِفُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّغْيِيرِ وَهُوَ مَا غَيَّرُوا مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُقَالُ: لَوَى لِسَانَهُ عَلَى كَذَا أَيْ: غَيَّرَهُ، {لِتَحْسَبُوهُ} أي: لتظنوأ 62/أمَا حَرَّفُوا {مِنَ الْكِتَابِ} الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى، {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} عَمْدًا، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَأَلْحَقُوا بِكِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} الْآيَةَ قَالَ مُقَاتِلٌ وَالضَّحَّاكُ: مَا كَانَ لِبَشَرٍ يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّ نَصَارَى نَجْرَانَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ عِيسَى أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوهُ رَبًّا فَقَالَ

تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} يَعْنِي: عِيسَى {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} الْإِنْجِيلَ (1) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} يَعْنِي مُحَمَّدًا {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ} أَيِ الْقُرْآنَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا رَافِعٍ الْقُرَظِيَّ مِنَ الْيَهُودِ، وَالرَّئِيسَ (2) مِنْ نَصَارَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَالَا يَا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَكَ وَنَتَّخِذَكَ رَبًّا فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي اللَّهُ، وَلَا بِذَلِكَ أَمَرَنِي (3) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (4) {مَا كَانَ لِبَشَرٍ} أَيْ مَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا " (سُورَةُ، النُّورِ الْآيَةُ: 16) أَيْ مَا يَنْبَغِي لَنَا، وَالْبَشَرُ: جَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، كَالْقَوْمِ وَالْجَيْشِ وَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ، {أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ وَقِيلَ: إِمْضَاءَ الْحُكْمِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَالنُّبُوَّةَ} الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ بِالْأَنْبِيَاءِ، {ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا} أَيْ: وَلَكِنْ يَقُولُ كُونُوا، {رَبَّانِيِّينَ} وَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ: كُونُوا فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ وَقَالَ قَتَادَةُ: حُكَمَاءَ وَعُلَمَاءَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْعَالِمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فُقَهَاءَ مُعَلِّمِينَ. وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: عُلَمَاءَ حُكَمَاءَ نُصَحَاءَ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَجُلًا عَالِمًا يَقُولُ: الرَّبَّانِيُّ الْعَالِمُ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، (5) الْعَالِمُ بِأَنْبَاءِ الْأُمَّةِ (6) مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ فَوْقَ الْأَحْبَارِ، وَالْأَحْبَارُ: الْعُلَمَاءُ، وَالرَّبَّانِيُّونَ: الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ الْعِلْمِ الْبَصَارَةَ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ. قَالَ الْمُؤَرِّجُ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ تَدِينُونَ لِرَبِّكُمْ، مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، كَانَ فِي الْأَصْلِ رَبِّيٌّ فَأُدْخِلَتِ الْأَلِفُ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ أُدْخِلَتِ النُّونُ لِسُكُونِ الْأَلِفِ، كَمَا قِيلَ: صَنْعَانِيٌّ وَبَهْرَانِيٌّ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ، وَيَقُومُونَ بِهِ وَيُرَبُّونَ الْمُتَعَلِّمِينَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ

_ (1) أسباب النزول للواحدي ص (146) . (2) في ب "ليس" وهو خطأ. وفي الواحدي "الرييس". (3) في ب: بعثني. (4) رواه ابن إسحاق في السيرة، وعنه أخرجه الطبري في التفسير: 6 / 539 وانظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص 131. (5) في أ: الآمر والناهي. (6) الأمة: ساقط من: أ.

80

قَبْلَ كِبَارِهَا، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِإِصْلَاحِ شَيْءٍ وَإِتْمَامِهِ فَقَدْ رَبَّهُ يَرُبُّهُ، وَاحِدُهَا: "رَبَّانُ" (كَمَا قَالُوا: رَيَّانُ) (1) وَعَطْشَانُ وَشَبْعَانُ وَعُرْيَانُ ثُمَّ ضُمَّتْ إِلَيْهِ يَاءُ النِّسْبَةِ (2) كَمَا قَالُوا: لِحْيَانِيٌّ وَرَقَبَانِيٌّ. وَحُكِيَ عَنْ عَلَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الَّذِي يَرُبُّ عِلْمَهُ، بِعَمَلِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. {بِمَا كُنْتُمْ} أَيْ: بِمَا أَنْتُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا " (سُورَةُ مَرْيَمَ الْآيَةُ 29) أَيْ: مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ {تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " تُعَلِّمُونَ " بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّعْلِيمِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " تَعْلَمُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ: {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} أي: تقرؤون. {وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) } قَوْلُهُ {وَلَا يَأْمُرَكُمْ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ بِنَصْبِ الرَّاءِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَقُولَ، فَيَكُونُ مَرْدُودًا عَلَى الْبَشَرِ، أَيْ: وَلَا يَأْمُرُ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقِيلَ: عَلَى إِضْمَارِ "أَنْ" أَيْ: وَلَا أَنْ يَأْمُرَكُمْ ذَلِكَ الْبَشَرُ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، مَعْنَاهُ: وَلَا يَأْمُرُكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ: وَلَا يَأْمُرُكُمْ مُحَمَّدٌ، {أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا} كَفِعْلِ قُرَيْشٍ وَالصَّابِئِينَ حَيْثُ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حَيْثُ قَالُوا فِي الْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ مَا قَالُوا، {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} قَالَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لَا يَقُولُ هَذَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} قَرَأَ حَمْزَةُ " لِمَا " بِكَسْرِ اللَّامِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا فَمَنْ كَسَرَ اللَّامَ فَهِيَ لَامُ الْإِضَافَةِ دَخَلَتْ عَلَى مَا، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يُرِيدُ لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ أَيْ: أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لِأَجْلِ الَّذِي آتَاهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعْنِي أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ وَمَنْ فَتَحَ اللَّامَ فَمَعْنَاهُ: لِلَّذِي آتَيْتُكُمْ بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَقِيلَ: بِمَعْنَى الْجَزَاءِ أَيْ: لَئِنْ آتَيْتُكُمْ وَمَهْمَا آتَيْتُكُمْ وَجَوَابُ الْجَزَاءِ قَوْلُهُ {لَتُؤْمِنُنَّ}

_ (1) ساقط من أ. (2) في ب: التشبيه وهو خطأ.

82

قَوْلُهُ: {لَمَا آتَيْتُكُمْ} قَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ " آتَيْنَاكُمْ " عَلَى التَّعْظِيمِ كَمَا قال: " وآتينا داوود زَبُورًا " (النِّسَاءِ -163) " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " (سُورَةُ مَرْيَمَ 12) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِمُوَافَقَةِ الْخَطِّ وَلِقَوْلِهِ: {وَأَنَا مَعَكُمْ} وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْذَ الْمِيثَاقِ عَلَى النَّبِيِّينَ خَاصَّةً أَنْ يُبَلِّغُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَيَنْصُرَهُ إِنْ أَدْرَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ بِنُصْرَتِهِ إِنْ أَدْرَكُوهُ، فَأَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ مُوسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِعِيسَى، وَمِنْ عِيسَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (وَقَالَ الْآخَرُونَ: بِمَا أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (1) فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفُوا: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ أَرْسَلَ مِنْهُمُ النَّبِيِّينَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} وَإِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ دُونَ النَّبِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} فَأَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ أَنْ يَأْخُذُوا الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ إِنْ أَدْرَكُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَأُمَمِهِمْ جَمِيعًا فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّ الْعَهْدَ مَعَ الْمَتْبُوعِ عَهْدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا آدَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَأَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى قَوْمِهِ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَئِنْ بُعِثَ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيَنْصُرُنَّهُ. قَوْلُهُ: {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ حِينَ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْأَنْبِيَاءُ فِيهِمْ كَالْمَصَابِيحِ وَالسُّرُجِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} أَيْ: قَبِلْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ عَهْدِي، وَالْإِصْرُ: الْعَهْدُ الثَّقِيلُ، {قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى: {فَاشْهَدُوا} أَيْ: فَاشْهَدُوا أَنْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى أَتْبَاعِكُمْ، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} عَلَيْكُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاشْهَدُوا، أَيْ: فَاعْلَمُوا، وَقَالَ سَعِيدُ بن المسيب 62/ب قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ فَاشْهَدُوا عَلَيْهِمْ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ. {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) } {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ} الْإِقْرَارِ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الْعَاصُونَ الْخَارِجُونَ عَنِ الْإِيمَانِ.

_ (1) ما بين القوسين ساقط من أ.

83

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) }

84

{قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اخْتَلَفُوا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيءٌ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَغَضِبُوا وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِقَضَائِكَ وَلَا نَأْخُذُ بِدِينِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ} (1) قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ {يَبْغُونَ} بِالْيَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَمَا آتَيْتُكُمْ} ، {وَلَهُ أَسْلَمَ} خَضَعَ وَانْقَادَ، {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} فَالطَّوْعُ: الِانْقِيَادُ وَالِاتِّبَاعُ بِسُهُولَةٍ، وَالْكُرْهُ: مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاءٍ مِنَ النَّفْسِ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ {طَوْعًا وَكَرْهًا} قَالَ الْحَسَنُ: أسلم أهل السموات طَوْعًا وَأَسْلَمَ مَنْ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ كَرْهًا، خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ وَالسَّبْيِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: طَوْعًا الْمُؤْمِنُ، وَكَرْهَا ذَلِكَ الْكَافِرُ، بِدَلِيلِ: " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ من في السموات وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ " (الرَّعْدِ -15) وَقِيلَ: هَذَا يَوْمُ الْمِيثَاقِ حِينَ قَالَ لَهُمْ: " أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " (الْأَعْرَافِ -172) فَقَالَ بَعْضُهُمْ: طَوْعًا وَبَعْضُهُمْ: كَرْهًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُؤْمِنُ أَسْلَمَ طَوْعًا فَنَفَعَهُ، وَالْكَافِرُ أَسْلَمَ كَرْهًا فِي وَقْتِ الْبَأْسِ فَلَمْ يَنْفَعْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا " (غَافِرِ -85) وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: هُوَ اسْتِعَاذَتُهُمْ بِهِ عِنْدَ اضْطِرَارِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " (الْعَنْكَبُوتِ -65) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: طَوْعًا الَّذِي {وُلِدَ} (2) فِي الْإِسْلَامِ، وَكَرْهًا الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يُسْبَى مِنْهُمْ فَيُجَاءُ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} قَرَأَ بِالْيَاءِ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبُ كَمَا قَرَأَ {يَبْغُونَ} بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا إِلَّا أَبَا عَمْرٍو فَإِنَّهُ قَرَأَ {يَبْغُونَ} بِالْيَاءِ وَ {تُرْجَعُونَ} بِالتَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَالثَّانِي عَامٌّ، لِأَنَّ مَرْجِعَ جَمِيعِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}

_ (1) انظر: تفسير القرطبي: 4 / 127، البحر المحيط لأبي حيان: 2 / 514، أسباب النزول للواحدي ص (146) . (2) ساقط من: أ.

ذَكَرَ الْمِلَلَ وَالْأَدْيَانَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهَا، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ} الْآيَةَ. قَوْلُهُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} نَزَلَتْ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ وَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا مَكَّةَ كُفَّارًا، مِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ جَحْدٌ، أَيْ: لَا يَهْدِي اللَّهُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَيْفَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ فِي الْآخِرَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالثَّوَابِ {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} وَذَلِكَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ لَمَّا لَحِقَ بِالْكُفَّارِ نَدِمَ، فَأَرْسَلَ إِلَى قَوْمِهِ: أَنْ سَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1) لَمَّا كَانَ مِنْهُ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنَّكَ -وَاللَّهِ -مَا عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَصْدَقُ مِنْكَ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَأَصْدَقُ الثَّلَاثَةِ، فَرَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: نَزَلَتْ فِي

_ (1) انظر: الطبري: 6 / 573، أسباب النزول ص (147) .

91

الْيَهُودِ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِأَنْبِيَائِهِمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ (1) بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَوْهُ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ فِي كُتُبِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا يَعْنِي: ذُنُوبًا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ أَشْرَكُوا بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُهُمْ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ: أَقَامُوا عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى هَلَكُوا عَلَيْهِ (2) . قَالَ الْحَسَنُ: ازْدَادُوا كُفْرًا كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِهَا، فَازْدَادُوا كُفْرًا وَقِيلَ: ازْدَادُوا كُفْرًا بِقَوْلِهِمْ: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ رَيْبَ الْمَنُونِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَحَدَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، لَمَّا رَجَعَ الْحَارِثُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَقَامُوا هُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَكَّةَ وَقَالُوا: نُقِيمُ عَلَى الْكُفْرِ مَا بَدَا لَنَا فَمَتَى أَرَدْنَا الرَّجْعَةَ يَنْزِلُ فِينَا مَا نَزَلَ فِي الْحَارِثِ، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَنَزَلَ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ كَافِرًا {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ} الْآيَةَ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَعَدَ اللَّهُ قَبُولَ تَوْبَةِ مَنْ تَابَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} قِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ إِذَا (رَجَعُوا فِي حَالِ الْمُعَايَنَةِ) (3) كَمَا قَالَ: " وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ " سُورَةُ النِّسَاءِ الْآيَةُ (18) . وَقِيلَ هَذَا فِي أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ حَيْثُ أَمْسَكُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: نَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ فَإِنْ سَاعَدَهُ الزَّمَانُ نَرْجِعُ إِلَى دِينِهِ، لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُتَرَبِّصُونَ غَيْرُ مُحَقِّقِينَ، وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ} أَيْ: قَدْرُ مَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ مِنْ شَرْقِهَا إِلَى غَرْبِهَا، {ذَهَبًا} نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. {وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} قِيلَ: مَعْنَاهُ لَوِ افْتَدَى بِهِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ مُقْحَمَةٌ، {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}

_ (1) ساقط من: ب وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (148) ، الطبري: 6 / 578 - 579، الدر المنثور: 2 / 258. (2) انظر: الدر المنثور: 2 / 258 - 259، أسباب النزول ص (148) . (3) في ب: إذا وقعوا في الحشرجة.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي" (1) .

_ (1) أخرجه البخاري في الرقاق باب من نوقش الحساب عذب: 11 / 400، وباب صفة الجنة والنار: 11 / 416، وفي الأنبياء باب خلق آدم وذريته. ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا برقم (2805) : 4 / 2160، والمصنف في شرح السنة: 15 / 242.

92

{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ} يَعْنِي: الْجَنَّةَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: التَّقْوَى، وَقِيلَ: الطَّاعَةَ، وَقِيلَ: الْخَيْرَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَنْ تَكُونُوا أَبْرَارًا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال 63/أرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرَّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} أَيْ: مِنْ أَحَبِّ أَمْوَالِكُمْ إِلَيْكُمْ، رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ: هَذِهِ الْآيَةُ نَسَخَتْهَا آيَةُ الزَّكَاةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ إِنْفَاقٍ يَبْتَغِي بِهِ الْمُسْلِمُ وَجْهَ اللَّهِ حَتَّى الثَّمَرَةَ يَنَالُ بِهِ هَذَا الْبِرَّ وَقَالَ عَطَاءٌ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ أَيْ: شَرَفَ الدِّينِ وَالتَّقْوَى حَتَّى تَتَصَدَّقُوا وَأَنْتُمْ أَصِحَّاءُ أَشِحَّاءُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ "كَانَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةً الْمَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ

_ (1) أخرجه البخاري في الأدب باب قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين": 10 / 507، ومسلم في البر والصلة باب قبح الكذب وحسن الصدق برقم (2607) 4 / 2013، والمصنف في شرح السنة: 13 / 152.

93

مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخٍ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ. أَوْ قَالَ: ذَلِكَ مَالُ رَابِحٍ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ" (1) . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ جَلُولَاءَ يَوْمَ فُتِحَتْ فَدَعَا بِهَا فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} فَأَعْتَقَهَا عُمَرُ (2) . وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَرَتْ عَلَى قَلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ الْآيَةُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَمَا كَانَ شَيْءٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانَةٍ، هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: لَوْلَا أَنَّنِي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ لَنَكَحْتُهَا (3) . {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أَيْ: يَعْلَمُهُ وَيُجَازِي بِهِ. {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ؟ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَأْكُلُ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا وَأَنْتَ تَأْكُلُهَا، فَلَسْتَ عَلَى مِلَّتِهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ ذَلِكَ حَلَالًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ" فَقَالُوا: كُلُّ مَا نُحَرِّمُهُ الْيَوْمَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (4) {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} يُرِيدُ: سِوَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَلَالًا قَطُّ.

_ (1) أخرجه البخاري في الزكاة باب الزكاة على الأقارب: 3 / 325، وفي الوكالة باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله: 4 / 493، وفي التفسير تفسير سورة آل عمران باب: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" 8 / 223. وفي الوصايا والأشربة. وأخرجه مسلم في الزكاة باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين. . . برقم (998) : 2 / 693 والمصنف في شرح السنة: 6 / 189 - 190. (2) الدر المنثور: 2 / 260 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. (3) أخرجه الطبري من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد: 6 / 588، وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص 27، الدر المنثور: 2 / 260. (4) انظر: البحر المحيط: 3 / 2، أسباب النزول ص (148) .

{إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} وَهُوَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ} يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا مِنْ حُرْمَةِ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، بَلْ كَانَ الْكُلُّ حَلَالًا لَهُ وَلِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، يَعْنِي: لَيْسَتْ فِي التَّوْرَاةِ حُرْمَتُهَا. وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّعَامِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي سَبَبِهِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: كَانَ ذَلِكَ الطَّعَامُ: لُحْمَانَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا، وَرُوِيَ أَنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطَالَ سُقْمُهُ فَنَذَرَ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانَ الْإِبِلِ وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا فَحَرَّمَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ: هِيَ الْعُرُوقُ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَكَى عِرْقَ النَّسَا وَكَانَ أَصْلُ وَجَعِهِ فِيمَا رَوَى جُوَيْبِرٌ وَمُقَاتِلٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ نَذَرَ إِنْ وَهَبَهُ اللَّهُ اثَّنَى عَشَرَ وَلَدًا وَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ صَحِيحًا أَنْ يَذْبَحَ آخِرَهُمْ فَتَلَقَّاهُ مَلَكٌ [مِنَ الْمَلَائِكَةِ] (1) فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ فَهَلْ لَكَ فِي الصِّرَاعِ، فَعَالَجَهُ فَلَمْ يَصْرَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَغَمَزَهُ الْمَلَكُ غَمْزَةً فَعَرَضَ لَهُ عِرْقُ النَّسَا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أَصْرَعَكَ لَفَعَلْتُ وَلَكِنْ غَمَزْتُكَ هَذِهِ الْغَمْزَةَ لِأَنَّكَ كُنْتَ نَذَرْتَ إِنْ أَتَيْتَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ صَحِيحًا ذَبَحْتَ آخِرَ وَلَدِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَكَ بِهَذِهِ الْغَمْزَةِ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجًا، فَلَمَّا قَدِمَهَا يَعْقُوبُ أَرَادَ ذَبْحَ وَلَدِهِ وَنَسِيَ قَوْلَ الْمَلَكِ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ وَقَالَ: إِنَّمَا غَمَزْتُكَ لِلْمَخْرَجِ وَقَدْ وُفِّيَ نَذْرُكَ فَلَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى وَلَدِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: أَقْبَلَ يَعْقُوبُ مِنْ حَرَّانَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حِينَ هَرَبَ مِنْ أَخِيهِ عِيصُو: وَكَانَ رَجُلًا بَطِيشًا قَوِيًّا فَلَقِيَهُ مَلَكٌ فَظَنَّ يَعْقُوبُ أَنَّهُ لِصٌّ فَعَالَجَهُ أَنْ يَصْرَعَهُ فَغَمَزَ الْمَلَكُ فَخِذَ يَعْقُوبَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ وَيَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَهَاجَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا وَلَقِيَ مِنْ ذَلِكَ بَلَاءً وَشِدَّةً وَكَانَ لَا يَنَامُ بِاللَّيْلِ مِنَ الْوَجَعِ، وَيَبِيتُ وَلَهُ زُقَاءٌ، أَيْ: صِيَاحٌ، فَحَلَفَ يَعْقُوبُ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِرْقًا وَلَا طَعَامًا فِيهِ عِرْقٌ، فَحَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَانَ بَنُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَّبِعُونَ الْعُرُوقَ يُخْرِجُونَهَا مِنَ اللَّحْمِ. وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَصَابَ يعقوب عرق النس وَصَفَ لَهُ الْأَطِبَّاءُ أَنْ يَجْتَنِبَ لُحْمَانَ الْإِبِلِ فَحَرَّمَهَا يَعْقُوبُ عَلَى نَفْسِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لَحْمَ الْجَزُورِ تَعَبُّدًا لِلَّهِ تَعَالَى: فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُجِيزَ لَهُ ذَلِكَ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى وَلَدِهِ (2) .

_ (1) ساقط من: أ. (2) انظر في هذه الأقوال: الدر المنثور: 2 / 263 - 264.

95

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي حَالِ هَذَا الطَّعَامِ الْمُحَرَّمِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَقَالَ عَطِيَّةُ: إِنَّمَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ قَالَ: لَئِنْ عَافَانِي اللَّهُ لَا يَأْكُلُهُ لِي وَلَدٌ، وَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ {عَلَيْهِمْ} (1) فِي التَّوْرَاةِ وَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْرَاةِ بِظُلْمِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ " (سُورَةُ النِّسَاءِ الْآيَةُ 160) وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} إِلَى أَنْ قَالَ: " ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ " (سُورَةُ الْأَنْعَامِ الْآيَةُ (146) وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَعَامًا طَيِّبًا أَوْ صَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا وَهُوَ الْمَوْتُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ وَلَا حَرَّمَهُ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمُ اتِّبَاعًا لِأَبِيهِمْ، ثُمَّ أَضَافُوا تَحْرِيمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا} حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَمَا قُلْتُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فلم يأتوا. 63/ب فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) } {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّ فِي اتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ اتِّبَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا} سَبَبُ [نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ] (2) أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ قِبْلَتُنَا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَعْبَةِ وَأَقْدَمُ، وَهُوَ مُهَاجَرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ بَلِ الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْفَضَائِلِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ.

_ (1) ساقط من: أ. (2) في أ: سبب نزولها.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ ظَهَرَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ عِنْدَ خَلْقِ [السَّمَاءِ] (1) وَالْأَرْضِ، خَلَقَهُ اللَّهُ قَبْلَ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانَتْ زُبْدَةً بَيْضَاءَ عَلَى الْمَاءِ فَدُحِيَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِ، هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ بُنِيَ فِي الْأَرْضِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ تَحْتَ الْعَرْشِ بَيْتًا وَهُوَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُ الْأَرْضِ أَنْ يَبْنُوا فِي الْأَرْضِ بَيْتًا عَلَى مِثَالِهِ وَقَدْرِهِ، فَبَنَوْا وَاسْمُهُ الضِّرَاحُ، وَأَمَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ كَمَا يَطُوفُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَوْهُ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَكَانُوا يَحُجُّونَهُ، فَلَمَّا حَجَّهُ آدَمُ، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: بَرَّ حَجُّكَ يَا آدَمُ حَجَجْنَا هَذَا الْبَيْتَ قَبْلَكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ أَوَّلُ بَيْتٍ بَنَاهُ آدَمُ فِي الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ أَوَّلُ بَيْتٍ مُبَارَكٍ وُضِعَ [فِي الْأَرْضِ] (2) هُدًى لِلنَّاسِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ الضَّحَّاكُ: أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ فِيهِ الْبَرَكَةُ وَقِيلَ: أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يُحَجُّ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: أَوَّلُ بَيْتٍ جُعِلَ قِبْلَةً لِلنَّاسِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ: أَوَّلُ مَسْجِدٍ وَمُتَعَبَّدٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} يَعْنِي الْمَسَاجِدَ (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، أَنَا الْأَعْمَشُ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًا؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ بَعْدُ فَصَلِّ فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيهِ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَلَّذِي بِبَكَّةَ} قَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ مَكَّةُ نَفْسُهَا، وَهُوَ قَوْلُ الضحاك، والعرب تعاقبت بَيْنَ الْبَاءِ وَالْمِيمِ، فَتَقُولُ: سَبَّدَ رَأْسَهُ وَسَمَّدَهُ وَضَرْبَةُ لَازِبٍ وَلَازِمٍ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَمَكَّةُ اسْمُ الْبَلَدِ كُلِّهِ. وَقِيلَ: بَكَّةُ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَطَافِ، سُمِّيَتْ بَكَّةَ: لِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَاكُّونَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ يَبُكُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَيُصَلِّي بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ وَيَمُرُّ بَعْضُهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضٍ.

_ (1) في أ: "السموات". (2) ساقط من أ. (3) انظر الطبري: 7 / 19- 22 وقد رجح هذا القول الأخير. (4) أخرجه البخاري في الأنبياء باب حدثنا موسى بن إسماعيل: 6 / 407، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم (520) : 1 / 370.

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: سُمِّيَتْ بَكَّةَ لِأَنَّهَا تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ، أَيْ تَدُقُّهَا فَلَمْ يَقْصِدْهَا جَبَّارٌ بِسُوءٍ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ. وَأَمَّا مَكَّةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مَائِهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: مَكَّ الْفَصِيلُ ضَرْعَ أُمِّهِ وَامْتَكَّهُ إِذَا امْتَصَّ كُلَّ مَا فِيهِ مِنَ اللَّبَنِ، وَتُدْعَى أُمَّ رَحِمٍ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ بِهَا. {مُبَارَكًا} نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَيْ: ذَا بَرَكَةٍ {وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} لِأَنَّهُ قِبْلَةُ الْمُؤْمِنِينَ {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ {آيَةٌ بَيِّنَةٌ} عَلَى الْوَاحِدَانِ، وَأَرَادَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَحْدَهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} بِالْجَمْعِ فَذَكَرَ مِنْهَا مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ [وَهُوَ الْحَجَرُ] (1) الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ أَثَرُ قَدَمَيْهِ فِيهِ فَانْدَرَسَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسْحِ بِالْأَيْدِي، وَمِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ: الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْحَطِيمُ وَزَمْزَمُ وَالْمَشَاعِرُ كُلُّهَا، وَقِيلَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَمِنَ الْآيَاتِ فِي الْبَيْتِ أَنَّ الطَّيْرَ تَطِيرُ فَلَا تَعْلُو فَوْقَهُ، وَأَنَّ الْجَارِحَةَ إِذَا قَصَدَتْ صَيْدًا فَإِذَا دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ كَفَّتْ عَنْهُ، وَإِنَّهُ بَلَدٌ صَدَرَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَبْرَارُ، وَإِنَّ الطَّاعَةَ وَالصَّدَقَةَ فِيهَا تُضَاعَفُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ، أَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ" (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} أَنْ يُحَاجَّ فِيهِ، وَذَلِكَ بِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ قَالَ: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا، وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُغِيرُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ أَمِنَ مِنَ الْقَتْلِ وَالْغَارَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ " (سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ الْآيَةَ 67) وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آمِنًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " (سُورَةُ الْفَتْحِ الْآيَةَ 27) وَقِيلَ: هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ تَقْدِيرُهُ: وَمَنْ دَخَلَهُ فَأَمِّنُوهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ " (الْبَقَرَةِ -197) أَيْ: لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا فَالْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ فَلَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ [لَا يُطْعَمُ] (3) وَلَا يُبَايَعُ وَلَا يُشَارَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ فَيُقْتَلُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ،

_ (1) ساقط من: أ. (2) أخرجه البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: 3 / 63، ومسلم في الحج - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة برقم (1395) : 2 / 1013، والمصنف في شرح السنة: 2 / 335. (3) ساقط من: أ.

وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْوَاجِبَ بِالشَّرْعِ يُسْتَوْفَى فِيهِ أَمَّا إِذَا ارْتَكَبَ الْجَرِيمَةَ فِي الْحَرَمِ يُسْتَوْفَى فِيهِ عُقُوبَتَهُ بِالِاتِّفَاقِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَنْ دَخَلَهُ مُعَظِّمًا لَهُ مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعَذَابِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} أَيْ: وَلِلَّهِ فَرْضٌ وَاجِبٌ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ {حِجُّ الْبَيْتَ} بِكَسْرِ الْحَاءِ فِي هَذَا الْحَرْفِ خَاصَّةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ. وَالْحَجُّ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وإيتاءِ الزكاة 64/أوَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ (1) . قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: وَلِوُجُوبِ الْحَجِّ خَمْسُ شَرَائِطَ: الْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ، وَلَوْ حَجَّا بِأَنْفُسِهِمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ وَلَا حُكْمَ [لِفِعْلِ] (2) الْمَجْنُونِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى الْعَبْدِ، وَلَوْ حَجَّ صَبِيٌّ يَعْقِلُ، أَوْ عَبْدٌ يَصِحُّ حَجُّهُمَا تَطَوُّعًا لَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمَا فَلَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ عُتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَمَا حَجَّ وَاجْتَمَعَ فِي حَقِّهِ شَرَائِطُ [وُجُوبِ] (3) الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ ثَانِيًا، وَلَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} غَيْرَ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ فَحَجَّ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرَضُ الْإِسْلَامِ. وَالِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا [بِنَفْسِهِ] (4) وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِنَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا بِنَفْسِهِ عَلَى الذِّهَابِ وَوَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَعَدْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم: 1 / 49 ومسلم في الإيمان: باب أركان الإيمان برقم (19) : 1 / 45 والمصنف في شرح السنة: 1 / 17. (2) في أ: قول. (3) ساقط من: أ. (4) في أ: "ببدنه".

ابْنِ عُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ التَّفِلُ" فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ" فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: "زَادٌ وَرَاحِلَةٌ" (1) . وَتَفْصِيلُهُ: أَنْ يَجِدَ رَاحِلَةً تَصْلُحُ لِمِثْلِهِ، وَوَجَدَ الزَّادَ لِلذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ وَكُسْوَتُهُمْ لِذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ، وَعَنْ دَيْنٍ يَكُونُ عَلَيْهِ، وَوَجَدَ رُفْقَةً يَخْرُجُونَ فِي وَقْتٍ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنْ خَرَجُوا قَبْلَهُ أَوْ أَخَّرُوا الْخُرُوجَ إِلَى وَقْتٍ لَا يَصِلُونَ إِلَّا أَنْ يَقْطَعُوا كُلَّ يَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ مَرْحَلَةٍ لَا يَلْزَمُهُمُ الْخُرُوجُ [فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ] (2) وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَوْفٌ مِنْ عَدُوٍّ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ رَصْدِيٍّ يَطْلُبُ شَيْئًا لَا يَلْزَمُهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَنَازِلُ الْمَأْهُولَةُ مَعْمُورَةً يَجِدُ فِيهَا الزَّادَ وَالْمَاءَ، فَإِنْ كَانَ زَمَانُ جُدُوبَةٍ تَفَرَّقَ أَهْلُهَا أَوْ غَارَتْ مِيَاهُهَا فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الرَّاحِلَةَ لَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمَشْيِ، أَوْ لَمْ يَجِدِ الزَّادَ وَلَكِنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ فِي الطَّرِيقِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، وَيُسْتَحَبُّ لَوْ فَعَلَ، وَعِنْدَ مَالِكٍ يَلْزَمُهُ. أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ بِالْغَيْرِ هُوَ: أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ، بِأَنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ بِهِ مَرَضٌ غَيْرُ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ، لَكِنْ لَهُ مَالٌ يُمَكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَكِنْ بَذَلَ لَهُ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الطَّاعَةَ فِي أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ إِذَا كَانَ يَعْتَمِدُ صِدْقَهُ، لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَجِّ [يَتَعَلَّقُ] (3) بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَيُقَالُ فِي الْعُرْفِ: فُلَانٌ مُسْتَطِيعٌ لِبِنَاءِ دَارٍ وَإِنْ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ بِمَالِهِ أَوْ بِأَعْوَانِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِبَذْلِ الطَّاعَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَعْضُوبِ فِي الْمَالِ. وَحُجَّةُ مَنْ أَوْجَبَهُ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ

_ (1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 348، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه. والشافعي في ترتيب المسند: 1 / 284. وأخرجه ابن ماجه في المناسك باب ما يوجب الحج برقم (2896) : 2 / 967 والدارقطني في السنن: 2 / 217 والمصنف في شرح السنة: 7 / 14. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 221: "وطرقه كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا والصحيح من الروايات رواية الحسن مرسلة". (2) ساقط من: أ. (3) في أ: "معلق".

99

اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: جَحَدَ فَرْضَ الْحَجِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ حَيْثُ قَالُوا: الْحَجُّ إِلَى مَكَّةَ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ مَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ كُفْرٌ بِهِ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَلَمَاتِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ لَمْ تَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا" (2) . {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أهل الكتاب لما تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ: لِمَ تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، {مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا}

_ (1) أخرجه البخاري في الحج باب وجوب الحج وفضله: 3 / 378، وفي باب حج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب حج المرأة عن الرجل، ومسلم في الحج باب الحج عن العاجز لزمانة أو هو محرم ونحوه برقم (1334) : 2 / 973. والمصنف في شرح السنة: 7 / 25. (2) روي هذا الحديث بألفاظ متقاربة عن عدد من الصحابة بطرق ضعيفة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال العقيلي والدارقطني: لا يصح فيه شيء. قال ابن حجر: وله طرق أحدها: أخرجه سعيد بن منصور في السنن وأحمد وأبو يعلى والبيهقي من طرق عن شريك عن ليث بن أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة. . . وليث: ضعيف وشريك: سيئ الحفظ وقد خالفه سفيان فأرسله. ورواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط. . . فذكره مرسلا، وذكره ابن أبي شيبة عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك عن ليث مخالفة للإسناد الأول. والثاني: عن علي مرفوعا: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا. . ورواه الترمذي وقال: غريب وفي إسناده مقال، والحارث يضعّف. كتاب الحج باب ما جاء من التغليظ في ترك الحج: 3 / 541. والثالث: عن أبي هريرة مرفوعا، رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القطابي عن أبي المهزم وهما متروكان. وله طرق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب. ثم قال: "وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا. ومحمله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. والله أعلم". تلخيص الحبير: 2 / 222 - 223 الكافي الشاف ص 28. وانظر: نصب الراية للزيلعي: 4 / 410 - 411.

100

تَطْلُبُونَهَا، {عِوَجًا} زَيْغًا وَمَيْلًا يَعْنِي: لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بَاغِينَ لَهَا عِوَجًا؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعِوَجُ -بِالْكَسْرِ -فِي الدِّينِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْعَوَجُ -بِالْفَتْحِ -فِي الْجِدَارِ، وَكُلِّ شَخْصٍ قَائِمٍ، {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبًا] (1) نَعْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ هُوَ الْإِسْلَامُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: إِنَّ شَاسَ بْنَ قَيْسٍ الْيَهُودِيَّ -وَكَانَ شَيْخًا عَظِيمَ الْكُفْرِ شَدِيدَ الطَّعْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ -مَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسِ جَمْعِهِمْ يَتَحَدَّثُونَ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْعَدَاوَةِ، قَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ لَا وَاللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَرَ شَابًّا مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَعَهُ فَقَالَ: اعْمَدْ إِلَيْهِمْ وَاجْلِسْ مَعَهُمْ ثُمَّ ذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ، وَكَانَ بُعَاثٌ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ فِيهِ الْأَوْسُ مَعَ الْخَزْرَجِ وَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَفَعَلَ وَتَكَلَّمَ فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنَ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرَّكْبِ، أَوْسُ بْنُ قِبْطِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ شِئْتُمْ وَاللَّهِ رَدَدْتُهَا الْآنَ جَذَعَةً، وَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا وَقَالَا قَدْ فَعَلْنَا السِّلَاحَ السِّلَاحَ مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، وَهِيَ حَرَّةٌ فَخَرَجُوا إِلَيْهَا، وَانْضَمَّتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ عَلَى دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى جَاءَهُمْ. فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ (2) الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَلَّفَ بَيْنَكُمْ؟ تَرْجِعُونَ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفَّارًا، اللَّهَ اللَّهَ!! فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نزغُة من 64/ب الشَّيْطَانِ وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَبَكَوْا وَعَانَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ هَذِهِ

_ (1) في أ: "أن التوراة فيها مكتوب". (2) في أ: "إصر".

الْآيَةَ (1) . {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} قَالَ جَابِرٌ: فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ يَوْمًا أَقْبَحَ أَوَّلًا وَأَحْسَنَ آخِرًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبَ:

_ (1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص 29: "أخرجه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وأخرجه ابن إسحاق في المغازي، وذكره ابن هشام فلم يذكر إسناد ابن إسحاق، وذكره الثعلبي والواحدي في أسبابه عن زيد ابن أسلم بغير إسناد". وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: 4 / 278 - 279، أسباب النزول للواحدي ص (149 - 150) . الطبري: 7 / 55 - 56 وسيرة ابن هشام: 2 / 556 - 557.

101

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) } {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ} يَعْنِي: وَلِمَ تَكْفُرُونَ؟ {وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ} الْقُرْآنُ، {وَفِيكُمْ رَسُولُهُ} مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَمَانِ بَيِّنَانِ: كِتَابُ اللَّهِ وَنَبِيُّ اللَّهِ أَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ فَقَدْ مَضَى وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَأَبْقَاهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْحَسَنُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْعَدْلُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ عَوْفٍ أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حِبَّانَ [عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ] (1) قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ قَالَ: "قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبُهُ، وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَخُذُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَيْهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ} أَيْ: يَمْتَنِعْ بِاللَّهِ وَيَسْتَمْسِكْ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ، {فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} طريقا وَاضِحٍ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أَيْ: يُؤْمِنْ بِاللَّهِ، وَأَصْلُ الْعِصْمَةِ: الْمَنْعُ، فَكُلُّ مَانِعٍ شَيْئًا فَهُوَ عَاصِمٌ لَهُ.

_ (1) زيادة من: ب. (2) قطعة من حديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب برقم (2408) : 4 / 1873 - 1874، والمصنف في شرح السنة: 14 / 117 - 118.

102

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } قَوْلُهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ عَدَاوَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالٌ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَافْتَخَرَ بَعْدَهُ مِنْهُمْ رَجُلَانِ: ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنْمٍ مِنَ الْأَوْسِ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ الْأَوْسِيُّ: مِنَّا خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَمِنَّا حَنْظَلَةُ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنَّا عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَفْلَحَ حَمِيُّ الدَّبْرِ، وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي اهْتَزَّ [لِمَوْتِهِ] (1) عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَرَضِيَ اللَّهُ بِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ أَحْكَمُوا الْقُرْآنَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ، وَمِنَّا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ وَرَئِيسُهُمْ، فَجَرَى الْحَدِيثُ بَيْنَهُمَا فَغَضِبَا وَأَنْشَدَا الْأَشْعَارَ وَتَفَاخَرَا، فَجَاءَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ وَمَعَهُمُ السِّلَاحُ فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (2) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، قَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ تُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَلَا تَأْخُذُكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَتَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَآبَائِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ. وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَقَّ تُقَاتِهِ حَتَّى يَخْزِنَ لِسَانَهُ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَقْوَى عَلَى هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " (التَّغَابُنِ 16) فَنُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَيْسَ فِي آلِ عِمْرَانَ مِنَ الْمَنْسُوخِ إِلَّا هَذَا. (3) . {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أَيْ: مُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ مُخْلِصُونَ مُفَوِّضُونَ أُمُورَكُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الْفُضَيْلُ: مُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِاللَّهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعَبْدُوسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدُونَ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفٍ، أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ عَلَى الْأَرْضِ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ وَلَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ"؟ (4) .

_ (1) ساقط من: "أ". (2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (151) . (3) انظر الطبري: 7 / 68 - 69 فقد ذكر الرأيين ولم يرجح أحدهما ونقل الشيخ محمود شاكر عن النحاس أنه رجح القول بعدم النسخ فراجعه. (4) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 307، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الزهد باب صفة النار برقم (4325) 2 / 1446، والحاكم في المستدرك: 2 / 294 وصححه على شرط الشيخين وابن حبان في موارد الظمآن للهيثمي ص 649، والإمام أحمد في المسند: 1 / 301، 338، والمصنف في شرح السنة: 15 / 246. وعزاه السيوطي أيضا: لابن المنذر وابن أبي حاتم والطيالسي والطبراني والبيهقي في البعث والنشور. . . انظر: الدر المنثور: 2 / 284. وانظر تفسير ابن كثير: 1 / 389. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة: 3 / 1582.

103

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} الْحَبْلُ: السَّبَبُ الَّذِي [يُتَوَصَّلُ] (1) بِهِ إِلَى الْبُغْيَةِ وَسُمِّيَ الْإِيمَانُ حَبْلًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى زَوَالِ الْخَوْفِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ هَاهُنَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ تَمَسَّكُوا بِدِينِ اللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الْجَمَاعَةُ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: بِعَهْدِ اللَّهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ، وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ، وَعِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ" (2) وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بِحَبْلِ اللَّهِ: أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، {وَلَا تَفَرَّقُوا} كَمَا

_ (1) في أ: "يوصل". (2) أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل القرآن: 8 / 218 - 221 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 10 / 482. وله شاهد من حديث معاذ بن جبل قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفتن فعظمها فقال علي بن أبي طالب يا رسول الله فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه حديث ما قبلكم. . . . رواه الطبراني وفيه عمرو بن واقد وهو متروك انظر: مجمع الزوائد: 7 / 165. وأخرجه الدارمي عن عبد الله بن مسعود في فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن: 2 / 431، والحاكم في المستدرك: 1 / 555 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر، وقال الحافظ الذهبي: صالح ثقة أخرج له مسلم لكن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف. ورواه الطبراني أيضا قال الهيثمي: 7 / 164: وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو متروك، وابن أبي شيبة في المصنف: 10 / 482 - 483 وعبد الرزاق في المصنف: 2 / 375 من طريق ابن عيينة عن إبراهيم الهجري، وأورده في كنز العمال من رواية ابن أبي شيبة وعزاه ابن كثير أيضا لأبي عبيد القاسم بن سلام. تفسير ابن كثير: 4 / 582. وعزاه ابن حجر للبزار أيضا وإسحاق من طريق الحارث قال البزار: "لا نعلمه إلا من طريق علي، ولا نعلمه رواه عنه إلا الحارث. انظر: الكافي الشاف لابن حجر: ص 29. وقال: الحافظ ابن كثير بعد أن ساق رواية الترمذي: لم ينفرد بروايته حمزة الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث فبرئ حمزة من عهدته. . . . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم ساق حديث أبي عبيد عنه. انظر فضائل القرآن الملحق بالتفسير لابن كثير: 4 / 582.

[افْتَرَقَتِ] (1) الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّى اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ: كَانَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ بِسَبَبِ قَتِيلٍ، فَتَطَاوَلَتْ تِلْكَ الْعَدَاوَةُ وَالْحَرْبُ بَيْنَهُمْ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ إِلَى أَنْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ وَأَلَّفَ [بَيْنَهُمْ] (3) بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ سَبَبُ أُلْفَتِهِمْ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ الصَّامِتِ أَخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَانَ شَرِيفًا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ الْكَامِلَ لِجَلَدِهِ وَنَسَبِهِ، قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بُعِثَ وَأُمِرَ بِالدَّعْوَةِ، فَتَصَدَّى لَهُ حِينَ سَمِعَ بِهِ وَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [وَمَا الَّذِي مَعَكَ قَالَ: مَجَلَّةُ لُقْمَانَ يَعْنِي حِكْمَتَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (4) اعْرِضْهَا عَلَيَّ فَعَرَضَهَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، مَعِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيَّ نُورًا وَهُدًى فَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ [يَبْعُدْ] (5) مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا [لَقَوْلٌ] (6) حَسَنٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَتْهُ الْخَزْرَجُ قِبَلَ يَوْمِ بُعَاثٍ فَإِنَّ قَوْمَهُ لَيَقُولُونَ: قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ أَنَسُ بْنُ رافع ومعه 65/أفِئَةٌ مِنْ بَنِي الْأَشْهَلِ فِيهِمْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إِلَى الْعِبَادِ أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ، فَأَخَذَ أَبُو الْحَيْسَرِ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسٍ

_ (1) في أ: "تفرقت". (2) أخرجه مسلم في الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. . . برقم (1715) : 3 / 1340 وأخرج البخاري من حديث المغيرة أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 202 - 203. (3) في أ: "بين قلوبهم". (4) زيادة من "أ". (5) في أ: "يبعده". (6) في أ: "القرآن".

وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا، فَصَمَتَ إِيَاسٌ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الْأَنْصَارِ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، فَلَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا، وَهُمْ سِتَّةُ نَفَرٍ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ الْعَجْلَانِيُّ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِيٍّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنَ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ: قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ حَتَّى أُكَلِّمَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. قَالُوا: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ بِهِ فِي الإسلام أن يهودًا كَانُوا مَعَهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَهُمْ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ وَشِرْكٍ، وَكَانُوا إِذَا كَانَ مِنْهُمْ شَيْءٌ قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا الْآنَ مَبْعُوثٌ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ نَتْبَعُهُ وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ النَّفَرِ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: يَا قَوْمُ تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدُكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ وَصَدَّقُوهُ وَأَسْلَمُوا، وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ بِكَ، وَسَنَقْدُمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزَّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَهُمْ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَؤُلَاءِ خَزْرَجِيُّونَ وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، وَعُوَيْمِرُ بْنُ سَاعِدَةَ مِنَ الْأَوْسِ، فَلَقُوهُ بِالْعَقَبَةِ وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنَّ سُتِرَ عَلَيْكُمْ فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ، قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبَ. قَالَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ الْقَوْمُ بَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، وَكَانَ مُصْعَبٌ يُسَمَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، ثُمَّ إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبٍ فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا، مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظُفَرَ،

فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: انْطَلِقْ إِلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا فَازْجُرْهُمَا، فَإِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ ابْنُ خَالَتِي وَلَوْلَا ذَاكَ لَكَفَيْتُكَهُ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَيِّدَيْ قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلُ إِلَى مُصْعَبٍ وَأَسْعَدَ وَهُمَا جَالِسَانِ فِي الْحَائِطِ، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَالَ لِمُصْعَبٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ إِلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا فِي أَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ: أَنْصَفْتَ ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَقَالَا وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ [ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ] (1) ثُمَّ قَامَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِنِ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا قَالَ: أَحْلِفَ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا فَقَالَا فَافْعَلْ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجُوا إِلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ لِيُحَقِّرُوكَ فَقَامَ سَعْدٌ [مُغْضَبًا] (2) مُبَادِرًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا فَلَمَّا رَآهُمَا مُطْمَئِنِّينَ عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدًا إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، تَغْشَانَا فِي دَارِنَا بِمَا نَكْرَهُ وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ لِمُصْعَبٍ: جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدُ قَوْمِهِ، إِنْ يَتْبَعْكَ لَمْ يُخَالِفْكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَقْعُدُ فَتَسْمَعُ فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ القرآن قالأ 65/ب فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ: قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا تَغْتَسِلُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ ثُمَّ [تُصَلِّي] (3) رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ وَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ فَأَقْبَلَ عَامِدًا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ سَعْدٌ إِلَيْكُمْ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ: فَمَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ، وَرَجَعَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمُصْعَبٌ إِلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ مُسْلِمُونَ وَنِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الشَّاعِرُ، وَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ فَوَقَفَ بِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ. قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعُونَ رَجُلًا مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهِيَ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةُ. قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ -وَكَانَ قَدْ شَهِدَ ذَلِكَ -فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الْحَجِّ وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو جَابِرٍ أَخْبَرْنَاهُ وَكُنَّا نَكْتُمُ عَمَّنْ مَعَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِنَا أَمَرَنَا فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، وَدَعَوْنَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا، فَبِتْنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَسَلَّلُ مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ الْقَطَا، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ سَبْعُونَ رَجُلًا وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ أُمُّ مَنِيعٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلَمَةَ، فَاجْتَمَعْنَا بِالشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ -وَكَانَتِ الْعَرَبُ يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ الْخَزْرَجَ خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا -إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مَنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأَيْنَا وَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ فَمِنَ الْآنَ فَدَعُوهُ فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ. قَالَ: فَقُلْنَا قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ: فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا شِئْتَ. قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَا الْقُرْآنَ وَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ [أَنْفُسَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ] (4) وَأَبْنَاءَكُمْ، قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي

_ (1) زيادة من نشخة "أ". (2) في أ: "مبغضا" وهو خطأ. (3) في أ:: "تركع". (4) ساقطة من: "أ" و"أنفسكم" ساقطة من "ب".

بَعْثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. قَالَ: [فَاعْتَرَضَ] (1) الْقَوْلَ -وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا يَعْنِي الْعُهُودَ، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ فَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: الدَّمُ الدَّمُ وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كُفَلَاءَ عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بن مَرْيَمَ" فَأَخْرَجُوا اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا تِسْعَةً مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةً مِنَ الْأَوْسِ. قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ: إِنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَةٌ وَأَشْرَافَكُمْ قَتْلَى أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنَ الْآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ مِنْ تَهْلُكَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ فَخُذُوهُ فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ" قَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ ثُمَّ تَتَابَعَ (2) الْقَوْمُ، فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ مَا سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ، هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ، ثُمَّ قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارفضوا إِلَى رِحَالِكُمْ. فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ [لَنَمِيلَنَّ] (3) غَدًا عَلَى أَهْلِ مِنًى بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ وَلَكِنِ ارْجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ فَرَجَعْنَا إِلَى مَضَاجِعِنَا فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جِلَّةُ قريش حتى جاؤونا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ جِئْتُمْ صَاحِبَنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا

_ (1) في أ: "فعرض". (2) في أ: (تبايع) . (3) في ب: (لنملين) .

104

وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ [مِنْكُمْ] (1) قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاللَّهِ: مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ وَمَا عَلِمْنَاهُ وَصَدَقُوا، وَلَمْ يَعْلَمُوا، وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَقَامَ الْقَوْمُ وَفِيهِمُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ [الْمَخْزُومِيُّ] (2) وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ جَدِيدَانِ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً كَأَنِّي أريد أن 66/أأُشْرِكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا يَا جَابِرُ أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إِلَيَّ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَنْتَعِلَنَّهُمَا قَالَ يَقُولُ أَبُو جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَهْ وَاللَّهِ أَحْفَظْتَ الْفَتَى فَارْدُدْ إِلَيْهِ نَعْلَيْهِ، قَالَ: لَا أَرُدُّهُمَا فَأْلٌ -وَاللَّهِ -صَالِحٌ وَاللَّهِ لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ [لَأَسْلُبَنَّهُ] (3) . قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَنْصَارُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ شَدَّدُوا الْعَقْدَ، فَلَمَّا قَدِمُوهَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا وَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَآذَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ فِيهَا" فَأَمَرَهُمْ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ. فَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، ثُمَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ثُمَّ تَتَابَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَالًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعَ اللَّهُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَوْسَهَا وَخَزْرَجَهَا بِالْإِسْلَامِ، وَأَصْلَحَ ذَاتَ بَيْنِهِمْ بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (4) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} قَبْلَ الْإِسْلَامِ {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بِالْإِسْلَامِ، {فَأَصْبَحْتُمْ} أَيْ فَصِرْتُمْ، {بِنِعْمَتِهِ} بِرَحْمَتِهِ وَبِدِينِهِ الْإِسْلَامِ، {إِخْوَانًا} فِي الدِّينِ وَالْوِلَايَةِ بَيْنَكُمْ {وَكُنْتُمْ} يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ {عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ} أَيْ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِثْلِ شَفَا الْبِئْرِ مَعْنَاهُ: كُنْتُمْ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ لَيْسَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْوُقُوعِ فِيهَا إِلَّا أَنْ تَمُوتُوا عَلَى كُفْرِكُمْ، {فَأَنْقَذَكُمُ} اللَّهُ {مِنْهَا} بِالْإِيمَانِ، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} أَيْ: كُونُوا أُمَّةً، {مِنْ} صِلَةٌ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ "

_ (1) ساقط من (أ) . (2) ساقط من (أ) . (3) في أ: (لأستغلبنه) . (4) أخرج هذه القصة ابن إسحاق في المغازي 1 / 265 - 266 من سيرة ابن هشام مع الروض الأنف وعنه أخرجها الطبري في التفسير: 7 / 78 - 79.

(الْحَجِّ -30) لَمْ يُرِدِ اجْتِنَابَ بَعْضِ الْأَوْثَانِ بَلْ أَرَادَ فَاجْتَنِبُوا الْأَوْثَانَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ {وَلْتَكُنْ} لَامُ الْأَمْرِ، {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} إِلَى الْإِسْلَامِ، {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، قَالَ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ (1) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَشْهَلِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ" (3) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيُّ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الناس إنكم تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعَذَابِهِ" (4) .

_ (1) في أ: عيسى بن محمد. (2) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (78) : 1 / 69. (3) أخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 6 / 391 وقال: هذا حديث حسن والإمام أحمد في المسند: 5 / 388 والمصنف في شرح السنة: 14 / 345. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار عن أبي هريرة وفيه حبان بن علي وهو متروك وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. مجمع الزوائد: 7 / 266. (4) أخرجه أبو دواد في الملاحم باب الأمر والنهي: 6 / 187، وعزاه المنذري للنسائي، وأخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغيروا المنكر: 6 / 388 - 389 وفي التفسير سورة المائدة 8 / 422 - 423 وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (4005) : 2 / 1327 وأحمد في المسند: 1 / 7 وابن حبان ص (455) من موارد الظمآن والمصنف في شرح السنة: 14 / 344 وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (86 - 88) ص 130 - 131 وقال الحافظ ابن كثير في التفسير: 2 / 110 " وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا ومنهم من رواه عنهم موقوفا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره". وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4 / 88 - 89.

105

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْمُدَاهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فأتوه فقالوا: مالك؟ فَقَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ (1) فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ" (2) . {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُبْتَدِعَةُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُمُ الْحَرُورِيَّةُ بِالشَّامِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَقَفَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى رَأْسِ (3) الْحَرُورِيَّةِ بِالشَّامِ فَقَالَ: هُمْ كِلَابُ النَّارِ، كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "من سرّه أن سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ" (4) .

_ (1) في أ: "ماء". (2) أخرجه البخاري في الشهادات باب القرعة في المشكلات: 5 / 292 بلفظه، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 342 بألفاظ مقاربة. (3) في أ: "رؤوس". (4) قطعة من حديث طويل في خطبة عمر بالجابية، أخرجه الترمذي: في الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة: 6 / 383 - 386 وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة: برقم (86 - 88) : 1 / 42 واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1 / 106 - 107 والحاكم في المستدرك: 1 / 114 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وذكر له شاهدين. والإمام أحمد في المسند 1 / 18 عن عمر رضي الله عنه وصححه الألباني في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم.

106

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) } {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} {يَوْمَ} نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ: فِي يَوْمِ وَانْتِصَابُ الظَّرْفِ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمَفْعُولِ، يُرِيدُ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْكَافِرِينَ وَقِيلَ: تَبْيَضُّ وُجُوهُ الْمُخْلِصِينَ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ الْمُنَافِقِينَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُفِعَ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ، فَيَسْعَى كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: " نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى " (النِّسَاءِ -115) فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ حَزِنُوا فَتَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ مِنَ الْحُزْنِ، وَبَقِيَ أَهْلُ الْقِبْلَةِ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَمْ يَعْرِفُوا شَيْئًا مِمَّا رُفِعَ لَهُمْ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَسْجُدُ لَهُ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا مُطِيعًا مُؤْمِنًا وَيَبْقَى أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ السُّجُودَ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لهم فيرفعون رؤوسهم وَوُجُوهُ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلُ الثَّلْجِ بَيَاضًا وَالْمُنَافِقُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ إِذَا نَظَرُوا إِلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ حَزِنُوا حُزْنًا شَدِيدًا فَاسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا لَنَا مُسْوَدَّةٌ وُجُوهُنَا فَوَاللَّهِ مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ؟ فَيَقُولُ الله للملائكة: " انظروا كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ " (الْأَنْعَامِ -24) . قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: ابْيِضَاضُ الْوُجُوهِ: إِشْرَاقُهَا واستبشَارُها وسُرورها بعلِمها وَبِثَوَابِ اللَّهِ، وَاسْوِدَادُهَا: حُزْنُهَا وَكَآبَتُهَا وَكُسُوفُهَا بِعَمَلِهَا وَبِعَذَابِ اللَّهِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ " (يُونُسَ -26) وَقَالَ تَعَالَى: " وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وترهقُهم ذلة " 66/ب (يُونُسَ -27) وَقَالَ: " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ " (الْقِيَامَةِ 22 -24) وَقَالَ " وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ " (عَبَسَ 37 -40) . {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} مَعْنَاهُ: يُقَالُ لَهُمْ: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؟ {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}

107

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ وَهُمْ (1) لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ؟ حُكِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ: الْإِيمَانَ يَوْمِ الْمِيثَاقِ، حِينَ قَالَ لَهُمْ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَقُولُ: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ تَكَلَّمُوا بِالْإِيمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَأَنْكَرُوا بِقُلُوبِهِمْ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، آمَنُوا بِأَنْبِيَائِهِمْ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ. وَقَالَ قَوْمٌ: هُمْ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا، وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: هُمُ الْخَوَارِجُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ (2) وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مَنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيُقَالُ لِي هَلْ شَعَرْتَ بِمَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ". (3) . وَقَالَ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ أهله فما يؤوب إِلَيْهِمْ حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْجَنَّةَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ مَنْ أَهْلِهِ فَمَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَعْمَلَ عَمَلًا يَسْتَوْجِبُ بِهِ النَّارَ ثُمَّ قَرَأَ {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} الْآيَةَ ثُمَّ نَادَى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ الْإِيمَانِ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا". (4) . {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }

_ (1) زيادة من (ب) . (2) في أ: "من أمتي". (3) أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب ما جاء في قول الله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة": 13 / 3، ومسلم في الفضائل باب إثبات حوض نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفاته برقم (2293) : 4 / 1794 واللفظ له. (4) أخرجه مسلم في الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن برقم (118) : 1 / 110 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 15.

109

{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} هَؤُلَاءِ أَهْلُ الطَّاعَةِ، {فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ} جَنَّةِ اللَّهِ. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}

110

{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} {وَلِلَّهِ ما في السموات وما فِي الْأَرْضِ، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) } {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ وَوَهْبَ بْنَ يَهُودَا (1) الْيَهُودِيَّيْنِ قَالَا لَهُمْ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ وَدِينُنَا خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الَّذِينَ هَاجَرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: هُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً الرُّوَاةُ وَالدُّعَاةُ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِطَاعَتِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَكُونُ لِأَوَّلِنَا وَلَا تَكُونُ لِآخِرِنَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مضرب بن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَقَالَ: إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيُنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ (2) ". وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ

_ (1) في ب: "يهود". (2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 7 / 3، وفي الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور. ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل الصحابة برقم (2535) : 4 / 1964 - 1965. والمصنف في شرح السنة: 14 / 67.

أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (1) . وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُمْ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ {كُنْتُمْ} أَيْ: أَنْتُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا " (الْأَعْرَافِ -86) وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: " وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ " (الْأَنْفَالِ -26) وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَقَالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ {لِلنَّاسِ} "مِنْ" صِلَةُ قَوْلِهِ " خَيْرَ أُمَّةٍ" أَيْ: أَنْتُمْ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ: كُنْتُمْ خَيْرَ النَّاسِ تَجِيئُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فَتُدْخِلُونَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ (2) . قَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْمَرْ نَبِيٌّ قَبْلَهُ بِالْقِتَالِ فَهُمْ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ فَيُدْخِلُونَهُمْ فِي دِينِهِمْ فَهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ لِلنَّاسِ. وَقِيلَ "لِلنَّاسِ" صِلَةُ قَوْلِهِ "أُخْرِجَتْ" مَعْنَاهُ: مَا أَخْرَجَ اللَّهُ لِلنَّاسِ أُمَّةً خَيْرًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حُبَيْشٍ الْمَقْرِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قَالَ: "إِنَّكُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِيرَكِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو الصَّلْتِ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُوَفِّي سَبْعِينَ أُمَّةً هِيَ أَخْيَرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (4) .

_ (1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو كنت متخذا خليلا: 7 / 21. ومسلم في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم برقم (2540) : 4 / 1967 والمصنف في شرح السنة 14 / 69. (2) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا في تفسير آل عمران باب "كنتم خير أمة أخرجت للناس" 8 / 224 وبمعناه مرفوعا في الجهاد باب الأسارى في السلال: 6 / 145. (3) أخرجه الترمذي في التفسير سورة آل عمران: 8 / 352 وقال: هذا حديث حسن وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم نحو هذا ولم يذكروا فيه: كنتم خير أمة أخرجت للناس وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (4288) : 2 / 1433، والدارمي في الرقاق باب في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنتم آخر الأمم: 2 / 313 والحاكم في المستدرك: 4 / 84 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد تابع سعيد بن إياس الجريري بهذا في رواية عن حكيم بن معاوية وأتى بزيادة في المتن. والطبري في التفسير: 2 / 25، 7 / 104 وأحمد في المسند: 4 / 447، 5 / 5. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8 / 325: "وهو حديث حسن صحيح". وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على الطبري: 2 / 25 - 26 و7 / 104. (4) أخرجه ابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (4288) 2 / 1433، وأحمد في المسند: 4 / 447 عن معاوية بن حيدة 5 / 5. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. مجمع الوائد: 10 / 397.

أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا الْفَضْلُ، بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَبُو خَلِيفَةَ الْفَضْلُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ يَحْيَى الْأَبَحُّ أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْلَدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّنِّيسِيُّ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 67/أقَالَ: "إِنَّ الْجَنَّةَ حُرِّمَتْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ حَتَّى أَدْخُلَهَا، وَحُرِّمَتْ عَلَى الْأُمَمِ كُلِّهِمْ حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاتِمٍ التِّرْمِذِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي لِأُمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْزُوقٍ، أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو سِنَانٍ يَعْنِي ضِرَارَ بْنَ مُرَّةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (3) .

_ (1) أخرجه الترمذي في الأدب باب حدثنا قتيبة: 8 / 170 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الدييع وأحمد في المسند: 3 / 130 - 143 عن أنس 4 / 319 عن عمار. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال ص 223. وقال ابن الربيع الشيباني في تمييز الطيب من الخبيث. . ص 168: "وقول النووي في فتاوه إنه ضعيف متعقب". ورواه الطبراني والبزار عن عمار قال الهيثمي في المجمع: 10 / 68: ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سليمان الأغر وهما ثقتان. وانظر: فيض القدير: 5 / 517. (2) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: 1 / 397 "رواه الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. . . ثم قال الدارقطني: انفرد به ابن عقيل عن الزهري ولم يروه عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ. . . ورواه الثعلبي. قلت: وفيه صدقة بن عبد الله ضعيف (تقريب) وعبد الله بن محمد: احتج به محمد بن إسماعيل وإسحاق وقال أبو حاتم وغيره: ليّن الحديث (المغني للذهبي) . (3) أخرجه الترمذي في الجنة باب ما جاء في كم صف أهل الجنة: 7 / 254 وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (429) : 2 / 1434، والدارمي في الرقاق باب في صفوف أهل الجنة: 2 / 337، وأحمد في المسند: 1 / 453 عن ابن مسعود وفي" 5 / 347 عن بريدة. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 82. وعزاه في تحفة الأحوذي: 7 / 254 للبيهقي في البعث والنشور ولابن حبان.

111

قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} أَيِ: الْكَافِرُونَ. {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} قَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ رُؤُوسَ الْيَهُودِ عَمَدُوا إِلَى مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ فَآذَوْهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} يَعْنِي لَا يَضُرُّوكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ إِلَّا أَذًى بِاللِّسَانِ: وَعِيدًا وَطَعْنًا وَقِيلَ: كَلِمَةُ كُفْرٍ تَتَأَذَّوْنَ بِهَا {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} مُنْهَزِمِينَ، {ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} بَلْ يَكُونُ لَكُمُ النَّصْرُ عَلَيْهِمْ. {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} حَيْثُ مَا وُجِدُوا {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ} يَعْنِي: أَيْنَمَا وُجِدُوا اسْتُضْعِفُوا وَقُتِلُوا وَسُبُوا فَلَا يَأْمَنُونَ "إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ": عَهْدٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يَسْلَمُوا، {وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} الْمُؤْمِنِينَ بِبَذْلِ جِزْيَةٍ أَوْ أَمَانٍ يَعْنِي: إِلَّا أَنْ يَعْتَصِمُوا بِحَبْلٍ فَيَأْمَنُوا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} رَجَعُوا بِهِ، {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَمُقَاتِلٌ: لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ قَالَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا شِرَارُنَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ اخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ وَأُخْرَى غَيْرُ قَائِمَةٍ، فَتَرَكَ الْأُخْرَى اكْتِفَاءً بِذِكْرِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَقَالَ الْآخَرُونَ: تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ {لَيْسُوا سَوَاءً}

_ (1) انظر أسباب النزول للواحدي ص (152) .

وَهُوَ وَقْفٌ لِأَنَّهُ قَدْ جَرَى ذِكْرُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [ثُمَّ قَالَ: {لَيْسُوا سَوَاءً} يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ وَالْفَاسِقِينَ] (1) ثُمَّ وَصَفَ الْفَاسِقِينَ فَقَالَ: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} وَقِيلَ: قَوْلُهُ {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} ابْتِدَاءٌ بِكَلَامٍ آخَرَ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ جَرَى، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ هَذَانِ الْفَرِيقَانِ سَوَاءٌ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعْنَاهُ: لَا يَسْتَوِي الْيَهُودُ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَائِمَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ الثَّابِتَةُ عَلَى الْحَقِّ، الْمُسْتَقِيمَةُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيْ مُهْتَدِيَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَمْ يُضَيِّعُوهُ وَلَمْ يَتْرُكُوهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَادِلَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: مُطِيعَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَحُدُودِهِ، وَقِيلَ: قَائِمَةٌ فِي الصَّلَاةِ. وَقِيلَ: الْأُمَّةُ الطَّرِيقَةُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَيْ ذُو أُمَّةٍ أَيْ: ذُو طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ. {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ} يقرؤون كِتَابَ اللَّهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَّبِعُونَ {آنَاءَ اللَّيْلِ} سَاعَاتِهِ، وَاحِدُهَا: إِنًى مِثْلَ نِحًى وَأَنْحَاءَ، وَإِنًى وَآنَاءُ مِثْلَ: مِعًى وَأَمْعَاءٍ وَإِنًى مِثْلَ مِنًا وَأَمْنَاءٍ. {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أَيْ: يُصَلُّونَ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي السُّجُودِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ هِيَ صَلَاةُ الْعَتَمَةِ يُصَلُّونَهَا وَلَا يُصَلِّيهَا مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: "لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ" الْآيَةَ يُرِيدُ: أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ الْعَرَبِ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةً مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى وَصَدَّقُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنَ الْأَنْصَارِ فِيهِمْ عِدَّةٌ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَمَحْمُودُ ابن مَسْلَمَةَ وَأَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ (2) بْنُ أَنَسٍ كَانُوا مُوَحِّدِينَ، يَغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَقُومُونَ بِمَا عَرَفُوا مِنْ شَرَائِعِ الْحَنِيفِيَّةِ حَتَّى جَاءَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَنَصَرُوهُ.

_ (1) زيادة من "ب". (2) في ب: "صدقة".

114

{يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخيرات وأولئك هم الصالحون} {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ بِالْيَاءِ فِيهِمَا إِخْبَارٌ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَائِمَةِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وَأَبُو عَمْرٍو يَرَى الْقِرَاءَتَيْنِ جَمِيعًا وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُعْدَمُوا ثَوَابَهُ بَلْ يُشْكَرُ لَكُمْ وَتُجَازُونَ عَلَيْهِ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} بِالْمُؤْمِنِينَ. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أَيْ: لَا تَدْفَعُ أَمْوَالُهُمْ بِالْفِدْيَةِ وَلَا أَوْلَادُهُمْ بِالنُّصْرَةِ شَيْئًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ تَارَةً بِفِدَاءِ الْمَالِ وَتَارَةً بِالِاسْتِعَانَةِ بِالْأَوْلَادِ. {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وَإِنَّمَا جَعَلَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهَا لِأَنَّهُمْ أَهْلُهَا لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُفَارِقُونَهَا، كَصَاحِبِ الرَّجُلِ لَا يُفَارِقُهُ. {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قِيلَ: أَرَادَ نَفَقَاتِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ بِبَدْرٍ وَأُحُدٍ عَلَى عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَفَقَةُ الْيَهُودِ عَلَى عُلَمَائِهِمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي جَمِيعَ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ [فِي الدُّنْيَا] (1) وَصَدَقَاتِهِمْ وَقِيلَ: أَرَادَ إِنْفَاقَ الْمُرَائِي الَّذِي لَا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [حُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهَا السَّمُومُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَقْتُلُ وَقِيلَ: (2) ] فِيهَا صِرٌّ أَيْ: صَوْتٌ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ} زَرْعَ قَوْمٍ، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ وَمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، {فَأَهْلَكَتْهُ} فَمَعْنَى الْآيَةِ: مَثَلُ نَفَقَاتِ الْكُفَّارِ فِي ذَهَابِهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَمَثَلِ زَرْعٍ أَصَابَتْهُ رِيحٌ بَارِدَةٌ فَأَهْلَكَتْهُ أَوْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ فَلَمْ يَنْتَفِعْ أَصْحَابُهُ مِنْهُ بِشَيْءٍ، {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ} بِذَلِكَ، {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بِالْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ.

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب".

118

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ الْيَهُودَ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصَّدَاقَةِ وَالْحِلْفِ وَالْجِوَارِ وَالرَّضَاعِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يُصَافُونَ الْمُنَافِقِينَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ (1) فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} أَيْ: أَوْلِيَاءَ وَأَصْفِيَاءَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ: خَاصَّتُهُ تَشْبِيهًا بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ الَّتِي تَلِي بَطْنَهُ لِأَنَّهُمْ يَسْتَبْطِنُونَ أَمْرَهُ وَيَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ. ثُمَّ بَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا} 67/ب أَيْ: لَا يُقَصِّرُونَ وَلَا يَتْرُكُونَ جُهْدَهُمْ فِيمَا يُورِثُكُمُ الشَّرَّ وَالْفَسَادَ، وَالْخَبَالُ: الشَّرُّ وَالْفَسَادُ، وَنُصِبَ "خَبَالًا" عَلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي لِأَنَّ يَأْلُو يَتَعَدَّى (2) إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَقِيلَ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ بِالْخَبَالِ كَمَا يُقَالُ أَوْجَعْتُهُ ضَرْبًا، {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أَيْ: يَوَدُّونَ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ مِنَ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَالْهَلَاكِ. وَالْعَنَتُ: الْمَشَقَّةُ {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ} أَيِ: الْبُغْضُ، مَعْنَاهُ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الْعَدَاوَةِ، {مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} بِالشَّتِيمَةِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: بِإِطْلَاعِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَسْرَارِ الْمُؤْمِنِينَ {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ} مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْغَيْظِ، {أَكْبَرُ} أَعْظَمُ، {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} {هَا أَنْتُمْ} هَا تَنْبِيهٌ وَأَنْتُمْ كِنَايَةٌ لِلْمُخَاطَبِينَ مِنَ الذُّكُورِ، {أُولَاءِ} اسْمٌ لِلْمُشَارِ إِلَيْهِمْ يُرِيدُ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، {تُحِبُّونَهُمْ} أَيْ: تُحِبُّونَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي بَيْنَكُمْ مِنَ

_ (1) انظر أسباب النزول للواحدي (153) تفسير الطبري: 7 / 141 سيرة ابن هشام: 2 / 207. (2) في أ: "لأن الألو تتعدى".

120

الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ وَالْمُصَاهَرَةِ، {وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} هُمْ لِمَا بَيْنَكُمْ مِنْ مُخَالَفَةِ الدِّينِ، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ يُحِبُّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ لِمَا أَظْهَرُوا مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ، {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ} يَعْنِي: بِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا} وَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} يَعْنِي: أَطْرَافَ الْأَصَابِعِ وَاحِدَتُهَا أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا، مِنَ الْغَيْظِ لِمَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَعَضُّ الْأَنَامِلِ عِبَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْغَيْظِ وَهَذَا مِنْ مَجَازِ الْأَمْثَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَضٌّ، {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} أَيِ: ابْقَوْا إِلَى الْمَمَاتِ بِغَيْظِكُمْ، {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أَيْ: بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ} أَيْ: تُصِبْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَغَنِيمَةٍ تَنَالُونَهَا مِنْهُمْ، وَتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِي دِينِكُمْ، وَخِصْبٍ فِي مَعَايِشِكُمْ {تَسُؤْهُمْ} تُحْزِنْهُمْ، {وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ} مَسَاءَةٌ بِإِخْفَاقِ سَرِيَّةٍ لَكُمْ أَوْ إِصَابَةِ عَدُوٍّ مِنْكُمْ، أَوِ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَكُمْ أَوْ جَدْبٍ أَوْ نَكْبَةٍ تُصِبْكُمْ {يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا} عَلَى أَذَاهُمْ {وَتَتَّقُوا} وَتَخَافُوا رَبَّكُمْ {لَا يَضُرُّكُمْ} أَيْ: لَا يَنْقُصُكُمْ، {كَيْدُهُمْ شَيْئًا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ {لَا يَضُرُّكُمْ} بِكَسْرِ الضَّادِ خَفِيفَةٍ يُقَالُ: ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَهُوَ جَزْمٌ عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ ضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا مِثْلَ رَدَّ يَرُدُّ رَدًّا وَفِي رَفْعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَرَادَ الْجَزْمَ وَأَصْلُهُ يَضْرُرْكُمْ فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ فِي الرَّاءِ وَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الرَّاءِ الْأُولَى إِلَى الضَّادِ وَضُمَّتِ الثَّانِيَةُ اتِّبَاعًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَا بِمَعْنَى لَيْسَ وَيُضْمَرُ فِيهِ الْفَاءُ تَقْدِيرُهُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} عَالَمٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} قَالَ الْحَسَنُ: هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَوْمُ الْأَحْزَابِ، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ يَوْمُ أُحُدٍ لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ فِي حَرْبِ أُحُدٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ: غَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَنْزِلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَمَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى أُحُدٍ فَجَعَلَ يَصُفُّ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ كَمَا يُقَوَّمُ الْقِدْحُ (1) .

_ (1) انظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 302.

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالسُّدِّيُّ عَنْ رِجَالِهِمَا: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا بِأُحُدٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنُزُولِهِمُ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ وَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَهَا فَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَكْثَرُ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوٍّ قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَجْلِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ. فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الرَّأْيُ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُبِ، لَا يَرَوْنَ أَنَا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي بَقَرًا تُذْبَحُ، فَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثُلَمًا فَأَوَّلْتُهَا هَزِيمَةً وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ" وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ (1) فَيُقَاتِلُوا فِي الْأَزِقَّةِ فَقَالَ رِجَالٌ (2) مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ فَاتَهُمْ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ: اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا. فَلَمْ يَزَالُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُبِّهِمْ لِلِقَاءِ الْقَوْمِ، حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ لَبِسَ السِّلَاحَ نَدِمُوا، وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا، نُشِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَحْيُ يَأْتِيهِ، فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يُقَاتِلَ" (3) . وَكَانَ قَدْ أَقَامَ الْمُشْرِكُونَ بِأُحُدٍ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَالْخَمِيسِ فَرَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، بَعْدَمَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ مِنْ حَرْبِ أُحُدٍ مَا كَانَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} أَيْ: وَاذْكُرْ إِذَا غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ {تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: تُنْزِلُ الْمُؤْمِنِينَ {مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} أَيْ: مَوَاطِنَ، وَمَوَاضِعَ لِلْقِتَالِ، يُقَالُ: بَوَّأْتُ الْقَوْمَ إذا وطنتهم وتبؤوا هُمْ إِذَا تَوَاطَنُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ " (يُونُسَ -93) وَقَالَ " أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا " (يُونُسَ -87) وَقِيلَ تَتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}

_ (1) زيادة من "ب". (2) في ب: "رجل". (3) السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 126 وما بعدها مع الروض الأنف، المسند للإمام أحمد: 3 / 351، المستدرك للحاكم: 2 / 128 - 129 وصححه ووافقه الذهبي.

122

{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) } {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا} أَيْ: تَجْبُنَا وَتَضْعُفَا وَتَتَخَلَّفَا وَالطَّائِفَتَانِ بَنُو سَلَمَةَ

123

مِنَ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو حَارِثَةَ مِنَ الْأَوْسِ، وَدَنَا جَنَاحَيِ الْعَسْكَرِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقِيلَ: فِي تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا فَلَمَّا بَلَغُوا الشَّوْطَ (1) انْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النَّاسِ ورجع في ثلاث مائة وَقَالَ: عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا وَأَوْلَادَنَا؟ فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ فِي نَبِيِّكُمْ وَفِي أَنْفُسِكُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ، وَهَمَّتْ بَنُو سَلَمَةُ وَبَنُو حَارِثَةَ بِالِانْصِرَافِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَنْصَرِفُوا فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ عَظِيمَ نِعْمَتِهِ (2) فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} نَاصِرُهُمَا وَحَافِظُهُمَا. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بن إسماعيل، 68/أأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} بَنُو سَلَمَةُ وَبَنُو حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ وَاللَّهُ يَقُولُ: {وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} (3) . {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ} وَبَدْرٌ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعٍ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَقِيلَ: اسْمٌ لِبِئْرٍ هُنَاكَ، وَقِيلَ: كَانَتْ بَدْرٌ بِئْرًا لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ عَلَيْهِ. يَذْكُرُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، {وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} جَمْعُ: ذَلِيلٍ وَأَرَادَ بِهِ قِلَّةَ الْعَدَدِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، {فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ بَدْرٍ أَمَدَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا قَالَ: " فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ " (الْأَنْفَالِ -9) ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثُمَّ صَارُوا خَمْسَةَ آلَافٍ كَمَا ذُكِرَ هَاهُنَا {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ}

_ (1) اسم موضع بين المدينة وأحد. (معجم البلدان) . (2) انظر: سيرة ابن هشام 2 / 128. (3) أخرجه البخاري في المغازي باب "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. . " 7 / 357.

125

{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} فَصَبَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَاتَّقَوْا فَأَمَدَّهُمُ اللَّهُ بِخَمْسَةِ آلَافٍ كَمَا وَعَدَ قَالَ الْحَسَنُ: وَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ آلَافٍ رِدْءُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: لَمْ تُقَاتِلِ الْمَلَائِكَةُ فِي الْمَعْرَكَةِ إِلَّا يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ الْقِتَالَ وَلَا يُقَاتِلُونَ، إِنَّمَا يَكُونُونَ عَدَدًا وَمَدَدًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْجَلَى الْقَوْمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ يَرْمِي وَفَتًى شَابٌّ يَتَنَبَّلُ لَهُ كُلَّمَا فَنِيَ النَّبْلُ أَتَاهُ بِهِ فَنَثَرَهُ فَقَالَ ارْمِ أَبَا إِسْحَاقَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا انْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ يُعْرَفْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ (1) وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (2) . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: "رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بيض ما رأبتهما قَبْلُ وَلَا بَعْدُ" يَعْنِي: جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ (3) . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: أَنَّ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْمُحَارِبِيَّ يُرِيدُ أَنْ يَمُدَّ الْمُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {مُسَوِّمِينَ} فَبَلَغَ كُرْزًا الْهَزِيمَةُ فَرَجَعَ فَلَمْ يَأْتِهِمْ وَلَمْ يَمُدَّهُمْ فَلَمْ يَمُدَّهُمُ اللَّهُ أَيْضًا بِالْخَمْسَةِ آلَافٍ، وَكَانُوا قَدْ أُمِدُّوا بِأَلْفٍ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ إِنْ صَبَرُوا عَلَى طَاعَتِهِ وَاتَّقَوْا مَحَارِمَهُ: أَنْ يَمُدَّهُمْ أَيْضًا فِي حُرُوبِهِمْ كُلِّهَا فَلَمْ يَصْبِرُوا إِلَّا فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ، فَأَمَدَّهُمُ اللَّهُ حَتَّى حَاصَرُوا قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ، قَالَ

_ (1) في أ: "بدر" وانظر: فتح الباري: 7 / 349. (2) أخرجه البخاري في المغازي باب: "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا" 7 / 358، وفي اللباس باب الثياب البيض، ومسلم في الفضائل باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد برقم (2306) : 4 / 1802، والمصنف في شرح السنة: 13 / 292. (3) أخرجه مسلم في الفضائل باب في قتال جبريل وميكائيل عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. .برقم (2306) : 4 / 1802.

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى: كُنَّا مُحَاصِرِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ (1) مَا شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا فَرَجَعْنَا فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُسْلٍ فَهُوَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ إِذْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: وَضَعْتُمْ أَسْلِحَتَكُمْ وَلَمْ تَضَعِ الْمَلَائِكَةُ أَوْزَارَهَا؟ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِرْقَةٍ فَلَفَّ بِهَا رَأْسَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ، ثُمَّ نَادَى فِينَا فَقُمْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ (2) فَيَوْمَئِذٍ أَمَدَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَفَتَحَ لَنَا فَتْحًا يَسِيرًا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ: كَانَ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ وَعَدَهُمُ اللَّهُ الْمَدَدَ إِنْ صَبَرُوا فَلَمْ يَصْبِرُوا فَلَمْ يُمَدُّوا بِهِ (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ} وَالْإِمْدَادُ: إِعَانَةُ الْجَيْشِ بِالْجَيْشِ، وَقِيلَ: مَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الْقُوَّةِ وَالْإِعَانَةِ يُقَالُ فِيهِ: أُمِدُّهُ إِمْدَادًا وَمَا كَانَ عَلَى جِهَةِ الزِّيَادَةِ يُقَالُ: مَدَّهُ مَدًّا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ " (لُقْمَانَ -27) وَقِيلَ: الْمَدُّ فِي الشَّرِّ وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ " (الْبَقَرَةِ -15) " وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا " (مَرْيَمَ -79) وَقَالَ فِي الْخَيْرِ: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} وَقَالَ: " وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ " (الْإِسْرَاءِ -26) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى التَّكْثِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ " (سُورَةُ الْأَنْعَامِ -111) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ " (الْفَرْقَانِ -21) وَقَوْلُهُ: " وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا " (التَّوْبَةِ -26) . ثُمَّ قَالَ: {بَلَى} نَمُدُّكُمْ (4) {إِنْ تَصْبِرُوا} لِعَدُوِّكُمْ {وَتَتَّقُوا} أَيْ: مُخَالَفَةَ نَبِيِّكُمْ {وَيَأْتُوكُمْ} يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مِنْ وَجْهِهِمْ (5) هَذَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مِنْ غَضَبِهِمْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَجَعُوا لِلْحَرْبِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ غَضَبِهِمْ لِيَوْمِ بَدْرٍ، {يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ} لَمْ يُرِدْ خَمْسَةَ آلَافٍ سِوَى مَا ذَكَرَ (6) مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ بَلْ أَرَادَ مَعَهُمْ وَقَوْلُهُ {مُسَوِّمِينَ} أَيْ: مُعَلِّمِينَ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا فَمَنْ كَسَرَ الْوَاوَ فَأَرَادَ أَنَّهُمْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ وَمَنْ فَتَحَهَا أَرَادَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَالتَّسْوِيمُ: الْإِعْلَامُ مِنَ السَّوْمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ.

_ (1) لم يرد في كتب السيرة أن قريظة والنضير حوصروا في زمن واحد كما توهمه الرواية هنا وانظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 194 وما بعدها مع الروض الأنف، طبقات ابن سعد: 2 / 57 و74. (2) انظر: المصنف لابن أبي شيبة 14 / 424 الاكتفاء في مغازي رسول الله. . .للكلاعي: 2 / 176. (3) في ب "يمددهم". (4) في أ: يمددكم. (5) في أ: "وجوههم". (6) في أ: ذكرنا.

126

وَاخْتَلَفُوا فِي تِلْكَ الْعَلَامَةِ فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ صُفْرٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: كَانَتْ عَلَيْهِمْ عَمَائِمُ بِيضٌ قَدْ أَرْسَلُوهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ، (وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْكَلْبِيُّ: عَمَائِمُ صُفْرٌ مُرَخَّاةٌ عَلَى أَكْتَافِهِمْ) (1) وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: كَانُوا قَدْ أَعْلَمُوا بِالْعِهْنِ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ وَأَذْنَابِهَا، وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: "تَسَوَّمُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ بِالصُّوفِ الْأَبْيَضِ فِي قَلَانِسِهِمْ وَمَغَافِرِهِمْ" (2) . {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) } قَوْلُهُ تَعَالِي (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ) يَعْنِي هَذَا الْوَعْدَ وَالْمَدَدَ، (إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ) أَيْ: بِشَارَةً لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ (وَلِتَطْمَئِنَّ) وَلِتَسْكُنَ (قُلُوبُكُمْ بِهِ) فَلَا تَجْزَعُوا مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّكُمْ وَقِلَّةِ عَدَدِكُمْ (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) يَعْنِي: لَا تُحِيلُوا بِالنَّصْرِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ وَالْجُنْدِ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْتَعِينُوا بِهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْعِزَّ وَالْحُكْمَ لَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} يَقُولُ: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ لِيَقْطَعَ طَرَفًا أَيْ: لِكَيْ يُهْلِكَ طَائِفَةً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ لِيَهْدِمَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الشِّرْكِ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، فَقُتِلَ مِنْ قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعُونَ وَأُسِرَ سَبْعُونَ وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى حَرْبِ أُحُدٍ فَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ سِتَّةَ عَشَرَ وَكَانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى خَالَفُوا أَمْرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْقَلَبَ عَلَيْهِمْ، {أَوْ يَكْبِتَهُمْ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَهْزِمَهُمْ وَقَالَ يَمَانٌ: يَصْرَعُهُمْ لِوُجُوهِهِمْ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَلْعَنُهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُهْلِكُهُمْ، وَقِيلَ: يُحْزِنُهُمْ، وَالْمَكْبُوتُ: الْحَزِينُ وَقِيلَ أَصْلُهُ: يَكْبِدَهُمْ أَيْ: يُصِيبُ الحزن والغيظ 68/ب أَكْبَادَهُمْ، وَالتَّاءُ وَالدَّالُ يَتَعَاقَبَانِ كَمَا يُقَالُ سَبَتَ رَأْسَهُ وَسَبَدَهُ: إِذَا حَلَقَهُ، وَقِيلَ: يَكْبِتُهُمْ بِالْخَيْبَةِ، {فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَرْجُونَ مِنَ الظَّفَرِ بِكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} الْآيَةَ، اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ

_ (1) زيادة من "أ". (2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الجهاد: 12 / 261 من طريق محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال. . . وأخرجه أيضا في المغازي: 14 / 358 من طريق أبي أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق مرسلا، ورواه الطبري في التفسير: 7 / 186. وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد. . فذكره. . ورواه ابن سعد في الطبقات: 2 / 16. وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (31) .

فِي أَهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْقُرَّاءِ، بَعَثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ أَمِيرُهُمُ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَتَلَهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، وَقَنَتَ شَهْرًا فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا يَدْعُو عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ بِاللَّعْنِ وَالسِّنِينَ فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (2) . وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ (3) بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلِتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا [رَأْسَ] (4) نَبِيِّهِمْ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى (5) [اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} (6) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيَانَ اللَّهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ" فَنَزَلَتْ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ (7) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ (8) لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا

_ (1) انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير باب ليس لك من الأمر شيء: 8 / 225 - 226. (2) أخرجه البخاري في المغازي باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم: 7 / 365. (3) في "أ": عبد الغفار. (4) زيادة من "ب". (5) في "أ": يدعوهم إلى الإسلام. (6) أخرجه البخاري في المغازي: باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم: 7 / 365 ومسلم في الجهاد باب غزوة أحد برقم (1791) : 3 / 1417. (7) أخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ:"كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت: ليس لك من الأمر شيء" في المغازي باب ليس لك من الأمر شيء: 7 / 365. وبلفظ المصنف أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 355 - 356 وقال: هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم وكذا رواه الزهري عن سالم عن أبيه. وأحمد في المسند: 2 / 93. (8) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 141.

130

بِأَصْحَابِهِمْ مِنْ جَدْعِ الْآذَانِ وَالْأُنُوفِ وَقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ، قَالُوا: لَئِنْ أَدَالَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ مَا فَعَلُوا، وَلَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ بِأَحَدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقِيلَ: أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْصَالِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) وَذَلِكَ لِعِلْمِهِ فِيهِمْ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسْلِمُونَ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} أَيْ: لَيْسَ إِلَيْكَ، فَاللَّامُ بِمَعْنَى "إِلَى" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ " (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ -193) أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} (قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ حَتَّى يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (2) أَوْ: إِلَى أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ نَسَقٌ عَلَى قَوْلِهِ "لِيَقْطَعَ طَرَفًا" وَقَوْلُهُ: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} اعْتِرَاضٌ بَيْنَ نَظْمِ الْكَلَامِ وَنَظْمِ الْآيَةِ (3) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ، لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الْأَمْرُ أَمْرِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. ثُمَّ قَالَ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} أَرَادَ بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَالِ وَتَأْخِيرِ الطَّلَبِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ثُمَّ خَوَّفَهُمْ فَقَالَ: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) }

_ (1) انظر: الطبري: 7 / 198. (2) زيادة من "ب". (3) في "ب" جاءت العبارة هكذا: اعتراض بين اللام ونظم الآية.

133

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) } {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لِكَيْ تُرْحَمُوا. {وَسَارِعُوا} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ سَارِعُوا بِلَا وَاوٍ، {إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} أَيْ بَادِرُوا وَسَابِقُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ.

134

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِلَى الْإِسْلَامِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: إِلَى التَّوْبَةِ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: إِلَى الْهِجْرَةِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهَا التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى. {وَجَنَّةٍ} أَيْ وَإِلَى جَنَّةٍ {عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} أَيْ: عرضها كعرض السموات وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: " وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ " (سُورَةُ الْحَدِيدِ -21) أَيْ: سَعَتُهَا، وَإِنَّمَا ذُكِرَ الْعَرْضُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ طُولَ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْأَغْلَبِ أَكْثَرُ مِنْ عَرْضِهِ يَقُولُ: هَذِهِ صِفَةُ عَرْضِهَا فَكَيْفَ طُولُهَا؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ عَرْضَهَا فَأَمَّا طُولُهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا عَلَى التَّمْثِيلِ لا أنها كالسموات وَالْأَرْضِ لَا غَيْرَ، معناه: كعرض السموات السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ عِنْدَ ظَنِّكُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " خَالِدِينَ فِيهَا ما دامت السمواتُ وَالْأَرْضُ " (سُورَةُ هُودٍ -107) يَعْنِي: عِنْدَ ظَنِّكُمْ وَإِلَّا فُهُمَا زَائِلَتَانِ، وَرُوِيَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَالُوا: أَرَأَيْتُمْ قَوْلَهُ {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ، وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَمِثْلُهَا فِي التَّوْرَاةِ (1) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ -22) وَأَرَادَ بِالَّذِي وَعَدَنَا: الْجَنَّةَ فَإِذَا كَانَتِ الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ فَكَيْفَ يكون عرضُها السموات وَالْأَرْضَ؟ وَقِيلَ: إِنَّ بَابَ الْجَنَّةِ فِي السماء وعرضها السموات وَالْأَرْضُ كَمَا أَخْبَرَ، وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْجَنَّةِ: أَفِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ فَقَالَ: وَأَيُّ أَرْضٍ وَسَمَاءٍ تَسَعُ الْجَنَّةَ؟ قِيلَ: فَأَيْنَ هِيَ؟ قال: فوق السموات السَّبْعِ تَحْتَ الْعَرْشِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الجنة فوق السموات السَّبْعِ وَأَنَّ جَهَنَّمَ تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} أَيْ: فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ فَأَوَّلُ مَا ذَكَرَ مِنْ أَخْلَاقِهِمُ الْمُوجِبَةِ لِلْجَنَّةِ ذِكْرُ السَّخَاوَةِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 133، وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال يا محمد: أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جعل؟ قال: الله أعلم. قال: فإن الله يفعل ما يشاء". موارد الظمآن ص (428) ورواه الحاكم في المستدرك: 1 / 36 وصححه على شرط الشيخين وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 327: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح". وانظر: تفسير الطبري بتعليق الشيخ شاكر: 7 / 212.

135

أَبُو عَمْرٍو الْفُرَاتِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْعَنْبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ الْبَغَوِيُّ بِمَكَّةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحِ بْنُ أَيُّوبَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ، وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ" (1) . {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} أَيِ: الْجَارِعِينَ الْغَيْظَ عِنْدَ امْتِلَاءِ نُفُوسِهِمْ مِنْهُ، وَالْكَظْمُ: حَبْسُ الشَّيْءِ عند امتلائه 69/أوَكَظْمُ الْغَيْظِ أَنْ يَمْتَلِئَ غَيْظًا فَيَرُدُّهُ فِي جَوْفِهِ وَلَا يُظْهِرُهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ " (سُورَةُ غَافِرٍ -18) أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْفُرَاتِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بن محمد الإسفرايني، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ زَكَرِيَّا الْعَلَّانِيُّ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ". (2) . {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنِ الْمَمْلُوكِينَ سُوءَ الْأَدَبِ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلٌ: عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَأَسَاءَ إِلَيْهِمْ. {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (3) . {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الْآيَةَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: يَا

_ (1) أخرجه الترمذي في البر والصلة باب ما جاء في السخاء: 6 / 95 - 96 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن محمد الوراق وهو ضعيف. المجمع: 3 / 127. وانظر: فيض القدير للمناوي: 4 / 139. (2) أخرجه أبو دواد في الأدب باب فيمن كظم غيظا: 7 / 164 قال: المنذري وسهل بن معاذ بن أنس الجهني: ضعيف والذي روى عنه هذا الحديث: أبو مرحوم عبد الرحيم بم ميمون الليثي مولاهم المصري ولا يحتج بحديثه. وأخرجه الترمذي في البر والصلة باب في كظم الغيظ: 6 / 166 وقال: هذا حديث حسن غريب وأخرجه في القيامة أيضا. وأخرجه ابن ماجه في الزهد باب الحلم برقم (4186) : 2 / 1400، وأحمد في المسند: 3 / 438. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 317: لعبد بن حميد والبيهقي في الشعب. (3) في المطبوع هذه الزيادة: "عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن تجارة". وليست في النسختين المخطوطتين.

رَسُولَ اللَّهِ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا، كَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا أَذْنَبَ أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ اجْدَعْ أَنْفَكَ وَأُذُنَكَ، افْعَلْ كَذَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي نَبْهَانَ التَّمَّارِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو مَعْبَدٍ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ تَبْتَاعُ مِنْهُ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا إِنَّ هَذَا التَّمْرَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَفِي الْبَيْتِ أَجْوَدُ مِنْهُ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى بَيْتِهِ فَضَمَّهَا إِلَى نَفْسِهِ وَقَبَّلَهَا فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فَتَرَكَهَا وَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (2) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْآخَرُ مِنْ ثَقِيفٍ فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ فِي غَزَاةٍ وَاسْتَخْلَفَ الْأَنْصَارِيَّ عَلَى أَهْلِهِ فَاشْتَرَى لَهُمُ اللَّحْمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهَا وَقَبَّلَ يَدَهَا، ثُمَّ نَدِمَ وَانْصَرَفَ وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ الثَّقَفِيُّ لَمْ يَسْتَقْبِلْهُ الْأَنْصَارِيُّ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَتْ: لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي الْإِخْوَانِ مِثْلَهُ وَوَصَفَتْ لَهُ الْحَالَ، وَالْأَنْصَارِيُّ يَسِيحُ فِي الْجِبَالِ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا، فَطَلَبَهُ الثَّقَفِيُّ حَتَّى وَجَدَهُ فَأَتَى بِهِ أَبَا بَكْرٍ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ عِنْدَهُ رَاحَةً وَفَرَجًا. فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: هَلَكْتُ: وَذَكَرَ لَهُ الْقِصَّةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْحَكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يغار للغازي مالا يَغَارُ لِلْمُقِيمِ، ثُمَّ أَتَيَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} (3) يَعْنِي: قَبِيحَةً خَارِجَةً عَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِيهِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ الْقُبْحُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ قَالَ جَابِرٌ: الْفَاحِشَةُ الزِّنَا. {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} مَا دُونَ الزِّنَا مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: الْفَاحِشَةُ مَا دُونَ الزِّنَا مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ لَمْسَةٍ أَوْ نَظْرَةٍ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْمَعْصِيَةِ. وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةَ الْكَبَائِرِ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِالصَّغَائِرِ. وَقِيلَ: فَعَلُوا فَاحِشَةً فِعْلًا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَوْلًا.

_ (1) أخرجه الطبري: 7 / 219، والواحدي في أسباب النزول ص (119) بسنده عن عطاء وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 326؛ لابن المنذر عن ابن عباس. (2) أسباب النزول للواحدي ص (118) وذكر القصة الحافظ ابن حجر في الإصابة: 6 / 418 - 419 في ترجمة نبهان التمار. قال: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس. . . ثم قال: وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مطولا. ومقاتل: متروك والضحاك: لم يسمع من ابن عباس. وعبد الغني وموسى: هالكان. وأورد هذه القصة: الثعلبي والمهدوي ومكي والماوردي في تفاسيرهم بغير سند. (3) أسباب النزول للواحدي ص (118) بدون إسناد والكلبي ضعيف.

136

{ذَكَرُوا اللَّهَ} أَيْ: ذَكَرُوا وَعِيدَ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: ذَكَرُوا اللَّهَ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الذُّنُوبِ. {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} أَيْ: وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ. {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا} أَيْ: لَمْ يُقِيمُوا وَلَمْ يَثْبُتُوا عَلَيْهِ وَلَكِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، وَأَصْلُ الْإِصْرَارِ: الثَّبَاتُ عَلَى الشَّيْءِ وَقَالَ الْحَسَنُ: إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا عَمْدًا إِصْرَارٌ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْإِصْرَارُ: السُّكُوتُ وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ الْعُمَرِيِّ، عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، قَالَ: لَقِيتُ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً" (1) . {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِصْرَارَ ضَارٌّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ وَإِنْ كَثُرَتْ وَقِيلَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِنِ اسْتَغْفَرُوا غُفِرَ لَهُمْ. {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) } {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}

_ (1) أخرجه أبو داود في الوتر في الاستغفار: 2 / 150 والترمذي في الدعوات باب أحاديث شتى في الدعوات: 10 / 4 وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي، وأخرجه المروزي في مسند أبي بكر، الصديق برقم (121 - 122) ص 155 - 156. والحديث فيه أيضا مجهول وهو مولى أبي بكر وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 225 - 226. وأخرجه أبو يعلى والبزار وقال: البزار: لا نحفظه إلا من حديث أبي بكر بهذا الطريق وأبو نصيرة وشيخه لا يعرفان قال ابن حجر: له شاهد أخرجه الطبراني في الدعاء من حديث ابن عباس انظر: الكافي الشاف ص 32. وذكره ابن كثير في التفسير: 1 / 409 وقال: "رواه أبو دواد والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد - وقد وثقه يحيى ابن معين به - وشيخه أبو بكر المقاسطي واسمه سالم بن عبيد: وثقه الإمام أحمد وابن حبان. وقول على بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك. فالظاهر: أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر. ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير. ويكفيه نسبته إلى أبي بكر.

ثَوَابُ الْمُطِيعِينَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ، أَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا يَنْفَعُنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ" وَرَوَاهُ أَبُو عِيسَى عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ وَزَادَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الْآيَةَ (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: كَانَ قَاضٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي قَالَ: فَقَالَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، فَغَفَرَ لَهُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَصَابَ ذَنْبًا آخَرَ فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي فَقَالَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا النُّعْمَانُ السَّدُوسِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَب عن معدي كرب عَنْ أبي ذر 69/ب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: "قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ

_ (1) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ما جاء في الصلاة عند التوبة: 2 / 442 - 444 وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأخرجه أيضا في التفسير، وابن حبان في التوبة ص (608) من موارد الظمآن والإمام أحمد في المسند عن أبي بكر: 1 / 10، وأبو داود الطيالسي في المسند: (ص2) ، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (9 10) ص 42 - 43 وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 220. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 151 - 152 وقال: هذا حديث حسن لا يعرف إلا من حديث عثمان بن المغيرة ويروي عنه شعبة ومسعر وغير واحد. وعزاه السيوطي للنسائي وعبد حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب. وانظر: الدر المنثور: 2 / 327. قال ابن حجر في التهذيب: 1 / 235: "وهذا الحديث جيد الإسناد". وقال ابن كثير في التفسير: 1 / 408 بعد أن ساق رواية الإمام أحمد: " وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنة وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة به. وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبالجملة: فهو حديث حسن" ثم ذكر شواهد لصحته في الصحيحين. وانظر أيضا 1 / 554 من ابن كثير. (2) أخرجه البخاري في التوحيد باب قول الله تعالى "يريدون أن يبدلوا كلام الله": 13 / 466 ومسلم في التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت برقم (2758) : 4 / 2112 والمصنف في شرح السنة: 5 / 72.

137

بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى تَبْلُغَ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرُ لَكَ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَسَنِيُّ الشَّرَفِيُّ، أَنَا أَبُو الْأَزْهَرِ، أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا" (2) قَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ بَكَى حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} إِلَى آخِرِهَا. {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} قَالَ عَطَاءٌ: شَرَائِعُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَضَتْ لِكُلِّ أُمَّةٍ سُنَّةٌ وَمِنْهَاجٌ إِذَا اتَّبَعُوهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بِالْهَلَاكِ فِيمَنْ كَذَّبَ قَبْلَكُمْ، وَقِيلَ: سُنَنٌ أَيْ: أُمَمٌ وَالسُّنَّةُ: الْأُمَّةُ قَالَ الشَّاعِرُ: مَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُ ... وَلَا رَأَوْا مِثْلَكُمْ فِي سَالِفِ السُّنَنِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَهْلُ السُّنَنِ، وَالسُّنَّةُ هِيَ: الطَّرِيقَةُ الْمُتَّبَعَةُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، يُقَالُ: سَنَّ فُلَانٌ سُنَّةً حَسَنَةً وَسُنَّةً سَيِّئَةً إِذَا عَمِلَ عَمَلًا اقْتُدِيَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: قَدْ مَضَتْ وَسَلَفَتْ مِنِّي سُنَنٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْكَافِرَةِ، بِإِمْهَالِي وَاسْتِدْرَاجِي إِيَّاهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ فِيهِمْ أَجَلِي الَّذِي أَجَّلْتُهُ لِإِهْلَاكِهِمْ، وَإِدَالَةِ أَنْبِيَائِي عَلَيْهِمْ. {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أَيْ: آخِرُ أَمْرِ الْمُكَذِّبِينَ، وَهَذَا فِي حَرْبِ أُحُدٍ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَنَا أُمْهِلُهُمْ وَأَسْتَدْرِجُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَجَلِي الَّذِي أَجَّلْتُ فِي نُصْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلِيَائِهِ وَإِهْلَاكِ أَعْدَائِهِ. {هَذَا} أَيْ: هَذَا الْقُرْآنُ، {بَيَانٌ لِلنَّاسِ} عَامَّةً، {وَهُدًى} مِنَ الضَّلَالَةِ، {وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ}

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 154، والدارمي في الرقاق باب إذا تقرب العبد إلى الله: 2 / 322. وله شاهد عند الترمذي في الدعوات باب غفران الذنوب مهما عظمت: 9 / 524 - 525. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 75. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 262. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: العدني واه. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 388. قال ابن حجر في التقريب: 1 / 34 "وإبراهيم بن الحكم العدني: ضعيف وصل مراسيل".

139

خَاصَّةً. {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} هَذَا حَثٌّ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِهَادِ، زِيَادَةً عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ يَوْمَ أُحُدٍ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا تَهِنُوا أَيْ: لَا تَضْعُفُوا وَلَا تَجْبُنُوا عَنْ جِهَادِ أَعْدَائِكُمْ بِمَا نَالَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسَةٌ مِنْهُمْ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سَبْعُونَ رَجُلًا. {وَلَا تَحْزَنُوا} فَإِنَّكُمْ {أَنْتُم الْأَعْلَوْنَ} أَيْ تَكُونُ لَكُمُ الْعَاقِبَةُ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفَرِ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} يَعْنِي: إِذْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أَيْ: لِأَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ لَا يُعْلُونَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِكَ وَثَابَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُمَاةٌ فَصَعِدُوا الْجَبَلَ وَرَمَوْا خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى هَزَمُوهُمْ (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِطَلَبِ الْقَوْمِ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ " (النِّسَاءِ -104) . {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ " قُرْحٌ " بِضَمِّ الْقَافِ حَيْثُ جَاءَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ وَهُمَا لُغَتَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ كَالْجُهْدِ وَالْجَهْدِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْقَرْحُ بِالْفَتْحِ: الْجِرَاحَةُ وَبِالضَّمِّ: أَلَمُ الْجِرَاحَةِ هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ انْصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ مَعَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ} يَوْمَ أُحُدٍ، {فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} يَوْمَ بَدْرٍ، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} فَيَوْمٌ لَهُمْ وَيَوْمٌ عَلَيْهِمْ أُدِيلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ وَأُدِيلَ الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى جَرَحُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَقَتَلُوا خَمْسًا وَسَبْعِينِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، أَنَا زُهَيْرٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 236 وفي التاريخ: 2 / 521 522. وانظر سيرة ابن هشام 2 / 137.

تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا الْقَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ فَهَزَمُوهُمْ (1) قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَتَشَدَّدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ، فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الْغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنْتَظِرُونَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ فَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ. فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَصَابُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ، سَبْعِينَ أَسِيرًا وَسَبْعِينَ قَتِيلًا فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُجِيبُوهُ، ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: أَفِي الْقَوْمِ ابْنُ الْخَطَّابِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا فَمَا مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّ الَّذِينَ عَدَّدْتَ لَأَحْيَاءٌ كُلُّهُمْ وَقَدْ بَقِيَ لَكَ مَا يَسُوءُكَ قَالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا تُجِيبُوهُ"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ" قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا تَجِيبُوهُ"؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلًى لَكُمْ" (2) وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ وَإِنَّ الْأَيَّامَ دُوَلٌ وَالْحَرْبَ سِجَالٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا سَوَاءً قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ" (3) . قَالَ الزَّجَّاجُ: الدَّوْلَةُ تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} وكانت 70/أيَوْمَ أُحُدٍ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} يَعْنِي: إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَاوَلَةُ ليعلم أي (أَيْ: لِيَرَى اللَّهُ) (4) الَّذِينَ آمَنُوا فَيُمَيَّزُ (5) الْمُؤْمِنُ مِنَ الْمُنَافِقِ، {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} يُكْرِمُ أَقْوَامًا بِالشَّهَادَةِ، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}

_ (1) في "أ": "فهزمهم". (2) أخرجه البخاري في الجهاد باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. . . 6 / 163 - 164 بلفظه وفي المغازي باب غزوة أحد: 7 / 349 - 350 بمعناه مطولا. (3) مسند الإمام أحمد: 1 / 288. (4) زيادة من (ب) . (5) في "أ": (فيتميز) .

141

{وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) } {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ: يُطَهِّرَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} يُفْنِيهِمْ وَيُهْلِكُهُمْ مَعْنَاهُ: أَنَّهُمْ إِنْ قَتَلُوكُمْ فَهُوَ تَطْهِيرٌ لَكُمْ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ فَهُوَ مَحْقُهُمْ وَاسْتِئْصَالُهُمْ. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) } {أَمْ حَسِبْتُمْ} أَحَسِبْتُمْ؟ {أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} [أَيْ: وَلَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ] (1) {الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَمَنَّوْا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ لِيُقَاتِلُوا وَيُسْتَشْهَدُوا فَأَرَاهُمُ اللَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ {تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ} أَيْ: سَبَبَ الْمَوْتِ وَهُوَ الْجِهَادُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ، {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} يَعْنِي: أَسْبَابَهُ. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} بَعْدَ قَوْلِهِ: {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} قِيلَ: ذَكَرَهُ تَأْكِيدًا وَقِيلَ: الرُّؤْيَةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، فَقَالَ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ النَّظَرُ، وَقِيلَ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} قَالَ أَصْحَابُ الْمُغَازِي (2) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ فِي سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ أَخُو خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَلَى الرَّجَّالَةِ وَكَانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا وَقَالَ: أَقِيمُوا بِأَصْلِ الْجَبَلِ وَانْضَحُوا عَنَّا بِالنَّبْلِ لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فَإِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ فَإِنَّا لَنْ نَزَالَ غَالِبِينَ مَا ثَبَتُّمْ مَكَانَكُمْ فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَمَعَهُمُ النِّسَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيَقُلْنَ الْأَشْعَارَ فَقَاتَلُوا حَتَّى حَمِيَتِ الْحَرْبُ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفًا فَقَالَ مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ وَيَضْرِبُ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يُثْخِنَ، فَأَخَذَهُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ (3) الْأَنْصَارِيُّ فَلَمَّا

_ (1) زيادة من (ب) . (2) انظر: سيرة ابن هشام 2 / 127 وما بعدها مع الروض الأنف طبقات ابن سعد: 2 / 36 وما بعدها. (3) في "أ": حرب وانظر: أسد الغابة: 2 / 451.

أَخْذَهُ اعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ" فَفَلَقَ بِهِ هَامَ الْمُشْرِكِينَ وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَهَزَمُوهُمْ. وَرُوِّينَا عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ وَأَسْوُقُهُنَّ رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ فَقَالَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ: الْغَنِيمَةَ وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَلَمَّا أَتَوْهُمْ صُرِفَتْ وُجُوهُهُمْ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: فَرَأَيْتُ هِنْدًا وَصَوَاحِبَاتِهَا هَارِبَاتٍ مُصَعِّدَاتٍ فِي الْجَبَلِ، بَادِيَاتٌ خُدَّامُهُنَّ مَا دُونَ أَخْذِهِنَّ شَيْءٌ فَلَمَّا نَظَرَتِ الرُّمَاةُ إِلَى الْقَوْمِ قَدِ انْكَشَفُوا وَرَأَوْا أَصْحَابَهُمْ يَنْتَهِبُونَ الْغَنِيمَةَ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ النَّهْبَ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قِلَّةَ الرُّمَاةِ وَاشْتِغَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنِيمَةِ، وَرَأَى ظُهُورَهُمْ خَالِيَةً صَاحَ فِي خَيْلِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْفِهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ، وَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِئَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَرٍ (1) فَكَسَرَ أَنْفَهُ وَرَبَاعِيَتَهُ وَشَجَّهُ فِي وَجْهِهِ فَأَثْقَلَهُ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَخْرَةٍ يَعْلُوهَا، وَكَانَ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَجَلَسَ تَحْتَهُ طَلْحَةُ فَنَهَضَ حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ" (2) وَوَقَعَتْ هِنْدٌ وَالنِّسْوَةُ مَعَهَا يُمَثِّلْنَ بِالْقَتْلَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْدَعْنَ الْآذَانَ وَالْأُنُوفَ حَتَّى اتَّخَذَتْ هِنْدٌ مِنْ ذَلِكَ قَلَائِدَ، وَأَعْطَتْهَا وَحَشِيًّا وَبَقَرَتْ عَنْ كَبِدَةِ حَمْزَةَ وَلَاكَتْهَا فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا فَلَفَظَتْهَا، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِئَةَ يُرِيدُ قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَبَّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ -وَهُوَ صَاحِبُ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ ابْنُ قَمِئَةَ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَتَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مُحَمَّدًا وَصَاحَ صَارِخٌ أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، وَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الصَّارِخَ كَانَ إِبْلِيسَ، فَانْكَفَأَ النَّاسُ وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ {إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} (3) فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا فَحَمَوْهُ حَتَّى كَشَفُوا عَنْهُ الْمُشْرِكِينَ وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى انْدَقَّتْ سِيَةُ قَوْسِهِ وَنَثَلَ (4) لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رجلا راميًا شديدا النَّزْعِ كَسَرَ يَوْمَئِذٍ (5) قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ بِجَعْبَةٍ مِنَ النَّبْلِ فَيَقُولُ: انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ إِذَا رَمَى أَشْرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ وَأُصِيبَتْ يَدُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَيَبِسَتْ حِينَ وَقَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُصِيبَتْ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ

_ (1) في "أ" بالحجر. (2) أي عمل عملا أوجب له الجنة. (3) زيادة من "ب". (4) في "أ": (نار) . (5) في "أ": يوم أحد.

النُّعْمَانِ يَوْمَئِذٍ حِينَ وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَرَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَانَهَا، فَعَادَتْ كَأَحْسَنِ مَا كَانَتْ. فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَوْتَ فَقَالَ الْقَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا يَعْطِفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ وَكَانَ أُبَيٌّ قَبْلَ ذَلِكَ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ: عِنْدِي رَمْكَةٌ أَعْلِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فَرْقَ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَرْبَةَ مِنَ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ فَطَعَنَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَدَشَهُ خَدْشَةً فَتَدَهْدَأَ عَنْ فَرَسِهِ وَهُوَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، وَيَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ قَالَ: بَلَى لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّعْنَةُ بِرَبِيعَةَ وَمُضَرَ لَقَتَلَتْهُمْ، أَلَيْسَ قَالَ لِي: أَقْتُلُكَ؟ فَلَوْ بَزَقَ عَلَيَّ بَعْدَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ لَقَتَلَنِي، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمًا حَتَّى مَاتَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ سَرِفَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ قتله نبي 70/ب وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . قَالُوا: وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذُ لَنَا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ جَلَسُوا وَأَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ: إِنْ كَانَ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَالْحَقُوا بِدِينِكُمُ الْأَوَّلِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ وَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ شَدَّ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقَ إِلَى الصَّخْرَةِ وَهُوَ يَدْعُو النَّاسَ فَأَوَّلُ مَنْ عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ تَحْتَ الْمِغْفَرِ تُزْهِرَانِ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اسْكُتْ فَانْحَازَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَامَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفِرَارِ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، أَتَانَا الْخَبَرُ بِأَنَّكَ قَدْ قُتِلْتَ فَرُعِبَتْ قُلُوبُنَا فَوَلَّيْنَا مُدْبِرِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ}

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي باب ما أصاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الجراح يوم أحد: 7 / 372. (2) أخرجه ابن إسحاق في السيرة من طريق جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة. . سيرة ابن هشام: 2 / 127 - 132 وانظر: الاكتفاء للكلاعي: 2 / 90 وما بعدها أسباب النزول للواحدي ص (158) الكافي الشاف لابن حجر ص (32 - 33) .

145

وَمُحَمَّدٌ هُوَ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، لِأَنَّ الْحَمْدَ لَا يَسْتَوْجِبُهُ إِلَّا الْكَامِلُ وَالتَّحْمِيدُ فَوْقَ الْحَمْدِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْأَمْرِ فِي الْكَمَالِ، وَأَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ بِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ مِنَ اسْمِهِ جَلَّ جَلَالُهُ (مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ) وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَبْدَهُ ... بِبُرْهَانِهِ وَاللَّهُ أَعْلَى وَأَمْجَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} رَجَعْتُمْ إِلَى دِينِكُمُ الْأَوَّلِ، {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىعَقِبَيْهِ} فَيَرْتَدَّ عَنْ دِينِهِ، {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} بِارْتِدَادِهِ وَإِنَّمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ، {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) } {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} قَالَ الْأَخْفَشُ: اللَّامُ فِي {لِنَفْسٍ} مَنْقُولَةٌ تَقْدِيرُهُ: وَمَا كَانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ، {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَقِيلَ: بِعِلْمِهِ وَقِيلَ: بِأَمْرِهِ، {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} أَيْ: كَتَبَ لِكُلِّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَغْيِيرِهِ وَتَأْخِيرِهِ، وَنُصِبَ الْكِتَابُ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ كِتَابًا، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} يَعْنِي: مَنْ يُرِدْ بِطَاعَتِهِ الدُّنْيَا وَيَعْمَلْ لَهَا نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَكُونُ جَزَاءً لِعَمَلِهِ، يُرِيدُ نُؤْتِهِ مِنْهَا مَا نَشَاءُ بِمَا قَدَّرْنَاهُ لَهُ كَمَا قَالَ: " مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ " (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ -18) نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ، {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} أَيْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ الْآخِرَةَ، قِيلَ: أَرَادَ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ أَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا. {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} أَيِ: الْمُؤْمِنِينَ الْمُطِيعِينَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُودِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ عَبْدُ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُقْرِئِ، أَنَا أَبِي، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الْآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ" (1) .

_ (1) أخرجه الترمذي في القيامة باب رقم (14) : 7 / 165 وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وله شاهد عند ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت في الزهد باب الهم في الدنيا برقم (4105) : 2 / 1375 قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه ابن حبان برقم (72) ص (47) من موارد الظمآن وأحمد في المسند: 5 / 183 مطولا عن زيد بن ثابت. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 331. قال الهيثمي: رواه البزار وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. مجمع الزوائد: 10 / 247.

146

أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَوْبَةَ الزَّرَّادُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ، وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ الْهَرَوِيُّ، قَالَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ، أَخْبَرَنَا حَيَّانُ بْنُ مُوسَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَسْمَاءَ ابْنُ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (1) . {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ " وَكَائِنٌ " بِالْمَدِّ وَالْهَمْزَةِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلٍ وَتَلْيِينُ الْهَمْزَةِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " وَكَأَيِّنْ " بِالْهَمْزِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى وَزْنٍ كَعَيِّنْ، وَمَعْنَاهُ: وَكَمْ، وَهِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ ضُمَّتْ إِلَى أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ لِلتَّنْوِينِ صُورَةٌ فِي الْخَطِّ إِلَّا فِي هَذَا الْحَرْفِ خَاصَّةً وَيَقِفُ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عَلَى " وَكَأَيٍّ " بِلَا نُونٍ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوُقُوفِ بِالنُّونِ قَوْلُهُ {قَاتَلَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَنَافِعٌ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ بِضَمِّ الْقَافِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {قَاتَلَ} فَمَنْ قَرَأَ {قَاتَلَ} فَلِقَوْلِهِ: {فَمَا وَهَنُوا} وَيَسْتَحِيلُ وَصْفُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا بَعْدَمَا قُتِلُوا لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ نَبِيًّا قُتِلَ فِي الْقِتَالِ وَلِأَنَّ {قَاتَلَ} أَعَمُّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَمِدَ مَنْ قَاتَلَ كَانَ مَنْ قُتِلَ دَاخِلًا فِيهِ، وَإِذَا حَمِدَ مَنْ قَتَلَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، فَكَانَ {قَاتَلَ} أَعَمُّ. وَمَنْ قَرَأَ "قُتِلَ") فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ رَاجِعًا إِلَى النَّبِيِّ وَحْدَهُ، فَيَكُونُ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ " قُتِلَ " وَيَكُونُ فِي الْآيَةِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، كَمَا يُقَالُ: قُتِلَ فَلَانٌ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيرٌ أَيْ: وَمَعَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ نَالَ النَّبِيَّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ وَيَكُونُ الْمُرَادُ: بَعْضَ مَنْ مَعَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ وَيَكُونُ قَوْلُهُ {فَمَا وَهَنُوا} رَاجِعًا إِلَى الْبَاقِينَ.

_ (1) أخرجه البخاري في سبعة مواضع من الصحيح في بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 1 / 9 وفي الإيمان وفي العتق وفي مناقب الأنصار وفي النكاح وفي الإيمان والنذور وفي الحيل. وأخرجه مسلم في الإمارة باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنما الأعمال بالنية برقم (1907) : 3 / 1515 - 1516.

147

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ لِلرِّبِّيِّينَ لَا غَيْرَ. وَقَوْلُهُ {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِّبِّيُّونَ الْأُلُوفُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: عَشْرَةُ آلَافٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الرِّبِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ: أَلْفٌ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ وَقِيلَ: هُمُ الْأَتْبَاعُ وَالرَّبَّانِيُّونَ الْوُلَاةُ، وَالرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ، وَقِيلَ: مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ وَهُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ، {فَمَا وَهَنُوا} أَيْ: فَمَا جَبُنُوا، {لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا} عَنِ الْجِهَادِ بِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ (1) وَقَتْلِ الْأَصْحَابِ. {وَمَا اسْتَكَانُوا} قَالَ مُقَاتِلٌ: وَمَا اسْتَسْلَمُوا وَمَا خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ وَقَالَ السُّدِّيُّ: وما ذلوأ 71/أقَالَ عَطَاءٌ وَمَا تَضَرَّعُوا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَمَا جَبُنُوا وَلَكِنَّهُمْ صَبَرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِمْ وَجِهَادِ عَدُوِّهِمْ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ وَالِاسْمُ فِي أَنْ قَالُوا، وَمَعْنَاهُ: وَمَا كَانَ قَوْلُهُمْ عِنْدَ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ، {إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} أَيِ: الصَّغَائِرَ، {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} أَيِ: الْكَبَائِرَ، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} كَيْ لَا تَزُولَ، {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} يَقُولُ فَهَلَّا فَعَلْتُمْ وَقُلْتُمْ مِثْلَ ذَلِكَ يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ. {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا} النُّصْرَةَ وَالْغَنِيمَةَ، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} الْأَجْرَ وَالْجَنَّةَ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا} يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ: ارْجِعُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ وَادْخُلُوا فِي دِينِهِمْ. {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} يُرْجِعُوكُمْ إِلَى أَوَّلِ أَمْرِكُمُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} مَغْبُونِينَ. ثُمَّ قَالَ: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ} نَاصِرُكُمْ وَحَافِظُكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}

_ (1) في "أ": (الجرح) .

149

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) } {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكِينَ لَمَّا ارْتَحَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ انْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَعْضَ الطَّرِيقِ نَدِمُوا وَقَالُوا: بِئْسَ مَا صَنَعْنَا قَتَلْنَاهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْنَاهُمُ، ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتَّى رَجَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ. سَنُلْقِي أَيْ: سَنَقْذِفُ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الْخَوْفَ وَقَرَأَ (1) أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ {الرُّعُبَ} بِضَمِّ الْعَيْنِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، {بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} حُجَّةً وَبُرْهَانًا، {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} مَقَامُ الْكَافِرِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أُحُدٍ وَقَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: مِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا؟ وَقَدْ وَعَدَنَا اللَّهُ النَّصْرَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِينَةَ وَجَعَلَ عَيْنَيْنَ، وَهُوَ جَبَلٌ عَنْ يَسَارِهِ وَأَقَامَ عَلَيْهِ الرُّمَاةَ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ لَهُمُ: احْمُوا ظُهُورَنَا فَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَّلُ فَلَا تَنْصُرُونَا، وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَأَخَذُوا فِي الْقِتَالِ فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَرْشُقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبْلِ وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بِالسُّيُوفِ، حَتَّى وَلَّوْا هَارِبِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} أَيْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا بِقَضَاءِ اللَّهِ.

_ (1) في "أ": (وقال) .

153

قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحَسُّ: هُوَ الِاسْتِئْصَالُ بِالْقَتْلِ. {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ} أَيْ: إِنْ جَبُنْتُمْ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَلَمَّا فَشِلْتُمْ، {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ فِي {وَتَنَازَعْتُمْ} يَعْنِي: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ تَنَازَعْتُمْ، وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: حَتَّى إِذَا تَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ فَشِلْتُمْ وَمَعْنَى التَّنَازُعِ الِاخْتِلَافُ. وَكَانَ اخْتِلَافُهُمْ أَنَّ الرُّمَاةَ اخْتَلَفُوا حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: انْهَزَمَ الْقَوْمُ فَمَا مُقَامُنَا؟ وَأَقْبَلُوا عَلَى الْغَنِيمَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تُجَاوِزُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ دُونَ الْعَشْرَةِ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَى الرُّمَاةِ فَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَحَالَتِ الرِّيحُ فَصَارَتْ دَبُوَرًا بَعْدَ مَا كَانَتْ صَبًا (1) وَانْتَقَضَتْ صُفُوفَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتَلَطُوا فَجَعَلُوا يَقْتُلُونَ عَلَى غَيْرِ شِعَارٍ يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا يَشْعُرُونَ مِنَ الدَّهَشِ، وَنَادَى إِبْلِيسُ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْهَزِيمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَصَيْتُمْ} يَعْنِي: الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَالَفْتُمُ أمره، {مِنْ بَعْدِمَا أَرَاكُمْ} اللَّهُ {مَا تُحِبُّونَ} يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} يَعْنِي: الَّذِينَ تَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَأَقْبَلُوا عَلَى النَّهْبِ، {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} يَعْنِي: الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرٍ حَتَّى قُتِلُوا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا شَعَرْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أَيْ: رَدَّكُمْ عَنْهُمْ بِالْهَزِيمَةِ، {لِيَبْتَلِيَكُمْ} لِيَمْتَحِنَكُمْ وَقِيلَ: لُيُنْزِلَ الْبَلَاءَ عَلَيْكُمْ {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} يَسْتَأْصِلُكُمْ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُخَالَفَةِ، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) } {إِذْ تُصْعِدُونَ} يَعْنِي: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ هَارِبِينَ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ {تَصْعَدُونَ} بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ. وَالْإِصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ وَالصُّعُودُ: الِارْتِفَاعُ عَلَى الْجِبَالِ وَالسُّطُوحِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: يُقَالُ

_ (1) الدبور: الريح التي تقابل الصَّبا والصَّبا: ريح تهب من مطلع الثريا.

أَصْعَدْتَ إِذَا مَضَيْتَ حِيَالَ وَجْهِكَ وَصَعِدْتَ إِذَا ارْتَقَيْتَ فِي جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أَصْعَدَ إِذَا أَبْعَدَ فِي الذَّهَابِ، وَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ صَوَابٌ فَقَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ مُصْعِدٌ وَصَاعِدٌ وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: صَعِدَ وَأَصْعَدَ وَصَعَّدَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. {وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} أَيْ: لَا تَعْرُجُونَ وَلَا تُقِيمُونَ عَلَى أَحَدٍ وَلَا يَلْتَفِتُ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} أَيْ: فِي آخِرِكُمْ وَمِنْ وَرَائِكُمْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ فَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الْجَنَّةُ (1) ، {فَأَثَابَكُمْ} فَجَازَاكُمْ جَعَلَ الْإِثَابَةَ بِمَعْنَى الْعِقَابِ، وَأَصْلُهَا فِي الْحَسَنَاتِ لِأَنَّهُ وَضَعَهَا مَوْضِعَ الثَّوَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} جَعَلَ الْبِشَارَةَ فِي الْعَذَابِ (2) وَمَعْنَاهُ: جَعَلَ مَكَانَ الثَّوَابِ الَّذِي كُنْتُمْ تَرْجُونَ (3) {غَمًّا بِغَمٍّ} وَقِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى عَلَى أَيْ: غَمًّا عَلَى غَمٍّ وَقِيلَ: غَمَّا مُتَّصِلًا بِغَمٍّ فَالْغَمُّ الْأَوَّلُ: مَا فَاتَهُمْ مِنَ الظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: مَا نَالَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ. وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: مَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ فَأَنْسَاهُمُ الْغَمَّ الْأَوَّلَ. وَقِيلَ: الْغَمُّ الْأَوَّلُ: إِشْرَافُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَالْغَمُّ الثَّانِي: حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو النَّاسَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ الصَّخْرَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَضَعَ رَجُلٌ سَهْمًا فِي قَوْسِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَهُ، فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَفَرِحُوا حين وجدوأ 71/ب رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرِحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى أَنَّ فِي أَصْحَابِهِ مَنْ يَمْتَنِعُ، فَأَقْبَلُوا يَذْكُرُونَ الْفَتْحَ وَمَا فَاتَهُمْ مِنْهُ، وَيَذْكُرُونَ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى وَقَفُوا بِبَابِ الشِّعْبِ، فَلَمَّا نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ أَهَمَّهُمْ ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهُمْ فَأَنْسَاهُمْ هَذَا مَا نَالَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا اللَّهُمَّ إِنْ تَقْتُلْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَدَبَ أَصْحَابَهُ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَنْزَلُوهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ غَمُّوا الرَّسُولَ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ، فَجَازَاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ الْغَمَّ غَمَّ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} مِنَ الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ، {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} أَيْ: وَلَا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

_ (1) أخرجه الطبري في التاريخ: 2 / 519 - 520 وانظر البداية والنهاية: 4 / 23. (2) في "أ": "العقاب". (3) .

154

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ (154) } {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، {مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} يَعْنِي: أَمْنًا وَالْأَمْنُ الأمَنَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقِيلَ: الْأَمْنُ يَكُونُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِ الْخَوْفِ وَالْأَمَنَةُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ الْخَوْفِ وَكَانَ سَبَبُ الْخَوْفِ هُنَا قَائِمًا، {نُعَاسًا} بَدَلٌ مِنَ الْأَمَنَةِ {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " تَغْشَى " بِالتَّاءِ رَدًّا إِلَى الْأَمَنَةِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى النُّعَاسِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَّنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ بِنُعَاسٍ يَغْشَاهُمْ وَإِنَّمَا يَنْعَسُ مَنْ يَأْمَنُ، وَالْخَائِفُ لَا يَنَامُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ أَخْبَرَنَا أَنَسٌ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي فَآخُذُهُ وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ" (1) . وَقَالَ ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ مَا أَرَى أَحَدًا مِنَ الْقَوْمِ إِلَّا وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ جُحْفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ (2) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الْحَرْبُ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنَا النَّوْمَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ وَالنُّعَاسُ يَغْشَانِي مَا أَسْمَعُهُ إِلَّا كَالْحُلْمِ،

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب قوله تعالى: "أمنة نعاسا": 8 / 228 وفي المغازي. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 392. (2) أخرجه الترمذي في تفسيره سورة آل عمران: 8 / 358 وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم على شرط مسلم: 2 / 297 ووافقه الذهبي. وعزاه في تحفة الأحوذي للنسائي.

155

يَقُولُ: لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ، {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ: قِيلَ: أَرَادَ اللَّهُ بِهِ تَمْيِيزَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَوْقَعَ النُّعَاسَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَمِنُوا وَلَمْ يُوقِعْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَبَقُوا فِي الْخَوْفِ وَقَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَيْ: حَمَلَتْهُمْ عَلَى الْهَمِّ يُقَالُ: أَمْرٌ مُهِمٌّ. {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} أَيْ: لَا يَنْصُرُ مُحَمَّدًا، وَقِيلَ: ظَنُّوا أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} أَيْ: كَظَنِّ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالشِّرْكِ، {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا} مَا لَنَا لَفْظُهُ اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ: حَجْدٌ، {مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} يَعْنِي: النَّصْرَ، {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بِرَفْعِ اللَّامِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ فِي {لِلَّهِ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ وَقِيلَ: عَلَى النَّعْتِ. {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ كَانَ لَنَا عُقُولٌ لَمْ نَخْرُجْ (2) مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَمْ يُقْتَلْ رُؤَسَاؤُنَا، وَقِيلَ: لَوْ كُنَّا عَلَى الْحَقِّ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا. قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْنِي: التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا} {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ} قُضِيَ، {عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} مَصَارِعِهِمْ، {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ} وَلِيَمْتَحِنَ اللَّهُ، {مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ} يُخْرِجَ وَيُظْهِرَ {مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) } {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ} أَيِ انْهَزَمُوا، {مِنْكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ وَجَمْعُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَ قَدِ انْهَزَمَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا سِتَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعْلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} أَيْ: طَلَبَ زَلَّتَهُمْ كَمَا يُقَالُ: اسْتَعْجَلْتُ فُلَانًا إِذَا طَلَبْتُ

_ (1) أخرجه ابن إسحاق في المغازي والبزار في مسنده والطبري وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلهم من طريق ابن إسحاق. انظر الكافي الشاف ص (33) . (2) في "أ": ما خرجنا.

156

عَجَلَتَهُ وَقِيلَ: حَمَلَهُمْ عَلَى الزَّلَةِ وَهِيَ الْخَطِيئَةُ وَقِيلَ: أَزَلَّ وَاسْتَزَلَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} أَيْ: بِشُؤْمِ ذُنُوبِهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: بِتَرْكِهِمُ الْمَرْكَزَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا كَسَبُوا هُوَ قَبُولُهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ مَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْهَزِيمَةِ، {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) }

158

{وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا} يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ، {وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} فِي النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَقِيلَ: فِي النَّسَبِ، {إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ} أَيْ: سَافَرُوا فِيهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، {أَوْ كَانُوا غُزًّى} أَيْ: غُزَاةً جَمْعُ غَازٍ فَقُتِلُوا، {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ} يَعْنِي: قَوْلَهُمْ وَظَنَّهُمْ، {حَسْرَةً} غَمًّا {فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " يَعْمَلُونَ " بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ. {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} قَرَأَ نَافِعٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " مِتَّمْ " بِكَسْرِ الْمِيمِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ فَمَنْ ضَمَّهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ كَقَوْلِكَ: مِنْ قَالَ يَقُولُ قُلْتُ بِضَمِّ الْقَافِ وَمَنْ كَسَرَهُ فَهُوَ مِنْ مَاتَ يَمَاتُ كَقَوْلِكَ مِنْ خَافَ يَخَافُ: خِفْتُ، {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} فِي الْعَاقِبَةِ، {وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} مِنَ الْغَنَائِمِ قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، "تَجْمَعُونَ") بِالتَّاءِ لِقَوْلِهِ {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ {يَجْمَعُونَ} بِالْيَاءِ يَعْنِي: خَيْرٌ (1) مِمَّا يَجْمَعُ النَّاسُ. {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} فِي الْعَاقِبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} أَيْ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ" مَا ") صِلَةٌ كَقَوْلِهِ {فَبِمَا نَقْضِهِمْ}

_ (1) زيادةمن: (ب) .

{لِنْتَ لَهُمْ} أَيْ: سَهُلَتْ لَهُمْ أَخْلَاقُكَ وَكَثْرَةُ احْتِمَالِكَ وَلَمْ تُسْرِعْ إِلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا} يعني: جافيًا سيّء الْخُلُقِ قَلِيلَ الِاحْتِمَالِ، {غَلِيظَ الْقَلْبِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: فَظًّا فِي الْقَوْلِ غَلِيظَ الْقَلْبِ فِي الْفِعْلِ، {لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} أَيْ: لَنَفَرُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، يُقَالُ: فَضَضْتُهُمُ فَانْفَضُّوا أَيْ فَرَّقْتُهُمْ فَتَفَرَّقُوا {فَاعْفُ عَنْهُمْ} تَجَاوَزْ عَنْهُمْ مَا أَتَوْا يَوْمَ أُحُدٍ، {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} حَتَّى أُشَفِّعَكَ فِيهِمْ، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} أَيِ: اسْتَخْرِجْ آرَاءَهُمْ وَاعْلَمْ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: شُرْتُ الدَّابَّةَ وَشَوَّرْتُهَا إِذَا اسْتَخْرَجْتُ جَرْيَهَا وَشُرْتُ الْعَسَلَ وَأَشَرْتُهُ إِذَا أَخَذْتُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ وَاسْتَخْرَجْتُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُشَاوَرَةِ مَعَ كَمَالِ عَقْلِهِ وَجَزَالَةِ (1) رَأْيِهِ وَنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى الْخَلْقِ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ خَاصٌّ فِي المعنى أي: وشاروهم فِيمَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَهْدٌ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي نَاظِرْهُمْ فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمَكَايِدِ الْحَرْبِ عِنْدَ الْغَزْوِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَقَتَادَةُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِمُشَاوَرَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَعْطَفُ لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَذْهَبُ لِأَضْغَانِهِمْ، فَإِنَّ سَادَاتِ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا لَمْ يُشَاوَرُوا فِي الْأَمْرِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ عز وجل 72/أأَنَّهُ مَا بِهِ إِلَى مُشَاوَرَتِهِمْ حَاجَةٌ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُطَهَّرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو ذَرٍّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الصَّالِحَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الْمَقَانِعِيُّ أَخْبَرَنَا أحمد بن ما هان، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَكْثَرَ اسْتِشَارَةً لِلرِّجَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} لَا عَلَى مُشَاوَرَتِهِمْ أَيْ: قُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَثِقْ بِهِ وَاسْتَعِنْهُ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} .

_ (1) في "أ" وجودة رأيه. (2) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في الجهاد باب ما جاء في المشورة: 5 / 373 - 374 قال: ويروى عن أبي هريرة: ما رأيت أحدا. . . وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 188 وفيه طلحة بن زيد القرشي أبو مسكين أو أبو محمد الرقي أصله من دمشق؛ متروك. قال أحمد وعلي وأبو دواد: كان يضع الحديث. انظر: التقريب: 1 / 378. قال ابن حجر في الكاف الشافي ص (33) : أخرجه الشافعي: 2 / 177 (من ترتيب المسند) عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي هريرة وهو منقطع وهو مختصر من الحديث الطويل في قصة الحديبية وغزوة الفتح وأخرجه ابن حبان من رواية عبد الرزاق عن عمر عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان. . . ".

160

{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) } {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ} يُعِنْكُمُ اللَّهُ وَيَمْنَعْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، {فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} مِثْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ} يَتْرُكْكُمْ فَلَمْ يَنْصُرْكُمْ كَمَا كَانَ بِأُحُدٍ وَالْخِذْلَانُ: الْقُعُودُ عَنِ النُّصْرَةِ وَالْإِسْلَامُ لِلْهَلَكَةِ، {فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} أَيْ: مِنْ بَعْدِ خِذْلَانِهِ، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} قِيلَ: التَّوَكُّلُ أَنْ لَا تَعْصِيَ اللَّهَ مِنْ أَجْلِ رِزْقِكَ وَقِيلَ: أَنْ لَا تَطْلُبَ لِنَفْسِكَ نَاصِرًا غَيْرَ اللَّهِ وَلَا لِرِزْقِكَ خَازِنًا غَيْرَهُ وَلَا لِعَمَلِكَ شَاهِدًا غَيْرَهُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ شُجَاعٍ الْبَزَّارُ بِبَغْدَادَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَيْثَمُ الْأَنْبَارِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَوَّامِ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَدْخُلُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "هُمُ الَّذِينَ لَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: "أَنْتَ مِنْهُمْ" ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عَكَاشَةُ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ حَيَاةَ بْنِ شُرَيْحٍ، حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُبَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" (2) .

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (371) : 1 / 198 وبلفظ مقارب أخرجه البخاري في الطب باب من اكتوى أو كوى غيره: 10 / 155. وأخرجه عن ابن عباس في الرقاق. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 300. (2) أخرجه الترمذي في الزهد - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا: 7 / 8 وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه في الزهد - باب التوكل واليقين برقم (4164) : 2 / 1394 وابن حبان في الزهد باب ما جاء في التوكل ص (632) من موارد الظمآن. وأحمد في المسند: 1 / 30، 52 والمصنف في شرح السنة: 14 / 301 وصححه الحاكم: 4 / 318 ووافقه الذهبي. وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 190 - 191.

161

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} الْآيَةَ رَوَى عِكْرِمَةُ وَمِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي غَنَائِمِ أُحُدٍ حِينَ تَرَكَ الرُّمَاةُ الْمَرْكَزَ لِلْغَنِيمَةِ وَقَالُوا: نَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ وَأَنْ لَا يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ كَمَا لَمْ يَقْسِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَتَرَكُوا الْمَرْكَزَ وَوَقَعُوا فِي الْغَنَائِمِ، فَقَالَ لهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لم أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ أَنْ لَا تَتْرُكُوا الْمَرْكَزَ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمْرِي"؟ قَالُوا: تَرَكْنَا بَقِيَّةَ إِخْوَانِنَا وُقُوفًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنَّا نَغُلُّ وَلَا نَقْسِمُ لَكُمْ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) . وَقَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ غَلَّتْ مِنْ أَصْحَابِهِ. (3) . وَقِيلَ: إِنَّ الْأَقْوِيَاءَ أَلَحُّوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} فَيُعْطِي قَوْمًا وَيَمْنَعُ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ (4) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: هَذَا فِي الْوَحْيِ، يَقُولُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ رَغْبَةً أَوْ رَهْبَةً أَوْ مُدَاهَنَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ "يَغُلُّ") بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَخُونَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْأُمَّةَ وَقِيلَ: اللَّامُ فِيهِ مَنْقُولَةٌ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ النَّبِيُّ لِيَغُلَّ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ بِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ، وَلَهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْغُلُولِ أَيْضًا أَيْ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُخَانَ يَعْنِي: أَنْ تَخُونَهُ أُمَّتُهُ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِغْلَالِ، مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَخُونَ أَيْ يُنْسَبَ إِلَى الْخِيَانَةِ.

_ (1) أخرجه أبو داود في أول كتاب الحروف: 6 / 3 من مختصر المنذري والترمذي في تفسير سورة آل عمران: 8 / 359 وقال: هذا حديث حسن غريب وقد روى عبد السلام بن حرب عن خُصيف نحو هذا وروى بعضهم هذا الحديث عن خُصيف عن مِقْسم. . ولم يذكر فيه ابن عباس وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 348 349. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود: "وفي إسناده خصيف: وهو ابن عبد الرحمن الحراني وقد تكلم فيه غير واحد". (2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (161) الطبعة الثانية. (3) انظر: أسباب النزول ص (161) تفسير الطبري: 7 / 353. (4) انظر: تفسير الطبري: 7 / 351 الدر المنثور: 2 / 363.

{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَمْثُلُ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي النَّارِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: انْزِلْ فَخُذْهُ فَيَنْزِلُ فَيَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَإِذَا بَلَغَ مَوْضِعَهُ وَقَعَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ، فَيُخْرِجُهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى بن مُطِيعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ فَلَمْ نَغْنَمُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً إِلَّا الْأَمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، قَالَ فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ وَادِي الْقُرَى وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ وَهَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مِدْعَمٌ قَالَ فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَادِي الْقُرَى فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا" فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي عَمْرَةِ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ" فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" قَالَ: فَفَتَحْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزَاتِ الْيَهُودِ يُسَاوِينَ دِرْهَمَيْنِ (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أَهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أَهْدِيَ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يأخذ 72/ب أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان والنذور باب هل يدخل في الإيمان والنذور: الأرض والغنم. . . 11 / 593 ومسلم في الإيمان باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم (115) : 1 / 108. والمصنف في شرح السنة: 11 / 116. (2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في تعظيم الغلول: 4 / 38 والنسائي في الجنائز باب الصلاة على من غل: 4 / 64 وابن ماجه في الجهاد باب الغلول برقم (2848) : 2 / 950 ومالك في الموطأ: 2 / 458 وأحمد: 4 / 114 5 / 192. والمصنف في شرح السنة: 11 / 117.

162

بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً لَهَا تَيْعَرُ" ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَةَ إِبِطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ" (1) . وَرَوَى قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي فَإِنَّهُ غُلُولٌ، وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (2) . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ" (3) . وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) } {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ} وَتَرَكَ الْغُلُولَ، {كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} فِعْلٌ، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

_ (1) أخرجه البخاري في الهبة باب من لم يقبل الهدية لعلة: 5 / 220 وفي الجمعة وفي الحيل وفي الزكاة والأيمان والنذور. . . ومسلم في الإمارة باب تحريم هدايا العمال برقم (1832) : 4 / 1463 - 1464. والمصنف في شرح السنة: 5 / 496 - 497. (2) أخرجه الترمذي في الأحكام باب ما جاء في هدايا الأمراء: 4 / 564 وقال: حديث معاذ حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودي. داود بن يزيد الأودي: ضعيف (التقريب: 1 / 235) . (3) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في عقوبة الغال: 4 / 39 - 40 والترمذي في الحدود باب ما جاء في الغال ما يصنع به: 5 / 29 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه. وأخرجه الدارمي في السير باب في عقوبة الغال: 2 / 231 بلفظ: " من وجدتموه غل فاضربوه واحرقوا متاعه" وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 128 ووافقه الذهبي فقال: صحيح. وأخرجه سعيد بن منصور في السنن: 2 / 269. قال: المنذري في تهذيب السنن: 4 / 40 "وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة وقد قيل: إنه انفرد به وقال البخاري: وعامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهذا باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد قال: وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمحفوظ أن سالم أمر بذلك وصحح أبو داود وقفه". (4) أخرجه أبو داود في الجهاد باب عقوبة الغال: 4 / 41. وقال: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد ولم أسمعه منه: " ومنعوه سهمه" وقال ابن القيم رحمه الله: وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب وزهير هذا ضعيف قال البيهقي: وزهير هذا يقال: هو مجهول وليس بالمكي وقد رواه أيضا مرسلا. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 131 وقال: حديث غريب صحيح ولم يخرجاه. وكذا قال الذهبي. وقال الشوكاني: "أخرجه أيضا: الحاكم والبيهقي وفي إسناده: زهير بن محمد وهو الخراساني نزيل مكة. وقال البيهقي: يقال هو غيره وأنه مجهول وقد رواه أيضا أبو داود من وجه آخر عن زهير موقوفا. قال في الفتح: وهو الراجح". انظر: نيل الأوطار: 9 / 226.

164

{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ} يعني: ذو دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ وَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ مُخْتَلِفُو الْمَنَازِلِ عِنْدَ اللَّهِ فَلِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ الثَّوَابُ الْعَظِيمُ، وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْعَرَبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَيٌّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا وَلَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ إلا بني تعلبة دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} أَيْ: بِالْإِيمَانِ وَالشَّفَقَةِ لَا بِالنَّسَبِ وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} وَقَدْ كَانُوا، {مِنْ قَبْلُ} أَيْ: مِنْ قَبْلِ بَعْثِهِ {لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {أَوَلَمَّا} أَيْ: حِينَ {أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} بِأُحُدٍ، {قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} يَوْمَ بَدْرٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ بِبَدْرٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} رَوَى عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ مِنَ الْأَسَارَى، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ فَذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنَّاسِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا، لَا بَلْ نَأْخُذُ فَدَاءَهُمْ فَنَقْوَى بِهَا عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ [فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ] (1) سَبْعُونَ عَدَدُ أَسَارَى أَهِلِ بَدْرٍ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (2) أَيْ: بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ وَاخْتِيَارِكُمُ الْقَتْلَ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

_ (1) زيادة من (ب) . (2) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 367 وابن حبان مختصرا في موارد الظمآن ص (411) ، وذكره ابن كثير في التفسير وقال: وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وروى أبو أسامة عن هشام نحوه وروي عن ابن سيرين عن عبيدة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انظر تفسير ابن كثير: 1 / 426 تحفة الأحوذي: 5 / 188.

166

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) } {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ وَالْهَزِيمَةِ، {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، {وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: لِيُمَيِّزَ وَقِيلَ لِيَرَى. {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ: لِأَجْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ، {أَوِ ادْفَعُوا} عَنْ أَهْلِكُمْ وَحَرِيمِكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ كَثِّرُوا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ وَرَابِطُوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا يَكُونُ ذَلِكَ دَفْعًا وَقَمْعًا لِلْعَدُوِّ، {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ} أَيْ: إِلَى الْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ {مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} (أَيْ: إِلَى الْإِيمَانِ) (1) ، {يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ} يَعْنِي: كَلِمَةَ الْإِيمَانِ {مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ} فِي النَّسَبِ لَا فِي الدِّينِ وَهُمْ شُهَدَاءُ أُحُدٍ {وَقَعَدُوا} يَعْنِي: قَعَدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ عَنِ الْجِهَادِ {لَوْ أَطَاعُونَا} وَانْصَرَفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَعَدُوا فِي بُيُوتِهِمْ {مَا قُتِلُوا قُلْ} يَا مُحَمَّدُ، {فَادْرَءُوا} فَادْفَعُوا، {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إِنَّ الْحَذَرَ لَا يُغْنِي عَنِ الْقَدَرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الْآيَةَ قِيلَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ بَدْرٍ (2) وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ثَمَانِيَةً مِنَ الْأَنْصَارِ وَسِتَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: نَزَلَتْ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أَرْبَعَةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَسَائِرُهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ (3) .

_ (1) زيادة من (ب) . (2) انظر: تفسير الطبري: 7 / 390 الدر المنثور للسيوطي: 2 / 372. (3) عزاه السيوطي لسعيد بن منصور وهو عنده في السنن في الجهاد باب جامع الشهادة: 2 / 319 وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. الدر المنثور: 2 / 371 وانظر أسباب النزول ص (163) .

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (هُوَ بن مَسْعُودٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} الْآيَةَ قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ" وَيُرْوَى "فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: سَلُونِي مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا: يَا رَبُّ كَيْفَ نَسْأَلُكَ وَنَحْنُ نَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شِئْنَا؟ فَلَمَّا رَأَوْا أَنْ لَا يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا شَيْئًا قَالُوا: إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا إِلَى أَجْسَادِنَا نُقْتَلُ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ إِلَّا هَذَا تُرِكُوا" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَنَا جيعويةُ أَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمَّا رَأَوْا طِيبَ مَقِيلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَرَأَوْا مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الكرامة قالوا: ياليت قَوْمَنَا يَعْلَمُونَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَمَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا كَيْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَتَّكِلُوا عَنْهُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا مُخْبِرٌ عَنْكُمْ وَمُبَلِّغٌ إِخْوَانَكُمْ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} إِلَى قَوْلِهِ {لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} " (2) . سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ بْنَ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ الْقُتَيْبِيَّ (3) قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ (4) بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبَكْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ

_ (1) أخرجه مسلم في الإمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. . . برقم (1887) 3 / 1502. والمصنف في شرح السنة: 10 / 364. (2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الشهادة: 3 / 373 - 374 قال المنذري: وذكر الدارقطني أن عبد الله بن ادريس تفرد به عن محمد بن إسحاق وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 88، 297 وصححه على شرط مسلم والإمام أحمد في المسند: 1 / 266 عن ابن عباس. والطبري في التفسير: 7 / 285 وانظر ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن الحديث في الموضع نفسه. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (34) لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار كلهم من حديث ابن عباس به وأتم منه. وأصل الحديث عند مسلم من حديث ابن مسعود السابق. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل. انظر: الدر المنثور: 2 / 371 وذكره ابن كثير في التفسير: 1 / 428 وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مختصر سنن أبي داود: 3 / 374. (3) في "أ": "الليثي". (4) في "أ": "أحمد".

قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا"؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ: "أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهَ بِهِ أَبَاكَ"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله قال: 73/أ "مَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّهُ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا قَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ أَحْيِنِي فَأُقْتَلُ فِيكَ الثَّانِيَةَ، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مَنِّي أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيَسْفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى" (2) . وَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي شُهَدَاءِ بِئْرِ مَعُونَةَ (3) وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ، فَأَسْلِمْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ أَقْبَلَ هَدِيَّتَكَ؟ ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَهُ فِيهِ وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَلَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يَبْعُدْ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَسَنٌ جَمِيلٌ فَلَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَى أَهْلِ نَجْدٍ فَيَدْعُونَهُمْ إِلَى أَمْرِكَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ". فَقَالَ أَبُو الْبَرَاءِ: أَنَا لَهُمْ جَارٌ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوَا النَّاسَ إِلَى أَمْرِكَ. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمُ

_ (1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 360 - 361 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية. . برقم (190) : 1 / 68 وفي الجهاد أيضا وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 267 وصححه الحاكم في المستدرك: 3 / 203 وتعقبه الذهبي فقال: فيض بن وثيق: كذاب وزاد السيوطي نسبته للطبراني وابن خزيمة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل " الدر المنثور: 2 / 371" وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (162) . وقال الألباني في تخريج السنة: إسناده حسن رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير. (2) أخرجه مسلم في الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (1877) : 3 / 1498 والمصنف في شرح السنة: 10 / 368. (3) انظر: تفسير الطبري: 7 / 392 أسباب النزول للواحدي ص (163) .

الْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ السُّلَمِيُّ وَنَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ابن وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ وَعَامِرُ بْنُ فَهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ وَهِيَ أَرْضٌ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ فَلَمَّا نَزَلُوهَا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ هَذَا الْمَاءِ؟ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: أَنَا فَخَرَجَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ لَمْ يَنْظُرْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فِي كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ: يَا أَهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ كَسْرِ الْبَيْتِ بِرُمْحٍ فَضَرَبَ بِهِ فِي جَنْبِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بَنِي عَامِرٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَقَالُوا: لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ قَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا ثُمَّ اسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ -عُصَيَّةَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ -فَأَجَابُوهُ فَخَرَجُوا حَتَّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا السُّيُوفَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ إِلَّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتَثَّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَضَّلُوهُ فِيهِمْ (1) فَعَاشَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ فِي سَرْحِ الْقَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَلَمْ يُنَبِّهْهُمَا بِمُصَابِ أَصْحَابِهِمَا إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ عَلَى الْمُعَسْكَرِ! فَقَالَا وَاللَّهِ إِنَّ لِهَذَا الطَّيْرِ لَشَأْنًا فَأَقْبَلَا لِيَنْظُرَا فَإِذَا الْقَوْمُ فِي دِمَائِهِمْ وَإِذَا الْخَيْلُ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ وَاقِفَةٌ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ: مَاذَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخْبِرُهُ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ اللَّهُ أَكْبَرُ (2) لَكِنِّي مَا كُنْتُ لِأَرْغَبَ بِنَفْسِي عَنْ مَوْطِنٍ قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، ثُمَّ قَاتَلَ الْقَوْمَ حَتَّى قُتِلَ وَأَخَذُوا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ أَسِيرًا فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مِنْ مُضَرَ أَطْلَقَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى أُمِّهِ فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا عَمَلُ أَبِي بَرَاءٍ قَدْ كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا مُتَخَوِّفًا" فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَرَاءٍ فَشَقَّ عَلَيْهِ إِخْفَارُ عَامِرٍ إِيَّاهُ وَمَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبِهِ وَجِوَارِهِ. وَكَانَ فِيمَنْ أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ كَانَ يَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَمَّا قُتِلَ رَأَيْتُهُ رُفِعَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى رَأَيْتُ السَّمَاءَ مِنْ دُونِهِ؟ قَالُوا: هُوَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ حَمَلَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي بَرَاءٍ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَطَعَنَهُ عَلَى فَرَسِهِ فَقَتَلَهُ (3) .

_ (1) زيادة من (ب) . (2) زيادة من (ب) . (3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: 2 / 174 - 176.

170

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: "أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ لَهُمْ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، وَكَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ. قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَقَرَأْنَا، فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ: "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا" (1) ثُمَّ نُسِخَتْ (فَرُفِعَ بَعْدَمَا قَرَأْنَاهُ) (2) زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} الْآيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَوْلِيَاءَ الشُّهَدَاءَ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَةٌ تَحَسَّرُوا عَلَى الشُّهَدَاءِ، وَقَالُوا: نَحْنُ فِي النِّعْمَةِ وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَانُنَا فِي الْقُبُورِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَالِ قَتْلَاهُمْ (3) {وَلَا تَحْسَبَنَّ} وَلَا تَظُنَّنَّ {الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "قُتِّلُوا") بِالتَّشْدِيدِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ "أَمْوَاتًا ") كَأَمْوَاتِ مَنْ لَمْ يُقْتَلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قِيلَ أَحْيَاءٌ فِي الدِّينِ وَقِيلَ: فِي الذِّكْرِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَيَأْكُلُونَ وَيَتَمَتَّعُونَ كَالْأَحْيَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ كُلَّ لَيْلَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يَبْلَى فِي الْقَبْرِ وَلَا تَأْكُلُهُ الأرض. وقال عبيدة بْنُ عُمَيْرٍ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ أُحُدٍ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودعا له 73/أثُمَّ قَرَأَ {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَشْهَدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا رَدُّوا عَلَيْهِ" (4) . {يُرْزَقُونَ} مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَتُحَفِهَا. {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) } {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} رِزْقِهِ وَثَوَابِهِ، {وَيَسْتَبْشِرُونَ} وَيَفْرَحُونَ {بِالَّذِينِ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة: 7 / 385 ومسلم في المساجد باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة مختصرا برقم (677) : 1 / 468. والمصنف في شرح السنة: 13 / 395 - 396. (2) في "أ" جاءت العبارة هكذا: (فرفعت بعد ما قرأناها) . (3) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (163) . (4) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 248 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال وأنا أحسبه موضوعا وقطن لم يرو له البخاري وعبد الأعلى: لم يخرجا له. ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله. قال: الهيثمي: وفيه عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة؛ وهو متروك. مجمع الوائد: 6 / 123.

171

مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَرَكُوهُمْ أَحْيَاءً فِي الدُّنْيَا عَلَى مَنَاهِجِ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتُشْهِدُوا وَلَحِقُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنَ الْكَرَامَةِ مَا نَالُوا فَهُمْ لِذَلِكَ مُسْتَبْشِرُونَ، {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) } {يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ} أَيْ: وَبِأَنَّ اللَّهَ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. {لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مَنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ" (1) . وَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ -إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ" (2) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدَّارَابَجِرْدِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ، أَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ الْقَرْصَةِ" (3) .

_ (1) أخرجه البخاري في الخمس باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أحلت لكم الغنائم". 6 / 220 وفي التوحيد باب "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين": 13 / 441. ومسلم في الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله برقم (1876) : 3 / 1496. (2) أخرجه مسلم في الإمارة في الموضع السابق والبخاري في الوضوء باب ما يقع من النجاسات. . . 1 / 344 وفي الجهاد باب من يجرح في سبيل الله: 6 / 20 والمصنف في شرح السنة: 10 / 365. (3) أخرجه النسائي في الجهاد باب ما يجد الشهيد من الألم: 6 / 36 وابن ماجه في الجهاد باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (2802) : 2 / 937 والدارمي في الجهاد باب فضل الشهيد: 2 / 205. وأحمد في المسند: 2 / 297 والمصنف في شرح السنة: 10 / 365 وإسناده جيد.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ أُحُدٍ فَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ نَدِمُوا عَلَى انْصِرَافِهِمْ وَتَلَاوَمُوا وَقَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ وَلَا الْكَوَاعِبَ أَرْدَفْتُمْ، قَتَلْتُمُوهُمْ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّرِيدُ تَرَكْتُمُوهُمُ؟ ارْجِعُوا فَاسْتَأْصِلُوهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ أَنْ يُرْهِبَ الْعَدُوَّ وَيُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ قُوَّةً فَنَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْخُرُوجِ فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ، فَانْتَدَبَ عِصَابَةً مِنْهُمْ مَعَ مَا بِهِمْ مِنَ الْجُرْحِ وَالْقَرْحِ الَّذِي أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا لَا يَخْرُجَنَّ مَعَنَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ فَكَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ قَدْ خَلَفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ، وَقَالَ لِي يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ عَلَى نَفْسِي فِي الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مَعَهُ. وَإِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهِبًا لِلْعَدُوِّ وَلِيُبْلِغَهُمْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي طَلَبِهِمْ فَيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَهُمْ لَمْ يُوهِنْهُمْ فَيَنْصَرِفُوا. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَسَعِيدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ (1) . وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: يَا ابْنَ أُخْتِي أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ أَبَاكَ وَجَدَّكَ -تَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَالزُّبَيْرَ -لَمِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} (2) فَمَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْبَدٌ الْخُزَاعِيُّ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ وَكَانَتْ خُزَاعَةُ -مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ -عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِهَامَةَ صَفْقَتُهُمْ مَعَهُ لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ أَعْفَاكَ مِنْهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءِ قَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: لَقَدْ أَصَبْنَا جُلَّ أَصْحَابِهِ وَقَادَتِهِمْ لَنَكِرَّنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ فَلْنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ وَنَدِمُوا عَلَى صَنِيعِهِمْ، وَفِيهِمْ مِنَ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: وَيْلَكَ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ تَرْحَلُ حَتَّى تَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ،

_ (1) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 143 - 144 تفسير الطبري: 7 / 400 - 401. (2) حديث صحيح أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي: 2 / 298 وهو في الصحيحين باختلاف في توجيه الخطاب لعروة بن الزبير أخرجه البخاري في المغازي باب (الذين استجابوا لله والرسول) : 7 / 373 ومسلم.

قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي وَاللَّهِ أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِ أَبْيَاتًا: كَادَتْ تُهَدُّ مِنَ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إِذْ سَالَتِ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ فَذَكَرَ أَبْيَاتًا فَرَدَّ ذَلِكَ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ. وَمَرَّ بِهِ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمَدِينَةَ قَالَ: (وَلِمَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْمِيرَةَ) (1) قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبَلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدًا رِسَالَةً وَأُحَمِّلُ لَكُمْ إِبِلَكُمْ هَذِهِ زَبِيبًا بِعُكَاظَ غَدًا إِذَا وَافَيْتُمُونَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جِئْتُمُوهُ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ وَانْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ بِحَمْرَاءِ الْأَسَدِ فَأَخْبَرُوهُ بِالَّذِي قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ (2) . هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى لِقَابِلٍ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" فَلَّمَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ مَجَنَّةَ مِنْ نَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قَلْبِهِ فَبَدَا لَهُ الرُّجُوعُ فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ وَقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: يَا نَعِيمُ إِنِّي وَاعَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَنَّ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرَى وَإِنَّ هَذِهِ عَامُ جَدْبٍ وَلَا يُصْلِحُنَا إِلَّا عَامٌ نَرْعَى فِيهِ الشَّجَرَ وَنَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَخْرُجَ إِلَيْهَا وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَخْرُجُ أَنَا فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ جُرْأَةً وَلَأَنْ يَكُونَ الْخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِي فَالْحَقْ بِالْمَدِينَةِ فَثَبِّطْهُمْ وَأَعْلِمْهُمْ أَنِّي فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِنَا، وَلَكَ عِنْدِي عَشْرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَضَعُهَا لَكَ عَلَى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وَيَضْمَنُهَا قَالَ: فَجَاءَ سُهَيْلٌ فَقَالَ لَهُ نَعِيمٌ يَا أَبَا يَزِيدَ: أَتَضْمَنُ لِي هَذِهِ الْقَلَائِصَ وَأَنْطَلِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأُثَبِّطُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَخَرَجَ نَعِيمٌ حَتَّى أتى المدينة 74/أفَوَجْدَ النَّاسَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: وَاعَدَنَا أَبُو سُفْيَانَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ الصُّغْرَى أَنْ نَقْتَتِلَ بِهَا فَقَالَ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتُمْ أَتَوْكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَقَرَارِكُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْكُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، فَتُرِيدُونَ أَنْ تَخْرُجُوا وَقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ عِنْدَ الْمَوْسِمِ، وَاللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَكَرِهَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُرُوجَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَخْرُجَنَّ وَلَوْ وَحْدِي" فَأَمَّا الْجَبَانُ فَإِنَّهُ رَجَعَ وَأَمَّا الشُّجَاعُ فَإِنَّهُ تَأَهَّبَ لِلْقِتَالِ وَقَالَ: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

_ (1) جاءت العبارة في المطبوعة محرفة هكذا: (ولم يقولوا نريد الميرة) والتصحيح من تفسير الطبري. (2) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 144 تفسير الطبري"7 / 406 - 409.

173

فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى وَافَوْا بَدْرًا الصُّغْرَى فَجَعَلُوا يَلْقَوْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ فَيَقُولُونَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُرْعِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حَتَّى بَلَغُوا بَدْرًا وَكَانَتْ مَوْضِعَ سُوقٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهَا فِي كُلِّ عَامٍ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ وَقَدِ انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ مِنْ مَجَنَّةَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمْ يَلْقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَوَافَقُوا السُّوقَ وَكَانَتْ مَعَهُمْ تِجَارَاتٌ وَنَفَقَاتٌ فَبَاعُوا وَأَصَابُوا بِالدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ (1) فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أَيْ أَجَابُوا وَمَحَلُّ "الَّذِينَ" خَفْضٌ عَلَى صِفَةِ الْمُؤْمِنِينَ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ، {مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} أَيْ: (نَالَتْهُمُ الْجِرَاحُ) (2) تَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا ثُمَّ ابْتِدَاءٌ فَقَالَ: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ} بِطَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجَابَتِهِ إِلَى الْغَزْوِ، {وَاتَّقَوْا} مَعْصِيَتَهُ {أَجْرٌ عَظِيمٌ} {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) }

_ (1) انظر تفسير الطبري: 7 / 411-412 وقد رجح القول الأول وهو قول أكثر المفسرين: 7 / 412 - 413. (2) في ب (نالهم الجرح) .

174

{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} وَمَحَلُّ "الَّذِينَ " خَفْضٌ أَيْضًا مَرْدُودٌ عَلَى الَّذِينَ الْأَوَّلِ وَأَرَادَ بِالنَّاسِ: نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ: أَرَادَ بِالنَّاسِ الرَّكْبَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ، {فَاخْشَوْهُمْ} فَخَافُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ فَإِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِمْ، {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} تَصْدِيقًا وَيَقِينًا وَقُوَّةً {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} أَيْ: كَافِينَا اللَّهُ، {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} أَيِ: الْمَوْكُولُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالُوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (1) . {فَانْقَلَبُوا} فَانْصَرَفُوا، {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} بِعَافِيَةٍ لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا {وَفَضْلٍ} تِجَارَةٍ وَرِبْحٍ وَهُوَ مَا أَصَابُوا

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم": 8 / 229.

175

فِي السُّوقِ {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} يُصِبْهُمْ أَذًى وَلَا مَكْرُوهٌ، {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ} فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هَلْ يَكُونُ هَذَا غَزْوًا فَأَعْطَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الْغَزْوِ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} يَعْنِي: ذَلِكَ الَّذِي قَالَ لَكُمْ: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ أَلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ لِيَرْهَبُوهُمْ وَيَجْبُنُوا عَنْهُمْ، {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أَيْ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ يَعْنِي: يُخَوِّفُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْكَافِرِينَ قَالَ السُّدِّيُّ: يُعَظِّمُ أَوْلِيَاءَهُ فِي صُدُورِهِمْ لِيَخَافُوهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ "يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ") {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ} فِي تَرْكِ أَمْرِي {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} مُصَدِّقِينَ بِوَعْدِي فَإِنِّي مُتَكَفِّلٌ لَكُمْ بِالنُّصْرَةِ وَالظَّفَرِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَحْزُنْكَ} قَرَأَ نَافِعٌ " يُحْزِنُكَ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ إِلَّا قَوْلَهُ {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} ضِدَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُمَا لُغَتَانِ: حَزِنَ يَحْزُنُ وَأَحْزَنَ يُحْزِنُ إِلَّا أَنَّ اللُّغَةَ الْغَالِبَةَ حَزِنَ يَحْزُنُ، {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ بِمُظَاهَرَةِ الْكُفَّارِ. {إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} بِمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْكُفْرِ، {يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ} نَصِيبًا فِي ثَوَابِ الْآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ حَتَّى سَارَعُوا فِي الْكُفْرِ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا} اسْتَبْدَلُوا {الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا} وَإِنَّمَا يَضُرُّونَ أَنْفُسَهُمْ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} قَرَأَ حَمْزَةُ هَذَا وَالَّذِي بَعْدَهُ بِالتَّاءِ فِيهِمَا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ "فَالَّذِينَ " فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِ وَتَقْدِيرُهُ (1) وَلَا يَحْسَبَنَّ الْكَفَّارُ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْرًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ

_ (1) ساقط من (ب) .

179

يَعْنِي: وَلَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَإِنَّمَا نُصِبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ} وَالْإِمْلَاءُ الْإِمْهَالُ وَالتَّأْخِيرُ، يُقَالُ: عِشْتُ طَوِيلًا حَمِيدًا وَتَمَلَّيْتُ حِينًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا" (مَرْيَمَ -46) أَيْ: حِينًا طَوِيلًا ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} نُمْهِلُهُمْ {لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ وَقَالَ عَطَاءٌ: فِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَفَّالُ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَرْوَنْجِرْدِيُّ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَانَ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ" قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: "مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (1) . {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَالَفَكَ فَهُوَ فِي النَّارِ وَاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، وَأَنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى دِينِكَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَاللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ، فَأَخْبِرْنَا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فِي صُوَرِهَا فِي الطِّينِ كَمَا عُرِضَتْ عَلَى آدَمَ وَأُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بِي وَمَنْ يَكْفُرُ بِي" فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالُوا اسْتِهْزَاءً: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرُ مِمَّنْ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ، وَنَحْنُ مَعَهُ وَمَا يَعْرِفُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ طَعَنُوا فِي عِلْمِي لا تسألوني 74/ب عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ

_ (1) أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في طول العمر للمؤمن: 6 / 622 وقال: هذا حديث حسن صحيح والدارمي في الرقاق باب أي المؤمنين خير؟: 2 / 308 والحاكم في المستدرك: 1 / 339 وصححه على شرط مسلم وأخرج أيضا عن جابر: "ألا أنبئكم بخياركم من شراركم؟ قالوا: بلى قال: خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم عملا" وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وله شاهد صحيح على شرط مسلم ثم ذكر حديث أبي بكرة. وأخرجه الإمام أحمد: 4 / 188، 190 5 / 40، 43، 44 وفي مواضع أخرى والمصنف في شرح السنة: 14 / 287، 288 والطيالسي في المسند ص (116) .

السَّاعَةِ إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ" فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ: فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: حُذَافَةُ فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا وَبِكَ نَبِيًّا فَاعْفُ عَنَّا عَفَا اللَّهُ عَنْكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ"؟ ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ وَنَظْمِهَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ يَعْنِي {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} وَقَالَ قَوْمٌ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ، مَعْنَاهُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ بِالْمُنَافِقِ، فَرَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ إِلَى الْخِطَابِ. {حَتَّى يَمِيزَ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَالتَّشْدِيدِ وَكَذَلِكَ الَّتِي فِي الْأَنْفَالِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْخَفِيفِ يُقَالُ: مَازَ الشَّيْءَ يَمِيزُهُ مَيْزًا وَمَيَّزَهُ تَمْيِيزًا إِذَا فَرَّقَهُ فَامْتَازَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ قُلْتَ: مِزْتُ مَيْزًا، فَإِذَا كَانَتْ أَشْيَاءَ قُلْتَ: مَيَّزْتُهَا تَمْيِيزًا وَكَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ شَيْئَيْنِ قُلْتَ: فَرَقْتُ بِالتَّخْفِيفِ وَمِنْهُ فَرْقُ الشَّعْرِ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ أَشْيَاءَ قُلْتَ: فَرَّقْتُهُ تَفْرِيقًا، وَمَعْنَى الْآيَةِ حَتَّى يُمَيِّزَ الْمُنَافِقَ مِنَ الْمُخْلِصِ، فَمَيَّزَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ أَظْهَرُوا النِّفَاقَ وَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حَتَّى يَمِيزَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ} فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ يَا مَعْشَرَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ فِي أَصْلَابِكُمْ وَأَرْحَامِ نِسَائِكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ: {حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ} وَهُوَ الْمُذْنِبُ {مِنَ الطَّيِّبِ} وَهُوَ الْمُؤْمِنُ يَعْنِي: حَتَّى يَحُطَّ الْأَوْزَارَ عَنِ الْمُؤْمِنِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ نَكْبَةٍ وَمِحْنَةٍ وَمُصِيبَةٍ، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ (2) أَحَدٌ غَيْرُهُ، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ عِلْمِ الْغَيْبِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ" (سُورَةُ الْجِنِّ الْآيَتَانِ: 26،27) . وَقَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ، {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}

_ (1) ذكره الواحدي بدون سند عن السدي إلى قوله: فبلغ ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقام. . . انظر: أسباب النزول ص (165) وأخرج الإمام أحمد في المسند: 3 / 162 عن أنس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر. . . دون أن يذكر أن نزول الآية كان عقب ذلك. وأخرجه ابن عبد البر بسنده عن أنس في أسد الغابة: 3 / 212. وانظر: الإصابة لابن حجر: 4 / 57. (2) ساقطة من (أ) .

180

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} أَيْ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الْبَاخِلُونَ الْبُخْلَ خَيْرًا لَهُمْ، {بَلْ هُوَ} يَعْنِي: الْبُخْلَ، {شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ} أَيْ: سَوْفَ يُطَوَّقُونَ {مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يَعْنِي: يَجْعَلُ مَا مَنَعَهُ مِنَ الزَّكَاةِ حَيَّةً تُطَوَّقُ فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَنْهَشُهُ مِنْ فَوْقِهِ (1) إِلَى قَدَمِهِ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي وَائِلٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالسُّدِّيِّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، أَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الْآيَةَ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، أَنَا أَبِي، أَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي: النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (3) . "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ وَأَسْمَنَهُ تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُوْلَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ" (4) . قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَعْنَى الْآيَةِ يَجْعَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَعْنَاقِهِمْ طَوْقًا مِنَ النَّارِ قَالَ مُجَاهِدٌ: يُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وَرَوَى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَحْبَارِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) في أ: (قرنة) . (2) أخرجه البخاري في الزكاة باب إثم مانع الزكاة: 3 / 268 وفي التفسير وفي الحيل والمصنف في شرح السنة: 5 / 478. (3) في ب: (فقال) . (4) أخرجه البخاري في الزكاة باب ليس دون خمس ذود صدقة: 3 / 323 ومسلم في الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة برقم (990) : 2 / 686. والمصنف في شرح السنة: 5 / 477 - 478.

وَنُبُوَّتَهُ وَأَرَادَ بِالْبُخْلِ كِتْمَانَ الْعِلْمِ (1) كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ" (النِّسَاءِ -37) . وَمَعْنَى قَوْلِهِ "سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" أَيْ: يَحْمِلُونَ وِزْرَهُ وَإِثْمَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ" (الْأَنْعَامِ -31) . {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَعْنِي: أَنَّهُ الْبَاقِي الدَّائِمُ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَزَوَالِ أَمْلَاكِهِمْ فَيَمُوتُونَ وَيَرِثُهُمْ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا" (مَرْيَمَ -40) {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} قَرَأَ أَهْلُ البصرة ومكة يعلمون بِالْيَاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ.

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 7 / 432 الدر المنثور: 2 / 394 أسباب النزول للواحدي ص (165 - 166) .

181

{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: لَمَّا نَزَلَتْ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ اسْتَقْرَضَ مِنَّا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ: أَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ (1) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَأَنْ يُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْتَ مُدَارِسِهِمْ فَوَجَدَ نَاسًا كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ، وَمَعَهُ حَبْرٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ أَشْيَعُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِفِنْحَاصَ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَسْلِمْ فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ فَآمِنْ وَصَدِّقْ وَأَقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُدْخِلْكَ الْجَنَّةَ وَيُضَاعِفْ لَكَ الثَّوَابَ. فَقَالَ فِنْحَاصُ: يَا أَبَا بَكْرٍ تَزْعُمُ أَنَّ رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُ أَمْوَالَنَا وَمَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا الْفَقِيرُ مِنَ الْغَنِيِّ؟ فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّ اللَّهَ إِذًا لَفَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ، وَإِنَّهُ يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَا، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا. فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عُدُوَّ اللَّهِ فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ انْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ"؟

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 7 / 444 الدر المنثور: 2 / 397.

182

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ فَغَضِبْتُ لِلَّهِ فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ، فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَى فِنْحَاصَ وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْن أَغْنِيَاءُ} " (1) 75/أ {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى اللَّهِ {فَنُجَازِيهِمْ بِهِ} (2) وَقَالَ مُقَاتِلٌ: سَنَحْفَظُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَأْمُرُ الْحَفَظَةَ بِالْكِتَابَةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} ، {وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} قَرَأَ حَمْزَةُ "سَيُكْتَبُ" بِضَمِّ الْيَاءِ، " وَقَتْلُهُمْ " بِرَفْعِ اللَّامِ "وَيَقُولُ" بِالْيَاءِ وَ {ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} أَيِ: النَّارِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُحْرِقُ كَمَا يُقَالُ: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَيْ: مُؤْلِمٌ. {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) } {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} فَيُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَمَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ وَوَهْبِ بْنِ يَهُوذَا وَزَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ (3) وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَكَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَهِدَ إِلَيْنَا فِي التَّوْرَاةِ {أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} فَإِنْ جِئْتَنَا بِهِ صَدَّقْنَاكَ؛ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا} (4) أَيْ: سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا وَمَحَلُّ {الَّذِينَ} خَفْضٌ رَدًّا عَلَى {الَّذِينَ} الْأَوَّلِ، {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا} أَيْ: أَمَرَنَا وَأَوْصَانَا فِي كُتُبِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنُ بِرَسُولٍ أَيْ: لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا يَزْعُمُ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، وَالْقُرْبَانُ: كُلُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَسِيكَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ فُعْلَانٌ مِنَ الْقُرْبَةِ وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالْغَنَائِمُ لَا تَحِلُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانُوا إِذَا قَرَّبُوا قُرْبَانًا أَوْ غَنِمُوا غَنِيمَةً جَاءَتْ نَارٌ

_ (1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: 2 / 207 - 208 طبعة الحلبي وابن جرير الطبري في التفسير: 7 / 441 - 444 وابن المنذر وابن أبي حاتم - انظر: الدر المنثور: 2 / 396 أسباب النزول للواحدي ص (166) . (2) ساقط من: (ب) . (3) في أ: (الباقر) . (4) انظر: أسباب النزول ص (167) تفسير القرطبي: 4 / 295.

184

بَيْضَاءُ مِنَ السَّمَاءِ لَا دُخَانَ لَهَا وَلَهَا دَوِيٌّ وَحَفِيفٌ (1) فَتَأْكُلُهُ وَتُحْرِقُ ذَلِكَ الْقُرْبَانَ وَتِلْكَ الْغَنِيمَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةَ الْقَبُولِ وَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ جَاءَكُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حَتَّى يَأْتِيَكُمُ الْمَسِيحُ وَمُحَمَّدٌ، فَإِذَا أَتَيَاكُمْ فَآمِنُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ بِغَيْرِ قُرْبَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {قَدْ جَاءَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ {رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ} الْقُرْبَانِ {فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ} يَعْنِي: زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَسَائِرَ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ أَسْلَافَهُمْ فَخَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِ أَسْلَافِهِمْ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} مَعْنَاهُ تَكْذِيبُهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، كَقَتْلِ آبَائِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْقُرْبَانِ وَالْمُعْجِزَاتِ، ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ " وَبِالزُّبُرِ " أَيْ: بِالْكُتُبِ الْمَزْبُورَةِ يَعْنِي: الْمَكْتُوبَةَ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ مِثْلَ: رَسُولٍ وَرُسُلٍ، {وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ} الْوَاضِحِ الْمُضِيءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كُلُّ نَفْسٍ} مَنْفُوسَةٍ، {ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وَفِي الْحَدِيثِ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ اشْتَكَتِ الْأَرْضُ إِلَى رَبِّهَا لِمَا أُخِذَ مِنْهَا فَوَعَدَهَا أَنْ يَرُدَّ فِيهَا مَا أُخِذَ مِنْهَا فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا يُدْفَنُ فِي التُّرْبَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا" (2) ، {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ} تُوَفَّوْنَ جَزَاءَ أَعْمَالِكُمْ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، {فَمَنْ زُحْزِحَ} نُجِّيَ وَأُزِيلَ، {عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ظَفِرَ بِالنَّجَاةِ وَنَجَا مِنَ الْخَوْفِ، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} يَعْنِي مَنْفَعَةٌ وَمُتْعَةٌ كَالْفَأْسِ وَالْقِدْرِ وَالْقَصْعَةِ ثُمَّ تَزُولُ وَلَا تَبْقَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَخُضْرَةِ النَّبَاتِ وَلَعِبِ الْبَنَاتِ لَا حَاصِلَ لَهُ.

_ (1) في ب: (وهفيف) . (2) لم يثبت بهذا اللفظ والذي يظهر والله أعلم أنه ليس بحديث وقد ذكره الخازن في تفسيره ولم يشر إلى أنه حديثه. انظر المطالب العالية 3 / 333 - 334 فقد ورد قريبا منه.

186

قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ مَتَاعٌ مَتْرُوكَةٌ يُوشِكُ أَنْ تَضْمَحِلَّ بِأَهْلِهَا فَخُذُوا مِنْ هَذَا الْمَتَاعِ بِطَاعَةِ اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَالْغُرُورُ: الْبَاطِلُ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بن هَارُونَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (السَّجْدَةِ -17) وَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: "وَظِلٍّ مَمْدُودٍ" (الْوَاقِعَةِ -30) وَلَمَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (1) . {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الْآيَةَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَفِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ إِلَى فِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ سَيِّدِ بَنِي قَيْنُقَاعَ لِيَسْتَمِدَّهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "لَا تَفْتَاتَنَّ (2) عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ" فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ بِالسَّيْفِ فَأَعْطَاهُ الْكِتَابَ فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: قَدِ احْتَاجَ رَبُّكَ إِلَى أَنْ نُمِدَّهُ، فَهَمَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَفْتَاتَنَّ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتَّى تَرْجِعَ" فَكَفَّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (3) . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ كَانَ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسُبُّ الْمُسْلِمِينَ،

_ (1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة: 9 / 179 - 180 وقال حسن صحيح وأحمد في المسند: 2 / 438 عن أبي هريرة وأخرج بعضه البخاري في التفسير باب "فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين" 9: 8 / 515 وفي بدء الخلق ومسلم في الجنة وصفة نعيمها برقم (2824) : 4 / 2174. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 208 - 209. (2) كل من أحدث دونك شيئا ومضى عليه ولم يستشرك واستبد به دونك فقد فاتك بالشيء وافتات عليك له أو فيه. وهو "افتعال" من "الفوت" وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار أو مشورة. وانظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 7 / 455 النهاية لابن الأثير: 3 / 477. (3) الطبري: 7 / 455 وعزاه السيوطي في لباب النقول ص (126) لابن أبي حاتم وابن المنذر وقال: "إنه سند حسن" وانظر: فتح الباري: 8 /231.

وَيُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي شِعْرِهِ وَيُشَبِّبُ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لِي بِابْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"؟. فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَنَا أَقْتُلُهُ قَالَ: "فَافْعَلْ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ". فَرَجَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَمَكَثَ ثَلَاثًا لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ إِلَّا مَا تَعَلَّقَ نَفْسَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرَكْتَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتُ قَوْلًا وَلَا أَدْرِي هَلْ أَفِي بِهِ أَمْ لَا فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْجُهْدُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَنْ نَقُولَ قَالَ: قُولُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَسِلْكَانُ بْنُ سَلَامٍ وَأَبُو نَائِلَةَ، وَكَانَ أَخَا كَعْبٍ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَأَبُو عِيسَى بْنُ جُبَيْرٍ فَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ ثُمَّ وَجَّهَهُمْ، وَقَالَ: "انْطَلِقُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ" ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ. فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِ فَقَدَّمُوا أَبَا نَائِلَةَ فَجَاءَهُ فَتَحَدَّثَ مَعَهُ سَاعَةً وَتَنَاشَدَا الشِّعْرَ، وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ يَقُولُ الشِّعْرَ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْأَشْرَفِ إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ فَاكْتُمْ عَلَيَّ قَالَ أَفْعَلُ قَالَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ بِلَادَنَا بَلَاءً عَادَتْنَا الْعَرَبُ وَرَمَوْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَانْقَطَعَتْ عَنَّا السُّبُلُ حَتَّى ضَاعَتِ الْعِيَالُ وَجَهَدَتِ الْأَنْفُسُ، فَقَالَ كَعْبٌ: أَنَا ابْنُ الْأَشْرَفِ أَمَا وَاللَّهُ لَقَدْ كُنْتُ أَخْبَرْتُكَ يَا بن سَلَامَةَ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى هَذَا، فَقَالَ أبو نائلة: 75/ب إِنَّ مَعِي أَصْحَابًا أَرَدْنَا أَنْ تَبِيعَنَا طَعَامَكَ وَنَرْهَنُكَ وَنُوَثِّقُ لَكَ وَتُحْسِنُ فِي ذَلِكَ قَالَ: أَتَرْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ قَالَ: إِنَّا نَسْتَحِي إِنْ يُعَيَّرَ أَبْنَاؤُنَا فَيُقَالُ هَذَا رَهِينَةُ وَسْقٍ وَهَذَا رَهِينَةُ وَسْقَيْنِ قَالَ: تَرْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ وَلَا نَأْمَنُكَ وَأَيَّةُ امْرَأَةٍ تَمْتَنِعُ مِنْكَ لِجَمَالِكَ؟ وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ الْحَلْقَةَ يَعْنِي: السِّلَاحَ وَقَدْ عَلِمْتَ حَاجَتَنَا إِلَى السِّلَاحِ، قَالَ: نَعَمْ وَأَرَادَ أَبُو نَائِلَةَ أَنْ لَا يُنْكِرَ السِّلَاحَ إِذَا رَآهُ فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ فَرَجَعَ أَبُو نَائِلَةَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ. فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى حِصْنِهِ لَيْلًا فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ مِنْ مِلْحَفَتِهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَسْمَعُ صَوْتًا يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ، وَإِنَّكَ رَجُلٌ مُحَارِبٌ وَإِنَّ صَاحِبَ الْحَرْبِ لَا يَنْزِلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ السَّاعَةِ فَكَلِّمْهُمْ مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ وَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي، وَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ أَجَابَ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ قَالُوا: يَا بن الْأَشْرَفِ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ نَتَمَاشَى إِلَى شِعْبِ الْعَجُوزِ نَتَحَدَّثُ فِيهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ؟ فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ قَالَ: لِأَصْحَابِهِ إِنِّي فَاتِلٌ شَعْرَهُ فَأَشُمُّهُ فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ

مِنْ رَأْسِهِ فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ، ثُمَّ إِنَّهُ شَامَ يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ ثُمَّ شَمَّ يَدَهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبَ عَرُوسٍ قَطُّ، قَالَ: إِنَّهُ طِيبُ أُمِّ فُلَانٍ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، ثُمَّ مَشَى سَاعَةً ثُمَّ عَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً فَعَادَ لِمِثْلِهَا ثُمَّ أَخَذَ بِفَوْدَيْ رَأْسِهِ حَتَّى اسْتَمْكَنَ ثُمَّ قَالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ فَاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا فِي سَيْفِي فَأَخَذْتُهُ وَقَدْ صَاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنَا حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نَارٌ، قَالَ فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنْدُوَتِهِ ثُمَّ تَحَامَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغْتُ عَانَتَهُ وَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ، وَقَدْ أُصِيبَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ بِجُرْحٍ فِي رَأْسِهِ أَصَابَهُ بَعْضُ أَسْيَافِنَا، فَخَرَجْنَا وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا صَاحِبُنَا الْحَارِثُ وَنَزَفَهُ الدَّمُ، فَوَقَفْنَا لَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَتَانَا يَتْبَعُ آثَارَنَا فَاحْتَمَلْنَاهُ فَجِئْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَتْلِ كَعْبٍ وَجِئْنَا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِنَا. فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ خَافَتْ يَهُودُ وَقْعَتَنَا بِعَدُوِّ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ" فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى سُنَيْنَةِ رَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الْيَهُودِ كَانَ يُلَابِسُهُمْ وَيُبَايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ وَكَانَ حُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيِّصَةَ فَلَمَّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيِّصَةُ يَضْرِبُهُ وَيَقُولُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ قَتَلْتَهُ أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ. قَالَ مُحَيِّصَةُ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنِي بِقَتْلِكَ مَنْ أَمَرَنِي بِقَتْلِهِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، قَالَ: لَوْ أَمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ وَاللَّهِ إِنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذَا لَعَجَبٌ؟ ! فَأَسْلَمَ حُوَيِّصَةُ (1) وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ كَعْبٍ: {لَتُبْلَوُنَّ} لَتُخْبَرُنَّ اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَفِيهِ مَعْنَى الْقَسَمِ، وَالنُّونُ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ {فِي أَمْوَالِكُمْ} بِالْجَوَائِحِ وَالْعَاهَاتِ وَالْخُسْرَانِ {وَأَنْفُسِكُمْ} بِالْأَمْرَاضِ وَقِيلَ: بِمَصَائِبِ الْأَقَارِبِ وَالْعَشَائِرِ، قَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ أَمْوَالَهُمْ وَرِبَاعَهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالزَّكَاةِ، {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ، {أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا} عَلَى أَذَاهُمْ {وَتَتَّقُوا} اللَّهَ، {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} مِنْ حَقِّ الْأُمُورِ وَخَيْرِهَا وَقَالَ عَطَاءٌ: مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ.

_ (1) أخرج القصة بطولها ابن إسحاق في السيرة: 2 / 123 - 126 واختصرها البخاري في المغازي باب قتل كعب: 7 / 337 - وانظر: تفسير الطبري: 7 / 456 - 458 وعزاه السيوطي في اللباب ص (146) لعبد الرزاق وكذلك ابن حجر في الفتح: 8 / 231.

187

{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) } {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ

188

وَأَبُو بَكْرٍ بِالْيَاءِ فِيهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ فِيهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ، {فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} أَيْ: طَرَحُوهُ وَضَيَّعُوهُ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ، {وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} يَعْنِي: الْمَآكِلَ وَالرُّشَا، {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيُعَلِّمْهُ وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الْآيَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ الشَّاهُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرُ بْنُ سَهْلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الدَّيْنَوَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلِجْمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ" (1) . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: أَتَيْتُ الزُّهْرِيَّ بَعْدَ أَنْ تَرَكَ الْحَدِيثَ فَأَلْفَيْتُهُ عَلَى بَابِهِ فَقُلْتُ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُحَدِّثَنِي؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُ الْحَدِيثَ؟ فَقُلْتُ: إِمَّا أَنْ تُحَدِّثَنِي وَإِمَّا أَنْ أُحَدِّثَكَ فَقَالَ: حَدِّثْنِي فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْجَهْلِ أَنْ يَتَعَلَّمُوا حَتَّى أَخَذَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُعَلِّمُوا قَالَ: فَحَدَّثَنِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا (2) . {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) } قَوْلُهُ: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} الْآيَةَ قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {لَا تَحْسَبَنَّ} بِالتَّاءِ،

_ (1) أخرجه أبو داود في العلم باب كراهية منع العلم: 5 / 251 والترمذي في العلم باب ما جاء في كتمان العلم: 7 / 407 - 408 وقال: حديث حسن. ونقل المنذري تحسين الترمذي له ثم قال: وقد روي عن أبي هريرة من طرق فيها مقال والطريق التي أخرجه بها أبو داود طريق حسن فإنه رواه عن التبوذكي وقد احتج به البخاري ومسلم - عن حماد بن مسلمة - وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري - عن علي بن الحكم وهو أبو الحكم البناني قال الإمام أحمد: ليس به بأس - عن عطاء بن أبي رباح وقد اتفق الإمامان على الاحتجاج به. وأخرجه أيضا ابن ماجه في المقدمة باب من سئل عن علمه فكتمه بلفظ "ما من رجل يحفظ علما فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجما بلجام من نار" برقم (261) : 1 / 96. والحاكم في المستدرك: 1 / 101 وصححه على شرط الشيخين وأحمد في المسند: 1 / 161، 2 / 263 ومواضع أخرى وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص 22 والمصنف في شرح السنة: 1 / 301. (2) أخرجه الحارث بن أبي أسامة أخبرنا عبد الوهاب الخفاقي حدثنا الحسن بن عمارة حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت عليا فذكره. . . والحسن متروك. ومن طريق الحارث رواه الثعلبي وذكره ابن عبد البر في العلم قال: ويروي عن علي. . وذكره صاحب الفردوس عن علي. انظر: الكافي الشاف ص (35) .

أَيْ: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ الْفَارِحِينَ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ "لَا يَحْسَبَنَّ" الْفَارِحُونَ فَرَحَهُمْ مُنْجِيًا لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ {فَلَا يَحْسَبَنَّهُمْ} وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: بِالْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ خَبَرًا عَنِ الْفَارِحِينَ، أَيْ فَلَا يَحْسَبُنَّ أَنْفُسَهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ: فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَأَعَادَ قَوْلَهُ {فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} تَأْكِيدًا وَفِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} غَيْرِ تَكْرَارٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سعيد الخدري 76/أأَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} (1) الْآيَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقُلْ لَهُ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ فَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتُحْمِدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} (2) . قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصَ وَأَشْيَعَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحْبَارِ يَفْرَحُونَ بِإِضْلَالِهِمُ النَّاسَ وَبِنِسْبَةِ النَّاسِ إِيَّاهُمْ إِلَى الْعِلْمِ وَلَيْسُوا بِأَهْلِ الْعِلْمِ (3) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِإِعْجَابِ النَّاسِ بِتَبْدِيلِهِمُ الْكِتَابَ وَحَمْدِهِمْ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ (4) .

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا" 8 / 233 ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (2777) : 4 / 2142. (2) أخرجه البخاري في الموضع السابق نفسه ومسلم في الموضع نفسه برقم (2778) . (3) تفسير الطبري: 7 / 466. (4) تفسير الطبري: 7 / 469.

189

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْيَهُودُ فَرِحُوا بِمَا أَعْطَى اللَّهُ آلَ إِبْرَاهِيمَ وَهُمْ بُرَآءُ مِنْ ذَلِكَ (1) . وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: أَتَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِفُكَ وَنُصَدِّقُكَ وَإِنَّا عَلَى رَأْيِكُمْ وَنَحْنُ لَكُمْ رِدْءٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ قَالُوا: عَرَفْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: أَحْسَنْتُمْ هَكَذَا فَافْعَلُوا فَحَمِدُوهُمْ وَدَعَوْا لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) وَقَالَ: {يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا} قَالَ الْفَرَّاءُ بِمَا فَعَلُوا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا" (مَرْيَمَ -27) أَيْ: فَعَلْتِ، {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} بِمَنْجَاةٍ، {مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) } {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَصْرِفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بن الحسين الإسفرايني، أَنَا أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، أَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ اسْتَيْقَظَ فَتَسَوَّكَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَأَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَفِي لِسَانِي نُورًا وَاجْعَلْ خَلْفِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا" (3) . وَرَوَاهُ كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَزَادَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفِي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا" (4) .

_ (1) تفسير الطبري: 7 / 469. (2) الطبري: 7 / 471. وقد رجح الطبري أن المعني بهم أهل الكتاب الذين أخبر الله عز وجل أنه أخذ ميثاقهم ليبين للناس: أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يكتمونه. انظر ص 471 - 472 منه. (3) أخرجه البخاري في الدعوات باب الدعاء إذا انتبه من الليل: 11 / 116 بنحوه ومسلم في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه برقم (763) : 1 / 530 واللفظ له. (4) مسلم في الموضع نفسه: 1 / 529.

191

قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} ذَوِي الْعُقُولِ ثُمَّ وَصَفَهُمْ فَقَالَ: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) } {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ: هَذَا فِي الصَّلَاةِ يُصَلِّي قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرَّاحِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَا هَنَّادٌ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْمَرِيضِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". (1) . وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ أَرَادَ بِهِ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الذِّكْرِ فِي عُمُومِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَلَّ مَا يَخْلُو مِنْ إِحْدَى هَذِهِ الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ، نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ "فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ" {النِّسَاءِ -103} ، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَمَا أَبْدَعَ فِيهِمَا لِيَدُلَّهُمْ ذَلِكَ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَيَعْرِفُوا أَنَّ لَهَا صَانِعًا قَادِرًا مُدَبِّرًا حَكِيمًا قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: الْفِكْرَةُ تُذْهِبُ الْغَفْلَةَ وَتُحْدِثُ لِلْقَلْبِ الْخَشْيَةَ كَمَا يُحْدِثُ الْمَاءُ لِلزَّرْعِ النَّبَاتَ، وَمَا جُلِيَتِ الْقُلُوبُ بِمِثْلِ الْأَحْزَانِ وَلَا اسْتَنَارَتْ بِمِثْلِ الْفِكْرَةِ، {رَبَّنَا} أَيْ: وَيَقُولُونَ رَبَّنَا {مَا خَلَقْتَ هَذَا} رَدَّهُ إِلَى الْخَلْقِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ، {بَاطِلًا} أَيْ: عَبَثًا وَهَزْلَا بَلْ خَلَقْتَهُ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَانْتَصَبَ الْبَاطِلُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ: بِالْبَاطِلِ، {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} أَيْ: أَهَنْتَهُ، وَقِيلَ: أَهْلَكْتَهُ، وَقِيلَ: فَضَحْتَهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} (هُودٍ -78) فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ" (التَّحْرِيمِ -8) وَمِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ وَقَدْ قَالَ: {إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} قِيلَ: قَالَ أَنَسٌ وَقَتَادَةُ مَعْنَاهُ: إِنَّكَ مَنْ تُخَلِّدْ فِي النَّارِ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ (2) وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ هَذِهِ خَاصَّةٌ لِمَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا (3) فَقَدْ رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ قَوْمًا النَّارَ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا" (4) . {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}

_ (1) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب: 2 / 587 والمصنف في شرح السنة: 4 / 109. (2) تفسير الطبري: 7 / 477. (3) تفسير الطبري: 7 / 477. (4) أخرج البخاري عن أنس " يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين" كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار: 11 / 416 وفي التوحيد: 13 / 434.

193

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) }

195

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ، وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: يَعْنِي الْقُرْآنَ فَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} أَيْ إِلَى الْإِيمَانِ، {أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} أَيْ: فِي جُمْلَةِ الْأَبْرَارِ. {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} أَيْ: عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ، {وَلَا تُخْزِنَا} وَلَا تُعَذِّبْنَا وَلَا تُهْلِكْنَا وَلَا تَفْضَحْنَا وَلَا تُهِنَّا، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ قَوْلِهِمْ: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ} وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ؟ قِيلَ: لَفْظُهُ دُعَاءٌ وَمَعْنَاهُ خَبَرٌ أَيْ: لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ تَقْدِيرُهُ: {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} {وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لِتُؤْتِيَنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ وَقِيلَ: معناه ربنا واجلعنأ 76/ب مِمَّنْ يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَكَ وَتُؤْتِيهِمْ مَا وَعَدْتَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَيَقَّنُوا اسْتِحْقَاقَهُمْ لِتِلْكَ الْكَرَامَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُسْتَحِقِّينَ لَهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سَأَلُوهُ تَعْجِيلَ مَا وَعَدَهُمْ مِنَ النَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، قَالُوا: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ لَا تُخْلِفُ وَلَكِنْ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَى حِلْمِكَ فَعَجِّلْ خِزْيَهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي} أَيْ: بِأَنِّي، {لَا أُضِيعُ} لَا أُحْبِطُ، {عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ يَذْكُرُ

196

الرِّجَالَ فِي الْهِجْرَةِ وَلَا يَذْكُرُ النِّسَاءَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} (1) قَالَ الْكَلْبِيُّ: فِي الدِّينِ وَالنُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: رِجَالُكُمْ شَكْلُ نِسَائِكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ شَكْلُ رِجَالِكُمْ فِي الطَّاعَةِ، كَمَا قَالَ: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" (التَّوْبَةِ -71) . {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} أَيْ: فِي طَاعَتِي وَدِينِي، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ مَكَّةَ، {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ " وَقُتِّلُوا " بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي أَنَّهُمْ قُطِّعُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَرَأَ أَكْثَرُ الْقُرَّاءِ: {وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا} يُرِيدُ أَنَّهُمْ قَاتَلُوا الْعَدُوَّ ثُمَّ أَنَّهُمْ قُتِلُوا وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا} وَلَهُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ وَقَاتَلَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ {وَقُتِلُوا} أَيْ: قُتِلَ بَعْضُهُمْ تَقُولُ الْعَرَبُ قَتَلْنَا بَنِي فُلَانٍ وَإِنَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ {وَقُتِلُوا} وَقَدْ قَاتَلُوا، {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاالأنْهَار ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: مَصْدَرٌ أَيْ: لَأُثِيبَنَّهُمْ ثَوَابًا، {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي رَخَاءٍ وَلِينٍ مِنَ الْعَيْشِ يَتَّجِرُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ وَنَحْنُ فِي الْجَهْدِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ} وَضَرْبُهُمْ فِي الْأَرْضِ وَتَصَرُّفُهُمْ فِي الْبِلَادِ لِلتِّجَارَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَيْرُهُ. {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} أَيْ: هُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَبُلْغَةٌ فَانِيَةٌ وَمُتْعَةٌ زَائِلَةٌ، {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} مَصِيرُهُمْ، {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} الْفِرَاشُ. {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا} جَزَاءً وَثَوَابًا، {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نُزُلًا {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا.

_ (1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة النساء: 8 / 377 وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 300 على شرط البخاري والطبري في التفسير: 7 / 486 - 487. وعزاه السيوطي أيضا لسعيد بن منصور وابن المنذر وعيد الرزاق وابن أبي حاتم والطبراني عن أم سلمة أيضا. انظر: الدر المنثور: 2 / 412 ولباب النقول ص (150) بهامش الجلالين.

199

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَشْرُبَةٍ وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُورًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أُهُبٌ مُعَلَّقَةٌ فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ" (1) ؟ . {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} الْآيَةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ نَعَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمُ النَّجَاشِيِّ، فَخَرَجَ إِلَى الْبَقِيعِ وَكُشِفَ لَهُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَبْصَرَ سَرِيرَ النَّجَاشِيِّ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يُصَلِّي عَلَى عِلْجٍ حَبَشِيٍّ نَصْرَانِيٍّ (2) لَمْ يَرَهُ قَطُّ وَلَيْسَ عَلَى دِينِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (3) . وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا [مِنْ بَنِي حَارِثِ بْنِ كَعْبٍ] (4) اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٍ مِنَ الرُّومِ كَانُوا عَلَى دِينِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ (5) .

_ (1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة التحريم باب: تبتغي مرضاة أزواجك" 8 / 657. (2) زايدة من (ب) . (3) قال ابن حجر: ذكره الثعلبي من قول ابن عباس وقتادة وذكره الواحدي بلا إسناد ورواه الطبري وابن عدي في ترجمة أبي بكر الهذلي واسمه سلمى وهو ضعيف عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن جابر دون قوله: ونظر إلى أرض الحبشة. وأخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. انظر الكافي الشاف ص (37) . وعن أنس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على النجاشي فكبر عليه أربعا" رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد: 3 / 38 - 39 9 / 419. تفسير ابن كثير: 1 / 440. وصلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على النجاشي ثابتة في الصحيحين. انظر البخاري: 2 / 116 ومسلم: 2 / 656 - 657. (4) زيادة من (ب) . (5) انظر: البحر المحيط: 3 / 148.

200

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَزَلَتْ فِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ (1) ، {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، {خَاشِعِينَ لِلَّهِ} خَاضِعِينَ مُتَوَاضِعِينَ لِلَّهِ، {لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} يَعْنِي: لَا يُحَرِّفُونَ كُتُبَهُمْ وَلَا يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ وَالْمَأْكَلَةِ كَفِعْلِ غَيْرِهِمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} قَالَ الْحَسَنُ: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَلَا تَدَعُوهُ لِشِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: عَلَى أَمْرِ اللَّهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: عَلَى الْجِهَادِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَلَى الْبَلَاءِ، وَصَابِرُوا يَعْنِي: الْكُفَّارَ، وَرَابِطُوا يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، أَيْ دَاوِمُوا وَاثْبُتُوا، وَالرَّبْطُ الشَّدُّ، وَأَصْلُ الرِّبَاطِ أَنْ يَرْبِطَ هَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ خُيُولَهُمْ، ثُمَّ قِيلَ: لِكُلِّ مُقِيمٍ فِي ثَغْرٍ يَدْفَعُ عَمَّنْ وَرَاءَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكَبٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغُدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" (2) . . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجُورَبَذِيُّ، أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ عَنْ سَلْمَانَ الْخَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ رَابَطَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ صِيَامِ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 7 / 498 - 499، الدر المنثور: 2 / 388 وابن كثير: 1 / 440. (2) أخرجه البخاري في الجهاد باب فضل رباط يوم في سبيل الله. . 6 / 85، وقد ساق ابن كثير كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى في تفسيره للآية: 1 / 445 - 448.

شَهْرٍ مُقِيمٍ، وَمَنْ مَاتَ مُرَابِطًا جَرَى لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ الْأَجْرِ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ، وَأَمِنَ مِنَ الْفَتَّانِ" (1) . وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّلَاةِ، وَدَلِيلُ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ الخطايا ويرفع 77/أبِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ" (2) . {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ اللِّسَانِ: اصْبِرُوا عَلَى النَّعْمَاءِ وَصَابِرُوا عَلَى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَرَابِطُوا فِي دَارِ الْأَعْدَاءِ وَاتَّقُوا إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فِي دَارِ الْبَقَاءِ.

_ (1) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل - برقم (1913) : 3 / 1520، بلفظ "رباط يوم وليلة" والمصنف في شرح السنة: 10 / 352. والفتان: يروي بضم الفاء وفتحها، فالضم جمع فاتن وهو الذي يضل الناس عن الحق ويفتنهم وبالفتح هو الشيطان، لأنه يفتن الناس عن الدين، وفتان: من أبنية المبالغة في الفتنة. انظر: النهاية: 3 / 410. (2) أخرجه مسلم في الطهارة - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره برقم (251) : 1 / 219، المصنف في شرح السنة: 1 / 320.

النساء

سُورَةِ النِّسَاءِ -مَدَنِيَّةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يَعْنِي: حَوَّاءَ، {وَبَثَّ مِنْهُمَا} نَشَرَ وَأَظْهَرَ، {رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} أَيْ: تَتَسَاءَلُونَ بِهِ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعَاوَنُوا} ، {وَالْأَرْحَامَ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالنَّصْبِ، أَيْ: وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْخَفْضِ، أَيْ: بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ كَمَا يُقَالُ: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ وَالْأَرْحَامِ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى أَفْصَحُ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تُنَسِّقُ بِظَاهِرٍ عَلَى مُكَنَّى، إِلَّا أَنْ تُعِيدَ الْخَافِضَ فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِهِ وَبِزَيْدٍ، إِلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ قِلَّتِهِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} أَيْ: حَافِظًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} قَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطَفَانَ كَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أَخٍ لَهُ يَتِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْيَتِيمُ طَلَبَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ عَمُّهُ فَتَرَافَعَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا الْعَمُّ قَالَ: أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحُوبِ الْكَبِيرِ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيُطِعْ رَبَّهُ هَكَذَا فَإِنَّهُ يَحُلُّ دَارَهُ"، يَعْنِي: جَنَّتَهُ، فَلَمَّا قَبَضَ الْفَتَى مَالَهُ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَبَتَ الْأَجْرُ وَبَقِيَ الْوِزْرُ" فَقَالُوا: كَيْفَ بَقِيَ الْوِزْرُ؟ فَقَالَ: "ثَبَتَ الْأَجْرُ لِلْغُلَامِ وَبَقِيَ الْوِزْرُ عَلَى وَالِدِهِ" (1) . وَقَوْلُهُ {وَآتُوا} خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَالْأَوْصِيَاءِ، وَالْيَتَامَى: جَمْعُ يَتِيمٍ، وَالْيَتِيمُ: اسْمٌ لِصَغِيرٍ لَا أَبَ لَهُ وَلَا جَدَّ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَسَمَّاهُمْ يَتَامَى هَاهُنَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَامَى.

_ (1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (136) دون إسناد، عازيا للكلبي ومقاتل، وانظر: تفسير القرطبي: 5 / 8، البحر المحيط: 3 / 159.

3

{وَلَا تَتَبَدَّلُوا} أَيْ: لَا تَسْتَبْدِلُوا، {الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} أَيْ: مَالُهُمُ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ بِالْحَلَالِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّبَدُّلِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ: كَانَ أَوْلِيَاءُ الْيَتَامَى يَأْخُذُونَ الْجَيِّدَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَجْعَلُونَهُ مَكَانَ الرَّدِيءِ، فَرُبَّمَا كَانَ أَحَدُهُمَا يَأْخُذُ الشَّاةَ السَّمِينَةَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ وَيَجْعَلُ مَكَانَهَا الْمَهْزُولَةَ، وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ الْجَيِّدَ وَيَجْعَلُ مَكَانَهُ الزَّيْفَ، وَيَقُولُ: دِرْهَمٌ بِدِرْهَمٍ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَيَأْخُذُ الْأَكْبَرُ الْمِيرَاثَ، فَنَصِيبُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ طَيِّبٌ، وَهَذَا الَّذِي يَأْخُذُهُ خَبِيثٌ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَتَعَجَّلِ الرِّزْقَ الْحَرَامَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ الْحَلَالُ. {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} أَيْ: مَعَ اللَّهِ، {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} أَيْ: إِثْمًا عَظِيمًا. {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) } وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} الْآيَةَ. اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ إِنْ خِفْتُمْ يَا أَوْلِيَاءَ الْيَتَامَى أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ إِذَا نَكَحْتُمُوهُنَّ فَانْكِحُوا غَيْرَهُنَّ مِنَ الْغَرَائِبِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} قَالَتْ: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا فَيَرْغَبُ فِي جَمَالِهَا وَمَالِهَا وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَدْنَى مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فِي إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِوَاهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ثُمَّ اسْتَفْتَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} (1) . فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ أَوْ مَالٍ، رَغِبُوا فِي نِكَاحِهَا وَلَمْ يُلْحِقُوهَا بِسُنَّتِهَا بِإِكْمَالِ الصَّدَاقِ، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكُوهَا وَالْتَمَسُوا غَيْرَهَا مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: فَكَمَا يَتْرُكُونَهَا حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْهَا فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْكِحُوهَا إِذَا رَغِبُوا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهَا الْأَوْفَى مِنَ الصَّدَاقِ وَيُعْطُوهَا حَقَّهَا.

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النساء، باب "وإن خفتم أن لا تقسطوا. . . . " 8 / 239، ومسلم في التفسير برقم (3018) : 4 / 2313 - 2314.

قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الرَّجُلُ مِنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْأَيْتَامُ وَفِيهِنَّ مَنْ يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا لِأَجْلِ مَالِهَا وَهِيَ لَا تُعْجِبُهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُدْخِلَهُ غَرِيبٌ فَيُشَارِكُهُ فِي مَالِهَا، ثُمَّ يُسِيءُ صُحْبَتَهَا وَيَتَرَبَّصُ بِهَا أَنْ تَمُوتَ وَيَرِثَهَا، فَعَابَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَزَوَّجُ الْعَشْرَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَكْثَرَ فَإِذَا صَارَ مُعْدَمًا مِنْ مُؤَنِ نِسَائِهِ مَالَ إِلَى مَالِ يَتِيمِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ فَأَنْفَقَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: لَا تَزِيدُوا عَلَى أَرْبَعٍ حَتَّى لَا يُحْوِجَكُمْ إِلَى أَخْذِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَهَذِهِ رِوَايَةُ طَاوُوسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَيَتَرَخَّصُونَ فِي النِّسَاءِ، فَيَتَزَوَّجُونَ مَا شَاءُوا وَرُبَّمَا عَدَلُوا وَرُبَّمَا لَمْ يَعْدِلُوا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} يَقُولُ كَمَا خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَكَذَلِكَ خَافُوا فِي النِّسَاءِ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِيهِنَّ فَلَا تَتَزَوَّجُوا أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُكُمُ الْقِيَامَ بِحَقِّهِنَّ، لِأَنَّ النِّسَاءَ فِي الضَّعْفِ كَالْيَتَامَى، وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ (1) ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي نِكَاحِ أَرْبَعٍ فَقَالَ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا} فِيهِنَّ {فَوَاحِدَةً} وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ إِنْ تَحَرَّجْتُمْ مِنْ وِلَايَةِ الْيَتَامَى وَأَمْوَالِهِمْ إِيمَانًا فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا فَانْكِحُوا النِّسَاءَ الْحَلَالَ نِكَاحًا طَيِّبًا ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عَدَدًا، وَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مَا شَاءُوا مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} أَيْ: مَنْ طَابَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا" (الشَّمْسِ -5) أَيْ وَمَنْ بَنَاهَا "قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ" (الشُّعَرَاءِ -23) وَالْعَرَبُ تَضَعُ "مَنْ" وَ"مَا" كَلَّ وَاحِدَةٍ مَوْضِعَ الْأُخْرَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ" (النُّورِ -45) ، وَطَابَ أَيْ: حَلَّ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، مَعْدُولاتٍ عَنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَنْصَرِفْنَ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، لِلتَّخْيِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى" (سَبَأٍ -46) : "أُولِي أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث 77/ب وَرُبَاعَ" (غَافِرٍ -1) وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْأُمَّةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا مُشَارَكَةَ مَعَهُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ فِيهَا، وَرُوِيَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ الْحَارِثَ كَانَ تَحْتَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طَلِّقْ أَرْبَعًا وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا" قَالَ فَجَعَلَتْ أَقُولُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ يَا فُلَانَةُ أَدْبِرِي وَالَّتِي قَدْ وَلَدَتْ يَا فُلَانَةُ أَقْبِلِي (2) . وَرُوِيَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ

_ (1) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 7 / 534 - 539. (2) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربعة أو اختان: 3 / 155 عن الحارث بن قيس الأسدي، وقال: وفي رواية: " قيس بن الحارث" وصوبه بعضهم، وابن ماجه في النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة برقم (1952) : 1 / 628، والبيهقي في السنن: 7 / 183، وابن أبي شيبة في المصنف: 4 / 317. قال المنذري: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا. وقال أبو عمر النمري - ابن عبد البر -: ليس له إلا حديث واحد، ولم يأت من وجه صحيح. انظر: مختصر سنن أبي داود: 3 / 156. ويشهد له الحديث الآتي بعده، وقد حسن الألباني هذا الحديث في إرواء الغليل: 6 / 295 - 296، وانظر: تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب لابن كثير ص 344 - 345.

4

وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ" (1) . وَإِذَا جَمَعَ الْحُرُّ بَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ حَرَائِرَ يَجُوزُ، فَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتَيْنِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ أَحْمَدُ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَنْكِحُ الْعَبْدُ امْرَأَتَيْنِ وَيُطَلِّقُ طَلْقَتَيْنِ وَتَعْتَدُّ الْأَمَةُ بِحَيْضَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فَبِشَهْرَيْنِ أَوْ شَهْرٍ وَنِصْفٍ" (2) وَقَالَ رَبِيعَةُ: يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ كَالْحُرِّ. {فَإِنْ خِفْتُمْ} خَشِيتُمْ، وَقِيلَ: عَلِمْتُمْ، {أَلَّا تَعْدِلُوا} بَيْنَ الْأَزْوَاجِ الْأَرْبَعِ، {فَوَاحِدَةً} أَيْ فَانْكِحُوا وَاحِدَةً. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ {فَوَاحِدَةٌ} بِالرَّفْعِ، {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يَعْنِي السَّرَارِيَّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِنَّ مِنَ الْحُقُوقِ مَا يَلْزَمُ فِي الْحَرَائِرِ، وَلَا قَسْمَ لَهُنَّ، وَلَا وَقْفَ فِي عَدَدِهِنَّ، وَذِكْرُ الْأَيْمَانِ بَيَانٌ، تَقْدِيرُهُ: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ أَيْ: مَا يَنْفُذُ فِيهِ إِقْسَامُكُمْ، جَعَلَهُ مِنْ يَمِينِ الْحَلِفِ، لَا يَمِينَ الْجَارِحَةِ، {ذَلِكَ أَدْنَى} أَقْرَبُ، {ألَّا تَعُولُوا} أَيْ: لَا تَجُورَوا وَلَا تَمِيلُوا، يُقَالُ: مِيزَانٌ عَائِلٌ، أَيْ: جَائِرٌ مَائِلٌ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْ لَا تُجَاوِزُوا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَأَصْلُ الْعَوْلِ: الْمُجَاوَزَةُ، وَمِنْهُ عَوْلُ الْفَرَائِضِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنْ لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَمَا قَالَهُ أَحَدٌ، إِنَّمَا يُقَالُ مِنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ: أَعَالَ يُعِيلُ إِعَالَةً، إِذَا كَثُرَ عِيَالُهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَعْلَمَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ مِنَّا وَلَعَلَّهُ لُغَةٌ، وَيُقَالُ: هِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ {" أَنْ لَا تُعِيلُوا "} وَهِيَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ. {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) } {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ: هَذَا الْخِطَابُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ

_ (1) أخرجه الترمذي في النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة: 4 / 278، وقال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان. . . وأخرجه ابن ماجه في النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، برقم (1953) : 1 / 628، ومالك في الموطأ بلاغا: 2 / 586 في الطلا،، وابن حبان في كتاب النكاح، باب فيمن أسلم وتحته أكثر من عشر نسوة، برقم (1277) ص (310) من موارد الظمآن، والحاكم في المستدرك: 2 / 192 - 193، والبيهقي في السنن: 7 / 149، 181، وأحمد في المسند: 2 / 44. وانظر تلخيص الحبير: 3 / 168 - 169، تحفة الطالب لابن كثير ص 340 وما بعدها، ومختصر المنذري، 3 / 156 - 157، ارواء الغليل للألباني: 6 / 291 - 295. (2) أخرجه الشافعي: 2 / 57 من ترتب المسند للإمام الشافعي، ومن طريقه البيهقي في سننه، وإسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 60.

كَانَ إِذَا زَوَّجَهَا فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُمْ فِي الْعَشِيرَةِ لَمْ يُعْطِهَا مِنْ مَهْرِهَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا غَرِيبًا حَمَلُوهَا إِلَيْهِ عَلَى بَعِيرٍ وَلَمْ يُعْطُوهَا مِنْ مَهْرِهَا غَيْرَ ذَلِكَ. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ. [قَالَ الْحَضْرَمِيُّ: كَانَ أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ يُعْطِي هَذَا أُخْتَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الْآخَرُ أُخْتَهُ، وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَأُمِرُوا بِتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ فِي الْعَقْدِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نَهَى عَنِ الشِّغَارِ". وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوَّجَ الرَّجُلُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ" (1) وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْخِطَابُ لِلْأَزْوَاجِ أُمِرُوا بِإِيتَاءِ نِسَائِهِمُ الصَّدَاقَ، وَهَذَا أَصَحُّ، لِأَنَّ الْخِطَابَ فِيمَا قَبْلُ مَعَ النَّاكِحِينَ، وَالصَّدُقَاتُ: الْمُهُورُ، وَاحِدُهَا صَدُقَةٌ {نِحْلَةً} قَالَ قَتَادَةُ: فَرِيضَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا تَكُونُ النِّحْلَةُ إِلَّا مُسَمَّاةً مَعْلُومَةً، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عَطِيَّةً وَهِبَةً، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَنْ طِيبِ نَفْسٍ] (2) ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: تَدَيُّنًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" (3) . {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} يَعْنِي: فَإِنْ طَابَتْ نُفُوسُهُنَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَوَهَبْنَ مِنْكُمْ، فَنَقَلَ الْفِعْلَ مِنَ النُّفُوسِ إِلَى أَصْحَابِهَا فَخَرَجَتِ النَّفْسُ مُفَسِّرًا، فَلِذَلِكَ وَحَّدَ النَّفْسَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا" (هُودٍ -77) (الْعَنْكَبُوتِ -33) " وَقَرِيِّ عَيْنًا" (مَرْيَمَ -26) وَقِيلَ: لَفْظُهَا وَاحِدٌ وَمَعْنَاهَا جَمْعٌ، {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} سَائِغًا طَيِّبًا، يُقَالُ هَنَأَ فِي الطَّعَامِ يَهْنَأُ بِفَتْحِ النُّونِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا فِي الْبَاقِي (4) ، وَقِيلَ: الْهَنَأُ: الطَّيِّبُ الْمُسَاغُ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ، وَالْمَرِيءُ: الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ التَّامُّ

_ (1) أخرجه البخاري في النكاح باب الشغار: 9 / 162، ومسلم في النكاح، باب تحريم الشغار وبطلانه برقم (1415) : 2 / 1034، والمصنف في شرح السنة: 9 / 97. (2) ما بين القوسين ساقط من "ب". (3) أخرجه البخاري في الشروط، باب الشروط في المهر عند عقد النكاح: 5 / 323، وفي النكاح أيضا، ومسلم في النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح برقم (1418) : 2 / 1035 - 1036، والمصنف في شرح السنة: 9 / 53. (4) في أ: (الغابر) .

5

الْهَضْمِ الَّذِي لَا يَضُرُّ، قَرَأَ أبو جعفر {هَنِيئًا مَرِيئًا} بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَكَذَلِكَ "بَرِيٌّ"، "وَبَرِيُّونَ"، "وَبَرِيًّا" "وَكَهَيَّةِ" وَالْآخَرُونَ يَهْمِزُونَهَا. {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} اخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ النِّسَاءُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: النِّسَاءُ مِنْ أَسْفَهِ السُّفَهَاءِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: نَهَى الرِّجَالَ أَنْ يُؤْتُوا النِّسَاءَ أَمْوَالَهُمْ وَهُنَّ سُفَهَاءُ، مَنْ كُنَّ، أَزْوَاجًا أَوْ بَنَاتٍ أَوْ أُمَّهَاتٍ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُمُ الْأَوْلَادُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: يَقُولُ لَا تُعْطِ وَلَدَكَ السَّفِيهَ مَالَكَ الَّذِي هُوَ قِيَامُكَ بَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَيُفْسِدُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ امْرَأَتُكَ السَّفِيهَةُ وَابْنُكَ السَّفِيهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَعْمَدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي خَوَّلَكَ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأَتَكَ أَوْ بَنِيكَ فَيَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَيْكَ، ثُمَّ تَنْظُرُ إِلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَكِنْ أَمْسِكْ مَالَكَ وَأَصْلِحْهُ وَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فِي رِزْقِهِمْ وَمُؤْنَتِهِمْ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِذَا عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ امْرَأَتَهُ سَفِيهَةٌ مُفْسِدَةٌ وَأَنَّ وَلَدَهُ سَفِيهٌ مُفْسِدٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّطَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَى مَالِهِ فَيُفْسِدَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَكَ، يَقُولُ لَا تُؤْتِهِ إِيَّاهُ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَإِنَّمَا أَضَافَ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ: {أَمْوَالَكُمْ} لِأَنَّهُمْ قِوَامُهَا وَمُدَبِّرُوهَا. وَالسَّفِيهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يُؤْتِيَهُ مَالَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُبَذِّرًا فِي مَالِهِ أَوْ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ} أَيْ: الْجُهَّالَ بِمَوْضِعِ الْحَقِّ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا. قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ {قِيَامًا} بِلَا أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {قِيَامًا} وَأَصْلُهُ: قِوَامًا، فَانْقَلَبَتِ الْوَاوُ يَاءً لِانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، وَهُوَ مَلَاكُ الْأَمْرِ وَمَا يَقُومُ بِهِ الْأَمْرُ. وَأَرَادَ هَاهُنَا قِوَامَ عيشكم الذي تعشيون بِهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ: بِهِ يُقَامُ الْحَجُّ وَالْجِهَادُ وَأَعْمَالُ الْبِرِّ وَبِهِ فَكَاكُ الرِّقَابِ مِنَ النَّارِ. {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا} 78/أأَيْ: أَطْعِمُوهُمْ، {وَاكْسُوهُمْ} لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُ وَمُؤْنَتُهُ، وَإِنَّمَا قَالَ {فِيهَا} يَقُلْ: مِنْهَا، لِأَنَّهُ أَرَادَ: اجْعَلُوا لَهُمْ فِيهَا رِزْقًا فَإِنَّ الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ: الْعَطِيَّةُ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ، وَمِنَ الْعِبَادِ إِجْرَاءٌ (1) مُوَقَّتٌ مَحْدُودٌ. {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} عِدَةً جَمِيلَةً، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا رَبِحْتُ أَعْطَيْتُكَ وَإِنْ غَنِمْتُ جَعَلْتُ لَكَ حَظًّا، وَقِيلَ: هُوَ الدُّعَاءُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْكُمْ نَفَقَتُهُ، فَقُلْ لَهُ:

_ (1) في ب (أجر) .

6

عَافَاكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا، بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، وَقِيلَ: قَوْلًا لَيِّنًا تَطِيبُ بِهِ أَنْفُسُهُمْ. {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ رِفَاعَةَ وَفِي عَمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ رِفَاعَةَ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ. ابْنَهُ ثَابِتًا وَهُوَ صَغِيرٌ، فَجَاءَ عَمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أَخِي يَتِيمٌ فِي حِجْرِي، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ مَالِهِ وَمَتَى أَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} اخْتَبِرُوهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَحِفْظِهِمْ أَمْوَالَهُمْ، {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} أَيْ: مَبْلَغَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، {فَإِنْ آنَسْتُمْ} أَبْصَرْتُمْ، {مِنْهُمْ رُشْدًا} فَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ يَعْنِي: عَقْلًا وَصَلَاحًا فِي الدِّينِ وَحِفْظًا لِلْمَالِ وَعِلْمًا بِمَا يُصْلِحُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: لَا يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَالَهُ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا حَتَّى يُؤْنِسَ مِنْهُ رُشْدَهُ. وَالِابْتِلَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَدْفَعُ الْوَلِيُّ إِلَيْهِ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الْمَالِ وَيَنْظُرُ فِي تَصَرُّفِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَتَصَرَّفُ فِي السُّوقِ فَيَتَخَبَّرُهُ فِي نَفَقَةِ دَارِهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى عَبِيدِهِ وَأُجَرَائِهِ، وَتُخْتَبَرُ الْمَرْأَةُ فِي أَمْرِ بَيْتِهَا وَحِفْظِ مَتَاعِهَا وَغَزْلِهَا وَاسْتِغْزَالِهَا، فَإِذَا رَأَى حُسْنَ تَدْبِيرِهِ، وَتَصَرُّفِهِ فِي الْأُمُورِ مِرَارًا يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ رُشْدُهُ، دَفَعَ الْمَالَ إِلَيْهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ زَوَالَ الْحَجْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَجَوَازَ دَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ: بِالْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ، فَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِأَحَدِ {أَشْيَاءَ أَرْبَعَةٍ} (2) ، اثْنَانِ يَشْتَرِكُ فِيهِمَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَاثْنَانِ تَخْتَصَّانِ بِالنِّسَاءِ: فَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ أَحَدُهُمَا السِّنُّ، وَالثَّانِي الِاحْتِلَامُ، أَمَّا السِّنُّ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً حُكِمَ بِبُلُوغِهِ غُلَامًا كَانَ أَوْ جَارِيَةً، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي (3) ، قَالَ نَافِعٌ:

_ (1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (137) بدون إسناد. وانظر: الدر المنثور: 2 / 437، القرطبي: 5 / 34، وذكره ابن حجر بنحوه في الإصابة: 1 / 387 وقال: هذا مرسل رجاله ثقات. (2) في أ: (الأشياء الأربعة) . (3) أخرجه البخاري في الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم: 5 / 276، ومسلم في الإمارة، باب بيان سن البلوغ برقم (1868) : 3 / 1490.

فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْمُقَاتَلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَكَتَبَ أَنْ يُفْرَضَ لِابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي الْمُقَاتَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فِي الذُّرِّيَّةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِاسْتِكْمَالِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَبُلُوغُ الْغُلَامِ بِاسْتِكْمَالِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَأَمَّا الِاحْتِلَامُ فَنَعْنِي بِهِ نُزُولَ الْمَنِيِّ سَوَاءً كَانَ بِالِاحْتِلَامِ أَوْ بِالْجِمَاعِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَإِذَا وَجَدْتَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ حُكْمٌ بِبُلُوغِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ فِي الْجِزْيَةِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا" (1) . وَأَمَّا الْإِنْبَاتُ، وَهُوَ نَبَاتُ الشَّعْرِ الْخَشِنِ حَوْلَ الْفَرَجِ: فَهُوَ بُلُوغٌ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كُنْتُ مِنْ سَبْيِ قُرَيْظَةَ، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أُنْبِتَ الشَّعْرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبَتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبَتْ (2) . وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بُلُوغًا فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بُلُوغًا كَمَا فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ بُلُوغًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى مَوَالِيدِ الْمُسْلِمِينَ بِالرُّجُوعِ إِلَى آبَائِهِمْ، وَفِي الْكُفَّارِ لَا يُوقَفُ عَلَى مَوَالِيدِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ آبَائِهِمْ فِيهِ لِكُفْرِهِمْ، فَجُعِلَ الْإِنْبَاتُ الَّذِي هُوَ أَمَارَةُ الْبُلُوغِ بُلُوغًا فِي حَقِّهِمْ. وَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ: فَالْحَيْضُ وَالْحَبَلُ، فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا وَلَدَتْ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الْوَضْعِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ. وَأَمَّا الرُّشْدُ: فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُصْلِحًا فِي دِينِهِ وَمَالِهِ، فَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ هُوَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَالصَّلَاحُ فِي الْمَالِ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مُبَذِّرًا، وَالتَّبْذِيرُ: هُوَ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِيمَا لَا يَكُونُ فِيهِ مَحْمَدَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ وَلَا مَثُوبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيهَا، فَيَغِبْنُ فِي الْبُيُوعِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَهُوَ مُفْسِدٌ فِي دِينِهِ وَغَيْرُ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ، دَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَلَا يُنْفَذُ تَصَرُّفُهُ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مفسدا في دنيه، وَإِذَا

_ (1) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة: 2 / 195، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: 3 / 257، وقال: هذا حديث حسن. ثم قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق. . . وهذا أصح، وأخرجه النسائي في الزكاة، باب زكاة البقر: 5 / 26، والدارقطني: 2 / 102، والحاكم: 1 / 398 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند: 5 / 230، 233، شرح السنة: 6 / 19، وانظر ما قاله ابن حجر في تلخيص الحبير: 4 / 122. (2) أخرجه أبو داود في الحدود، باب في الغلام يصيب الحد: 6 / 233، والترمذي في السير، باب ما جاء في الحلف: 5 / 208 وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في قطع السارق، باب القطع في السفر 8 / 92. وابن ماجه في الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، برقم (2541) : 2 / 849، والدارمي في السير، باب حد الصبي متى يقتل: 2 / 223، والإمام أحمد في المسند: 4 / 310، 5 / 312، وأخرجه ابن حبان، في موارد الظمآن، ص (360) .

كَانَ مُفْسِدًا لِمَالِهِ قَالَ: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ الْمَالُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، غَيْرَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ يَكُونُ نَافِذًا قَبْلَهُ. وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لِمَنِ اسْتَدَامَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} أَمْرَ بِدَفْعِ الْمَالِ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِينَاسِ الرُّشْدِ، وَالْفَاسِقُ لَا يَكُونُ رَشِيدًا وَبَعْدَ بُلُوغِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مُفْسِدٌ لِمَالِهِ بِالِاتِّفَاقِ غَيْرُ رَشِيدٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ إِلَيْهِ كَمَا قَبْلَ بُلُوغِ هَذَا السَّنِّ. وَإِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، زَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْمَالُ رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ. وَعِنْدَ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ دُفِعَ إِلَيْهَا، وَلَكِنْ لَا يَنَفُذُ تَصَرُّفُهَا إِلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ، مَا لَمْ تَكْبُرْ وَتُجَرِّبُ. فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ رَشِيدًا وَزَالَ الْحَجْرُ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ سَفِيهًا، نُظِرَ: فَإِنَ عَادَ مُبَذِّرًا لِمَالِهِ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ مُفْسِدًا فِي دِينِهِ فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُعَادُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ كَمَا يُسْتَدَامُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ إِذَا بَلَغَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَالثَّانِي: لَا يُعَادُ لِأَنَّ حُكْمَ الدَّوَامِ أَقْوَى مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا حَجْرَ عَلَى الْحَرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ بِحَالٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحَجْرِ مِنِ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ أَرْضًا سَبْخَةٍ بِسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ فَلَأَحْجُرُنَّ عَلَيْكَ فَأَتَى ابْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ [فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي بَيْعَتِكَ، فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ وَقَالَ: احْجُرْ عَلَى هَذَا] (1) ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ فِي بَيْعٍ شَرِيكُهُ فِيهِ الزُّبَيْرُ (2) ، فَكَانَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْحَجْرِ حَتَّى احْتَالَ الزُّبَيْرُ فِي دَفْعِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا} يَا مَعْشَرَ الْأَوْلِيَاءِ {إِسْرَافًا} بِغَيْرِ حَقٍّ، {وَبِدَارًا} أَيْ مُبَادَرَةً {أَنْ يَكْبَرُوا} {أَنْ} فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، يَعْنِي: لَا تُبَادِرُوا كِبَرَهُمْ وَرُشْدَهُمْ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَبْلُغُوا فَيَلْزَمَكُمْ تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لَهُمْ مِنْ مَالِهِمْ فَقَالَ: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} أَيْ لِيَمْتَنِعْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فَلَا يَرْزَأْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَالْعِفَّةُ: الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَحِلُّ {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا} مُحْتَاجًا إِلَى مَالِ الْيَتِيمِ وَهُوَ يَحْفَظُهُ ويتعهده فليأكل 78/ب بِالْمَعْرُوفِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ السِّجْزِيُّ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَّةَ التَّمَّارُ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاؤُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ

_ (1) ساقط من (ب) . (2) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 160 - 161 (ترتيب المسند) ، والبيهقي في السنن: 6 / 61، وصححه الألباني في الإرواء: 5 / 273.

حَدَّثَهُمْ أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِيَ يَتِيمٌ؟ فَقَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ" (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ؟ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي إِذَا أَيْسَرَ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} فَالْمَعْرُوفُ الْقَرْضُ، أَيْ: يَسْتَقْرِضُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَيْسَرَ قَضَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْيَتِيمِ: إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفَتُ وَإِنِ افْتَقَرَتُ أَكَلَتُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا أَيْسَرْتُ قَضَيْتُ (2) . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ كَمَا يُضْطَرُّ إِلَى الْمَيْتَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ هَذَا الْأَكْلِ بِالْمَعْرُوفِ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: يَأْكُلُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يَكْتَسِي مِنْهُ، وَلَا يَلْبَسُ الْكَتَّانَ وَلَا الْحُلَلَ، وَلَكِنْ مَا سَدَّ الْجَوْعَةَ وَوَارَى الْعَوْرَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ: يَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِ نَخِيلِهِ وَلَبَنِ مَوَاشِيهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَلَا؛ فَإِنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ رَدَّهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْمَعْرُوفُ رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ لِي يَتِيمًا وَإِنَّ لَهُ إِبِلًا أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلِيطُ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدَهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ (3) .

_ (1) أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم: 4 / 151 - 152، والنسائي في الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه: 6 / 256، وابن ماجه في الوصايا، باب قوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، برقم (2718) : 2 / 907. والمصنف في شرح السنة: 8 / 305. وزاد الحافظ ابن حجر نسبته لابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي حاتم، وقال: إسناده قوي. انظر فتح الباري: 8 / 241. (2) أخرجه أبو يوسف في الخراج ص 39، 127، وقال ابن حجر: رواه ابن سعد وابن أبي شيبة والطبري، من رواية إسرائيل وسفيان كلاهما عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال. . . ورواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر. . . انظر: الكافي الشاف ص (39) . (3) أخرجه الطبري: 7 / 588، وعزاه ابن حجر لعبد الرزاق من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، وقال أخرجه الطبري من طريقه والثعلبي والواحدي من وجه آخر عن القاسم، ورواه البغوي من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم، وهو في الموطأ. انظر: الكافي الشاف ص (39) .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَأُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} هَذَا أَمْرُ إِرْشَادٍ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَمَرَ الْوَلِيَّ بِالْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ الْمَالِ إِلَى الْيَتِيمِ بَعْدَمَا بَلَغَ لِتَزُولَ عَنْهُ التُّهْمَةُ وَتَنْقَطِعَ الْخُصُومَةُ، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} مُحَاسِبًا وَمُجَازِيًا وَشَاهِدًا.

7

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ، تُوُفِّيَ وَتَرَكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ كُجَّةَ وَثَلَاثَ بَنَاتٍ لَهُ مِنْهَا. فَقَامَ رَجُلَانِ هُمَا ابْنَا عَمِّ الْمَيِّتِ وَوَصِيَّاهُ سُوَيْدٌ وَعَرْفَجَةُ، فَأَخْذَا مَالَهُ وَلَمْ يُعْطِيَا امْرَأَتَهُ وَلَا بَنَاتِهِ شَيْئًا، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الصِّغَارَ، وَإِنْ كَانَ الصَّغِيرُ ذَكَرًا وَإِنَّمَا كَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ، وَيَقُولُونَ: لَا نُعْطِي إِلَّا مَنْ قَاتَلَ وَحَازَ الْغَنِيمَةَ، فَجَاءَتْ أُمُّ كُجَّةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَوْسَ بْنَ ثَابِتٍ مَاتَ وَتَرَكَ عَلَيَّ بَنَاتٍ وَأَنَا امْرَأَتُهُ، وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ تَرَكَ أَبُوهُنَّ مَالًا حَسَنًا، وَهُوَ عِنْدَ سُوَيْدٍ وَعَرْفَجَةَ، وَلَمْ يُعْطِيَانِي وَلَا بَنَاتِي شَيْئًا وَهُنَّ فِي حِجْرِي، لَا يُطْعَمْنَ وَلَا يُسْقَيْنَ، فَدَعَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَدَهَا لَا يَرَكَبُ فَرَسًا وَلَا يَحْمِلُ كَلًّا وَلَا يَنْكَأُ عَدُوًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، {لِلرِّجَالِ} يَعْنِي: لِلذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَيِّتِ وَأَقْرِبَائِهِ {نَصِيبٌ} حَظٌّ {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} مِنَ الْمِيرَاثِ، {وَلِلنِّسَاءِ} لِلْإِنَاثِ مِنْهُمْ، {نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ} أَيْ: مِنَ الْمَالِ، {أَوْ كَثُرَ} مِنْهُ {نَصِيبًا مَفْرُوضًا} نُصِبَ عَلَى الْقَطْعِ، وَقِيلَ: جَعَلَ ذَلِكَ نَصِيبًا فَأَثْبَتَ لَهُنَّ الْمِيرَاثَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوَيْدٍ وَعَرْفَجَةَ لَا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ شَيْئًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعْلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيبًا مِمَّا تَرَكَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} فِلْمَا نَزَلَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سُوِيدٍ وَعَرْفَجَةَ "أَنِ ادْفَعْ إِلَى أُمِّ كُجَّةَ الثُّمن مما رك وَإِلَى بَنَاتِهِ الثُّلُثَيْنِ، وَلَكُمَا بَاقِي الْمَالِ (1) .

_ (1) أخرجه الطبري: 7 / 598، وذكره ابن حجر في الإصابة، في ترجمة أم كجه: 8 / 284، وقال: أخرجه أبو نعيم وأبو موسى من طريقه، ثم من رواية سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال. . . وقال: روايه عن سفيان هو إبراهيم بن هراسة: ضعيف. وقد خالفه بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد عن جابر، أخرجه أبو داود من طريقه. وقال: في الكافي الشاف ص (39) : أورده الثعلبي ثم البغوي بغير سند، وقال الواحدي: قال المفسرون. . . وذكره وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 137 - 138، الدر المنثور: 2 / 438 - 439.

9

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} يَعْنِي: قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ، {أُولُو الْقُرْبَى} الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} أَيْ: فَارْضَخُوا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: كَانَتْ هَذِهِ قَبْلَ آيَةِ الْمِيرَاثِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ جَعَلَتِ الْمَوَارِيثَ لِأَهْلِهَا، وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ مَا طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ (1) . وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يُعْطُونَ التَّابُوتَ وَالْأَوَانِيَ وَرَثَّ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعَ وَالشَّيْءَ الَّذِي يُسْتَحْيَا مِنْ قِسْمَتِهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ طِفْلًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ كِبَارًا رَضَخُوا لَهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ صِغَارًا اعْتَذَرُوا إِلَيْهِمْ، فَيَقُولُ الْوَلِيُّ وَالْوَصِيُّ: إِنِّي لَا أَمَلِكُ هَذَا الْمَالَ إِنَّمَا هُوَ لِلصِّغَارِ، وَلَوْ كَانَ لِي مِنْهُ شَيْءٌ لَأَعْطَيْتُكُمْ، وَإِنْ يكبروا فسيعرفون حقوقك، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي أَمْوَالِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، فَإِنْ كَانُوا كِبَارًا تَوَلَّوْا إِعْطَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا أَعْطَى وَلِيُّهُمْ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ قَسَّمَ أَمْوَالَ أَيْتَامٍ فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ فَصَنَعَ طَعَامًا لِأَهْلٍ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَكَانَ هَذَا مِنْ مَالِي. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ: ثَلَاثُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ مَدَنِيَّاتٍ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، هَذِهِ الْآيَةُ وَآيَةُ الِاسْتِئْذَانِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا ليستأذنكم الذي مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (النُّورِ -58) الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذِكْرِ وَأُنْثَى} (الْحُجُرَاتِ -13) الْآيَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ -وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ -: إِنَّ هَذَا عَلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، لَا عَلَى الْحَتْمِ وَالْإِيجَابِ. {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} أَوْلَادًا صِغَارًا، خَافُوا عَلَيْهِمْ،

_ (1) انظر في تفصيل هذه الأقوال: تفسير الطبري: 8 / 7 وما بعدها.

10

الْفَقْرَ، هَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ، فَيَقُولُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ: انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّ أَوْلَادَكَ وَوَرَثَتَكَ لَا يُغْنُونَ عَنْكَ شَيْئًا، قَدِّمْ لِنَفْسِكَ، أَعْتِقْ وَتَصَدَّقْ وَأَعْطِ فُلَانَا كَذَا وَفُلَانًا كَذَا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى عَامَّةِ مَالِهِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ أَنْ يَنْظُرَ لِوَلَدِهِ وَلَا يَزِيدَ فِي وَصِيَّتِهِ عَلَى الثُّلُثِ، وَلَا يُجْحِفَ بِوَرَثَتِهِ كَمَا لَوْ كَانَ هَذَا الْقَائِلُ هُوَ الْمُوصِي يَسُرُّهُ أَنْ يَحُثَّهُ مَنْ بِحَضْرَتِهِ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ لِوَلَدِهِ، وَلَا يَدَعَهُمْ عَالَةً مَعَ ضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هَذَا الْخِطَابُ لِوُلَاةِ الْيَتَامَى يَقُولُ: مَنْ كَانَ فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ فَلْيُحْسِنْ إِلَيْهِ وَلْيَأْتِ إِلَيْهِ فِي حَقِّهِ مَا يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ بِذَرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} أَيْ: عَدْلًا وَالسَّدِيدُ: الْعَدْلُ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ أَنْ يَأْمُرَهُ بأن يتصدق 79/أبِمَا دُونَ الثُّلْثِ وَيُخْلِفَ الْبَاقِيَ لِوَلَدِهِ. {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي غَطْفَانَ، يُقَالُ لَهُ مَرْثَدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِيَ مَالَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ يَتِيمٌ صَغِيرٌ فَأَكَلَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} (1) حَرَامًا بِغَيْرِ حَقٍّ، {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} أَخْبَرَ عَنْ مَآلِهِ، أَيْ عَاقِبَتُهُ تَكُونُ كَذَلِكَ، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِفَتْحِ الْيَاءِ، أَيْ: يَدْخُلُونَهَا يُقَالُ: صَلِيَ النَّارَ يَصْلَاهَا صِلًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِلَّا من هو صَالِ الْجَحِيمِ" (الصَّافَّاتِ -163) ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ: يَدْخُلُونَ النَّارَ وَيُحْرَقُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا" (النِّسَاءِ -30) "سَأُصْلِيهِ سَقَرَ" (الْمُدَّثِّرِ -26) وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، إِحْدَاهُمَا قَالِصَةٌ عَلَى مِنْخَرَيْهِ وَالْأُخْرَى عَلَى بَطْنِهِ، وَخَزَنَةُ النَّارِ يُلَقِّمُونَهُمْ جَمْرَ جَهَنَّمَ وَصَخْرَهَا، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا (2) .

_ (1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (138) بدون إسناد، وانظر: تفسير القرطبي: 5 / 53. (2) أخرجه الطبري: 8 / 27 بأطول منه، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وذكره ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء: 3 / 12، وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 2 / 443. وفيه أبو هارون العبدي، وهو عمارة بن جوين - بجيم مصغرا - مشهور بكنيته: متروك، ومنهم من كذبه، شيعي من الرابعة. انظر: التقريب: 2 / 49. وذكره ابن هشام في السيرة: 1 / 250 مع الروض الأنف.

11

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} الْآيَةَ، اعْلَمْ أَنَّ الْوِرَاثَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالذُّكُورَةِ وَالْقُوَّةِ فَكَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانَ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} الْآيَةَ، وَكَانَتْ أَيْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْمُحَالَفَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ" (النِّسَاءِ -33) ثُمَّ صَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِالْهِجْرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا" (الْأَنْفَالِ -72) فَنُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَصَارَتِ الْوِرَاثَةُ بِأَحَدِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ بِالنَّسَبِ أَوِ النِّكَاحِ أَوِ الْوَلَاءِ، فَالْمَعْنِيُّ بِالنَّسَبِ أَنَّ الْقَرَابَةَ يَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" (الْأَحْزَابِ -6) ، وَالْمَعْنِيُّ بِالنِّكَاحِ: أَنَّ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ يَرِثُ صَاحِبَهُ، وَبِالْوَلَاءِ: أَنَّ الْمُعْتِقَ وَعَصَبَاتِهِ يَرِثُونَ الْمُعْتَقَ، فَنَذْكُرُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَصْلًا وَجِيزًا فِي بَيَانِ مَنْ يَرِثُ مِنَ الْأَقَارِبِ. وَكَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِ الْوَرَثَةِ فَنَقُولُ: إِذَا مَاتَ مَيِّتٌ وَلَهُ مَالٌ فَيُبْدَأُ بِتَجْهِيزِهِ ثُمَّ بِقَضَاءِ دُيُونِهِ ثُمَّ بِإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ فَمَا فَضُلَ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ. (ثُمَّ الْوَرَثَةُ) (1) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِهِمَا جَمِيعًا، فَمَنْ يَرِثُ بِالنِّكَاحِ لَا يَرِثُ إِلَّا بِالْفَرْضِ، وَمَنْ يَرِثُ بِالْوَلَاءِ لَا يَرِثُ إِلَّا بِالتَّعْصِيبِ، أَمَّا مَنْ يَرِثُ بِالْقَرَابَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْجَدَّاتِ، وَأَوْلَادِ الْأُمِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ كَالْبَنِينِ وَالْإِخْوَةِ وَبَنِي الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِهِمَا كَالْأَبِ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ ابْنٌ: يَرِثُ الْأَبُ بِالْفَرْضِ السُّدُسَ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ فَيَرِثُ الْأَبُ السُّدُسَ بِالْفَرْضِ وَيَأْخُذُ الْبَاقِي بَعْدَ نَصِيبِ الْبِنْتِ بِالتَّعْصِيبِ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ، وَصَاحِبُ التَّعْصِيبِ مَنْ يَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَيَأْخُذُ مَا فَضُلَ عَنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ. وَجُمْلَةُ الْوَرَثَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ: عَشَرَةٌ مِنَ الرِّجَالِ وَسَبْعٌ مِنَ النِّسَاءِ، فَمِنَ الرِّجَالِ: الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ

_ (1) زيادة من: (ب) .

سَفَلَ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا وَالْأَخُ سَوَاءٌ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ وَإِنْ سَفَلَ وَالْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ وَأَبْنَاؤُهُمَا وَإِنْ سَفَلُوا، وَالزَّوَجُ وَمَوْلَى الْعِتَاقِ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَتْ، وَالْأُمُّ وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ، وَالْأُخْتُ سَوَاءٌ كَانَتْ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَالزَّوْجَةُ وَمُوَلَاةُ الْعِتَاقِ. وَسِتَّةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَلْحَقُهُمْ حَجْبُ الْحِرْمَانِ بِالْغَيْرِ: الْأَبَوَانِ وَالْوَلَدَانِ، وَالزَّوْجَانِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ وَاسِطَةٌ. وَالْأَسْبَابُ الَّتِي تُوجِبُ حِرْمَانَ الْمِيرَاثِ أَرْبَعَةٌ: اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالرِّقُّ وَالْقَتْلُ وَعَمِّيُّ الْمَوْتِ. وَنَعْنِي بِاخْتِلَافِ الدِّينِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَالْمُسْلِمَ لَا يَرْثُ الْكَافِرَ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" (1) . فَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيَرِثُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ، لِأَنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" (الْأَنْفَالِ -73) . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلَلِ فِي الْكُفْرِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ حَتَّى لَا يَرِثَ الْيَهُودِيُّ النَّصْرَانِيَّ وَلَا النَّصْرَانِيُّ الْمَجُوسِيَّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى" (2) ، وَتَأَوَّلَهُ الْآخَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ الْكُفْرِ فَكُلُّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَتَوْرِيثُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ لَا يَكُونُ فِيهِ إِثْبَاتُ التَّوَارُثِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ شَتَّى. وَالرَّقِيقُ لَا يَرِثُ أَحَدًا وَلَا يَرِثُهُ أَحَدٌ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ. وَالْقَتْلُ يَمْنَعُ الْمِيرَاثَ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ

_ (1) أخرجه البخاري في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم: 12 / 50، ومسلم في الفرائض برقم (1614) : 3 / 1233، والمصنف في شرح السنة: 8 / 368. (2) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر: 4 / 181، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر: 6 / 289 وقال: إن هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى، وابن ماجه في الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (2731) : 2 / 911، والدارقطني في الفرائض، 4 / 75، والدارمي في الفرائض، باب ميراث أهل الشرك من أهل الإسلام، عن عمر بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين، وبلفظ: لا يتوارث ملتان شتى: 2 / 369 - 370. وصححه الحاكم: 2 / 240، ووافقه الذهبي، وعزاه ابن حجر أيضا للنسائي وابن السكن (تلخيص الحبير: 3 / 84) . والبيهقي: 6 / 218، وسعيد بن منصور في السنن، باب الفرائض عن أسامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عمر بن الخطاب: 1 / 65 - 66، والإمام أحمد: 2 / 195 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمصنف في شرح السنة: 8 / 365.

قَالَ: "الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ" (1) . وَنَعْنِي بِعَمِّيِّ الْمَوْتِ أَنَّ الْمُتَوَارِثَيْنِ إِذَا عَمِيَ مَوْتُهُمَا بِأَنْ غَرِقَا فِي مَاءٍ أَوِ انْهَدَمَ عَلَيْهِمَا بِنَاءٌ فَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا سَبَقَ مَوْتُهُ فَلَا يُوَرَّثُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، بَلْ مِيرَاثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَنْ كَانَتْ حَيَاتُهُ يَقِينًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ. وَالسِّهَامُ الْمَحْدُودَةُ فِي الْفَرَائِضِ سِتَّةٌ: النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ. فَالنِّصْفُ فَرْضُ ثَلَاثَةٍ: فَرْضُ الزَّوْجِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلَدِ وَفَرْضُ الْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ لِلصُّلْبِ أَوْ بِنْتِ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَفَرْضُ الْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ. وَالرُّبُعُ فَرْضُ الزَّوْجِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتَةِ وَلَدٌ وَفَرْضُ الزَّوْجَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ. وَالثُّمُنُ: فَرْضُ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ. وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ الْبِنْتَيْنِ لِلصُّلْبِ فَصَاعِدًا وَلِبِنْتَيِ الِابْنِ فَصَاعِدًا عِنْدَ عَدَمِ وَلَدِ الصُّلْبِ، وَفَرْضُ الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِلْأَبِ فَصَاعِدًا. وَالثُّلُثُ فَرْضُ ثَلَاثَةٍ: فَرْضُ الْأُمِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا اثْنَانِ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَالْإِخْوَةِ، إِلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا زَوْجٌ وَأَبَوَانِ، وَالثَّانِيَةُ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ، فَإِنَّ لِلْأُمِّ فِيهِمَا ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ نَصِيبِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ، وَفَرْضُ الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، وَفَرْضُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ فَرْضٍ، وَكَانَ الثُّلُثُ خَيْرًا لِلْجَدِّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ مَعَ الْإِخْوَةِ. وَأَمَّا السُّدُسُ فَفَرْضُ سَبْعَةٍ: فَرْضُ الْأَبِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ، وَفَرْضُ الْأُمِّ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوِ اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَفَرْضُ الْجَدِّ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَمَعَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ صَاحِبُ فَرْضٍ، وَكَانَ السُّدُسُ خَيْرًا لِلْجَدِّ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ مَعَ الْإِخْوَةِ، وَفَرْضُ الْجَدَّةِ وَالْجَدَّاتِ وَفَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ أَوْلَادِ الْأُمِّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَفَرْضُ بَنَاتِ الِابْنِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ للصلب تكملة 79/ب الثُّلُثَيْنِ، وَفَرْضُ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ أُخْتٌ وَاحِدَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ.

_ (1) أخرجه الترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل: 6 / 290. وقال هذا حديث لا يصح، لا يعرف هذا إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن أبي فروة قد تركه بعضهم، والعمل عند أهل العلم أن القاتل لا يرث. وأخرجه النسائي في الكبرى، وابن ماجه في الديات، باب القاتل لا يرث برقم (2645) : 2 / 883، كلهم عن الليث عن إسحاق عن أبي فروة عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة. قال: الزركشي: ورواه أبو داود والنسائي من جهة إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: لا يرث القاتل شيئا. وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات ص 108 ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة، انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهج والمختصر للزركشي ص (168) ، تلخيص الحبير: 3 / 84 - 85. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 8 / 367، وضعفه.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَا وُهَيْبٌ أَنَا ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ" (1) . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَحْجُبُ الْبَعْضَ، وَالْحَجْبُ نَوْعَانِ حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ: فَأَمَّا حَجْبُ النُّقْصَانِ فَهُوَ أَنَّ الْوَلَدَ وَوَلَدَ الِابْنِ يَحْجُبُ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ وَالزَّوْجَةَ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ، وَالْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنَ الْإِخْوَةِ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ. وَحَجْبُ الْحِرْمَانِ هُوَ أَنَّ الْأُمَّ تُسْقِطُ الْجَدَّاتِ، وَأَوْلَادُ الْأُمِّ -وَهُمُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ -يَسْقُطُونَ بِأَرْبَعَةٍ: بِالْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا وَبِالْوَلَدِ وَوَلَدِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَأَوْلَادُ الْأَبِ وَالْأُمِّ يَسْقُطُونَ بِثَلَاثَةٍ بِالْأَبِ وَالِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلُوا، وَلَا يَسْقُطُونَ بِالْجَدِّ عَلَى مَذْهَبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالَأَوْزاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَأَوْلَادُ الْأَبِ يَسْقُطُونَ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِخْوَةَ جَمِيعًا يَسْقُطُونَ بِالْجَدِّ كَمَا يَسْقُطُونَ بِالْأَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الصديق وابن عابس وَمُعَاذٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَأَقْرَبُ الْعَصِبَاتِ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ مِنَ الْعُصُوبَةِ، وَأَقْرَبُهُمْ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَا فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَدِّ أَحَدٌ مِنَ الْإِخْوَةِ أَوِ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمِيرَاثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَدٌّ فَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ فَالَّذِي هُوَ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ بَنِي الْإِخْوَةِ، ثُمَّ عُمُّ الْأَبِ ثُمَّ عُمُّ الْجَدِّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ وَعَلَى الْمَيِّتِ وَلَاءٌ فَالْمِيرَاثُ لِلْمُعَتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا فَلِعَصِبَاتِ الْمُعَتِقِ. وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الذُّكُورِ يَعْصِبُونَ الْإِنَاثَ، الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَالْأَخُ لِلْأَبِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ عَنِ ابْنٍ وَبِنْتٍ أَوْ عَنْ أَخٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَا يُفْرَضُ

_ (1) أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه: 12 / 11، ومسلم في الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها، برقم (1615) : 3 / 1233، والمصنف في شرح السنة: 8 / 326.

لِلْبِنْتِ وَالْأُخْتِ. وَكَذَلِكَ ابْنُ الِابْنِ يَعْصِبُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنَ الْإِنَاثِ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِذَا لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الثُّلُثَيْنِ شَيْئًا حَتَّى لَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَبِنْتِ ابْنٍ فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَلَا شَيْءَ لَبَنَتِ الِابْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهَا ابْنُ ابْنٍ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا ابْنُ ابْنِ ابْنٍ كَانَ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَلِلْأَبِ تَكُونُ عَصَبَةً مَعَ الْبِنْتِ حَتَّى لَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَأُخْتٍ كَانَ النِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ، فَلَوْ مَاتَ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُخْتٍ فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا آدَمُ، أَنَا شُعْبَةُ، أَنَا أَبُو قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ هُذَيْلَ بْنَ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلْثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ (1) . رَجَعْنَا إِلَى تَفْسِيرِ الْآيَةِ: وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلَتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ (2) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي أُمِّ كُجَّةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ وَبَنَاتِهِ (3) . وَقَالَ عَطَاءٌ: اسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ النَّقِيبُ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَبِنْتَيْنِ وَأَخًا، فَأَخَذَ الْأَخُ الْمَالَ فَأَتَتِ امْرَأَةُ سَعِدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنَتَيْ سَعِدٍ [فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَاتَيْنِ ابْنَتَا سعد وإنّ سَعْدٍ] (4) قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْجِعِي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي فِي ذَلِكَ"، فَنَزَلَ {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} إِلَى آخِرِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّهُمَا فَقَالَ لَهُ: "أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعِدٍ الثُّلُثَيْنِ وَأَمَّهُمَا الثُّمُنُ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ" (5) ، فَهَذَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ قُسِّمَ فِي الْإِسْلَامِ.

_ (1) أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة: 12 / 17. والمصنف في شرح السنة: 8 / 333. (2) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة النساء، باب "يوصيكم الله في أولادكم" 8 / 243، ومسلم في الفرائض، باب ميراث الكلالة برقم (1616) : 3 / 1234. (3) انظر أسباب النزول للواحدي ص (137 - 138) . (4) ساقط من: (أ) . (5) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب ما جاء في الصلب: 4 / 166 - 167، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات: 6 / 267 - 268 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الفرائض، باب فرائض الصلب، برقم (2720) : 2 / 908) والحاكم في المستدرك: 4 / 334 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه الواحدي بسنده عن جابر، في أسباب النزول ص (139) .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} أَيْ: يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ وَيَفْرِضُ عَلَيْكُمْ فِي أَوْلَادِكُمْ، أَيْ: فِي أَمْرِ أَوْلَادِكُمْ إِذَا مِتُّمْ، لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. {فَإِنْ كُنَّ} يَعْنِي: الْمَتْرُوكَاتِ مِنَ الْأَوْلَادِ، {نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} أَيْ: ابْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا {فَوْقَ} صِلَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ" (الْأَنْفَالِ -12) ، {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ} يَعْنِي: الْبِنْتَ، {وَاحِدَةً} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالنَّصْبِ عَلَى خَبَرٍ كَانَ، وَرَفَعَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى مَعْنَى: إِنْ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، {فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ} يَعْنِي لِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ، كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ، {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} أَرَادَ أَنَّ الْأَبَ وَالْأُمَّ يَكُونُ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سُدُسُ الْمِيرَاثِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الِابْنِ، وَالْأَبُ يَكُونُ صَاحِبَ فَرْضٍ {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {فَلِأُمِّهِ} بكسر الهمزة استثقلالا لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الْكَسْرَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْأَصْلِ {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا {فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْأَبِ إِنْ كَانَ مَعَهَا أَبٌ، وَالْإِخْوَةُ لَا مِيرَاثَ لَهُمْ مَعَ الْأَبِ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا يَحْجُبُ الْإِخْوَةُ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً، وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ، وَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} وَلَا يُقَالُ لِلِاثْنَيْنِ إِخْوَةٌ، فَنَقُولُ اسْمُ الْجَمْعِ قَدْ يَقَعُ عَلَى التَّثْنِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الِاثْنَيْنِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا" (التَّحْرِيمِ -4) ذَكَرَ الْقَلْبُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَأَضَافَهُ إلى الاثنين 80/أ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ {يُوصِي} بِفَتْحِ الصَّادِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ، وَوَافَقَ حَفْصَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِ الصَّادِ لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْلُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا} وَ {تُوصُونَ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه "إنكم تقرؤون الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ" (1) . وَهَذَا إِجْمَاعٌ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ الْجَمْعُ لَا التَّرْتِيبُ، وَبَيَانُ أَنَّ

_ (1) أخرجه الترمذي في الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية: 6 / 314 - 315. وابن ماجه في الوصايا، باب الدين قبل الوصية برقم (1715) : 2 / 906، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص (25) ، وأحمد في المسند: 1 / 131 عن علي، والحاكم في المستدرك: 4 / 336، والبيهقي في السنن: 6 / 267، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عمر: قضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالدين قبل الوصية وأن لا وصية لوارث": نصب الراية: 4 / 405. قال: ابن كثير: 1 / 460 "رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور عن علي بن أبي طالب، قال: ... ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. قلت - ابن كثير: لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب، فالله أعلم". وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 3 / 95 " والحارث وإن كان ضعيفا، فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى". وقد حسن الألباني الحديث في الارواء: 6 / 107، وانظر أيضا تفسير الطبري بتعليق الشيخ شاكر: 8 / 46 - 47.

الْمِيرَاثَ مُؤَخَّرٌ عَنِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ جَمِيعًا، مَعْنَاهُ: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إِنْ كَانَتْ، أَوْ دَيْنٍ إِنْ كَانَ، فَالْإِرْثُ مُؤَخَّرٌ عَنْ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} يَعْنِي: الَّذِينَ يَرِثُونَكُمْ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ، {لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} أَيْ: لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ أَنْفَعُ لَكُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْأَبَ أَنْفَعُ لَهُ، فَيَكُونُ الِابْنُ أَنْفَعَ لَهُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الِابْنَ أَنْفَعُ لَهُ فَيَكُونُ الْأَبُ أَنْفَعَ لَهُ، وَأَنَا الْعَالِمُ بِمَنْ هُوَ أَنْفَعُ لَكُمْ، وَقَدْ دَبَّرْتُ أَمْرَكُمْ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَاتَّبِعُوهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَطْوعُكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ أَرْفَعُكُمْ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُشَفِّعُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ فِي بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَالِدُ أَرْفَعَ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ رُفِعَ إِلَيْهِ وَلَدُهُ وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ أَرْفَعَ دَرَجَةً رُفِعَ إِلَيْهِ وَالِدُهُ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ، {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} أَيْ: مَا قَدَّرَ مِنَ الْمَوَارِيثِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا} بِأُمُورِ الْعِبَادِ، {حَكِيمًا} بِنُصُبِ الْأَحْكَامِ.

12

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَهَذَا فِي مِيرَاثِ الْأَزْوَاجِ، {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ} يَعْنِي: لِلزَّوْجَاتِ الرُّبُعُ، {مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} هَذَا فِي مِيرَاثِ الزَّوْجَاتِ وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَهُنَّ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} تُورَثُ كَلَالَةً، وَنَظْمُ الْآيَةِ: وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ أَوِ

امْرَأَةٌ يُورَثُ كَلَالَةً وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: عَلَى خَبَرٍ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَتَقْدِيرُهُ: إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ مَالُهُ كَلَالَةً. وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَالَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ لَهُ. وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: إِنِّي سَأَقُولُ فِيهَا قَوْلًا بِرَأْيِي فَإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، أَرَاهُ مَا خَلَا الْوَالِدُ وَالْوَلَدُ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (1) . وَذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى أَنَّ الْكَلَالَةَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (2) ، وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} وَبَيَانُهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَ نُزُولِهَا أَبٌ وَلَا ابْنٌ، لِأَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَآيَةُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَارَ شَأْنُ جَابِرٍ بَيَانًا لِمُرَادِ الْآيَةِ لِنُزُولِهَا فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْكَلَالَةَ اسْمٌ لِمَنْ؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْمَيِّتِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ مَاتَ عَنْ ذَهَابِ طَرَفَيْهِ، فَكَلَّ عَمُودُ نَسَبِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، لِأَنَّهُمْ يَتَكَلَّلُونَ الْمَيِّتَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَلَيْسَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ أَحَدٌ، كَالْإِكْلِيلِ يُحِيطُ بِالرَّأْسِ وَوَسَطَ الرَّأْسِ مِنْهُ خَالٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةً، أَيْ: يَرِثُنِي وَرَثَةٌ لَيْسُوا بِوَلَدٍ وَلَا وَالِدٍ،. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَالِ، وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ: سَأَلَ رَجُلٌ عُقْبَةَ عَنِ الْكَلَالَةِ فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا يَسْأَلُنِي عَنِ الْكَلَالَةِ، وَمَا أَعْضَلَ بِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْضَلَتْ بِهِمُ الْكَلَالَةُ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "ثَلَاثٌ لِأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَهُنَّ لَنَا أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلَالَةُ وَالْخِلَافَةُ وَأَبْوَابُ الرِّبَا" (3) . وَقَالَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي

_ (1) أخرجه الطبري: 8 / 54، والبيهقي في السنن: 6 / 223 - 224، وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن المنذر. انظر الكافي الشاف ص (40) . (2) انظر: تفسير الطبري: 8 / 57 - 59. (3) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 303 وصححه على شرط الشيخين، وفيه محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال: الذهبي: بل ما خرجا لمحمد شيئا ولا أدرك عمر. وأخرجه أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة عن عمر: 2 / 304 وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: 10 / 302، والبيهقي في السنن: 6 / 225. وانظر كنز العمال: 11 / 78.

13

شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِي الْكَلَالَةِ، حَتَّى طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي صَدْرِي قَالَ: "يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ" وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ (1) . وَقَوْلُهُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ؟ أَرَادَ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا فِي الشِّتَاءِ وَهِيَ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ، وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِهَا، وَفِيهَا مِنَ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ فِي آيَةِ الشِّتَاءِ، فَلِذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} أَرَادَ بِهِ الْأَخَ وَالْأُخْتَ مِنَ الْأُمِّ بِالِاتِّفَاقِ، قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ "وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ" وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا مَعَ ذِكْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ قَبْلُ، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ إِذَا ذَكَرَتِ اسْمَيْنِ ثُمَّ أَخْبَرَتْ عَنْهُمَا، وَكَانَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءٌ رُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَرُبَّمَا أَضَافَتْ إِلَيْهِمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لِكَبِيرَةٌ" (الْبَقَرَةِ -153) ، {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} فِيهِ إِجْمَاعٌ أَنَّ أَوْلَادَ الْأُمِّ إِذَا كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا يَشْتَرِكُونَ فِي الثُّلُثِ ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ: أَلَا إِنَّ الْآيَةَ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ فِي شَأْنِ الْفَرَائِضِ أَنْزَلَهَا فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ. وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ النِّسَاءِ فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ الْأَنْفَالِ أَنْزَلَهَا فِي أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} أَيْ: غَيْرَ مُدْخَلٍ الضَّرَرَ عَلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَاوَزَتِهِ الثُّلُثَ فِي الْوَصِيَّةِ، قَالَ الْحَسَنُ هُوَ أَنْ يُوصِيَ بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَيْهِ، {وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} قَالَ قَتَادَةُ: كَرِهَ اللَّهُ الضِّرَارَ فِي الْحَيَاةِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ، وَنَهَى عَنْهُ وَقَدَّمَ فِيهِ. {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} يَعْنِي: مَا ذَكَرَ مِنَ الْفُرُوضِ الْمَحْدُودَةِ، {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} 80/ب قَرَأَ أَهْلُ

_ (1) أخرجه مسلم في الفرائض، باب ميراث الكلالة برقم (1617) : 3 / 1236.

الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ "نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ، وَنُدْخِلْهُ نَارًا"، وَفِي سُورَةِ الْفَتْحِ {نُدْخِلْهُ} و {نُعَذِّبْهُ} وَفِي سُورَةِ التَّغَابُنِ {نُكَفِّرْ} و {نَدْخِلْهُ} وَفِي سُورَةِ الطَّلَاقِ {نُدْخِلْهُ} بِالنُّونِ فِيهِنَّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ.

15

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} يَعْنِي: الزِّنَا، {مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} يَعْنِي: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلْحُكَّامِ، أَيْ: فَاطْلُبُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنَ الشُّهُودِ، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ. {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ} فَاحْبِسُوهُنَّ، {فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ، كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ بِالْجَلْدِ وَالتَّغْرِيبِ، وَفِي حَقِّ الثَّيِّبِ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ" (1) ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَقَدْ حَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يُدْخِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبَادَةَ حَطَّانَ الرَّقَاشِيَّ، وَلَا أَدْرِي أَدْخَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بَيْنَهُمَا فَنَزَلَ عَنْ كِتَابِي أَمْ لَا. قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ: الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُبَادَةَ (2) ، ثُمَّ نُسِخَ الْجِلْدُ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ وَبَقِيَ الرَّجْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَذَهَبَ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ جَلَدَ شُرَاحَةَ الهَمْدَانِيَّةَ يَوْمَ

_ (1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 77 (ترتيب المسند) وجاءت فيه العبارة الأخيرة هكذا: " ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما - فترك من كتابي حين حولت - وهو في الأصل أو لا؟ والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني". والمصنف في شرح السنة: 10 / 276. (2) أخرجه مسلم في الحدود، باب حد الزنا برقم (1690) : 3 / 1316.

16

الْخَمِيسِ مِائَةً ثُمَّ رَجَمَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: "جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" (1) . وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الثَّيِّبَ لَا يُجْلَدُ مَعَ الرَّجْمِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: التَّغْرِيبُ أَيْضًا مَنْسُوخٌ فِي حَقِّ الْبِكْرِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ، رَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرَبَ وَغَرَّبَ (2) . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْبَيْتِ كَانَ حَدًّا فَنُسِخَ أَمْ كَانَ حَبْسًا لِيَظْهَرَ الْحَدُّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} يَعْنِي: الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْفَاحِشَةِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "اللَّذَانِ، وَاللَّذَيْنِ، وَهَاتَانِ، وَهَذَانَ" مُشَدِّدَةُ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ، وَوَافَقَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي {فَذَانِكَ} وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: خَصَّ أَبُو عَمْرٍو {فَذَانِكَ} بِالتَّشْدِيدِ لِقِلَّةِ الْحُرُوفِ فِي الِاسْمِ {فَآذُوهُمَا} قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: فَعَيِّرُوهُمَا بِاللِّسَانِ: أَمَا خِفْتَ اللَّهَ؟ أَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنَ اللَّهِ حَيْثُ زَنَيْتَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سُبُّوهُمَا وَاشْتُمُوهُمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ بِاللِّسَانِ وَالْيَدِ يُؤْذَى بِالتَّعْيِيرِ وَضَرْبِ النِّعَالِ. فَإِنْ قِيلَ: ذُكِرَ الْحَبْسُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْإِيذَاءُ، فَكَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ؟. قِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي النِّسَاءِ وَهَذِهِ فِي الرِّجَالِ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقِيلَ: الْآيَةُ الْأُولَى فِي الثَّيِّبِ وَهَذِهِ فِي الْبِكْرِ. {فَإِنْ تَابَا} مِنَ الْفَاحِشَةِ {وَأَصْلَحَا} الْعَمَلَ فِيمَا بَعْدُ، {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} فَلَا تُؤْذُوهُمَا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ، فَنُسِخَتْ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ، فَالْجَلْدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ" (النُّورِ -2) وَالرَّجْمُ فِي السُّنَّةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ

_ (1) أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم المحصن: 12 / 117. (2) أخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في النفي: 4 / 711 - 712 وقال: حديث غريب، وأخرجه الحاكم: 4 / 369 وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي في السنن: 8 / 223، وصححه الألباني في الارواء: 8 / 11، وانظر: نصب الراية: 3 / 331.

خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَقَالَ الْآخَرُ وَكَانَ أَفْقَهَهُمَا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَائْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، قَالَ: تَكَلَّمْ، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيَتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَجَلَدَ ابْنَهُ مِائَةً وَغَرَّبَهُ عاما، وأمر أُنيس الْأَسْلَمِيَّ أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الْآخَرِ فَإِنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَهَا" فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَقٌ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ" (2) . وَجُمْلَةُ حَدِّ الزِّنَا: أَنَّ الزَّانِيَ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا -وَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْصَافٍ: الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِصَابَةُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ -فَحَدُّهُ الرَّجْمُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الثَّيِّبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شَرَائِطَ الْإِحْصَانِ، وَلَا يُرْجَمُ الذِّمِّيُّ (3) ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ زَنَيَا، وَكَانَا قَدْ أَحْصَنَا. وَإِنْ كَانَ الزَّانِي غَيْرَ مُحْصَنٍ بِأَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ نَظَرَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ أَوْ كَانَ مَجْنُونًا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ جَلْدُ خَمْسِينَ، وَفِي تَغْرِيبِهِ قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فِيهِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا نِصْفُ سَنَةٍ، كَمَا يُجْلَدُ خَمْسِينَ عَلَى نِصْفِ حَدِّ الْحُرِّ.

_ (1) أخرجه البخاري في الوكالة، باب الوكالة في الحدود: 4 / 491 - 492 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم (1697) : 3 / 1325، والمصنف في شرح السنة: 10 / 274 - 275. (2) أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت: 12 / 144 - 145 مطولا، ومسلم في الحدود، باب رجم الثيب في الزنا، برقم (1691) : 3 / 1317. والمصنف في شرح السنة: 10 / 280. (3) انظر: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 98 - 99، فقد ذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجم اليهوديين قبل اشتراط الإحصان بالإسلام.

17

{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ} قَالَ الْحَسَنُ: يَعْنِي التَّوْبَةَ الَّتِي يَقْبَلُهَا، فَيَكُونُ عَلَى بِمَعْنَى عِنْدَ، وَقِيلَ: مِنَ اللَّهِ، {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} قَالَ قَتَادَةُ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ جَهَالَةٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَكُلَّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ: الْعَمْدُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يَجْهَلْ أنه ذنب 81/ألَكِنَّهُ جَهِلَ عُقُوبَتَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَهَالَةِ: اخْتِيَارُهُمُ اللَّذَّةَ الْفَانِيَةَ عَلَى اللَّذَّةِ الْبَاقِيَةِ. {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} قِيلَ: مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ يُحِيطَ السُّوءُ بِحَسَنَاتِهِ فَيُحْبِطُهَا، وَقَالَ السُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: الْقَرِيبُ: أَنْ يَتُوبَ فِي صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ الْمَوْتِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَبْلَ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْوَيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (1) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانَيُّ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، أَنَا أَبُو الْأُسُودِ، أَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" (2) .

_ (1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب التوبة مفتوح بابها قبل الغرغرة: 9 / 521، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4253) : 2 / 1420. وقال: في الزوائد: في إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد عنعنه، وكذلك مكحول الدمشقي. وصححه الحاكم: 4 / 257 ووافقه الذهبي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 2 / 132 وفي مواضع أخرى عن ابن عمر، والمصنف في شرح السنة: 5 / 90 - 91. (2) أخرجه الإمام أحمد: 3 / 29، 41 دون قوله: "وارتفاع مكاني". وأخرجه الحاكم: من طريق أخرى عن دراج 4 / 261 دون هذه الزيادة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 207 "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى". وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 221 وفيه ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري بمثل لفظ البغوي، وهو عنده في شرح السنة: 5 / 76 باللفظ نفسه. وهذه الزيادة منكرة قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1 / 164 "وعلة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة وهي من تخاليطه".

18

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) } {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} يَعْنِي: الْمَعَاصِي {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ} وَوَقَعَ فِي النَّزْعِ، {قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} وَهِيَ حَالَةُ السَّوْقِ حِينَ تُسَاقُ رُوحُهُ، لَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إِيمَانٌ وَلَا مِنْ عَاصٍ تَوْبَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا" (غَافِرِ -85) ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْفَعُ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ حِينَ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ. {وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا} أَيْ: هَيَّأْنَا وَأَعْدَدْنَا، {لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَلَهُ امْرَأَةٌ جَاءَ ابْنُهُ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ قَرِيبُهُ مِنْ عَصَبَتِهِ فَأَلْقَى ثَوْبَهُ عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَةِ وَعَلَى خِبَائِهَا، فَصَارَ أَحَقَّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَمِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ شَاءَ تَزَوُّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ إِلَّا الصَّدَاقَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَصْدَقَهَا الْمَيِّتُ، وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا غَيْرَهُ وَأَخَذَ صَدَاقَهَا، وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا وَمَنَعَهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ يُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا وَرِثَتْهُ مِنَ الْمَيِّتِ، أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَيَرِثُهَا، فَإِنْ ذَهَبَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى أَهْلِهَا قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهَا وَلِيُّ زَوْجِهَا ثَوْبَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، فَكَانُوا عَلَى هَذَا حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْأَنْصَارِيُّ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ كُبَيْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ الْأَنْصَارِيَّةَ، فَقَامَ ابْنٌ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا يُقَالُ لَهُ حِصْنٌ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ، فَطَرَحَ ثَوْبَهُ عَلَيْهَا فَوَرِثَ نِكَاحَهَا، ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، يُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ، فَأَتَتْ كُبَيْشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا قَيْسٍ تُوُفِّيَ وَوَرِثَ نِكَاحِي ابْنُهُ فَلَا هُوَ يُنْفِقُ عَلَيَّ وَلَا يَدْخُلُ بِي وَلَا يُخَلِّي سَبِيلِي، فَقَالَ: "اقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأْتِيَ فِيكِ أَمْرُ اللَّهِ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} (1) . قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: كُرْهًا بِضَمِّ الْكَافِ، هَاهُنَا وَفِي التَّوْبَةِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا لُغَتَانِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْكَرْهُ بِالْفَتْحِ مَا أُكْرِهُ عَلَيْهِ، وَبِالضَّمِّ مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} أَيْ: لَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ لِتَضْجَرَ فَتَفْتَدِيَ بِبَعْضِ مَالِهَا، قِيلَ: هَذَا خِطَابٌ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هَذَا فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيُضَارُّهَا لِتَفْتَدِيَ وَتَرُدَّ إِلَيْهِ مَا سَاقَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} فَحِينَئِذٍ يَحِلُّ لَكُمْ إِضْرَارُهَنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَاحِشَةِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ: هِيَ النُّشُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ: هِيَ الزِّنَا، يَعْنِي: الْمَرْأَةُ إِذَا نَشَزَتْ، أَوْ زَنَتْ حَلَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْأَلَهَا الْخُلْعَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَتِ امْرَأَتُهُ فَاحِشَةً أَخَذَ مِنْهَا مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا، فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِالْحُدُودِ. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ " مُبَيَّنَةٍ وَمُبَيَّنَاتٍ " بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَوَافَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ فِي " مُبَيَّنَاتٍ " وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِهَا،. {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} قَالَ الْحَسَنُ: رَجَعَ إِلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، يَعْنِي {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وَالْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ: هِيَ الْإِجْمَالُ فِي الْقَوْلِ وَالْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَصَنَّعَ لَهَا كَمَا تَتَصَنَّعُ لَهُ، {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} قِيلَ: هُوَ وَلَدٌ صَالِحٌ، أَوْ يَعْطِفُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا.

_ (1) ذكره الواحدي في أسباب النزول فقال قال المفسرون: كان أهل المدينة. . . ص 140 - 141، وانظر: تفسير الطبري: 8 / 104 - 108، والدر المنثور: 2 / 463.

20

{وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) } {وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} أَرَادَ بِالزَّوْجِ الزَّوْجَةَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ وَلَا فَاحِشَةٌ، {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} وَهُوَ الْمَالُ الْكَثِيرُ، صَدَاقًا، {فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ} مِنَ الْقِنْطَارِ، {شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ} اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ، {بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} انْتِصَابُهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالثَّانِي بِالْإِضْمَارِ تَقْدِيرُهُ: تُصِيبُونَ فِي أَخْذِهِ بُهْتَانًا وَإِثْمًا ثُمَّ قَالَ: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ}

21

{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) } {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ} عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْظَامِ، {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} أَرَادَ بِهِ الْمُجَامَعَةَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ يُكَنِّي، وَأَصْلُ الْإِفْضَاءِ: الْوُصُولُ إِلَى الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ. {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: هُوَ قَوْلُ الْوَلِيِّ عِنْدَ الْعَقْدِ: زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا أَخَذَ اللَّهُ لِلنِّسَاءِ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ: هُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى " (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَنْكِحُونَ أَزْوَاجَ آبَائِهِمْ، قَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ: تُوُفِّيَ أَبُو قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ فَخَطَبَ ابْنُهُ قَيْسٌ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَقَالَتْ: إِنِّي اتَّخَذْتُكَ وَلَدًا وَأَنْتَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِكَ، وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَأْمِرْهُ، فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} (2) ، قِيلَ: بَعْدَ مَا سَلَفَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَكِنْ مَا سَلَفَ، أَيْ: مَا مَضَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} أَيْ: إِنَّهُ فَاحِشَةٌ، و"كَانَ" فِيهِ صِلَةٌ، وَالْفَاحِشَةُ أَقْبَحُ الْمَعَاصِي، {وَمَقْتًا} أَيْ: يُورِثُ مَقْتَ اللَّهِ، وَالْمَقْتُ: أَشَدُّ الْبُغْضِ، {وَسَاءَ سَبِيلًا} وَبِئْسَ ذَلِكَ طَرِيقًا وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةِ أَبِيهِ {مَقِيتٌ} وَكَانَ مِنْهُمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو مُعِيطِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ (3) . أَخْبَرَنَا محمد بن 81/ب الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السِّجْزِيُّ، أَنَا الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ الْحَضْرَمِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقُلْتُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ آتِيهِ بِرَأْسِهِ" (4) .

_ (1) قطعة من حديث جابر في حجة الوداع، أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برقم (1218) : 2 / 886 - 892. (2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 179، وعزاه السيوطي للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي. انظر الدر المنثور: 2 / 468. (3) في أ: (أسد) . (4) روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، فقد أخرجه أبو داود في الحدود، باب الرجل يزني بحريمه: 6 / 267، والترمذي في الحدود، باب ما جاء فيمن تزوج أمرأة أبيه: 4 / 598، وقال: حسن غريب، والنسائي في النكاح، باب نكاح ما نكح الآباء: 6 / 109 - 110، وابن ماجه في الحدود، باب من تزوج امرأة أبيه من بعده، برقم (2607) : 2 / 869، والدارقطني في النكاح، باب الرجل يتزوج امرأة أبيه: 2 / 153، وأحمد في المسند: 4 / 295، والمصنف في شرح السنة: 10 / 305 وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي سنده الأشعث بن سوار الكندي: ضعيف (التقريب) . وقال: المنذري بعد أن ساق رواياته: وقد اختلف في هذا اختلافا كثيرا. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: 8 / 322: "وللحديث أسانيد كثيرة، ومنها ما رجاله رجال الصحيح" وصححه الألباني في إرواء الغليل: 8 / 18 - 22.

23

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} الْآيَةَ، بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُحَرَّمَاتِ بِسَبَبِ الْوُصْلَةِ، وَجُمْلَةُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ: سَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَسَبْعٌ بِالسَّبَبِ. فَأَمَّا السَّبْعُ بِالسَّبَبِ فَمِنْهَا اثْنَتَانِ بِالرِّضَاعِ وَأَرْبَعٌ بِالصِّهْرِيَّةِ وَالسَّابِعَةُ الْمُحْصَنَاتُ، وَهُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ. وَأَمَّا السَّبْعُ بِالنَّسَبِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وَهِيَ جَمْعُ أُمٍّ فَيَدْخُلُ فِيهِنَّ الْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَمِنْ قِبَلِ الْأَبِ، {وَبَنَاتُكُمْ} جَمْعُ: الْبِنْتِ، فَيَدْخُلُ فِيهِنَّ بَنَاتُ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلْنَ، {وَأَخَوَاتُكُمْ} جَمْعُ الْأُخْتِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَحَدِهِمَا، {وَعَمَّاتُكُمْ} جَمْعُ الْعَمَّةِ، وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ جَمِيعُ أَخَوَاتِ آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ وَإِنْ عَلَوْنَ، {وَخَالَاتُكُمْ} جَمْعُ خَالَةٍ، وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ جَمِيعُ أَخَوَاتِ أُمَّهَاتِكَ وَجَدَّاتِكَ، {وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} وَيَدْخُلُ فِيهِنَّ بَنَاتَ أَوْلَادِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ وَإِنْ سَفَلْنَ، وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ، وَالْأُصُولُ هِيَ الْأُمَّهَاتُ وَالْجَدَّاتُ، وَالْفُصُولُ الْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الْأَوْلَادِ، وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ هِيَ الْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ هُنَّ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ. وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ}

وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا -لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ -أَيَدْخُلُ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ "نَعَمْ إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ" (2) . وَإِنَّمَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَوْلُودِ حَوْلَيْنِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ" (الْبَقَرَةِ -233) وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ" (3) . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ" (4) ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِي حَالِ الصِّغَرِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مُدَّةَ الرِّضَاعِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا" (الْأَحْقَافِ -15) ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِأَقَلِّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَأَكْثَرِ مُدَّةِ الرِّضَاعِ وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. وَالشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يُوجَدَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ

_ (1) أخرجه مسلم في الرضاع، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة، برقم (1444) : 4 / 1068، والمصنف في شرح السنة: 9 / 73. (2) أخرجه البخاري في النكاح، باب "وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم": 9 / 139 - 140، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة برقم (1444) : 4 / 1068، والمصنف في شرح السنة: 9 / 72 - 73. (3) أخرجه الترمذي في الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين: 4 / 313. وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه عن عبد الله بن الزبير بلفظ: لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء، برقم (1946) : 1 / 626، وابن حبان في النكاح برقم (1250) ص (305) من موارد الظمآن، وابن ماجه في النكاح برقم (1946) : 1 / 626، بلفظ " لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء". وانظر: إرواء الغليل: 7 / 221 -222. (4) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في رضاعة الكبير: 3 / 11، قال: المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى الهلالي؟ فقال: هو مجهول وأبوه مجهول. وأخرجه البيهقي في السنن: 7 / 461، والدارقطني: 4 / 173، وأحمد: 1 / 432، والحديث ضعفه الألباني في ارواء الغليل: 7 / 223.

سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ (1) . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُحَرِّمُ بِمَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ مِنَ الرَّضَاعِ وَالْمَصَّتَانِ" هَكَذَا رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ (2) ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (3) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَزَمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ (4) . وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالصِّهْرِيَّةِ فَقَوْلُهُ: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى امْرَأَةٍ تَحْرُمُ عَلَى النَّاكِحِ أُمَّهَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَجَدَّاتُهَا وَإِنْ عَلَوْنَ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ. {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} وَالرَّبَائِبُ جَمْعُ: رَبِيبَةٍ: وَهِيَ بِنْتُ الْمَرْأَةِ، سُمِّيَتْ رَبِيبَةٌ لِتَرْبِيَتِهِ إِيَّاهَا، وَقَوْلُهُ: {فِي حُجُورِكُمْ} أَيْ: فِي تَرْبِيَتِكُمْ، يُقَالُ: فَلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ إِذَا كَانَ فِي تَرْبِيَتِهِ، {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أَيْ: جَامَعْتُمُوهُنَّ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا بَنَاتُ الْمَنْكُوحَةِ وَبَنَاتُ أَوْلَادِهَا، وَإِنْ سَفَلْنَ مِنَ الرَّضَاعِ وَالنَّسَبِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِالْمَنْكُوحَةِ، حَتَّى لَوْ فَارَقَ الْمَنْكُوحَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا أَوْ مَاتَتْ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِنْتَهَا، [وَلَا يَجُوزَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا] (5) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْأُمَّهَاتِ وَقَالَ فِي تَحْرِيمِ الرَّبَائِبِ. {فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} يَعْنِي: فِي نِكَاحِ بَنَاتِهِنَّ إِذَا فَارَقْتُمُوهُنَّ أَوْ مِتْنَ، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمُّ الْمَرْأَةِ لَا تُحَرَّمُ إِلَّا بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ كَالرَّبِيبَةِ. {وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ} يَعْنِي: أَزْوَاجَ أَبْنَائِكُمْ، وَاحِدَتُهَا: حَلِيلَةٌ، وَالذَّكَرُ حَلِيلٌ،

_ (1) انظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: 4 / 109 - 113. (2) انظر: سنن الترمذي مع التحفة: 4 / 307 - 308، إرواء الغليل للألباني: 7 / 220. (3) أخرجه مسلم في الرضاع - باب في المصة والمصتين، برقم (1450) : 2 / 1073 - 1074، والمصنف في شرح السنة: 9 / 81، 4 / 111. (4) أخرجه مسلم في الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات برقم (1452) : 2 / 1075، والمصنف في شرح السنة: 9 / 80. (5) ساقط من نسخة: (أ) .

سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [حَلَالٌ لِصَاحِبِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] (1) يَحِلُّ حَيْثُ يَحِلُّ صَاحِبُهُ مِنَ الْحُلُولِ وَهُوَ النُّزُولُ، وَقِيلَ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ إِزَارَ صَاحِبِهِ مِنَ الْحَلِّ وَهُوَ ضِدُّ الْعَقْلِ. وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حَلَائِلُ أَبْنَائِهِ وَأَبْنَاءِ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا مِنَ الرِّضَاعِ وَالنَّسَبِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا قَالَ "مِنْ أَصْلَابِكُمْ" لِيُعْلِمَ أَنَّ حَلِيلَةَ الْمُتَبَنَّى لَا تَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَبَنَّاهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ زَيْدٌ تَبَنَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالرَّابِعُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ بِالصِّهْرِيَّةِ: حَلِيلَةُ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَإِنْ عَلَا فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَبُ مِنَ الرِّضَاعِ أَوْ مِنَ النَّسَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ تَحْرُمُ بِالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، حَتَّى لَوْ وطئ امرأة 82/أبِالشُّبْهَةِ أَوْ جَارِيَةً بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَتَحْرُمُ عَلَى الْوَاطِئِ أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ وَابْنَتُهَا وَتَحْرُمُ الْمَوْطُوءَةُ عَلَى أَبِ الْوَاطِئِ وَعَلَى ابْنِهِ. وَلَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: فَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَحْرُمُ عَلَى الزَّانِي أُمُّ الْمَزْنِي بِهَا وَابْنَتُهَا، وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ عَلَى أَبِ الزَّانِي وَابْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيٌّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّحْرِيمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَوْ لَمَسَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ أَوْ قَبَّلَهَا، فَهَلْ يُجْعَلُ ذَلِكَ كَالدُّخُولِ فِي إِثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمَسَ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ فَهَلْ يُجْعَلُ كَالْوَطْءِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَالثَّانِي: لَا تَثْبُتُ كَمَا لَا تَثْبُتُ بِالنَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي النِّكَاحِ سَوَاءٌ كَانَتِ الْأُخُوَّةُ بَيْنَهُمَا بِالنَّسَبِ أَوْ بِالرِّضَاعِ، فَإِذَا نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا بَائِنًا جَازَ لَهُ نِكَاحُ أُخْتِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ، فَإِذَا وَطِئَ إِحْدَاهُمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى عَلَى نَفْسِهِ. وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا، لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ،

_ (1) ساقط من نسخة (أ) .

أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} يَعْنِي: لَكِنْ مَا مَضَى فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالسُّدِّيُّ: إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ لَيَّا أَمِّ يَهُوذَا وَرَاحِيلَ أَمِّ يُوسُفَ، وَكَانَتَا أُخْتَيْنِ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}

_ (1) أخرجه البخاري في النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها: 9 / 160، ومسلم في النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها. . برقم (1408) : 2 / 1820. والمصنف في شرح السنة: 9 / 66.

24

{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يَعْنِي: ذَوَاتَ الْأَزْوَاجِ، لَا يَحِلُّ لِلْغَيْرِ نِكَاحُهُنَّ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْأَزْوَاجِ، وَهَذِهِ السَّابِعَةُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي حُرِّمَتْ (1) بِالسَّبَبِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: نَزَلَتْ فِي نِسَاءٍ كُنَّ يُهَاجِرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَيَتَزَوَّجُهُنَّ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَدِمَ أَزْوَاجُهُنَّ مُهَاجِرِينَ فَنَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ نِكَاحِهِنَّ (2) ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَقَالَ: {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} يَعْنِي: السَّبَايَا اللَّوَاتِي سُبِينَ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَيَحِلُّ لِمَالِكِهِنَّ وَطْؤُهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ بِالسَّبْيِ يَرْتَفِعُ النِّكَاحُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَيْشًا إِلَى أَوَطَاسٍ فَأَصَابُوا سَبَايَا لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَرِهُوا غَشَيَانَهُنَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (3) . وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ {إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أَنْ تَكُونَ أَمَتُهُ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُ.

_ (1) في ب: (حرمن) . (2) انظر الدر المنثور: 2 / 480. (3) أخرجه مسلم في الرضاع، باب وطء المسبية بعد الاستبراء. . . برقم (1456) : 2 / 1079.

وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُحْصَنَاتِ الْحَرَائِرَ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ حَرَامٌ مِنْهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَإِنَّهُ لَا عَدَدَ عَلَيْكُمْ فِي الْجَوَارِي. قَوْلُهُ تَعَالَى: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ، أَيْ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَقِيلَ: نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَيْ: الْزَمُوا كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَيْ: فَرْضُ اللَّهُ تعالى. قوله تعال: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ "أُحِلَّ " بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الْحَاءِ، لِقَوْلِهِ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، أَيْ: مَا سِوَى ذَلِكُمُ الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، {أَنْ تَبْتَغُوا} تَطْلُبُوا، {بِأَمْوَالِكُمْ} أَيْ تَنْكِحُوا بِصَدَاقٍ أَوْ تَشْتَرُوا بِثَمَنٍ، {مُحْصِنِينَ} أَيْ: مُتَزَوِّجِينَ أَوْ مُتَعَفِّفِينَ، {غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أَيْ: غَيْرُ زَانِينَ، مَأْخُوذٌ مِنْ سَفْحِ الْمَاءِ وَصَبِّهِ وَهُوَ الْمَنِيُّ، {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ مَا انْتَفَعْتُمْ وَتَلَذَّذْتُمْ بِالْجِمَاعِ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أَيْ: مُهُورُهُنَّ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَهُوَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً إِلَى مُدَّةٍ فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ بَانَتْ مِنْهُ بِلَا طَلَاقٍ، وَتَسْتَبْرِئُ رَحِمهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، أَنَا أَبِي، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسْنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ (2) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ حَرَامٌ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ.

_ (1) أخرجه مسلم في النكاح، باب نكاح المتعة برقم (1406) 2 / 1025، والمصنف في شرح السنة: 9 / 100. (2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر: 7 / 481، ومسلم في النكاح، باب نكاح المتعة برقم (1407) : 2 / 1027، والمصنف في شرح السنة: 9 / 99. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 7 / 482 - 483 "قيل إن في الحديث تقديما وتأخيرا"، والصواب: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية وعن متعة النساء، وليس يوم خيبر ظرفا لمتعة النساء، لأنه لم يقع في غزوة خيبر تمتع بالنساء". ثم بسط ذلك في كتاب النكاح.

وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وَيُرَخِّصُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ سَأَلَتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ: أَمَا تَقْرَأُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: " فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى "؟ قُلْت: لَا أَقْرَأْهَا هَكَذَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَكَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ (1) . وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَعَدَ الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْكِحُونَ هَذِهِ الْمُتْعَةَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا؟، لَا أَجِدُ رَجُلًا نَكَحَهَا إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَالَ: هَدْمُ الْمُتْعَةِ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِدَّةُ وَالْمِيرَاثُ (2) . قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَا أَعْلَمُ فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُحِلُّ ثُمَّ حُرِّمَ غَيْرَ الْمُتْعَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} أَيْ: مُهُورَهُنَّ، {فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} فَمَنْ حَمَلَ مَا قَبْلَهُ عَلَى نِكَاحِ الْمُتْعَةِ أَرَادَ أَنَّهُمَا [إِذَا عَقَدَ عَقْدًا إِلَى أَجَلٍ بِمَالٍ] (3)

_ (1) أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه، حتى إذا نزلت الآية: " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم" قال ابن عباس فكل فرج سواهما فهو حرام. وفيه: موسى بن عبيدة: ضعيف. قال ابن حجر في الفتح: 9 / 173 "روي عن ابن عباس الرجوع عن القول بجواز المتعة بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح". وقال ابن المنذر في الإشراف: 4 / 75 "ثبت أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن نكاح المتعة، ودل قوله: "ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة" على أن النسخ لا يجوز أن يقع عليه. وقد روينا أخبارا عن الأوائل بإباحة ذلك، وليس لها معنى ولا فيها فائدة مع سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وممن نهى عن المتعة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقال القاسم بن محمد: تحريمها في القرآن: "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين" روي عن ابن مسعود أنه قال: نسختها آية الطلاق والعدة والميراث. وروي عن علي أنه قال ذلك. وقال ابن عمر: ما أعلمه إلا السفاح. وقال: ابن الزبير: المتعة: الزنا الصريح، ولا أعلم أحدا يعمل بها إلا رجمته. وقال الحسن البصري: ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام حتى حرمها الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وممن أبطل نكاح المتعة: مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا أعلم أحدا يجيز اليوم نكاح المتعة إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف القائل به الكتاب والسنة". هذا، وكان ابن عباس رضي الله عنه يتأول في إباحة المتعة للمضطر إليها بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه بعد أن قيل له: لقد سارت بفتياك الركبان. . . فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله من الميته والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير. انظر: تفسير القرطبي: 5 / 129 - 133، فتح الباري: 9 / 166 - 174 معالم السنن للخطابي: 3 / 18، تلخيص الحبير: 3 / 154 - 156، نيل الأوطار: 7 / 304 - 310، ورسالة عن النكاح للشيخ محمد الحامد في مجموعة رسائله: ص5 - 97، خاتم النبيين للشيخ محمد أبو زهرة: 2 / 1089 - 1097، وعامة كتب الفقه في باب النكاح، الجزء الأول من شرح قانون الأحوال الشخصية للسباعي. (2) أخرجه ابن المنذر والبيهقي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه انظر: فتح الباري: 9 / 173. (3) جاءت هذه العبارة في "أ" كما يلي: (إذا عقدا إلى أجل بمال) .

فَإِذَا تَمَّ الْأَجَلُ فَإِنْ شَاءَتِ الْمَرْأَةُ زَادَتْ فِي الْأَجَلِ وَزَادَ الرَّجُلُ فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا فَارَقَهَا، وَمَنْ حَمَلَ الْآيَةَ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ} الْإِبْرَاءُ عَنِ الْمَهْرِ وَالِافْتِدَاءُ وَالِاعْتِيَاضُ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [فَصَلٌ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ وَفِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ] اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَكْثَرِ الصَّدَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُغَالَى فِيهِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرِ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُفْلِسُ، أَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَارِثِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، هَذَا صَدَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَزْوَاجِهِ (2) . أَمَّا أَقَلُّ الصَّدَاقِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَقَلِّهِ، بَلْ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَبِيعًا أَوْ ثَمَنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ والشافعي وأحمد وإسحق، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فِي ثَلَاثِ قَبَضَاتِ زَبِيبٍ مَهْرٌ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَوْ أَصْدَقَهَا سَوْطًا جَازَ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَتَقَدَّرُ: بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، غَيْرَ أَنَّ نِصَابَ السَّرِقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ: مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا فَقَامَ

_ (1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب الصداق: 3 / 46، والترمذي في النكاح، باب ما جاء في مهور النساء: 4 / 255، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في النكاح، باب القسط في الأصدقة: 6 / 117، والدارمي في النكاح، باب كم كانت مهور أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبناته: 2 / 141، والبيهقي في السنن: 7 / 234، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 175، وابن حبان برقم (259) ص (307) من موارد الظمآن، وأحمد في المسند: 1 / 40، 41،48. (2) أخرجه مسلم في النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد. . . برقم (1426) : 2 / 1042.

25

رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا"؟ قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ أَعْطَيْتهَا جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ شَيْئًا"، فَقَالَ: مَا أَجِدُ، فَقَالَ: "فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ"؟ قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا -لِسُورٍ سَمَّاهَا -فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (1) . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ، لِأَنَّهُ قَالَ: "الْتَمِسْ شَيْئًا" فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِنَ الْمَالِ، وَقَالَ: "وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" وَلَا قِيمَةَ لِخَاتَمِ الْحَدِيدِ إِلَّا الْقَلِيلَ التَّافِهَ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يجوز تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ صَدَاقًا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَكُلُّ عَمَلٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ مِثْلُ الْبِنَاءِ وَالْخِيَاطَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ جَازَ أَنْ يُجْعَلَ صَدَاقًا، وَلِمَ يُجَوِّزْ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُجْعَلَ مَنْفَعَةُ الْحُرِّ صَدَاقًا، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّزَهُ بَعْدَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى الْعَمَلِ، فَقَالَ: "إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنِكحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ" (الْقَصَصِ -27) . {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} أَيْ: فَضْلًا وَسَعَةً، {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} الْحَرَائِرَ {الْمُؤْمِنَاتِ} قَرَأَ الْكِسَائِيُّ {الْمُحْصِنَاتِ} بِكَسْرِ الصَّادِ حَيْثُ كَانَ، إِلَّا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَالْمُحْصَنَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ جَمِيعِهَا، {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ} إِمَائِكُمْ، {الْمُؤْمِنَاتِ}

_ (1) أخرجه البخاري في النكاح، باب تزويج المعسر: 9 / 131، ومسلم في النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن. . برقم (1425) : 2 / 1040 - 1041، والمصنف في شرح السنة: 9 / 117.

أَيْ: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَهْرِ الْحُرَّةِ الْمُؤْمِنَةِ، فَلْيَتَزَوَّجِ الْأَمَةَ الْمُؤْمِنَةَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَجِدَ مَهْرَ حُرَّةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْعَنَتِ، وَهُوَ الزِّنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} وَهُوَ قَوْلُ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ، أَمَّا الْعَبْدُ فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَإِنْ كَانَ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، كَمَا يَقُولُ فِي الْحُرِّ. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِأَنَّهُ قَالَ {فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ" (الْمَائِدَةِ -5) أَيْ: الْحَرَائِرُ، جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَبِالِاتِّفَاقِ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ. [ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ} أَيْ: لَا تَتَعَرَّضُوا لِلْبَاطِنِ فِي الْإِيمَانِ وَخُذُوا بِالظَّاهِرِ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ] (1) . {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} قِيلَ: بَعْضُكُمْ إِخْوَةٌ لِبَعْضٍ، وَقِيلَ: كُلُّكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تَسْتَنْكِفُوا مِنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، {فَانْكِحُوهُنَّ} يَعْنِي: الْإِمَاءَ {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} أَيْ: مَوَالِيهِنَّ، {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مُهُورَهُنَّ، {بِالْمَعْرُوفِ} مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ وَضِرَارٍ، {مُحْصَنَاتٍ} عَفَائِفَ بِالنِّكَاحِ، {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} أَيْ: غَيْرَ زَانِيَاتٍ، {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أَيْ: أَحْبَابٍ تَزْنُونَ بِهِنَّ فِي السِّرِّ، قَالَ الْحَسَنُ: الْمُسَافِحَةُ هِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ دَعَاهَا تَبِعَتْهُ، وَذَاتُ أَخْدَانٍ أَيْ: تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ لَا تَزْنِي إِلَّا مَعَهُ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تُحَرِّمُ الْأُولَى وَتُجَوِّزُ الثَّانِيَةِ، {فَإِذَا أُحْصِنَّ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَالصَّادِ، أَيْ: حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَسْلَمْنَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: {أُحْصِنَّ} بِضَمِّ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الصَّادِ، أَيْ: زُوِّجْنَ {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} يَعْنِي: الزِّنَا، {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} أَيْ: مَا عَلَى الْحَرَائِرِ الْأَبْكَارِ إِذَا زَنَيْنَ، {مِنَ الْعَذَابِ} يَعْنِي: الْحَدَّ، فَيُجْلَدُ الرَّقِيقُ إِذَا زَنَى خَمْسِينَ جَلْدَةً، وَهَلْ يُغَرَّبُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا يُغَرَّبُ فَيُغَرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ وَلَا رَجْمَ عَلَى الْعَبِيدِ. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِتْيَةٍ مِنْ

_ (1) ساقط من نسخة (أ) .

26

قُرَيْشٍ فَجَلَدْنَا وَلَائِدَ مِنْ وَلَائِدِ (1) الْإِمَارَةِ خَمْسِينَ فِي الزِّنَا. وَلَا فَرْقَ فِي حَدِّ الْمَمْلُوكِ بَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ مِنَ الْمَمَالِيكِ إِذَا زَنَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ} وَرَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ. وَمَعْنَى الْإِحْصَانُ عِنْدَ الْآخَرِينَ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّزْوِيجَ فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّزْوِيجَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَمْلُوكَ وَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا بِالتَّزْوِيجِ فَلَا رَجْمَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا حَدُّهُ الْجِلْدُ بخلاف الحرّ، 83/أفَحَدُّ الْأَمَةِ ثَابِتٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ بِالْجِلْدِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي الْمُقْبُرِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيِّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ} يَعْنِي: نِكَاحَ الْأَمَةِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ، {لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} يَعْنِي: الزِّنَا، يُرِيدُ الْمَشَقَّةَ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، {وَإِنْ تَصْبِرُوا} عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ مُتَعَفِّفِينَ، {خَيْرٌ لَكُمْ} لِئَلَّا يُخْلَقُ الْوَلَدُ رَقِيقًا {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أَيْ: أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ" (الشُّورَى -15) أَيْ: أَنَّ أَعْدَلَ، وَقَوْلُهُ: "وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (الْأَنْعَامِ -71) ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ" (غَافِرٍ -66) . وَمَعْنَى الْآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، أَيْ: يُوَضِّحَ لَكُمْ شَرَائِعَ دِينِكُمْ وَمَصَالِحَ أُمُورِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: يُبَيِّنُ لَكُمْ مَا يُقَرِّبُكُمْ مِنْهُ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يُبَيِّنُ لَكُمْ أَنَّ الصَّبْرَ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ خَيْرٌ لَكُمْ، {وَيَهْدِيَكُمْ} وَيُرْشِدَكُمْ، {سُنَنَ} شَرَائِعَ، {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فِي تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَى مَنْ قَبِلَكُمْ.

_ (1) جمع وليدة، وهي: الأمة. (2) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع المدبر: 4 / 421، ومسلم في الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا برقم (1703) : 3 / 1328، والمصنف في شرح السنة: 10 / 297.

وَقِيلَ: وَيَهْدِيَكُمُ الْمِلَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ وَهِيَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ} وَيَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ مَا أَصَبْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ، وَقِيلَ: يَرْجِعُ بِكُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي كُنْتُمْ عَلَيْهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَقِيلَ: يُوَفِّقُكُمْ لِلتَّوْبَةِ {وَاللَّهُ عَلِيمٌ} بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، {حَكِيمٌ} فِيمَا دَبَّرَ مِنْ أُمُورِهِمْ.

27

{وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} إِنْ وَقْعَ مِنْكُمْ تَقْصِيرٌ فِي أَمْرِ دِينِهِ {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا} عَنِ الْحَقِّ، {مَيْلًا عَظِيمًا} بِإِتْيَانِكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَوْصُوفِينَ بِاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، قَالَ السُّدِّيُّ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ الْمَجُوسُ لِأَنَّهُمْ يُحِلُّونَ نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الزُّنَاةُ يُرِيدُونَ أَنْ تَمِيلُوا عَنِ الْحَقِّ فَتَزْنُونَ كَمَا يَزْنُونَ، وَقِيلَ: هُمْ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَاطِلِ. {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} يُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَقَدْ سَهَّلَ كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ" (الْأَعْرَافِ -157) وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُعِثْتُ بالحنيفية السمحة السلهة" (1) ، {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} قال طاووس وَالْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي أَمْرِ النِّسَاءِ: لَا يُصْبَرُ عَنْهُنَّ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} يَسْتَمِيلُهُ هَوَاهُ وَشَهْوَتُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، بَيَانُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ" (الرُّومِ -54) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بِالْحَرَامِ، يَعْنِي: بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً} ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ {تِجَارَةً} نُصِبَ عَلَى خَبَرِ كَانَ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَمْوَالُ تِجَارَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ تِجَارَةٌ، {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أَيْ: بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُجِيزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ صَاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَيَلْزَمُ، وَإِلَّا فَلَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 266 عن أبي أمامة، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: 2 / 204، والطبراني في الكبير، وفيه علي بن يزيد الألهاني: ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 5 / 279. والحديث حسن لتعدد طرقه وشواهده. انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، ص (333 - 334) .

30

لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ" (1) . {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَيْ لَا تُهْلِكُوهَا، كَمَا قَالَ: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" (الْبَقَرَةِ -195) ، وَقِيلَ: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ نَفْسَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (2) . حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَنِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو مُوسَى الزَّمِنُ، أَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي، قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ: أَخْبَرَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَرَابٌ فَجَزِعَ مِنْهُ، فَأَخْرَجَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ" فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" (3) وَقَالَ الْحَسَنُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} يَعْنِي: إِخْوَانَكُمْ، أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "اسْتَنْصَتَ النَّاسَ" ثُمَّ قَالَ: "لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (4) . {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) } {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} يَعْنِي: مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، {عُدْوَانًا وَظُلْمًا} فَالْعَدُوَّانُ مُجَاوَزَةُ

_ (1) أخرجه البخاري في البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا: 4 / 328، ومسلم في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين برقم (1531) : 3 / 1163، والمصنف في شرح السنة: 8 / 39. (2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (110) : 1 / 104 والمصنف في شرح السنة: 10 / 154. (3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما يذكر عن بني إسرائيل: 6 / 496، ومسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (113) : 1 / 107 بلفظ مقارب، والمصنف في شرح السنة: 10 / 155. (4) أخرجه البخاري في الفتن، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا ترجعوا بعدي كفارا" 13 / 26 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان، باب معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترجعوا بعدي كفارا، برقم (65) : 1 / 81 - 82. والمصنف في شرح السنة: 10 / 221 - 222.

الْحَدِّ وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ} نُدْخِلُهُ فِي الْآخِرَةِ، {نَارًا} يُصْلَى فِيهَا، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} هَيِّنًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} اخْتَلَفُوا فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ اجْتِنَابَهَا تَكْفِيرًا لِلصَّغَائِرِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَنَا فِرَاسٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، أَنَا الْجَرِيرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَّا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ " ثَلَاثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَّا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَّا وَقَوْلُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ" (2) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَمَنْصُورٍ، وَوَاصِلٍ الْأَحْدَبِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حليلة جارك"، 83/ب فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} (3) الْآيَةَ.

_ (1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس: 11 / 555، وفي مواضع أخرى، والمصنف في شرح السنة: 1 / 85. (2) أخرجه البخاري في الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور: 5 / 261، وفي الأدب، ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (87) : 1 / 91، والمصنف في شرح السنة: 1 / 83 - 84. (3) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة الفرقان، باب "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر" 8 / 492، ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، برقم (86) : 1 / 90. والمصنف في شرح السنة: 1 / 82.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ:، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمُ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذَفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" (1) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْح، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ" (3) . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ الْكَبَائِرِ: أَسَبْعٌ هِيَ؟ قَالَ: هُنَّ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ إِلَّا أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْهَا فَلْيَسْتَغْفِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُخَلِّدُ فِي النَّارِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا رَاجِعًا عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ جَاحِدًا فَرِيضَةً أَوْ مُكَذِّبًا بِقَدَرٍ (4) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ" فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: هِيَ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبٍ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ.

_ (1) أخرجه البخاري في الوصايا، باب قول الله تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما": 5 / 393، ومسلم في الإيمان، باب الكبائر، برقم (89) : 1 / 92، والمصنف في شرح السنة: 1 / 86. (2) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 242 - 244، والطبراني في الكبير بإسناد صحيح، انظر مجمع الزوائد: 1 / 104، وعبد الرزاق في المصنف: 10 / 459 - 460، والمصنف في شرح السنة: 1 / 87، وقال ابن كثير في التفسير: 1 / 485 "هو صحيح إلى ابن مسعود بلا شك". (3) أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يسب الرجل والديه: 10 / 403، ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر برقم (90) 1 / 92، والمصنف في شرح السنة: 13 / 16 - 17. (4) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 245.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا أَوْعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَدًّا فِي الدُّنْيَا أَوْ عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ (1) بْنُ الْفَضْلِ: مَا سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ كَبِيرًا أَوْ عَظِيمًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا" (النِّسَاءِ -2) ، "إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا" (الْإِسْرَاءِ -31) ، "إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (لُقْمَانَ -13) ، "إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (يُوسُفَ -28) "سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ" (النُّورِ -16) "إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا" (الْأَحْزَابِ -53) . قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: الْكَبَائِرُ مَا كَانَ فِيهِ الْمَظَالِمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، وَالصَّغَائِرُ مَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يَعْفُو (2) ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكِرْمَانِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاؤُدَ الْبَلْخِيُّ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَفَا عَنْكُمْ جَمِيعًا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، تَوَاهَبُوا الْمَظَالِمَ وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي" (3) . وَقَالَ مَالِكُ بْنِ مِغْوَلٍ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالسَّيِّئَاتُ ذُنُوبُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْعَمْدِ، وَالسَّيِّئَاتُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ الْمَرْفُوعُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَحِلِّينَ مِثْلَ ذَنْبِ إِبْلِيسَ، وَالصَّغَائِرُ ذُنُوبُ الْمُسْتَغْفِرِينَ مِثْلَ ذَنْبٍ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْكَبَائِرُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ، وَالسَّيِّئَاتُ مُقَدِّمَاتُهَا وَتَوَابِعُهَا مِمَّا يَجْتَمِعُ فِيهِ الصَّالِحُ وَالْفَاسِقُ، مِثْلَ النَّظْرَةِ وَاللَّمْسَةِ وَالْقُبْلَةِ وَأَشْبَاهِهَا. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ" (4) . وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ مَا يَسْتَحْقِرُهُ الْعِبَادُ، وَالصَّغَائِرُ مَا يَسْتَعْظِمُونَهُ فَيَخَافُونَ مُوَاقَعَتَهُ، كَمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ

_ (1) في أ: (الحسين) . (2) في أ: (كبير يغفر) . (3) حديث موضوع في إسناده الحسين بن داود، أبو علي البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة، حديثه موضوع. انظر: ميزان الاعتدال: 1 / 534. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 197. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني: 3 / 439 رقم (1279) . (4) أخرجه أحمد في المسند: 1 / 412، 2 / 343 عن أبي هريرة، والطبراني وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن أبي هريرة. قال الهيثمي في المجمع 6 / 256، سنده جيد، وقال المنذري صحيح. وانظر: فيض القدير للمناوي: 4 / 399، والمصنف في شرح السنة: 1 / 138.

32

الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا مَهْدِيُّ بْنُ غَيْلَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُوبِقَاتِ (1) . وَقِيلَ: الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَمَا دُونَ الشِّرْكِ فَهُوَ السَّيِّئَاتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" (النِّسَاءِ -48، 116) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أَيْ: مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَمِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَمِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي صَخْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَ الْكَبَائِرُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} أَيْ: حَسَنًا وَهُوَ الْجَنَّةُ، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ {مَدْخَلًا} بِفَتْحِ الْمِيمِ هَاهُنَا وَفِي الْحَجِّ، وَهُوَ مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى الْإِدْخَالِ. {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} الْآيَةَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ وَلَا نَغْزُو وَلَهُمْ ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ الْمِيرَاثِ، فَلَوْ كُنَّا رِجَالًا غَزَوْنَا كَمَا غَزَوْا وَأَخَذْنَا مِنَ الْمِيرَاثِ مِثْلَ مَا أَخَذُوا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (3) . وَقِيلَ: لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ، قَالَتِ النِّسَاءُ: نَحْنُ أَحَقُّ وَأَحْوَجُ إِلَى الزِّيَادَةِ مِنَ الرِّجَالِ، لِأَنَّا ضُعَفَاءُ وَهُمْ أَقْوَى وَأَقْدَرُ عَلَى طَلَبِ الْمَعَاشِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}

_ (1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقي من محقرات الذنوب: 11 / 329، والمصنف في شرح السنة: 14 / 398. (2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس برقم (233) : 1 / 209، والمصنف في شرح السنة: 2 / 177. (3) أخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (181) ، ونظر: تفسير الطبري: 8 / 261، الدر المنثور: 2 / 507.

33

وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} قَالَ الرِّجَالُ إِنَّا لِنَرْجُوَ أَنْ نُفَضَّلَ عَلَى النِّسَاءِ بِحَسَنَاتِنَا فِي الْآخِرَةِ فَيَكُونُ أَجْرُنَا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ أَجْرِ النِّسَاءِ كَمَا فُضِّلْنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْمِيرَاثِ (1) فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا} مِنَ الْأَجْرِ {وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} مَعْنَاهُ: أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِي الْأَجْرِ فِي الْآخِرَةِ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَةَ تَكُونُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا يَسْتَوِي فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ فُضِّلَ الرِّجَالُ فِي الدُّنْيَا عَلَى النِّسَاءِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا مِنْ أَمْرِ الْجِهَادِ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ مِنْ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ، يَعْنِي إِنْ كَانَ لِلرِّجَالِ فَضْلُ الْجِهَادِ فَلِلنِّسَاءِ فَضْلُ طَاعَةِ الْأَزْوَاجِ وَحِفْظِ الْفُرُوجِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَسَلُوا، وَسَلْ، وَفَسَلْ إِذَا كَانَ قَبْلَ السِّينِ وَاوٌ أَوْ فَاءٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وَنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إِلَى السِّينِ، وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ مَهْمُوزًا. فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنِ التَّمَنِّي لِمَا فِيهِ مِنْ دَوَاعِي الْحَسَدِ، وَالْحَسَدُ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهِ وَيَتَمَنَّاهَا لِنَفْسِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَالْغِبْطَةُ أَنْ يتمنى لنفسه 84/أمِثْلَ مَا لِصَاحِبِهِ وَهُوَ جَائِزٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَتَمَنَّى الرَّجُلُ مَالَ أَخِيهِ وَلَا امْرَأَتِهِ وَلَا خَادِمِهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِثْلَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ كَذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ: أَيْ: مِنْ رِزْقِهِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مِنْ عِبَادَتِهِ، فَهُوَ سُؤَالُ التَّوْفِيقِ لِلْعِبَادَةِ، قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إِلَّا لِيُعْطِيَ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمًا} {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} أَيْ: وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَعَلْنَا مَوَالِيَ، أَيْ: عُصْبَةً يُعْطُونَ {مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} وَالْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ هُمُ الْمُوَرِّثُونَ، [وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أَيْ: وَرَثَةً، مِمَّا تَرَكَ أَيْ: مِنَ الَّذِينَ تَرَكَهُمْ وَيَكُونُ " مَا " بِمَعْنَى {مِنْ} ، ثُمَّ فَسَّرَ {الْمَوَالِيَ} فَقَالَ: "الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ"، هُمُ الْوَارِثُونَ] (2) . {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ {عَقَدَتْ} بِلَا أَلْفٍ، أَيْ: عَقَدَتْ لَهُمْ أَيْمَانُكُمْ، وَقَرَأَ

_ (1) انظر أسباب النزول ص (181) ، تفسير الطبري: 8 / 264، الدر المنثور: 2 / 507. (2) ساقط من (ب) .

الْآخَرُونَ: " عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ " وَالْمُعَاقَدَةُ: الْمُحَالَفَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ، وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ، مِنَ الْيَدِ وَالْقَسَمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ الْمُحَالَفَةِ يَأْخُذُ بَعْضُهُمْ بِيَدِ بَعْضٍ عَلَى الْوَفَاءِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْعَهْدِ. وَمُحَالَفَتُهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ وَسِلْمِي سِلْمُكَ وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ، فَيَكُونُ لِلْحَلِيفِ السُّدُسُ مِنْ مَالِ الْحَلِيفِ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} أَيْ: أَعْطُوهُمْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بقوله تعالى "وأولوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ" (الْأَحْزَابِ 6) . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ: أَرَادَ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفْدِ وَلَا مِيرَاثَ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" (الْمَائِدَةِ -1) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَةِ يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا فِيهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً" (1) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ دُونَ الرَّحِمِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} نُسِخَتْ، ثُمَّ قَالَ: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} النَّصْرُ وَالرِّفَادَةُ وَالنَّصِيحَةُ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ فَيُوصِي لَهُ (2) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالتَّبَنِّي وَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهِ ثُمَّ نُسِخَ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِ شَيْءٍ شَهِيدًا}

_ (1) حديث مركب من حديثين، أخرجهما الطبري من حديث قيس بن عاصم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به" 8 / 283. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في خطبة يوم الفتح: "فوا بحلف فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام" 8 / 284. وفي الباب عن جبير بن مطعم مرفوعا "لا حلف في الإسلام" أخرجه الشيخان. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص 42، تفسير الطبري بتعليق محمود شاكر: 8 / 283 - 284، الدر المنثور: 2 / 510. (2) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء باب "ولكل جعلنا موالي. . . . " 8 / 247. انظر: الدر المنثور: 2 / 511.

34

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَكَانَ مِنَ النُّقَبَاءِ وَفِي

امْرَأَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: امْرَأَتُهُ حَبِيبَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا نَشَزَتْ عَلَيْهِ فَلَطَمَهَا، فَانْطَلَقَ أَبُوهَا مَعَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فَقَالَ: أَفْرَشْتُهُ كَرِيمَتِي فَلَطَمَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِتَقْتَصَّ مِنْ زَوْجِهَا"، فَانْصَرَفَتْ مَعَ أَبِيهَا] (1) لِتَقْتَصَّ مِنْهُ فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ [فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارْجِعُوا هَذَا جِبْرِيلُ أَتَانِي بِشَيْءٍ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ] (2) ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا، وَالَّذِي أَرَادَ اللَّهُ خَيْرٌ"، وَرَفَعَ الْقِصَاصَ (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أَيْ: مُسَلَّطُونَ عَلَى تَأْدِيبِهِنَّ، وَالْقَوَّامُ وَالْقَيِّمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْقَوَّامُ أَبْلَغُ وَهُوَ الْقَائِمُ بِالْمَصَالِحِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّأْدِيبِ. {بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} يَعْنِي: فَضَّلَ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ بِزِيَادَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَالْوِلَايَةِ، وَقِيلَ: بِالشَّهَادَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ" (الْبَقَرَةِ -282) وَقِيلَ: بِالْجِهَادِ، وَقِيلَ: بِالْعِبَادَاتِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْكِحُ أَرْبَعًا وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا زَوْجٌ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، وَقِيلَ: بِالْمِيرَاثِ، وَقِيلَ: بِالدِّيَةِ، وَقِيلَ: بِالنُّبُوَّةِ. {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يَعْنِي: إِعْطَاءَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبَرْتِيُّ أَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرَتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ} أَيْ: مُطِيعَاتٌ {حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ} أَيْ: حَافِظَاتٌ لِلْفُرُوجِ فِي غَيْبَةِ الْأَزْوَاجِ، وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ لِسِرِّهِمْ {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ {بِمَا حَفِظَ اللَّهَ} بِالنَّصْبِ، أَيْ: يَحْفَظْنَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالرَّفْعِ، أَيْ: بِمَا حَفِظَهُنَّ اللَّهُ بِإِيصَاءِ الْأَزْوَاجِ بِحَقِّهِنَّ وَأَمْرِهِمْ بِأَدَاءِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ. وَقِيلَ: حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِحِفْظِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ فَنْجَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسُوحِيُّ، أَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ

_ (1) ساقط من (ب) . (2) ساقط من (ب) . (3) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (144) . (4) أخرجه ابن ماجه في النكاح، باب حق الزوج على المرأة برقم (1853) : 1 / 595، وصححه ابن حبان برقم (1290) موارد الظمآن ص (314) ، وأحمد في المسند: 4 / 381 عن عبد الله بن أبي أوفى، 5 / 227 - 228 عن معاذ بن جبل، والمصنف في شرح السنة: 9 / 158.

35

عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِنْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ وَإِنْ أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي مَالِهَا وَنَفْسِهَا" (1) ، ثُمَّ تَلَا {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} الْآيَةَ. {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عِصْيَانَهُنَّ، وَأَصْلُ النُّشُوزِ: التَّكَبُّرُ وَالِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ النَّشْزُ لِلْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ، {فَعِظُوهُنَّ} بِالتَّخْوِيفِ مِنَ اللَّهِ وَالْوَعْظِ بِالْقَوْلِ، {وَاهْجُرُوهُنَّ} يَعْنِي: إِنْ لَمْ يَنْزِعْنَ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ فَاهْجُرُوهُنَّ {فِي الْمَضَاجِعِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُوَلِّيهَا ظَهْرَهُ فِي الْفِرَاشِ وَلَا يُكَلِّمُهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْتَزِلُ عَنْهَا إِلَى فَرَّاشٍ آخَرَ، {وَاضْرِبُوهُنَّ} يَعْنِي: إِنْ لَمْ يَنْزِعْنَ مَعَ الْهِجْرَانِ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَا شَائِنٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: ضَرْبًا بِالسِّوَاكِ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "حَقُّ الْمَرْأَةِ أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ" (2) . {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} أَيْ: لَا تَجْنُوا عَلَيْهِنَّ الذُّنُوبَ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} مُتَعَالِيًا مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ الْعِبَادَ مَالَا يُطِيقُونَهُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ يَجْمَعُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْوَعْظِ وَالْهِجْرَانِ وَالضَّرْبِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِهَا وَقَالَ: إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا النُّشُوزُ جَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَحَمَلَ الْخَوْفَ فِي قَوْلِهِ {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} عَلَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا" (الْبَقَرَةِ -182) أَيْ: عَلِمَ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْخَوْفَ عَلَى الْخَشْيَةِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً" (الْأَنْفَالِ -58) ، وَقَالَ: هَذِهِ الْأَفْعَالُ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ، فَإِنْ خَافَ نُشُوزَهَا بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَتُهُ مِنْهَا مِنَ الْمُخَاشَنَةِ وَسُوءِ الخُلقُ وَعَظَها، 84/ب فَإِنْ أَبْدَتِ النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى ذَلِكَ ضَرَبَهَا. {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} يَعْنِي: شِقَاقًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، [وَالْخَوْفُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَقِيلَ:

_ (1) أخرجه النسائي في النكاح، باب أي النساء خير: 6 / 68، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 161 - 162 على شرط مسلم، والطبري في التفسير: 8 / 295. وعزاه ابن حجر أيضا: للبزار بلفظ "المرأة الصالحة إذا نظر إليها. . . " وقال: رواه أبو داود والحاكم والترمذي من رواية مجاهد عن ابن عباس، وفي الباب عن أبي أمامة عند ابن ماجه وإسناده ساقط، انظر: الكافي الشاف ص (43) . (2) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في حق المرأة على زوجها: 3 / 67 -68، وابن ماجه في النكاح، باب في حق المرأة على الزوج برقم (1850) : 1 / 594، وابن حبان برقم (1286) ص (313) من موارد الظمآن وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 187 - 188، ووافقه الذهبي. وعزاه المنذري للنسائي في الكبرى. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 446 - 447 عن معاوية بن حيدة، والمصنف في شرح السنة: 9 / 160.

هُوَ بِمَعْنَى الظَّنِّ يَعْنِي: إِنْ ظَنَنْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا. وَجُمْلَتُهُ: أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ] (1) شِقَاقٌ وَاشْتَبَهَ حَالُهُمَا فَلَمْ يَفْعَلِ الزَّوْجُ الصَّفْحَ وَلَا الْفُرْقَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ تَأْدِيَةَ الْحَقِّ وَلَا الْفِدْيَةَ وَخَرَجَا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ قَوْلًا وَفِعْلًا بَعَثَ الْإِمَامُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ إِلَيْهِ وَحَكَمًا مَنْ أَهْلِهَا إِلَيْهَا، رَجُلَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، لِيَسْتَطْلِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ رَأْيَ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ رَغْبَتُهُ فِي الْوُصْلَةِ (2) أَوْ فِي الْفُرْقَةِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْحَكَمَانِ فَيُنْفِذَانِ مَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ رَأْيُهُمَا مِنَ الصَّلَاحِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا} يَعْنِي: الْحَكَمَيْنِ، {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} يَعْنِي: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقِيلَ: بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ] (3) عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَمَرَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهِلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ: أَتَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا؟ إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، قَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَلِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ (4) . وَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ: وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَلَيْسَ لِحَكَمِ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ دُونَ رِضَاهُ، وَلَا لِحَكَمِ الْمَرْأَةِ أَنْ يُخَالِعَ عَلَى مَالِهَا إِلَّا بِإِذْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حِينَ قَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا قَالَ: كَذَّبْتَ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ تَنْفِيذَ الْأَمْرِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِقْرَارِهِ وَرِضَاهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ بَعْثُ الْحَكَمَيْنِ دُونَ رِضَاهُمَا، وَيَجُوزُ لِحَكَمِ الزَّوْجِ أَنْ يُطَلِّقَ دُونَ رِضَاهُ وَلِحَكَمِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَخْلَعَ دُونَ رِضَاهَا، إِذَا رَأَيَا الصَّلَاحَ، كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَفْقِ مُرَادِهِمَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمَنْ قَالَ بِهَذَا قَالَ: لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلرَّجُلِ حَتَّى تُقِرَّ: أَنَّ رِضَاهُ شَرْطٌ، بَلْ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ رَضِيَتْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ [فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا يَعْنِي: الْفُرْقَةُ لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ] (5) ، فَقَالَ عَلِيٌّ: كَذَّبْتَ، حَيْثُ أَنْكَرْتَ أَنَّ الْفُرْقَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، بَلْ هِيَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، [فَإِنَّ

_ (1) ما بين القوسين ساقط من (أ) . (2) في ب: (الصلح) . (3) ما بين القوسين ساقط من (أ) وهكذا إلى نهاية الورقة (86 / أ) سقط الإسناد من نسخة (أ) . (4) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 320 - 321، والشافعي في الأم: 5 / 177، وقال: حديث علي ثابت عندنا، وأخرجه البيهقي في السنن: 7 / 305 - 306. وإسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 189 - 190. (5) ما بين القوسين ساقط من: (أ) .

36

قَوْلَهُ تَعَالَى: {يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} يَشْتَمِلُ عَلَى الْفِرَاقِ وَغَيْرِهِ] (1) لِأَنَّ التَّوْفِيقَ أَنْ يَخْرُجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْوِزْرِ وَذَلِكَ تَارَةً يَكُونُ بِالْفُرْقَةِ وتارَةً بِصَلَاحِ حَالِهِمَا فِي الْوُصْلَةِ. {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} أَيْ: وَحِّدُوهُ وَأَطِيعُوهُ، {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنَا عَلِيٌّ أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ] (2) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ؟ قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَتَدْرِي يَا مُعَاذُ مَا حَقُّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ، قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: دَعْهُمْ يَعْمَلُونَ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا، {وَبِذِي الْقُرْبَى} أَيْ: أَحْسِنُوا بِذِي الْقُرْبَى، {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلْيَحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (4) "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا" (5) . [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْقَاسِمِ] (6) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ

_ (1) ما بين القوسين من (أ) . (2) ما بين القوسين من (أ) . (3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب في اسم الفرس والحمار: 6 / 58، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته. . 13 / 347 ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، برقم (48 - 50) 1 / 58 - 59. والمصنف في شرح السنة: 1 / 93. (4) ما بين القوسين من أسانيد هذه الأحاديث ساقط من: (أ) . (5) أخرجه البخاري في الأدب، باب فضل من يعول يتيما: 10 / 463، ومسلم في الزهد والرقائق عن أبي هريرة، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين برقم (2983) : 4 / 2287. والمصنف في شرح السنة: 13 / 43. (6) ما بين القوسين من أسانيد هذه الأحاديث ساقط من: (أ) .

حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبَعَيْهِ" (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى} أَيْ: ذِي الْقَرَابَةِ، {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} أَيِ: الْبَعِيدُ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قُرَابَةٌ. [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْوَيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ] طَلْحَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِيَ؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا" (2) . أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنٍ الْقُشَيْرِيُّ، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفَرَاينِيُّ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَإِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَاغْرِفْ لِجِيرَانِكَ مِنْهَا" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيْوَرِّثُهَ" (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} يَعْنِي: الرَّفِيقَ فِي السَّفَرِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَمَاعَةٌ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالنَّخَعِيُّ: هُوَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مَعَهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَصْحَبُكَ رَجَاءَ نَفْعِكَ. {وَابْنِ السَّبِيلِ} قِيلَ: هُوَ الْمُسَافِرُ لِأَنَّهُ مُلَازِمٌ لِلسَّبِيلِ، وَالْأَكْثَرُونَ: عَلَى أَنَّهُ الضَّيْفُ، أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الِاسْفَرَايِينِيُّ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا شُعَيْبُ بْنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

_ (1) أخرجه أحمد: 5 / 250، 265 وعزاه الهيثمي أيضا للطبراني، وقال: فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، مجمع الزوائد: 8 / 160، والمصنف في شرح السنة: 13 / 44. (2) أخرجه البخاري في الأدب، باب حق الجوار في قرب الأبواب: 10 / 447. (3) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء مختصرا، برقم (2626) : 4 / 2026 والمصنف في شرح السنة: 6 / 197. (4) أخرجه البخاري في الأدب، باب الوصاة بالجار: 10 / 441، ومسلم في البر والصلة، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، برقم (2625) : 4 / 2025، والمصنف في شرح السنة: 13 / 71.

فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلْيكُرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَثْوِيَ -أَيْ: أَنْ يُقِيمَ -عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أَيْ: الْمَمَالِيكُ أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الطَّحَّانُ، أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشٍ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَنَا أَبُو عَبِيدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ، أَنَا يَزِيدُ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ قَتَادَةُ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ سَفِينَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (3) ، فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ وَمَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، أَنَا أَبِي، أَنَا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدٌ، فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَا حُلَّةً وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَنِلْتَ أُمَّهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، قُلْتُ: عَلَى سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنَّ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ" (4) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ

_ (1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الوصاة بالجار ص (38) ومسلم في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، برقم (77) : 1 / 96. (2) أخرجه البخاري في الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره: 1 / 445، ومسلم في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار، برقم (74) : 1 / 68. (3) أخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب هل أوصى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 2 / 900 - 901، عن أنس وعن علي بلفظ آخر. قال في الزوائد: إسناده حسن لقصور أحمد بن المقدام عن درجة أهل الضبط، وباقي رجاله على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد: 1 / 78 عن علي رضي الله عنه، وفي: 3 / 17 عن أنس. (4) أخرجه البخاري في الأدب، ما ينهي من السباب واللعن: 10 / 465 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل. . . برقم (1661) : 3 / 1282 - 1283، والمصنف في شرح السنة: 9 / 339 - 340.

37

حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَنَا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ" (1) . {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} الْمُخْتَالُ: الْمُتَكَبِّرُ، وَالْفَخُورُ: الَّذِي يَفْتَخِرُ عَلَى النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ تَكَبُّرًا، ذَكَرَ هَذَا بَعْدَمَا ذَكَرَ مِنَ الْحُقُوقِ، لِأَنَّ الْمُتَكَبِّرَ يَمْنَعُ الْحَقَّ تَكَبُّرًا. أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْنِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ" (3) . {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) } {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الْبُخْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: مَنْعُ السَّائِلِ مِنْ فَضْلِ مَا لَدَيْهِ، وَفِي الشَّرْعِ: مَنْعُ الْوَاجِب، {وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {بِالْبَخَلِ} بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ بَخِلُوا بِبَيَانِ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوهَا (4) .

_ (1) أخرجه الترمذي في البر باب ما جاء في الإحسان إلى الخادم: 6 / 77 وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في الأدب، باب الإحسان إلى المماليك، برقم (3691) : 2 / 1271، وقال في الزوائد: في إسناده: فرقد السبخي، وهو وإن وثقه ابن معين في رواية فقد ضعفه في أخرى. وقد ضعفه البخاري وغيره، وأخرجه أحمد: 1 / 4 وفي مواضع أخرى، وأبو بكر المروزي في مسند الصديق برقم (97 -99) ، ص (138 -140) . قال: الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلي، وفيه: فرقد السبخي (وفي الميزان السنجي) وهو ضعيف. مجمع الزوائد: 4 / 236. وحسنه السيوطي في الجامع الصغير، انظر: فيض القدير: 6 / 449. (2) أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء: 10 / 258، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي مع أعجابه بثيابه، برقم (2088) : 3 / 1654، واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 12 / 320 - 321. (3) أخرجه البخاري في اللباس، باب قول الله تعالى "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده": 10 / 258 وفي مواضع أخرى، ومسلم في اللباس، باب تحريم جر الثوب خيلاء. . برقم (2085) : 3 / 1651. والمصنف في شرح السنة: 12 / 9 - 10. (4) انظر الطبري: 8 / 352، وأسباب النزول للواحدي ص (145 - 146) .

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَذَا فِي كِتْمَانِ الْعِلْمِ (1) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ فِي كَرَدْمِ بْنِ زَيْدٍ وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَأُسَامَةَ بْنِ حَبِيبٍ وَنَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ وَبَحْرِيِّ بْنِ عَمْرٍو كَانُوا يَأْتُونَ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَيُخَالِطُونَهُمْ فَيَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ وَلَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: (2) {وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} يَعْنِي الْمَالَ، وَقِيلَ: يَعْنِي يَبْخَلُونَ بِالصَّدَقَةِ {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا}

_ (1) انظر الطبري: 8 / 352، وأسباب النزول للواحدي ص (145 - 146) . (2) انظر الطبري: 8 / 353، أسباب النزول ص (146) ، الدر المنثور: 8 / 352.

38

{وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} مَحَلُّ "الَّذِينَ" نَصْبٌ، عَطْفًا عَلَى الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وَقِيلَ: خَفْضٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَ {أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: فِي مشركي مكة 85/أالْمُتَّفِقِينَ عَلَى عَدَاوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا} صَاحِبًا وَخَلِيلًا {فَسَاءَ قَرِينًا} أَيْ: فَبِئْسَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى التَّفْسِيرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْقَطْعِ بِإِلْقَاءِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا تَقُولُ: نِعْمَ رَجُلًا عَبْدُ اللَّهِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: "بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا" (الْكَهْفِ -50) "سَاءَ مَثَلًا" (الْأَعْرَافِ -177) . {وَمَاذَا عَلَيْهِمْ} أَيْ: مَا الَّذِي عَلَيْهِمْ وَأَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ؟ {لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا} {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [أَدْخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَدَهُ فِي التُّرَابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ذَرَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ. لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا] (2) . وَنَظْمُهُ: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ أَيْ: لَا يَبْخَسُ وَلَا يُنْقِصُ أَحَدًا مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَزْنَ ذَرَّةٍ،

_ (1) انظر: الدر المنثور: 2 / 539. (2) ساقط من: (ب) .

وَالذَّرَّةُ: هِيَ النَّمْلَةُ الْحَمْرَاءُ الصَّغِيرَةُ، وَقِيلَ: الذَّرُّ أَجْزَاءُ الْهَبَاءِ فِي الْكُوَّةِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا ذَرَّةٌ وَلَا يَكُونُ لَهَا وَزْنٌ، وَهَذَا مَثَلٌ، يُرِيدُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ شَيْئًا، كَمَا قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا" (يُونُسَ 44) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو عُمَرَ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُزْنِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَفِيدُ، أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ، أَنَا عَفَّانُ، أَنَا هَمَّامٌ، أَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمَ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ"، قَالَ: "وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطَعِّمُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا خَيْرًا" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو الطِّيبِ الرَّبِيعُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَاتِمٍ الْبَزَّارُ الطُّوسِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أَنْ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى حَدَّثَهُمْ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ، أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّارُ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَذَافِرِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ وَأَمِنُوا، فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُدْخِلُو النَّارَ، قَالَ: يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانَنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ، قال: فيقول ذهبوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنَ الْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْ هَذَا فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا" قَالَ: فَيَقُولُونَ رَبَّنَا قَدْ أَخْرَجْنَا مَنْ أَمَرْتَنَا فَلَمْ يَبْقَ فِي النَّارِ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَتِ الْأَنْبِيَاءُ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَبَقِيَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، قَالَ: فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، أَوْ قَالَ: قَبْضَتَيْنِ لَمْ يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْرًا قَطُّ قَدِ احْتَرَقُوا حَتَّى صَارُوا حُمَمًا فَيُؤْتَى بِهِمْ إِلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الْحَيَاةِ فَيَصُبُّ عَلَيْهِمْ فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قَالَ: فَتَخْرُجُ أَجْسَادُهُمْ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ فِي أَعْنَاقِهِمُ الْخَاتَمُ: عُتَقَاءُ اللَّهِ فَيُقَالُ لَهُمْ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَمَا تَمَنَّيْتُمْ أَوْ رَأَيْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكُمْ، قَالَ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، قَالَ: فَيَقُولُ فَإِنَّ لَكُمْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا وَمَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: "رِضَايَ عَنْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا" (2) .

_ (1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته. . برقم (2808) : 4 / 2162، والمصنف في شرح السنة: 14 / 310. (2) أخرجه النسائي في الإيمان، باب زيادة الإيمان 8 / 112 - 113، وابن ماجه في المقدمة، باب في الإيمان برقم (60) : 1 / 23، وأحمد في المسند 3 / 94، والمصنف في شرح السنة 15 / 181 - 182.

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَرْثِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَلَّالِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَعَافِرِيِّ، ثُمَّ الْجِيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أمتي على رُؤوس الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلَ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةُ؟ فَبُهِتَ الرَّجُلُ، قَالَ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: أَحْضِرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، قَالَ: فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ" (1) . وَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا فِي الْخُصُومِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمْعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ أَلَا مَنْ كَانَ يَطْلُبُ مُظْلَمَةً فَلْيَجِيءْ إِلَى حَقِّهِ فَلْيَأْخُذْهُ، فَيَفْرَحُ الْمَرْءُ أَنْ يَذُوبَ (2) لَهُ الْحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ أَوْ أَخِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} وَيُؤْتَى بِالْعَبْدِ فَيُنَادِي منادِ على رُؤوس الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ: هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ فَيَأْخُذْهُ، وَيُقَالُ آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مِنْ أَيْنَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ انْظُرُوا فِي أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ فَأَعْطَوْهُمْ مِنْهَا فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا بَقِيَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ، فَيَقُولُ: ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّةَ. وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: إِلَهُنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَ طَالِبُونَ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ (3) . فَمَعْنَى الْآيَةِ (4) هَذَا التَّأْوِيلِ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لِلْخَصْمِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ أُخِذَ لَهُ مِنْهُ وَلَا

_ (1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله: 7 / 395 - 396، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة برقم (4300) : 2 / 1437. وصححه الحاكم على شرط مسلم: 1 / 6 ووافقه الذهبي، وأحمد: 2 / 212، وصححه ابن حبان في الزهد، باب في الخوف والرجاء برقم (2523) ص (625) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 15 / 134. (2) يقال: ذاب لي على فلان من الحق كذا، يذوب: أي ثبت ووجب. وفي "أ" (يدرب) . (3) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 363 - 364. وقال ابن كثير: ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح. (4) ساقط من: (ب) .

41

يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ تَبْقَى لَهُ بَلْ يُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَيُضَعِّفُهَا لَهُ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ {حَسَنَةٌ} بِالرَّفْعِ، أَيْ: وَإِنْ تُوجَدُ حَسَنَةٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى: وَإِنْ تَكُ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا، أَيْ: يَجْعَلُهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً. {وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرًا عَظِيمًا فَمَنْ يُقَدِّرُ قَدْرَهُ؟ . {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ} [أَيْ: فَكَيْفَ الْحَالُ وَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ] (1) يَعْنِي: بِنَبِيِّهَا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِمَا عَمِلُوا، {وَجِئْنَا بِكَ} يَا مُحَمَّدُ، {عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} شَاهِدًا يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ عَلَى مَنْ رَآهُ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَرَهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عنه 85/ب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "اقْرَأْ عَلَيَّ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا أَتَيْتُ هَذِهِ الْآيَةَ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} قَالَ: "حَسْبُكَ الْآنَ" فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَوْمَئِذٍ} أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ "تَسَّوَّى " بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ عَلَى مَعْنَى تَتَسَوَّى، فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي السِّينِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى حَذْفِ تَاءِ التَّفَعُّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ" (هُودٍ -11) وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ عَلَى الْمَجْهُولِ، أَيْ: لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ وَصَارُوا هُمْ وَالْأَرْضُ شَيْئًا وَاحِدًا. وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: يَعْنِي لَوْ تَخَرَّقَتِ الْأَرْضُ فَسَاخُوا فِيهَا وَعَادُوا إِلَيْهَا ثُمَّ تُسَوَّى بِهِمْ، أَيْ: عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ. وَقِيلَ: وَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْعَثُوا لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا نُقِلُوا مِنَ التُّرَابِ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ.

_ (1) ساقط من (ب) . (2) أخرجه البخاري في التفسير، باب "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد. . ": 8 / 250 عن عمرو بن مرة، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ. . . برقم (800) : 1 / 551. والمصنف في شرح السنة 4 / 490.

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْبَهَائِمِ وَالْوُحُوشِ وَالطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ: كُونُوا تُرَابًا فَتُسَوَّى بِهِنَّ الْأَرْضُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ أَنْ لَوْ كَانَ تُرَابًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا" (النَّبَإِ 40) . {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} قَالَ عَطَاءٌ: وَدُّوا لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كَتَمُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَعْتَهُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، يَعْنِي: وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا لِأَنَّ مَا عَمِلُوا لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى كِتْمَانِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} لِأَنَّ جَوَارِحَهُمْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، قَالَ: هَاتِ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ، قَالَ: "فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ" (الْمُؤْمِنُونَ -101) ، "وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ" (الطَّوْرِ -25) وَقَالَ: "وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا"، وَقَالَ "وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" (الْأَنْعَامِ -23) فَقَدْ كَتَمُوا، وَقَالَ: "أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا"، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا"، فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: "أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ"، إِلَى قَوْلِهِ: "طَائِعِينَ" (فُصِّلَتْ 9-11) فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَقَالَ: "وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا" "وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى؟ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ" (الزُّمَرِ -68) ، فَلَا أَنْسَابَ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ {أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُلْ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ} ، و {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ، وَدَحْيهَا: أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ، فَقَالَ:: خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ فَجُعِلَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتِ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} أَيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (1) . وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهَا مُوَاطِنٌ، فَفِي مَوْطِنٍ لَا يَتَكَلَّمُونَ وَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، وَفِي مَوْطِنٍ يَتَكَلَّمُونَ وَيَكْذِبُونَ وَيَقُولُونَ: مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، وَمَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ، وَفِي مَوْضِعٍ يَعْتَرِفُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ قَوْلُهُ:

_ (1) أخرجه البخاري تعليقا في التفسير، في تفسير سورة حم السجدة ثم وصله في آخر الحديث فقال: حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن المنهال بهذا، وأخرجه الطبري في التفسير: 8 / 373 - 374.

43

{فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} وَفِي مَوْضِعٍ لَا يَتَسَاءَلُونَ، وَفِي مَوْطِنٍ يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ، وَآخِرُ (1) تِلْكَ الْمَوَاطِنِ أَنْ يُخْتَمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَتَكَلَّمَ جُوَارِحُهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} 86/أ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الْآيَةَ، وَالْمُرَادُ مِنَ السُّكْرِ: السُّكْرُ مِنَ الْخَمْرِ، عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَاهُمْ بِخَمْرٍ فَشَرِبُوهَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَسَكِرُوا فَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدَّمُوا رَجُلًا لِيُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَرَأَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، بِحَذْفِ {لَا} هَكَذَا إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ يَجْتَنِبُونَ السُّكْرَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ حَتَّى نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ (2) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: أَرَادَ بِهِ سُكْرَ النَّوْمِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ غَلَبَةِ النَّوْمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ أَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ يَنْعَسُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسِبَ نَفْسَهُ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا} نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، يَعْنِي: وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ، يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ وَامْرَأَةٌ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ وَنِسَاءٌ جُنُبٌ.

_ (1) في ب (وأخس) . (2) أخرجه أبو داود في الأشربة، باب في تحريم الخمر: 5 / 259، والترمذي في التفسير، في تفسير سورة النساء: 8 / 380، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وعزاه في تحفة الأحوذي للنسائي. وقال: المنذري: وفي إسناده عطاء بن السائب، ولا يعرف إلا من حديثه. وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث، ووافقه على التفرقة الإمام أحمد، انظر: مختصر السنن للمنذري: 5 / 259. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (44) لأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري بنحوه. وانظر: تفسير الطبري: 8 / 376. (3) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء من النوم: 1 / 313، ومسلم في صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته. . . برقم (786) : 1 / 543. والمصنف في شرح السنة: 4 / 57.

وَأَصْلُ الْجَنَابَةِ: الْبُعْدُ وَسُمِّيَ جُنُبًا لِأَنَّهُ يَتَجَنَّبُ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، أَوْ لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ وَبُعْدِهِ مِنْهُمْ، حَتَّى يَغْتَسِلَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقَالُوا: [إِلَّا أَنْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ وَلَا تَجِدُونَ الْمَاءَ فَتَيَمَّمُوا، مَنَعَ الْجُنُبَ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَغْتَسِلَ] (1) إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَفَرٍ وَلَا يَجِدُ مَاءً فَيُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: الْمُرَادُ مِنَ الصَّلَاةِ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ" (الْحَجِّ -40) ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا مُجْتَازِينَ فِيهِ لِلْخُرُوجِ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجْنُبَ أَوْ تُصِيبَهُ جَنَابَةٌ وَالْمَاءُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ يَكُونَ طَرِيقُهُ عَلَيْهِ، فَيَمُرُّ فِيهِ وَلَا يُقِيمُ وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ أَبْوَابُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَتُصِيبُهُمُ الْجَنَابَةُ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُمْ وَلَا مَمَرَّ لَهُمْ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَرُخِّصَ لَهُمْ فِي الْعُبُورِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ: فَأَبَاحَ بَعْضُهُمْ الْمُرُورَ فِيهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَتَيَمَّمُ لِلْمُرُورِ فِيهِ. أَمَّا الْمُكْثُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبَ" (2) ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ الْمُكْثَ فِيهِ وَضُعِّفَ الْحَدِيثُ لِأَنَّ رَاوِيَهُ مَجْهُولٌ، وَبِهِ قَالَ الْمُزْنِيُّ. وَلَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الطَّوَافُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ (3) يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْضِي الْحَاجَةَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَكَانَ لَا يَحْجُبُهُ أَوْ لَا يَحْجِزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةَ" (4) .

_ (1) ساقط من "أ". (2) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يدخل المسجد: 1 / 157 - 158 من حديث عائشة، وابن ماجه في الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد من حديث أم مسلمة، برقم (645) : 1 / 212، قال في الزوائد: إسناده ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول، وقد نقل ابن القطان عن عبد الحق أنه حديث حسن. انظر: نصب الراية: 1 / 194 - 195، مختصر المنذري: 1 / 157 - 158، ارواء الغليل: 1 / 162. (3) في المخطوط: عبد الله بن مسلم، والتصويب من شرح السنة والتقريب. (4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن: 1 / 156، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا: 1 / 453، 454، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن: 1 / 144، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم (594) : 1 / 195، والحاكم: 4 / 107 وصححه ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 1 / 8 ومواضع أخرى. والمصنف في شرح السنة: 2 / 41 - 42. وانظر ما قاله المنذري في مختصر السنن: 1 / 156 وابن حجر في تلخيص الحبير: 1 / 139 - 140، ارواء الغليل للألباني: 1 / 241 - 245.

وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ يَجِبُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا بِنُزُولِ الْمَنِيِّ أَوْ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَهُوَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرَجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّ مَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فَأَكْسَلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، أَوْ مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} جَمْعُ مَرِيضٍ، وَأَرَادَ بِهِ مَرِيضًا يَضُرُّهُ إِمْسَاسُ (2) الْمَاءِ مِثْلَ الْجُدَرِيِّ وَنَحْوَهُ، أَوْ كَانَ عَلَى مَوْضِعِ طَهَارَتِهِ جِرَاحَةٌ يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِيهَا التَّلَفَ أَوْ زِيَادَةَ الْوَجَعِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْجُودًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ صَحِيحًا وَالْبَعْضُ جَرِيحًا غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْهَا وَتَيَمَّمَ لِلْجَرِيحِ، لِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقَاشَانِيُّ، أَنَا أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِيُّ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، أَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيقٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، فَاحْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتِ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَّا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ -شك الراوي - 86/ب عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" (3) . وَلَمْ يُجَوِّزْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ، وَقَالُوا: إِنْ كَانَ أَكْثَرُ أَعْضَائِهِ صَحِيحًا غُسِلَ

_ (1) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 38 (ترتيب مسند الإمام) ، وأخرجه في الأم: 1 / 31، وأحمد في المسند: 6 / 97 عن عائشة، ومالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقى الختانان، موقوفا على عائشة: 1 / 46. وأصل الحديث مطولا عند مسلم في الحيض، باب نسخ (الماء من الماء) . . . برقم (349) : 1 / 271 - 272، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 2 / 5. وانظر: نصب الراية: 1 / 84 - 85، تلخيص الحبير: 1 / 134 - 135. (2) في ب: (امتساس) . (3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في المجدور يتيمم: 1 / 208 عن جابر، وفيه الزبير بن خريق - مصغرا - مولى عائشة: لين الحديث، من الخامسة (تقريب) ، وأخرجه ابن ماجه في التيمم، باب المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه، برقم (572) : 1 / 189 عن ابن عباس بنحوه. قال في الزوائد: إسناده منقطع. والدارمي عن ابن عباس، في الطهارة، باب المجروح تصيبه الجنابة: 1 / 192، وصححه الحاكم: 1 / 178 عن ابن عباس، والمصنف في شرح السنة: 2 / 120.

الصَّحِيحُ وَلَا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ جَرِيحًا اقْتَصَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ. وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا، وَعُدِمَ الْمَاءُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلِيَمَسَّهُ بَشَرَهُ" (1) . أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مَرِيضًا وَلَا فِي سَفَرٍ لَكِنَّهُ عَدِمَ الْمَاءَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا بِأَنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ انْقَطَعَ مَاؤُهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ إِذَا قَدَرَ عَلَى الْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَعِنْدَ مَالِكٍ والأَوْزَاعِيِّ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} أَرَادَ بِهِ إِذَا أَحْدَثَ، وَالْغَائِطُ: اسْمٌ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْعَرَبِ إتْيَانَ الْغَائِطِ لِلْحَدَثِ فَكُنِيَّ عَنِ الْحَدَثِ بِالْغَائِطِ، {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " لَمَسَتْمُ " هَاهُنَا وَفِي الْمَائِدَةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ {لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى اللَّمْسِ وَالْمُلَامَسَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْمُجَامَعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَكَنَّيَّ بِاللَّمْسِ [عَنِ الْجِمَاعِ لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِاللَّمْسِ] (3) . وَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الْتِقَاءُ الْبَشَرَتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْآيَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِ الْمَرْأَةِ وَلَا حَائِلَ بينهما، ينتقض وضوؤهما، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ والأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: إِنْ كَانَ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ نَقَضَ الطُّهْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

_ (1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يتيمم: 1 / 205 - 206، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء: 1 / 387 - 388، وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطهارة، باب الصلوات يتيمم واحد: 1 / 171، والحاكم في المستدرك: 1 / 176 - 177 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد: 5 / 146، 147. . وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (196) ص (75) وأخرجه البزار من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن القطان، ولكن قال الدارقطني: إن الصواب إرساله. انظر فتح الباري: 1 / 446. (2) عند الحنفية: إذا كان يرجو أو يطمع أن يجد الماء يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت المستحب، وقال بعضهم يؤخرها إلى آخر وقت الجواز، والأول أصح. انظر: الفتاوى الهندية: 1 / 30، فتح القدير: 1 / 94. (3) ساقط من: (أ) .

بِشَهْوَةٍ فَلَا يَنْتَقِضُ. وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِاللَّمْسِ بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ الِانْتِشَارُ (1) . وَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْوُضُوءَ بِاللَّمْسِ بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضِرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رَجِلِي وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَيْمِيِّ، أَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: كُنْتُ نَائِمَةً إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَسْتُهُ بِيَدِي فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ وَهُوَ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكِ وَبِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" (3) . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا لَوْ لَمَسَ امْرَأَةً مِنْ مَحَارِمِهِ كَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ أَوْ لَمَسَ أَجْنَبِيَّةً صَغِيرَةً، أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الشَّهْوَةِ كَمَا لَوْ لَمَسَ رَجُلًا. وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَنْتَقِضُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِالْتِذَاذِ كَمَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا بِالْجِمَاعِ، وَالثَّانِي: لَا يَنْتَقِضُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَيْثُ قَالَتْ: فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ. وَلَوْ لَمَسَ شَعْرَ امْرَأَةٍ أَوْ سِنَّهَا أَوْ ظُفْرَهَا لم ينتقض وضوؤه عِنْدَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا تَصِحُّ صِلَاتُهُ مَا لَمْ يَتَوَضَّأْ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ يَتَيَمَّمْ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ. أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

_ (1) قال الحنفية ينتقض الوضوء بالملامسة الفاحشة كأن يكونا متجردين ويحدث الانتشار، لا بمجرد الانتشار. انظر: حاشية ابن عابدين: 1 / 146، الفتاوى الهندية: 1 / 13. (2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب التطوع خلف المرأة: 1 / 588، ومسلم في الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي برقم (512) : 1 / 367، والمصنف في شرح السنة: 2 / 457. (3) أخرجه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (486) : 1 / 352.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (1) . وَالْحَدَثُ هُوَ خُرُوجُ الْخَارِجِ مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ عَيْنًا كَانَ أَوْ أَثَرًا، وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، وَأَمَّا النَّوْمُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ إِلَّا أَنْ يَنَامَ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا الثِّقَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ فَيَنَامُونَ، أَحْسَبُهُ قَالَ قُعُودًا حتى تخفق رؤوسهم ثُمَّ يصلون ولا يتوضؤون (2) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَإِسْحَاقُ وَالْمُزَنِيُّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَوْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ سَاجِدًا فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنَامَ مُضْطَجِعًا وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَسِّ الْفَرَجِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَمَسُّ فَرْجَهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لَا يَنْتَقِضُ إِلَّا أَنْ يَمَسَّ بِبَطْنِ الْكَفِّ أَوْ بُطُونِ الْأَصَابِعِ. وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ، فَقَالَ مَرْوَانُ: مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ الْوُضُوءَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" (3) .

_ (1) أخرجه البخاري في الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور: 1 / 234، ومسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة برقم (225) : 1 / 204، والمصنف في شرح السنة: 1 / 328. (2) أخرجه مسلم في الحيض، باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، بلفظ: كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون برقم (376) : 1 / 284. وأخرجه بلفظ المصنف: أبو داود في الطهارة باب الوضوء من النوم: 1 / 143، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من النوم: 1 / 253 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والشافعي في المسند: 1 / 34 (ترتيب المسند) والمصنف في شرح السنة: 1 / 338. (3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر: 1 / 131، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من مس الذكر: 1 / 270 - 272، وقال: هذا حديث صحيح. والنسائي في الطهارة باب الوضوء من مس الذكر: 1 / 100، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، برقم (479) : 1 / 161، ومالك في الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج: 1 / 42، والدارقطني في السنن: 1 / 146، 147، وقال: صحيح، والشافعي في المسند: 1 / 34، 35 (ترتيب المسند) وفي الأم: 1 / 15، وأحمد في المسند: 6 / 406. والمصنف في شرح السنة: 1 / 340.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ مَسِ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ، فَقَالَ: "هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ مِنْكَ"؟ وَيُرْوَى "هَلْ هُوَ إِلَّا بِضْعَةٌ أَوْ مُضْغَةٌ مِنْهُ" (1) . وَمَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْهُ قَالَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ بُسْرَةِ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَرْوِي أَيْضًا: أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ (2) ، وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ قُدُومُ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى رسول الله 87/أصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ زَمَنِ الْهِجْرَةِ حِينَ كَانَ يَبْنِي الْمَسْجِدَ. وَاخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ غَيْرِ الْفَرْجَيْنِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْقَيْءِ وَنَحْوَهُ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالْقَيْءِ وَالرُّعَافِ وَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ وَخُرُوجَ الرِّيحِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَلَوْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ كَثِيرُهُ لِأُوجَبَ قَلِيلُهُ كَالْفَرْجِ. {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، رَوَى حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا

_ (1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الرخصة في ذلك (الوضوء من مس الذكر) : 1 / 133 ونقل المنذري فيه قول يحيى بن معين: "لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقال: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهنّاه ولم يثبتاه". وأخرجه الترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر: 1 / 274، والنسائي في الطهارة، باب الوضوء من ذلك: 1 / 101، وابن ماجه في الطهارة، باب الرخصة في ذلك برقم (483) : 1 / 163، والدارقطني في الطهارة: 1 / 49 وابن حبان في الطهارة، باب ما جاء في مس الفرج برقم (207) ، ص (77) من موارد الظمآن، وأحمد: 4 / 22 - 23، والمصنف في شرح السنة: 1 / 342. وانظر: تلخيص الحبير: 1 / 125، نصب الراية: 1 / 60 - 76. وقد صحح الحديث: الدارقطني والطحاوي وعمرو بن علي الفلاس وابن المديني، والطبراني وابن حزم. وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ: ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون. (2) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 35 (ترتيب المسند) وفي الأم: 1 / 15 - 16، والبيهقي في السنن: 1 / 133، والدارقطني: 1 / 147، وصححه الحاكم: 1 / 138 بلفظ: من مس فرجه. . وابن حبان برقم (210) ص (77) موارد الظمآن، وأحمد: 2 / 333، وأخرجه البخاري في التاريخ موقوفا على أبي هريرة. انظر: نصب الراية: 1 / 56. وقال النووي: في إسناده ضعف، لكنه يقوى بكثرة طرقه. انظر: المجموع: 2 / 37. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 341.

الْأَرْضُ كُلَّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" (1) . وَكَانَ بَدْءُ التَّيَمُّمِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالُوا أَلَّا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخْذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ: أَحَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، قَالَتْ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخْذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ {فَتَيَمَّمُوا} فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ: مَا هَذِهِ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ (2) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعْيَمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هُشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ: فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً (3) . {فَتَيَمَّمُوا} أَيْ: اقصُدُوا، {صَعِيدًا طَيِّبًا} أَيْ: تُرَابًا طَاهِرًا نَظِيفًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الصَّعِيدُ هُوَ التُّرَابُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ مِمَّا يَعْلَقُ بِالْيَدِ مِنْهُ غُبَارٌ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا" (4) .

_ (1) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم (522) : 1 / 371. (2) أخرجه البخاري في التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا: 1 / 431 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم (367) : 1 / 279، والمصنف في شرح السنة: 2 / 104 - 106. (3) أخرجه البخاري في التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا: 1 / 440 ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم: (367) : 1 / 279. (4) قطعة من حديث حذيفة السابق عند مسلم برقم (522) : 1 / 371.

وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ التَّيَمُّمَّ بِالزَّرْنِيخِ وَالْجِصِّ والنَّوْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، حَتَّى قَالُوا: لَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى صَخْرَةٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى التُّرَابِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ حَتَّى زَالَ كُلَّهُ فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ، وَقَالُوا: الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا" (1) . وَهَذَا مُجْمَلٌ، وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ فِي تَخْصِيصِ التُّرَابِ مُفَسَّرٌ، وَالْمُفَسَّرُ مِنَ الْحَدِيثِ يَقْضِي عَلَى الْمُجْمَلِ. وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ التَّيَمُّمَ بِكُلِّ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالْأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَنَبَاتٍ، وَنَحْوَهُمَا وَقَالَ: إِنَّ الصَّعِيدَ اسْمٌ لِمَا تَصَاعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَالْقَصْدُ إِلَى التُّرَابِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَتَيَمَّمُوا} وَالتَّيَمُّمُ: الْقَصْدُ، حَتَّى لَوْ وَقَفَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ فَأَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ وَنَوى لَمْ يَصِحَّ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} اعْلَمْ أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَاجِبٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ مَعَ الْمَرْفِقَيْنِ، بِضَرْبَتَيْنِ، يَضْرِبُ كَفَّيْهِ عَلَى التُّرَابِ فَيَمْسَحُ جَمِيعَ وَجْهِهِ، وَلَا يَجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَا تَحْتَ الشُّعُورِ، ثُمَّ يَضْرِبُ ضَرْبَةً أُخْرَى فَيَمْسَحُ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَطِيبِ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي الحُوَيْرِثِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ فَحَتَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ" (2) فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ كَمَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ إِلَى الْمَرْفَقَيْنِ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَعْلَقْ بِالْيَدِ غُبَارُ التُّرَابِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّ الْجِدَارَ بِالْعَصَا، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الضَّرْبِ كَافِيًا لَمَا كَانَ حَتَّهُ. وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِنْكَبَيْنِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: تَيَمَّمْنَا إِلَى الْمَنَاكِبِ. وَذَلِكَ حِكَايَةُ فِعْلِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: أَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ، فَلَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ،

_ (1) أخرجه البخاري في أول كتاب التيمم: 1 / 435 - 436، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (521) : 1 / 370، والمصنف في شرح السنة: 13 / 196. (2) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة: 1 / 441، ومسلم في الحيض باب التيمم برقم (369) : 1 / 281، والمصنف في شرح السنة: 2 / 115.

وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا آدَمُ، أَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَزَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَّا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ" (1) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ" (2) . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا طَهُرَتَا وَعَدِمَتَا الْمَاءَ. وَذَهَبَ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلَى أَنَّ الْجُنُبَ لا يصلي 87/ب بِالتَّيَمُّمِ بَلْ يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ يَجِدَ الْمَاءَ فَيَغْتَسِلَ، وَحَمَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ دُونَ الْجِمَاعِ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حُجَّةٌ، وَكَانَ عُمَرُ نَسِيَ مَا ذَكَرَ لَهُ عَمَّارٌ فَلَمْ يَقْنَعُ بِقَوْلِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَجَوَّزَ التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَيْضًا: مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَيَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ جُنُبًا أَنْ يَتَيَمَّمَ ثُمَّ يُصَلِّي فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ اغْتَسَلَ (3) . وَأَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، أَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ بَجْدَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: اجْتَمَعَتْ غَنِيمَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ فِيهَا، فَبَدَوْتُ إِلَى الرِّبْذَةِ

_ (1) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم هل ينفخ فيهما؟ : 1 / 443، ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم (368) : 1 / 280، والمصنف في شرح السنة: 2 / 109. (2) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم للوجه والكفين: 1 / 445، ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم (368) : 1 / 280، والصنف في شرح السنة: 2 / 109. (3) أخرجه البخاري في التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم: 1 / 447 - 448 وفي الأنبياء، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة. . . مطولا برقم (682) : 1 / 474 - 476، والمصنف في شرح السنة: 20 / 111.

وَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (1) . وَمَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، تَارَةً يَكُونُ بَدَلًا مِنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ فِي حَقِّ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَيِّتِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعِ فِي حَقِّ الْمُحْدِثِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَدَلًا عَنْ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ، بِأَنْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ جِرَاحَةٌ لَا يُمْكِنْهُ غَسْلَ مَحَلِّهَا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بَدَلًا عَنْ غَسْلِهِ. وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِصَلَاةِ الْوَقْتِ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إِلَى أَنْ قَالَ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، إِلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ فِي الْوُضُوءِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، (2) فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ مَا شَاءَ مِنَ الْفَرَائِضِ مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَعَ الْفَرِيضَةِ مَا شَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ، قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَإِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ بِعُذْرِ السَّفَرِ وَعَدَمِ الْمَاءِ فَيُشْتَرَطُ طَلَبُ الْمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفَقَائِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ لَا حَائِلَ دُونَ نَظَرِهِ يَنْظُرُ حَوَالَيْهِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ نَظَرِهِ حَائِلٌ قَرِيبٌ مِنْ تَلٍّ أَوْ جِدَارٍ عَدَلَ عَنْهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ: إِلَّا لِمَنْ طَلَبَ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: طَلَبُ الْمَاءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَإِنْ رَأَى الْمَاءَ وَلَكِنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ حَائِلٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبْعٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الذَّهَابِ إِلَيْهِ، أَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي الْبِئْرِ وَلَيْسَ مَعَهُ آلَةُ الِاسْتِقَاءِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ.

_ (1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يتيمم: 1 / 205 - 206، والترمذي في الطهارة، مختصرا، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء: 1 / 387 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي في السنن: 1 / 220، وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 176 - 177 ووافقه الذهبي. (2) انظر صحيح الإمام مسلم - كتاب الطهارة - باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (277) 1 / 232.

44

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) }

45

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} يَعْنِي: يَهُودَ الْمَدِينَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ فِي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ وَمَالِكِ بْنِ دَخْشَمٍ، كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوَّيَا بِأَلْسِنَتِهِمَا (1) وَعَابَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) {يَشْتَرُونَ} يَسْتَبْدِلُونَ، {الضَّلَالَةَ} يَعْنِي: بِالْهُدَى، {وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ} أَيْ: عَنِ السَّبِيلِ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} مِنْكُمْ فَلَا تَسْتَنْصِحُوهُمْ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاؤُكُمْ، {وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ وَلِيًّا وَاكْتَفُوا بِاللَّهِ نَصِيرًا. {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} قِيلَ: هِيَ مُتَّصِلَةٌ بُقُولِهِ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَأْنَفَةٌ، مَعْنَاهُ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا مَنْ يُحَرِّفُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ" (الصَّافَّاتِ -164) أَيْ: مَنْ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ، يُرِيدُ: فَرِيقٌ، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} يُغَيِّروُنَ الْكَلِمَ {عَنْ مَوَاضِعِهِ} يَعْنِي: صِفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَتِ الْيَهُودُ يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلُونَهُ عَنِ الْأَمْرِ، فَيُخْبِرُهُمْ، فَيَرَى أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، فَإِذَا انْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ حَرَّفُوا كَلَامَهُ، {وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا} قَوْلَكَ {وَعَصَيْنَا} أَمْرَكَ، {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أَيْ: اسْمَعْ مِنَّا وَلَا نَسْمَعُ مِنْكَ، {غَيْرَ مُسْمَعٍ} أَيْ: غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنْكَ، وَقِيلَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعْ، ثُمَّ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: لَا سَمِعْتَ، {وَرَاعِنَا} أَيْ: وَيَقُولُونَ رَاعِنَا، يُرِيدُونَ بِهِ النِّسْبَةَ إِلَى الرُّعُونَةِ، {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} تَحْرِيفًا {وَطَعْنًا} قَدْحًا {فِي الدِّينِ} أَنَّ قَوْلَهُ: "وَرَاعِنَا" مِنَ الْمُرَاعَاةِ، وَهُمْ يُحَرِّفُونَهُ، يُرِيدُونَ بِهِ الرُّعُونَةَ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا} أَيِ: انْظُرْ إِلَيْنَا مَكَانَ قَوْلِهِمْ رَاعِنَا، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} أَيْ أَعْدَلَ وَأَصْوَبَ، {وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} إِلَّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْهُمْ.

_ (1) في ب:: (لسانهما) . (2) انظر: الدر المنثور: 2 / 593.

47

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يُخَاطِبُ الْيَهُودَ، {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يَعْنِي: التَّوْرَاةَ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ أَحْبَارَ الْيَهُودِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَّا وَكَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لِتَعْلَمُونِ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ"، قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ، وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) . {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَجْعَلُهَا كَخُفِّ الْبَعِيرِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: نُعْمِيهَا (2) ، وَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْعَيْنُ، {فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} أَيْ: نَطْمِسُ الْوَجْهَ فَنَرُدُّهُ عَلَى الْقَفَا، وَقِيلَ: نَجْعَلُ الْوُجُوهَ مَنَابِتَ الشَّعْرِ كَوُجُوهِ الْقِرَدَةِ، لِأَنَّ مَنَابِتَ شُعُورِ الْآدَمِيِّينَ فِي أَدْبَارِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَمْحُو آثَارَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْفٍ وَعَيْنٍ وَفَمٍ وَحَاجِبٍ فَنَجْعَلُهَا كَالْأَقْفَاءِ، وَقِيلَ: نَجْعَلُ عَيْنَيْهِ عَلَى الْقَفَا فَيَمْشِي قَهْقَرَى. رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَيَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَسْلَمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنْ أَصِلَ إِلَيْكَ حَتَّى يَتَحَوَّلَ وَجْهِي فِي قَفَايَ، وَكَذَلِكَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الْآيَةَ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ آمَنْتُ، يَا رَبِّ أَسْلَمْتُ، مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ وَعِيدُ هَذِهِ الْآيَةِ (3) . فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَوعَدَهُمْ (4) بِالطَّمْسِ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ؟ . قِيلَ: هَذَا الْوَعِيدُ بَاقٍ، وَيَكُونُ طَمْسٌ وَمَسْخٌ فِي الْيَهُودِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا وَعِيدًا بِشَرْطٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ دَفَعَ ذَلِكَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْقِيَامَةَ، وقال مجاهد 88/أأَرَادَ بِقَوْلِهِ: {نَطْمِسَ وُجُوهًا} أَيْ: نَتْرُكَهُمْ فِي الضَّلَالَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ طَمْسَ وَجْهِ الْقَلْبِ، وَالرَّدَّ عَنْ بَصَائِرِ الْهُدَى عَلَى أَدْبَارِهَا فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ. وَأَصْلُ الطَّمْسِ: الْمَحْوُ وَالْإِفْسَادُ وَالتَّحْوِيلُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَمْحُو آثَارَهُمْ مِنْ وُجُوهِهِمْ وَنَوَاحِيهِمُ الَّتِي

_ (1) أخرجه البخاري مطولا في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه إلى المدينة: 7 / 249 - 250. (2) في أ: (نعمها) . (3) قطعة من الحديث السابق. (4) في المخطوطتين (وعدهم) .

48

هُمْ بِهَا، فَنَرُدُّهَا عَلَى أَدْبَارِهِمْ؟ حَتَّى يَعُودُوا إلى حيث جاؤوا مِنْهُ بَدْءًا وَهُوَ الشَّامُ، وَقَالَ: قَدْ مَضَى ذَلِكَ، وَتَأَوَّلَهُ فِي إِجْلَاءِ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى أَذَرُعَاتٍ وَأَرْيِحَاءَ مِنَ الشَّامِ {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ} فَنَجْعَلَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) } {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ حَمْزَةَ كَانَ قَدْ جُعِلَ لَهُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْ يُعْتَقَ فَلَمْ يُوَفَّ لَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ نَدِمَ عَلَى صَنِيعِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى الَّذِي صَنَعْنَا وَأَنَّهُ لَيْسَ يَمْنَعُنَا عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنَّا سَمِعْنَاكَ تَقُولُ وَأَنْتَ بِمَكَّةَ: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ" الْآيَاتِ (الْفَرْقَانِ -68) ، وَقَدْ دَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَقَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَزَنَيْنَا، فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَاتُ لَاتَّبَعْنَاكَ، فَنَزَلَتْ: "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا" الْآيَتَيْنِ، (الْفَرْقَانِ -70 -71) فَبَعَثَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَرَأُوا كَتَبُوا إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ أَنْ لَا نَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا، فَنَزَلَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ لَا نَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَشِيئَةِ فَنَزَلَتْ: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ" (الزَّمْرِ -53) ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَرَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ لِوَحْشِيٍّ: أَخْبَرْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ قَالَ: "وَيْحَكَ غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي"، فَلَحِقَ وَحْشَيٌّ بِالشَّامِ فَكَانَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ (1) . وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا نَزَلَتْ: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ"، الْآيَةَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَالشِّرْكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَكَتَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَنَزَلَتْ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} (2) . وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُنَّا عَلَى عَهْدِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ عَلَى كَبِيرَةٍ شَهِدْنَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فَأَمْسَكْنَا عَنِ الشَّهَادَاتِ (3) .

_ (1) انظر: البحر المحيط: 3 / 268. (2) الطبري: 8 / 449، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 557 لابن أبي حاتم وابن المنذر. (3) انظر الطبري: 8 / 450، والدر المنثور: 2 / 556.

49

حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةً فِي الْقُرْآنِ "وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" (1) . {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى} اخْتَلَقَ، {إِثْمًا عَظِيمًا} أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ النَّارَ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، أَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ يَعْنِي: الْمُعَلِّمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ حَدَّثَهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ" قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ"، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغْمَ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ (3) . {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي رِجَالٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ بَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَوْفَى وَمَرْحَبُ بْنُ زَيْدٍ، أَتَوْا بِأَطْفَالِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَلْ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنْ ذَنْبٍ؟ فَقَالَ: لَا قَالُوا: مَا نَحْنُ إِلَّا كَهَيْئَتِهِمْ، مَا عَمِلْنَا بِالنَّهَارِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِاللَّيْلِ، وَمَا عَمِلْنَا بِاللَّيْلِ يُكَفَّرُ عَنَّا بِالنَّهَارِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. (4) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: كَانُوا يُقَدِّمُونَ أَطْفَالَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَا ذُنُوبَ لَهُمْ، فَتِلْكَ التَّزْكِيَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى حِينَ قَالُوا نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، "وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى" (الْبَقَرَةِ -111) وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ

_ (1) أخرجه الترمذي في التفسير - سورة النساء: 8 / 399 - 400 وقال: هذا حديث حسن غريب وعزاه السيوطي أيضا للفريابي. الدر المنثور: 2 / 588. (2) أخرجه مسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (93) 1 / 94. (3) أخرجه البخاري في اللباس. باب الثياب البيض: 10 / 283. ومسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (94) 1 / 95، والمصنف في شرح السنة: 1 / 96، 97. (4) انظر أسباب النزول للواحدي ص 148 عن الكلبي بدون إسناد، لباب النقول للسيوطي ص 167، الدر المنثور: 2 / 560، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (44 - 45) ذكره الثعلبي عن الكلبي.

50

اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ تَزْكِيَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، رَوى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَغْدُوَ مِنْ بَيْتِهِ وَمَعَهُ دِينُهُ فَيَأْتِي الرَّجُلَ لَا يَمْلِكُ لَهُ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ كَيْتَ وَكَيْتَ!! وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ وَمَا مَعَهُ مِنْ دِينِهِ شَيْءٌ، ثُمَّ قَرَأَ: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ"، الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي} أَيْ: يُطَهِّرُ وَيُبَرِّئُ مِنَ الذُّنُوبِ وَيُصْلِحُ، {مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} وَهُوَ اسْمٌ لِمَا فِي شَقِّ النَّوَاةِ، وَالْقِطْمِيرُ اسْمٌ لِلْقِشْرَةِ الَّتِي عَلَى النَّوَاةِ، وَالنَّقِيرُ اسْمٌ لِلنُّقْطَةِ الَّتِي عَلَى ظَهْرِ النَّوَاةِ، وَقِيلَ: الْفَتِيلُ مِنَ الْفَتْلِ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ مِنَ الْوَسَخِ عِنْدَ الْفَتْلِ. {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) }

52

{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {انْظُرْ} يَا مُحَمَّدُ، {كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ} يَخْتَلِقُونَ عَلَى اللَّهِ، {الْكَذِبَ} فِي تَغْيِيرِهِمْ كِتَابَهُ، {وَكَفَى بِهِ} بِالْكَذِبِ {إِثْمًا مُبِينًا} قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} اخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُمَا صَنَمَانِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمَا كَلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النَّحْلِ -36) ، وَقَالَ عُمَرُ: الْجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَقِيلَ: الْجِبْتُ: الْأَوْثَانُ، وَالطَّاغُوتُ: شَيَاطِينُ الْأَوْثَانِ. وَلِكُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ، يُعَبِّرُ عَنْهُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ: الْجِبْتُ: الْكَاهِنُ، وَالطَّاغُوتُ: السَّاحِرُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: الْجِبْتُ: السَّاحِرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ، وَالطَّاغُوتُ: الْكَاهِنُ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: الْجِبْتُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: شَيْطَانٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْجِبْتُ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَالطَّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ. دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ" (النِّسَاءِ -60) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ عَوْفٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ حَيَّانَ عَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيرَةُ مِنَ الْجِبْتِ" (1) .

_ (1) أخرجه أبو داود في الطب - باب: في الخط وزجر الطير 5 / 373 وسكت عنه المنذري، وعزاه للنسائي وأحمد في المسند: 3 / 477 عن قبيصة و5 / 60 وعبد الرزاق في المصنف برقم: (19502) والمصنف في شرح السنة: 12 / 177، وقد حسن النووي هذا الحديث. والعيافة: زجر الطير، والطرق: هو الضرب بالحصى، والطيرة التشاؤم بالطيور والظباء ونحوها.

وَقِيلَ: الْجِبْتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالطَّاغُوتُ كُلُّ مَا يُطْغِي الْإِنْسَانَ. {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: خَرَجَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنَ الْيَهُودِ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ لِيُحَالِفُوا قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْقُضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كان بينهم 88/ب وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَ كَعْبٌ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ، وَنَزَلَتِ الْيَهُودُ فِي دُورِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَمُحَمَّدٌ صَاحِبُ كِتَابٍ وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرًا مِنْكُمْ فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكُمْ فَاسْجُدُوا لِهَذَيْنَ الصَّنَمَيْنِ وَآمِنُوا بِهِمَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} ثُمَّ قَالَ كَعْبٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ: لِيَجِيءْ مِنْكُمْ ثَلَاثُونَ وَمِنَّا ثَلَاثُونَ فَنُلْزِقُ أَكْبَادَنَا بِالْكَعْبَةِ فَنُعَاهِدُ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ لَنَجْهَدَنَّ عَلَى قِتَالِ مُحَمَّدٍ فَفَعَلُوا. ثُمَّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِكَعْبٍ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَقْرَأُ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُ وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ لَا نَعْلَمُ، فَأَيُّنَا أَهْدَى طَرِيقَةً، نَحْنُ أَمْ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ كَعْبٌ: اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: نَحْنُ نَنْحَرُ لِلْحَجِيجِ الْكَوْمَاءَ وَنَسْقِيهِمُ الْمَاءَ وَنَقْرِيِ الضَّيْفَ وَنَفُكُّ الْعَانِي وَنَصِلُ الرَّحِمَ وَنُعَمِّرُ بَيْتَ رَبِّنَا وَنَطُوفُ بِهِ وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَمُحَمَّدٌ فَارَقَ دِينَ آبَائِهِ وَقَطَعَ الرَّحِمَ وَفَارَقَ الْحَرَمَ، وَدِينُنَا الْقَدِيمُ وَدِينُ مُحَمَّدٍ الْحَدِيثُ. فَقَالَ كَعْبٌ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ أَهْدَى سَبِيلًا مِمَّا عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ} (1) يَعْنِي: كَعْبًا وَأَصْحَابَهُ {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} يَعْنِي: الصَّنَمَيْنِ {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ {هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ {سَبِيلًا} دِينًا.

_ (1) انظر الطبري: 8 / 466 - 469، الدر المنثور: 2 / 563، أسباب النزول للواحدي ص 149.

53

{أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) } {أَمْ لَهُمْ} يَعْنِي: ألَهُمْ؟ وَالْمِيمُ صِلَةٌ {نَصِيبٌ} حَظٌّ {مِنَ الْمُلْكِ} وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ، {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} لِحَسَدِهِمْ وَبُخْلِهِمْ، وَالنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ وَمِنْهَا تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ أُصْبُعِهِ كَمَا يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ. {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَيَحْسُدُونَ النَّاسَ: قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْعَرَبُ، حَسَدَهُمُ الْيَهُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَمَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: أَرَادَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ حَسَدُوهُ عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالُوا: مَا لَهُ هَمٌّ إِلَّا النِّكَاحُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: {عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} وَقِيلَ: حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبِالْكِتَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَبِالْحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ {وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} فَمَنْ فَسَّرَ الْفَضْلَ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ فَسَّرَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ فِي حَقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ ثَلَاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وَسَبْعُمِائَةٍ سُرِّيَّةٍ، وَكَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ (1) ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ سَكَتُوا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} يَعْنِي: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ، {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} وَقُودًا، وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعَظِيمُ: مُلْكُ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ {مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} رَاجِعَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ زَرَعَ ذَاتَ سَنَةٍ، وَزَرَعَ النَّاسُ فَهَلَكَ زَرْعُ النَّاسِ وَزَكَا زَرْعُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَكَانَ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِي أَعْطَيْتُهُ فَمَنْ آمَنَ بِهِ أَعْطَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مَنْعَهُ.

_ (1) قال ابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 29 "وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، وسبعمائة بمهور، وثلاثمائة سراري. وقيل: بالعكس: ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء". وروى الطبري عن السدي أنه كان لسليمان مائة امرأة. انظر: تاريخ الطبري: 1 / 500.

56

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} نُدْخِلُهُمْ نَارًا، {كُلَّمَا نَضِجَتِ} احْتَرَقَتْ {جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} غَيْرَ الْجُلُودِ الْمُحْتَرِقَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُبَدَّلُونَ جُلُودًا بَيْضَاءَ كَأَمْثَالِ الْقَرَاطِيسِ. وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قُرِئَتْ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْقَارِئِ: أَعِدْهَا فَأَعَادَهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَقَالَ مُعَاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُهَا: تُبَدَّلُ فِي سَاعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . قَالَ الْحَسَنُ: تَأْكُلُهُمُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ كُلَّمَا أَكَلَتْهُمْ قِيلَ لَهُمْ عُودُوا فَيَعُودُونَ كَمَا كَانُوا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُعَاذُ بْنُ أُسَيْدٍ، أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَنَا الْفُضَيْلُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ" (2) . أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ، أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا شُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ضِرْسُ الْكَافِرِ أَوْ نَابُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ" (3) . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَذَّبُ جُلُودٌ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ تَعْصِهِ؟ قِيلَ يُعَادُ الْجِلْدُ الْأَوَّلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَإِنَّمَا قَالَ: {جُلُودًا غَيْرَهَا} لِتَبَدُّلِ صِفَتِهَا، كَمَا تَقُولُ: صَنَعْتُ مِنْ خَاتَمِي خَاتَمًا غَيْرَهُ، فَالْخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الصِّنَاعَةَ وَالصِّفَةَ تَبَدَّلَتْ، وَكَمَنَ يَتْرُكُ أَخَاهُ صَحِيحًا ثُمَّ بَعُدَ مَرَّةً يَرَاهُ مَرِيضًا دَنَفًا فَيَقُولُ:

_ (1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (45) : أخرجه ابن عدي والطبراني، وفيه نافع بن يوسف السلمي. وأبو هرمز وهو ضعيف. وقال إسحاق بن راهويه في مسنده: سئل فضيل بن عياض عن هذه الآية فأخبرنا عن هشام عن الحسن قال: "تبدل جلودهم كل يوم سبعين ألف مرة". (2) أخرجه البخاري في الرقاق: باب: صفة الجنة والنار: 11 / 415، ومسلم في الجنة - باب: النار يدخلها الجبارون برقم: (2852) 4 / 2190، والمصنف في شرح السنة: 15 / 250، وهو موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه. (3) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها - باب: النار يدخلها الجبارون برقم (2851) 4 / 2189.

57

أَنَا غَيْرُ الَّذِي عَهِدْتَ، وَهُوَ عَيْنُ الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّ صِفَتَهُ تَغَيَّرَتْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: يُبَدَّلُ الْجِلْدُ جِلْدًا غَيْرَهُ مِنْ لَحْمِ الْكَافِرِ ثُمَّ يُعِيدُ الْجِلْدَ لَحْمًا ثُمَّ يُخْرِجُ مِنَ اللَّحْمِ جِلْدًا آخَرَ وَقِيلَ: يُعَذَّبُ الشَّخْصُ فِي الْجِلْدِ لَا الْجِلْدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} وَلَمْ يَقُلْ: لِتَذُوقَ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُلْبِسُ أَهْلَ النَّارِ جُلُودًا لَا تَأْلَمُ، فَيَكُونُ زِيَادَةَ عَذَابٍ عَلَيْهِمْ، كُلَّمَا احْتَرَقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُمْ جِلْدًا غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ: "سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ" (إِبْرَاهِيمَ -50) فَالسَّرَابِيلُ تُؤْلِمُهُمْ وَهِيَ لَا تَأْلَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) } {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} كَنِينًا لَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ وَلَا يُؤْذِيهِمْ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَكَانَ سَادِنَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَغْلَقَ عُثْمَانُ بَابَ الْبَيْتِ وَصَعَدَ السَّطْحَ فَطَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِفْتَاحَ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَعَ عُثْمَانَ، فَطَلَبَهُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى، وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ أَمْنَعْهُ الْمِفْتَاحُ، فَلَوَى عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ وَفَتَحَ الْبَابَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ الْمِفْتَاحَ، أَنَّ يُعْطِيَهُ وَيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقَايَةِ وَالسِّدَانَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ الْمِفْتَاحَ إِلَى عُثْمَانَ وَيَعْتَذِرَ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَكْرَهْتَ وَآذَيْتَ ثُمَّ جِئْتَ تَرْفُقَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شأنك قرآنأ 89/أوَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ الْمِفْتَاحُ مَعَهُ، فَلَمَّا مَاتَ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ شَيْبَةَ، فَالْمِفْتَاحُ وَالسِّدَانَةُ فِي أَوْلَادِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) . وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ جَمِيعَ الْأَمَانَاتِ. أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّرَّادُ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ

_ (1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (150) بدون إسناد، وقال ابن حجر: هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي بغير إسناد، وكذا ذكره الواحدي في الوسيط والأسباب، الكافي الشاف ص 45، وانظر الطبري: 8 / 491، وعزاه في الدر المنثور 2 / 570 لابن مردويه من طريق الكلبي عن ابن عباس.

59

إِدْرِيسَ الْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ، أَنَا شَيَّبَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قلّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَّا لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} أَيْ: بِالْقِسْطِ، {إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا} أَيْ: نِعْمَ الشَّيْءُ الَّذِي {يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ، أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمَدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الزَّيَّاتُ، أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّادٍ، ثِنا بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَلَى يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، هُمُ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَا الْقَاسِمُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَنَا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا إِمَامٌ جَائِرٌ" (3) . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} اخْتَلَفُوا فِي {أُولِي الْأَمْرِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: هُمُ الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ، وَدَلِيلُهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ" (النِّسَاءِ -83) . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ.

_ (1) أخرجه أحمد في المسند: 3 / 135، 154 وفي السنة أيضا صفحة 97، ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة من طريقين عن أنس، وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (36) ص 40، وللحديث شواهد ولذلك قال الذهبي: سنده قوي، وانظر: مشكاة المصابيح 1 / 17، فيض القدير 6 / 381، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 75. (2) أخرجه مسلم في الإمارة - باب: فضيلة الإمام العادل. . . برقم (1827) 3 / 1458. والمصنف في شرح السنة: 10 / 63. (3) أخرجه الترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل: 4 / 559 - 560، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأحمد: 3 / 22، 55 عن أبي سعيد وفي سنده عندهما: عطية العوفي: صدوق يخطئ كثيرا، كان شيعيا مدلسا. (تقريب) . وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 65.

وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَيُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى الرَّعِيَّةِ أَنْ يَسْمَعُوا وَيُطِيعُوا. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعْدٍ الْمَنِيعِيُّ، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادَيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلْيَحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ، أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنِي، نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" (2) . [أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدٌ الدَّرَاوَرْدِيُّ] (3) أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلْتِ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (4) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَفَّالُ، أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُرُوجِرْدِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَمْدَانَ الصَّيْرَفِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْكُدَيْمِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: "اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ حَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" (5) .

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به: 6 / 116، وفي الأحكام: 13 / 111، ومسلم في الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم (1835) : 3 / 1466. والمصنف في شرح السنة: 10 / 69. (2) أخرجه البخاري في الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام: 13 / 121، وفي الجهاد: 6 / 115، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1839) : 3 / 1469، والمصنف في شرح السنة: 10 / 43. (3) ما بين القوسين ساقط من: (أ) . (4) أخرجه البخاري في الفتن، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سترون بعدي أمورا تنكرونها: 13 / 5، وفي الأحكام: 13 / 192، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1709) : 3 / 1470، والمصنف في شرح السنة" 10 / 46. (5) أخرجه البخاري في الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع: 2 / 188، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1837) : 3 / 1467، والمصنف في شرح السنة: 10 / 42.

أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكِمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ" (1) . وَقِيلَ: الْمُرَادُ أُمَرَاءُ السَّرَايَا، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إِذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِّيَّةٍ (2) وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَرَادَ بِأُولِي الْأَمْرِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. حَدَّثَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التَّيْمِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ الْأَطْرَابُلُسِيُّ، أَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَرْزَةَ بِالْكُوفَةِ، أَخْبَرَنَا ثَابِتُ بْنُ مُوسَى الْعَابِدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ فَاقْتَدُوا بِاللَّذِينَ مِنْ بِعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (3) ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} الْآيَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَحْمُودٍ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلَحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ" (4) قَالَ: قَالَ

_ (1) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما ذكر في فضل الصلاة، 3 / 238 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد: 5 / 251. وإسناده حسن. ورواه من طريق أخرى في: 5 / 262 وفيه ضعيف. وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي، ورواه الخلعي في فوائده. انظر: فيض القدير: 1 / 130، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 23 - 24، وقال: هذا حديث حسن. (2) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" 8 / 253، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم: (1834) : 3 / 1465. وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (152) . (3) أخرجه الترمذي في المناقب: 10 / 149، وابن ماجه في المقدمة برقم (97) : 1 / 37، والحاكم مختصرا: 3 / 75 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد: 5 / 382، 402 عن حذيفة، والمصنف في شرح السنة: 14 / 101 وقال: حديث صحيح. (4) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 1 / 58 عن الحسن مرسلا وفيه علتان: جهالة شيخ معمر، وإرسال الحسن البصري. وابن المبارك في الزهد ص (200) ، ورواه أبو يعلي والبزار بنحوه، وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 73. وانظر: مجمع الزوائد: 10 / 18، فيض القدير: 5 / 516، كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني: 2 / 257 - 258.

الْحَسَنُ: قَدْ ذَهَبَ مِلْحَنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} أَيْ: اخْتَلَفْتُمْ، {فِي شَيْءٍ} مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ، وَالتَّنَازُعُ، اخْتِلَافُ الْآرَاءِ وَأَصْلُهُ مِنَ النَّزْعِ فَكَأَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ يَتَجَاذَبَانِ وَيَتَمَانَعَانِ، {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أَيْ: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَا دَامَ حَيًّا وَبَعْدَ وَفَاتِهِ إِلَى سُنَّتِهِ، والرَّدُّ إِلَى الْكِتَابِ وَالسَّنَةِ وَاجِبٌ إِنْ وُجد فيهما، 89/ب فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَسَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ. وَقِيلَ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ} أَيْ: الرَّدُّ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، {خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} أَيْ: أَحْسَنُ مَآلًا وَعَاقِبَةً.

60

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} الْآيَةَ قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ وَلَا يَمِيلُ فِي الْحُكْمِ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى الْيَهُودِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرَّشْوَةَ وَيَمِيلُونَ فِي الْحُكْمِ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) . قَالَ جَابِرٌ: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا وَاحِدٌ فِي جُهَيْنَةَ وَوَاحِدٌ فِي أَسْلَمَ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ كُهَّانٌ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يُقَالُ لَهُ بِشْرٌ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَنْطَلِقُ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: بَلْ إِلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ الطَّاغُوتَ، فَأَبَى الْيَهُودِيُّ أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَّا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُنَافِقُ ذَلِكَ أَتَى مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ لَزِمَهُ الْمُنَافِقُ، وَقَالَ: انْطَلَقَ بِنَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَتَيَا عُمَرَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: اخْتَصَمْتُ أَنَا وَهَذَا إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ يُخَاصِمُ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْمُنَافِقِ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُمَا رُوَيْدَكُمَا

_ (1) أخرجه الواحدي بسنده عن الشعبي في أسباب النزول ص (154) ، وابن جرير الطبري: 8 / 508، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 580 لابن المنذر.

61

حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا فَدَخَلَ عُمَرُ الْبَيْتَ وَأَخَذَ السَّيْفَ وَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ خَرَجَ فَضَرَبَ بِهِ الْمُنَافِقَ حَتَّى بَرُدَ، وَقَالَ: هَكَذَا أَقْضِي بَيْنَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَضَاءِ رَسُولِهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَسُمِّيَ الْفَارُوقُ (1) . وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا وَنَافَقَ بَعْضُهُمْ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ أَوْ أُخِذَ دِيَتُهُ مِائَةَ وَسَقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَأَعْطَى دِيَتَهُ سِتِّينَ وَسْقًا، وَكَانَتِ النَّضِيرُ وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ أَشْرَفَ وَأَكْثَرَ مِنْ قُرَيْظَةَ وَهْمُ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَاخْتَصَمُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: كُنَّا وَأَنْتُمْ قَدِ اصْطَلَحْنَا عَلَى أَنْ نَقْتُلَ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُونَ مِنَّا، وِدِيَتُكُمْ سِتُّونَ وَسْقًا وِدِيَتُنَا مِائَةُ وَسْقٍ، فَنَحْنُ نُعْطِيكُمْ ذَلِكَ، فَقَالَتِ الْخَزْرَجُ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُمْ فَعَلْتُمُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِكَثْرَتِكُمْ وَقِلَّتِنَا فَقَهَرْتُمُونَا، وَنَحْنُ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ إِخْوَةٌ وَدِينُنَا وَدِينُكُمْ وَاحِدٌ فَلَا فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْنَا، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ مِنْهُمْ: انْطَلَقُوا إِلَى أَبِي بُرْدَةَ الْكَاهِنِ الْأَسْلَمِيِّ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ: لَا بَلْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَبَى الْمُنَافِقُونَ وَانْطَلَقُوا إِلَى أَبِي بُرْدَةَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: أَعَظِمُوا اللُّقْمَةَ، يَعْنِي الْحَظَّ، فَقَالُوا: لَكَ عَشْرَةُ أَوْسُقٍ، قَالَ: لَا بَلْ مِائَةُ وَسَقٍ دِيَتِي، فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَوْسُقٍ وَأَبَى أَنْ يُحَكِّمَ بَيْنَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الْقَصَاصِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} (2) يَعْنِي الْكَاهِنَ أَوْ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) } {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} أَيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إِعْرَاضًا. {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} هَذَا وَعِيدٌ، أَيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} يَعْنِي: عُقُوبَةَ صُدُودِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ كُلُّ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ جَمِيعَ الْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا

_ (1) قال ابن حجر: ذكره الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي عاصم عن ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (155) . (2) أخرجه الطبري: 8 / 510، وعزاه السيوطي في الدر: 2 / 581 لابن أبي حاتم.

63

وَالْآخِرَةِ، وَتَمَّ الْكَلَامُ هَاهُنَا، ثُمَّ عَادَ الْكَلَامُ إِلَى مَا سَبَقَ، يُخْبِرُ عَنْ فِعْلِهِمْ فقال: {ثُمَّ جَاؤُوكَ} يَعْنِي: يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ، {ثُمَّ جَاءُوكَ} [يُحْيُونَكَ وَيَحْلِفُونَ] (1) . وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْمُصِيبَةِ قَتْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المنافق، ثم جاؤوا يَطْلُبُونَ دِيَتَهُ، {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا} مَا أَرَدْنَا بِالْعُدُولِ عَنْهُ فِي الْمُحَاكَمَةِ أَوْ بِالتَّرَافُعِ إِلَى عُمَرَ، {إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَّا إِحْسَانًا فِي الْقَوْلِ، وَتَوْفِيقًا: صَوَابًا، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: حَقًّا وَعَدْلًا نَظِيرُهُ: "لِيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى"، وَقِيلَ: هُوَ إِحْسَانُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَقْرِيبُ الْأَمْرِ مِنَ الْحَقِّ، لَا الْقَضَاءُ عَلَى أَمْرِ الْحَكَمِ، وَالتَّوْفِيقُ: هُوَ مُوَافَقَةُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: هُوَ التَّأْلِيفُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ. {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) } {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} مِنَ النِّفَاقِ، أَيْ: عَلِمَ أَنَّ مَا فِي قُلُوبِهِمْ خِلَافَ مَا فِي أَلْسِنَتِهِمْ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أَيْ: عَنْ عُقُوبَتِهِمْ وَقِيلَ: فَأُعْرِضُ عَنْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ وَعِظْهُمْ بِاللِّسَانِ، وَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا بَلِيغًا، وَقِيلَ: هُوَ التَّخْوِيفُ بِاللَّهِ، وَقِيلَ: أَنْ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، قَالَ الْحَسَنُ: الْقَوْلُ الْبَلِيغُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ النِّفَاقِ قُتِلْتُمْ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ نُفُوسِهِمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} فِي الْمَلَإِ {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} فِي السِّرِّ وَالْخَلَاءِ، وَقَالَ: قِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بآية القتال. وله عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ: بِأَمْرِ اللَّهِ لِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ وَجَبَتْ بِأَمْرِ اللَّهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ، وَقِيلَ: إِلَّا لِيُطَاعَ كَلَامٌ تَامٌّ كَافٍ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: بِعِلْمِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، أَيْ: وُقُوعُ طَاعَتِهِ يَكُونُ بِإِذْنِ اللَّهِ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بِتَحَاكُمِهِمْ إِلَى الطَّاغُوتِ {جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} الْآيَةَ.

_ (1) في (أ) جاءت العبارة هكذا: (يجيئونك ويخافونك) .

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجٍ (1) مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ. كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجِدْرَ، فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ ذلك أشار 90/أعَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أَرَادَ بِهِ سَعَةً لَهُ وَلِلْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ مَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (2) الْآيَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي خَاصَمَ الزُّبَيْرَ كَانَ اسْمُهُ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمَّا خَرَجَا مَرَّ عَلَى الْمِقْدَادِ فَقَالَ: لِمَنْ كَانَ الْقَضَاءُ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: قَضَى لِابْنِ عَمَّتِهِ وَلَوَى شِدْقَهُ فَفَطِنَ لَهُ يَهُودِيٌّ كَانَ مَعَ الْمِقْدَادِ، فَقَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُ فِي قَضَاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبْنَا ذَنْبًا مَرَّةً فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَعَا مُوسَى إِلَى التَّوْبَةِ مِنْهُ، فَقَالَ: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلْنَا فَبَلَغَ قَتْلَانَا سَبْعِينَ أَلْفًا فِي طَاعَةِ رَبِّنَا حَتَّى رَضِيَ عَنَّا، فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ وَلَوْ أَمَرَنِي مُحَمَّدٌ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} (3) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي بِشْرٍ الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (4) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا} أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ ثُمَّ لَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ

_ (1) الشراج: مجاري الماء من الحرار إلى السهل واحدها شرج، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وفي المدينة عدد منها. (2) أخرجه البخاري في المساقاة، باب سكر الأنهار: 5 / 34، وفي الصلح: 5 / 309 - 310، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برقم (2357) : 4 / 1829، 183، والمصنف في شرح السنة: 8 / 283 - 284. وانظر: فتح الباري: 5 / 34. (3) حكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ومستندهم ما أخرجه ابن أبي حاتم مرسلا بسند قوي وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا - فقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من الأنصار شهد بدرا - لكنه من المهاجرين. وأما بقية القصة ومرورهم على اليهودي فقد ذكرها الثعلبي بغير إسناد، انظر: فتح الباري: 5 / 35 - 36. (4) ذكر الحافظ ابن كثير أثرا في قصة المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم إلى عمر وقتل عمر للمنافق - وقال: غريب جدا أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 522.

الْقَسَمَ {وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ {لَا} فِي قَوْلِهِ {فَلَا} صِلَةً، كَمَا فِي قَوْلِهِ {فَلَا أُقْسِمُ} حَتَّى يُحَكِّمُوكَ: أَيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا، {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} أَيْ: اخْتَلَفَ وَاخْتَلَطَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، وَمِنْهُ الشَّجَرُ لِالْتِفَافِ أَغْصَانِهِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا} قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكًّا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضِيقًا، {مِمَّا قَضَيْتَ} قَالَ الضَّحَّاكُ: إِثْمًا، أَيْ: يَأْثَمُونَ بِإِنْكَارِهِمْ مَا قَضَيْتَ، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أَيْ: وَيَنْقَادُوا لِأَمْرِكَ انْقِيَادًا.

66

{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا} أَيْ: فَرَضْنَا وَأَوْجَبْنَا، {عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ {أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ} كَمَا أَمَرْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ، {مَا فَعَلُوهُ} مَعْنَاهُ: أَنَّا مَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ إِلَّا طَاعَةَ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، وَلَوْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ وَالْخُرُوجَ عَنِ الدَّوْرِ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ، {إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ لِمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الْقَلِيلُ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرَنَا لَفَعَلْنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَثْبَتُ مِنَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي" (1) . قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ {إِلَّا قَلِيلًا} بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَقِيلَ: فِيهِ إِضْمَارٌ، تَقْدِيرُهُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا مِنْهُمْ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الضَّمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ {فَعَلُوهُ} تَقْدِيرُهُ: إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ فَعَلُوهُ، {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} مِنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ، {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} تَحْقِيقًا وَتَصْدِيقًا لِإِيمَانِهِمْ. {وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا} ثَوَابًا وَافِرًا. {وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} أَيْ: إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

_ (1) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص 46، تفسير ابن كثير: 1 / 523.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ يُعْرَفُ الْحُزْنُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ"؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مَرَضٌ وَلَا وَجَعٌ غَيْرَ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اسْتَوْحَشْتُ وَحْشَةً شَدِيدَةً حَتَّى أَلْقَاكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ لِأَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَإِنِّي إِنْ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ، وَإِنْ لَمْ أَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَا أَرَاكَ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) . وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ فِي الْجَنَّةِ وَأَنْتَ فِي الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَنَحْنُ أَسْفَلُ مِنْكَ؟ فَكَيْفَ نَرَاكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) . {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ} فِي أَدَاءِ الْفَرَائِضِ، {وَالرَّسُولَ} فِي السُّنَنِ {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ} أَيْ لَا تَفُوتُهُمْ رُؤْيَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَمُجَالَسَتُهُمْ لَا أَنَّهُمْ (3) يُرْفَعُونَ إِلَى دَرَجَةِ الْأَنْبِيَاءِ، {وَالصِّدِّيقِينَ} أَفَاضِلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالصِّدِّيقُ الْمُبَالِغُ فِي الصِّدْقِ، {وَالشُّهَدَاءِ} قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي يَوْمِ أُحُدٍ، وَقِيلَ: الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: النَّبِيُّونَ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصِّدِّيقُونَ أَبُو بَكْرٍ، وَالشُّهَدَاءُ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {وَالصَّالِحِينَ} سَائِرُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} يَعْنِي: رُفَقَاءَ الْجَنَّةِ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الْوَاحِدَ مَوْضِعَ الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} (غَافِرٍ -67) أَيْ: أَطْفَالًا {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} أَيْ: الْأَدْبَارَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَخْلَدِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أُنْسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ يُحِبُّ قَوْمًا وَلَمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ" (4) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ قَالَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا أَبُو يَحْيَى زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا"؟ قَالَ: فَلَمْ يَذْكُرْ كَثِيرًا، إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: "فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" (5) .

_ (1) أسباب النزول للواحدي ص (158) وانظر: الكافي الشاف ص (46) . (2) الطبري: 8 / 534، الدر المنثور: 2 / 589، أسباب النزول للواحدي ص (159) . (3) في (ب) (لأنهم) . (4) البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: 10 / 557 عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (2640) : 4 / 2034. والمصنف في شرح السنة: 13 / 61. (5) أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: 10 / 557 وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (2639) : 4 / 2032، والمصنف في شرح السنة: 13 / 61.

70

{ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) } {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} أَيْ: بِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: بِمَنْ (1) أَطَاعَ رَسُولَ اللَّهِ وَأَحَبَّهُ، وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا تِلْكَ الدَّرَجَةَ بِطَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا نَالُوهَا بِفَضْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَارِبُوا وَسَدِّدُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَنْجُو أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} مِنْ عَدُوِّكُمْ، أَيْ: عِدَّتِكُمْ وَآلَتِكُمْ مِنَ السِّلَاحِ، وَالْحِذْرُ وَالْحَذَرُ وَاحِدٌ، كَالْمِثْلِ وَالْمَثَلِ وَالشِّبْهِ وَالشَّبَهِ، {فَانْفِرُوا} اخْرُجُوا {ثُبَاتٍ} أَيْ: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وَالثُّبَاتُ جَمَاعَاتٌ فِي تَفْرِقَةٍ وَاحِدَتُهَا ثُبَةٌ، {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} أَيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} نَزَلَتْ في المنافقين (3) 90/ب وَإِنَّمَا قَالَ {مِنْكُمْ} لِاجْتِمَاعِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْجِنْسِيَّةِ وَالنَّسَبِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، لَا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، {لَيُبَطِّئَنَّ} أَيْ: لَيَتَأَخَّرَنَّ، وَلَيَتَثَاقَلَنَّ عَنِ الْجِهَادِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الْمُنَافِقُ، وَاللَّامُ فِي {لَيُبَطِّئَنَّ} لَامُ الْقَسَمِ، وَالتَّبْطِئَةُ: التَّأَخُّرُ عَنِ الْأَمْرِ، يُقَالُ: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ أَيْ: مَا أَخَّرَكَ عَنَّا؟ وَيُقَالُ: أَبْطَأَ إِبْطَاءً وَبَطَّأَ يُبَطِّئُ تَبْطِئَةً. {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} أَيْ: قَتْلٌ وَهَزِيمَةٌ، {قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ} بِالْقُعُودِ، {إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} أَيْ: حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ.

_ (1) في ب: (لمن) . (2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: 1 / 93 وفي مواضع أخرى، ومسلم في المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم (1816) : 4 / 2170، وفي البر والصلة، والمصنف في شرح السنة 14 / 390. (3) قال مجاهد. انظر: ابن كثير: 1 / 525.

73

{وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) } {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ} فَتْحٌ وَغَنِيمَةٌ {لَيَقُولَنَّ} هَذَا الْمُنَافِقُ، وَفِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَقَوْلُهُ {كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ} مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ {فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ} تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أَيْ: مَعْرِفَةٌ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ {تَكُنْ} بِالتَّاءِ، وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ} فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، {فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} أَيْ: آخُذَ نَصِيبًا وَافِرًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَوْلُهُ {فَأَفُوزَ} نُصِبَ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ، كَمَا تَقُولُ: وَدِدْتُ أَنْ أَقُومَ فَيَتْبَعُنِي النَّاسُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} قِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْنَى يَشْرُونَ أَيْ: يَشْتَرُونَ، يَعْنِي الَّذِينَ يَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، مَعْنَاهُ: آمَنُوا ثُمَّ قَاتَلُوا، وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْمُخْلِصِينَ، مَعْنَاهُ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ أَيْ: يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَيَخْتَارُونَ الْآخِرَةَ {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ} يَعْنِي يُسْتَشْهَدُ، {أَوْ يَغْلِبْ} يَظْفَرْ، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ {أَجْرًا عَظِيمًا} وَيُدْغِمُ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ الْبَاءَ فِي الْفَاءِ حَيْثُ كَانَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ، أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ

_ (1) أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أحلت لي الغنائم": 6 / 220، وفي التوحيد، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) : 3 / 1496.

فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الْقَانِتِ الصَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِهِ بِمَا يُرْجِعُهُ مِنْ غَنِيمَةٍ وَأَجْرٍ، أَوْ يَتَوَفَّاهُ فَيَدْخُلُهُ الْجَنَّةَ" (1) .

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: 6 / 6، ومسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم (1878) : 1498، والمصنف في شرح السنة: 10 / 348 - 349.

75

{وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ} لَا تُجَاهِدُونَ {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فِي طَاعَةِ اللَّهِ، يُعَاتِبُهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجِهَادِ، {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} أَيْ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فِي سَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ لِتَخْلِيصِهِمْ، وَقِيلَ: فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ جَمَاعَةٌ، {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ} يَلْقَوْنَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَذًى كَثِيرًا، {الَّذِينَ} يَدْعُونَ وَ {يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا} يَعْنِي: مَكَّةَ، الظَّالِمُ أَيِ: الْمُشْرِكُ، أَهْلُهَا يَعْنِي الْقَرْيَةَ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا مُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا خَفَضَ (1) {الظَّالِمَ} لِأَنَّهُ نَعْتٌ لِلْأَهْلِ، فَلِمَا عَادَ الْأَهْلُ إِلَى الْقَرْيَةِ صَارَ كَأَنَّ الْفِعْلَ لَهَا، كَمَا يُقَالُ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حُسْنِهِ عَيْنُهُ، {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} أَيْ: مَنْ يَلِي أَمْرَنَا، {وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} أَيْ: مَنْ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ عَنَّا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُمْ، فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ وَلَّى عَلَيْهِمْ عِتَابُ بْنُ أُسَيْدٍ وَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ نَصِيرًا يُنْصِفُ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} أَيْ: فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، {فَقَاتِلُوا} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ} أَيْ: حِزْبَهُ وَجُنُودَهُ وَهُمُ الْكُفَّارُ، {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ} مَكْرَهُ، {كَانَ ضَعِيفًا} كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا رَأَى الْمَلَائِكَةَ خَافَ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَهَرَبَ وَخَذَلَهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأُسُودِ الْكِنْدِيِّ، وَقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ،

_ (1) في أ: (خص) .

وَجَمَاعَةٍ كَانُوا يَلْقُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أَذًى كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرُوا، وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ آذَوْنَا، فَيَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِهِمْ" (1) . {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} فَلَمَّا هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ} فُرِضَ، {عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ} يَعْنِي: يَخْشَوْنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ، {كَخَشْيَةِ اللَّهِ} أَيْ: كَخَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، {أَوْ أَشَدَّ} أَكْثَرَ، {خَشْيَةً} وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَأَشَدَّ خَشْيَةً، {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} الْجِهَادَ {لَوْلَا} هَلَّا {أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} يَعْنِي: الْمَوْتَ أَيْ: هَلَّا تَرَكْتَنَا حَتَّى نَمُوتَ بِآجَالِنَا؟ . وَاخْتَلَفُوا فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، قِيلَ: قَالَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ} لَا يَلِيقُ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُونُوا رَاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ قَالُوهُ خَوْفًا وَجُبْنًا لَا اعْتِقَادًا، ثُمَّ تَابُوا، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَتَفَاضَلُونَ فِي الْإِيمَانِ. وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ نَافَقُوا مِنَ الْجُبْنِ وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ، {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ، {مَتَاعُ الدُّنْيَا} أَيْ: مَنْفَعَتُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا {قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ} أَيْ: وَثَوَابُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ، {لِمَنِ اتَّقَى} الشِّرْكَ وَمَعْصِيَةَ الرَّسُولِ، {وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ تُظْلَمُونَ بِالتَّاءِ. أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الصَّيْدَلَانِيُّ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، أَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ" (2) .

_ (1) الواحدي في أسباب النزول ص 159 - 160، وأخرجه النسائي عن ابن عباس في السنن: 6 / 3، والحاكم: 2 / 66، 307. (2) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (2858) : 4 / 2193.

78

{أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} أَيْ: يَنْزِلُ بِكُمُ الْمَوْتُ، نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قتلوا، فردَّ 91/أاللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ} (1) ، {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} وَالْبُرُوجُ: الْحُصُونُ وَالْقِلَاعُ، وَالْمُشَيَّدَةُ: الْمَرْفُوعَةُ الْمُطَوَّلَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ فِي قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مُجَصَّصَةٍ، وَالشَّيْدُ: الْجِصُّ، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ} نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ: مَا زِلْنَا نَعْرِفُ النَّقْصَ فِي ثِمَارِنَا وَمَزَارِعِنَا مُنْذُ قَدِمَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ} يَعْنِي: الْيَهُودَ {حَسَنَةٌ} أَيْ خِصْبٌ وَرُخْصٌ فِي السِّعْرِ، {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} لَنَا، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} يَعْنِي: الْجَدْبَ وَغَلَاءَ الْأَسْعَارِ {يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} أَيْ: مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَسَنَةِ الظَّفْرُ وَالْغَنِيمَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَبِالسَّيِّئَةِ الْقَتْلُ وَالْهَزِيمَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أَيْ: أَنْتَ الَّذِي حَمَلَتْنَا عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ، {قُلْ} لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ، {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أَيْ: الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ عَيَّرَهُمْ بِالْجَهْلِ فَقَالَ: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ} يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودَ، {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ قَوْلًا وَقِيلَ: الْحَدِيثُ هَاهُنَا هُوَ الْقُرْآنُ أَيْ: لَا يَفْقَهُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ} قَالَ الْفَرَّاءُ: كَثُرَتْ فِي الْكَلَامِ هَذِهِ الْكَلِمَةُ حَتَّى تَوَهَّمُوا أَنَّ اللَّامَ مُتَّصِلَةٌ بِهَا وَأَنَّهُمَا حَرْفٌ وَاحِدٌ، فَفَصَلُوا اللَّامَ مِمَّا بَعْدَهَا فِي بَعْضِهِ، وَوَصَلُوهَا فِي بَعْضِهِ، وَالِاتِّصَالُ الْقِرَاءَةُ، وَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى اللَّامِ لِأَنَّهَا لَامٌ خَافِضَةٌ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ} خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ {فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ} بَلِيٍّةٍ أَوْ أَمْرٍ تَكْرَهُهُ، {فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: بِذُنُوبِكَ، وَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" (الشُّورَى -30) وَيَتَعَلَّقُ (2) أَهْلُ الْقَدَرِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ،

_ (1) الطبري: 9 / 8، الواحدي في أسباب النزول ص (160) ، والدر المنثور: 2 / 595 - 596. (2) في ب: (وتعلق) .

فَقَالُوا: نَفَى اللَّهُ تَعَالَى السَّيِّئَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَنَسَبَهَا إِلَى الْعَبْدِ، فَقَالَ: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وَلَا مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَلَا سَيِّآتِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُمْ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ النِّعَمِ وَالْمِحَنِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسَبَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ وَلَمْ يَنْسِبْهَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: {مَا أَصَابَكَ} وَلَا يُقَالُ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ أَصَابَنِي، إِنَّمَا يُقَالُ: أَصَبْتُهَا، وَيُقَالُ فِي النِّعَمِ: أَصَابَنِي، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَلَيْهِ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} (الْأَعْرَافِ -131) ، وَلَمَّا ذَكَرَ حَسَنَاتِ الْكَسْبِ وَسَيِّئَاتِهِ نَسَبَهَا إِلَيْهِ، وَوَعَدَ عَلَيْهَا الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، فَقَالَ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مَثَلَهَا} (الْأَنْعَامِ -160) . وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ يَوْمَ بَدْرٍ فَمِنَ اللَّهِ، أَيْ: مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، أَيْ: بِذَنْبِ نَفْسِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وَبَيْنَ قَوْلِهِ {فَمِنْ نَفْسِكَ} قِيلَ: قَوْلُهُ {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أَيِ: الْخِصْبُ وَالْجَدْبُ وَالنَّصْرُ وَالْهَزِيمَةُ كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: {فَمِنْ نَفْسِكَ} أَيْ: مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ مِنَ اللَّهِ فَبِذَنْبِ نَفْسِكَ عُقُوبَةً لَكَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ" (الشُّورَى -30) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ قَرَأَ {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} وَأَنَا كَتَبْتُهَا عَلَيْكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبِلَهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} {قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} {وَأَرْسَلْنَاكَ} يَا مُحَمَّدُ {لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} عَلَى إِرْسَالِكَ وَصِدْقِكَ، وَقِيلَ: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ كُلَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

80

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ" فَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رِبًّا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} (1) أَيْ: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، {وَمَنْ تَوَلَّى} عَنْ طَاعَتِهِ، {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ} يَا مُحَمَّدُ،

_ (1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (46) : لم أجده.

81

{عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} أَيْ: حَافِظًا وَرَقِيبًا، بَلْ كُلُّ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: نَسَخَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بِآيَةِ السَّيْفِ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) } {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ} يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا آمَنَّا بِكَ فَمُرْنَا فَأَمْرُكَ طَاعَةٌ، قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَيْ أَمْرُنَا وَشَأْنُنَا أَنْ نُطِيعَكَ، {فَإِذَا بَرَزُوا} خَرَجُوا، {مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} قَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ: بَيَّتَ أَيْ: غَيَّرَ وَبَدَّلَ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَكُونُ التَّبْيِيتُ بِمَعْنَى التَّبْدِيلِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبِيُّ: مَعْنَاهُ: قَالُوا وَقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ مَا أَعْطَوْكَ نَهَارًا، وَكُلُّ مَا قُدِّرَ بِلَيْلٍ فَهُوَ تَبْيِيتٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِلشَّيْءِ إذا قُدِّرَ، قدبُيِّتَ، يُشَبِّهُونَهُ بِتَقْدِيرِ بُيُوتِ الشِّعْرِ، {وَاللَّهُ يَكْتُبُ} أَيْ: يُثْبِتُ وَيَحْفَظُ، {مَا يُبَيِّتُونَ} مَا يُزَوِّرُونَ وَيُغَيِّرُونَ وَيُقَدِّرُونَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَا يُسِرُّونَ مِنَ النِّفَاقِ، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} يَا مُحَمَّدُ وَلَا تُعَاقِبْهُمْ، وَقِيلَ: لَا تُخْبِرْ بِأَسْمَائِهِمْ، مُنِعَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِخْبَارِ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} أَيْ: اتَّخِذْهُ وَكَيْلًا وَكَفَى بِاللَّهِ وَكَيْلًا وَنَاصِرًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} يَعْنِي: أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِي الْقُرْآنِ، وَالتَّدَبُّرُ هُوَ النَّظَرُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، وَدُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ. {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} أَيْ تَفَاوُتًا وَتَنَاقُضًا كَثِيرًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقِيلَ: لَوَجَدُوا فِيهِ أَيْ: فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ بِمَا كَانَ وَبِمَا يَكُونُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ فَيَعْرِفُوا -بِعَدَمِ التَّنَاقُضِ فِيهِ وَصِدْقِ مَا يُخْبِرُ -أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَخْلُو عَنْ تَنَاقُضٍ وَاخْتِلَافٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ السَّرَايَا فَإِذَا غَلَبُوا أَوْ غُلِبُوا بَادَرَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَخْبِرُونَ عَنْ حَالِهِمْ، فَيُفْشُونَ وَيُحَدِّثُونَ بِهِ قَبْلَ أَنْ

84

يُحَدِّثَ بِهِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 91/ب فَيُضْعِفُونَ بِهِ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا جَاءَهُمْ} (1) يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ {أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ} أَيِ: الْفَتْحِ وَالْغَنِيمَةِ {أَوِ الْخَوْفِ} الْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ {أَذَاعُوا بِهِ} أَشَاعُوهُ وَأَفْشَوْهُ، {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ} أَيْ: لَوْ لَمْ يُحَدِّثُوا بِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي يُحَدِّثُ بِهِ، {وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ} أَيْ: ذَوِي الرَّأْيِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ أبي بكر وعمرو وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أَيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى، وَالِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، يُقَالُ: اسْتَنْبَطَ الْمَاءَ إِذَا اسْتَخْرَجَهُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَسْتَنْبِطُونَهُ أَيْ: يَحْرِصُونَ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَتْبَعُونَهُ، يُرِيدُ الَّذِينَ سَمِعُوا تِلْكَ الْأَخْبَارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْعِلْمِ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، أَيْ: يُحِبُّونَ أَنْ يَعْلَمُوهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا هُوَ. {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} كُلُّكُمْ {إِلَّا قَلِيلًا} فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ وَلَوْلَا فَضْلُهُ لَاتَّبَعَ الْكُلُّ الشَّيْطَانَ؟ قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا لَمْ يُفْشِهِ، عَنِيَ بِالْقَلِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ الْكَلْبِيِّ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ، وَقَالَ: لِأَنَّ عِلْمَ السِّرِّ إِذَا ظَهَرَ عَلِمَهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَغَيْرُهُ، وَالْإِذَاعَةُ قَدْ تَكُونُ فِي بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا ثُمَّ قَوْلُهُ: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} كَلَامٌ تَامٌّ. وَقِيلَ: فَضْلُ اللَّهِ: الْإِسْلَامُ وَرَحِمْتُهُ: الْقُرْآنُ، يَقُولُ لولا ذلك لابتعتم الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَهُمْ قَوْمٌ اهْتَدَوْا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُزُولِ الْقُرْآنِ، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَجَمَاعَةٍ سِوَاهُمَا. وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُدْرَكُ بِالتِّلَاوَةِ وَالرِّوَايَةِ وَهُوَ النَّصُّ، وَمِنْهُ مَا يُدْرَكُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ فِي النُّصُوصِ. {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدَ أَبَا سُفْيَانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمِيعَادُ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} (2) أَيْ: لَا تَدَعْ جِهَادَ الْعَدُوِّ وَالِانْتِصَارِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ وَحْدَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكَ النُّصْرَةَ وَعَاتَبَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَالْفَاءُ

_ (1) الطبري: 8 / 570، وقارن بالدر المنثور: 2 / 601 - 602. (2) انظر البداية والنهاية لابن كثير: 4 / 780، وانظر فيما سبق: ص (137 - 139) .

85

فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَاتِلْ} جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} فَقَاتِلْ، {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} عَلَى الْقِتَالِ أَيْ حُضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَرَغِّبْهُمْ فِي الثَّوَابِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا فَكَفَاهُمُ اللَّهُ الْقِتَالَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ {عَسَى اللَّهُ} أَيْ: لَعَلَّ اللَّهَ، {أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ: قِتَالَ الَّذِينَ كَفَّرُوا الْمُشْرِكِينَ و"عَسَى" مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، {وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا} أَيْ: أَشَدُّ صَوْلَةً وَأَعْظَمُ سُلْطَانًا، {وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا} أَيْ: عُقُوبَةً. {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} أَيْ: نَصِيبٌ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَالشَّفَاعَةُ السَّيِّئَةُ هِيَ الْمَشْيُ بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَقِيلَ: الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ هِيَ حُسْنُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الثَّوَابَ وَالْخَيْرَ، وَالسَّيِّئَةُ هِيَ: الْغَيْبَةُ وَإِسَاءَةُ الْقَوْلِ فِي النَّاسِ يَنَالُ بِهِ الشَّرَّ. وَقَوْلُهُ {كِفْلٌ مِنْهَا} أَيْ: مِنْ وِزْرِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ شَفَاعَةُ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَيُؤْجَرُ الشَّفِيعُ عَلَى شَفَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَفَّعْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "اشْفَعُوا لتُؤْجَرُوا لِيَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مُقْتَدِرًا مُجَازِيًا، قَالَ الشاعر: وذي ظعنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ ... عَنْهُ وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ: شَاهِدًا: وَقَالَ قَتَادَةُ: حَافِظًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُقِيتًا (2) أَيْ: يُوصِلُ الْقُوتَ إِلَيْهِ.

_ (1) أخرجه البخاري في الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا: 10 / 450، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب الشفاعة برقم (2627) : 4 / 2026 واللام في قوله: "فليقض" ليست للأمر ولا للتعليل، ويحتمل أن تكون للدعاء بمعنى: اللهم اقض. انظر: فتح الباري: 10 / 451. (2) في أ: (مقيت) .

86

وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ "كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ويُقِيتُ" (1) . {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} التَّحِيَّةُ: هِيَ دُعَاءُ الْحَيَاةِ، والمراد بالتحية ها هنا، السَّلَامُ، يَقُولُ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ مُسْلِمٌ فَأَجِيبُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا كَمَا سَلَّمَ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقُلْ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَإِذَا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرُدَّ مِثْلَهُ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثُمَّ زَادَ شَيْئًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّلَامَ يَنْتَهِي إِلَى الْبَرَكَةِ (2) . وُرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَشْرٌ" ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَّدَ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: "عِشْرُونَ" ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "ثَلَاثُونَ" (3) . وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَامَ سَنَّةٌ وَرَدَّ السَّلَامِ فَرِيضَةٌ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ سَنَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ كَانَ كَافِيًا فِي السُّنَةِ، وَإِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ عَلَى جَمَاعَةٍ وَرَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِهِمْ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ التَّاجِرُ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بُكَيْرٍ الْكُوفِيُّ، أَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤَمِّنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ" (4) .

_ (1) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في صلة الرحم: 2 / 261 عن عبد الله بن عمرو، وأخرج مسلم في الزكاة، باب فصل النفقة على المملوك برقم (996) : 2 / 692 عن عبد الله بن عمرو " كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته" والإمام أحمد في المسند: 2 / 160، 193، 195. وعزاه المنذري للنسائي، والمصنف في شرح السنة: 9 / 342. (2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب السلام، باب العمل في السلام: 2 / 559. وعن الزيادة في السلام قال ابن حجر في الفتح: 11 / 6: "وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على: وبركاته". (3) أخرجه أبو داود في الأدب، باب كيف السلام: 8 / 68 - 69، والترمذي في الاستئذان، باب ما ذكر في فضل السلام: 7 / 462، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. من حديث عمران بن حصين. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف، وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب: 3 / 429 للنسائي والبيهقي بإسناد حسن، وانظر تحفة الأحوذي: 7 / 362 - 463، وابن كثير: 1 / 533. (4) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (54) : 1 / 74، والمصنف في شرح السنة: 12 / 258.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا قُتَيْبَةُ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: " أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ" (1) . وَمَعْنَى قَوْلِهِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ، يُرِيدُ أَيُّ خِصَالِ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ. وَقِيلَ: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} مَعْنَاهُ أَيْ إِذَا كَانَ الَّذِي سَلَّمَ مُسْلِمًا، {أَوْ رُدُّوهَا} بِمِثْلِهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عبد الله 92/أبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ: فَإِنَّمَا يَقُولُ السَّامُّ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ عَلَيْكَ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} أَيْ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ رَدِّ السَّلَامِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، حَسِيبًا أَيْ: مُحَاسِبًا مُجَازِيًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: حَفِيظًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَافِيًا، يُقَالُ: حَسْبِي هَذَا أَيْ كَفَانِي.

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام: 1 / 55 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام. .برقم (63) : 1 / 65. والمصنف في شرح السنة: 12 / 260. (2) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام: 11 / 42، وفي مواضع أخرى، ومسلم في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم برقم (2164) : 4 / 1706 والمصنف في شرح السنة: 12 / 270.

87

{اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ} اللَّامُ لَامُ الْقَسَمِ تَقْدِيرُهُ: وَاللَّهِ لِيَجْمَعُنَّكُمْ فِي الْمَوْتِ وَفِي الْقُبُورِ، {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} وَسُمِّيَتِ الْقِيَامَةُ قِيَامَةً لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا" (الْمَعَارِجِ -43) وَقِيلَ: لِقِيَامِهِمْ إِلَى الْحِسَابِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ"، (الْمُطَفِّفِينَ-6) {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} أَيْ: قَوْلًا وَوَعْدًا، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ {أَصْدَقُ} صَادٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَهَا دَالٌ بِإِشْمَامِ الزَّايِ. {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُزُولِهَا فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ

مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْتُلْهُمْ فَإِنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اعْفُ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، أَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: لِمَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ تَقُولُ نُقَاتِلُهُمْ وَفِرْقَةٌ تَقُولُ لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} وَقَالَ: "إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ" (1) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعٍ لَهُمْ يَتَّجِرُونَ فِيهَا فَخَرَجُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ، فَاخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُنَافِقُونَ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هُمْ مُؤْمِنُونَ (2) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَأَسْلَمُوا ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا كَهَيْئَةِ الْمُتَنَزِّهِينَ حَتَّى بَاعَدُوا (3) مِنَ الْمَدِينَةِ فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا عَلَى الَّذِي فَارَقْنَاكَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَكِنَّا اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ وَاشْتَقْنَا إِلَى أَرْضِنَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا فِي تِجَارَةٍ لَهُمْ نَحْوَ الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَنَقْتُلُهُمْ وَنَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ لِأَنَّهُمْ رَغِبُوا عَنْ دِينِنَا، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَيْفَ تَقْتُلُونَ قَوْمًا عَلَى دِينِكُمْ إِنْ لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهُمْ، وَكَانَ هَذَا بِعَيْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَنْهَى وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (4) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ ثُمَّ لَمْ يُهَاجِرُوا وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَتْ (5) {فَمَا لَكُمْ} يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} أَيْ: صِرْتُمْ فِيهِمْ فِئَتَيْنِ، أَيْ: فِرْقَتَيْنِ، {وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أَيْ: نَكَّسَهُمُ وَرَدَّهُمْ إِلَى الْكُفْرِ، {بِمَا كَسَبُوا} بِأَعْمَالِهِمْ غَيْرِ الزَّاكِيَةِ {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا} أَيْ: أَنْ تُرْشِدُوا {مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَتَقُولُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مُهْتَدُونَ وَقَدْ أَضَلَّهُمُ اللَّهُ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ} أَيْ: مَنْ يُضْلِلْهُ اللَّهُ عَنِ الْهُدَى، {فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ.

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب "فما لكم في المنافقين فئتين. . " 8 / 256، ومسلم في أول كتاب صفات المنافقين برقم (2776) : 4 / 2142. (2) انظر: الطبري: 9 / 9 - 10، أسباب النزول للواحدي ص (161) . (3) في ب: (بعدوا) . (4) انظر: الطبري: 9 / 12 - 13، أسباب النزول ص (161) . (5) انظر: الطبري: 9 / 10 - 11.

89

{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَدُّوا} تَمَنَّوْا، يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنِ الدِّينِ تَمَنَّوْا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} فِي الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ {فَتَكُونُونَ} لَمْ يُرَدْ بِهِ جَوَابُ التَّمَنِّي لِأَنَّ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْفَاءِ مَنْصُوبٌ، إِنَّمَا أَرَادَ النَّسَقَ، أَيْ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وَوَدُّوا لَوْ تَكُونُونَ سَوَاءً، مِثْلَ قَوْلِهِ "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" (الْقَلَمِ -9) أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ وَوَدُّوا لَوْ تُدْهِنُونَ، {فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ} مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ، {حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} مَعَكُمْ. قَالَ عِكْرِمَةُ: هِيَ هِجْرَةٌ أُخْرَى، وَالْهِجْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: هِجْرَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى " لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ " (الْحَشْرِ -8) وَقَوْلُهُ: "وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (النِّسَاءِ -100) ، وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْآيَاتِ، وَهِجْرَةُ الْمُنَافِقِينَ: وَهِيَ الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا [كما حكى ها هنا] (1) مَنَعَ مِنْ مُوَالَاتِهِمْ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهِجْرَةُ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أَعْرَضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ وَالْهِجْرَةِ، {فَخُذُوهُمْ} أَيْ: خُذُوهُمْ أُسَارَى، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْأَسِيرِ أَخِيذٌ، {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، {وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} ثُمَّ اسْتَثْنَى طَائِفَةً مِنْهُمْ فَقَالَ: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ} وَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْقَتْلِ لَا إِلَى الْمُوَالَاةِ، لِأَنَّ مُوَالَاةَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لَا تَجُوزُ بِحَالٍ، وَمَعْنَى {يَصِلُونَ} أَيْ: يَنْتَسِبُونَ إِلَيْهِمْ وَيَتَّصِلُونَ بِهِمْ وَيَدْخُلُونَ فِيهِمْ بالحِلْفِ وَالْجِوَارِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: يريدون ويلجأون إِلَى قَوْمٍ، {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} أَيْ: عَهْدٌ، وَهُمُ الْأَسْلَمِيُّونَ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيَّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مَكَّةَ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يُعِينَ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَصَلَ إِلَى هِلَالٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ وَلَجَأَ إِلَيْهِ فَلَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ مِثْلَ مَا لِهِلَالٍ،.

_ (1) ساقط من (ب) . (2) أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،: 1 / 57 وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: 1 / 27.

91

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ بَنِي بَكْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ كَانُوا فِي الصُّلْحِ وَالْهُدْنَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُمْ خُزَاعَةُ. وَقَوْلُهُ: {أَوْ جَاءُوكُمْ} أَيْ: يَتَّصِلُونَ بِقَوْمٍ جَاءُوكُمْ، {حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أَيْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَيَعْقُوبُ "حَصِرَةً ") مَنْصُوبَةً مُنَوَّنَةً أَيْ: ضَيِّقَةً صُدُورُهُمْ، [يَعْنِي الْقَوْمَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ وَهُمْ بَنُو مُدْلَجٍ، كَانُوا عَاهَدُوا أَنْ لَا يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ وَعَاهَدُوا قُرَيْشًا أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُمْ، حَصِرَتْ: ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ] (1) ، {أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ} أَيْ: عَنْ قِتَالِكُمْ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكُمْ، {أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} يَعْنِي: مَنْ أَمِنَ مِنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وَلَا يُقَاتِلُونَ قَوْمَهُمْ مَعَكُمْ، يَعْنِي قُرَيْشًا قَدْ ضَاقَتْ صُدُورُهُمْ لِذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، أَيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَالْقِتَالِ مَعَكُمْ، وَهُمْ قَوْمُ هِلَالٍ الأَسْلَمِيُّونَ وَبَنُو بَكْرٍ، نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ قِتَالٍ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدِّينَ إِذَا اتَّصَلُوا بِأَهْلِ عَهْدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ مَنِ انْضَمَّ إِلَى قَوْمٍ ذَوِي عَهْدٍ فَلَهُ حُكْمُهُمْ فِي حَقْنِ الدَّمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} يَذْكُرُ مِنَّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الْمُعَاهِدِينَ، يَقُولُ: إِنَّ ضَيِّقَ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتَالِكُمْ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ وَكَفَّهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} أَيْ: اعْتَزَلُوا قِتَالَكُمْ، {فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} وَمَنِ اتَّصَلَ بِهِمْ، وَيُقَالُ: يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يُقَاتِلُوكُمْ مَعَ قَوْمِهِمْ، {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} أَيْ: الصُّلْحَ فَانْقَادُوا وَاسْتَسْلَمُوا {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} أَيْ: طَرِيقًا بِالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ. {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُمْ أَسَدٌ وغَطْفَانُ كَانُوا حَاضِرِي الْمَدِينَةِ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ رِيَاءً وَهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ بِمَاذَا أَسْلَمَتْ؟ فَيَقُولُ آمَنَتْ بِهَذَا الْقِرْدِ وَبِهَذَا الْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ، وَإِذَا لَقُوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 92/ب قَالُوا: إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْأَمْنَ فِي الْفَرِيقَيْنِ.

_ (1) ساقط من: (أ) .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، {يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ} فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، {وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} فَلَا يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، {كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} أَيْ: دُعُوا إِلَى الشِّرْكِ، {أُرْكِسُوا فِيهَا} أَيْ: رَجَعُوا وَعَادُوا إِلَى الشِّرْكِ، {فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ} أَيْ: فَإِنْ لَمْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى تَسِيرُوا إِلَى مَكَّةَ، {وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} أَيْ: الْمُفَادَاةَ وَالصُّلْحَ، {وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ} وَلَمْ يَقْبِضُوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ، {فَخُذُوهُمْ} أُسَرَاءَ، {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} أَيْ: وَجَدْتُمُوهُمْ، {وَأُولَئِكُمْ} أَيْ: أَهَّلُ هَذِهِ الصِّفَةِ، {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أَيْ: [حُجَّةً بَيِّنَةً ظَاهِرَةً بِالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ] (1) .

_ (1) ساقط من: (أ) .

92

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا} الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَيَّاشِ (بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ) (1) الْمَخْزُومِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَأَسْلَمَ ثُمَّ خَافَ أَنْ يُظْهِرَ إِسْلَامَهُ لِأَهْلِهِ فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَتَحَصَّنَ فِي أُطُمٍ مِنْ آطَامِهَا، فَجَزِعَتْ أُمُّهُ لِذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا وَقَالَتْ لِابْنَيْهَا الْحَارِثِ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهُمَا أَخَوَاهُ لِأُمِّهِ: وَاللَّهِ لَا يُظِلُّنِي سَقْفٌ وَلَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ، فَخَرَجَا فِي طَلَبِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا الْحَارِثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي أَنِيسَةَ حَتَّى أَتَوْا الْمَدِينَةَ، فَأَتَوْا عَيَّاشًا وَهُوَ فِي الْأُطُمِ، قَالَا لَهُ: انْزِلْ فَإِنَّ أمك لم يؤوها سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ حَلَفَتْ أَلَّا تَأْكُلَ طَعَامًا وَلَا تَشْرَبَ شَرَابًا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيْهَا (وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ) (2) عَلَيْنَا أَنْ لَا نُكْرِهَكَ عَلَى شَيْءٍ وَلَا نَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ دِينِكَ، فَلَمَّا ذَكَرُوا لَهُ جَزَعَ أَمِّهِ وَأَوْثَقُوا لَهُ بِاللَّهِ نَزَلَ إِلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَوْثَقُوهُ بِنِسْعَةٍ، فَجَلَدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةَ جَلْدَةٍ، ثُمَّ قَدَمُوا بِهِ عَلَى أُمِّهِ فَلَمَّا أَتَاهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّكَ (3) مِنْ وِثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِالَّذِي آمَنْتَ بِهِ، ثُمَّ تَرَكُوهُ مُوَثَّقًا مَطْرُوحًا فِي الشَّمْسِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَعْطَاهُمُ الَّذِي أَرَادُوا فَأَتَاهُ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا عَيَّاشُ أَهَذَا الَّذِي

_ (1) في أ: (بن ربيعة) . (2) في أ: (ولك والله) . (3) في ب: (لا أخليك) .

كُنْتَ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هُدًى لَقَدْ تَرَكْتَ الْهُدَى، وَلَئِنْ كَانَتْ ضَلَالَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْهَا، فَغَضِبَ عَيَّاشٌ مِنْ مَقَالَتِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلْقَاكَ خَالِيًا أَبَدًا إِلَّا قَتَلْتُكَ، ثُمَّ إِنَّ عَيَّاشًا أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَاجَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ بَعْدَهُ وَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ عَيَّاشٌ حَاضِرًا يَوْمئِذٍ وَلَمْ يَشْعُرْ بِإِسْلَامِهِ، فَبَيْنَا عَيَّاشٌ يَسِيرُ بِظَهْرِ قُبَاءَ إِذْ لَقِيَ الْحَارِثَ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: وَيَحُكُّ أَيَّ شَيْءٍ صَنَعَتْ؟ إِنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ، فَرَجَعَ عَيَّاشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ الْحَارِثِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَإِنِّي لَمْ أَشْعُرْ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَنَزَلَ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} (1) . وَهَذَا نَهْيٌ عَنْ قَتْلِ الْمُؤْمِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ" (الْأَحْزَابِ -53) . {إِلَّا خَطَأً} اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ: لَكِنْ إِنْ وَقَعَ خَطَأٌ، {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أَيْ: فَعَلَيْهِ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ كَفَّارَةٌ، {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ} كَامِلَةٌ، {إِلَى أَهْلِهِ} أَيْ: إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ الَّذِي يَرِثُونَهُ، {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} أَيْ: يَتَصَدَّقُوا بِالدِّيَةِ فَيَعْفُوا وَيَتْرُكُوا الدِّيَةَ، {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ مُنْفَرِدًا مَعَ الْكُفَّارِ فَقَتَلَهُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ فَلَا دِيَةَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ نَسَبِ قَوْمٍ كُفَّارٍ، وَقَرَابَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَرْبٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا دِيَةَ لِأَهْلِهِ، وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ مِنْ قَوْمٍ كُفَّارِ حَرْبٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَانَ فِيهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دِيَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمِهِ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} أَرَادَ بِهِ إِذَا كَانَ الْمَقْتُولُ كَافِرًا ذِمِّيًّا أَوْ مُعَاهِدًا فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَالْكَفَّارَةُ تَكُونُ بِإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهِدًا، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وَالْقَاتِلُ إِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلرَّقَبَةِ أَوْ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِهَا بِوُجُودِ ثَمَنِهَا فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَحَاجَتِهِ مِنْ مَسْكَنٍ وَنَحْوِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى الصَّوْمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِهَا فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ أَفَطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ وَنَوَى صَوْمًا آخَرَ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ. وَإِنَّ أَفْطَرَ يَوْمًا بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَهَلْ يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ؟ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَنْقَطِعُ وَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الشَّهْرَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ مُخْتَارًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَنْقَطِعُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ.

_ (1) ذكر القصة الطبري: 9 / 33 - 34، والواحدي عن الكلبي في أسباب النزول ص (162) ، وعزاه السيوطي لابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، الدر المنثور: 2 / 615 - 616. وانظر: ابن كثير: 1 / 535.

وَلَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي خِلَالِ الشَّهْرَيْنِ أَفْطَرَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ، فَإِذَا طَهُرَتْ بَنَتْ عَلَى مَا صَامَتْ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَكْتُوبٌ عَلَى النِّسَاءِ لَا يُمْكِنُهُنَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْهُ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَخْرُجُ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالثَّانِي: لَا يَخْرُجُ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَدَلًا فَقَالَ: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} أَيْ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَوْبَةً لِقَاتِلِ الْخَطَإِ {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} بِمَنْ قَتَلَ خَطَأً {حَكِيمًا} فِيمَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ. أَمَّا الْكَلَامُ فِي بَيَانِ الدِّيَةِ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ، وَخَطَأٌ مَحْضٌ. أَمَّا الْعَمْدُ الْمَحْضُ فَهُوَ: أَنْ يَقْصِدَ قَتْلَ إِنْسَانٍ بِمَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الْقَصَّاصُ عِنْدَ وُجُودِ التَّكَافُؤِ، أَوْ دِيَةٌ مُغْلِظَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةٌ. وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَمُوتُ مِثْلُهُ مِنْ مَثَلٍ ذَلِكَ الضَّرْبِ غَالِبًا، بِأَنْ ضَرَبَهُ بِعَصًا خَفِيفَةٍ، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ ضَرْبَةً أَوْ ضَرْبَتَيْنِ، فَمَاتَ فَلَا قَصَاصَ فِيهِ، بَلْ يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ. وَالْخَطَأُ الْمَحْضُ هُوَ: أَنْ لَا يَقْصِدُ ضَرْبَهُ بَلْ قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ فَأَصَابَهُ فَمَاتَ مِنْهُ فَلَا قَصَاصَ فِيهِ، بَلْ تَجِبُ دِيَةٌ مُخَفِّفَةٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ. وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ فِي الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَتْلُ الْعُمَدِ لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ. وَدِيَةٌ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فَإِذَا عُدِمَتِ الْإِبِلُ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ يَجِبُ بَدَلٌ مُقَدَّرٌ مِنْهَا وَهُوَ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَرَضَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرَقِ اثَّنَى عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ" (1) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الدِّيَةِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وأصحاب الرأي.

_ (1) انظر: سنن البيهقي: 8 / 76. مصنف عبد الرزاق: 9 / 296.

93/أوَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَدِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، إِنْ كَانَ كِتَابِيًّا، وَإِنْ كَانَ مَجُوسِيًّا فَخُمُسُ الدِّيَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةٍ (1) ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهِدِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ قَوْمٌ: دِيَةُ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَالدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ بِالسِّنِّ فَيَجِبُ ثَلَاثُونَ حُقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً (2) فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا إِنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا" (3) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الدِّيَةَ الْمُغَلَّظَةَ أَرْبَاعٌ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لِبَوْنٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حُقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَأَمَّا دِيَةُ الْخَطَإِ فَمُخَفَّفَةٌ، وَهِيَ أَخْمَاسٌ بِالِاتِّفَاقِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لِبَوْنٍ، وَعِشْرُونَ حُقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ بِبَنَاتِ الْمَخَاضِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وِدِيَةُ الْأَطْرَافِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَالدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَإِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَهُمْ عَصَبَاتُ الْقَاتِلِ مِنَ الذُّكُورِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْجَانِي مِنْهَا شَيْءٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.

_ (1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 107 (ترتيب المسند) ، الطبري في التفسير: 9 / 54، وانظر: شرح السنة: 10 / 205. (2) الخلفة - بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام - الحامل من النوق، وتجمع على خلفات، وخلائف. انظر النهاية لابن الأثير: 2 / 68. (3) أخرجه أبو داود في الديات، باب كم الدية؟ عن ابن عمرو: 6 / 354، والنسائي في القسامة، باب كم دية شبه العمد؟ عن عبد الله بن عمرو: 8 / 40، وابن ماجه في الديات، باب دية شبه العمد مغلظة، برقم (2628) : 2 / 878، والدارقطني في الحدود: 3 / 105 والشافعي: 2 / 108 من ترتيب المسند، وأحمد: 2 / 11 عن ابن عمر، وفي مواضع أخرى. وصححه ابن حبان وقال ابن القطان: هو صحيح، ولا يضره الاختلاف. انظر: تلخيص الحبير: 4 / 15، نصب الراية: 4 / 331 - 333. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 186.

93

{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ الْكِنَانِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ، فوجد أخاه هشام قَتِيلًا فِي بَنِي النَّجَّارِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ إِنْ عَلَّمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ أَنْ تَدْفَعُوهُ إِلَى مِقْيَسِ فَيَقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنْ تَدْفَعُوا إِلَيْهِ دِيَتَهُ، فَأَبْلَغَهُمُ الْفِهْرِيُّ ذَلِكَ فَقَالُوا: سَمْعًا وَطَاعَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ، فَأَعْطَوْهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ انْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَأَتَى الشَّيْطَانُ مِقْيَسًا فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَقْبَلُ دِيَةَ أَخِيكَ فَتَكُونُ عَلَيْكَ مَسَبَّةٌ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَتَكُونَ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلُ الدِّيَةِ؛ فَتَغَفَّلَ الْفِهْرِيَّ فَرَمَاهُ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ كَافِرًا فَنَزَلَ فِيهِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} (1) {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} بِكَفْرِهِ وَارْتِدَادِهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، عَمَّنْ أَمَّنَهُ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} أَيْ: طَرَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ، {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ. فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا لَا تَوْبَةَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: "وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ" إِلَى أَنْ قَالَ "وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ" (الْفُرْقَانِ 67 -70) ، فَقَالَ: كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَزَنَوْا فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُوا إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةٌ، فَنَزَلَتْ "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ" إِلَى قَوْلِهِ "إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ" (2) فَهَذِهِ لِأُولَئِكَ. وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ فَالرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الْإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ.

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 9 / 61 - 62، وانظر: الدر المنثور: 2 / 623، أسباب النزول للواحدي ص (163 - 164) . (2) أخرجه البخاري: في التفسير - باب: (يا عبادي الذين أسرفوا. . .) 8 / 549. ومسلم: في الإيمان - باب: كون الإسلام يهدم ما قبله برقم (122) 1 / 113.

وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لَمَّا نَزَلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ"، عَجِبْنَا مِنْ لِينِهَا فَلَبِثْنَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتِ الْغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنَسَخَتِ اللَّيِّنَةُ، وَأَرَادَ بِالْغَلِيظَةِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَبِاللَّيِّنَةِ آيَةَ الْفَرْقَانِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: تِلْكَ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ قَاتِلَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا تَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا" (طَه -82) وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" (النِّسَاءِ -48) وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَهُوَ تَشْدِيدٌ وَمُبَالَغَةٌ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَمْ يَقْتُلْ يُقَالُ لَهُ: لَا تَوْبَةَ لَك، وَإِنْ قَتَلَ ثُمَّ جَاءَ يُقَالُ: لَكَ تَوْبَةٌ. وَيُرْوَى مَثَلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مُتَعَلَّقٌ لِمَنْ يَقُولُ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَاتِلٍ وَهُوَ كَافِرٌ، وَهُوَ مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَعِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ بِسَبَبِ إِيمَانِهِ، وَمَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَهْلِ الْإِيمَانِ لِإِيمَانِهِمْ كَانَ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} مَعْنَاهُ: هِيَ جَزَاؤُهُ إِنْ جَازَاهُ، وَلَكِنَّهُ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ بِكَرَمِهِ، فَإِنَّهُ وَعَدَ أَنْ يَغْفِرَ لِمَنْ يَشَاءُ. حُكِيَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ جَاءَ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ فَقَالَ لَهُ: هَلْ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مِنَ الْعُجْمَةِ أَتَيْتَ يَا أَبَا عُثْمَانَ! إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ الْإِخْلَافَ فِي الْوَعِيدِ خَلَفًا وَذَمًّا، وَإِنَّمَا تَعُدُ إِخْلَافَ الْوَعْدِ خَلَفًا وَذَمًّا، وَأَنْشَدَ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادَيِ وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الشِّرْكِ لَا يُوجِبُ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ مَا رَوَيْنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ، عُبَادَةَ بْنَ

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (93) : 1 / 94، عن جابر، وأخرجه البخاري عن عبد الله ابن مسعود قال "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة". البخاري في الجنائز: 3 / 110، والمصنف في شرح السنة: 1 / 96.

94

الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -وكان شهد يوم بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ -وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بينَ أيديكُم 93/ب وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ"، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (1) . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ فَدَكَ وَكَانَ مُسْلِمًا لَمْ يُسْلِمْ مِنْ قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَسَمِعُوا بِسَرِيَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُرِيدُهُمْ، وَكَانَ عَلَى السَّرِيَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ غَالِبُ بْنُ فُضَالَةَ اللَّيْثِيُّ، فَهَرَبُوا وَأَقَامَ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْخَيْلَ خَافَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْجَأَ غَنَمَهُ إِلَى عَاقُولٍ مِنَ الْجَبَلِ، وَصَعَدَ هُوَ إِلَى الْجَبَلِ فَلَمَّا تَلَاحَقَتِ الْخَيْلُ سَمِعَهُمْ يُكَبِّرُونَ، فَلَمَّا سَمِعَ التَّكْبِيرَ عَرَفَ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَرٍّ وَنَزَلَ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَتَغَشَّاهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَتَلَهُ وَاسْتَاقَ غَنَمَهُ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، وَكَانَ قَدْ سَبَقَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْخَبَرُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قَتَلْتُمُوهُ إِرَادَةَ مَا مَعَهُ"؟ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ فَكَيْفَ بَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ أُسَامَةُ: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعِيدُهَا حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمئِذٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَغْفَرَ لِي بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَقَالَ: "اعْتِقْ رَقَبَةً" (2) . وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَ خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: "أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا خَوْفًا أَمْ لَا" (3) ؟ وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، قَالُوا: مَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا لِيَتَعَوَّذَ مِنْكُمْ فَقَامُوا فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا غَنَمَهُ فَأَتَوْا

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار: 1 / 64، وفي مواضع أخرى. ومسلم في الحدود، باب الحدود كفارة لأهلها برقم (1709) : 3 / 1333. والمصنف في شرح السنة: 1 / 60 - 61. (2) عزاه ابن حجر للثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (48) ، وأخرجه الطبري من رواية أسباط عن السدي بتغيير بسيط تفسير الطبري: 9 / 78 - 79. وانظر الدر المنثور: 2 / 632 - 633، فتح الباري 8 / 258. (3) أخرجه البخاري في الديات، باب ومن أحياها: 12 / 191، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان- باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم (96) 1 / 96. والمصنف في شرح السنة: 10 / 241 - 242.

بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (1) . . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} يَعْنِي إِذَا سَافَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي: الْجِهَادَ. {فَتَبَيَّنُوا} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ هَاهُنَا فِي مَوْضِعَيْنِ وَفِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ بِالتَّاءِ وَالثَّاءِ مِنَ التَّثْبِيتِ، أَيْ: قِفُوا حَتَّى تَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ مِنَ التَّبَيُّنِ، يُقَالُ: تَبَيَّنْتُ الْأَمْرَ إِذَا تَأَمَّلْتُهُ، {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} هَكَذَا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَامِرٍ وَحَمْزَةَ، أَيْ: الْمُقَادَةَ، وَهُوَ قَوْلُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ السَّلَامَ، وَهُوَ السَّلَامُ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: السَّلَمُ وَالسَّلَامُ وَاحِدٌ، أَيْ: لَا تَقُولُوا لِمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكُمْ لَسْتَ مُؤْمِنًا، {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يَعْنِي: تَطْلُبُونَ الْغُنْمَ وَالْغَنِيمَةَ، و"عَرْضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" مَنَافِعَهَا وَمَتَاعَهَا، {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ} أَيْ غَنَائِمُ، {كَثِيرَةٌ} وَقِيلَ: ثَوَابٌ كَثِيرٌ لِمَنِ اتَّقَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ، {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ إِيمَانَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: كُنْتُمْ ضُلَّالًا مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِدَايَةِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تَأْمَنُونَ فِي قَوْمِكُمْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَلَا تُخِيفُوا مَنْ قَالَهَا فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِالْهِجْرَةِ، فَتَبَيَّنُوا أَنْ تَقْتُلُوا مُؤْمِنًا. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} قُلْتُ: إِذَا رَأَى الْغُزَاةُ فِي بَلَدٍ أَوْ قَرْيَةٍ شِعَارَ الْإِسْلَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا قَوْمًا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ، عَنِ ابْنِ عِصَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء: 8 / 286 وقال: هذا حديث حسن، وأبو داود في الحروف: 6 / 4، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 235، ووافقه الذهبي، وابن جرير في التفسير: 9 / 76، وابن أبي عاصم في الديات ص (36) ، والإمام أحمد في المسند: 1 / 229، وانظر البخاري مع الفتح 8 / 258، وابن كثير: 1 / 539.

كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا" (1) .

_ (1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: 3 / 432، وعزاه المنذري للنسائي، والترمذي في السير، باب حدثنا محمد بن يحيى: 5 / 155، وقال: هذا حديث حسن غريب، والشافعي: 2 / 116 (من ترتيب المسند) ، وأخرجه الطبراني في الكبير مطولا. . . انظر: الإصابة لابن حجر: 4 / 500 - 501، وسعيد بن منصور في السنن: 2 / 149 - 150، والمصنف في شرح السنة: 11 / 60.

95

{لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} الْآيَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جنبه، فأخبرنا أنا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْلَى عَلَيْهِ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قَالَ: فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمْلِيهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} (1) . فَهَذِهِ الْآيَةُ فِي الْجِهَادِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} عَنِ الْجِهَادِ {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ بِنَصْبِ الرَّاءِ، أَيْ: إِلَّا أُولِي الضَّرَرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى نَعْتِ " الْقَاعِدِينَ " يُرِيدُ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذِينَ هُمْ غَيْرُ أَولِي الضَّرَرِ، أَيْ: غَيْرُ أُولِي الزَّمَانَةِ وَالضَّعْفِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَصَرِ، {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَإِنَّهُمْ يُسَاوُونَ الْمُجَاهِدِينَ، لِأَنَّ الْعُذْرَ أَقْعَدَهُمْ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ: "إِنَّ فِي الْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مِنْ مَسِيرٍ وَلَا قَطَعْتُمْ مِنْ وَادٍ إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فِيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ" (2)

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب " لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله" 8 / 259، ومسلم في الإمارة، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين برقم (1898) : 3 / 158. (2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من حبسه العذر عن الغزو: 6 / 47، وفي المغازي 8 / 126، ومسلم في الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر أخر، برقم (1911) 3 / 1518، والمصنف في شرح السنة: 10 / 376.

96

وَرَوَى الْقَاسِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً} أَيْ: فَضِيلَةً، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْقَاعِدِينَ هَاهُنَا أُولِي الضَّرَرِ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَيْهِمْ دَرَجَةً لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ بَاشَرَ الْجِهَادَ مَعَ النِّيَّةِ وَأُولُو الضَّرَرِ كَانَتْ لَهُمْ نِيَّةٌ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا، فَنَزَلُوا عَنْهُمْ بِدَرَجَةٍ، {وَكُلًّا} يَعْنِي الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ {وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} يَعْنِي: الْجَنَّةَ بِإِيمَانِهِمْ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ الْمَعْذُورَ، {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} يعني: 94/أعَلَى الْقَاعِدِينَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) } {دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} قَالَ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَةً مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ عَدْوُ الْفَرَسِ الْجَوَادِ الْمُضَمَّرِ سَبْعِينَ خَرِيفًا. وَقِيلَ: الدَّرَجَاتُ هِيَ الْإِسْلَامُ وَالْجِهَادُ وَالْهِجْرَةُ وَالشَّهَادَةُ فَازَ بِهَا الْمُجَاهِدُونَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الجُورَبَذِيُّ، أَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنَا ابْنُ وَهَبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجَبَلِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ" قَالَ فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، قَالَ: "وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (1) . أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الشَّاهِ، أَنَا أَبِي، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمُطَرَّزُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ، أَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا"، قَالُوا: أَفَلَا نُنْذِرُ النَّاسَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، مَا بَيْنَ كُلٍّ مِنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: 6 / 6، ومسلم في الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهدين في الجنة من الدرجات، برقم (1884) : 3 / 1501، والمصنف في شرح السنة: 10 / 347.

97

فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ" (1) . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي الْجُمْلَةِ فَرْضٌ، غَيْرَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ. فَفَرْضُ الْعَيْنِ: أَنْ يَدْخُلَ الْكُفَّارُ دَارَ قَوْمٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مِنَ الرِّجَالِ، مِمَّنْ لَا عُذْرَ لَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِمْ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا، دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَنْ جِيرَانِهِمْ. وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْكِفَايَةُ بِمَنْ نَزَلَ بِهِمْ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ، وَإِنْ وَقَعَتِ الْكِفَايَةُ بِالنَّازِلِينَ بِهِمْ فَلَا فَرْضَ عَلَى الأَبْعَدِينَ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِيَارِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْعَبِيدُ وَالْفُقَرَاءُ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ قَارِّينَ فِي بِلَادِهِمْ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ لَا يُخَلِّي سَنَةً عَنْ غَزْوَةٍ يَغْزُوهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَرَايَاهُ حَتَّى لَا يَكُونَ الْجِهَادُ مُعَطَّلًا وَالِاخْتِيَارُ لِلْمُطِيقِ الْجِهَادِ مَعَ وُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِغَيْرِهِ: أَنْ لَا يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ، وَلَكِنْ لَا يُفْتَرَضُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَ الْمُجَاهِدَ وَالْقَاعِدَ الثَّوَابَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وَلَوْ كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكَافَّةِ لَاسْتَحَقَّ الْقَاعِدُ الْعِقَابَ لَا الثَّوَابَ. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُهَاجِرُوا، مِنْهُمْ: قَيْسُ بْنُ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَقَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَشْبَاهُهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى بَدْرٍ خَرَجُوا مَعَهُمْ فَقُتِلُوا مَعَ الْكُفَّارِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ} أَرَادَ بِهِ مَلَكَ الْمَوْتِ وَأَعْوَانَهُ، أَوْ أَرَادَ مَلَكَ الْمَوْتِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: "قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ" (السَّجْدَةِ -11) ، وَالْعَرَبُ قَدْ تُخَاطِبُ الْوَاحِدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} بِالشِّرْكِ، وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ: فِي حَالِ ظُلْمِهِمْ، قِيلَ: أَيْ بِالْمُقَامِ فِي دَارِ الشِّرْكِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلِ الْإِسْلَامَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ" (2) ، وَهَؤُلَاءِ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ وَضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، وَقَالُوا لَهُمْ: فِيمَ كُنْتُمْ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} أَيْ: فِي مَاذَا كُنْتُمْ؟ أَوْ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُمْ؟ أَفِي الْمُسْلِمِينَ؟

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله: 6 / 11، وفي التوحيد، والمصنف في شرح السنة: 10 / 346. (2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب وجوب النفير: 6 / 37، وفي الحج، ومسلم في الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة برقم (1353) : 3 / 1487، وفي الحج، والمصنف في شرح السنة: 10 / 370 عن ابن عباس.

98

أَمْ فِي الْمُشْرِكِينَ؟ سُؤَالُ تَوْبِيخٍ وَتَعْيِيرٍ فَاعْتَذَرُوا بِالضَّعْفِ عَنْ مُقَاوَمَةِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَ {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} عَاجِزِينَ، {فِي الْأَرْضِ} يَعْنِي أَرْضَ مَكَّةَ، {قَالُوا} يَعْنِي: الْمَلَائِكَةُ {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} يَعْنِي: إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَخْرُجُوا مِنْ مَكَّةَ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الشِّرْكِ؟ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَعْلَمَنَا بِكَذِبِهِمْ، وَقَالَ: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ} مَنْزِلَهُمْ {جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أَيْ: بِئْسَ الْمَصِيرُ إِلَى جَهَنَّمَ. {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) } ثُمَّ اسْتَثْنَى أَهْلَ الْعُذْرِ مِنْهُمْ، فَقَالَ: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} لَا يَقْدِرُونَ عَلَى حِيلَةٍ وَلَا عَلَى نَفَقَةٍ وَلَا قُوَّةٍ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا، {وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} أَيْ: لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إِلَى الْخُرُوجِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَعْرِفُونَ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ. {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} يَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ، وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، لِأَنَّهُ لِلْإِطْمَاعِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَطْمَعَ عَبْدًا وَصَلَهُ إِلَيْهِ، {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ، يَعْنِي الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي الصَّلَاةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُعَاذُ بْنُ فُضَالَةَ، أَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدُ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ " (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير سورة آل عمران، باب ليس لك من الأمر شيء: 8 / 226، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم (675) : 1 / 446 - 467. والمصنف في شرح السنة: 3 / 121 بلفظ: أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال: إذا سمع الله لمن حمده. . . ".

101

طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: {مُرَاغَمًا} أَيْ: مُتَحَوَّلًا يَتَحَوَّلُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمَّا يَكْرَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُرَاغَمُ: يُقَالُ: رَاغَمْتُ قَوْمِي وَهَاجَرْتُهُمْ، وَهُوَ الْمُضْطَرَبُ وَالْمَذْهَبُ. رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدَعُ بْنُ ضَمْرَةَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، أَخْرِجُونِي، فَخَرَجُوا بِهِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى سَرِيرٍ حَتَّى أَتَوْا بِهِ التَّنْعِيمَ فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَصَفَقَ يَمِينَهُ عَلَى شَمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وَهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبَايِعُكَ عَلَى مَا بَايَعَكَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، فَمَاتَ فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: لَوْ وَافَى الْمَدِينَةَ لَكَانَ أَتَمَّ وَأَوْفَى أَجْرًا، وَضَحِكَ المشركون وقالوا: 94/ب مَا أَدْرَكَ هَذَا مَا طَلَبَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} (1) . أَيْ: قَبْلَ بُلُوغِهِ إِلَى مُهَاجِرِهِ، {فَقَدْ وَقَعَ} أَيْ: وَجَبَ {أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} بِإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَضْلًا مِنْهُ، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ} أَيْ: سَافَرْتُمْ، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أَيْ: حَرَجٌ وَإِثْمٌ {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} يَعْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعَشَاءِ {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ} أَيْ: يَغْتَالَكُمْ وَيَقْتُلَكُمْ {الَّذِينَ كَفَرُوا} فِي الصَّلَاةِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ" (يُونُسَ -83) أَيْ: يَقْتُلَهُمْ. {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} أَيْ: ظَاهِرَ الْعَدَاوَةِ. اعْلَمْ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْإِتْمَامِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَتَادَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ" (2) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِ الْإِتْمَامِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِنْ شَاءَ أَتَمَّ وَإِنْ شَاءَ قَصَرَ، وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ.

_ (1) قال الهيثمي: أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات، مجمع الزوائد 7 / 10، والواحدي في أسباب النزول ص (208) ، كلاهما عن ابن عباس انظر الدر المنثور 2 / 651، الطبري: 9 / 114 وما بعدها، أسد الغابة لابن الأثير 1 / 359 - 360. (2) أخرجه البخاري في التقصير، باب يقصر إذا خرج من موضعه: 2 / 569، ومسلم في المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (685) : 1 / 478.

[أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ" (1) . وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، لِأَنَّهُ قَالَ: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} وَلَفْظُ لَا جُنَاحَ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الرُّخَصِ لَا فِيمَا يَكُونُ حَتْمًا، فَظَاهِرُ الْآيَةِ [يُوجِبُ أَنَّ الْقَصْرَ] (2) لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ الْخَوْفِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، إِنَّمَا نَزَلَتِ الْآيَةُ عَلَى غَالِبِ أَسْفَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكْثَرُهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ خَوْفِ الْعَدُوِّ. وَالْقَصْرُ جَائِزٌ فِي السَّفَرِ فِي حَالِ الْأَمْنِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رُوَّادٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَاهُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ آمِنًا لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (4) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ رَكْعَتَيِ الْمُسَافِرِ لَيْسَتَا بِقَصْرٍ إِنَّمَا الْقَصْرُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً فِي الْخَوْفِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قول عطاء وطاووس وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ، وَجَعَلُوا شَرْطَ الْخَوْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ: بَاقِيًا وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَجُوزُ خَائِفًا كَانَ أَوْ آمِنًا. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، رُوِيَ

_ (1) أخرجه الشافعي: 1 / 182 (ترتيب المسند) ، والدارقطني: 2 / 189، من طريق طلحة وقال: طلحة ضعيف. وأخرجه من طريق أخر وقال: وهذا إسناد صحيح، والمصنف في شرح السنة: 4 / 166. (2) ساقط من: (أ) . (3) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين، برقم (686) : 1 / 478، والمصنف في شرح السنة: 4 / 168. (4) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر: 3 / 109، وقال: هذا حديث صحيح، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر: 3 / 117، والشافعي: 1 / 180، وأحمد: 1 / 215، والمصنف في شرح السنة: 4 / 170. وقال: ابن حجر: صححه النسائي.

ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: اقْصُرْ بِعَرَفَةَ، أَمَّا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ فَلَا يُجَوِّزُونَ الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ. وَاخْتَلَفَ فِي حَدِّ مَا يَجُوزُ بِهِ الْقَصْرُ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَسِيرَةَ يَوْمٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ، وَهِيَ سِتَّةُ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَقَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَا مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: مَسِيرَةَ لَيْلَتَيْنِ قَاصِدَتَيْنِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا بِالْهَاشِمِيِّ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: قَوْلُهُ {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} مُتَّصِلٌ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ مُنْفَصِلٌ عَمَّا قَبِلَهُ، رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} هَذَا الْقَدْرُ، ثُمَّ بَعُدَ حَوْلٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَنَزَلَ: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} (1) الْآيَةَ. وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ أَنْ يَجِيءَ الْخَبَرُ بِتَمَامِهِ ثُمَّ يُنَسَّقُ عَلَيْهِ خَبَرٌ آخَرُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ كَالْمُتَّصِلِ بِهِ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: " الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ" (يُوسُفَ -51) ، وَهَذِهِ حِكَايَةٌ عَنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَقَوْلُهُ: "ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ" (يُوسُفَ -52) إِخْبَارٌ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

_ (1) أخرجه الطبري: 9 / 126، وقال ابن كثير في التفسير، بعد أن عزاه للطبري: هذا سياق غريب جدا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت / تفسير ابن كثير: 1 / 549.

102

{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1)

_ (1) أخرجه بمعناه الحاكم في المستدرك: 3 / 30 وصححه على شرط البخاري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 664 للبزار، والواحدي في أسباب النزول ص 172، والطبري: 9 / 157، وقال الشيخ شاكر: وفيه النضر أبو عمر، هو نضر بن عبد الرحمن الخزار، وهو ضعيف الحديث، سئل عنه أبو نعيم فقال: لا يسوى هذا - ورفع شيئا من الأرض - كان يجيء فيجلس عند الحماني، وكل شيء يسأل عنه، يقول: عكرمة عن ابن عباس.

وَجَابِرٍ (1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ قَامُوا إِلَى الظُّهْرِ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً نَدِمُوا أَنْ لَوْ كَانُوا كَبُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: دَعَوْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ بَعْدَهَا صَلَاةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَإِذَا قَامُوا فِيهَا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} فَعَلَّمَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ. وَجُمْلَتُهُ: أَنَّ الْعَدُوَّ إِذَا كَانُوا فِي مُعَسْكَرِهِمْ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فَيَجْعَلُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ فِرْقَتَيْنِ فَتَقِفُ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ تَحْرُسُهُمْ، وَيَشْرَعُ الْإِمَامُ مَعَ طَائِفَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً قَامَ وَثَبَّتَ قَائِمًا حَتَّى أَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ، ذَهَبُوا إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ أَتَتِ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةِ فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ، وَثَبَتَ جَالِسًا حَتَّى أَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بِهِمْ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى كَذَلِكَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. أَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خُوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَصَفَّتْ طَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ ثُمَّ ثَبَتَ جالسًا وأتموا لأنفسم ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ (2) . قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (3) . وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خُوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا (4) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَامَ إِلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَذْهَبُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَيُسَلِّمُ وَهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ بَلْ يَذْهَبُونَ إِلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ، وَتَعُودُ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَعُودُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ

_ (1) بهذا المعنى مطولا عند مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (840) : 1 / 575. (2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 422، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (841) : 1 / 575. وانظر: شرح السنة: 4 / 280. (3) انظر: الموطأ: 1 / 185، وقد أخرج مالك الحديث في صلاة الخوف من الموطأ: 1 / 183. (4) الحديث السابق نفسه، وهو في شرح السنة: 4 / 279.

اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى كَذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الضَّبِّيُّ، أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجِرَاحِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيُّ، أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجَهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا فِي مَقَامِ أُولَئِكَ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلُّوا رَكْعَتَهُمْ (1) . وَكِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحَةٌ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَأَبْلَغُ فِي حِرَاسَةِ الْعَدُوِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} أَيْ: إِذَا صَلُّوا، ثُمَّ قَالَ: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى قد صلوا، 95/أوَقَالَ: {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يُصَلُّوا تَمَامَ الصَّلَاةِ، فَظَاهِرُهُ يَدُلُّ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُفَارِقُ الْإِمَامَ بَعْدَ تَمَامِ الصَّلَاةِ، وَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَكْثُرُ فِيهَا الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ وَالْمَجِيءُ وَالِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُونُوا فِي الصَّلَاةِ كَانَ أَمْكَنَ لِلْحَرْبِ وَالْهَرَبِ إِنِ احْتَاجُوا إِلَيْهِ. وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ جَازَ. أَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، قال أنا الضعاني، أَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا أَبَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ وَكُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرَطَهُ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ، قَالَ فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، قَالَ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ: قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْخَطِيبِ، أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ، أَنَا الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ ابْنُ عُلَيَّةَ أَوْ غَيْرُهُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 422، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (839) : 1 / 574. والمصنف في شرح السنة: 4 / 276. (2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 426، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (843) : 1 / 576. والمصنف في شرح السنة: 4 / 287 - 288.

كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ (1) . وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّهُ صَلَّى بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا" (2) وَرَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَقَالَ: "كَانَتْ لِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ" (3) . وَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَقَالُوا: الْفَرْضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ فِي نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ فِي مُسْتَوَى إِنْ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ رَأَوْهُمْ صَلَّى الْإِمَامُ بِهِمْ جَمِيعًا وَحَرَسُوا فِي السُّجُودِ، كَمَا أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْإِسْفَرَايِنِيُّ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ الْحَافِظُ، أَنَا عَمَّارٌ، أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ لِلسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيه، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ نَحْرَ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ [ثُمَّ قَامُوا ثُمَّ] (4) تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعَنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سُلِّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلَاءِ بِأُمَرَائِهِمْ (5) . وَاعْلَمْ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَائِزَةٌ بَعْدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُحْكَى عَنْ بَعْضِهِمْ عَدَمَ الْجَوَازِ وَلَا وَجْهَ لَهُ.

_ (1) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 176 - 177، والنسائي في صلاة الخوف: 3 / 178، والدارقطني في الصلاة، باب صلاة الخوف: 2 / 61، وفيه عنعنة الحسن البصري. (2) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف، باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون: 2 / 70، والنسائي في أول كتاب صلاة الخوف: 3 / 168، والطحاوي: 1 / 183، وابن جرير برقم: (10331) 9 / 135، وصححه الحاكم: 1 / 335 ووافقه الذهبي، والإمام أحمد في المسند: 5 / 385، 399، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن حبان - انظر الدر المنثور 2 / 661، وشرح السنة: 4 / 284. (3) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة: 2 / 71، والنسائي في صلاة الخوف: 3 / 168. وانظر شرح السنة: 4 / 285. (4) في أ: (ثم قام وأتم) . (5) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (840) : 1 / 574، والمصنف في شرح السنة: 4 / 291.

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: كُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَالْعَمَلُ بِهِ جَائِزٌ، رُوِيَ فِيهَا سِتَّةُ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ (1) فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَسْفَانَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَقَدْ أَصَبْنَا غِرَّةً لَوْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ، وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} أَيْ: شَهِيدًا مَعَهُمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ، {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} أَيْ: فَلْتَقِفْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا" (الْبَقَرَةِ -20) أَيْ: وَقَفُوا، {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} وَاخْتَلَفُوا فِي الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ الْإِمَامِ يُصَلُّونَ يَأْخُذُونَ الْأَسْلِحَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يَأْخُذُهُ إِذَا كَانَ لَا يَشْغَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُؤْذِي مَنْ بِجَنْبِهِ [فَإِذَا شَغَلَتْهُ حَرَكَتُهُ وَثَقَّلَتْهُ عَنِ الصَّلَاةِ كَالْجَعْبَةِ وَالتُّرْسِ الْكَبِيرِ أَوْ كَانَ يُؤْذِي مَنْ جَنْبِهِ] (2) كَالرُّمْحِ فَلَا يَأْخُذُهُ. وَقِيلَ: وَلِيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ أَيْ: الْبَاقُونَ الَّذِينَ قَامُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، {فَإِذَا سَجَدُوا} أَيْ: صَلُّوا، {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} يُرِيدُ مَكَانَ الَّذِينَ هُمْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا} وَهْمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ، {فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} قِيلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَتَوْا، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا، {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يَتَمَنَّى الْكُفَّارُ، {لَوْ تَغْفُلُونَ} أَيْ: لَوْ وَجَدُوكُمْ غَافِلِينَ، {عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} فَيَقْصِدُونَكُمْ وَيَحْمِلُونَ عَلَيْكُمْ حَمْلَةً وَاحِدَةً. {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} رَخَّصَ فِي وَضْعِ السِّلَاحِ فِي حَالِ الْمَطَرِ وَالْمَرَضِ، لِأَنَّ السِّلَاحَ يَثْقُلُ حَمْلُهُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} أَيْ: رَاقِبُوا الْعَدُوَّ كَيْلَا يَتَغَفَّلُوكُمْ، وَالْحِذْرُ مَا يُتَّقَى بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَزَا مُحَارِبًا وَبَنَى أَنِمَارٍ، فَنَزَلُوا وَلَا يَرَوْنَ مِنَ الْعَدُوِّ أَحَدًا، فَوَضْعَ النَّاسُ أَسْلِحَتَهُمْ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ لَهُ قَدْ وَضَعَ سِلَاحَهُ حَتَّى قَطَعَ الْوَادِي وَالسَّمَاءُ تَرُشُّ، فَحَالَ الْوَادِي بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ فَقَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ انْحَدَرَ مِنَ الْجَبَلِ وَمَعَهُ السَّيْفُ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَمَعَهُ السَّيْفُ قَدْ سَلَّهُ مِنْ غِمْدِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ يَعْصِمُكَ مِنِّي الْآنَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي

_ (1) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف 2 / 64، والنسائي في صلاة الخوف: 3 / 177 والمصنف في شرح السنة: 4 / 290. (2) ما بين القوسين ساقط من (أ) .

103

غَوْرَثَ بْنَ الْحَارِثِ بِمَا شِئْتَ، ثُمَّ أَهْوَى بِالسَّيْفِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَضْرِبَهُ فَأَكَبَّ لِوَجْهِهِ مِنْ زَلْخَةٍ زُلِخَهَا مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، وَنَدَرَ سَيْفَهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا غَوْرَثُ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي الْآنَ؟ قَالَ: لَا أَحَدَ، قَالَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وأعطيكَ سيفكَ؟ 95/ب قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَشْهَدُ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ أَبَدًا وَلَا أُعِينُ عَلَيْكَ عَدُوًّا، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ، فَقَالَ غَوْرَثُ: وَاللَّهِ لَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجَلْ أَنَا أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكَ، فَرَجَعَ غَوْرَثٌ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالُوا: وَيْلَكَ مَا مَنَعَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَقَدْ أَهْوَيْتُ إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِأَضْرِبَهُ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَنْ زَلَخَنِي بَيْنَ كَتِفِي فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي، وَذَكَرَ حَالَهُ قَالَ: وَسَكَنَ الْوَادِي فَقَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَادِيَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ: (1) {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} أَيْ: مِنْ عَدُوِّكُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَرِيحًا. {إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} يُهانُونَ فِيهِ، وَالْجُنَاحُ: الْإِثْمُ، مِنْ جَنَحَتْ: إِذَا عَدَلَتْ عَنِ الْقَصْدِ. {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) } {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} يَعْنِي: صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَيْ: فَرَغْتُمْ مِنْهَا، {فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أَيْ صَلُّوا لِلَّهِ {قِيَامًا} فِي حَالِ الصِّحَّةِ، {وَقُعُودًا} فِي حَالِ الْمَرَضِ، {وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} عِنْدَ الْحَرَجِ وَالزَّمَانَةِ، وَقِيلَ: اذْكُرُوا اللَّهَ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّمْجِيدِ، عَلَى كُلِّ حَالٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْكَاشَانِيُّ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ، أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (2) . {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ} أَيْ: سَكَنْتُمْ وَأَمِنْتُمْ، {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} أَيْ: أَتِمُّوهَا أَرْبَعًا بِأَرْكَانِهَا، {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} قِيلَ: وَاجِبًا مَفْرُوضًا مُقَدَّرًا فِي الْحَضَرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَفِي السَّفَرِ

_ (1) أخبره ابن كثير مختصرا في التفسير، وقال أخرجه الإمام أحمد عن جابر، وقال: تفرد به من هذا الوجه: 1 / 549 - 550. وانظر: البداية والنهاية: 4 / 84. (2) أخرجه البخاري في الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وهنا، عن عائشة، تعليقا: 2 / 114. وفي الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: 1 / 407 عن ابن عباس بلفظ "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذكر الله في كل أحيانه". ومسلم في الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، برقم (373) : 1 / 282.

104

رَكْعَتَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ فَرْضًا مُؤَقَّتًا وَقَتَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فِي الْحَدِيثِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَيْرَيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، أَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِسِ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الزُّرَقِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِي الْعَشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى بِي الْغَدَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِي الْعَشَاءَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِكَ، الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ" (1) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا وَكِيعٌ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ، ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا بَدْرُ بْنُ عُثْمَانَ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ سَائِلًا أَتَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، قَالَ: فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ فَصَلَّى، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: قَدْ زَالَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَزُلْ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَشَاءَ حِينَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، قَالَ: وَصَلَّى الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ لَمْ تَطْلُعْ، وَصَلَّى الظُّهْرَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُلُثَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْوَقْتِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ" (2) . {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} الْآيَةَ، سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا رَجَعُوا يَوْمَ

_ (1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب المواقيت: 1 / 231 - 232، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة: 1 / 464 - 467، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم: 1 / 196، وأحمد: 1 / 333، وزاد السيوطي نسبته لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن خزيمة. انظر: الدر المنثور: 2 / 668. والمصنف في شرح السنة: 2 / 182 - 183. (2) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، برقم (614) : 1 / 429، والمصنف في شرح السنة: 2 / 184.

105

أُحُدٍ بَعْثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفَةً فِي آثَارِهِمْ فَشَكَوْا أَلَمَ الْجِرَاحَاتِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَهِنُوا} (1) أَيْ: لَا تَضْعُفُوا {فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} فِي طَلَبِ أَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِهِ، {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ} تَتَوَجَّعُونَ مِنَ الْجِرَاحِ، {فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ} أَيْ: يَتَوَجَّعُونَ، يَعْنِي الْكُفَّارَ، {كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} أَيْ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَأْمُلُونَ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ وَالنَّصْرِ فِي الدُّنْيَا مَا لَا يَرْجُونَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالرَّجَاءِ الْخَوْفُ، لِأَنَّ كُلَّ رَاجٍ خَائِفٌ أَنْ لَا يُدْرِكَ مَأْمُولَهُ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ أَيْ: تَخَافُونَ مِنَ اللَّهِ أَيْ: تَخَافُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا لَا يَخَافُونَ، قَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَلَا يَكُونُ الرَّجَاءُ بِمَعْنَى الْخَوْفِ إِلَّا مَعَ الْجَحْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلِ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ" (الْجَاثِيَةِ -14) أَيْ: لَا يَخَافُونَ، وَقَالَ تَعَالَى: "مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا" (نُوحٍ -13) أَيْ: لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَتَهُ، وَلَا يَجُوزُ رَجَوْتُكَ بِمَعْنَى: خِفْتُكَ وَلَا خِفْتُكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ رَجَوْتُكَ {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} الْآيَةَ، رَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ مِنْ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ فِيهِ دَقِيقٌ فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِنْ خَرْقٍ فِي الْجِرَابِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الدَّارِ، ثُمَّ خَبَّأَهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فَالْتَمَسْتُ الدِّرْعَ عِنْدَ طُعْمَةَ فَحَلَفَ: بِاللَّهِ مَا أَخَذَهَا وَمَا لَهُ بِهَا مِنْ عِلْمٍ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدِّرْعِ: لَقَدْ رَأَيْنَا أَثَرَ الدَّقِيقِ حَتَّى دَخَلَ دَارَهُ، فَلَمَّا حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُوا أَثَرَ الدَّقِيقِ إِلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ دَفْعَهَا إِلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، فَجَاءَ بَنُو ظَفْرٍ وَهُمْ قَوْمُ طُعْمَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُجَادِلَ عَنْ صَاحِبِهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلِ افْتَضَحَ صَاحِبُنَا، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ طُعْمَةَ سَرَقَ الدِّرْعَ فِي جِرَابٍ فِيهِ نُخَالَةٌ فَخَرَقَ الْجِرَابَ حَتَّى كَانَ يَتَنَاثَرُ مِنْهُ النُّخَالَةُ طُولَ الطَّرِيقِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى دَارِ زَيْدٍ السَّمِينِ وَتَرَكَهُ عَلَى بَابِهِ، وَحَمَلَ الدِّرْعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَاحِبُ الدِّرْعِ جَاءَ عَلَى أَثَرِ النُّخَالَةِ إِلَى دَارِ زَيْدٍ السَّمِينِ فَأَخَذَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ زَيْدٍ الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِنَّ زَيْدًا

_ (1) انظر: البحر المحيط: 3 / 342، سيرة ابن هشام مع الروض الأنف: 2 / 144، وفيما سبق في تفسير سورة آل عمران.

السَّمِينَ أَوْدَعَ دِرْعًا عِنْدَ طُعْمَةَ فَجَحَدَهَا طُعْمَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) ، فَقَالَ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْفَصْلِ، {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} بِمَا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْكَ، {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ} [طُعْمَةَ] (2) {خَصِيمًا} مُعِينًا مُدَافِعًا عَنْهُ.

_ (1) انظر: الطبري: 9 / 183، وأخرجه الترمذي مطولا في تفسير سورة النساء: 8 / 395 - 399 من رواية محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان، وقال الترمذي: غريب، ولا نعلم أسنده عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة الحراني، ورواه يونس وغير واحد عن ابن إسحاق عن عاصم مرسلا. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 385 - 388 وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وعزاه في تحفة الأحوذي أيضا لابن المنذر وأبي الشيخ الأصبهاني. (2) ساقط من (أ) .

106

{وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ} مِمَّا هَمَمْتَ مِنْ مُعَاقَبَةِ الْيَهُودِيِّ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِنْ جِدَالِكَ عَنْ طُعْمَةَ {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَلَا تُجَادِلْ} لَا تُخَاصِمْ، {عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ} أَيْ: يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالْخِيَانَةِ وَالسَّرِقَةِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} يُرِيدُ خَوَّانًا فِي الدِّرْعِ، أَثِيمًا فِي رَمْيِهِ الْيَهُودِيِّ، قِيلَ: إِنَّهُ خِطَابٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ"، وَالِاسْتِغْفَارُ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: إِمَّا لِذَنْبٍ تَقَدَّمَ عَلَى النُّبُوَّةِ أَوْ لِذُنُوبِ أُمَّتِهِ وَقَرَابَتِهِ، أَوْ لِمُبَاحٍ جَاءَ الشَّرْعُ بِتَحَرِّيهِ (1) فَيَتْرُكُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ، فَالِاسْتِغْفَارُ يَكُونُ مَعْنَاهُ: السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِحُكْمِ الشَّرْعِ. {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ} أَيْ: يَسْتَتِرُونَ وَيَسْتَحْيُونَ مِنَ النَّاسِ، يُرِيدُ بَنِي ظَفْرِ بْنِ الْحَارِثِ، {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ} أَيْ: لَا يَسْتَتِرُونَ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنَ اللَّهِ، {وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ} يَقُولُونَ وَيُؤَلِّفُونَ، وَالتَّبْيِيتُ: تَدْبِيرُ الْفِعْلِ لَيْلًا {مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} وَذَلِكَ أَنْ قَوْمَ طُعْمَةَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: نَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَهُ وَيَمِينَهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَلَا يَسْمَعُ مِنَ الْيَهُودِيِّ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ ذَلِكَ

_ (1) في ب (بتحريمه) .

109

مِنْهُمْ، {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} ثُمَّ يَقُولُ لِقَوْمِ طُعْمَةَ: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) }

114

{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } {هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} أَيْ: يَا هَؤُلَاءِ، {جَادَلْتُمْ} أَيْ: خَاصَمْتُمْ، {عَنْهُمْ} يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَنْهُ {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وَالْجِدَالُ: شِدَّةُ الْمُخَاصَمَةِ مِنَ الْجَدْلِ، وَهُوَ شِدَّةُ الْفَتْلِ، فَهُوَ يُرِيدُ فَتْلَ الْخِصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الْحِجَاجِ، وَقِيلَ: الْجِدَالُ مِنَ الْجَدَالَةِ، وَهِيَ الْأَرْضُ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ يَرُومُ قَهْرَ صَاحَبَهُ وَصَرْعَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ، {فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ} يَعْنِي: عَنْ طُعْمَةَ، {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} إِذَا أَخَذَهُ اللَّهُ بِعَذَابِهِ، {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} كَفِيلَّا أَيْ: مَنِ الَّذِي يَذُبُّ عَنْهُمْ، وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا} يَعْنِي السَّرِقَةَ، {أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ} بِرَمْيهِ الْبَرِيءَ، وَقِيلَ: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَيْ: شِرْكًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ: يَعْنِي: إِثْمًا دُونَ الشِّرْكِ، {ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ} أَيْ: يَتُبْ إِلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرْهُ، {يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} يَعْرِضُ التَّوْبَةَ عَلَى طُعْمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا} يَعْنِي: يَمِينَ طُعْمَةَ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: مَا سَرَقْتُهُ إِنَّمَا سَرَقَهُ الْيَهُودِيُّ {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} فَإِنَّمَا يَضُرُّ بِهِ نَفْسَهُ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا} بِسَارِقِ الدِّرْعِ {حَكِيمًا} حَكَمَ بِالْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ. {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً} أَيْ: سَرِقَةَ الدِّرْعِ، {أَوْ إِثْمًا} يَمِينَهُ الْكَاذِبَةَ، {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} أَيْ: يَقْذِفْ بِمَا جَنَى {بَرِيئًا} مِنْهُ وَهُوَ نِسْبَةُ السَّرِقَةِ إِلَى الْيَهُودِيِّ {فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا} الْبُهْتَانُ: هُوَ الْبَهْتُ، وَهُوَ الْكَذِبُ الَّذِي يُتحَيَّرُ فِي عِظَمِهِ، {وَإِثْمًا مُبِينًا} أَيْ: ذَنْبًا بَيِّنًا، وَقَوْلُهُ {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ} وَلَمْ يَقُلْ بِهِمَا بَعْدَ ذِكْرِ الْخَطِيئَةِ وَالْإِثْمِ، رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الْإِثْمِ، أَوْ جَعَلَ الْخَطِيئَةَ وَالْإِثْمَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَهَمَّتْ} لِقَدِ هَمَّتْ أَيْ:

أَضْمَرَتْ، {طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} يَعْنِي: قَوَّمَ طُعْمَةَ، {أَنْ يُضِلُّوكَ} يُخَطِّئُوكَ فِي الْحُكْمِ وَيُلْبِسُوا عَلَيْكَ الْأَمْرَ حَتَّى تُدَافِعَ عَنْ طُعْمَةَ، {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} يَعْنِي يَرْجِعُ وَبَالُهُ عَلَيْهِمْ، {وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ} يُرِيدُ أَنَّ ضَرَرَهُ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي: الْقَضَاءَ بِالْوَحْيِ {وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} مِنَ الْأَحْكَامِ، وَقِيلَ: مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ} يَعْنِي: قَوْمَ طُعْمَةَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ، وَالنَّجْوَى: هِيَ الْإِسْرَارُ فِي التَّدْبِيرِ، وَقِيلَ: النَّجْوَى مَا يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِهِ قَوْمٌ سِرًّا كَانَ أَوْ جَهْرًا، فَمَعْنَى الْآيَةِ: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهُمْ، {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أَيْ: إِلَّا فِي نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، فَالنَّجْوَى تَكُونُ فِعْلًا وَقِيلَ: هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، يَعْنِي: لَكِنْ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقيل النجوى ها هنا: الرِّجَالُ الْمُتَنَاجُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَإِذْ هُمْ نَجْوَى" (الْإِسْرَاءِ -47) . {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أَيْ: حَثَّ عَلَيْهَا، {أَوْ مَعْرُوفٍ} أَيْ: بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمَا يُعَرِّفُهُ الشَّرْعُ، وَأَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا مَعْرُوفٌ، لِأَنَّ الْعُقُولَ تَعْرِفُهَا. {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمٍ هُوَ ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ"؟ قَالَ: قُلْنَا بَلَى، قَالَ: "إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ" (1) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، أَنَا إِسْمَاعِيلُ

_ (1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (118) ، وأبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين: 7 / 25، والترمذي في صفة القيامة، باب سوء ذات البين: 7 / 212 وقال: هذا حديث صحيح، وأحمد في المسند: 6 / 444، 445، والمصنف في شرح السنة: 13 / 116.

115

ابْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَيْسَ بِالْكَذَّابِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أَيْ: هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ذَكَرَهَا، {ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} أَيْ: طَلَبَ رِضَاهُ، {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} فِي الْآخِرَةِ، {أَجْرًا عَظِيمًا} قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ {يُؤْتِيهِ} بِالْيَاءِ، يَعْنِي: يُؤْتِيهِ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ. {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ السَّرِقَةُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَطْعِ الْيَدِ وَالْفَضِيحَةِ، فَهَرَبَ إِلَى مَكَّةَ وَارْتَدَّ عَنِ الدِّينِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} أَيْ: يُخَالِفُهُ، {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} التَّوْحِيدُ وَالْحُدُودُ {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [أَيْ: غَيْرَ طَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ {نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} أَيْ: نَكِلْهُ في الآخرة] (2) 96/ب إِلَى مَا تَوَلَّى فِي الدُّنْيَا، {وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} رُوِيَ أَنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ نَزَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ عُلَاطٍ، فَنَقَّبَ بَيْتَهُ فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَدْخُلَ وَلَا أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَأُخِذَ لِيُقْتَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَعَوْهُ فَإِنَّهُ قَدْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ فَتَرَكُوهُ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ مَعَ تُجَّارٍ مِنْ قُضَاعَةَ نَحْوَ الشَّامِ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فَسَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ وَهَرَبَ، فَطَلَبُوهُ وَأَخَذُوهُ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَصَارَ قَبْرُهُ تِلْكَ الْحِجَارَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً إِلَى جَدَّةَ فَسَرَقَ فِيهَا كِيسًا فِيهِ دَنَانِيرُ فَأُخِذَ، فَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ نَزَلَ فِي حُرَّةِ بَنِي سَلِيمٍ وَكَانَ يَعْبُدُ صَنَمًا إِلَى أَنْ مَاتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} أَيْ: ذَهَبَ عَنِ الطَّرِيقِ وَحُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (3) إِنَّ

_ (1) أخرجه البخاري في الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس: 5 / 299، ومسلم في البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه برقم (2606) : 4 / 2011، والمصنف في شرح السنة: 13 / 117. (2) إلى هنا تنتهي الأحاديث التي سقط إسنادها من نسخة (أ) ، وقد أشرنا لبداية ذلك في الورقة (94 / ب) . (3) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3 / 351، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (49) : وهو منقطع.

117

هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَيْخٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي شَيْخٌ مُتَهَتِّكٌ (1) فِي الذُّنُوبِ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وَآمَنْتُ بِهِ، وَلَمْ أَتَّخِذْ مِنْ دُونِهِ وَلِيًّا وَلَمْ أُوَاقِعِ الْمَعَاصِي جُرْأَةً عَلَى اللَّهِ، وَمَا تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًا، وَإِنِّي لَنَادِمٌ تَائِبٌ مُسْتَغْفِرٌ فَمَا حَالِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: مَا يَعْبُدُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي" (غَافِرٍ -60) أَيْ: اعْبُدُونِي، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي" (غَافِرٍ -60) ، قَوْلُهُ: {مِنْ دُونِهِ} أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، {إِلَّا إِنَاثًا} أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ الْإِنَاثِ، فَيَقُولُونَ: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِصَنَمِ كُلِّ قَبِيلَةٍ: أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةَ وَيُكَلِّمُهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا} هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ -أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ -: قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أُثُنًا} جَمْعُ جَمْعِ الْوَثَنِ فَصَيَّرَ الْوَاوَ هَمْزَةً (2) ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِلَّا إِنَاثًا أَيْ: مَوَاتًا لَا رُوحَ فِيهِ، لِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ كَانَتْ مِنَ الْجَمَادَاتِ، سَمَّاهَا إِنَاثًا لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ الْمَوَاتِ، كَمَا يُخْبِرُ عَنِ الْإِنَاثِ، وَلِأَنَّ الْإِنَاثَ أَدْوَنُ الْجِنْسَيْنِ، كَمَا أَنَّ الْمَوَاتَ أَرْذَلُ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْمَلَائِكَةَ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ إِنَاثٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا" (الزُّخْرُفِ -19) {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} أَيْ: وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ فَقَدْ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ، وَالْمَرِيدُ: الْمَارِدُ، وَهُوَ الْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَأَرَادَ: إِبْلِيسَ. {لَعَنَهُ اللَّهُ} أَيْ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، {وَقَالَ} يَعْنِي: قَالَ إِبْلِيسُ، {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} أَيْ: حَظًّا مَعْلُومًا، فَمَا أُطِيعَ فِيهِ إِبْلِيسُ فَهُوَ مَفْرُوضُهُ، وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: مِنْ كُلِّ أَلْفِ وَاحِدٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِإِبْلِيسَ، وَأَصْلُ الْفَرْضِ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْفُرْضَةُ فِي

_ (1) في ب: (منهمك) . (2) انظر: تفسير الطبري: 9 / 210، معاني القرآن للفراء: 1 / 288 - 289.

119

النَّهْرِ وَهِيَ الثُّلْمَةُ تَكُونُ فِيهِ، وَفَرْضُ الْقَوْسِ وَالشِّرَاكِ: لِلشَّقِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْوَتَرُ وَالْخَيْطُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشِّرَاكُ. {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) }

122

{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) } {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} يَعْنِي: عَنِ الْحَقِّ، أَيْ: لِأُغْوِيَنَّهُمْ، يَقُولُهُ إِبْلِيس، وَأَرَادَ بِهِ التَّزْيِينَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِضْلَالِ شَيْءٌ، كَمَا قَالَ: "لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ" (الْحِجْرِ -39) {وَلِأُمَنِّيَنَّهُمْ} قِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ رُكُوبَ الْأَهْوَاءِ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ أَنْ لَا جَنَّةَ ولا نارَولا بَعْثَ، وَقِيلَ: أُمَنِّيَنَّهُمْ إِدْرَاكَ الْآخِرَةِ مَعَ رُكُوبِ الْمَعَاصِي، {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} أَيْ: يَقْطَعُونَهَا وَيَشُقُّونَهَا، وَهِيَ الْبَحِيرَةُ {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" (الرُّومِ -30) أَيْ: لِدِينِ اللَّهِ، يُرِيدُ وَضْعَ اللَّهِ فِي الدِّينِ بِتَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ بِالْخِصَاءِ وَالْوَشْمِ وَقَطْعِ الْآذَانِ حَتَّى حَرَّمَ بَعْضُهُمُ الْخِصَاءَ وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَهَائِمِ، لِأَنَّ فِيهِ غَرَضًا ظَاهِرًا، وَقِيلَ: تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ فَحَرَّمُوهَا، وَخَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ لِمَنْفَعَةِ الْعِبَادِ فَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، {وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ} أَيْ: رَبًّا يُطِيعُهُ، {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} فَوَعْدُهُ وَتَمْنِيَتُهُ مَا يُوقِعُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ مِنْ طُولِ الْعُمُرِ وَنَيْلِ الدُّنْيَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْوِيفِ بِالْفَقْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْإِنْفَاقِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ" (الْبَقَرَةِ -268) وَيُمَنِّيهِمْ بِأَنْ لَا بَعْثَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} أَيْ: بَاطِلًا. {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} أَيْ: مَفَرًّا وَمَعْدِلًا عَنْهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}

أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْغُرَفِ وَالْمَسَاكِنِ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} الْآيَةَ. قَالَ مَسْرُوقٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: أَرَادَ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ افْتَخَرُوا، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَبِيُّنَا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابِكُمْ فَنَحْنُ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْكُمْ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَبِيُّنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُبِ، وَقَدْ آمَنَّا بِكِتَابِكُمْ وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِكِتَابِنَا فَنَحْنُ أَوْلَى (1) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} يَا مُشْرِكِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَعْثَ وَلَا حِسَابَ، وَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: "لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً" (الْبَقَرَةِ -80) "لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى" (الْبَقَرَةِ -111) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ} (2) أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْأَمَانِي وَإِنَّمَا الْأَمْرُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ. {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ عامل. وقال الكبي عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا غَيْرَكَ فَكَيْفَ الْجَزَاءُ؟ قَالَ: "مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنْ جُوزِيَ بِالسَّيِّئَةِ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ عَشْرٍ، وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ، فَوَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ جَزَاءً فِي الْآخِرَةِ فَيُقَابِلُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، فَيَلْقَى مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً وَيَنْظُرُ فِي الْفَضْلِ، فَيُعْطَى الْجَزَاءَ فِي الْجَنَّةِ فَيُؤْتِي كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ" (3) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَبْدُوسِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ بِبَغْدَادَ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ وَالْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَا ثَنَا رَوْحٌ هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى بْنِ سِبَاعٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كنت عند 97/أرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَّا أُقْرِئَكَ آيَةً أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: فَأَقْرَأَنِيهَا، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي وَجَدْتُ انْفِصَامًا فِي ظَهْرِي حَتَّى تَمَطَّيْتُ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 9 / 228 - 229، أسباب النزول للواحدي ص (211 - 212) . (2) انظر: الدر المنثور: 2 / 693. (3) هذا الخبر من رواية الكلبي، تركه أهل الحديث لأنه كان كذابا، وقد سبقت ترجمته في المقدمة.

124

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيِّ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا؟ إِنَّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَصْحَابُكَ الْمُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ، وَلَيْسَتْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَيُجْمَعُ ذَلِكَ لَهُمْ حَتَّى يُجْزَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (1) . {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} أَيْ: مِقْدَارُ النَّقِيرِ، وَهُوَ النَّقْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ {يُدْخَلُونَ} بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ مَرْيَمَ وَحَم الْمُؤْمِنِ، زَادَ أَبُو عَمْرٍو: " يُدْخَلُونَهَا " فِي سُورَةِ فَاطِرٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْخَاءِ. رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ (2) ، وَنَزَلَتْ أَيْضًا: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا} أَحْكَمُ دِينًا {مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أَيْ أَخْلَصَ عَمَلَهُ لِلَّهِ، وَقِيلَ: فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أَيْ: مُوَحِّدٌ، {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} يَعْنِي: دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {حَنِيفًا} أَيْ: مُسْلِمًا مُخْلِصًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَمِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ الصَّلَاةُ إِلَى الْكَعْبَةِ

_ (1) حديث صحيح بطرقه وشواهده، فقد أخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء: 8 / 401 - 402، وقال: هذا حديث غريب، في إسناده مقال، وموسى بن عبيدة: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع: مجهول. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا. وفي الباب عن عائشة، والمروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (20) ص (58، 59) . ومن طريق أخرى أخرجه أيضا الإمام أحمد في المسند: 1 / 181، والبيهقي في السنن: 3 / 373، وصححه ابن حبان برقم (1734) ص (429) من موارد الظمآن عن عائشة صححه، الحاكم في المستدرك: 3 / 74، ووافقه الذهبي. والمصنف في شرح السنة: 5 / 249 - 250، وانظر: كنز العمال: 1 / 380 - 381، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 3 / 686. وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها" أخرجه مسلم في البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من فرض. . . برقم (2574) : 4 / 1993. (2) انظر: تفسير الطبري: 9 / 228 - 229.

126

وَالطَّوَافُ بِهَا وَمَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا خُصَّ إِبْرَاهِيمُ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْبُولًا عِنْدَ الْأُمَمِ أَجْمَعَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ بُعِثَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَزِيدَ لَهُ أَشْيَاءُ. {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} صَفِيًّا، وَالْخِلَّةُ: صَفَاءُ الْمَوَدَّةِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَا الضِّيفَانِ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ يُضِيفُ مَنْ مَرَّ بِهِ مِنَ النَّاسِ، فَأَصَابَ النَّاسَ سَنَةٌ فَحُشِرُوا إِلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُونَ الطَّعَامَ وَكَانَتِ الْمِيرَةُ لَهُ كُلَّ سَنَةٍ مِنْ صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ، فَبَعْثَ غِلْمَانَهُ بِالْإِبِلِ إِلَى الْخَلِيلِ الَّذِي لَهُ بِمِصْرَ، فَقَالَ خَلِيلُهُ لِغِلْمَانِهِ: لَوْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ احْتَمَلْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا مَا دَخَلَ عَلَى النَّاسِ مِنَ الشِّدَّةِ، فَرَجَعَ رُسُلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَمَرُّوا بِبَطْحَاءَ فَقَالُوا: [إِنَّا لَوْ] (1) حَمْلنَا مِنْ هَذِهِ الْبَطْحَاءِ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّا قَدْ جِئْنَا بِمِيرَةٍ، فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَمُرَّ بِهِمْ وإبلنا فارغة، فملؤوا تِلْكَ الْغَرَائِرَ سَهْلَةً، ثُمَّ أَتَوْا إِبْرَاهِيمَ فَأَعْلَمُوهُ وَسَارَةُ نَائِمَةٌ، فَاهْتَمَّ إِبْرَاهِيمُ لِمَكَانِ النَّاسِ بِبَابِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَتْ سَارَةُ وَقَدِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا جَاءَ الْغِلْمَانُ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَتْ: فَمَا جَاءُوا بِشَيْءٍ؟ قَالُوا: بَلَى، فَقَامَتْ إِلَى الْغَرَائِرِ فَفَتَحَتْهَا فَإِذَا هِيَ أَجْوَدُ دَقِيقٍ حُوَارِي يَكُونُ، فَأَمَرَتِ الْخَبَّازِينَ فَخَبَزُوا وَأَطْعَمُوا النَّاسَ فَاسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ فَوَجَدَ رِيحَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: يَا سَارَةُ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، فَقَالَ: هَذَا من عند خليلك اللَّهِ، قَالَ: فَيَوْمئِذٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا (2) . قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْخَلِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِي مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ، وَالْخُلَّةُ: الصَّدَاقَةُ، فَسُمِّيَ خَلِيلًا لِأَنَّ اللَّهَ أَحَبَّهُ وَاصْطَفَاهُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْخَلَّةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ، سُمِّيَ خَلِيلًا أَيْ: فَقِيرًا إِلَى اللَّهِ [لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فَقْرَهُ وَفَاقَتَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ] (3) وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} يَقْتَضِي الْخُلَّةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْحَاجَةُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. ثَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ أَحْمَدَ التَّيْمِيُّ، ثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْقَاسِمِ، ثَنَا خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيْدَرَةَ الْأَطْرَابُلُسِيُّ، ثَنَا أَبُو قِلَابَةَ الرَّقَاشِيُّ، ثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَخِي وَصَاحِبِي، وَلَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا" (4) . {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا} أَيْ: أَحَاطَ

_ (1) في "ب": (لو أنا) . (2) هذا من رواية الكلبي، وقد تقدم أنه متروك لكذبه. (3) ما بين القوسين ساقط من: "أ". (4) أخرجه البخاري في فضل أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، باب "لو كنت متخذا خليلا": 7 / 17 عن ابن عباس، دون قوله "ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا"، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق، برقم (2383) : 4 / 1855، والمصنف في شرح السنة: 4 / 77.

127

عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ. {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} الْآيَةَ: قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي بَنَاتِ أُمِّ كُجَّةَ وَمِيرَاثِهِنَّ وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ (1) . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ، وَهُوَ وَلِيُّهَا فَيَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا إِذَا كَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ بِأَقَلَّ مِنْ سُنَّةِ صَدَاقِهَا، وَإِذَا كَانَتْ مَرْغُوبَةً عَنْهَا فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ تَرَكَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ قَدْ شَرَكَتْهُ فِي مَالِهِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِدَمَامَتِهَا وَيَكْرَهَ أَنْ يُزَوِّجَهَا غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَحْبِسُهَا حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثُهَا، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. (2) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْتَفْتُونَكَ} أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي النِّسَاءِ، {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} قِيلَ مَعْنَاهُ وَيُفْتِيكُمْ فِي مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: وَنُفْتِيكُمْ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ، يُرِيدُ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ وَكِتَابُهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} قَوْلُهُ {فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} هَذَا إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْيَتَامَى النِّسَاءَ، {اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ} أَيْ: لَا تُعْطُونَهُنَّ، {مَا كُتِبَ لَهُنَّ} مِنْ صَدَاقِهِنَّ، {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} أَيْ: فِي نِكَاحِهِنَّ لِمَالِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ بِأَقَلَّ مِنْ صَدَاقِهِنَّ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ أَرَادَ أَنْ تُؤْتُونَهُنَّ حَقَّهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ، وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ، أَيْ: عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِدَمَامَتِهِنَّ. {وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ} يُرِيدُ: وَيُفْتِيكُمْ فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَهُمُ الصِّغَارُ، أَنْ تُعْطُوهُمْ حُقُوقَهُمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَارَ، يُرِيدُ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي بَابِ الْيَتَامَى مِنْ قَوْلِهِ {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ}

_ (1) انظر فيما سبق، تفسير قوله تعالى "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون" الآية (7) من سورة النسارة. (2) انظر البخاري في التفسير - باب "وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى": 8 / 239.

يَعْنِي بِإِعْطَاءِ حُقُوقِ الصِّغَارِ، {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ} أَيْ: وَيُفْتِيكُمْ فِي أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ بِالْعَدْلِ فِي مُهُورِهِنَّ وَمَوَارِيثِهِنَّ، {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} يُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ.

128

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي عَمْرَةَ وَيُقَالُ فِي خَوْلَةَ (1) بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمَةَ، وَفِي زَوْجِهَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ -وَيُقَالُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ-تَزَوَّجَهَا وَهِيَ شَابَّةٌ فَلَمَّا عَلَاهَا الْكِبَرُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا امْرَأَةً شَابَّةً، وَآثَرَهَا عَلَيْهَا، وَجَفَا ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ (2) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرَتْ وَلَهُ مِنْهَا أَوْلَادٌ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَيَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَدَعْنِي أَقُومُ عَلَى أَوْلَادِي وَاقْسِمْ لِي مِنْ كُلِّ شَهْرَيْنِ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَقْسِمْ لِي. فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصْلُحُ ذَلِكَ فَهُوَ أَحَبُّ إليّ، فأتى 97/ب رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} (3) أَيْ عَلِمَتْ {مِنْ بَعْلِهَا} أَيْ: مِنْ زَوْجِهَا {نُشُوزًا} أَيْ: بُغْضًا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي تَرْكَ مُضَاجَعَتِهَا، {أَوْ إِعْرَاضًا} بِوَجْهِهِ عَنْهَا وَقِلَّةِ مُجَالَسَتِهَا، {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أَيْ: عَلَى الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ، أَنْ يَصَّالَحَا أَيْ: يَتَصَالَحَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ {أَنْ يُصْلِحَا} مِنْ أَصْلَحَ، {بَيْنَهُمَا صُلْحًا} يَعْنِي: فِي الْقِسْمَةِ وَالنَّفَقَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ دَخَلْتِ فِي السِّنِّ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً شَابَّةً جَمِيلَةً أَوِثْرُهَا عَلَيْكِ فِي الْقِسْمَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِنْ رَضِيتِ بِهَذَا فَأَقِيمِي وَإِنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإِنْ رَضِيَتْ كَانَتْ هِيَ الْمُحْسِنَةَ وَلَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِدُونِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ كَانَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُوَفِّيَهَا حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهَا وَوَفَّاهَا حَقَّهَا مَعَ كَرَاهِيَةٍ فَهُوَ مُحْسِنٌ.

_ (1) في أ: (خويلة) . (2) انظر: الموطأ للإمام مالك، كتاب النكاح، باب جامع النكاح: 2 / 548 - 549، والمستدرك للحاكم: 2 / 308، أحكام القرآن للشافعي: 1 / 205، والسنن الكبرى للبيهقي: 7 / 296، تفسير الطبري: 9 / 275، أسباب النزول للواحدي ص (178) . (3) بمعناه عن عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري ومسلم. انظر: أسباب النزول للواحدي ص (175 - 176) ، الدر المنثور: 2 / 710 - 711.

129

وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: فَإِنْ صَالَحَتْهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا رَضِيَتْ، فَإِنْ أَنْكَرَتْهُ بَعْدَ الصُّلْحِ فَذَلِكَ لَهَا وَلَهَا حَقُّهَا (1) . وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ تَحْتَهُ الْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ فَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا الشَّابَّةَ، فَيَقُولُ لِلْكَبِيرَةِ: [أَعْطَيْتُكِ مِنْ] (2) مَالِي نَصِيبًا عَلَى أَنْ أَقْسِمَ لِهَذِهِ الشَّابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَقْسِمُ لَكِ فَتَرْضَى بِمَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَرْضَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: تَكُونُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَنْبُو عَيْنُهُ عَنْهَا مِنْ دَمَامَةٍ أَوْ كِبَرٍ فَتَكْرَهُ فُرْقَتَهُ، فَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ مَالِهَا فَهُوَ لَهُ حِلٌّ، وَإِنْ أَعْطَتْهُ مِنْ أَيَّامِهَا فَهُوَ لَهُ حِلٌّ (3) {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} يَعْنِي: إِقَامَتَهَا بَعْدَ تَخْيِيرِهِ إِيَّاهَا، وَالْمُصَالَحَةُ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا مِنَ الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ خَيْرٌ مِنَ الْفُرْقَةِ، كَمَا يُرْوَى أَنَّ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتِ امْرَأَةً كَبِيرَةً وَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وَإِنَّمَا بِي أَنْ أُبْعَثَ فِي نِسَائِكَ وَقَدْ جَعَلْتُ نَوْبَتِي لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (4) . قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} يُرِيدُ: شُحَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِنَصِيبِهِ مِنَ الْآخَرِ، وَالشُّحُّ: أَقْبَحُ الْبُخْلِ، وَحَقِيقَتُهُ. الْحِرْصُ عَلَى مَنْعِ الْخَيْرِ، {وَإِنْ تُحْسِنُوا} أَيْ: تُصْلِحُوا {وَتَتَّقُوا} الْجَوْرَ، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْأَزْوَاجِ، أَيْ: وَإِنْ تُحْسِنُوا بِالْإِقَامَةِ مَعَهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ وَتَتَّقُوا ظُلْمَهَا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ. {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} أَيْ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تُسَوُّوا بَيْنَ النِّسَاءِ فِي الْحُبِّ وَمَيْلِ الْقَلْبِ، {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} عَلَى الْعَدْلِ، {فَلَا تَمِيلُوا} أَيْ: إِلَى الَّتِي تُحِبُّونَهَا، {كُلَّ الْمَيْلِ} فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، أَيْ: لَا تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ، {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أَيْ فَتَدَعُوا الْأُخْرَى كَالْمَنُوطَةِ لَا أَيِّمًا وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْمَحْبُوسَةِ، وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَأَنَّهَا مَسْجُونَةٌ.

_ (1) انظر: الدر المنثور: 2 / 712. (2) في أ: (أعطيك على أن أقسم من. .) . (3) أخرجه أبو داود الطيالسي وابن أبي حاتم والطبري. انظر: الطبري: 9 / 268 - 269، ابن كثير: 1 / 564. (4) انظر طبقات ابن سعد: 8 / 53، 169، وثبت أن سودة وهبت يومها لعائشة فيما أخرجه البخاري في النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها: 9 / 312، ومسلم في الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها برقم (1462) : 2 / 1085، والمصنف في شرح السنة: 9 / 152.

130

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ" (1) ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مُتَّصِلًا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ" (2) . {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا} الْجَوْرَ، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) } {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} يَعْنِي: الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ بِالطَّلَاقِ، {يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} مِنْ رِزْقِهِ، يَعْنِي: الْمَرْأَةَ بِزَوْجٍ آخَرَ وَالزَّوْجَ بِامْرَأَةٍ أُخْرَى، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} وَاسِعَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ حَكِيمًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ. وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ تَرَكَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُنَّ فِي فِعْلِ الْقَسْمِ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِلْمَظْلُومَةِ، وَالتَّسْوِيَةُ، شَرْطٌ فِي الْبَيْتُوتَةِ، أَمَّا فِي الْجِمَاعِ فَلَا لِأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى النَّشَاطِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ فَإِنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَ الْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَعِنْدَ الْأَمَةِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا تَزَوُّجَ جَدِيدَةً عَلَى قَدِيمَاتٍ عِنْدَهُ يَخُصُّ الْجَدِيدَةَ بِأَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا سَبْعَ لَيَالٍ عَلَى التَّوَالِي إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ يُسَوِّي بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَلَا يَجِبُ قَضَاءُ هَذِهِ اللَّيَالِي لِلْقَدِيمَاتِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ رَاشِدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، ثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثَنَا أَيُّوبُ وَخَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ

_ (1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء: 3 / 63 - 64 عن عائشة، والترمذي في النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر: 4 / 294، والنسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: 7 / 63 - 64 وابن ماجه في النكاح، باب القسم بين النساء برقم (1971) : 1 / 2633 وصححه ابن حبان برقم (1305) ص (317) من موارد الظمآن، وصححه الحاكم على شرط مسلم: 2 / 187 ووافقه الذهبي، والدارمي في النكاح، باب القسمة بين النساء: 2 / 144. وانظر: شرح السنة: 9 / 151 وذكر الترمذي والنسائي إنه روى مرسلا وذكر الترمذي أن المرسل أصح. (2) أخرجه أبو داود في الموضع السابق: 3 / 63، والترمذي في الموضع نفسه: 4 / 295، والنسائي في الموضع نفسه: 7 / 63، وابن ماجه، نفسه برقم (1969) : 1 / 633، والدارمي: 2 / 143، وصححه ابن حبان (1307) ص (317) . وقال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث همام، وصححه الحاكم على شرط الشيخين 2 / 186 ومن العجب أن مخرج الطبعة الجديدة للبغوي قال في ص 487 من الجزء الأول: لم أجد من أخرجه من أئمة الحديث سوى البغوي! !.

131

الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ سَفَرَ حَاجَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ بَعْضَ نِسَائِهِ مَعَ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ لِلْبَاقِيَاتِ مُدَّةَ سِفْرِهِ، وَإِنْ طَالَتْ إِذَا لَمْ يَزِدْ مَقَامُهُ فِي بَلَدِهِ عَلَى مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا الرَّبِيعُ، ثَنَا الشَّافِعِيُّ، ثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شَافِعٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا، أَمَّا إِذَا أَرَادَ سَفَرَ نُقْلَةٍ فَلَيْسَ لَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ لَا بِالْقُرْعَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا" (2) . {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} عَبِيدًا وَمُلْكًا {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يَعْنِي: أَهَّلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَسَائِرَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي كُتُبِهِمْ، {وَإِيَّاكُمْ} أَهْلَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابِكُمْ، {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} أَيْ: وَحِّدُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، {وَإِنْ تَكْفُرُوا} بِمَا أَوْصَاكُمُ اللَّهُ بِهِ {فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} قِيلَ: فَإِنَّ لِلَّهِ ملائكة في السموات وَالْأَرْضِ هِيَ أَطْوَعُ لَهُ مِنْكُمْ، {وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا} عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَى طَاعَتِهِمْ، {حَمِيدًا} مَحْمُودًا عَلَى نِعَمِهِ. {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} قَالَ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي شَهِيدًا أَنَّ فِيهَا عَبِيدًا، وَقِيلَ: دَافِعًا وَمُجِيرًا. فَإِنْ قِيلَ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَكْرَارِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} قِيلَ: لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَمَعْنَاهُ لِلَّهِ ما في السموات وما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ يُوصِيكُمْ بِالتَّقْوَى فَاقْبَلُوا وَصِيَّتَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَقُولُ: فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا أَيْ: هُوَ الْغَنِيُّ وَلَهُ الْمُلْكُ فَاطْلُبُوا مِنْهُ مَا تَطْلُبُونَ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيَقُولُ: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} أَيْ: لَهُ الْمُلْكُ فَاتَّخِذُوهُ وَكِيلًا وَلَا تَتَوَكَّلُوا عَلَى غَيْرِهِ.

_ (1) أخرجه البخاري في النكاح، باب إذا تزوج البكر على الثيب: 9 / 313، ومسلم في الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، برقم (1461) : 2 / 1084. والمصنف في شرح السنة: 9 / 155. (2) أخرجه البخاري في الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج. . . 5 / 218، ومسلم في التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770) 4 / 2130، والمصنف في شرح السنة: 9 / 153.

133

{إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) }

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يُهْلِكْكُمْ (1) {أَيُّهَا النَّاسُ} يَعْنِي: الْكُفَّارَ، {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} يَقُولُ بِغَيْرِكُمْ خَيْرٍ مِنْكُمْ وَأَطْوَعَ، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} قَادِرًا. {مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} يُرِيدُ مَنْ كَانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا وَلَا يُرِيدُ بِهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا أَوْ دَفَعَ عَنْهُ فِيهَا مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ ثَوَابٍ، وَمَنْ أَرَادَ بِعَمَلِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ آتَاهُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا مَا أَحَبَّ وَجَزَاهُ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} يَعْنِي: كُونُوا قَائِمِينَ بِالشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ، أَيْ: بِالْعَدْلِ لِلَّهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْعَدْلِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ كَانَتْ، {وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فِي الرَّحِمِ، أَيْ: قُولُوا الْحَقَّ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالْإِقْرَارِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، فَأَقِيمُوهَا عَلَيْهِمْ لِلَّهِ، وَلَا تُحَابُوا غَنِيًّا لِغِنَاهُ وَلَا تَرْحَمُوا فَقِيرًا لِفَقْرِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} مِنْكُمْ أَيْ أَقِيمُوا عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلِلْمَشْهُودِ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا مِنْكُمْ، أَيْ كِلُوا أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمَا، {فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا} أَيْ تَجُورُوا وَتَمِيلُوا إِلَى الْبَاطِلِ مِنَ الْحَقِّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا، أَيْ: لِتَكُونُوا عَادِلِينَ كَمَا يُقَالُ: لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى لِتُرْضِيَ رَبَّكَ. {وَإِنْ تَلْوُوا} أَيْ: تُحَرِّفُوا الشَّهَادَةَ لِتُبْطِلُوا الْحَقَّ {أَوْ تُعْرِضُوا} عَنْهَا فَتَكْتُمُوهَا وَلَا تُقِيمُوهَا، وَيُقَالُ: تَلْوُوا أَيْ تُدَافِعُوا فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ، يُقَالُ: لَوَيْتَهُ حَقَّهُ إِذَا دَفَعْتَهُ، وَمَطَلْتَهُ، وَقِيلَ: هَذَا خِطَابٌ مَعَ الْحُكَّامِ فِي لَيِّهِمُ الْأَشْدَاقَ، يَقُولُ: وَإِنْ تَلْوُوا أَيْ تَمِيلُوا إِلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهُ، قَرَأَ ابْنُ عامر وحمزة {تَلُوُوا} بِضَمِّ اللَّامِ، قِيلَ: أَصْلُهُ تَلْوُوا، فَحُذِفَتْ إِحْدَى الْوَاوَيْنِ تَخْفِيفًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَإِنْ تَلُوا الْقِيَامَ بِأَدَاءِ

_ (1) ساقط من: (أ) .

الشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا فَتَتْرُكُوا أَدَاءَهَا {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَسَدٍ وَأُسِيدِ ابْنَيْ كَعْبٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ قَيْسٍ وَسَلَامِ بْنِ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَسَلَمَةَ بْنِ أَخِيهِ وَيَامِينَ بْنِ يَامِينَ فَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُوا أَهْلِ الْكِتَابِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: إِنَّا نُؤْمِنُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ وَعُزَيْرٍ وَنَكْفُرُ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُرْآنِ وَبِمُوسَى والتوارةِ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ وَبِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى رَسُولِهِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَالْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ (2) . قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو " نُزِّلَ وَأُنْزِلَ " بِضَمِّ النُّونِ وَالْأَلِفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ " نَزَلَ وَأَنْزَلَ " بِالْفَتْحِ أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ. {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: فَإِنَّا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ وَبِكُلِّ رَسُولٍ وَكِتَابٍ كَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَالْمَلَائِكَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَرَادَ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بِمُوسَى وَعِيسَى {آمِنُوا} بِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَرَادَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ، يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللِّسَانِ آمِنُوا بِالْقَلْبِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَجَمَاعَةٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} أَيْ أَقِيمُوا وَاثْبُتُوا عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا يُقَالُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، أَيِ اثْبُتْ قَائِمًا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أَهْلَ الشِّرْكِ، يَعْنِي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى {آمِنُوا} بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.

_ (1) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 2 / 716، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (178 - 179) . (2) في هامش نسخة الظاهرية (أ) ما يلي: ويجوز أن يراد بقوله "يا أيها الذين آمنوا" في وقت الميثاق، حين قالوا: بلى، "آمنوا" الآن "بالله ورسوله" الآية.

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} قَالَ قَتَادَةُ: هُمُ الْيَهُودُ آمَنُوا بِمُوسَى ثُمَّ كَفَرُوا مِنْ بَعْدُ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هُوَ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَآمَنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، وَكُفْرُهُمْ بِهِ: تَرْكُهُمْ إِيَّاهُ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هَذَا فِي قَوْمٍ مُرْتَدِّينَ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا. وَمِثْلُ هَذَا هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَلْ يُقْتَلُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا أَيْ مَاتُوا عَلَيْهِ، {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} مَا أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ، {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} أَيْ طَرِيقًا إِلَى الْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ؟ . قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَدَامَ عَلَيْهِ يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ، فَإِنَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ لَا يُغْفَرُ لَهُ كُفْرُهُ السَّابِقُ، الَّذِي كَانَ يُغْفَرُ لَهُ لَوْ دَامَ عَلَى الْإِسْلَامِ. {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ} أَخْبِرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ، {بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وَالْبِشَارَةُ: كُلُّ خَبَرٍ يَتَغَيَّرُ بِهِ بَشَرَةُ الْوَجْهِ سَارًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَارٍّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ اجْعَلْ فِي مَوْضِعِ بِشَارَتِكَ لَهُمُ الْعَذَابَ، كما تقول العربك تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ وَعِتَابُكَ السَّيْفُ، أَيْ: [بَدَلًا لَكَ] (1) مِنَ التَّحِيَّةِ، ثُمَّ وَصَفَ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} يَعْنِي: يَتَّخِذُونَ الْيَهُودَ أَوْلِيَاءَ وَأَنْصَارًا أَوْ بِطَانَةً {مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} أَيْ: الْمَعُونَةَ وَالظُّهُورَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ: وَقِيلَ: أَيُطْلُبُونَ عِنْدَهُمُ الْقُوَّةَ وَالْغَلَبَةَ، {فَإِنَّ الْعِزَّةَ} أَيْ: الْغَلَبَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْقُدْرَةَ، {لِلَّهِ جَمِيعًا}

_ (1) في أ: (هلاكك) .

{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) }

141

{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) } {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ} قَرَأَ عَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ "نَزَّلَ " بِفَتْحِ النُّونِ وَالزَّايِ، أَيْ: نَزَّلَ اللَّهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "نُزِّلَ " بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ: عَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ، {يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} يَعْنِي: مَعَ الَّذِي يَسْتَهْزِئُونَ، {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أَيْ: يَأْخُذُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِ الِاسْتِهْزَاءِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقُرْآنِ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ" (الْأَنْعَامِ -68) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: دَخَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلُّ مُحْدِثٍ فِي الدِّينِ وَكُلُّ مُبْتَدَعٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} أَيْ: إِنْ قَعَدْتُمْ عِنْدَهُمْ وَهُمْ يَخُوضُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ وَرَضِيتُمْ بِهِ فَأَنْتُمْ كُفَّارٌ مِثْلُهُمْ، وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ مَعَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ مَعَهُمْ وَإِنْ خَاضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَآيَةُ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ وَهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى: {إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} [يَنْتَظِرُونَ بِكُمُ الدَّوَائِرَ] (1) ، يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ، {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} يَعْنِي: ظَفَرٌ وَغَنِيمَةٌ، {قَالُوا} لَكُمْ {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} عَلَى دِينِكُمْ فِي الْجِهَادِ، كُنَّا مَعَكُمْ فَاجْعَلُوا لَنَا نَصِيبًا مِنَ الْغَنِيمَةِ، {وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ} يَعْنِي دَوْلَةٌ وَظُهُورٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، {قَالُوا} يَعْنِي: المنافقين للكافرين، 98/ب {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} وَالِاسْتِحْوَاذ: هُوَ الِاسْتِيلَاءُ وَالْغَلَبَةُ، قَالَ تَعَالَى: "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ" (الْمُجَادَلَةِ -19) أَيْ: اسْتَوْلَى وَغَلَبَ، يَقُولُ: أَلَمْ نُخْبِرْكُمْ بِعَوْرَةِ مُحَمَّدٍ

_ (1) ما بين القوسين ساقط من: (أ) .

142

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَنُطْلِعْكُمْ عَلَى سِرِّهِمْ؟ قَالَ الْمُبَرِّدُ: يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَفَّارِ أَلَمْ نَغْلِبْكُمْ عَلَى رَأْيِكُمْ {وَنَمْنَعْكُمْ} وَنَصْرِفْكُمْ، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: عَنِ الدُّخُولِ فِي جُمْلَتِهِمْ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ نَسْتَوْلِ عَلَيْكُمْ بِالنُّصْرَةِ لَكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَيْ: نَدْفَعُ عَنْكُمْ صَوْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَخْذِيلِهِمْ عَنْكُمْ وَمُرَاسَلَتِنَا إِيَّاكُمْ بِأَخْبَارِهِمْ وَأُمُورِهِمْ، وَمُرَادُ الْمُنَافِقِينَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِظْهَارُ الْمِنَّةِ عَلَى الْكَافِرِينَ. {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يَعْنِي: بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} قَالَ عَلِيُّ: فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَيُّ حُجَّةً، وَقِيلَ: ظُهُورًا عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) } {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أَيْ يُعَامِلُونَهُ مُعَامَلَةَ الْمُخَادِعِينَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، أَيْ: مُجَازِيهِمْ عَلَى خِدَاعِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَمْضِي الْمُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ، وَيُطْفَأُ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ} يَعْنِي: الْمُنَافِقِينَ {قَامُوا كُسَالَى} أَيْ: مُتَثَاقِلِينَ لَا يُرِيدُونَ بِهَا اللَّهَ فَإِنْ رَآهُمْ أَحَدٌ صَلَّوْا وَإِلَّا انْصَرَفُوا فَلَا يُصَلُّونَ، {يُرَاءُونَ النَّاسَ} أَيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُرَاءَاةً لِلنَّاسِ لَا اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللَّهِ، {وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَالْحَسَنُ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَوْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْقَلِيلِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لَكَانَ كَثِيرًا، وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا قَلَّ ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَلْهُ، وَكُلُّ مَا قَبِلَ اللَّهُ فَهُوَ كَثِيرٌ. {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ} أَيْ: مُتَرَدِّدِينَ مُتَحَيِّرِينَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} أَيْ: لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَجِبُ لَهُمْ مَا يَجِبُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسُوا مِنَ الْكُفَّارِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} أَيْ: طَرِيقًا إِلَى الْهُدَى. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى، أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى

144

هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً" (1) . {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ، وَقَالَ: {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} أَيْ حُجَّةً بَيِّنَةً فِي عَذَابِكُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَازِلَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ {فِي الدَّرْكِ} بِسُكُونِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا وَهُمَا لُغَتَانِ كَالظَّعْنِ وَالظَّعَنِ وَالنَّهْرِ وَالنَّهَرِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ} فِي تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مُقْفَلَةٍ فِي النَّارِ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْتٌ مُقْفَلٌ عَلَيْهِمْ تَتَوَقَّدُ فِيهِ النَّارُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِهِمْ، {وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} مَانِعًا مِنَ الْعَذَابِ. {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} مِنَ النِّفَاقِ وَآمَنُوا {وَأَصْلَحُوا} عَمَلَهُمْ {وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ} وَثِقُوا بِاللَّهِ {وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} أَرَادَ الْإِخْلَاصَ بِالْقَلْبِ، لِأَنَّ النِّفَاقَ كُفْرُ الْقَلْبِ، فَزَوَالُهُ يَكُونُ بِإِخْلَاصِ الْقَلْبِ، {فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} قَالَ الْفَرَّاءُ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} فِي الْآخِرَةِ {أَجْرًا عَظِيمًا} يَعْنِي: الْجَنَّةَ، وَحُذِفَتِ الْيَاءُ مِنْ {يُؤْتِ اللَّهُ} فِي الْخَطِّ لِسُقُوطِهَا فِي اللَّفْظِ، وَسُقُوطُهَا فِي اللَّفْظِ لِسُكُونِ اللَّامِ فِي "اللَّهِ". قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ} أَيْ: إِنْ شَكَرْتُمْ نَعْمَاءَهُ {وَآمَنْتُمْ} بِهِ، فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: إِنْ آمَنْتُمْ وَشَكَرْتُمْ، لِأَنَّ الشُّكْرَ لَا يَنْفَعُ مَعَ عَدَمِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، مَعْنَاهُ: إِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ الشَّاكِرَ، فَإِنَّ تَعْذِيبَهُ عِبَادَهُ لَا يَزِيدُ فِي مِلْكِهِ، وَتَرَكَهُ عُقُوبَتَهُمْ عَلَى فِعْلِهِمْ لَا يُنْقِصُ مِنْ سُلْطَانِهِ، وَالشُّكْرُ: ضِدَّ الْكُفْرِ وَالْكُفْرِ سَتْرُ النِّعْمَةِ، وَالشُّكْرُ: إِظْهَارُهَا، {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} فَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ الرِّضَى بِالْقَلِيلِ مِنْ عِبَادِهِ وَإِضْعَافُ الثَّوَابِ عَلَيْهِ، وَالشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ:

_ (1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين، برقم (2784) : 4 / 2146.

الطَّاعَةُ، وَمِنَ اللَّهِ: الثَّوَابُ.

148

{لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) } قَوْلُهُ: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يَعْنِي: لَا يُحِبُّ اللَّهَ الْجَهْرَ بِالْقُبْحِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ ظُلْمِ الظَّالِمِ وَأَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ" (الشُّورَى -41) ، قَالَ الْحَسَنُ: دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنْ شُتِمَ جَازَ أَنْ يَشْتُمَ بِمِثْلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَرَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمُسْتَبَانُ مَا قَالَا فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ" (1) . وَقَالَ مُجَاهِدٌ هَذَا فِي الضَّيْفِ إِذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ فَلَمْ يُقْرُوهُ وَلَمْ يُحْسِنُوا ضِيَافَتَهُ فَلَهُ أَنْ يَشْكُوَ وَيَذْكُرَ مَا صُنِعَ بِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يُقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ" (2) . وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: {إِلَّا مَنْ ظَلَمَ} بِفَتْحِ الظَّاءِ وَاللَّامِ، مَعْنَاهُ: لَكِنِ الظَّالِمَ اجْهُرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لَكِنْ يَجْهَرُ مَنْ ظُلِمَ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَعْرُوفَةُ، {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا} لِدُعَاءِ الْمَظْلُومِ، {عَلِيمًا} بِعِقَابِ الظَّالِمِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا} يَعْنِي: حَسَنَةً فَيَعْمَلُ بِهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَإِنْ هَمَّ بِهَا وَلَمْ يَعْمَلْهَا كِتُبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ {أَوْ تُخْفُوهُ} وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ الْخَيْرِ: الْمَالُ، يُرِيدُ: إِنْ تُبْدُوا صَدَقَةً تُعْطُونَهَا جَهْرًا أَوْ تُخْفُوهَا فَتُعْطُوهَا سِرًّا، {أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} أَيْ: عَنْ مَظْلَمةٍ، {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} أَوْلَى بِالتَّجَاوُزِ عَنْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

_ (1) أخرجه مسلم في البر والصلة - باب النهي عن السباب، برقم (2587) : 4 / 2000، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (127) ، والمصنف في شرح السنة: 13 / 133. (2) أخرجه البخاري في المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه 5 / 107 - 108، وفي الأدب، ومسلم في اللقطة- باب الضيافة ونحوها برقم (1727) : 3 / 1353، والمصنف في شرح السنة: 11 / 339.

150

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالتَّوْرَاةِ وَعُزَيْرٍ، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ وَبِمُحَمَّدٍ وَالْقُرْآنِ، {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} أَيْ: دِينًا بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَمَذْهَبًا يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ. {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} حَقَّقَ كُفْرَهُمْ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهِمْ كَالْكُفْرِ بِجَمِيعِهِمْ {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} كُلِّهِمْ {وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} يَعْنِي: بَيْنَ الرُّسُلِ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، يَقُولُونَ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، {أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ} بِإِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ {يُؤْتِيهِمْ} بِالْيَاءِ، أَيْ: {يُؤْتِيهِمُ اللَّهُ} (1) ، والباقون بالنون 99/أ {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ} الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ وَفَنْحَاصَ بْنَ عَازُورَاءَ مِنَ الْيَهُودِ قَالَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنَا بِكِتَابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا أَتَى بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ} (2) .

_ (1) ساقط من: (أ) . (2) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 2 / 726، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (197) .

154

وَكَانَ هَذَا السُّؤَالُ مِنْهُمْ سُؤَالَ تَحَكُّمٍ وَاقْتِرَاحٍ، لَا سُؤَالَ انْقِيَادٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُنْزِلُ الْآيَاتِ عَلَى اقْتِرَاحِ الْعِبَادِ. قَوْلُهُ: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ} أَيْ: أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، يَعْنِي: السَّبْعِينَ الَّذِي خَرَجَ بِهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْجَبَلِ، {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} أَيْ: عِيَانًا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ قَالُوا جَهْرَةً أَرِنَا اللَّهُ، {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ} يَعْنِي إِلَهًا، {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} وَلَمْ نَسْتَأْصِلْهُمْ، قِيلَ: هَذَا اسْتِدْعَاءٌ إِلَى التَّوْبَةِ، مَعْنَاهُ: أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا تَابُوا فَعَفَوْنَا عَنْهُمْ، فَتُوبُوا أَنْتُمْ (1) حَتَّى نَعْفُوَ عَنْكُمْ، {وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} أَيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ. {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوَا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) }

_ (1) ساقط من (أ) .

155

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوَا فِي السَّبْتِ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ وَفَتْحِ الْعَيْنِ نَافِعٍ بِرِوَايَةِ وَرْشٍ وَيَجْزِمُهَا الْآخَرُونَ، وَمَعْنَاهُ: لَا تَعْتَدُوا وَلَا تَظْلِمُوا بِاصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِيهِ، {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، و"مَا" صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ" (آلِ عِمْرَانَ -159) ، وَنَحْوَهَا، {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} أَيْ: خَتَمَ عَلَيْهَا، {فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} يَعْنِي: مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَا مِمَّنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ، لِأَنَّ مَنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ لَا يُؤْمِنُ أَبَدًا، وَأَرَادَ بِالْقَلِيلِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا} حِينَ رَمَوْهَا بِالزِّنَا. {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ}

158

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الَّذِي دَلَّ الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ حَبَسُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْتٍ وَجَعَلُوا عَلَيْهِ رَقِيبًا فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الرَّقِيبِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ (1) . قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ} فِي قَتْلِهِ، {لَفِي شَكٍّ مِنْهُ} أَيْ: فِي قَتْلِهِ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ هُوَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَا قَتَلَهُ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: كَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَلْقَى شَبَهَ وَجْهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى وَجْهِ صَطَيَافُوسَ وَلَمْ يُلْقِهِ عَلَى جَسَدِهِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَتَلْنَا عِيسَى، فَإِنَّ الْوَجْهَ وَجْهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ نَقْتُلْهُ لِأَنَّ جَسَدَهُ لَيْسَ جَسَدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاخْتَلَفُوا. قَالَ السُّدِّيُّ: اخْتِلَافُهُمْ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كَانَ هَذَا عِيسَى فَأَيْنَ صَاحِبُنَا؟ وَإِنَّ كَانَ هَذَا صَاحِبَنَا فَأَيْنَ عِيسَى؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} حَقِيقَةِ أَنَّهُ قُتِلَ أَوْ لَمْ يُقْتَلْ، {إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} لَكِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ فِي قَتْلِهِ. قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} أَيْ: {مَا قَتَلُوا عِيسَى يَقِينًا} (2) . {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) } {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} وَقِيلَ قَوْلُهُ "يَقِينًا" تَرْجِعُ إِلَى مَا بَعْدَهُ وَقَوْلُهُ "وَمَا قَتَلُوهُ" كَلَامٌ تَامٌّ تَقْدِيرُهُ: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ يَقِينًا، وَالْهَاءُ فِي "مَا قَتَلُوهُ" كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنَاهُ وَمَا قَتَلُوا الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى يَقِينًا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعْنَاهُ: مَا قَتَلُوا ظَنَّهُمْ يَقِينًا، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} مَنِيعًا بِالنِّقْمَةِ مِنَ الْيَهُودِ، {حَكِيمًا} حَكَمَ بِاللَّعْنَةِ وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ضَيْطُوسَ بْنَ اسْبَسَيَانُوسَ الرُّومِيَّ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} أَيْ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ "قَبْلَ مَوْتِهِ" اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْكِنَايَةِ: فَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْكِتَابِيِّ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَحَدٌ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ مَوْتِهِ، إِذَا وَقَعَ فِي الْبَأْسِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ سَوَاءٌ احْتَرَقَ أَوْ غَرَقَ أَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ أَوْ سَقَطَ عَلَيْهِ جِدَارٌ أَوْ أَكَلَهُ سَبْعٌ أَوْ مَاتَ فَجْأَةً، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ

_ (1) انظر فيما سبق، تفسير سورة آل عمران، الآيات (52 - 55) . (2) ما بين القوسين زيادة من (ب) .

160

عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ: فَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَرَأَيْتَ إِنْ خَرَّ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ؟ قَالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ قَالَ: فَقِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ ضُرِبَ عُنُقُ أَحَدِهِمْ؟ قَالَ: يَتَلَجْلَجُ بِهِ لِسَانُهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْهَاءَ فِي "مَوْتِهِ" كِنَايَةٌ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعْنَاهُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لِيُؤْمِنَنَّ بِعِيسَى قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا آمَنَ بِهِ حَتَّى تَكُونَ الْمِلَّةُ وَاحِدَةً، مِلَّةُ الْإِسْلَامِ. وَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، وَيَهْلَكُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ"، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ} قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُهَا أَبُو هُرَيْرَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (1) . وَرَوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ الْهَاءَ فِي قَوْلِهِ {لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} كِنَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَمُوتُ كِتَابِيٌّ حَتَّى يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَبْلَ مَوْتِهِ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ} يَعْنِي: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمْ رِسَالَةَ رَبِّهِ، وَأَقَرَّ بِالْعُبُودِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ [كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُ "وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ" (الْمَائِدَةِ -117) وَكُلُّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ] (2) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا" (النِّسَاءِ -41) . . {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا} وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ نَقْضِهِمُ الْمِيثَاقَ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَبُهْتَانِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ، وَقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَتَلَنَا الْمَسِيحَ {حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} وَهِيَ مَا ذُكِرَ فِي

_ (1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 490 - 491، ومسلم في الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برقم (155) : 1 / 135، والمصنف في شرح السنة: 15 / 80 - 81. (2) ما بين القوسين ساقط من (ب) .

161

سُورَةِ الْأَنْعَامِ (1) ، فَقَالَ: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ" (الْأَنْعَامِ -146) . وَنَظْمُ الْآيَةِ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادَوْا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، {وَبِصَدِّهِمْ} وَبِصَرْفِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَيْرَهُمْ، {عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} أَيْ: عَنْ دِينِ اللَّهِ صدًا كَثِيرًا. {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) } {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} فِي التَّوْرَاةِ {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} مِنَ الرِّشَا فِي الْحُكْمِ، وَالْمَآكِلُ الَّتِي يُصِيبُونَهَا مِنْ عَوَامِّهِمْ، عَاقَبْنَاهُمْ بِأَنْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ، فَكَانُوا كُلَّمَا ارْتَكَبُوا كَبِيرَةً حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" (الْأَنْعَامِ -146) ، {وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} يَعْنِي: لَيْسَ كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنِ الرَّاسِخُونَ الْبَالِغُونَ فِي الْعِلْمِ أُولُو الْبَصَائِرِ مِنْهُمْ، وَأَرَادَ بِهِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَصْحَابِهِ، {وَالْمُؤْمِنُونَ} يَعْنِي: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، {يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} يَعْنِي: سَائِرَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ انْتِصَابِهِ، فَحُكِيَ عن عائشة 99/ب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّهُ غلط من الكاتب يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ وَالْمُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ" (الْمَائِدَةِ -62) ، وَقَوْلُهُ "إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ" (طه -63) قَالُوا: ذَلِكَ خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ (2) .

_ (1) انظر فيما سيأتي تفسير الآية في سورة الأنعام. (2) ردّ الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله هذا القول من وجوه عديدة، فقال: "لو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبي في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلّمون من علّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم ولقنوه الأمة تعليما على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوما أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب" تفسير الطبري: 9 / 397 - 398 بتعليق الشيخ شاكر. وانظر: الاتقان للسيوطي: 2 / 320 - 321 بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم.

وَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْنًا سَتُقِيمُهُ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُغَيِّرُهُ؟ فَقَالَ: دَعَوْهُ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا (1) . وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: هُوَ نَصْبٌ عَلَى الْمَدْحِ، وَقِيلَ: نَصُبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أَعْنِي الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَهُمُ الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ، وَقِيلَ: مَوْضِعُهُ خَفْضٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إِلَيْكَ وَإِلَى الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: {وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} رُجُوعٌ إِلَى النَّسَقِ الْأَوَّلِ، {وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا} قَرَأَ حَمْزَةُ سَيُؤْتِيهِمْ بِالْيَاءِ وَالْبَاقُونَ بِالنُّونِ.

_ (1) قال ابن الأنباري في كتابه "الرد على من خالف مصحف عثمان": "الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك لا تقوم بها حجة، لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان، وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين فيه خللا، ويشاهد في خطه زللا فلا يصلحه! كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده: البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه. ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: "أرى فيه لحنا. . ": أرى في خطه لحنا إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب فقد أبطل ولم يصب، لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه، فهو لاحن في نطقه. ولم يكن عثمان ليؤخر فسادا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق، ومعلوم أنه كان مواصلا لدرس القرآن، متقنا لألفاظه، موافقا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي". انظر: الاتقان في علوم القرآن للسيوطي: 2 / 322.

163

{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (163) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} هَذَا بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ "يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ" {النِّسَاءِ -153} ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ غَضِبُوا وَجَحَدُوا كُلَّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَنَزَلَ: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ" (الْأَنْعَامِ -91) وَأَنْزَلَ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} فَذَكَرَ عِدَّةً مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَوْحَى إِلَيْهِمْ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ أَبَا الْبَشَرِ مِثْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ" (الصَّافَّاتِ -77) وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ الشَّرِيعَةِ، وَأَوَّلُ نَذِيرٍ عَلَى الشِّرْكِ، وَأَوَّلُ مَنْ عُذِّبَتْ أُمَّتُهُ لِرَدِّهِمْ دَعْوَتَهُ، وَأُهْلِكَ أَهْلُ الْأَرْضِ بِدُعَائِهِ وَكَانَ أَطْوَلَ الْأَنْبِيَاءِ

164

عُمُرًا وَجُعِلَتْ مُعْجِزَتُهُ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ عَمَّرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمْ تَسْقُطْ لَهُ سِنٌّ وَلَمْ تَشِبْ لَهُ شَعْرَةٌ وَلَمْ تَنْتَقِصْ لَهُ قُوَّةٌ، وَلَمْ يَصْبِرْ نَبِيٌّ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ مَا صَبَرَ هُوَ عَلَى طُولِ عُمُرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ} وَهُمْ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ، {وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ: {زُبُورًا} وَالزُّبُورُ بِضَمِّ الزَّايِ حَيْثُ كَانَ، بِمَعْنَى: جَمْعُ زَبُورٍ، أَيْ آتَيْنَا دَاوُدَ كُتُبًا وَصُحُفًا مَزْبُورَةً، أَيْ: مَكْتُوبَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ اسْمُ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ فِيهِ التَّحْمِيدُ وَالتَّمْجِيدُ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ دَاوُدُ يَبْرُزَ إِلَى الْبَرِيَّةِ فَيَقُومُ وَيَقْرَأُ الزَّبُورَ وَيَقُومُ مَعَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَقُومُونَ خَلْفَهُ وَيَقُومُ النَّاسُ خَلْفَ الْعُلَمَاءِ، وَيَقُومُ الْجِنُّ خَلْفَ النَّاسِ، الْأَعْظَمُ فَالْأَعْظَمُ، وَالشَّيَاطِينُ خَلْفَ الْجِنِّ وَتَجِيءُ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي الْجِبَالِ فَيَقُمْنَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَجُّبًا لِمَا يَسْمَعْنَ مِنْهُ، وَالطَّيْرُ ترفرف على رؤوسهم، فَلِمَا قَارَفَ الذَّنْبَ لَمْ يَرَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ذَاكَ أُنْسُ الطَّاعَةِ، وَهَذِهِ وَحْشَةُ الْمَعْصِيَةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجَوْزَقِيُّ، أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ رَأَيْتَنِي الْبَارِحَةَ وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ لَقَدْ أُعْطِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ"، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْتَمِعُ لَحَبَّرْتُهُ لحَبَّرْتُهُ" (1) وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا رَآهُ يَقُولُ: ذَكِّرْنَا يَا أَبَا مُوسَى، فَيَقْرَأُ عِنْدَهُ. {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ} أَيْ: وَكَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَإِلَى الرُّسُلِ، {وَرُسُلًا} نُصِبَ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَصَصْنَا عَلَيْكَ رُسُلًا وَفِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ " وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ " {وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تُسَمِّي مَا يُوصَلُ إِلَى الْإِنْسَانِ كَلَامًا بِأَيِّ طَرِيقِ وَصَلَ، وَلَكِنْ لَا تُحَقِّقُهُ بِالْمَصْدَرِ، فَإِذَا حُقِّقَ بِالْمَصْدَرِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا حَقِيقَةَ الْكَلَامِ -كَالْإِرَادَةِ -يُقَالُ: أَرَادَ فَلَانٌ إِرَادَةً، يُرِيدُ (2) حَقِيقَةَ الْإِرَادَةِ،

_ (1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن: 9 / 92، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم (793) : 1 / 546، كلاهما دون قول أبي موسى: لو علمت لحبرته لك تحبيرا. قال ابن حجر في الفتح: 9 / 93 "وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه، فذكر الحديث فقال: أما إني لو علمت بمكانك لحيرته لك تحبيرا". (2) في أ: (يراد) .

165

وَيُقَالُ: أَرَادَ الْجِدَارُ، وَلَا يُقَالُ أَرَادَ الْجِدَارَ إِرَادَةً لِأَنَّهُ مَجَازٌ غَيْرُ حَقِيقَةٍ. {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (167) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فَيَقُولُوا: مَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَمَا أَنْزَلْتَ إِلَيْنَا كِتَابًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْخَلْقَ قَبْلَ بَعْثِهِ الرَّسُولَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" (الإِسْرَاءِ -15) ، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثِنًّا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا أَبُو عُوَانَةَ، أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ وُرَادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةَ، عَنِ الْمُغَيَّرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبَتْهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ اللَّهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعْثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةَ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ" (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} (2) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رُؤَسَاءِ مَكَّةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ سَأَلْنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَعَنْ صِفَتِكَ فِي كِتَابِهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَكَ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي -وَاللَّهِ -أَعْلَمُ إِنَّكُمْ لِتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ} إِنْ جَحَدُوكَ وَكَذَّبُوكَ {أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} بِكِتْمَانِ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا}

_ (1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "لا شخص أغير من الله" 13 / 399، ومسلم في اللعان برقم (1499) : 2 / 1136، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 9 / 266 - 267. (2) أخرجه الطبري: 9 / 409 عن ابن عباس، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (179) .

168

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) }

171

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) } {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا} قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ "وَظَلَمُوا" -مَعَ أَنَّ ظُلْمَهُمْ بِكُفْرِهِمْ -تَأْكِيدًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَظَلَمُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتْمَانِ نَعْتِهِ، {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} يَعْنِي: دِينَ الْإِسْلَامِ. {إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ} يَعْنِي الْيَهُودِيَّةَ، {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَبَقَ حُكْمُهُ فِيهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} تَقْدِيرُهُ: فَآمِنُوا يَكُنِ الْإِيمَانُ خَيْرًا لَكُمْ، {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} نَزَلَتْ فِي النَّصَارَى وَهُمْ أَصْنَافٌ: الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ والنُّسْطُورِيَّةُ وَالْمَرْقُوسِيَّةُ فَقَالَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ الْمَلْكَانِيَّةُ، وَقَالَتِ النُّسْطُورِيَّةُ: عِيسَى هُوَ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَتِ: الْمَرْقُوسِيَّةُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَيُقَالُ الْمَلْكَانِيَّةُ يَقُولُونَ: عِيسَى هُوَ اللَّهُ، وَالْيَعْقُوبِيَّةُ يَقُولُونَ: ابْنُ اللَّهِ، والنُّسْطُورِيَّةُ يَقُولُونَ: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. عَلَّمَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ بَوْلَسُ، سَيَأْتِي فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

_ (1) أسباب النزول للواحدي ص (218) . وعن فرق النصارى ومذاهبها انظر: محاضرات في النصرانية للشيخ محمد أبو زهرة ص (183 - 196) .

وَقَالَ الْحَسَنُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُمْ جَمِيعًا غَلَوْا فِي أَمْرِ عِيسَى، فَالْيَهُودُ بِالتَّقْصِيرِ، وَالنَّصَارَى بِمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ، وَأَصْلُ الْغُلُوِّ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ فِي الدِّينِ حَرَامٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَغْلُوَا فِي دِينِكُمْ} لَا تُشَدِّدُوا فِي دِينِكُمْ فَتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ {وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} لَا تَقُولُوا إِنَّ لَهُ شَرِيكًا وَوَلَدًا {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} وَهِيَ قَوْلُهُ "كُنْ" فَكَانَ بَشَرًا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، [وَقِيلَ غَيْرُهُ] (1) ، {أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} أَيْ أَعْلَمَهَا وَأَخْبَرَهَا بِهَا، كَمَا يُقَالُ: أَلْقَيْتُ إِلَيْكَ كَلِمَةً حَسَنَةً، {وَرُوحٌ مِنْهُ} قِيلَ: هُوَ رُوحٌ كَسَائِرِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ [تَشْرِيفًا] (2) . وَقِيلَ: الرُّوحُ هُوَ النَّفْخُ الَّذِي نَفَخَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمْلَتْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًا لأنه ريح 99/ب يَخْرُجُ مِنِ الرُّوحِ وَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ كَانَ بِأَمْرِهِ. وَقِيلَ: "رُوحٌ مِنْهُ" أَيْ وَرَحْمَةٌ، فَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَحْمَةً لِمَنْ تَبِعَهُ وَأَمِنَ بِهِ. وَقِيلَ: الرُّوحُ: الْوَحْيُ، أَوْحَى إِلَى مَرْيَمَ بِالْبِشَارَةِ، وَإِلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالنَّفْخِ، وَإِلَى عِيسَى أَنْ كُنْ فَكَانَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ" (النَّحْلِ -2) يَعْنِي: بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعْنَاهُ: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَأَلْقَاهَا إِلَيْهَا أَيْضًا رُوحٌ مِنْهُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ: "تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ" (الْقَدْرِ -4) يَعْنِي: جِبْرِيلَ فِيهَا، وَقَالَ: "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا" (مَرْيَمَ -17) ، يَعْنِي: جِبْرِيلَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ هَانِي، حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أُمِّيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حقٌ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ" (3) .

_ (1) ما بين القوسين ساقط من: (أ) . (2) ما بين القوسين ساقط من: (أ) . (3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قوله تعالى: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم": 6 / 474، ومسلم في الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، برقم (28) : 1 / 57. والمصنف في شرح السنة: 1 / 101.

172

{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ} أَيْ: وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَةٌ، وَكَانَتِ النَّصَارَى تَقُولُ: أَبٌ وَابْنٌ وَرُوحٌ قُدُسٌ، {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} تَقْدِيرُهُ: انْتَهُوا يَكُنِ الِانْتِهَاءُ خَيْرًا لَكُمْ، {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} وَاعْلَمْ أَنَّ التَّبَنِّيَ لَا يَجُوزُ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ التَّبَنِّيَ إِنَّمَا يَجُوزُ لِمَنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ وَلَدٌ، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ} وَذَلِكَ أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَعِيبُ صَاحِبَنَا فَتَقُولُ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِعَارٍ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ"، فَنَزَلَ: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ} لَنْ يَأْنَفَ وَلَنْ يَتَعَظَّمَ، وَالِاسْتِنْكَافُ: التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، {وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} وَهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، لَا يَأْنَفُونَ أَنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، وَيَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ارْتَقَى مِنْ عِيسَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ، وَلَا يُرْتَقَى إِلَّا إِلَى الْأَعْلَى، لَا يُقَالُ: لَا يَسْتَنْكِفُ فُلَانٌ مِنْ هَذَا وَلَا عَبْدُهُ، إِنَّمَا يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَسْتَنْكِفُ مِنْ هَذَا وَلَا مَوْلَاهُ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ رَفْعًا لِمَقَامِهِمْ عَلَى مَقَامِ الْبَشَرِ، بَلْ رَدًّا عَلَى الَّذِينَ يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ آلِهَةٌ، كَمَا رَدَّ عَلَى النَّصَارَى قَوْلَهُمْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَالَ رَدًّا عَلَى النَّصَارَى بِزَعْمِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِتَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} قِيلَ الِاسْتِنْكَافُ هُوَ التَّكَبُّرُ مَعَ الْأَنَفَةِ، وَالِاسْتِكْبَارُ هُوَ الْعُلُوُّ وَالتَّكَبُّرُ مِنْ غَيْرِ أَنَفَةٍ. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) } {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} مِنَ التَّضْعِيفِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر، {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا} عَنْ عِبَادَتِهِ، {فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقِيلَ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَالْبُرْهَانُ: الْحُجَّةُ، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} مُبِينًا يَعْنِي الْقُرْآنَ.

175

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) } {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} امْتَنَعُوا بِهِ مِنْ زَيْغِ الشَّيْطَانِ، {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} يَعْنِي الْجَنَّةَ، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} نَزَلَتْ فِي جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وُضُوئِهِ، فَعَقَلِتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ الْمِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي الْكَلَالَةُ؟ فَنَزَلَتْ "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ" (1) ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْكَلَالَةِ وَحُكْمَ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ (2) . وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانُ حُكْمِ مِيرَاثِ الْأُخُوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ. قَوْلُهُ {يَسْتَفْتُونَكَ} أَيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا} يَعْنِي إِذَا مَاتَتِ الْأُخْتُ فَجَمِيعُ مِيرَاثِهَا لِلْأَخِ، {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} فَإِنْ كَانَ لَهَا ابْنٌ فَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدُهَا أُنْثَى فَلِلْأَخِ مَا فَضُلَ عَنْ فَرْضِ الْبَنَاتِ، {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} أَرَادَ اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ أَخَوَاتٌ فَلَهُنَّ الثُّلْثَانِ، {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} ، {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} قَالَ الْفَرَّاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا تَضِلُّوا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُبَيَّنُ اللَّهُ لَكُمْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ

_ (1) أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب يوصيكم الله في أولادكم: 8 / 243، وفي الوضوء، ومسلم في الفرائض - باب ميراث الكلالة، برقم (1616) : 3 / 1234، والمصنف في شرح السنة: 8 / 336 - 337) . (2) انظر فيما سبق، تفسير الآية (12) من السورة.

كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةً سُورَةُ النِّسَاءِ {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} (1) وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَآخَرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ قَوْلُهُ تَعَالَى "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ" (الْبَقَرَةِ -281) . وَرُوِيَ بَعْدَ مَا نَزَلَتْ سُورَةُ النَّصْرِ عَاشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامًا، وَنَزَلَتْ بَعْدَهَا سُورَةُ بَرَاءَةٍ وَهِيَ آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً فَعَاشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِي طَرِيقِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ" فَسُمِّيَتْ آيَةُ الصَّيْفِ، ثُمَّ نَزَلَتْ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" (الْمَائِدَةِ -3) فَعَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَاتُ الرِّبَا، ثُمَّ نَزَلَتْ "وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ" فَعَاشَ بَعْدَهَا أَحَدًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا (2) .

_ (1) أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب "يستفتونك قل الله يفتيكم. . . ": 8 / 267، ومسلم في الفرائض- باب آخر آية أنزلت آية الكلالة برقم (1618) : 3 / 1236 - 1237. (2) انظر هذه الأقوال ومن خرجها في: الاتقان للسيوطي: 1 / 101 - 106.

المائدة

سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ آية، نزلت بالمدنية كُلُّهَا إِلَّا قَوْلَهُ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الْآيَةَ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِعَرَفَاتٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رُوِيَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ السُّورَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حُكْمًا لَمْ يُنْزِلْهَا فِي غَيْرِهَا، قَوْلُهُ: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ} {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وَتَمَامُ الطُّهُورِ فِي قَوْلِهِ: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الْآيَةَ، {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} ذوقوله: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} (1) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} أَيْ بِالْعُهُودِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ أَوْكَدُ الْعُهُودِ، يُقَالُ: عَاقَدْتُ فُلَانًا وَعَقَدْتُ عَلَيْهِ أَيْ: أَلْزَمْتُهُ ذَلِكَ بِاسْتِيثَاقٍ، وَأَصْلُهُ مِنْ عَقْدِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَوَصْلِهِ بِهِ، كَمَا

_ (1) أخرجه الفريابي، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن أبي ميسرة. انظر الدر المنثور: 3 / 4.

يُعْقَدُ الْحَبْلُ بِالْحَبْلِ [إِذَا وُصِلَ] (1) . وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، يَعْنِي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْفُوا بِالْعُهُودِ الَّتِي عَهِدْتُهَا إِلَيْكُمْ فِي شَأْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ" (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، 187) . وَقَالَ الْآخَرُونَ: هُوَ عَامٌّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَرَادَ بِهَا الْحِلْفَ الَّذِي تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هِيَ عُهُودُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ. {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ} قال 100/ب الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَأَرَادَ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْأَنْعَامِ. وَرَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ هِيَ الْأَجِنَّةُ، وَمِثْلُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: هِيَ الْأَجِنَّةُ الَّتِي تُوجَدُ مَيْتَةً فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهَا إِذَا ذُبِحَتْ أَوْ نُحِرَتْ، ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى تَحْلِيلِهِ. [قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ] (2) قَرَأْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْخِرَقِيِّ فَقُلْتُ: قُرِئَ عَلَى أَبِي سَهْلٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ طَرَفَةَ وَأَنْتَ حَاضِرٌ، فَقِيلَ لَهُ: حَدَّثَكُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرِ ابن دَاسَةَ أَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ، أَنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ فَقَالَ: "كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (3) . وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

_ (1) ساقط من "ب". (2) ساقط من "ب". (3) أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين: 4 / 118، والترمذي في الصيد، باب ما جاء في ذكاة الجنين، بلفظ: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال: حديث حسن. والدارقطني في الصيد والذبائح والأطعمة: 4 / 274، والإمام أحمد في المسند: 3 / 31، 45، 53، والمصنف في شرح السنة: 11 / 228. كلهم رووه من طريق مجالد عن أبي الودّاك عن أبي سعيد الخدري. قال عبد الحق: لا يحتج بأسانيده كلها. وقال الغزالي: هو حديث صحيح لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده. وقال الحافظ ابن حجر: في هذا نظر، والحق أن فيه ما تنتهض به الحجة، وهو مجموع طرقه، وطرق حديث جابر -الآتي بعد هذا مباشرة- انظر: تلخيص الحبير: 4 / 156-158، نصب الراية: 4 / 189-192، مختصر المنذري لسنن أبي داود: 4 / 119-121.

2

قَالَ" "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" (1) . وَشَرَطَ بَعْضُهُمُ الْإِشْعَارَ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا إِذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ، وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ الْجَنِينِ إِذَا خَرَجَ مَيْتًا بَعْدَ ذَكَاةِ الْأُمِّ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ: وَحْشِيُّهَا، وَهِيَ الظِّبَاءُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ، سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا أُبْهِمَتْ عَنِ التَّمْيِيزِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا لَا نُطْقَ لَهَا، {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} أَيْ: مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ" إِلَى قَوْلِهِ: "وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ"، {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ} وَهُوَ نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: لَا مُحِلِّي الصَّيْدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ كُلُّهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ لَا يَحِلُ لَكُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} نَزَلَتْ فِي الْحُطَمِ وَاسْمُهُ شُرَيْحُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْبَكْرِيُّ، أَتَى الْمَدِينَةَ وَخَلَّفَ خَيْلَهُ [خَارِجَ] (2) الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ وَحْدَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: إِلَى مَا تَدْعُو النَّاسَ؟ فَقَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، [وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ] (3) وَإِقَامِ الصَّلَاةِ

_ (1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب ما جاء في ذكاة الجنين: 4 / 119، والدارمي في الأضاحي، باب في ذكاة الجنين: 2 / 84، والدارقطني: 4 / 273 بلفظ "كل الجنين في بطن أمه"، وصححه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم ووافقه الذهبي: 4 / 114. وعزاه الهيثمي في المجمع: 4 / 35 والزيلعي في نصب الراية: 4 / 189 لأبي يعلى في مسنده. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 229. قال المنذري: في إسناده عبد الله بن أبي زياد المكي القداح، وفيه مقال. وقال الهيثمي: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف. وصححه الألباني في إرواء الغليل: 8 / 172. (2) في "ب": (ظاهر) . (3) ساقط من "ب".

وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: [حَسَنٌ] (1) إِلَّا أَنَّ لِي أُمَرَاءَ لَا أَقْطَعُ أَمْرًا دُونَهُمْ، وَلَعَلِّي أُسْلِمُ وَآتِي بِهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ [بِلِسَانِ] (2) شَيْطَانٍ، ثُمَّ خَرَجَ شُرَيْحٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَخَرَجَ بِقَفَا غَادِرٍ وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ، فَمَرَّ بِسَرْحِ الْمَدِينَةِ فَاسْتَاقَهُ وَانْطَلَقَ، فَاتَّبَعُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ خَرَجَ حَاجًّا فِي حُجَّاجِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنَ الْيَمَامَةِ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَدْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا الْحُطَمُ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ قَدْ قَلَّدَ الْهَدْيَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا شَيْءٌ كُنَّا نَفْعَلُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} (3) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ وَيُهْدُونَ، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: شَعَائِرُ اللَّهِ هِيَ الْهَدَايَا الْمُشْعَرَةُ، وَالْإِشْعَارُ مِنَ الشِّعَارِ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَإِشْعَارُهَا: إِعْلَامُهَا بِمَا يُعْرَفُ أَنَّهَا هَدْيٌ، وَالْإِشْعَارُ هَاهُنَا: أَنْ يَطْعَنَ فِي صَفْحَةِ سَنَامِ الْبَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً أَنَّهَا هَدْيٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ فِي الْهَدَايَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْإِبِلِ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا أَفْلَحُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ (4) . وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ الْبَقَرَ عَلَى الْإِبِلِ فِي الْإِشْعَارِ، وَأَمَّا الْغَنَمُ فَلَا تُشْعَرُ بِالْجَرْحِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ الْجَرْحَ لِضَعْفِهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُشْعَرُ الْهَدْيُ. وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ هِيَ أَنْ تَصِيدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا"، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرَادَ حَرَمَ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: شَعَائِرُ اللَّهِ حُرُمَاتُ اللَّهِ وَاجْتِنَابُ سَخَطِهِ وَاتِّبَاعُ طَاعَتِهِ. قَوْلُهُ: {وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} أَيْ: بِالْقِتَالِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ النَّسِيءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحِلُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا، {وَلَا الْهَدْيَ} وَهُوَ كُلُّ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ بَعِيرٍ أَوْ

_ (1) في "ب": (حسبي) . (2) في "ب": (بكلام) . (3) انظر: تفسير الطبري: 9 / 472-473، الدر المنثور: 3 / 9-10، أسباب النزول للواحدي ص (219) ، تفسير القرطبي: 6 / 43. (4) أخرجه البخاري في الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة: 3 / 542، ومسلم في الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم ... برقم (1321) : 2 / 957، والمصنف في شرح السنة: 7 / 92.

بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، {وَلَا الْقَلَائِدَ} أَيِ: الْهَدَايَا الْمُقَلَّدَةُ، يُرِيدُ ذَوَاتَ الْقَلَائِدِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أَرَادَ أَصْحَابَ الْقَلَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَرَمِ قَلَّدُوا أَنْفُسَهُمْ وَإِبِلَهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ كَيْلَا يُتَعَرَّضَ لَهُمْ، فَنَهَى الشَّرْعُ عَنِ اسْتِحْلَالِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَقَالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: هِيَ الْقَلَائِدُ نَفْسُهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ مَكَّةَ وَيَتَقَلَّدُونَهَا فَنُهُوا عَنْ نَزْعِ شَجَرِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} أَيْ: قَاصِدِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، يَعْنِي: الْكَعْبَةَ فَلَا تَتَعَرَّضُوا لَهُمْ، {يَبْتَغُونَ} يَطْلُبُونَ {فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ} يَعْنِي الرِّزْقَ بِالتِّجَارَةِ، {وَرِضْوَانًا} أَيْ: عَلَى زَعْمِهِمْ؛ لِأَنَّ الْكَافِرِينَ لا نصيب له فِي الرِّضْوَانِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَنْ يُصْلِحَ مَعَاشَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِيهَا، وَقِيلَ: ابْتِغَاءُ الْفَضْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَامَّةً، وَابْتِغَاءُ الرِّضْوَانِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ، وَهَذِهِ الْآيَةُ إِلَى هَاهُنَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: "فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ" (سُورَةُ التَّوْبَةِ، 5) وَبِقَوْلِهِ: "فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (سُورَةُ التَّوْبَةِ، 28) ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ مُشْرِكٌ وَلَا أَنْ يَأُمَّنَ كَافِرٌ بِالْهَدْيِ وَالْقَلَائِدِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} مِنْ إِحْرَامِكُمْ، {فَاصْطَادُوا} أَمْرُ إِبَاحَةٍ، أَبَاحَ لِلْحَلَالِ أَخْذَ الصَّيْدِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ" (الْجُمُعَةِ، 10) . {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَنِي فُلَانٌ عَلَى أَنْ صَنَعْتُ كَذَا، أَيْ حَمَلَنِي، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَا يَكْسِبَنَّكُمْ، يُقَالُ: جَرَمَ أَيْ: كَسَبَ، وَفُلَانٌ جَرِيمَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، وَقِيلَ: لَا يَدْعُوَنَّكُمْ، {شَنَآنُ قَوْمٍ} أَيْ: بُغْضُهُمْ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَهُوَ مَصْدَرُ شَنَئْتَ، قرأ ابن ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ {شَنْآنُ قَوْمٍ} بِسُكُونِ النُّونِ الْأُولَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ، لِأَنَّ الْمَصَادِرَ أَكْثَرُهَا فَعَلَانِ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِثْلُ الضَّرَبَانِ وَالسَّيَلَانِ وَالنَّسَلَانِ وَنَحْوِهَا، {أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الْأَلْفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، أَيْ: لِأَنْ صَدُّوكُمْ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ قَوْمٍ عَلَى الِاعْتِدَاءِ لِأَنَّهُمْ صَدُّوكُمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ الصَّدُّ قَدْ تَقَدَّمَ، {أَنْ تَعْتَدُوا} عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، {وَتَعَاوَنُوا} أَيْ: لِيُعِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، {عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} قِيلَ: الْبِرُّ مُتَابَعَةُ الْأَمْرِ، وَالتَّقْوَى مُجَانَبَةُ النَّهْيِ، وَقِيلَ: الْبِرُّ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّقْوَى: السُّنَّةُ، {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} قِيلَ: الْإِثْمُ: الْكُفْرُ، وَالْعُدْوَانُ: الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ: الْمَعْصِيَةُ، والعدوان: البدعة.

101\أأَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي طَاهِرٍ الدَّقَّاقُ بِبَغْدَادَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْقُرَشِيُّ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ أَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النُّوَاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، قَالَ: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ" (1) . {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

_ (1) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تفسير البر والإثم، برقم (2553) : 4 / 1980، والمصنف في شرح السنة: 13 / 76.

3

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} أَيْ: مَا ذُكِرَ عَلَى ذَبْحِهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، {وَالْمُنْخَنِقَةُ} وَهِيَ الَّتِي تَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، {وَالْمَوْقُوذَةُ} هِيَ الْمَقْتُولَةُ بِالْخَشَبِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، {وَالْمُتَرَدِّيَةُ} هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ مَكَانٍ عَالٍ أَوْ فِي بِئْرٍ فَتَمُوتُ، {وَالنَّطِيحَةُ} وَهِيَ الَّتِي تَنْطَحُهَا أُخْرَى فَتَمُوتُ، وَهَاءُ التَّأْنِيثِ تَدْخُلُ فِي الْفَعِيلِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ اسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ، نَحْوَ عَيْنٍ كَحِيلٍ وَكَفٍّ خَضِيبٍ، فَإِذَا حَذَفْتَ الِاسْمَ وَأَفْرَدْتَ الصِّفَةَ، أَدْخَلُوا الْهَاءَ فَقَالُوا: رَأَيْنَا كَحِيلَةً وَخَضِيبَةً، وَهُنَا أَدْخَلَ الْهَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا الِاسْمُ، فَلَوْ أَسْقَطَ الْهَاءَ لَمْ يُدْرَ أَنَّهَا صِفَةُ مُؤَنَّثٍ أَمْ مُذَكَّرٍ، وَمِثْلُهُ الذَّبِيحَةُ وَالنَّسِيكَةُ، وَأَكِيلَةُ السَّبُعِ {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} يُرِيدُ مَا بَقِيَ مِمَّا أَكَلَ السَّبْعُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَهُ، {إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} يَعْنِي: إِلَّا مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.

وَأَصْلُ التَّذْكِيَةِ الْإِتْمَامُ، يُقَالُ: ذَكَّيْتَ النَّارَ إِذَا أَتْمَمْتَ إِشْعَالَهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا: إِتْمَامُ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ غَيْرَ السِّنِّ وَالظُّفُرِ" (1) . وَأَقَلُّ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عليه قطع المري وَالْحُلْقُومِ وَكَمَا لَهُ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَهُمَا، وَيَجُوزُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ يَقْطَعُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ حَجَرٍ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الذَّبْحِ بِهِمَا، وَإِنَّمَا يَحِلُّ مَا ذَكَّيْتَهُ بَعْدَمَا جَرَحَهُ السَّبُعُ وَأَكَلَ شَيْئًا مِنْهُ إِذَا أَدْرَكْتَهُ وَالْحَيَاةُ فِيهِ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَبَحْتَهُ، فَأَمَّا مَا صَارَ بِجَرْحِ السَّبُعِ إِلَى حَالَةِ الْمَذْبُوحِ، فَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، فَلَا يَكُونُ حَلَالًا وَإِنْ ذَبَحْتَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ إِذَا أَدْرَكْتَهَا حَيَّةً قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَالَةِ الْمَذْبُوحِ فَذَبَحْتَهَا تَكُونُ حَلَالًا وَلَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فِي الْهَوَاءِ فَأَصَابَهُ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ كَانَ حَلَالًا؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ ضَرُورَتِهِ، فَإِنْ سَقَطَ عَلَى جَبَلٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ سَطْحٍ ثُمَّ تَرَدَّى مِنْهُ فَمَاتَ فَلَا يَحِلُّ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَرَدِّيَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ أَصَابَ مَذْبَحَهُ فِي الْهَوَاءِ فَيَحِلُّ كَيْفَ مَا وَقَعَ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ حَصَلَ بِإِصَابَةِ السَّهْمِ الْمَذْبَحَ. {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} قِيلَ: النُّصُبُ جَمْعٌ وَاحِدُهُ نِصَابٌ، وَقِيلَ: هُوَ وَاحِدٌ وَجَمْعُهُ أَنْصَابٌ مِثْلُ عُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْمَنْصُوبُ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: كَانَتْ حَوْلَ الْبَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ حَجَرًا مَنْصُوبَةً، كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْبُدُونَهَا وَيُعَظِّمُونَهَا وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ بِأَصْنَامٍ، إِنَّمَا الْأَصْنَامُ هِيَ الْمُصَوَّرَةُ الْمَنْقُوشَةُ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: هِيَ الْأَصْنَامُ الْمَنْصُوبَةُ، وَمَعْنَاهُ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ النُّصُبِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ: هُمَا وَاحِدٌ، قَالَ قُطْرُبٌ: عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ أَيْ: وَمَا ذُبِحَ لِأَجْلِ النُّصُبِ. {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} أَيْ: وَيَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ، وَالِاسْتِقْسَامُ هُوَ طَلَبُ الْقَسْمِ وَالْحُكْمِ مِنَ الْأَزْلَامِ، وَالْأَزْلَامُ هِيَ: الْقِدَاحُ الَّتِي لَا رِيشَ لَهَا وَلَا نَصْلَ، وَاحِدُهَا: زَلْمٌ، وَزُلْمٌ بِفَتْحِ الزَّايِ وَضَمِّهَا، وَكَانَتْ أَزْلَامُهُمْ سَبْعَةَ قِدَاحٍ مُسْتَوِيَةٍ مِنْ شَوْحَطٍ (2) يَكُونُ عِنْدَ سَادِنِ الْكَعْبَةِ، مَكْتُوبٌ عَلَى وَاحِدٍ: نَعَمْ، وَعَلَى وَاحِدٍ: لَا وَعَلَى وَاحِدٍ: مِنْكُمْ، وَعَلَى وَاحِدٍ: مِنْ غَيْرِكُمْ، وَعَلَى

_ (1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد: 9 / 631، ومسلم في الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظم، برقم (1968) : 3 / 1558. (2) الشَّوْحَط: شجر تتخذ منه القسيّ. (القاموس المحيط: 2 / 680) ، وانظر: الميسر والقداح، لابن قتيبة ص (44) وما بعدها.

وَاحِدٍ: مُلْصَقٌ، وَعَلَى وَاحِدٍ: الْعَقْلُ، وَوَاحِدٌ غُفْلٌ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَمْرًا مِنْ سَفَرٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَدَارَءُوا فِي نَسَبٍ أَوِ اخْتَلَفُوا فِي تَحَمُّلِ عَقْلٍ جَاءُوا إِلَى هُبَلَ، وَكَانَ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وَجَاءُوا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ حَتَّى يُجِيلَ الْقِدَاحَ، وَيَقُولُونَ: يَا إِلَهَنَا إِنَّا أَرَدْنَا كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ خَرَجَ نَعَمْ، فَعَلُوا، وَإِنْ خَرَجَ لَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ حَوْلًا ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْقِدَاحِ ثَانِيَةً، فَإِذَا أَجَالُوا عَلَى نَسَبٍ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْكُمْ كَانَ وَسَطًا مِنْهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِكُمْ كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ مُلْصَقٌ كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي عَقْلٍ فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ قَدَحُ الْعَقْلِ حَمَلَهُ، وَإِنْ خَرَجَ الْغُفْلُ أَجَالُوا ثَانِيًا حَتَّى يَخْرُجَ الْمَكْتُوبُ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ، وَقَالَ: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَزْلَامُ حَصًى بِيضٌ كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا، وَقَالَ مُجَاهِدٍ: هِيَ كِعَابُ فَارِسَ وَالرُّومِ الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ: الْأَزْلَامُ لِلْعَرَبِ، وَالْكِعَابُ لِلْعَجَمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ: هِيَ الشِّطْرَنْجُ، وَرُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ" (1) وَالْمُرَادُ مِنَ الطَّرْقِ: الضَّرْبُ بِالْحَصَى. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا ابْنُ فَنْجَوَيْهِ أَنَا ابْنُ الْفَضْلِ الْكِنْدِيُّ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ دَاوُدَ الْخَشَّابُ أَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَنَا [أَبُو الْمُخْتَارِ] (2) عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَكَهَّنَ أَوِ اسْتَقْسَمَ أَوْ تَطَيَّرَ طِيَرَةً تَرُدُّهُ عَنْ سَفَرِهِ لَمْ يَنْظُرْ إلى الدرجات العلى مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} يَعْنِي: أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينِهِمْ كُفَّارًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَطْمَعُونَ فِي عَوْدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى دِينِهِمْ فَلَمَّا قَوِيَ الْإِسْلَامُ يَئِسُوا، وَيَئِسَ وَأَيِسَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَوْمَ عَرَفَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفٌ بِعَرَفَاتٍ عَلَى نَاقَتِهِ الْعَضْبَاءِ، فَكَادَتْ عَضُدُ النَّاقَةِ تَنْدَقُّ مِنْ ثِقَلِهَا فَبَرَكَتْ.

_ (1) أخرجه أبو داود في الطب، باب في الخط وزجر الطير: 5 / 373، وأحمد في المسند: 3 / 477، 5 / 60، والمصنف في شرح السنة: 12 / 177. وعزاه المنذري للنسائي. قال النووي: إسناده حسن. انظر: فيض القدير: 4 / 396. (2) في "ب": (أبو المحياة) . وهو يحيى بن يعلى التيمي، ثقة من الثامنة. (التقريب) . (3) عزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط، وقال: فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو كذاب. مجمع الزوائد: 1 / 128. وأخرجه أبو نعيم في الحلية: 5 / 174، وقال: غريب من حديث الثوري عن عبد الملك، تفرد به محمد بن الحسن.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَاحِ سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ أَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ أَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَأُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قَالَ: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرْفَنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (1) . أَشَارَ عُمَرُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ عِيدًا لَنَا". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ خَمْسَةُ أَعْيَادٍ: جُمْعَةٌ وَعَرَفَةُ وعيد اليهود 101/ب وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، وَلَمْ تَجْتَمِعْ أَعْيَادُ أَهْلِ الْمِلَلِ فِي يَوْمٍ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. رَوَى هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ"؟ فَقَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ مِنْ دِينِنَا، فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا نَقُصَ، قَالَ: صَدَقْتَ (2) . وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَاشَ بَعْدَهَا إِحْدَى وَثَمَانِينَ يَوْمًا، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ بَعْدَمَا زَاغَتِ الشَّمْسُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ [سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ] (3) وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ فِي الثَّانِي عَشَرَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يَعْنِي: يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ وَالْحُدُودَ وَالْجِهَادَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، فَلَمَّ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ، وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْفَرَائِضِ. هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ آيَةَ الرِّبَا نَزَلَتْ بَعْدَهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَكُمْ مُشْرِكٌ. وَقِيلَ: أَظْهَرْتُ دِينَكُمْ وَأَمَّنْتُكُمْ مِنَ الْعَدُوِّ.

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة المائدة، باب "اليوم أكملت لكم دينكم ... ": 8 / 270، وفي الإيمان، والاعتصام. وأخرجه مسلم في التفسير، برقم (3017) : 4 / 2313. (2) أخرجه الطبري في التفسير: 9 / 519، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة. انظر الدر المنثور: 3 / 18. (3) ما بين القوسين ساقط من: "ب".

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} يَعْنِي: وَأَنْجَزْتُ وَعْدِي فِي قَوْلِ "وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ" (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 150) ، فَكَانَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ أَنْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وَعَلَيْهَا ظَاهِرِينَ، وَحَجُّوا مُطْمَئِنِّينَ لَمْ يُخَالِطْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} سَمِعْتُ عَبْدَ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيَّ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْمُسَيَّبِ الْمَرْوَزِيَّ، سَمِعْتُ أَبَا حَاتِمٍ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الْحَنْظَلِيَّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَسْلَمَةَ أَنَا مَرْوَانُ الْمِصْرِيُّ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَمِعْتُ عَمِّي مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "قَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا دِينٌ ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي وَلَنْ يُصْلِحَهُ إِلَّا السَّخَاءُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا مَا صَحِبْتُمُوهُ" (1) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} أَيْ: أُجْهِدَ فِي مَجَاعَةٍ، وَالْمَخْمَصَةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنَ الْغِذَاءِ، يُقَالُ: رَجُلٌ خَمِيصُ الْبَطْنِ إِذَا كَانَ طَاوِيًا خَاوِيًا، {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} أَيْ: مَائِلٍ إِلَى إِثْمٍ وَهُوَ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَقَالَ قَتَادَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِمَعْصِيَةٍ فِي مَقْصِدِهِ، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وَفِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ: فَأَكَلَهُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجٍ الطَّحَّانُ أَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ قُرَيْشِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ أَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللِّيثِيِّ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكُونُ بِالْأَرْضِ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ فَقَالَ: "مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ

_ (1) أخرجه الطبراني في الأوسط عن جابر، وبمعناه أيضا عن عمران بن حصين، ورواه الأصبهاني وذكره المنذري بصيغة التضعيف في الترغيب والترهيب: 3 / 383، 406. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك" مجمع الزوائد: 3 / 248، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (1282) : 3 / 441-442. وانظر: بحثا بعنوان: إن الدين عند الله الإسلام. في مجلة البحوث الإسلامية، العدد (16) .

4

تَغْتَبِقُوا أَوْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا" (1) . {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} الْآيَةَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَزَيْدِ بْنِ الْمُهَلْهِلِ الطَّائِيَّيْنِ وَهُوَ زَيْدُ الْخَيْلِ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ الْخَيْرِ، قَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاةِ فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (2) . وَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْتَ بِقَتْلِهَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (3) فَلَمَّا نَزَلَتْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اقْتِنَاءِ الْكِلَابِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا، وَنَهَى عَنْ إِمْسَاكِ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْهَا. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" (4) وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي سَبَبِ نِزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: كُلُّ مَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 218، والدارمي في الأضاحي، باب في أكل الميتة للمضطر: 2 / 88. وأخرجه أيضا: البيهقي والطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن في إسناده انقطاعا، فإن حسان بن عطية لم يسمع من أبي واقد الليثي، واختلف في صحبة أبي واقد. وأخرجه المصنف أيضا في شرح السنة: 11 / 347، وساقه ابن كثير برواية الإمام أحمد وقال: "هو إسناد صحيح على شرط الشيخين". ومعنى قوله "تحتفئوا بها بقلا": قال أبو عبيد: بلغني أنه من الحفاء، مهموز مقصور، وهو أصل البردي الأبيض الرطب منه، وهو يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه، فتأكلوه. وقيل: صوابه "ما لم تحتفوها بها بقلا" مخفف الفاء غير مهموز، وكل شيء استؤصل فقد احتفي، ومنه إحفاء الشعر، يقال: احتفى الرجل يحتفي: إذا أخذ من وجه الأرض بأطراف أصابعه. وقال: معنى الحديث: إنما لكم منها، يعني من الميتة، الصبوح: وهو الغداء، أو الغبوق: وهو العشاء، فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة. وأنكروا هذا على أبي عبيد، وقالوا: معناه: إذا لم تجدوا صبوحا أو غبوقا، ولم تجدوا بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة ... انظر: شرح السنة: 11 / 347-348. (2) أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، انظر: الدر المنثور: 3 / 20، أسباب النزول للواحدي ص (222-223) . (3) أخرجه الحاكم عن أبي رافع: 2 / 311 وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (221) ، الدر المنثور: 3 / 21. (4) أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة، باب اقتناء الكلب للحرث: 5 / 5، بلفظ "من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية". وأخرجه مسلم في المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك (1575) : 3 / 1203، والمصنف في شرح السنة: 11 / 209.

وَتَسْتَلِذُّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ بِتَحْرِيمِهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سَنَةٍ {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} يَعْنِي: وَأُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْجَوَارِحِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا، وَلَا يَحِلُّ مَا صَادَهُ غَيْرُ الْكَلْبِ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ ذَكَاتَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ، بَلْ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَوَارِحِ وَالْكَوَاسِبِ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ كَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْكَلْبِ، وَمِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَقْبَلُ التَّعْلِيمَ، فَيَحِلُّ صَيْدُ جَمِيعِهَا، سُمِّيَتْ جَارِحَةً: لِجَرْحِهَا لِأَرْبَابِهَا أَقْوَاتَهُمْ مِنَ الصَّيْدِ، أَيْ: كَسْبِهَا، يُقَالُ: فُلَانٌ جَارِحَةُ أَهْلِهِ، أَيْ: كَاسِبُهُمْ، {مُكَلِّبِينَ} وَالْمُكَلِّبُ الَّذِي يُغْرِي الْكِلَابَ عَلَى الصَّيْدِ، وَيُقَالُ لِلَّذِي يُعَلِّمُهَا أَيْضًا: مُكَلِّبٌ، وَالْكَلَّابُ: صَاحِبُ الْكِلَابِ، وَيُقَالُ لِلصَّائِدِ بِهَا أَيْضًا كَلَّابٌ، وَنَصَبَ مُكَلِّبِينِ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: فِي حَالِ تَكْلِيبِكُمْ هَذِهِ الجوارح أي إغرائكم إِيَّاهَا عَلَى الصَّيْدِ، وَذَكَرَ الْكِلَابَ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وَأَعَمُّ، وَالْمُرَادُ جَمِيعُ جَوَارِحِ الصَّيْدِ، {تُعَلِّمُونَهُنَّ} تُؤَدِّبُونَهُنَّ آدَابَ أَخْذِ الصَّيْدِ، {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ} أَيْ: مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ كَمَا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، "مِنْ" بِمَعْنَى الْكَافِ، {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ} أَرَادَ أَنَّ الْجَارِحَةَ الْمُعَلَّمَةَ إِذَا خَرَجَتْ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا فَأَخَذَتِ الصَّيْدَ وَقَتَلَتْهُ كَانَ حَلَالًا وَالتَّعْلِيمُ هُوَ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: إِذَا أُشْلِيَتِ اسْتَشْلَتْ، وَإِذَا زُجِرَتِ انْزَجَرَتْ، وَإِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ أَمْسَكَتْ وَلَمْ تَأْكُلْ، وَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ كَانَتْ مُعَلَّمَةً، يَحِلُّ قَتْلُهَا إِذَا خَرَجَتْ بِإِرْسَالِ صَاحِبِهَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا ثَابِتُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ كِلَابًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وَإِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ" (1) وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ وَأَكَلَتْ مِنْهُ شَيْئًا: فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى تَحْرِيمِهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ

_ (1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة: 9 / 610، ومسلم في الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم (1929) : 3 / 1531 بلفظ مقارب، والمصنف في شرح السنة: 11 / 191-192.

وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ". وَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ فِي أَكْلِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ: لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ" (1) . وَأَمَّا غَيْرُ المعلم من 102\أالْجَوَارِحِ إِذَا أَخَذَ صَيْدًا، أَوِ الْمُعَلَّمُ إِذَا خَرَجَ بِغَيْرِ إِرْسَالِ صَاحِبِهِ فَأَخَذَ وَقَتَلَ فَلَا يَكُونُ حَلَالًا إِلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ صَاحِبُهُ حَيًّا فَيَذْبَحَهُ، فَيَكُونُ حَلَالًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَنَا حَيْوَةُ أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ، وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ فَمَا يَصِحُّ لِي؟ قَالَ: "أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} فَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الذَّبِيحَةِ شَرْطٌ حَالَةَ مَا يُذْبَحُ، وَفِي الصَّيْدِ حَالَةَ مَا يُرْسِلُ الْجَارِحَةَ أَوِ السَّهْمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّاوُدِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُلْوِيَّةَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْأَثْرَمِ الْمُقْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَيْبَةَ أَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: "ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، قَالَ: رَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا وَيَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ

_ (1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب في الصيد: 4 / 136، والمصنف في شرح السنة: 11 / 195. قال المنذري في مختصر السنن: "في إسناده داود بن عمرو الأودي الدمشقي، عامل واسط، وثقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: حديث مقارب، وقال أبو زرعة: لا بأس به ... وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ليس بالقوي". (2) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب صيد القوس: 9 / 604-605، وباب ما جاء في التصيد: 9 / 612، وباب آنية المجوس: 9 / 622، ومسلم في الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلّمة، برقم (1930) : 3 / 1532. والمصنف في شرح السنة: 11 / 199.

5

وَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ" (1) . {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} يَعْنِي: الذَّبَائِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} يُرِيدُ ذَبَائِحَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَالٌ لَكُمْ، فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ ذَبَحَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ عَلَى اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كَالنَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ عُمَرُ (2) لَا يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَحِلُّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ، سُئِلَ الشَّعْبِيُّ وَمَكْحُولٌ عَنِ النَّصْرَانِيِّ يَذْبَحُ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، قَالَا يَحِلُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ ذَبَائِحَهُمْ وَهُوَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُونَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِذَا ذَبَحَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ فَذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ فَلَا تَأْكُلْهُ فَإِذَا غَابَ عَنْكَ فَكُلْ فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ شَرَعَ لَهُمْ حِلُّ طَعَامِنَا وَهُمْ كُفَّارٌ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ؟ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ فَيَكُونُ خِطَابُ الْحِلِّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ حِلَّ الْمُسْلِمَاتِ لَهُمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ حَلَالٌ لَكُمْ أَنْ تُطْعِمُوهُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُزَوِّجُوهُمْ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} هَذَا رَاجَعٌ إِلَى الْأَوَّلِ مُنْقَطِعٌ عَنْ قَوْلِهِ: "وَطَعَامُكُمْ حَلٌّ لَهُمْ".

_ (1) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب من ذبح بيده: 10 / 18، وفي أبوب أخرى. ومسلم في الأضاحي، باب استحباب الضحية، برقم (1966) : 3 / 1556-1557، والمصنف في شرح السنة: 4 / 334. (2) في "ب": (ابن عمر) .

اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى " الْمُحْصَنَاتِ " فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُنَّ الْحَرَائِرُ، وَأَجَازُوا نِكَاحَ كُلِّ حُرَّةٍ، مُؤْمِنَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً، فَاجِرَةً كَانَتْ أَوْ عَفِيفَةً، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لقوله تعالى: "فمما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ" (سُورَةُ النِّسَاءِ، 25) جَوَّزَ نِكَاحَ الْأَمَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً، وَجَوَّزَ أَكْثَرُهُمْ نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَجُوزُ وَقَرَأَ "قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" إِلَى قَوْلِهِ "حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ" (التَّوْبَةِ، 29) ، فَمَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ حَلَّ لَنَا نِسَاؤُهُ وَمَنْ لَمْ يُعْطِهَا فَلَا يَحِلُّ لَنَا نِسَاؤُهُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ: الْعَفَائِفُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً وَأَجَازُوا نِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَحَرَّمُوا الْبَغَايَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكِتَابِيَّاتِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إِحْصَانُ الْكِتَابِيَّةِ أَنْ تَسْتَعِفَّ مِنَ الزِّنَا وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ. {إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} مُهُورَهُنَّ {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} غَيْرَ مُعَالِنِينَ بِالزِّنَا، {وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} أَيْ: يُسِرُّونَ بِالزِّنَا، قَالَ الزَّجَّاجُ: حَرَّمَ اللَّهُ الْجِمَاعَ عَلَى جِهَةِ السِّفَاحِ وَعَلَى جِهَةِ اتِّخَاذِ الصَّدِيقَةِ، وَأَحَلُّهُ عَلَى جِهَةِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ التَّزَوُّجُ. {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَقُولُ لَيْسَ إِحْصَانُ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُنَّ بِالَّذِي يُخْرِجُهُنَّ مِنَ الْكُفْرِ أَوْ يُغْنِي عَنْهُنَّ شَيْئًا وَهِيَ لِلنَّاسِ عَامَّةً: "وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ" أَيْ: بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ

الْإِيمَانُ بِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِالْإِيمَانِ أَيْ: بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ أَيْ: يَسْتَحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ الثَّوَابَ.

6

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} أَيْ: إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ"، (سُورَةُ النَّحْلِ، 98) ، أَيْ: إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ مَرَّةٍ يُرِيدُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، لَكِنْ أُعْلِمْنَا بِبَيَانِ السُّنَّةِ وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ: "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ" وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" (1) . وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَيْنَ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَارِثِ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّاهِرِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْمُوَجِّهِ أَنَا عَبْدَانُ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (2) . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: مَعْنَى الْآيَةِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ مِنَ النَّوْمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَمْرٌ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ، نَدْبُ مَنْ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهَا طَهَارَتَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى طُهْرٍ، رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ" (3) . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَامِرٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ

_ (1) أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور: 1 / 234، وفي الحيل، باب في الصلاة: 12 / 329، ومسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم (225) 1 / 204 بلفظ "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث ... "، والمصنف في شرح السنة: 1 / 328. (2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (277) : والمصنف في شرح السنة: 1 / 448. (3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الرجل يحدث الوضوء من غير حدث: 1 / 46، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة: 1 / 192، وقال: ... هو إسناد ضعيف، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء على الطهارة، برقم (512) : 1 / 171. قال في الزوائد: مدار الحديث على عبد الرحمن بن زيادة الإفريقي، وهو ضعيف، ومع ضعفه كان يدلس. وضعفه المصنف في شرح السنة 1 / 449.

غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ" (1) . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الْحَدَثِ مَا بَدَا لَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ غَيْرَ الصَّلَاةِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَنِيفِيُّ أَنَا أَبُو الْحَارِثِ الطَّاهِرِيُّ أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَلِيمٍ أَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ أَنَا صَدَقَةُ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ مِنَ الْغَائِطِ فَأُتِيَ بِطَعَامٍ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَتَوَضَّأُ؟ "فَقَالَ: لِمَ؟ أَأُصْلِي فَأَتَوَضَّأُ؟) . (2) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شعر الرأس 102/ب إِلَى مُنْتَهَى الذَّقْنِ طُولًا وَمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا يجب غَسْلُ جَمِيعِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَيَجِبُ أَيْضًا إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ أَوِ الْعَنْفَقَةِ وَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً وَأَمَّا الْعَارِضُ وَاللِّحْيَةُ فَإِنْ كَانَتْ كَثِيفَةً لَا تُرَى الْبَشَرَةُ مِنْ تَحْتِهَا لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِهَا فِي الْوُضُوءِ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِهَا. وَهَلْ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَنِ الذَّقَنِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الشَّعْرَ النَّازِلَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّأْسِ فِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ، كَذَلِكَ النَّازِلُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ لَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَجْهِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجِبُ إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَالْوَجْهُ ما يقع به الْمُوَاجَهَةِ مِنْ هَذَا الْعُضْوِ، وَيُقَالُ فِي اللُّغَةِ بَقَلَ وَجْهُ فُلَانٍ وَخَرَجَ وَجْهُهُ: إِذَا نَبَتَتْ لِحْيَتُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} أَيْ: مَعَ الْمَرَافِقِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ" (سُورَةُ النِّسَاءِ، 2) أَيْ: مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَقَالَ: "مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ" (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، 52 وَسُورَةُ الصَّفِّ، 14) ، أَيْ: مَعَ اللَّهِ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ، وَفِي الرِّجْلِ يَجِبُ غَسْلُ الْكَعْبَيْنِ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ

_ (1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في السواك: 1 / 40، قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه، وأخرجه الدارمي في الوضوء: 1 / 168، والإمام أحمد في المسند: 5 / 225. (2) أخرجه مسلم في الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام. برقم (374) : 1 / 283، والمصنف في شرح السنة: 2 / 40.

وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي غَسْلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لِأَنَّ حَرْفَ "إِلَى" لِلْغَايَةِ وَالْحَدِّ، فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ. قُلْنَا: لَيْسَ هَذَا بِحَدٍّ وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى مَعَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: الشَّيْءُ إِذَا حُدَّ إِلَى جِنْسِهِ يَدْخُلُ فِيهِ الْغَايَةُ، وَإِذَا حُدَّ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ لَا يَدْخُلُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ" (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 187) ، لَمْ يَدْخُلِ اللَّيْلُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ النَّهَارِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ كَمَا يَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ مَسْحُ رُبْعِ الرَّأْسِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجِبُ قَدْرُ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ. وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ"، (1) فَأَجَازَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَلَمْ يُجَوِّزْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ بَدَلًا مِنَ الْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ، وَقَالُوا: فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ إِنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ سَقَطَ عَنْهُ بِمَسْحِ النَّاصِيَةِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ غَيْرُ وَاجِبٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} ، قَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ "وَأَرْجُلَكُمْ" بِنُصْبِ اللَّامِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "وَأَرْجُلِكُمْ" بِالْخَفْضِ، فَمَنْ قَرَأَ "وَأَرْجُلَكُمْ" بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: "فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ" أَيْ: وَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ، وَمَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ فَقَدْ ذَهَبَ قَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَى رِجْلَيْنِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوُضُوءُ غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْمَسْحِ وَقَالَ: أَلَا تَرَى الْمُتَيَمِّمَ يَمْسَحُ مَا كَانَ غَسْلًا وَيُلْغِي مَا كَانَ مَسْحًا؟ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ يَتَخَيَّرُ الْمُتَوَضِّئُ بَيْنَ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَبَيْنَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ. وَذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا:

_ (1) أخرجه مسلم في الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة برقم (275) : 1 / 231، والمصنف في شرح السنة:1 / 451.

خَفْضُ اللَّامِ فِي الْأَرْجُلِ عَلَى مُجَاوَرَةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى مُوَافَقَةِ الْحُكْمِ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: "عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ"، فَالْأَلِيمُ صِفَةُ الْعَذَابِ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَ إِعْرَابَ الْيَوْمِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَكَقَوْلِهِمْ: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، فَالْخَرِبُ نَعْتٌ لِلْجُحْرِ، وَأَخَذَ إِعْرَابَ الضَّبِّ لِلْمُجَاوَرَةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ: مَا أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُمَيْدِيُّ الْخَطِيبُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ أَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنَا الْحَجَبِيُّ وَمُسَدَّدٌ قَالَا أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: "تَخَلَّفَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَانَا بِأَعْلَى صَوْتِهِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ". (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَنَا مَعْمَرٌ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: "رَأَيْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". (2) وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ {وَأَرْجُلَكُمْ} الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ كَمَا رُوِيَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ" (3) وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ، وَيُقَالُ: قَبَّلَ فُلَانٌ رَأْسَ الْأَمِيرِ وَيَدَهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِمَامَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدُهُ فِي كُمِّهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا زَكَرِيَّا عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كُنْتُ مَعَ

_ (1) أخرجه البخاري في العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه: 1 / 189،ومسلم في الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، برقم (241 / 214) ، والمصنف في شرح السنة: 1 / 428. (2) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا: 1 / 259، وفي الصوم، باب سواك الرطب واليابس: 4 / 158، ومسلم في الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله برقم (226) :1 / 205. (3) أخرجه البخاري في الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد:2 / 305، وانظر: مسلم في المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق برقم (534-535) : 1 / 379-380.

النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: "أَمَعَكَ مَاءٌ" فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَنَزَلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْهَا حَتَّى أَخْرَجَهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ"، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} فَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيِ الْقَدَمَيْنِ، وَهُمَا مُجْتَمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعَ الْقَدَمَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمِرْفَقَيْنِ. وَفَرَائِضُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ النِّيَّةِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى وُجُوبِهَا لأن الوضوء فيفتقر إِلَى النِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ أَنْ يَغْسِلَ أَعْضَاءَهُ عَلَى الْوَلَاءِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ"، (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 158) . وَبَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفَا، وَقَالَ: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" (2) وَكَذَلِكَ هَاهُنَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِ غَسْلِ الْوَجْهِ فَيَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ فِعْلًا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ ذِكْرًا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أن الترتيب 103\أسُنَّةٌ، وَقَالُوا: الْوَاوَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ لِلْجَمِيعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ" الْآيَةَ (سُورَةُ التَّوْبَةِ، 60) ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي صَرْفِ الصَّدَقَاتِ إِلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَمَنْ أَوْجَبَ التَّرْتِيبَ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَاعَى التَّرْتِيبَ بَيْنَ أَهْلِ السُّهْمَانِ، وَفِي الْوُضُوءِ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ إِلَّا مُرَتِّبًا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيَانُ الْكِتَابِ يُؤْخَذُ مِنَ السُّنَّةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا" (سُورَةُ الْحَجِّ، 77) ، لَمَّا قَدَّمَ ذِكْرَ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَعَلَ إِلَّا كَذَلِكَ

_ (1) أخرجه البخاري في اللباس، باب لبس جبة الصوف في الغزو: 10 / 268-269،ومسلم في الطهارة باب المسح على الخفين، برقم (274) : 1 / 230. والمصنف في شرح السنة: 1 / 455. (2) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برقم (1218) : 2 / 886-888، وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلفظ "أبدأ بما بدأ ... "، والمصنف في شرح السنة: 7 / 136.

فَكَانَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِيهِ وَاجِبَةً، كَذَلِكَ التَّرْتِيبُ هُنَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} أَيِ: اغْتَسِلُوا، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ" (1) قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ وَهُوَ التُّرَابُ، {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ} بِمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ، {مِنْ حَرَجٍ} ضِيقٍ، {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} مِنَ الْأَحْدَاثِ وَالْجَنَابَاتِ وَالذُّنُوبِ، {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: إِتْمَامُ النِّعْمَةِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا بِالْوُضُوءِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ" (سُورَةُ الْفَتْحِ، 2) ، فَجَعَلَ تَمَامَ نِعْمَتِهِ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَسَ عَلَى الْمَقَاعِدِ يَوْمًا فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا

_ (1) أخرجه البخاري في الغسل، باب الوضوء قبل الغسل: 1 / 360، ومسلم في الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم (316) : 1 / 253-254، والمصنف في شرح السنة: 2 / 10. (2) أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في المسند: 1 / 31 (ترتيب المسند) ، وأخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا: 1 / 259 بلفظ "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه - غفر له ما تقدم من ذنبه" ومسلم في الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم (245) : 1 / 216 بلفظ: "من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 324.

7

آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا مِنَ امْرِئٍ [مُسْلِمٍ] (1) يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا" قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (2) وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ (3) وَقَالَ عُرْوَةُ: الْآيَةُ "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ" (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 159) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجَمَّرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ مِنْكُمْ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ" (4) . {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} يَعْنِي: النِّعَمَ كُلَّهَا، {وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ} عَهْدَهُ الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، {إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} وَذَلِكَ حِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمِيثَاقَ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بِمَا فِي الْقُلُوبِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.

_ (1) ليست في "ب". (2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء: 1 / 30-31. (3) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا: 1 / 206، والمصنف في شرح السنة: 1 / 325. (4) أخرجه البخاري في الوضوء، باب فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء: 1 / 235، ومسلم في الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم (246) : 1 / 216، والمصنف في شرح السنة: 1 / 425.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أَيْ: كُونُوا قَائِمِينَ بِالْعَدْلِ [قَوَّالِينَ] (1) بِالصِّدْقِ، أَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ وَالصِّدْقِ فِي أَفْعَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ، {شَنَآنُ قَوْمٍ} بُغْضُ قَوْمٍ، {عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا} أَيْ: عَلَى تَرْكِ الْعَدْلِ فِيهِمْ لِعَدَاوَتِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: {اعْدِلُوا} يَعْنِي: فِي أَوْلِيَائِكُمْ وَأَعْدَائِكُمْ، {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} يَعْنِي: إِلَى التَّقْوَى، {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وَهَذَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَعْدِ وَاقِعٌ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَرَفْعُهَا عَلَى تَقْدِيرٍ أَيْ: وَقَالَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ.

_ (1) في "ب": (قائلين) .

10

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ، {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بِالْقَتْلِ. قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ فَأَرَادَ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَبَنُو مُحَارِبٍ أَنْ يَفْتِكُوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِذَا اشْتَغَلُوا بِالصَّلَاةِ فَأَطْلَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ (1) . وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاصِرًا غَطْفَانَ بِنَخْلٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: هَلْ لَكَمَ فِي أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: وَكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قَالَ: أَفْتِكُ بِهِ، قَالُوا: وَدِدْنَا أَنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرِنِي سَيْفَكَ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَهُزُّ السَّيْفَ وَيَنْظُرُ مَرَّةً إِلَى السَّيْفِ وَمَرَّةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَامَ السَّيْفَ وَمَضَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) .

_ (1) أخرجه الطبري عن قتادة: 6 / 146 (طبعة الحلبي) ، وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد، انظر: الدر المنثور: 3 / 38. (2) انظر: الطبري: 6 / 146، أسباب النزول للواحدي ص (223-224) . سيرة ابن هشام: 3 / 205-206، الدر المنثور: 3 / 36.

12

وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ وَابْنُ يَسَارٍ عَنْ رِجَالِهِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو السَّاعِدِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَخَرَجُوا فَلَقَوْا عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ عَلَى بِئْرِ مَعُونَةَ، وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ بَنِي عَامِرٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَأَصْحَابُهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَانُوا فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ لَهُمْ، أَحَدُهُمْ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الطَّيْرُ تَحُومُ فِي السَّمَاءِ، يَسْقُطُ مِنْ بَيْنِ خَرَاطِيمِهَا عَلَقُ الدَّمِ، فَقَالَ أَحَدُ النَّفَرِ: قُتِلَ أَصْحَابُنَا، ثُمَّ تَوَلَّى يَشْتَدُّ حَتَّى لَقِيَ رَجُلًا فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَلَمَّا خَالَطَتْهُ الضَّرْبَةُ رَفْعَ [رَأَسَهُ] (1) إِلَى السَّمَاءِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْجَنَّةُ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَرَجَعَ صَاحِبَاهُ فَلَقِيَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَلِيمٍ وَكَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قَوْمِهِمَا مُوَادَعَةٌ، فَانْتَسَبَا لَهُمَا إِلَى بَنِي عَامِرٍ فَقَتْلَاهُمَا وَقَدِمَ قَوْمُهُمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُونَ الدِّيَةَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حَتَّى دَخَلُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَبَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي عَقْلِهِمَا، وَكَانُوا قَدْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ وَعَلَى أَنْ يُعِينُوهُ فِي الدِّيَاتِ، قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا وَتَسْأَلَنَا حَاجَةً اجْلِسْ حَتَّى نُطْعِمَكَ وَنُعْطِيَكَ الذي سألته 103/ب فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أَقْرَبَ مِنْهُ الْآنَ فَمَنْ يَظْهَرُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحُنَا مِنْهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ جَحَّاشٍ: أَنَا، فَجَاءَ إِلَى رَحًى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحَهَا عَلَيْهِ فَأَمْسَكَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ وَجَاءَ جِبْرِيلُ وَأَخْبَرَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: لَا تَبْرَحْ مَقَامَكَ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْكَ مِنْ أَصْحَابِي فَسَأَلَكَ عَنِّي فَقُلْ: تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى تَنَاهَوْا إِلَيْهِ ثُمَّ تَبِعُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (2) . {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُورِثَهُ وَقَوْمَهُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَهِيَ الشَّامُ، وَكَانَ يَسْكُنُهَا الْكَنْعَانِيُّونَ الْجَبَّارُونَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ الدَّارُ بِمِصْرَ أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّيْرِ إِلَى أَرْيَحَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ، وَكَانَتْ لَهَا أَلْفُ قَرْيَةٍ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَلْفُ بُسْتَانٍ، وَقَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي كَتَبْتُهَا لَكُمْ دَارًا وَقَرَارًا فَاخْرُجْ إِلَيْهَا وَجَاهِدْ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَدُوِّ فَإِنِّي نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ، وَخُذْ مِنْ قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا

_ (1) في "ب": (طرفه) . (2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 145 (طبع الحلبي) ، أسباب النزول للواحدي ص (224-225) ، الدر المنثور للسيوطي: 3 / 37-38، سيرة ابن هشام: 2 / 563.

مِنْ كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلَى قَوْمِهِ بِالْوَفَاءِ مِنْهُمْ عَلَى مَا أُمِرُوا بِهِ، فَاخْتَارَ مُوسَى النُّقَبَاءَ وَسَارَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى قَرُبُوا مِنْ أَرْيَحَاءَ فَبَعَثَ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءَ يَتَجَسَّسُونَ لَهُ الْأَخْبَارَ وَيَعْلَمُونَ عِلْمَهَا، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ يُقَالُ لَهُ عُوجُ بن عُنُقٍ، وَكَانَ طُولُهُ ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاث وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَثُلُثَ ذِرَاعٍ، وَكَانَ يَحْتَجِرُ بِالسَّحَابِ وَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنْ قَرَارِ الْبَحْرِ فَيَشْوِيهِ بِعَيْنِ الشَّمْسِ يَرْفَعُهُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَأْكُلُهُ، وَيُرْوَى أَنَّ الْمَاءَ طَبَقَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ جَبَلٍ وَمَا جَاوَزَ رُكْبَتَيْ عُوجٍ وَعَاشَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ [وَقَلَعَ] (1) صَخْرَةً مِنَ الْجَبَلِ عَلَى قَدْرِ عَسْكَرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ، وَحَمَلَهَا لِيُطْبِقَهَا عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ اللَّهُ الْهُدْهُدَ فَقَوَّرَ الصَّخْرَةَ بِمِنْقَارِهِ فَوَقَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَصَرَعَتْهُ، فَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ مَصْرُوعٌ فَقَتَلَهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ [عُنُقَ] (2) إِحْدَى بَنَاتِ آدَمَ وَكَانَ مَجْلِسُهَا [جَرِيبًا] (3) مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمَّا لَقِيَ عُوجٌ النُّقَبَاءَ وَعَلَى رَأْسِهِ حَزْمَةُ حَطَبٍ أَخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَجَعَلَهُمْ فِي حُجْزَتِهِ وَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى امْرَأَتِهِ، وَقَالَ انْظُرِي إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ قِتَالَنَا، وَطَرَحَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهَا وَقَالَ: أَلَا أَطْحَنُهُمْ بِرِجْلِي؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: لَا بَلْ خَلِّ عَنْهُمْ حَتَّى يُخْبِرُوا قَوْمَهُمْ بِمَا رَأَوْا، فَفَعَلَ ذَلِكَ (4) . وَرُوِيَ أَنَّهُ جَعَلَهُمْ فِي كُمِّهِ وَأَتَى بِهِمْ إِلَى الْمَلِكِ فَطَرَحَهُمْ (5) بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْمَلِكُ: ارْجِعُوا فَأَخْبِرُوهُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ، وَكَانَ لَا يَحْمِلُ عُنْقُودًا مِنْ عِنَبِهِمْ إِلَّا خَمْسَةَ أَنْفُسٍ مِنْهُمْ فِي خَشَبَةٍ، وَيَدْخُلُ فِي شَطْرِ الرُّمَّانَةِ إِذَا نُزِعَ مِنْهَا حَبُّهَا خَمْسَةُ أَنْفُسٍ، فَرَجَعَ النُّقَبَاءُ وَجَعَلُوا يَتَعَرَّفُونَ أَحْوَالَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ يَا قَوْمِ: إِنَّكُمْ إِنْ أَخْبَرْتُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَبَرَ الْقَوْمِ ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَلَكِنِ اكْتُمُوا، وَأَخْبِرُوا مُوسَى وَهَارُونَ فَيَرَيَانِ رَأْيَهُمَا وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمُ الْمِيثَاقَ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ نَكَثُوا الْعَهْدَ وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ

_ (1) في "أ": (وقوَّر) . (2) زيادة من "ب". (3) زيادة من "ب":. (4) ذكر قصة عوج بن عنق هذه: الإمام الطبري في التفسير: 6 / 174-175 (طبع الحلبي) ، والسيوطي في الدر المنثور: 3 / 48-49 وغيرهما من المفسرين. وهي من الروايات الإسرائيلية والخرافات التي دسّها أعداء الإسلام وروّجوا لها. وقد نقلها الحافظ ابن كثير رحمه الله عن الطبري وقال: "وفي هذا الإسناد نظر" ثم نقل رواية ابن أبي حاتم وقال: "وهذا شيء يُسْتحى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن". ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه. وهذا كذب وافتراء. فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: "ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا" وقال تعالى: "فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون، ثم أغرقنا بعد الباقين"، وقال تعالى: "لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم"، وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم". تفسير ابن كثير: 2 / 39 طبعة دار الفكر، 1400 هـ. وذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله هذه الرواية مثالا لما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، ثم قال: "وليس العجب من جرأة هذا الكذاب على الله، إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره، ولا يبين أمره، وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: "وجعلنا ذريته هم الباقين"، فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض من ذرية نوح، فلو كان للعوج - هذا - وجود لم يبق بعد نوح ... وأيضا فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وسمكها كذلك، وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة، فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة، فكيف يصل إليها طول ثلاثة آلاف ذراع، حتى يشوي في عينها الحوت؟ ولا ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم". نقد المنقول أو: المنار المنيف لابن القيم ص (44-45) وانظر: روح المعاني للآلوسي: 6 / 86-87، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص (188) ، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد أبو شهبة، ص (259-262) . البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 278. (5) ساقط من "ب".

13

مِنْهُمْ يَنْهَى سِبْطَهُ عَنْ قِتَالِهِمْ وَيُخْبِرُهُمْ بِمَا رَأَى: إِلَّا رَجُلَانِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا. {وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأَ الْكَلَامَ فَقَالَ: {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ} يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} نَصَرْتُمُوهُمْ، وَقِيلَ: وَوَقَّرْتُمُوهُمْ وَعَظَّمْتُمُوهُمْ؛ {وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} قِيلَ: هُوَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: هُوَ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ، {لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} لَأَمْحُوَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، {وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أَيْ: أَخْطَأَ قَصْدَ السَّبِيلِ، يُرِيدُ طَرِيقَ [الْحَقِّ] (1) وَسَوَاءُ كُلِّ شَيْءٍ: وَسْطُهُ. {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) }

_ (1) في "ب": (الجنة) .

14

{وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) } {فَبِمَا نَقْضِهِمْ} أَيْ: فَبِنَقْضِهِمْ، وَ"مَا" صِلَةٌ، {مِيثَاقَهُمْ} قَالَ قَتَادَةُ: نَقَضُوهُ مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ مُوسَى وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَنَبَذُوا كِتَابَهُ وَضَيَّعُوا فَرَائِضَهُ {لَعَنَّاهُمْ} قَالَ [عَطَاءٌ] (1) أَبْعَدْنَاهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا، قَالَ الْحَسَنُ وَمُقَاتِلٌ: عَذَّبْنَاهُمْ بِالْمَسْخِ، {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ قَسِيَّةً بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَلْفٍ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الذَّاكِيَةِ وَالذَّكِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَاسِيَةٌ أَيْ يَابِسَةٌ، وَقِيلَ: غَلِيظَةٌ لَا تَلِينُ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ لَيْسَتْ بِخَالِصَةٍ لِلْإِيمَانِ بَلْ إِيمَانُهُمْ مَشُوبٌ بِالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَمِنْهُ الدَّرَاهِمُ الْقَاسِيَةُ وَهِيَ الرَّدِيَّةُ الْمَغْشُوشَةُ. {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} قِيلَ: هُوَ تَبْدِيلُهُمْ نَعْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: تَحْرِيفُهُمْ بِسُوءِ التَّأْوِيلِ، {وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} أَيْ: وَتَرَكُوا نَصِيبَ أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانِ نَعْتِهِ، {وَلَا تَزَالُ} [يَا مُحَمَّدُ] (2) {تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ} أَيْ: عَلَى خِيَانَةٍ، فَاعِلَةٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ كَالْكَاذِبَةِ وَاللَّاغِيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلُ [رَوَّايَةٍ] (3) وَنَسَّابَةٍ وَعَلَّامَةٍ وَحَسَّابَةٍ، وَقِيلَ: عَلَى فِرْقَةٍ خَائِنَةٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى خَائِنَةٍ أَيْ: عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمْ نَقْضَهُمُ الْعَهْدِ وَمُظَاهَرَتَهُمُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَمِّهِمْ بِقَتْلِهِ وَسَمِّهِ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ خِيَانَاتِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ، {إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} لَمْ يَخُونُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} أَيْ: أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَلَا تَتَعَرَّضْ لَهُمْ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}

_ (1) في "ب": (قتادة) . (2) ساقط من "ب". (3) في "ب": (راوية) .

15

وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَةَ فِي النَّصَارَى خَاصَّةً لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْيَهُودِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ نَصَارَى بِتَسْمِيَتِهِمْ لَا بِتَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} بِالْأَهْوَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ وَالْجِدَالِ فِي الدِّينِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنِي بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ النَّصَارَى وَحْدَهُمْ صَارُوا فِرَقًا مِنْهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ وَالنَّسْطُورِيَّةُ وَالْمَلْكَانِيَّةُ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} فِي الْآخِرَةِ. {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} يُرِيدُ: يَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ، {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ}

_ (1) نقل هذا عن قتادة: الطبري في التفسير: 10 / 135. ثم رد القول بالنسخ بكلام نفيس قال فيه: "والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيا كل معاني خلافه، الذي كان قبله. فأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز، أو من رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس في قوله "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة) دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود، وإن كان ذلك كذلك - وكان جائزا مع إقرارهم بالصغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمر بالعفو عنهم في غدرة هموا بها، أو نكثة عزموا عليها، ما لم يصيبوا حربا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم - لم يكن واجبا أن يحكم لقوله "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... " الآية، بأنه ناسخ قوله: "فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين". وقال الزركشي، رحمه الله، في كتابه "البرهان في علوم القرآن": "ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف، فهو من المُنْسأ - بضم الميم - بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، ليس بنسخ، إنما النسخ: الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبدا.. فليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته". انظر: البرهان للزركشي: 2 / 43-44، علوم القرآن للدكتور عدنان محمد زرزور ص (210-212) .

أي: من التوارة وَالْإِنْجِيلِ مِثْلُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} أَيْ: يُعْرِضُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا أَخْفَيْتُمْ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِهِ، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} يعني: محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: الْإِسْلَامُ، {وَكِتَابٌ مُبِينٌ} أَيْ: بَيِّنٌ، وَقِيلَ: مُبِينٌ وَهُوَ الْقُرْآنُ. {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ} رِضَاهُ، {سُبُلَ السَّلَامِ} قِيلَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَسَبِيلُهُ دِينُهُ الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ طُرُقُ السَّلَامَةِ، {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أَيْ: مِنْ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ الْإِيمَانِ، {بِإِذْنِهِ} بِتَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 104\أوَهُوَ الْإِسْلَامُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} وَهُمُ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى يَقُولُونَ الْمَسِيحُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أَيْ: مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا إِذَا قَضَاهُ؟ {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

18

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} قِيلَ: أَرَادُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا كَالْأَبِ فِي الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ، وَنَحْنُ كَالْأَبْنَاءِ لَهُ فِي الْقُرْبِ وَالْمَنْزِلَةِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنَّ الْيَهُودَ وَجَدُوا فِي التَّوْرَاةِ يَا أَبْنَاءَ أَحْبَارِي، فَبَدَّلُوا يَا أَبْنَاءَ أَبْكَارِي، فَمِنْ ذَلِكَ قَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نَحْنُ أَبْنَاءُ رُسُلِ اللَّهِ.

19

قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ} يُرِيدُ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاؤُهُ وَأَحِبَّاؤُهُ فَإِنَّ الْأَبَ لَا يُعَذِّبُ وَلَدَهُ، وَالْحَبِيبَ لَا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ، وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ أَنَّهُ مُعَذِّبُكُمْ؟ وَقِيلَ: فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ أَيْ: لِمَ عَذَّبَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَمَسَخَهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ؟ {بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ} كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ مَجْزِيُّونَ بِالْإِسَاءَةِ وَالْإِحْسَانِ، {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} فَضْلًا {وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} عَدْلًا {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) } {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا} مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {يُبَيِّنُ لَكُمْ} أَعْلَامَ الْهُدَى وَشَرَائِعَ الدِّينِ، {عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ} أَيِ انْقِطَاعٍ مِنَ الرُّسُلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَالَ مَعْمَرٌ وَالْكَلْبِيُّ، خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً (1) وَسُمِّيَتْ فَتْرَةً لِأَنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تَتْرَى بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ إِلَى زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِوَى رَسُولِنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {أَنْ تَقُولُوا} كَيْلَا تَقُولُوا، {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

_ (1) قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله في التفسير: 2 / 36 بعد أن ذكر نحوا مما قاله البغوي: ".. وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام، عن الشعبي، أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة. والمشهور: هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة. ولا منافاة بينهما؛ فإن القائل الأول أراد: ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين. ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: "ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا" أي: قمرية، لتكميل ثلاثمائة الشمسية، التي كنت معلومة لأهل الكتاب. وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين على الإطلاق كما ثبت في صحيح البخاري". أي إن زمن الفترة وهي المدة الزمنية التي لم يبعث فيها رسول، هي ما بين عيسى وبعثة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

21

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} [أَيْ: مِنْكُمْ أَنْبِيَاءَ] (1) {وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي أَصْحَابَ خَدَمٍ وَحَشَمٍ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أَوَّلَّ مَنْ مَلَكَ الْخَدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ خَدَمٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ خَادِمٌ وَامْرَأَةٌ وَدَابَّةٌ يُكْتَبُ مَلِكًا" (2) . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ (3) . قَالَ السُّدِّيُّ: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أَحْرَارًا تَمْلِكُونَ أَمْرَ أَنْفُسِكُمْ بَعْدَمَا كُنْتُمْ فِي أَيْدِي الْقِبْطِ يَسْتَعْبِدُونَكُمْ، قَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَاسِعَةً فِيهَا مِيَاهٌ جَارِيَةٌ فَمَنْ كَانَ مَسْكَنُهُ وَاسِعًا وَفِيهِ مَاءٌ جَارٍ فَهُوَ مَلِكٌ {وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} يَعْنِي عَالَمِي زَمَانِكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَرَ وَتَظْلِيلَ الْغَمَامِ. {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} اخْتَلَفُوا فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الطُّورُ وَمَا حَوْلَهُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِيلِيَّا وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ: هِيَ أَرْيَحَاءُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ دِمَشْقُ وَفِلَسْطِينُ وَبَعْضُ الْأُرْدُنِّ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ الشَّامُ

_ (1) ساقط من "ب". (2) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، (الدر المنثور: 3 / 46) ، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير: 2 / 38 وقال: حديث غريب من هذا الوجه. والحديث فيه: ابن لهيعة: صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ودراج بن أبي السمح: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. (التقريب) . (3) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، برقم (2979) : 4 / 2285.

23

كُلُّهَا، قَالَ كَعْبٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ الشَّامَ كَنْزُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ [وَبِهَا أَكْثَرُ] (1) عِبَادِهِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يَعْنِي: كَتَبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهَا مَسَاكِنُ لَكُمْ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَقِيلَ: جَعَلَهَا لَكُمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِدُخُولِهَا، [وَقَالَ قَتَادَةُ] (2) أُمِرُوا بِهَا كَمَا أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ، أَيْ: فَرَضَ عَلَيْكُمْ. {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ} أَعْقَابِكُمْ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ، {فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} قال الكلبي: صعيد إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَبَلَ لُبْنَانَ فَقِيلَ لَهُ: انْظُرْ فَمَا أَدْرَكَهُ بَصَرُكَ فَهُوَ مُقَدَّسٌ وَهُوَ مِيرَاثٌ لِذُرِّيَّتِكَ. {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} وَذَلِكَ أَنَّ النُّقَبَاءَ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مُوسَى وَأَخْبَرُوهُ بِمَا عَايَنُوا، قَالَ لَهُمْ مُوسَى: اكْتُمُوا شَأْنَهُمْ وَلَا تُخْبِرُوا بِهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَيَفْشَلُوا، فَأَخْبَرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَرِيبَهُ وَابْنَ عَمِّهِ إِلَّا رَجُلَانِ وَفَّيَا بِمَا قَالَ لَهُمَا مُوسَى، أَحَدُهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَتَى مُوسَى، وَالْآخَرُ كالب بن يوفنا خَتَنُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أُخْتِهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عُمْرَانَ، وَكَانَ مِنْ سِبْطِ يَهُودَ وَهُمَا مِنَ النُّقَبَاءِ فَعَلِمَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَقَالُوا يَا لَيْتَنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَلَيْتَنَا نَمُوتُ فِي هَذِهِ [الْبَرِّيَّةِ] (3) وَلَا يُدْخِلُنَا اللَّهُ أَرْضَهُمْ فَتَكُونُ نِسَاؤُنَا وَأَوْلَادُنَا وَأَثْقَالُنَا غَنِيمَةً لَهُمْ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ نَجْعَلُ عَلَيْنَا رَأْسًا وَنَنْصَرِفُ إِلَى مِصْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} أَصْلُ الْجَبَّارِ: الْمُتَعَظِّمُ الْمُمْتَنِعُ عَنِ الْقَهْرِ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إِذَا كَانَتْ طَوِيلَةٌ مُمْتَنِعَةٌ عَنْ وُصُولِ الْأَيْدِي إِلَيْهَا، وَسُمِّيَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ جَبَّارِينَ لِامْتِنَاعِهِمْ بِطُولِهِمْ وَقُوَّةِ أَجْسَادِهِمْ، وَكَانُوا مِنَ الْعَمَالِقَةِ وَبَقِيَّةَ قَوْمِ عَادٍ، فَلَمَّا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا قَالُوا وَهَمُّوا بِالِانْصِرَافِ إِلَى مِصْرَ خَرَّ مُوسَى وَهَارُونُ سَاجِدِينَ، وَخَرَقَ يُوشَعُ وَكَالِبُ ثِيَابَهُمَا وَهُمَا اللَّذَانِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) } {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ} أَيْ: يَخَافُونَ اللَّهَ تَعَالَى، قَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ "يُخَافُونَ"

_ (1) في "ب": (وبها كنزه من عباده) . (2) ساقط من "ب". (3) في "ب": (التربة) .

بِضَمِّ الْيَاءِ، وَقَالَ: الرَّجُلَانِ كَانَا مِنَ الْجَبَّارِينَ فَأَسْلَمَا وَاتَّبَعَا مُوسَى، {أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا} بِالتَّوْفِيقِ وَالْعِصْمَةِ قَالَا {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ} يَعْنِي: قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ، {فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنْجِزٌ وَعْدَهُ، وَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ وَأَجْسَامُهُمْ عَظِيمَةٌ وَقُلُوبُهُمْ ضَعِيفَةٌ، فَلَا تَخْشَوْهُمْ، {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فَأَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَرْجُمُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ وَعَصَوْهُمَا.

24

{قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) } {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مُخَارِقٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ مَشْهَدًا لَأَنْ أَكُونَ صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: لَا نَقُولُ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا" وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ مَا قَالَ (1) . فَلَمَّا فَعَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا فَعَلَتْ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ وَهَمِّهِمْ بِيُوشَعَ وَكَالِبَ غَضِبَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَدَعَا عَلَيْهِمْ. {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} [قِيلَ: معناه وأخي 104/ب لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا يُطِيعُنِي إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي] (2) {فَافْرُقْ} فَافْصِلْ، {بَيْنَنَا} قِيلَ: فَاقْضِ بَيْنَنَا، {وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} الْعَاصِينَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} قِيلَ: هَاهُنَا تَمَّ الْكَلَامُ مَعْنَاهُ تِلْكَ الْبَلْدَةُ مُحَرَّمَةٌ

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي، باب قول الله تعالى "إذ تستغيثون ربكم ... " 7 / 287. (2) ساقط من "ب".

عَلَيْهِمْ أَبَدًا لَمْ يُرِدْ بِهِ تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحْرِيمَ مَنْعٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: [بِي حَلَفْتَ] (1) لَأُحَرِّمَنَّ عَلَيْهِمْ دُخُولَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ غَيْرَ عَبْدَيَّ يُوشَعُ وَكَالِبُ، وَلَأُتَيِّهَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ {أَرْبَعِينَ سَنَةً} [يَتِيهُونَ] (2) مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي تُحْبَسُونَ فِيهَا سَنَةٌ، وَلَأُلْقِيَنَّ جِيَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْقِفَارِ، وَأَمَّا بَنُوهُمُ الذين لم يعلموا الشَّرَّ فَيَدْخُلُونَهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} {يَتِيهُونَ} يَتَحَيَّرُونَ، {فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} أَيْ: لَا تَحْزَنْ عَلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَلَبِثُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي سِتَّةِ فَرَاسِخَ وَهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَكَانُوا يَسِيرُونَ كُلَّ يَوْمٍ جَادِّينَ فَإِذَا أَمْسَوْا كَانُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي ارْتَحَلُوا عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمْ يَكُونَا فِيهِمْ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا كَانَا فِيهِمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمَا عُقُوبَةٌ إِنَّمَا كَانَتِ الْعُقُوبَةُ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ، وَمَاتَ فِي التِّيهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا مِمَّنْ جَاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً غَيْرَ يُوشَعُ وَكَالِبُ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَرْيَحَاءَ أَحَدٌ مِمَّنْ قَالُوا إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا فَلَمَّا هَلَكُوا وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَنَشَأَتِ النَّوَاشِئُ مِنْ ذَرَارِيهِمْ سَارُوا إِلَى حَرْبِ الْجَبَّارِينَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَوَلَّى تِلْكَ الْحَرْبِ وَعَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الْفَتْحُ، فَقَالَ قَوْمٌ: وَإِنَّمَا فَتَحَ مُوسَى أَرْيَحَاءَ وَكَانَ يُوشَعُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، فَسَارَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَدَخَلَهَا يُوشَعُ فَقَاتَلَ الْجَبَابِرَةَ ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، وَلَا يَعْلَمُ قَبْرَهُ أَحَدٌ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عُوجَ بْنَ عُنُقَ قَتْلَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّمَا قَاتَلَ الْجَبَّارِينَ يُوشَعُ وَلَمْ يَسِرْ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، [وَقَالُوا: مَاتَ مُوسَى] (3) وَهَارُونُ جَمِيعًا فِي التِّيهِ.

_ (1) زيادة من: "ب". (2) ساقط من "ب". (3) ساقط من "ب".

قِصَّةُ وَفَاةِ هَارُونَ قَالَ السُّدِّيُّ: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى أَنِّي مُتَوَفِّي هَارُونَ فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ نَحْوَ ذَلِكَ الْجَبَلِ فَإِذَا هُمَا بِشَجَرَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا وَإِذَا بِبَيْتٍ مَبْنِيٍّ وَفِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ فَرْشٌ وَإِذَا فِيهِ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ إِلَى ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي أُحِبُّ أَنَّ أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ قَالَ: فَنَمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنَّ يَأْتِيَ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ فَيَغْضَبُ عَلَيَّ، قَالَ لَهُ مُوسَى: لَا تَرْهَبْ إِنِّي أَكْفِيكَ أَمْرَ رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ فَنَمْ، قَالَ: يَا مُوسَى نَمْ أَنْتَ مَعِي فَإِنْ جَاءَ رَبُّ الْبَيْتِ غَضِبَ عَلَيَّ وَعَلَيْكَ جَمِيعًا فَلَمَّا نَامَا أَخَذَ هَارُونَ الْمَوْتُ فَلَمَّا وَجَدَ مَنِيَّتَهُ قَالَ: يَا مُوسَى خَدَعْتَنِي، فَلَمَّا قُبِضَ رُفِعَ الْبَيْتُ وَذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ وَرُفِعَ السَّرِيرُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيْسَ مَعَهُ هَارُونُ قَالُوا: إِنَّ مُوسَى قَتَلَ هَارُونَ وَحَسَدَهُ لِحُبِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَيْحَكُمْ كَانَ أَخِي فَكَيْفَ أَقْتُلُهُ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَنَزَلَ السَّرِيرُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَصَدَّقُوهُ. وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ الْجَبَلَ فَمَاتَ هَارُونُ [وَبَقِيَ مُوسَى] (1) فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْتَ قَتَلْتَهُ فَآذَوْهُ فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلُوهُ حَتَّى مَرُّوا بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَكَلَّمَتِ الْمَلَائِكَةُ بِمَوْتِهِ حَتَّى عَرَفَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَاتَ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا قَالُوا، ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ حَمَلُوهُ وَدَفَنُوهُ فَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَوْضِعِ قَبْرِهِ أَحَدٌ إِلَّا الرَّخَمَ فَجَعَلَهُ اللَّهُ أَصَمَّ وَأَبْكَمَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: مَاتَ هَارُونُ قَبْلَ مَوْتِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التِّيهِ، وَكَانَا قَدْ خَرَجَا إِلَى بَعْضِ الْكُهُوفِ فَمَاتَ هَارُونُ وَدَفَنَهُ مُوسَى وَانْصَرَفَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: قَتَلْتَهُ لِحُبِّنَا إِيَّاهُ، وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَضَرَّعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ انْطَلِقْ بِهِمْ إِلَى قَبْرِهِ فَإِنِّي بَاعِثُهُ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى قَبْرِهِ [فَنَادَاهُ مُوسَى] (2) فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُكَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي مِتُّ، قَالَ: فَعُدْ إِلَى مَضْجَعِكَ، وَانْصَرَفُوا.

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب": (فنادى: يا هارون] .

وَأَمَّا وَفَاةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ كَرِهَ الْمَوْتَ وَأَعْظَمَهُ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، فَنَبَّأَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَكَانَ يَغْدُو وَيَرُوحُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ؟ [فَيَقُولُ لَهُ يُوشَعُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَمْ أَصْحَبْكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، فَهَلْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ شَيْئًا مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ] (1) حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تَبْتَدِئُ بِهِ وَتَذْكُرُهُ؟ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كَرِهَ مُوسَى الْحَيَاةَ وَأَحَبَّ الْمَوْتَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى بْنِ عُمْرَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي قَالَ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ" (2) . وَقَالَ وَهْبٌ: خَرَجَ مُوسَى لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَمَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفِرُونَ قَبْرًا لَمْ يُرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا مِثْلَ مَا فِيهِ مِنَ الْخُضْرَةِ وَالنَّضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ لِمَ تَحْفِرُونَ هَذَا الْقَبْرَ؟ قَالُوا: لَعَبَدٍ كَرِيمٍ عَلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِنَ اللَّهِ لَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ مَضْجَعًا قَطُّ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا صَفِيَّ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ؟ قَالَ: وَدِدْتُ، قَالُوا: فَانْزِلْ وَاضْطَجِعْ فِيهِ وَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّكَ، قَالَ: فَاضْطَجَعَ فِيهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ أَسْهَلَ تَنَفُّسٍ فَقَبَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رُوحَهُ، ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: إِنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَاهُ بِتُفَّاحَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَشَمَّهَا فَقَبَضَ رُوحَهُ. وَكَانَ عُمْرُ مُوسَى مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً بَعَثَ

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "أ". (2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة: 3 / 206، وفي الأنبياء، وأخرجه مسلم في الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام، برقم (2373) : 4 / 1843، واللفظ له، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 265.

27

اللَّهُ يُوشَعَ نَبِيًّا فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، فَصَدَّقُوهُ وَتَابَعُوهُ فَتَوَجَّهَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرْيَحَاءَ وَمَعَهُ تَابُوتُ الْمِيثَاقِ، فَأَحَاطَ بِمَدِينَةِ أَرْيَحَاءَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّابِعَ نَفَخُوا فِي الْقِرَانِ وَضَجَّ الشَّعْبُ ضَجَّةً وَاحِدَةً فَسَقَطَ سُورُ الْمَدِينَةِ، وَدَخَلُوا فَقَاتَلُوا الْجَبَّارِينَ وَهَزَمُوهُمْ وَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ يَقْتُلُونَهُمْ، وَكَانَتِ الْعِصَابَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَجْتَمِعُونَ عَلَى عُنُقِ الرَّجُلِ يَضْرِبُونَهَا حَتَّى يَقْطَعُونَهَا، فَكَانَ الْقِتَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ وَكَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ وَتَدْخُلُ لَيْلَةُ السَّبْتِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْدُدِ الشَّمْسَ عَلَيَّ وَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا فِي طَاعَتِهِ فَسَأَلَ الشَّمْسَ أَنْ تَقِفَ وَالْقَمَرَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَنْتَقِمَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ دُخُولِ السَّبْتِ، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَزِيدَتْ فِي النَّهَارِ ساعة حتى قتلتهم أَجْمَعِينَ، وَتَتَبَّعَ مُلُوكَ الشَّامِ فَاسْتَبَاحَ مِنْهُمْ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ مَلِكًا حَتَّى غَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ الشَّامِ، وَصَارَتِ الشَّامُ كُلُّهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفَرَّقَ عُمَّالَهُ في نواحيهأ 105\أوَجَمَعَ الْغَنَائِمَ، فَلَمْ تَنْزِلِ النَّارُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ أَنَّ فِيهَا غُلُولًا فَمُرْهُمْ فَلْيُبَايِعُوا فَبَايَعُوهُ فَالْتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلُمَّ مَا عِنْدَكَ فَأَتَاهُ بِرَأْسِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالْيَاقُوتِ وَالْجَوَاهِرِ كَانَ قَدْ غَلَّهُ، فَجَعَلَهُ فِي الْقُرْبَانِ وَجَعَلَ الرَّجُلَ مَعَهُ فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتِ الرَّجُلَ وَالْقُرْبَانَ، ثُمَّ مَاتَ يُوشَعُ وَدُفِنَ فِي جَبَلِ أَفْرَائِيمَ، وَكَانَ عُمْرُهُ مِائَةً وَسِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتَدْبِيرُهُ أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} وَهُمَا هَابِيلُ وَقَابِيلُ (1) وَيُقَالُ لَهُ قَابِينُ، {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} وَكَانَ سَبَبُ قُرْبَانِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ حَوَّاءَ كَانَتْ تَلِدُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ بَطْنٍ غُلَامًا وَجَارِيَةً، وَكَانَ جَمِيعُ مَا وَلَدَتْهُ أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا أَوَّلُهُمْ قَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ أَقْلِيمَا، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ الْمُغِيثِ وَتَوْأَمَتُهُ أَمَةُ الْمُغِيثِ، ثُمَّ بَارَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَسْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يَمُتْ آدَمُ حَتَّى بَلَغَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْلِدِ قَابِيلَ وَهَابِيلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَشِيَ آدَمُ حَوَّاءَ بَعْدَ مَهْبِطِهِمَا إِلَى الْأَرْضِ بِمِائَةِ سَنَةٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ قَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ أَقْلِيمَا فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ وَلَدَتْ هَابِيلَ وَتَوْأَمَتَهُ لُبُودَا فِي بَطْنٍ.

_ (1) هذه التسمية لابني آدم: "قابيل، هابيل" إنما هي من نقل العلماء عن أهل الكتاب، لم يرد بها نص في القرآن، ولا جاءت في سنة ثابتة، فيما نعلم، فلا علينا أن لا نجزم بها ولا نرجحها، وإنما هي قول قيل. انظر: عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر: 4 / 123.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ: إِنَّ آدَمَ كَانَ يَغْشَى حَوَّاءَ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ الْخَطِيئَةَ، فَحَمَلَتْ فِيهَا بِقَابِيلَ وَتَوْأَمَتِهِ أَقْلِيمَا، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِمَا وَحَمًا وَلَا وَصَبًا وَلَا طَلْقًا حَتَّى وَلَدَتْهُمَا، وَلَمْ تَرَ مَعَهُمَا دَمًا فَلَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ تَغَشَّاهَا فَحَمَلَتْ بِهَابِيلَ وَتَوْأَمَتِهِ، فَوَجَدَتْ عَلَيْهِمَا الْوَحَمَ وَالْوَصَبَ وَالطَّلْقَ وَالدَّمَ، وَكَانَ آدَمُ إِذَا شَبَّ أَوْلَادُهُ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ بَطْنٍ أُخْرَى، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَتَزَوَّجُ أَيَّةَ أَخَوَاتِهِ شَاءَ إِلَّا تَوْأَمَتَهُ الَّتِي وُلِدَتْ مَعَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِسَاءٌ إِلَّا أَخَوَاتُهُمْ، فَلَمَّا وُلِدَ قَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ أَقْلِيمَا ثُمَّ هَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ لُبُودَا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا سَنَتَانِ فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ وَأَدْرَكُوا، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُنْكِحَ قَابِيلَ لُبُودَا أُخْتَ هَابِيلَ وَيُنْكِحَ هَابِيلَ أَقْلِيمَا أُخْتَ قَابِيلَ، وَكَانَتْ أُخْتُ قَابِيلَ أَحْسَنَ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ آدَمُ لِوَلَدِهِ فَرْضِيَ هَابِيلُ وَسَخِطَ قَابِيلُ، وَقَالَ: هِيَ أُخْتِي أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَنَحْنُ مِنْ [وِلَادَةِ] (1) الْجَنَّةِ وَهُمَا مِنْ [وِلَادَةِ] (2) الْأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: إِنَّهَا لَا تَحِلُ لَكَ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهَذَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رَأْيِهِ، فَقَالَ لَهُمَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَقَرِّبَا قُرْبَانًا فَأَيُّكُمَا يُقْبَلُ قُرْبَانُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَكَانَتِ الْقَرَابِينُ إِذَا كَانَتْ مَقْبُولَةً نَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ بَيْضَاءُ فَأَكَلَتْهَا، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لَمْ تَنْزِلِ النَّارُ وَأَكَلَتْهُ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، فَخَرَجَا لِيُقَرِّبَا [قُرْبَانًا] (3) وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ فَقَرَّبَ صُبْرَةً مِنَ الطَّعَامِ مِنْ أَرْدَأِ زَرْعِهِ وَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ مَا أُبَالِي أَيُقْبَلُ مِنِّي أَمْ لَا لَا يَتَزَوَّجُ أُخْتِي أَبَدًا، وَكَانَ هَابِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ كَبْشٍ فِي غَنَمِهِ فَقَرَّبَ بِهِ وَأَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ رِضَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَضَعَا قُرْبَانَهُمَا أَعْلَى الْجَبَلِ، ثُمَّ دَعَا آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ وَلَمْ تَأْكُلْ قُرْبَانَ قَابِيلَ (4) فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا} [يَعْنِي هَابِيلَ] (5) {وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ} يَعْنِي: قَابِيلَ فَنَزَلُوا عَلَى الْجَبَلِ وَقَدْ غَضِبَ قَابِيلُ لِرَدِّ قُرْبَانِهِ وَكَانَ يُضْمِرُ الْحَسَدَ فِي نَفْسِهِ إِلَى أَنْ أَتَى آدَمُ مَكَّةَ لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا غَابَ آدَمُ أَتَى قَابِيلُ هَابِيلَ وَهُوَ فِي غَنَمِهِ، {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبِلَ قُرْبَانَكَ وَرَدَّ قُرْبَانِي، وَتَنْكِحُ أُخْتِي الْحَسْنَاءَ وَأَنْكِحُ أُخْتَكَ الدَّمِيمَةَ، فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي وَيَفْتَخِرُ وَلَدُكَ عَلَى وَلَدِي، {قَالَ} هَابِيلُ: وَمَا ذَنْبِي؟ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}

_ (1) في "ب": (أولاد) . (2) في "ب": (أولاد) . (3) ساقط من "ب". (4) أخرج هذه القصة: الطبري في التفسير: 6 / 188، (طبع الحلبي) وساق ابن كثير عدة روايات في ذلك تتفق في المعنى: 2 / 42-44. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في عمدة التفسير: 4 / 124 "هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح - ثم قد ساق الحافظ ابن كثير آثارا في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين" وعلق على رواية الطبري التي نقلها ابن كثير فقال: وهو خبر - كما ترى - ليس من السنة النبوية - بل ظاهره يدل على أنه مما أخذه ابن عباس من كتب أهل الكتاب. (5) ساقط من "ب".

28

{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } {لَئِنْ بَسَطْتَ} أَيْ: مَدَدْتَ، {إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ لَأَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ وَلَكِنْ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أَنْ يَبْسُطَ إِلَى أَخِيهِ يَدَهُ، وهذا في الشرع آدَمَ جَائِزٌ لِمَنْ أُرِيدَ قَتْلُهُ أَنْ يَنْقَادَ وَيَسْتَسْلِمَ طَلَبًا لِلْأَجْرِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِذَا أَرَادَ رَجُلٌ قَتْلَ رَجُلٍ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ وَيَصْبِرَ. {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ} تَرْجِعَ، وَقِيلَ: تَحْتَمِلَ، {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أَيْ: بِإِثْمِ قَتْلِي إِلَى إِثْمِكَ، أَيْ: إِثْمِ مَعَاصِيكَ الَّتِي عَمِلْتَ مِنْ قَبْلُ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتِي الَّتِي عَمِلْتُهَا أَنَا إِذَا قَتَلَتْنِي وَإِثْمُكَ فَتَبُوءُ بِخَطِيئَتِي وَدَمِي جَمِيعًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ تَرْجِعَ بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمِ مَعْصِيَتِكَ الَّتِي لَمْ يُتَقَبَّلْ لِأَجْلِهَا قُرْبَانُكَ، أَوْ إِثْمِ حَسَدِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ، وَإِرَادَةُ الْقَتْلِ وَالْمَعْصِيَةِ لَا تَجُوزُ؟ قِيلَ لَيْسَ ذَلِكَ بِحَقِيقَةِ إِرَادَةٍ وَلَكِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ لَا مَحَالَةَ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ طَلَبًا لِلثَّوَابِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مُرِيدًا لِقَتْلِهِ مَجَازًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا حَقِيقَةً، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِعِقَابِ قَتْلِي فَتَكُونُ إِرَادَةً صَحِيحَةً، لِأَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا يَكُونُ هَذَا إِرَادَةً لِلْقَتْلِ، بَلْ لِمُوجِبِ الْقَتْلِ مِنَ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ، {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ} أَيْ: طَاوَعَتْهُ وَشَايَعَتْهُ وَعَاوَنَتْهُ، {قَتْلَ أَخِيهِ} أَيْ فِي قَتْلِ أَخِيهِ، [وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَشَجَّعَتْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَزَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ، وَقَالَ يَمَانٌ: سَهَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ ذَلِكَ، أَيْ: جَعَلَتْهُ سَهْلًا] (1) تَقْدِيرُهُ: صَوَّرَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّ قَتْلَ أَخِيهِ طَوْعٌ لَهُ أَيْ سَهْلٌ عَلَيْهِ، فَقَتَلَهُ فَلَمَّا قَصَدَ قَابِيلُ قَتْلَ هَابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَتَمَثَّلَ لَهُ إِبْلِيسُ وَأَخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ آخَرَ وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْقَتْلَ، فَرَضَخَ قَابِيلُ رَأْسَ هَابِيلَ بَيْنَ

_ (1) ساقط من "ب".

31

حَجَرَيْنِ (1) قِيلَ: قُتِلَ وَهُوَ مُسْتَسْلِمٌ، وَقِيلَ: اغْتَالَهُ وَهُوَ فِي النَّوْمِ فَشَدَخَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وَكَانَ لِهَابِيلَ يَوْمَ قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً. وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ قَتْلِهِ [قِيلَ: بِالْبَصْرَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فَاسْوَدَّ جِسْمُ الْقَاتِلِ وَسَأَلَهُ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَخِيهِ فَقَالَ لَمْ أَكُنْ عَلَيْهِ وَكِيلًا فَقَالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ وَلِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ مُنْذُ قَتَلَهُ] (2) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى جَبَلِ [ثَوْرٍ] (3) وَقِيلَ عِنْدَ عَقَبَةِ حِرَاءَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالْعَرَاءِ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَيِّتٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَقَصَدَتْهُ السِّبَاعُ، فَحَمَلَهُ فِي جِرَابٍ عَلَى ظَهْرِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَنَةً، حَتَّى أَرْوَحَ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ تَنْتَظِرُ مَتَى يُرْمَى بِهِ فَتَأْكُلُهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ حَفَرَ لَهُ بِمِنْقَارِهِ وَبِرَجُلِهِ حَتَّى مَكَّنَ لَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الْحُفْرَةِ وَوَارَاهُ، وَقَابِيلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ قوله تعالى: 105/ب {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) } {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} فَلَمَّا رَأَى قَابِيلُ ذَلِكَ قَالَ يَا وَيْلَتَا كَلِمَةُ تَحَسُّرٍ فَقِيلَ لَمَّا رَأَى الدَّفْنَ مِنَ الْغُرَابِ أَنَّهُ أَكْبَرُ عِلْمًا مِنْهُ وَأَنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ جَهْلًا فَنَدِمَ وَتَحَسَّرَ {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} أَيْ: جِيفَتَهُ، وَقِيلَ: عَوْرَتَهُ لِأَنَّهُ قَدْ سَلَبَ ثِيَابَهُ، {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} عَلَى حَمْلِهِ عَلَى عَاتِقِهِ لَا عَلَى قَتْلِهِ، وَقِيلَ: عَلَى فِرَاقِ أَخِيهِ، وَقِيلَ: نَدِمَ لِقِلَّةِ النَّفْعِ بِقَتْلِهِ فَإِنَّهُ أَسْخَطَ وَالِدَيْهِ، وَمَا انْتَفَعَ بِقَتْلِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ نَدَمُهُ عَلَى الْقَتْلِ وَرُكُوبِ الذَّنْبِ. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدم أخاه وجفت الْأَرْضُ بِمَا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ شَرِبَتِ الْأَرْضُ دَمَهُ كَمَا يُشْرَبُ الْمَاءُ، فَنَادَاهُ آدَمُ أَيْنَ أَخُوكَ هَابِيلُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا كُنْتُ عَلَيْهِ

_ (1) انظر: الطبري: 6 / 195 (طبع الحلبي) ، تفسير ابن كثير: 2 / 46. (2) ساقط من "ب". (3) في "ب": (فود) .

رَقِيبًا، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ دَمَ أَخِيكَ لَيُنَادِينِي مِنَ الْأَرْضِ، فَلِمَ قَتَلْتَ أَخَاكَ؟ قَالَ: فَأَيْنَ دَمُهُ إِنْ كُنْتُ قَتَلْتُهُ؟ فَحَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَنْ تَشْرَبَ دَمًا بَعْدَهُ أَبَدًا. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ وَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ اشْتَاكَ الشَّجَرُ وَتَغَيَّرَتِ الْأَطْعِمَةُ وَحَمَضَتِ الْفَوَاكِهُ، وَأَمَرَّ الْمَاءُ وَاغْبَرَّتِ الْأَرْضُ، فَقَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ، فَأَتَى الْهِنْدَ فَإِذَا قَابِيلُ قَدْ قَتَلَ هَابِيلَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ الشِّعْرَ: تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا فَوَجْهُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحٌ تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ المليح وَرُوِيَ: الْمَلِيحُ. وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ شِعْرًا فَقَدْ كَذَبَ، إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي النَّهْيِ عَنِ الشِّعْرِ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ رَثَاهُ آدَمَ وَهُوَ سُرْيَانِيٌّ، فَلَمَّا قَالَ آدَمُ مَرْثِيَّتَهُ قَالَ لَشِيثٍ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ وَصِيٌّ احْفَظْ هَذَا الْكَلَامَ لِيُتَوَارَثَ فَيَرِقَّ النَّاسُ عَلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ يُنْقَلُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ فَنَظَرَ فِي الْمَرْثِيَّةِ فَرَدَّ الْمُقَدَّمَ إِلَى الْمُؤَخَّرِ وَالْمُؤَخَّرَ إِلَى الْمُقَدَّمِ، فَوَزَنَهُ شِعْرًا وزاد فيه أبيات مِنْهَا: وَمَا لِي لَا أَجُودُ بِسَكْبِ دَمْعٍ وَهَابِيلُ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيحُ أَرَى طُولَ الْحَيَاةِ عَلَيَّ غَمًّا فَهَلْ أَنَا مِنْ حَيَاتِي مُسْتَرِيحُ فَلَمَّا مَضَى مِنْ عُمْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ بِخَمْسِ سِنِينَ وَلَدَتْ لَهُ حَوَّاءُ شِيثًا، وَتَفْسِيرُهُ: هِبَةُ اللَّهِ، يَعْنِي إِنَّهُ خَلَفٌ مِنْ هَابِيلَ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَعَلَّمَهُ عِبَادَةَ الْخَلْقِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً فَصَارَ وَصِيَّ آدَمَ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، وَأَمَّا قَابِيلُ فَقِيلَ لَهُ اذْهَبْ طَرِيدًا شَرِيدًا فَزِعًا مَرْعُوبًا لَا تَأْمَنُ مَنْ تَرَاهُ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ أَقْلِيمَا وَهَرَبَ بِهَا إِلَى عَدَنَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا أَكَلَتِ النَّارُ قُرْبَانَ هَابِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْبُدُ النَّارَ فَانْصُبْ أَنْتَ نَارًا أَيْضًا تَكُونُ لَكَ وَلِعَقِبِكَ، فَبَنَى بَيْتًا لِلنَّارِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ النَّارَ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا رَمَاهُ، فَأَقْبَلَ ابْنٌ لَهُ أَعْمًى وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ ابْنُهُ: هَذَا أبوك قابيل، مرمى الْأَعْمَى أَبَاهُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَعْمَى: قَتَلْتَ أَبَاكَ؟ فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَ ابْنَهُ، فَمَاتَ فَقَالَ الْأَعْمَى: وَيْلٌ لِي قَتَلْتُ أَبِي بِرَمْيَتِي وَقَتَلْتُ ابْنِي بِلَطْمَتِي.

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَعَلِقَتْ إِحْدَى رِجْلَيْ قابيل إلى فخدها وَسَاقِهَا وَعَلِقَتْ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ إِلَى الشَّمْسِ مَا دَارَتْ عَلَيْهِ، فِي الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِنْ نَارٍ وَفِي الشِّتَاءِ حَظِيرَةٌ مِنْ ثَلْجٍ. قَالَ: وَاتَّخَذَ أَوْلَادُ قَابِيلَ آلَاتِ اللَّهْوِ مِنَ الْيَرَاعِ وَالطُّبُولِ وَالْمَزَامِيرِ وَالْعِيدَانِ وَالطَّنَابِيرِ، وَانْهَمَكُوا فِي اللَّهْوِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَعِبَادَةِ النَّارِ وَالزِّنَا وَالْفَوَاحِشِ حَتَّى غَرَّقَهُمُ اللَّهُ بِالطُّوفَانِ أَيَّامَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَقِيَ نَسْلُ شِيثَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ثَنَا أَبِي ثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لَأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (1) .

_ (1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب خلق آدم، صلوات الله عليه، وذريته: 6 / 364، وفي الديات، وفي الاعتصام. وأخرجه مسلم في القسامة، باب بيان من سنّ القتل، برقم (1677) 3 / 1303-1304، والمصنف في شرح السنة: 1 / 234.

32

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنِ اجْلِ ذَلِكَ بِكَسْرِ النُّونِ مَوْصُولًا وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِجَزْمِ النُّونِ، أَيْ: مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ الْقَاتِلِ وَجِنَايَتِهِ، يُقَالُ: أَجَلَ يَأْجَلُ أَجَلًا إِذَا جَنَى، مِثْلُ أَخَذَ يَأْخُذُ أَخْذًا، {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} قَتَلَهَا فَيُقَادُ مِنْهُ، {أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} يُرِيدُ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَبِغَيْرِ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ كُفْرٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ: مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَامًا عَدْلًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ شَدَّ عَضُدَ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامٍ عَدْلٍ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً يَصْلَى النَّارَ بِقَتْلِهَا، كَمَا يَصْلَاهَا لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا "وَمَنْ أَحْيَاهَا" مَنْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِهَا فَقَدْ سَلِمَ مِنْ قَتْلِ النَّاسِ جَمِيعًا.

33

قَالَ قَتَادَةُ: عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَهَا وَعَظَّمَ وِزْرَهَا، مَعْنَاهُ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ مِنْهُ، {وَمَنْ أَحْيَاهَا} وَتَوَرَّعَ عَنْ قَتْلِهَا، {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [فِي الثَّوَابِ لِسَلَامَتِهِمْ مِنْهُ. قَالَ الْحَسَنُ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] (1) يَعْنِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهَا مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ لَوْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا، وَمَنْ أَحْيَاهَا: أَيْ عَفَى عَمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا، قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ قُلْتُ لِلْحَسَنِ: يَا أَبَا سَعِيدٍ: هِيَ لَنَا كَمَا كَانَتْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا كَانَتْ دِمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ دِمَائِنَا، {وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) } {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} الْآيَةَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ (2) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَذَلِكَ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وداع هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ وَهُوَ أَبُو بُرْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَلَى أَنْ لَا يُعِينَهُ وَلَا يعين عليه، وممن مَرَّ بِهِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ آمِنٌ لَا يُهَاجُ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ بِنَاسٍ مِنْ أَسَلَمَ مِنْ قَوْمِ هِلَالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هِلَالٌ شَاهِدًا [فَشَدُّوا] (3) عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقَضَاءِ فِيهِمْ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ عُرَيْنَة وعُكْل أتو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُمْ كَذَبَةٌ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَارْتَدُّوا وقتلوا الراعي 106\أوَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ.

_ (1) زيادة من "ب". (2) أخرجه الطبري عن ابن عباس قال: كان من أهل الكتاب بينهم وبين النبي عهد ... ، وأخرجه عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين رسول الله ميثاق - ولم يذكر أنهم من أهل الكتاب. تفسير الطبري: 6 / 206 (طبع الحلبي) وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد: الدر المنثور: 3 / 69. (3) في "ب": (فهدوا إليهم) .

[أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ] (1) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا وَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمُ [النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (2) أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقِطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا. وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: قَتَلُوا وَسَرَقُوا وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا (3) [وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: "وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا] (4) . وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ لِأَنَّ الْمُثْلَةَ لَا تَجُوزُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حُكْمُهُ ثَابِتٌ إِلَّا السَّمْلَ [وَالْمُثْلَةَ] (5) وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ [يَنْزِلَ الْحَدُّ] (6) وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَلَمَّا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْحُدُودَ وَنَهَاهُ عَنِ الْمُثْلَةِ فَلَمْ يَعُدْ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ (7) وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أولئك لأنهم سلموا أَعْيُنَ الرُّعَاةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمًا مِنْهُ إِيَّاهُ عُقُوبَتَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّمَا جَزَاؤُهُمْ هَذَا لَا الْمُثْلَةُ، وَلِذَلِكَ مَا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا إِلَّا نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحَارِبِينَ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْحَدَّ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُمُ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَيَحْمِلُونَ السِّلَاحَ، وَالْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.

_ (1) سقط الإسناد من هذا الموضع إلى نهاية ورقة (106) من نسخة الظاهرية. (2) ساقط من "ب". (3) أخرجه البخاري في المغازي، باب قصة عكل وعرينة: 7 / 458، وفي الحدود، ومسلم في القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم (1671) : 3 / 1296-1297. والمصنف في شرح السنة: 10 / 256-257. (4) ساقط من "ب". (5) ساقط من "ب". (6) في "ب": (تنزل الحدود) . (7) انظر: البخاري، كتاب المغازي: 7 / 458.

وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُكَابِرُونَ فِي الْأَمْصَارِ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارِبِينَ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْحُدُودِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَعُقُوبَةُ الْمُحَارِبِينَ مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ فِي أَمْرِ الْمُحَارِبِينَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالصَّلْبِ، [وَالنَّفْيِ] (1) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ. وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ الْجَرَائِمِ لَا عَلَى التَّخْيِيرِ، [لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ العزيز بن أحمدد الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ] (2) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إِذَا قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا، وَإِذَا قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وَإِذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أَيْدِيهُمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، فَإِذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا نُفُوا مِنَ الْأَرْضِ (3) . وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. [وَإِذَا قَتَلَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ] (4) حَتْمًا حَتَّى لَا يَسْقُطَ بِعَفْوِ وَلِيِّ الدَّمِ، وَإِذَا أَخَذَ مِنَ الْمَالِ نِصَابًا وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَإِذَا قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ: فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُقْتَلَ ثُمَّ يُصْلَبَ وَقِيلَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ مَصْلُوبًا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَقِيلَ: يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَيًّا ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُقْتَلُ، وَإِذَا أَخَافَ السَّبِيلَ يُنْفَى. وَاخْتَلَفُوا فِي النَّفْيِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَطْلُبُهُ فَفِي كُلِّ بَلْدَةٍ يُوجَدُ يُنْفَى عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: يُطْلَبُ لِتُقَامَ الْحُدُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ

_ (1) ساقط من "ب". (2) ما بين القوسين ساقط من "أ". (3) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 86 (ترتيب المسند) وفي سنده: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، متروك. (التقريب) . وصالح مولى التوأمة، وهو صالح بن نبهان صدوق اختلط بآخرة (تقريب) . (4) زيادة من "ب".

34

سَعْدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: النَّفْيُ هُوَ الْحَبْسُ، وَهُوَ نَفْيٌ مِنَ الْأَرْضِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَيُحْبَسُ فِي السِّجْنِ [فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ. كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَوَّلَ مَنْ حَبَسَ فِي السُّجُونِ] (1) وَقَالَ: أَحْبِسُهُ حَتَّى أَعْلَمَ مِنْهُ التَّوْبَةَ، وَلَا أَنْفِيهِ إِلَى بَلَدٍ فَيُؤْذِيهِمْ، {ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُ مِنَ الْحَدِّ، {لَهُمْ خِزْيٌ} عَذَابٌ وَهَوَانٌ وَفَضِيحَةٌ، {فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) } {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ، قَالَ مَعْنَاهُ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَأَسْلَمُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُدُودِ وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابُوا فِي حَالِ الْكُفْرِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُحَارِبُونَ فَمَنْ [تَابَ] (2) مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِ الْإِمَامُ تَسْقُطُ عَنْهُ كُلُّ عُقُوبَةٍ وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ، وَلَا يَسْقُطُ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَ الْمَالَ يَسْقُطُ عَنْهُ [الْقَطْعُ] (3) وَإِنْ كَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا يَسْقُطُ عَنْهُ تَحَتُّمُ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ، وَيَجِبُ ضَمَانُ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ بِعَيْنِهِ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَارِثَةَ بْنِ يَزِيدَ كَانَ خَرَجَ مُحَارِبًا فَسَفَكَ الدِّمَاءَ وَأَخَذَ الْمَالَ، ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ تَبِعَةً [فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ فَيُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ] (4) أَمَّا مَنْ تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهَا. وَقِيلَ: كُلُّ عُقُوبَةٍ تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ عُقُوبَاتِ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ بِكُلِّ حَالٍ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ.

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب": مات. (3) زيادة من "ب". (4) ما بين القوسين زيادة من "ب"، وانظر: الطبري: 6 / 221، الدر المنثور: 3 / 70.

35

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) }

37

{يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا} اطْلُبُوا، {إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أَيِ: الْقُرْبَةَ، فَعَيْلَةٌ مِنْ تَوَسَّلَ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا، أَيْ: تَقَرَّبَ إِلَيْهِ وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ، {وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [تَلْخِيصُهُ: امْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ تَنْجُوا] (1) . {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} أَخْبَرَ أَنَّ الْكَافِرَ لَوْ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا ثُمَّ فَدَى بِذَلِكَ نَفْسَهُ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِدَاءُ، {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا} فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ وَيَطْلُبُونَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا" (الْحَجُّ -22) وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ: "رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا" (الْمُؤْمِنُونَ -107) {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} أَرَادَ بِهِ أَيْمَانَهُمَا، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَحُكْمُهُ أَنَّ مَنْ سَرَقَ [نِصَابًا] (2) مِنَ الْمَالِ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ الرُّسْغِ، وَلَا يَجِبُ الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، حُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ.

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "أ". (2) زيادة من "ب".

وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعُ فِيهِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلِّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، فَإِنْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ أَوْ مَتَاعًا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ يُقْطَعْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الشِّيرَزِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ [ثَمَنُهُ] (2) ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (3) . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَطَعَ سَارِقًا فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارٍ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ فِي أَقَلِّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ قَوْمٌ لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَخْبَرَنِي أَبِي أَنَا الْأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ" (4) وَقَالَ الْأَعْمَشُ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ. يَرَوْنَ أَنَّ مِنْهَا مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ. وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى الْقَطْعَ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قاله الأعمش] (5) 106/ب لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "وَإِذَا سَرَقَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ كَثَمَرٍ فِي حَائِطٍ لَا

_ (1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 83 والبخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" وفي كم يقطع؟: 12 / 96، ومسلم في الحدود، باب حد السرقة ونصابها، برقم (1684) : 3 / 1312، والمصنف في شرح السنة: 10 / 312. (2) في "ب": (قيمته) . (3) أخرجه البخاري، في الموضع السابق: 12 / 97، ومسلم في الموضع نفسه، برقم (1686) : 3 / 1313، والمصنف في شرح السنة 10 / 313. (4) أخرجه البخاري في الحدود، باب لعن السارق إذا لم يسم: 12 / 81، ومسلم في الحدود في الموضع السابق برقم (1687) : 3 / 1314، والمصنف في شرح السنة: 10 / 314. (5) ما بين القوسين زيادة من "ب".

حَارِسَ لَهُ أَوْ حَيَوَانٍ فِي بَرِّيَّةٍ لَا حَافِظَ لَهُ، أَوْ مَتَاعٍ فِي بَيْتٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ الْبُيُوتِ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ". وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ أَوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ" (1) . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ" (2) . وَإِذَا سَرَقَ مَالًا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْعَبْدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ أَوِ الْوَلَدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ وَالِدِهِ أَوِ الْوَالِدِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ أَوْ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِكِ شَيْئًا: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ. وَإِذَا سَرَقَ السَّارِقُ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ ثَانِيًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَرَقَ ثَالِثًا: فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ رَابِعًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ إِذَا سَرَقَ بَعْدَهُ شَيْئًا يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ" (3) . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سَرَقَ ثَالِثًا بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى لَا يُقْطَعْ بَلْ يُحْبَسْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَالَ: "إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَسْتَنْجِي بِهَا وَلَا رِجْلًا

_ (1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع: 2 / 831، قال ابن عبد البر: "لم تختلف رواة الموطأ في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو وغيره". ووصله النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في قطع السارق، باب الثمر المعلق يُسْرق، وباب الثمر يسرق بعد أن يؤيه الجرين؛ 8 / 84-86، والمصنف في شرح السنة: 10 / 319. (2) أخرجه أبو داود في الحدود، باب القطع في الخلسة والخيانة: 6 / 224-225، والترمذي في الحدود باب ما جاء في الخائن والمختلس: 5 / 8-9 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في باب ما لا قطع فيه: 8 / 89، وابن ماجه في الحدود، باب الخائن والمنتهب والمختلس: 2 / 864، والدارمي في باب ما لا يقطع من السراق: 2 / 175، وصححه ابن حبان برقم (1502،1503) من موارد الظمآن، قال الزيلعي في نصب الراية: 3 / 364: "سكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان بعد، فهو صحيح عندهما" وانظر: شرح السنة: 10 / 321-322. (3) أخرجه الدارقطني في السنن: 3 / 181، والطبراني والشافعي (مجمع الزوائد: 6 / 275، تلخيص الحبير: 4 / 68 وقال ابن حجر: إسناده ضعيف، وصححه الألباني بشواهده عند أبي داود والنسائي والبيهقي. انظر: إرواء الغليل: 8 / 86-89.

39

يَمْشِي بِهَا" (1) وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ وَالْقَطْعِ، وَمِثْلُهُ: {نَكَالًا} أَيْ: عُقُوبَةً، {مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) } {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ} أَيْ: سَرِقَتِهِ، {وَأَصْلَحَ} الْعَمَلَ، {فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} هَذَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَمَّا الْقَطْعُ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، قَالَ مُجَاهِدٌ: قَطْعُ السَّارِقِ تَوْبَتُهُ، فَإِذَا قُطِعَ حَصَلَتِ التَّوْبَةُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَطْعَ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْجِنَايَةِ، كَمَا قَالَ: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْبَةِ بَعْدُ، وَتَوْبَتُهُ النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِذَا قُطِعَ السَّارِقُ يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُ مَا سَرَقَ مِنَ الْمَالِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَبِالِاتِّفَاقِ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ بَاقِيًا عِنْدَهُ يُسْتَرَدَّ وَتُقْطَعْ يَدُهُ لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْغُرْمَ حَقُّ الْعَبْدِ، فَلَا يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ.

_ (1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 9 / 509، وذكره ابن التركماني في الجوهر النقي في الرد على البيهقي المطبوع مع السنن: 8 / 274.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الْخِطَابُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجَمِيعُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ فَيَكُونُ خِطَابًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ} قال السدي واالكلبي: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ: مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ: [الْكَبِيرَةَ] (1) مَنْ تَابَ مِنْ كُفْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ عَلَى الصَّغِيرَةِ، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ عَلَى الْكَبِيرَةِ، {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} أَيْ: فِي مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُعْجِزُوا اللَّهَ، {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا} يَعْنِي: الْيَهُودَ، {سَمَّاعُونَ} أَيْ: قَوْمٌ سَمَّاعُونَ، {لِلْكَذِبِ} أَيْ: قَائِلُونَ لِلْكَذِبِ، كَقَوْلِ الْمُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، أَيْ: قَبِلَ اللَّهُ، وَقِيلَ: سَمَّاعُونَ لِأَجْلِ الْكَذِبِ، أَيْ يَسْمَعُونَ مِنْكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا مِنْهُ كَذَا وَلَمْ يَسْمَعُوا ذَلِكَ مِنْهُ، {سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أَيْ هُمْ جَوَاسِيسُ، يَعْنِي: بَنِي قُرَيْظَةَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَهُمْ أَهْلُ خَيْبَرَ. وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ خَيْبَرَ زَنَيَا وَكَانَا مُحْصَنَيْنِ، وَكَانَ حَدُّهَمَا الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ، فَكَرِهَتِ الْيَهُودُ رَجْمَهُمَا لِشَرَفِهِمَا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي بِيَثْرِبَ لَيْسَ فِي كِتَابِهِ الرَّجْمُ وَلَكِنَّهُ الضَّرْبُ، فَأَرْسِلُوا إِلَى إِخْوَانِكُمْ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَإِنَّهُمْ جِيرَانُهُ وَصُلْحٌ لَهُ فَلْيَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ. فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنْهُمْ مُسْتَخْفِينَ وَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الزَّانِيَيْنِ إِذَا أُحْصِنَا مَا حَدُّهُمَا؟ فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْجَلْدِ فَاقْبَلُوا مِنْهُ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوهُ وَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُ، وَأَرْسَلُوا مَعَهُمُ الزَّانِيَيْنِ فَقَدِمَ الرَّهْطُ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّكُمْ جِيرَانُ هَذَا الرَّجُلِ وَمَعَهُ فِي بَلَدِهِ وَقَدْ حَدَثَ، فِينَا حَدَثُ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ قَدْ فَجَرَا وَقَدْ أُحْصِنَا، فَنُحِبُّ أَنْ تَسْأَلُوا لَنَا مُحَمَّدًا عَنْ قَضَائِهِ فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ: إِذًا وَاللَّهِ يَأْمُرُكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ. ثُمَّ انْطَلَقَ قَوْمٌ، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ وَسَعْيَةُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ وَكِنَانَةُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَغَيْرُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا عَنِ الزَّانِي وَالزَّانِيَةِ إِذَا أَحْصَنَا مَا حَدُّهُمَا فِي كِتَابِكَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالرَّجْمِ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ

_ (1) ساقط من "ب".

فَأَبَوْا أَنْ يَأْخُذُوا بِهِ. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمُ ابْنَ صُورِيَا، وَوَصَفَهُ لَهُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ تَعْرِفُونَ شَابًّا أَمْرَدَ أَعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُورِيَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟ فَقَالُوا: هُوَ أَعْلَمُ يَهُودِيٍّ بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَفَعَلُوا فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْتَ ابْنُ صُورِيَا"؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَأَنْتَ أَعْلَمُ الْيَهُودِ؟ قَالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ، قَالَ: أَتَجْعَلُونَهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخْرَجَكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَفَلَقَ لَكُمُ الْبَحْرَ وَأَنْجَاكُمْ وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وَالَّذِي ظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ وَفِيهِ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أَحْصَنَ؟ ". قَالَ ابْنُ صُورِيَا: نَعَمْ وَالَّذِي ذَكَّرْتَنِي بِهِ لَوْلَا خَشْيَةُ أَنْ تَحْرِقَنِي التَّوْرَاةُ إِنْ كَذَبْتُ أَوْ غَيَّرْتُ مَا اعْتَرَفْتُ لَكَ، وَلَكِنْ كَيْفَ هِيَ فِي كِتَابِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: "إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ عُدُولٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْخَلَهُ فِيهَا كَمَا يَدْخُلُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ"، فَقَالَ ابْنُ صُورِيَا: وَالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَكَذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَمَا كَانَ أَوَّلَ مَا تَرَخَّصْتُمْ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ؟ "، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَكَثُرَ الزِّنَا فِي أَشْرَافِنَا حَتَّى زَنَا ابْنُ عَمِّ مَلِكٍ لَنَا فَلَمْ نَرْجُمْهُ، ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ آخَرُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ ذَلِكَ الْمَلِكُ رَجْمَهُ فَقَامَ دُونَهُ قَوْمُهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا تَرْجُمُهُ حَتَّى يُرْجَمَ فُلَانٌ -لِابْنِ عَمِّ الْمَلِكِ -فَقُلْنَا: تَعَالَوْا نَجْتَمِعْ فَلْنَضَعْ شَيْئًا دُونَ الرَّجْمِ يَكُونُ عَلَى الْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ، فَوَضَعْنَا الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ، وَهُوَ أَنْ يُجْلَدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً بِحَبْلٍ مَطْلِيٍّ بِالْقَارِ ثُمَّ يُسَوَّدَ وُجُوهُهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ وَوُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ دُبُرِ الْحِمَارِ وَيُطَافُ بِهِمَا، فَجَعَلُوا هَذَا مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ [لِابْنِ صُورِيَا] (1) مَا أَسْرَعَ مَا أَخْبَرْتَهُ بِهِ، وَمَا كُنَّا لِمَا أَثْنَيْنَا عَلَيْكَ بِأَهْلٍ وَلَكِنَّكَ كُنْتَ غَائِبًا فَكَرِهْنَا أَنْ نَغْتَابَكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ قَدْ أَنْشَدَنِي بِالتَّوْرَاةِ وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّوْرَاةِ أَنْ تُهْلِكَنِي لَمَا أَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ

_ (1) ساقط من "ب".

إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أماتوه، فأنزل 107\أاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: [كَذَبْتُمْ] (2) إِنَّ فِيهَا لَآيَةَ الرَّجْمِ، فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، قَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ (3) . وَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ كَانَ لَهُمْ فَضْلٌ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقَالَ بَنُو قُرَيْظَةَ: يَا مُحَمَّدُ إِخْوَانُنَا بَنُو النَّضِيرِ وَأَبُونَا وَاحِدٌ وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّنَا وَاحِدٌ، إِذَا قَتَلُوا مِنَّا قَتِيلًا وَاحِدًا لَمْ يُقِيدُونَا وَأَعْطَوْنَا دِيَتَهُ سَبْعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَإِذَا قَتَلْنَا مِنْهُمْ قَتَلُوا الْقَاتِلَ وَأَخَذُوا مِنَّا الضِّعْفَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ امْرَأَةً قَتَلُوا بِهَا الرَّجُلَ مِنَّا وَبِالرَّجُلِ مِنْهُمُ الرَّجُلَيْنِ مِنَّا، وَبِالْعَبْدِ الْحُرَّ مِنَّا، وَجَرَاحَتُنَا عَلَى التَّضْعِيفِ مِنْ جِرَاحَاتِهِمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (4) . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْآيَةَ فِي الرَّجْمِ. قَوْلُهُ: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ} قِيلَ: اللَّامُ بِمَعْنَى إِلَى، وَقِيلَ: هِيَ لَامُ كَيْ، أَيْ: يَسْمَعُونَ لِكَيْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: {لِقَوْمٍ} أَيْ: لِأَجْلِ قَوْمٍ {آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} وَهُمْ أَهْلُ خَيْبَرَ، {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ} [جَمْعُ كَلِمَةٍ] (5) {مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} أَيْ: مِنْ بَعْدِ وَضْعِهِ مَوَاضِعَهُ، ذَكَرَ الْكِنَايَةَ رَدًّا عَلَى لَفْظِ الْكَلِمِ، {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ} أَيْ: [إِنْ] (6) أَفْتَاكُمْ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 6 / 232، الدر المنثور: 3 / 78، ابن كثير: 2 / 60-61. (2) ساقط في ب. (3) أخرجه البخاري في المناقب، باب "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ... " 6 / 631، وفي التفسير والتوحيد، واللفظ له، وأخرجه مسلم في الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنا، برقم (1699) : 3 / 1326. (4) انظر: تفسير الطبري: 6 / 243، الدر المنثور: 3 / 78، ابن كثير: 2 / 61-62. (5) زيادة من "ب". (6) في ب "من أجل أن".

مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَاقْبَلُوا، {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ} كُفْرَهُ وَضَلَالَتَهُ، قَالَ الضَّحَّاكُ: هَلَاكَهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: عَذَابَهُ، {فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} فَلَنْ تَقْدِرَ عَلَى دَفْعِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ} وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الْقَدَرَ، {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أَيْ: لِلْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، فَخِزْيُ الْمُنَافِقِينَ الْفَضِيحَةُ وَهَتْكُ السِّتْرِ بِإِظْهَارِ نِفَاقِهِمْ، وَخِزْيُ الْيَهُودِ الْجِزْيَةُ وَالْقَتْلُ وَالسَّبْيُ وَالنَّفْيُ، وَرُؤْيَتُهُمْ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِيهِمْ مَا يَكْرَهُونَ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الْخُلُودُ فِي النَّارِ.

42

{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكِسَائِيُّ "لِلسُّحُتِ" بِضَمِّ الْحَاءِ، وَالْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، وَهُوَ الْحَرَامُ، وَأَصْلُهُ الْهَلَاكُ وَالشِّدَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} (طه، 61) ، نَزَلَتْ فِي حُكَّامِ الْيَهُودِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَمْثَالِهِ، كَانُوا يَرْتَشُونَ وَيَقْضُونَ لِمَنْ رَشَاهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ إِذَا أَتَاهُ أَحَدٌ بِرُشْوَةٍ جَعَلَهَا فِي كُمِّهِ فَيُرِيهَا إِيَّاهُ وَيَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ فَيَسْمَعُ مِنْهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى خَصْمِهِ، فَيَسْمَعُ الْكَذِبَ وَيَأْكُلُ الرُّشْوَةَ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَكَمِ إِذَا رَشَوْتَهُ لِيُحِقَّ لَكَ بَاطِلًا أَوْ يُبْطِلَ [عَنْكَ] (1) حَقًّا (2) . فَأَمَّا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الْوَالِيَ يَخَافُ ظُلْمَهُ لِيَدْرَأَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ، فَالسُّحْتُ هُوَ الرُّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ وَمُقَاتِلٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ الرُّشْوَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً لِيَرُدَّ بِهَا حَقًّا أَوْ يَدْفَعَ بِهَا [ظُلْمًا (3) فَأُهْدِيَ لَهُ فَقَبِلَ فَهُوَ سُحْتٌ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا كُنَّا نَرَى ذَلِكَ إِلَّا الْأَخْذَ عَلَى الْحُكْمِ، فَقَالَ: الْأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ كُفْرٌ (4) قَالَ اللَّهُ

_ (1) في "ب": (لك) . (2) انظر: الطبري: 6 / 239، الدر المنثور: 3 / 80-81. (3) في "ب": (باطلا) . (4) الطبري: 6 / 240.

تَعَالَى: {يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} "سُورَةُ الْمَائِدَةِ، 44". أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ". (1) . وَالسُّحْتُ كُلُّ كَسْبٍ لَا يَحِلُّ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا} خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ إِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الْآيَةِ الْيَوْمَ هَلْ لِلْحَاكِمِ الْخِيَارُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا؟ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هُوَ حُكْمٌ ثَابِتٌ، وَلَيْسَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخٌ، وَحُكَّامُ الْمُسْلِمِينَ بِالْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءُوا حَكَمُوا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَحْكُمُوا، وَإِنْ حَكَمُوا حَكَمُوا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ. وَقَالَ قَوْمٌ: يَجِبُ عَلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ" (سُورَةُ الْمَائِدَةِ، 49) ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (2) وَقَالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الْمَائِدَةِ إِلَّا آيَتَانِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: "لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ" نَسَخَهَا قوله تعالى: "اقتلوا الْمُشْرِكِينَ" وَقَوْلُهُ: "فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ" نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ" فَأَمَّا إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قَوْلُهُ {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} أَيْ: بِالْعَدْلِ، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أَيِ: الْعَادِلِينَ، رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ" (3) .

_ (1) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب في كراهية الرشوة: 5 / 207، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم: 4 / 567، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الأحكام، باب التغليظ في الحيف والرشوة. 2 / 775. وصححه الحاكم: 4 / 102،103، ووافقه الذهبي. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 87-88. (2) انظر: الطبري: 6 / 744-747، الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم هبة الله بن سلامة، ص (41-42) ، أحكام القرآن للجصاص: 4 / 87-89. (3) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، برقم (1827) : 3 / 1458، والمصنف في شرح السنة: 10 / 63-64.

43

{وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ} هَذَا تَعْجِيبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ، أَيْ: كَيْفَ يَجْعَلُونَكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ فَيَرْضَوْنَ بِحُكْمِكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ؟ {فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ} وَهُوَ الرَّجْمُ، {ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} أَيْ بِمُصَدِّقِينَ لَكَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} أَيْ: أَسْلَمُوا وَانْقَادُوا [لِأَمْرِ] (1) اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" (سُورَةُ الْبَقَرَةِ، 131) ، وَكَمَا قَالَ: "وَلَهُ أَسْلَمَ من في السموات وَالْأَرْضِ" (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، 83) ، وَأَرَادَ بِهِمُ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ بُعِثُوا مِنْ بَعْدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَحْكُمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ أَسْلَمُوا لِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَحَكَمُوا بِهَا، فَإِنَّ مِنَ النَّبِيِّينَ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ مِنْهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: "لكل جعلنا منك شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" (سُورَةُ الْمَائِدَةِ، 48) . وَقَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالرَّجْمِ، ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَمَا قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا" (سُورَةُ النَّحْلِ، 120) . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ هَادُوا} فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فِيهَا هُدًى وَنُورٌ لِلَّذِينِ هَادَوْا. ثُمَّ قَالَ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى مَوْضِعِهِ، وَمَعْنَاهُ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى الَّذِينَ هَادَوْا، كَمَا قَالَ: "وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا" (سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، 7) أَيْ: فَعَلَيْهَا، وَقَالَ: "أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ" (سُورَةُ الرَّعْدِ، 25) أَيْ: عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ، كَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّذِينِ هَادَوْا وَعَلَى الَّذِينَ هَادَوْا فَحَذَفَ أَحَدَهُمَا اخْتِصَارًا.

_ (1) في "ب": (لحكم) .

{وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} يَعْنِي الْعُلَمَاءَ: وَاحِدُهُمْ حَبْرٌ، وَحِبْرٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ لِلشَّيْءِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ وَقَالَ قُطْرُبٌ هُوَ مِنَ الْحِبْرِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْجَمَالِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ "يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ" (1) أَيْ: حُسْنُهُ وَهَيْئَتُهُ، وَمِنْهُ التَّحْبِيرُ وَهُوَ التَّحْسِينُ، فَسُمِّيَ الْعَالِمُ حِبْرًا لِمَا عَلَيْهِ مِنْ جَمَالِ الْعِلْمِ وَبَهَائِهِ، وَقِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ هَاهُنَا مِنَ النَّصَارَى، وَالْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ، وَقِيلَ: كِلَاهُمَا مِنَ الْيَهُودِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} أَيِ: اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} أَنَّهُ كَذَلِكَ. {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال قتادة 107/ب وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فِي الْيَهُودِ دُونَ مَنْ أَسَاءَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. رُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهَا فِي الْكَافِرِينَ، وَقِيلَ: هِيَ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. وَقَالَ ابن عباس (2) وطاووس: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، بَلْ إِذَا فَعَلَهُ فَهُوَ بِهِ [كَافِرٌ] (3) وَلَيْسَ كَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. قَالَ عَطَاءٌ: هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ مَعْنَاهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَاحِدًا بِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ. وَسُئِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: إِنَّهَا تَقَعُ عَلَى جَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا عَلَى بَعْضِهِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ، فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ التَّوْحِيدِ وَتَرْكِ الشِّرْكِ، ثُمَّ لَمْ يَحْكُمْ [بِجَمِيعِ] (4) مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الشَّرَائِعِ لَمْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا إِذَا رَدَّ نَصَّ حُكْمِ اللَّهِ عِيَانًا عَمْدًا، فَأَمَّا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَوْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ فَلَا (5) .

_ (1) ذكره الزمخشري في الفائق: 1 / 251، وابن الأثير في النهاية: 1 / 327. (2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 وصححه على شرط الشيخين. (3) في "ب": (كفر) . (4) في "ب": (ببعض) . (5) للشيخ أحمد محمد شاكر وأخيه محمود شاكر تعليق على هذه الآثار، في عمدة التفسير وفي تفسير الطبري، عند تفسير هذه الآية، ننقله هنا بتمامه: قال الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير: 4 / 156-158 "وهذه الآثار - عن ابن عباس وغيره - مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز، في جدال الإباضية إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة، عمدا إلى الهوى، أو جهلا بالحكم. والخوارج، من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء، ليكون ذلك عذرا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف. وهذان الأثران رواهما الطبري: 12025، 12026. وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقا نفيسا جدا، قويا صريحا. فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين. فروى الطبري: 12025، عن عمران بن حدير: قال: "أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" أحق هو؟ قال: نعم، قال: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: "ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون" أحق هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون. فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا ولا تحرجون! ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحوا من هذا". ثم روى الطبري: 12026 نحو معناه. وإسناداه صحيحان. فكتب أخي السيد محمود، بمناسبة هذين الأثرين ما نصه: اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة. وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه. وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل عليها. والناظر في هذين الخبرين لا محيص له عن معرفة السائل والمسئول، فأبو مجلز (لاحق بن حميد الشيباني السدوسي) تابعي ثقة، وكان يحب عليا رضي الله عنه. وكان قوم أبي مجلز، وهم بنو شيبان. من شيعة علي يوم الجمل وصفين. فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي رضي الله عنه، طائفة من بني شيبان، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل. وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز، ناس من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: 12025) ، وهم نفر من الإباضية (كما في الأثر: 12026) ، والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية، هم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم، وفي تكفير علي رضي الله عنه إذ حكم الحكمين، وأن عليا لم يحكم بما أنزل الله، في أمر التحكيم. ثم إن عبد الله بن إباض قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابه، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم. ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقا لا ندري معه - في أمر هذين الخبرين - من أي الفرق كان هؤلاء السائلون، بيد أن الإباضية كلها يقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر عندهم. ثم قالوا أيضا: إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها. ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية، إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء، لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه. ولذلك قال لهم في الخبر الأول (رقم: 12025) : "فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا"، وقال لهم في الخبر الثاني: "إنهم يعملون بما يعملون أنه ذنب". وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل والداعي إليه. والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع، على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها. فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس!! ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة. فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكما وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها. هذه واحدة. وأخرى، أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة. وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة. وإما أن يكون حكم بها متأولا حكما خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب، وسنة رسول الله. وأما أن يكون كان في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر، جاحدا لحكم من أحكام الشريعة، أو مؤثرا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط. فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه. فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابهما، وصرفهما إلى غير معناهما، رغبة في نصرة سلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجاحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام = فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين. وكتبه محمود محمد شاكر".

45

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أَيْ: أَوْجَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ، {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} يَعْنِي: نَفْسَ الْقَاتِلِ بِنَفْسِ الْمَقْتُولِ وَفَاءً يُقْتَلُ بِهِ، {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} تُفْقَأُ بِهَا، {وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ} يُجْدَعُ بِهِ، {وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ} تُقْطَعُ بِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِحُكْمِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ إِلَى آخِرِهَا، فَمَا بَالُهُمْ يُخَالِفُونَ فَيَقْتُلُونَ بِالنَّفْسِ النَّفْسَيْنِ، وَيَفْقَأُونَ بِالْعَيْنِ الْعَيْنَيْنِ، وَخَفَّفَ نَافِعٌ الْأُذُنَ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَثَقَّلَهَا الْآخَرُونَ، {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} تُقْلَعُ بِهَا وَسَائِرُ الْجَوَارِحِ قِيَاسٌ عَلَيْهَا فِي الْقِصَاصِ، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} فَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ، ثُمَّ قَالَ: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أَيْ فِيمَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَاللِّسَانِ وَنَحْوِهَا، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ مِنْ كَسْرِ عَظْمٍ أَوْ جَرْحِ لَحْمٍ كَالْجَائِفَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى نِهَايَتِهِ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ "وَالْعَيْنُ" وَمَا بَعْدَهَا بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو عَمْرٍو "وَالْجُرُوحُ" بِالرَّفْعِ فَقَطْ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ كُلَّهَا بِالنَّصْبِ كَالنَّفْسِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ} أَيْ بِالْقِصَاصِ {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} قِيلَ: الْهَاءُ فِي "لَهُ" كِنَايَةٌ عَنِ الْمَجْرُوحِ وَوَلِيِّ الْقَتِيلِ، أَيْ: كَفَّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّيْنَوَرِيُّ أَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ أَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَصَدَّقَ مِنْ جَسَدِهُ بِشَيْءٍ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَدْرِهِ مِنْ ذُنُوبِهِ" (1) . وَقَالَ جَمَاعَةٌ: هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجَارِحِ وَالْقَاتِلِ، يَعْنِي: إِذَا عَفَا المجني عليه من الْجَانِي فَعَفْوُهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِ الْجَانِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ الْقِصَاصَ كَفَّارَةٌ لَهُ، فَأَمَّا أَجْرُ الْعَافِي فَعَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" (الشُّورَى-40) ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}

_ (1) أخرجه الترمذي بنحوه مطولا عن أبي الدرداء، في الديات، باب ما جاء في العفو: 4 / 650، وقال: هذا حديث غريب، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، وأخرجه ابن ماجه في الديات، باب العفو في القصاص برقم (2693) : 2 / 898، والطبري في التفسير: 10 / 368، وابن أبي عاصم في الديات، والإمام أحمد في المسند: 5 / 316، 6 / 448. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب: 3 / 305 من رواية الإمام أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح. ومن رواية ابن ماجه وقال: إسناده حسن لولا الانقطاع.

46

{وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ} أَيْ: عَلَى آثَارِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، {بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ}

أَيْ: فِي الْإِنْجِيلِ، {هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا} يَعْنِي الْإِنْجِيلَ، {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} قَرَأَ الْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ "وَلِيَحْكُمَ" بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ، أَيْ لِكَيْ يَحْكُمَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ اللَّامِ وَجَزَمَ الْمِيمِ عَلَى الْأَمْرِ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانِ: أَمَرَ اللَّهُ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَمَرَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانَ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا فِي الْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا وَقَالُوا عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وَالْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الْخَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} يَا مُحَمَّدُ {الْكِتَابَ} الْقُرْآنَ، {بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} أَيْ: مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ قَبْلُ، {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} رَوَى الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَيْ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالْكِسَائِيِّ. قَالَ حَسَّانُ: إِنَّ الْكِتَابَ مُهْيَمِنٌ لِنَبِيِّنَا ... وَالْحَقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ يُرِيدُ: شَاهِدًا وَمُصَدِّقًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: دَالًّا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، مُؤْتَمِنًا عَلَيْهِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَمِينًا (1) وَقِيلَ: أَصْلُهُ مُؤَيْمِنٌ، مُفَيْعِلٌ مِنْ أَمِينٍ، كَمَا قَالُوا: مُبَيْطِرٌ مِنَ الْبَيْطَارِ، فَقُلِبَتِ الْهَمْزَةُ هَاءً، كَمَا قَالُوا: أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ، وَإِيهَاتَ وَهَيْهَاتَ، وَنَحْوَهَا. وَمَعْنَى أَمَانَةَ الْقُرْآنِ مَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، فَمَا أَخْبَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْ [كِتَابِهِمْ] (2) فَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ فَصَدِّقُوا وَإِلَّا فَكَذِّبُوا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالضَّحَّاكُ قَاضِيًا، وَقَالَ الْخَلِيلُ: رَقِيبًا وَحَافِظًا، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَمَعْنَى الْكُلِّ: أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ الْقُرْآنُ فَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا لَا فَلَا. {فَاحْكُمْ}

_ (1) انظر معنى الهيمنة ووجوهها بالتفصيل في مقال: "الإسلام وعلاقته بالديانات الأخرى"، عثمان جمعة ضميرية، في العدد (21) من مجلة البحوث الإسلامية، بالرياض، ربيع الأول 1408هـ ص (315-320) . (2) في "ب": (كتبهم) .

49

يَا مُحَمَّدُ، {بَيْنَهُمْ} بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْكَ، {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} بِالْقُرْآنِ، {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} أَيْ لَا تُعْرِضْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: أَيْ سَبِيلًا وَسُنَّةً، فَالشِّرْعَةُ وَالْمِنْهَاجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَكُلُّ مَا شَرَعَتْ فِيهِ فَهُوَ شَرِيعَةٌ وَشِرْعَةٌ، وَمِنْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ لِشُرُوعِ أَهْلِهَا فِيهَا، وَأَرَادَ بِهَذَا أَنَّ الشَّرَائِعَ مُخْتَلِفَةٌ، وَلِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ شَرِيعَةٌ. قَالَ قَتَادَةُ: الْخِطَابُ لِلْأُمَمِ الثَّلَاثِ: أُمَّةِ مُوسَى وَأُمَّةِ عِيسَى وَأُمِّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، للتوراة شريعة والإنجيل شَرِيعَةٌ وَلِلْفُرْقَانِ شَرِيعَةٌ، وَالدِّينُ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّوْحِيدُ. {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أَيْ: عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، {وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ} لِيَخْتَبِرَكُمْ، {فِي مَا آتَاكُمْ} مِنَ الْكُتُبِ وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ الشَّرَائِعِ فَيَتَبَيَّنُ الْمُطِيعُ مِنَ الْعَاصِي وَالْمُوَافِقُ مِنَ الْمُخَالِفِ، {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} فَبَادِرُوا إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ كَعْبُ بْنُ [أَسَدٍ] (1) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ [صُورِيَّا] (2) وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنَا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَأَشْرَافُهُمْ وَأَنَّا إِنِ اتَّبَعْنَاكَ لَمْ يُخَالِفْنَا الْيَهُودُ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ خُصُومَاتٍ فَنُحَاكِمُهُمْ إِلَيْكَ فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ نُؤْمِنُ بِكَ، وَيَتْبَعُنَا غَيْرُنَا، وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُمُ الْإِيمَانَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُمُ التَّلْبِيسَ وَدَعْوَتَهُ إِلَى الْمَيْلِ فِي الْحُكْمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْآيَةَ (3) . {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أَيْ: أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ وَالْحُكْمِ بِالْقُرْآنِ، {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ} أَيْ: فَاعْلَمْ أَنَّ إِعْرَاضَهُمْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُعَجِّلَ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} يَعْنِي الْيَهُودَ، {لَفَاسِقُونَ}

_ (1) في الأصل: (أسيد) ، والتصويب من السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 567. (2) في السيرة لابن هشام: (صَلُوبا) . (3) سيرة ابن هشام: 2 / 567، الطبري: 10 / 393، أسباب النزول للواحدي، ص (229) .

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} 108\أقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "تَبْغُونَ" بِالتَّاءِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، أَيْ: يَطْلُبُونَ، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}

51

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} اخْتَلَفُوا فِي نِزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا عَامًّا لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا اخْتَصَمَا، فَقَالَ عُبَادَةُ: إِنَّ لِي أَوْلِيَاءَ مِنَ الْيَهُودِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدَةٌ شَوْكَتُهُمْ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ وِلَايَتِهِمْ وَوِلَايَةِ الْيَهُودِ، وَلَا مَوْلَى لِي إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَكِنِّي لَا أَبْرَأُ مِنْ وِلَايَةِ الْيَهُودِ، لِأَنِّي أَخَافُ الدَّوَائِرَ، وَلَا بُدَّ لِي مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَبَا الْحُبَابِ مَا نَفَسْتَ بِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْيَهُودِ عَلَى عُبَادَةِ بْنِ الصَّامِتِ فَهُوَ لَكَ دُونَهُ، قَالَ: إِذًا أَقْبَلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (1) . قَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ اشْتَدَّتْ عَلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ وَتَخَوَّفُوا أَنْ يُدَالَ عَلَيْهِمُ الْكُفَّارُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَا أَلْحَقُ بِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ وَآخُذُ مِنْهُ أَمَانًا إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُدَالَ عَلَيْنَا الْيَهُودُ، وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: أَمَّا أَنَا فَأَلْحَقُ بِفُلَانٍ النَّصْرَانِيِّ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَآخُذُ مِنْهُ أَمَانًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ يَنْهَاهُمَا (2) . وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي [أَبِي لُبَابَةَ] (3) بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ [حِينَ حَاصَرَهُمْ] (4) فَاسْتَشَارُوهُ فِي النُّزُولِ، وَقَالُوا: مَاذَا يَصْنَعُ بِنَا إِذَا نَزَلْنَا، فَجَعَلَ أُصْبُعَهُ عَلَى حَلْقِهِ أَنَّهُ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 10 / 395-396، الدر المنثور: 3 / 98،99، أسباب النزول ص (229) . (2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 276 (طبع الحلبي) ، الدر المنثور: 3 / 99. (3) في "ب" (أبي أمامة) وهو خطأ. (4) ما بين القوسين ساقط من "ب".

53

الذَّبْحُ، أَيْ: يَقْتُلُكُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (1) . {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} فِي الْعَوْنِ وَالنُّصْرَةِ وَيَدُهُمْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} [فَيُوَفِّقْهُمْ وَيُعِنْهُمْ] (2) {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أَيْ: نِفَاقٌ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُوَالُونَ الْيَهُودَ، {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} فِي مَعُونَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} دَوْلَةٌ، يَعْنِي: أَنْ يَدُولَ الدَّهْرُ دَوْلَةً فَنَحْتَاجُ إِلَى نَصْرِهِمْ إِيَّانَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَعْنَاهُ نَخْشَى أَنْ لَا يَتِمَّ أَمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورُ الْأَمْرُ عَلَيْنَا، وَقِيلَ: نَخْشَى أَنْ يَدُورَ الدَّهْرُ عَلَيْنَا بِمَكْرُوهٍ مِنْ جَدْبٍ وَقَحْطٍ فَلَا يُعْطُونَا الْمِيرَةَ وَالْقَرْضَ، {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: بِالْقَضَاءِ الْفَصْلِ مِنْ نَصْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: فَتْحُ مَكَّةَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَتْحُ قُرَى الْيَهُودِ مِثْلُ خَيْبَرَ وَفَدَكَ، {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} قِيلَ: بِإِتْمَامِ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: هُوَ عَذَابٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: إِجْلَاءُ بَنِي النَّضِيرِ، {فَيُصْبِحُوا} يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ، {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ} مِنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَدَسِّ الْأَخْبَارِ إِلَيْهِمْ، {نَادِمِينَ} {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } {وَ} حِينَئِذٍ، {َيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا} [قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: "وَيَقُولُ" بِالْوَاوِ وَالرَّفْعِ] (3) وَقَرَأَ أَهْلُ

_ (1) انظر: الطبري: 6 / 276 (طبع الحلبي) ، الدر المنثور: 3 / 99-100، وهنا نضع كلمة لشيخ المفسرين الإمام الطبري، رحمه الله يبين فيها الصواب من هذه الأقوال، قال: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أن من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزّب على الله ورسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان، وقد يجوز أن الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أُبيّ بن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر السدي أن أحدهم همّ باللحاق بِدَهْلَكَ اليهودي والآخر بنصراني بالشام. ولم يصح بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة، فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذا كان ذلك كذلك، فالصواب: أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه، غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية بعده تدل على ذلك". (2) زيادة من "ب". (3) ما بين القوسين ساقط من "ب".

الْبَصْرَةِ بِالْوَاوِ وَنَصْبِ اللَّامِ عَطْفًا عَلَى {أَنْ يَأْتِيَ} أَيْ: وَعَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَرَفْعِ اللَّامِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ [الْعَالِيَةِ] (1) اسْتِغْنَاءً عَنْ حَرْفِ الْعَطْفِ بِمُلَابَسَةِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا، يَعْنِي يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا فِي وَقْتِ إِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى نِفَاقَ الْمُنَافِقِينَ، {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ} حَلَفُوا بِاللَّهِ، {جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَيْ: حَلَفُوا بِأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ، {إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ} أَيْ: إِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، يُرِيدُ: أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَحَلِفِهِمْ بِالْبَاطِلِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ، {فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} خَسِرُوا الدُّنْيَا بِافْتِضَاحِهِمْ، وَالْآخِرَةَ بِالْعَذَابِ وَفَوَاتِ الثَّوَابِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ "يَرْتَدِدْ" بِدَالَيْنِ عَلَى إِظْهَارِ التَّضْعِيفِ "عَنْ دِينِهِ" فَيَرْجِعُ إِلَى الْكُفْرِ. قَالَ الْحَسَنُ: عَلِمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ قَوْمًا يَرْجِعُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَيُحِبُّونَهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي أُولَئِكَ الْقَوْمِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: هُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ قَاتَلُوا أهل الردة ومانعي الزَّكَاةِ (2) وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قُبِضَ ارْتَدَّ عَامَّةُ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَحْرَيْنِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَمَنَعَ بَعْضُهُمُ الزَّكَاةَ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقِتَالِهِمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي [عَنَاقًا] (3) كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا" (4) . قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَرِهَتِ الصَّحَابَةُ قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالُوا: أَهْلُ الْقِبْلَةِ، فَتَقَلَّدَ أَبُو بَكْرٍ سَيْفَهُ وَخَرَجَ وَحْدَهُ، فَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى أَثَرِهِ.

_ (1) في "ب": (الشام) . (2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 283 (طبع الحلبي) . (3) في "ب": (عقالا) . (4) أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة 3 / 262، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. برقم (20) : 1 / 51-52، والمصنف في شرح السنة: 1 / 66-67.

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَرِهْنَا ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ حَمِدْنَاهُ عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: سَمِعْتُ أَبَا حُصَيْنٍ يَقُولُ: مَا وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مَوْلُودٌ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَقَدْ قَامَ مَقَامَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ. وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: مِنْهُمْ [بَنُو مَذْحِجٍ] (1) وَرَئِيسُهُمْ ذُو الْخِمَارِ، عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ، الْعَنْسِيُّ، وَيُلَقَّبُ بِالْأَسْوَدِ، وَكَانَ كَاهِنًا مُشَعْبِذًا فَتَنَبَّأَ بِالْيَمَنِ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهَا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحُثُّوا النَّاسَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ، وَعَلَى النُّهُوضِ إِلَى حَرْبِ الْأَسْوَدِ، فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَتَى الْخَبَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قُتِلَ الْأَسْوَدُ الْبَارِحَةَ قَتْلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ"، قِيلَ: وَمَنْ هُوَ؟ قال: "فيروز، [فازفيروز] (2) فَبَشَّرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِهَلَاكِ الْأَسْوَدِ، وَقُبِضَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَدِ؛ وَأَتَى [خَبَرُ] (3) مَقْتَلِ الْعَنْسِيِّ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَمَا خَرَجَ أُسَامَةُ وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ فَتْحٍ جَاءَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (4) . وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: بَنُو حَنِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَرَئِيسُهُمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، [وَاسْمُهُ ثُمَامَةُ بْنُ قَيْسٍ] (5) وَكَانَ قَدْ تَنَبَّأَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أُشْرِكَ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النُّبُوَّةِ، وَكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَرْضَ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لَكَ، وَبَعَثَ [بِذَلِكَ] (6) إِلَيْهِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [أَتَشْهَدَانِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَا نَعَمْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (7) "لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا"، ثُمَّ أَجَابَ: "مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الأرض لله يروثها مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"، وَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُوُفِّيَ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيٍّ، غُلَامِ مُطَعِمِ بْنِ عَدِيٍّ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، بَعْدَ حَرْبٍ شَدِيدٍ، وَكَانَ وَحْشِيٌّ يَقُولُ: قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ (8) .

_ (1) في "ب": (بنو مدحة) . (2) ساقط من "ب". (3) ساقط من "ب". (4) انظر: تاريخ الطبري: 3 / 227 وما بعدها، البداية والنهاية 6 / 305-311 أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 371. تفسير الطبري: 10 / 424-425. (5) ساقط من "ب". (6) زيادة من "ب". (7) زيادة من "ب". (8) انظر: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الرسل: 4 / 64، البداية والنهاية: 5 / 51، 6 / 200، سيرة ابن هشام: 2 / 600.

وَالْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: بَنُو أَسَدٍ، وَرَئِيسُهُمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ طُلَيْحَةُ آخِرَ مَنِ ارْتَدَّ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَوَّلَ مَنْ قُوتِلَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل 108/ب الرِّدَّةِ، فَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُمْ خَالِدٌ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَأَفْلَتَ طُلَيْحَةُ فَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ هَارِبًا نَحْوَ الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (1) . وَارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (2) خَلْقٌ كَثِيرٌ، حَتَّى كَفَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ وَنَصَرَ دِينَهُ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3) . قَالَتْ عَائِشَةُ: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَاشْرَأَبَّ النِّفَاقُ، وَنَزَلَ بِأَبِي بَكْرٍ مَا لَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ لَهَاضَهَا" (4) . وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} هَمُ الْأَشْعَرِيُّونَ، رُوِيَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُمْ قَوْمُ هَذَا، وَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ" (5) وَكَانُوا مِنَ الْيَمَنِ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ [عَلِيِّ الْكُشْمِيهَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ] (6) حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَضْعَفُ قُلُوبًا وَأَرَقَّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٌ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ" (7) وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُمْ أَحْيَاءٌ مِنَ الْيَمَنِ أَلْفَانِ مِنَ النَّخَعِ وَخَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ كِنْدَةَ وَبَجِيلَةَ، وَثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنْ أَفْيَاءِ النَّاسِ، فَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

_ (1) انظر: البداية والنهاية: 6 / 314-319، 4 / 61. (2) ما بين القوسين ساقط من "ب". (3) انظر: حروب الردة للشهيد المؤرخ الكلاعي ص (35) وما بعدها. (4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 665، حروب الردة للكلاعي ص (35) . تاريخ الطبري، 3 / 225. (5) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 وصححه على شرط مسلم، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 7 / 16) . والطبري في التفسير: 10 / 414-415. (6) زيادة من "ب" و"شرح السنة". (7) أخرجه البخاري في المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن: 8 / 98، ومسلم في الإيمان، باب أهل الإيمان ... (52) : 1 / 71، والمصنف في شرح السنة: 14 / 201.

55

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يَعْنِي: أَرِقَّاءَ رُحَمَاءَ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: "وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ"، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْهَوَانَ، بَلْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ جَانِبَهُمْ لَيِّنٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الذُّلِّ مِنْ قَوْلِهِمْ دَابَّةٌ ذَلُولٌ، يَعْنِي أَنَّهُمْ مُتَوَاضِعُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا"، {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أَيْ: أَشِدَّاءَ غِلَاظٍ عَلَى الْكُفَّارِ يُعَادُونَهُمْ وَيُغَالِبُونَهُمْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَزَّهُ أَيْ غَلَبَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: كَالْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ: كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} يَعْنِي: لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَ النَّاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُرَاقِبُونَ الْكُفَّارَ وَيَخَافُونَ لَوْمَهُمْ، وَرُوِّينَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (1) . {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ مَحَبَّتُهُمْ لِلَّهِ وَلِينُ جَانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَشِدَّتُهُمْ عَلَى الْكَافِرِينَ، مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) } {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ حِينَ تَبَرَّأَ عُبَادَةُ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَالَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، فَنَزَلَ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ"، إِلَى قَوْلِهِ: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا" (2) يَعْنِي عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (3) . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَوْمَنَا قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ قَدْ هَجَرُونَا وَفَارَقُونَا وَأَقْسَمُوا أَنْ لَا يُجَالِسُونَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ رَضِينَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ أَوْلِيَاءَ" (4) . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: {وَهُمْ رَاكِعُونَ}

_ (1) أخرجه البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس: 13 / 192، وفي الفتن، وأخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1709) : 3 / 1470، والمصنف في شرح السنة: 10 / 46. (2) ما بين القوسين ساقط من "ب". (3) انظر ما سبق، سبب نزول الآية (51) من السورة، والطبري: 10 / 424. (4) أخرجه الواحدي في أسباب النزول، (230) عن جابر وعن ابن عباس، وعزاه السيوطي لابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه، الدر المنثور 3 / 105.

57

صَلَاةَ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ: "وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ"، أَرَادَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ فَأَعْطَاهُ خاتمه (1) . وقال جوبير عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} نَزَلَتْ فِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) . {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} يَعْنِي: يَتَوَلَّى الْقِيَامَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يُرِيدُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ، {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ} يَعْنِي: أَنْصَارَ دِينِ اللَّهِ، {هُمُ الْغَالِبُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) }

_ (1) أخرجه الطبري: 10 / 325-326. وفيه عن السدي: هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع.. وانظر: الدر المنثور: 3 / 104-105. (2) أخرجه الطبري: 10 / 425، وانظر: الدر المنثور: 3 / 106.

58

{وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ، ثُمَّ نَافَقَا وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (1) "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا"، بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلًا وَهُمْ مُسْتَبْطِنُونَ الْكُفْرَ، {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يَعْنِي: الْيَهُودَ، {وَالْكُفَّارَ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَالْكِسَائِيُّ "الْكُفَّارِ"، بِخَفْضِ الرَّاءِ، [يَعْنِي:

_ (1) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 568، تفسير الطبري: 6 / 290، أسباب النزول للواحدي ص (231) ، الدر المنثور: 3 / 107.

وَمِنَ الْكُفَّارِ] (1) وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، أَيْ: لَا تتخذوا الكفار، و {أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَادَى إِلَى الصَّلَاةِ وَقَامَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا، قَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ قَامُوا لَا قَامُوا، وَصَلَّوْا لَا صَلَّوْا، عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِهْزَاءِ، وَضَحِكُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (2) . وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: حُرِقَ الْكَاذِبُ، فَدَخَلَ خَادِمُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِنَارٍ [وَهُوَ وَأَهْلُهُ نِيَامٌ] (3) فَتَطَايَرَتْ مِنْهَا شَرَارَةٌ فَاحْتَرَقَ الْبَيْتُ وَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ (4) . وَقَالَ الْآخَرُونَ: إِنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا سَمِعُوا الْأَذَانَ حَسَدُوا الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لِقَدْ أَبْدَعْتَ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأُمَمِ فَإِنْ كُنْتَ تَدَّعِي النُّبُوَّةَ فَقَدْ خَالَفْتَ -فِيمَا أَحْدَثْتَ -الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَكَ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ صِيَاحٌ كَصِيَاحِ [الْعَنْزِ] (5) ؟ فَمَا أَقْبَحَ مِنْ صَوْتٍ وَمَا أَسْمَجَ مِنْ أَمْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَنَزَّلَ "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ"، الْآيَةَ (6) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا} الْآيَةَ. قَرَأَ الْكِسَائِيُّ: "هَلْ تَنْقِمُونَ"، بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي التَّاءِ، وَكَذَلِكَ يُدْغِمُ لَامَ هَلْ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَالنُّونِ، وَوَافَقَهُ حَمْزَةُ فِي التَّاءِ وَالثَّاءِ وَأَبُو عَمْرٍو فِي "هَلْ تَرَى" فِي مَوْضِعَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ، أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَغَيْرُهُمَا، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ: أُومِنُ "بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ" إِلَى قَوْلِهِ: "وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"، فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ، وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (7) "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا"

_ (1) ساقط من "ب". (2) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص (231) ، الدر المنثور: 3 / 107. (3) في "ب" جاءت العبارة هكذا: (وهو نائم، هو وأهله) . (4) انظر: الطبري: 6 / 291، الدر المنثور: 3 / 107-108، أسباب النزول، ص (231) البحر المحيط: 3 / 515. (5) في أسباب النزول "العير". (6) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (231-232) ، البحر المحيط: 3 / 515. (7) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 567، الطبري: 6 / 292، الدر المنثور: 3 / 108، أسباب النزول ص (232) .

60

أَيْ: تَكْرَهُونَ مِنَّا، {إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} أَيْ: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا وَفِسْقَكُمْ، أَيْ: إِنَّمَا كَرِهْتُمْ إِيمَانَنَا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّا عَلَى حَقٍّ، لِأَنَّكُمْ فَسَقْتُمْ بِأَنْ أَقَمْتُمْ عَلَى دِينِكُمْ لِحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَحُبِّ الْأَمْوَالِ. {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) } ثُمَّ قَالَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} أُخْبِرُكُمْ، {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} الَّذِي ذَكَرْتُمْ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ لَمْ نَرَ أَهْلَ دِينٍ أَقَلَّ حَظًّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْكُمْ وَلَا دِينًا شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ، فَذَكَرَ الْجَوَابَ بلفظ الابتداء، 109\أوَإِنْ لَمْ يَكُنْ الِابْتِدَاءُ شَرًّا كقوله تعالى: "أفأنبأكم بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ" (الْحَجِّ، 72) ، {مَثُوبَةً} ثَوَابًا وَجَزَاءً، نُصِبَ عَلَى التَّفْسِيرِ، {عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} أَيْ: هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} يَعْنِي: الْيَهُودَ، {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} فَالْقِرَدَةُ أَصْحَابُ السَّبْتِ، وَالْخَنَازِيرُ كُفَّارُ مَائِدَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ الْمَمْسُوخِينَ كِلَاهُمَا مِنْ أَصْحَابِ السَّبْتِ، فَشُبَّانُهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَمَشَايِخُهُمْ مُسِخُوا خَنَازِيرَ. {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} أَيْ: جُعِلَ مِنْهُمْ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ، أَيْ: أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِيمَا سَوَّلَ لَهُ، وَتَصْدِيقُهَا قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَمَنْ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ "وَعَبُدَ" بِضَمِّ الْبَاءِ "الطَّاغُوتِ" بِجَرِّ التَّاءِ، أَرَادَ الْعَبُدَ وَهُمَا لُغَتَانِ عَبْدٌ بِجَزْمِ الْبَاءِ وَعُبُدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ، مِثْلُ سَبْعٍ وَسُبُعٌ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ الْعِبَادِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ، عَلَى الْوَاحِدِ، {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} أَيْ: عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ. {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا} يَعْنِي: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا: "آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وجه النهار وكفروا آخِرَهُ"، دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ، وَهُمْ يُسِرُّونَ الْكُفْرَ، {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} يَعْنِي: دَخَلُوا كَافِرِينَ وَخَرَجُوا كَافِرِينَ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ}

64

{وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} يَعْنِي: مِنَ الْيَهُودِ {يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} قِيلَ: الْإِثْمُ الْمَعَاصِي وَالْعُدْوَانُ الظُّلْمُ، وَقِيلَ: الْإِثْمُ مَا كَتَمُوا مِنَ التَّوْرَاةِ، وَالْعُدْوَانُ ما زَادُوا فِيهَا، {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} الرِّشَا، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {لَوْلَا} هَلَّا {يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} يَعْنِي: الْعُلَمَاءَ، قِيلَ: الرَّبَّانِيُّونَ عُلَمَاءُ النَّصَارَى وَالْأَحْبَارُ عُلَمَاءُ الْيَهُودِ، {عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) } {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ بَسَطَ عَلَى الْيَهُودِ حَتَّى كَانُوا مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ مَالًا وَأَخْصَبِهِمْ نَاحِيَةً فَلَمَّا عَصَوُا اللَّهَ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوا بِهِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّعَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ فِنْحَاصُ بْنُ عَازُورَاءَ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، أَيْ: مَحْبُوسَةٌ مَقْبُوضَةٌ عَنِ الرِّزْقِ نَسَبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِنْحَاصٌ، فَلَمَّا لَمْ يَنْهَهُ الْآخَرُونَ وَرَضُوا بِقَوْلِهِ أَشْرَكَهُمُ اللَّهُ فِيهَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَعْنَاهُ يَدُ اللَّهِ مَكْفُوفَةٌ عَنْ عَذَابِنَا فَلَيْسَ يُعَذِّبُنَا إِلَّا مَا تَبَرُّ بِهِ قَسَمُهُ قَدْرَ مَا عَبَدَ آبَاؤُنَا الْعِجْلَ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: "يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ". {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ} أَيْ: [أُمْسِكَتْ] (1) أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: أَنَا الْجَوَّادُ وَهُمُ الْبُخَلَاءُ وَأَيْدِيهِمْ هِيَ الْمَغْلُولَةُ الْمُمْسِكَةُ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الْغَلِّ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ" (غَافِرِ، 71) . {وَلُعِنُوا} عُذِّبُوا، {بِمَا قَالُوا} فَمِنْ لَعْنِهِمْ أَنَّهُمْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} وَيَدُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ [صِفَاتِهِ] (2) كَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ وَالْوَجْهِ، وَقَالَ جَلَّ

_ (1) في "ب" (أمسك الله) . (2) في "ب": (صفات ذاته) .

ذِكْرُهُ: "لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" (ص، 75) ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ" (1) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِفَاتِهِ، فَعَلَى الْعِبَادِ فِيهَا الْإِيمَانُ وَالتَّسْلِيمُ. وَقَالَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفَ". {يُنْفِقُ} يَرْزُقُ، {كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} أَيْ: كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِهَا وَازْدَادُوا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، [كُلَّمَا نَزَلَتْ آيَةٌ] (2) {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} يَعْنِي: بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: وَقِيلَ بَيْنَ طَوَائِفِ الْيَهُودِ جَعَلَهُمُ اللَّهُ مُخْتَلِفِينَ فِي دِينِهِمْ مُتَبَاغِضِينَ {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} يَعْنِي: الْيَهُودَ أَفْسَدُوا وَخَالَفُوا حُكْمَ التَّوْرَاةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْطُوسَ الرُّومِيُّ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ، ثُمَّ أَفْسَدُوا فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ لِيُفْسِدُوا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْقَدُوا نَارَ الْمُحَارَبَةِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ، فَرَدَّهُمْ وَقَهَرَهُمْ وَنَصَرَ نَبِيَّهُ وَدِينَهُ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ حَرْبٍ طَلَبَتْهُ الْيَهُودُ فَلَا تَلْقَى الْيَهُودَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلِّ النَّاسِ، {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}

_ (1) قطعة من حديث أخرجه الإمام مسلم في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر ... برقم (1827) : 3 / 1458. (2) ساقط من "ب".

65

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) } {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا} بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَاتَّقَوْا} الْكُفْرَ، {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} يَعْنِي: أَقَامُوا أَحْكَامَهُمَا وَحُدُودَهُمَا وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِمَا، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: كُتُبُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} قِيلَ: مِنْ فَوْقِهِمْ هُوَ الْمَطَرُ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ نَبَاتُ الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَأَنْزَلْتُ عَلَيْهِمُ الْقَطْرَ وَأَخْرَجْتُ لَهُمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ. وَقَالَ الْفِرَاءُ أَرَادَ بِهِ التَّوْسِعَةَ فِي الرِّزْقِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ فِي الْخَيْرِ مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" (الْأَعْرَافِ، 96) . {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} يَعْنِي: مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَأَصْحَابَهُ، مُقْتَصِدَةٌ أَيْ عَادِلَةٌ غَيْرُ غَالِيَةٍ، وَلَا مُقَصِّرَةٍ جَافِيَةٍ، وَمَعْنَى الِاقْتِصَادِ فِي اللُّغَةِ: الِاعْتِدَالُ فِي الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ} كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ، {سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} بِئْسَ شَيْئًا عَمَلُهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَمِلُوا الْقَبِيحَ مَعَ التَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الْآيَةَ، رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ" الْآيَةَ (1) . رَوَى الْحَسَنُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ رَسُولَهُ ضَاقَ ذَرْعًا وَعَرَفَ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُكَذِّبُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (2) . وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَيْبِ الْيَهُودِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ وَجَعَلُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: تُرِيدُ أَنْ نَتَّخِذَكَ حَنَانًا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ حَنَانًا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ سَكَتَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ" الْآيَةَ. وَقِيلَ: بَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ، نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَنِكَاحِهَا. وَقِيلَ: فِي الْجِهَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَرِهُوهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ"

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، باب "يا أيها الرسول بلغ ... " من سورة المائدة: 8 / 275، ومسلم في الإيمان. باب معنى قول الله عز وجل "ولقد رآه نزلة أخرى" برقم (177) : 1 / 159. (2) أسباب النزول للواحدي ص (232-233) ، الدر المنثور: 3 / 116-117.

(مُحَمَّدٍ، 20) وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ" الْآيَةَ (النِّسَاءِ، 70) ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمْسِكُ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ عَنِ الْحَثِّ عَلَى الْجِهَادِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ كَرَاهَةِ بَعْضِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ (رِسَالَاتِهِ) ، عَلَى الْجَمْعِ وَالْبَاقُونَ رِسَالَتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنْ لَمْ تُبَلِّغِ الْجَمِيعَ وَتَرَكْتَ بَعْضَهُ، فَمَا بَلَّغْتَ شَيْئًا، أَيْ: جُرْمُكَ فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ البعض كجرمك 109/ب فِي تَرْكِ تَبْلِيغِ الْكُلِّ، كَقَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا" (النِّسَاءِ، 150-151) ، أَخْبَرَ أَنَّ كُفْرَهُمْ بِالْبَعْضِ مُحْبِطٌ لِلْإِيمَانِ بِالْبَعْضِ. وَقِيلَ: بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ أَيْ: أَظْهِرْ تَبْلِيغَهُ، كَقَوْلِهِ: "فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ" (الْحِجْرِ، 94) وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ: فَإِنْ لَمْ تُظْهِرْ تَبْلِيغَهُ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مُجَاهِرًا مُحْتَسِبًا صَابِرًا، غَيْرَ خَائِفٍ، فَإِنْ أَخْفَيْتَ مِنْهُ شَيْئًا لِخَوْفٍ يَلْحَقُكَ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} يَحْفَظُكَ وَيَمْنَعُكَ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ قَدْ شُجَّ رَأْسُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَأُوذِيَ بِضُرُوبٍ مِنَ الْأَذَى؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الْقَتْلِ فَلَا يَصِلُونَ إِلَى قَتْلِكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَعْدَمَا شُجَّ رَأْسُهُ لِأَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقِيلَ: وَاللَّهُ يَخُصُّكَ بِالْعِصْمَةِ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْصُومٌ. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَا سِنَانُ بْنُ أبي سنان الدولي وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَفَلَ مَعَهُ وَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاةِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ "ثَلَاثًا"، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (1) .

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة: 6 / 96، وفي المغازي. ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف برقم (843) : 1 / 576. واللفظ للبخاري.

68

وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ سَلَّ سَيْفَهُ وَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ قَالَ: اللَّهُ، فَرَعَدَتْ يَدُ الْأَعْرَابِيِّ وَسَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَ يَضْرِبُ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتَّى انْتَثَرَ دِمَاغُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهِرَ فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَصْحَابِي يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍّ جِئْتُ لِأَحْرُسَكَ، فَنَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ: "أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" (2) . {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) }

_ (1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله: 6 / 81، ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضل سعد بن أبي وقاص، برقم (2410) : 4 / 1875. (2) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة: 8 / 411، وقال: هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجُريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي ... ولم يذكروا فيه: عن عائشة. وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 ووافقه الذهبي، والطبري في التفسير 6 / 308. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وإسناده حسن، واختلفوا في وصله وإرساله". وزاد السيوطي نسبته: لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي، كلاهما في الدلائل، وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 3 / 118.

71

{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}

أَيْ: تُقِيمُوا أَحْكَامَهُمَا وَمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ فِيهِمَا، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ} فَلَا تَحْزَنْ، {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} وكان حقه: {والصائبين} وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَجْهَ ارْتِفَاعِهِ (1) . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادَوْا وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَالصَّابِئُونَ كَذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} أَيْ: بِاللِّسَانِ، وَقَوْلُهُ: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أَيْ: بِالْقَلْبِ، وَقِيلَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} أَيْ: ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، {وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فِي التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا} عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا، {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} يَحْيَى وَزَكَرِيَّا.

_ (1) انظر فيما سبق تفسير الآية (62) من سورة البقرة، في المجلد الأول.

72

{وَحَسِبُوا} ظَنُّوا {أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أَيْ: عَذَابٌ وَقَتْلٌ، وَقِيلَ: ابْتِلَاءٌ وَاخْتِبَارٌ، أَيْ: ظَنُّوا أَنْ لَا يُبْتَلَوْا وَلَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ، قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " تَكُونُ " بِرَفْعِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ، وَنَصَبَهَا الْآخَرُونَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ لَا {فَعَمُوا} عَنِ الْحَقِّ فَلَمْ يُبْصِرُوهُ، {وَصَمُّوا} عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوهُ، يَعْنِي عَمُوا وَصَمُّوا بَعْدَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} بِبَعْثِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} بِالْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) } {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} وَهُمُ الْمَلْكَانِيَّةُ وَالْيَعْقُوبِيَّةُ مِنْهُمْ، {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} يَعْنِي: الْمُرْقُوسِيَّةَ، وَفِيهِ إِضْمَارٌ مَعْنَاهُ: ثَالِثُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ، لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْإِلَهِيَّةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَرْيَمَ وَعِيسَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَهٌ فَهُمْ ثَلَاثَةُ آلِهَةٍ، يُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَسِيحِ: "أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ"؟ (الْمَائِدَةِ، 116) ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِلَهِيَّةَ لَا يَكْفُرُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: "مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ" (الْمُجَادَلَةِ، 7) ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" (1) . ثُمَّ قَالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ} [لِيُصِيبُنَّ] (2) {الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} خَصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لِعِلْمِهِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُؤْمِنُونَ. {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ} ؟ قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا أَمْرٌ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" (الْمَائِدَةِ، 91) ، أَيِ: انْتَهُوا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ [يَأْمُرُكُمْ] (3) بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ الْعَظِيمِ، {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} [مَضَتْ] (4) {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} أَيْ: لَيْسَ هُوَ بِإِلَهٍ بَلْ هُوَ كَالرُّسُلِ الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ يَكُونُوا آلِهَةً، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} أَيْ: كَثِيرَةُ الصِّدْقِ.

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة التوبة، باب "ثاني اثنين إذ هما في الغار ... " 8 / 325. (2) ساقط من "ب". (3) في "ب": (يأمرهم) . (4) ساقط في (ب) .

75

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ صِدِّيقَةً لِأَنَّهَا صَدَّقَتْ بِآيَاتِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصْفِهَا: "وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا" (التَّحْرِيمِ، 12) ، {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} أَيْ: كَانَا يَعِيشَانِ بِالطَّعَامِ وَالْغِذَاءِ كَسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا مَنْ لَا يُقِيمُهُ إِلَّا أَكْلُ الطَّعَامِ؟ وَقِيلَ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ وَشَرِبَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا؟ ثُمَّ قَالَ: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أَيْ يُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ. {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) }

77

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) } {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} أَيْ: لَا تَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ، وَالْغُلُوُّ وَالتَّقْصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ فِي الدِّينِ، وَقَوْلُهُ: {غَيْرَ الْحَقِّ} أَيْ: فِي دِينِكُمُ الْمُخَالِفِ لِلْحَقِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الْحَقَّ فِي دِينِهِمْ، ثُمَّ غَلَوْا فِيهِ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ، {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ} وَالْأَهْوَاءُ جَمْعُ الْهَوَى وَهُوَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ شَهْوَةُ النَّفْسِ {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} يَعْنِي: رُؤَسَاءَ الضَّلَالَةِ مِنْ فَرِيقَيِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالْخِطَابُ لِلَّذِينِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُهُوا عَنِ اتِّبَاعِ أَسْلَافِهِمْ فِيمَا ابتدعوه بأهوائهم 110\أ {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} يَعْنِي: مَنِ اتَّبَعَهُمْ [عَلَى أَهْوَائِهِمْ] (1) {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ، أَيْ: بِالْإِضْلَالِ، فَالضَّلَالُ الْأَوَّلُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَالثَّانِي بِإِضْلَالِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ} يَعْنِي: أَهْلَ أَيْلَةَ لَمَّا اعْتَدَوْا

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "ب".

79

فِي السَّبْتِ، وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ وَاجْعَلْهُمْ آيَةً فَمُسِخُوا قِرَدَةً، {وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} أَيْ: عَلَى لِسَانِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَعْنِي: كُفَّارَ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ، لَمَّا لَمْ يُؤْمِنُوا، قَالَ عِيسَى: اللَّهُمَّ الْعَنْهُمْ وَاجْعَلْهُمْ آيَةً فَمُسِخُوا خَنَازِيرَ، {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [أَيْ: لَا يَنْهَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا] (1) {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا الْحَسَنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَا أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ أَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ أَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيَّ -عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا عَمِلَ الْعَامِلُ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةَ نَهَاهُ النَّاهِي تَعْذِيرًا فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَالَسَهُ وَآكَلَهُ وَشَارَبَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلَى الْخَطِيئَةِ بِالْأَمْسِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ" (2) . {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} قِيلَ: مِنَ الْيَهُودِ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَأَصْحَابُهُ، {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا}

_ (1) ما بين القوسين ساقط من (ب) . (2) روي من طرق وبألفاظ مختلفة عن أبي موسى وعن عبد الله بن مسعود، فقد أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 186، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 412-413، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال بعضهم: يقول عن أبي عبيدة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مرسل. وأخرجه ابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (4006-4007) 2 / 1327-1328 مرسلا وموصولا، والإمام أحمد في المسند: 1 / 391، وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد: 7 / 269) . وقال المنذري: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع.

مُشْرِكِي مَكَّةَ حِينَ خَرَجُوا إِلَيْهِمْ يُجَيِّشُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: مِنْهُمْ يَعْنِي مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْيَهُودَ، {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} بِئْسَ مَا قَدَّمُوا مِنَ الْعَمَلِ لِمَعَادِهِمْ فِي الْآخِرَةِ، {أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، {وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ} يَعْنِي الْقُرْآنَ، {مَا اتَّخَذُوهُمْ} يَعْنِي الْكُفَّارَ، {أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} أَيْ خَارِجُونَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} يَعْنِي: مُشْرِكِي الْعَرَبِ، {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} لَمْ يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ فِي عَدَاوَتِهِمُ الْمُسْلِمِينَ كَالْيَهُودِ فِي قَتْلِهِمُ الْمُسْلِمِينَ وَأَسْرِهِمْ وَتَخْرِيبِ بِلَادِهِمْ وَهَدْمِ مَسَاجِدِهِمْ وَإِحْرَاقِ مَصَاحِفِهِمْ، لَا وَلَاءَ، وَلَا كَرَامَةَ لَهُمْ، بَلِ الْآيَةُ فِيمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مِثْلُ النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ، [وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِ وَجَمِيعِ النَّصَارَى، لِأَنَّ الْيَهُودَ أَقْسَى قَلْبًا وَالنَّصَارَى أَلْيَنُ قَلْبًا مِنْهُمْ، وَكَانُوا أَقَلَّ مُظَاهَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَهُودِ] (1) . قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: ائْتَمَرَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَفْتِنُوا الْمُؤْمِنِينَ عَنْ دِينِهِمْ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُؤْذُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ، فَافْتُتِنَ مَنِ افْتُتِنَ، وَعَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ، وَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِأَصْحَابِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ بَعْدُ بِالْجِهَادِ أَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَالَ: "إِنَّ بِهَا مَلِكًا صَالِحًا لَا يَظْلِمُ وَلَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَاخْرُجُوا إِلَيْهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَرَجًا" وَأَرَادَ بِهِ النَّجَاشِيَّ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ عَطِيَّةُ، وَإِنَّمَا النَّجَاشِيُّ اسْمُ الْمَلِكِ، كَقَوْلِهِمْ قَيْصَرَ وَكِسْرَى، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ سِرًّا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَامْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، [وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ] (2) وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ وَامْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَمُصَعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَامْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَامْرَأَتُهُ

_ (1) ساقط من "ب". (2) ما بين القوسين ساقط من "ب".

لَيْلَى بِنْتُ أَبِي [حَثْمَةَ] (1) وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرٍو وَ [سَهْلُ] (2) بْنُ بَيْضَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَى الْبَحْرِ وَأَخَذُوا سَفِينَةً إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الْأُولَى ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ رَجُلًا سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. فَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ وَجَّهُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَصَاحِبَهُ بِالْهَدَايَا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَبَطَارِقَتِهِ لِيَرُدُّوهُمْ إِلَيْهِمْ، فَعَصَمَهُ اللَّهُ، وَذُكِرَتِ الْقِصَّةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. فَلَمَّا انْصَرَفَا خَائِبَيْنِ، أَقَامَ الْمُسْلِمُونَ هُنَاكَ بِخَيْرِ دَارٍ وَأَحْسَنِ جِوَارٍ إِلَى أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَا أَمْرُهُ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ عَلَى يَدِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ -وَكَانَتْ قَدْ هَاجَرَتْ إِلَيْهِ مَعَ زَوْجِهَا فَمَاتَ زَوْجُهَا، -وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى أُمِّ حَبِيبَةَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا أَبَرْهَةُ تُخْبِرُهَا بِخِطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا، فَأَعْطَتْهَا أَوْضَاحًا لَهَا سُرُورًا بِذَلِكَ، فَأَذِنَتْ لِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حَتَّى أَنْكَحَهَا عَلَى صَدَاقٍ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الْخَاطِبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى يَدِ أَبَرْهَةَ، فَلَمَّا جَاءَتْهَا بِهَا أَعْطَتْهَا خَمْسِينَ دِينَارًا فَرَدَّتْهُ وَقَالَتْ: أَمَرَنِي الْمَلِكُ أَنْ لَا آخُذُ مِنْكِ شَيْئًا، وَقَالَتْ: أَنَا صَاحِبَةُ دَهْنِ الْمَلِكِ وَثِيَابِهِ، وَقَدْ صَدَّقْتُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنْتُ بِهِ، وَحَاجَتِي مِنْكِ أن تقرئيه منك السَّلَامَ، قَالَتْ نَعَمْ: وَقَدْ أَمَرَ الْمَلِكُ نِسَاءَهُ أَنْ يَبْعَثْنَ إِلَيْكِ بِمَا عِنْدَهُنَّ مِنْ عُودٍ وَعَنْبَرٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرَاهُ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا فَلَا يُنْكِرُ. قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَخَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ، فَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ وَأَقَمْتُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَكَانَ يَسْأَلُنِي عَنِ النَّجَاشِيِّ فَقَرَأَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَبَرْهَةَ السَّلَامَ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً" يَعْنِي: أَبَا سُفْيَانَ مَوَدَّةً، يَعْنِي: بِتَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَلَمَّا جَاءَ أَبَا سُفْيَانَ تَزْوِيجُ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَ: ذَلِكَ الْفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ (3) . وَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ بَعْدَ قُدُومِ جَعْفَرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ابْنَهُ أَزْهَى بْنَ أَصْحَمَةَ بْنِ أَبْجَرَ فِي سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدِّقًا وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ

_ (1) في الأصل (خيثمة) ، والتصويب من السيرة النبوية. (2) في "ب": (وسهيل) . (3) أي: كفء كريم، لا يرد.

82

ابن عمك وأسملت لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ ابْنِي أَزْهَى، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ بِنَفْسِي فَعَلْتُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَكِبُوا سَفِينَةً فِي أَثَرِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي وَسَطِ الْبَحْرِ غَرِقُوا، وَوَافَى جَعْفَرُ وَأَصْحَابُهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ، مِنْهُمُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَثَمَانِيَةٌ مِنْ [أَهْلِ] (1) الشَّامِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ يس إِلَى آخِرِهَا، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا الْقُرْآنَ وَآمَنُوا، وَقَالَ: آمَنُوا، وَقَالُوا: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (2) {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} 110/ب يَعْنِي: وَفْدَ النَّجَاشِيِّ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرٍ وَهُمُ السَّبْعُونَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ كَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الحبشة، وثمانية روميون مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. [وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا ثَمَانِينَ رَجُلًا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ بَنِي الْحَرِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ مِنَ الحبشة وثمانية روميون مِنْ أَهْلِ الشَّامِ] (3) . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ مِمَّا جَاءَ بِهِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقُوهُ وَآمَنُوا بِهِ فَأَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ (4) . {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ} أَيْ عُلَمَاءَ، قَالَ قُطْرُبٌ: الْقَسُّ وَالْقِسِّيسُ الْعَالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ، {وَرُهْبَانًا} الرُّهْبَانُ الْعُبَّادُ أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ، وَاحِدُهُمْ رَاهِبٌ، مِثْلُ فَارِسٍ وَفُرْسَانٍ، وَرَاكِبٍ وَرُكْبَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعُهُ رَهَابِينُ، مِثْلُ قُرْبَانٍ وَقَرَابِينٍ، {وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} لَا يَتَعَظَّمُونَ عَنِ الْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ لِلْحَقِّ. {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }

_ (1) زيادة من "ب". (2) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 321 وما بعدها، الطبري: 7 / 1-3 (الحلبي) ، أسباب النزول للواحدي، ص (235-236) . (3) ما بين القوسين ساقط من "ب". (4) أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة. (الدر المنثور: 3 / 132) .

83

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ} تَسِيلُ، {مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ: يريد النجاشي ولأصحابه قَرَأَ عَلَيْهِمْ جَعْفَرٌ بِالْحَبَشَةِ كهيعص، فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى فَرَغَ جَعْفَرٌ مِنَ الْقِرَاءَةِ. {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ}

84

يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: "لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ" (الْبَقَرَةِ، 143) . {وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ عَيَّرُوهُمْ وَقَالُوا لَهُمْ: لِمَ آمَنْتُمْ؟ فَأَجَابُوهُمْ بِهَذَا، {وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ} أَيْ: فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَيَانُهُ ( {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الْأَنْبِيَاءِ، 105) . {وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) } {فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ} أَعْطَاهُمُ اللَّهُ، {بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} وَإِنَّمَا أَنْجَحَ قَوْلَهُمْ وَعَلَّقَ الثَّوَابَ بِالْقَوْلِ لِاقْتِرَانِهِ بِالْإِخْلَاصِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: {وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ} يَعْنِي: الْمُوَحِّدِينَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ: "تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَّفُوا مِنَ الْحَقِّ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ وَالْمَعْرِفَةَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْقَوْلِ يَكُونُ إِيمَانًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الْآيَةَ قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: ذَكَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يَوْمًا وَوَصَفَ الْقِيَامَةَ، فَرَقَّ لَهُ النَّاسُ وَبَكُوا، فَاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَيْتِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الْجُمَحِيِّ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو ذَرِّ الْغِفَارِيُّ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَمَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَتَشَاوَرُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَتَرَهَّبُوا وَيَلْبَسُوا الْمُسُوحَ وَيَجُبُّوا مَذَاكِيرَهُمْ، وَيَصُومُوا الدَّهْرَ، وَيَقُومُوا اللَّيْلَ وَلَا يَنَامُوا عَلَى الْفُرُشِ، وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ، وَلَا يَقْرَبُوا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَيَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَى دَارَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَاسْمُهَا الْخَوْلَاءُ، وَكَانَتْ عَطَّارَةً: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي

عَنْ زَوْجِكَ وَأَصْحَابِهِ؟ فَكَرِهَتْ أَنْ تَكْذِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَرِهَتْ أَنْ تُبْدِيَ عَلَى زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَخْبَرَكَ عُثْمَانُ بِشَيْءٍ فَقَدْ صَدَقَكَ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ أَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَلَمْ أُنَبَّأْ أَنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلَى كَذَا وَكَذَا) ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ) ، ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ لِأَنْفُسِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا وَقُومُوا وَنَامُوا، فَإِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَآكُلُ اللَّحْمَ وَالدَّسَمَ وَآتِي النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ وَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ حَرَّمُوا النِّسَاءَ وَالطَّعَامَ وَالطِّيبَ وَالنَّوْمَ وَشَهَوَاتِ [النِّسَاءِ] (1) ؟ أَمَا إِنِّي لَسْتُ آمُرُكُمْ أَنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي دِينَيْ تَرْكُ اللَّحْمِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا اتِّخَاذُ الصَّوَامِعِ، وَإِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ وَرَهْبَانِيَّتَهُمُ الْجِهَادُ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ وَاسْتَقِيمُوا يُسْتَقَمْ لَكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ) ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي تَوْبَةَ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنِي ابْنُ أَنْعُمَ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي الْاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، خِصَاءُ أُمَّتِي الصِّيَامُ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: (إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتَيِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: (إِنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتَيِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ) (3) . وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ مِنَ اللَّحْمِ فَانْتَشَرْتُ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَةٌ، فَحَرَّمْتُ اللَّحْمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} (4)

_ (1) في "ب": (الدنيا) . (2) انظر: تفسير الطبري: 7 / 8-11، الدر المنثور: 3 / 141-142، أسباب النزول (236-237) . (3) أخرجه المصنف في شرح السنة: 2 / 270-271، وفي مصابيح السنة: 1 / 225 (مشكاة المصابيح) . والحديث ضعيف، لضعف رشدين بن سعد وزياد بن أنعم الأفريقي. وللقطعة الثانية من الحديث "إن سياحة أمتي ... " شاهد عند أبي داود من حديث أبي أمامة في الجهاد باب النهي عن السياحة: 3 / 357. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3 / 479-480، مشكاة المصابيح: 1 / 225، مجمع الزوائد: 4 / 254. (4) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة: 8 / 415، وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم مرسلا، ليس فيه: عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا، وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول: ص (236) ، وأخرج الطبري في التفسير: 7 / 8 الرواية التي أشار إليها الترمذي، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 3 / 139، تفسير القرطبي: 6 / 260.

88

يَعْنِي: اللَّذَّاتَ الَّتِي تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ، مِمَّا أُحِلَّ لَكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ الطَّيِّبَةِ وَالْمُشَارِبِ اللَّذِيذَةِ، {وَلَا تَعْتَدُوا} أَيْ: وَلَا تُجَاوِزُوا الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ، وَقِيلَ: هُوَ جَبُّ الْمَذَاكِيرِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْحَلَالُ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، وَالطَّيِّبُ مَا غَذَّى وَأَنْمَى، فَأَمَّا الْجَوَامِدُ كَالطِّينِ وَالتُّرَابِ وَمَا لَا يُغَذِّي فَمَكْرُوهٌ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي. {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُزَاعِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ أَنَا أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ) (1) . (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا نَزَلَتْ: (لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا الَّتِي حَلَفْنَا عَلَيْهَا؟ وَكَانُوا حَلَفُوا عَلَى مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} (2) {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ [وَأَبُو بكر] (3) (عقدتم) بالتحفيف، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (عَاقَدْتُمْ) بِالْأَلْفِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (عَقَّدْتُمْ) بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ: وَكَّدْتُمْ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ قَصَدْتُمْ

_ (1) أخرجه البخاري في الأشربة، باب الباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة: 10 / 62، والمصنف في شرح السنة: 11 / 308. (2) أخرجه الطبري: 7 / 13. وانظر: أسباب النزول (237) . (3) ساقط من "ب".

وَتَعَمَّدْتُمْ، {فَكَفَّارَتُهُ} أَيْ: كَفَّارَةُ مَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ إِذَا حَنِثْتُمْ، {إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا مِنَ الطَّعَامِ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلْثٌ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْيَسَارِ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ. وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: عَلَيْهِ لِكُلِّ مسكين مُدّان، 11\أوَهُوَ نِصْفُ صَاعٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَطْعَمَ مِنَ الْحِنْطَةِ فَنِصْفُ صَاعٍ، وَإِنْ أَطْعَمَ مِنْ غَيْرِهَا فَصَاعٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ. وَلَوْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ لَا يَجُوزُ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَلَا تَجُوزُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ وَلَا الْخُبْزُ وَلَا الدَّقِيقُ، بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْحَبِّ إِلَيْهِمْ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ ذَلِكَ. وَلَوْ صَرَفَ الْكُلَّ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ [لَا يَجُوزُ] (1) وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَصْرِفَ طَعَامَ عَشْرَةٍ إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ إِلَّا إِلَى مُسْلِمٍ حُرٍّ مُحْتَاجٍ، فَإِنْ صُرِفَ إِلَى ذِمِّيٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ غَنِيٍّ لَا يَجُوزُ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ صَرْفَهَا إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَرْفَ الزَّكَاةِ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} أَيْ: مِنْ خَيْرِ قُوتِ عِيَالِكُمْ، وَقَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ: الْأَوْسَطُ الْخُبْزُ وَالْخَلُّ، وَالْأَعْلَى الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ، وَالْأَدْنَى الْخُبْزُ الْبَحْتُ وَالْكُلُّ [يُجْزِئُ] (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} كُلُّ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فَهُوَ فِيهَا مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ عَشَرَةً مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ شَاءَ كَسَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَ رَقَبَةً، فَإِنِ اخْتَارَ الْكُسْوَةَ، فَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهَا: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَكْسُو كُلَّ مِسْكِينٍ ثَوْبًا وَاحِدًا مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُسْوَةِ، إِزَارٌ أَوْ رِدَاءٌ أَوْ قَمِيصٌ أَوْ سَرَاوِيلُ أَوْ عِمَامَةٌ أَوْ كِسَاءٌ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ ومجاهد وعطاء وطاووس، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

_ (1) ساقط من (ب) . (2) في "ب": (مجزٍ) .

وَقَالَ مَالِكٌ: يَجِبُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مَا تَجُوزُ فِيهِ صَلَاتُهُ، فَيَكْسُو الرِّجَالَ ثَوْبًا وَاحِدًا وَالنِّسَاءَ ثَوْبَيْنِ دِرْعًا وَخِمَارًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ ثَوْبَانِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وَإِذَا اخْتَارَ الْعِتْقَ يَجِبُ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ وَالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ يَجِبُ فِيهَا إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِعْتَاقَ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ الرَّقَبَةَ فِيهَا بِالْإِيمَانِ، قُلْنَا: الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ [كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَ الشَّهَادَةَ بِالْعَدَالَةِ فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: "وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ"، (الطَّلَاقِ، 2) ، وَأُطْلِقَ فِي مَوْضِعٍ، فَقَالَ: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ" (الْبَقَرَةِ، 282) ، ثُمَّ الْعَدَالَةُ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ] (1) كَذَلِكَ هَاهُنَا، وَلَا يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْمُرْتَدِّ بِالِاتِّفَاقِ عَنِ الْكَفَّارَةِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَلِيمَ الرِّقِّ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ مُكَاتِبًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ أَوْ عَبْدًا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَوِ اشْتَرَى قَرِيبَهُ الَّذِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ الْكَفَّارَةِ، يُعْتِقُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَجَوَّزَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَدَّى شَيْئًا مِنَ النُّجُومِ، وَعِتْقَ الْقَرِيبِ عَنِ الْكَفَّارَةِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ سَلِيمَةً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ يَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا حَتَّى لَا يَجُوزَ مَقْطُوعُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ، أَوْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَلَا الْأَعْمَى وَلَا الزَّمِنُ وَلَا الْمَجْنُونُ الْمُطْبِقُ، وَيَجُوزُ الْأَعْوَرُ وَالْأَصَمُّ وَمَقْطُوعُ الْأُذُنَيْنِ وَالْأَنْفِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُيُوبَ لَا تَضُرُّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُلُّ عَيْبٍ يُفَوِّتُ جِنْسًا مِنَ الْمَنْفَعَةِ [عَلَى الْكَمَالِ] (2) يَمْنَعُ الْجَوَازَ، حَتَّى جَوَّزَ مَقْطُوعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ، وَلَمْ يُجَوِّزْ مَقْطُوعَ الْأُذُنَيْنِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} إِذَا عَجَزَ الَّذِي لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عَنِ الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ، يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ، وَالْعَجْزُ أَنْ لَا يَفْضُلَ مِنْ مَالِهِ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَاجَتِهِ مَا يُطْعِمُ أَوْ يَكْسُو أَوْ يُعْتِقُ فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا مَلَكَ مَا يُمْكِنُهُ الْإِطْعَامَ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ الصِّيَامُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "ب". (2) ساقط من "ب".

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي هَذَا الصَّوْمِ: فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ بَلْ إِنْ شَاءَ تَابِعَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَالتَّتَابُعُ أَفْضَلُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّتَابُعُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عنه صيام ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ. {ذَلِكَ} أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتُ، {كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} وَحَنِثْتُمْ، فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى جَوَازِهِ، لِمَا رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (1) . وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ [وَابْنِ عُمَرَ] (2) وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَدَنِيٌّ، إِنَّمَا يَجُوزُ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ أَوِ الْعِتْقِ كَمَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ صَوْمِ رَمَضَانَ قَبْلَ وَقْتِهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِ تَرْكَ الْحَلِفِ، أَيْ: لَا تَحْلِفُوا، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَرَادَ بِهِ: إِذَا حَلَفْتُمْ فَلَا تَحْنَثُوا، فَالْمُرَادُ مِنْهُ حِفْظُ الْيَمِينِ عَنِ الْحِنْثِ هَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ يَمِينُهُ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فَإِنْ حَلِفَ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ وَيُكَفِّرَ، لِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ أَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيَتْهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (3) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}

_ (1) أخرجه مسلم في الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير ... برقم (1650) : 3 / 1272، والمصنف في شرح السنة: 10 / 17. (2) ساقط من (ب) . (3) أخرجه الإمام مسلم في الأيمان، في الموضع السابق، برقم (1652) : 3 / 1273-1274، وفي الإمارة: 3 / 1456، والمصنف في شرح السنة 10 / 56، دون قوله "وإذا حلفت على يمين ... ".

89

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} أَيِ: الْقِمَارُ {وَالْأَنْصَابُ} يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْصِبُونَهَا، وَاحِدُهَا نَصْبٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ، وَنُصْبٌ بِضَمِّ النُّونِ مُخَفَّفًا وَمُثْقَلًا {وَالْأَزْلَامُ} يَعْنِي: الْأَقْدَاحَ الَّتِي كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهَا وَاحِدُهَا زَلَمٌ {رِجْسٌ} خَبِيثٌ مُسْتَقْذَرٌ، {مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} مِنْ تَزْيِينِهِ، {فَاجْتَنِبُوهُ} رَدَّ الْكِنَايَةَ إِلَى الرِّجْسِ، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

90

{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} أَمَّا الْعَدَوَاةُ فِي الْخَمْرِ فَإِنَّ الشَّارِبِينَ إِذَا سَكِرُوا عَرْبَدُوا وَتَشَاجَرُوا، كَمَا فَعَلَ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي شَجَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ بَلَحْيِ الْجَمَلِ أَمَّا الْعَدَاوَةُ فِي الْمَيْسِرِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الرَّجُلُ يُقَامِرُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ ثُمَّ يَبْقَى حَزِينًا مَسْلُوبَ الْأَهْلِ وَالْمَالِ مُغْتَاظًا عَلَى [حُرَفَائِهِ] (1) . {وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} وَذَلِكَ أَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوِ الْقِمَارِ أَلْهَاهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَشَوَّشَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ كَمَا فَعَلَ بِأَضْيَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، تَقَدَّمَ رَجُلٌ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ صلاة المغرب 111/ب بَعْدَمَا شَرِبُوا فَقَرَأَ "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ": أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، بِحَذْفٍ لَا (2) {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} أَيِ: انْتَهُوا، اسْتِفْهَامٌ وَمَعْنَاهُ أَمْرٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ"؟ (سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ، 80) . {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} الْمَحَارِمَ وَالْمَنَاهِيَ، {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} وَفِي وَعِيدِ شَارِبِ الْخَمْرِ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفُورَانِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّيْسَفُونِيُّ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَحْمُودِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَاسَرْجِسِيُّ بِنَيْسَابُورَ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ قُدَامَةَ حَدَّثَنَا أَخِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ

_ (1) في "ب" (حؤفانه) . (2) انظر: الدر المنثور: 3 / 164.

92

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حرام، وإن ختما عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَشْرَبَهُ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، هَلْ تَدْرُونَ مَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ " قَالَ: "عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ" (1) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ" (2) . وَأَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ أُبَيٍّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: "لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا" (3) . {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالُوا لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ

_ (1) أخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 356، وفيه عبد الملك بن قدامة، وهو ضعيف، ويشهد له عدة أحاديث صحيحة عن جابر بن عبد الله وغيره منها حديث جابر عند مسلم، برقم (2002) في الأشربة وحديث ابن عمر عند مسلم برقم (2003) وهو الآتي. (2) أخرجه مسلم في الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذ1 لم يتب منها ... برقم (2003) : 3 / 1588، والمصنف في شرح السنة: 11 / 355. (3) أخرجه أبو داود في الأشربة، باب العنب بعصر للخمر: 5 / 260، وابن ماجه في الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه برقم (3380) : 2 / 1121، والإمام أحمد في المسند: 2 / 97، وفيه: عبد الرحمن الغافقي. قال المنذري: سئل عنه ابن معين؟ فقال: لا أعرفه، وذكره ابن يونس في تاريخه وقال: روى عن ابن عمر، وأبو طعمة: رماه مكحول بالكذب، وللحديث شواهد يتقوى بها، لذلك قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، (4 / 73) : "صححه ابن السكن، وفي الباب عن أنس بن مالك: رواه الترمذي وابن ماجه، ورواته ثقات، وعن ابن عباس: رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وعن ابن مسعود: ذكره ابن أبي حاتم في العلل، وعن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه". ورواه أبو داود، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص".

94

مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ [وَيَأْكُلُونَ] (1) مِنْ مَالِ الْمَيْسِرِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} وَشَرِبُوا مِنَ الْخَمْرِ وَأَكَلُوا مِنْ مَالِ الْمَيْسِرِ، {إِذَا مَا اتَّقَوْا} الشِّرْكَ، {وَآمَنُوا} وَصَدَّقُوا، {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا} الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِمَا، {وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا} مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ، {وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ إِذْ مَا اتَّقَوُا الشِّرْكَ، وَآمَنُوا وَصَدَّقُوا ثُمَّ اتَّقَوْا، أَيْ: دَاوَمُوا عَلَى ذَلِكَ التَّقْوَى، {وَآمَنُوا} ازْدَادُوا إِيمَانًا، ثُمَّ اتَّقَوُا الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا وَأَحْسَنُوا، وَقِيلَ: أَيِ: اتَّقَوْا بِالْإِحْسَانِ، وَكُلُّ مُحْسِنٍ مُتَّقٍ، {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} الْآيَةَ، نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ، وَكَانَتِ الْوُحُوشُ تَغْشَى رِحَالَهُمْ مِنْ كَثْرَتِهَا فَهَمُّوا بِأَخْذِهَا فَنَزَلَتْ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ} ليختبركم اللَّهُ، وَفَائِدَةُ الْبَلْوَى إِظْهَارُ الْمُطِيعِ مِنَ الْعَاصِي، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لَهُ إِلَى الْبَلْوَى بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، وَإِنَّمَا بَعَّضَ، فَقَالَ {بِشَيْءٍ} لِأَنَّهُ ابْتَلَاهُمْ بِصَيْدِ الْبَرِّ خَاصَّةً. {تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ} يَعْنِي: الْفَرْخَ وَالْبَيْضَ وَمَا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ صِغَارِ الصَّيْدِ، {وَرِمَاحُكُمْ} يَعْنِي: الْكِبَارَ مِنَ الصَّيْدِ، {لِيَعْلَمَ اللَّهُ} لِيَرَى اللَّهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَهُ، {مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} أَيْ: يَخَافُ اللَّهَ وَلَمْ يَرَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ" (الْأَنْبِيَاءِ، 49) أَيْ: يَخَافُهُ فَلَا يَصْطَادُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} أَيْ: صَادَ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: [يُوجَعُ] (2) ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ جَلْدًا، وَيُسْلَبُ ثِيَابُهُ. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} أَيْ: مُحْرِمُونَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَهُوَ جَمْعُ حَرَامٍ، يُقَالُ: رَجُلٌ حَرَامٌ وَامْرَأَةٌ حَرَامٌ، وَقَدْ يَكُونُ [مِنْ] (3) دُخُولِ الْحَرَمِ، يُقَالُ:

_ (1) في "ب": (وأكلوا) . (2) في "ب": (يوسع) . (3) في "ب": (بمعنى) .

أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ، وَأَحْرَمَ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ. نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْيُسْرِ شَدَّ عَلَى حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْعَمْدِ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْعَمْدُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ مَعَ نِسْيَانِ الْإِحْرَامِ، أَمَّا إِذَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِإِحْرَامِهِ فَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ أَنْ يَعْمِدَ الْمُحْرِمُ قَتْلَ الصَّيْدِ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قَتَلَهُ خَطَأً، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ سَوَاءٌ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَلَى الْمُتَعَمِّدِ بِالْكِتَابِ وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ [جُبَيْرٍ] (1) لَا تَجِبُ كَفَّارَةُ الصَّيْدِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِالْعَمْدِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ " فَجَزَاءٌ " مُنَوَّنٌ، {مِثْلُ} رُفِعَ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْجَزَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْإِضَافَةِ {فَجَزَاءٌ مِثْلُ} {مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ مِنَ النَّعَمِ، وَأَرَادَ بِهِ مَا يَقْرُبُ مِنَ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ شَبَهًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةِ. {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَيْ: يَحْكُمُ بِالْجَزَاءِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ يَنْظُرَانِ إِلَى أَشْبَهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ النَّعَمِ فَيَحْكُمَانِ بِهِ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، حَكَمُوا فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَزْمَانٍ شَتَّى بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ حَاكِمٌ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ وَهِيَ لَا تُسَاوِي بَدَنَةً، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بِبَقَرَةٍ [وَهِيَ لَا تُسَاوِي بَقَرَةٍ] (2) وَفِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَهِيَ لَا تُسَاوِي كَبْشًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ نَظَرُوا إِلَى مَا يَقْرُبُ مِنَ الصَّيْدِ شَبَهًا مِنْ حَيْثُ الْخِلْقَةِ [لَا مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةِ] (3) وَتَجِبُ فِي الْحَمَامِ شَاةٌ، وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ مِنَ الطَّيْرِ، كَالْفَاخِتَةِ وَالْقُمْرِيِّ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَضَوْا فِي حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي

_ (1) في "ب": المسيب. (2) زيادة من "ب". (3) ساقط من "ب".

الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أَيْ: يُهْدِي تِلْكَ الْكَفَّارَةَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَيَذْبَحُهَا بِمَكَّةَ وَيَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} قَالَ الْفَرَّاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْعِدْلُ بِالْكَسْرِ: الْمِثْلُ مِنْ جِنْسِهِ، وَالْعَدْلُ بِالْفَتْحِ: الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَرَادَ بِهِ: أَنَّهُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، فَيَتَصَدَّقَ بلحمه على المساكين الْحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ، وَالدَّرَاهِمَ طَعَامًا، فَيَتَصَدَّقَ بالطعام على المساكين الْحَرَمِ، أَوْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا وَلَهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمِثْلَ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ ثُمَّ يَجْعَلُ الْقِيمَةَ طَعَامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، أَوْ يَصُومُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا يَجِبُ الْمِثْلُ مِنَ النَّعَمِ، بَلْ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ فَإِنْ شَاءَ صَرَفَ تِلْكَ الْقِيمَةَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعَمِ، وَإِنْ شَاءَ إِلَى الطَّعَامِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يَوْمًا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ جَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى التخيير. قوله 112\أتَعَالَى: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أَيْ: جَزَاءَ مَعْصِيَتِهِ، {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَنُزُولِ الْآيَةِ، قَالَ السُّدِّيُّ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} فِي الْآخِرَةِ. {وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} وَإِذَا تَكَرَّرَ مِنَ الْمُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ فَيَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مُتَعَمِّدًا يُسْأَلُ هَلْ قَتَلْتَ قَبْلَهُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وَقِيلَ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْكَ، وَإِنْ قَالَ لَمْ أَقْتُلْ قَبْلَهُ شَيْئًا حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُمْلَأُ ظَهْرُهُ وَصَدْرُهُ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَكَذَلِكَ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجٍّ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ (2) .

_ (1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب فدية ما أصيب من الطير والوحش: 1 / 414، والشافعي في المسند: 1 / 330-331، والبيهقي في السنن: 5 / 183، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 4 / 245، وانظر: تلخيص الحبير: 2 / 278. (2) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في المناسك، باب في مال الكعبة: 2 / 441-442، بلفظ " ... إن صيد وَجّ وعضاهه حرم، محرم لله.."، والإمام أحمد في المسند برقم (1416) طبع الحلبي، وصححه أحمد شاكر. قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وأبوه، فأما محمد فسئل عنه الرازي فقال: ليس بالقوي، وفي حديثه نظر، وذكره البخاري في تاريخه الكبير ج1 ق1 / 140، وذكر له هذا الحديث، وقال: لم يتابع عليه. وذكر أباه وأشار إلى هذا الحديث، وقال: لم يصح حديثه. وقال البستي: عبد الله بن إنسان، روى عنه ابنه محمد ولم يصح حديثه. وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 280 "سكت عليه أبو داود، وحسنه الترمذي وسكت عليه عبد الحق، وذكر الذهبي أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه". وقال النووي في المجموع: 7 / 449 "رواه البيهقي وإسناده ضعيف".

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُحْرِمِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وهو قول طاووس وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللِّيثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي وَجْهِي، قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (1) . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ إِذَا لَمْ يَصْطَدْ بِنَفْسِهِ وَلَا اصْطِيدَ لِأَجْلِهِ أَوْ بِإِشَارَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِنَّمَا رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رَبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ، تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ وَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ تَعَالَى" (2) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ

_ (1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا لم يقبل: 4 / 31، وفي الهبة، ومسلم في الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، برقم (1193) : 2 / 850، والمصنف في شرح السنة: 7 / 260. (2) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد: 9 / 613، ومسلم في الحج باب تحريم الصيد للمحرم، برقم (1196) : 2 / 852.

95

جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الْإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تصيدوه أو يُصاد لَكُمْ" (1) قَالَ أَبُو عِيسَى: الْمُطَّلِبُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَإِذَا أَتْلَفَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ لَا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ مِثْلُ بَيْضٍ أَوْ طَائِرٍ دُونَ الْحَمَامِ فَفِيهِ قِيمَةٌ يَصْرِفُهَا إِلَى الطَّعَامِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَرَادِ فَرَخَّصَ فِيهِ قَوْمٌ لِلْمُحْرِمِ وَقَالُوا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ، فَإِنْ أَصَابَهَا فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ، قَالَ عُمَرُ: فِي الْجَرَادِ تَمْرَةٌ، وَرُوِيَ عَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ. {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} وَالْمُرَادُ بِالْبَحْرِ جَمِيعُ الْمِيَاهِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "صَيْدُهُ مَا اصْطِيدَ وَطَعَامُهُ مَا رُمِيَ بِهِ" (2) . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: طَعَامُهُ مَا قَذَفَهُ الْمَاءُ إِلَى السَّاحِلِ مَيْتًا. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ الْمَالِحُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَتَادَةَ وَالنَّخَعِيِّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَيْدُهُ: طَرِيُّهُ، وَطَعَامُهُ: مَالِحُهُ، مَتَاعًا لَكُمْ أَيْ: مَنْفَعَةً لَكُمْ، وَلِلسَّيَّارَةِ يَعْنِي: الْمَارَّةَ. وَجُمْلَةُ حَيَوَانَاتِ الْمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: سَمَكٌ وَغَيْرُهُ، أَمَّا السَّمَكُ فَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ [وَدَمَانِ: الْمَيْتَتَانِ] الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: [الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ] (3) وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ بِسَبَبٍ مِنْ وُقُوعٍ عَلَى حَجَرٍ أَوِ انْحِسَارِ الْمَاءِ عَنْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

_ (1) أخرجه أبو داود في المناسك، باب لحم الصيد للمحرم: 2 / 362، بلفظ "صيد البر لكم حلال.."، والترمذي في الحج، باب ما جاء في أكل لحم الصيد للمحرم: 3 / 584، والنسائي في الحج، باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله حلال: 5 / 187، وصححه ابن حبان، ص (243) من الموارد، والحاكم: 1 / 452، والشافعي: 1 / 322-323 (ترتيب المسند) ، والمصنف في شرح السنة: 7 / 263-264. والمطلب بن حنظب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال. وعمرو بن أبي عمرو: مختلف فيه وإن كان من رجال الصحيحين. انظر: تلخيص الحبير: 2 / 26. (2) انظر: تفسير الطبري: 8 / 63 (طبع الحلبي) . (3) ما بين القوسين من "شرح السنة" ومن نسخة "ب"، والحديث أخرجه الشافعي في ترتيب المسند: 2 / 173، وابن ماجه في الأطعمة، باب الكبد والطحال، برقم (3314) : 2 / 1102، والدارقطني في الصيد والذبائح: 4 / 271-272، والإمام أحمد: 2 / 97 عن ابن عمر مرفوعا. ورواه البيهقي موقوفا وقال: هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، السنن: 1 / 254. وعزاه الزيلعي أيضا لعبد بن حميد وابن حبان في الضعفاء، وأعله بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته من رفع الموقوفات وإسناد المراسيل، فاستحق الترك. انظر: نصب الراية: 4 / 201-202. وعزاه أيضا ابن حجر لابن مردويه في التفسير عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: ذكره الدارقطني في العلل ... والرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا، وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية، لأنها في معنى المرفوع". تلخيص الحبير: 1 / 26. وأخرجه أيضا: المصنف في شرح السنة: 11 / 244.

أَمَّا غَيْرُ السَّمَكِ فَقِسْمَانِ: قِسْمٌ يَعِيشُ في البر كالضغدع وَالسَّرَطَانِ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَقِسْمٌ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ إِلَّا عَيْشَ الْمَذْبُوحِ، فَاخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا السَّمَكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ [مَيِّتَ الْمَاءِ كُلَّهَا حَلَالٌ] (1) لِأَنَّ كُلَّهَا سَمَكٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُوَرُهَا، [كَالْجَرِيثِ] (2) يُقَالُ لَهُ حَيَّةُ الْمَاءِ، وَهُوَ عَلَى شَكْلِ الْحَيَّةِ وَأَكْلُهُ مُبَاحٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَا لَهُ نَظِيرٌ فِي الْبَرِّ يُؤْكَلُ، فَمَيْتَتُهُ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ حَلَالٌ، مِثْلُ بَقَرِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ لَا يَحِلُّ مَيْتَتُهُ مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ، مِثْلُ كَلْبِ الْمَاءِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كُلُّ شَيْءٍ عَيْشُهُ فِي الْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ، قِيلَ: فَالتِّمْسَاحُ؟ قَالَ نَعَمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ أَهْلِي أَكَلُوا الضَّفَادِعَ لَأَطْعَمْتُهُمْ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِالسَّرَطَانِ بَأْسًا. وَظَاهِرُ الْآيَةِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَبَاحَ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ [سَلْمَانَ] (3) عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ بَنِي الْأَزْرَقِ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ فِي الْبَحْرِ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا به عطشنا، أفتوضأ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ" (4) .

_ (1) هذه العبارة جاءت في "أ" هكذا: (رميت الكل حلال) . (2) في "ب": (كالحربة) . (3) في "ب" (سليم) . (4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر: 1 / 81، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور: 1 / 225 وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، باب ماء البحر: 1 / 50، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر: 1 / 50، ومالك في الموطأ: 1 / 22، وصححه الحاكم: 1 / 140-141، وابن حبان برقم (119) ، وأخرجه الشافعي: 1 / 23 (ترتيب المسند) والدارقطني: 1 / 34-35، والمصنف في شرح السنة: 2 / 55. وانظر تلخيص الحبير: 1 / 9-12.

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا يَحْيَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبَطِ وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيْتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ، يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ، فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ. وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ" فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَأَكَلُوهُ (1) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} 112/ب صَيْدُ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، كَمَا هُوَ حَلَالٌ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ، أَمَّا صَيْدُ الْبَرِّ فَحَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ، وَالصَّيْدُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْوَحْشِيُّ الَّذِي يَحِلُّ أَكْلُهُ، أَمَّا مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فَلَا يَحْرُمُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ، وَلِلْمُحْرِمِ أَخْذُهُ وَقَتْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ إِلَّا الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا يُؤْكَلُ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالظَّبْيِ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَجِبُ بِقَتْلِهِ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، لِأَنَّ فِيهِ جَزَاءٌ مِنَ الصَّيْدِ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ أَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ أَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة سيف البحر: 8 / 78 واللفظ له، ومسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر، برقم (1935) : 3 / 1535 والمصنف في شرح السنة: 11 / 246. وقد يعجب بعض الناس من ضخامة هذه الدابة: وقد يظن بعضهم أن في هذا مبالغة، وقد يدفعه ذلك إلى تكذيب الرواية. ونحن هنا أمام نص صحيح ووثيقة صادقة، فالحديث صحيح سندا، إذ اتفق على تخريجه البخاري ومسلم، وهما في أعلى درجات الصحة، والحديث صحيح متنا، وإليك مثلا قريبا من عجائب مخلوقات الله تعالى يدل على ذلك، ذكره المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي في صحيح مسلم، في الجزء الذي خصصه للفهارس: 5 / 586: (1) نشرت جريدة الأهرام القاهرية، في العدد (24419) ، بتاريخ: 27 / 9 / 1953 الصفحة الثانية، عمود 7، تحت عنوان: "حوت يونس": اجتازت شوارع باريس أمس سيارة نقل طولها (30) مترا، يقال إنها أطول سيارة نقل في العالم، وكانت تقل "يونس"، وهو حوت ضخم عمره (18) شهرا، وطوله (20) مترا، ووزنه (8000) كيلو جرام. وقد حنطه أصحابه وقاموا بعرضه على النظارة في النرويج والسويد والدنمارك والنمسا وألمانيا. وسيعرض في باريس هذا الأسبوع لقاء أجر معلوم. وقد أضيء باطنه بالمصابيح الكهربائية ليتسنى للنظارة رؤية جوفه. (2) نشرت جريدة "الأخبار الجديدة" في العدد (396) بتاريخ 27 / 9 / 1953، الصفحة الثانية، عمود 1و2، تحت عنوان: "حوت طوله 20 مترا ووزنه 8 أطنان الناس يدخلون بطنه، (10) كل دفعة: باريس: دخل صباح اليوم "أونا" باريس دخول الفاتحين، يحرسه عشرات من رجال البوليس الراكب والراجل. أما "أونا" هذا: فهو حوت نرويجي ضخم.. ثم تابعت وصف الحوت فقالت: ويسمح للناس بدخول كرشه المضاء بالكهرباء. ويستطيع عشرة أشخاص أن يدخلوا بطنه مرة واحدة.. إلخ.

عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (1) . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِي" (2) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَمْسٌ قَتْلُهُنَّ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ: الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (3) . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ كُلُّ سَبُعٍ يَعْقِرُ، وَمِثْلُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، مِنَ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَالْخِنْزِيرِ وَنَحْوِهَا إِلَّا الْأَعْيَانَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْخَبَرِ، وَقَاسُوا عَلَيْهَا الذِّئْبَ فَلَمْ يُوجِبُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ، وَقَاسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا جَمِيعَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَعْيَانٍ بَعْضُهَا سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ وَبَعْضُهَا هَوَامٌ قَاتِلَةٌ وَبَعْضُهَا طَيْرٌ لَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى السِّبَاعِ وَلَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ [الْهَوَامِ] (4) وَإِنَّمَا هِيَ حَيَوَانٌ مُسْتَخْبَثُ اللَّحْمِ، وَتَحْرِيمُ الْأَكْلِ يَجْمَعُ الْكُلَّ فَاعْتَبَرَهُ وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ.

_ (1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 4 / 34، وفي بدء الخلق، ومسلم في الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، برقم (1199) : 2 / 857. والمصنف في شرح السنة: 7 / 266. (2) أخرجه أبو داود في المناسك، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 2 / 360 مطولا، والترمذي في الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 3 / 577، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في المناسك، باب ما يقتل المحرم: 2 / 1032، والإمام أحمد في المسند: 3 / 3، والمصنف في شرح السنة: 7 / 267. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 274 "وفي إسناده زيد بن أبي زياد، وهو ضعيف". (3) أخرجه أبو داود في الموضع السابق نفسه، والترمذي في الموضع السابق عن عائشة، وقال: حديث حسن صحيح وفي إسناد أبي داود: ابن عجلان. ويتقوى بالحديث السابق وغيره. (4) في "ب": (السباع) .

96

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} قَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرْبِيعِهَا، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ كَعْبَةً، قَالَ مُقَاتِلٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِانْفِرَادِهَا مِنَ الْبِنَاءِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِارْتِفَاعِهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْخُرُوجِ وَالِارْتِفَاعِ، وسمي الكعب عكبا لِنُتُوئِهِ، وَخُرُوجِهِ مِنْ جانبي

98

القدم، ومن قِيلَ لِلْجَارِيَةِ إِذَا قَارَبَتِ الْبُلُوغَ وَخَرَجَ ثَدْيُهَا: تَكَعَّبَتْ. وَسُمِّيَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهُ وَعَظَّمَ حُرْمَتَهُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ" (1) {قِيَامًا لِلنَّاسِ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ (قِيَمًا) بِلَا أَلْفٍ وَالْآخَرُونَ: "قِيَامًا" بِالْأَلْفِ، أَيْ: قَوَامًا لَهُمْ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، أَمَّا الدِّينُ لِأَنَّ بِهِ يَقُومُ الْحَجُّ وَالْمَنَاسِكُ، وَأَمَّا الدُّنْيَا فِيمَا يُجْبَى إِلَيْهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ، وَكَانُوا يَأْمَنُونَ فِيهِ مِنَ النَّهَارِ وَالْغَارَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (الْعَنْكَبُوتِ-67) {وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ} أَرَادَ بِهِ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ وهي ذو العقده وذو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، أَرَادَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ فِيهَا الْقِتَالَ، {وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} أَرَادَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، فَذَلِكَ الْقَوَامُ فِيهِ. {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ اتِّصَالٍ لِهَذَا الْكَلَامِ بِمَا قَبْلَهُ؟ قِيلَ: أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْكَعْبَةَ قِيَامًا لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ صَلَاحَ الْعِبَادِ كَمَا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: قَدْ سَبَقَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ وَالْكَشْفُ عَنِ الْأَسْرَارِ، مِثْلُ قَوْلِهِ (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ) ، وَمِثْلُ إِخْبَارِهِ بِتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ {ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} رَاجِعٌ إِلَيْهِ. {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) } {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} [التَّبْلِيغُ] (2) {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} أَيِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، {وَلَوْ أَعْجَبَكَ} سَرَّكَ {كَثْرَةُ الْخَبِيثِ}

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي، باب رقم (35) : 8 / 26، ومسلم بنحوه في الحج، باب تحريم مكة وصيدها، برقم (1353) : 2 / 986، والمصنف في شرح السنة: 7 / 294. (2) ساقط من "ب".

نَزَلَتْ فِي شُرَيْحِ بْنِ [ضُبَيْعَةَ] (1) الْبَكْرِيِّ، وَحَجَّاجِ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ (2) {فَاتَّقُوا اللَّهَ} وَلَا تَتَعَرَّضُوا لِلْحُجَّاجِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، وَقَدْ مَضَتِ الْقِصَّةُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، {يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} الْآيَةَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ أَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَغَضِبَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ"، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كَانَ رَجُلٌ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَإِذَا رَجُلٌ كَانَ إِذَا لَاحَى الرِّجَالُ يُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ "حُذَافَةُ": ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا وَرَاءَ الْحَائِطِ"، وَكَانَ قَتَادَةُ يَذْكُرُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (3) . قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أمك قد فارقت بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ (4) . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ فَاعْفُ عَنَّا يَعْفُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْكَ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ أَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ أَنَا أَبُو جُوَيْرِيَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ

_ (1) في "أ": (ضبعة) وهو خطأ. (2) انظر فيما سلف، سبب نزول الآية الثانية من السورة، ص (7-8) . (3) أخرجه البخاري في الفتن، باب التعوذ من الفتن: 13 / 43، ومسلم في الفضائل، باب توقيره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، برقم (2359) : 4 / 1833-1834. ومعنى أَحْفَوه: أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه. يقال: أحفى وألحف وألحَّ، بمعنى. و"لاحى": من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة. و"أنشأ": أي ابتدأ. (4) انظر: صحيح مسلم في الموضع السابق.

101

قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ كُلِّهَا (1) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى عَادَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَقُولَ نَعَمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ قَلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَاتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (2) أَيْ: إِنْ تَظْهَرْ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ، أَيْ: إِنْ أُمِرْتُمْ بِالْعَمَلِ بِهَا فَإِنَّ مَنْ سَأَلَ عَنِ الْحَجِّ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ فِي كُلِّ عَامٍ فَيَسُوءُهُ، وَمَنْ سَأَلَ عَنْ نَسَبِهِ لَمْ يَأْمَنْ مِنْ أَنْ يُلْحِقَهُ بِغَيْرِهِ فَيُفْتَضَحُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ (3) نَزَلَتْ حِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِ، أَلَا تَرَاهُ ذَكَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} 113\أمَعْنَاهُ صَبَرْتُمْ حَتَّى يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِحُكْمٍ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ حُكْمٍ، وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِهِ شَرْحُ مَا بِكُمْ إِلَيْهِ حاجة ومست جاحتكم إِلَيْهِ، فَإِذَا سَأَلْتُمْ عنها حينئذ تبد لَكُمْ، {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) } {قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ} كَمَا سَأَلَتْ ثَمُودُ صَالِحًا النَّاقَةَ وَسَأَلَ قَوْمُ عِيسَى الْمَائِدَةَ، {ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ} فَأُهْلِكُوا، قَالَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ: "إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَنَهَى

_ (1) أخرجه البخاري في تفسير سورة المائدة، باب "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم": 8 / 280. (2) أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه في تفسير سورة المائدة: 8 / 420 وقال هذا حديث حسن غريب من حديث علي. وابن ماجه في المناسك، برقم (2884) : 2 / 963، قال في تحفة الأحوذي: "وهو منقطع". وأصل الحديث في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم (1337) : 2 / 975، وعند المصنف في شرح السنة: 7 / 3، وانظر: الدر المنثور: 3 / 206. (3) قارن بالدر المنثور للسيوطي: 3 / 208 فقد ذكر عن مجاهد أنها نزلت في السؤال عن الحج، كما سبق، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.

عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا (1) . (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ} أَيْ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ، {وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي بَيَانِ هَذِهِ [الْأَوْضَاعِ] (2) الْبَحِيرَةُ هِيَ النَّاقَةُ الَّتِي كَانَتْ إِذَا وَلَدَتْ خَمْسَةَ أَبْطُنٍ بَحَرُوا أُذُنَهَا، أَيْ: شَقُّوهَا وَتَرَكُوا الْحَمْلَ عَلَيْهَا وَرُكُوبَهَا، وَلَمْ يَجُزُّوا وَبَرَهَا وَلَمْ يَمْنَعُوهَا الْمَاءَ وَالْكَلَأَ ثم نظروا إلا خَامِسِ وَلَدِهَا فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا نَحَرُوهُ وَأَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى بَحَرُوا أُذُنَهَا، أَيْ: شَقُّوهَا وَتَرَكُوهَا وَحُرِّمَ عَلَى النِّسَاءِ لَبَنُهَا وَمَنَافِعُهَا، وَكَانَتْ مَنَافِعُهَا خَاصَّةً لِلرِّجَالِ، فَإِذَا مَاتَتْ حَلَّتْ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَقِيلَ: كَانَتِ النَّاقَةُ إِذَا تَابَعَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِنَاثًا سُيِّبَتْ فَلَمْ يَرْكَبْ ظَهْرَهَا وَلَمْ يَجُزَّ وَبَرَهَا وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إِلَّا ضَيْفٌ، فَمَا نَتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّ أُذُنُهَا ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا فِي الْإِبِلِ، فَلَمْ تُرْكَبْ وَلَمْ يَجُزَّ وَبَرُهَا وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إِلَّا ضَيْفٌ، كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا، فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: السَّائِبَةُ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسَيَّبُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إِذَا مَرِضَ وَغَابَ لَهُ قَرِيبٌ نَذَرَ فَقَالَ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ تَعَالَى أَوْ شُفِيَ مَرِيضِي أَوْ عَادَ غَائِبِي، فَنَاقَتِي هَذِهِ سَائِبَةٌ، ثُمَّ يُسَيِّبُهَا فَلَا تُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ وَلَا مَاءٍ وَلَا يَرْكَبُهَا أَحَدٌ فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْبَحِيرَةِ. وَقَالَ عَلْقَمَةُ: هُوَ الْعَبْدُ يُسَيَّبُ عَلَى أَنْ لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَلَا عَقْلَ وَلَا مِيرَاثَ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (3) . وَالسَّائِبَةُ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولَةِ، وَهِيَ الْمُسَيَّبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى {مَاءٍ دَافِقٍ} أَيْ: مَدْفُوقٍ وَ {عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}

_ (1) أخرجه الدارقطني مرفوعا عن أبي ثعلبة، وفي السنن: كتاب الرضاع: 4 / 184، وحسنه النووي في الأربعين، وأخرجه أيضا عن أبي سعيد الخدري: 4 / 298 وفيه قصة في سندها: نهشل الخراساني، قال إسحاق بن راهويه: كان كذابا. وقال أبو حاتم: متروك. قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة. وله علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له سماع من أبي ثعلبة. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة. وقد روي معنى الحديث مرفوعا من وجوه أخر. خرجه البزار في مسنده، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء، والبزار، وقال: إسناده حسن ورجاله موثقون. وعزا حديث أبي ثعلبة للطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح، انظر: جامع العلوم والحكم ص (260-261) ، مجمع الزوائد: 1 / 171. (2) في "ب": (الأوضاح) . (3) أخرجه البخاري في الفرائض، باب الولاء لمن أعتق: 12 / 39، وفي العتق، ومسلم في العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، برقم (1504) : 2 / 1141، والمصنف في شرح السنة: 8 / 348.

وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ: فَمِنَ الْغَنَمِ كَانَتِ الشَّاةُ إِذَا وَلَدَتْ سَبْعَةَ أَبْطُنٍ فَإِذَا كَانَ السَّابِعُ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى تَرَكُوهَا فِي الْغَنَمِ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَأُنْثَى اسْتَحْيَوُا الذَّكَرَ مِنْ أَجْلِ الْأُنْثَى، وَقَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا فَلَمْ يَذْبَحُوهُ، وَكَانَ لَبَنُ الْأُنْثَى حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنْ مَاتَ مِنْهَا شَيْءٌ أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا. وَأَمَّا الْحَامُ: فَهُوَ الْفَحْلُ إِذَا رُكِبَ وَلَدُ وَلَدِهِ، وَيُقَالُ: إِذَا نَتَجَ مِنْ صُلْبِهِ عَشْرَةُ أَبْطُنٍ، قَالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ فَلَا يُرْكَبُ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ كَلَأٍ وَلَا مَاءٍ، فَإِذَا مَاتَ أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَحُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلِبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: [قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ" (1) . رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (2) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَكْثَمَ بْنِ جَوْنٍ الْخُزَاعِيِّ: "يَا أَكْثَمُ رَأَيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ [بْنِ خَنْدَقٍ] (3) يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ فما رأيت رجل أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلَا بِهِ مِنْكَ" وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ وَنَصَبَ الْأَوْثَانَ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَحَمَى الْحَامِ، "فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِ قُصْبِهِ"، فَقَالَ أَكْثَمُ: أَيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "لَا إِنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ" (4) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} فِي قَوْلِهِمُ اللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا {وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، باب "ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام": 8 / 283، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون، برقم (2856) : 4 / 2191. (2) ما بين القوسين ساقط من "أ". (3) ما بين القوسين ساقط من "أ". (4) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 118، وابن إسحاق في السيرة: 1 / 76، ونسبه ابن حجر أيضا لابن أبي عروبة وابن منده من طريق ابن إسحاق، ثم قال: والحديث مخرج عند مسلم من طريق سهيل بن صالح عن أبيه أخصر منه، دون قصة أكثم (وهو يشير إلى الحديث السابق) . انظر: الإصابة: 1 / 107، أسد الغابة: 1 / 133، تفسير ابن كثير: 2 / 108، البداية والنهاية: 2 / 187-189.

103

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) } {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} فِي تَحْلِيلِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَبَيَانِ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ، {قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} مِنَ الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}

104

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} رُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وَتَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَلَا تَدْرُونَ مَا هِيَ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ" (1) . وَفِي رِوَايَةٍ "لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليكم شراركم فليسومونكم سُوءَ الْعَذَابِ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِيَارَكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ [لَكُمْ] (2) " (3) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: خَافَ الصِّدِّيقُ أَنْ يَتَأَوَّلَ النَّاسُ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ مُتَأَوَّلِهَا فَيَدْعُوهُمْ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ [وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ] (4) فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِي أُذِنَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنْ تَغْيِيرِهِ مِنَ الْمُنْكَرِ، هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الْمُعَاهَدُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِهِ، وَقَدْ صُولِحُوا عَلَيْهِ، فَأَمَّا

_ (1) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 187، وعزاه المنذري للنسائي، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر: 6 / 388، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضا في التفسير، وابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (4005) : 2 / 1327، وصححه ابن حبان برقم (1837) ص (455) ، والإمام أحمد في المسند: 1 / 5،7، وأبو بكر المروزي في مسند الصديق ص (128-131) ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 344. (2) ما بين القوسين ساقط من "ب". (3) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 13 / 92، ورواه الطبراني في الأوسط والبزار في مسنده. قال الهيثمي: وفيه حبان بن علي، وهو متروك، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها. وقال العراقي: كلا طريقيه ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 266، فيض القدير: 5 / 261. (4) ما بين القوسين ساقط من "ب".

الْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ وَالرَّيْبُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، يَعْنِي: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَخُذُوا مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ وَاتْرُكُوهُمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مَا قُبِلَ مِنْكُمْ فَإِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مِنْهُ آيٌ: قَدْ مَضَى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلْنَ، وَمِنْهُ آيٌ: قَدْ وَقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ بِيَسِيرٍ، وَمِنْهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَمِنْهُ آيٌ: يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَا ذُكِرَ مِنَ الْحِسَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَمَا دَامَتْ قُلُوبُكُمْ وَأَهْوَاؤُكُمْ وَاحِدَةً وَلَمْ تَلْبَسُوا شِيَعًا وَلَمْ يَذُقْ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَأْمُرُوا وَانْهَوْا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَالْأَهْوَاءُ وَأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا، وَذَاقَ بَعْضُكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، فَامْرُؤٌ وَنَفْسُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ (1) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْزِيُّ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ حدثني عمرو 113/ب بْنُ جَارِيَةَ اللَّخْمِيُّ أَنَا أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا، سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ" قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: وَزَادَنِي غَيْرُهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ" (2) . وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ: دَخَلَ عَلَى صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ شَابٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَاصَّةِ اللَّهِ الَّتِي خَصَّ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}

_ (1) الطبري: 11 / 143-144. (2) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 188،189، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 423-426 وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في الفتن، باب قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم" برقم (4014) : 2 / 1330-1331، وابن حبان برقم (1850) ص (457) وصححه الحاكم: 4 / 322 ووافقه الذهبي. وله شواهد يتقوى بها، وأخرجه أيضا المصنف في شرح السنة: 14 / 347.

105

قوله عز وجل: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} الضال والمهتدي، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) } قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ} سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [بدّاء] (1) قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان، ومعهما بُدَيْل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه، ثم قضيا حاجتهما، فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؛ قالا لا قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا لا قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا لا فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا ما ندري إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله عز وجل هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} (2) أي: ليشهد اثنان، لفضه خبر ومعناه أمر. وقيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، واختلفوا في هذين الاثنينُ

_ (1) في المخطوطتين (زيد) وهو خطأ. والتصويب من الترمذي وغيره. (2) انظر: الترمذي، تفسير سورة المائدة: 8 / 426-431، فقد ساق الرواية وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وأبو النَّضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي: محمد بن السائب الكلبي، وقد تركه أهل العلم بالحديث.. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه. وانظر: الطبري: 11 / 185، أسباب النزول للواحدي ص (245) ، أحكام القرآن لابن العربي 2 / 713-717. وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والمنسوخ وأبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة. انظر: الدر المنثور: 3 / 220-221.

فَقَالَ قَوْمٌ: هُمَا الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمُوصِي. وَقَالَ آخَرُونَ: هُمَا الْوَصِيَّانِ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمَا وَلِأَنَّهُ قَالَ: {تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ} وَلَا يلزم الشاهد يمين، وَجُعِلَ الْوَصِيُّ اثْنَيْنِ تَأْكِيدًا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْحُضُورِ، كَقَوْلِكَ: شَهِدْتُ وَصِيَّةَ فُلَانٍ، بِمَعْنَى حَضَرْتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النُّورِ -2) يُرِيدُ الْحُضُورَ {ذَوَا عَدْلٍ} أَيْ: أَمَانَةٍ وَعَقْلٍ {مِنْكُمْ} أَيْ: مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أَيْ: مِنْ غَيْرِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَعُبَيْدَةَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْآيَةِ (1) فَقَالَ النَّخَعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ وَكَانَتْ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَقْبُولَةً فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ نُسِخَتْ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا ثَابِتَةٌ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَجِدْ مُسْلِمَيْنِ فَنُشْهِدُ كَافِرَيْنِ. وَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ كَانَ بِأَرْضِ غُرْبَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ كَافِرَيْنِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كَانَا مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ، فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ إِلَّا عَلَى وَصِيَّةٍ فِي سَفَرٍ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِدَقُوقَا وَلَمْ يَجِدْ مُسْلِمًا يُشْهِدُهُ عَلَى وَصِيَّتِهِ فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ بِتَرِكَتِهِ وَأَتَيَا الْأَشْعَرِيَّ، فَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا، وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا. وَقَالَ آخَرُونَ: قَوْلُهُ {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أَيْ: مِنْ حَيِّ الْمُوصِي أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِ حَيِّكُمْ وَعَشِيرَتِكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ، وَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ كَافِرٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، {إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ} أَيْ سِرْتُمْ وَسَافَرْتُمْ، {فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} فَأَوْصَيْتُمْ إِلَيْهِمَا وَدَفَعْتُمْ إِلَيْهِمَا مَالَكُمْ فَاتَّهَمَهُمَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ {تَحْبِسُونَهُمَا} أَيْ: تَسْتَوْقِفُونَهُمَا، {مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ {مِنْ} صِلَةٌ يُرِيدُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، هَذَا

_ (1) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص: 4 / 163 وما بعدها، أحكام القرآن للطبري الهراس 3 / 310-314، أحكام القرآن للشافعي، جمع البيهقي: 2 / 147-155.

106

قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَعَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ، لِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَدْيَانِ يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَيَجْتَنِبُونَ فِيهِ الْحَلِفَ الْكَاذِبَ، وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرَادَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ أَهْلِ دِينِهِمَا وَمِلَّتِهِمَا لِأَنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، {فَيُقْسِمَانِ} يَحْلِفَانِ، {بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ} أَيْ: شَكَكْتُمْ وَوَقَعَتْ لَكُمُ الرِّيبَةُ فِي قَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ وَصِدْقِهِمَا، أَيْ: فِي قَوْلِ اللَّذَيْنِ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ، فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِمَا، {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} أَيْ: لَا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبِينَ عَلَى عِوَضٍ نَأْخُذُهُ أَوْ مَالٍ نَذْهَبُ بِهِ أَوْ حَقٍّ نَجْحَدُهُ، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قَرَابَةٍ مِنَّا، {وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ} أَضَافَ الشَّهَادَةَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا وَنَهَى عَنْ كِتْمَانِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ " شَهَادَةً " بِتَنْوِينٍ، " اللَّهِ " مَمْدُودٍ، وَجَعَلَ الِاسْتِفْهَامَ عِوَضًا عَنْ حَرْفِ الْقَسَمِ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ " شَهَادَةً " بِتَنْوِينٍ، " اللَّهِ " بِقَطْعِ الْأَلْفِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ عَلَى ابْتِدَاءِ الْيَمِينِ، أَيْ: وَاللَّهِ: {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ} أَيْ إِنْ كَتَمْنَاهَا كُنَّا مِنَ الْآثِمِينَ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَدَعَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا فَاسْتَحْلَفَهُمَا عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنَّهُمَا لَمْ يَخْتَانَا شَيْئًا مِمَّا دُفِعَ إِلَيْهِمَا فَحَلَفَا عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبِيلَهُمَا. ثُمَّ ظَهَرَ الْإِنَاءُ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهِ (1) فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ وُجِدَ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: إِنَّا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَمَّا طَالَتِ الْمُدَّةُ أَظْهَرُوهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَأَتَوْهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا إِنَّا كُنَّا قَدِ اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فَقَالُوا لَهُمَا: أَلَمْ تَزْعُمَا أَنَّ صَاحِبَنَا لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ؟ قَالَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا بينة وكرهنأ 114\أأَنَّ نُقِرَّ لَكُمْ بِهِ فَكَتَمْنَاهُ لِذَلِكَ، فَرَفَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ عُثِرَ} {فَإِنْ عُثِرَ} أَيِ: اطُّلِعَ عَلَى خِيَانَتِهِمَا، وَأَصْلُ الْعُثُورِ: الْوُقُوعُ عَلَى الشَّيْءِ، {عَلَى أَنَّهُمَا} يَعْنِي: الْوَصِيَّيْنِ {اسْتَحَقَّا} اسْتَوْجَبَا، {إِثْمًا} بِخِيَانَتِهِمَا وَبِأَيْمَانِهِمَا

_ (1) انظر: الدر المنثور: 3 / 222.

الْكَاذِبَةِ، {فَآخَرَانِ} مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، {يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا} يَعْنِي: مَقَامَ الْوَصِيَّيْنِ، {مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ} بِضَمِّ التَّاءِ على المجهول، هذا قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ، يَعْنِي: الَّذِينَ اسْتَحَقَّ، {عَلَيْهِمُ} أَيْ فِيهِمْ وَلِأَجْلِهِمُ الْإِثْمَ وَهُمْ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ الْحَالِفَانِ بِسَبَبِهِمُ الْإِثْمَ وَ (عَلَى) بِمَعْنَى فِي، كَمَا قَالَ اللَّهُ (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) (الْبَقَرَةِ، 102) أَيْ: فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَقَرَأَ حَفْصٌ (اسْتَحَقَّ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ، أَيْ: حَقٌّ وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْإِثْمُ، يُقَالُ: حَقَّ وَاسْتَحَقَّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، {الْأَوْلَيَانِ} نَعْتٌ لَلْآخَرَانِ، أَيْ: فَآخَرَانِ الْأَوْلَيَانِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَ {الْأَوْلَيَانِ} مَعْرِفَةٌ وَالْآخَرَانِ نَكِرَةٌ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ الْـ"آخَرَانِ"، فَقَالَ {مِنَ الَّذِينَ} صَارَ كَالْمَعْرِفَةِ وَ {الْأَوْلَيَانِ} تَثْنِيَةُ الْأَوْلَى، وَالْأَوْلَى هُوَ الْأَقْرَبُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ " الْأَوْلَيِنَ " بِالْجَمْعِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُمْ أَيْضًا أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَةُ الْحَالِفِينَ يَقُومُ اثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ، {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} يَعْنِي: يَمِينَنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي اللِّعَانِ: (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) (النُّورِ -6) . وَالْمُرَادُ بِهَا الْأَيْمَانُ، فَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَيْ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، {وَمَا اعْتَدَيْنَا} فِي أَيْمَانِنَا، وَقَوْلِنَا أَنَّ شَهَادَتَنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، {إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمَطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيَّانِ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَدَفَعَا الْإِنَاءَ إِلَيْهِمَا وَإِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ، وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ بَعْدَمَا أَسْلَمَ يَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَنَا أَخَذْتُ الْإِنَاءَ، فَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَ الْيَمِينُ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ الْوَصِيَّيْنِ ادَّعَيَا أَنَّهُمَا ابْتَاعَاهُ. وَالْوَصِيُّ إِذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَقَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لِي بِهِ حَلَفَ الْوَارِثُ، إِذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ سِلْعَةً فِي يَدِ رَجُلٍ فَاعْتَرَفَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْمُدَّعِي، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: كُنَّا بِعْنَا الْإِنَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَسَّمْتُهَا أَنَا وَعَدِيٌّ، فَلَمَّا أَسْلَمْتُ تَأَثَّمْتُ فَأَتَيْتُ مَوَالِيَ الْمَيِّتِ فَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مَثَلَهَا فَأَتَوْا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَلَفَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ فَنَزَعْتُ الْخَمْسَمِائَةٍ مِنْ عَدِيٍّ، وَرَدَدْتُ أَنَا الْخَمْسَمِائَةَ.

_ (1) في رواية الترمذي السابقة في السنن: 8 / 426-431.

108

فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي حَكَمْنَا بِهِ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ أَجْدَرُ وَأَحْرَى أَنْ يَأْتِيَ الْوَصِيَّانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا وَسَائِرُ النَّاسِ أَمْثَالُهُمْ، أَيْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى مَا كَانَتْ، {أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يخافوا رد اليمن بَعْدَ يَمِينِهِمْ عَلَى [الْمُدَّعِي] (1) فَيَحْلِفُوا عَلَى خِيَانَتِهِمْ وَكَذِبِهِمْ فَيُفْتَضَحُوا وَيَغْرَمُوا فَلَا يَحْلِفُونَ كَاذِبِينَ إِذَا خَافُوا هَذَا الْحُكْمَ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أَنْ تَحْلِفُوا أَيْمَانًا كَاذِبَةً أَوْ تَخُونُوا أَمَانَةً، {وَاسْمَعُوا} الْمَوْعِظَةَ، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

_ (1) في "ب": (المدعين) .

109

{يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ} وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} أَيْ: مَا الَّذِي أَجَابَتْكُمْ أُمَّتُكُمْ؟ وَمَا الَّذِي رَدَّ عَلَيْكُمْ قَوْمُكُمْ حِينَ دَعَوْتُمُوهُمْ إِلَى تَوْحِيدِي وَطَاعَتِي؟ {قَالُوا} أَيْ: فَيَقُولُونَ {لَا عِلْمَ لَنَا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا الْعِلْمَ الَّذِي أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، وَقِيلَ: لَا عِلْمَ لَنَا بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ عَنْ سُؤَالِكَ إِيَّانَا عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا عِلْمَ لَنَا بِعَاقِبَةِ أَمْرِهِمْ وَبِمَا أَحْدَثُوا مِنْ بَعْدُ، دَلِيلُهُ أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} أَيْ: أَنْتَ الَّذِي تَعْلَمُ مَا غَابَ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ إِلَّا مَا نُشَاهِدُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَنَا وُهَيْبٌ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمُ اخْتَلَجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيُقَالُ:

110

لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" (1) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: إِنَّ لِلْقِيَامَةِ أَهْوَالًا وَزَلَازِلَ تَزُولُ فِيهَا الْقُلُوبُ عَنْ مَوَاضِعِهَا، فَيَفْزَعُونَ مِنْ هَوْلِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُذْهَلُونَ عَنِ الْجَوَابِ، ثُمَّ بَعْدَمَا ثَابَتْ إِلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى أُمَمِهِمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ} قَالَ الْحَسَنُ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ شُكْرُهَا، وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ {نِعْمَتِي} أَيْ: نِعَمِي، [قَالَ الْحَسَنُ] (2) لَفْظُهُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ جَمْعٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ، {وَعَلَى وَالِدَتِكَ} مَرْيَمَ ثُمَّ ذَكَرَ النِّعَمَ فَقَالَ: {إِذْ أَيَّدْتُكَ} قَوَّيْتُكَ، {بِرُوحِ الْقُدُسِ} يَعْنِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {تُكَلِّمُ النَّاسَ} يَعْنِي: وَتُكَلِّمُ النَّاسَ، {فِي الْمَهْدِ} صَبِيًّا، {وَكَهْلًا} نَبِيًّا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَرْسَلَهُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ فِي رِسَالَتِهِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، {وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ} يَعْنِي الْخَطَّ، {وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي الْعِلْمَ وَالْفَهْمَ، {وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ} تَجْعَلُ وَتُصَوِّرُ، {مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} كَصُورَةِ الطَّيْرِ، {بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا} حَيًّا يَطِيرُ، {بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ} وَتُصَحِّحُ، {الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى} مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً، {بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ} مَنَعْتُ وَصَرَفْتُ، {بَنِي إِسْرَائِيلَ} يَعْنِي الْيَهُودَ، {عَنْكَ} حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِكَ، {إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} يَعْنِي: الدِّلَالَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَا. {فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} يَعْنِي: مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " سَاحِرٌ مُبِينٌ " هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ هُودٍ وَالصَّفِّ، فَيَكُونُ رَاجِعًا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِي هُودٍ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ} أَلْهَمْتُهُمْ وَقَذَفْتُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَعْنِي أَمَرْتُ

_ (1) أخرجه البخاري في الرقائق، باب في الحوض ... 11 / 464، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصفاته، برقم (2304) : 4 / 1800. (2) زيادة من "ب".

112

وَ {إِلَى} صِلَةٌ، وَالْحَوَارِيُّونَ خَوَاصُّ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [عِيسَى] (1) {قَالُوا} حين وافقتهم {آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ (115) قَرَأَ الْكِسَائِيُّ "هَلْ تَسْتَطِيعُ" بِالتَّاءِ "رَبَّكَ" بِنَصْبِ الْبَاءِ وَهُوَ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ، أَيْ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَدْعُوَ وَتَسْأَلَ رَبَّكَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "هَلْ يَسْتَطِيعُ" بِالْيَاءِ وَ"رَبُّكَ" بِرَفْعِ الْبَاءِ، وَلَمْ يَقُولُوهُ شَاكِّينَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: هَلْ يُنَزِّلُ رَبُّكَ أَمْ لَا؟ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْهَضَ مَعِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَقِيلَ: يَسْتَطِيعُ بِمَعْنَى يُطِيعُ، يُقَالُ: أَطَاعَ وَاسْتَطَاعَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ: أَجَابَ وَاسْتَجَابَ، مَعْنَاهُ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ بِإِجَابَةِ سُؤَالِكَ؟ وَفِي الْآثَارِ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَطَاعَهُ اللَّهُ، وَأَجْرَى بَعْضُهُمْ على الظاهر 114/ب فَقَالُوا: غَلَطَ الْقَوْمُ، وَقَالُوهُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ الْمَعْرِفَةِ وَكَانُوا بَشَرًا، فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْغَلَطِ، اسْتِعْظَامًا لِقَوْلِهِمْ {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ: لَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ. {أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} الْمَائِدَةُ الْخِوَانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ، وَهِيَ فَاعِلَةٌ مِنْ: مَادَهُ يُمِيدُهُ إِذَا أَعْطَاهُ وَأَطْعَمَهُ، كَقَوْلِهِ مَارَهُ يُمِيرُهُ، وَامْتَادَ: افْتَعَلَ مِنْهُ، وَالْمَائِدَةُ هِيَ الْمُطْعِمَةُ لِلْآكِلِينَ الطَّعَامَ، وَسُمِّيَ الطَّعَامُ أَيْضًا مَائِدَةً عَلَى الْجَوَازِ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ عَلَى الْمَائِدَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: سُمِّيَتْ مَائِدَةً لِأَنَّهَا تَمِيدُ بِالْآكِلِينَ، أَيْ: تَمِيلُ. وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَيْ تَمِيدُ بِالْآكِلِينَ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) أَيْ: مَرْضِيَّةٍ، {قَالَ} عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مُجِيبًا لَهُمْ: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فَلَا تَشُكُّوا فِي قُدْرَتِهِ، وَقِيلَ: اتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَسْأَلُوهُ شَيْئًا لَمْ يَسْأَلْهُ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ، فَنَهَاهُمْ عَنِ اقْتِرَاحِ الْآيَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ.

_ (1) ساقط من "ب".

114

{قَالُوا نُرِيدُ} أَيْ: إِنَّمَا سَأَلْنَا لِأَنَّا نُرِيدُ، {أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} أَكْلَ تَبَرُّكٍ لَا أَكْلَ حَاجَةٍ فَنَسْتَيْقِنَ

قُدْرَتَهُ، {وَتَطْمَئِنَّ} وَتَسْكُنَ، {قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، أَيْ: نَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِذَا أَفْطَرُوا لَا يَسْأَلُونَ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُمْ، فَفَعَلُوا وَسَأَلُوا الْمَائِدَةَ، وَقَالُوا: "وَنَعْلَمُ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا" فِي قَوْلِكَ، إِنَّا إِذَا صُمْنَا ثَلَاثِينَ يَوْمًا لَا نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَانَا، {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَكَ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، وَقِيلَ: وَنَكُونُ مِنَ الشَّاهِدَيْنَ لَكَ عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ. {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} عِنْدَ ذَلِكَ، {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} وَقِيلَ: إِنَّهُ اغْتَسَلَ وَلَبِسَ الْمُسُحَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَغَضَّ بَصَرَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ، {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} أَيْ: عَائِدَةً مِنَ اللَّهِ عَلَيْنَا حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَالْعِيدُ: يَوْمُ السُّرُورِ، سُمِّيَ بِهِ لِلْعَوْدِ مِنَ التَّرَحِ إِلَى الْفَرَحِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا اعْتَدْتَهُ وَيَعُودُ إِلَيْكَ، وَسُمِّيَ يَوْمُ الْفِطَرِ وَالْأَضْحَى عِيدًا لِأَنَّهُمَا يَعُودَانِ كُلَّ سَنَةٍ، قَالَ السُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ نَتَّخِذُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا، أَيْ: نُعَظِّمُهُ نَحْنُ وَمَنْ بَعْدَنَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: نُصَلِّي فِيهِ، قَوْلُهُ {لِأَوَّلِنَا} أَيْ: لِأَهْلِ زَمَانِنَا {وَآخِرِنَا} أَيْ: لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَأْكُلُ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ أَوَّلُهُمْ، {وَآيَةً مِنْكَ} دَلَالَةً وَحُجَّةً، {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} {قَالَ اللَّهُ} تَعَالَى مُجِيبًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} يَعْنِي: الْمَائِدَةَ وقرأ أهل المدنة وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ "مُنَزِّلُهَا" بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّاتٍ، وَالتَّفْعِيلُ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرِيرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ لِقَوْلِهِ: أَنْزِلْ عَلَيْنَا، {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدٌ مِنْكُمْ} أَيْ: بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا} أَيْ جِنْسَ عَذَابٍ، {لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} يَعْنِي: عَالَمِي زَمَانِهِ، فَجَحَدَ الْقَوْمُ وَكَفَرُوا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةَ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ وَآلِ فِرْعَوْنَ (1) . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَائِدَةِ هَلْ نَزَلَتْ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: لَمْ تَنْزِلْ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَوْعَدَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ خَافُوا أَنْ يَكْفُرَ بَعْضُهُمْ فَاسْتَعْفُوا، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُهَا، فَلَمْ تَنْزِلْ، وَقَوْلُهُ: "إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ"، يَعْنِي: إِنْ سَأَلْتُمْ (2) .

_ (1) أخرجه ابن جرير الطبري موقوفا على عبد الله بن عمرو: 11 / 233، وصححه الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وأبي الشيخ موقوفا كذلك. الدر المنثور: 3 / 237. (2) ما ذهب إليه مجاهد والحسن رحمهما الله - رأي مرجوح، لم يستندا فيه إلى خبر صحيح. وهو مخالف لنص الآية "إني منزلها عليكم". ولذلك رجح البغوي وغيره رأي الجمهور، وهو الصحيح.

وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ"، وَلَا خُلْفَ فِي خَبَرِهِ، لِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهَا فَرَوَى خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهَا مُقِيمَةٌ لَكُمْ مَا لَمْ تَخُونُوا [وَتُخَبِّؤُوا] (1) فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى خَانُوا وَخَبَّؤُوا فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ (2) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُمْ: صُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ مَا شِئْتُمْ يُعْطِكُمُوهُ، فَصَامُوا فَلَمَّا فَرَغُوا قَالُوا: يَا عِيسَى إِنَّا لَوْ عَمِلْنَا لِأَحَدٍ فَقَضَيْنَا عَمَلَهُ لَأَطْعَمَنَا، وَسَأَلُوا اللَّهَ الْمَائِدَةَ فَأَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بمائدة يحملونها، علها سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ حَتَّى وَضَعَتْهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ أَوَّلُهُمْ (3) . قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: نَزَلَتْ [مَائِدَةٌ] مَنْكُوسَةٌ تَطِيرُ بِهَا الْمَلَائِكَةُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، عَلَيْهَا كُلُّ الطَّعَامِ إِلَّا اللَّحْمَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَ عَلَى الْمَائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ، قَالَ قَتَادَةُ كَانَ عَلَيْهَا ثَمَرٌ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ سَمَكَةٌ فِيهَا طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ عَلَيْهَا خُبْزٌ وَرُزٌّ وَبَقْلٌ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ أَقْرِصَةً مِنْ شَعِيرٍ وَحِيتَانًا وَكَانَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ثُمَّ يَخْرُجُونَ وَيَجِيءُ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ حَتَّى أَكَلُوا جَمِيعُهُمْ وَفَضَلَ.

_ (1) زيادة من "ب". (2) أخرجه الطبري في التفسير عن عمار بن ياسر مرفوعا وموقوفا: 11 / 228،229، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 433، وقال: "هذا حديث غريب، ورواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة ... ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا". (3) ينبغي أن نذكر هنا بأن أصل القصة ثابت بالقرآن الكريم، ولا يتوقف فهم هذا على شيء من الروايات الكثيرة التي ساقها المفسرون لبيان صفة هذه المائدة وكيفية نزولها ووقت النزول ... إلخ هذه الروايات المنقولة عن وهب بن منبه، وكعب الأحبار، وسلمان، وابن عباس، ومقاتل والكلبي وعطاء، وغيرهم. فإنها غير ثابتة الإسناد، وما قد يكون صحيح النسبة إلى قائله منها، لا يعني أنه صحيح في ذاته، فقد ينقل الخبر عن وهب مثلا بسند ثابت، ولكنه متلقى من أهل الكتاب، فينبغي تنزيه كتب التفسير عن أمثال هذه الروايات، ومنها ما ساقه البغوي هنا في تفسيره. هذا، وقد أشار ابن كثير والقرطبي وابن عطية وغيرهم إلى ضعف هذه الروايات الإسرائيلية. والله أعلم. انظر أيضا: الإسرائيليات والموضوعات د. محمد أبو شهبة ص (266-277) .

وَعَنِ الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ خُبْزًا وَسَمَكًا وَخَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ، فَأَكَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالنَّاسُ أَلْفٌ وَنَيِّفٌ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى قُرَاهُمْ، وَنَشَرُوا الْحَدِيثَ ضَحِكَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ، وَقَالُوا: وَيْحَكَمُ إِنَّمَا سَحَرَ أَعْيُنَكُمْ، فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ الْخَيْرَ ثَبَّتَهُ عَلَى بَصِيرَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ فِتْنَتَهُ رَجَعَ إِلَى كُفْرِهِ، وَمُسِخُوا خَنَازِيرَ لَيْسَ فِيهِمْ صَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا، وَلَمْ يَتَوَالَدُوا وَلَمْ يَأْكُلُوا وَلَمْ يَشْرَبُوا، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَمْسُوخٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا حَيْثُ كَانُوا كَالْمَنِّ وَالسَّلْوَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ لما سأل الحوارين الْمَائِدَةَ لَبِسَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ صُوفًا وَبَكَى، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ" الْآيَةَ فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْرَاءُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ غَمَامَةٍ مِنْ فَوْقِهَا وَغَمَامَةٍ مِنْ تَحْتِهَا، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَهْوِي مُنْقَضَّةً حَتَّى سَقَطَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَبَكَى عِيسَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشَّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عُقُوبَةً، وَالْيَهُودُ يَنْظُرُونَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ وَلَمْ يَجِدُوا رِيحًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهِ، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لِيَقُمْ أَحْسَنُكُمْ عَمَلًا فَيَكْشِفُ عَنْهَا وَيَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ شَمْعُونُ الصَّفَّارُ رَأْسُ الْحَوَارِيِّينَ: أَنْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنَّا [فَقَامَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى صَلَاةً طَوِيلَةً وَبَكَى كَثِيرًا، ثُمَّ كَشَفَ الْمِنْدِيلَ عَنْهَا، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرَّازِقِينَ فَإِذَا هُوَ سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا فُلُوسُهَا وَلَا شَوْكَ عَلَيْهَا تَسِيلُ مِنَ الدَّسَمِ وَعِنْدَ رَأْسِهَا مِلْحٌ وَعِنْدَ ذَنَبِهَا خَلٌّ، وَحَوْلَهَا مِنْ أَلْوَانِ الْبُقُولِ مَا خَلَا الْكُرَّاثَ، وَإِذَا خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ عَلَى وَاحِدٍ زَيْتُونٌ، وَعَلَى الثَّانِي عَسَلٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ سَمْنٌ، وَعَلَى الرَّابِعِ جُبْنٌ، وَعَلَى الْخَامِسِ قَدِيدٌ، فَقَالَ شَمْعُونُ: يَا رُوحَ اللَّهِ أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا هَذَا أم من 115\أطَعَامِ الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا تَرَوْنَ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ الْغَالِبَةِ، كُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ يَمْدُدْكُمْ وَيَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ، قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ كُنْ أَوَّلَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنَّ آكُلَ مِنْهَا وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْهَا مَنْ سَأَلَهَا فَخَافُوا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، فَدَعَا لَهَا أَهْلَ الْفَاقَةِ وَالْمَرْضَى وَأَهْلَ الْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْمُقْعَدِينَ وَالْمُبْتَلِينَ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَكُمُ الْمَهْنَأُ وَلِغَيْرِكُمُ الْبَلَاءُ، فَأَكَلُوا وَصَدَرَ عَنْهَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ فَقِيرٍ وَمَرِيضٍ وَزَمِنٍ وَمُبْتَلًى كُلُّهُمْ شَبْعَانُ، وَإِذَا السَّمَكَةُ بِهَيْئَتِهَا حِينَ نَزَلَتْ، ثُمَّ طَارَتْ سُفْرَةُ الْمَائِدَةِ صُعُدًا وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ، فَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا زَمِنٌ وَلَا مَرِيضٌ وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ وَلَا فَقِيرٌ إِلَّا اسْتَغْنَى، وَنَدِمَ مَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا فَلَبِثَتْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا تَنْزِلُ ضُحًى، فَإِذَا نَزَلَتِ اجْتَمَعَتِ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ وَالصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَلَا تَزَالُ مَنْصُوبَةً يُؤَكَلُ

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "ب".

115

مِنْهَا حَتَّى إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ طَارَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فِي ظِلِّهَا حَتَّى تَوَارَتْ عَنْهُمْ، وَكَانَتْ تَنْزِلُ غِبًّا تَنْزِلُ يَوْمًا وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا كَنَاقَةِ ثَمُودَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى [إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) اجْعَلْ مَائِدَتِي وَرِزْقِي لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ حَتَّى شَكُّوا وَشَكَّكُوا النَّاسَ فِيهَا، وَقَالُوا: أَتَرَوْنَ الْمَائِدَةَ حَقًّا تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي شَرَطْتُ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِهَا عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فَمُسِخَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا بَاتُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ عَلَى فَرْشِهِمْ مَعَ نِسَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ يَسْعَوْنَ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْكُنَاسَاتِ، وَيَأْكُلُونَ الْعُذْرَةَ فِي الْحُشُوشِ فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَكَوْا فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الْخَنَازِيرُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَكَتْ وَجَعَلَتْ تُطِيفُ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَ عِيسَى يَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيُشِيرُونَ بِرُءُوسِهِمْ وَيَبْكُونَ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ، فَعَاشُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَتَى يَكُونُ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقَوْلَ لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ لِأَنَّ حَرْفَ "إِذْ" يَكُونُ لِلْمَاضِي، وَقَالَ سَائِرُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّمَا يَقُولُ اللَّهُ لَهُ هَذَا الْقَوْلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ [مِنْ قَبْلُ] (2) (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) (الْمَائِدَةِ، 109) . وَقَالَ مِنْ بَعْدِهَا (هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) (الْمَائِدَةَ، 119) ، وَأَرَادَ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَجِيءُ "إِذْ" بِمَعْنَى "إِذَا" كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا) أَيْ: إِذَا فَزِعُوا [يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (3) وَالْقِيَامَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَعْدُ وَلَكِنَّهَا كَالْكَائِنَةِ لِأَنَّهَا آتِيَةٌ لَا مَحَالَةَ. قَوْلُهُ: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؟ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ هَذَا السُّؤَالِ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْهُ؟ قِيلَ هَذَا السُّؤَالُ عَنْهُ لِتَوْبِيخِ قَوْمِهِ وَتَعْظِيمِ أَمْرِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ: أَفَعَلْتَ كَذَا

_ (1) ما بين القوسين ساقط من "ب". (2) ما بين القوسين ساقط من "ب". (3) ما بين القوسين ساقط من "ب".

116

وَكَذَا؟ فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، إِعْلَامًا وَاسْتِعْظَامًا لَا اسْتِخْبَارًا وَاسْتِفْهَامًا. وَأَيْضًا: أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُقِرَّ [عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ] (1) نَفْسِهِ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَيَسْمَعُ قَوْمُهُ، وَيَظْهَرُ كَذِبُهُمْ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو رَوْقٍ: وَإِذَا سَمِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْخِطَابَ أَرْعَدَتْ مَفَاصِلُهُ وَانْفَجَرَتْ مِنْ أَصْلِ كُلِّ شَعْرَةٍ فِي جَسَدِهِ عَيْنٌ مِنْ دَمٍ، ثُمَّ يَقُولُ مُجِيبًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {قَالَ سُبْحَانَكَ} تَنْزِيهًا وَتَعْظِيمًا لَكَ {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ مَا فِي غَيْبِي وَلَا أَعْلَمَ مَا فِي غَيْبِكَ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَعْلَمُ سِرِّي وَلَا أَعْلَمُ سِرَّكَ، وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ تَعْلَمُ مَا كَانَ مِنِّي فِي دَارِ الدُّنْيَا وَلَا أَعْلَمُ مَا يَكُونُ مِنْكَ فِي الْآخِرَةِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: النَّفْسُ عِبَارَةٌ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ، يَقُولُ: تَعْلَمُ جَمِيعَ مَا أَعْلَمُ مِنْ حَقِيقَةِ أَمْرِي وَلَا أَعْلَمُ حَقِيقَةَ أَمْرِكَ، {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) } {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [وَحِّدُوهُ] (2) وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ} أَقَمْتُ، {فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} قَبَضْتَنِي وَرَفَعْتَنِي إِلَيْكَ، {كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} وَالْحَفِيظَ عَلَيْهِمْ، تَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ، {وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ لَهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ، وَكَيْفَ قَالَ: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ، قِيلَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَمَعْنَاهُ إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ بِإِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَهَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ السُّدِّيِّ: إِنَّ هَذَا السُّؤَالَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَنْفَعُ فِي الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: هَذَا فِي فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ، مَعْنَاهُ: إِنْ تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: لَيْسَ هَذَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى تَسْلِيمِ الْأَمْرِ وَتَفْوِيضِهِ إِلَى مُرَادِهِ.

_ (1) زيادة من "ب". (2) ساقط من "ب".

118

وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي: فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَأُ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أنت الغفور لالرحيم، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَفِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَعْرُوفَةِ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ فِي الْمُلْكِ الْحَكِيمُ فِي الْقَضَاءِ لَا يَنْقُصُ مِنْ عِزِّكَ شَيْءٌ، وَلَا يَخْرُجُ مَنْ حُكْمِكَ شَيْءٌ، وَيُدْخِلُ فِي حِكْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ الْكُفَّارَ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ وَهُوَ لَا يُخْلِفُ خَبَرَهُ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ أَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: "رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي"، الْآيَةَ. وَقَوْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قال الله، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" (1) . {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} 115/ب قَرَأَ نَافِعٌ (يَوْمَ) بِنَصْبِ الْمِيمِ، يَعْنِي: تَكُونُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي يَوْمٍ، فَحَذَفَ فِي فَانْتَصَبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ (هَذَا) أَيْ: يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا صِدْقُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَذَبُوا خَتَمَ اللَّهُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَنَطَقَتْ بِهِ جَوَارِحُهُمْ فَافْتُضِحُوا، وَقِيلَ: أَرَادُوا بِالصَّادِقِينَ النَّبِيِّينَ.

_ (1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب دعاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته، وبكائه شفقة عليهم، برقم (202) ،: 1 / 191، والمصنف في شرح السنة: 15 / 165-166.

120

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانُهُمْ، قَالَ قَتَادَةُ: مُتَكَلِّمَانِ لَا يُخْطِئَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ مَا قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ"، الْآيَةَ، فَصَدَقَ عَدُوُّ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ كَاذِبًا فَلَمْ يَنْفَعْهُ صِدْقُهُ، وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَ صَادِقًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَنَفَعَهُ صِدْقُهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا لِأَنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا دَارَ عَمَلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ثَوَابَهَمْ فَقَالَ: {لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ثُمَّ عَظَّمَ نَفْسَهُ. فَقَالَ: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}

الأنعام

سُورَةُ الْأَنْعَامِ مَكِّيَّةٌ، وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ آيَةً، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ [جُمْلَةً] (1) لَيْلًا مَعَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَدْ سَدُّوا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَخَرَّ سَاجِدًا" (2) . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا: "مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْأَنْعَامِ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ" (3) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِمَكَّةَ، إِلَّا قَوْلَهُ: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ"، إِلَى آخِرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ"، إِلَى قَوْلِهِ: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، فَهَذِهِ السِّتُّ آيَاتٍ مَدَنِيَّاتٌ (4) . {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) } {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هَذِهِ الْآيَةُ أَوَّلُ آيَةٍ فِي التَّوْرَاةِ، وَآخِرُ آيَةٍ فِي التَّوْرَاةِ، قَوْلُهُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا" الْآيَةَ (الْإِسْرَاءِ-111) . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: افْتَتَحَ اللَّهُ الْخَلْقَ بِالْحَمْدِ، فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ) ، وَخَتَمَهُ بِالْحَمْدِ فَقَالَ: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) ، أَيْ: بَيْنَ الْخَلَائِقِ، (وَقِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الزُّمَرِ-75] .

_ (1) ساقط من "ب". (2) انظر: الدر المنثور: 3 / 243-244. (3) أخرجه الثعلبي من حديث أبي بن كعب. وفيه: أبو عصمة، وهو متهم بالكذب. وأوله عند الطبراني في الصغير.. وفيه: يوسف بن عطية وهو ضعيف، وعنه أخرجه ابن مردويه في التفسير، وأبو نعيم في الحلية. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (63) ، الدر المنثور: 3 / 246. (4) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس. الدر المنثور: 3 / 244.

2

قَوْلُهُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ" حَمَدَ اللَّهُ نَفْسَهُ تَعْلِيمًا لِعِبَادِهِ، أَيِ: احْمِدُوا اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَرَى الْعِبَادُ، وَفِيهِمَا الْعِبَرُ وَالْمَنَافِعُ لِلْعِبَادِ، {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وَالْجَعْلُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ، قَالَ الْوَاقِدَيُّ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فَهُوَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ، إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ بِهِمَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ يَعْنِي الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالظُّلُمَاتِ الْجَهْلَ وَبِالنُّورِ الْعِلْمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَدْ جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ، لِأَنَّهُ خَلَقَ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ قَبْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَالظُّلْمَةَ قَبْلَ النُّورِ، وَالْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَى ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ" (1) . {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أَيْ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أَيْ: يُشْرِكُونَ، وَأَصْلُهُ مِنْ مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَمِنْهُ الْعَدْلُ، أَيْ: يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، يُقَالُ: عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا إِذَا سَاوَيْتُهُ، وَبِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، الْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ: عَنْ رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أَيْ يَمِيلُونَ وَيَنْحَرِفُونَ مِنَ الْعُدُولِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) أَيْ: مِنْهَا. وَقِيلَ: تَحْتَ قَوْلِهِ "ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" مَعْنًى لَطِيفٌ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ بِكَذَا وَتَفَضَّلْتُ عَلَيْكُمْ بِكَذَا، ثُمَّ تَكْفُرُونَ بِنِعْمَتِي. {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَاطَبَهُمْ بِهِ إِذْ كَانُوا مِنْ

_ (1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب افتراق هذه الأمة: 7 / 401، وقال: هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان ص (449) والحاكم: 1 / 30،31. وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 176، 197. قال الهيثمي: رواه أحمد بإسنادين، والبزار والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات. مجمع الزوائد: 7 / 194. وذكره الخطيب في مشكاة المصابيح: 1 / 37 وصححه الألباني.

وَلَدِهِ. قَالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْتِيَهُ بِطَائِفَةٍ مِنْهَا، فَقَالَتِ الْأَرْضُ إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَنْ تُنْقِصَ مِنِّي، فَرَجَعَ جِبْرِيلُ وَلَمْ يَأْخُذْ وَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِكَ، فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ، فَاسْتَعَاذَتْ فَرَجَعَ، فَبَعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَعَاذَتْ مِنْهُ بِاللَّهِ، فَقَالَ: وَأَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أُخَالِفَ أَمْرَهُ، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ فَخَلَطَ الْحَمْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَالْبَيْضَاءَ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ عَجَنَهَا بِالْمَاءِ الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ وَالْمُرِّ، فَلِذَا اخْتَلَفَتْ أَخْلَاقُهُمْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَكِ الْمَوْتِ: رَحِمَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ الْأَرْضَ وَلَمْ تَرْحَمْهَا، لَا جَرَمَ أَجْعَلُ أَرْوَاحَ مَنْ أَخْلُقُ مِنْ هَذَا الطِّينِ بِيَدِكَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ تُرَابٍ وَجَعَلَهُ طِينًا، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى كَانَ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ رُوحَهُ" (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: الْأَجَلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْوِلَادَةِ إِلَى الْمَوْتِ، وَالْأَجَلُ الثَّانِي مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ، وَهُوَ الْبَرْزَخُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: لِكُلِّ أَحَدٍ أَجَلَانِ أَجْلٌ إِلَى الْمَوْتِ وَأَجَلٌ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْبَعْثِ، فَإِنْ كَانَ بَرًّا تَقِيًّا وَصُولًا لِلرَّحِمِ زِيدَ لَهُ مِنْ أَجَلِ الْبَعْثِ فِي أَجَلِ الْعُمْرِ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا قَاطِعًا لِلرَّحِمِ نَقُصَ مِنْ أَجَلِ الْعُمْرِ وَزِيدَ فِي أَجَلِ الْبَعْثِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْأَجَلُ الْأَوَّلُ أَجَلُ الدُّنْيَا، وَالْأَجَلُ الثَّانِي أَجَلُ الْآخِرَةِ، وَقَالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} يَعْنِي: النَّوْمَ تُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ تَرْجِعُ عِنْدَ الْيَقَظَةِ، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يَعْنِي: أَجْلَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِدٌ مَعْنَاهُ: [ثُمَّ قَضَى أَجَلًا] (2) يَعْنِي: جُعِلَ لِأَعْمَارِكُمْ مُدَّةً تَنْتَهُونَ إِلَيْهَا، "وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ" يَعْنِي: وَهُوَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، {ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} تَشُكُّونَ فِي الْبَعْثِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يَعْنِي: وَهُوَ إِلَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَقَوْلِهِ: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَعْبُودُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهُ هُوَ فِي السَّمَوَاتِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ فِي الْأَرْضِ، [وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: وَهُوَ اللَّهُ، {يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ] (3) {وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} تَعْمَلُونَ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.

_ (1) رواه أبو يعلى، وفيه إسماعيل بن رافع، قال البخاري: ثقة مقارب الحديث، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 8 / 197. (2) زيادة من "ب". (3) ما بين القوسين ساقط من "ب".

4

{وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } {وَمَا تَأْتِيهِمْ} يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ} مِثْلُ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، {إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} لَهَا تَارِكِينَ بِهَا مُكَذِّبِينَ. {فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ} بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أَيْ: أَخْبَارُ اسْتِهْزَائِهِمْ وَجَزَاؤُهُ، أَيْ: سيعلمون عاقبة 116\أاسْتِهْزَائِهِمْ إِذَا عُذِّبُوا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} يَعْنِي: الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقَرْنُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَجَمْعُهُ قُرُونٌ، وَقِيلَ: الْقَرْنُ مُدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ، يُقَالُ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَيُقَالُ: مِائَةُ سَنَةٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ الْمَازِنِيِّ: "إِنَّكَ تَعِيشُ قَرْنًا"، فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ (1) فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مِنْ أَهْلِ قَرْنٍ، {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} أَيْ: أَعْطَيْنَاهُمْ مَا لَمْ نُعْطِكُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمْهَلْنَاهُمْ فِي الْعُمْرِ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، يُقَالُ: مَكَّنْتُهُ وَمَكَّنْتُ لَهُ، {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} يَعْنِي: الْمَطَرَ، مِفْعَالٌ، مِنَ الدَّرِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِدْرَارًا أَيْ: مُتَتَابِعًا فِي أَوْقَاتِ الْحَاجَاتِ، وَقَوْلُهُ: "مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ" مِنْ خِطَابِ التَّلْوِينِ، رَجَعَ مِنَ الْخَبَرِ مِنْ قَوْلِهِ: "أَلَمْ يَرَوْا" إِلَى خِطَابٍ، كَقَوْلِهِ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) [يُونُسَ، 22] . وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةَ: أَخْبَرَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ "أَلَمْ يَرَوْا" وَفِيهِمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ خَاطَبَهُمْ مَعَهُمْ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَهُ، وَقُلْتُ: لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَكَ، {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا} خَلَقْنَا وَابْتَدَأْنَا، {مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}

_ (1) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير، ص (93) ، وانظر: الإصابة: 4 / 23، أسد الغابة: 3 / 125.

8

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ (1) نَزَلَتْ فِي النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ وَنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَعَهُ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّكَ رَسُولُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} مَكْتُوبًا مِنْ عِنْدِي، {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} أَيْ: عَايَنُوهُ وَمَسُّوهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَذَكَرَ اللَّمْسَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُعَايَنَةَ لِأَنَّ اللَّمْسَ أَبْلَغُ فِي إِيقَاعِ الْعِلْمِ مَنْ [الرُّؤْيَةِ] (2) فَإِنَّ السِّحْرَ يَجْرِي عَلَى الْمَرْئِيِّ وَلَا يَجْرِي عَلَى الْمَلْمُوسِ، {لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} مَعْنَاهُ: لَا يَنْفَعُ مَعَهُمْ شَيْءٌ لِمَا سَبَقَ فِيهِمْ مِنْ عِلْمِي. {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) }

_ (1) انظر: أسباب النزول ص (246) : تفسير القرطبي: 6 / 393. (2) في "ب" (المعاينة) .

9

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ} عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} أَيْ: لَوَجَبَ الْعَذَابُ، وَفُرِغَ مِنَ الْأَمْرِ، وَهَذَا سُنَّةُ اللَّهِ فِي الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ مَتَى اقْتَرَحُوا آيَةً فَأُنْزِلَتْ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ، {ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} أَيْ: لَا يُؤَجَّلُونَ وَلَا يُمْهَلُونَ، وَقَالَ قَتَادَةُ: لَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَعُجِّلَ لَهُمُ الْعَذَابُ وَلَمْ يُؤَخَّرُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أَيْ لَقَامَتِ الْقِيَامَةُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَوْ أَتَاهُمْ مَلَكٌ فَى صُورَتِهِ لَمَاتُوا. {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا} [يَعْنِي: لَوْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ مَلَكًا] (1) {لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} يَعْنِي فِي صُورَةِ [رَجُلٍ] (2) آدَمِيٍّ، لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَجَاءَ الْمَلَكَانِ إِلَى دَاوُدَ فِي صُورَةِ رَجُلَيْنِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} أَيْ: خَلَطْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَخْلِطُونَ وَشَبَّهْنَا عَلَيْهِمْ فَلَا يَدْرُونَ أَمَلَكٌ هُوَ أَمْ آدَمِيٌّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ شَبَّهُوا عَلَى ضُعَفَائِهِمْ فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب".

12

عَنْهُمَا قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، فَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا لَبَّسُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ {وَلَلَبَّسْنَا} بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْرِيرِ وَالتَّأْكِيدِ. {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} كَمَا اسْتُهْزِئَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَحَاقَ} قَالَ الرَّبِيعُ [بْنُ أَنَسٍ] (1) فَنَزَلَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: حَلَّ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَحَاطَ، {بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أَيْ: جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ. {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} مُعْتَبِرِينَ، يُحْتَمَلُ هَذَا: السَّيْرُ بِالْعُقُولِ وَالْفِكْرِ، وَيُحْتَمَلُ السَّيْرُ بِالْأَقْدَامِ، {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أَيْ: آخِرُ أَمْرِهِمْ وَكَيْفَ أُورِثُهُمُ الْكُفْرَ وَالتَّكْذِيبَ الْهَلَاكَ، فَحَذَّرَ كُفَّارَ مَكَّةَ عَذَابَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَـ {قُلْ} أَنْتَ، {لِلَّهِ} أَمْرَهُ بِالْجَوَابِ عَقِيبَ السُّؤَالِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّأْثِيرِ وَآكَدَ فِي الْحُجَّةِ، {كَتَبَ} أَيْ: قَضَى، {عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} هَذَا اسْتِعْطَافٌ منه تعالى للمؤمنين عَنْهُ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَيْهِ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ رَحِيمٌ بِالْعِبَادِ لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَيَقْبَلُ الْإِنَابَةَ وَالتَّوْبَةَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي" (2) . وَرَوَى أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: "إِنَّ رَحْمَتِي [سَبَقَتْ] (3) غَضَبِي (4) .

_ (1) زيادة من (ب) . (2) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قوله تعالى "ويحذركم الله نفسه": 13 / 384 وفي مواضع أخرى، ومسلم في التوبة باب في سعة رحمة الله، رقم (2751) : 4 / 2107، والمصنف في شرح السنة: 14 / 376. (3) في "ب": (وسعت) . (4) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين": 3 / 440.

14

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْكُرْكَانِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لِلَّهِ رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَتَعَاطَفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا أَبُو غَسَّانَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا، تَسْعَى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا" (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} اللَّامُ فِيهِ لَامُ الْقَسَمِ وَالنُّونُ نُونُ التَّأْكِيدِ مَجَازُهُ: وَاللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ، {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أَيْ: فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ فِي قُبُورِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، {لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا} غَبِنُوا، {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أَيِ: اسْتَقَرَّ، قِيلَ: أَرَادَ مَا سَكَنَ وَمَا تَحَرَّكَ، كَقَوْلِهِ: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أَيِ: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا خَصَّ السُّكُونَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ النِّعْمَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: كُلُّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ فَهُوَ مِنْ سَاكِنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ جَمِيعُ مَا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: مَا يَمُرُّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، {وَهُوَ السَّمِيعُ} لِأَصْوَاتِهِمْ، {الْعَلِيمُ} بِأَسْرَارِهِمْ. {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} ؟ وَهَذَا حِينَ دعا إلى 116/ب دِينِ آبَائِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: قُلْ يَا

_ (1) أخرجه البخاري في الأدب، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء: 10 / 431، ومسلم في التوبة، في الموضع السابق (2752) : 21084، والمصنف في شرح السنة: 14 / 377. (2) أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته: 10 / 426-427، ومسلم في التوبة في الموضع نفسه برقم (2754) : 4 / 2109، والمصنف: 14 / 379.

15

مُحَمَّدُ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، [رَبًّا وَمَعْبُودًا وَنَاصِرًا وَمُعِينًا] (1) ؟ {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ: خَالِقِهِمَا وَمُبْدِعِهِمَا وَمُبْتَدِيهِمَا، {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} أَيْ: وَهُوَ يَرْزُقُ وَلَا يُرْزَقُ كَمَا قَالَ: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) . {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْإِسْلَامُ بِمَعْنَى الْاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: أَسْلَمَ أَخْلَصَ، {وَلَا تَكُونَنَّ} يَعْنِي: وَقِيلَ لِي وَلَا تَكُونَنَّ، {مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) } {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [فَعَبَدْتُ غَيْرَهُ] (2) {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يَعْنِي: عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ} يَعْنِي: مَنْ يُصْرَفِ الْعَذَابُ عَنْهُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ " يَصْرِفُ " بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ: مَنْ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ، لِقَوْلِهِ: "فَقَدْ رَحِمَهُ" وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، {يَوْمَئِذٍ} يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} أَيِ: النَّجَاةُ الْبَيِّنَةُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} بِشِدَّةٍ وَبَلِيَّةٍ، {فَلَا كَاشِفَ لَهُ} لَا رَافِعَ، {إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ} عَافِيَةٍ وَنِعْمَةٍ، {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} مِنَ الْخَيْرِ وَالضُّرِّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ أَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ، [هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ] (3) عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةٌ، أَهْدَاهَا لَهُ كِسْرَى فَرَكِبَهَا بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، ثُمَّ أَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَارَ بِي مَلِيًّا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلَتْ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَقَدْ مَضَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ جَهِدَ الْخَلَائِقُ أَنْ يَنْفَعُوكَ بِمَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب". (3) زيادة من "ب".

18

تَعَالَى لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ جَهِدُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِمَا لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكَ، مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ، فَافْعَلْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاصْبِرْ فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ مَعَ الْكَرْبِ الْفَرَجَ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (1) . {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) }

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس: 1 / 307، والترمذي مختصرا في القيامة، باب حدثنا بشر بن هلال: 7 / 219-220، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومثله في المسند: 1 / 293-303. وعبد بن حميد في المنتخب ص (214) وذكره ابن الأثير في جامع الأصول كما في سياق المصنف وقال: هذا الحديث ذكره رزين، ولم أجده في واحد من الأصول الستة، إلا ما أخرجه الترمذي، وهذا لفظه، ثم ساق رواية الترمذي. انظر: جامع الأصول: 11 / 686. ورواه أيضا عبد بن حميد في مسنده بإسناد ضعيف، وعزاه ابن الصلاح في الأحاديث الكلية إلى عبد بن حميد وغيره، وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة ... وطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (174) .

19

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) } {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} الْقَاهِرُ الْغَالِبُ، وَفِي الْقَهْرِ زِيَادَةُ مَعْنًى عَلَى الْقُدْرَةِ، وَهِيَ مَنْعُ غَيْرِهِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ، وَقِيلَ: هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ الَّذِي يُجْبِرُ الْخَلْقَ عَلَى مُرَادِهِ، فَوْقَ عِبَادِهِ هُوَ صِفَةُ الِاسْتِعْلَاءِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. {وَهُوَ الْحَكِيمُ} فِي أَمْرِهِ، {الْخَبِيرُ} بِأَعْمَالِ عِبَادِهِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً} ؟ الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: أَتَى أَهْلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: أَرِنَا مَنْ يَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّا لَا نَرَى أَحَدًا يُصَدِّقُكَ، وَلَقَدْ سَأَلَنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهُمْ ذِكْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ} أَعْظَمُ، {شَهَادَةً} ؟ فَإِنْ أَجَابُوكَ، وَإِلَّا {قُلِ اللَّهُ} هُوَ {شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} عَلَى مَا أَقُولُ، وَيَشْهَدُ لِي بِالْحَقِّ وَعَلَيْكُمْ بِالْبَاطِلِ، {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} لِأُخَوِّفَكُمْ بِهِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {وَمَنْ بَلَغَ} يَعْنِي: وَمَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْعَجَمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيِّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ

مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ بِشْرٍ النَّقَّاشُ أَنَا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ أَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْبَابِلِيُّ أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ [السَّلُولِيِّ] (1) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ متعمدا فليتبوأ معقده مِنَ النَّارِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلَّالُ أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ أَنَا الرَّبِيعُ أَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا. فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ" (3) . قَالَ مُقَاتِلٌ: مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَهُوَ نَذِيرٌ لَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ فَكَأَنَّمَا رَأَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَ مِنْهُ، أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونِ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى؟ وَلَمْ يَقُلْ أُخَرَ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَلْحَقُهُ التَّأْنِيثُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الْأَعْرَافِ، 180) ، وَقَالَ: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) . (طه، 51) {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ إِنْ شَهِدْتُمْ أَنْتُمْ، فَـ {لَا أَشْهَدُ} ، أَنَا أَنَّ مَعَهُ إِلَهًا، {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} ، يَعْنِي: التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، {يَعْرِفُونَهُ} ، يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ، مِنْ بَيْنِ الصِّبْيَانِ. {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} ، غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ آدَمِيٍّ مَنْزِلًا فِي الْجَنَّةِ وَمَنْزِلًا فِي النَّارِ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ، وَلِأَهْلِ النَّارِ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ الْخُسْرَانُ.

_ (1) في "ب": (السلوي) . (2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل: 6 / 496، والمصنف في شرح السنة: 1 / 243. (3) أخرجه الترمذي في العلم، باب الحث على تبليغ السماع، بنحوه، 7 / 417-418 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلّغ علما، برقم (236) : 1 / 86، والدارمي في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي: 1 / 75، والشافعي في كتاب العلم: 1 / 16، والإمام أحمد في المسند: 3 / 225 عن أنس، والمصنف في شرح السنة: 1 / 236، وللشيخ عبد المحسن العباد دراسة حديثية وفقهية لحديث "نضر الله امرأ ... " طبع عام 1401هـ بمطابع الرشيد بالمدينة المنورة.

22

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ أَظْلَمُ} ، أَكْفُرُ، {مِمَّنِ افْتَرَى} ، اخْتَلَقَ، {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} ، فَأَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ، {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} ، الْكَافِرُونَ. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) } {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا} ، أَيِ: الْعَابِدِينَ وَالْمَعْبُودِينَ، يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَرَأَ يَعْقُوبُ " يَحْشُرُهُمْ " هَاهُنَا، وَفِي سَبَأٍ بِالْيَاءِ، وَوَافَقَ حَفْصٌ فِي سَبَأٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنُّونِ، {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} ، أَنَّهَا تَشْفَعُ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ. {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ "يَكُنْ" بِالْيَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ بِمَعْنَى الِافْتِتَانِ، فَجَازَ تَذْكِيرُهُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْفِتْنَةِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ "فِتْنَتُهُمْ" بِالرَّفْعِ جَعَلُوهُ اسْمَ كَانَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ، فَجَعَلُوا الِاسْمَ قَوْلَهُ "أَنْ قَالُوا" وَفِتْنَتُهُمُ الْخَبَرُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ "فِتْنَتُهُمْ" أَيْ: قَوْلُهُمْ وَجَوَابُهُمْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ: مَعْذِرَتُهُمْ وَالْفِتْنَةُ التَّجْرِبَةُ، فَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ تَجْرِبَةً لِإِظْهَارِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ قِيلَ فِتْنَةٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يَفْتَتِنُ بِمَحْبُوبٍ ثُمَّ يُصِيبُهُ فِيهِ [مِحْنَةٌ] (1) فَيَتَبَرَّأُ مِنْ مَحْبُوبِهِ، فَيُقَالُ: لَمْ تَكُنْ فُتِنْتَ إِلَّا هَذَا، كَذَلِكَ الْكُفَّارُ فُتِنُوا بِمَحَبَّةِ الْأَصْنَامِ وَلَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ تَبَرَّأُوا مِنْهَا، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} فِي مَحَبَّتِهِمُ الْأَصْنَامَ، {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " رَبَّنَا " بِالنَّصْبِ عَلَى نِدَاءِ الْمُضَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْخَفْضِ عَلَى نَعْتِ والله، وقيل: 117\أإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَجَاوُزَهُ عَنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نَكْتُمُ الشِّرْكَ لَعَلَّنَا نَنْجُوا مَعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ، فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِالْكُفْرِ. فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ، بِاعْتِذَارِهِمْ بِالْبَاطِلِ وَتَبَرِّيهِمْ عَنِ الشِّرْكِ، {وَضَلَّ عَنْهُمْ} زَالَ وَذَهَبَ عَنْهُمْ {مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} مِنَ الْأَصْنَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ شَفَاعَتَهَا وَنُصْرَتَهَا، فَبَطُلَ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.

_ (1) في "ب": (فتنة) .

25

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الْآيَةَ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: اجْتَمَعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ وَأُمَيَّةُ وَأُبَيُّ ابْنَا خَلَفٍ وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَقَالُوا لِلنَّضْرِ: يَا أَبَا قَتِيلَةَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا يَقُولُ إِلَّا أَنِّي أَرَاهُ يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَيَقُولُ أَسَاطِيرَ الْأَوَّلِينَ، مِثْلَ مَا كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَكَانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَنِ الْقُرُونِ وَأَخْبَارِهَا (1) . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي أَرَى بَعْضَ مَا يَقُولُ حَقًّا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: كَلَّا لَا نُقِرُّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَلْمَوْتُ أَهْوَنُ عَلَيْنَا مِنْ هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ" وَإِلَى كَلَامِكَ، {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} ، أَغْطِيَةً، جَمْعُ كِنَانٍ، كَالْأَعِنَّةِ جَمْعُ عَنَانٍ، {أَنْ يَفْقَهُوهُ} ، أَنْ يَعْلَمُوهُ، قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ لَا يَفْقَهُوهُ، وَقِيلَ: كَرَاهَةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ، {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} ، صَمَمًا وَثِقَلًا هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ فَيَشْرَحُ بَعْضَهَا لِلْهُدَى، وَيَجْعَلُ بَعْضَهَا فِي أَكِنَّةٍ فَلَا تَفْقَهُ كَلَامَ اللَّهِ وَلَا تُؤْمِنُ، {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ} ، مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالدِّلَالَاتِ، {لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ، يَعْنِي: أَحَادِيثَهُمْ وَأَقَاصِيصَهُمْ، وَالْأَسَاطِيرُ جَمْعُ: أُسْطُورَةٍ، وَإِسْطَارَةٍ، وَقِيلَ: هِيَ التُّرَّهَاتُ وَالْأَبَاطِيلُ، وَأَصْلُهَا مِنْ سَطَرْتُ، أَيْ: كَتَبْتُ. {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} أَيْ: يَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} ، أَيْ: يَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ، نَزَلَتْ فِي كُفَّارِ مَكَّةَ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: يَنْهَوْنَ عَنِ الْقُرْآنِ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَبَاعَدُونَ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ (2) نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنْ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَمْنَعُهُمْ وَيَنْأَى عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، أَيْ: يَبْعُدُ، حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ رُءُوسُ الْمُشْرِكِينَ وَقَالُوا: خُذْ شَابًّا مِنْ أَصْبَحِنَا وَجْهًا، وَادْفَعْ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَنْصَفْتُمُونِي أَدْفَعُ إِلَيْكُمْ وَلَدِي لِتَقْتُلُوهُ وَأُرَبِّي

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص (247) . (2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (247-248) ، تفسير القرطبي: 6 / 406.

27

وَلَدَكُمْ؟ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ إِلَى الْإِيمَانِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرُنِي قُرَيْشٌ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، وَلَكِنْ أَذُبُّ عَنْكَ مَا حَيِيتُ. وَقَالَ فِيهِ أَبْيَاتًا: وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا فَاصْدَعْ بِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ وَابْشِرْ بِذَاكَ وَقِرَّ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونًا وَدَعَوْتَنِي وَعَرَفْتُ أَنَّكَ نَاصِحِي وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينًا وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينًا لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارُ سُبَّةً لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينًا {وَإِنْ يُهْلِكُونَ} ، أَيْ: مَا يُهْلِكُونَ، {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} أَيْ: لَا يَرْجِعُ وَبَالُ فِعْلِهِمْ إِلَّا إِلَيْهِمْ، وَأَوْزَارُ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُمْ عَلَيْهِمْ، {وَمَا يَشْعُرُونَ} . . {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) }

28

{بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ} يَعْنِي: فِي النَّارِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أَيْ: فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى النَّارِ، وَجَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ مَعْنَاهُ: لَوْ تَرَاهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا، {فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ} يَعْنِي: إِلَى الدُّنْيَا، {وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ كُلُّهَا بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى: يَا لَيْتَنَا نَرُدُّ وَنَحْنُ لَا نَكُذِّبُ، وَنَكُونُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَحَفْصٌ وَيَعْقُوبُ "وَلَا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ" بِنَصْبِ الْبَاءِ وَالنُّونِ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي، أَيْ: لَيْتَ رَدَّنَا وَقَعَ، وَأَنْ لَا نُكَذِّبَ وَنَكُونَ، وَالْعَرَبُ تَنْصِبُ جَوَابَ التَّمَنِّي بِالْوَاوِ كَمَا تَنْصِبُّ بِالْفَاءِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "نُكَذِّبُ" بِالرَّفْعِ وَ"نَكُونَ" بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُمْ تَمَنَّوْا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ إِنْ رُدُّوا إِلَى الدُّنْيَا. {بَلْ بَدَا لَهُمْ} قَوْلُهُ: "بَلْ" تَحْتَهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا إِنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَآمَنُوا، بَلْ بَدَا لَهُمْ، ظَهَرَ لَهُمْ، {مَا كَانُوا يُخْفُونَ} يُسِرُّونَ، {مِنْ قَبْلُ} فِي الدُّنْيَا مِنْ كُفْرِهِمْ

31

وَمَعَاصِيهِمْ، وَقِيلَ: مَا كَانُوا يُخْفُونَ وَهُوَ قَوْلُهُمْ "وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" (الْأَنْعَامِ، 23) ، فَأَخْفَوْا شِرْكَهُمْ وَكَتَمُوا حَتَّى شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِمَا كَتَمُوا وَسَتَرُوا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُخْفُونَ كُفْرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْآيَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: بَلْ بَدَا لَهُمْ جَزَاءُ مَا كَانُوا يُخْفُونَ، وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: بَلْ بَدَا عَنْهُمْ. ثُمَّ قَالَ {وَلَوْ رُدُّوا} إِلَى الدُّنْيَا {لَعَادُوا لِمَا} يَعْنِي إِلَى مَا {نُهُوا عَنْهُ} مِنَ الْكُفْرِ، {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فِي قَوْلِهِمْ، لَوْ رُدِدْنَا إِلَى الدُّنْيَا لَمْ نُكَذِّبْ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَكُنَّا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ إِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ لَوْ رُدُّوا لَقَالُوهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ} أَيْ: عَلَى حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ وَمَسْأَلَتِهِ، وَقِيلَ: عُرِضُوا عَلَى رَبِّهِمْ، {قَالَ} لَهُمْ وَقِيلَ: تَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ، {أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ} ؟ يَعْنِي: أَلَيْسَ هَذَا الْبَعْثُ وَالْعَذَابُ بِالْحَقِّ؟ {قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} إِنَّهُ حَقٌّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي مَوْقِفٍ، وَقَوْلُهُمْ: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ فِي مَوْقِفٍ آخَرَ، وَفِي الْقِيَامَةِ مَوَاقِفُ، فَفِي مَوْقِفٍ يُقِرُّونَ، وَفِي مَوْقِفٍ يُنْكِرُونَ. {قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} أَيْ: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَكْذِيبِهِمُ الْمَصِيرَ إِلَى اللَّهِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ} أَيِ: الْقِيَامَةُ {بَغْتَةً} أَيْ: فَجْأَةً، {قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا} نَدَامَتَنَا، [ذُكِرَ] (1) عَلَى وَجْهِ النِّدَاءِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَيَّتُهَا الْحَسْرَةُ هَذَا أَوَانُكِ، {عَلَى مَا فَرَّطْنَا} أَيْ: قَصَّرْنَا {فِيهَا} أَيْ: فِي الطَّاعَةِ، وَقِيلَ: تَرَكْنَا فِي الدُّنْيَا مِنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ.

_ (1) ما بين القوسين ساقط من"أ" واستدركناه في "ب".

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: (1) الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الصَّفْقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ خُسْرَانُ صَفْقَتِهِمْ بِبَيْعِهِمُ الْآخِرَةَ بِالدُّنْيَا قَالُوا: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا، أَيْ: فِي الصَّفْقَةِ [فَتُرِكَ ذِكْرُ الصفقة] (2) اكتفاء بذكر بِقَوْلِهِ {قَدْ خَسِرَ} لِأَنَّ الْخُسْرَانَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ، وَالْحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدَمِ، حَتَّى يَتَحَسَّرَ النَّادِمُ، كَمَا يَتَحَسَّرُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ دَابَّتُهُ فِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ، {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ} أَثْقَالَهُمْ وَآثَامَهُمْ، {عَلَى ظُهُورِهِمْ} قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ +إِذْ أُخْرِجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَطْيَبُهُ رِيحًا فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَارْكَبْنِي، فَقَدْ طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) (مَرْيَمَ، 85) أَيْ: رُكْبَانًا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَسْتَقْبِلُهُ أَقْبَحُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَنْتَنُهُ رِيحًا، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا. فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ طَالَمَا رَكِبْتَنِي في الدنيأ 117/ب فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْكَبُكَ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ} {أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} يَحْمِلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِئْسَ الْحِمْلُ حَمَلُوا. {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} بَاطِلٌ وَغُرُورٌ لَا بَقَاءَ لَهَا {وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ} مُضَافًا أَضَافَ الدَّارَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَيُضَافُ الشَّيْءُ إِلَى نَفْسِهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) ، وَقَوْلِهِمْ: رَبِيعُ الْأَوَّلِ وَمَسْجِدُ الْجَامِعِ، سُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّهَا، وَقِيلَ: لِدَنَاءَتِهَا، وَسُمِّيَتِ الْآخِرَةُ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا، {خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} الشِّرْكَ، {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أَنَّ الْآخِرَةَ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا، قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) بِالتَّاءِ هَاهُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ وَسُورَةِ يُوسُفَ ويس، وَوَافَقَ أَبُو بَكْرٍ فِي سُورَةِ يُوسُفَ، وَوَافَقَ حَفْصٌ إِلَّا فِي سُورَةِ يس، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ فِيهِنَّ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} قَالَ السُّدِّيُّ: الْتَقَى الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ الْأَخْنَسُ لِأَبِي جَهْلٍ يَا أَبَا الْحَكَمِ أَخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَصَادِقٌ هُوَ أَمْ كَاذِبٌ؟ فَإِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا أَحَدٌ يَسْمَعُ كَلَامَكَ غَيْرِي، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَصَادِقٌ، وَمَا كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، وَلَكِنْ إِذَا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّوَاءِ وَالسِّقَايَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالنَّدْوَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَمَاذَا يَكُونُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (3) . وَقَالَ نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَتَّهِمُكَ وَلَا نُكَذِّبُكَ، وَلَكِنَّا نُكَذِّبُ الَّذِي جِئْتَ

_ (1) انظر: تفسير الطبري: 11 / 325، وفيه قوله: "والهاء والألف في قوله: "فيها" من ذكر "الصفقة"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله" عليها من ذكرها، إذ كان معلوما أن "الخسران" لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت". (2) انظر: تفسير الطبري: 11 / 325، وفيه قوله: "والهاء والألف في قوله: "فيها" من ذكر "الصفقة"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله" عليها من ذكرها، إذ كان معلوما أن "الخسران" لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت". (3) أسباب النزول، ص (249) ، تفسير الطبري: 11 / 333.

34

بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} (1) . {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} بِأَنَّكَ كَاذِبٌ، {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ} قَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وَالتَّكْذِيبُ هُوَ أَنْ تَنْسُبَهُ إِلَى الْكَذِبِ، وَتَقُولَ لَهُ: كَذَبْتَ، وَالْإِكْذَابُ هُوَ أَنْ تَجِدَهُ كَاذِبًا، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَجْدَبْتُ الْأَرْضَ وَأَخْصَبْتُهَا إِذَا وَجَدْتُهَا جَدْبَةً وَمُخَصَّبَةً، {وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} يَقُولُ: إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ فِي السِّرِّ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا صِدْقَكَ فِيمَا مَضَى، وَإِنَّمَا يُكْذِّبُونَ وَحْيِي وَيَجْحَدُونَ آيَاتِي، كَمَا قَالَ: "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ" (النَّمْلِ، 94) . {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) } {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} كَذَّبَهُمْ قَوْمُهُمْ كَمَا كَذَّبَتْكَ قُرَيْشٌ، {فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} بِتَعْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُمْ، {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} لَا نَاقِضَ لِمَا حَكَمَ بِهِ، وَقَدْ حَكَمَ فِي كِتَابِهِ بِنَصْرِ أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَالَ: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصَّافَّاتِ، 171-172) ، وَقَالَ: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا) (غَافِرٍ، 51) وَقَالَ: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (الْمُجَادَلَةِ، 21) ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَا خُلْفَ [لِعِدَاتِهِ] (2) {وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ} وَ {مِنْ} صِلَةٌ كَمَا تَقُولُ: أَصَابَنَا مِنْ مَطَرٍ. {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} أَيْ: عَظُمَ عَلَيْكَ وَشَقَّ أَنْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِصُ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِهِ أَشَدَّ الْحِرْصِ، وَكَانُوا إِذْ سَأَلُوا آيَةً أَحَبَّ أَنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ طَمَعًا فِي إِيمَانِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا} تَطْلُبَ وَتَتَّخِدَ نَفَقًا سَرَبًا

_ (1) أخرجه الترمذي من طريق أبي كريب عن علي، في التفسير، سورة الأنعام: 8 / 437، ثم من طريق إسحاق بن منصور عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية: أن أبا جهل ... وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن علي، وقال: هذا أصح. وحديث علي أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 315 وقال: صحيح على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي قائلا: "ما خرّجا لناجية شيئا". وانظر: أسباب النزول، ص (249) ، الطبري: 11 / 334، القرطبي: 6 / 416. (2) في "ب" "لعدته".

{وَفِي الْأَرْضِ} وَمِنْهُ نَافَقَاءُ الْيَرْبُوعِ، وَهُوَ أَحَدُ جُحْرَيْهِ فَيَذْهَبُ فِيهِ، {أَوْ سُلَّمًا} أَيْ: دَرَجًا وَمِصْعَدًا، {فِي السَّمَاءِ} فَتَصْعَدَ فِيهِ، {فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ} فَافْعَلْ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} فَآمَنُوا كُلُّهُمْ، {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أَيْ: بِهَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} وَأَنَّ مَنْ يَكْفُرْ لِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ.

36

{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) } {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ فَيَتَّبِعُونَهُ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ مَنْ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى سَمْعِهِ، {وَالْمَوْتَى} يَعْنِي الْكُفَّارَ، {يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فَيَجْزِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا} يَعْنِي: رُؤَسَاءَ قُرَيْشٍ، {لَوْلَا} هَلَّا {نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} مَا عَلَيْهِمْ فِي إِنْزَالِهَا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} قَيَّدَ الطَّيَرَانَ بِالْجَنَاحِ تَأْكِيدًا كَمَا يُقَالُ نَظَرْتُ بِعَيْنِي وَأَخَذْتُ بِيَدِي، {إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: أَصْنَافٌ مُصَنَّفَةٌ تُعْرَفُ بِأَسْمَائِهَا يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ مِنَ الْحَيَوَانِ أُمَّةٌ، فَالطَّيْرُ أُمَّةٌ، وَالدَّوَابُّ أُمَّةٌ، وَالسِّبَاعُ أُمَّةٌ، تُعْرَفُ بِأَسْمَائِهَا مِثْلُ بَنِي آدَمَ، يُعَرَفُونَ بِأَسْمَائِهِمْ، يُقَالُ: الْإِنْسُ وَالنَّاسُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا الْمُبَارَكُ هُوَ ابْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ) (1) .

_ (1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره: 4 / 132-133، والترمذي في الصيد، باب ما جاء في قتل الكلاب: 5 / 63، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الصيد والذبائح، باب صفة الكلاب التي أمر بقتلها: 7 / 185، وابن ماجه في الصيد، باب قتل الكلاب إلا كلب صيد أو زرع، برقم (3205) : 2 / 1069، والدارمي في الصيد، باب في قتل الكلاب: 2 / 90، والإمام أحمد في المسند: 5 / 54، 56، والمصنف في شرح السنة: 11 / 211.

39

وَقِيلَ: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ يَفْقَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَقِيلَ: أَمَّمَ أَمْثَالُكُمْ فِي الْخَلْقِ وَالْمَوْتِ وَالْبَعْثِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ فِي الْغِذَاءِ وَابْتِغَاءِ الرِّزْقِ وَتَوَقِّي الْمَهَالِكِ. {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ} أَيْ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، {مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ: حَشْرُهَا مَوْتُهَا، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْبَهَائِمَ وَالدَّوَابَّ وَالطَّيْرَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَيَأْخُذُ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا فَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْكَافِرُ وَيَقُولُ: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا) . أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَتُرَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ" (1) . {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ} لَا يَسْمَعُونَ الْخَيْرَ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِهِ، {فِي الظُّلُمَاتِ} فِي ضَلَالَاتِ الْكُفْرِ، {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} وَهُوَ الْإِسْلَامُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ} هَلْ رَأَيْتُمْ؟ وَالْكَافُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ أَرَأَيْتَكَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ أَخْبِرْنَا، كَمَا يَقُولُ: أَرَأَيْتَكَ إِنْ فَعَلَتُ كَذَا مَاذَا تَفْعَلُ؟ أَيْ: أَخْبِرْنِي، وَقَرَأَ أَهْلُ

_ (1) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2582) : 4 / 1997.

44

الْمَدِينَةِ "أَرَايْتَكُمْ، وَأَرَايْتُمْ، وَأَرَايْتَ" بِتَلْيِينِ الْهَمْزَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْكِسَائِيُّ بِحَذْفِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدٍ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَرَأَيْتَكُمْ، {إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ} قَبْلَ الْمَوْتِ، {أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ} يَعْنِي: الْقِيَامَةَ، {أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ} فِي صَرْفِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وَأَرَادَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَدْعُونَ اللَّهَ فِي أَحْوَالِ الِاضْطِرَارِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (لُقْمَانَ، 32) . ثُمَّ قَالَ: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} أَيْ: تَدْعُونَ اللَّهَ وَلَا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} قَيَّدَ الْإِجَابَةَ بِالْمَشِيئَةِ [وَالْأُمُورُ كُلُّهَا بِمَشِيئَتِهِ] (1) {وَتَنْسَوْنَ} وَتَتْرُكُونَ، {مَا تُشْرِكُونَ} {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} بِالشِّدَّةِ وَالْجُوعِ، {وَالضَّرَّاءِ} الْمَرَضِ وَالزَّمَانَةِ، {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أَيْ يَتُوبُونَ وَيَخْضَعُونَ، وَالتَّضَرُّعُ السُّؤَالُ بِالتَّذَلُّلِ. {فَلَوْلَا} فَهَلَّا {إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} عَذَابُنَا، {تَضَرَّعُوا} فَآمَنُوا فكشف عنهم، 118\أأَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى قَوْمٍ بَلَغُوا مِنَ الْقَسْوَةِ إِلَى أَنَّهُمْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَخْضَعُوا وَلَمْ يَتَضَرَّعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي. {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) }

_ (1) ما بين القوسين زيادة من "ب".

45

{فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) } {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ} تَرَكُوا مَا وُعِظُوا وَأُمِرُوا بِهِ، {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ، "فَتَّحْنَا" بِالتَّشْدِيدِ، فِي كُلِّ الْقُرْآنِ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ عُقَيْبَهُ جَمْعٌ وَالْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وَهَذَا فَتْحُ اسْتِدْرَاجٍ وَمَكْرٍ، أَيْ: بَدَّلْنَا مَكَانَ الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ الرَّخَاءَ وَالصِّحَّةَ، {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} وَهَذَا فَرَحُ بَطَرٍ مِثْلُ فَرَحِ قَارُونَ بِمَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا، {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} فَجْأَةً آمَنَ مَا كَانُوا، وَأَعْجَبَ مَا كَانَتِ الدُّنْيَا إِلَيْهِمْ، {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} آيِسُونَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:

47

الْمُبْلِسُ النَّادِمُ الْحَزِينُ، وَأَصْلُ الْإِبْلَاسِ: الْإِطْرَاقُ مِنَ الْحُزْنِ وَالنَّدَمِ، وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ) ، ثُمَّ تَلَا "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ" الْآيَةَ (1) . {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أَيْ: آخِرُهُمْ [الَّذِينَ بِدُبُرِهِمْ، يُقَالُ: دَبَرَ فُلَانٌ الْقَوْمَ يَدْبُرُهُمْ دَبْرًا وَدُبُورًا إِذَا كَانَ آخِرَهُمْ] (2) وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمُ اسْتُؤْصِلُوا بِالْعَذَابِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةٌ، {وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} حَمِدَ اللَّهُ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ قَطَعَ دَابِرَهُمْ لِأَنَّهُ نِعْمَةٌ عَلَى الرُّسُلِ، فَذَكَرَ الْحَمْدَ لِلَّهِ تَعْلِيمًا لَهُمْ وَلِمَنْ آمَنَ بِهِمْ، أَنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى كِفَايَتِهِ شَرَّ الظَّالِمِينَ، وَلِيَحْمَدَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَبَّهُمْ إِذَا أَهْلَكَ الْمُكَذِّبِينَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ، {إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ} حَتَّى لَا تَسْمَعُوا شَيْئًا أَصْلًا {وَأَبْصَارَكُمْ} حَتَّى لَا تُبْصِرُوا شَيْئًا، {وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} حَتَّى لَا تَفْقَهُوا شَيْئًا وَلَا تَعْرِفُوا مِمَّا تَعْرِفُونَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، {مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} وَلَمْ يَقُلْ بِهَا مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ، قِيلَ: مَعْنَاهُ يَأْتِيكُمْ بِمَا أُخِذَ مِنْكُمْ، وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى السَّمْعِ الَّذِي ذُكِرَ أَوَّلًا وَيَنْدَرِجُ غَيْرُهُ تَحْتَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (التَّوْبَةِ، 62) . فَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى اللَّهِ، وَرِضَى رَسُولِهِ يَنْدَرِجُ فِي رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} أَيْ: نُبَيِّنُ لَهُمُ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ، {ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يُعْرِضُونَ عَنْهَا مُكَذِّبِينَ. {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) } {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً} فَجْأَةً، {أَوْ جَهْرَةً} مُعَايَنَةً تَرَوْنَهُ عِنْدَ نُزُولِهِ، قَالَ

_ (1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 145، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وقال الهيثمي في المجمع: 10 / 245 "رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه الوليد بن العباس المصري وهو ضعيف" وعزاه في موضع آخر: 7 / 20 لأحمد والطبراني. (2) ما بين القوسين زيادة من "ب".

51

ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، {هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} الْمُشْرِكُونَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} الْعَمَلَ، {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حِينَ يَخَافُ أَهْلُ النَّارِ، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} إِذَا حَزِنُوا. {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ} يُصِيبُهُمْ {الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} يَكْفُرُونَ. {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} نَزَلَ حِينَ اقْتَرَحُوا الْآيَاتِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: {لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} أَيْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فَأُعْطِيكُمْ مَا تُرِيدُونَ، {وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} فَأُخْبِرُكُمْ بِمَا غَابَ مِمَّا مَضَى وَمِمَّا سَيَكُونُ، {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَكَ يَقْدِرُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْآدَمِيُّ وَيُشَاهِدُ مَا لَا يُشَاهِدُهُ الْآدَمِيُّ، يُرِيدُ لَا أَقُولُ لَكُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَتُنْكِرُونَ قَوْلِي وَتَجْحَدُونَ أَمْرِي، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} أَيْ: مَا آتِيكُمْ بِهِ فَمِنْ وَحْيِ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ فِي الْعَقْلِ مَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَالْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} ؟ قَالَ قَتَادَةُ: الْكَافِرُ وَالْمُؤْمِنُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الضَّالُّ وَالْمُهْتَدِي، وَقِيلَ: الْجَاهِلُ وَالْعَالِمُ، {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} أَيْ: أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ. {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنْذِرْ بِهِ} خَوِّفْ بِهِ أَيْ: بِالْقُرْآنِ، {الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا} يُجْمَعُوا وَيُبْعَثُوا إِلَى رَبِّهِمْ، وَقِيلَ: يَخَافُونَ أَيْ يَعْلَمُونَ، لِأَنَّ خَوْفَهُمْ إِنَّمَا كَانَ مِنْ عِلْمِهِمْ، {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ} مِنْ دُونِ اللَّهِ، {وَلِيٌّ} قَرِيبٌ يَنْفَعُهُمْ، {وَلَا شَفِيعٌ} يَشْفَعُ لَهُمْ، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فَيَنْتَهُونَ عَمَّا نُهُوا عَنْهُ، وَإِنَّمَا نَفَى الشَّفَاعَةَ لِغَيْرِهِ -مَعَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ يَشْفَعُونَ -لِأَنَّهُمْ لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا بِإِذْنِهِ. {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ "بِالْغُدْوَةِ" بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَوَاوٍ بَعْدَهَا، هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا.

قَالَ سَلْمَانُ وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ: فِينَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ وَذَوُوهُمْ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَوَجَدُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا مَعَ بِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ فِي نَاسٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَهُ حَقَّرُوهُمْ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ جَلَسْتَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَنَفَيْتَ عَنَّا هَؤُلَاءِ وَأَرْوَاحَ جِبَابِهِمْ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ جِبَابٌ صُوفٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ غَيْرُهَا، لَجَالَسْنَاكَ وَأَخَذْنَا عَنْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ: "مَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ" قَالُوا فَإِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا، فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدِ، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنَّا، فَإِذَا فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: اكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ بِذَلِكَ كِتَابًا، قَالَ: فَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ، قَالُوا وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ إِذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إِلَى قَوْلِهِ: {بِالشَّاكِرِينَ} فَأَلْقَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيفَةَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ دَعَانَا فَأَثْبَتُّهُ، وَهُوَ يَقُولُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ، فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَهُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (واصبر نفسك ممع الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الْكَهْفِ، 28) ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْعُدُ مَعَنَا بَعْدُ وَنَدْنُو مِنْهُ حَتَّى كَادَتْ رُكَبُنَا تَمَسُّ رُكْبَتَهُ، فَإِذَا بَلَغَ السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ، وَقَالَ لَنَا: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَمَرَنِي أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي، مَعَكُمُ الْمَحْيَا وَمَعَكُمُ الْمَمَاتُ" (1) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: قَالُوا لَهُ اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا وَلَهُمْ يَوْمًا، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، قَالُوا: فَاجْعَلِ الْمَجْلِسَ وَاحِدًا فَأَقْبِلْ إِلَيْنَا وَوَلِّ ظَهْرَكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْلَا بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ لَبَايَعْنَا مُحَمَّدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} (2) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَعْنِي: صَلَاةَ الصُّبْحِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ، وَيُرْوَى عَنْهُ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْفُقَرَاءِ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْأَشْرَافِ: إِذَا صَلَّيْنَا فَأَخِّرْ هَؤُلَاءِ فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنَا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: صَلَّيْتُ الصُّبْحَ مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ ابْتَدَرَ

_ (1) أخرجه الطبري: 11 / 376-377، وابن ماجه في الزهد، برقم (4127) : 2 / 382-383 قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد روى مسلم والنسائي بعضه من حديث سعد، وانظر: صحيح مسلم، فضائل الصحابة، رقم (2413) : 4 / 1887. وساقه ابن كثير في التفسير: 2 / 136 وقال: هذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر". ولا وجه لهذه الغرابة، فعندما قالا ذلك لم يكونا من المسلمين. (2) عزاه السيوطي في الدر: 3 / 274 لعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

النَّاسُ الْقَاصَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: مَا أَسْرَعَ النَّاسَ إِلَى هَذَا الْمَجْلِسِ! قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقُلْتُ يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} قَالَ: أَفِي هَذَا هو، إنمأ 118/ب ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي انْصَرَفْنَا عَنْهَا الْآنَ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يَعْنِي يَذْكُرُونَ رَبَّهُمْ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنْهُ: حَقِيقَةُ الدُّعَاءِ، {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أَيْ: يُرِيدُونَ اللَّهَ بِطَاعَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَطْلُبُونَ ثَوَابَ اللَّهِ فَقَالَ: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} أَيْ: لَا تُكَلَّفُ أَمْرَهُمْ وَلَا يَتَكَلَّفُونَ أَمْرَكَ، وَقِيلَ: لَيْسَ رِزْقُهُمْ عَلَيْكَ فَتَمَلَّهُمْ، {فَتَطْرُدَهُمْ} وَلَا رِزْقُكَ عَلَيْهِمْ، قَوْلُهُ {فَتَطْرُدَهُمْ} جَوَابٌ لِقَوْلِهِ {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} وَقَوْلُهُ: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} جَوَابٌ لِقَوْلِهِ {وَلَا تَطْرُدِ} أَحَدُهُمَا جَوَابُ النَّفْيِ وَالْآخَرُ جَوَابُ النَّهْيِ.

53

{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا} أَيِ: ابْتَلَيْنَا، {بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أَرَادَ ابْتِلَاءَ الْغَنِيِّ بِالْفَقِيرِ وَالشَّرِيفِ بِالْوَضِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيفَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْوَضِيعِ قَدْ سَبَقَهُ بِالْإِيمَانِ امْتَنَعَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِسَبَبِهِ فَكَانَ فِتْنَةً لَهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} فَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ {أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} فَهُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى التَّقْرِيرِ، أَيِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ شَكَرَ الْإِسْلَامَ إِذْ هَدَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ التُّرَابِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ بِسْطَامٍ ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ الْقُرَشِيُّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ بَشِيرٍ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لِيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْيِ، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ الْقَارِئَ، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: "مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ قَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا فَكُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ

55

الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ أَمَرَنِي أَنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَهُمْ" قَالَ: ثُمَّ جلس وسطنا ليدل نَفْسَهُ فِينَا ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَتَحَلَّقُوا، وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، قَالَ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَفَ مِنْهُمْ أَحَدًا غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ" (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} قَالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَآهُمْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ (2) . وَقَالَ عَطَاءٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَبِلَالٍ وَسَالِمٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ وَعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَالْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} أَيْ: قَضَى عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ} قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَعْلَمُ حَلَالًا مِنْ حَرَامٍ فَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الذَّنْبَ، وَقِيلَ: جَاهِلٌ بِمَا يُورِثُهُ ذَلِكَ الذَّنْبُ، وَقِيلَ: جَهَالَتُهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ آثَرَ الْمَعْصِيَةَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعَاجِلَ الْقَلِيلَ عَلَى الْآجِلِ الْكَثِيرِ، {ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ} رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ، {وَأَصْلَحَ} عَمَلَهُ، قِيلَ: أَخْلَصَ تَوْبَتَهُ، {فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ " أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ " " فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " بِفَتْحِ الْأَلِفِ فِيهِمَا بَدَلًا مِنَ الرَّحْمَةِ، أَيْ: كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَنْ عَمَلِ مِنْكُمْ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّانِيَةَ بَدَلًا عَنِ الْأُولَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ"، (الْمُؤْمِنُونَ، 35) ، وَفَتَحَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَكَسَرُوا الثَّانِيَةَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَكَسَرَهُمَا الْآخَرُونَ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ. {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) } {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ} أَيْ: وَهَكَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَكَمَا فَصَّلْنَا لَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ دَلَائِلَنَا

_ (1) أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب في القصص: 5 / 255، قال المنذري: "وفي إسناده زياد بن المعلى بن زياد، أبو الحسن، وفيه مقال، وأخرجه أحمد: 3 / 63، 96 عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: 14 / 191. وله شاهد عند الترمذي في الزهد وابن ماجه وابن حبان، فيتقوى به. (2) انظر: الطبري: 11 / 380، أسباب النزول ص (252) .

57

وَإِعْلَامَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ كَذَلِكَ نَفْصِلُ الْآيَاتِ، أَيْ: نُمَيِّزُ وَنُبَيِّنُ لَكَ حُجَّتَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ، {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} أَيْ: طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "وَلِتَسْتَبِينَ" بِالتَّاءِ، "سَبِيلَ" نُصِبَ عَلَى خِطَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ: وَلِتَعْرِفَ يَا مُحَمَّدُ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ، يُقَالُ: اسْتَبَنْتُ الشَّيْءَ وَتَبَيَّنْتُهُ إِذَا عَرَفْتُهُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ "وَلِيَسْتَبِينَ" بِالْيَاءِ "سَبِيلُ" بِالرَّفْعِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {وَلِتَسْتَبِينَ} بِالتَّاءِ "سَبِيلُ" رفع، أَيْ: لِيَظْهَرَ وَيَتَّضِحَ السَّبِيلُ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، فَدَلِيلُ التَّذْكِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا" (الأعراف، 146) ، ودليل الثأنيت قَوْلُهُ تَعَالَى: "لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ من آمن به تَبْغُونَهَا عِوَجًا" (آلِ عُمْرَانَ، 99) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ} فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَطَرْدِ الْفُقَرَاءِ، {قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} يَعْنِي: إِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكْتُ سَبِيلَ الْحَقِّ وَسَلَكْتُ غَيْرَ طَرِيقِ الْهُدَى. {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) } {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ} أَيْ: عَلَى بَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ وَبُرْهَانٍ، {مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ} أَيْ: مَا جِئْتُ بِهِ، {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِ اسْتِعْجَالَهُمُ الْعَذَابَ، كَانُوا يَقُولُونَ: "إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً" (الْأَنْفَالِ، 32) الْآيَةَ، قِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْقِيَامَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا" (الشُّورَى، 18) ، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ} قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَعَاصِمٌ يَقُصُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَالصَّادِ مُشَدِّدًا أَيْ يَقُولُ الْحَقَّ، لِأَنَّهُ فِي جَمِيعِ الْمَصَاحِفِ بِغَيْرِ يَاءٍ، وَلِأَنَّهُ قَالَ الْحَقَّ وَلَمْ يَقُلْ بِالْحَقِّ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (يَقْضِي) بِسُكُونِ الْقَافِ وَالضَّادُ مَكْسُورَةٌ، مِنْ قَضَيْتُ، أَيْ: يَحْكُمُ بِالْحَقِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} وَالْفَصْلُ يَكُونُ فِي الْقَضَاءِ وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْيَاءَ لِاسْتِثْقَالِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (صَالِ الْجَحِيمِ) وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَقُلْ بِالْحَقِّ لِأَنَّ الْحَقَّ صِفَةُ الْمَصْدَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَقْضِي الْقَضَاءَ الْحَقَّ. {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي} وَبِيَدِي، {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} مِنَ الْعَذَابِ {لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}

59

أَيْ: فَرَغَ مِنَ الْعَذَابِ [وَأَهْلَكْتُمْ] (1) أَيْ: لَعَجَّلْتُهُ حَتَّى أَتَخَلَّصَ مِنْكُمْ، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) }

_ (1) في "ب": (وهلكتم) .

60

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُهُ، جَمْعُ مِفْتَحٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَفَاتِحِ الْغَيْبِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى، [وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي الْغَدِ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ] (1) وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدُ إِلَّا اللَّهَ، ولا تدري 119\أنَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهَ" (2) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلٌ: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَزَائِنُ الْأَرْضِ، وَعِلْمُ نُزُولِ الْعَذَابِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا غَابَ عَنْكُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقِيلَ: انْقِضَاءُ الْآجَالِ، وَقِيلَ: أَحْوَالُ الْعِبَادِ مِنَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَخَوَاتِيمِ أَعْمَالِهِمْ، وَقِيلَ: هِيَ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ أَنَّهُ يَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ، وَمَا يَكُونُ كَيْفَ يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ؟ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا عِلْمَ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ" (3) .

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله: 2 / 524، وفي التوحيد وفي التفسير. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 422. (3) أخرجه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح، مجمع الزوائد: 8 / 263. وانظر: فتح الباري: 1 / 124 و8 / 291، عالم الغيب والشهادة تأليف عثمان جمعة ضميرية ص (80-81) .

61

{وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} قَالَ مُجَاهِدٌ: الْبَرُّ: الْمَفَاوِزُ وَالْقِفَارُ، وَالْبَحْرُ: الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ، لَا يَحْدُثُ فِيهِمَا شَيْءٌ إِلَّا يَعْلَمُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ الْمَعْرُوفُ، {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا} يُرِيدُ سَاقِطَةً وَثَابِتَةً، يَعْنِي: يَعْلَمُ عَدَدَ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ وَمَا يَبْقَى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَعْلَمُ كَمِ انْقَلَبَتْ (1) ظَهْرًا لِبَطْنٍ إِلَى أَنْ سَقَطَتْ (2) عَلَى الْأَرْضِ، {وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ} قِيلَ: هُوَ الْحَبُّ الْمَعْرُوفُ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: هُوَ تَحْتَ الصَّخْرَةِ فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِينَ، {وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الرَّطْبُ الْمَاءُ، وَالْيَابِسُ الْبَادِيَةُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ مَا يَنْبُتُ وَمَا لَا يَنْبُتُ، وَقِيلَ: وَلَا حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍّ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، {إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} يَعْنِي أَنَّ الْكُلَّ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} أَيْ: يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ إِذَا نِمْتُمْ بِاللَّيْلِ، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ} كَسَبْتُمْ، {بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ} أَيْ: يُوقِظُكُمْ فِي النَّهَارِ، {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى} يَعْنِي: أَجَلَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَمَاتِ، يُرِيدُ اسْتِيفَاءَ الْعُمْرِ عَلَى التَّمَامِ، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} فِي الْآخِرَةِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ} يُخْبِرُكُمْ، {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ، وَهُوَ جَمْعُ حَافِظٍ، نَظِيرُهُ "وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ" (الِانْفِطَارِ، 11) ، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ} قَرَأَ حَمْزَةُ (تُوَفِّيهِ) وَ (اسْتَهْوِيهُ) بِالْيَاءِ وَأَمَالَهُمَا، {رُسُلُنَا} يَعْنِي:

_ (1) في "أ": (انقلب) . (2) في "ب": (سقط) .

64

أَعْوَانَ مَلَكِ الْمَوْتِ يَقْبِضُونَهُ فَيَدْفَعُونَهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فَيَقْبِضُ رُوحَهُ، كَمَا قَالَ: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) ، وَقِيلَ الْأَعْوَانُ يَتَوَفَّوْنَهُ بِأَمْرِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَكَأَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ تَوَفَّاهُ لِأَنَّهُمْ يَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالرُّسُلِ مَلَكَ الْمَوْتِ وَحْدَهُ، فَذَكَّرَ الْوَاحِدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَجَاءَ فِي الْأَخْبَارِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ الْمَوْتِ كَالْمَائِدَةِ الصَّغِيرَةِ فَيَقْبِضُ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا فَإِذَا كَثُرَتِ الْأَرْوَاحُ يَدْعُو الْأَرْوَاحَ فَتُجِيبُ لَهُ، {وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} لَا يُقَصِّرُونَ. {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} يَعْنِي: الْمَلَائِكَةَ، وَقِيلَ: يَعْنِي الْعِبَادَ يُرَدُّونَ بِالْمَوْتِ إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ، فَإِنْ قِيلَ الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ جَمِيعًا وَقَدْ قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: "وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ" (مُحَمَّدٍ، 11) ، فَكَيْفَ وُجِّهَ الْجَمْعُ؟ فَقِيلَ: الْمَوْلَى فِي تِلْكَ الْآيَةِ بِمَعْنَى النَّاصِرِ وَلَا نَاصِرَ لِلْكُفَّارِ، وَالْمَوْلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَلِكِ الَّذِي يَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُ الْكُلِّ وَمُتَوَلِّي الْأُمُورِ، وَقِيلَ: أَرَادَ هُنَا الْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً يُرَدُّونَ إِلَى مَوْلَاهُمْ، وَالْكُفَّارُ فِيهِ تَبَعٌ، {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} أَيِ: الْقَضَاءُ دُونَ خَلْقِهِ، {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} أَيْ: إِذَا حَاسَبَ فَحِسَابُهُ سَرِيعٌ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلى فكرة ورؤية وَعَقْدِ يَدٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ} قَرَأَ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ بِالتَّشْدِيدِ، {مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} أَيْ: مِنْ شَدَائِدِهِمَا وَأَهْوَالِهِمَا، كَانُوا إِذَا سَافَرُوا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَضَلُّوا الطَّرِيقَ وَخَافُوا الْهَلَاكَ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَيُنْجِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أَيْ: عَلَانِيَةً وَسِرًّا، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ " وَخِفْيَةً " بِكَسْرِ الْخَاءِ هَاهُنَا وَفِي الْأَعْرَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّهَا وَهُمَا لُغَتَانِ، {لَئِنْ أَنْجَانَا} أَيْ: يَقُولُونَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: لَئِنْ أَنْجَانَا اللَّهُ، {مِنْ هَذِهِ} يَعْنِي: مِنْ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} وَالشُّكْرُ: هُوَ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ مَعَ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا. {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) } {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَبُو جَعْفَرٍ " يُنَجِّيكُمْ " بِالتَّشْدِيدِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:

"قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ" وَقَرَأَ الْآخَرُونَ هَذَا بِالتَّخْفِيفِ، {وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} وَالْكَرْبُ غَايَةُ الْغَمِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، {ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} يُرِيدُ أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ الَّذِي يَدْعُونَهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ هُوَ الَّذِي يُنَجِّيهِمْ ثُمَّ تُشْرِكُونَ مَعَهُ الْأَصْنَامَ الَّتِي قَدْ عَلِمُوا أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَقَالَ قَوْمٌ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ. قَوْلُهُ {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} يَعْنِي: الصَّيْحَةَ وَالْحِجَارَةَ وَالرِّيحَ وَالطُّوفَانَ، كَمَا فَعَلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَقَوْمِ نُوحٍ، {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} يَعْنِي: الرَّجْفَةَ وَالْخَسْفَ كَمَا فَعَلَ بِقَوْمِ شُعَيْبٍ وَقَارُونَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: {عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} السَّلَاطِينَ الظَّلَمَةَ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمُ الْعَبِيدُ السُّوءُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: {مِنْ فَوْقِكُمْ} مِنْ قِبَلِ كِبَارِكُمْ {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} أَيْ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا} أَيْ: يَخْلِطَكُمْ فِرَقًا وَيَبُثَّ فِيكُمُ الْأَهْوَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ، {وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} يَعْنِي: السُّيُوفَ الْمُخْتَلِفَةَ، يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا أَبُو النُّعْمَانَ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ"، قَالَ: {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} قَالَ: "أَعُوذُ بِوَجْهِكَ"، قَالَ: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ" (1) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ دُحَيْمٌ الشَّيْبَانِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ أَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ أَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَرَرْنَا عَلَى مَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَنَاجَى رَبَّهُ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا: سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ، فَمَنَعَنِيهَا" (2)

_ (1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة الأنعام، باب "قل هو القادر على أن يبعث عليكم ... " 8 / 291، وفي الاعتصام، وفي التوحيد. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 217. (2) أخرجه مسلم عن عثمان بن حكيم، في الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، برقم (2890) : 4 / 2216. والمصنف في شرح السنة: 14 / 214-215.

66

أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي أَنَا السَّيِّدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُدَ الْعَلَوِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَلُّوَيْهِ الدَّقَّاقُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ جَاءَهُمْ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي مَسْجِدٍ فَسَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَهُ وَاحِدَةً، سَأَلَهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَى أُمَّتِهِ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ فَأَعْطَاهُ ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِالسِّنِينَ فأعطاه ذلك 119/ب وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَمَنَعَهُ ذَلِكَ" (1) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) }

_ (1) أخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 214، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وروي عن خباب بن الأرت كذلك. قلت: أما حديث خباب فقد أخرجه الترمذي في الفتن، باب سؤال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاثا في أمته: 6 / 397-398، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

69

{وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } {وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ} أَيْ: بِالْقُرْآنِ، وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ، {وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} بِرَقِيبٍ، وَقِيلَ: بِمُسَلَّطٍ أُلْزِمُكُمُ الْإِسْلَامَ شِئْتُمْ أَوْ أَبَيْتُمْ، إِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ. {لِكُلِّ نَبَأٍ} خَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ الْقُرُونِ، {مُسْتَقَرٌّ} حَقِيقَةٌ وَمُنْتَهًى يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَيُتَبَيَّنُ صِدْقُهُ مَنْ كَذِبِهِ وَحَقُّهُ مِنْ بَاطِلِهِ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ، {وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِكُلِّ خَبَرٍ يُخْبِرُهُ اللَّهُ وَقْتٌ [وَقَّتَهُ] (1) وَمَكَانٌ يَقَعُ فِيهِ مِنْ غَيْرٍ خُلْفٍ وَلَا تَأْخِيرٍ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: [لِكُلِّ] (2) قَوْلٍ وَفِعْلٍ حَقِيقَةٌ، إِمَّا فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا فِي الْآخِرَةِ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَتَعْرِفُونَهُ وَمَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ.

_ (1) ساقط من "ب". (2) ساقط من "أ".

70

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا} يَعْنِي: فِي الْقُرْآنِ بِالِاسْتِهْزَاءِ {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} فَاتْرُكْهُمْ [وَلَا تُجَالِسْهُمْ] (1) {حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، {الشَّيْطَانُ} نَهْيَنَا، {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} يَعْنِي: إِذَا جَلَسَتْ معهم ناسيا فقهم مِنْ عِنْدِهِمْ بَعْدَمَا تَذَكَّرْتَ. {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} قَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَنَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَخُوضُونَ أَبَدًا؟ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَإِنَّا نَخَافُ الْإِثْمَ حِينَ نَتْرُكُهُمْ وَلَا نَنْهَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ} الْخَوْضَ، {مِنْ حِسَابِهِمْ} أَيْ: مِنْ آثَامِ الْخَائِضِينَ {مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى} أَيْ: ذَكِّرُوهُمْ وَعِظُوهُمْ بِالْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ، يُرِيدُ ذَكِّرُوهُمْ ذِكْرِي، فَتَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الْخَوْضَ إِذَا وَعَظْتُمُوهُمْ فَرَخَّصَ فِي مُجَالَسَتِهِمْ عَلَى الْوَعْظِ لَعَلَّهُ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْخَوْضِ، وَقِيلَ: لَعَلَّهُمْ يَسْتَحْيُونَ. {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِ الْعَالَمِينَ (71) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} يَعْنِي: الْكُفَّارَ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا آيَاتِ اللَّهِ اسْتَهْزَءُوا بِهَا وَتَلَاعَبُوا عِنْدَ ذِكْرِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا فَاتَّخَذَ كُلُّ قَوْمٍ دِينَهُمْ -أَيْ: عِيدَهُمْ -لَعِبًا وَلَهْوًا، وَعِيدُ الْمُسْلِمِينَ الصَّلَاةُ وَالتَّكْبِيرُ وَفِعْلُ الْخَيْرِ مِثْلُ الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ} أَيْ: وَعِظْ بِالْقُرْآنِ، {أَنْ تُبْسَلَ} أَيْ: لِأَنْ لَا تُبْسَلَ، أَيْ: لَا

_ (1) في "أ": (ولا تجادلهم) .

72

تُسَلَّمَ، {نَفْسٌ} لِلْهَلَاكِ، {بِمَا كَسَبَتْ} قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَهْلَكُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَنْ تُحْبَسَ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تُحْرَقُ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: تُؤْخَذُ، وَمَعْنَاهُ: ذَكِّرْهُمْ لِيُؤْمِنُوا، كَيْلَا تَهْلِكَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ، قَالَ الْأَخْفَشُ: تُبْسَلُ تُجَازَى، وَقِيلَ: تُفْضَحُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تُرْتَهَنُ، وَأَصْلُ الْإِبْسَالِ التَّحْرِيمُ، وَالْبَسْلُ الْحَرَامُ، ثُمَّ جُعِلَ نَعْتًا لِكُلِّ شِدَّةٍ تُتَّقَى وَتُتْرَكُ، {لَيْسَ لَهَا} أَيْ لِتِلْكَ النَّفْسِ، {مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ} قَرِيبٌ، {وَلَا شَفِيعٌ} يَشْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ} أَيْ: تَفْدِ كُلَّ فِدَاءٍ، {لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا} {أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا} أُسْلِمُوا لِلْهَلَاكِ، {بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا} إِنْ عَبَدْنَاهُ، {وَلَا يَضُرُّنَا} إِنْ تَرَكْنَاهُ، يَعْنِي: الْأَصْنَامَ لَيْسَ إِلَيْهَا نَفْعٌ وَلَا ضُرٌّ، {وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا} إِلَى الشِّرْكِ [مُرْتَدِّينَ] (1) {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ} ، أَيْ: يَكُونُ مَثَلُنَا كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ، أَيْ: أَضَلَّتْهُ، {حَيْرَانَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الْغِيلَانُ فِي +الْمَهَامَةِ فَأَضَلُّوهُ فَهُوَ حَائِرٌ بَائِرٌ، وَالْحَيْرَانُ: الْمُتَرَدِّدُ فِي الْأَمْرِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى مَخْرَجٍ مِنْهُ، {لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا} هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ يَدْعُو إِلَى الْآلِهَةِ وَلِمَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي رُفْقَةٍ ضَلَّ بِهِ الْغُولُ عَنِ الطَّرِيقِ يَدْعُوهُ أَصْحَابُهُ مِنْ أَهْلِ الرُّفْقَةِ هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، وَيَدْعُوهُ الْغُولُ [هَلُمَّ] (2) فَيَبْقَى حَيْرَانَ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَإِنْ أَجَابَ الْغُولَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ إِلَى الْهَلَكَةِ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّرِيقِ اهْتَدَى (3) . {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} يَزْجُرُ عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَا تَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ، لَا هُدَى غَيْرَهُ، {وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ} أَيْ: أَنْ نُسَلِّمَ، {لِرَبِ الْعَالَمِينَ} وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ وَأَنْ تَفْعَلَ وَبِأَنْ تَفْعَلَ. {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) } {وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ} أَيْ: وَأُمِرْنَا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّقْوَى، {وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

_ (1) في "ب": (متردين) . (2) زيادة من "ب". (3) انظر: تفسير الطبري: 11 / 452.

أَيْ: تُجْمَعُونَ فِي الْمَوْقِفِ لِلْحِسَابِ. {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} قِيلَ: الْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ: إِظْهَارًا لِلْحَقِّ لِأَنَّهُ جَعَلَ صُنْعَهُ دَلِيلًا عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، {وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ} قِيلَ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْخَلْقُ، بِمَعْنَى: الْقَضَاءِ وَالتَّقْدِيرِ، أَيْ كُلُّ شَيْءٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ قَالَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَامَةِ، يَدُلُّ عَلَى سُرْعَةِ أَمْرِ الْبَعْثِ وَالسَّاعَةِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَيَوْمَ يَقُولُ للخلق: موتوا فيمومون، وَقُومُوا فَيَقُومُونَ، {قَوْلُهُ الْحَقُّ} أَيِ: الصِّدْقُ الْوَاقِعُ لَا مَحَالَةَ، يُرِيدُ أَنَّ مَا وَعَدَهُ حَقٌّ كَائِنٌ، {وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} يَعْنِي: مُلْكُ الْمُلُوكِ يَوْمَئِذٍ زَائِلٌ، كَقَوْلِهِ: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، وَكَمَا قَالَ: "وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ"، وَالْأَمْرُ لَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَلَكِنْ لَا أَمْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَحَدٍ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ، وَالصُّورُ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَهَيْئَةِ الْبُوقِ، وَقِيلَ: هُوَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصُّورُ هُوَ الصُّوَرُ وَهُوَ جَمْعُ الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ أَبِي تَوْبَةَ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُحَارِبِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِسَائِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ] (1) بْنُ مَحْمُودٍ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَلَّالُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَسْلَمَ عَنْ بِشْرِ بْنِ شِغَافٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا الصُّورُ؟ قَالَ: "قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ" (2) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الصَّيْرَفِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْبِرْتِيُّ أَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ أَنَا سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ"؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (3) . وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ عَنْ عَطِيَّةَ: مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ.

_ (1) ساقط من "أ". (2) أخرجه الترمذي في القيامة، باب ما جاء في الصور: 7 / 117، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن سليمان التيمي، ولا نعرفه إلا من حديثه، وأخرجه أيضا في التفسير: 9 / 116. وأخرجه الدارمي في الرقاق، باب في نفخ الصور: 2 / 325، وصححه الحاكم: 2 / 506، و4 / 560 ووافقه الذهبي. وابن حبان ص (637) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 2 / 162، 196. (3) حديث صحيح أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب ما جاء في الصور: 7 / 117-118 وقال هذا حديث حسن، وقد روي من غير هذا الوجه عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوه، وأخرجه في تفسير سورة الزمر: 9 / 116، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: 4 / 559، وابن حبان ص (637) ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 374 من حديث زيد بن أرقم. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، وأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس ... وفي أسانيد كل منها مقال". وأخرجه المصنف في شرح السنة:" 15 / 103 وقال: هذا حديث حسن.

{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} يَعْلَمُ مَا غَابَ عَنِ الْعِبَادِ وَمَا يُشَاهِدُونَهُ، لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

74

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} قَرَأَ يَعْقُوبُ " آزَرُ " بِالرَّفْعِ، يَعْنِي: " آزَرُ " وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ لَا يَنْصَرِفُ فَيَنْتَصِبُ فِي مَوْضِعِ الْخَفْضِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالضَّحَّاكُ وَالْكَلْبِيُّ: آزَرُ اسْمُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ تَارِخُ أَيْضًا مِثْلُ إِسْرَائِيلَ وَيَعْقُوبَ وَكَانَ مِنْ كَوْثَى (1) قَرْيَةٍ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُ: آزَرُ لَقَبٌ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ، واسمه تارخ 120\أ وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: هُوَ سَبٌّ وَعَيْبٌ، وَمَعْنَاهُ فِي كَلَامِهِمُ الْمُعْوَجُّ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الشَّيْخُ الْهِمُّ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٌ: آزَرُ اسْمُ صَنَمٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ تَقْدِيرُهُ أَتَتَّخِذُ آزَرَ إِلَهَا، قَوْلُهُ {أَصْنَامًا آلِهَةً} دُونَ اللَّهِ، {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ} أَيْ: كَمَا أَرَيْنَاهُ الْبَصِيرَةَ فِي دِينِهِ، وَالْحَقَّ فِي خِلَافِ قَوْمِهِ، نريه {مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَالْمَلَكُوتُ: الْمُلْكُ، زِيدَتْ فِيهِ التَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، كَالْجَبَرُوتِ وَالرَّحَمُوتِ وَالرَّهَبُوتِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَعْنِي آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُقِيمَ عَلَى صَخْرٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشِ وَأَسْفَلَ الْأَرَضِينَ وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا" يَعْنِي: أَرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ [عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] (2) لَمَّا أُرِي إِبْرَاهِيمُ

_ (1) بالضم ثم السكون،والتاء مثلثة،وألف مقصورة،تكتب بالياء لأنها رابعة الاسم. انظر: معجم البلدان 40 / 487. (2) ساقط من "ب".

مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصَرَ رَجُلًا عَلَى فَاحِشَةٍ فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ أَبْصَرَ آخَرَ فَدَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، ثُمَّ أَبْصَرَ آخَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: "يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّكَ رَجُلٌ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، فَلَا تَدْعُوَنَّ عَلَى عِبَادِي فَإِنَّمَا أَنَا مِنْ عَبْدِي عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ إِمَّا أَنْ يَتُوبَ فَأَتُوبُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ أُخْرِجَ مِنْهُ نَسَمَةً تَعْبُدُنِي، وَإِمَّا أَنْ يُبْعَثَ إِلَيَّ فَإِنْ شِئْتُ عَفَوْتُ عَنْهُ، وَإِنْ شِئْتُ عَاقَبْتُهُ" وَفِي رِوَايَةٍ: "وَإِمَّا أَنْ يَتَوَلَّى فَإِنَّ جَهَنَّمَ مِنْ وَرَائِهِ" (1) . وَقَالَ قَتَادَةُ: مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، وَمَلَكُوتُ الْأَرْضِ الْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالْبِحَارُ. {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} عَطْفٌ عَلَى الْمَعْنَى، وَمَعْنَاهُ: نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِيَسْتَدِلَّ بِهِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} الْآيَةَ، قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي زَمَنِ نُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ، وَكَانَ نُمْرُودُ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَكَانَ لَهُ كُهَّانٌ وَمُنَجِّمُونَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ يُولَدُ فِي بَلَدِكَ هَذِهِ السَّنَةَ غُلَامٌ يُغَيِّرُ دِينَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَيَكُونُ هَلَاكُكَ وَزَوَالُ مُلْكِكَ عَلَى يَدَيْهِ، يُقَالُ: إِنَّهُمْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: رَأَى نُمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَبًا طَلَعَ فَذَهَبَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمَا ضَوْءٌ، فَفَزِعَ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَيَكُونُ هَلَاكُكَ وَهَلَاكُ مُلْكِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ عَلَى يَدَيْهِ، قَالُوا: فَأَمَرَ بِذَبْحِ كُلِّ غُلَامٍ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَمَرَ بِعَزْلِ الرِّجَالِ عَنِ النِّسَاءِ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةِ رِجَالٍ رَجُلًا فَإِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُجَامِعُونَ فِي الْحَيْضِ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَالَ بَيْنَهُمَا، فَرَجَعَ آزَرُ فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ فَوَاقَعَهَا، فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ (2) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: بَعَثَ نُمْرُودُ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حُبْلَى بِقَرْيَةٍ، فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِحَبَلِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، لَمْ يُعْرَفِ الْحَبَلُ فِي بَطْنِهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَ نُمْرُودُ بِالرِّجَالِ إِلَى مُعَسْكَرٍ وَنَحَّاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ تَخَوُّفًا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْلُودِ أَنْ

_ (1) قال السيوطي في الدر المنثور: 3 / 302 "أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب. وشهر: صدوق كثير الأوهام. (2) انظر: الدر المنثور: 3 / 304. ونذكر هنا مرة أخرى: أن هذه التفصيلات التي ساقها المصنف رحمه الله لم يرد فيها نص صحيح يجب المصير إليه، ولا يتوقف فهم الآيات على هذه الروايات والأخبار.

يَكُونَ، فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَأْتَمِنْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا آزَرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَدَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي حَاجَةً أَحْبَبْتُ أَنْ أُوصِيَكَ بِهَا وَلَا أَبْعَثُكَ إِلَّا لِثِقَتِي بِكَ، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَدْنُوَ مِنْ أَهْلِكَ، فَقَالَ آزَرُ: أَنَا أَشَحُّ عَلَى دِينِي مِنْ ذَلِكَ، فَأَوْصَاهُ بِحَاجَتِهِ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أَهْلِي فَنَظَرْتُ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى أُمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَاقَعَهَا، فَحَمَلَتْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْكُهَّانُ لِنُمْرُودَ: إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ بِهِ قَدْ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ، فَأَمَرَ نُمْرُودُ بِذَبْحِ الْغِلْمَانِ، فَلَمَّا دَنَتْ وِلَادَةُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخَذَهَا الْمَخَاضُ خَرَجَتْ هَارِبَةً مَخَافَةَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا فَيَقْتُلَ وَلَدَهَا، فَوَضَعَتْهُ فِي نَهْرٍ يَابِسٍ ثُمَّ لَفَّتْهُ فِي خِرْقَةٍ وَوَضَعَتْهُ فِي حَلْفَاءَ، فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِأَنَّهَا وَلَدَتْ، وَأَنَّ الْوَلَدَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَانْطَلَقَ أَبُوهُ فَأَخَذَهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَبًا عِنْدَ نَهَرٍ، فَوَارَاهُ فِيهِ وَسَدَّ عَلَيْهِ بَابَهُ بِصَخْرَةٍ مَخَافَةَ السِّبَاعِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ فَتُرْضِعُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا وَجَدَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهَا فَوَلَدَتْ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَوْلُودِ، ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ وَرَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا ثُمَّ كَانَتْ تُطَالِعُهُ لِتَنْظُرَ مَا فَعَلَ فَتَجِدُهُ حَيًّا يَمُصُّ إِبْهَامَهَ. قَالَ أَبُو رَوْقٍ: وَقَالَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ذَاتَ يَوْمٍ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى أَصَابِعِهِ، فَوَجَدَتْهُ يَمُصُّ مِنْ أُصْبُعٍ مَاءً، وَمِنْ أُصْبُعٍ لَبَنًا، وَمِنْ أُصْبُعٍ عَسَلًا وَمِنْ أُصْبُعٍ تَمْرًا، وَمِنْ أُصْبُعٍ سَمْنًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ آزَرُ قَدْ سَأَلَ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَمْلِهَا مَا فَعَلَ؟ فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلَامًا فَمَاتَ، فَصَدَّقَهَا فَسَكَتَ عَنْهَا، وَكَانَ الْيَوْمُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي الشَّبَابِ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالسَّنَةِ فَلَمْ يَمْكُثْ إِبْرَاهِيمُ فِي الْمَغَارَةِ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى قَالَ لِأُمِّهِ أَخْرِجِينِي فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً فَنَظَرَ وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي لَرَبِّي الَّذِي مَا لِي إِلَهٌ غَيْرُهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَرَأَى كَوْكَبًا فَقَالَ: هَذَا رَبِّي، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بَصَرَهُ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ حَتَّى غَابَ، فَلَمَّا أَفَلَ، قَالَ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، ثُمَّ رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي وَأَتْبَعَهُ بِبَصَرِهِ حَتَّى غَابَ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ هَكَذَا إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ آزَرَ وَقَدِ اسْتَقَامَتْ وُجْهَتُهُ وَعَرَفَ رَبَّهُ وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَادِهِمْ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ ابْنُهُ وَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ ابْنُهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ فِي شَأْنِهِ فَسُرَّ آزَرُ بِذَلِكَ وَفَرِحَ فَرَحًا شَدِيدًا.

وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي السَّرَبِ سَبْعَ سنين، وقيل: ثلاثة عَشْرَةَ سنة، وقيل: سبعة عَشْرَةَ سَنَةً، قَالُوا: فَلَمَّا شَبَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي السَّرَبِ قَالَ لِأُمِّهِ: مَنْ رَبِّي؟ قَالَتْ: أَنَا، قَالَ: فَمَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: أَبُوكَ، قَالَ: فَمَنْ رَبُّ أَبِي؟ قَالَتْ: نُمْرُودُ، قَالَ: فَمَنْ رَبُّهُ؟ قَالَتْ لَهُ: اسْكُتْ فَسَكَتَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ الْغُلَامَ الَّذِي كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ يُغَيِّرُ دِينَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ ابْنُكَ، ثُمَّ أَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ، فَأَتَاهُ أَبُوهُ آزَرَ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا أَبَتَاهُ مَنْ رَبِّيَ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: وَمَنْ رَبُّ أُمِّي؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: وَمَنْ رَبُّكَ؟ قَالَ: نُمْرُودُ قَالَ: فَمَنْ رَبُّ نَمْرُودَ؟ فَلَطَمَهُ لَطْمَةً وَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ دَنَا مِنْ بَابِ السَّرَبِ فَنَظَرَ مِنْ خِلَالِ الصَّخْرَةِ فَأَبْصَرَ كَوْكَبًا، قَالَ: هَذَا رَبِّي. وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ لِأَبَوَيْهِ أَخْرِجَانِي فَأَخْرَجَاهُ مِنَ السَّرَبِ وَانْطَلَقَا بِهِ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، فَنَظَرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْغَنَمِ، فَسَأَلَ أَبَاهُ مَا هَذِهِ؟ فقال: إبل 120/ب وَخَيْلٌ وَغَنَمٌ، فَقَالَ: مَا لِهَذِهِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا رَبٌّ وَخَالِقٌ، ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا الْمُشْتَرِي قَدْ طَلَعَ، وَيُقَالُ: الزُّهَرَةُ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَتَأَخَّرَ طُلُوعُ الْقَمَرِ فِيهَا، فَرَأَى الْكَوْكَبَ قَبْلَ الْقَمَرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} أَيْ: دَخْلَ، يُقَالُ: جَنَّ اللَّيْلُ وَأَجَنَّ اللَّيْلُ، وَجَنَّهُ اللَّيْلُ، وَأَجَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ يَجِنُّ جُنُونًا وَجِنَانًا إِذَا أَظْلَمَ وَغَطَّى كُلَّ شَيْءٍ، وَجُنُونُ اللَّيْلِ سَوَادُهُ، {رَأَى كَوْكَبًا} قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو (رَأَى) بِفَتْحِ الرَّاءِ وكسر الألف، وبكسرهما ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ، فَإِنِ اتَّصَلَ بِكَافٍ أَوْ هَاءٍ فَتْحَهُمَا ابْنُ عَامِرٍ، وَإِنْ لَقِيَهَا سَاكِنٌ كَسَرَ الرَّاءَ وَفَتَحَ الْهَمْزَةَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ، وَفَتَحَهُمَا الْآخَرُونَ. {قَالَ هَذَا رَبِّي} وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ: فَأَجْرَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الظَّاهِرِ، وَقَالُوا: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَرْشِدًا طَالِبًا لِلتَّوْحِيدِ حَتَّى وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَآتَاهُ رُشْدَهُ فَلَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ فِي حَالِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَيْضًا كَانَ ذَلِكَ في حال طفوليته قَبْلَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ كُفْرًا (1) . وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ رَسُولٌ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتٌ مِنَ الْأَوْقَاتِ إِلَّا وَهُوَ لِلَّهِ مُوَحِّدٌ وَبِهِ عَارِفٌ، وَمِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ بَرِيءٌ وَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ هَذَا عَلَى مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ وَطَهَّرَهُ وَآتَاهُ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَأَخْبَرَ عَنْهُ فَقَالَ: "إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (الصَّافَّاتُ، 84) وَقَالَ: "وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ"، أَفَتَرَاهُ أَرَاهُ الْمَلَكُوتَ لِيُوقِنَ فَلَمَّا أَيْقَنَ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ: هَذَا رَبِّيَ مُعْتَقِدًا؟ فَهَذَا مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. ثُمَّ قَالُوا: فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجَهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهَا: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدْرِجَ الْقَوْمَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَيُعَرِّفَهُمْ خَطَأَهُمْ وَجَهْلَهُمْ

_ (1) رجح هذا القول الطبري. وهو غير صحيح، فالراجح هو أن إبراهيم عليه السلام كان مناظرا لقومه في هذا. انظر: ابن كثير 2 / 152.

77

فِي تَعْظِيمِ مَا عَظَّمُوهُ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَيَرَوْنَ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهَا فَأَرَاهُمْ أَنَّهُ مُعَظِّمٌ مَا عَظَّمُوهُ وَمُلْتَمِسٌ الْهُدَى مِنْ حَيْثُ مَا الْتَمَسُوهُ، فَلَمَّا أَفَلَ أَرَاهُمُ النَّقْصَ الدَّاخِلَ عَلَى النُّجُومِ لِيُثْبِتَ خَطَأَ مَا يَدَّعُونَ، وَمَثَلُ هَذَا مَثَلُ الْحَوَارِيِّ الَّذِي وَرَدَ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الصَّنَمَ، فَأَظْهَرَ تَعْظِيمَهُ فَأَكْرَمُوهُ حَتَّى صَدَرُوا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ عَنْ رَأْيِهِ إِلَى أَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ فَشَاوَرُوهُ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ: الرَّأْيُ أَنْ نَدْعُوَ هَذَا الصَّنَمَ حَتَّى يَكْشِفَ عَنَّا مَا قَدْ أَظَلَّنَا، فَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ يَتَضَرَّعُونَ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَدْفَعُ دَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ فَدَعَوْهُ فَصَرَفَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ، فَأَسْلَمُوا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ التَّأْوِيلِ: أَنَّهُ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِفْهَامِ تَقْدِيرُهُ: أَهَذَا رَبِّي؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) (الْأَنْبِيَاءُ، 34) ؟ أَيْ: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ؟ وَذَكَرَهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْبِيخِ مُنْكِرًا لِفِعْلِهِمْ، يَعْنِي: وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ رَبًّا، أَيْ: لَيْسَ هَذَا رَبِّي. وَالْوَجْهُ الثَّالِثِ: أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ: هَذَا رَبِّي بِزَعْمِكُمْ؟ فَلَمَّا غَابَ قَالَ: لَوْ كَانَ إِلَهًا لَمَا غَابَ، كَمَا قَالَ: [ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ] (الدُّخَانُ، 49) ، أَيْ: عِنْدَ نَفْسِكَ وَبِزَعْمِكَ، وَكَمَا أَخْبَرَ عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ:] (1) (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ) (طه 97) يُرِيدُ إِلَهَكَ بِزَعْمِكَ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِيهِ إِضْمَارٌ وَتَقْدِيرُهُ يَقُولُونَ هَذَا رَبِّي، كَقَوْلِهِ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ، (الْبَقَرَةُ، 127) أَيْ: يَقُولُونَ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ} وَمَا لَا يَدُومُ. {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) } {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا} طَالِعًا، {قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي} قِيلَ: لَئِنْ لَمْ يُثَبِّتْنِي عَلَى الْهُدَى، لَيْسَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُهْتَدِيًا، وَالْأَنْبِيَاءُ لَمْ يَزَالُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى الثَّبَاتَ عَلَى

_ (1) ما بين القوسين زيادة من "ب".

80

الْإِيمَانِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} (إِبْرَاهِيمَ، 35) ، {لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ} أَيْ: عَنِ الْهُدَى. {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ} أَيْ: أَكْبَرُ مِنَ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ، وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الطَّالِعَ، أَوْ رَدَّهُ إِلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ الضِّيَاءُ وَالنُّورُ، لِأَنَّهُ رَآهُ أَضْوَأَ مِنَ النُّجُومِ وَالْقَمَرِ، {فَلَمَّا أَفَلَتْ} غَرَبَتْ، {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي} وَلَمَّا رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَبِيهِ، وَصَارَ مِنَ الشَّبَابِ بِحَالَةٍ سَقَطَ عَنْهُ طَمَعُ الذَّبَّاحِينَ، وَضَمَّهُ آزَرُ إِلَى نَفْسِهِ جَعَلَ آزَرُ يَصْنَعُ الْأَصْنَامَ وَيُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ لِيَبِيعَهَا، فَيَذْهَبُ بِهَا [إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ] (1) وَيُنَادِي مَنْ يَشْتَرِي مَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ، فَلَا يَشْتَرِيهَا أَحَدٌ، فَإِذَا بَارَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ بِهَا إِلَى نَهَرٍ [فَضَرَبَ] (2) فِيهِ رُءُوسَهَا، وَقَالَ: اشْرَبِي، اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ، وَبِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالَةِ، حَتَّى فَشَا اسْتِهْزَاؤُهُ بِهَا فِي قَوْمِهِ [وَأَهْلِ] (3) قَرْيَتِهِ، فَحَاجَّهُ أَيْ خَاصَمَهُ وَجَادَلَهُ قَوْمُهُ فِي دِينِهِ، {قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا إِدْغَامًا لِإِحْدَى النُّونَيْنِ فِي الْأُخْرَى، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ إِحْدَى النُّونَيْنِ تَخْفِيفًا يَقُولُ: أَتُجَادِلُونَنِي فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَقَدْ هَدَانِي لِلتَّوْحِيدِ وَالْحَقِّ؟ {وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: احْذَرِ الْأَصْنَامَ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ تَمَسَّكَ بِسُوءٍ مِنْ خَبَلٍ أَوْ جُنُونٍ لِعَيْبِكَ إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُمْ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا} وَلَيْسَ هَذَا بِاسْتِثْنَاءٍ عَنِ الْأَوَّلِ بَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ يَشَأْ رَبِّي شيئا أي سوء، فَيَكُونُ مَا شَاءَ، {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} أَيْ: أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب": (فصوّب) . (3) ساقط من "ب".

{وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ} يَعْنِي الْأَصْنَامَ، وَهِيَ لَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، {وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} حُجَّةً وَبُرْهَانًا، وَهُوَ الْقَاهِرُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ} أَوْلَى، {بِالْأَمْنِ} أَنَا وَأَهْلُ دِينِي أَمْ أَنْتُمْ؟ {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

82

{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) } فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَاضِيًا بَيْنَهُمَا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} لَمْ يَخْلِطُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ، {أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا إِسْحَاقُ ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ أَنَا الْأَعْمَشُ أَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: "يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" (1) ؟ (لُقْمَانَ، 13) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} حَتَّى خَصَمَهُمْ وَغَلَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ قَوْلُهُ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ الْحِجَاجَ الَّذِي حَاجَّ نُمْرُودَ عَلَى مَا سَبَقَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (2) . {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} بِالْعِلْمِ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ (دَرَجَاتٍ) بِالتَّنْوِينِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ يُوسُفَ، أَيْ: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِنْ نَشَاءُ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْعَقْلِ، كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَاتٍ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى اهْتَدَى وَحَاجَّ قَوْمَهُ فِي التَّوْحِيدِ، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}

_ (1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى "ولقد آتينا لقمان الحكمة ... " 6 / 465. (2) انظر فيما سبق تفسير الآية (258) .

85

{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا} 121\أووفقنا وَأَرْشَدْنَا. {وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ} أَيْ: مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ} أَيْ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَمْ يُرِدْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي جُمْلَتِهِمْ يُونُسَ وَلُوطًا وَلَمْ يَكُونَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ {دَاوُدَ} يَعْنِي: دَاوُدَ بْنَ أَيْشَا، {وَسُلَيْمَانَ} يَعْنِي ابْنَهُ، {وَأَيُّوبَ} وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ أَمُوصَ بْنِ رَازِحَ بْنِ رُومِ بْنِ عِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، {وَيُوسُفَ} هُوَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {وَمُوسَى} وَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ فَاهِثَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ. {وَهَارُونَ} هُوَ أَخُو مُوسَى أَكْبَرُ مِنْهُ بِسَنَةٍ، {وَكَذَلِكَ} أَيْ: وَكَمَا جَزَيْنَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى تَوْحِيدِهِ بِأَنْ رَفَعْنَا دَرَجَتَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ أَوْلَادًا أَنْبِيَاءَ أَتْقِيَاءَ كَذَلِكَ، {نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} عَلَى إِحْسَانِهِمْ، وَلَيْسَ ذِكْرُهُمْ عَلَى تَرْتِيبِ أَزْمَانِهِمْ. {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) } {وَزَكَرِيَّا} وَهُوَ زَكَرِيَّا بْنِ آذَنَ، {وَيَحْيَى} وَهُوَ ابْنُهُ، {وَعِيسَى} وَهُوَ ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، {وَإِلْيَاسَ} اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هُوَ إِدْرِيسُ، وَلَهُ اسْمَانِ مِثْلُ يَعْقُوبَ وَإِسْرَائِيلَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ فِي وَلَدِ نُوحٍ، وَإِدْرِيسُ جَدُّ أَبِي نُوحٍ وَهُوَ إِلْيَاسُ يَاسِينُ بْنُ فِنْحَاصَ بْنِ عِيزَارَ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ {كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} {وَإِسْمَاعِيلَ} وَهُوَ وَلَدُ إِبْرَاهِيمَ، {وَالْيَسَعَ} وَهُوَ ابْنُ أَخْطُوبَ بْنِ الْعَجُوزِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ " وَالَّيْسَعَ " بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْيَاءِ هُنَا وَفِي ص {وَيُونُسَ} وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، {وَلُوطًا} وَهُوَ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بن أَخِي إِبْرَاهِيمَ، {وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} أَيْ: عَالَمِي زَمَانِهِمْ. {وَمِنْ آبَائِهِمْ} مِنْ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّ آبَاءَ بَعْضِهِمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ، {وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أَيْ: وَمِنْ ذُرِّيَّاتِهِمْ. وَأَرَادَ بِهِ ذُرِّيَّةَ بَعْضِهِمْ: لِأَنَّ عِيسَى وَيَحْيَى لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَلَدٌ، وَكَانَ فِي ذُرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ مَنْ كَانَ

90

كَافِرًا، {وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ} اخْتَرْنَاهُمْ وَاصْطَفَيْنَاهُمْ، {وَهَدَيْنَاهُمْ} أَرْشَدْنَاهُمْ، {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ} دِينُ اللَّهِ، {يَهْدِي بِهِ} يُرْشِدُ بِهِ، {مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا} أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ، {لَحَبِطَ} لَبَطَلَ وَذَهَبَ، {عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} أَيِ: الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ، {وَالْحُكْمَ} يَعْنِي: الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ، {وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} الْكُفَّارُ يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} يَعْنِي: الْأَنْصَارَ وَأَهْلَ الْمَدِينَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ، يَعْنِي: الْأَنْبِيَاءَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ هَاهُنَا، وَقَالَ أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: مَعْنَاهُ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا أَهْلُ الْأَرْضِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا أَهْلَ السَّمَاءِ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ، لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ. {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) }

91

{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) } {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} أَيْ: هَدَاهُمُ اللَّهُ، {فَبِهُدَاهُمْ} فَبِسُنَّتِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ، {اقْتَدِهْ} الْهَاءُ فِيهَا هَاءُ الْوَقْفِ، وَحَذَفَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ الْهَاءَ فِي الْوَصْلِ، وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: " اقْتَدِهِ " بِإِشْبَاعِ الْهَاءِ كَسْرًا {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ} مَا هُوَ، {إِلَّا ذِكْرَى} أَيْ: تَذْكِرَةٌ وَعِظَةٌ، {لِلْعَالَمِينَ} قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَ قَدْرِهِ} أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَقِيلَ: مَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ، {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ يُخَاصِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ" وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا فَغَضِبَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ (1) .

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 521-522، والواحدي في أسباب النزول، ص (253) ، والبيهقي في الشعب عن كعب من قوله. ويروى عن مالك بن دينار قال: "قرأت في الحكمة: إن الله يبغض كل حبر سمين". وعزاه السيوطي لابن المنذر وابن أبي حاتم، واختصره ابن هشام في السيرة: 1 / 547. قال في المقاصد الحسنة: "ما علمته في المرفوع، نعم روى أحمد في المسند: 3 / 471، و4 / 339، والحاكم: 4 / 121-122 وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي بسند جيد عن جعدة الجشمي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر إلى رجل سمين، فأومأ إلى بطنه، وقال: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك". وعزاه المنذري في الترغيب: 3 / 138 لابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد جيد، والحاكم والبيهقي. وانظر أيضا: تمييز الطيب من الخبيث ص (53) ، كشف الخفاء: 1 / 289-290، مجمع الزوائد: 5 / 31، الدر المنثور: 3 / 314، سلسلة الضعيفة للألباني: 3 / 265-267.

وَقَالَ السُّدِّيُّ: نزلت في فنخاص بْنِ عَازُورَاءَ، وَهُوَ قَائِلٌ هَذِهِ الْمَقَالَةِ (1) . وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّ مَالِكَ بْنَ الصَّيْفِ لَمَّا سَمِعَتِ الْيَهُودُ مِنْهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ عَتَبُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: أَلَيْسَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؟ فَلِمَ قَلَتْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ أَغْضَبَنِي مُحَمَّدٌ فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ: وَأَنْتَ إِذَا غَضِبَتْ تَقُولُ [عَلَى اللَّهِ] (2) غَيْرَ الْحَقِّ فَنَزَعُوهُ مِنَ الْحَبْرِيَّةِ، وَجَعَلُوا مَكَانَهُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَتِ الْيَهُودُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ كِتَابًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ كِتَابًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ"، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ} لَهَمُ، {مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} (3) يَعْنِي التَّوْرَاةَ، {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} أَيْ: تَكْتُبُونَ عَنْهُ دَفَاتِرَ وَكُتُبًا مُقَطَّعَةً تُبْدُونَهَا، أَيْ: تُبْدُونَ مَا تُحِبُّونَ وَتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنْ نَعْتِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَةِ الرَّجْمِ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو " يَجْعَلُونَهُ " " وَيُبْدُونَهَا " " وَيُخْفُونَهَا "، بِالْيَاءِ جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} وَقَوْلُهُ {وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا} [الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا خِطَابٌ لِلْيَهُودِ، يَقُولُ: عُلِّمْتُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا] (4) {أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ} قَالَ الْحَسَنُ: جُعِلَ لَهُمْ عِلْمُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَيَّعُوهُ وَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا خِطَابٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُذَكِّرُهُمُ النِّعْمَةَ فِيمَا عَلَّمَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. {قُلِ اللَّهُ} هَذَا رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقُلْ أَنْتَ: اللَّهُ، أَيْ: قُلْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، {ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}

_ (1) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 522 وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. الدر المنثور: 3 / 314. (2) ساقط من "ب". (3) أخرجه الطبري: 11 / 523. (4) ما بين القوسين ساقط من "ب".

92

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) } {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} أَيِ: الْقُرْآنُ كِتَابٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ {مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ} يَا مُحَمَّدُ، قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمِ " وَلِيُنْذِرَ " بِالْيَاءِ أَيْ: وَلِيُنْذِرَ الْكِتَابُ، {أُمَّ الْقُرَى} يَعْنِي: مَكَّةَ سُمِّيَتْ أُمَّ الْقُرَى لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا، فَهِيَ أَصْلُ الْأَرْضِ كُلِّهَا كَالْأُمِّ أَصْلِ النَّسْلِ، وَأَرَادَ أَهْلَ أُمِّ الْقُرَى {وَمَنْ حَوْلَهَا} أَيْ: أَهْلَ الْأَرْضِ كُلِّهَا شَرْقًا وَغَرْبًا {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ} بِالْكِتَابِ، {وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ} يعني: الصلواات الْخَمْسِ، {يُحَافِظُونَ} يُدَاوِمُونَ، يَعْنِي: الْمُؤْمِنِينَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى} أَيِ: اخْتَلَقَ {عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فَزَعْمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَهُ نَبِيًّا، {أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ} قَالَ قَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الْحَنَفِيِّ، وَكَانَ يَسْجَعُ وَيَتَكَهَّنُ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا: أَتَشْهَدَانِ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ نَبِيٌّ؟ قَالَا نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" (1) . أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادَيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أُتِيتُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدِي سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا علي وأهمّاني 121/ب فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ" (2) أَرَادَ بِصَاحِبِ صَنْعَاءَ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ وَبِصَاحِبِ الْيَمَامَةَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ. .

_ (1) أخرجه البخاري في المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة: 8 / 89، وفي التعبير، ومسلم في الرؤيا، باب رؤيا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، برقم (2274) : 4 / 1781 عن أبي هريرة وعن ابن عباس. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 12 / 252. (2) أخرجه مسلم في الرؤيا: 4 / 1781، وعبد الرزاق: 11 / 99، والطبري: 11 / 535، وأبو داود: 4 / 64، وأحمد: 1 / 390.

94

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قِيلَ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ +إِذْ أَمْلَى عَلَيْهِ: سَمِيعًا بَصِيرًا، كَتَبَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَإِذَا قَالَ: عَلِيمًا حكِيمًا، كَتَبَ: غَفُورًا رَحِيمًا، فَلَمَّا نَزَلَتْ: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ" (الْمُؤْمِنُونَ، 12) أَمْلَاهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ تَفْصِيلِ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَقَالَ: تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اكْتُبْهَا فَهَكَذَا نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَالَ: لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا فَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ كَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِذْ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (1) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ {وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يُرِيدُ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَهُوَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِمْ: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَوْ تَرَى} يَا مُحَمَّدُ، {إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} سَكَرَاتِهِ وَهِيَ جَمْعُ غَمْرَةٍ، وَغَمْرَةُ كُلِّ شَيْءٍ: مُعْظَمُهُ، وَأَصْلُهَا: الشَّيْءُ الَّذِي [يَعُمُّ] (2) الْأَشْيَاءَ فَيُغَطِّيهَا، ثُمَّ وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ، {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} بِالْعَذَابِ وَالضَّرْبِ، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، وَقِيلَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، {أَخْرِجُوا} أَيْ: يَقُولُونَ أَخْرِجُوا، {أَنْفُسَكُمُ} أَيْ: أَرْوَاحَكُمْ كُرْهًا، لِأَنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ تَنْشَطُ لِلِقَاءِ رَبِّهَا، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، يَعْنِي: لَوْ تَرَاهُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَرَأَيْتَ عَجَبًا، {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} أَيِ: الْهَوَانِ، {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} تَتَعَظَّمُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَلَا تُصَدِّقُونَهُ. {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) } {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى} هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَقُولُ لِلْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى وُحْدَانًا، لَا مَالَ مَعَكُمْ وَلَا زَوْجَ وَلَا وَلَدَ وَلَا خَدَمَ، وَفُرَادَى جَمْعُ فَرْدَانَ، مِثْلُ سَكْرَانَ وَسُكَارَى، وَكَسْلَانَ وَكُسَالَى، وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ فَرْدَى بِغَيْرِ أَلْفٍ مِثْلُ سَكْرَى، {كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} عُرَاةً حُفَاةً غُرْلًا

_ (1) انظر: الطبري: 11 / 534، 535، أسباب النزول ص (254) ، الدر المنثور: 3 / 317. (2) في "ب": (يغمر) .

{وَتَرَكْتُمْ} خَلَّفْتُمْ {مَا خَوَّلْنَاكُمْ} أَعْطَيْنَاكُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالْخَدَمِ، {وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} خَلْفَ ظُهُورِكُمْ فِي الدُّنْيَا، {وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ} وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ اللَّهِ وَشُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَهُ، {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْكِسَائِيِّ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِنَصْبِ النُّونِ، أَيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْوَصْلِ، أَوْ تَقَطَّعَ الْأَمْرُ بَيْنَكُمْ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ "بَيْنُكُمْ" بِرَفْعِ النُّونِ، أَيْ: لَقَدْ تَقَطَّعَ [وَصْلُكُمْ] (1) وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: "وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ" (الْبَقَرَةِ، 166) ، أَيِ: الْوَصَلَاتُ، وَالْبَيْنُ مِنَ الْأَضْدَادِ يَكُونُ وَصْلًا وَيَكُونُ هَجْرًا، {وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}

_ (1) في "أ": (وصولكم) .

95

{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} الْفَلْقُ الشَّقُّ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ: مَعْنَاهُ يَشُقُّ الْحَبَّةَ عَنِ السُّنْبُلَةِ وَالنَّوَاةَ عَنِ النَّخْلَةِ فَيُخْرِجُهَا مِنْهَا، وَالْحَبُّ جَمْعُ الْحَبَّةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْبُذُورِ وَالْحُبُوبِ مِنَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَكُلِّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نَوًى، [وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَشُقُّ الْحَبَّةَ الْيَابِسَةَ وَالنَّوَاةَ الْيَابِسَةَ فَيُخْرِجُ مِنْهَا أَوْرَاقًا خُضْرًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي الشَّقَّيْنِ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا، أَيْ: يَشُقُّ الْحَبَّ عَنِ النَّبَاتِ وَيُخْرِجُهُ مِنْهُ وَيَشُقُّ النَّوَى عَنِ النَّخْلِ وَيُخْرِجُهَا مِنْهُ] (1) . وَالنَّوَى جَمْعُ النَّوَاةِ، وَهِيَ كُلُّ مَا لَمْ يَكُنْ حَبًّا، كَالتَّمْرِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهَا. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يَعْنِي: خَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} تُصْرَفُونَ عَنِ الْحَقِّ. {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} شَاقُّ عَمُودِ الصُّبْحِ عَنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَكَاشِفُهُ [وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَبْدُو مِنَ النَّهَارِ

_ (1) ساقط من "ب".

يُرِيدُ مُبْدِئَ الصُّبْحِ وَمُوَضِّحَهُ] (1) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: خَالِقُ النَّهَارِ، وَالْإِصْبَاحُ مَصْدَرٌ كَالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ، وَهُوَ الْإِضَاءَةُ وَأَرَادَ بِهِ الصُّبْحَ. {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} يَسْكُنُ فِيهِ خَلْقُهُ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ: " وَجَعَلَ " عَلَى الْمَاضِي، " اللَّيْلَ " نُصِبَ اتِّبَاعًا لِلْمُصْحَفِ، وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ} {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} أَيْ: جَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ لَا يُجَاوِزَانِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَا إِلَى أَقْصَى مَنَازِلِهِمَا، وَالْحُسْبَانُ مَصْدَرٌ كَالْحِسَابِ، {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} أَيْ خَلَقَهَا لَكُمْ، {لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النُّجُومَ لِفَوَائِدٍ: أَحَدُهَا هَذَا: وَهُوَ أَنَّ [رَاكِبَ الْبَحْرِ] (2) وَالسَّائِرَ فِي الْقِفَارِ يَهْتَدِي بِهَا فِي اللَّيَالِي إِلَى مَقَاصِدِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا زِينَةٌ لِلسَّمَاءِ كَمَا قَالَ: "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ" (الْمُلْكِ، 5) . وَمِنْهَا: رَمْيُ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَالَ: "وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ"، (الْمُلْكِ، 5) . {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ} خَلَقَكُمْ وَابْتَدَأَكُمْ، {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} يَعْنِي: آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ " فَمُسْتَقِرٌّ " بِكَسْرِ الْقَافِ، يَعْنِي: فَمِنْكُمْ مُسْتَقِرٌّ وَمِنْكُمْ مُسْتَوْدَعٌ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْقَافِ، أَيْ: فَلَكُمْ مُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَقَرِّ وَالْمُسْتَوْدَعِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَمُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ إِلَى أَنْ يُولَدَ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الْقَبْرِ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ: فَمُسْتَقَرٌّ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَهُوَ رِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَلْ تَزَوَّجْتَ قُلْتُ: لَا قَالَ: إِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ مُسْتَوْدَعٍ فِي ظَهْرِكِ فَيَسْتَخْرِجُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَرُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ قَالَ: مُسْتَقَرٌّ فِي أَصْلَابِ الْآبَاءِ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي أَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ. وَقِيلَ: مُسْتَقَرٌّ فِي الرَّحِمِ وَمُسْتَوْدَعٌ فَوْقَ الْأَرْضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ" (الْحَجِّ، 5) .

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب": (الراكب في البحر) .

99

وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسْتَقَرٌّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا وَمُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (الْبَقَرَةِ، 36) . وَقَالَ الْحَسَنُ: الْمُسْتَقَرُّ فِي الْقُبُورِ وَالْمُسْتَوْدَعُ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْتَ وَدِيعَةٌ فِي أَهْلِكَ وَيُوشِكُ أَنْ تَلْحَقَ بِصَاحِبِكَ. وَقِيلَ: الْمُسْتَوْدَعُ الْقَبْرُ وَالْمُسْتَقَرُّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: "حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا" (الْفُرْقَانِ، 76) "وساءت مُسْتَقَرًّا" (الْفُرْقَانِ، 66) ، {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) } {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ} أَيْ: بِالْمَاءِ، {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ} أَيْ مِنَ الْمَاءِ، وَقِيلَ: مِنَ النَّبَاتِ، {خَضِرًا} يَعْنِي: أَخْضَرَ، مِثْلُ الْعَوِرِ وَالْأَعْوَرِ، يَعْنِي: مَا كَانَ رَطْبًا أَخْضَرَ مِمَّا يَنْبُتُ مِنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِهِمَا، {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا} أَيْ مُتَرَاكِمًا بَعْضُهُ على بعض 122\أمِثْلُ سَنَابِلِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ، {وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا} وَالطَّلْعُ أَوَّلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ، {قِنْوَانٌ} جَمْعُ قِنْوٍ وَهُوَ الْعِذْقُ، مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوَانٍ، وَلَا نَظِيرَ لَهُمَا فِي الْكَلَامِ، {دَانِيَةٌ} أَيْ: قَرِيبَةُ الْمُتَنَاوَلِ يَنَالُهَا الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُتَدَلِّيَةٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: قِصَارٌ مُلْتَزِقَةٌ بِالْأَرْضِ، وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَعْنَاهُ: وَمِنَ النَّخْلِ مَا قِنْوَانُهَا دَانِيَةٌ وَمِنْهَا مَا هِيَ بَعِيدَةٌ، فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْقَرِيبَةِ عَنِ الْبَعِيدَةِ لِسَبْقِهِ إِلَى الْأَفْهَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ" (النَّمْلِ، 81) يَعْنِي: الْحَرَّ وَالْبَرْدَ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ} أَيْ: وَأَخْرَجْنَا مِنْهُ جَنَّاتٍ، وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَاصِمٍ " وَجَنَّاتٌ " بِالرَّفْعِ نَسَقًا عَلَى قَوْلِهِ " قِنْوَانٌ " وَعَامَّةُ الْقُرَّاءِ عَلَى خِلَافِهِ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ} يَعْنِي: وَشَجَرَ الزَّيْتُونِ [وَشَجَرَ] (1) الرُّمَّانِ، {مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ مُشْتَبِهًا وَرَقُهَا مُخْتَلِفًا ثَمَرُهَا، لِأَنَّ وَرَقَ الزَّيْتُونِ يُشْبِهُ وَرَقَ الرُّمَّانِ، وَقِيلَ: مُشْتَبِهٌ فِي الْمَنْظَرِ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ، {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِضَمِّ الثَّاءِ وَالْمِيمِ، هَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَفِي "يس" عَلَى جَمْعِ

_ (1) ساقط من "ب".

100

الثِّمَارِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ [بِفَتْحِهِمَا] (1) عَلَى جَمْعِ الثَّمَرَةِ، مِثْلُ: بَقَرَةٍ وَبَقَرٍ، {إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} وَنُضْجِهِ وَإِدْرَاكِهِ، {إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) }

_ (1) ساقط من "ب".

102

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} يَعْنِي: الْكَافِرِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ الْجِنَّ شُرَكَاءَ، {وَخَلَقَهُمْ} يَعْنِي: وَهُوَ خَلَقَ الْجِنَّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ، أَثْبَتُوا الشَّرِكَةَ لِإِبْلِيسَ فِي الْخَلْقِ، فَقَالُوا: [اللَّهُ خَالِقُ] (1) النُّورَ وَالنَّاسَ وَالدَّوَابَّ وَالْأَنْعَامَ، وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الظُّلْمَةِ وَالسِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: "وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا"، (الصَّافَاتِ، 158) وَإِبْلِيسُ مِنَ الْجِنَّةِ، {وَخَرَقُوا} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ "وَخَرَّقُوا"، بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيِ: اخْتَلَقُوا {لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الْيَهُودِ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَقَوْلِ كُفَّارِ الْعَرَبِ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ فَقَالَ: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ: مُبْدِعُهُمَا لَا عَلَى مِثَالٍ سَبَقَ، {أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ} أَيْ: كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} زَوْجَةٌ، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} فَأَطِيعُوهُ، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} بِالْحِفْظِ لَهُ وَبِالتَّدْبِيرِ فِيهِ، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} الْآيَةَ، يَتَمَسَّكُ أَهْلُ الِاعْتِزَالِ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي نَفْيِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِيَانًا. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: إِثْبَاتُ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِيَانًا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"، (الْقِيَامَةِ، 23) ، وَقَالَ: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ"

_ (1) في "ب": (خَلَق اللهُ) .

103

(الْمُطَفِّفِينَ، 15) ، قَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِالْحِجَابِ، وَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ" (يُونُسَ، 26) ، وَفَسَّرَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ الْيَرْبُوعِيُّ أَنَا أَبُو شِهَابٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا" (2) . {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) } وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} عُلِمَ أَنَّ الْإِدْرَاكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ: الْوُقُوفُ عَلَى كُنْهِ الشَّيْءِ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ، وَالرُّؤْيَةُ: الْمُعَايَنَةُ، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَةُ بِلَا إِدْرَاكٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ مُوسَى "فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ: كَلَّا" (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ، 61) ، وَقَالَ "لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى" (سُورَةُ طه، 77) ، فَنَفَى الْإِدْرَاكَ مَعَ إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَجُوزُ أَنْ يُرَى مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ وَإِحَاطَةٍ كَمَا يُعْرَفُ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُحَاطُ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) ، (سُورَةُ طه، 110) ، فَنَفَى الْإِحَاطَةَ مَعَ ثُبُوتِ الْعِلْمِ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: كلت أبصار المخلوقبن عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ يُرَى فِي الْآخِرَةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا يَفُوتُهُ، {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: اللَّطِيفُ بِأَوْلِيَائِهِ [الْخَبِيرُ بِهِمْ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَى {اللَّطِيفِ} ] (3) الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ، وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الْمُوصِلُ الشَّيْءَ بِاللِّينِ وَالرِّفْقِ، وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الَّذِي يُنْسِي الْعِبَادَ ذُنُوبَهُمْ لِئَلَّا يَخْجَلُوا، وَأَصْلُ اللُّطْفِ دِقَّةُ النَّظَرِ فِي الْأَشْيَاءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ} يَعْنِي الْحُجَجَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا الْهُدَى

_ (1) انظر الروايات في الدر المنثور: 4 / 356-358. (2) قطعة من حديث، أخرجه البخاري في تفسير سورة (ق) : 8 / 597، وفي التوحيد، وفي مواقيت الصلاة. ومسلم في المساجد، باب فضل صلاة الصبح والعصر، برقم (633) : 1 / 439. والمصنف في شرح السنة: 2 / 224. (3) ما بين القوسين ساقط من "ب".

106

مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ} أَيْ: فَمَنْ عَرَفَهَا وَآمَنَ بِهَا فَلِنَفْسِهِ عَمِلَ، وَنَفْعُهُ لَهُ، {وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} أَيْ: مَنْ عَمِيَ عَنْهَا فَلَمْ يَعْرِفْهَا وَلَمْ يُصَدِّقْهَا فَعَلَيْهَا، أَيْ: فَبِنَفْسِهِ ضَرَّ، وَوَبَالُ الْعَمَى عَلَيْهِ، {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} بِرَقِيبٍ أُحْصِي عَلَيْكُمْ أَعْمَالَكُمْ، إِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ إِلَيْكُمْ أُبْلِغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَهُوَ الْحَفِيظُ عَلَيْكُمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِكُمْ. {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ} نُفَصِّلُهَا وَنُبَيِّنُهَا فِي كُلِّ وَجْهٍ، {وَلِيَقُولُوا} قِيلَ: مَعْنَاهُ لِئَلَّا يَقُولُوا، {دَرَسْتَ} وَقِيلَ: هَذِهِ اللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ أَيْ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ يَقُولُوا: دَرَسْتَ، أَيْ: قَرَأْتَ عَلَى غَيْرِكَ، وَقِيلَ: قَرَأْتَ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) ، (الْقَصَصِ، 8) ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلِيَقُولُوا يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ حِينَ تَقْرَأُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ دَرَسْتَ، أَيْ: تَعَلَّمْتَ مِنْ يَسَارٍ وَجَبْرٍ، كَانَا عَبْدَيْنِ مِنْ سَبْيِ الرُّومِ، ثُمَّ قَرَأَتْ عَلَيْنَا تَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الْكِتَابَ أَدْرُسُ دَرْسًا وَدِرَاسَةٌ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: يَقُولُونَ تَعَلَّمْتَ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو: "دَارَسْتَ" بِالْأَلِفِ، [أَيْ: قَارَأْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمُدَارَسَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، تَقُولُ:] (1) قَرَأْتَ عَلَيْهِمْ وَقَرَأُوا عَلَيْكَ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: "دَرَسَتْ" بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ التَّاءِ، أَيْ: هَذِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي تَتْلُوهَا عَلَيْنَا قَدِيمَةٌ، قَدْ دَرَسَتْ وَانْمَحَتْ، مِنْ قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الْأَثَرُ يَدْرُسُ دُرُوسًا. {وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَوْلِيَاءَهُ الَّذِينَ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، وَقِيلَ: يَعْنِي أَنَّ تَصْرِيفَ الْآيَاتِ لَيَشْقَى بِهِ قَوْمٌ وَيَسْعَدُ بِهِ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَمَنْ قَالَ دَرَسْتَ فَهُوَ شَقِّيٌّ وَمَنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَهُوَ سَعِيدٌ. {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) } {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ اعْمَلْ بِهِ، {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} فَلَا تُجَادِلْهُمْ.

_ (1) ساقط من "ب".

{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} أَيْ: لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ، {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} رَقِيبًا قَالَ عَطَاءٌ: وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تَمْنَعُهُمْ مِنِّي، أَيْ: لَمْ تُبْعَثْ لِتَحْفَظَ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْعَذَابِ إِنَّمَا بُعِثْتَ مُبَلِّغًا. {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} الآية 122/ب قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا نَزَلَتْ "إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ" (الْأَنْبِيَاءِ، 98) قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا مُحَمَّدُ لَتَنْتَهِينَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ قَالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرَنَّهُ أَنْ يَنْهَى عَنَّا ابْنَ أَخِيهِ فَإِنَّا نَسْتَحِي أَنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَانَ يَمْنَعُهُ عَمُّهُ فَلَمَّا مَاتَ قَتَلُوهُ. فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَبُو جَهْلٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُمَيَّةُ وَأُبَيُّ ابْنَا خَلَفٍ وَعُقْبَةُ [بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ] (1) الْبَخْتَرِيِّ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا وَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذَانَا وَآلِهَتَنَا، فَنُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهَاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنَا، وَلَنَدَعَنَّهُ وَإِلَهَهَ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَقُولُونَ نُرِيدُ أَنْ تَدَعَنَا وَآلِهَتَنَا وَنَدَعَكَ وَإِلَهَكَ، فَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذَا هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمُ الْعَرَبَ وَدَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمَ؟ " قَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَهَا وَعَشْرَةَ أَمْثَالِهَا، فَمَا هِيَ؟ قَالَ: "قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَأَبَوْا وَنَفَرُوا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: قُلْ غَيْرَهَا يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ: يَا عَمِّ مَا أَنَا بِالَّذِي أَقُولُ غَيْرَهَا وَلَوْ أَتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوهَا فِي يَدِي، فَقَالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنَا أَوْ لَنَشْتُمَنَّكَ وَلَنَشْتُمَنَّ مَنْ يَأْمُرُكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (2) يَعْنِي الْأَوْثَانَ، {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا} أَيِ: اعْتِدَاءً وَظُلْمًا، {بِغَيْرِ عِلْمٍ} وَقَرَأَ يَعْقُوبُ " عُدُوًّا " بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا تَسُبُّوا رَبَّكُمْ"، فَأَمْسَكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ. فَظَاهِرُ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَ نَهْيًا عَنْ سَبِّ الْأَصْنَامِ، فَحَقِيقَتُهُ النَّهْيُ عَنْ سَبِّ اللَّهِ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِذَلِكَ.

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي. انظر: الدر المنثور: 3 / 338-339، والواحدي في أسباب النزول ص (255) ، وانظر: الترمذي: 9 / 99-101 مع تحفة الأحوذي، تاريخ الطبري: 2 / 323-324، مجمع الزوائد: 6 / 15، تفسير الطبري: 12 / 34-35.

109

{كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [أَيْ: كَمَا زَيَّنَّا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَطَاعَةَ الشَّيْطَانِ بِالْحِرْمَانِ وَالْخِذْلَانِ، كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ] (1) مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ} وَيُجَازِيهِمْ، {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} الْآيَةَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَالْكَلْبِيُّ: قَالَتْ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصًى يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى فَأْتِنَا مِنَ الْآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ؟ قَالُوا: تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا أَوِ ابْعَثْ لَنَا بَعْضُ أَمْوَاتِنَا حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْكَ أَحَقٌّ مَا تَقُولُ أَمْ بَاطِلٌ، أَوْ أَرِنَا الْمَلَائِكَةَ يَشْهَدُونَ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنْ فَعَلْتُ بَعْضَ مَا تَقُولُونَ أَتُصَدِّقُونَنِي؟ قَالُوا: نَعَمْ وَاللَّهُ لَئِنْ فَعَلَتْ لَنَتَّبِعَنَّكَ أَجْمَعِينَ، وَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْزِلَهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُؤْمِنُوا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّفَا ذَهَبًا فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ لَهُ: اخْتَرْ مَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ ذَهَبًا وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يُصَدِّقُوا عَذَّبْتُهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتُهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ يَتُوبُ تَائِبُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} (2) أَيْ: حَلَفُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ، أَيْ: بِجُهْدِ أَيْمَانِهِمْ، يَعْنِي أَوْكَدَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ وَأَشَدَّهَا. قَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ، فَهُوَ جَهْدُ يَمِينِهِ. {لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ} كَمَا جَاءَتْ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، {لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ} يَا مُحَمَّدُ، {إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ} وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِنْزَالِهَا، {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} وَمَا يُدْرِيكُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَقْسَمُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه الطبري: 12 / 38، الواحدي ص (256) ، وانظر الدر المنثور: 3 / 340.

110

" إِنَّهَا " بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَقَالُوا: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} فَمَنْ جَعْلَ الْخِطَابَ لِلْمُشْرِكِينَ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا [الْمُشْرِكُونَ] (1) أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ آمَنْتُمْ؟ وَمَنْ جَعَلَ الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ مَعْنَاهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ آمَنُوا؟ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ حَتَّى يُرِيَهُمْ مَا اقْتَرَحُوا حَتَّى يُؤْمِنُوا فَخَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} وَهَذَا فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ [حَكَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "أَنَّهَا" بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَجَعَلُوا الْخِطَابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} (2) فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: {لَا} صِلَةٌ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتِ الْمُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ" (الْأَنْبِيَاءِ، 95) ، أَيْ: يَرْجِعُونَ وَقِيلَ: إِنَّهَا بِمَعْنَى لَعَلَّ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ، تَقُولُ الْعَرَبُ: اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ أَنَّكَ تَشْتَرِي شَيْئًا، أَيْ: لَعَلَّكَ، وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أَعَاذِلُ مَا يُدْرِيكَ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ (3) أَيْ: لَعَلَّ مَنِيَّتِي، وَقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ وَتَقْدِيرُهُ: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ [يُؤْمِنُونَ أَوْ لَا يُؤْمِنُونَ؟ وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ " لَا تُؤْمِنُونَ " بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ لِلْكَفَّارِ وَاعْتَبَرُوا بِقِرَاءَةِ أُبَيٍّ: إِذَا جَاءَتْكُمْ] (4) لَا تُؤْمِنُونَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، دَلِيلُهَا قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ: أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) }

_ (1) في "ب": (المؤمنون) . (2) زيادة من "ب". (3) انظر: جمهرة أشعار العرب: 2 / 509، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. لسان العرب مادة "أنن": 13 / 34. (4) ساقط من "ب".

111

{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) } {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي وَنَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ، فَلَوْ جِئْنَاهُمْ بِالْآيَاتِ الَّتِي سَأَلُوا مَا آمَنُوا بِهَا كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، أَيْ: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْآيَاتِ مِنَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يَعْنِي مُعْجِزَاتِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى (أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) ، (الْقَصَصِ، 48) ، وَفِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَا يُؤْمِنُونَ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ

112

ابْنِ عَبَّاسٍ: الْمَرَّةُ الْأُولَى دَارُ الدُّنْيَا، يَعْنِي لَوْ رُدُّوا مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ مَمَاتِهِمْ، كَمَا قَالَ: "وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ" (الْأَنْعَامِ، 28) {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} قَالَ عَطَاءٌ: نَخْذُلُهُمْ وَنَدَعُهُمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ. {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ} فَرَأَوْهُمْ عِيَانًا، {وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى} بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ فَشَهِدُوا لَكَ بِالنُّبُوَّةِ كَمَا سَأَلُوا، {وَحَشَرْنَا} وَجَمَعْنَا، {عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَابْنُ عَامِرٍ " قِبَلَا " بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ مُعَايَنَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ، هُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ، وَهُوَ الْكَفِيلُ، مِثْلُ رَغِيفٍ وَرُغُفٍ، وقضيب وقُضُب 123\أأَيْ: ضُمَنَاءُ وَكُفَلَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ قَبِيلٍ وَهُوَ الْقَبِيلَةُ، أَيْ: فَوْجًا فَوْجًا، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَتَيْتُكَ قُبَلًا لَا دُبُرًا إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ، {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} ذَلِكَ، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) } {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا} أَيْ: أَعْدَاءً فِيهِ تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي كَمَا ابْتَلَيْنَاكَ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ قَبْلَكَ أَعْدَاءً، ثُمَّ فَسَّرَهُمْ فَقَالَ: {شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ} قَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ: مَعْنَاهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ الَّتِي مَعَ الْإِنْسِ، وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ الَّتِي مَعَ الْجِنِّ، وَلَيْسَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينٌ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ جَعَلَ جُنْدَهُ فَرِيقَيْنِ فَبَعَثَ فَرِيقًا مِنْهُمْ إِلَى الْإِنْسِ وَفَرِيقًا مِنْهُمْ إِلَى الْجِنِّ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ أَعْدَاءٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَوْلِيَائِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَلْتَقُونَ فِي كُلِّ حِينٍ، فَيَقُولُ [شَيْطَانُ] (1) الْإِنْسِ [لِشَيْطَانِ] الْجِنِّ: أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا فَأَضِلَّ صَاحِبَكَ بِمِثْلِهِ، وَتَقُولُ شَيَاطِينُ الْجِنِّ لِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ وَحْيُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ: إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينٌ كَمَا أَنَّ مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينٌ، وَالشَّيْطَانُ: الْعَاتِي الْمُتَمَرِّدُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، قَالُوا: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا أَعْيَاهُ الْمُؤْمِنُ وَعَجَزَ مِنْ إِغْوَائِهِ ذَهَبَ إِلَى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَهُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ فَأَغْرَاهُ بِالْمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ"؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟

_ (1) في الأصل "شياطين" في الموضعين.

114

قَالَ: "نَعَمْ، هُمْ شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ" (1) . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: إِنَّ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ، وَذَلِكَ أَنِّي إِذَا تَعَوَّذْتُ بِاللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطَانُ الْجِنِّ، وَشَيْطَانُ الْإِنْسِ يَجِيئُنِي فَيَجُرُّنِي إِلَى الْمَعَاصِي عِيَانًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} أَيْ: يُلْقِي، {زُخْرُفَ الْقَوْلِ} وَهُوَ قَوْلٌ مُمَوَّهٌ مُزَيَّنٌ بِالْبَاطِلِ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، {غُرُورًا} يَعْنِي: لِهَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ يُزَيِّنُونَ الْأَعْمَالَ الْقَبِيحَةَ لِبَنِي آدَمَ، يَغُرُّونَهُمْ غُرُورًا، وَالْغُرُورُ: الْقَوْلُ الْبَاطِلُ، {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} أَيْ: مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْوَسْوَسَةِ [فِي الْقُلُوبِ] (2) {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} أَيْ: تَمِيلُ إِلَيْهِ، وَالصَّغْوُ: الْمَيْلُ، يُقَالُ: صَغْوُ فُلَانٍ مَعَكَ، أَيْ: مَيْلُهُ، وَالْفِعْلُ مِنْهُ: صَغَى يُصْغِي، صَغًا، وَصَغَى يَصْغَى، وَيَصْغُو صَغْوًا، وَالْهَاءُ فِي "إِلَيْهِ" رَاجِعَةٌ إِلَى زُخْرُفِ الْقَوْلِ: {وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا} لِيَكْتَسِبُوا، {مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} يُقَالُ: اقْتَرَفَ فُلَانٌ مَالًا إِذَا اكْتَسَبَهُ، وَقَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً) (الشُّورَى، 23) ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ لِيَعْمَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ مَا هُمْ عَامِلُونَ. {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ} فِيهِ إِضْمَارٌ أَيْ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَفَغَيْرَ اللَّهِ، {أَبْتَغِي} أَطْلُبُ {حَكَمًا} قَاضِيًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حَكَمًا فَأَجَابَهُمْ بِهِ، {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} مُبَيَّنًا فِيهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ، يَعْنِي: الْقُرْآنَ، وَقِيلَ: مُفَصَّلًا أَيْ خَمْسًا خَمْسًا وَعَشْرًا وَعَشْرًا، كَمَا قَالَ: (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) (الْفُرْقَانَ، 32) ، {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}

_ (1) أخرجه النسائي في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الإنس: 8 / 275، دون قوله "هم شر من شياطين الجن"، والإمام أحمد في المسند: 1 / 265. (2) ساقط من "ب".

118

يَعْنِي: عُلَمَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ، وَقِيلَ: هُمْ مُؤْمِنُو أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: هُمْ رُءُوسُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ هُوَ الْقُرْآنُ، {يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ [وَحَفْصٌ] (1) " مُنَزَّلٌ " بِالتَّشْدِيدِ مِنَ التَّنْزِيلِ لِأَنَّهُ أُنْزِلَ نُجُومًا مُتَفَرِّقَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ"، {مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} مِنَ الشَّاكِّينَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَيَعْقُوبُ " كَلِمَةَ " عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (كَلِمَاتِ) بِالْجَمْعِ، وَأَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَوَعْدَهُ وَوَعِيدَهُ، {صِدْقًا وَعَدْلًا} أَيْ: صِدْقًا فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَعَدْلًا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: صَادِقًا فِيمَا وَعَدَ وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ، {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلَا مُغَيِّرَ لِحُكْمِهِ وَلَا خُلْفَ لِوَعْدِهِ، {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} قِيلَ: أَرَادَ بِالْكَلِمَاتِ الْقُرْآنَ لَا مُبَدِّلَ لَهُ، لَا يَزِيدُ فِيهِ الْمُفْتَرُونَ وَلَا يَنْقُصُونَ. {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْأَرْضِ كَانُوا عَلَى الضَّلَالَةِ، وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُمْ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَقَالُوا: أَتَأْكَلُونَ مَا تَقْتُلُونَ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} أَيْ: وَإِنْ تُطِعْهُمْ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} يُرِيدُ أَنَّ دِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ ظَنٌّ [وَهَوًى] (2) لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنْ بَصِيرَةٍ، {وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} يَكْذِبُونَ. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} قِيلَ: مَوْضِعُ "مَنْ" نَصْبٌ بِنَزْعِ حَرْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: بِمَنْ يَضِلُّ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُهُ رَفَعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَفَظُهَا لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ، وَالْمَعْنَى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ أَيُّ النَّاسِ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} أَخْبَرَ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْفَرِيقَيْنِ الضَّالِّينَ وَالْمُعْتَدِينَ فَيُجَازِي كُلًّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) }

_ (1) ساقط من "ب". (2) ساقط من "ب".

119

{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} أَيْ: كُلُوا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ، {إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}

120

وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ أَصْنَافًا مِنَ النَّعَمِ وَيُحِلُّونَ الْأَمْوَاتَ، فَقِيلَ لَهُمْ: أَحَلُّوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَحَرَّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ: {وَمَا لَكُمْ} يَعْنِي: أَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ، {أَلَّا تَأْكُلُوا} وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تَأْكُلُوا {مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} مِنَ الذَّبَائِحِ، {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيَعْقُوبُ وَحَفْصٌ " فَصَّلَ " وَ" حَرَّمَ " بِالْفَتْحِ فِيهِمَا أَيْ فَصَّلَ اللَّهُ مَا حَرَّمَهُ عَلَيْكُمْ، لِقَوْلِهِ {اسْمُ اللَّهِ} وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْحَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَالرَّاءِ عَلَى غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، لِقَوْلِهِ {ذُكِرَ} وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ " فَصَّلَ " بِالْفَتْحِ وَ" حُرِّمَ " بِالضَّمِّ، وَأَرَادَ بِتَفْصِيلِ الْمُحَرَّمَاتِ مَا ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ" (الْمَائِدَةِ، 3) ، {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَكُمْ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ، {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (لِيُضِلُّوا) فِي سُورَةِ يُونُسَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْبَحَائِرَ وَالسَّوَائِبَ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْفَتْحِ لِقَوْلِهِ: {مَنْ يَضِلُّ} {بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} حِينَ امْتَنَعُوا مِنْ أَكْلِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَعَوْا إِلَى أكل الميتة 123/ب {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} الَّذِينَ يُجَاوِزُونَ الْحَلَالَ إِلَى الْحَرَامِ. {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) } {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} يَعْنِي: الذُّنُوبَ كُلَّهَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، قَالَ قَتَادَةُ: عَلَانِيَتِهِ وَسِرِّهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ مَا يَعْمَلُهُ بِالْجَوَارِحِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبَاطِنُهُ مَا يَنْوِيهِ وَيَقْصِدُهُ بِقَلْبِهِ كَالْمُصِرِّ عَلَى الذَّنْبِ الْقَاصِدِ لَهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: ظَاهِرُهُ الزِّنَا وَبَاطِنُهُ الْمُخَالَةُ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْإِثْمِ الْإِعْلَانُ بِالزِّنَا، وَهُمْ أَصْحَابُ الرِّوَايَاتِ، وَبَاطِنَهُ الِاسْتِسْرَارُ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يُحِبُّونَ الزِّنَا فَكَانَ الشَّرِيفُ مِنْهُمْ يَتَشَرَّفُ، فَيُسِرُّ بِهِ، وَغَيْرُ الشَّرِيفِ لَا يُبَالِي بِهِ فَيُظْهِرُهُ، فَحَرَّمَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ وَبَاطِنُهُ الزِّنَا.

وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ التَّجَرُّدُ مِنَ الثِّيَابِ وَالتَّعَرِّي فِي [الطَّوَافِ] (1) وَالْبَاطِنُ الزِّنَا، وَرَوَى حِبَّانُ عَنِ الْكَلْبِيِّ: ظَاهِرُ الْإِثْمِ طَوَافُ الرِّجَالِ بِالْبَيْتِ نَهَارًا عُرَاةً، وَبَاطِنُهُ طَوَافُ النِّسَاءِ بِاللَّيْلِ عُرَاةً، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ} فِي الْآخِرَةِ، {بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} [يَكْتَسِبُونَ فِي الدُّنْيَا] (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَاتِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْمُنْخَنِقَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ الذَّبَائِحِ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا عَلَى اسْمِ الْأَصْنَامِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا: فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْرِيمِهَا سَوَاءً تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى تَحْلِيلِهَا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا لَا يَحِلُّ، وَإِنَّ تَرَكَهَا نَاسِيًا يَحِلُّ، حَكَى الْخِرَقِيُّ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ: أَنَّ هَذَا مَذْهَبُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. مَنْ أَبَاحَهَا قَالَ: الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ الْمَيْتَاتِ أَوْ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} وَالْفِسْقُ فِي ذِكْرِ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي آخِرِ السُّورَةِ {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} إِلَى قَوْلِهِ {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَهَا بِمَا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ يَأْتُونَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: اذْكُرُوا أَنْتُمُ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا" (3) . وَلَوْ كَانَتِ التَّسْمِيَةُ شَرْطًا لِلْإِبَاحَةِ لَكَانَ الشَّكُّ فِي وُجُودِهَا مَانِعًا مِنْ أَكْلِهَا كَالشَّكِّ فِي أَصْلِ [الذَّبْحِ] (4) .

_ (1) في "ب": (الطرقات) . (2) ساقط من "ب". (3) أخرجه البخاري في التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها: 13 / 379، وفي البيوع. والمصنف في شرح السنة: 11 / 194. (4) في "أ": (الذبائح) .

122

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} أَرَادَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوَسْوِسُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِيُجَادِلُوكُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّاةِ إِذَا مَاتَتْ مَنْ قَتَلَهَا؟ فَقَالَ: اللَّهُ قَتَلَهَا، قَالُوا: أَفَتَزْعُمُ أَنَّ مَا قَتَلْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ حَلَالٌ، وَمَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ وَالصَّقْرُ حَلَالٌ، وَمَا قَتَلَهُ اللَّهُ حَرَامٌ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ، {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ، {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} قَالَ الزَّجَّاجُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحَلَّ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ أَوْ حَرَّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ. {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} قَرَأَ نَافِعٌ " مَيِّتًا " وَ (لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتًا) (الْحُجُرَاتِ، 12) وَ (الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) (سُورَةُ يس، 33) بِالتَّشْدِيدِ فِيهِنَّ، وَالْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ {فَأَحْيَيْنَاهُ} أَيْ: كَانَ ضَالًّا فَهَدَيْنَاهُ، كَانَ مَيِّتًا بِالْكُفْرِ فَأَحْيَيْنَاهُ بِالْإِيمَانِ، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا} يَسْتَضِيءُ بِهِ، {يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} عَلَى قَصْدِ السَّبِيلِ، قِيلَ: النُّورُ هُوَ الْإِسْلَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى "يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" (الْبَقَرَةِ، 257) ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ كِتَابُ اللَّهِ بَيِّنَةٌ مِنَ اللَّهِ مَعَ الْمُؤْمِنِ، بِهَا يَعْمَلُ وَبِهَا يَأْخُذُ وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي، {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} الْمَثَلُ صِلَةٌ، أَيْ: كَمَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَاتِ، {لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} يَعْنِي: مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ. قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَنَا لَهُ نُورًا، يُرِيدُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ يُرِيدُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَرْثٍ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِمَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ وَهُوَ رَاجِعٌ مِنْ قَنْصِهِ وَبِيَدِهِ قَوْسٌ، وَحَمْزَةُ لَمْ يُؤْمِنْ بَعْدُ، فَأَقْبَلَ غَضْبَانَ حَتَّى عَلَا أَبَا جَهْلٍ بِالْقَوْسِ وَهُوَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا أَبَا يَعْلَى أَمَا تَرَى مَا جَاءَ بِهِ؟ سَفَّهَ عُقُولَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا وَخَالَفَ آبَاءَنَا، فَقَالَ حَمْزَةُ: وَمَنْ أَسْفَهُ مِنْكُمْ؟ تَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (1) . وَقَالَ الضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ فِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي جَهْلٍ (2) .

_ (1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (257-258) ، وذكر قصة إسلام حمزة: ابن هشام في السيرة 1 / 291-292، والحاكم في المستدرك: 3 / 192 ولم يذكرا أن الآية نزلت في هذا. (2) تفسير الطبري: 12 / 89، أسباب النزول ص (258) ، الدر المنثور: 3 / 352.

123

وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبِي جَهْلٍ (1) . {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا} أَيْ: كَمَا أَنَّ فُسَّاقَ مَكَّةَ أَكَابِرُهَا، كَذَلِكَ جَعَلْنَا فُسَّاقَ كَلِّ [قَرْيَةٍ] (2) أَكَابِرَهَا، أَيْ: عُظَمَاءَهَا، جَمْعُ أَكْبَرَ، مِثْلُ أَفْضَلَ وَأَفَاضِلَ، وَأَسُودَ وَأَسَاوِدَ، وَذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَتْبَاعَ الرُّسُلِ ضُعَفَاءَهُمْ، كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشُّعَرَاءِ، 111) ، وَجَعَلَ فُسَّاقَهُمْ أَكَابِرَهُمْ، {لِيَمْكُرُوا فِيهَا} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْلَسُوا عَلَى كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ مَكَّةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَنْ يُقْدِمُ: إِيَّاكَ وَهَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ كَاهِنٌ سَاحِرٌ كَذَّابٌ. {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} لِأَنَّ وَبَالَ مَكْرِهِمْ يَعُودُ عَلَيْهِمْ {وَمَا يَشْعُرُونَ} أَنَّهُ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} يَعْنِي: مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ: لَوْ كَانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أَوْلَى بِهَا مِنْكَ، لِأَنِّي أَكْبَرُ مِنْكَ سِنًّا وَأَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ (3) . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: زَاحَمَنَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فِي الشَّرَفِ حَتَّى إِنَّا صِرْنَا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَتَّبِعُهُ أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا وَحْيٌ كَمَا يَأْتِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ} (4) حُجَّةٌ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} يَعْنِي: مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

_ (1) أخرجه الطبري: 22 / 90، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: الدر المنثور: 3 / 352. (2) في "ب": (أمة) . (3) انظر: الدر المنثور: 3 / 353. (4) أخرج القصة ابن إسحاق، السيرة: 1 / 315-316، ولم يذكر أنها سبب لنزول الآية.

ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَفْصٌ رِسَالَتَهُ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ رِسَالَاتِهِ بِالْجَمْعِ، يَعْنِي: اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالرِّسَالَةِ. {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ} ذُلٌّ وَهَوَانٌ {عِنْدَ اللَّهِ} أَيْ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} 124\أقِيلَ: صَغَارٌ فِي الدُّنْيَا وَعَذَابٌ شَدِيدٌ فِي الْآخِرَةِ.

125

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} أَيْ: يَفْتَحْ قَلْبَهُ وَيُنَوِّرْهُ حَتَّى يَقْبَلَ الْإِسْلَامَ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرْحِ الصَّدْرِ، فَقَالَ: "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ فَيَنْشَرِحُ لَهُ وَيَنْفَسِحُ"، قِيلَ: فَهَلْ لِذَلِكَ [أَمَارَةٌ؟] (1) قَالَ: "نَعَمْ، الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ" (2) . قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ " ضَيْقًا " بِالتَّخْفِيفِ هَاهُنَا وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ: هَيْنٍ وَهَيِّنٍ وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، {حَرَجًا} قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَبُو بَكْرٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ أَيْضًا مِثْلُ: الدِّنَفِ وَالدَّنَفِ، وَقَالَ سِيبَوَيْهِ الْحَرَجُ بِالْفَتْحِ: الْمَصْدَرُ [كَالطَّلَبِ، وَمَعْنَاهُ ذَا حَرَجٍ] (3) وَبِالْكَسْرِ الِاسْمِ، وَهُوَ أَشَدُّ الضِّيقِ، يَعْنِي: يَجْعَلْ قَلْبَهُ ضَيِّقًا حَتَّى لَا يَدْخُلَهُ الْإِيمَانُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَيْسَ لِلْخَيْرِ فِيهِ مَنْفَذٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا سَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ اشْمَأَزَّ قَلْبُهُ، وَإِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ ارْتَاحَ إِلَى ذَلِكَ. وَقَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذِهِ الْآيَةَ، فَسَأَلَ أَعْرَابِيًّا مِنْ كِنَانَةَ: مَا الْحَرِجَةُ فِيكُمْ؟ قَالَ: الْحَرِجَةُ فِينَا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الْأَشْجَارِ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَيْهَا رَاعِيَةٌ وَلَا وَحْشِيَّةٌ وَلَا شَيْءٌ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ.

_ (1) في "ب": (من علامة) . (2) أخرجه الطبري: 12 / 98-102، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 257-258 قال البيهقي: "هذا منقطع". وانظر: الدر المنثور: 3 / 354. فقد عزاه لابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وضعفه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري. وقواه ابن كثير لتعدد طرقه: 2 / 176. (3) ساقط من "ب".

126

{كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: " يَصْعَدُ "، بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ " يَصَّاعَدُ " بِالْأَلِفِ، أَيْ يَتَصَاعَدُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {يَصَّعَّدُ} بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ، أَيْ: يَتَصَعَّدُ، يَعْنِي: يَشُقُّ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ كَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ صُعُودُ السَّمَاءِ، وَأَصْلُ الصُّعُودِ الْمَشَقَّةُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) أَيْ: عَقَبَةً شَاقَّةً، {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرِّجْسُ هُوَ الشَّيْطَانُ، أَيْ: يُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْمَأْثَمُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرِّجْسُ مَا لَا خَيْرَ فِيهِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الرِّجْسُ الْعَذَابُ مِثْلُ الرِّجْسِ. وَقِيلَ: هُوَ النَّجَسُ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: " [اللَّهُمَّ إِنِّي] (1) أَعُوذُ بِكَ مِنَ الرِّجْسِ +وَالنَّجَسِ" (2) . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الرِّجْسُ اللَّعْنَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابُ فِي الْآخِرَةِ. {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا} [أَيْ: هَذَا الَّذِي بَيَّنَّا، وَقِيلَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ طَرِيقُ رَبِّكَ وَدِينُهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ مُسْتَقِيمًا] (3) لَا عِوَجَ فِيهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ. {قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} يَعْنِي: الْجَنَّةَ: قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: السَّلَامُ هُوَ اللَّهُ وَدَارُهُ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: السَّلَامُ هُوَ السَّلَامَةُ، [أَيْ: لَهُمْ دَارُ السَّلَامَةِ] (4) مِنَ الْآفَاتِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ. وَسُمِّيَتْ دَارَ السَّلَامِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَهَا سَلِمَ مِنَ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا.

_ (1) زيادة من "ب". (2) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة، رقم (299) : 1 / 109، وقال في الزوائد: إسناده ضعيف، أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص (12) . من طريق إسماعيل بن رافع عن دريد بن نافع عن ابن عمر، وابن عساكر عن ابن مسعود. قال المنذري: "هذا حديث ضعيف" وقال العراقي: "إسماعيل مختلف فيه، ورواية دريد بن نافع عن ابن عمر منقطعة". انظر: فيض القدير للمناوي: 5 / 128 والذي ثبت في الصحيحين وفي السنن أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول إذا دخل الخلاء: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". (3) زيادة من "ب". (4) ساقط من "ب".

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ حَالَاتِهَا مَقْرُونَةٌ بِالسَّلَامِ، يُقَالُ فِي الِابْتِدَاءِ: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) (الْحِجْرِ، 46) ، (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) (الرَّعْدِ، 23) ، وَقَالَ: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) (الْوَاقِعَةِ، 26) ، وَقَالَ: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) (إِبْرَاهِيمَ، 23) (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (يس، 58) . {وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قَالَ [الْحُسَيْنُ] (1) بْنُ الْفَضْلِ: يَتَوَلَّاهُمْ فِي الدُّنْيَا بِالتَّوْفِيقِ وَفِي الْآخِرَةِ بِالْجَزَاءِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} قَرَأَ حَفْصٌ: {يَحْشُرُهُمْ} بِالْيَاءِ، {جَمِيعًا} يَعْنِي: الْجِنَّ وَالْإِنْسَ يَجْمَعُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ} وَالْمُرَادُ بِالْجِنِّ: الشَّيَاطِينُ، {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ} أَيِ: اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ بِالْإِضْلَالِ وَالْإِغْوَاءِ أَيْ: أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا، {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ} يَعْنِي: أَوْلِيَاءَ الشَّيَاطِينِ الَّذِي أَطَاعُوهُمْ مِنَ الْإِنْسِ، {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ} قَالَ الْكَلْبِيُّ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ هُوَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا سَافَرَ وَنَزَلَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْجِنِّ قَالَ: أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ، فَيَبِيتُ فِي جِوَارِهِمْ. وَأَمَّا اسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ: هُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا قَدْ سُدْنَا الْإِنْسَ مَعَ الْجِنِّ، حَتَّى عَاذُوا بِنَا فَيَزْدَادُونَ شَرَفًا فِي قَوْمِهِمْ وَعِظَمًا فِي أَنْفُسِهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الْجِنِّ، 6) . وَقِيلَ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ مَا كَانُوا يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَرَاجِيفِ وَالسِّحْرِ وَالْكَهَانَةِ وَتَزْيِينُهُمْ لَهُمُ الْأُمُورَ الَّتِي يَهْوُونَهَا، وَتَسْهِيلُ سَبِيلِهَا عَلَيْهِمْ، وَاسْتِمْتَاعُ الْجِنِّ بِالْإِنْسِ طَاعَةُ الْإِنْسِ لَهُمْ فِيمَا يُزَيِّنُونَ لَهُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمَعَاصِي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هُوَ طَاعَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَمُوَافَقَةُ بَعْضِهِمْ [لِبَعْضٍ] (2) . {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} يَعْنِي: الْقِيَامَةَ وَالْبَعْثَ، {قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} مَقَامُكُمْ، {خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: (خَالِدِينَ فِيهَا ما دامت السموات وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) (هُودٍ، 107) .

_ (1) في "ب": (الحسن) . (2) في "ب": (بعضا) .

129

قِيلَ: أَرَادَ إِلَّا قَدْرَ مُدَّةِ مَا بَيْنَ بَعْثِهِمْ إِلَى دُخُولِهِمْ جَهَنَّمَ، يَعْنِي: هُمْ خَالِدُونَ فِي النَّارِ إِلَّا هَذَا الْمِقْدَارَ. وَقِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَذَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ {النَّارُ مَثْوَاكُمْ} أَيْ: خَالِدِينَ فِي النَّارِ سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمٍ سَبَقَ فِيهِمْ عِلْمُ اللَّهِ أَنَّهُمْ يُسْلِمُونَ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، وَ"مَا" بِمَعْنَى "مَنْ" عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} قِيلَ: عَلِيمٌ بِالَّذِي اسْتَثْنَاهُ وَبِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) } {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [قِيلَ: أَيْ] (1) كَمَا خَذَلْنَا عُصَاةَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى اسْتَمْتَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا، أَيْ: نُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَنَأْخُذُ مِنَ الظَّالِمِ بِالظَّالِمِ، كَمَا جَاءَ: "مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ" (2) . وَقَالَ قَتَادَةُ: نَجْعَلُ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ، فَالْمُؤْمِنُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِ [أَيْنَ كَانَ] (3) وَالْكَافِرُ وَلِيُّ الْكَافِرِ حَيْثُ كَانَ. وَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: نُتْبِعُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فِي النَّارِ، مِنَ الْمُوَالَاةِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نُوَلِّي ظَلَمَةَ الْإِنْسِ ظَلَمَةَ الْجِنِّ، وَنُوَلِّي ظَلَمَةَ الْجِنِّ ظَلَمَةَ الْإِنْسِ، أَيْ: نَكِلُ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) (النِّسَاءِ، 115) ، وَرَوَى الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِهَا هُوَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ خَيْرًا وَلَّى أَمْرَهُمْ خِيَارَهُمْ، وَإِذَا أَرَادَ بِقَوْمٍ شَرًّا وَلَّى أَمْرَهُمْ شِرَارُهُمْ.

_ (1) في "ب": (يقول) . (2) قال في اللآلئ: "ذكره صاحب الفردوس بسنده من حدديث ابن مسعود" وقال في المقاصد الحسنة: رواه ابن عساكر في تاريخه عن ابن مسعود رفعه، وفيه: ابن زكريا العدوي، متهم بالوضع، فهو آفته. وأورده الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود. انظر: كشف الخفاء: 2 / 297-298، فيض القدير: 6 / 72، تمييز الطيب من الخبيث، ص (177) . (3) ساقط من "ب".

131

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْجِنَّ هَلْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ [رَسُولٌ] (1) ؟ فَسُئِلَ الضَّحَّاكُ عَنْهُ، فَقَالَ: بَلَى أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ يَقُولُ {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} يَعْنِي: بِذَلِكَ رُسُلًا مِنَ الْإِنْسِ وَرُسُلًا مِنَ الْجِنِّ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَتِ الرُّسُلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبْعَثُونَ إِلَى الْجِنِّ وَإِلَى الْإِنْسِ جَمِيعًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: الرُّسُلُ مِنَ الْإِنْسِ، وَالنُّذُرُ مِنَ الْجِنِّ، ثُمَّ قَرَأَ (وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (الْأَحْقَافُ، 29) ، وَهُمْ قَوْمٌ يَسْمَعُونَ كَلَامَ الرُّسُلِ فَيُبَلِّغُونَ الْجِنَّ مَا سَمِعُوا، وَلَيْسَ لِلْجِنِّ رُسُلٌ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ "رُسُلٌ مِنْكُمْ" يَنْصَرِفُ إِلَى أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَهُمُ الْإِنْسُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والمرجان) (الرحمن، 22) 124/ب وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ الْعَذْبِ، قَالَ: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) (نُوحٌ، 16) ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ. {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ} أي: يقرؤن عَلَيْكُمْ، {آيَاتِي} كُتُبِي {وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا} أَنَّهُمْ قَدْ بُلِّغُوا، قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوَارِحُهُمْ بِالشِّرْكِ وَالْكُفْرِ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} حَتَّى لَمْ يُؤْمِنُوا، {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) }

_ (1) في "ب": (رسل) .

132

{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) } {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الرُّسُلِ وَعَذَابِ مَنْ كَذَّبَهُمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، [أَيْ: لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَهُمْ بِظُلْمٍ] (1) أَيْ: بِشِرْكِ مِنْ أَشْرَكَ، {وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} لَمْ ينذروا حتى يبعث إِلَيْهِمْ رُسُلًا يُنْذِرُونَهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَمْ يُهْلِكْهُمْ بِذُنُوبِهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الرُّسُلُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَهُمْ دُونَ التَّنْبِيهِ وَالتَّذْكِيرِ بِالرُّسُلِ فَيَكُونُ قَدْ ظَلَمَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ

_ (1) زيادة من "ب".

135

تَعَالَى أَجْرَى السُّنَةَ أَنْ لَا يَأْخُذَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الذَّنْبِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُذْنِبًا إِذَا أُمِرَ فَلَمْ يَأْتَمِرْ وَنُهِيَ فَلَمْ يَنْتَهِ، يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ. {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} يَعْنِي فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا، فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ عَذَابًا وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَجْزَلُ ثَوَابًا، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ تَعْمَلُونَ بِالتَّاءِ وَالْبَاقُونَ بِالْيَاءِ. {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ} عَنْ خَلْقِهِ، {ذُو الرَّحْمَةِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: [ذُو الرَّحْمَةِ] (1) بِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: بِخَلْقِهِ ذُو التَّجَاوُزِ، {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يُهْلِكْكُمْ، وَعِيدٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ، {وَيَسْتَخْلِفْ} [يَخْلُقْ] (2) وَيُنْشِئْ، {مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} خَلْقًا غَيْرَكُمْ أَمْثَلَ وَأَطْوَعَ، {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} أَيْ: آبَائِهِمُ الْمَاضِينَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. {إِنَّ مَا تُوعَدُونَ} أَيْ: مَا تُوعَدُونَ مِنْ مَجِيءِ السَّاعَةِ وَالْحَشْرِ، {لَآتٍ} كَائِنٌ، {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} أَيْ: بِفَائِتِينَ، يَعْنِي: يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ. {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) } {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ} قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عن عاصم {مَكَانَتِكُمْ} بِالْجَمْعِ حَيْثُ كَانَ أَيْ: عَلَى تَمَكُّنِكُمْ، قَالَ عَطَاءٌ: عَلَى حَالَاتِكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: اعْمَلُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أُمِرَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى حَالَةٍ: عَلَى مَكَانَتِكَ يَا فُلَانُ، أَيْ: اثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب".

عَلَيْهِ، وَهَذَا أَمْرُ وَعِيدٍ عَلَى الْمُبَالَغَةِ يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ اعْمَلُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَامِلُونَ، {إِنِّي عَامِلٌ} مَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ} أَيِ: الْجَنَّةُ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: يَكُونُ بِالْيَاءِ هُنَا وَفِي الْقَصَصِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الْعَاقِبَةِ، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ لَا يَسْعَدُ مَنْ كَفَرَ بِي وَأَشْرَكَ. قَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يَفُوزُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} الْآيَةَ، كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَثِمَارِهِمْ وَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلْأَوْثَانِ نَصِيبًا فَمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ صَرَفُوهُ إِلَى الضِّيفَانِ وَالْمَسَاكِينِ، وَمَا جَعَلُوهُ لِلْأَصْنَامِ أَنْفَقُوهُ عَلَى الْأَصْنَامِ وَخَدَمِهَا، فَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي نَصِيبِ الْأَوْثَانِ تَرَكُوهُ وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذَا، وَإِنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنْ [نَصِيبِ] (1) الْأَصْنَامِ فِيمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إِلَى الْأَوْثَانِ، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ، وَكَانَ إِذَا هَلَكَ أَوِ انْتَقَصَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يُبَالُوا بِهِ، وَإِذَا هَلَكَ أَوِ انْتَقَصَ شَيْءٌ مِمَّا جَعَلُوا لِلْأَصْنَامِ جَبَرُوهُ بِمَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ} خَلَقَ {مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} وَفِيهِ اخْتِصَارٌ مَجَازُهُ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ نَصِيبًا وَلِشُرَكَائِهِمْ نَصِيبًا. {فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ} قَرَأَ الْكِسَائِيُّ (بِزُعْمِهِمْ) بِضَمِّ الزَّايِ، وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَهُوَ الْقَوْلُ مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ، {وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا} يَعْنِي: الْأَوْثَانَ، {فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ} وَمَعْنَاهُ: مَا قُلْنَا أَنَّهُمْ [كَانُوا يُتِمُّونَ مَا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ، وَلَا] (2) يُتِمُّونَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِمَّا جَعَلُوهُ لِلْأَوْثَانِ. وَقَالَ قَتَادَةُ كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ اسْتَعَانُوا بِمَا جَزَّءُوا لِلَّهِ وَأَكَلُوا مِنْهُ وَوَفَّرُوا مَا جَزَّءُوا لِشُرَكَائِهِمْ وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهُ [شَيْئًا] (3) {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} أَيْ: بِئْسَ مَا [يَصْنَعُونَ] (4) . {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} أَيْ: كَمَا زَيَّنَ لَهُمْ تَحْرِيمَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، {قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ شُرَكَاؤُهُمْ، أَيْ: شَيَاطِينُهُمْ زَيَّنُوا وَحَسَّنُوا لَهُمْ وَأْدَ الْبَنَاتِ خِيفَةَ الْعَيْلَةِ، سُمِّيَتِ الشَّيَاطِينُ شُرَكَاءَ لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَأُضِيفَ الشُّرَكَاءُ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوهَا. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: شُرَكَاؤُهُمْ: سَدَنَةُ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يُزَيِّنُونَ لِلْكُفَّارِ قَتَلَ الْأَوْلَادِ، فَكَانَ الرَّجُلُ

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب". (3) زيادة من "ب". (4) في "ب": (يقضون) .

مِنْهُمْ يَحْلِفُ لَئِنْ وُلِدَ له كذا غلاما لَيَنْحَرَنَّ أَحَدُهُمْ كَمَا حَلَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: "زُيِّنَ" بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِ الْيَاءِ، "قَتْلُ" رَفْعٌ "أَوْلَادَهُمْ" نَصْبٌ، "شُرَكَائِهِمْ" بِالْخَفْضِ عَلَى التَّقْدِيمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ شُرَكَائِهِمْ أَوْلَادَهُمْ، فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَهُمُ الْأَوْلَادُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَزَجَجْتُهُ مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ الْقَلُوصَ أَبِي مَزَادَهْ أَيْ: زَجَّ أَبِي مَزَادَةَ الْقَلُوصَ، فَأُضِيفُ الْفِعْلُ وَهُوَ الْقَتْلُ إِلَى الشُّرَكَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَلَّوْا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا ذَلِكَ وَدَعَوْا إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فَعَلُوهُ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {لِيُرْدُوهُمْ} لِيُهْلِكُوهُمْ، {وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ} لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ، {دِينَهُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِيُدْخِلُوا عَلَيْهِمُ الشَّكَّ فِي دِينِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ إِسْمَاعِيلَ فَرَجَعُوا عَنْهُ بِلَبْسِ الشَّيْطَانِ، {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ} أَيْ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَصَمَهُمْ حَتَّى مَا فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ وَقَتْلِ الْأَوْلَادِ، {فَذَرْهُمْ} يَا مُحَمَّدُ، {وَمَا يَفْتَرُونَ} يَخْتَلِقُونَ مِنَ الْكَذِبِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ.

138

{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) } {وَقَالُوا} يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ، {هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ} أَيْ حَرَامٌ، يَعْنِي: مَا جَعَلُوا لِلَّهِ وَلِآلِهَتِهِمْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ عَلَى مَا مَضَى ذِكْرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي بِالْأَنْعَامِ: الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، {لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ} يَعْنُونُ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ، {وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا} يَعْنِي: الْحَوَامِيَ كَانُوا لَا يَرْكَبُونَهَا، {وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا} أَيْ: يَذْبَحُونَهَا بِاسْمِ الْأَصْنَامِ لَا بَاسِمَ اللَّهِ، وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: مَعْنَاهُ لَا يَحُجُّونَ عَلَيْهَا وَلَا يَرْكَبُونَهَا لِفِعْلِ الْخَيْرِ، لِأَنَّهُ لَمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ عَبَّرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ. {افْتِرَاءً عَلَيْهِ} يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ {سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} أَيْ: نِسَائِنَا. قَالَ

140

ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ: أَرَادَ أَجِنَّةَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ، فَمَا وُلِدَ مِنْهَا حَيًّا فَهُوَ خَالِصٌ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَمَا وُلِدَ مَيِّتًا أَكَلَهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا، وَأَدْخَلَ الْهَاءَ فِي ال " خالصة " لِلتَّأْكِيدِ كَالْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: نَسَّابَةٌ وَعَلَّامَةٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أُدْخِلَتِ الْهَاءُ لِتَأْنِيثِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّ مَا فِي بُطُونِهَا مِثْلُهَا فَأُنِّثَتْ بِتَأْنِيثِهَا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: خَالِصٌ وَخَالِصَةٌ وَاحِدٌ، مِثْلُ وَعْظٍ وَمَوْعِظَةٌ. {وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ [وَأَبُو جَعْفَرٍ] (1) " تَكُنْ " بِالتَّاءِ {مَيْتَةٌ} رَفْعٌ، ذَكَرَ الْفِعْلَ بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، لِأَنَّ الْمَيْتَةَ فِي اللَّفْظِ مُؤَنَّثَةٌ. وَقَرَأَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ " تكن " بالتاء 125\أ {مَيْتَةً} نَصْبٌ، أَيْ: وَإِنْ تَكُنِ الْأَجِنَّةُ مَيْتَةً، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: {وَإِنْ يَكُنْ} بِالْيَاءِ {مَيْتَةٌ} رَفْعٌ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَيْتَةِ الْمَيِّتُ، أَيْ: وَإِنْ يَقَعْ مَا فِي الْبُطُونِ مَيِّتًا، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ {وَإِنْ يَكُنْ} بِالْيَاءِ {مَيْتَةً} نَصْبٌ، رَدَّهُ إِلَى {مَا} أَيْ: وَإِنْ يَكُنْ مَا فِي الْبُطُونِ مَيْتَةً، [يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ] (2) {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا، وَأَرَادَ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فِيهِ شُرَكَاءُ، {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أَيْ: بِوَصْفِهِمْ، أَوْ عَلَى وَصْفِهِمُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) } {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ " قَتَلُوا " بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى التَّكْثِيرِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّخْفِيفِ. {سَفَهًا} جَهْلًا. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} نَزَلَتْ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَبَعْضِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَانُوا يَدْفِنُونَ الْبَنَاتِ أَحْيَاءً مَخَافَةَ السَّبْيِ وَالْفَقْرِ، وَكَانَ بَنُو كِنَانَةَ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ (3) . {وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ} يَعْنِي: الْبَحِيرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، {افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ} حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهَا، {قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}

_ (1) في "ب": (وأبو حفص) . (2) ساقط من "ب". (3) الدر المنثور: 3 / 366.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ} ابْتَدَعَ. {جَنَّاتٍ} بَسَاتِينَ، {مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} أَيْ: +مَسْمُوكَاتٍ مَرْفُوعَاتٍ وَغَيْرَ مَرْفُوعَاتٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْرُوشَاتٍ: مَا انْبَسَطَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَانْتَشَرَ مِمَّا يُعَرِّشُ، مِثْلُ: الْكَرْمِ وَالْقَرْعِ وَالْبِطِّيخِ وَغَيْرِهَا، وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ. مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ وَبَسَقَ، مِثْلُ النَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَسَائِرِ الْأَشْجَارِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كِلَاهُمَا، الْكَرْمُ خَاصَّةً، مِنْهَا مَا عَرَّشَ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعَرِّشْ. {وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ} أَيْ: وَأَنْشَأَ النَّخْلَ وَالزَّرْعَ، {مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} ثَمَرُهُ وَطَعْمُهُ مِنْهَا الْحُلْوُ وَالْحَامِضُ وَالْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ، {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا} فِي الْمَنْظَرِ، {وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} فِي الْمَطْعَمِ مِثْلَ الرُّمَّانَتَيْنِ لَوْنُهُمَا وَاحِدٌ وَطَعْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ، {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} هَذَا أَمْرُ إِبَاحَةٍ. {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قَرَأَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ {حَصَادِهِ} بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، كَالصِّرَامِ وَالصَّرَامِ وَالْجَزَازِ وَالْجِزَازِ. وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْحَقِّ: فَقَالَ ابن عباس وطاووس وَالْحَسَنُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ مِنَ الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَحَمَّادٌ وَالْحَكَمُ: هُوَ حَقٌّ فِي الْمَالِ سِوَى الزَّكَاةِ، أَمَرَ بِإِتْيَانِهِ، لِأَنَّ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: هُوَ الضِّغْثُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: لُقَاطُ السُّنْبُلِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا [يُعَلِّقُونَ] (1) الْعِذْقَ عِنْدَ الصِّرَامِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ مَنْ مَرَّ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِذَا صَرَمُوا يَجِيئُونَ بِالْعِذْقِ فَيُعَلِّقُونَهُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَيَجِيءُ الْمِسْكِينُ فَيَضْرِبُهُ بِعَصَاهُ فَيَسْقُطُ مِنْهُ فَيَأْخُذُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ هَذَا حَقًّا يُؤْمَرُ بِإِتْيَانِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ فَصَارَ مَنْسُوخًا بِإِيجَابِ الْعُشْرِ. وَقَالَ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَسَخَتِ الزَّكَاةُ كُلَّ نَفَقَةٍ فِي الْقُرْآنِ. {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} قِيلَ: أَرَادَ بِالْإِسْرَافِ إِعْطَاءَ الْكُلِّ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ الْكَلْبِيِّ: إِنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ صَرَمَ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ وَقَسَّمَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَهْلِهِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ. (2)

_ (1) ساقط من "أ". (2) انظر: الدر المنثور: 3 / 369.

142

قَالَ السُّدِّيُّ: لَا تُسْرِفُوا أَيْ لَا تُعْطُوا أَمْوَالَكُمْ فَتُقْعُدُوا فُقَرَاءَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: عَلَى هَذَا إِذَا أَعْطَى الْإِنْسَانُ كُلَّ مَالِهِ وَلَمْ يُوَصِّلْ إِلَى عِيَالِهِ شَيْئًا فَقَدْ أَسْرَفَ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ "ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ" (1) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: مَعْنَاهُ لَا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ. فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا: لَا تَتَجَاوَزِ الْحَدَّ فِي الْبُخْلِ وَالْإِمْسَاكِ حَتَّى تَمْنَعُوا الْوَاجِبَ مِنَ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لَا تُشْرِكُوا الْأَصْنَامَ فِي الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا تُنْفِقُوا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْإِسْرَافُ مَا قَصَّرْتَ بِهِ عَنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَبَا لِرَجُلٍ فَأَنْفَقَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا وَلَوْ أَنْفَقَ دِرْهَمًا أَوْ مُدًّا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ مُسْرِفًا. وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: مَا جَاوَزْتَ بِهِ أَمْرَ اللَّهِ فَهُوَ سَرَفٌ وَإِسْرَافٌ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ. قَالَ: الْخِطَابُ لِلسَّلَاطِينِ، يَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا فَوْقَ حَقِّكُمْ. {وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) }

_ (1) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى: 3 / 294، ومسلم في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم (1034) : 2 / 717، والمصنف في شرح السنة: 5 / 178، 179.

143

{ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ} أَيْ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ، {حَمُولَةً} وَهِيَ كُلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا مِنَ الْإِبِلِ، {وَفَرْشًا} وَهِيَ الصِّغَارُ مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي لَا تَحْمِلُ. {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} لَا تَسْلُكُوا طَرِيقَهُ وَآثَارَهُ فِي تَحْرِيمِ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ، {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} ثُمَّ بَيَّنَ الْحَمُولَةَ وَالْفَرْشَ فَقَالَ: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} نَصْبُهَا عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْحَمُولَةِ وَالْفَرْشِ، أَيْ: وَأَنْشَأَ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ أَصْنَافٍ، {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} أَيِ: الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، [فَالذَّكَرُ زَوْجٌ وَالْأُنْثَى] (1) زَوْجٌ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَاحِدَ زَوْجًا إِذَا كَانَ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْآخَرِ، وَالضَّأْنُ النِّعَاجُ، وَهِيَ ذَوَاتُ الصُّوفِ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْوَاحِدُ ضَائِنٌ وَالْأُنْثَى ضَائِنَةٌ، وَالْجَمْعُ ضَوَائِنُ، {وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ "مِنَ الْمَعَزِ" بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَالْبَاقُونَ بِسُكُونِهَا، وَالْمَعْزُ وَالْمَعْزَى جَمْعٌ لَا

_ (1) ساقط من "ب".

144

وَاحِدَ لَهُ مَنْ لَفْظِهِ، وَهِيَ ذَوَاتُ الشَّعْرِ مِنَ الْغَنَمِ، وجمع الماعز مَعِيْر، وجميع الْمَاعِزَةِ مَوَاعِزُ، {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} اللَّهُ عَلَيْكُمْ، يَعْنِي ذَكَرَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، {أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ} يَعْنِي أُنْثَى الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، {أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} مِنْهُمَا، فَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، {نَبِّئُونِي} أَخْبِرُونِي {بِعِلْمٍ} قَالَ الزَّجَّاجُ: فَسِّرُوا مَا حَرَّمْتُمْ بِعِلْمٍ، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَمَ ذَلِكَ. {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) } {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ، وَقَالُوا: مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا، وَحَرَّمُوا الْبَحِيْرَةَ وَالسَّائِبَةَ وَالْوَصِيلَةَ وَالْحَامِ، وَكَانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَهَا عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَبَعْضَهَا عَلَى النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، فَلَمَّا قَامَ الْإِسْلَامُ وَثَبَتَتِ الْأَحْكَامُ جَادَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ خَطِيبَهُمْ مَالِكُ بْنُ عوف أبو الأحوض الْجُشَمِيِّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ [بَلَغَنَا] (1) أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ مِمَّا كَانَ آبَاؤُنَا يَفْعَلُونَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُمْ أَصْنَافًا مِنَ الْغَنَمِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ، وَإِنَّمَا خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَزْوَاجَ الثَّمَانِيَةَ لِلْأَكْلِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ هَذَا التَّحْرِيمُ؟ مَنْ قِبَلِ الذَّكَرِ أَمْ مِنْ قِبْلِ الْأُنْثَى"؟ فَسَكَتَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَتَحَيَّرَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ. فَلَوْ قَالَ جَاءَ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ الذُّكُورِ وَجَبَ أَنْ يُحَرِّمَ جَمِيعَ الذُّكُورِ، وَإِنْ قَالَ بِسَبَبِ الْأُنُوثَةِ وَجَبَ أَنْ يُحَرِّمَ جَمِيعَ الْإِنَاثِ، وَإِنْ كَانَ بِاشْتِمَالِ الرَّحِمِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمَ الْكُلَّ، لِأَنَّ الرَّحِمَ لَا يَشْتَمِلُ إِلَّا عَلَى ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، فَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ بِالْوَلَدِ الْخَامِسِ أَوِ السَّابِعِ أَوِ الْبَعْضِ دون البعض 125/ب فَمِنْ أَيْنَ؟.

_ (1) ساقط من "أ".

وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَالِكٍ: "يَا مَالِكُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ لَهُ مَالِكٌ: بَلْ تَكَلَّمْ وَأَسْمَعُ مِنْكَ". {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ} حُضُورًا {إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ} قِيلَ: أَرَادَ بِهِ: عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ يَكُونُ بِالْوَحْيِ وَالتَّنْزِيلِ، فَقَالَ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَالُوا: فَمَا الْمُحَرَّمُ إِذًا فَنَزَلَ: {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ {لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} أَيْ: شَيْئًا مُحَرَّمًا، {عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} آكِلٍ يَأْكُلُهُ، {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ "تَكُونَ" بِالتَّاءِ، {مَيْتَةٌ} رَفْعٌ أَيْ: إِلَّا أَنْ تَقَعَ مَيْتَةٌ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ " تَكُونَ " بِالتَّاءِ، {مَيْتَةً} نُصِبَ عَلَى تَقْدِيرِ اسْمٍ مُؤَنَّثٍ، أَيْ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ النَّفْسُ، أَوْ: الْجُثَّةُ مَيِّتَةً، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ "يَكُونَ" بِالْيَاءِ "مَيْتَةً" نَصْبٌ، يَعْنِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ [الْمَطْعُومُ] (1) مَيْتَةً، {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} أَيْ: مُهْرَاقًا سَائِلًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ مَا خَرَجَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَهُنَّ أَحْيَاءٌ وَمَا خَرَجَ مِنَ الْأَرْوَاحِ وَمَا يخرج من الأدواج عِنْدَ الذَّبْحِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، لِأَنَّهُمَا جَامِدَانِ، وَقَدْ جَاءَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِمَا، وَلَا مَا اخْتَلَطَ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ. قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ: سَأَلَتُ أَبَا مِجَلَزٍ عَمًّا يَخْتَلِطُ بِاللَّحْمِ مِنَ الدَّمِ، وَعَنِ الْقِدْرِ يُرَى فِيهَا حُمْرَةُ الدَّمِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا نَهَى عَنِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ بِالدَّمِ فِي عِرْقٍ أَوْ مُخٍّ، إِلَّا الْمَسْفُوحَ الَّذِي تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَاتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعُرُوقِ مَا يَتَّبِعُ الْيَهُودُ. {أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} حَرَامٌ، {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} وَهُوَ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى. فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مَقْصُورٌ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا: وَيَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ: الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ، وَمَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ (2) . وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالْمُحَرَّمُ بِنَصِّ الْكِتَابِ مَا ذُكِرَ هُنَا (3) .

_ (1) في "ب": (الطعام) . (2) راجع فيما سبق، تفسير الآية (3) من سورة المائدة - في هذا الجزء. ص (10-12) . (3) انظر: تفسير القرطبي: 7 / 116 وما بعدها، أحكام القرآن للطبري الهراس: 3 / 346-347.

146

ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: "قُلْ لا أجد فيما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا"، وَقَدْ حَرَّمَتِ السُّنَةُ أَشْيَاءَ يَجِبُ الْقَوْلُ بِهَا. مِنْهَا: مَا أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ ثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبِي أَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ" (1) . أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ ثَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" (2) . وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصُّ تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا أَمَرَ الشَّرْعُ بِقَتْلِهِ -كَمَا قَالَ: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ" (3) أَوْ نَهَى عَنْ قَتْلِهِ، كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ النَّحْلَةِ وَالنَّمْلَةِ -فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْأَغْلَبِ مِنْ عَادَاتِ الْعَرَبِ، فَمَا يَأْكُلُهُ الْأَغْلَبُ مِنْهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا لَا يَأْكُلُهُ الْأَغْلَبُ مِنْهُمْ فَهُوَ حَرَامٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ: (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا اسْتَطَابُوهُ فَهُوَ حَلَالٌ. {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَبَاحَ أَكْلَ هَذِهِ الْمُحْرِمَاتِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ فِي غَيْرِ الْعُدْوَانِ. {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا} يَعْنِي الْيَهُودَ، {حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَشْقُوقَ الْأَصَابِعِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مِثْلَ: الْبَعِيرِ وَالنَّعَامَةِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ، قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هُوَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ

_ (1) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع ... برقم (1934) : 3 / 1534. والمصنف في شرح السنة: 11 / 234. (2) أخرجه مسلم في الموضع السابق - برقم (1933) : 3 / 1534. والمصنف في الموضع نفسه. (3) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 4 / 34، ومسلم في الحج باب ما يندب للمحرم وغيره قتله، برقم (1198) : 2 / 856.

مِنَ الطَّيْرِ وَكُلُّ ذِي حَافِرٍ مِنْ [الدَّوَابِّ] (1) وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَالَ: سُمِّيَ الْحَافِرُ ظُفُرًا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ. {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} يَعْنِي شُحُومَ الْجَوْفِ، وَهِيَ الثُّرُوبُ، وَشَحْمُ الْكُلْيَتَيْنِ، {إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا} أَيْ: إِلَّا مَا عَلِقَ بِالظَّهْرِ وَالْجَنْبِ مِنْ دَاخِلِ بُطُونِهِمَا، {أَوِ الْحَوَايَا} وَهِيَ الْمَبَاعِرُ، وَاحِدَتُهَا: حَاوِيَةٌ وَحَوِيَّةٌ، أَيْ: مَا حَمَلَتْهُ الْحَوَايَا مِنَ الشَّحْمِ. {أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} يَعْنِي: شَحْمَ الْأَلْيَةِ، هَذَا كُلُّهُ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَالتَّحْرِيمُ مُخْتَصٌّ بِالثَّرْبِ (2) وَشَحْمِ الْكُلْيَةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا قُتَيْبَةُ أَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمَّعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ" فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهُمَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ" (3) . {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ} أَيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عُقُوبَةٌ لَهُمْ {بِبَغْيِهِمْ} أَيْ: بِظُلْمِهِمْ مِنْ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ وَصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَاسْتِحْلَالِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فِي الْإِخْبَارِ عَمَّا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ وَعَنْ بَغْيِهِمْ.

_ (1) في "أ": (السباع) . (2) الثرب: على وزن (فَلَس) : شحم رقيق على الكرش والأمعاء. (3) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الميتة والأصنام: 4 / 424، ومسلم في المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، برقم (1581) : 3 / 207. والمصنف في شرح السنة: 8 / 30.

147

{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) } {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْكُمْ، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ}

[عَذَابُهُ] (1) {عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} إِذَا جَاءَ وَقْتُهُ. {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} لَمَّا لَزِمَتْهُمُ الْحُجَّةُ وَتَيَقَّنُوا بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَتَحْرِيمِ مَا لَمْ يَحُرِّمْهُ اللَّهُ [قَالُوا] (2) {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا} مِنْ قَبْلُ، {وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} مَنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَغَيْرِهِمَا، أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا قَوْلَهُ: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} حُجَّةً لَهُمْ عَلَى إِقَامَتِهِمْ عَلَى الشِّرْكِ، وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ حَتَّى لَا نَفْعَلَهُ، فَلَوْلَا أَنَّهُ رَضِيَ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَأَرَادَهُ مِنَّا وَأَمَرَنَا بِهِ لَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، {حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} عَذَابَنَا. وَيَسْتَدِلُّ أَهْلُ الْقَدَرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: "كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ". قُلْنَا: التَّكْذِيبُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِمْ "لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا" بَلْ ذَلِكَ الْقَوْلُ صِدْقٌ وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِهَا وَرَضِيَ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ (الْآيَةَ 28) : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) ، فَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ وَرَدَ فِيمَا قُلْنَا لَا فِي قَوْلِهِمْ: "لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا"، قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} بالتشديد 126\أوَلَوْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ كَذِبِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} لَقَالَ كَذَبَ الَّذِينَ [مَنْ قَبْلِهِمْ] (3) بِالتَّخْفِيفِ فَكَانَ يَنْسِبُهُمْ إِلَى الْكَذِبِ لَا إِلَى التَّكْذِيبِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْفَضْلِ: لَوْ ذَكَرُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ تَعْظِيمًا وَإِجْلَالًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعْرِفَةً مِنْهُمْ بِهِ لَمَا عَابَهُمْ بِذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا} وَقَالَ: (وما كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) (الْأَنْعَامِ، 111) ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوهُ تَكْذِيبًا وَتَخَرُّصًا وَجَدَلًا مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِاللَّهِ وَبِمَا يَقُولُونَ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) (الزُّخْرُفِ، 20) ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الْأَنْعَامِ، 116) . وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْحَقَّ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهُ عُذْرًا لِأَنْفُسِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُ حُجَّةً لِأَنْفُسِهِمْ فِي تَرْكِ الْإِيمَانِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَإِنَّهُ مُرِيدٌ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ غَيْرُ آمِرٍ بِجَمِيعِ مَا يُرِيدُ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَتَّبِعَ أَمْرَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ

_ (1) زيادة من "ب". (2) زيادة من "ب". (3) ساقط من "ب".

149

بِمَشِيئَتِهِ، فَإِنَّ مَشِيئَتَهُ لَا تَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ. {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ} أَيْ: كِتَابٌ وَحُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ، {فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} حَتَّى يَظْهَرَ مَا تَدَّعُونَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الشِّرْكِ أَوْ تَحْرِيمِ مَا حَرَّمْتُمْ، {إِنْ تَتَّبِعُونَ} مَا تَتْبَعُونَ فِيمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، {إِلَّا الظَّنَّ} مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَيَقِينٍ، {وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} تَكْذِبُونَ. {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ} التَّامَّةُ عَلَى خَلْقِهِ بِالْكِتَابِ [وَالرَّسُولِ] (1) وَالْبَيَانِ، {فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشَأْ إِيمَانَ الْكَافِرِ، وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاهُ. {قُلْ هَلُمَّ} يُقَالُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ، {شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ} أَيِ: ائْتُوا بِشُهَدَائِكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ، {أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} هَذَا رَاجَعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَحْرِيمِهِمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِهِ، {فَإِنْ شَهِدُوا} كَاذِبِينَ، {فَلَا تَشْهَدْ} أَنْتَ، {مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} أَيْ: يُشْرِكُونَ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا وَقَالُوا: أَيُّ شَيْءٍ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى؟ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ" أَقْرَأْ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا يَقِينًا لَا ظَنًّا وَلَا كَذِبًا كَمَا تَزْعُمُونَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ "حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا" وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الشِّرْكُ لَا تَرْكُ الشِّرْكِ؟ .

_ (1) في "أ": (والرسل) .

قِيلَ: مَوْضِعُ " أَنْ " رَفْعٌ، مَعْنَاهُ هُوَ أَنْ لَا تُشْرِكُوا، وَقِيلَ: مَحَلُّهُ نَصُبٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ انْتِصَابِهِ، قِيلَ: مَعْنَاهُ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بِهِ، وَ"لَا" صِلَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (ما منعك أن لا تَسْجُدَ) (الْأَعْرَافِ، 12) ، أَيْ: مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ. وَقِيلَ: تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ "حَرَّمَ رَبُّكُمْ" ثُمَّ قال: عليكم أن لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا عَلَى الْإِغْرَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ هَذَا مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى، أَيْ: أَتْلُ عَلَيْكُمْ تَحْرِيمَ الشِّرْكِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى: أُوصِيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} فَقْرٍ، {نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} أَيْ: لَا تَئِدُوا بَنَاتِكُمْ خَشْيَةَ الْعَيْلَةِ، فَإِنِّي رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ، {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [مَا ظَهَرَ يَعْنِي: الْعَلَانِيَةَ، وَمَا بَطَنَ] (1) يَعْنِي: السِّرَّ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ الزِّنَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَلَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا فِي السِّرِّ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الزِّنَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَالسِّرِّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَا ظَهَرَ: الْخَمْرُ، وَمَا بَطَنَ: الزِّنَا. {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُعَاهِدِ إِلَّا بِالْحَقِّ، إِلَّا بِمَا يُبِيحُ قَتْلَهُ مِنْ رِدَّةٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ زِنًا يُوجِبُ الرَّجْمَ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِيُّ ثَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ" (2) . {ذَلِكُمُ} الَّذِي ذَكَرْتُ {وَصَّاكُمْ بِهِ} أَمَرَكُمْ بِهِ، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}

_ (1) ساقط من "ب". (2) أخرجه البخاري في الديات، باب قول الله تعالى: "أن النفس بالنفس.." 12 / 201، ومسلم في القسامة، باب بيان ما يباح به دم المسلم (1676) : 3 / 1302، والمصنف في شرح السنة: 10 / 147.

152

{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} يَعْنِي: بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَتَثْمِيرُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ:

153

هُوَ التِّجَارَةُ فِيهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ أَنْ يَبْتَغِيَ لَهُ فِيهِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ رِبْحِهِ شَيْئًا، {حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ: الْأَشُدُّ: الْحُلُمُ، حَتَّى يُكْتَبَ لَهُ الْحَسَنَاتُ [وَتُكْتَبَ عَلَيْهِ] (1) السَّيِّئَاتُ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: حَتَّى يَعْقِلَ وَتَجْتَمِعَ قُوَّتُهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: الْأَشُدُّ ما بين الثمانية عشر سَنَةً إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِلَى سِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشُدُّ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالْأَشُدُّ جَمْعُ شَدٍّ، مِثْلَ قَدٍّ وَأَقُدٍّ، وَهُوَ اسْتِحْكَامُ قُوَّةِ شَبَابِهِ وَسِنِّهِ، وَمِنْهُ شَدُّ النَّهَارِ وَهُوَ ارْتِفَاعُهُ. وَقِيلَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ أَنْ يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ عَلَى الْأَبَدِ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِ مَالَهُ إِنْ كَانَ رَشِيدًا. {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} بِالْعَدْلِ، {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أَيْ: طَاقَتَهَا فِي إِيفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، أَيْ: لَمْ يُكَلِّفِ الْمُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُكَلِّفْ صَاحِبَ الْحَقِّ الرِّضَا بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّهِ، حَتَّى لَا تَضِيقَ نَفْسُهُ عَنْهُ، بَلْ أَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا يَسَعُهُ مِمَّا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ. {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} فَاصْدُقُوا فِي الْحُكْمِ وَالشَّهَادَةِ، {وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} أَيْ: وَلَوْ كَانَ الْمَحْكُومُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ ذَا قُرَابَةٍ، {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تَتَّعِظُونَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ تَذَكَّرُونَ [خَفِيفَةَ] (2) الذَّالِ، كُلَّ الْقُرْآنِ، وَالْآخَرُونَ بِتَشْدِيدِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ مُحَكَمَاتٌ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ، لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ وَهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وَهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النَّارَ. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) } {وَأَنَّ هَذَا} أَيْ: هَذَا الَّذِي وَصَّيْتُكُمْ بِهِ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ {صِرَاطِي} طَرِيقِي وَدِينِي،

_ (1) ساقط من "ب". (2) في "ب": (بتخفيف) .

{مُسْتَقِيمًا} مُسْتَوِيًا قَوِيمًا، {فَاتَّبِعُوهُ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "وَإِنَّ" بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: بِفَتْحِ الْأَلِفِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْمَعْنَى وَأَتْلُ عَلَيْكُمْ أَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ: بِسُكُونِ النُّونِ. {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} أَيْ: الطُّرُقَ الْمُخْتَلِفَةَ الَّتِي عَدَا هَذَا الطَّرِيقِ، مِثْلَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَسَائِرِ الْمِلَلِ، وَقِيلَ: الْأَهْوَاءُ وَالْبِدَعُ، {فَتَفَرَّقَ} فَتَمِيلَ، {بِكُمْ} وَتَشَتَّتَ، {عَنْ سَبِيلِهِ} عَنْ طَرِيقِهِ وَدِينِهِ الَّذِي ارْتَضَى، وَبِهِ أَوْصَى، {ذَلِكُمْ} الَّذِي ذَكَرْتُ، {وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الترابي المعروف 126/ب بِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْهَيْثَمِ أَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ ثَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ ثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: "هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ" ثُمَّ قَرَأَ" "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ" الْآيَةَ. (1) قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قَالَ: "ثُمَّ آتَيْنَا" وَحَرْفُ "ثُمَّ" لِلتَّعْقِيبِ وَإِيتَاءُ مُوسَى الْكِتَابَ كَانَ قَبْلَ مَجِيءِ الْقُرْآنِ؟ قِيلَ: مَعْنَاهُ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ، فَدَخَلَ "ثُمَّ" لِتَأْخِيرِ الْخَبَرِ لَا لِتَأْخِيرِ النُّزُولِ. {تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} اخْتَلَفُوا فِيهِ، قِيلَ: تَمَامًا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ قَوْمِهِ، فَتَكُونُ "الَّذِي" بِمَعْنَى مَنْ، أَيْ: عَلَى مَنْ أَحْسَنَ مَنْ قَوْمِهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُوا" وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَحْسَنَ، أَيْ: أَتْمَمْنَا فَضِيلَةَ مُوسَى بِالْكِتَابِ عَلَى الْمُحْسِنِينَ، يَعْنِي: أَظْهَرْنَا فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ، وَالْمُحْسِنُونَ هُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَقِيلَ: "الَّذِي أَحْسَنَ" هُوَ مُوسَى، وَ"الَّذِي" بِمَعْنَى مَا، أَيْ: عَلَى مَا أَحْسَنَ مُوسَى، تَقْدِيرُهُ: آتَيْنَاهُ الْكِتَابَ، يَعْنِي التَّوْرَاةَ، إِتْمَامًا عَلَيْهِ لِلنِّعْمَةِ، لِإِحْسَانِهِ فِي الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَأَدَاءِ الْأَمْرِ. وَقِيلَ: الْإِحْسَانُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَأَحْسَنَ بِمَعْنَى عَلِمَ، وَمَعْنَاهُ: تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ مُوسَى

_ (1) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي: 1 / 67، والطبري في التفسير برقم (14168) ، وصححه الحاكم: 2 / 318، ووافقه الذهبي، وأخرجه أيضا الآجري في الشريعة ص (10) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1 / 80-81، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 13، والإمام أحمد في المسند 1 / 435. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 22: " رواه أحمد والبزار، وفيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف " وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 196-197 وانظر: تفسير ابن كثير: 2 / 191.

155

مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، أَيْ آتَيْنَاهُ الْكِتَابُ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ تَمَامًا مِنِّي عَلَى إِحْسَانِي إِلَى مُوسَى. {وَتَفْصِيلًا} بَيَانًا {لِكُلِّ شَيْءٍ} يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ، {وَهُدًى وَرَحْمَةً} هَذَا فِي صِفَةِ التَّوْرَاةِ، {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالْبَعْثِ وَيُصَدِّقُوا بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) } {وَهَذَا} يَعْنِي: الْقُرْآنَ، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ} وَاعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، {وَاتَّقُوا} وَأَطِيعُوا، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} {أَنْ تَقُولُوا} يَعْنِي: لِئَلَّا تَقُولُوا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا" (النِّسَاءِ، 176) ، أي: لئلا تضلا وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْزَلْنَاهُ كَرَاهَةَ {أَنْ تَقُولُوا} قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهُ اتَّقُوا أَنْ تَقُولُوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} يَعْنِي: الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، {وَإِنْ كُنَّا} وَقَدْ كُنَّا، {عَنْ دِرَاسَتِهِمْ} قِرَاءَتِهِمْ، {لَغَافِلِينَ} لَا نَعْلَمُ مَا هِيَ، مَعْنَاهُ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْقُرْآنَ لِئَلَّا تَقُولُوا إِنَّ الْكِتَابَ أُنْزِلَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ فَلَمْ نَعْرِفْ مَا فِيهِ وَغَفَلْنَا عَنْ دِرَاسَتِهِ، فَتَجْعَلُونَهُ عُذْرًا لِأَنْفُسِكُمْ. {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ قَالُوا ذَلِكَ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مَا أُنْزِلَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَكُنَّا خَيْرًا مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ بِلُغَةٍ تَعْرِفُونَهَا، {وَهُدًى} بَيَانٌ {وَرَحْمَةٌ} وَنِعْمَةٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ} أَعْرَضَ، {عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ} شِدَّةَ الْعَذَابِ {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} [يُعْرِضُونَ] (1) .

_ (1) ساقط من "ب".

158

{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) } قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ} أَيْ: هَلْ يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ وَإِنْكَارِهِمُ الْقُرْآنَ، {إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} لَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ، وَقِيلَ: بِالْعَذَابِ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ "يَأْتِيَهُمُ" بِالْيَاءِ هَاهُنَا وَفِي النَّحْلِ، وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} بِلَا كَيْفٍ، لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} يَعْنِي طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ وَرَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا (1) . {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} أَيْ: لَا يَنْفَعُهُمُ الْإِيمَانُ عِنْدَ ظُهُورِ الْآيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ، {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} يُرِيدُ: لَا يُقْبَلُ إِيمَانُ كَافِرٍ وَلَا تَوْبَةُ فَاسِقٍ {قُلِ انْتَظِرُوا} يَا أَهْلَ مَكَّةَ، {إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} بِكُمُ الْعَذَابَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ثَنَا مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعِينَ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا" (2) . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّالِحِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ أَنَا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمَّادٍ ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ الْأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَدَا اللَّهِ بُسْطَانِ لِمُسِيءِ اللَّيْلِ لِيَتُوبَ بِالنَّهَارِ، وَلِمُسِيءِ النَّهَارِ لِيَتُوبَ بِاللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (3) .

_ (1) أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قول الله تعالى: "أو يأتي بعض آيات ربك" قال: "طلوع الشمس من مغربها". قال الترمذي: هذا حديث غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، انظر: السنن، تفسير سورة الأنعام: 8 / 448-449. ويؤيد ما أخرجه أيضا عن أبي هريرة وهو الحديث الآتي بعده. (2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنعام، باب قوله تعالى: "هلم شهداءكم": 8 / 297 ومسلم في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان، برقم (157: 1 / 137. (3) أخرجه مسلم في التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، برقم (2759) : 4 / 2113، بلفظ: "إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب ... ". والمصنف في شرح السنة: 5 / 82.

159

أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُلَيْحِيُّ ثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الرَّيَّانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَنَا هِشَامٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (1) . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمُلَيْحِيُّ أَنَا أَبُو مَنْصُورٍ السَّمْعَانِيُّ أَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّيَّانِيُّ أَنَا حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ فَذَكَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَسِيرَةُ عَرْضِهِ سَبْعُونَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِهِ"، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: "يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ" (2) . وَرَوَى أَبُو حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: الدَّجَّالُ، وَالدَّابَّةُ، وَطُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا". (3) . {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: " فَارَقُوا "، بِالْأَلِفِ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ الرُّومِ، أَيْ: خَرَجُوا مِنْ دِينِهِمْ وَتَرَكُوهُ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "فَرَّقُوا" مُشَدَّدًا، أَيْ: جَعَلُوا دِينَ اللَّهِ وَهُوَ وَاحِدٌ -دِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْحَنِيفِيَّةَ -أَدْيَانًا مُخْتَلِفَةً، فَتَهَوَّدُ قَوْمٌ وَتَنَصَّرُ قَوْمٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَانُوا شِيَعًا} أَيْ: صَارُوا فِرَقًا مُخْتَلِفَةً وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ. وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

_ (1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء.. باب استحباب الاستغفار، برقم (2703) : 4 / 2076، والمصنف في شرح السنة 5 / 83. (2) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار: 9 / 517-519 مطولا، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها، برقم (4070) 2 / 1353، والطيالسي في المسند ص (160-161) ، والمصنف في شرح السنة: 5 / 89. (3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان، برقم (158) : 1 / 138.

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: "يا عائشة 127\أإِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا هُمْ أَصْحَابُ الْبِدَعِ وَالشُّبُهَاتِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (1) . حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ زِيَادُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْحَنَفِيُّ أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ الْأَزْهَرِيِّ بْنِ عَقِيلٍ الْفَقِيهُ الْبَلْخِيُّ أَنَا الرَّمَادِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَا ثَوْرُ بن يزيد نا خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا: فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فإن من يعيش مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ" (2) . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً"، قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي" (3) . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَإِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَُ

_ (1) عزاه ابن كثير لابن مردويه، وقال: "وهو غريب.. ولا يصح رفعه". ثم قال: "والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق". تفسير ابن كثير: 2 / 197. (2) أخرجه أبو داود في السنة، باب لزوم السنة: 7 / 11، وسكت عنه المنذري، وأخرجه الترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع: 7 / 437-442، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في المقدمة، برقم (42 و43) : 1 / 15-16، والدارمي في المقدمة: 1 / 44، وصححه ابن حبان ص (102) من موارد الظمآن، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 1 / 74-75، والآجري في الشريعة ص (46-47) ، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 17-19، وأخرجه الحاكم: 1 / 95 وقال: صحيح ليس له علة. والإمام أحمد: 4 / 126-127. والمصنف في شرح السنة: 1 / 205. (3) روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة بألفاظ مختلفة، فقد أخرجه أبو داود في السنة: 7 / 3-4، والترمذي في الإيمان، باب افتراق هذه الأمة: 7 / 397 وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن برقم (3991) : 2 / 1321، والدارمي في السير: 2 / 241، وابن حبان برقم (1834) من الموارد، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي: 1 / 128-129، والإمام أحمد في المسند: 2 / 232. وأخرجه أيضا ابن أبي عاصم في السنة: 1 / 7، واللالكائي: 1 / 100، والآجري في الشريعة ص (14-16) وانظر: الوصية الكبري لشيخ الإسلام ابن تيمية بتحقيقنا، ص (45-46) طبع مكتبة الصديق.

160

وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا" (1) . وَرَوَاهُ جَابِرٌ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} قبل: لَسْتَ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي شَيْءٍ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ (3) وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَمَنْ قَالَ: أَرَادَ بِالْآيَةِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: "لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ" أَيْ أَنْتَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَهُمْ مِنْكَ بُرَآءُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا فَلَسْتَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْكَ أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بَرِيءٌ مِنْ صَاحِبِهِ، {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ} يَعْنِي: فِي الْجَزَاءِ وَالْمُكَافَآتِ، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} إِذَا وَرَدُوا لِلْقِيَامَةِ. {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) } قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أَيْ: لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ أَمْثَالِهَا، وَقَرَأَ يَعْقُوبُ "عَشَرٌ" مُنَوَّنٌ، "أَمْثَالُهَا" بِالرَّفْعِ، {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ ثَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْقَطَّانُ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا

_ (1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بالسنن: 13 / 251. والمصنف في شرح السنة 1 / 211. قال ابن حجر في الفتح: "ظاهر سياق الحديث أنه موقوف، لكن القدر الذي له حكم الرفع منه، قوله: "وأحسن الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فإن فيه إخبارا عن صفة من صفاته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو أحد أقسام المرفوع، وقلّ من نبه على ذلك. وهو كالمتفق عليه لتخريج المصنفين المقتصرين على الأحاديث المرفوعة - الأحاديث الواردة في شمائله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن أكثرها يتعلق بصفة خلقه وذاته، كوجهه وشعره، وكذا بصفة خلقه كحلمه وصفحه. وهذا مندرج في ذلك، مع أن الحديث جاء عن ابن مسعود مصرحا فيه بالرفع من وجه آخر أخرجه أصحاب السنن، ولكنه ليس على شرط البخاري". (2) هذه الرواية أخرجها مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (867) : 2 / 592. والمصنف في شرح السنة: 1 / 211. وانظر فتح الباري: 13 / 253. (3) انظر فيما سبق التعليق على تفسير الآية (13) من سورة المائدة في هذا الجزء. ص (32-33) .

حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ" (1) . وَأَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ ثَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقْرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَمِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً" (2) . قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْآيَةُ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَأَمَّا الصَّدَقَاتُ تُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةَ ضِعْفٍ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قَيِّمًا} قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ "قِيَمًا" بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ خَفِيفَةً، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مُشَدَّدًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الْقَوِيمُ الْمُسْتَقِيمُ، وَانْتِصَابُهُ عَلَى مَعْنَى هَدَانِي دِينًا قَيِّمًا، {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} قِيلَ: أَرَادَ بِالنُّسُكِ الذَّبِيحَةَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نُسُكِي: حَجِّي، وَقِيلَ: دِينِي، {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} أَيْ: حَيَاتِي وَوَفَاتِي، {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ: هُوَ يُحْيِينِي وَيُمِيتُنِي، وَقِيلَ: مَحْيَايَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَمَمَاتِي إِذَا مِتُّ عَلَى الْإِيمَانِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ: طَاعَتِي فِي حَيَاتِي لِلَّهِ وَجَزَائِي بَعْدَ مَمَاتِي مِنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَرَأَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: "وَمَحْيَايْ" بِسُكُونِ الْيَاءِ وَ"مَمَاتِيَ" بِفَتْحِهَا، وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ "مَحْيَايَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ سَاكِنَانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} قَالَ قَتَادَةُ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ.

_ (1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب حسن إسلام المرء: 1 / 100، وبنحوه في التوحيد، ومسلم في الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همّ بسيئة لم تكتب، برقم (129) : 1 / 118-119، والمصنف في شرح السنة: 14 / 338. (2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء إلى الله تعالى، برقم (2687) : 4 / 2068، والمصنف في شرح السنة: 5 / 25-26.

164

{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) } {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَيِّدًا وَإِلَهًا {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْجِعْ إِلَى دِينِنَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ: اتَّبِعُوا سَبِيلِي أَحْمِلْ عَنْكُمْ أَوْزَارَكُمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} لَا تَجْنِي كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ إِثْمِهِ عَلَى الْجَانِي، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أَيْ لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ حِمْلَ أُخْرَى، أَيْ: لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} يَعْنِي: أَهْلَكَ أَهْلَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَأَوْرَثَكُمُ الْأَرْضَ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَجَعَلَكُمْ خَلَائِفَ مِنْهُمْ فِيهَا تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا وَتُعَمِّرُونَهَا بَعْدَهُمْ، وَالْخَلَائِفُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ كَالْوَصَائِفِ جَمْعُ وَصِيفَةٍ، وَكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ مَنْ مَضَى فَهُوَ خَلِيفَةٌ لِأَنَّهُ يَخْلُفُهُ. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أَيْ: خَالَفَ بَيْنَ أَحْوَالِكُمْ فَجَعَلَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ فِي الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْمَعَاشِ وَالْقُوَّةِ وَالْفَضْلِ، {لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} لِيَخْتَبِرَكُمْ فِيمَا رَزَقَكُمْ، يَعْنِي: يَبْتَلِيَ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ، لِيَظْهَرَ مِنْكُمْ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ سَرِيعٌ قَرِيبٌ، قِيلَ: هُوَ الْهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} قَالَ عَطَاءٌ: سَرِيعُ الْعِقَابِ لِأَعْدَائِهِ غَفُورٌ لِأَوْلِيَائِهِ رَحِيمٌ بِهِمْ.

الأعراف

سُورَةُ الْأَعْرَافِ {المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) } سورة الأعراف مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا إِلَّا خَمْسَ آيَاتٍ، أَوَّلُهَا "وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ التي كانت" 128/أ {المص} {كِتَابٌ} أَيْ: هَذَا كِتَابٌ، {أُنْزِلَ إِلَيْكَ} وَهُوَ الْقُرْآنُ، {فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ} قَالَ مُجَاهِدٌ: شَكٌّ، فَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: حَرَجٌ أَيْ ضِيقٌ، مَعْنَاهُ لَا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْإِبْلَاغِ وَتَأْدِيَةِ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، {لِتُنْذِرَ بِهِ} أَيْ: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ، {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أَيْ: عِظَةٌ لَهُمْ، وَهُوَ رَفْعٌ، مَرْدُودٌ عَلَى الْكِتَابِ. {اتَّبِعُوا} أَيْ: وَقُلْ لَهُمُ اتَّبِعُوا: {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} أَيْ: لَا تَتَّخِذُوا غَيْرَهُ أَوْلِيَاءَ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، {قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} تَتَّعِظُونَ، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: " يَتَذَكَّرُونَ " بِالْيَاءِ وَالتَّاءِ. {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} بِالْعَذَابِ، {وَكَمْ} لِلتَّكْثِيرِ وَ"رُبَّ" لِلتَّقْلِيلِ، {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا}

5

عَذَابُنَا، {بَيَاتًا} لَيْلًا {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} مِنَ الْقَيْلُولَةِ، تَقْدِيرُهُ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوْ نَهَارًا وَهُمْ قَائِلُونَ، أَيْ نَائِمُونَ ظَهِيرَةً، وَالْقَيْلُولَةُ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا وَهُمْ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ إِمَّا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَ"أَوْ" لِتَصْرِيفِ الْعَذَابِ، مَرَّةً لَيْلًا وَمَرَّةً نَهَارًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ لَيْلًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ نَهَارًا. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ مَجِيءُ الْبَأْسِ بَعْدَ الْهَلَاكِ؟ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: "أَهْلَكْنَا" أَيْ: حَكَمْنَا بِإِهْلَاكِهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا. وَقِيلَ: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا هُوَ بَيَانُ قَوْلِهِ "أَهْلَكْنَاهَا" مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَعْطَيْتَنِي فَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ، لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَحْسَنْتَ إِلَيَّ فَأَعْطَيْتَنِي، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بَدَلًا مِنَ الْآخَرِ. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) } {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} أَيْ: قَوْلُهُمْ وَدُعَاؤُهُمْ وَتَضَرُّعُهُمْ، وَالدَّعْوَى تَكُونُ بِمَعْنَى الِادِّعَاءِ وَبِمَعْنَى الدُّعَاءِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ الْعَرَبُ اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِحِ دَعْوَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ فِي دُعَائِهِمْ، {إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا} عَذَابُنَا، {إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} مَعْنَاهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَدِّ الْعَذَابِ، وَكَانَ حَاصِلَ أَمْرِهِمُ الِاعْتِرَافُ بِالْجِنَايَةِ حِينَ لَا يَنْفَعُ الِاعْتِرَافُ. {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} يَعْنِي: الْأُمَمَ عَنْ إِجَابَتِهِمُ الرُّسُلَ، وَهَذَا سُؤَالُ تَوْبِيخٍ لَا سُؤَالُ اسْتِعْلَامٍ، يَعْنِي: لَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا فِيمَا بَلَّغَتْهُمُ الرُّسُلُ، {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} عَنِ الْإِبْلَاغِ. {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ} أَيْ: لَنُخْبِرَنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ) . (الْجَاثِيَةِ، 29) ، {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} عَنِ الرُّسُلِ فِيمَا بَلَّغُوا، وَعَنِ الْأُمَمِ فِيمَا أَجَابُوا. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} يَعْنِي: يَوْمَ السُّؤَالِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَاهُ وَالْقَضَاءُ يَوْمَئِذٍ الْعَدْلُ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: أَرَادَ بِهِ وَزْنَ الْأَعْمَالِ بِالْمِيزَانِ، وَذَاكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْصِبُ مِيزَانًا لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ كُلُّ كِفَّةٍ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.

9

وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْوَزْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوزَنُ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ: وَرُوِّينَا: "أَنَّ رَجُلًا يُنْشَرُ عَلَيْهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، فَيُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ" (1) . وَقِيلَ: تُوزَنُ الْأَشْخَاصُ، وَرُوِّينَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ" (2) . وَقِيلَ: تُوزَنُ الْأَعْمَالُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيُؤْتَى بِالْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ عَلَى صُورَةٍ حَسَنَةٍ وَبِالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ عَلَى صُورَةٍ قَبِيحَةٍ فَتُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ، وَالْحِكْمَةُ فِي وَزْنِ الْأَعْمَالِ امْتِحَانُ اللَّهِ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي الْعُقْبَى، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قَالَ مُجَاهِدٌ: حَسَنَاتُهُ، {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) }

_ (1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله: 7 / 395-397، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، برقم (4300) : 2 / 1437، وصححه الحاكم: 1 / 6، وابن حبان ص (625) من الموارد، وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 213، والمصنف في شرح السنة: 15 / 134. (2) أخرجه البخاري في التفسير، باب "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم": 8 / 426، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفة القيامة والجنة والنار، برقم (2785) : 4 / 2147، والمصنف في شرح السنة: 15 / 143.

12

{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) } {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} يَجْحَدُونَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فِي وَصِيَّتِهِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ فِي الدُّنْيَا، وَثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحَقٌّ لِمِيزَانٍ يُوضَعُ فِيهِ الْحَقُّ غَدًا أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا وَإِنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ فِي

الدُّنْيَا، وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحَقٌّ لِمِيزَانٍ يُوضَعُ فِيهِ الْبَاطِلُ غَدًا أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ: "مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ" ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالْمِيزَانُ وَاحِدٌ؟ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ جَمْعًا وَمَعْنَاهُ وَاحِدٌ كَقَوْلِهِ: "يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ"، وَقِيلَ: لِكُلِّ عَبْدٍ مِيزَانٌ، وَقِيلَ: الْأَصْلُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ عَظِيمٌ، وَلِكُلِّ عَبْدٍ فِيهِ مِيزَانٌ مُعَلَّقٌ بِهِ، وَقِيلَ جَمَعَهُ: لِأَنَّ الْمِيزَانَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْكِفَّتَيْنِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَاللِّسَانِ، وَلَا يَتِمُّ الْوَزْنُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا. قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} أَيْ: مَكَّنَّاكُمْ وَالْمُرَادُ مِنَ التَّمْكِينِ التَّمْلِيكُ وَالْقُدْرَةُ، {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أَيْ: أَسْبَابًا تَعِيشُونَ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ مِنَ التِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ وَالْمَآكِلِ وَالْمُشَارِبِ وَالْمُعَايِشُ جَمْعُ الْمَعِيشَةِ، {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} فِيمَا صَنَعْتُ إِلَيْكُمْ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَلَقْنَاكُمْ، أَيْ: أُصُولَكُمْ وَآبَاءَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: أَمَّا "خَلَقْنَاكُمْ" فَآدَمُ، وَأَمَّا "صَوَّرْنَاكُمْ" فَذُرِّيَّتُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي خَلَقْنَاكُمْ: آدَمُ، ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَرِ فَفِي خَلْقِهِ خَلْقُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ، وَقِيلَ: خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ حِينَ أَخْرَجَكُمْ كَالذَّرِّ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَقَالَ يَمَانٌ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ صَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَأَصَابِعَهُ. وَقِيلَ: الْكُلُّ آدَمُ خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَ"ثُمَّ" بِمَعْنَى الْوَاوِ. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} فَإِنْ قِيلَ: الْأَمْرُ بِسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ بَنِي آدَمَ، فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ "ثُمَّ قُلْنَا" وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَلِلتَّرَاخِي؟ قِيلَ: عَلَى قَوْلِ مَنْ يَصْرِفُ الْخَلْقَ وَالتَّصْوِيرَ إِلَى آدَمَ وَحْدَهُ يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَصْرِفُهُ إِلَى الذُّرِّيَّةِ: فَعَنْهُ أَجْوِبَةٌ: أَحَدُهَا "ثُمَّ" بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ: وَقُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ، فَلَا تَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ. وَقِيلَ: أَرَادَ "ثُمَّ" أُخْبِرُكُمْ أَنَا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا. وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ، يَعْنِي: آدَمَ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ. قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَجَدُوا} يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ، {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} لِآدَمَ. {قَالَ} اللَّهُ تَعَالَى يَا إِبْلِيسُ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أَيْ: وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ

13

وَ"لَا" زَائِدَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يرجعون" 128/ب (الْأَنْبِيَاءِ، 95) . {قَالَ} إِبْلِيسُ مُجِيبًا {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} لِأَنَّكَ {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} وَالنَّارُ خَيْرٌ وَأَنْوَرُ مِنَ الطِّينِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ فَأَخْطَأَ الْقِيَاسَ، فَمَنْ قَاسَ الدِّينَ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ مَعَ إِبْلِيسَ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ إِلَّا بِالْقِيَاسِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: ظَنَّ الْخَبِيثُ أَنَّ النَّارَ خَيْرٌ مِنَ الطِّينِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْفَضْلَ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الْفَضْلَ، وَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الطِّينَ عَلَى النَّارِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّ مِنْ جَوْهَرِ الطِّينِ الرَّزَانَةُ وَالْوَقَارُ وَالْحِلْمُ وَالصَّبْرُ وَهُوَ الدَّاعِي لِآدَمَ بَعْدَ السَّعَادَةِ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّضَرُّعِ فَأَوْرَثَهُ الِاجْتِبَاءَ وَالتَّوْبَةَ وَالْهِدَايَةَ، وَمِنْ جَوْهَرِ النَّارِ الْخِفَّةُ وَالطَّيْشُ وَالْحِدَّةُ وَالِارْتِفَاعُ وَهُوَ ا